(الفاعل)
الفاعلُ هو المُسَندُ إليه بعد فعلٍ تام معلوم أو شِبْههِ، نحو "فاز المجتهدُ" و"السابقُ فَرسُهُ فائزٌ".
(فالمجتهد اسند إلى الفعل التام المعلوم، وهو "فاز" والفرس اسند إلى شبه الفعل التام المعلوم، وهو "السابق" فكلاهما فاعل لما أسند إليه) .
والمرادُ بشبه الفعلِ المعلومِ اسمُ الفاعل، والمصدرُ. واسمُ التفضيل، والصفةُ المُشبَّهة، ومبالغة اسم الفاعلِ، واسمُ الفعلِ. فهي كلُّها ترفعُ الفاعلَ كالفعل المعلوم. ومنهُ الاسم المستعار، نحو "أكرِمْ رجلا مِسكًا خُلُقُه".
[ ٢ / ٢٣٣ ]
(فخلقه فاعل لمسك مرفوع به، لأن الاسم المستعارة في تأويل شبه الفعل المعلوم والتقدير "صاحب رجلا كالمسك" وتأويل قولك "رأيت رجلا أسدًا غلامه" "رأَيت رجلا جريئًا غلامه كالأسد") .
وفي هذا الفصل خمسة مباحث
(١) أحكام الفاعل
للفاعل سبعةُ أحكامٍ
(١) وجوبُ رفعه. وقد يُجَرُّ لفظًا بإضافته إلى المصدر، نحو "إكرام المرءِ أباهُ فرضٌ عليه"، أو إلى اسم المصدر، نحو "سَلمْ على الفقيرِ سلامَكَ على الغني"، وكحديثِ "من قُبلة الرجلِ امرأتَهُ الوُضوءُ". او بالباءِ، او من، او اللاّمِ الزَّائداتِ. نحو ﴿ما جاءَنا من أحدٍ، وكفي بالله شهيدًا، وهَيهات هيهاتَ لما توعَدون﴾ .
(٢) وجوبُ وقوعهِ بعدَ المُسندِ، فإن تقدَّمَ ما هو فاعلٌ في المعنى كان الفاعلُ ضميرًا مستترًا يعود إليه، نحو "عليٌّ قامَ".
(والمقدم إما مبتدأ كما في المثال، والجملة بعده خبره، وإما مفعول
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لما قبله نحو "رأيت عليًا يفعل الخير" وإما فاعل لفعل محذوف، نحو "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره، فأحد فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور.
وأجازالكوفيون تقديم الفاعل على المسند إليه. فأجازوا أن يكون "زهير" في قولك "زهير قام" فاعلا لجاء مقدمًا عليه. ومنع البصريون ذلك. وجعلوا المقدم المبتدأ خبره الجملة بعده. كما تقدم. وتظهر ثمرة الخلاف بين الفريقين في أنه يجوز أن يقال، على رأي الكوفيين "الرجال جاء" على أن الرجال فاعل لجاء مقدم عليه. وأما البصريون فلم يجيزوا هذا التعبير. بل أوجبوا أن يقال "الرجال جاءوا". على أن الرجال مبتدأ، خبره جملة جاءوا، من الفعل وفاعله الضمير البارز. والحق أن ما ذهب إليه البصريون هو الحق وقد تمسك الكوفيون بقول الزباء [من الرجز]
ما للجمال مشيها وئيدا؟ أجندلا يحملن أم حديدا؟
فقالوا لا يجوز أن يكون "مشيها" مبتدأ، لأنه يكون بلا خبر، لأن "وئيدًا" منصوب على الحال. فوجب أن يكون فاعلا لوئيدًا مقدمًا عليه. وقال البصريون أنه ضرورة. أو إنه مبتدأ محذوف الخبر، وقد سدت الحال مسده. أي ما للجمال مشيها يبدو وئيدًا. على انه لا حاجة إلى ذلك. فهذا البيت على فرض صحة الاستشهاد به، شاذ يذوب في بحر غيره من كلام العرب.
ونرى أن الاستشهاد به لا يجوز، لأن الزباء هذه مشكوك في كثير من أخبارها. ثم انها لم تنشأ في بيئة يصح الاستشهاد بكلام اهلها. فانها من أهل "باجرما" وهي قرية من اعمال البليخ، قرب الرقة، من أرض الجزيرة، جزيرة "اقور"، التي بين الفرات ودجلة، وهي مجاورة لديار الشام.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
والعلماء لا يستشهدون بكلام الفصحاء المجاورين لجزيرة العرب. فكيف يصح الاستشهاد بكلام امرأة من اهل جزيرة "اقور"؟ وقد قالوا إنها كانت ملكة الجزيرة، وكانت تتكلم بالعربية. راجع ترجمتها في شرح الشواهد للعيني، في شرح الشواهد الفاعل. وفي مجمع الأمثال للميداني في شرح المثل "ببقةً صرم الرأي". وذكر في جمهرة الأمثال هذه أنها كانت على الشام والجزيرة من قبل الروم. وفي القاموس وشرحه للزبيدي أن الزباء اسم الملكة الرومية، تمد وتقصر، وهي ملكة الجزيرة، وتعد من ملوك الطوائف وهي بنت عمرو بن الظرب أحد أشراف العرب وحكمائهم، خدعه جذيمة الأبرش، وأخذ عليه ملكه وقتله، وقامت هي بأخذ ثأره في قصة مشهورة مشتملة على أمثال كثيرة.
نقول وان تاريخ الزباء يشبه تاريخ زنوبيا، التي يذكرها الروم في اخبارهم ويرجح العلماء انها هي. ويراجع الكلام على "باجرما" مو "جزيرة اقور" في معجم البلدان) .
(٣) انه لا بُدَّ منه في الكلام. فإن ظهرَ في اللفظ فذاك. وإلاّ فهو ضمير راجعٌ إما لمذكور، نحو "المتجهدُ ينجحُ" أو لما دل عليه الفعلُ، كحديثِ "لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ. ولا يشربُ الخمرةَ حين يشربُها وهو مؤمن". او لما دلَّ عليه الكلامُ، كقولك في جواب هل جاءَ سليمٌ؟ "نَعَمْ جاءَ". أو لما دلَّ عليه المقامُ، نحو ﴿كلاّ إذا بَلغت التراقيَ﴾، وقول الشاعر [من الطويل]
[ ٢ / ٢٣٦ ]
إذا ما أَعرْنا سَيِّدًا من قَبيلةٍ ذُرا مِنْبرٍ صَلى عَلينا وسَلَّما
إذا ما غَضِبْنا غَضْبةً مُضَرِيَّةً هَتكنا حِجابَ الشَّمْس، أو قَطَرَتْ دَما
أو لما دَلَّت عليه الحالُ المُشاهَدةُ، نحو "إن كانَ غدًا فائتني". وقول الشاعر [من الطويل]
إذا كان لا يُرضيكَ حتى تَرُدَّني إلى قَطَريٍّ، لا إخالُكَ راضيا
(٤) أنه يكون في الكلام وفعلهُ محذوف لقرينة دالة عليه كأن يُجابَ به نفيٌ، نحو (بلى سعيدٌ) في جواب من قال (ما جاء أحدٌ)، ومنه قولُ الشاعر [من الطويل]
تَجلَّدْتُ، حتى قيلَ لم يَعْرُ قلبَهُ من الوجْدِ شيءٌ، قُلْتُ بلْ أعظمُ الْوَجْدِ
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أواستفهامٌ، نقول (مَنْ سافرَ؟) فيقال "سعيدٌ"، وتقول (هل جاءك أحدٌ؟)، فيقال (نعمْ خليلٌ)، قال تعالى ﴿لَئِن سألتَهم من خلقَهم؟ ليقولَنَّ الله﴾ . وقد يكون الاستفهام مقدرًا كقوله تعالى ﴿يسبِّح له فيها بالغُدُوَّ والآصال، رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله﴾، في قراءة من قرأ (يُسبَّح) مجهولًا، ومنه قول الشاعر [من الطويل]
ليُبْكَ يَزيدُ، ضارعٌ لِخصُومَةٍ ومختَبِطٌ مما تُطيحُ الطَّوائحُ
ومما جاء فيه حذفُ الفعل، مع بقاءِ فاعله، كل اسمٍ مرفوعٍ بعد أداةٍ خاصةٍ بالفعل، والحذفُ في ذلك واجبٌ، نحو ﴿وإن أحد من المشركين استجارك، فأجِرهُ حتى يسمع كلامَ الله، ثم أبلغْه مأمنَه﴾ ونحو ﴿إذا السماءُ انشقَّت﴾، ومنه المثلثُ (لوْ ذاتُ سِوارٍ لطمتني)، وقول امرئ القيس [من الطويل]
إذا المرءُ لم يخزُن عليْه لسانهُ فَلَيْسَ عل شَيءٍ سِواهُ بخزَّانِ
وقول السموأل [من الطويل]
إذا المرءُ لم يدْنَس من اللؤْمِ عرضُهُ فكلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فكل من "أحد والسماءِ وذات والمرء" فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده.
(٥) أنَّ الفعلَ يجبُ أن يبقى معه بصيغة الواحد، وإن كان مثنَّى أو مجموعًا، فكما تقولُ "اجتهد التلميذُ"، فكذلك تقول "اجتهدَ التلميذان، واجتهد التلاميذُ" إلا على لغةٍ ضعيفة لبعض العرب، فيطابق فيها الفعل الفاعِلَ. فيقال على هذه اللغة أكرماني صاحباك، وأكرموني أصحابك، ومنه قول الشاعر [من مجزوء الكامل]
نُتِجَ الربيعُ مَحاسِنًا أَلقَحنها غُرُّ السَّحائِبْ
وقول الآخر [من الطويل]
تَولّى قِتال المارقينَ بنفسِه وقد أَسلماهُ مُبْعِدٌ وحَميمٌ
وما ورد من ذلك في فصيح الكلام، فيُعربُ الظاهرُ بدلًا من المُضمَرِ، وعليه قوله تعالى ﴿وأسرُّوا النّجوى، الذين ظلموا﴾ . أو يعرَب الظاهرُ مبتدأ، والجملة قبله خبرٌ مقدّمٌ. أو يُعرَبُ فاعلًا لفعل محذوف. فكأنه قيل - بعد قوله "وأسرُّوا النّجوى" - من أسرَّها؟ فيقال أسرَّها الذين ظلموا. وهو الحقُّ. وأما على تلك اللغة فيُعربُ الظاهر فاعلًا، وتكون الالفُ والواو والنون أحرفًا للدلالة على التثنية أو الجمع، فلا محلّ لها من الاعرابِ، فحكمها حُكمُ تاء التأنيث مع الفعل المؤنث.
(٦) أنَّ الاصلَ اتصالُ الفاعل بفعله، ثم يأتي بعده المفعول. وقد يُعكسُ الامر، فيتقدَّم المفعولُ، ويتأخرُ الفاعلُ، نحو "أكرمَ المجتهدَ أستاذُهُ". (وسيأتي الكلامُ على ذلك في باب المفعول به) .
(٧) أنه إذا كان مؤنثًا أُنِّث فعله بتاءٍ ساكنةٍ في آخر الماضي، وبتاء المضارعة في أول المضارع، نحو "جاءت فاطمةً، وتذهبُ خديجةُ".
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وللفعل مع الفاعل، من حيث التذكيرُ والتأنيثُ ثلاثُ حالاتٍ وجوبُ التذكيرِ، ووجوبُ التأنيث، وجوازُ الأمرين.
(٢) متى يَجبُ تذكيرُ الفعلِ مَعَ الفاعل؟
يجبُ تذكيرُ الفعل مع الفاعل في موضعين
(١) أن يكون الفاعلُ مذكرًا، مفردًا أو مثنّى أو جمعَ مذكرٍ سالمًا. سواءٌ أكان تذكيرُه معنًى ولفظًا، نحو "ينجحُ التلميذُ، أو المجتهدان، أو المجتهدون"، أو معنى لا لفظًا، نحو "جاء حمزةُ". وسواءٌ أكان ظاهرًا، كما مُثِّلَ أم ضميرًا، نحو "المجتهدُ ينجحُ، والمجتهدان ينجحان، والمجتهدون ينجحون، وإنما نجح هو، أو أنتَ، أو هما، أو أنتم".
(فان كان جميع تكسير كرجال، أو مذكرًا مجموعًا بالألف والتاء، كطلحات وحمزات، أو ملحقًا بجمع المذكر السالم كبنين. جاز في فعله الوجهان تذكيره وتأنيثه كما سيأتي. أما إن كان الفاعل جمع مذكر سالمًا. فالصحيح وجوب تذكير الفعل معه. وأجاز الكوفيون تأنيثه، وهو ضعيف فقد أجازوا أن يقال "أفلح المجتهدون وأفلحت المجتهدون") .
(٢) أن يُفصلَ بينه وبين فاعله المؤنث الظاهر بإلا، نحو "ما قام إلا فاطمةُ".
(وذلك لان الفاعل في الحقيقة إنما هو المستثنى منه المحذوف إذ التقدير "ما قام أحد إلا فاطمة". فلما حذق الفاعل تفرغ الفعل لما بعد (إلا) فرفع ما بعدها على أنه فاعل في اللفظ لا في المعنى. فان كان الفاعل ضميرًا منفصلًا مفصولًا بينه وبين فعله بالا، جاز في الفعل الوجهان كما ستعلم) .
وقد يؤنث مع الفصل بها، والفاعلُ اسمٌ ظاهرٌ، وهو قليلٌ وخصّهُ جُمهور النحاةِ بالشعر كقوله [من الرجز]
[ ٢ / ٢٤٠ ]
ما بَرِئَتْ منْ ريبةٍ وذَمٍّ في حَربِنا إلا بناتُ العَمٍّ
(٣) متى يَجِبُ تأنيثٌ الفعْل مع الفاعل؟
يجب تأنيث الفعل مع الفاعل في ثلاثة مواضع
(١) أن يكون الفاعلُ مؤنثًا حقيقيًا ظاهرًا متصلًا بفعله، مفردًا أو مثنى أو جَمعَ مؤنثٍ سالمًا نحو "جاءت فاطمةُ، أو الفاطمتان، أو الفاطماتُ".
(فإن كان الفاعل الظاهر مؤنثًا مجازيًا، كشمس، أو جمع تكسير، كفواطم، أو ضميرًا منفصلًا، نحو "إنما قام هي"، أو ملحقًا بجمع المؤنث السالم، كبنات أو مفصولًا بينه وبين فعله بفاعل، جاز فيه الوجهان كما سيذكر. أما جمع المؤنث السالم فالأصح تأنيثه. وأجاز الكوفيون وبعض البصريين تذكيره. فيقولون "جاءت الفاطمات. وجاء الفاطمات") .
(٢) أن يكونَ الفاعلُ ضميرًا مستترًا يعودُ إلى مؤنثٍ حقيقي أو مجازىٍّ، نحو "خديجةُ ذهبت، والشمسُ تطلعُ".
(٣) أن يكون الفاعلُ ضميرًا يعودُ إلى جمع مؤنثٍ سالمٍ، أو جمعٍ تكسير لمؤنثٍ أو لمذكرٍ غير عاقل، غير أنه يؤنث بالتاء أو بنون جمع المؤنث، نحو "الزِّينَباتُ جاءتْ، أو جئنَ، وتجيءُ أو يجئنَ" و(الفواطِمُ أقبلتْ أو أقبلنَ) و(الجمالُ تسيرُ أو يسرْنَ) .
(٤) متى يجوز الأمران تذكِيرُ الفِعْل وتأنيثهُ
يجوز الأمران تذكير الفعل وتأنيثه في تسعة أُمور
(١) أن يكون الفاعلُ مؤنثًا مجازيًا ظاهرًا (أي ليس بضميرٍ)، نحو (طلعتِ الشمسُ، وطلعَ الشمسُ) . والتأنيثُ أفصحُ.
[ ٢ / ٢٤١ ]
(٢) أن يكون الفاعل مؤنثًا حقيقيًا مفصولًا بينه وبين فعله بفاصلٍ غير "إلا" نحو "حضَرتْ، أَو حضَرَ المجلسَ امرأةٌ"، وقول الشاعر [من البسيط]
إن امرءًا غَرَّهُ مِنْكُنَّ واحدةٌ بعدي وبَعْدكِ في الدُّنيا لمغْرُورُ
والتأنيثُ أفصحُ.
(٣) أن يكون ضميرًا منفصلًا لمؤنثٍ، نحو "إنما قامَ، أو إنما قامت هي"، ونحو "ما قامَ، أو ما قامت إلا هي". والاحسنُ تركُ التأنيثِ.
(٤) أن يكون الفاعل مؤنثًا ظاهرًا، والفعلُ "نِعم" أو "بِئسَ" أو "ساءَ" التي للذَّمِّ، نحو "نِعمَتْ، أو نِعمَ، وبئسَتْ، أو بِئسَ، وساءت، أو ساء المرأةُ دَعدٌ". والتأنيثُ أجود.
(٥) أن يكونَ الفاعل مذكرًا مجموعًا بالألف والتاء، نحو "جاء، أو جاءت الطلحاتُ". والتذكير أحسنُ.
(٦) أن يكون الفاعلُ جمعَ تكسير لمؤنث أو لمذكر، نحو "جاء، أو جاءت الفواطمُ، او الرجالُ". والأفضلُ التذكيرُ مع المذكر، والتأنيث مع المؤنث.
(٧) أن يكون الفاعل ضميرًا يعودُ الى جمع تكسيرٍ لمذكر عاقل، نحو (الرجال جاءوا، أو جاءت) . والتذكير بضمير الجمع العاقل أفصحُ.
(٨) أن يكون الفاعلُ ملحقًا بجمع المذكر السالم، وبجمع المؤنث السالم. فالأول، نحو (جاء أو جاءت البنونَ) .ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ
[ ٢ / ٢٤٢ ]
به بنو إسرائيل﴾ [يونس: ٩٠] . والثاني نحو (قامت، أو قام البناتُ) . ومن تذكيره قول الشاعر (وهو عبدةُ بنُ الطبيب) [من الكامل]
فبكى بناتي شجْوَهُنَّ وزَوجَتي والظّاعنُون إليَّ، ثم تَصَدَّعوا
ويُرجَّحُ التذكيرُ مع المذكر والتأنيث مع المؤنث.
(٩) أن يكون الفاعلُ اسم جَمعٍ، أو اسمَ جنسٍ جمعيًا. فالاول نحو (جاء، أو جاءت النساء، أو القومُ، أو الرهط، أو الإبل. والثاني نحو "قال، أو قالت العربُ، أو الروم، أو الفرس، أو التركُ"، ونحو (أوراق أو أروقتِ الشجر) .
(وهناك حالة يجوز فيها تذكير الفعل وتأنيثه. وذلك إذا كان الفاعل المذكر مضافًا إلى مؤنث. على شرط أن يغني الثاني عن الاول لو حذف تقول "مرَّ، أو مرَّت علينا كرورُ الايام" و"جاء، أو جاءت كلُّ الكاتبات"، بتذكير الفعل وتأنيثه، لانه يصح إسقاط المضاف المذكر وإقامة المضاف إليه المؤنث مقامه، فيقال "مرَّت الايام" و"جاءت الكاتبات". وعليه قول الشاعر
"كما شرقت صدرُ القناة من الدَّم" غيرَ أن تذكيرَ الفعل هو الفصيح والكثير، وإن تأنيثه في ذلك ضعيف. وكثير من الكتّاب اليوم يقعون في مثل هذا الاستعمال الضعيف.
أما إذا كان لا يصحُّ إسقاط المضاف المذكور وإقامة المضاف إليه المؤنث مقامه، بحيث يختلُّ أصل المعنى فيجب التذكير، نحو (جاء غلامُ سعادَ) فلا يصحُّ
[ ٢ / ٢٤٣ ]
أبدًا أن يقال "جاءت غلامُ سعاد" لانه لا يصحُّ إسقاطُ المضاف هنا كما صحَّ هناك، فلا يقال "جاءت سعاد". وأنت تعني غلامها.
(٥) أَقسام الفاعل
الفاعلُ ثلاثةُ أنواع صريحٌ وضميرٌ ومؤوَّلٌ.
فالصريح. مثلُ "فاز الحقُّ".
والضميرُ، إما متصلٌ كالتاء من (قمتَ) والواو من (قاموا) والألف من (قاما) والياء من (تقومينَ)، وإِما منفصلٌ كأنا ونحن من قولك (ما قام إلا أنا، وإنما قام نحنُ) وإما مستترٌ نحو (أقومُ، وتقومُ، ونقومُ، وسعيدٌ يقوم، وسعادُ تقوم) .
والمستترُ على ضربين مستتر جوازًا. ويكون في الماضي والمضارع المسنَدَينِ الى الواحد الغائب والواحدة الغائبة، ومستتر وجوبًا. ويكون في المضارع والأمر المسنَدَينِ الى الواحد المخاطب، وفي المضارع المسنَد الى المتكلم، مفردًا او جمعًا. وفي اسم الفعل المسنَد الى متكلم كأفٍّ أو مخاطب "كصهْ" وفي فعل التعجب، الذي على وزن (ما أفعلَ) نحو ما أحسنَ العلمَ. وفي أفعال الاستثناء كخلا وعدا وحاشا، ونحو "جاء القومُ ما خلا سعيدًا".
(والضمير المستتر في أفعال الاستثناء يعود الى البعض المفهوم من الكلام. فتقدير قولك جاء القوم ما خلا سعيدًا "جاءوا ما خلا البعض سعيدًا". و"ما" إما مصدريةٍ ظرفيةٍ، وما بعدها في تأويل مصدر مضاف الى الوقت المفهوم منها. والتقدير "جاؤوا زمن خلوهم من سعيد" والتقدير "جاؤوا خالين من سعيد".
[ ٢ / ٢٤٤ ]
والفاعلُ المؤوَّلُ هو أن يأتيَ الفعلُ، ويكونَ فاعلُهُ مصدرًا مفهومًا من الفعل بعدَهُ، نحو "يَحسُنُ أن تجتهد".
(فالفاعل هنا هو المصدر المفهوم من تجتهد. ولما كان الفعل الذي بعد "أن" في تأويل المصدر الذي هو الفاعل، سمي الفعل مؤولًا) .
ويتأوَّلُ الفعلُ بالمصدر بعدَ خمسةِ أحرف، وهي "أنَ وإنَّ وكي وما ولو المصدريتينِ".
فالاوَّل مثل "يُعجبني أن تجتهدَ"، والتقديرُ "يُعجبني اجتهادك".
والثاني مثل "بلغني أنك فاضلٌ"، والتقديرُ "بلغني فضلُك".
والثالث مثل "أعجبني ما تجتهدُ"، والتقديرُ "أعجبني اجتهادك".
والرابع مثل "جئت لكي أتعلّمَ" والتقديرُ "جئتُ للتعلُّم". و"كي" للا يتأوَّلُ الفعل بعدها إلا بمصدرٍ مجرورٍ باللام.
والخامس مثل "وَدِدتُ لو تجتهد"، والتقدير "وَدِدتُ اجتهادَك". "ولو" لا يتأولُ الفعلُ بعدَها إلا بالمفعول، كما رأيت.
والثلاثةُ الأولُ يتأوَّلُ الفعلُ بعدها بالمرفوع والمنصوب والمجرور.
والجملة المؤلفة من الفاعل ومرفوعه تُدعى جملةً فعليّة.
فائدتان
(١) إن وقع بعد (لو) كلمة "أن" فهناك فعل محذوف بينهما تقديره "ثبت". فان قلت "لو أنك اجتهدت لكان خيرًا لك" فالتقدير "لو ثبت اجتهادك". فيكون المصدر المؤول فاعلًا لفعل محذوف، تقديره "ثبت".
[ ٢ / ٢٤٥ ]
(٢) الهمزة الواقعة بعد كلمة "سواء" تسمى همزة التسوية، وما بعدها مؤول بمصدر مرفوع على أنه مبتدأ مؤخر، و"سواء" قبله خبره مقدمًا عليه. فتقدير قوله تعالى ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ "إنذارك وعدم إنذارك سواء عليهم" أي الأمران سيان عندهم. فهمزة التسوية معدودة في الاحراف المصدرية، التي يتأول الفعل بعدها بمصدر. فتكون الاحرف المصدرية، على هذا ستة أحرف.
(نائب الفاعل)
نائبُ الفاعل هو المُسند إليه بعدَ الفعل المجهول أو شِبْههِ، نحو "يُكرمُ المجتهدُ، والمحمودُ خُلقُهُ ممدوحٌ".
(فالمجتهد اسند الى الفعل المجهول، وهو "يكرم". وخلقه اسند الى شبه الفعل المجهول وهو "المحمود" فكلاهما نائب فاعل لما اسند اليه) .
والمرادُ بشبه الفعلِ المجهولِ اسم المفعولِ، والاسمُ المنسوب إليه، فاسمُ المفعولِ كما مثّلَ. والاسم المنسوبُ إليه، نحو "صاحِبْ رجلًا نبَويًا خلقُه".
"فخلقه" نائب فاعل لنبوي مرفوع به، لأن الاسم المنسوب في تأويل اسم المفعول. والتقدير "صاحب رجلًا منسوبًا خلقه الى الأنبياء".
ونائبُ الفاعل قائمٌ مقامَ الفاعل بعد حذفه ونائِبٌ منابَهُ.
وذلك أن الفاعل قد يحذف من الكلام، لغرض من الأغراض، فينوب عنه بعد حذفه غيره.
وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
(١) أسبابُ حذفِ الفاعل
يحذف الفاعل، إما للعلم به، فلا حاجةَ إلى ذكره، لأنه معروفٌ نحو ﴿وخُلِقَ الإنسان ضعيفًا﴾ .
وإما للجهل به، فلا يمكنْك تعيينُه، نحو "سُرِقَ البيتُ"، إذا لم تعرفِ السارق.
وإما للرغبة في إخفائه للابهام، نحو رُكبَ الحصانُ، إذا عرفت الراكب غير أنك لم تُرد إظهاره.
وإما للخوف عليه نحو "ضُرب فلانٌ" إذا عرفتَ الضاربَ غير أنك خفت عليه، فلم تذكره.
وإما للخوف منه، نحو "سُرق الحصان" إذا عرفتَ السارق فلم تذكره، خوفًا منه، لأنه شري مثلًا.
وإما لشرفه، نحو "عُمل عَملأٌ منكرٌ"، إذا عرفتَ العامل فلم تذكرهُ، حفظًا لشرفه.
وإما لانه لا يتعلقُ بذكره فائدةٌ، نحو "وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو رُدُّوها"، فذكر الذي يُحيَى لا فائدةَ منه، وإنما الغرضُ وجوبُ ردِّ التحية لكل من يُحيِّي.
(٢) الاشياءُ التي تنوبُ عن الفاعل
ينوب عن الفاعلِ بعد حذفه أحد أربعةِ أشياء
(١) المفعول به، نحو "يكرَمُ المجتهدُ".
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وإذا وُجد في الكلام، فلا ينوب عن الفاعل غيرُه مع وجوده لأنه أولى من غيره بالنيابة، لكون الفعل أشدَّ طلبًا له من سواهُ، فيرتفعُ هو على النائبيّة، وينتصب غيرُه، نحو "أُكرمَ زهيرٌ يوم الجمعةِ أمام التلاميذِ بجائزةٍ سنية إكرامًا عظيمًا".
وقد ينوبُ المجرور بحرف الجر، مع وجود المفعولِ به الصريحِ، وذلك قليل نادرٌ، كقول الشاعر [من الرجز]
لم يُغْنَ بالعلياء إلا سَيِّدًا ولا شفى ذا الغَيِّ إلا ذو هُدَى
وقول الآخر [من الرجز]
وإنما يرضي المنِيبُ رَبَّهُ ما دام مَعْنيًا بِذِكْرِ قلبَهُ
وقراءةِ من قرأ ﴿ليُجزى قومًا بما كسَبوا﴾ .
وإذا كان للفعل مفعولان أو ثلاثةٌ، أُقيمَ المفعولُ الأولُ مقامَ الفاعل، فيرتفع على النائبيةِ، وينتصبُ غيرُه، نحو "أُعطيَ الفقيرُ دِرهمًا، وظُن زهيرُ مجتهدًا، ودُريتَ وفيًّا بالعهد، وأُعلمتَ الامرَ واقعًا".
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وقد تجوز نيابةُ المفعولِ الثاني في باب أعطى، إن لم يقع لَبْسٌ، نحو "كُسيَ الفقيرَ ثوبٌ، وأُعطيَ المسكينُ دينارٌ".
(فان لم يؤمن الالتباس، لم يجوز إلا إنابة الأول، نحو "اعطي سعيد سعدًا". ولا يقال أعطي سعيدًا سعد". اذا أردت ان الآخذ سعد والمأخوذ سعيد فان أردت ذلك قدمته فقلت "أعطي سعد سعيدًا"، ليتبين الآخذ من المأخوذ، لأن كلًا منهما صالح لذلك. فلا يتعين الآخذ إلا بتقديمه وإنابته عن الفاعل) .
(٢) المجرورُ بحرف الجرّ، نحو نُظِرَ في الامر، ومنه قوله تعالى "ولما سُقِطَ في أيديهم". على شرط أن لا يكون حرف الجرّ للتعليل، فلا يقالث "وُقِفَ لكَ، ولا من أجلِكَ". إلاّإذا جعلتَ نائبَ الفاعل ضميرَ الوقوفِ المفهوم من "وُقِفَ" فيكونُ التقدير "وُقِفَ الوقوفُ، الذي تعهد، لكَ أو من أجلك".
(وإذا ناب المجرور بحرف الجر عن الفاعل، يقال في إعرابه انه مجرور لفظًا بحرف الجر مرفوع محلًا على أنه نائب فاعل. غير أنه ان كان مؤنثًا لا يؤنث فعله، بل يجب أن يبقى مذكرًا. تقول "ذُهب بفاطمة"، ولا يقال "ذهبت بفاطمة".
(٣) الظّرفُ المتصرِّفُ المختصُّ، نحو "مُشيَ يومٌ كاملٌ، وصيمَ رمضانُ".
(والمتصرف من الظروف، ما يصح وقوعه مسندًا اليه، كيوم وليلة وشهور ودهر وأمام ووراء ومجلس وجهة ونحو ذلك. وغير المتصرف منها، ما
[ ٢ / ٢٤٩ ]
لا يقع مسندًا اليه، فلا يكون إلا ظرفًا، كحيث وعوض وقط والآن ومع واذا، او ظرفًا ومجرورًا بمن. كعند ولدى ولدن وقبل وبعد وثم (بفتح الثاء) أو بالى، كمتى، أو بمن والى. كأين. وما كان كذلك لا ينوب عن الفاعل، لانه لا يسند اليه. اذ لا يجوز فيه الرفع، كما يصح أن تسند الى يوم وشهر ورمضان، فتقول "جاء يوم الجمعة، ومضى على الامر شهر، ورمضان شهر مبارك".
والظرف المتصرف لا ينوب عن الفاعل إلا اذا كان مع تصرفه مختصًا. والمراد باختصاصه ان يكون مفيدًا غير مبهم، وهو يختص بالوصف، نحو "جلس مجلس مفيد" أو بالاضافة نحو "سهرت ليلة القدر"، أو بالعلمية، نحو "صيم رمضان". فلا تنوب عن الفاعل مثل "زمان ووقت ومكان" ونحوها من الظروف المبهمة غير المختصة. فلا يقال "وقف زمان" ولا "انتظر وقت" ولا "جلس مكان". فان اختصت بقيد يقيدها، جازت نيابتها، نحو "وقف زمان طويل، وانتظر وقت قصير، وجلس مكان رحب") .
(٤) المصدرُ المتصرفُ المختصُّ، نحو "احتُفلَ احتفالٌ عظيمٌ".
(والمتصرف من المصادر ما يقع مسندًا اليه كاكرام واحتفال وإعطاء وفتح ونصر ونحوها. وغير المتصرف منها ما لا يصح أن يقع مسندًا اليه. لأنه لا يكون إلا منصوبًا على المصدرية. أي على المفعولية المطلقة، نحو "معاذ الله وسبحان الله". فلا ينوب مثل هذا عن الفاعل، لأنه لا يجوز الرفع فيسند اليه، كما يصح الإسناد الى اكرام وفتح ونصر، نحو "اكرام الضيف سنة العرب"، ونحو "اذا جاء نصر الله والفتح".
والمصدر المتصرف لا ينوب عن الفاعل إلا اذا كان مع تصرفه مختصًا. والمراد باختصاصه أن يكون مقيدًا غير مبهم، ويختص بالوصف،
[ ٢ / ٢٥٠ ]
نحو "وقف وقوف طويل" أو بيان العدد، نحو (نظر في الأمر نظرتان، أو نظرات) . أو ببيان النوع، نحو "سير سير الصالحين".) .
وقد ينوبُ عن الفاعل ضميرُ المصدر المتصرّفِ المختص، كأن تقول "هل كتبت كتابةٌ حسنةٌ؟ " فتقول "كُتِبتْ". فنائبُ الفاعل ضمير مستترٌ يعود إلى الكتابة. وقد يعودُ الضمير على مَصدَرِ الفعل، وإن لم يذكر، لكونه مفهومًا معهودًا للسامع، كقوله تعالى ﴿وحيلَ بينهم وبين ما يشتهون﴾ أي حيل الحؤول المعهود ذهنًا. فنائبُ الفاعلِ ضميرُ المصدرِ المفهوم من الكلام. ومنه قول الفرزدق [من البسيط]
يُغْضِي حَياءً، ويُغْطَى من مهابته فما يُكَلَّمُ إلا حينَ يبْتَسِمُ
أي يُغْضَى الإغضاءُ الذي تَعهدُ، وهو إغضاءُ الإجلال، مهابة له. فنائبُ الفاعل ضميرُ الإغضاءِ المفهوم من "يُغضى".
(ولا يجوز أن يكون (من مهابته) في موضع الرفع على النائبية، لان حرف الجرهنا التعليل. فالمجرور في موضع النصب على أنه مفعول لأجله. وإذا كان الجر التعليل، ينوب المجرور به عن الفاعل، كما عملت، لأنه يكون، والحالة هذه، من جملة أخرى، لأن المفعول لأجله مبني على سؤال مقدر. فاذا قلت (وقف الناس) فكأن سائلًا سأل لماذا وقف الناس؟ فقلت اجلالًا العلماء، أي وقفوا جلالًا لهم فاجلال مبني على فعل مفهوم من الفعل المذكور، فكذلك هنا، في بيت الفرزدق.
[ ٢ / ٢٥١ ]
إذ التقدير يغضى اغضاء الإجلال. اي يغضي الناس اغضاء اجلال وانما يغضون ذلك الاغضاء من أجل مهابته، أي مهابة له واجلالًا لمقامه) .
وإذا فُقدَ المفعولُ به من الكلام جازت نيابة كل واحدٍ من المجرورِ والمصدرِ والظرفِ المختصَّينِ على السواء. فمن نيابة المصدر المختص قوله تعالى ﴿فإذا نُفخَ في الصُّورِ نفخةٌ واحدةٌ" ومن نيابة المجرور أن تقول يُشادُ بذكرِ العاملينَ إشادةً عظيمة" ومن نيابة الظرف قولكَ "يُصلّى يومُ الجمعةِ صلاتها".
فائدة
متى حذف الفاعل، وناب عن نائبه، فلا يجوز أن يذكر في الكلام ما يدل عليه، فلا يقال (عوقب الكسول من المعلم، أو الكسول معاقب من المعلم) بل يقال (عوقب الكسول) أو (الكسول معاقب) وذلك لأن الفاعل انما يحذف لغرض، فذكر ما يدل عليه مناف لذلك. فان أردت الدلالة على الفاعل أتيت بالفعل معلومًا، (فقلت عاقب المعلم الكسول)، أو باسم الفاعل، فقلت (المعلم معاقب الكسول) إلا أن تقول (عوقب الكسول المعلم)، فيكون المعلم فاعلًا لفعل محذوف تقديره (عاقب) فكأنه لما قيل (عوقب الكسول) سأل سائل من عاقبه؟ فقلت (المعلم)، أي عاقبه المعلم. ويكون ذلك على حد قوله تعاىل ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال﴾ . في قراءة من قرأ (يسبح) مجهولًا، فيكون (رجال) فاعلًا لفعل محذوف. والتقدير (يسبحه رجال) كما تقدم في باب الفاعل) .
[ ٢ / ٢٥٢ ]
(٣) أحكامُ نائب الفاعلِ وأَقسامُهُ
كلُّ ما تقدَّمَ من أحكام الفاعلِ يَجبُ أن يُراعى مع نائِبهِ، لانه قائمٌ مقامَهُ، فلهُ حُكمُه.
فيجبُ رفعهُ، وأن يكون بعد المُسنَدِ، وأن يُذكرَ في الكلام. فان لم يُذكر فهو ضميرلإ مستترٌ، وأن يُؤنثَ فعلهُ إن كان هو مؤنثًا، وأن يكونَ فعلُه موحِّدًا، وإن كان هو مثنّى أو مجموعًا، ويجوز حذفُ فعلِه لقرينةٍ دالةٍ عليه.
(فعلى الطالب مراجعة هذه الاحكام كلها في مبحث الفاعل، وان يأتي بأمثلة لنائب الفاعل على شاكلة أمثلة الفاعل) .
ونائبُ الفاعلِ، كالفاعل، ثلاثةُ اقسامٍ صريحٌ وضميرٌ ومؤوَّلٌ.
فالصريحُ نحو "يُحَبُّ المجتهدُ".
والضميرُ، إما مُتّصِلٌ، كالتاءِ من "أُكرِمتَ" وإما مُنفصلٌ نحو "ما يُكرَمُ إلاّ أنا". وإما مستترٌ، نحو "أكرَمُ، ونُكْرَمُ، وتُكْرَمُ، وزُهيرٌ يُكرَمُ، وفاطمةُ تُكرَمُ".
والمؤوَّلُ نحو يُحمَدُ أن تَجتهدوا"، والتأويلُ "يُحمَدُ اجتهادكم".
(راجع ما فصلناه من الكلام على أقسام الفاعل وأحكامه) .
(المبتدأ والخبر)
المبتدأ والخبرُ اسمانِ تتألفُ منهما جملةٌ مفيدةٌ، نحو "الحق منصورٌ" و"الاستقلالُ ضامنٌ سعادةَ الأمةِ".
ويَتميّزُ المبتدأ عن الخبر بأنَّ المبتدأ مُخبَرٌ عنه، والخبرَ مُخبَرٌ به.
والمبتدأ هو المسنَدُ اليه، الذي لم يسبقهُ عاملٌ.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
والخبرُ ما أُسنِدَ الى المبتدأ، وهو الذي تتمُّ به مع المبتدأ فائدة. والجملةُ المؤلفةُ من المبتدأ والخبر تُدعى جملةً اسميَّة.
ويتعلَّقُ بالمبتدأ والخبر ثمانية مباحث
(١) حكم المبتدأ
للمبتدأ خمسةُ أحكامٍ
الأول وجوبُ رفعهِ. وقد يجرُّ بالباءِ أو من الزائدتين، أو بربِّ، التي هي حرفُ جر شبيهٌ بالزائد. فالأول نحو "بِحَسبِك الله". والثاني نحو ﴿هل من خالقٍ غيرُ الله يَرزقكم؟!﴾ . والثالث نحو "يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ يومَ القيامة".
الثاني وجوب كونه معرفةً نحو "محمدٌ رسولُ اللهِ" أو نكرةً مُفيدةً، نحو "مجلسُ علمٍ يُنتفعُ بهِ خيرٌ من عبادة سبعينَ سنة".
وتكون النكرة مفيدة بأحدِ أربعةَ عشر شرطًا
(١) بالإضافة لفظًا نحو خمسُ صَلواتٍ كتَبهنَّ اللهُ"، أو معنًى، نحو "كلٌّ يموتُ"، ونحو ﴿قُلْ كلٌّ يعمل على شاكلته﴾، أي كل أحدٍ.
(٢) بالوصف لفظًا، نحو ﴿لَعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مُشرك﴾، أو تقديرًا نحو "شَرَّ أهرَّ ذا ناب"، ونحو "أمرٌ أتى بك"، أي شر عظيمٌ وأمرٌ عظيمٌ أو معنًى بأن تكونَ مُصفَّرةً، نحو رُجَيْلٌ عندنا" أي رجلٌ حقيرٌ، لأن التصغيرَ فيه معنى الوصف.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
(٣) بأن يكونَ خبرُها ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا مُقدَّمًا عليها، نحو ﴿وفوقَ كل ذي علمٍ عليمٌ، ولكل أجلٍ كتاب".
(٤) بأن تقعَ بعد نفيٍ أو استفهام. أو "لولا"، أو "إذا" الفُجائيّةِ. فالأول نحو "ما أحدٌ عندنا"، والثاني نحو أإلهٌ مع الله؟ "، والثالث كقول الشاعر [من البسيط]
لوْلا اصْطِبارٌ لأّوْدَى كُلُّ ذي مِقَةٍ لَمَّا استقَلَّتْ مَطاياهُنَّ لِلظَّعْنِ
والرابعُ نحو "خرجتُ فاذا أسدٌ رابضٌ".
(٥) بأن تكونَ عاملةً، نحو "إعطاءٌ قِرشًا في سبيل العلم ينهض بالأمة". ونحو "أمرٌ بمعروفٍ صدقةٌ، ونهيٌ عن مُنكر صَدَقةٌ".
(فاعطاه عمل النصب في "قرشًا" على أنه مفعول به. وأمر ونهي يتعلق بهما حرف الجر والمجرور مفعول لها غير صريح) .
(٦) بأن تكونَ مُبهَمةً، كأسماء الشرط والاستفهام و"ما" التعجبيَّة وكم الخبريَّة. فالاول نحو "من يجتهدْ يُفلِحْ"، والثاني نحو "من مجتهد؟ وكم علمًا في صدرك؟ "، والثالث نحو "ما أحسنَ العلمَ! "، والرابعُ نحو "كم مأثرةٍ لك! ".
[ ٢ / ٢٥٥ ]
(٧) بأن تكون مفيدةً للدُّعاءِ بخيرٍ مأو شرٍّ، فالاولُ نحو "سلامٌ عليكم". والثاني نحو ﴿وَيْلٌ لِلمطفّفين﴾ .
(٨) بأن تكون خَلقًا عن موصوف، نحو "عالمٌ خيرٌ من جاهل"، أي رجلٌ عالمٌ. ومنه المثلُ "ضعيفٌ عاذَ بقَرمَلة".
(٩) بأن تقع صدرَ جملةٍ مُرتبطةٍ بالواو أو بدونها فالاول كقول الشاعر [من الطويل]
سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أَضاءَ، فَمُذْ بَدا مُحيَّاكَ أَخفَى ضَوْؤُهُ كُلَّ شارِقِ
والثاني كقول الشاعر [من البسيط]
الذِّئبُ يَطرُقُها في الدَّهرِ واحدةً وكُلَّ يَوم تَراني مُدْيَةٌ بِيدي
(١٠) بأن يرادَ بها التنويعُ، أي التفصيلُ والتقسيمُ كقول امرئ القيس [من المتقارب]
فأَقبَلْتُ زَحْفًا على الرُّكْبَتَيْنِ فَثَوْبٌ لَبِسْتُ، وثَوْبٌ أَجُرّ
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وقول الآخر [من المتقارب]
فيومٌ عَلَيْنا، ويومٌ لَنا ويَوْمٌ نُساءُ، ويَوْمٌ نُسَرُّ
(١١) بأن تُعطف على معرفة، أو يُعطفَ عليها معرفة. فالأولُ نحو "خالدٌ ورجلٌ يتعلمان النحو"، والثاني نحو "رجلٌ وخالدٌ يتعلمانِ البيانَ".
(١٢) بأن تُعطَفَ على نكرة موصوفة، أو يُعطَف عليها نكرةٌ موصوفة فالاول نحو "قولٌ معروفٌ ومغفرة خيرٌ من صدقة يَتبعُها أذىً، والثاني نحو "طاعةٌ وقولٌ معروف".
(١٣) بأن يرَاد بها حقيقةُ الجنسِ لا فردٌ واحدٌ منه، نحو "ثمرةٌ خيرٌ من جَرادة" و"رجلٌ أقوى من امرأة".
(١٤) بأن تَقع جوابًا، نحو "رجلٌ" في جواب من قال "مَنْ عندك؟ ".
فائدة
(ولم يشترط سيبويه والمتقدمون من النحاة لجواز الابتداء بالنكرة إلا حصول الفائدة. فكل نكرة أفادت إن ابتدئ بها صح أن تقع مبتدأ. ولهذا لم يجز الابتداء بالنكرةالموصوفة او التي خبرها ظرف او جار ومجرور مقدمًا عليها إن لم تفد. فلا يقال "رجل من الناس عندنا. ولا عند رجل مال" ولا "الإنسان ثوب"، لعدم الفائدة، لان الوصف في الأول وتقدم الخبر في الثاني لم يفيدا التخصيص، لانهما لم يقللا من شيوع النكرة وعمومها) .
الثالث جواز حذفه إن دلَّ عليه دليلٌ، تقول "كيف سعيدٌ؟ "،
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فيقال في الجواب "مجتهدٌ" أي هو مجتهدٌ، ومنه قوله تعالى ﴿من عَملَ صالحًا فلِنفسه، ومن أساءَ فعلَيها﴾ وقوله ﴿سُورةٌ أنزلناها﴾ .
(والتقدير في الآية الأولى "فعمله لنفسه، وإساءته عليها"، فيكون المبتدأ، وهو العمل والإساءة، محذوفًا. والجار متعلق بخبره المحذوف. والتقدير في الآية الثانية "هذه سورة") .
الرابعُ وجوبُ حذفهِ وذلك في أربعةِ مواضعَ
(١) إن دلَّ عليه جوابُ القسم، نحو "في ذِمَّتي لأفعلنَّ كذا"، أي في ذِمَّتي عَهدٌ أو ميثاقٌ.
(٢) إن كان خبرُه مصدرًا نائبًا عن فعلهِ نحو "صبرٌ جميلٌ" و"سمعٌ وطاعةٌ"، أي صَبري صبرٌ جميلٌ، وأمري سمعٌ وطاعةٌ.
(٣) إن كان الخبرُ مخصوصًا بالمدح أو الذمِّ بعد "نِعْمَ وبِئسَ". مؤخرًا عنهما، نحو نشعمَ الرجلُ أبو طالبٍ، وبِئسَ الرجلُ أبو لَهبٍ، فأبو، في المثالينِ، خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُهُ "هوَ".
(٤) إن كان في الاصل نَعتًا قُطعَ عن النَّعتيّة في مَعرِض مدحٍ أو ذم أو ترحُّمٍ، نحو "خُذُ بيدِ زهيرٍ الكريمُ" و"دَعْ مجالسةَ فلانٍ اللئيمُ" و"احسِنْ الى فلانٍ المسكينُ".
(فالمبتدأ محذوف في هذه الأمثلة وجوبًا. والتقدير هو الكريم، وهو اللئيم، وهو المسكين ويجوز أن تقطعه عن الوصفية النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره في الول أمدح، وفي الثاني أذم، وفي الثالث أرحم) .
[ ٢ / ٢٥٨ ]
الخامس إن الاصلَ فيه أن يتقدَّمَ على الخبر وقد يجبُ تقديمُ الخبرِ عليه. وقد يجوز الأمران. (وسيأتي الكلامُ على ذلك) .
(٢) أَقسامُ المبتدأ
المبتدأ ثلاثةُ أقسامٍ صريحٌ، نحو "الكريمُ محبوبٌ"، وضميرٌ منفصلٌ، نحو "أنتَ مجتهد"، ومؤوّلٌ، نحو "وأن تَصوموا خيرٌ لكمْ"، ونحو ﴿سَواءٌ عليهم أأنذَرتهُمْ أم لم تُنذِرهمْ﴾، ومنهُ المثَلُ "تَسمعُ بالمُعَيديّ خيرٌ من أن تراه".
(٣) أَحكامُ خبر المبتدأ
لخبرِ المبتدأ سبعةُ أحكام
الأول وجوبُ رفعهِ.
الثاني أنَّ الاصل فيه أن يكون نكرة مشتقةً. وقد يكون جامدًا. نحو "هذا حجرٌ".
الثالث وجوبُ مطابقته للمبتدأ إفرادًا وتثنيةً وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا.
الرابع جواز حذفهِ إن دلَّ عليه دليلٌ، نحو "خرجتُ فاذا الأسدُ"، أي فاذا الأسدُ حاضرٌ، وتقول "مَن مجتهدٌ؟ " فيقالُ في الجواب
[ ٢ / ٢٥٩ ]
"زُهيرٌ" أي "زهيرٌ مجتهدٌ"، ومنه قوله تعالى ﴿أُكلُها دائمٌ وظِلُّها﴾ أي وظلُّها كذلك.
الخامس وجوبُ حذفهِ في أربعةِ مواضعَ
(١) أن يدلَّ على صفةٍ مُطلقةٍ، أي دالةٍ على وجودٍ عامّ.
وذلك في مسألتين، الاولى أن يتعلَّق بها ظرفٌ أو جارٌّ ومجرور، نحو "الجنة تحتَ أقدامِ الأمَّهاتِ" و"العلمُ في الصّدورِ". والثانية أن تقعَ بعد لولا أو لوما، نحو "لولا الدِّينُ لهَلَكَ النَّاسُ"، و"لوما الكتابةُ لضاعَ أكثرُ العلمِ".
(فان كان صفة مفيدة (أي دالة على وجود خاص كالمشي والقعود والركوب والأكل والشرب ونحوها) وجب ذكره إن لم يدل عليه دليل، نحو "لولا العدو سالمنا ما سلم" ونحو "خالد يكتب في داره، والعصفور مفرد فوق الغصن". ومنه حديث "لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد ابراهيم". فان دل عليه دليل جاز حذفه وذكره، نحو "لولا أنصاره لهلك". أو "لولا أنصاره حموه لهلك"، ونحو "علي على فرسه" أو "علي راكب على فرسه".
(٢) أن يكونَ خبرًا لمبتدأ صريحٍ في القَسم، نحو "لَعمرُك لأفعَلَنَّ"، ونحو "أيُمنُ الله لاجتهدَنَّ"، قال الشاعر [من المتقارب]
[ ٢ / ٢٦٠ ]
لعَمْرُكَ ما الإِنسانُ إِلاَّ ابنُ يَوْمِه على ما تَجلّى يَوْمُهُ لا بانُ أَمسه
وما الفَخْرُ بالعَظمِ الرَّميم، وإِنَّما فَخارُ الذي يَبغِي الفَخارَ بِنَفْسهِ
(فان كان المبتدأ غير صريح في القسم (بمعنى أنه يستعمل للقسم وغيره) جاز حذف خبره وإثباته. تقول "عهد الله لأقولن الحق، وعهد الله علي لأقولن الحق") .
(٣) أن يكونَ المتبدأُ مصدرًا، أو اسم تَفضيلٍ مضافًا الى مصدرٍ، وبعدهما حالٌ لا تصلُحُ أن تكون خبرًا، وإنما تَصلُحُ أن تَسدَّ مَسَدَّ الخبرِ في الدلالةِ عليه. فالاوُ نحو "تأديبي الغلامَ مُسيئًا". والثاني نحو "أفضلُ صَلاتِكَ خاليًا مما يَشْغَلُكَ".
ولا فرقَ بين أن يكونَ اسمُ التفضيل مضافًا الى مصدرٍ صريحٍ، كما مُثّلَ، أَو مُؤوَّلٍ، نحو "أحسنُ ما تعملُ الخيرَ مُستترًا" وكذا لا فرقَ بين أن تكونَ الحالُ مُفردةً، كما ذُكر، أو جملةً كحديث "أقرب ما يكون العبدُ من ربّه وهو ساجدٌ". وقولِ الشاعر وقد اجتمعت فيه الحالان (المفردة والمركبة) . [من البسيط]
خيرُ اقتِرابي من الموْلى حليفَ رِضًا وشَرُّ بُعْدِيَ عنْهُ وهو غَضبانُ
[ ٢ / ٢٦١ ]
(فالحال في الأمثلة المتقدمة دالة على الخبر المحذوف (وهو حاصل) سادة مسدة. لكنها غير صالحة للاخبار بها مباشرة لمبايتنها للمبتدأ، إذ لا معنى لقولك (تأديبي الغلام مسيء، وافضل صلاتك خال مما يشغلك)، وهلم جرا) .
فان صحَّ الإخبارُ بالحال، وجبَ رفعُها لعدم مُباينتها حينئذٍ للمبتدأ، نحو "تأديبي الغلامَ شديدٌ" وشذَّ قولهم "حُكمُكَ مُسَمَّطًا"، أي مَثبَتًا نافذًا، إذْ يصحُّ أن تقولَ "حُكمُكَ مُسمَّطٌ".
(٤) أن يكونَ بعد واوٍ مُتعيّنٍ أن تكون بمعنى "معَ"، نحو "كلُّ امرِيءٍ وما فَعَلَ"، أي معَ فعلهِ. فان لم يتعيَّنْ كونُها بمعنى "مَعَ" جاز إثباتُهُ، كقولِ الشاعر [من الطويل]
تَمنَّوا لِيَ الْمَوتَ الذي يَشْعَبُ الفَتى وكلُّ امرِىءٍ والْمَوتَ يلتقِيانِ
السادسُ جواز تَعَدُّدِهِ، والمبتدأُ واحد نحو "خليلٌ كاتبٌ، شاعرٌ، خطيب".
السابع أنَّ الاصل فيه أن يَتأخرَ عن المبتدأ. وقد يَتقدَّمُ عليه جوازًا أو وجوبًا (وسيأتي الكلامُ على ذلك) .
(٤) الخَبرُ المُفرَدُ
خبرُ المبتدأ قسمانِ مُفردٌ وجملةٌ.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
فالخبرُ المفردُ ما كانَ غيرَ جملةٍ، وإن كان مُثنَّى أو مجموعًا، نحو "المتجهد محمودٌ، والمجتهدان محمودانِ، والمجتهدون محمودون".
وهو إما جامدٌ، وإما مُشتقٌّ.
وهو إما جامدٌ، وإما مُشتقٌّ.
والمرادُ بالجامدِ ما ليس فيه معنى الوصفِ، نحو "هذا حجرٌ". وهو لا يتَضمنُ ضميرًا يعودُ الى المبتدأ، إلا إذا كان في معنى المشتق، فيتضمَّنه، نحو "عليٌّ أسدٌ".
(فأسد هنا بمعنى شجاع، فهو مثله يحمل ضميرًا مستترًا تقديره (هو) يعود الى علي، وهو ضمير الفاعل. وقد سبق في باب الفاعل ان الاسم المستعار، يرفع الفاعل كالفعل، لأنه من الأسماء التي تشبه الفعل في المعنى.
وذهب الكوفيون الى أن خبرالجامد يحتمل ضميرًا يعود ال المبتدأ، وإن لم يكن في معنى المشتق. فإن قلت (هذا حجر)، فحجر يحمل ضميرًا يعود إلى اسم الاشارة (تقديره هو)، أَي (هذا حجر هو)، وما قولهم ببعيد من الصواب. لأنه لا بد من رابط يربط المبتدأ بالخبر، وهذا الرابط معتبر في غير العربية من اللغات أيضًا) .
والمراد بالمشتق ما فيه معنى الوَصفِ، نحو "زُهيرٌ مجتهد". وهو يتحمَّلُ ضميرًا يعود الى المبتدأ، إلا إذا رفعَ الظاهرَ، فلا يتحمَّلهُ، نحو "زُهيرٌ مجتهدٌ أخواه".
(فمجتهد، في المثال الأول، فيه ضمير مستتر تقديره هو يعود الى زهير، وهو ضمير الفاعل. أما في المثال الثاني فقد رفع (أخواه) على الفاعلية فلم يتحمل ضمير المبتدأ) .
ومتى تحمَّلَ الخبرُ ضميرَ المبتدأ لزمتْ مُطابقتُهُ له إفرادًا وتثنية وجمعًا
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وتذكيرًا وتأنيثًا، نحو "عليٌّ مجتهد، وفاطمةُ مجتهدةٌ، والتلميذان مجتهدان، والتميذتانِ مجتهدتانِ، والتلاميذ مجتهدونَ، والتميذاتُ مجتهدات".
فإن لم يتضمَّن ضميرًا يعودُ الى المبتدأ، فيجوزُ أن يُطابقهُ، نحو "الشمسُ والقمرُ آيتانِ من آيات اللهِ"، ويجوز أن لا يطابقه، نحو "الناس قسمانِ عالمٌ ومتعلمٌ ولا خيرَ فيما بينهما".
(٥) الخبرُ الجملة
الخبرُ الجملةُ ما كان جملةً فعليّة، أو جملةً اسميّةً، فالاول نحو "الخُلُقُ الحسَنُ يُعلي قدرَ صاحبهِ"، والثاني نحو "العاملُ خُلقُهُ حسنٌ".
ويُشترطُ في الجملة الواقعة خبرًا أن تكونَ مُشتملةً على رابطٍ يربطُها بالمبتدأ.
والرابطُ إما الضميرُ بازرًا، نحو "الظُّلمُ مَرتعه وخيمٌ"، أو مستترًا يعودُ الى المبتدأ، نحو "الحقُّ يعلو". أو مُقدَّرًا، نحو "الفِضةُ، الدرْهم بقرشٍ"، أي الدرهم منها. وإما إشارةٌ الى المبتدأ، نحو ﴿ولِباس التقوى ذلك خيرٌ﴾، وإما إِعادةُ المبتدأ بلفظهِ، نحو ﴿الحاقَّةُ، ما
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الحاقةُ؟﴾، أو بلفظٍ أعمَّ منه، نحو "سعيد نِعمَ الرجلُ".
(فالرجل يعم سعيدًا وغيره، فسعيد داخل في عموم الرجلن والعموم مستفاد من (ال) الدالة على الجنس) .
وقد تكون الجملةُ الواقعةُ خبرًا نفسَ المبتدأ في المعنى، فلا نحتاج الى رابطٍ، لانها ليست أجنبيةً عنه فتحتاجَ الى ما يربطها به، نحو ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحدٌ﴾، ونحو "نُطقي اللهُ حسبي".
(فهو ضمير الشأن. والجملة بعده هي عينه، كما تقول (هو علي مجتهد) وكذلك قولك (نطقي الله حسبي) فالمنطوق به، (وهو الله حسبي) هو عين المبتدأ. وهو (نطقي) واما فيما سبق فانما احتيج الى الربط لأن الخبر اجنبي عن المبتدأ، فلا بد له من رابط يربطه به) .
قد يقعُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا. فالأولُ نحو "المجدُ تحتَ عَلمِ العلمِ"، والثاني نحو "العلم في الصدور لا في السطور".
(والخبر في الحقيقة إنما هو متعلق الظرف وحرف الجر. ولك أن تقدر هذا المتعلق فعلًا كاستقر وكان، فيكون من قبيل الخبر الجملة، واسم فاعل، فيكون من باب الخبر المفرد، وهو الأولى، لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا) .
ويُخبرُ بظروف المكان عن أسماء المعاني وعن أسماء الأعيان. فالاول نحو "الخيرُ أمامك". والثاني نحو "الجنةُ تحتَ أقدامِ الأمهاتِ".
وأما ظروف الزمانِ فلا يُخبَّرُ بها إِلا عن أسماء المعاني، نحو "السفرُ غدًا، والوصولُ بعد غدٍ". إلا إذا حصلتِ الفائدةُ بالإخبار بها عن أسماء الاعيان فيجوزُ، نحو "الليلةَ الهلاُ"، و"نحن في شهر كذا" و"الوردُ في آيار". ومنه "اليومَ خمرٌ، وغدًا أمرٌ".
[ ٢ / ٢٦٥ ]
(٦) وجوب تقديم المبتدأ
الاصلُ في المتبدأ أن يَتقدَّمَ. والاصلُ في الخبر أن يتأخّرَ. وقد يتقدَّمُ أحدهما وجوبًا، فيتأخرُ الآخرُ وجوبًا.
ويجبُ تقديم المبتدا في ستة مواضعَ
الاولُ أن يكون من الاسماء التي لها صدرُ الكلامِ، كأسماء الشرطِ، نحو ﴿من يَتّقِ اللهَ يُفلحْ"، وأسماء الاستفهام، نحو "من جاءَ؟ "، "وما" التعجُّبيّةِ، نحو "ما أحسنَ الفضيلةَ! " وكم الخبريةِ نحو "كم كتاب عندي! ".
الثاني أن يكون مُشبّهًا باسم الشرط، نحو "الذي يتجهدُ فله جائزةٌ" و"كلُّ تلميذٍ يجتهدُ فهو على هدىً".
(فالمبتدأ هنا اشبه اسم الشرط في عمومه، واستقبال الفعل بعده وكونه سببًا لما بعده، فهو في قوة ان تقول (من يجتهد فله جائزة) و(اي تلميذ يجتهد فهو على هدى) . ولهذا دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في جواب الشرط) .
الثالثُ أن يضافَ الى اسمٍ له صدرُ الكلام، نحو "غلامُ مَن مجتهدٌ؟ " و"زمامُ كم أمر في يدك".
الرابعُ أن يكون مقترنًا بلام التأكيد (وهي التي يسمونها لامَ الابتداء)، نحو ﴿لعبدٌ مؤْمنٌ خيرٌ من مشركٍ".
الخامسُ أن يكون لك من المبتدأ والخبر معرفةً أو نكرةً، وليس هناك
[ ٢ / ٢٦٦ ]
قرينةٌ تعين أحدهما، فيتقدَّم المبتدأ خشيةَ التباس المسنَدِ بالمسنَدِ اليه، نحو "أخوك علي"، إن أردتَ الإخبارَ عن الاخِ، و"عليٌّ أخوكَ"، إن أردتَ الإخبارَ عن علي، ونحو "أسَنٌّ منك أسَنٌّ مني" إن قصدتَ الإخبار عمَّن هو أسنٌّ من مخاطبك "وأسن مني أسن منكَ"، إن أردتَ الإخبارَ عمّن هو أسنُّ منكَ نفسِكَ.
(فان كان هناك قرينة تميز المبتدأ والخبر، جاز التقديم والتأخير نحو "رجل صالح حاضر، وحاضر رجل صالح" ونحو "بنو أبنائنا بنونا"، بتقديم المبتدأ، و"بنونا" بنو أبنائنا، بتقديم الخبر. لأنه سواء أتقدم أحدهما أم تأخر، فالمعنى على كل حال أن بنى أبنائنا هم بنونا) .
السادس أن يكون المبتدأ محصورًا في الخبر، وذلك بأن يقترنَ الخبرُ بإلا لفظًا نحو ﴿وما محمدٌ إلا رسولٌ﴾ أو معنًى، نحو "إنما أنت نذيرٌ".
(إذ المعنى ما أنت إلا نذير. ومعنى الحصر هنا أن المبتدأ (وهو محمد، في المثال الأول) منحصر في صفة الرسالة، فلو قيل "ما رسول إلا محمد". بتقديم الخبر، فسد المعنى، لأن المعنى يكون حينئذ ان صفة الرسالة منحصرة في محمد مع انها ليست منحصرة فيه. بل هي شاملة له ولغيره من الرسل، صلوات الله عليهم. وهكذا الشأن في المثال الثاني) .
(٧) وجوب تقديم الخبر
يجبُ تقديم الخبرِ على المبتدأ في أربعة مواضعَ
الاولُ إذا كان المبتدأ نكرة غير مفيدةٍ، مخَبرًا عنها بظرفٍ أو جار ومجرور، نحو "في الدارِ رجلٌ" و"عندكَ ضيفٌ" ومنه قوله تعالى ﴿ولدينا مزيدٌ﴾ و"على أبصارهم غشاوةٌ".
[ ٢ / ٢٦٧ ]
(وإنما وجب تقديم الخبر هنا لأن تأخيره يوهم أنه صفة وأن الخبر منتظر. فان كانت النكرة مفيدة لم يجب تقديم خبرها، كقوله تعالى ﴿وأجل مسمى﴾ عنده لأن النكرة وصفت بمسمى، فكان الظاهر في الظرف أنه خبر لا صفة) .
الثاني إذا كان الخبر اسمَ استفهامٍ، أو مضافًا الى اسم استفهامٍ، فالاول، نحو "كيف حالُكَ؟ " والثاني نحو "ابنُ مَن أنت؟ " و"صبيحة أيْ يوم سفرُكَ؟ ".
(وإنما وجب تقديم الخبر هنا لأن لاسم الاستفهام أو ما يضاف اليه صدر الكلام) .
الثالثُ إذا اتصلَ بالمبتدأ ضميرٌ يعود الى شيء من الخبر نحو "في الدار صاحبها" ومنه قوله تعالى ﴿أم على قلوبٍ أقفالُها﴾ . وقولُ نُصَيب [من الطويل]
أهابُكِ إِجلالًا، وما بكِ قدرةٌ عليَّ، ولكن ملءُ عينٍ حبيبُها
(وإنما وجب تقديم الخبر هنا، لانه لو تأخر لاستلزم عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وذلك ضعيف قبيح منكر (راجع الكلام على عود الضمير) في الجزء الأول من هذا الكتاب) .
الرابعُ أن يكون الخبرُ محصورًا في المبتدأ. وذلك بأن يقترن المبتدأ بإلاّ لفظًا، نحو "ما خالقٌ إلا اللهُ"، أو معنًى، نحو "إنما محمودٌ من يجتهدُ".
[ ٢ / ٢٦٨ ]
(إذ المعنى "ما محمود إلا من يجتهد". ومعنى الحصر هنا ان الخبر "وهو خالق، في المثال" منحصر في الله. فليست صفة الخلق إلا له سبحانه، فلو قيل "وما الله إلا خالق" بتقديم المبتدأ. فسد المعنى، لانه يقتضي أن لا صفة لله إلا الخلق، وهو ظاهر الفساد. وهكذا الحال في المثال الثاني) .
(٨) المبتدأُ الصِّفَة
قد يُرفعُ الوصفُ بالابتداءِ، إن لم يطابق موصوفَةُ تثنيةً أو جمعًا، فلا يحتاجُ الى خبر، بل يكتفي بالفاعل أو نائبه، فيكون مرفوعًا به، سادًا مَسَدَّ الخبر، بشرط أن يتقدَّمَ الوصفَ نفيٌ او استفهامٌ. وتكونُ الصفةُ حينئذٍ بمنزلة الفعل، ولذلك لا تُثنى ولا تُجمَعُ ولا تُوصفُ ولا تُصغّرُ ولا تُعرَّفُ. ولم يشترط الاخفش والكوفيون ذلك، فأجازوا أن يُقال "ماجحٌ ولداكَ، وممدوحٌ أبناؤك".
ولا فرقَ بينَ أن يكونَ الوصفُ مشتقًّا، نحو "ما ناجحٌ الكسولان" و"هل محبوبٌ المجتهدون"، او اسمًا جامدًا فيه معنى الصفة، نحو "هل صَخْرٌ هذانِ المُعاندان؟ " و"ما وحشيٌّ أخلاقُكَ".
ولا فرقَ أيضًا بينَ أن يكونَ النفيُ والاستفهام بالحرف، كما مُثلَ، او
[ ٢ / ٢٦٩ ]
بغيره، نحو "ليسَ كسولٌ ولداكِ" و"غيرُ كسولٍ أبناؤكَ" و"كيف سائرٌ أخواكَ"، غير أنهُ معَ "ليسَ" يكونُ الوصفُ اسمًا لها، والمرفوعُ بعدَهُ مرفوعًا به سادًّا مسَدَّ خبرها، ومع "غيرٍ" ينتقلْ الابتداءُ إليها، ويُجر الوصفُ بالإضافة إليها، ويكونُ ما بعدَ الوصفِ مرفوعًا به سادًّا مسدَّ الخبر.
وقد يكونُ النفيُ في المعنى نحو "إنما مجتهدٌ ولداكَ"، إذ التأويلُ "ما مجتهدٌ إلاّ ولداكَ".
فان لم يقع الوصفُ بعد نفيٍ او استفهامٍ، فلا يجوز فيه هذا الاستعمالُ، فلا يقالُ "مجتهد غلاماكَ"، بل تجبُ المطابقةُ، نحخو "مجتهدانِ غلاماك". وحينئذٍ يكونُ خبرًا لما بعده مُقدَّمًا عليه. وقد يجوزُ على ضعفٍ، ومنه الشاعر [من الطويل]
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ، فَلا تَكُ مُلْغِيًا مَقالةَ لِهْبيٍّ، إِذا الطَّيْرُ مَرَّتِ
والصفةُ التي تقعُ مبتدأ، إنما ترفعُ الظاهرَ، كقول الشاعر [من البسيط]
أَقاطِنٌ قَوْمُ سَلْمَى، أمْ نَوَوْا ظَعَنا؟ إِنْ يَظْعَنُوا فَعَجِيبٌ عَيْشُ ومَنْ قَطَنا
او الضميرَ المنفصلَ، كقول الآخر [من الطويل]
خَليليَّ، ما وافٍ بِعَهْدِيَ أنتُما إذا لم تكونا لي على مَنْ أُقاطِعُ
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فان رفعتِ الصفةُ الضميرَ المستترَ، نحو "زُهيرٌ لا كسولٌ ولا بَطيءٌ" لم تكن من هذا الباب، فهي هنا خبرٌ عمّا قبلَها. وكذا ان كانت تكتفي بمرفوعها، نحو "ما كسولٌ أخواهُ زُهيرٌ"، فهي هنا خبر مقدَّمٌ، وزهيرٌ مبتدأ مؤخر، وأخواهُ فاعلُ كسول.
واعلم أن الصفةَ، التي يُبتدأُ بها، فتكتفي بمرفوعها عن الخبر، إنما هي الصفةُ التي تُخالفُ ما بعدها تثنيةً أو جمعًا، كما مَرَّ. فان طابقتهُ في تثنيتهِ أو جمعه، كانت خبرًا مُقدَّمًا، وكان ما بعدها مبتدأ مؤخرًا، نحو "ما مُسافرانِ أخوايَ، فهل مسافرونَ إخوتُكَ؟ ". أمَّا إن طابقته في إفراده، نحو "هل مسافرٌ أخوكَ؟ "، جاز جعل الوصفِ مبتدأً، فيكونُ ما بعدَه مرفوعًا به، وقد أغنى عن الخبر، وجاز جعلُهُ خبرًا مُقدمًا وما بعدهُ مبتدأً مؤخرًا.
(الفعل الناقص)
الفعل الناقصُ هو ما يدخل على المبتدأ والخبر، فيرفعُ الاول تشبيهًا له بالفاعل، وينصبُ الآخرَ تشبيهًا له بالمفعول به، نحو "كان عُمرُ عادلًا".
ويُسمّى المبتدأُ بعد دخوله اسمًا له، والخبرُ خبرًا له.
(وسميت هذه الافعال ناقصة، لأنها لا يتم بها مع مرفوعها كلام تام، بل لا بد من ذكر المنصوب ليتم الكلام. فمنصوبها ليس فضلة، بل هو عمدة، لأنه في الأصل خبر للمبتدأ، وإنما نصب تشبيهًا له بالفضلة، بخلاف غيرها من الافعال التامة، فان الكلام ينعقد معها بذكر المرفوع، ومنصوبها فضلة خارجة عن نفس التركيب) .
[ ٢ / ٢٧١ ]
والفعلُ الناقصُ على قسمينِ كانَ وأخواتُها. وكاد وأخواتها. (وهي التي تُسمى أفعالَ المُقارَبة) .
كان وأَخواتها
كانَ وأَخواتُها هي "كان وأمسى وأصبحَ وأضحى وظلَّ وباتَ وصارَ وليسَ وما زالَ وما انفكَّ وما فَتيءَ وما بَرِحَ وما دامَ".
وقد تكونُ "آض ورجَعَ واستحال وعادَ وحارَ وارتدَّ وتَحوَّل وغدا وراحَ وانقلبَ وتَبدَّل"، بمعنى "صارَ"، فان أتت بمعناها فلها حُكمُها.
ويتعلّقُ بكانَ وأخواتها ثمانيةُ مباحثَ
(١) مَعاني كانَ وأَخواتِها
معنى "كان" اتصافُ المُسنَدِ في الماضي. وقد يكون اتصافهُ به على وده الدَّوام، إن كان هناك قرينةٌ، كما في قوله تعالى ﴿وكانَ اللهُ عليمًا حكيمًا﴾، أي إنه كان ولم يَزلْ عليمًا حكيمًا.
ومعنى "أمسى" اتصافُه به في المساء.
ومعنى "أصبحَ" اتصافُهُ به في الصباح.
ومعنى "أضحى" اتصافه به في الضحا.
ومعنى "ظلَّ" اتصافه به وقتَ الظلِّ، وذلك يكون نهارًا.
ومعنى "بات" اتصافُهُ به وقتَ المَبيت، وذلك يكون ليلًا.
ومعنى "صار" التَّحوُّل، وكذلك ما بمعناها.
ومعنى "ليس" النفي في الحال، فهي مختصةٌ بنفي الحال، إلا إذا
[ ٢ / ٢٧٢ ]
قُيّدت بما يُفيدُ المُضيّ أو الاستقبال، فتكون لِما قُيّدتْ به، نحو "ليس عليَّ مُسافرًا أمسِ أو غدًا".
و"ليس" فعلٌ ماضٍ للنفي، مختصٌّ بالأسماءِ وهي فعلٌ يُشبهُ الحرفَ. ولولا قَبولها علامةَ الفعلِ، نحو "ليستْ وليسا وليسوا ولسنا ولسن"، لحكمنا بحرفيّتها.
ومعنى "ما زال وما انفكَّ وما فتيءَ وما برحَ" مُلازمة المُسنَد للمسنَد إليه، فاذا قلتَ "ما زالَ خليلٌ واقفًا" فالمعنى أنه ملازمٌ للوقوف في الماضي.
ومعنى "ما دام" استمرارُ اتصافِ المُسندِ إليه بالمُسندِ. فمعنى قولهِ تعالى "وأوصاني بالصلاة والزكاةِ ما دُمتُ حيًا" أوصاني بهما مدةَ حياتي.
وقد تكون "كان وأمسى وأصبح واضحى وظلَّ وبات" بمعنى "صار"، إن كان هناك قرينةٌ تدلُّ على أنه ليسَ المرادُ اتصافَ المسنَد إليه بالمسنَد في وقت مخصوص، مما تدلُّ عليه هذه الأفعال، ومنه قوله تعالى ﴿فكان من المُغرَقينَ﴾ أي صار، وقوله ﴿فأصبحتم بنعمتهِ إخوانًا﴾، أي صرتم، وقوله ﴿فظلتْ أعناقُهم لها خاضعين﴾، أي صارت، وقوله ﴿ظلَّ وجهُهُ مسودًا﴾، أي صار.
(٢) شُروط بعضِ أَخواتِ "كان"
يُشترَطُ في "زالَ وانفكَّ وفتيءَ وبرحَ" أن يتقدَّمَها نفيٌ، نحو ﴿لا يزالونَ مختلفينَ﴾ و﴿لن نبرحَ عليه عاكفين﴾، أو نهيٌ، كقول الشاعر [من الخفيف]
[ ٢ / ٢٧٣ ]
صاحِ شَمِّرْ، ولا تَزَلْ ذاكِرَ الْمَوْ تِ فَيِسْيانُهُ ضَلالٌ مُبِينُ
أو دُعاءٌ، نحو "لا زِلتَ بخيرٍ".
وقد جاء حذفُ النهي منها بعد القسم، والفعلُ مضارعٌ منفيٌّ بلاَ وذلك جائزٌ مُستملَحٌ، ومنه قولهُ تعالى ﴿تاللهِ تَفتأُ تذكُرُ يوسفَ﴾، والتقديرُ "لا تفتأُ" وقولُ امرئ القيس [من الطويل]
فقُلْتُ يَمينُ اللهِ أَبرحُ قاعدًا ولَوْ قَطَعُوا رأْسي لَدَيْكِ وأَوصالي
والتقديرُ "لا أبرح قاعدًا".
ولا يُشترطُ في النفي أن يكون بالحرف، فهو يكونُ به، كما مرَّ، ويكونُ بالفعل، نحو "لستَ تبرحُ مجتهدًا"، وبالاسم، نحو "زُهيرٌ غيرُ مُنفكٍّ قائمًا بالواجب".
وقد تأتي "وَنَى يني، ورامَ يَريمُ" بمعنى "زالَ" الناقصة، فيَعملانِ عمَلها. ويُشترطُ فيهما ما يُشترطُ فيها، ومنه قولُ الشاعر [من الطويل]
فأَرحامُ شِعْرٍ يَتَّصِلْنَ ببابهِ وأرحامُ مالٍ لا تَني تَتَقَطَّعُ
أي لا تزالُ تتقطّعُ، وقول الآخر [من الطويل]
إذا رُمتَ، مِمَّنْ لا يَريمُ مُتَيَّمًا، سُلُوًّا فَقَدْ أَبعَدْتَ في رَوْمِكَ المَرْمَى،
[ ٢ / ٢٧٤ ]
أي "لا يزالُ، أو لا يبرحُ مُتَيَّمًا".
ويشترطُ في "دامَ" أن تتقدَّمها "ما" المصدريَّةُ الظرفيّةُ، كقوله تعالى ﴿وأوصاني بالصلاة والزَّكاةِ وما دُمتُ حَيًّا﴾ .
(ومعنى كونها مصدرية انها تجعل ما بعدها في تأويل مصدر. ومعنى كونها ظرفية انها نائبة عن الظرف وهو المدة، لأن التقدير "مدة دوامي حيًا") .
"تلبية" - زال الناقصة مضارعها "يزال". وأما "زال الشيء يزول" بمعنى "ذهب" و"زال فلان هذا عن هذا"، بمعنى "مازه عنه يميزه، فهما فعلان تامان. ومن الاول قوله تعالى ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ .
وقد يُضَمرُ اسمُ "كانَ" وأخواتها، ويُحذفُ خبرُها، عند وجودِ قرينةٍ دالةٍ على ذلك، يُقالُ "هل أصبح الرَّكبُ مسافرًا؟ " فتقولُ "أصبح"، والتقديرُ "أصبحَ هو مسافرًا".
(٣) أَقسامُ كان وأَخَواتها
تنقسمُ "كان وأخواتُها" إلى ثلاثة أقسام
الاولُ ما لا يتصرفُ بحالٍ؛ وهو "ليسَ ودام" فلا يأتي منهما المضارعُ ولا الأمرُ.
الثاني ما يتصرَّفُ تَصرُّفًا تامًا، بمعنى أنه تأتي منه الأفعال الثلاثةُ، وهو "كان وأصبَحَ وأمسى وأضحى وظَلَّ وباتَ وصارَ".
الثالث ما يتصرَّفُ تصرُّفًا ناقصًا، بمعنى أنهُ يأتي منه الماضي
[ ٢ / ٢٧٥ ]
والمضارع لا غيرُ، وهو "ما زالَ وما انفكَّ وما فتيءَ وما بَرِحَ".
واعلم أن ما تصرَّفَ من هذه الافعال يعملُ عملَها، فيرفع الاسم وينصبُ الخبرَ، فعلًا كان أو صفةً، أو مصدرًا، نحو يمسي المجتهدُ مسرورًا، وأمسِ أديبًا، وكونُكَ مجتهدًا خيرٌ لك" قال تعالى ﴿قُلْ كونوا حجارةً أو حديدًا﴾، وقال الشاعر [من الطويل]
وما كُلُّ مَنْ يُبْدِي البَشاشةَ كائنًا أَخاكَ، إذا لم تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدا
غيرَ أنَّ المصدرَ كثيرًا ما يُضافُ الى السم، نحو "كونُ الرجلِ تقيًّا خيرٌ لهُ".
(فالرجل مجرور لفظًا، لأنه مضاف غليه، مرفوع محلًا، لأنه اسم المصدر الناقص) .
وإن أُضيفَ المصدرُ الناقصُ الى الضمير أو الى غيرهِ من المبنيّات، كان له محلاّنِ من الاعراب محلٌّ قريبٌ وهو الجرُّ بالإضافة، ومحلٌّ بعيدٌ، وهو الرفع، لأنه اسمٌ للمصدر الناقص، قال الشاعر [من الطويل]
بِبَذْلٍ وحِلْمٍ سادَ في قَوْمِهِ الْفَتَى وكونُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسيرُ
(٤) تَمامُ "كانَ" وأَخواتِها
قد تكونُ هذه الافعال تامَّةً، فتكتفي برفع المُسنَدِ إليه على أنهُ فاعلٌ لها، ولا تحتاجُ الى الخبر، إلاّ ثلاثةَ أفعالٍ منها قد لَزِمَتْ النّقصَ، فلم تَرِد تامَّةً، كوهي "ما فتيءَ وما زال وليس".
(فاذا كانت (كان) بمعنى حصل، و(أمسى) بمعنى دخل في
[ ٢ / ٢٧٦ ]
المساء، و(أصبح) بمعنى دخل في الصباح، و(أضحى) بمعنى دخل في الضحى، و(ظل) بمعنى دام واستمر، و(بات) بمعنى نزل ليلًا، أو أدركه الليل، أو دخل مبيته، و(صار) بمعنى انتقل، أو ضم وأمال أو صوت، أو قطع وفصل، و"دام" بمعنى بقي واستمر، "وانفك" بمعنى انفصل أو انحل، و"برح" بمعنى ذهب، أو فارق، كانت تامة تكتفي بمرفوع هو فاعلها) .
ومن تمام هذه الأفعال قولهُ تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وقولهُ: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وقولهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: ١٠٧] وقوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قُريءَ بضم الصاد، من صارَهُ يَصورُهُ، وبكسرها، من صارهُ يَصرُهُ، وقول الشاعر: [من المتقارب]
تَطاوَلَ لَيْلُكَ بالإثْمِدِ وباتَ الخَليُّ، ولم تَرْقُدِ
(٥) أَحكامُ اسم "كانَ" وخَبَرُها
كل ما تَقدَّمَ من أحكامِ الفاعلِ وأقسامه، يَعطى لاسم "كانَ" وأخواتها لأن لهُ حُكمَهُ.
وكلُّ ما سبقَ لخبر المبتدا من الأحكامِ والأقسامِ، يُعطى لخبر "كان" وأخواتها، لأنَّ لهُ حُكمَهُ، غيرَ أنه يجبُ نصبُهُ، لأنهُ شبيهٌ بالمفعول به.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وإذا وقع خبرُ "كانَ" وأخواتها جملةً فعليةً، فالأكثرُ أن يكونَ فعلُها مضارعًا، وقد يجيءُ ماضيًا، بعد "كانَ وأمسى وأضحى وظلَّ وبات وصارَ". والأكثرُ فيه، إن كانَ ماضيًا، أن يقترن بِقدْ، كقول الشاعر
فأَصبَحُوا قَدْ أَعادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ إذْهُمْ قُرَيْشٌ، وإِذْ ما مِثْلُهُمْ أَحدُ
وقد وقعَ مجرَّدًا منها، وكثر ذلكَ في الواقعِ خبرًا عن فعلِ شرطٍ، ومنه قولهُ تعالى ﴿وإن كانَ كبُرَ عليكم مَقامي﴾، وقوله "إن كانَ كبُرَ عليكَ إِعراضُهم" وقولهُ ﴿إن كنتُ قُلْتَهُ فَقدْ علِمتَهُ﴾ وقلَّ في غيره، كقول الشاعر [من البسيط]
أَضْحَتْ خَلاءَ، وأَضْحَى أَهلُها احتَمَلوا أَخنى عَلَيها الذي أَخنى على لُبَدِ
وقولِ الآخر [من الطويل]
وكانَ طَوَى كَشْحًا على مُسْتَكِنَّةٍ فَلا هُوَ أَبداها، ولم يَتَقَدَّمِ
(٦) أَحكامُ اسمِها وخَبَرِها في التَّقديم والتأخير
الأصلُ في الاسمِ أن يَليَ الفعلَ الناقصَ، ثمَّ يجيء بعدَه الخبرُ. وقد يُعكَسُ الأمرُ، فيُقدَّمُ الخبرُ على الاسمِ، كقوله تعالى ﴿وكانَ حقًا علينا نَصرُ المؤْمنين﴾، وقولِ الشاعر [من البسيط]
[ ٢ / ٢٧٨ ]
لا طِيبَ لِلعَيشِ ما دامتْ مُنَغَّصَةً لذَّاتُهُ بادِّكارِ الشَّيْبِ والهَرَمِ
وقول الآخر [من الطويل]
سَلي، إن جَهِلْتِ الناسَ عَنَّا وعنهُمُ فَلَيْسَ سَواءَ عالمٌ وجَهولٌ.
ويجوزُ أن يتقدَّمَ الخبرُ عليها وعلى اسمها معًا، إلا "ليسَ" وما كان في أوَّلهِ "ما" النافيةُ أو "ما" المصدريَّةُ، فيجوزُ أن يُقالَ "مُصحِية، كانتِ السماءُ" "وغزيرًا أمسى المطرُ"، ويَمتنعُ أن يُقالَ "جاهلًا ليس سعيدٌ"، و"كسولًا ما زال سليمٌ" و"أقفُ، واقفًا ما دام خالدٌ". وأجازه بعضُ العلماءِ في غير "ما دام".
أمّا تقدُّمُ معمولِ خبرِها عليها فجائزٌ أيضًا، كما يجوزُ تقدُّمُ الخبر، قال تعالى ﴿وأنفسَهم كانوا يَظلمون"، وقال "أهؤلاءِ إياكم كانوا يعبُدون﴾ .
واعلَمْ أن أحكامَ اسمِ هذه الافعالِ، وخبرها في التقديم والتأخير، كحكم المبتدأ وخبره، لأنهما في الاصل مبتدأٌ وخبرٌ.
(٧) خَصائِصُ "كانَ"
تختصُّ "كان" من بينِ سائرِ أخواتها بستَّةِ أشياءَ
(١) أنها قد تُزادُ بشرطينِ أحدهما أن تكونَ بلفظ الماضي، نحو "ما (كان) أصحَّ عِلمَ من تقدَّمَ؟ ". وشذت زيادتها بلفظ المضارع في قول أُم عَقيل ابن أبي طالب [من الرجز]
[ ٢ / ٢٧٩ ]
أَنتَ "تَكُونُ" ماجِدٌ نَبِيلٌ إذا تَهبُّ شَمْأَلٌ بَليلُ
والآخر أن تكون بينَ شيئينِ مَتلازمينِ، ليسا جارًا ومجرورًا. وشذَّت زيادتُها بينهما في قول الشاعر [من الوافر]
جِيادُ بَني أَبي بَكْرٍ تَسَامَى على "كانَ" المُسَوَّمَةِ العِرابِ
وأكثرُ ما تزادُ بينَ "ما" وفعلِ التَّعجُّبِ، نحو "ما (كان) أعدلَ عُمرَ! ". وقد تُزادُ بينَ غيرهما ومنه قولُ الشاعر (وقد زادّها بينَ "نِعْمَ" وفاعلها) . [من الكامل]
ولَبِسْتُ سِرْبالَ الشبابِ أَزورُها وَلَنِعْمَ "كانَ" شَبيبَةُ المُحتالِ
وقولُ بعضِ العرَبِ (وقد زادّها بين الفعل ونائب الفاعل) وَلَدتْ فاطمةُ - بنتُ الخُرْشُبِ الكَمَلةَ من بني عَبْس، لم يُوجَدْ (كانَ) مِثلُهُم، وقول الشاعر (وقد زادَها بينَ المعطوف عليه والمعطوف) [من الكامل]
في لُجَّةٍ غَمَرَتْ أَباكَ بُحُورُها في الجاهِلِيَّة "كانَ" والإِسلامِ
وقول الآخر (وقد زادَها بينَ الصفة والموصوف) [من البسيط]
[ ٢ / ٢٨٠ ]
في غُرَفِ الجَنَّةِ العُلْيا التي وَجَبَتْ لَهم هُناكَ بِسَعْيٍ "كان" مَشكورِ
(واعلم أن "كان" الزائدة معناها التأكيد، وهي تدل على الزمان الماضي. وليس المراد من تسميتها بالزائدة انها لا تدل على معنى ولا زمان، بل المراد انها لا تعمل شيئًا، ولا تكون حاملة للضمير، بل تكون بلفظ المفرد المذكر في جميع أَحوالها. ويرى سيبويه أنها قد يلحقها الضمير، مستدلًا بقول الفرزدق) [من الوافر]
فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا (كانوا) كرام
(٢) أنها تُحذَفُ هي واسمها ويبقى خبرُها، وكثرَ ذلك بعدَ "أنْ ولو" الشرطيَّتينِ. فمثالُ "إنْ" "سِرْ مُسرعًا، إن راكبًا، وإن ماشيًا"، وقولهم "الناسُ مَجزِيُّونَ بأعمالهم، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فَشرٌّ"، وقولُ الشاعر [من الكامل]
لا تَقْرَبَنَّ الدَّهرَ آلَ مُطَرِّفٍ إنْ ظالمًا أَبدًا، وإِنْ مَظْلوما
وقولُ الآخر [من الكامل]
حَدَبَتْ عَلَيَّ بُطونُ ضَبَّةَ كُلُّها إنْ ظالمًا فيهم، وإنْ مَظلومًا
[ ٢ / ٢٨١ ]
وقول غيرهِ [من البسيط]
قَدْ قيلَ ما قِيلَ، إِنْ صِدْقًا، وإِنْ كَذِبًا فَما اعتِذارُكَ من قَولٍ إذا قيلا؟!
ومثالُ "لوْ" حديثُ "التَمِسْ ولو خاتمًا من حديد". وقولهم "الإطعامَ ولو تمرًا"، وقول الشاعر [من البسيط]
لا يأْمَنِ الدَّهرَ ذو بغْيٍ، وَلَوْ مَلِكًا جُنُودُهُ ضاقَ عنها السَّهْلُ والجَبَلُ
(٣) أنها قد تُحذفُ وحدَها، ويبقى اسمُها، وخبرُها، ويعوَّضُ منها "ما" الزائدةُ، وذلك بعدَ "أن" المصدريَّةِ، نحو "أمّا أنتَ ذا مال تَفتخرُ! "، والأصلُ "لأنْ كنتَ ذا مالٍ تَفتخرُ! ".
(فحذفت لام التعليل، ثم حذفت "كان" وعوض منها "ما" الزائدة وبعد حذفها انفصل الضمير بعد اتصاله، فصارت "أن ما أنت"، فقلبت النون ميمًا للادغام، وأدغمت في ميم "ما" فصارت "أما") .
ومن ذلك قول الشاعر [من البسيط]
أَبا خُراشةَ، أَمَّا أَنتَ ذا نَفَر! فإنَّ قَوْمِيَ لَمْ تأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ
[ ٢ / ٢٨٢ ]
(٤) أنها قد تُحذَف هي واسمها وخبرُها معًا، ويَعوَّضُ من الجميع "ما" الزائدةُ، وذلك بعد "إن" الشرطيةِ، في مثل قولهم "إفعلْ هذا إِما لا".
(والاصل "إِفعل هذا إن كنت لا تفعل غيره". فحذفت "كان" مع اسمها وخبرها وبقيت "لا" النافية الداخلة على الخبر، ثم زيدت "ما" بعد "أن" لتكون عوضًا، فصارت "إن ما"، فأدغمت النون في الميم، بعد قلبها ميمًا، فصارت "إما") .
(٥) أنها قد تُحذَفُ هي واسمها وخبرُها بلا عِوَضٍ، تقولُ "لا تعاشر فلانًا، فانه فاسدُ الاخلاقِ"، فيقولُ الجاهلُ "أني أُعاشرُهُ وإن"، أي وإن كان فاسدَها، ومنه [من الرجز]
قالَتْ بَناتُ الْعَمِّ يا سَلْمَى، وإنْ كان فَقيرًا مُعْدِمًا؟! قالَتْ وإنْ
تُريدُ إني أَتزَوَّجهُ وإن كان فقيرًا مُعدِمًا.
(٦) إنها يجوزُ حذفُ نونِ المضارع منها بشرط أن يكون مجزومًا بالسكون، وأن لا يكونَ بعده ساكنٌ، ولا ضميرٌ متصلٌ. ومثال ما اجتمعت فيه الشروطُ قولهُ تعالى ﴿لم أكُ بَغِيًّا﴾، وقول الشاعر [الحطيئة - من الوافر]
ألَمْ أَكُ جارَكُمْ ويَكونَ بَيْني وبَيْنَكُمُ الْمَودَّةُ والإِخاءُ
والأصلُ "ألمْ أكنْ". وأما قولُ الشاعر [من الطويل]
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فإن لم تَكُ المِرآةُ أبدَت وسَامَةً فَقَدْ أَبدَت المِرآة جَبْهَةَ ضَيغَم
وقول الآخر [من الطويل]
إذا لَمْ تَكُ الحاجاتُ مِنْ هِمَّة الْفَتَى فَلَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْكَ عقْدُ الرَّتائِم
فقالوا انه ضرورة. وقال بعضُ العلماءِ لا بأسَ بحذفها إن التقت بساكن بعدَها. وما قوله ببعيدٍ من الصواب. وقد قُريءَ شُذوذًا ﴿لم يَكُ الذينَ كفروا﴾ .
(٨) خوصيَّةُ "كانَ ولَيْسَ".
تختصُّ (ليسَ وكانَ) بجوازِ زيادةِ الباء في خبريهما، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿أليسَ اللهُ بأحكمِ الحاكمين﴾ . أما (كان) فلا تزادُ الباءُ في خبرها إلاّ إذا سبقها نفيٌ أو نهيٌ نحو (ما كنتُ بحاضرٍ) و(لا تكنْ بغائب)، وكقول الشاعر [من الطويل]
وإن مُدَّتِ الأَيدي إلى الزَّادة، لَمَّ أَكُنُ بأَعْجَلهمْ، إِذْ أَجْشَعُ الْقَوْمِ أَعجَلُ
[ ٢ / ٢٨٤ ]
على أنَّ زيادةَ الباء في خبرها قليلةٌ، بخلافِ (ليس)، فهي كثيرة شائعة.
كاد وأخواتها
أو أفعالُ المقارَبةِ
"كادَ وأخواتُها" تعملُ عملَ "كان"، فترفعُ المبتدأ، ويُسمّى اسمها، وتنصبُ الخبرَ، ويُسمّى خبرها. وتُسمّى أفعالُ المقاربة.
(وليست كلها تفيد المقاربة، وقد سمي مجموعها بذلك تغليبًا لنوع من انواع هذا الباب على غيره. لشهرته وكثرة استعماله) .
وفي هذا المبحث ستةُ مباحثَ
(١) أقسامُ "كادَ" وأَخواتِها
"كادَ وأخواتها" على ثلاثة أقسام
(١) افعال المقارَبة، وهيَ ما تَدُل على قُرب وقوع الخبر. وهي ثلاثةٌ "كادَ وأوشكَ وكرَبَ"، تقولُ "كادَ المطرُ يَهطِلُ" و"أوشكَ الوقتُ ان ينتهي" و"كرَبَ الصبحُ أن يَنبلج".
(٢) افعالُ الرَّجاءِ، وهي ما تَدُل على رجاءِ وقُوع الخبر. وهي ثلاثةٌ ايضًا "عَسى وحرَى واخلولقَ"، نحو "عسى الله أن يأتيَ بالفتح"، وقول الشاعر [من الوافر]
عَسَى الْكرْبُ الْذي أمسَيْتُ فيه يَكونُ وَراءَهُ فَرَجٌ قريبُ
ونحو "حَرَى المريضُ ان يشفى" و"اخلولقَ الكسلانُ أن يجتهدَ".
(٣) افعالُ الشروع، وهي ما تدل على الشروعُ في العمل، وهي كثيرةٌ، منها "أنشأ وعَلِقَ وطَفِقَ وأخذَ وهَبَّ وبَدأَ وابتدأ وجعلَ وقامَ وانبرى".
ومثلُها كلُّ فعلٍ يَدُلُّ على الابتداء بالعمل ولا يكتفي بمرفوعه، تقولُ "أنشأ خليلٌ يكتُبُ، عَلِقوا ينصرفون، وأخذُوا يَقرءُونَ، وهَبَّ القومُ يتسابقونَ، وبَدَءُوا يَتبارَونَ، وابتدءُوا يتقدَّمونَ، وجعلوا يَستيقظونَ، وقاموا يتنبَّهونَ، وانبَروْا يسترشدونَ".
وكلُّ ما تقدَّمَ للفاعل ونائبهِ واسم "كانَ"، من الأحكام والأقسام، يُعطَى لاسمِ "كادَ" وأخواتها.
(٢) شُروطُ خَبَرِها
يُشترَطُ في خبر "كاد واخواتها" ثلاثةُ شروطٍ
(١) ان يكون فعلًا مضارعًا مُسنَدًا الى ضميرٍ يعودُ الى اسمها، سواءٌ اكان مُقترنًا بِـ "أنْ"، نحو "اوشكَ النهارُ أن ينقضيَ"، ام مُجرَّدًا منها، نحو "كادَ الليلُ ينقضي"، ومن ذلك قولُه تعالى "لا يكادونَ يفقونَ حديثًا"، وقولهُ "وطفِقا يخصِفانِ عليهما من وَرَقِ الجنَّةِ".
ويجوزُ بعدَ "عسى" خاصَّة أن يُسنَدَ الى اسمٍ ظاهرٍ، مُشتملٍ على
[ ٢ / ٢٨٥ ]
ضميرٍ يعودُ الى اسمها، نحو "عسى العاملُ أن ينجحَ عملُه" ومنه قولُ الشاعر [الفرزدق - من الطويل]
ومَاذا عَسى الحَجَّاجُ يَبْلُغُ جُهْدُهُ إِذا نحنُ جاوَزْنا حَفِيرَ زِيادِ
ولا يجوزُ أن يقَعَ خبرُها جملةً ماضيةً، ولا اسميةً، كما لا يجوزُ أن يكون اسمًا. وما وَرَدَ من ذلكَ، فشاذٌّ لا يُلتفتُ اليه. واما قولهُ تعالى ﴿فطَفِقَ مَسحًا بالسوق والأعناقِ﴾، فمسحًا ليس هو الخبرَ، وإنما هو مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ هو الخبرُ، والتقديرُ "يمسح مسحًا".
(٢) ان يكون متأخرًا عنها. ويجوزُ ان يتوسَّطَ بينها وبينَ اسمها، نحو "يكادُ ينقضي الوقتُ". ونحو "طَفِقَ ينصرفون الناسُ".
ويجوزُ حذفُ الخبرِ إذا عُلِمَ، ومنهُ قولهُ تعالى، الذي سبق ذكرهُ "فطفقَ مسحًا بالسُّوقِ والأعناقِ"، ومنه الحديثُ "من تأنّى اصابَ او كادَ، ومن عَجلَ اخطأ او كادَ"، اي كادَ يُصيبُ، وكادَ يُخطيءُ، ومنه قولُ الشاعر [من البسيط]
ما كانَ ذَنْبيَ في جارٍ جَعَلْتُ لهُ عَيْشًا، وقدْ ذاقَ طَعْمَ المَوْتِ أو كَرَبا
اي كربَ يَذوقُهُ، وتقولُ "ما فعلَ، ولكنهُ كادَ"، أي كادَ يفعلُ.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
(٣) يُشترطُ في خبر "حَرَى واخلولقَ" ان يقترنَ بِـ "انْ".
(٣) الخَبرُ المُقْترنُ بأن
"كادَ واخواتُها" من حيثُ اقترانُ خبرِها بأنْ وعدَمُه على ثلاثة اقسام
(١) ما يجب أن يقترنَ خبرُه بها، وهما "حرَى واخلولقَ"، من افعالِ الرّجاءِ.
(٢) ما يجبُ ان يتجرَّدَ منها، وهي افعالُ الشروع.
(وإنما لم يجز اقترانها بأن، لان المقصود من هذه الأفعال وقوع الخبر في الحال، و"أن" للاستقبال، فيحصل التناقض باقتران خبرها بها) .
(٣) ما يجوزُ فيه الوجهانِ اقترانُ خبرهِ بأنْ، وتَجردُه منها، وهي افعالُ المقارَبة، و"عسى" من افعال الرَّجاءِ، غير أنَّ الاكثرَ في "عسى وأوشكَ" ان يقترنَ خبرُهما بها، قال تعالى ﴿عسى رَبُّكم ان يرحمَكم﴾، وقال الشاعر [من الطويل]
ولَوْ سُئِلَ النّاسُ التُّرابَ لأَوشَكوا إِذا قِيلَ هاتوا، أنْ يَمَلّوا ويمنعُوا
وتجريدُه منها قليلٌ، ومنه قول الشاعر [من الوافر]
عَسى الْكَرْبُ، الْذي أَمسَيْتُ فيهِ، يَكُونُ وَراءَهُ فرجٌ قَريبُ
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وقول الآخر [من المنسرح]
يُوشكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنيَّتِهِ في بَعْضِ غِرَّاتهِ يُوافقُها
[ ٢ / ٢٨٨ ]
والأكثرُ في "كادَ وكَرَبَ" أن يتجردَ خبرُهما منها، قال تعالى ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾، وقال الشاعر [من الخفيف]
كَرَبَ الْقَلْبُ مِنْ جَواهُ يَذوبُ حينَ قالَ الْوُشاةُ هِنْدٌ غَضُوبُ
واقترانُهُ بها قليلٌ، ومنه الحديثُ "كادَ الفقرُ أن يكون كفرًا" وقولُ الشاعر
سَقاها ذَوُو الأَحلامِ سَجْلًا على الظَّما وقَدْ كَرَبت أعناقُها أَنْ تَقَطَّعا
(٤) حكمُ الخَبَرِ المُقْتَرِن بأَنْ والمُجَرَّدِ منْها
إن كان الخبرُ مُقترِنًا بأن، مثلُ "أوشكتِ السماءُ أن تُمطِرَ. وعسى الصديقُ أن يحضُرَ"، فليس المضارعُ نفسهُ هو الخبرَ، وإنما الخبرُ مصدرُهُ المؤَوْلُ بأن، ويكونُ التقديرُ "أوشكت السماءُ ذا مطرٍ. وعسى الصديقُ ذا حضور" غير انه لا يجوزُ التصريح بهذا الخبر المؤَوَّل، لأنَّ خبرَها لا يكونُ في اللفظ اسمًا.
وإن كان غيرَ مُقترنٍ بها، نحو "أوشكتِ السماءُ تمطِر"، فيكونُ الخبرُ نفسَ الجملة، وتكونُ منصوبةً محلًا على انها خبرٌ.
(٥) المُتَصَرِّفُ من هذهِ الأَفعالِ وغيرُ المُتَصَرِّف منها
هذه الأفعالُ كلُّها مُلازمة صيغة الماضي، إلا "أَوشكَ وكادَ"، من افعال المقاربة، فقد وردَ منهما المضارع.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
والمضارع من "كادَ" كثيرٌ شائعٌ، ومن "أوشكَ" أكثرُ من الماضي، ومن ذلك قولهُ تعالى ﴿يكادُ زَيتُها يُضيءُ ولو لم تمسَسْه نارٌ"، والحديثُ "يُوشِكُ أن يَنزِلَ فيكم عيسى بنُ مريمَ حَكَمًا عدلًا﴾ .
(٦) خَصائِصُ عَسَى واخلَوْلَقَ وأَوْشَكَ
تختصُّ "عسى واخلولقَ وأوشك"، من بين أفعال هذا الباب، بأنهن قد يَكُنَّ تاماتٍ، فلا يَحتجنَ الى الخبر، وذلك إذا وَلِيَهنَّ "أنْ والفعلُ، فيُسنَدْنَ الى مصدره المؤَوْل بأنْ، على أنه فاعلٌ لهنَّ، نحو: "عسى أن تقومَ. واخلولقَ أن تُسافروا. وأوشكَ أن نَرحلَ"، ومنه قوله تعالى: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقولهُ: ﴿عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ [الكهف: ٢٤]، وقولهُ: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
هذا إذا لم يتقدّم عليهنَّ اسمٌ هو المُسنَدُ إِليه في المعنى (كما رأيت)، فان تقدّم عليهنَّ اسمٌ يَصحُّ إسنادُهنَّ الى ضميرهِ، فأنت بالخيار، إن شئتَ جعلتهنَّ تامّاتٍ (وهو الأفصح)، فيكونُ المصدرُ المؤوَّلُ فاعلًا لهنَّ، نحو "علي عسى أن يذهب، وهندٌ عسى أن تذهب. والرجلانِ عسى أن يذهبا. والمرأتان عسى أن تذهبا. والمسافرون عسى أن يحضُروا. والمسافرات عسى أن يحضُرْن" بتجريد (عسى) من الضمير. وإن شئت جعلتهنَّ ناقصاتٍ، فيكونُ اسمُهنَّ ضميرًا. وحينئذ يَتحملنَ ضميرًا مستترًا، أو ضميرًا بارزًا مطابقًا لِما قبلَهنَّ، إفرادًا أو تثنية أو جمعًا، وتذكيرًا أو تأنيثًا، فتقول فيما تقدَّمَ من الأمثلة "عليٌّ عسى أن يذهبَ. وهندٌ عسَتْ أن تذهبَ. والرجلان عَسَيا أن يذهبا، والمرأتانِ عَسَتا أن تذهبا. والمسافرونَ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
عَسَوْا أن يحضُروا. والمسافراتُ عسَيْنَ أن يَحضُرونَ".
والأولى أن يُجعلنَ في مثل ذلك تامّاتٍ، وأن يُجرَّدْنَ من الضمير، فيَبقَيْنَ بصيغة المفرد المذكر، وأن يُسنَدْنَ الى المصدر المؤوَّل من الفعل بأن على أنهُ فاعلٌ لهنَّ، وهذه لغة الحجاز، التي نزل بها القرآنُ الكريمُ، وهي الأفصحُ والاشهرُ، وقال تعالى ﴿لا يَسْخَرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهم، ولا نساءٌ من نساءٍ، عسى ان يَكُنّ خيرًا منهنَّ﴾ ولو كانت ناقصةً لقال (عَسَوْا وعَسَيْن)، بضمير جماعة الذكور العائد الى (قوم) وضميرِ جَماعةِ الإناث العائد الى (نساء) . واللغةُ الاخرى لغةُ تميم.
وتختصُّ (عسى) وحدَها بأمرين
(١) جوازُ كسر سينها وفتحها، إذا أُسندت الى تاءِ الضميرِ، او نون النسوةِ، أو (نا)، والفتحُ أولى لانه الاصل. وقد قرأ عاصمٌ ﴿فهلْ عَسيتُمْ إن تَولَّيتم﴾، بكسر السين، وقرأ الباقونَ (عَسَيتم)، بفتحها.
(٢) أنها قد تكونُ حرفًا، بمعنى (لعلَّ)، فتَعملُ عملها، فتنصبُ الاسمَ وترفعُ الخبرَ، وذلك إذا اتصلت بضمير النصب (وهو قليل)، كقول الشاعر
فَقُلْتُ عساها نارُ كأْسٍ، وعَلَّها تَشَكَّى، فآتي نَحْوَها فَأَعُودُها
فَتَسْمَعُ قَوْلي قَبْلَ حَتفٍ يُصِيبُني تُسَرُّ بهِ، أو قَبْلَ حَتْفٍ يَصيدُها
[ ٢ / ٢٩١ ]
(أحرف ليس)
أَو الأَحرُفُ المُشَبْهَة بِلَيْسَ في العَمَل
أحرفُ (ليسَ) هي أحرُفُ نفيٍ عملَها، وتُؤَدّي معناها وهي أربعةٌ (ما ولا ولاتَ وإنْ) .
(ما) المشبهة بليس
تعملُ (ما) عملَ (ليسَ) بأربقعة شروطٍ
(١) أن لا يَتقدَّمَ خبرُها على اسمها، فان تقدَّمَ بَطل عملُها، كقولهم (ما مسيءٌ من أعتَب) .
(٢) أن لا يتقدَّمَ معمولُ خبرِها على اسمها، فان تقدَّمَ بطلَ علمُها، نحو (ما أمرَ اللهِ انا عاصٍ)، إلا أن يكون معمولُ الخبر ظرفًا أو مجرورًا بحرف جرّ، فيجوز، نحو (ما عندي أنت مُقيما) و(ما بكَ أنا مُنتصرًا) .
اما تقديمُ معمولِ الخبر على الخبر نفسهِ، دُونَ الاسمِ بحيث يتوَسَّطُ بينهما، فلا يُبطلَ عملها، وإن كان غيرَ ظرفٍ او جار ومجرورٍ، نحو (ما أنا أمرَكَ عاصيًا) .
(٣) ان لا تُزادَ بعدها (إِنْ) . فان زيدَت بعدَها بطلَ علمُها، كقول الشاعر [من البسيط]
بَني غُدانَةَ، ما إنْ أَنتُم ذَهَبٌ ولا صَريفٌ، ولكنْ أَنتمُ الخَزَفُ
(٤) أن لا ينتقضَ نفيُها بـ (إلاّ) . فان انتقض بها بطلَ عملُها، كقوله
[ ٢ / ٢٩٢ ]
تعالى ﴿وما أمرُنا إلاّ واحدةٌ﴾، وقوله ﴿وما محمدٌ إلاّ رسولٌ﴾، وذلك لأنها لا تعملُ في مُثبتٍ.
فان فُقدَ شرطٌ من الشروط بطلَ عملُها، وكان ما بعدَها مبتدأً وخبرًا، كما رأيت.
ويجوز أن يكون اسمُها معرفةً كما تقدّمَ، وأن يكون نكرةً، نحو (ما أحدٌ أفضلَ من المُخلصِ في عمله) .
وإذْ كانت (ما) لا تعملُ في مُوجَبٍ، ولا تعملُ إلا في منفي، وجبَ رفعُ ما بعدَ (بلْ ولكنْ)، في نحو قولك (ما سعيد كسولًا، بل مجتهدٌ وما خليلٌ مسافرًا، ولكن مقيمٌ)، على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرهُ (هو)، اي بل هو مجتهدٌ، ولكن هو مقيمٌ. وتكونُ (بلْ ولكنْ) حرفي ابتداء لا عاطفتينِ، إذْ لو عَطفَتا لاقتضى ان تعمل (ما) فيما بعدَ (بل ولكنْ)، وهو غيرُ منفيٍّ، بل هو مُثبتٌ، لأنهما تقتضيانِ الايجابَ بعد النفي. فاذا كان العاطفُ غيرَ مُقتضٍ، للايجاب كالواو ونحوها، جاز نصبُ ما بعدَهُ بالعطف على الخبر (وهو الاجودُ) نحو (ما سعيدٌ كسولًا ولا مُهملًا) وجازَ رفعُهُ على انهُ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، نحو (ما سعيدٌ كسولًا ولا مُهملٌ)، اي ولا هوَ مُهمل.
وهكذا الشأن في (ليسَ)، فيجبُ رفعُ ما بعدَ (بلْ ولكنْ) في نحو (ليس خالدٌ شاعرًا، بل كاتبٌ) . ويجوز النصبُ والرفعُ بعدَ الواوِ ونحوها مثلُ (ليسَ خالدٌ شاعرًا ولا كاتبًا) او (ولا كاتبٌ) . والنصبُ أولى.
واعلم أنَّ (ما) هذه لا تعملُ عملَ (ليس) إلا في لغة أهل الحجاز (الذين جاء القرآنُ الكريمُ بلغتهم)، وبلغةِ أهلِ تِهامةَ ونجدٍ. ولذلك تُسمى (ما النافية الحجازية) .
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وهي نافيةٌ مُهملةٌ في لغة تميمٍ على كل حال، فما بعدَها مبتدأ وخبر.
(لا) المشبهة بليس
(لا)، المشبهةُ بليس، مُهملة عندَ جميع العرب وقد يُعمِلُها الحجازيُّون إعمالَ (ليسَ)، بالشروط التي تقدّمت لِما، ويُزاد على ذلك أن يكونَ اسمُها وخبرُها نكرتينِ. وندَرَ أن يكون اسمُها معرفةً، كقول الشاعر [من الطويل]
وَحَلَّتْ سَوادَ الْقَلْبِ، لا أَنا باغيًا سِواها، ولا في حُبِّها مُتراخِيا
وقد جاء مثل ذلك للمتنبي في قوله [من الطويل]
إذا الجُودْ لم يُرْزَقْ خَلاصًا منَ الاذى فلا الحَمْدُ مَكسُوبًا، ولا المالُ باقِيا
وقد أجازَ ذلك بعضُ علماء العربية الفُضلاءُ.
والغالبُ على خبرِ (لا) هذه أن يكون محذوفًا كقوله [من مجزوء الكامل]
مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِها فأنا ابنُ قَيْسٍ، لا بَراحُ
أي لا بَراحٌ لي. ويجوزُ ذكرهُ، كقول الآخر [من الطويل]
تَعَزَّ، فلا شَيءٌ على الأرْضِ باقيا ولا وَزَرٌ مِمَّا قَضى اللهُ واقِيا
واعلم أنَّ (لا) المذكورةَ، يجوزُ أن يُرادَ بها نفيُ الواحدِ، وأن يرادَ بها نفيُ الجميع. فهي محتملةٌ لنفي الوَحدة ولنفي الجنس، والقرينةُ تُعَيّنُ أحدَهما
[ ٢ / ٢٩٤ ]
(فان قلت "لا رجل حاضر". صح أن يكون المراد ليس احد من جنس الرجال حاضرًا، وأن يكون المراد "ليس رجل واحد حاضرًا". فيحتمل أن يكون هناك رجلان أو أكثر. ولذلك صح أن تقول "لا رجل حاضرًا، بل رجلان"، أو رجال. أما "لا" العاملة عمل "أنَّ"، فلا معنى لها إلا نفي الجنس نفيًا عامًا، فان قلت "لا رجل حاضر" كان المعنى "ليس أحد من جنس الرجال حاضرًا"، لذا لا يجوز أن تقول بعد ذلك "بل رجلان، أو رجال"، لأنها لنفي الجميع) .
واعلم أن الأولى في (لا) هذه أن تُهمَلَ ويُجعلَ ما بعدَها مبتدأً وخبرًا. واذا أُهملت، فالأحسنُ حينئذٍ أن تُكرَّرَ، كقوله تعالى "لا خوفٌ عليه، ولا هُم يَحزنونَ".
(لات) المشبهة بليس
تَعملُ (لاتَ) عَملَ (ليسَ) بشرطين
(١) أن يكون اسمُها وخبرها من أسماءِ الزمانِ، كالحينِ والساعةِ والأوانِ ونحوها.
(٢) أن يكون أحدُهما محذوفًا. والغالبُ أن يكونَ المحذوفُ هو اسمَها، كقوله تعالى ﴿ولاتَ حينَ مَناصٍ﴾، ومنه قول الشاعر [من الكامل]
ندِمَ الْبُغاةُ، ولاتَ ساعةَ مَنْدَم والْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وخِيمُ
ويجوزُ أن ترفع المذكورَ على أنه اسمُها، فيكون المحذوفُ منصوبًا على أنهُ خبرُها، غيرَ أنَّ هذا الوجهَ قليلٌ جدًا في كلامهم.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
واعلم أن (لات) إن دخلت على غير اسم زمانٍ كانت مهملةً، لا عملَ لها، كقوله [من الكامل]
لَهْفي عَلَيْكَ لِلَهْفَةٍ من خائفٍ يَبغِي جِواركَ حينَ لاتَ مُجيرُ
واعلم أن من العرب من يجرُّ بلاتَ، والجرُّ بها شاذ، قال الشاعر [من الخفيف]
طَلبوا صُلْحنا ولاتَ أَوانٍ فأجبْنا أَنْ ليْسَ حين بقاء
وعليه قولُ المتنبي [من البسيط]
لَقَدْ تَصبَّرْتُ، حَتَّى لاتَ مُصْطَبَرٍ والآنَ أَقْحَمُ، حتَّى لاتَ مُقْتَحَمِ
(إِنْ) المشبهة بليس
قد تكونُ (إنْ) نافيةً بمعنى (ما) النافية، وهي مُهمَلةٌ غير عاملةٍ. موقد تعملُ عملَ "ليس" قليلًا، وذلك في لغة أهل العالية من العرَبِ، ومنه قولهم "إنْ أحد خيرًا من أحدٍ إلاّ بالعافية" وقولُ الشاعر [من المنسرح]
إنْ هوَ مُسْتَوْليًا على أَحَدٍ إلاّ على أَضعَفِ الْمجانِين
وقولُ الآخر [من الطويل]
إنِ الْمَرْءُ مَيْتًا بانْقِضاءِ حياتهِ ولكنْ بأَنْ يُبْغَى عَلَيْهِ فَيُخذَلا
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وانما تعملُ عملَ (ليس) بشرطين
(١) أن لا يَتقدَّمَ خبرُها على اسمها. فان تقدَّمَ بَطلَ عملُها.
(٢) أن لا ينتقضَ نفيها بِـ (إِلا) . فان انتقضَ بطلَ عملُها، نحو (إنْ أنت إلاّ رجلٌ كريمٌ)، وانتقاضُ النفيِ المُوجبُ إبطالَ العملِ، إنما هو بالنسبة الى الخبر، كما رأيتَ، ولا يَضُرُّ انتقاضُهُ بالنسبة الى معمول الخبر، نحو (إن أنت آخذًا إلاّ بيد البائسينَ)، ونحو البيت (إنْ هو مستوليًا على أحدٍ الخ) .
واعلم أن الغالبَ في (إنْ) النافيةِ أن يقترنَ الخبرُ بعدها بِـ (إلاّ) كقوله تعالى "إنْ هذا إلاّ مَلَكٌ كريمٌ". وقد يستعملُ الكلامُ معها بدون (إلاّ)، كالبيت (إنِ المرءُ ميتًا بانقضاءِ حياته الخ) . ومنهُ قولهم (إن هذا نافعَكَ ولا ضارّكَ) .
فائدة
سمعَ الكسائي أعرابيًّا يقولُ (إنّا قائمًا)، فأنكرها عليه، وظنَّ أنها (إنَّ) المشدَّدةُ الناصبةُ للاسم الرافعةُ للخبر. فحقُّها أن ترفعَ (قائمًا)، فاستثبته فاذا هو يُريدُ "إنْ أنا قائمًا" أي ما أنا قائمًا، فتركَ الهمزةَ - همزة أنا - تخفيفًا وأدغم، على حد قوله تعالى ﴿لكنّا هو اللهُ ربي﴾، أي "لكن أنا".
[ ٢ / ٢٩٧ ]
(الأحرف المشبهة بالفعل)
الأحرفُ المشبَّهةُ بالفعل ستَّة، هي "إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنَّ وليتَ ولعلَّ".
وحكمُها أنها تدخلُ على المبتدأ والخبرِ فتنصبُ الأولَ، ويُسمّى اسمَها، وترفعُ الآخرَ، ويُسمّى خبرَها، نحو "إن اللهَ رحيمٌ. وكأنّ العلمَ نورٌ".
(وسميت مشبهة بالفعل لفتح أواخرها، كالماضي، ووجود معنى الفعل في كل واحدة منها. فان التأكيد والتشبيه والاستدراك والتمني والترجي، هي من معاني الافعال) .
ويجوزُ في (لعلَّ) أن يقالَ فيها (علَّ) كقوله [من الطويل]
فَقُلْتُ عساها نارُ كأْسٍ وعَلّها تَشَكّى، فآتي نَحْوَها فأعُودُها
وفيها لُغاتٌ أُخَرُ قليلةُ الاستعمال.
وفي هذا الفصل ثمانيةَ عشرَ مبحثًا.
(١) مَعاني الأَحرُفِ المُشَبَّهَةِ بالفعْلِ
معنى "إنَّ وأنَّ" التوكيدُ، فهما لتوكيدِ اتصافِ المُسنَدِ إليه بالمُسند.
ومعنى "كأنَّ" التشبيهُ المؤكدُ. لأنها في الاصل مُركبةٌ من "أنَّ" التوكيدية وكافِ التشبيه، فاذا قلتَ "كأنّ العلمَ نورٌ" فالاصلُ "إنَّ العلمَ كالنور" ثم إنهم لما أرادوا الاهتمامَ بالتشبيه، الذي عَقَدوا عليه الجملة،
[ ٢ / ٢٩٨ ]
قدّموا الكافَ، وفتحوا همزةَ "إنّ"، مكان الكاف، التي هي حرفُ جرّ، وقد صارت وإيّاها حرفًا واحدًا يُرادُ به التشبيهُ المؤكد.
ومعنى "لكنَّ" الاستدراكُ، والتوكيد، فالاستدراكُ نحو "زيدٌ شجاعٌ، ولكنه بخيل"، وذلك لانَّ من لوازم الشجاعةِ الجودَ، فاذا وصفنا زيدًا بالشجاعة، فرُبما يُفهمُ أنهُ جوادٌ أيضًا، لذلك استدركنا بقولنا "لكنه بخيل". والتوكيدُ نحو "لو جاءني خليلٌ لأكرمتُهُ، لكنه لم يجيء"، فقولك لو جاءني خليلٌ لأكرمتُه" يفهم منه أنه لم يجيء، وقولك "لكنه لم يجيء" تأكيدٌ لنفي مجيئه
ومعنى "ليتَ" التمني، وهو طلبُ مالا مطمع فيه، أو ما فيه عُسرٌ، فالأول كقول الشاعر [من الوافر]
أَلا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَومًا فأُخبرَهُ بما فَعَل المَشِيبُ
والثاني كقول المعسر "ليتَ لي ألفَ دينارٍ".
وقد تُستعمل في الامر الممكن، وذلك قليلٌ، نحو "ليتك تذهب".
ومعنى (لعلَّ) الترجّي والاشفاقُ. فالترجي طلبُ الامرِ المحبوب، نحو "لعلَّ الصديقَ قادمٌ". والاشفاقُ هو الحذَرُ من وقوع المكروه، نحو "لعلّ المريضَ هالكٌ". وهي لا تُستعملُ إلاّ في الممكن.
وقد تأتي بمعنى (كي)، التي للتعليل، كقولك "إبعثْ إليّ بدابتك، لعلي أركبها"، أي كي أركبها. وجعلوا منه قوله تعالى ﴿لعلكم تتَّقون. لعلّكم تعقلون. لعلّكم تَذكّرون﴾، اي "كي تَتقوا، وكي تَعقلوا، وكي تَتذكّروا".
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وقد تأتي ايضًا بمعنى الظنَّ، كقولك "لعلي أزورُك اليوم". والمعنى أظنَّني أزورك. وجعلوا منه قولَ امريء القيس [من الطويل]
وبُدِّلْتُ قَرْحًا دامِيًا بَعْدَ صِحَّةٍ لَعَلَّ مَنايانا تَحُولَنَّ أَبْؤُسا
وبمعنى (عسى)، كقولك (لعلَّكَ أن تجتهدَ) . وجعلوا منه قولَ مُتَمّمٍ [من الطويل]
لَعَلَّكَ يَوْمًا أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ عَلَيْكَ، منَ اللاَّتي يَدَعْنَكَ أَجدَعا
بدليل دخول (أنْ) في خبرها، كما تدخل في خبر (عسى) .
(٢) الْخَبرُ المُفْرَدُ، والْجُمْلَةُ، والشبيهُ بالجملة
يقع خبر الاحرفِ المشبّهة بالفعل مفردًا (أي غيرَ جملةٍ ولا شبْهَها) نحو "كأنَّ النّجمَ دينارٌ"، وجملةً فعليّةً، نحو "لعلك اجتهدتَ. وإنَّ العلمَ يُعَزَّزُ صاحبهُ"، وجملة اسمية، نحو "إنَّ العالمَ قدرُهُ مرتفعٌ" وشِبْهَ جُملةٍ (وهو أن يكون الخبر مُقدَّرًا مدلولًا عليه بظرفٍ أو جارّ ومجرورٍ يتعلقانِ بهِ)، نحو "إنّ العادلَ تحتَ لِواءِ الرَّحمن، وإن الظالمَ في زُمرة الشيطان".
(والخبر هنا يصح أن تقدره مفردًا ككائن وموجود، وأن تقدره جملة ككان ووجد، أو يكون ويوجد. فهو مفرد. باعتبار تقديره مفردًا، وجملة، باعتبار تقديره جملة، فالحقيقة فيه أنه شبيه بالمفرد وبالجملة، وتسميته بشبه الجملة فيها اكتفاء واقتصار) .
[ ٢ / ٣٠٠ ]
(٣) حَذْفُ خَبَرِ هذهِ الأَحرُف
يجوز حذف خبرِ هذه الاحرفِ. وذلك على ضربينِ جائز وواجب
فيُحذَفُ جوازًا، اذا كان كونًا خاصًا (أي من الكلماتِ التي يُرادُ بها معنًى خاصّ)، بشرطِ أن يدُلَّ عليه دليلٌ، كقوله تعالى ﴿إنَّ الذينَ كفروا بالذّكر لمّا جاءهم. وانهُ لكتابٌ عزيزٌ﴾ .
(أي إن الذين كذبوا بالذكر معاندون، أو هالكون، أو معذبون) .
وقال الشاعر [من الطويل]
أَتَوْنِي، فَقالوا يا جَميلُ، تَبَدَّلتْ بُثَيْنَةُ أَبْدالًا، فَقُلْتُ لَعَلَّها
(أي لعلها تبدَّلت، أو لعلها فعلت ذلك) .
ويحذفُ وجوبًا، اذا كان كونًا عامًا (أي من الكلمات التي تدُلُّ على وجودٍ أو كونٍ مُطلقَينِ، فلا يُفهَمُ منها حَدَثٌ خاصٌّ أو فعلٌ معيَّنٌ، ككائنٍ، أو موجود، أو حاصلٍ) وذلك في موضعينِ
(١) الاولُ بعدَ "ليتَ شِعري"، اذا وَلِيَها استفهامٌ، نحو "ليتَ شِعري هل تنهضُ الأمةُ؟ وليتَ شِعري متى تنهضُ؟ "، قال الشاعر [من الطويل]
ألاَ لَيْتَ شِعْري كَيْفَ جادَتْ بِوَصْلِها؟ وكيفَ تُراعي وُصْلةَ المُتَغَيِّبِ
(أي ليت شعري (أي علمي) حاصل. والمعنى ليتني أشعر بذلك، أي أعلمه وأدريه. وجملة الاستفهام في موضع نصب على أنها مفعول به لشعري، لأنه مصدر شعر) .
[ ٢ / ٣٠١ ]
(٢) أن يكونَ في الكلام ظرفٌ أو جار ومجرورٌ يتعلقانِ به، فيُستغنى بهما عنهُ، نحو "إنَّ العلمَ في الصدور. وانَّ الخيرَ أمامك".
(فالظرف والجار متعلقان بالخبر المحذوف المقدر بكائن أو موجود أو حاصل) .
(٤) تَقَدُّمُ خبَرِ هذِه الأَحرُف
لا يجوزُ تقدُّمُ خبرِ هذه الاحرف عليها، ولا على اسمها.
اما معمولُ الخبرِ، فيجوزُ أن يتقدَّم على الاسم، ان كان ظرفًا أو مجرورًا بحرف جرٍّ، نحو "إنَّ عندَك زيدًا مُقيمٌ"، قال الشاعر [من الطويل]
فَلا تَلْحَني فيها، فإنَّ بِحُبِّها أَخاكَ مُصابُ الْقَلْبِ جُمٌّ بَلابِلُهْ
ومن ذلك أن يكون الخبرُ محذوفًا مدلولًا عليه بما يتعلقُ به من ظرفٍ مأو جارٍّ ومجرورٍ مُتقدمين على الاسم، نحو "إنَّ في الدَّار زيدًا"، ومنهُ قولهُ تعالى "إنَّ فيها قومًا جبّارينَ، وقولهُ "إنَّ مع العُسرِ يُسرًا".
(فالظرف والجار متعلقان بالخبر المحذوف غير أنه يجب أن يقدر متأخرًا عن الاسم، إذ لا يجوز تقديمه عليه. كما علمت. وليس الظرف أو الجار والمجرور هو الخبر، كما يتساهل بذلك كثير من النحاة، وإنما هما معمولان للخبر المحذوف، لأنهما متعلقان به) .
ويجبُ تقديمُ معمولِ الخبر، إن كان ظرفًا أو مجرورًا، في موضعين
[ ٢ / ٣٠٢ ]
(١) أن يَلزمَ من تأخيره عودُ الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً وذلك ممنوعٌ نحو "إنَّ في الدَّار صاحبَها".
(فلا يجوز أن يقال "ان صاحبها في الدار) "، لأن "ها" عائدة على الدار. وهي متأخرة لفظًا، وكذلك هي متأخرة رتبة، لأن معمول الخبر رتبته التأخير كالخبرِ".
(٢ (أن يكون الاسمُ مُقترِنًا بلامِ التأكيد، كقوله تعالى ﴿وإنَّ لنا للآخرة والأولى﴾، وقولهِ ﴿إنَّ في ذلك لَعِبْرةً لأولي الأبصارِ﴾ .
أما تقديمُ معمولِ الخبرِ على الخبر نفسهِ، بحيثُ يَتوَّسطُ بينَ الاسمِ والخبر، فجائزٌ، سواءٌ أكانَ معمولهُ ظرفًا أو مجرورًا أم غيرَهما، فالاولُ نحو "إنكَ عندَنا مقيمٌ"، والثاني نحو "إنكَ في المدرسة تتعلّمُ"، والثالث نحو "إنَّ سعيدًا دَرْسَهُ يكتبُ".
فائدة
متى جاء بعد "إن" أو إحدى أخواتها ظرف أو جار ومجرور، كان اسمها مؤخرًا. فليتنبه الطالب الى نصبه، فان كثيرًا من الكتاب والمتكلمين يخطئون فيرفعونه، لتوهمهم أنه خبرها نحو "إن عندك لخبرًا"، ونحو "لعل في سفرك خيرًا".
(٥) لامُ التأْكيدِ بعدَ "إنَّ" المَكسورةِ الهمزة
تختصُّ "إنَّ"، المكسورةُ الهمزةِ، دونَ سائرِ أخواتها، بجوازِ دخولِ لامِ التأكيد، ِ، وهي التي يُسمونها (لامَ الابتداءِ) على اسمها، نحو "إنَّ في السماءِ لخَبَرًا، وإنَّ في الارض لَعِبَرًا"، وعلى خبرها نحو "إنَّ الحقَّ
[ ٢ / ٣٠٣ ]
َلمنصورٌ، وعلى معمول خبرها، نحو "إنه للخيرَ يفعلُ"، وعلى ضمير الفصلِ نحو "إنَّ المجتهدَ لَهُوَ الفائزُ".
(٦) شَروطُ ما تَصحَبُهُ لامُ التأكيد
(١) يُشترطُ في دخول لام التأكيد على اسم "إنَّ" أن تقع بعدَ ظرفٍ أو جارٍّ ومجرورٍ يتعلقان بخبرها المحذوف، نحو "إن عندَك لخَيرًا عظيمًا، وإنَّ لك لخُلُقًا كريمًا".
(فان وقع قبلهما لم يجز اقترانه باللام فلا يقال "إن لخيرًا عندك، وإن لخلقًا كريمًا لك") .
(٢) يُشترط في دخولها على الخبر أن لا يقترنَ بأداةِ شرطٍ أو نفي، وأن لا يكون ماضيًا مًتصرفًا مُجرَّدًا من "قد". فان كان الخبرُ واحدًا منها لم يَجُز دخولُ هذه اللام عليه. فمثالُ المستكملِ للشرط " ﴿إن ربي لسميع الدُّعاء﴾ . ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيعلمُ﴾ . ﴿وإنَّا نحنُ نُحيي الموتى﴾ ".
ومتى استَوفى خبرُ "إنَّ" شروط اقترانه بِلام التأكيد، جاز دخولها عليه، لا فرقَ أن يكون مفردًا، نحو "إنَّ الحق لمنصورٌ"، أو جملةً اسميَّةتً، نحو "إنَّ الحقَّ لصَوتُهُ مرتفعٌ، أو جملةً مضارعيّةً، نحو "إنَّ ربّكَ ليَحكُمُ بينهم"، أو جملةً ماضيَةً فعلها جامدٌ، نحو "إنك لَنِعْمَ الرجل"، أو متصرفٌ مقترنٌ بقد، نحو "إنَّ الفرَجَ لقدْ دَنا".
واذا حُذفَ الخبرُ، جازَ دخولُ هذهِ اللامِ على الظرف أو الجار المتعلّقينِ به، نحو "إن أخاكَ لعندي، وإنَّ أباكَ لَفي الدّار"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وانك لَعَلى خُلُقٍ عظيم﴾ .
[ ٢ / ٣٠٤ ]
(٣) يُشترطُ في دخولها على مفعول الخبر شرطان، الاول أن يتوسَّطَ بين اسمها وخبرها. والثاني ان يكونَ الخبرُ ممّا يَصلُحُ لدخول هذه اللامِ عليه، نحو "إنَّ سليمًا لفي حاجتك ساعٍ، وإنه لَيومَ الجمعةِ آتٍ، وإنهُ لأمرَكَ يُطيعُ".
(٤) أما ضميرُ الفصلِ، فلا يُشترطُ في دخولها عليه شيءٌ، كقوله تعالى ﴿إنَّ هذا لَهُوَ القَصَصُ الحقُّ﴾ .
(وضمير الفصل هو ما يؤتى به بين المبتدأ والخبر، أو بين ما أصله مبتدأ وخبر للدلالة على أنه خبر لا صفة. وهو يفيد تأكيد اتصاف المسند إليه بالمسند. وهو حرف لا محل له من الاعراب، على الأصح من أقوال النحاة، وصورته كصورة الضمائر المنفصلة وهو يتصرف تصرفها بحسب المسند اليه، إلا أنه ليس إياها.
ثم إن دخوله بين المبتدأ والخبر المنسوخين بكان وظن وأن واخواتهن تابع لدخوله بينهما قبل النسخ، نحو "إن زهيرًا هو الشاعر". وكان علي هو الخطيب وظننت عبد الله هو الكاتب) .
(وضمير الفصل حرف كما قدمنا وإنما سمي ضميرًا لمشابهته الضمير في صورته. وسمي ضمير فصل لأنه يؤتى به الفصل بين ما هو خبر أو صفة، لأنك إن قلت "زهير المجتهد"، جاز أنك تريد الإخبار وأنك تريد النعت. فان أردت أن تفصل بين الأمرين. وتبين أن مرادك الإخبار لا الصفة. أتيت بهذا الضمير للاعلان من أول الأمر بأن ما بعده خبر عما قبله لا نعت له، ثم انه يفيد تأكيد الحكم، لما فيه من زيادة الربط.
ومن العلماء من يسمي ضمير الفصل "عمادًا" لاعتماد المتكلم أو السامع عليه في التفريق بين الخبر والصفة) .
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وقد شرحنا ضمير الفصل في الجزء الاول من هذا الكتاب، في الكلام على الضمائر، فراجعه.
شرحُ لامِ الابتداء
تدخلُ لامُ الابتداء في ثلاثة مواضع.
الاولُ في باب المبتدأ. وذلك في صورتين
(١) ان تدخلَ على المبتدأ، والمبتدأ مُتقدّمٌ على الخبر، ودخولها عليه هو الاصل فيها نحو ﴿لأنتم أشد رَهبةً في صُدورهم﴾ . فان تأخرَ عن الخبر امتنعَ دخولها عليه، فلا يُقال "قائمٌ لَزيدٌ". وما سُمعَ من ذلك فلضَرورةِ الشعر، وهو شاذٌّ لا يُقاس عليه.
(٢) ان تدخل على الخبر بشرط ان يتقدم على المبتدأ، نحو "لمُجتهدٌ انتَ" فان تأخرَ عنهُ امتنع دخولها عليه، فلا يقال "انت لمجتهدٌ". وما سُمعَ من ذلك فشادٌّ لا يُلتفتُ اليه. ومن العلماءِ من لا يُجيزُ دُخولها على خبر المبتدأ، سواءٌ أتقدَّمَ أم تأخر.
الموضع الثاني في باب "إن" المكسورةِ الهمزة. وقد سبقَ انها تدخل على اسمها المتأخر، وعلى خبرها، اسمًا كان، او فعلًا مضارعًا، او ماضيًا جامدًا أو ماضيًا متصرفًا مقرونًا بِقَدْ، أو جملة اسميَّة. وعلى الظرف والجارّ المُتعلقينِ بخبرها المحذوف دالين عليه، وعلى معمول خبرها.
الموضعُ الثالثُ في غير بابيِ المبتدأ وإنّ. وذلك في ثلاث مسائل
(١) الفعلُ المضارع، نحو "لَتَنهض الأمة مُقتفيةً آثارَ جدودها".
(٢) الماضي الجامد، نحو ﴿لَبئسَ ما كانوا يعملون﴾ .
[ ٢ / ٣٠٦ ]
(٣) الماضي المتصرف المقرون بِقَدْ، نحو "لَقد كان لكمخ في يوسفَ وإخوتِهِ آياتٌ".
ومن العلماء من يجعلُ اللامَ الداخلةَ على الماضي، في هذا الباب، لامَ القسم فالقسم عنده محذوف، ومصحوب اللام جوابُه.
واعلم أنَّ للام الابتداء فائدتين.
الفائدة الأولى توكيدُ مضمونِ الجملة المُثبتة. ولذا تُسمّى "لام التوكيد" وإنما يُسمونها لامَ الابتداء لأنها في الاصل، تدخل على المبتدأ، أو لأنها تقع في ابتداء الكلام.
وإذْ كانت للتوكيد فانها متى دخلت عليها "إنَّ" زحلقوها الى الخبر، نحو ﴿إنَّ ربي لَسميع الدعاء"، وذلك كراهية اجتماع مُؤكدينِ في صدر الجملة، وهما "إنَّ واللام". ولذلك تُسمّى "اللامَ المزخلَقَةً أيضًا".
وإِذْ كانت هذه اللام للتوكيد في الإثبات، امتنعت من الدخول على المنفيِّ لفظًا أو معنى، فالاول نحو "انكَ لا تكذبُ"، والثاني نحو "إنك لو اجتهدتَ لأكرمتُكَ. وإنك لولا اهمالُكَ لَفُزتَ". فالاجتهادُ والإكرامُ مُنتفيانِ بعدَ "لو"، والفوزُ وحدَهُ مُنتفٍ بعدَ "لولا".
الفائدةُ الثانيةُ تَخليصها الخبرَ للحال، لذلك كان المضارع بعدها خالصًا للزمان الحاضر، بعد أن كان مُحتملًا للحال والاستقبال.
واذْ كانت لتوكيد الخبرِ في الحال امتنعت من الماضي والمضارع المُستقبل، الا ان يكون الماضي جامدًا او مُتصرِّفًا مقترنًا بِقدْ. اما الجامدُ فلأنه لا يَدلُّ على حدثٍ ولا زمان. وأما المقترنُ بِقدْ فلأنّ (قد) تُقرِّبُ الماضيَ من الحال.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ولا فرقَ بينَ ان يكون المضارعُ المستقبلُ مسبوقًا بأداةٍ تَمحَضُه الاستقبالِ كالسين وسوفَ وأدواتِ الشرطِ الجازمة وغيرها، او غيرَ مسبوقٍ بها، وانما القرينةُ تدلُّ على استقباله، نحو "إنه يجيءُ غدًا". وأما قوله تعالى ﴿إنَّ ربكَ لَيحكُمُ بينَهم يوم القيامة﴾، فانما جازَ دخولُ اللام لأنَّ المستقبل هنا مُنزَّلٌ مَنزلةَ الحاضرِ لتحقُّق وقوعهِ، لأنَّ الحكمَ بينهم واقعٌ لا محالةَ. فكأنهُ حاضر، وكذا قولهُ تعالى ﴿ولَسوفَ يُعطيكَ ربُّكَ فترضى﴾، فانَّ الإعطاءَ مُحقَّقٌ، فكأنه واقعٌ حالًا. وأما قوله ﷿ على لسان يعقوبَ ﴿انهُ ليحزُنُني ان تذهبوا به﴾، فانّ الذهابَ، وان كان مُستقبلًا فان أثرَهُ، وهو الحزنُ، حاضرٌ، فانهُ حَزِنَ لمُجرَّدِ علمهِ انهم ذاهبُون به، فلم يخرُج المضارعُ هنا، وهو (يُحزُنني)، عن كونهِ للحال.
ويرى بعض العلماء (وهمُ الكوفيُّون) انها لا تمحَضُ المضارع الحالَ، بل يجوز ان تدخل عَليه مُستقبل، بالأداة او بِدونها، وجعلوا الاستقبالَ في الآياتِ على حقيقته.
(٨) "ما" الكافَّةُ بعدَ هذهِ الأحرُف
اذا لحقت (ما) الزائدةُ الاحرفَ المُشبّهةَ بالفعل، كفتّها عن العمل، فيرجعُ ما بعدها مبتدأً وخبرًا. وتُسمّى (ما) هذه (ما الكافةَ) لأنها تَكُفُّ ما تلحقُهُ عن العمل، كقوله تعالى ﴿إنما إِلهكُم إِلهٌ واحدٌ"﴾، ونحو ﴿كأنما العلمُ نورٌ﴾ و(لَعلَّما اللهُ يرحمُنا) .
غير أنَّ (ليتَ) يجوزُ فيها الإِعمالُ والإِهمالُ، بعدَ أن تَلحقَها (ما) هذه، تقولُ (ليتما الشبابَ يعودُ) و(ليتما الشبابُ يعودُ) . واعمالُها حينئذ أحسنُ من اهمالها. وقد رُوِيَ بالوجهينِ، نصبِ ما بعدَ (ليتما) ورفعه، قولُ الشاعرِ [النابغة - من البسيط]
[ ٢ / ٣٠٨ ]
قالتْ أَلاَ لَيتَما هذا الحمامَ لنا إلى حَمامَتِنا، أو نِصْفَهُ فَقَدِ
(فالنصب على أن (ليتما) عاملة، و(ذا) اسمها، و"الحمام" بدل منه. والرفع على أنها مهملة مكفوفة بما، و(ذا) مبتدأ، و"الحمام" بدل منه. وكذا "نصفه" إن نصبت الحمام نصبته، وإن رفعته رفعته، لأنه معطوف عليه) .
ومتى لحقت (ما الكافَّة) هذهِ الاحرفَ زالَ اختصاصُها بالأسماء. فَلِذا أُهملت، وجازَ دخولُها على الجملة الفعليّة، كما تدخلُ على الجملة الاسميَّة، إلاَّ (ليتَ) . فمن دخولها على الجملةِ الفعلية قولهُ تعالى ﴿كأنما يُساقونَ الى الموت﴾ وقول الشاعر [من الطويل]
أَعِدْ نَظَرًا يا عَبْدَ قَيْسٍ، لَعَلَّما أَضاءَتْ لكَ النَّارُ الحِمارَ المُقَيَّدا
ومن دخولها على الجملة الاسميَّة قوله تعالى ﴿قل انما انا بشرٌ مثلُكُم يُوحى إليَّ أنما إلهكم إلهُ واحدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]،، وقولهُ ﴿إنما اللهُ إِلهٌ واحدٌ﴾ [النساء: ١٧١] .
وأما (ليتَ) فانها باقيةٌ على اختصاصها بالأسماءِ، بعدَ أن تلحقها (ما الكافةُ) فلا تدخلُ على الجُمل الفعليَّة، لذلك يُرَجَّحُ ان تبقى على عملها من نصب الاسمِ ورفعِ الخبر، كما تقدَّم.
فائدة وتنبيه
(إن كانت (ما) اللاحقة لهذه الأحرف اسمًا موصولًا، او حرفًا مصدريًا، فلا تكفها عن العمل، بل تبقى ناصبة للاسم رافعة للخبر. فان لحقتها (ما الموصولة) كانت (ما) اسمها منصوبة محلًا، كقوله تعالى ﴿إن ما عندكم ينفد﴾، أي إن الذي عندكم ينفد. وإن لحقتها (ما المصدرية) كان
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ما بعدها في تأويل مصدر منصوب، على انه اسم "ان" نحو "إن ما تستقيم حسن"، أي ان استقامتك حسنة. وحينئذ تكتب (ما) منفصلة. كما رأيت. بخلاف (ما الكافة)، فانها تكتب متصلة كما عرفت فيما سلف. وقد اجتمعت "ما" المصدرية و"ما" الكافة في قول امرئ القيس [من الطويل]
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب، قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثلٌ وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
فما في البيت الاول مصدرية. والتقدير لو ان سعيي. وفي البيت الآخر زائدة كافة، أي ولكني أسعى لمجد مؤثل) .
(٩) العَطْفُ على أسماء هذهِ الأَحرُف
اذا عطفتَ على اسماءِ الاحرف المشبَّهة بالفعل، عطفت بالنصب، سواءٌ أوقعَ المعطوفُ قبلَ الخبر ام بعدَهُ، فالاولُ نحو (إنَّ سعيدًا وخالدًا مسافرانِ)، والثاني نحو (إنَّ سعيدًا مُسافرٌ وخالدًا) .
وقد يُرفعُ ما بعدَ حرف العطف، بعدَ استكمالِ الخبر، على انهُ مبتدأٌ محذوفُ الخبر، وذلك بعد (إنَّ وأنَّ ولكنَّ) فقطْ، فمثالُ (إنَّ) " (إنَّ سعيدًا مسافرٌ وخالدٌ)، ومنهُ قولُ الشاعر [من الطويل]
[ ٢ / ٣١٠ ]
فَمَنْ يَكُ لم يُنْجِبْ أَبُوهُ وأُمُّهُ فَإنَّ لَنا الأُمَّ النَّجيةَ، والأَبُ
وقول الآخر [من الكامل]
إنَّ الخِلافَة والمُروءَةَ فيهمُ والمَكْرُماتُ وسادةٌ أطهارُ
ومثالُ (أنَّ) قوله تعالى (واذانٌ من الله ورسولهِ الى الناس يومَ الحجِّ الاكبرِ أنَّ اللهَ بريءٌ من المشركينَ، ورسولهُ) .
ومثالُ "لكنَّ) قولُ الشاعر [من الطويل]
وما زِلتُ سَبَّاقًا إلى كُلِّ غايةٍ بها يُبْتَغَى في النَّاس مَجدٌ وإِجلالُ
وما قَصَّرَتْ بِي في التَّسامي خُؤُولةٌ ولكنَّ عمِّي الطَّيِّبُ الأَصلِ والخالُ
[ ٢ / ٣١١ ]
وقد يُرفعُما بعدَ العاطف قبل استكمالِ الخبر، لغرضٍ معنوي، على أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبر "فتكونُ جُملتُهُ مُعترِضةً بينَ اسمِ (إنّ) وخبرِها، كقول الشاعر [من الطويل]
فَمَنْ يَكُ أَمسَى بالمدينَةِ رَحْلُهُ فإنِّي، وقَيَّارٌ، بِها لَغَريبُ
(غريب خبر عن اسم، "إن"، وقيار مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير وقيار غريب بها ايضًا. وقيار اسم فرسه او جمله. وانما قدمه واعترض بجملته بين اسم إن وخبرها لغرض ان هذا الفرس او الجمل استوحش في هذا البلد، وهو حيوان، فما بالك بي، فلو نصب بالعطف على اسم "ان" فقال "فاني وقيارًا بها لغريبان"، لم يكن من ورائه شدة تصوير الاستيحاش الذي يعطيه الرفع في هذا المقام) .
ومنهُ قولهُ تعالى ﴿(إنَّ) الذينَ آمنوا والذينَ هادُوا، والصابئون، والنصارى، مَن آمنَ منهم باللهِ واليومِ الآخرِ وعملَ صالحًا، فلا خَوفٌ عليهم ولا هم يَحزنون﴾ [المائدة: ٦٩] .
فالصابئون مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير والصابئون كذلك، اي لهم حكم الذين آمنوا والنصارى واليهود. والجملة معترضة بين اسم "ان" وخبرها، وخبر الخبر هو جملة الجواب والشرط، والغرض من رفع "الصابئون" وجعله مبتدأ محذوف الخبر أنه لما كان الصابئون، مع ظهور ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها، يتاب عليهم إن صح منهم الايمان، واعتصموا بالعمل الصالح، فغيرهم ممن هو على دين سماوي وكتاب منزل، أولى بذلك) .
[ ٢ / ٣١٢ ]
(١٠) إنَّ المكسورةُ، وأَنَّ المفتوحة
يجبُ ان تُكسرَ همزةُ (إنَّ) حيث لا يصحُّ ان يقومَ مقامَها ومقام معمولَيها مصدرٌ.
ويجبُ فتحُها حيثُ يجبُ ان يقوم مصدرٌ مقامَها ومقامَ معموليها.
ويجوزُ الامرانِ الفتحُ والكسرُ، حيثُ يَصحُّ الاعتبارانِ.
(فان وجب أن يؤول ما بعدها بمصدر مرفوع أو منصوب أو مجرور (بحيث تضطر الى تغيير تركيب الجملة)، فهمزتها مفتوحة وجوبًا، نحو "يعجبني أنك مجتهد"، والتأويل "يعجبني اجتهادك" ونحو "علمت ان الله رحيم"، والتأويل "علمت رحمة الله"، ونحو "شعرت بأنك قادم"، والتأويل "شعرت بقدومك". وانما وجب تأويل ما بعد "أن" هنا بمصدر لأننا لو لم نؤوله، لكانت "يعجبني" بلا فاعل، "وعلمت" بلا مفعول، و"الباء" بلا مجرور فالمصدر المؤول فاعل في المثال الاول، ومفعول في المثال الثاني، ومجرور بالباء في المثال الثالث.
وان كان لا يصح أن يؤول ما بعدها بمصدر (بمعنى أنه لا يصح تغيير التركيب الذي هي فيه) وجب كسر همزتها على أنها هي وما بعدها جملة، نحو "ان الله رحيم". وإنما لم يصح التأويل بالمصدر هنا لأنك لو قلت "رحمة الله" لكان المعنى ناقصًا.
وان جاز تأويل ما بعدها بمصدر، وجاز ترك تأويله به، جاز الامران، فتحها وكسرها نحو "أحسن إليّ علي، انه كريم"، فالكسر هنا على أنها مع ما بعدها جملة تعليلية، والفتح على تقدير لام الجر، فما بعدها مؤول بمصدر. والتأويل "أحسن اليه لكرمه".
[ ٢ / ٣١٣ ]
وحيث جاز الامران فالكسر أولى وأكثر لانه الاصل، ولانه لا يحتاج معه الى تكلف التأويل) .
(١١) مَواضعُ "إِنَّ" المكسُورة الهمزة وجوبًا
تُكسرُ همزةُ (إنَّ) وجوبًا حيثُ لا يصحُّ أن يُؤَوّلَ ما بعدَها بمصدر، وذلك في اثنيْ عَشر موضعًا
(١) ان تقعَ في ابتداءِ الكلام، إمَّا حقيقةً، كقوله تعالى ﴿إنا انزلناهُ في ليلة القَدْرِ﴾، أو حُكمًا، كقوله ﷿ ﴿ألا إنَّ اولياءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون﴾ .
وإن وقعتْ بعدَ حرف تنبيه، كألا، اوِ استفتاحٍ، كألا وأمَا، او تحضيضٍ كهَلًا، او رَدْعٍ، كَكَلاَّ، او جوابٍ، كنَعْم ولا، فهي مكسورةُ الهمزةِ، لانها في حكم الواقعة في الابتداء.
وكذا إن وقعت بعدَ (حتّى) الابتدائية، نحو "مَرِضَ زيدٌ، حتى إنهم لا يَرجونه، وقَلَّ مالُه، حتى إنهم لا يُكلّمونه". والجملة بعدَها لا محلَّ لها من الاعراب لانها ابتدائيةٌ، او استئنافيّة.
(٢) أن تقعَ بعد (حيث) نحو "اجلِسْ حيث إنَّ العلم موجود".
(٣) أن تقعَ بعد (إذْ) نحو "جئتُكَ إذْ إنِّ الشمسَ تطلُعُ".
(٤) أن تقعَ صدرَ الواقعةِ صِلَةً للموصول، نحو "جاء الذي إنه مجتهدٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وآتيناهُ من الكنوزِ ما إن مَفاتحَهُ لتَنوء بالعُصبةِ أولي القوَةِ﴾ .
(٥) أن تقعَ ما بعدَها جوابًا للقسَم، نحو واللهِ، "انَّ العلمَ نورٌ"،
[ ٢ / ٣١٤ ]
ومنه قولهُ تعالى ﴿والقرْآنِ الحكيمِ، انكَ لَمنَ المُرسلينَ﴾ .
(٦) أن تقعَ بعد القولِ الذي لا يَتضمَّنُ معنى الظنِّ، كقوله تعالى ﴿قال إني عبدُ اللهِ﴾، فان تَضمَّنَ معناهُ فُتحت بعدهُ، لأنَّ ما بعدَها مَؤوَّلٌ حينئذٍ بالمفعول به، نحو "أتقولُ أن عبدَ الله يَفعلُ هذا؟ "، أي "أتظنُّ أنهُ يَفعلهُ؟ ".
(٧) أن تقعَ معَ ما بعدها حالًا، نحو "جئتُ وإِنَّ الشمس تَغرُبُ"، ومنه قولهُ تعالى ﴿كما أخرجَكَ رَبُّكَ من بيتكَ بالحقِّ، وإنّ فريقًا منَ المُؤمنينَ لكارهون﴾ .
(٨) أن تقعَ معَ ما بعدَها صفةً لما قبلها، نحو "جاءَ رجلٌ إنه فاضل".
(٩) أن تقعَ صدرَ جملةٍ استئنافيَّةٍ، نحو "يَزعُمُ فلانٌ أني أسأتُ اليهِ، إنه لكاذبٌ﴾ . وهذهِ من الواقعة ابتداءً.
(١٠) أن تقعَ في خبرِها لامُ الابتداء نحو "علمتُ إنكَ لمجتهدٌ". ومنه قولهُ تعالى ﴿واللهُ يَعلمُ إنكَ لرسولُه، واللهُ يشهدُ إنَّ المُنافقينَ لكاذبون﴾ .
(١١) ان تقعَ مع ما بعدَها خبرًا عن اسم عين، نحو "خليلٌ إنه كريمٌ" ومنه قولهُ تعالى ﴿إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصّابِئينَ والنَّصارى والمجُوسَ والذينَ اشركوا، إنَّ اللهَ يَفصِلُ بينهم يومَ بالقيامة﴾ .
[ ٢ / ٣١٥ ]
(١٢) مَواضعُ "أَنَّ" المفْتوحةِ الهمزة وجوبًا
تُفتحُ همزةُ "أنّ" وجوبًا حيثُ يجبُ ن يؤوَّلَ ما بعدَها بمصدرٍ مرفوع او منصوبٍ أو مجرور. وذلك في أحدَ عشرَ موضعًا
فيؤوَّل ما بعدها بمصدرٍ مرفوعٍ في خمسة مواضع
(١) ان تكون وما بعدها في موضع الفاعل، نحو "بلغني أنك مجتهدٌ" ومنه قولهُ تعالى ﴿أَولم يَكْفِهم أنا أنزلنا عليكَ الكتاب﴾ .
ومن ذلك أن تقع بعد "لَوْ"، نحو "لو انك اجتهدتَ لكان خيرٌ لك"، ومنه قولهُ تعال ﴿ولو أنهم آمنوا واتقَوْا لمثوبة من الله خيرٌ﴾ .
ومن ذلك ان تقع بعد "ما" المصدريّة الظَّرفيَّة، نحو "لا أُكلمك ما أنك كسُولٌ"، ومنه قولُهُمْ (لا أُكلِّمهُ ما أنَّ حراءً مكانَه) او (ما أنَّ في السماءِ نجمًا) .
(٢) أن تكون هي وما بعدها في موضعِ نائب الفاعل، نحو "عُلمَ انك منصرفٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿قُل أُوحِيَ اليَّ انه استمعَ فَفَرٌ من الجن﴾ .
(٣) ان تكونَ هي وما بعدها في موضع المبتدأ، نحو "حَسَنٌ انك
[ ٢ / ٣١٦ ]
مجتهدٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿ومن آياته انك تَرى الارضَ خاشعةً﴾ .
(٤) ان تكون هي وما بعدها في موضع الخبر عن اسم معنًى واقعٍ مبتدأ او اسمًا لأنَّ، نحو "حَسبُكَ انكَ كريمٌ"، ونحو "ان ظني انك فاضلٌ". فان كان المخبَرُ عنهُ اسمَ عينٍ وجب كسرُها، كما تقدَّمَ، لانك لو قلت "خليلٌ انهُ كريمُ"، بفتحها، لكانَ التأويلُ "خليلٌ كرَمُهُ"، فيكونُ المعنى ناقصًا.
(٥) ان تكون هي وما بعدها في موضعِ تابعٍ لمرفوعٍ، على انه معطوفٌ عليهِ او بَدَلٌ منه، فالاولُ نحو "بلغني اجتهادُك وانكَ حَسَنُ الخُلُق"، والثاني نحو "يُعجبُني سعيدٌ انهُ مجتهدٌ".
وتُؤَوَّلُ بمصدرٍ منصوبٍ في ثلاثةِ مواضعَ
(١) ان تكون هي وما بعدها في موضع المفعول به، نحو "علمتُ أنكَ مجتهدٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿ولا تخافون انكم أشركتم باللهِ﴾ . ومن ذلك ان تقع بعد القول المتَضمّنِ معنى الظنّ، كما سبق.
(٢) أن تكون هي وما بعدها في موضعِ خبرٍ لكانَ او إحدى أخواتها، بشرطِ ان يكون اسمُها اسمَ معنًى، نحو "كانَ عِلمي، او يَقيني، أنك تتَّبعُ الحقَّ".
[ ٢ / ٣١٧ ]
(٣) ان تكون هي وما بعدها في موضعِ تابعٍ لمنصوبٍ، بالعطف او البَدَليّة فالاوَّلُ نحو "علمتُ مجيئَكَ وأنكَ مُنصرفٌ" ومنهُ قولهُ تعالى ﴿اذكروا نِعمتيَ التي انعمتُ عليكم، واني فَضَّلتكم على العالمين﴾، والثاني نحو "احترمتُ خالدًا انه حَسَنُ الخُلقْ" ومنه قولهُ تعالى ﴿واذْ يَعِدُكم الله إحدى الطائفتين انها لَكُم﴾ .
وتؤَوَّلُ بمصدرٍ مجرورٍ في ثلاثة مواضعَ ايضًا
(١) ان تقعَ بعد حرف الجر، فما بعدَها في تأويل مصدرٍ مجرورٍ به، نحو "عَجبتُ من انكَ مُهملٌ"، ومنه قولهُ تعالى ﴿ذلكَ بأن اللهَ هوَ الحقُّ﴾ .
(٢) ان تقعَ مع ما بعدها في موضعِ المضاف اليه، نحو "جئتُ قبلَ أنَّ الشمسَ تَطلُعُ"، ومنه قوله تعالى ﴿وإنه لحَقٌّ مثلما انكُم تَنطِقون﴾ .
(٣) ان تقع هي وما بعدها في موضع تابعٍ لمجرورٍ، بالعطف او البَدَليةِ، فالاولَ نحو "سُررتُ من أدَبِ خليلٍ وإنها عاقلٌ"، والثاني نحو "عَجبتُ منهُ إنهُ مُهملٌ".
[ ٢ / ٣١٨ ]
(١٣) الْمَواضِعُ التي تَجوزُ فيها "إِنَّ وأَنَّ"
يجوزُ الامرانِ، كسر همزة "إنَّ" وفتحُها، حيثُ يَصح الإعتبارانِ تأويلُ ما بعدها بمصدرٍ، وعدمُ تأويلهِ. وذلك في أربعة مواضع
(١) بعد "اذا" الفُجائيّةِ، نحو "خرجتُ فاذا إنَّ سعيدًا واقفٌ".
(فالكسر هو الاصل، وهو على معنى "فاذا سعيد واقف" والفتح على تأويل ما بعدها بمصدر مبتدأ محذوف الخبر، والتأويل "فاذا وقوفه حاصل") .
وقد رُوي بالوجهينِ قولُ الشاعر [من الطويل]
وكُنْتُ أَرَى زَيْدًا، كما قيلَ، سَيِّدًا إِذَا أَنَّهُ عَبْدُ الْقَفا واللهازِمِ
(فالكسر على معنى "فاذا هو عبد القفا". والفتح على معنى "فاذا عبوديته حاصلة".
(٢) ان تقعَ بعدَ فاءِ الجزاءِ، نحو "ان تجتهدْ فانكَ تُكرَمُ". وقد قُرِيءَ بالوجهين قولهُ تعالى ﴿مَنْ يُحادِدِ اللهَ ورسولَهُ فانَّ لهُ نارَ جهنمَ﴾ . وقولهُ ﴿مَن عملَ منكم سُوءًا بِجهالةٍ، ثمَّ نابَ من بعدهِ واصلحَ، فانهُ غفورٌ رَحيمٌ﴾ .
(فالكسر على جعلها جملة الجواب. والفتح على ان ما بعدها مؤول بمصدر مرفوع مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير في المثال "ان تجتهد فاكرامك حاصل". والتقدير في الآية الاولى "فكون نار جهنم له او ثابت أو حاصل" والتقدير في الآية الاخرى ﴿فمغفرة الله حاصلة له﴾ . وتكون جملة المبتدأ
[ ٢ / ٣١٩ ]
المؤول وخبره المحذوف جواب الشرط) .
(٣) ان تقعَ مع ما بعدها في موضعِ التَّعليلِ، نحو اكرِمْهُ، انّهُ مُستحِقٌّ الإكرامِ"، وقد قُريءَ بالوجهينِ قولهُ تعالى ﴿صَلِّ عليهم، إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لهم﴾ .
(فالكسر على انها جملة تعليلية. والفتح على تقدير لام التعليل الجارة اي لانه ولان صلاتك. والتأويل في المثال "أكرمه لاستحقاقه الإكرام"، وفي الآية "صل عليهم لتسكين صلاتك إياهم"، والسكن (بالتحريك) ما يسكن اليه، ويفسر ايضًا بالرحمة والبركة) .
(٤) ان تقعَ بعدَ "لا جَرَمَ" نحو "لا جَرَمَ انكَ على حَقٍّ". والفتح هو الكثير الغالبُ. قال تعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ . (ووجه الفتح أن تجعل ما بعد "أن" مؤولًا بمصدر مرفوع فاعل لجرمَ. وجرم معناه حقَّ وثبتَ. وأصل الجرم القطع، وعلمُ الله بالاشياء مقطوعٌ به لانه حق ثابت.
و"لا" حرف نفي للجواب، يرد به كلام سابق. فكأنه قال "لا"، اي ليس الامر كما زعموا، ثم قال (جرم أن الله يعلم) أي (حق وثبت علمه) . وقال الفراء لا جرم بمعنى (لا بد)، لكن كثر في الكلام، فصار بمنزلة اليمين، لذلك فسرها المفسرون حقًا وأصله من جرمت بمعنى كسبتُ. فتكون (لا) على رأيه نافية للجنس. و(جرم) اسمها مبني على الفتح، وما بعد (أن) مؤول بمصدر على تقدير (من)، أي لا جرم من ان الله يعلم، اي لا بد من علمه.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
ووجه الكسر ان من العرب من يجعل (لا جرم) بمنزلة القسم واليمين، نحو (لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت) . فمن جعلها يمينًا كسر همزة (ان) بعدها نحو (لا جرم إنك على حق)، وجعل جملة (ان) المكسورة واسمها وخبرها. جواب القسم. وعلى من جعلها يمينًا فاعرابها كاعراب (لا بد) وقد أغنى جواب القسم عن خبرها.
وقد علمت انه حيث جاز فتح (أن) وكسرها، فالكسر أولى وأكثر، لأنه الأصل، ولأنه لا تكلف فيه، إلا اذا وقعت بعد (لا جرم) فالفتح هو الغالب الكثير، وان نزّلتها منزلة اليمين، لأنها في الاصل فعل) .
(١٤) تخفيفُ "إنَّ وأَنَّ وكأنَّ ولكنَّ".
يجوزُ ان تُخفَّفَ "إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنَّ" بحذف النون الثانية، فيقال "إنْ وأنْ وكأنْ ولكنْ".
(١٥) "إنْ" المخففة المكسورة
اذا خُفّفت "إنَّ" أُهمِلتْ وجوبًا، إن ولِيَها فعلٌ، كقوله تعالى ﴿وإن نَظنكَ لَمِنَ الكاذبين﴾ . فان ولِيَها اسمٌ فالكثيرُ الغالبُ إهمالها، نحو "إن أنتَ لصادقٌ"، ويَقِلُّ إعمالها، نحو "إنْ زيدًا مُنطلِقٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وإنْ كُلًا لمَا ليوَفينَّهم ربكَ اعمالهم"، في قراءَة من قرأ "إنْ ولَمَا" مخفّفتينِ.
ومتى خُففت وأُهمِلَت لزمتها اللامُ المفتوحةُ وجوبًا، نحو "إنْ سعيدٌ
[ ٢ / ٣٢١ ]
لمجتهد" تَفرقةً بينها وبين "إنْ" النافيةِ، كيلا يقع اللبسُ. وتُسمّى "اللامَ الفارقةَ". فان أُمِنَ اللَّبس جاز تركُها، كقوله [من الطويل]
أَنا ابنُ أُباةِ الضَّيْمِ منْ آلِ مالِكٌ وإِنْ مالكٌ كانتْ كِرامَ الْمَعادِنِ
لأن المقامَ هنا مَقامُ مَدح، فيمنعُ ان تكونَ "إنْ نافيةً، وإلا انقلبَ المدحُ ذَمًا".
وإذا خُففت لم يَلِها من الأفعال إلا الأفعالُ الناسخةُ لحكم المبتدأ والخبر (اي التي تَنسَخُ حُكمهما من حيثُ الإعرابُ. وهي كانَ وأخواتُها، وكادَ وأخواتُها، وظنَّ وأخواتُها) . وحينئذٍ تدخلُ اللامُ الفارقةُ على الجزءِ الذي كان خبرًا.
والاكثر ان يكونَ الفعلُ الناسخُ الذي يليها ماضيًا، كقوله تعالى ﴿وإِنْ كانت لكبيرةً إلاّ على الذينَ هدى اللهُ﴾، وقوله ﴿قال تاللهِ إن كِدتَ لَتُردِينِ﴾، وقولهِ ﴿وإن وجدنا أكثرَهم لَفاسقينَ﴾ . وقد يكونُ مضارعًا كقوله سبحانهُ ﴿وإن نظنكَ لَمِنَ الكاذبين﴾ .
ودخولُ "إنْ" المخفّفَة على غير ناسخٍ من الافعال شاذ نادرٌ، فما وردَ منه لا يُقاسُ عليه، كقولهم "إنْ يَزينُكَ لنَفسُكَ، وإنْ يشينُكَ لهِيَهْ".
(١٦) "أنْ" المُخفَّفَةُ المفتوحة
أذا خُفّفت "أن" المفتوحةُ، فمذهبُ سيبويه والكوفيين انها مُهمَلةٌ لا تعمل شيئًا، لا في ظاهر ولا مُضمر، فهي حرفٌ مصدري كسائر الاحرف
[ ٢ / ٣٢٢ ]
المصدرية. وتدخلُ حينئذٍ على الجملِ الإسميّة والفعلية. وهذا ما يظهرُ أنه الحقُّ. وهو مذهبٌ لا تكَلُّفَ فيه. واما قولُ جَنوبَ الكاهليّة [من المتقارب]
لَقَدْ عَلِمَ الضيفُ والمُرْمِلون إِذا اغْبرَّ أُفْقٌ وَهَبَّتْ شَمالا
بأَنْكَ رَبيعٌ وغَيْثٌ مَريعٌ وأَنْكَ هُناكَ تكونُ الثِّمالا
وقولُ الآخر [من الطويل]
فلَوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَأَلتني طلاقَكِ لم أبخلْ وأَنتِ صَديقُ
فضَرورَةٌ شعريَّةٌ لا يُقاسُ عليها.
واعلم أنَّ "أنَّ" المخفّفةَ، إن سبقها فعل، فلا بُدَّ أن يكونَ من أفعال اليقينِ أو ما يُنزَّلُ منزلَتها، من كل فعل قلبيٍّ، يُرادُ به الظنُّ الغالبُ الراجح.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فالاولُ كقوله تعالى ﴿عَلِمَ أنْ سيكونُ منكم مَرْضى﴾، ومنه قول الشاعر [أبو محجن الثقفي]
إذا مِتُّ فادفنِّي إِلى جَنْبِ كرْمةٍ تُرَوِّي عظامي بعْد مَوتي عُروقُها
ولا تَدفِنَنِّي في الْفَلاةِ، فإنَّني أخافُ إِذا ما مِتُّ، أَن لا أذُوقُها
فخوفهُ ان لا يذوقها بعدَ مماته يقينٌ عنده، مُتحققٌ لديهِ. والثاني كقوله تعالى ﴿وظنُّوا أنْ لا مَلجأ من اللهِ إِلاّ اليه﴾ وقولهِ ﴿أيحسَبُ أن لم يَرَهُ أحدٌ﴾ .
فائدة
(إذا وقعت "أن" الساكنة بعد فعل يفيد العلم واليقين، وجب أن تكون مخففة من "ان" المشددة. وأن يكون المضارع بعدها مرفوعًا، كما رأيت. ولا يجوز أن تكون "أن" الناصبة للمضارع. وان وقعت بعد فعل يدل على الظن الراجح، جاز أن تكون مخففة من (أن) المشددة فالمضارع بعدها مرفوع، وجاز أن تكون (أن) الناصبة للمضارع، فهو بعدها منصوب. وقد قريء بالوجهين قوله تعالى ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾، بنصب (تكون) على أن (أن) هي الناصبة للمضارع، ورفعه على انها هي المخففة من (أن) المشددة. وذلك لأن (أن) الناصبة للفعل المضارع تستعمل في مقام الرجاء وللطمع فيما بعدها، فلا يناسبها اليقين، وإنما يناسبها الظن، فلم يجز أن تقع بعد ما يفيد اليقين. و(أن) المخففة هي للتأكيد، فيناسبها اليقين. ولما كان الرجاء والطمع يناسبهما الظن، جاز أن تقع بعده (أن) الناصبة للمضارع المفيدة للرجاء والطمع. وانما جاز أن تقع (أن) المخففة المفيدة للتأكيد. إذا كان
[ ٢ / ٣٢٤ ]
ظنًا راجحًا، لأن الظن الراجح يقرب من اليقين فينزل منزلته) .
واعلم أنَّ "أن" المخفّفَة لا تدخل إلا على الجمل، عند من يُهملهُا وعند من يُعمِلُها في الضمير المحذوف، الا ما شذ من دخولها على الضمير البارز في الشعر للضّرورة، وقد علمت أنه نادر مخالفٌ للكضير المسموع من كلام العرب.
والجملةُ بعدها إمَّا اسميَّةٌ، وإما فعليَّة.
فان كانت جملةً اسميَّة او فعليَّة فعلُها جامدٌ، لم تحتجْ الى فاصل بينها وبين "أنْ" فالإسميَّةُ كقوله تعالى ﴿وآخِرُ دعواهُم ان الحمدُ للهِ ربِّ العالمين﴾ . وكقول الشاعر [من البسيط]
في فِتْيَةٍ، كسُيوفِ الهِنْدِ، قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كلُّ منْ يحْفى ويَنْتَعِلُ
والفعليَّةُ، التي فعلُها جامدٌ، كقوله سبحانهُ ﴿وان ليس للانسان إلا ما سعى﴾، وقولهِ ﴿وان عسى ان يكونَ قد اقتَربَ أَجلُهم﴾ .
وإن كانت الجملةُ بعدها فعليّةً، فعلُها متصرّفٌ، فالاحسن والاكثر أن يُفصلَ بينَ "أنْ" والفعلِ بأحدِ خمسة أشياءَ
(١) قد، كقوله تعالى ﴿ونَعْلَمَ أنْ قد صَدقتَنا﴾، وقول الشاعر [من الطويل]
شَهِدْتُ بأنْ قَد خُطَّ ما هُوَ كائنٌ وأنَّك تَمحو ما تَشاءُ وتُثْبِت
[ ٢ / ٣٢٥ ]
(٢) حرف التّنفيسِ "السينُ او سوف" فالسينُ كقوله تعالى ﴿عَلِمَ أنْ سيكونُ منكم مَرضى﴾، وقولِ الشاعر [من الكامل]
زَعَمَ الْفَرزْدَقُ أنْ سَيَقْتُلُ مِرْبَعًا أَبشِرْ بطول سَلاَمةٍ يا مِرْبَعُ
وسوف، كقول الآخر [من الكامل]
واعلمْ، فَعِلْمُ الْمَرء يَنْفَعُهُ، أن سَوْفَ يأْتي كُلُّ ما قُدِرا
(٣) النفي بِلَنْ او لم او لا، كقوله تعالى ﴿أيحسَبُ الإنسانُ أنْ لنْ نجمَعَ عظامَهُ﴾ وقوله ﴿أيحسَبُ أنْ لم يرَهُ أحَدٌ﴾، وقولهِ ﴿أفلا يَرَوْنَ أنْ لا يرجِعُ اليهم قَوْلًا﴾ .
(٤) أداةُ الشرطِ، كقوله تعالى ﴿وقد نَزَّلَ عليكم في الكتاب أنْ إذا سمعتُم آياتِ الله يُكفَرُ بها ويُسْتهزأ بها، فلا تَقعُدوا مَعَهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيرِهِ﴾ وقولهِ ﴿وأن لوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهُم ماءً غَدَقًا﴾ .
(٥) رُبَّ، كقول الشاعر [من الطويل]
تَيَقَّنْتُ أَنْ رُبَّ امريءٍ، خِيلَ خائنًا أَمينٌ، وخَوَّانٍ يُخالُ أَمِينا
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وإنما يُؤتى بالفاصل لبيانِ أنَّ "أنْ" هذه مخفَّفةٌ من "أنَّ" لا انها "أن" الناصبةُ للمضارع.
ويجوزُ أن لا يُفصَل بينَ "أنْ" والفعلِ بفاصل، إنْ كان ممَّا يدلُّ على العلم اليقينيّ، كقول الشاعر [من الخفيف]
عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلُونَ، فجادُوا قَبلَ أَنْ يُسأَلوا بأَعظمِ سُؤْلِ
(وذلك انه لما وجب أن يعتبر (أن) الساكنة مخففة من (أن) المشددة، إذا وقعت بعد فعل يقيني، ولم يجز أن تكون هي الناصبة للمضارع، كما علمت، سهل ترك الفصل بينها وبينه، لأن الفاصل أنما يكون لتمييز احداهما عن الاخرى، للايذان من اول الامر بأنها ليست الناصبة للمضارع، وانما هي المخففة) .
(١٧) كَأَنْ المُخَفّفة
إذا خفّفت "كأن"، فالحقُّ (على ما نرى) انها مُهمَلةٌ، لا عمل لها. وعلى هذا الكوفيون. وهو قولٌ لا تكلفَ فيه.
وعلى كلِّ حالٍ فيجبُ ان يكون ما بعدها جملةً، فان كانت اسميّة لم تحتج الى فاصل بينها وبين "كأن" كقوله [من الهزج]
وصَدْرٍ مُشْرِقِ اللّوْنِ كَأَنْ ثَدْياهُ حُقّان
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وإن كانت جملةً فعليّة، وجب اقترانُها بأحدِ حرفينِ
(١) قد، كقول الشاعر [النابغة / من الكامل]
أَزفَ التّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكابَنا لما تزُلْ برحالِنا، وكَأَنْ قَدِ
وقول الآخر [من الخفيف]
لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاءُ لظى الحرْ بِ، فمحذُورُها كَأَنْ قَد أَلَما
(٢) لم، كقوله تعالى ﴿كأن لم تَغْنَ بالأمسِ﴾، وقولِ الشاعر [من الطويل]
كَأنْ لم يَكُنْ بَيْنَ الحجُونِ إِلى الصَّفا أَنِيسٌ، ولم يَسْمُرْ بِمكّةَ سامرُ
وانما فُصِلَ بينهما، تمييزًا لها عن "أن" المصدريةِ الداخلةِ عليها كافُ التشبيهِ.
(١٨) لكن المخففة
اذا حُفّفت "لكنَّ" أهملت وجوبًا عند الجميع، ودخلت على الجُمل الاسميّةِ والفعليّة، نحو "جاء خالدٌ، لكنْ سعيدٌ مسافرٌ. وسافرَ عليٌّ لكنْ جاء خليلٌ"، إلاّ الاخفشَ ويونسَ. فأجازا إعمالها.
«لا) النافية للجنس)
"لا" النافية للجنس هي التي تدلُّ على نفي الخبر عن الجنس الواقع
[ ٢ / ٣٢٨ ]
بعدها على سبيل الاستغراق، اي يرادُ بها نفيُهُ عن جميع افراد الجنيس نصًّا؛ لا على سبيل الاحتمال. ونفيُ الخبرِ عن الجنس يَستلزمُ نفيَهُ عن جميع افرادهِ.
وتُسمّى "لا" هذهِ "لا التّبرِئَةِ" ايضًا، لانها تُفيدُ تبرئةَ المتكلّم للجنس وتنزيهَهُ إياهُ عن الاتصاف بالخبر.
وإِذْ كانت للنفي على سبيل الاستغراقِ، كان الكلامُ معها على تقدير "منْ"، بدليلٍ ظهورِها في قول الشاعر [من الطويل]
فَقامَ يَذودُ النَّاسَ عنها بِسَيْفِهِ وقالَ أَلاَ، لا من سَبيلٍ إلى هِندِ
فاذا قلت (لا رجل في الدار)، كان المعنى لا من رجل فيها، أي ليس فيها أحد من الرجال، لا واحد ولا اكثر. لذلك لا يصح أن تقول (لا رجل في الدار، بل رجلان أو ثلاثة) مثلًا، لأن قولك (لا رجل في الدار) نص صريح على نفي جنس الرجل فقولك بعد ذلك (بل رجلان) تناقض. بخلاف (لا) العاملة عمل (ليس) . فانها يصح أن ينفى بها الواحد، وأن ينفى بها الجنس لا على سبيل التنصيص، بل على سبيل الاحتمال فاذا قلت (لا رجل مسافرًا) صح أن تريد أن ليس رجل واحد مسافرًا، فلك أن تقول بعد ذلك (بل رجلان) وصح أن تريد أنه ليس أحد من جنس الرجال مسافرًا. وكذلك السامع له أن يفهم نفي الواحد ونفي الجنسن لأنها محتملة لهما. وستقف على مزيد بيان لهذا الموضوع) .
وفي هذا الفصل خمسةُ مباحث
[ ٢ / ٣٢٩ ]
(١) عملُ "لا" النافيةِ للجنْسِ وشُروطِ إعمالِها
تعملُ "لا" النافيةُ للجنس عملَ "إنّ"، فتنصبُ الاسمَ وترفعُ الخبر، نحو "لا احدَ أغيرُ من الله".
وانما عملتْ عملَها، لانها لتأكيد النفيِ والمبالغةِ فيه، كما أنَّ "إنّ" لتأكيد الاثباتِ والمبالغة فيه.
ويُشترطُ في إِعمالها عملَ "إنّ" اربعةُ شروط
(١) ان تكونَ نصًّا على نفيِ الجنسِ، بأن يُرادَ بها نفيُ الجنس نفيًا عامًّا، لا على سبيلِ الاحتمال.
(فان لم تكن لفني الجنس على سبيل التنصيص، بأن أريد بها نفي الواحد، أو نفي الجنس على سبيل الاحتمال، فهي مهملة. وما بعدها مبتدأ وخبر، نحو (لا رجل مسافر) ولك أن تعملها عمل (ليس) نحو (لا رجل مسافرًا) وإرادة نفي الواحد أو الجنس بها هو أمر راجع الى المتكلم، أما السامع فله أن يفهم أحد الأمرين) .
(١) ان يكون اسمها وخبرُها نكرتين.
(فان كان المسند اليه بعدها معرفة أهملت ووجب تكرارها، نحو "لا سعيد في الدار ولا خليل") .
وقد يقعُ اسمُها معرفةً مُؤَوّلةً بنكرةٍ يرادُ بها الجنسُ، كأن يكونَ الاسمُ عَلَمًا مُشتهرًا بصفةٍ "كحاتمٍ المُشتهرُ بالجود، وعَنترةَ المشتهر بالشجاعة، وسَحبانَ المشتهرِ بالفصاحة، ونحوهم" فيُجعلُ العلمُ اسم جنسٍ لكل من اتصف بالمعنى الذي اشتهرَ بهِ ذلك العلَمُ، كما قالوا "لكل فرعونٍ موسىً"، بتنوينِ العلَمينِ، مُرادًا بهما الجنسُ، اي "لكلِّ جبّارٍ قهّارٌ". وذلك نحو "لا
[ ٢ / ٣٣٠ ]
حاتم اليومَ، ولا عنترةَ، ولا سحَبانَ". والتأويلُ "لا جَوادَ كحاتم، ولا شجاعَ كعنترةَ، ولا فصيحَ كسَحبانَ"، ومنه قولُ الراجز [من الرجز]
لا هَيْثَمَ اللَّيلةَ للِمَطِيِّ ولا فَتى إِلاَّ ابنُ خَيبَريِّ
اي لا حاديَ حَسَنَ الحُداءِ كهيثم، ومنه قول عُمرَ في عليّ (﵄) "قضيّةٌ ولا أبا حَسَنٍ لها"، اي هذهِ قضيّةٌ ولا فيصلَ لها يَفصِلُها. وقد يُرادُ بالعلَم واحدٌ مما سُميَ به كقول الشاعر [من الطويل]
ونَبْكي على زَيْدٍ، ولا زَيْدَ مِثْلُهُ بَرِيءٌ منَ الحُمَّى سَليمُ الجَوانِحِ
(٣) ان لا يفصلَ بينها وبين اسمها بفاصل.
(فاذا فصل بينهما بشيء، ولو بالخبر، أهملت، ووجب تكرارها، نحو (لا في الدار رجل ولا امرأة (. وكان ما بعدها مبتدأ وخبرًا) .
(٤) أن لا يدخل عليها حرفُ جرّ.
(فان سبقها حرف جر كانت مهملة، وكان ما بعدها مجرورًا به، نحو "سافرت بلا زاد" و"فلان يخاف من لا شيء") .
فائدة مهمة
اعلم ان (لا) النافية للجنس، إنما تدل على نفي الجنس نصًا، إذا كان اسمها واحدًا، فان كان مثنى أو جمعًا، نحو (لا رجلين في الدار) و(لا رجال فيها)، احتمل أن تكون لنفي الجنس، واحتمل أن تكون لنفي وجود اثنين فقط او جماعة فقط، فيجوز أن يكون فيها اثنان أو واحد إن نفيت الجمع، وأن يكون فيها جماعة أو واحد إن نفيت الاثنين، ولذا يجوز أن
[ ٢ / ٣٣١ ]
تقول (لا رجلين فيها، بل رجل أو رجال) و(لا رجال فيها، بل رجل، أو رجلان) .
وكذلك (لا) العاملة عمل (ليس) و(لا) المهملة، فانما يصح أن يراد بها نفي الجنس، إن كان المنفي واحدًا، فان كان اثنين او جماعة، جاز أن يراد بهما نفي الجنس، أو نفي الاثنين فقط، أو نفي الجماعة فقط، فيجوز مع نفي الاثنين ان يكون هناك واحد او اثنان فالفرق بين النافية للجنس والعاملة عمل (ليس) أو المهملة، إنما هو إذا كان المنفي واحدًا فالاولى لا يجوز ان يراد بها نفي الجنس ونفي الواحد. والأول اكثر، ومنه قول الشاعر [من الطويل]
تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا
وإنما صح ان يراد بها نفي الجنس، لأن النكرة في سياق النفي تدل على العموم، لهذا يحسن، ان اريد عدم إرادة العموم، ان يؤتى بعدهما بما يزيل اللبس، كأن يقال مثلًا (لا رجلٌ مسافرًا، بل رجلان، او رجال) فان اطلق الكلام بعدهما ترجح ان تكونا لنفي الجنس على سبيل الاحتمال.
فاحفظ هذا التحقيق، فانه امر دقيق، قل ان يتفطن له من يتعاطى النحو.
(٢) أَقسامُ اسمها وأحكامُهُ
اسمُ "لا" النافيةِ للجنس على ثلاثة أقسامٍ مفردٍ، ومضافٍ، ومشبَّه بالمضاف.
فالمفرد ما كانَ غيرَ مضافٍ ولا مشبّهٍ به. وضابطهُ ان لا يكونَ عاملًا فيما بعدهُ، كقوله تعالى ﴿ذلك الكتابُ لا رَيبَ﴾ .
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وحُكمُهُ أن يُبنى على ما يُنصبُ به من فتحةٍ أو ياءٍ أو كسرةٍ، غيرَ مُنوَّنٍ نحو "لا رجلَ في الدار، ولا رجالَ فيها، ولا رجلين عندَنا، ولا مذمومينَ في المدرسة، ولا مذموماتٍ محبوباتٌ" ويجوز في جمع المؤنّثِ السالم بناؤُه أيضًا على الفتح، نحو "لا مجتهداتَ مذموماتٌ" وقد رُوِيَ بالوجهينِ قول الشاعر [من البسيط]
لا سابِغات، ولا جَأْواءَ باسِلَةً تَقِي المَنُونَ، لَدَى استِيفاءِ آجالِ
وقولُ الآخر [من البسيط]
أَوْدَى الشبابُ الذي مَجدٌ عواقبُهُ فيهِ نَلَدُّ، ولا لَذَّاتِ لِلشيبِ
وقد بُنيَ لِتركيبهِ مع "لا" كتركيبِ "خمسةَ عشرَ".
وحكمُ اسمها المضافِ أن يكونض مُعربًا منصوبًا، نحو "لا رجلَ سُوءٍ عندنا. ولا رَجلَيْ شرٍّ محبوبانِ. ولا مهمِلي واجباتهم محبوبون. ولا أخا جهلٍ مُكرَّمٌ. ولا تاركاتِ واجبٍ مُكرَّماتٌ".
والشبيهُ بالمضافِ هو ما اتصلَ به شيءٌ من تمامِ معناه. وضابطُهُ أن يكون عاملًا فيما بعده بأن يكون ما بعده فاعلًا له، نحو "لا قبيحًا خُلقُه خاضرٌ"، أو نائبَ فاعلٍ، نحو "لا مذمومًا فعلُه عندنا"، أو مفعولًا، نحو "لا فاعلًا شرًا ممدوحٌ"، أو ظرفًا يُتعلّقُ به، نحو "لا مسافرًا اليومَ حاضرٌ" أو جارًا ومجرورًا يتعلقانِ به، نحو "لا راغبًا في الشر بيننا"، أو تمييزًا
[ ٢ / ٣٣٣ ]
له، نحو "لا عشرين دِرهمًا لك".
وحكمُهُ أنه مُعربٌ أيضًا، كما رأيتَ.
(٣) أحوالُ اسمِها وخَبرِها
وقد يُحذَفُ اسمُ "لا" النافية للجنس، نحو "لا عليكَ"، أي لا بأسَ، أو لا جناحَ عليك. وذلك نادرٌ.
والخبرُ إِن جُهِلَ وجبَ ذكرُهُ، كحديث "لا أحدَ أغيرُ من الله". وإذا عُلمَ فحذفُه كثيرٌ، نحو "لا بأسَ"، أي لا بأس عليك، ومنه قوله تعالى ﴿قالوا لا ضَيرَ، إنّا إلى ربنا مُنقلبون﴾، أي لا ضَيرَ علينا، وقوله ﴿ولو تَرى إِذْ فَزِعوا، فلا فَوْتَ﴾، أي فلا فَوتَ لهمْ.
وبَنو تَميمٍ والطائِيونَ من العربِ يَلتزمون حذفَهُ إذا عُلم. والحجازيُّون يُجيزون إثباتَهُ. وحذفُه عندهم أكثرُ. ومن حذفه قوله تعالى ﴿لا إلهَ إلاّ اللهُ﴾ أي لا إلهَ موجود.
ويكونُ خبرُ "لا" مُفردًا (أي ليس جملةً ولا شِبهَها)، كحديث "لا فقرَ أشدُّ من الجهلِ، ولا مال أعزُّ من العقل، ولا وَحشةَ أشدُّ من العُجبِ" وجملةً فعليةً، نحو "لا رجلَ سوءٍ يُعاشرُ"، وجملةً اسميةً نحو "لا رَضيعَ نَفسٍ خُلقهُ محمودٌ"، وشبهَ جملة (بأن يكون محذوفًا مدولالً عليه بظرفٍ أو مجرورٍ بحرف جرٍّ يَتعلقانِ به، فيُغنيانِ عنه) كحديث "لا عقلَ كالتدبير، ولا ورَعَ كالكَفّ، ولا حَسَبَ كحُسنِ الخلُق" وحديث "لا إيمانَ لِمنْ لا
[ ٢ / ٣٣٤ ]
أمانةَ لهُ، ولا دينَ لِمن لا عَهدَ له".
واعلم أنَّ النحاة اعتبروا أنَّ "لا" النافيةَ للجنس واسمَها في محلّ رفع بالبتداءِ، فأجازوا رفعَ التابعِ لاسمِها، نحو "لا رجلَ في الدار وامرأةٌ" و"لا رجلَ سفيهٌ عندنا".
(فالمعطوف والنعت رفعا على أنهما تابعان لمحل "لا واسمها"، لأن محلهما الرفع بالابتداء. وقد اضطرهم الى هذا التكلف أنه سمع من العرب رفع التابع بعد اسمها فتأولوا رفعه على ما ذكرنا) .
(٤) أحكامُ "لا" إذا تَكَرَّرَت
إذا تكرَّرت "لا" في الكلام، جاز لك أن تُعمِلَ الأولى والثانية معًا كإنَّ، وأن تُعمِلَهما، كليسَ، وأن تُهمِلهما، وأن تُعملَ الأولى كإن أو كليْس وتُهمِلَ الأخرى، وأن تُعمِلَ الثانية كإنَّ أو كليس وتُهملَ الأولى.
ولذا يجوز في نحو "لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ" خمسةُ أوجهٍ
(١) بناءُ الاسمين، على أنها عاملةٌ عملَ "إنَّ" نحو "لا حول ولا قوةَ إلاّ باللهِ".
(٢) رفعُهُما، على أنها عاملةَ عملَ "ليس"، أو على أنها مُهملةٌ، فما بعدها مبتدأٌ وخبر، "لا حولٌ ولا قوَّةٌ إلاّ بالله" ومنه قول الشاعر [من البسيط]
وما هَجرْتُكِ، حَتَّى قُلتِ مُعْلِنَةً لا ناقةٌ لي في هذا ولا جَملُ
(٣) بناءُ الأوَّلِ على الفتح ورفعُ الثاني، نحو "لا حولَ ولا قوَّةٌ إلاّ
[ ٢ / ٣٣٥ ]
باللهِ"، ومنهُ قولُ الشاعر [من الكامل]
هذا، لَعَمْرُكُم، الصَّغارُ بِعَيْنِهِ لا أُمَّ لي، إنْ كانَ ذاكَ، ولا أبُ
(٤) رفعُ الأولِ وبناءُ الثاني على الفتح، نحو "لا حولٌ ولا قوةَ إلا باللهِ"، ومنه قول الشاعر [من الوافر]
فلا لَغْوٌ ولا تَأْثيمَ فيها وما فاهُوا بهِ أَبدًا مُقتمٌ
(٥) بناءُ الأولِ على الفتح ونصبُ الثاني، بالعطف على محلّ اسم (لا)، نحو "لا حولَ ولا قوةً إلاّ باللهِ" ومنه قولُ الشاعر [من السريع]
لا نَسَبَ اليَومَ ولا خُلةً اتسَعَ الخرْقُ على الرَّاقع
وهذا الوجهُ هو أضعفُها وأقواها بناءث الإسمينِ، ثم رفعُهما.
وحيثُما رفعتَ الأولَ امتنعَ إعرابُ الثاني منصوبًا مُنوَّنًا، فلا يقالُ "لا حولٌ ولا قوةً إلاّ باللهِ"، إذْ لا وجهَ لِنَصْبهِ.
(لانك إن أردت عطفه على (حول) وجب رفعه. وكذا إن جعلت (لا) الثانية عاملة عمل (ليس)، كما لا يخفى. وإن جعلتها عاملة عمل (ان) وجب بناؤه على الفتح من غير تنوين، لانه ليس مضافًا ولا مشبهًا به) .
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وإذا عطفتَ على اسم "لا" ولم تكرّرها، امتنعَ إلغاؤُها، ووجبَ إعمالُها عملَ "إنّ" وجاز في المعطوفِ وجهانِ النصب والرفعُ نحو "لا رجلَ وامرأةً أو امرأةٌ، في الدار". والنصب أولى ومن نصبه قول الشاعر [من الطويل]
فلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ وابنهِ إذا هُو بالْمَجدِ ارْتَدى وتَأزَّرا
(٥) أحكامُ نَعْتِ اسمِ "لا"
إذا نُعتَ اسمُ "لا" النافيةِ للجنس، فإمَّا أن يكون مُعرَبًا، وإمّا أن يكون مبنيًا.
فإن كان مُعربًا، جاز في نعتهِ وجهانِ النصب والرفعُ، نحو "لا طالبَ علمٍ كسولًا، أو كسولٌ، ولا طالبًا علمًا كسولًا، أو كسولٌ، عندنا". والنصبُ أولى، والرفعُ على أنه نعتٌ لمحلّ "لا واسمها". لأنّ محلها الرفعُ بالإبتداءِ، كما سبقَ.
وإن كان مبنيًا فله ثلاثُ أحوالٍ
(١) أن يُنعتَ بمفردٍ مُتَّصلٌ به، فيجوز في النعتِ ثلاثةُ اوجه النَّصب والبناءُ كمنعوتهِ، والرفعُ، نحو "لا رجلَ قبيحًا، أو قبيحَ، أو قبيحٌ، عندنا". والنصبُ أولى. وبناؤُهُ لمجاورته منعوتَهُ المبنيَّ.
(٢) أن يُنعتَ بمفردٍ مفصولٍ بينه وبينهُ بفاصلٍ، فيمتنعُ بناءُ النعت، لِفَقدِ المجاورةِ التي أباحت بناءَه وهو مُتصِل بمنعوتهِ. ويجوز فيه النصبُ والرفع، نحو "لا تلميذَ في المدرسةِ كسولًا، أو كسولٌ".
[ ٢ / ٣٣٧ ]
(٣) أن يُنعتَ بمضافٍ أو مُشبَّهٍ به، فيجوزُ في النَّعت النصب والرفع، ويمتنعُ النباءُ، لأن المضافَ والشبيهَ به لا يُبنيانِ مع "لا". فالنعتُ المضاف نحو "لا رجلَ ذات شرّ، او ذو شرّ، في المدرسة"، والنعتُ المشبَّهُ به نحو "لا رجلَ راغبًا في الشر، او راغبٌ فيه، عندنا".
[ ٢ / ٣٣٨ ]