قال ابن جني: وهو كل ما دخل على الاسم والفعل جميعًا، وذلك نحو: إنما، وكأنما، ولكنما، وليتما، ولعلما، وإذ، وإذا، وهل، وهمزة الاستفهام، وجميع الظروف المستفهم بها إذا كانت ملغاة. غير مستقرات، تقول: إنما قام زيد، وإنما زيد أخوك، وكأنما أخوك الأسد، ولعلما أنت حالم.
وأما «ليتما» خاصة: فإن جعلت، ما فيها كافة بطل عملها، وإن جعلتها زائدة للتوكيد لم يتغير نصبها، تقول: ليتما أخوك قائم، وإن شئت: ليتما أخاك قائم، وينشد بيت النابغة على وجهين بالرفع والنصب:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه فقد
وتقول: قمت إذ زيد جالس، وأقوم إذا قعد محمد، وتقول: أين زيد قائم وقائمًا؟ وكيف زيد جالس وجالسًا؟ إن جعلت «أين وكيف» لغوًا رفعت الخبر، وإن علقتهما بمحذوف وجعلتهما مستقرًا نصبت قائمًا وجالسًا على الحال بهما.
_________________
(١) (باب ما يدخل على الكلام فلا يغيره) قال ابن الخباز: وهو كل ما دخل على الجملتين: الاسمية والفعلية، فمن ذلك: إن وأخواتها إذا كفت بما، فإنها تعزلها عن العمل، وتلي الجملتين، وذلك لأنها ركبت مع «ما» وتغير معناها بالتركيب، فزال عنها شبه الفعل، وفي التنزيل: ﴿إنما الله إله واحد﴾ ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾ وقال تعالى: ﴿إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ وقال ساعدة:
(٢) ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد
[ ٥٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال تعالى: ﴿كأنما يساقون إلى الموت﴾، وقال الشاعر:
(٢) تحلل وعالج ذات نفسك وانظرن أبا جعل لعلما أنت حالم وأما «ليتما» فيجوز أن تجعل فيها «ما» كافة، فترفع ما بعدها، تقول: ليتما زيد قائم وينشد بيت النابغة على وجهين وهو:
(٣) قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه فقد يروى: «الحمام ونصفه» بالرفع والنصب، فالرفع من وجهين: أحدهما: أن تكون «ما» بمعنى الذي والعائد محذوف، أي ليتما هو هذا الحمام. والثاني: أن تكون كافة، وهذا مبتدأ والحمام صفته، ولنا خبره، ونصفه معطوف على «هذا» والنصب على أن تكون «ما» زائدة، فيكون «هذا» في موضع نسب و«الحمام» صفته، ونصفه معطوف، وهذا البيت مضمن كلامًا قالته زرقاء اليمامة، فكانت توصف بجودة النظر، وذلك أنه كانت لها حماة فرأت سرب حمام طائر بين جبل، فقالت:
(٤) ليت الحمام ليه إلى حماميته ونصفه قديه تم الحمام ميه وهذه مسألة حاسبية تخرج بالمجهول، وهو أن يقال: أي عدد إذا زدنا عله نصفه وواحدًا بلغ مائة، فالجواب أن نجعل العدد شيئًا، ويزاد عليه نصف شيء وواحد، فيصير شيء/ ونصف شيء وواحد يعدل مائة، فألق واحدًا من الجانبين لأنه مشترك
[ ٥٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يبقى شيء ونصف شيء يعدل تسعة وتسعين، فالشيء يعدل ستةوستين، وهذا كان عدد الحمام، ألا ترى أن النابغة قال:
(٢) فحسبوه فألفوه كما وجدت تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد فكملت مائة فيها حمامتها وأسرعت حسبه في ذلك العدد وأما «هل والهمزة»: فقد ذكرناهما، وأما «إذ»: فإنها تضاف إلى الجملتين قال الله ﷿: ﴿إذ دخلو على داود﴾ وقال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ والأصل إضافتها إلى الفعل الماضي، لأنها ظرف لما مضى، وإضافتها إلى المضارع توسع في الكلام، قال الشاعر:
(٣) بلاد بها كنا وكنا نحبها إذ الناس ناس والبلاد بلاد وأما «إذا»: فلا تضاف إلى الاسمية، لأنها لما كانت للمستقبل جرت مجرى أدوات الشرط ويدلك على تمكنها في طلب الفعل أن من العرب من يحزم بها، قال الفرزدق أنشده الضميري:
(٤) فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم وكان إذا ما يسلل السيف يضرب وأما «هل الهمزة»: فقد ذكرناهما في بابهما، وإذا دخلتا على الجملة غيرتا معناها من الخبر إلى الاستفهام، لأنهما تدلان عليه.
[ ٥٨٨ ]
قال ابن جني: فإذا قلت: متى زيد قائم، رفعت قائمًا ألبتة، لأن متى ظرف زمان، وظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث.
ولكن لو قلت: متى انطلاقك سريع وسريعًا؟ فرفعت أو نصبت، كان مستقيمًا، لأن الانطلاق حدث، وظروف/ الزمان تكون أخبارًا عن الأحداث.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وأما الظروف المستفهم بها في خمسة: «متى، وأين، وأيان، وأني، وكيف»، تقول: متى قمت؟ (وأيام انطلقت؟ فمتى) «وأيان» منصوبان بما بعدهما، وتقول: كيف تصنع؟ فكيف في موضع نصب على الحالو وتقولك متى قيامك؟ وأيان انطلاقك؟ لأنهما زمانان، وتبتدئ معهما الأحداث، والزمان/ بمنزلة المصدر بعدهما، وفي التنزيل: ﴿يسألون أيان يوم الدين﴾ وتقول: كيف زيد؟ وكيف قيامك، لأن العين والمعنى يجوز السؤال عن صفتهما، وتقول: متى زيد قائم؟ وأيان عمرو جالس؟ فلا يجوز في قائم وجالس إلا الرفع، لأنك لو نصبتهما على الحال لجعلت «متى وأيان» خبرًا عن الجملة، وذلك لا يجوز، كما لا يجوز زيد يوم الجمعة قائمًا، وتقول: متى انطلاقك سريعًا وسريع، فالرفع على أن يكون خبر مبتدأ، وهو العامل في «متى». والنصب على الحال وهو على وجهين: أحدهما: أن يكون انطلاق مبتدأ ومتى خبره، وهو العامل في الحال، كما تقول: انطلاقك غدًا معجبًا لزيد. والثاني: أن يكون حالًا من الكاف في انطلاقك، لأنهما في موضع رفع بأنها فاعلة للمصدر المضاف إليها. وتقول: أين زيد جالس وجالسًا، وكيف زيد صانع وصانعًا. فالرفع على أن يكون خبر مبتدأ، وهو العامل في «أن وكيف» والنصب على الحال والعامل فيها الاستقرار المقدر، والفرق بين الرفع والنصب: أنه إذا قال: أين زيد جالس، فرفع، فالسؤال عن موضع الجلوس، وإذا نصب، فالسؤال عن الموضع الذي استقر فيه زيد في حال جلوسه. وإذا قال: متى انطلاقك سريع، فرفع (فالسؤول عن زمان سرعة الانطلاق، وإذا نصب) فالسؤال عن زمان الانطلاق
[ ٥٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في حال سرعته. وإذا قال: كيف زيد صانع، فرفع فالسؤال عن صنع زيد، وإذا نصب فالسؤال عن الحال التي استقرت لزيد في حال صنعه. ومعنى قوله: (إذا كن ملغيات غير مستقرات): فاعلم أن الظرف أو حرف الجر، إذا كان خبرًا عن المبتدأ سمي مستقرًا، كقولك: / زيد عندك وعبد الله في الدار، لأنه إخبار بالاستقرار، وقد كثر ذلك في عبارة سيبويه. وخبر كان وخبر إن والمفعول الثاني لظننت والمفعول الثالث لأعلمت، إذا كان ظرفًا أو حرف جر يجري هذا المجرى في تسميته مستقرًا، وإذا لم يكن خبرًا سمي لغوًا وملغى، كقولك زيد في الدار قائم فالخبر قائم، وفي الدار فضلة، ولذلك سمى لغوًا، لأنه ليس أحد جزأي الجملة. تقول في الأسماء المستفهم بها مما ليس بظرف: من أنت ضارب؟ ومن أنت ضاربًا؟ فإذا رفعت كان «من» مفعولًا، كأنك قلت: أي رجل أنت ضارب؟ وإذا نصبت كان حالًا، و«من» مبتدأ، وهو استفهام، إما إعظامًا، وإما احتقارًا، وتقول: كم قومك ذاهبون وذاهبين؟ إن رفعت كان خبر، وإن نصبت كان حالًا، والسؤال مع الرفع عن مرار الذهاب، والسؤال مع النصب عن عدد القوم. وتقول: كم أخوك ذاهبان بالرفع لا غير، ولا يجوز النصب، لأن الشعبة معلومة العدد. والله أعلم.
[ ٥٩٠ ]