قال ابن جني: اعلم أن كم تكون في الكلام على ضربين: أحدهما: الاستفهام، والآخر: الخبر، وهي اسم للعدد مبهم، فإذا كانت استفهامًا: نصبت النكرة التي يحسن فيها من على التمييز، وإذا كانت خبرًا، جرت تلك النكرة، تقول في الاستفهام: كم غلامًا لك؟ وكم درهمًا في كيسك؟ وتقول في الخبر: كم غلام قد ملكت، وكم دار قد دخلت، فإن فصلت بينها وبين النكرة التي تنجر في الخبر نصبتها، تقول: كم قد حصل لي غلامًا، وكم قد زادني رجلًا أردت كم غلام قد حصل لي، وكم رجل قد زارني، فلما فصلت بينهما نصبت النكرة، قال القطامي:
كم نالني منهم فضلًا على عدم إذ لا أكاد من الإقتر أحتمل
_________________
(١) = والجمع وذكرتها في التأنيث، فقلت: الزيدان عسى أن يقوما والزيدون عسى أن يقوموا وهند عسى أن تقوم والهندان عسى أن تقوما، والهندات عسى أن يقمن. وها هنا تقدير فتفطن له، إذا قلت: زيد عسى أن يقوم فجعلت في عسى ضميرًا كان الأصل عسى زيد أن يقوم. وإذا قلت: زيد عسى أن يقوم، فلم تجعل فيها ضميرًا كان الأصل عسى أن يقوم زيد. فإن قلت: فإن كانت عسى من عوامل المبتدأ والخبر فأين الاسم والخبر في قولك عسى أن يقوم زيد؟ قلت: لما كانت صلة أن فعلًا وفاعلًا أغنيا عن المجيء بالجزأين، وأقرب نظير له قوله تعالى: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ لأن حسبوا يقتضي مفعولين والفعل والفاعل الواقعان في صلة أن سدا مسدهما، وكذلك قوله تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ عند الزمخشري. (باب كم) قال ابن الخباز: لا خفاء في اسمية كم، لأنها تقع مبتدأ، ويدخلها حرف الجر
[ ٣٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تقول: كم مالك؟ وبكم رجل مررت؟ واختلف النحويون فيها، فذهب الكسائي إلى أنه مركبة أصلها كما فحذفت الألف وأسكنت الميم قال الشاعر:
(٢) يا أبا الأسود / كم أسلمتني لهموم طارقات وذكر ١٢٨/أ وذهب البصريون إلى أنها مفردة وهو الصحيح، لأن الإفراد هو الأصل، فمن ادعاه فقد تمسك بالأصل، ولأن قول الكوفيين يفضي إلى بقاء الاسم على حرف واحد وهي اسم لعدد مبهم، وفائدة وضعها الاختصار، لأنك إذا قلت في الاستفهام كم درهمًا في كيسك؟ أغناك هذا عن ذكر الأعداد قاطبة. وهي في الكلام على ضربين: استفهامية وخيرية، وهي مبنية في كلا وجهيها، وقد ذكرت ذلك فيما مضى، فإذا كانت استفهامية نصبت النكرة بعدها على التمييز تقول: كم درهمًا مالك؟ وكم ذراعًا ثوبك؟ لأنها في تقدير عدد منون أو فيه النون، كأنك قلت: أتسعة عشر ذراعًا ثوبك أم عشرون؟ وإذا كانت خبرية جرت النكرة كقولك: كم رجل عندي، وكم غلام لي، ومعناها التكثير. وهي نقيضة رب، لأن رب معناها التقليل، وإذا كانت خبرية جاز أن يكون مميزها مفردًا ومجموعًا، وقد مثلناهما، لأنها بمنزلة عدد مضاف، والعدد يضاف إلى الجمع كقولك: ثلاثة أثواب، وإلى المفرد كقولك: مائة ثوب. والقياس في الخبرية أن تبين بالواحد، لأنها عدد كثير فهي كالمائة والألف ولا يبنيان إلا بالواحد كقولك: مائة رجل وألف دينار.
[ ٣٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإذا كانت استفهامية لم يكن مميزها إلا مفردًا ولا يكون جمعًا فلا تقول: كم غلمانًا لك؟ كما لا ت قول: أعشرون غلمانًا لك؟ قال ابن السراج: وحكى الأخفش أن الكوفيين يجيزونه. وإذا فصلت بين الخبرية ومميزها نصبته لقبح الإضافة مع الفصل، تقول كم رجل زارني، وكم غلام حصل لي، فإذا فصلت فقلت: كم زارني رجلًا ١٢٨/ب وكم حصل لي غلامًا نصبت / قال القطامي:
(٢) كم نالني منهم فضلًا على عدم إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل أراد: كم فضل نالني، فلما فصل نصب.
[ ٣٩٩ ]
قال ابن جني: ومن العرب من ينصب بها بغير فصل قال الفرزدق /: ٤٠/أ
كم عمه لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت علي عشاري
يروى برفع العمة ونصبها وجرها، فمن جرها أو نصبها جعل كم خبرًا في لوجهين، وقد يجوز أن يكون من نصبها أراد الاستفهام بها، ومن رفع العمة فإنما سأل أو أخبر عن الحلبات أراد: كم حلبة، ورفع العمة بالابتداء، وجعل وله: «قد حلبت» خبرًا عنها.
واعلم أن كم اسم فتكون مرفوعة، ومنصوبة، ومجرورة، تقول في الرفع: كم مالك؟ فكم مرفوعة بالابتداء، ومالك خبر عنها، وتقول في النصب: كم إنسانًا ضربت؟ وفي الجر: بكم إنسان قد مررت؟ وتقول: بكم ثوبك مصبوغ؟ وإن شئت نصبت قلت: مصبوغًا فإذا رفعت جعلته خير ثوبك. وإذا نصبت جعلته الظرف خبرًا عن الثوب، ونصبت مصبوغًا على الحال، والظرف مع النصب متعلق بمحذوف، لأنه الخبر، وهو مع الرفع متعلق بنفس المصبوغ، وإذا رفعت مصبوغًا فالسؤال إنما هو عن ثمن المصبوغ، وإذا / نصبته فالسؤال إنما هو عن ثمن الثوب ٤٠٠/ب
_________________
(١) قال ابن الخباز: وها هنا شيء ينبغي أن تتفطن له اعلم أن قولنا: كم زارني رجلًا ليس بمغن عن قولنا كم رجل زارني بجر رجل. لأن الفصل بين المضاف والمضاف إليه لا يجوز إلا في الشعر بالظرف وحرف الجر كقولك عمرو بن قميئة:
(٢) لما رأت ساتيدما استعبرت لله در اليوم من لامها
[ ٤٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أي: لله در من لامها اليوم، والفصل بحرف الجر كقول ذي الرمة:
(٢) كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج أراد: كأن أصوات أواخر الميس، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون قولنا: كم زارني رجلًا، أصله: كم رجلًا زارني بالنصب، لأن الفصل بين الناصب والمنصوب يقع كثيرًا والذي سوغ هذا التقدير أن من العرب من يقول: كم رجلًا زارني، فينصب بها النكرة من غير فصل. قال الفرزدق:
(٣) كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت علي عشاري الفدع: استرخاء الرسغ، والعشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي أتى عليها من حملها عشرة أشهر. والبيت يروى برفع العمة ونصبها وجرها، فالرفع بالابتدء وساغ الابتداء بالنكرة، لأنها وصفت بقوله: «لك» «وقد حلبت» هو الخبر، فإذا رفعت جاز أن تكون كم استفهامية وخبرية، فإن كانت استفهامية فهو يسأل عن الحلبات تهكمًا واستهزاء، وإن كانت خبرية فهو يخبر عن العمة بالحلب، وإذا نصبت جاز أن تكون استفهامية وخبرية، فإن كانت استفهامية فالسؤال عن العمات
[ ٤٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والخالات وإن كانت خبرية فالتكثير / للعمات والحالات وهو في الاستفهام متهكم، ١٢٩/أوإذا جررت لم تكن إلا خبرية، لأن الاستفهامية لا تجر مميزها. واختلف النحويون في جر النكرة بعد «كم»، فقال الأكثرون: إنه بها، لأنها مضافة إليها، وقال الخليل: إنه بمن مضمرة، لأنه قد كثر استعمالها بعدها وفي التنزيل: ﴿وكم من قرية﴾، ﴿وكم من ملك﴾ وقال الشاعر:
(٢) وكم من لئيم ودني وشتمته وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم فأضمرت لأن موضعها معلوم. واعلم أن كم اسم تكون في كلا موضعيها مرفوعة ومنصوبة ومجرورة فالاستفهامية المرفوعة: كقولك: كم غلامًا لك؟ والمنصوبة: كقولك: كم رجلًا ضربت؟ والمجرورة: كقولك: بكم إنسانًا مررت؟ ويجوز جر إنسان وإن كانت استفهامية، لأن الباء سدت مسد من المضمرة، والنصب أجود. والخبرية المرفوعة كقولك: كم غلام لي، والمنصوبة كقولك: كم عبد ملكت. والمجرورة كقولك: إلى كم بلد سافرت. وإذا أردت أن تعلم ما موضعها من الإعراب وضعت مكانها العدد، لأنه معرب فيتبين إعرابها المحكوم به عليها، تقول: أعشرون غلامًا لك أم ثلاثون؟ وأأربعين رجلًا ضربت أم خمسين؟ وأبستين إنسانًا مررت أو بسبعين؟ وكذلك الخبر، إذا وضعت العدد في موضع كم معه، والله أعلم.
[ ٤٠٢ ]