قال ابن جني: اعلم أن لا تنصب النكرة بغير تنوين ما دامت تليها، وتبنى معها على الفتح كخمسة عشر تقول: لا رجل في الدار، ولا غلام لك، ولا جارية لك. فإن فصلت بينهما بطل عملها تقول: لا لك غلام ولا عندك جارية.
فإن عطفت وكررت «لا» جاز لك فيه عدة أوجه. تقول: لا حول ولا ١٣/ب قوة إلا بالله / قال الله ﷿: ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ ويجوز: لا حول ولا قوة إلا بالله: قال الشاعر:
لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع
ويجوز: «لا حول ولا قوة إلا بالله». قال الشاعر:
وما هجرتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جمل
ويجوز: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال الشاعر:
هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
_________________
(١) (باب لا في النفي) قال ابن الخباز: إنما قال: (في النفي) لأن للا في الكلام ثلاثة مواضع: الزيادة: كقوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ وهذه غير عاملة. والنهي: كقوله تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾ وهذه ٤١/أتعمل الجزم وسنذكر/ علته. والنفي: وهي فيه عاملة وغير عاملة فالعاملة قسمان: عاملة عمل ليس: كقولهم: لا رجل أفضل منكو وعاملة عمل إن: كقولهم: لا رجل أفضل منك وقد ذكرنا شبهها بإن. وقوله: (اعلم أن «لا» تنصب النكرة بغير تنوين ما دامت تليها، وتبنى معها على الفتح كخمسة عشر): يعطي ظاهرة مناقضة، لأنه سمى عمل «لا» نصبًا وبناءً والنصب من ألقاب الإعراب.
[ ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واختلف النحويون في النكرة المفتوحة المفردة بعد «لا» كقولنا: لا رجل في الدار، ولا غلام لك، فذهب أبو إسحاق الزجاج وأبو سعيد السيرافي والكوفيون إلى أنها معربة منصوبة بغير تنوين، وزعم أبو سعيد أنه مذهب سيبويه والظاهر معه، لأن سيبويه قال: «هذا باب النفي بلا: ولا تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين» وترك التنوين لما تعمل فيه لازم، وحجة هذا القول أن «لا» عاملة في النكرة، فلو كانت حركتها بناء، لكان العامل قد عمل في المعمول البناء، وليس في العربية معمول بني مع عامل. وأما ترك التنوين فلثلاثة أوجه" أحدها: أن «لا» لا يُفصل بينها وبين معمولها فجريا مجرى الاسم المركب فترك التنوين تخفيفًا. الثاني: أن «لا» ضعيفة جدًا، لأنها فرع فرع فلم ينون اسمها. الثالث: أن ترك التنوين إيذان بالتركيب مع «لا» لأنه لو أثبت لجاز أن يتوهم أن النصب بفعل محذوف كقولك: وعدتني بدرهم ودينار فلا درهم ولا دينار. وذهب جمهور البصريين إلى أن النكرة مبنية: وحجتهم في ذلك أنها تضمنت معنى الحرف، فبنيت كأمس، وبيانه أنك إذا قلت: «لا رجل في الدار» فأصله لا من رجل في الدار، فحذفت «من» وضمنت النكرة معناها، فبنيت. وإنما قلنا ذلك، لأن هذا نفي عام / وهو جواب لمن قال: هل من رجل في الدار وإنما قلنا: إنه جواب له لأنه إخبار، فكل إخبار يصح أن يكون جوابًا عن مسألة، وإنما بنيت على الحركة، لأن بناءها عارض، وإنما كانت فتحة لأنها أخف الحركات ولطول الكلام بالتركيب. وأما تشبيهه بخمسة عشر قلعتين: إحداهما: أن بناء الاسم الثاني من خمسة عشر حدث بالتركيب كبناء النكرة المركبة مع «لا». والثاني: أن أصل خمسة =
[ ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عشر خمسة وعشرة [فحذف] حرف العطف مع الاسم الثاني، وقد تضمن معناه، كما أن من مقدرة مع النكرة وقد تضمنت معناه. فإن فصلت بين النكرة و«لا» بطل عملها، كقولك: لا لك غلام ولا عندك جارية ويجب التكرير كقوله تعالى: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾. أما بطلان العمل: فلما بينا من ضعفها، فلم تبلغ أن تعمل مع الفصل، وإن تعمل مع الفصل كقولك: إن فيها زيدًا، لأنها تشبه الفعل الصريح. وأما وجوب التكرير: فإنه جواب لسؤال مكرر كأن قائلًا قال: أله غلام أم جارية؟ فقلت: لا له غلام ولا جارية. وإذا دخلت على المعرفة لا تعمل، لأنها لا يصح أن تنفي نفيًا عامًا لخصوصيتها ويجب التكرير أيضًا لأنه جواب لسؤال مكرر في التقدير تقول: لا زيد فيها ولا عمرو، قال أبو ذؤيب:
(٢) هنالك لا إتلاف مالي ضرني ولا وارثي إن ثمر المال حامدي ويجوز للشاعر ترك التكرير، وهو ضرورة كقوله:
(٣) فلا أنا منه ما أفاد ذو والغنى أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي ٤٢/أفإن عطفت وكررت «لا» جازت لك فيه خمسة أوجه: الوجه / الأول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» تفتحهما غير منونين، قال الله ﷿: ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾. وقال: (لا بيع فيه ولا خلال). وقد ذكرنا الخلاف في الفتحة. الوجه الثاني: لا حول ولا قوة إلا بالله، فتفتح الأول بغير تنوين، وتفتح الثاني =
[ ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بتنوين، وعليه قول الشاعر:
(٢) لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع قال أبو سعيد السيرافي: «ويروى: اتسع الفتق على الراتق» والأول من قصيدة عينية، والثاني من قصيدة قافية. واختلف النحويون في تنوين خلة، فمن قال: إن اسم لا معرب، جعل التنوين للضرورة، لأن «لا» تنصب عنده بغير تنوين، ويحكى عن يونس. ومن قال: إن اسم «لا» مبني على الفتح، نصب الثاني حملًا على لفظ الأول كما تقولك يا زيد العاقل، فترفعه حملًا على لفظ زيد. الوجه الثالث: لا حول ولا قوة إلا بالله برفعهما وهما مبتدآن، ويجوز أن تكون «لا» فيهما بمعنى ليس، والخبر في الحالين محذوف، فإن جعلتهما مبتدأين وجب التكرير، وإن جعلت «لا» بمعنى ليس لم يجب، وقرئ: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ وقال الراعي النميري:
(٣) وما هجرتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جمل ويروى: * وما صرمتك حتى قلت *
[ ١٦٠ ]
قال ابن جني: ويجوز: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال الشاعر:
فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا به أبدًا مقيم
ويجوز: لا غلام وجارية لك بالتنوين لا غير. قال الشاعر:
فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
فإن وصفت اسم «لا» كانت لك فيه ثلاثة أوجه: النصب بالتنوين، تقول: لا رجل ظريفًا عندك، وبغير تنوين، تقول: لا رجل ظريف عندك، والرفع بالتنوين لا غير، تقول: لا غلام ظريف عندك، وتثنى بالنون، فتقول: لا غلامين ولا جاريتين عندك.
وتقول: لا رجل أفضل منك، ترفع أفضل، لأنه خبر «لا» كما يرتفع خبر إن.
_________________
(١) = وشطر البيت الأخير مثل ذكره الميداني. الوجه الرابع: لا حول ولا قوة إلا بالله بفتح لام الأول بلا تنوين، وترفع الثاني، قال الشارع:
(٢) وإذا تكون شديدة أدعى لها وإذا يحاس الحيس تدعى جندب هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب وأنشدت ما قبله ليعلم أن القوافي مرفوعة.
(٣) ب قال ابن الخباز: ولك في رفع أب وجهان / أحدهما: أن تجعله مبتدأ وقد رفعت ما بعد «لا» من غير تكرير. والثاني: أن تجعلها بمعنى ليس. الوجه الخامس: لا حول ولا قوة إلا بالله، ترفع الأول وتفتح الثاني بلا تنوين، =
[ ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال أمية بن أبي الصلت:
(٢) فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا به أبدًا مقيم الضمير من قوله: «فيها» يعود إلى الجنة. وقوله: «وما فاهوا» أي: وما نطقوا أي: ما أخبروا به من النعيم والخلود باق، فرفع لغو على الوجهين في رافع أب وفتح تأثيم قد ذكر في أول الباب. وإن لم تتكرر «لا» جاز لك فيه وجهان: نصب المعطوف ورفعه، تقول: لا غلام وجارية لك، ولا غلام وجارية لك، فالنصب حمل على اللفظ والرفع بالابتداء قال الفرزدق:
(٣) فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا فإن وصفت اسم «لا» كانت لك فيه ثلاثة أوجه: أحدها: النصب بالتنوين تقول: لا رجل ظريفًا عندك، وإنما نونته لأن اسم «لا» إن كان معربًا فمنع التنوين لتركيبه مع «لا» وإن كان مبنيًا فبناؤه لتضمن معنى «من» وكلا الأمرين ليسا في صفته. الثاني: الفتح بغير تنوين تقول: لا رجل ظريف عندك، واستضعفه أبو إسحاق الزجاجي وقال: فيه نظر. وذكر أبو سعيد له تأويلين: أحدهما: أنهم ركبوا =
[ ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رجلًا وظريفًا وأدخلوا بعد ذلك «لا». والثاني: أن ظريفًا منع التنوين لمشاكلة رجل، لأنه صفته، وهو هو في المعنى. الثالث: الرفع تقول: لا رجل ظريف عندك، وهو صفة محمولة على محل (اسم) «لا» مع النفي. فإن قيل: لم تجيزوا إن زيدًا الظريف عندك يرفع الظريف حملا على الموضع ٤٣/أ (و) أجزتم / لا رجل ظريف عندك حملًا عليه. فما الفرق بينهما؟ فقد قال أبو سعيد: إن المبتدأ والخبر قبل أن تعمل فيهما «لا» منفيان بها، وكذلك بعد عملها، ألا ترى أنك إذا قلت: لا رجل في الدار، أصله لا في الدار رجل، وإن وأخواتها يغيرن المبتدأ والخبر، ولا يوجدن معهما إلا علامات. (و) تثني بالنون فتقول: لا غلامين لك ولا جاريتين عندك، وكذلك إذا جمعت أثبت النون فتقول: لا بنين لك، ولا مسلمين عندك. وإنما أثبت النون في المثنى والمجموع ولا يثبت التنوين في الواحد، لأن النون قوية بحركتها، والتنوين ضعيف، ألا ترى أنك تقول: الرجلان والرجل فتثبتها وتحذفه؟ . واختلف النحويون في المثنى والمجموع المنفيين «بلا»، فذهب الخليل وسيبويه إلى أنهما مبنيان، لأن تضمن معنى الحرف قائم بهما قيامه في المفرد و(ذهب) أبو إسحاق إلى أنهما مبنيان قبل دخول «لا» فلم يؤثر فيهما دخولها شيئًا، وذهب المبرد إلى أنهما معربان، وحجته أنه ليس في كلام العرب =
[ ١٦٣ ]