قال ابن جني: المكان: ما استقر فيه أو تصرف عليه. وإنما الظرف منه ما كان منهما غير مختص مما فل الفعل دلالة عليه، والمبهم: ما لم يكن له أقطار تحصره، ولا نهايات تحيط به نحو أمامك، ووراءك، وإزاءك، وتلقاءك. تقول: جلست عندك، وسرت أمامك ووراءك، وأنا قريبًا منك، وزيد دونك، ومحمد حيالك.
وتنصب هذا كله على أنه ظرف، والعامل فيه ما قبله من الأفعال المظهرة أو المقدرة، وكذلك ما أشبهه.
وكذلك: سرت فرسخًا، وشيعتك ميلًا، ولو قلت: سرت البصرة، وجلست الكوفة، لم يجز لأنهما مخصوصتان، وليس في الفعل دليل عليهما، فإن قلت: سرت إلى البصرة، وجلست في الكوفة، صحت المسألة، لأجل دخول «في» فيها.
_________________
(١) = الأول بتخصيصه بزمان معين. ولا يجوز تعديه الفعل إلى زمانين إلا إذا كان الثاني بدلًا من الأول. كقولك: سرت اليوم نصف النهار. (باب ظرف المكان) قال ابن الخباز: [المكان]: (ما استقر فيه وتصرف عليه)، والمكن فعال من التمكن، لأن الجسم يتمكن بحلوله فيه. وقوله: (ما استقر فيه) أي: ما وجد فيه الاستقرار وهو السكون من قوله تعالى: ﴿فلما رآه مستقرًا عنده﴾، أي: ساكنًا. وقوله: (وتصرف عليه) أي: وجدت فيه حركة واضطراب، ولعلماء الطبيعة في المكان مباحث، ومن الناس من أنكره، وكل جسم هو مفتقر إلى المكان، وليس =
[ ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المكان في الظرفية كالزمان، لأن أسماء الزمان كلها ظروف، وليست أسماء المكان كلها ظروف. وها هنا تقسيم يتبين به أمر المكان فنقول: إن المكان ثلاثة أقسام: الأول: المجهول القدر والصورة، كالجهات الست التي لابد لكل متحيز منها وهي: خلف، وأمام، وفوق، وتحت، ويمين، وشمال، فهذه ظروف، وذلك لأنها أشبهت الزمان من وجهين: الأول: أنها تنتقل، ألا ترى أن خلفك يكون أمامك، لأنه كان خلفك حين استدبرته، فصار أمامك حين استقبلته [كالزمان يكون مستقبلًا، والمستقبل] يصير حالًا، والحال يصير ماضيًا؟ . والوجه الثاني: أنها عامة، ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيد، تناول الزمان الماضي منذ خلق الله الدنيا إلى وقت حديثك؟ . القسم الثاني: ما كان معلوم القدر مجهول الصورة نحو: الفرسخ والميل / ٥٣/ب والبريد فهذا يكون ظرفً، لأنه أشبه الجهات الست في التنقل. الثالث: ما كان معلوم القدر والصورة، كالدار والمسجد، وهذا لا يكون ظرفًا، لأنه اسم لمكان مخصوص كزيد وعمرو، فكما لا تقول: جلست زيدًا، لا تقول: جلست المسجد، ونعود إلى الباب فنسوقه على ما ذكر. قوله: (والمبهم ما لم تكن له أقطار تحصره) مؤذن بأنه لا يريد بالمبهم النكرة، وإنما يرد به ما كان مجهول الصورة. والأقطار جمع قطر، يقال: قطر وقتر، والقطر جانب الشيء. وقوله: (مما في الفعل دلالة عليه) غير مستقيم، لأن الفعل لا يدل على المكان بالصيغة كما يدل على الزمان، ولذلك لم يكن كل أسماء المكان ظروفًا. وخلف الأكثر فيها الإعراب، وقد جاءت مبنية، أنشدني بعض الأدباء:
(٢) من خلف تطمح عنه عين ناظره والنصر يقدمه قدام قدام
[ ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقدام: مؤنثة، وهي فعال من التقدم، وهي اسم مفرد على هذا الوزن كطباق وجاءت مبنية، أنشد المبرد ﵀:
(٢) لعن الإله تعلة بن مسافر لعنا يشن عليه من قدام ووراء: مؤنثة، وجاءت مبنية أيضًا، وجاءت بمعنى أمام، وفي التنزيل: ﴿من ورائهم جهنم﴾ أي: فيما يستقبلونه. قال الشاعر:
(٣) إني وإن كان ابن عمي واغرًا لمقاذف من خلفه وورائه وعندك: جهة مبهمة تقول: زيد عندك، وفي أي جهة كان من جهاتك جاز فيها ثلاث لغات: ضم العين، وفتحها، وكسرها، ولها حكمان تخالفهما العامة: الأول: أنها لا تجر بغير من، وفي التنزيل: ﴿قل كان من عند الله﴾ ولا تقول: جئت إلى عندك. ٥٤/أالثاني: أنها لا تصغر، ويجري ذلك في لسان أهل الشام / كثيرًا. وسألت شيخنا ﵀ لم لم تصغر؟ فقال: لأن تصغير الظروف يفيد التعريف وعند مستغنية عنه. ودونك: تستعمل على وجهتين: اسم فعل في باب الإغراء، كقولك: دونك زيدًا، وظرف: وهي إما للمكان الحقيقي فتقول: زيد دونك، أي: مكانه أسفل من مكانك، أو للرتبة في الشيء كقولك: الناس دون الخليفة، أي: شرفهم دون شرفه، وتجر بمن كقوله تعالى: ﴿وادعوا من استطعتم من دون الله﴾. وتجيء دون غير ظرف، يقال: طعام دون، أي: رديء، وأنشد الجوهري: =
[ ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إذا ما علا المرء رام العلاء وبالدون يقنع من كان دونا وحيال الشيء: بمعنى حذائه، وياؤه مبدلة من الواو، لأنه فعال من التحول، وقبلك وبعدك: هما على حسب ما يضافان إليه. إن أضيفا إلى الزمان كانا زمانًا، كقولك: قدمت قبل، وأسافر بعد العصر، وإذا أضيفا إلى المصدر فهما زمانان أيضًا، كقولك: قمت قبل قيامك. قال الهذلي في إضافتها إلى الزمان:
(٢) يا قوم من لبلابل الصدر ولقاتل في ليلة النحر ولقبلها ما قد رمى أصلًا في مسجد الأحزاب في العصر وإن أضيفا إلى المكان فهما مكانان كقولك: داري قبل دارك وبعد المسجد. وإزاء وتلقاء: بمعنى حذاء، يقال: آريته، أي: حازيته، وهما متآزيان متحازيان، والعامة تقول: متوازيان، وفي التنزيل: ﴿وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار﴾ وتجيء تلقاء بمعنى لقاء، وأنشدوا:
(٣) أملت خيرك أن تدنوا مواعده فاليوم قصر عن تلقائك الأمل /أي: عن لقائك، فأقول: إن هذا يجوز أن يحمل على الجهة. ٥٤/ب وتجاه الشيء بمعنى حذائه أيضًا، وفيه أربع لغات: تجاه، وتجاه بضم التاء وكسرها، ووجاه، ووجاه بضم الواو وكسرها، حكاهن الجوهري. وقرب: في الأصل مصدر. وقريب: في الأصل صفة، وفي التنزيل: ﴿قل عسى =
[ ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أن يكون قريبًا﴾ فجعلا ظرفين، ولم يجعلا إلا ظرفي مكان، ومن مسائل الكتاب: إن قريبًا منك زيدًا، فهذا كقولك: إن عندك زيدًا. وصدد وصقب بمعنى قرب، يقال: صاقبه أي: قاربه، وفي الحديث: «الجار أحق بصقبه» أي: بقربه. ومن ظروف المكان: الفرسخ، والميل، والبريد، فالفرسخ: اثنتا عشرة ألف خطوة، والميل: ثلث الفرسخ، وهو أربعة آلاف خطوة. والبريد: أربعة فراسخ، وهو ثمانية وأربعون ألف خطوة، ومسافة قصر الصلاة في السفر أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا، وهي مائة ألف واثنان وتسعون ألف خطوة، فهذه الأسماء وما أشبهها تتعدى إليها الأفعال المتعدية وغير المتعدية، لأنها ظروف. وها هنا تقسيم: اعلم أن ناصب الظرف لا يخلو من أن يكون ثابتًا، أو محذوفًا، فالثابت: هو الأصل كقولك: سرت أمامك، وغدوت فرسخًا، والمحذوف نوعان: أحدهما: ما جرى ذكره فحذف للدلالة عليه، وذلك في السؤال، يقول القائل: متى سرت؟ فتقول: يوم الجمعة، وأين تجلس؟ فتقول: خلفك أي: سرت يوم الجمعة وجلست خلفك فتحذفه، لجري ذكره في السؤال، ويجوز إظهاره توكيدًا، وفي التنزيل: ﴿قال كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام﴾، والثاني: ما لم يجز له ذكر، وذلك في مواضع ٥٥/أخبر المبتدأ كقولك: زيد عندك، وأخبار كان وأخواتها /، وإن وأخواتها، وثاني مفعولي ظننت وأخواتها، وثالث مفعولي أعلمت وأخواتها في الأصل خبر مبتدأ. والحال كقولك: رأيت زيدًا عندك، إذا كان من رؤية العين، والصفة كقولك: مررت برجل أمامك. والصلة كقولنا: الذي خلفك زيد. والمقدرة في هذه المواضع كلها استقر، وحذف للعلم به، وظروف الزمان والمكان في ذلك فوضى، وما كان من الأمكنة المخصوصة كالبصرة والكوفة والدار =
[ ١٩٥ ]