بسم الله الرحمن الرحيم
الصفة المشبهة باسم الفاعل:
صفة استُحْسِن جرّ فاعل معنى بها المشبهة اسم الفاعل
_________________
(١) بسم الله الرحمن الرحيم الصفة المشبهة باسم الفاعل: "صفة استحسن جر فاعل معنى بها المشبهة اسم الفاعل" أي: تتميز الصفة المشبهة عن اسم الفاعل باستحسان جر فاعلها بإضافتها إليه، فإن اسم الفاعل لا يحسن فيه ذلك؛ لأنه إن كان لازمًا وقصد ثبوت معناه صار منها وانطلق عليه اسمها، وإن كان متعديًا فقد سبق أن الجمهور على منع ذلك فيه فلا استحسان. الصفة المشبهة باسم الفاعل: أي: المتعدي لواحد كما يعلم مما يأتي. قوله: "صفة استحسن إلخ" تعريف بالخاصة فهو رسم. وأورد عليه صور امتناع الجر الآتية في قوله ولا تجرر بها إلخ، وصور ضعفه فإن الصفة المشبهة في جميع هذه الصور لا يستحسن جر الفاعل بها. وأجيب بأن المراد استحسان الجر بنوعها وإن لم يكن بشخصها. وأجيب أيضا عن الثاني بأن المراد بالاستحسان خلاف الاستقباح ولا استقباح في الضعيف وإن قوبل بالحسن بناء على أن المراد بالحسن خلاف القبيح والضعيف وأما قسم القبيح فلا جر فيه ولو سلم فقد علم جوابه ا. هـ سم. وقوله ولو سلم أي: إن من القبيح ما هو جر ففي التوضيح أن كاتب الأب بالجر قبيح وهو مبني على جواز الإضافة في المثال كما يأتي. قوله: "معنى" أي: في المعنى أو من جهة المعنى لا اللفظ لما يأتي في الشرح. قوله: "المشبهة اسم الفاعل" بنصب اسم على المفعولية وجره بالإضافة. قوله: "عن اسم الفاعل" اعترض بأن المقصود بالتعريف تمييز الصفة المشبهة عما عداها من اسم الفاعل وغيره كما هو شأن سائر التعاريف. وأجيب بأن تخصيصه بالذكر لشدة اشتباهها به لاشتراكهما في كثير من الصيغ والأحوال. قوله: "وقصد ثبوت معناه" فإن لم يقصد باللازم الثبوت بل الحدوث فليس صفة مشبهة سم. قوله: "صار منها" قال سم ظاهره أنه حينئذٍ يستحسن جر فاعله ويرد عليه أن صاحب التوضيح صرّح بقبح الإضافة في قولك زيد كاتب الأب والمخلص من ذلك أن يراد بالاستحسان مطلق الجواز والصحة ا. هـ. وعندي في الإيراد والجواب نظر بل كلاهما سهو عما فرض الشارح الكلام فيه وهو اسم فاعل اللازم؛ لأن كتب متعد وبفرض عدم هذا الفرض فما تقدم من أن المراد استحسان الجر بنوعها يخلص من ذلك أيضًا فتنبه. قوله: "وإن كان متعديا" أي: لواحد لما سبق من أن المتعدي لأكثر تمتنع إضافته إلى الفاعل إجماعًا. قوله: "أن الجمهور على منع ذلك فيه" أي: وإن قصد ثبوته ومن القليل من أجاز بشرط قصد الثبوت وأمن اللبس بالإضافة إلى المفعول
[ ٣ / ٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تنبيهان: الأول إنما قيد الفاعل بالمعنى؛ لأنه لا تضاف الصفة إليه إلا بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير الموصوف فلم يبق فاعلا إلا من جهة المعنى. الثان وجه الشبه بينها وبين اسم الفاعل أنها تدل على حدث ومن قام به وأنها تؤنث، وتثنى وتجمع ولذلك حملت عليه في العمل، وعاب الشارح التعريف المذكور بأن استحسان الإضافة إلى الفاعل لا يصلح لتعريفها وتمييزها عما عداها؛ لأن العلم به موقوف على العلم بكونها صفة مشبهة، وعرفها بقوله ما صيغ لغير تفضيل من فعل لازم لقصد نسبة الحدث إلى الموصوف به دون إفادة معنى الحدوث، وقد يقال إن العلم باستحسان الإضافة موقوف كالمصنف ومنهم من أجاز بشرط قصد الثبوت وحذف المفعول اقتصارا وعلى الجواز فهو أيضا من الصفة المشبهة على ما ذكره شيخنا والبعض، وفيه أنه لا يلزم من التجويز الاستحسان وحينئذٍ لا يدخل في تعريف الصفة إلا إذا قالوا بالاستحسان. اللهم إلا أن يراد بالاستحسان مطلق الجواز أو الاستحسان في الجملة واسم الفاعل يستحسن جر فاعله به في الجملة أي: في بعض الصور وذلك إذا كان لازما. قوله: "لأنه لا تضاف إلخ" قضية هذا التوجيه أن التقييد لبيان الواقع سم. قوله: "تدل على حدث" أي: معنى متعلق بالغير. قوله: "وأنها تؤنث" أي: بالتاء أي: غالبا. وقوله وتجمع أي جمع سلامة لمذكر أي: غالبا، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يقال في نحو أبيض أبيضة ولا أبيضون، ولا في نحو غضبان غضبانون كما يقال ضاربة وضاربون مع عمل أفعل فعلاء وفعلان فعلى عمل سائر الصفات المشبهة. قوله: "وعاب الشارح التعريف إلخ" يعني أنه عابه بلزوم الدور وتقريره أن العلم بالصفة المشبهة متوقف على استحسان إضافتها إلى الفاعل واستحسان إضافتها إلى الفاعل متوقف على العلم بكونها صفة مشبهة فجاء الدور، ودفعه الشارح بما حاصله منع توقف الاستحسان على العلم بل إنما يتوقف على النظر في معناها الثابت لفاعلها بحيث لو حوّل إسنادها عنه إلى ضمير الموصوف لا يكون فيه لبس ولا قبح فتحسن حينئذٍ الإضافة. قوله: "ما صيغ لغير تفضيل إلخ" قال يس نقلا عن ابن هشام: فيه نظر لاقتضائه أن نحو زيد حسن صفة مشبهة والنحاة لا يسمونها مشبهة إلا إذا خفضت أو نصبت وهذا وارد على حد الناظم أيضا ا. هـ. وفيه نظر لعدهم من أحوال الصفة المشبهة رفعها معمولها نحو: زيد حسن وجهه، وهذا يقتضي تسميتها صفة مشبهة في هذه الحالة. قوله: "من فعل لازم" أي: من مصدره والتقييد باللزوم مبني على مذهب الجمهور من منع إجراء اسم فاعل المتعدي لواحد عند قصد ثبوته مجرى حسن الوجه كما مر. قوله: "دون إفادة معنى الحدوث" أفاد شيخنا السيد عن التسهيل وشرحه للدماميني أنه إذا قصد حدوث الصفة المشبهة في الماضي أو الاستقبال حوّلت إلى فاعل، فنقول في عفيف وشريف وحسن: عاف وشارف وحاسن أمس أو غدا ا. هـ. والظاهر أن الأمر كذلك إذا قصد حدوثها في الحال كما يدل
[ ٣ / ٤ ]
وصَوغها من لازِم لحاضِر كطاهر القلب جَميل الظاهِر
_________________
(١) على المعنى لا على العلم بكونها صفة مشبهة فلا دور، أو إن قوله المشبهة اسم الفاعل مبتدأ. وقوله صفة استحسن إلى آخره خبر. وقوله: "وصوغها من لازم لحاضر" إلى آخره عطف عليه لتمام التعريف، أي: ومما تتميز به الصفة المشبهة أيضا عن اسم الفاعل أنها لا تصاغ قياسا إلا من فعل لازم كطاهر من طهر وجميل من جمل وحسن من حسن. وأما رحيم وعليم ونحوهما فمقصور على السماع، بخلافه فإنه يصاغ من اللازم كقائم. ومن المتعدي كضارب. وأنها لا تكون إلا للمعنى الحاضر الدائم دون الماضي المنقطع والمستقبل بخلافه كما عرفت، وأنها لا تلزم الجري على المضارع بخلافه، بل قد تكون جارية عليه "كطاهر القلب" وضامر البطن، عليه إطلاق قول المصرح ما نصه: إذا أردت ثبوت الوصف قلت حسن ولا تقول حاسن، وإذا أردت حدوثه قلت حاسن ولا تقول حسن قاله الشاطبي وغيره ا. هـ. ثم راجعت الدماميني فرأيته صرح بما استظهرته. قوله: "أو إن قوله إلخ" بكسر إن؛ لأنه معطوف على مقول القول واعترض بأن الإعراب على الأول كذلك فلا يخلص بمجرده من الأشكال وأجاب البعض بأن مراده أن كلام الناظم من حيز الأخبار والحكم لا التعريف قال ولا ينافيه قوله بعد ذلك عطف عليه لتمام التعريف؛ لأنه بالنسبة إلى الأول لا الثاني. قوله: "وقوله وصوغها إلخ" المتبادر من عبارته أن هذا من تتمة الجواب الثاني والظاهر أنه لا يتوقف عليه وأن العطف أولى فقط وأن الاستئناف جائز. قوله: "من لازم" أي: من مصدر فعل لازم أصالة أو عروضا كما في رحمن ورحيم وعليم فإنها لازمة بالتنزيل، أو النقل إلى فعل بالضم أفاده سم. فقول الشارح وأما رحيم وعليم ونحوهما فمقصور على السماع لا يتم إلا إذا أريد اللزوم أصالة فقط. قوله: "بخلافه" أي: اسم الفاعل قوله: "الدائم" فيه إشارة إلى أن المراد بالحاضر في عبارة المصنف الدائم لا الحال فقط؛ لأن الصفة المشبهة للدوام فلا يعترض على المصنف بأنه ترك قيد الدوام أو يقال هو مأخوذ من قوله كطاهر القلب بجعله قيدا لقوله لحاضر. والمراد بالدوام الثبوت في الأزمنة الثلاثة. قال يس نقلا عن غيره: ودلالة الصفة المشبهة على الدوام عقلية لا وضعية؛ لأنها لما لم تدل على التجدد ثبت لها الدوام بمقتضى العقل إذ الأصل في كل ثابت دوامه ا. هـ. ويوافقه قول الدماميني نقلا عن الرضي، كما أن الصفة المشبهة ليست موضوعة للحدوث ليست موضوعة للثبوت في جميع الأزمنة فليس معنى حسن في الوضع إلا ذو حسن سواء كان في بعض الأزمنة أو جميعها ولا دليل في اللفظ على أحد القيدين لكن لما أطلق ذلك ولم يكن بعض الأزمنة أولى من بعض كان اللفظ ظاهرا في الاتصاف بالحسن في جميع الأزمنة إلا أن تقوم قرينة على تخصيصه ببعضها نحو كان زيد حسنا فقبح أو سيصير حسنا أو هو الآن فقط حسن فظهوره في الاستمرار ليس وضعيا ا. هـ. ومنه يؤخذ حمل قول الشارح وأنها لا تكون إلا للمعنى إلخ، على حالة الإطلاق هذا. وعبارة الشارح في شرح قول الناظم وعمل اسم فاعل المعدي إلخ، تقتضي أنها وضعية فتدبر. قوله: "بخلافه" أي: اسم الفاعل فإنه يكون للماضي المنقطع وللحال وللمستقبل كهذا
[ ٣ / ٥ ]
وعَمَلُ اسم فاعِل المعدَّى لها على الحدِّ الذي قد حُدّا
_________________
(١) ومستقيم الحال، ومعتدل القامة. وقد لا تكون وهو الغالب في المبنية من الثلاثي كحسن الوجه و"جميل الظاهر" وسبط العظام وأسود الشعر "وعمل اسم فاعل المعدّى" لواحد "لها" أي: ثابت لها "على الحد الذي قد حدا" له في بابه من وجوب الاعتماد على ما ذكر. تنبيه: ليس كونها بمعنى الحال شرطا في عملها؛ لأن ذلك من ضرورة وضعها لكونها وضعت للدلالة على الثبوت والثبوت من ضرورته الحال. فعبارته هنا أجود من قوله في ضارب أمس أو الآن أو غدا وقوله كما عرفت أي: في باب إعمال اسم الفاعل عند قول المصنف إن كان عن مضيه بمعزل. قوله: "وهو الغالب" وأما قول بعضهم لا تكون إلا غير جارية فمبني على أن المراد بالجريان إفادة التجدد والحدوث، كذا في شرح الجامع، لكن الذي في الهمع أن الزمخشري وابن الحاجب منعا موازنتها المضارع، وأن نحو ضامر الكشح ومطمئن القلب ومعتدل القامة أسماء فاعلين قصد بها الثبوت فعوملت معاملة الصفة المشبهة لا أنها صفات مشبهة. قوله: "في المبنية من الثلاثي" خرج المبنية من غيره فإنها لازمة الجري على المضارع كما في التسهيل. قوله: "كحسن الوجه إلخ" راجع لقوله، وقد لا تكون فهو تمثيل لغير الجارية على المضارع أو لقوله في المبنية من الثلاثي فهو تمثيل لها. قوله: "وأسود الشعر" التمثيل به غير صحيح؛ لأن فعله سوّد يسوّد كعلم يعلم فأسود جار على المضارع وأما أسودّ الخماسي فالوصف منه مسودّ لا أسود حتى يصح تصحيح البعض التمثيل بأنه تمثيل لغير الجارية على مضارعها أي: وإن كانت مبنية من غير الثلاثي مع أنه يرده ما مر قريبا عن التسهيل ونقله هو أيضا وأقره فلا تكن من الغافلين. قوله: "وعمل اسم فاعل المعدي لها إلخ" قال ابن هشام: المراد بالعمل عمل النصب على طريقة المفعول به وأما عمل الرفع أو عمل نصب آخر فلا يتوقف على ذلك الحد كما أن اسم الفاعل هكذا. قال في النهاية: الصفة المشبهة تنصب المصدر والحال والتمييز والمستثنى والظرفين والمفعول له والمفعول معه والمشبه بالمفعول به. وذكر في موضع آخر أنها لا تعمل في المفعول المطلق ا. هـ. يس والمتجه الأول. قوله: "ثابت لها" أي: صورة فلا يرد أن منصوب اسم الفاعل مفعول به حقيقة، ومنصوب الصفة المشبهة شبيهة بالمفعول به. قوله: "على الحد" أي: كائنا على الحد فهو حال من ضمير عمل المنتقل إلى الظرف بعد حذف الاستقرار سم. قوله: "من وجوب الاعتماد على ما ذكر" ولو قرنت بأل بناء على الأصح من أنها مع الصفة المشبهة حرف تعريف وترك اشتراط الحال أو الاستقبال؛ لأنه لا يتجه فيها مع كونها للدوام المتضمن للحال والاستقبال وبقي من الشروط أن لا تصغر فلو صغرت لم تعمل ذكره شيخنا وأن لا توصف. قوله: "لأن ذلك من ضرورة وضعها" أي: فهو لا يفارقها وإنما يعد شرطا ما قد يفارق. قوله: "أجود إلخ" أي: لأن قوله على الحد الذي قد حدا يمكن تأويله بأن يراد في الجملة
[ ٣ / ٦ ]
وسَبْق ما تَعْمل فِيه مُجْتنب وكونه ذا سَبَبِيّة وَجَب
_________________
(١) الكافية: والاعتماد واقتضاء الحال شرطان في تصحيح ذا الأعمال ا. هـ. "وسبق ما تعمل فيه مجتنب" بخلاف اسم الفاعل أيضا ومن ثم صح النصب في نحو زيدا أنا ضاربه، وامتنع في نحو وجه الأب زيد حسنه "وكونه ذا سببية وجب" أي: ويجب في معمولها أن يكون بخلاف عبارته في الكافية. قوله: "وسبق ما تعمل فيه" أي: بحق الشبه باسم الفاعل؛ وهو المنصوب على طريقة المفعول به؛ لأنه الذي تفارق فيه الصفة اسم الفاعل أما المرفوع والمجرور فلا يتقدمان فيهما؛ لأن المرفوع فاعل والمجرور مضاف إليه، والفاعل والمضاف إليه لا يتقدمان قاله يس. قوله: "بخلاف اسم الفاعل" أي: فإنه يتقدم منصوبه، قال في الارتشاف: إلا إذا كان بأل أو مجرورا بإضافة أو حرف جر غير زائد نحو هذا غلام قاتل زيدا، ومررت بضارب زيدا، فإن جر بحرف جر زائد نحو: ليس زيد بضارب عمرا، جاز التقديم فتقول ليس زيد عمرا بضارب، ومنع ذلك المبرد قاله يس. قوله: "ومن ثم إلخ" مراده كما تنادي به عبارته بيان شيء يترتب على تخالف الصفة واسم الفاعل فيما ذكر أي: ومن أجل هذا التخالف صح النصب في نحو: زيدا أنا ضاربه، لصحة عمل ضارب المذكور في زيدا لو تفرغ من الضمير لجواز تقدم منصوب اسم الفاعل عليه، وإذا صح عمله في زيدا لو تفرغ له صح أن يفسر عامله المحذوف لقاعدة أن ما يعمل يفسر العامل، وامتنع في نحو: وجه الأب زيد حسنه لعدم صحة عمل حسن في وجه لو تفرغ من الضمير لعدم جواز تقدم منصوب الصفة عليها، وإذا لم يصح عمله في وجه لو تفرغ له لم يصح أن يفسر عامله المحذوف لقاعدة أن ما لا يعمل لا يفسر عاملا، وليس مراد الشارح بيان تقدم منصوب اسم الفاعل دون الصفة كما توهمه البعض فقال: كان الأولى حذف الضمير المتصل بالوصف ليكون أصرح في الدلالة. قوله: "وكونه ذا سببية وجب" أي: وكون ما تعمل فيه بحق الشبه باسم الفاعل فلا يرد: أحسن الزيدان وما قبيح العمران؛ لأن عملها في هذين بما فيها من معنى الفعل وبقي مما يتخالفان فيه أنه يعمل محذوفا، ولهذا أجازوا: أنا ضارب زيد وعمرا بخفض زيد ونصب عمرو بإضمار فعل أو وصف منوّن. وأما العطف على محل المخفوض فممتنع عند من اشترط وجود المحرز، ومنعوا مررت برجل حسن الوجه، والفعل بخفض الوجه ونصب الفعل وأنه لا تقبح إضافته إلى مضاف إلى ضمير الموصوف نحو: مررت برجل قاتل أبيه ويقبح مررت برجل حسن وجهه، وأنه يفصل منه مرفوعه ومنصوبه كزيد ضارب في الدار أبوه عمرا، ويمتنع عند الجمهور: زيد حسن في الحرب وجهه رفعت أو نصبت، وأنه يجوز اتباع معموله بجميع التوابع ولا يتبع معمولها بصفة؛ لأن معمولها لما كان سببيا مرتبطا بمتقدم أشبه الضمير وهو لا ينعت، فكذا ما أشبهه. قاله الزجاج ومتأخر والمغاربة. ورد عليهم بما في الحديث في صفة الدجال "أعور عينه اليمنى". وأجيب بأن اليمنى خبر لمحذوف أو مفعول لمحذوف، وأنه يجوز اتباع مجروره على المحل عند من لا يشترط وجود المحرز. ويحتمل أن يكون منه: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنا وَالشَّمْسَ﴾ [الأنعام: ٩٦]، ولا يجوز هو حسن الوجه والبدن بجر الوجه ونصب البدن خلافا للفراء وأنه إذا حلى هو ومعموله
[ ٣ / ٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سببيًا؛ أي: متصلًا بضمير الموصوف لفظًا نحو: حسن وجهه، أو معنى نحو: حسن الوجه أي: منه. وقيل أل خلف عن المضاف إليه. ولا يجب ذلك في معمول اسم الفاعل كما عرفت.
تنبيهات: الأول قول الشارح إن جواز نحو: زيد بك فرح، مبطل لعموم قوله: إن المعمول لا يكون إلا سببًا مؤخرًا مردود؛ لأن المراد بالمعمول ما عملها فيه بحق الشبه، وعملها في الظرف ونحوه إنما هو لما فيها من معنى الفعل. الثاني:
ذكر في التسهيل أن معمول الصفة المشبهة يكون ضميرًا بارزًا متصلًا كقوله:
٧٣٦- حَسَن الوجه طَلقُهُ أنت في السِّلـ ـمِ وفي الحرب كالِح مُكْفَهِرّ
ــ
بال فنصب المعمول أكثر نحو: جاء الضارب الرجل. وإذا حليت الصفة ومعمولها بأل فجر المعمول أكثر نحو: جاء الحسن الوجه كذا في المغني والدماميني عليه.
قوله: "في معمولها" أي: المنصوب كما عرفت فوجهه والوجه في مثالي الشارح منصوبان. قوله: "أي: متصل" أي: هو أو مكمله كالصلة والوصف ليكون شامل لأنواع السببي الآتية وإن لم يشمل المعمول الذي هو ضمير بارز متصل كما يأتي عن التسهيل. قوله: "ولا يجب ذلك في معمول اسم الفاعل" نحو: زيد ضارب عمر. قوله: "ما عملها فيه بحق الشبه" أي: وهو المنصوب على طريق المفعول به كما تقدم لا المرفوع ولا المنصوب على وجه آخر. قوله: "ونحوه" أي: من الفضلات التي ينصبها القاصر والمتعدي كالحال والتمييز تصريح. قوله: "من معنى الفعل" هو الحدث. قوله: "ضمير بارز متصل" أي: ليس منفصل مستقل بنفسه أعمّ من أن يتصل بالصفة نحو: زيد حسن الوجه جميله أو ينفصل عنها بضمير آخر نحو: قريش خير الناس ذرية وكرامهموها. فإن قلت كما أن معمول الصفة يكون ضمير مستتر نحو: زيد حسن فما الوجه الداعي إلى تخصيص الضمير البارز. قلت وجهه أن المقصود ذكر ما تعمل فيه الصفة من حيث هي صفة مشبهة وعملها في المستكن من حيث هي صفة لا بقيد كونها مشبهة ا. هـ. دماميني. قوله: "طلقه" هذا هو محل الشاهد؛ لأنه أعمل طلق في الها. وأما أنت فمبتدأ مؤخر وحسن الوجه طلقه خبر أن مقدمان، أما جعل البعض أنت فاعل الوصف فلا يتمشى على الصحيح من اشتراط اعتماد المبتدأ المكتفي بمرفوعه عن الخبر على نفي أو استفهام. وأما جعل العيني الشاهد في عمل طلق في أنت فرد؛ بأن المعمول الواجب كونه سببي ما عملها فيه بحق الشبه باسم الفاعل وهو المنصوب على طريق المفعول به، كما مر وأنت ليس كذلك بخلاف الهاء؛ لأن ما أضيف إليه الصفة أصله بعد تحويل إسنادها عنه النصب كما مر في إعمال اسم الفاعل وبأن أنت منفصل لا متصل وطلق الوجه ضد عبوسه. والسلم بالكسر وبفتح الصلح. والكالح من الكلوح وهو
_________________
(١) البيت من الخفيف وهو بلا نسبة في المقاصد النحوية ٣/ ٦٣٣.
[ ٣ / ٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعلم أن مراده بالسببي ما عدا الأجنبي فإنها لا تعمل فيه. الثالث يتنوع السببي إلى اثني عشر نوعًا فيكون موصولًا كقوله:
٧٣٧- أَسِيلاتُ أبْدانٍ دِقاقٍ خُصُورها وَثِيْرات ما التفَّتْ عليه المآزِر
وموصوفًا بشبهه كقوله:
٧٣٨- أَزور امرأ جمًّا نَوال أَعَدَّه لمن أمّه مستكفِيًا أزْمَة الدّهْر
والشاهد في جمًّا نوال. ومضافًا إلى أحدهما كقوله:
٧٣٩- فَعُجتها قِبل الأَخْيار مَنْزِلة والطَّيِّبي كل ما التاثت به الأُزُر
ــ
التكشر في عبوس، والمكفهر من اكفهر الرجل إذا عبس فهو تأكيد. وقوله في السلم حال من أنت أو من الضمير المستتر في الوصف.
قوله: "يتنوع السببي" يظهر لي أخذا من الشواهد الآتية أن مراده بالسببي المنصوب السابق حقيقة أو حكما بأن كان مرفوعا صالحا للنصب تشبيها بالمفعول به كما في الشاهد الثاني أو مجرورا صالحا لذلك كما في الأول والثالث فاعرفه. قوله: "أسيلات أبدان" أي: طويلات أبدان والوثيرات جمع وثيرة بفتح الواو وكسر المثلثة وهي السمينة، كما في القاموس أي: سمينات الأرداف والأعجاز فهي المراد بما التفت عليه المآزر، وقول العيني أي: وطيئات الأرداف والأعجاز لا يناسب المقام. وإنما كان ما التفت إلخ سببيا؛ لأن الأصل المآزر منهن أو مآزرهن بالضمير العائد إلى الموصوف وعائد الموصول الضمير المجرور بعلى. وبحث في الاستشهاد بالبيت بأنه يحتمل أن تكون ما موصوفة بمعنى شيء فيكون من النوع الثاني.
قوله: "يشبهه" أي: الموصول في كون صفته جملة كصلة الموصول. قوله: "جما" أي: كثيرا، ونوال أي: عطاء فاعله وجملة أعده صفة نوال والضمير البارز فيها لنوال، والمستتر لأمر أو لم يبرز لأمن اللبس. وأمه بمعنى قصده ومستكفيا حال من فاعل أم. والأزمة بفتح الهمزة وسكون الزاي الشدة وما في العيني مما يخالف ما قلنا غير ظاهر. قوله: "فعجتها" أي: الناقة من عجت البعير أعوجه عوجا ومعاجا أي: عطفت رأسه بالزمام. قبل الأخيار أي: جهتهم. منزلة تمييز. التاثت بفوقية بعد اللام ثم مثلثة أي: اختلطت والتفت. وأزر بضمتين جمع الإزار. وهذا كناية عن عفتهن، وضمير الموصوف محذوف أي: الأزر لهن أو أل خلف عنه نظير ما تقدم. وقد يبحث في الشاهد باحتمال
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لعمر بن أبي ربيعة في المقاصد النحوية ٣/ ٦٢٩، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ٨٦.
(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ٨٦؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٣١.
(٣) البيت من البسيط، وهو للفرزدق في ديوانه ١/ ١٨٣؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٢٥، وبلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ٨٥.
[ ٣ / ٩ ]
فَارْفع بها وانصب وجُرّ مع أل ودون أل مصحوب أل وما اتّصل
ــ
ونحو: رأيت رجلًا دقيقًا سنان رمح يطعن به. ومقرونًا بأل نحو: حسن الوجه، ومجردًا نحو: حسن وجه، ومضافًا إلى أحدهما نحو: حسن وجه الأب، وحسن وجه أب، ومضافًا إلى ضمير الموصوف نحو: حسن وجهه، ومضافًا إلى مضاف إلى ضميره نحو: حسن وجه أبيه، ومضافًا إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف نحو: مررت بامرأة حسن وجه جاريتها جميلة أنفه ذكره في التسهيل. ومضافًا إلى ضمير معمول صفة أخرى نحو: مررت برجل حسن الوجنة جميل خالها ذكره في شرح التسهيل. وجعل منه قوله:
٧٤٠- سَبَتْني الفتاة البِضَّة المتجَرِّد الـ ـلطيفة كَشَحُه وما خِلت أن أُسْبَى
"فارفع بها" أي: بالصفة المشبهة "وانصب وجر مع أل ودون أل مصحوب أل وما
ــ
أن ما نكرة موصوفة لا موصولة. قوله: "إلى ضمير مضاف" بإضافة إلى مضاف أي: ضمير عائد إلى مضاف إلخ. قوله: "جميلة أنفه" بجر جميلة صفة ثانية لامرأة ورفع أنفه فاعلًا لجميلة ونصبه على التشبيه بالمفعول به وجره بإضافة جميلة إليه وضمير الموصوف مذكور ضمنًا؛ لأن المعنى جميلة أنف وجه جاريتها فعلم ما في كلام البعض وغيره. قوله: "ومضافًا إلى ضمير معمول صفة أخرى" فيه أن المثال الذي قبله كذلك فهلا اكتفى به، إلا أن يخص هذا بكون معمول الصفة الأخرى غير مضاف. قوله: "البضة" بفتح الموحدة وتشديد الضاد المعجمة رقيقة الجلد ممتلئته، والمتجرد بكسر الراء البدن إذا تجرد عن ثيابه، وقول العيني بفتح الراء غير ظاهر، وضمير كشحه للمتجرد والكشح ما بين الخاصرة والضلع الخلف.
قوله: "فارفع بها" اعلم أن الصفة المشبهة الرافعة سببي المنعوت إن صلحت للمذكر والمؤنث لفظًا، ومعنى بأن لا يكون وزنها أو معناها مختصا بأحدهما جاز تبعيتها لمثلها في التذكير والتأنيث نحو: مررت برجل حسن وجهه وبامرأة حسنة عينها، ولما يخالفها فيهما نحو: مررت برجل حسنة عينه وبامرأة
حسن وجهها؛ لانتفاء القبح اللفظي والمعنوي، وإلا بأن اختصت بأحدهما لفظًا ومعنى كأكمر ورتقاء، أو لفظًا فقط كآلى أي: كبير الألية، وعجزاء أي: كبيرة العجيزة، أو معنى فقط كخصي وحائض لم تتبع إلا بما يماثلها على
الصحيح، فلا تقول مررت بامرأة أكمر ابنها ولا برجل رتقاء بنته، وقس
لوجود القبح في اللفظ والمعنى أو في أحدهما. وأجاز الأخفش تبعيتها في الأقسام الثلاثة لما يخالفها أيضًا، هذا ملخص ما في التسهيل وشرحه للدماميني.
قوله: "وانصب وجر" أي: بها فحذف معمولها لدلالة الأول. وإنما جاز في النصب والجر إسناد الصفة المشبهة إلى ضمير صاحبها مع كونها مسندة في المعنى إلى سببيه لكون تلك الصفة في اللفظ جارية على صاحبها خبرًا له أو حالًا أو نعتًا وفي المعنى دالة على صفة له في ذاته سواء كانت هي الصفة المذكورة كما في زيد حسن الوجه فإنه متصف بالحسن لحسن
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في المقاصد النحوية ٣/ ٦٢٣.
[ ٣ / ١٠ ]
بها مضافًا أو مجرَّدًا ولا تَجْرر بها مع أل سُما من أل خَلا
ومن إضافة لِتالِيها وما لم يَخْل فهو بِالجَواز وُسِما
_________________
(١) اتصل بها" أي: بالصفة المشبهة "مضافًا أو مجردًا ولا تجرر بها مع أل سُمًا" أي: اسمًا "من أل خلا ومن إضافة لتاليها وما لم يخل فهو بالجواز وُسما" أي: لمعمول هذه الصفة ثلاث حالات: الرفع على الفاعلية، قال الفارسي أو على الإبدال من ضمير مستتر في وجهه أو كانت غيرها نحو: زيد أبيض اللحية أي: شيخ، وكثير الإخوان أي: متقوٍّ بهم، فيحسن حينئذٍ أن تجعل صفة سببية كصفة نفسه فيستتر ضميره في صفة سببية نحو: زيد حسن وجهًا كما يستتر في صفة نفسه نحو: زيد حسن فيخرج السببي عن ظاهر الفاعلية إلى النصب أو الجر؛ لأن الصفة لا ترفع فاعلين ولم يترك مرفوعًا على أن يكون بدلًا من الضمير لئلا يلتبس بالفاعل، فإن لم تجر في اللفظ على صاحب السبب نحو: زيد وجهه حسن أو جرت عليه لكنها لم تدل على صفة في ذاته نحو: زيد أحمر نوره لم يجز استتار ضمير ذي السبب فيها، فلا يقال: زيد أسود فرس غلام الأخ، وزيد أحمر النور؛ لأنه لا معنى لذلك، إلا أنه صاحب سبب متصف بالوصف المذكور ولم تدل صفة سببية على صفة في ذاته فكيف يضمر في صفة سببية صفة نفسه. فإن قيل أليس الصفة في نحو: زيد أحمر نوره تدل على صفة في ذاته وهي كونه صاحب نور، قلنا: كونه صاحبه مفهوم من كون النور سببيا لزيد لا من صفة السبب قاله الرضي وصرح بمثله فيما أجري مجرى الصفة المشبهة من اسمي الفاعل والمفعول اللازمين، ومنه أخذ السعد قوله في حاشية الكشاف عند قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أن الصفة المشبهة لا تضاف لمرفوعها إلا عند صحة تحملها لضمير صاحبها. قوله: "مع أل" حال من الضمير المجرور، ومصحوب تنازعه الثلاثة فأعمل الأخير وأضمر فيما قبله وحذف الضمير لكونه فضلة، وهو إشارة إلى أحد السببي الاثني عشر المتقدمة ودخل تحت قوله وما اتصل بها مضافًا ثمانية؛ وهي ما عدا هذا وما عدا الموصول والموصوف والمجرد سواهما كحسن وجه والحسن وجه فإن هذه الثلاثة دخلت تحت قوله أو مجردًا أي: من أل والإضافة. قوله: "ولا تجرر بها إلخ" استثناء لصور الامتناع. قوله: "سما" بتثليث السين وهو منصوب بفتحة مقدرة على أنه كفتى، وظاهرة على أنه كيد. قوله: "ومن إضافة لتاليها" أي: لتالي أل ولو بواسطة الإضافة لضميره فيشمل الإضافة لضمير تاليها كما في سم. قوله: "وما لم يخل" أي: من أل والإضافة لتاليها فهو بالجواز أي: جواز الجر، وسما أي: علم وذلك ثلاث صور تضم إلى صور الرفع والنصب مع تعريف الصفة بأل أو تنكيرها وصور الجر مع تنكير الصفة فيحصل ثلاث وستون صورة مفهومة من قوله فارفع بها إلى قوله ومن إضافة لتاليها. وأما قوله وما لم يخل إلخ فتأكيد لما قبله لعلمه منه. قوله: "الرفع على الفاعلية" قد يتعين كما في مررت بامرأة حسن الوجه؛ لأن الصفة لو تحملت الضمير لوجب تأنيث الوصف بالتاء، وقد يتعين عدمه كما في مررت بامرأة حسنة الوجه؛ لأن الوجه لو كان فاعلًا لوجب تذكير الوصف وقد يجوز الأمران كما في نحو: مررت برجل
[ ٣ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الصفة والنصب على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة والخفض بالإضافة. والصفة مع كل من الثلاثة إما نكرة أو معرفة وهذه، الستة في أحوال السببي المذكورة في التنبيه الثالث. فتلك اثنان وسبعون صورة الممتنع منها ما لزم منه إضافة ما فيه أل إلى الخالي منها، ومن الإضافة لتاليها أو لضمير تاليها كما صرح بهذا في التسهيل. وذلك تسع صور وهي: الحسن وجه، الحسن وجه أب، الحسن وجهه، الحسن حسن الوجه. قوله: "أو على الإبدال من ضمير الصفة" أي: إبدال بعض من كل، يعني حيث أمكن الإبدال لا مطلقًا فلا يرد عليه ما حكي من قولهم: مررت بامرأة حسن الوجه ومررت بامرأة قويم الأنف لوجود المانع من الإبدال فيما ذكر وهو عدم تأنيث الوصف مع وجوبه عند تحمل الوصف الضمير. فإن قيل على القول بأن العامل في البدل مقدر يلزم عمل الصفة المشبهة محذوفة وهو ممنوع. أجيب بأن قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع قاله سم. قوله: "على التشبيه بالمفعول به" أي: بمفعول اسم الفاعل لشبه الصفة به فيما تقدم، وخصوا التشبيه بالمفعول به دون غيره من المفاعيل؛ لأنه الذي يشتبه بالفاعل بخلاف بقية المفاعيل. وكما يسمى هذا مشبهًا بالمفعول به يسمى المنصوب على التوسع بحذف الجار مشبهًا بالمفعول به أفاده شارح الجامع. قوله: "وعلى التمييز" كان الأولى، وعليه أو على التمييز إن كان نكرة لجواز الوجهين فيه حينئذٍ. قوله: "بالإضافة" أي: بسببها لما مر. قوله: "أو معرفة" أي: لاقترانها بأل. قوله: "في أحوال السببي المذكورة" أي: الاثني عشر. قوله: "فتلك اثنان وسبعون صورة" صوابه اثنتان لما سيأتي في العدد، ويضم إليها ثلاث صور سيذكرها الشارح قبيل الخاتمة: الأولى أن يكون معمول الصفة ضميرًا مجرورًا باشرته الصفة المجردة من أل كمررت برجل حسن الوجه جميله. الثانية أن تفصل الصفة من الضمير وهي مجردة من أل نحو: قريش نجباء الناس ذرية وكرامهموها. الثالثة أن تتصل به ولكن تكون الصفة بأل نحو: زيد الحسن الوجه الجميله فصارت الصور خمسًا وسبعين. والصفة إما مفردة أو مثناة أو مجموعة جمع سلامة أو تكسير مذكرة أو مؤنثة، فإذا ضربت الثماني في خمس وسبعين صارت ستمائة. والصفة أيضًا إما مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة فإذا ضربت الثلاث في ستمائة صارت ألفًا وثمانمائة. ومعمول الصفة إما مفرد أو مثنى أو مجموع جمع سلامة أو تكسير مذكر أو مؤنث، فإذا ضربت الثماني في الألف وثمانمائة صارت أربعة عشر ألفًا وأربعمائة، تسقط منها مائة وأربعة وأربعون من صور المعمول الضمير؛ لأنه وإن انقسم إلى ضمير إفراد وتثنية وجمع لا يكون مجموعًا جمع سلامة ولا جمع تكسير، فالباقي أربعة عشر ألفًا ومائتان وستة وخمسون بعضها جائز وبعضها ممتنع، فيخرج منها الممتنع على ما تقدم أفاده في التصريح. قوله: "ما لزم منه إلخ" سيأتي قبيل الخاتمة أن محل الامتناع في الصفة المفردة، أما المثناة والمجموعة على حد المثنى فيجوز إضافتها مع تعريفها بأل إلى الخالي وتقدم في باب الإضافة أيضًا. قوله: "وذلك تسع صور" لأنها بقية الاثني عشر بعد إخراج ما فيه أل والمضاف
[ ٣ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجه أبيه، الحسن ما تحت نقابه، الحسن كل ما تحت نقابه الحسن نوال أعده الحسن سنان رمح يطعن به الحسن وجه جاريتها الجميل أنفه، وليس منه الحسن الوجنة الجميل خالها بجر خالها لإضافته إلى ضمير ما فيه أل وهو الوجنة. نعم هو ضعيف؛ لأن المبرد يمنعه كما عرفت في باب الإضافة، وما سوى ذلك فجائز كما أشار إليه بقوله: وما لم يخل فهو بالجواز وسمًا، أي: علم. لكنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قبيح وضعيف وحسن، فالقبيح رفع الصفة مجردة كانت أو مع أل المجرد من الضمير والمضاف إلى المجرد منه وذلك ثمان صور هي: الحسن وجه، الحسن وجه أب، حسن وجه، حسن وجه أب، الحسن الوجه، الحسن وجه الأب، حسن الوجه، حسن وجه الأب. والأربع الأولى أقبح من الثانية لما يرى من أن أل خلف عن الضمير. وإنما جاز ذلك على قبحه لقيام السببية في المعنى مقام وجودها في لتاليها أو لضمير تاليها. قوله: "وهي الحسن وجه إلخ" وجه الامتناع في الأولين أن الواجب في الإضافة المعنوية إضافة النكرة إلى المعرفة فلم يجوّزوا في الإضافة اللفظية التي هي فرعها أن تكون على عكس أصلها، نقله سم عن الصفوي، ومراده بالواجب الإضافي أي: بالنسبة إلى إضافة المعرفة إلى النكرة فلا ينافي ما مر أن من المعنوية إضافة النكرة إلى النكرة للتخصيص. وهذا أولى مما أوّل به البعض. ثم قال سم: ووجهه في البقية عدم الفائدة والإضافة اللفظية إنما تجوز إذا أفادت تخفيفًا أو رفع قبح كما تقدم ولا تخفيف فيما ذكر لسقوط التنوين بأل ولا رفع قبح لوجود الضمير مع المعمول. قوله: "الحسن وجهه" ينبغي أن محل امتناعه إذا كان الموصوف فيه وفي الأمثلة الثلاثة بعده غير محلى بأل كزيد وإلا فلا امتناع؛ لأن الصفة حينئذٍ مضافة لمضاف لضمير ما فيه أل وكذا في المثال الأخير، فمحل امتناعه إذا كان الموصوف نحو: هند، لا نحو: امرأة، قاله سم. قوله: "وليس منه" أي: من الممتنع. قوله: "كما أشار إليه بقوله وما لم يخل إلخ" لو جعل الإشارة بقوله فارفع بها إلى قوله ومن إضافة لتاليها لكان أحسن لعلم قوله وما لم يخل إلخ من الكلام قبله فهو تأكيد كما مر، ولاختصاص قوله وما لم يخل إلخ بالجر كما تقدم. وقوله وما سوى ذلك عام في الجر والنصب والرفع بقرينة مقابلته لقوله الممتنع منها ما لزم منه إلخ الواقع هو، وقوله وما سوى ذلك إلخ تفصيلًا لقوله فتلك اثنان وسبعون صورة، إلا أن يدفع الثاني بأن المراد كما أشار إليه بقوله وما لم يخل إلخ مع قوله فارفع بها إلخ. قوله: "لكنه ينقسم" استدراك على قوله وما سوى ذلك فجائز دفع به توهم تساوي الصور في الجواز. قوله: "فالقبيح رفع الصفة إلخ" أي: لما فيه من خلو الصفة من ضمير يعود على الموصوف. قوله: "وذلك ثمان صور" لأن المجرد من الضمير معمولًا كان أو مضافًا إليه المعمول إما محلى بأل أو لا فهذه أربع صور تضرب في صورتي الصفة بثمان. قوله: "لما يرى" أي: في الأربع الثانية وقوله من أن أل خلف عن الضمير أي: كما هو مذهب الكوفي. قوله: "لقيام السببية في المعنى" يعلم منه أن القبح بانتفاء السببية في اللفظ.
[ ٣ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللفظ، لأن معنى حسن وجه حسن وجه له أو منه ودليل الجواز قوله:
٧٤١- بِبُهْمة مُنِيت شَهْم قلب مُنَجّد لا ذي كَهَام يَنْبو
فهو نظير حسن وجه. والمجوز لهذه الصورة مجوز لنظائرها إذ لا فرق. والضعيف نصب الصفة المنكرة المعارف مطلقًا، وجرها إياها سوى المعرف بأل والمضاف إلى المعرف بها، وجر المقرونة بأل المضاف إلى ضمير المقرون بها، وذلك خمس عشرة صورة هي: حسن الوجه، حسن وجه الأب، حسن وجهه، حسن وجه أبيه، حسن ما
ــ
قوله: "ودليل الجواز" أي: من السماع. قوله: "ببهمة" بضم الموحدة الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى لشدة بأسه، وباؤه متعلقة بمنيت بضم الميم وكسر النون مخففة أي: ابتليت. شهم بفتح الشين المعجمة قوي القلب ذكيه. قلب فاعل شهم. منجذ بضم الميم وفتح النون وكسر الجيم مشددة آخره ذال معجمة أي: مجرب للأمور، لا ذي كهام أي: صاحب سيف كهام بفتح الكاف أي: كليل. ينبو أي: يبعد عن الإصابة. قوله: "والضعيف نصب الصفة المنكرة المعارف مطلقًا" أي: لما فيه من إجراء وصف القاصر مجرى وصف المتعدي كذا في التصريح. قال سم، ومقتضاه أن الصفة المعرفة كذلك إلا أن يفرق بأن في المعرفة اعتمادًا على أل وإن كانت معرفة على الأصح نظرًا إلى القول بأنها موصولة، ففيها قوة العمل بخلاف المنكرة، لكن ينافي هذا فرض الموضح في باب الإضافة، ذلك مع تعريف الصفة والمعمول ا. هـ. وقد اعترض الشارح في شرح التوضيح على الموضح بأنه كان الأولى
له التمثيل بحسن الوجه، قال سم. ولما كان الإجراء المذكور دون خلو الصفة من ضمير يعود على الموصوف في القبح جعلوا هذا القسم ضعيفًا، والذي
قبله قبيحًا ا. هـ. وقد أسلفنا في باب الإضافة أن بعض ما عبروا عنه هنا
بالضعف عبروا عنه هناك بالقبح تساهلًا، فلا ينافي ما هنا جعلهم هناك
الإجراء المذكور قبيحًا، وقوله مطلقًا أي: سواء كان تعريفها بأل أو بالإضافة، ودخل تحت ما ذكره ثمان صور هي الباقية بعد أن تسقط من أنواع السببي النكرة الموصوفة والمضاف إليها والمجرد والمضاف إليه.
قوله: "وجرها إياها" قيل وجه الضعف ما فيه من شبه إضافة الشيء إلى نفسه كما سيذكره الشارح وقيل وجهه أن فيه زيادة ضمير غير محتاج إليه؛ ولهذا استثنى المعرف بأل والمضاف إلى المعرف بها؛ لأنه لا زيادة فيهما وهذا التوجيه أولى؛ لأنه عليه يظهر وجه استثناء الصورتين المذكورتين لا يقال يرد على الوجهين أنهما موجودان في الصفة المعرفة كالمنكرة، فهلا قالوا بضعف الجر مع الصفة المعرفة بأل أيضًا دون الامتناع؛ لأنا نقول لما وجد معهما في الصفة المعرفة شيء آخر يقتضي امتناع الجر بها معناه فاندفع اعتراض البعض بذلك على التوجيه الأول فتأمل. ودخل تحت هذا ست صور هي بقية الثمان المتقدمة بعد الصورتين اللتين استثناهما. قوله: "وجرّ المقرونة إلخ" وجه ضعفه ما تقدم من أن المبرد يمنعه. قوله: "وذلك" أي: الضعيف أو
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الدرر ٥/ ٢٨٤؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٥٧٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩٩.
[ ٣ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تحت نقابه، حسن كل ما تحت نقابه، حسن وجه جاريتها جميلة أنفه، حسن الوجنة جميل خالها، وحسن وجهه، حسن وجه أبيه، حسن ما تحت نقابه، حسن كل ما تحت نقابه، حسن وجه جاريتها جميلة أنفه، حسن الوجنة جميل خالها، والحسن الوجنة الجميل خالها. ويدل للجواز في الأول والثاني قوله:
٧٤٢- ونأخذ بعده بِذِناب عَيْش أجَبّ الظَّهْر ليس له سَنَام
في رواية نصب الظهر وفي بقية المنصوبات قوله:
٧٤٣- أَنْعَتها إني من نُعّاتِها كُوَمَ الذَّرَي وَادِقَة سُرَّاتِها
ــ
المذكور من النصب والجر. قوله: "وحسن وجهه" أعاد الواو هنا وفي قوله والحسن الوجنة إلخ دون غيرهما إشارة في المحل الأول إلى أن ما بعدها أمثلة النوع الثاني، وفي المحل الثاني إلى أن ما بعدها مثال النوع الثالث. قوله: "في الأول والثاني" أي: نصب الصفة المنكرة المعرّف بأل ونصبها المضاف إلى المعرف بها. قوله: "ونأخذه بعده إلخ" روي نأخذ بالجزم عطفًا على جواب الشرط والرفع استئنافًا والنصب بأن مضمرة كما سيذكره الشارح في شرح قول المصنف والفعل من بعد الجزا إلخ، والضمير في بعده للمدوح وهو النعمان بن الحرث الأصغر. وذناب الشيء بكسر الذال المعجمة عقبه. والأجب المقطوع. والسنام بالفتح ما ارتفع من ظهر البعير. والمعنى نتمسك بعده بطرف عيش قليل الخير بمنزلة البعير المهزول الذي ذهب سنامه لشدة هزاله. أي: نبقى بعده في شدة وسوء حال وفي أجب الجر صفة لعيش، وجره
بالكسرة إن أضعف إلى ما بعده وإلا فبالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للوصفية، ووزن الفعل والرفع خبرًا لمحذوف والنصب حالًا. وروي الظهر بالرفع على الفاعلية والجر على الإضافة والنصب على التشبيه بالمفعول به. وإنما كان هذا دليلًا للثاني أيضًا؛ لأن المضاف للمحلى بأل بمنزلته إذ لا فرق.
قوله: "أنعتها" أي: أصفها والضمير للنوق وأني إلخ تعليل لما قبله. والنعات جمع ناعت أي: واصف وكوم. منصوب على المدح بضم الكاف جمع كوماء كحمر وحمراء وهي عظيمة السنام. والذرى جمع ذروة بتثليث الذال المعجمة وهي أعلى الشيء والمراد بها هنا السنام. ووادقة صفة
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٠٦، والأغاني ١١/ ٢٦؛ وخزانة الأدب ٧/ ٥١١، ٩/ ٣٦٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨؛ وشرح المفصل ٦/ ٨٣، ٨٥؛ والكتاب ١/ ١٩٦؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٥٧٩، ٤/ ٤٣٤؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٠٠؛ والأشباه والنظائر ٦/ ١١، والاشتقاق ص١٠٥، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٥٨؛ والإنصاف ١/ ١٣٤؛ وشرح ابن عقيل ص٥٨٩؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣٥٨؛ ولسان العرب ١/ ٢٤٩ "حبب"، ١/ ٣٩٠ "ذنب"؛ والمقتضب ٢/ ١٧٩.
(٢) الرجز لعمرو بن لجأ في الأصمعيات ص٣٤؛ وخزانة الأدب ٨/ ٢٢١؛ والدرر ٥/ ٢٨٩؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٥٨٣؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ٦/ ٨٣، ٨٨.
[ ٣ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذ لا فرق، وفي المجرورات سوى الأخير قوله:
٧٤٤- أَقَامت على رَبْعَيْهما جارَتا صَفَا كُمَيْتا الأعالي جَونَتَا مُصْطلاهُما
والجر عند سيبويه في هذا النوع من الضرورات. ومنعه المبرد مطلقًا؛ لأنه يشبه إضافة الشيء إلى نفسه وأجازه الكوفيون في السعة وهو الصحيح. ففي حديث أم زرع $"صفر وشاحها" وفي حديث الدجال "أعور عينه اليمنى" وفي صفة النبي -ﷺ: "شثن أصابعه" ويدل للأخير قوله: سبتني الفتاة البضة، البيت في رواية جر كشحه. وأما الحسن فهو ما عدا ذلك وجملته أربعون صورة، وهي تنقسم إلى حسن، وأحسن فما كان فيه ضمير واحد
ــ
لكوم من ودقت السرة إذا دنت من الأرض لفرط السمن. والشاهد فيه؛ لأنه صفة مشبهة على وزن فاعل نصب سراتها بالكسر وهو مضاف إلى ضمير الموصوف.
قوله: "إذ لا فرق" علة لمحذوف أي: وإنما كان دليلًا للجواز في بقية المنصوبات مع أنه ليس فيه إلا نوع من تلك البقية؛ لأنه لا فرق. قوله: "أقامت على ربعيهما" على بمعنى في والضمير للدمنتين في البيت قبله تثنية دمنة بكسر الدال وهي ما بقي من آثار الدار، وجارتا صفا فاعل أقامت. وأراد بهما حجرين يوضع عليهما القدر بجانب الصفا أي: الجبل، وكميتا الأعالي صفة جارتا أي: شديدتا حمرة الأعالي: أي: الأعليين فالجمع مستعمل في الاثنين. جونتا مصطلاهما صفة ثانية أي: مسودتا موضع الاصطلاء بالنار وهو الأسفل. والشاهد فيه حيث جرّ جونتا وهو صفة مشبهة المضاف إلى ضمير الموصوف، ومثله بقية المجرورات سوى الأخير إذ لا فرق.
قوله: "في هذا النوع" أي: المجرورات سوى الأخير. قوله: "مطلقًا" أي: في الضرورة والسعة. قوله: "يشبه إضافة الشيء إلى نفسه" أي: لأن الوصف عين مرفوعه في المعنى. وإنما قال يشبه؛ لأنه لم يضف إليه إلا بعد تحويل الإسناد عنه كما مر. قوله: "صفر وشاحها" بكسر الصاد المهملة والمعنى أنها ضامرة البطن فكأن وشاحها خال. والوشاح شيء مرصع بالجواهر تجعله المرأة من نساء الملوك بين عاتقها وكشحها، وفي رواية صفر ردائها. قوله: "أعور عينه اليمنى" هذه رواية. وفي رواية أخرى أعور عينه اليسرى وكلتاهما صحيحة قال ابن عبد البر رواية اليمنى أصح إسنادًا ولا يظهر الجمع بينهما. قوله: "شثن أصابعه" بفتح الشين المعجمة وسكون المثلثة
_________________
(١) قبله: أمِن دِمْنتين عَرَّس الركب فيهما حَقْل الرُّخامى قد عفا طللاهما والبيتان من الطويل، وهما للشماخ في ديوانه ص٣٠٧ و٣٠٨؛ وخزانة الأدب ٤/ ٢٩٣؛ والدرر ٥/ ٢٨١؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٧؛ وشرح المفصل ٦/ ٨٣، ٨٦؛ والصاحبي في فقه اللغة ص٢١٠؛ والكتاب ١/ ١٩٩؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٥٨٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩٩؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٨/ ٢٢٠، ٢٢٢؛ والمقرب ١/ ١٤١.
[ ٣ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أحسن مما فيه ضميران؛ وقد وضعت لذلك جدولًا تتعرف منه أمثلته وأحكامه على التفصيل المذكور بسهولة، مشيرًا إلى ما لبعضها من دليل بإشارة هندية، وإن كان كثيرًا أي: غليظها. قوله: "فما كان فيه ضمير واحد" كالحسن وجهه بالرفع أحسن مما فيه ضميران كالحسن وجهه بالنصب، فإن فيه مع الهاء ضميرًا مستترًا هو فاعل الحسن، ووجه الأحسنية السلامة من زيادة ضمير غير محتاج إليه. قوله: "لذلك" أي: للمذكور من صور الصفة المشبهة. قوله: "وأحكامه" أي: من امتناع وأقبحية وقبح وضعف وحسن وأحسنية. قوله: "بإشارة هندية" أي: فوق حكم ذلك البعض وفوق الدليل كالإشارة بصورة الثمانية التي فوق قوله ببهمة إلخ، وفوق أقبح الذي هو حكم رفع حسن وجه حسن وجه أب إلى أن قوله ببهمة إلخ شاهد رفعهما، ولو وضع أيضًا هذه الإشارة فوق قبيح الذي هو حكم رفع حسن الوجه وحسن وجه الأب وفوق قبيح الذي هو حكم رفع الحسن الوجه والحسن وجه الأب وفوق أقبح الذي هو حكم رفع الحسن وجه الحسن وجه أب لكان أحسن؛ لأن فيه تنبيهًا على أن قوله ببهمة إلخ شاهد الرفع في الصور الثمانية كما مر في الشرح. وكان الموافق لما مر في الشرح أيضًا أن يشير إلى شاهد بقية صور النصب الضعيفة وهو قوله أنعتها إلخ، وإلى شاهد صور الجر الضعيفة سوى أخيرها وهو قوله أقامت على ربعيهما إلخ. واعلم أن الشارح أشار على ما في كثير من النسخ الصحيحة عشر إشارات إلى عشرة شواهد كل شاهد لحكم صورتين إلا الشاهد في الإشارة السابعة فلحكم صورة واحدة لعدم ذكره صورة تناسبها، لكن النسخ مختلفة في الرقوم المشار بها. الإشارة الأولى فوق أحسن حكم جر حسن وجه حسن وجه أب إلى شاهد جرهما وهو قوله: لاحقِ بطنِ بِقَرَى سمينِ لا خَطِل الرجع ولا قَرُونِ ولم أر من تكلم على هذا البيت ونحن نتكلم عليه بما تيسر فنقول: معنى لاحق بطن ضامر؛ قال في القاموس: لحق كسمع ضمر وهو صفة لفرس فيما يظهر وفيه الشاهد وقوله بقرى بفتح القاف كفتى أي: ظهر والباء بمعنى مع. وقوله لا خطل الرجع بفتح الخاء المعجمة وكسر الطاء وفتح الراء وسكون الجيم: أي: لا مضطرب الخطو ملتوية، وهو صفة أخرى للفرس الممدوح، والقرون بالقاف والراء كصبور الدابة التي تعرق سريعًا، أو تقع حوافر رجليه موقع يديه. ولاحق إن كان بالجر فلا إشكال وإن كان بالرفع احتيج إلى قراءة سمين بالرفع على أنه نعت مقطوع لقرى؛ ليتفق الشطران في الحركة. وفي نسخ الاستشهاد أيضًا بقوله: وَلاَ سَيِّئي زِيٍّ إذا ما تَلَبَّسُوا إلى حَاجَةٍ يَومًا مُخيَّسَةً بُزْلاَ الشاهد في سيئي والزي بكسر الزاي الهيئة. وقوله إلى حاجة أي: لأجل حاجة. ومخيسة منصوب، بتلبسوا بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد التحتية مفتوحة وسين مهملة أي: مذللة صفة في الأصل ليزلا، فلما قدم عليه أعرب حالًا. والبزل بضم الموحدة وسكون الزاي جمع بازل وهو البعير الذي انشق نابه ذكرًا كان أو أنثى. الإشارة الثانية فوق ضعيف حكم نصب حسن
[ ٣ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الوجه، حسن وجه الأب إلى شاهد نصبهما وهو قوله أجب الظهر إلخ على رواية نصب الظهر. وقد تقدم. هذا هو الموافق لما مر في الشرح من الاقتصار على جعله دليل نصبهما. وأما جعله شاهدًا لهما في الأحوال الثلاثة كما فعل البعض تبعًا لما يأتي في آخر طريقة معرفة الجدول. ووجد في عدة نسخ من رسم صورة ستة فوق أحسن حكم جر حسن الوجه حسن وجه الأب، وصورة خمسة فوق ضعيف حكم نصبهما، وصورة أربعة فوق قبيح حكم رفعهما، ورسم الصور الثلاث فوق أجب الظهر إلخ، تنبيهًا على أنه شاهد في حكم جواز أحوالهما الثلاث فلا يوافق صنيع الشارح سابقًا. الإشارة الثالثة فوق أحسن حكم نصب حسن وجهًا، حسن وجه أب إلى شاهد نصبهما وهو قوله: هَيْفَاءُ مُقْبِلَةً عَجْزَاءُ مُدْبِرَةً ممْخُوطَةٌ جُدِّلَتْ شَنْبَاءُ أَنْيَابَا أي: هي هيفاء أي: ضامرة كما في العيني، ومقبلة حال من الضمير في هيفاء. وقول العيني ذو الحال محذوف أي: إذا كانت مقبلة وكان تامة تكلف لا حاجة إليه. والعجزاء كبيرة العجز. ومدبرة حال من الضمير في عجزاء. ممخوطة أي: موشومة بالمخط بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وهو ما يوشم به. وجدلت بضم الجيم وكسر الدال المهملة مبني للمجهول من قولهم جارية مجدولة الخلق أي: حسنته. والشاهد في شنباء أنيابًا من الشنب وهو رقة الأسنان وصفاؤها. الإشارة الرابعة فوق أقبح حكم رفع حسن وجه حسن وجه أب إلى شاهد رفعهما وهو قوله ببهمة إلخ وقد تقدم. الإشارة الخامسة فوق أحسن حكم رفع حسن وجهه، حسن وجه أبيه إلى شاهد رفعهما وهو قوله: تُعَيِّرُنَا أنَّا قَلِيلٌ عِدَادنَا فَقُلتُ لَهَا إنَّ الكِرَامَ قَلِيلُ الإشارة السادسة فوق أحسن حكم رفع حسن أنوال عدة، حسن سنان رمح يطعن به إلى شاهد رفعهما، وهو قوله: أزور امرأ إلخ وقد تقدم. الإشارة السابعة فوق ضعيف حكم جر الحسن الوجنة الجميل خالها إلى شاهد جره وهو قوله: سبتني الفتاة إلخ. وقد تقدم. الإشارة الثامنة فوق أحسن حكم نصب الحسن الوجه، الحسن وجه الأب إلى شاهد نصبهما وهو قوله: فَمَا قَومِي بِثَعْلَبَةَ بْن سَعْدٍ وَلاَ بِفَزَارَةَ الشُّعْرِ الرِّقَابَا وثعلبة وفزارة قبيلتان. والشعر بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة جمع أشعر وهو كثير الشعر. وفي نسخ الاستشهاد أيضًا بقوله: لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى والشاهد في نصب أخفية بالأيقاظ على التشبيه بالمفعول به. والأيقاظ جمع يقظ أي: متيقظ والأخفية بخاء معجمة ففاء فتحتية جمع خفي، وأراد بها أجفان العيون. والكرى النوم. الإشارة التاسعة فوق أحسن حكم نصب الحسن وجهًا الحسن وجه أب إلى شاهد نصبهما وهو: الحزن بابًا والعقور كلبا
[ ٣ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أشرت إلى كثرته بكاف عربية. جامعًا في ذلك بين كل متناسبين بإشارة واحدة. وهو هذا:
٧٤٥- "١"
لاَحِق بَطنٍ بِقَرَى سَمِين لا خَطِل الرَّجْع ولا قَرُونِ
٧٤٦- "٢"
أجَبَّ الظَّهْر ليس له سَنَامُ
٧٤٧- "٣"
هَيْفَاء مُقْبِلَة عَجْزَاء مُدْبرة مَمْخوطَة جُدِّلَت شَنْبَاء أَنْيَابًا
٧٤٨- "٤"
بِبُهْمَة مُنِيت شَهْم قَلَب
"٥"
تُعَيِّرنا أَنَّا قَلِيل عِداَدُنا فقلت لها إنَّ الكِرامَ قَلِيل
٧٤٩- "٦"
أَزُور امرءًا جمًّا نَوَال أعَدَّهُ
ــ
والحزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي ضد السهل وهو ذم لشخص بأن بابه مغلق دون الأضياف وكلبه عقور. الإشارة العاشرة فوق أحسن حكم رفع الحسن ما تحت نقابه، الحسن كل ما تحت نقابه إلى شاهد رفعهما وهو:
فاقصد بزيد العزيز من قصده
ويرد عليه أن من يحتمل غير الرفع، إلا أن يقال الظاهر حمل الكلام على الأولى، حيث لا مانع منه فاعرف ذلك، فقد أهمل أرباب الحواشي ضبط إشارات الجدول وشرح شواهده فوقع فيه خبط كثير. قوله: "بكاف عربية" أي: مجرور لا معلقة. والنسخ مختلفة في مواضع هذه الكاف اختلافًا لا وثوق معه. قوله: "جامعًا في ذلك" أي: في الدليل بين كل متناسبين أي: قسمين متناسبين كحسن الوجه وحسن وجه الأب ولا يرد عليه إفراده؛ الحسن الوجنة الجميل خالها
_________________
(١) ٧٤٥ الرجز لحميد الأرقط في شرح أبيات سيبويه ١/ ١٧٤؛ وشرح المفصل ٦/ ٨٥؛ والكتاب ١/ ١٩٧؛ ولسان العرب ١٣/ ١٧٩ "رزن"، ١٥/ ٤٠٠ "وقى". ٧٤٦ صدره: ونأخذ بَعْده بذنَابِ عيشٍ والبيت من الوافر، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٠٦، والأغاني ١١/ ٢٦؛ وخزانة الأدب ٧/ ٥١١، ٩/ ٣٦٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨؛ وشرح المفصل ٦/ ٨٣، ٨٥؛ والكتاب ١/ ١٩٦؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٥٧٩، ٤/ ٤٣٤؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٠٠؛ والأشباه والنظائر ٦/ ١١؛ والاشتقاق ص١٠٥، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٥٨؛ والإنصاف ١/ ١٣٤؛ وشرح ابن عقيل ص٥٨٩؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣٥٨؛ ولسان العرب ١/ ٢٤٩ "جب"، ١/ ٣٩٠ "ذنب"؛ والمقتضب ٢/ ١٧٩. ٧٤٧ البيت من البسيط، وهو لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص٣٦؛ وشرح أبيات الكتاب ١/ ٤؛ وشرح المفصل ٦/ ٨٣، ٨٤؛ الكتاب ١/ ١٩٨؛ ولسان العرب ١/ ٧٨٧ "هلب"؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٥٩٣. ٧٤٨ الرجز بلا نسبة في الدرر ٥/ ٢٨٤؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٥٧٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩٩. ٧٤٩ عجزه: لمن أمَّه مستكفيًا أزمَةَ الدَّهْر والبيت من الطويل، وهو بلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ٨٦؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٣١.
[ ٣ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٧٥٠- "٧"
سَبَتْنِي الفتاة البَضَّة المُتَجرِّدِ الـ ـلطِيفة كَشْحُه
٧٥١- "٨"
فما قومي بِثَعْلَبَةَ بن سَعْد ولا بِفَزَارَة الشُّعْر الرِّقابَا
٧٥٢- "٩"
الحُزْنُ بَابًا والعَقُور كَلبًا
"١٠"
فَاقصِد بِزَيْد العَزِيزُ من قَصَدَهْ
طريقة معرفة هذا الجدول أن تضع الورقة التي هو مرسوم فيها بين يديك بحيث تكون أبيات الصفة المعرفة بأل مما يليك ثم ترفع بصرك إلى أبيات الصفة المنكرة، فإذا فرغت منها تنظر إلى أبيات الصفة المعرفة بأل وقد جعل في رأس أبيات النوعين خمس بيوت: مكتوب في أول بيت منها الجر وفي الثاني النصب وفي الثالث الرفع وفي الرابع السببي وفي الخامس الصفة، ووصل كل بيت من هذه الأبيات باثني عشر مربعًا،
ــ
بالإشارة إلى دليل يخصه؛ لأن إفراده بذلك لعدم ذكره قسمًا يناسبه كما مر فتدبر. قوله: "طريقة معرفة إلخ" الظاهر أن هذا ليس من كلام الشارح بل لبعض الطلبة، وأن الشارح رسم الجدول عقب قوله وهو هذا، ويرشحه عدم وجود هذه الزيادة في بعض النسخ، وقوله في آخرها وقوله جامعًا إلخ. قوله:
"مما يليك" أي: بحيث تكون تحت أبيات الصفة المنكرة.
قوله: "ثم ترفع بصرك إلى أبيات الصفة المنكرة" أي: لتكون جاريًا على عادة القراءة في الورق مثلًا من البداءة بالأعلى. قوله: "في رأس أبيات النوعين" أي: أبيات كل من النوعين الصفة المنكرة والصفة المعرفة بأل وإلا فالمجعول في رأس أبيات مجموعهما بيوت عشرة لا خمسة. قوله: "باثني عشر مربعًا" هذا على ما في نسخ، وفي أخرى تقليل المربعات المقابلة للجر والنصب والرفع في النوعين بحسب اجتماع بعض صور كل من الثلاثة في حكم كاجتماع حسن الوجه، وحسن وجه الأب، وحسن وجه، وحسن وجه أب، في أحسنية الجر فوضع لحكم الأربعة بيتًا واحدًا. وكاجتماع الأولين في ضعف النصب وفي قبح الرفع فوضع لحكمهما بيتًا واحدًا، وقس على ذلك وهو وضع حسن أيضًا وأحسن منه تقليلها بحسب الاجتماع في الشاهد إن كان وفي الحكم إن لم يكن. والمربع سطح أحاط به أربع خطوط ولذلك سمي مربعًا. ويحتمل أن
_________________
(١) تمامه: سَبَتْنِي الفتاة البَضَّة المتجرِّد الـ ـلطيفة كشحه وما خلت أن أُسْبَى والبيت من الطويل وهو بلا نسبة في المقاصد النحوية ٣/ ٦٢٣.
(٢) البيت من الوافر وهو لحارث بن ظالم في الأغاني ١١/ ١١٩؛ والإنصاف ص١٣٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٥٨؛ وشرح اختيارات المفضل ٣/ ١٣٣٥؛ والكتاب ١/ ٢٠١، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٠٩، والمقتضب ٤/ ١٦١؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٤٩٧؛ وشرح المفصل ٦/ ٨٩.
(٣) الرجز لرؤبة في ديوانه ص١٥؛ وخزانة الأدب ٨/ ٢٢٧؛ والكتاب ١/ ٢٠٠؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦١٧؛ والمقتضب ٤/ ١٦٢، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٨٠؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٠٤.
[ ٣ / ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فالمربعات الموصولة بالأخيرين منها الصفة ومعمولها السببي المنقسم إلى اثني عشر قسمًا كما تقدم، والمربعات الموصولة ببيت الجر مكتوب فيها حكم المعمول السببي الذي في مربعاته كلها، وكذلك في بيت النصب وبيت الرفع فما قابله منها ممتنع فهو ممتنع وما قابله حسن فهو حسن وهكذا. ثم ما يحرس هذه الأحكام إشارة هندية: فانظر في الشواهد المكتوبة حول الجدول فما وجدت عليه تلك الإشارة فهو شاهد ذلك الحكم. وقوله جامعًا بين كل متناسبين إلخ، أي: كما جمع بين حسن الوجه وحسن وجه الأب بصوره: ستة في الجر وخمسة في النصب وأربعة في الرفع. تنبيهان: الأول تقدم أن معمول الصفة يكون ضميرًا وعملها فيه جر بالإضافة إن باشرته، وخلت من أل نحو: مررت برجل حسن الوجه جميله، ونصب إن فصلت أو قرنت بأل فالأول نحو: "هم أحسن وجوهًا وأنضر همومًا". والثاني نحو: الحسن الوجه الجميله. الثاني إنما تأتي مسائل امتناع الإضافة مع الصفة المفردة كما رأيت. فإن كانت الصفة مثناة تسميته بذلك لاحتوائه على زوايا أربع قائمة إن استقامت الخطوط الأربعة لتساوي الزوايا حينئذٍ، والزوايا المتساوية قوائم، وعلى زوايا أربع بعضها وهو مصغر حاد وبعضها وهو ما كبر منفرج إن لم يستقم جميعها، وقول البعض لاحتوائه على زوايا أربع منفرجة إن استقامت الخطوط؛ خطأ فاحش كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بفن الهندسة. قوله: "بالأخيرين" أي: البيتين الأخيرين المكتوب في أحدهما لفظ السببي وفي الآخر لفظ الصفة. والضمير في منها يرجع إلى قوله خمس بيوت. قوله: "حكم المعمول السببي" أي: حكم جره وقوله الذي في مربعاته صفة للمعمول السببي والضمير يرجع إليه. قوله: "فما قابله منها" الضمير في منها لأحكام السببي أي: أحكام إعرابه المطلوب والجار والمجرور حال من ممتنع. والمعنى أن السببي الذي قابله من أحكام إعراب السببي المطلوب من جر أو نصب أو رفع ممتنع فهو ممتنع إلخ. قوله: "ثم ما يحرس إلخ" أتى به مع علمه من قوله مشيرًا إلخ توطئة لما بعده، وقوله هذه الأحكام أي: بعضها. قوله: "بصورة: ستة في الجر وخمسة في النصب وأربعة في الرفع" هذا على ما في عدة نسخ وهو لا يناسب ما مر في الشارح كما تقدم. قوله: "وعملها فيه جر بالإضافة إن باشرته وخلت من أل" جوّز في التسهيل وفاقًا للكسائي مع المباشرة والخلو من أل أن تعمل الصفة في الضمير النصب على التشبيه بالمفعول به فعلى هذا الجر غالب لا لازم كما قاله الدماميني. قال: ويظهر الفرق بين قصد الإضافة وعدم قصدها في مثل مررت برجل أحمر الوجه لا أصفره بكسر الراء عند قصد الإضافة وفتحها عند عدم قصدها. قوله: "وأنضر هموها" من النضرة وهي الوضاءة والبهجة. وفيه أن ما ذكر صيغة تفضيل لا صفة مشبهة، فكان ينبغي أن يقول كغيره: قريش نجباء الناس ذرية وكرامهموها. قوله: "الجميلة" كون الضمير في محل نصب مذهب سيبويه. ومذهب الفراء أنه في محل جر، قاله السيوطي أي: لأنه يجوز إضافة الصفة المحلاة
[ ٣ / ٢١ ]
التَّعجُّب:
بِأَفْعَلَ انطِقْ بعد ما تَعَجُّبا أو جِئ بأَفْعِلَ مَجْرور بِبَا
ــ
أو مجموعة على حد المثنى جازت إضافتها مطلقًا كما سبق في باب الإضافة ا. هـ.
خاتمة: قال في الكافية:
وضُمّن الجامد معنى الوصف واستُعمل استعماله بضَعف
كأنت غَربال الإهاب وكذا فراشة الحلم فراع المأخذا
أي: من تضمين الجامد معنى المشتق وإعطائه حكم الصفة المشبهة قوله:
٧٥٣- فَرَاشَة الحِلم فِرْعَون العَذابِ وإنْ تَطْلُب نداه فَكَلب دُونَه كَلبُ
وقوله:
٧٥٤- فلولا الله والمُهْرُ المُفَدَّى لأبْتَ وأنت غِربال الإهَابِ
ضمن فراشة الحلم معنى طائش. وفرعون معنى أليم، وغربال معنى مثقب، فأجريت مجراها في الإضافة إلى ما هو فاعل في المعنى ولو رفع بها أو نصب جاز والله أعلم.
التعجب:
"بأفعل انطق بعد ما تعجبا أو جئ بأفعل قبل مجرور ببا" أي: يدل على التعجب،
ــ
بأل إلى كل معرفة. قوله: "مطلقًا" أي: سواء كانت الصفة بأل أو لا وسواء كان المضاف إليه خاليًا من أل ومن الإضافة لتاليها ولضمير تاليها أولًا، وذلك لحصول فائدة الإضافة من التخفيف بحذف النون. قوله: "فراشة الحلم" بفتح الفاء. قوله: "أي: من تضمين الجامد إلخ" بيان لقوله كأنت غربال إلخ. قوله: "وإعطائه حكم الصفة المشبهة" أي: من رفع السببي ونصبه وجره وجعله أبو حيان سماعيا. قوله: "والمهر المفدى" بفتح الفاء والدال المهملة المشددة أي: القوي الجري لأُبْت أي: رجعت وأنت غربال الإهاب أي: مثقب الجلد من وقع الأسنة.
التعجب:
اعلم أنه لا يتعجب من صفاته تعالى قياسًا، فلا يقال ما أعلم الله؛ لأنها لا تقبل الزيادة. وشذ قول العرب: ما أعظم الله وما أقدره وما أجله نقله الشيخ يحيى عن ابن عقيل، والسيوطي عن أبي حيان ثم قال السيوطي: والمختار وفاقًا للسبكي وجماعة كابن السراج وابن الأنباري والصيمري جوازه. ومعنى ما أعظم الله أنه تعالى في غاية العظمة وأن عظمته مما تحار فيه العقول، والقصد الثناء عليه بذلك ا. هـ. باختصار وسيأتي عن الرضي ما يؤيد الجواز. ثم رأيت ابن
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو للضحاك بن سعد في الحيوان ١/ ٢٥٧؛ ولسعيد بن العاصي في ديوان المعاني ١/ ١٩٦؛ وبلا نسبة في الدرر ٥/ ٢٩٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠١.
(٢) البيت من الوافر، وهو لمنذر بن حسان في المقاصد النحوية ٣/ ١٤٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٤١١، والخصائص ٢/ ٢٢١، ٣/ ١٩٥؛ وديوان المعاني ٢/ ٢٤٩؛ والدرر ٥/ ٢٩١؛ ولسان العرب ١/ ٦٣٢ "عنكب"، ٣/ ٣٧٢ "قيد"، ١١/ ٤٩١ "غربل"؛ والممتع في التصريف ص٧٤.
[ ٣ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية بألفاظ كثيرة نحو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، سبحان الله المؤمن لا ينجس. لله دره فارسًا. لله أنت.
٧٥٥- يا جَارَتَا ما أنْتِ جَارَهْ
ــ
حجر الهيتمي بعد أن نقل في كتابه الإعلام إفتاء السبكي بالجواز ساق كلام ابن الأنباري، وملخصه: اعترض الكوفيون على البصريين في قولهم أن ما أفعله فعل بأنه يلزمهم أن يكون معنى ما أعظم الله شيء أعظمه، والله تعالى عظيم لا بجعل جاعل، فأجابوا بأن معنى ما أعظم الله شيء وصفه بالعظمة، كما تقول عظمت عظيمًا، والشيء إما من يعظمه من عباده أو ما يدل على عظمته من مصنوعاته أو ذاته تعالى أي: إنه أعظم لذاته لا لشيء جعله عظيمًا. وقيل هو إخبار بأنه في غاية العظمة ا. هـ. ثم ذكر ابن حجر أنه على القول الأول بأوجهه الثلاثة باق على حقيقته من التعجب وعلى الثاني مجاز في الإخبار ا. هـ. ويكفي في وجود شرط قبول الزيادة هنا أن مطلق العلم، ومطلق القدرة ومطلق العظمة مثلًا مما يقبل الزيادة وإن لم يقبلها خصوص
علمه تعالى وقدرته وعظمته فتأمل. ولا يجوز على الله تعالى أنه إنما يكون عند خفاء السبب وهو تعالى لا يخفى عليه خافية، وأما التعجب الوارد في القرآن من جهته تعالى فعلى لسان خلقه نحو: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أفاده الدماميني وغيره.
قوله: "تعجبًا" أي: لأجل التعجب أو متعجبًا أو في وقت التعجب. قوله: "أي: يدل على التعجب إلخ" لم يتحمل المتن جميع ذلك حتى يكون تفسيرًا له فكان الظاهر؛ أي: يتعجب بصيغتين مبوب لهما في كتب النحاة وقد يتعجب بغيرهما نحو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ إلخ. قوله: "وهو استعظام" وعرفه الدماميني بأنه انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر يجهل سببه. ومن ثم قيل إذا ظهر السبب بطل العجب. قوله: "فعل فاعل" يعني صفة موصوف وإن لم يكن له فيه اختيار فدخل نحو: ما أحسن زيدًا فاندفع اعتراض البعض كغيره. قوله: "ظاهر المزية" أي: بسبب زيادة فيه خفي سببها فلا يتعجب مما لا زيادة فيه ولا مما ظهر سببه.
قوله: "نحو: كيف تكفرون بالله" أي: أتعجب من كفركم بالله فاستعملت كيف في التعجب مجازًا عما وضعت له من الاستفهام عن الأحوال. وكذا استعمال سبحان الله ولله دره فارسًا، ولله أنت، وما أنت جارة، في التعجب، فإنه مجاز عن الإخبار بالتنزه ويكون دره منسوبًا لله ويكون المخاطب منسوبًا لله وعن الاستفهام عن جوارها إن كانت ما استفهامية أو عن نفي جوارها إن كانت نافية أي: لست جارة بل أعظم منها. قوله: "سبحان الله إلخ" قال البعض: انظر هل المتعجب منه مضمون الجملة بعده أو حال المخاطب ا. هـ. والأظهر أنه حال المخاطب المتوهم نجاسة المؤمن إذ عدم نجاسته غير خفي السبب. ثم رأيت في شروح البخاري التصريح به. قوله: "لله أنت" أي: في جميع الكمالات كما يدل عليه حذف جهة التعجب فهو أبلغ من نحو: لله درك
_________________
(١) صدره: بانت لتُحزِنَنَا عَفَارَة =
[ ٣ / ٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقوله:
(٢) وَاهًا لِسَلمى ثُمّ وَاهًا وَاهًا والمبوّب له في كتب العربية صيغتان: ما أفعله وأفعل به لاطرادهما فيه. فأما الصيغة الأولى فما فيها اسم إجماعًا؛ لأن في أفعل ضميرًا يعود عليها. وأجمعوا على أنها مبتدأ؛ لأنها مجردة للإسناد إليها. ثم اختلفوا فقال سيبويه: هي نكرة تامة بمعنى شيء. وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب وما بعدها خبر فموضعه رفع. وقال الفراء وابن درستويه: هي فارسًا. قوله: "يا جارتا ما أنت جاره" شطر بيت من مجزوء الكامل، المرفل فجاره بالوقف على هاء التأنيث وإن كان منصوبًا على التمييز أو الحال إن كانت ما استفهامية أو الخبرية إن كانت نافية حجازية، ومرفوعًا إن كانت نافية تميمية، وجارتا منصوب؛ لأنه مضاف إلى الألف المنقلبة عن ياء المتكلم. قوله: "واها" اسم فعل بمعنى أعجب. قوله: "لاطرادهما" أي: كثرة استعمالهما فيه لوضعهما له بخلاف ما مر كذا قالوا، وأورد عليه البعض أنه غير ظاهر في واها ولك رده بأن وضع واهًا للفظ الفعل الدال على التعجب لا للتعجب بناء على الراجح من أن مسميات أسماء الأفعال ألفاظ الأفعال. قوله: " ضميرًا يعود عليها" أي: والضمير لا يعود إلا على الأسماء. قوله: "على أنها مبتدأ" أي: واجب التقديم؛ لأنها في كلام جرى مجرى المثل فلزم طريقة واحدة. دماميني. قوله: "نكرة تامة" أي: غير موصوفة بالجملة بعدها؛ وذلك لأن التعجب إنما يكون فيما خفي سببه فيناسبه التنكير. قوله: "لتضمنها معنى التعجب" أي: المناسب له قصد الإبهام لاقتضاء التعجب خفاء السبب والإبهام يناسب الخفاء. والمراد بتضمنها معنى التعجب أن لها دخلًا في إفادته فلا ينافي أن الموضوع للتعجب الجملة بتمامها. وقيل المسوّغ تقدير التخصيص والمعنى شيء عظيم. قوله: "وما بعدها خبر" لكن ليس المقصود بالتركيب في هذه الحالة الإخبار بل إنشاء التعجب وكذا = والبيت من مجزوء الكامل، وهو للأعشى في ديوانه ص٢٠٣؛ وخزانة الأدب ٣/ ٣٠٨، ٣١٠، ٥/ ٤٨٦-٤٨٨، ٧/ ٢٥٠، ٩/ ٢٤٠؛ وشرح شواهد الإيضاح ص١٩٣؛ ولسان العرب ٤/ ٦٣ "بشر"، ٤/ ١٥٤ "جور"، ٤/ ٥٨٩ "عفر"؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٣٨؛ والمقرب ١/ ١٦٥؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص٤٥٢؛ وشرح شذور الذهب ص٣٣٥؛ وشرح ابن عقيل ص٣٤٧؛ وشرح عمدة الحافظ ٤٣٥؛ والصاحبي في فقه اللغة ص١٧١.
(٣) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٦٨؛ وله أو لأبي النجم في المقاصد النحوية ١/ ١٢٣، ٣/ ٦٣٦؛ ولأبي النجم في شرح التصريح ٢/ ١٩٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٢٩؛ وشرح المفصل ٤/ ٧٢؛ ولسان العرب ١٣/ ٥٦٣ "ويه"، ١٤/ ٣٤٥ "روي"؛ وله أو لرجل من بني الحارث في خزانة الأدب ٧/ ٤٥٥؛ وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/ ٧٨٦؛ وشرح عمدة الحافظ ص٩٦٧؛ وشرح قطر الندى ص٢٥٧؛ واللامات ص١٢٥؛ ومجالس ثعلب ص٢٧٥؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٦٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣١١.
[ ٣ / ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
استفهامية ونقله في شرح التسهيل عن الكوفيين. وقال الأخفش: هي معرفة ناقصة بمعنى الذي وما بعدها صلة فلا موضع له، أو نكرة ناقصة وما بعدها صفة فمحله رفع، وعلى هذين فالخبر محذوف وجوبًا أي: شيء عظيم. واختلفوا في أفعل: فقال البصريون والكسائي فعل للزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية نحو: ما أفقرني إلى رحمة الله، ففتحته بناء كالفتحة في زيد ضرب عمرًا وما بعده مفعول به. وقال بقية الكوفيين اسم لمجيئه مصغرًا في قوله:
٧٥٧- يَامَا أُمَيْلِحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لَنَا
ــ
يقال فيما يأتي قال الرضي: معنى ما أحسن زيدًا في الأصل شيء من الأشياء جعل زيدًا حسنًا، ثم نقل إلى إنشاء التعجب وانمحى عنه معنى الجعل، فجاز استعماله في التعجب من شيء يستحيل كونه بجعل جاعل نحو: ما أقدر الله وما أعلمه. قوله: "هي استفهامية" أي: مشوبة بتعجب كما ذكره المصنف في شرح التسهيل. وقال الدماميني استفهامية أي: في الأصل ثم نقلت إلى إنشاء التعجب، قال: وهذا القول أقوى من جهة المعنى؛ لأن شأن المجهول كسبب الحسن أن يستفهم عنه. وقد يستفاد من الاستفهام معنى التعجب نحو: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] ا. هـ. وما بعدها هو الخبر. قوله: "عن الكوفيين" قال في التصريح: وهو موافق لقولهم باسمية أفعل بفتح العين فإن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء نحو: ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . قوله: "هي معرفة ناقصة" لاحتياجها في إفهام المراد إلى الصلة.
قوله: "أي: شيء عظيم" ليس ذكر شيء ضروريا. قوله: "للزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية" قال الدماميني نقلًا عن المصنف: لا يرد على ذلك عليكني ورويدني؛ لأنه يقال عليك بي ورويد بي فلا يلزمان نون الوقاية بخلاف ما أفقرني ا. هـ. قال البعض: وقد يقال هو ظاهر في الثاني لا الأول؛ لأن عليكني بمعنى الزمني وعليك بي بمعنى استمسك بي كما ذكروه فهو تركيب آخر ا. هـ. ولك دفعه بأن مراد المجيب أن عليك له حالة يستغنى فيها مع ياء المتكلم عن النون بخلاف فعل التعجب، فإنه ليس له حالة يستغنى
فيها مع ياء المتكلم عن النون، مع أن المعروف أن عليك مطلقًا بمعنى الزم إلا أنه قد يضمن معنى استمسك فيتعدى بالباء. قوله: "وما بعده مفعول به" لهذا المفعول أحكام خالف فيها أصل المفاعيل منها أنه لا يحذف إلا لدليل
ولا يتقدم على عامله، ولا يحال بينهما إلا بالظرف على الصحيح ولا يكون إلا معرفة أو نكرة مختصة كما سيذكر الشارح هذا الحكم والمصنف البقية. قوله: "لمجيئه مصغرًا" أجاب البصريون بأنه شاذ.
_________________
(١) عجزه: مِنْ هؤُليَّائكُنَّ الضَّالِ والسَّمُرِ والبيت من البسيط، وهو للمجنون في ديوانه ص١٣٠، وله أو للعرجي أو لبدوي اسمه كامل الثقفي أو لذي الرمة أو للحسين بن عبد الله في خزانة الأدب ١/ ٩٣، ٩٦، ٩٧؛ والدرر ١/ ٢٣٤؛ ولكامل الثقفي أو للعرجي في شرح شواهد المغني ٢/ ٩٢٢؛ وللعرجي في المقاصد النحوية ١/ ٤١٦، ٣/ ٦٤٣؛ وصدره لعلي بن أحمد العريني في لسان العرب ١٣/ ٢٣٥ "شدن"؛ ولعلي بن محمد العريني في خزانة الأدب ١/ ٩٨؛=
[ ٣ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ففتحته إعراب كالفتحة في زيد عندك؛ وذلك لأن مخالفة الخبر للمبتدأ تقتضي عندهم نصبه، وأحسن إنما هو في المعنى وصف لزيد لا لضمير ما، وزيد عندهم مشبه بالمفعول به. وأما الصيغة الثانية فأجمعوا على فعلية أفعل ثم اختلفوا؛ فقال البصريون: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر وهو في الأصل ماض على صيغة أفعل بمعنى صار ذا كذا. كأغد البعير إذا صار ذا غدة، ثم غيرت الصيغة فقبح إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر فزيدت الباء في الفاعل ليصير على صورة المفعول به كامرر بزيد، ولذلك التزمت، بخلافها في قوله: "شدن" من شدن الظبي بالشين المعجمة والدال المهملة أي: قوي وطلع قرناه واستغنى عن أمه. ولنا صفة ثانية لغزلانا وتمام البيت: من هؤليّائكن الضال والسمر الضال بضاد معجمة فألف فلام مخففة شجر السدر البري الواحدة ضالة. والسمر بفتح السين المهملة وضم الميم شجر الطلح بحاء مهملة كما في كتب اللغة لا بالعين كما حرفه البعض، الواحدة سمرة ويجمع أيضًا على سمرات. قوله: "ففتحته إعراب" نقل عن بعض الكوفيين أن فتحته بنائية لتضمنه التعجب الذي هو معنى حقه أن يؤدي بالحرف. وردّ بأن المؤدي لمعنى التعجب الجملة بتمامها لا أفعل، وحينئذٍ فقول الشارح بقية الكوفيين أي: غالب بقيتهم. قوله: "وذلك" أي: كون فتحته فتحة إعراب مع كونه خبرًا. قوله: "تقتضي عندهم نصبه" فعامل النصب عندهم المخالفة. قوله: "وأحسن إنما هو إلخ" بيان للمخالفة هنا وفيه تنبيه على أن مخالفة الخبر للمبتدأ كونه ليس وصفًا للمبتدأ في المعنى كما في زيد عندك وما أحسن زيدًا. ومقتضاه النصب عندهم في نحو: زيد أفضل أبًا، وفسرها في التصريح بأن يكون الخبر بحيث لا يحمل على المبتدأ لا حقيقة ولا حكمًا. قوله: "وصف لزيد لا لضمير ما" فيه إشارة إلى أن معنى أحسن عندهم فائق في الحسن لا صير زيدًا حسنًا كما هو على مذهب البصريين إذ التصيير صفة لضمير ما لا لزيد فتأمل. قوله: "مشبه بالمفعول به" لوقوعه بعد ما يشبه الفعل في الصورة. قوله: "على فعلية أفعل" أي: فيها فحصل الربط. وإنما أجمعوا على فعلية أفعل؛ لأن صيغته لا تكون إلا لفعل وأما أصبع فنادر قاله المصرح. قوله: "لفظه لفظ الأمر" على هذا هو مبني على السكون أو حذف حرف العلة كالأمر نظرًا لصورته أو على فتحة مقدرة منع من ظهورها مجيئه على صورة الأمر نظرًا للمعنى. قوله: "ومعناه الخبر" أي: في الأصل وإلا فالجملة بتمامها نقلت إلى إنشاء التعجب أو مراده بالخبر ما قابل الطلب فيشمل الإنشاء غير الطلب. قوله: "وهو في الأصل ماض إلخ" فأصل أحسن بزيد أحسن زيد أي: صار ذا حسن فهمزته للصيرورة. قوله: "ثم غيرت الصيغة" أي: عند نقلها إلى إنشاء التعجب ليوافق اللفظ في التغيير، تغيير المعنى من الإخبار = ولعلي بن محمد المغربي في خزاة الأدب ٩/ ٣٦٣ وبلا نسبة في أسرار العربية ص١١٥؛ والإنصاف ١/ ١٢٧؛ وخزانة الأدب ١/ ٢٣٧، ٥/ ٢٣٣؛ وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ١٩٠؛ وشرح المفصل ٥/ ١٣٥؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٨٢؛ وهمع الهوامع ١/ ٧٦، ٢/ ١٩١.
[ ٣ / ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو: كفى بالله شهيدًا فيجوز تركها، كقوله:
٧٥٨- كفى الشَّيْب والإسلام لِلمرْءِ نَاهِيًا
وإنما تحذف مع أن وأنَّ كقوله:
٧٥٩- وَأَحْبَب إلينا أنْ تَكون المُقَدَّمَا
لاطراد حذف الجار معهما كما عرف. وقال الفراء والزجاج والزمخشري وابنا كيسان وخروف: لفظه ومعناه الأمر وفيه ضمر والباء للتعدية. ثم قال ابن كيسان: الضمير
ــ
إلى الإنشاء هذا ما ظهر لي. قوله: "وإنما تحذف مع أن وأنّ" الذي في التصريح نقلًا عن الموضح في الحواشي أنها إنما تحذف مع أن المخففة وأن حذفها مع أن المشددة ممتنع لعدم السماع. ثم قال: فهذا حكم اختصت به أن عن أنّ ونظيره: عسى أن يقوم زيد فلا يقال عسى أنه يقوم.
قوله: "والباء للتعدية" أي: فموضع مجرورها نصب على المفعولية. قال المصنف: ولو اضطر شاعر إلى حذفها مع غير أن بعد أفعل لزمه أن يرفع على قول البصريين وأن ينصب على قول الفراء، وبهذا ظهرت ثمرة الخلاف ا. هـ. دماميني هذا وفي الهمع أن الهمزة على قول الفراء ومن وافقه للنقل كهي في ما أفعل والباء زائدة، وكذا قال الدماميني الهمزة على هذا القول للتعدية والباء زائدة. ثم قال: ويحتمل أن تكون الهمزة عليه للصيرورة والباء للتعدية لا زائدة، وأصل أكرم بزيد أكرم زيد أي: صار ذا كرم ثم غير الماضي بالأمر وجيء بالباء المعدية التي تصيّر الفاعل مفعولًا، وقيل أكرم بزيد فصار المعنى:
اجعل زيدًا صائرًا ذا كرم ا. هـ. ملخصًا وبه يعلم تقصير الشارح. وصريح كلام الدماميني: أن المراد بالتعدية التعدية الخاصة التي تعاقب فيها الباء الهمزة ومقتضى
_________________
(١) صدره: عُميرة ودِّعْ إنْ تَجهَّزْتَ غاديا والبيت من الطويل، وهو لسحيم عبد بني الحسحاس في الإنصاف ١/ ١٦٨؛ وخزانة الأدب ١/ ٢٦٧، ٢/ ١٠١، ١٠٣؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ١٤١؛ وشرح التصريح ٢/ ٨٨؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٢٥؛ والكتاب ٢/ ٢٦، ٤/ ٢٢٥؛ ولسان العرب ١٥/ ٢٢٦ "كفى"؛ ومغني اللبيب ١/ ١٠٦؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٦٥، وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٤٤؛ وأوضح المسالك ٣/ ٢٥٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٤٢٥؛ وشرح قطر الندى ص٣٢٣؛ وشرح المفصل ٢/ ١١٥، ٧/ ٨٤، ١٤٨، ٨/ ٢٤، ٩٣، ١٣٨؛ ولسان العرب ١٥/ ٣٤٤ "نهى".
(٢) صدره: وقال نبي المسلمين تقدّموا والبيت من الطويل، وهو لعباس بن مرداس في ديوانه ص١٠٢؛ والدرر ٥/ ٢٣٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٥٦؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص٤٩؛ والدرر ٥/ ٢٤٢، ٦/ ٣٢١؛ وشرح التصريح ٢/ ٨٩؛ وشرح ابن عقيل ص٤٥١؛ ولسان العب ١/ ٢٩٢ "حبب"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٩٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩٠، ٩١، ٢٢٧.
[ ٣ / ٢٧ ]
وَتِلوَ أَفْعَلَ انصِبَنَّهُ كما أَوفَى خَلِيلَيْنا وأَصْدِق بِهما
وحَذْفَ ما مِنْه تَعَجَّبْتَ اسْتَبِحْ إن كان عِنْدَ الحَذْفِ مَعْناهُ يَضِحْ
ــ
للحسن. وقال غيره للمخاطب، وإنما التزم إفراده؛ لأنه كلام جرى مجرى المثل "وتلو أفعل انصبنه" أي: حتمًا لما عرفت "كما أوفى خليلينا وأصدق بهما".
تنبيه: شرط المنصوب بعد أفعل والمجرور بعد أفعل أن يكون مختصا لتحصل به الفائدة كما أرشد إليه تمثيله، فلا يجوز ما أحسن رجلًا ولا أحسن برجل ا. هـ.
"وحذف ما منه تعجبت استبح" منصوبًا كان أو مجرورًا "إن كان عند الحذف معناه يضح" أي: يتضح فالأول كقوله:
٧٦٠- جَزَى الله عَنَّا والجَزَاءُ بِفَضْلِهِ رَبِيعَة خيرًا ما أَعَفَّ وأَكْرَمَا
ــ
قول المغني فالباء معدية مثلها في امرر بزيد أن المراد بالتعدية التعدية العامة وأن الباء للإلصاق.
قوله: "الضمير للحسن" أي: المفهوم من أحسن والتقدير أحسن يا حسن بزيد أي: دم به والزمه ا. هـ. تصريح ولذلك لزم الضمير صورة واحدة ويرده أنه يقال أحسن بزيد يا عمر وإذ لا يخاطب شيئان في حالة واحدة ا. هـ. دماميني. قوله: "للمخاطب" فمعنى أحسن بزيد اجعل يا مخاطب زيدًا حسنًا أي: صفه بالحسن كيف شئت ا. هـ. دماميني. قوله: "وإنما التزم إلخ" جواب سؤال وارد على من قال الضمير للمخاطب. قوله: "لما عرفت" أي: من أنه مفعول به أو مشبه بالمفعول به. قوله: "كما أو في إلخ" تمثيل لقوله بأفعل انطق إلخ على اللف والنشر المرتب. قوله: "لتحصل به الفائدة" أي: المطلوبة وهي التعجب من حال شخص مخصوص بخلاف نحو: ضربت رجلًا فإن المقصود الإخبار بوقوع الضرب على شخص ما.
قوله: "وحذف ما منه" أي: من حاله والسين والتاء في استبح زائدتان أو للصيرورة. وشرط في التصريح لحذف المتعجب منه منصوبًا كان أو مجرورًا ولا وجه لاقتصار البعض في نقل هذا الشرط عن التصريح على المجرور أن يكون ضميرًا. قال البعض فلا يجوز الحذف في نحو: أحسن بزيد لعدم الدليل عند الحذف، ولا في نحو: زيد أحسن بزيد؛ لأن الإظهار في موضع الضمير في نحو: ذلك لنكتة تفوت بالحذف ا. هـ. وعلى قياس ذلك لا يجوز الحذف في نحو: ما أحسن زيدًا وزيد ما أحسن زيدًا. لا يقال المتجه أخذا من التعليل جواز الحذف في نحو: ما أحسن زيدًا وأحسن بزيد إذا كان ثم دليل، كما لو قيل ذلك في مقام الثناء على زيد؛ لأنا نمنع كون المحذوف في ذلك اسمًا ظاهرًا ونحكم بأنه ضمير يرجع إلى المثنى عليه في المقام فتفطن. قوله: "معناه يضح" أورد عليه سم أنه قد يفيد أنه لا يكفي مطلق الفهم بل لا بد من
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للإمام علي بن أبي طالب في ديوانه ص١٧١؛ وتخليص الشواهد ص٤٩١؛ والدرر ٥/ ٢٤٠؛ وشرح التصريح ٢/ ٨٩؛ والعقد الفريد ٥/ ٢٨٣؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٤٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٥٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩١.
[ ٣ / ٢٨ ]
وفِي كِلا الفِعْلَيْن قِدْمًا لَزِما مَنْع تَصَرُّف بِحُكم حُتِمَا
ــ
أي: ما أعفهم وأكرمهم. والثاني وشرطه أن يكون أفعل معطوفًا على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف ذكره في شرح الكافية نحو: أسمع بهم وأبصر أي:
بهم. وأما قوله:
٧٦١- فَذَلِكَ إنْ يَلقَ المَنِيَّةَ يَلقَهَا حَمِيْدًا وإنْ يَستَغْنِ يَومًا فَأَجْدرِ
أي: به فشاذ.
تنبيه: إنما جاز حذف المجرور بعد أفعل مع كونه فاعلًا؛ لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة فجاز فيه ما يجوز فيها. وذهب قوم منهم الفارسي إلى أنه لم يحذف، وأنه استتر في الفعل حين حذفت الباء ورد بوجهين: أحدهما لزوم إبرازه حينئذ في التثنية والجمع، والآخران من الضمائر ما لا يقبل الاستتار كنا من أكرم بنا "وفي كلا الفعلين" المذكورين "قدمًا لزما منع تصرف بحكم حتما" ليكون مجيئه على طريقة واحدة أدل
ــ
الوضوح الذي هو قدر زائد على مجرد الفهم مع أن الظاهر الذي يدل عليه كلام التوضيح الاكتفاء بمطلق الفهم، وفي تعبيره بقد إشارة إلى الجواب بحمل الوضوح على الانفهام. قوله: "فشاذ" الأوجه عندي أنه ليس بشاذ وأنه لا يشترط هذا الشرط، بل المدار على وجود دليل المحذوف.
قوله: "لأن لزومه للجر إلخ" ولما لم يلزم الفاعل في نحو: كفى بزيد الجر امتنع حذفه وإن كان في حكم الفضلة بالنسبة للتأنيث، إذ لا يقال كفت بهند. قوله: "لزوم إبرازه حينئذٍ" أي: حين استتر في الفعل. وأجيب بأن عدم إبرازه لإلحاقه بضمير أفعل في نحو: ما أحسن زيدًا فكما لم يجمع الضمير في أحسن لم يجمع في أحسن به بجامع اتفاق الفعلين في المعنى أو لكونه في تركيب جرى مجرى المثل الذي لا يغير. قوله: "كنا من أكرم بنا" قد يقال لا مانع من أن يلتزم الفارسيّ امتناع الاستتار في نحو: هذا ويخص الاستتار بغيره مما يصح استتاره أفاده سم. قوله: "وفي كلا الفعلين" متعلق بلزم وكذا قدمًا؛ لأنه نصب على الظرفية أي: في الزمن القديم، وكذا بحكم. والباء في بحكم سببية وأراد بالحكم كون المجيء على طريقة واحدة أدل على المراد. فقوله ليكون إلخ بدل أو بيان من قوله بحكم حتمًا أو تضمنهما معنى التعجب كما قاله سم. قوله: "منع تصرف" اعلم أن عدم تصرف الفعل إما بخروجه عن طريقة الأفعال من الدلالة على الحدث والزمان كنعم وبئس أو بالاستغناء عن تصرفه بتصرف غيره وإن دل على ما ذكر كيدع ويذر فإنه استغنى عن ماضيهما بماضي ترك وعدم تصرف فعل التعجب لكلا الأمرين.
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لعروة بن الورد في ديوانه ص١٥؛ والأصمعيات ص٤٦؛ وشرح التصريح ٢/ ٩٠؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٤٢٤؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٥٥؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٥٠؛ وله أو لحاتم الطائي في الأغاني ٦/ ٣٠٣؛ وخزانة الأدب ١٠/ ٩، ١٠/ ١٣؛ ولحاتم الطائي في الدرر ٤/ ٢٠٧؛ وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في الأغاني ٦/ ٢٩٦؛ وأوضح المسالك ٣/ ٢٦٠؛ وشرح ابن عقيل ص٤٤٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ٣٨.
[ ٣ / ٢٩ ]
وصُغْهُما من ذي ثَلاثٍ صُرِّفا قابل فَضْل تَمَّ غَيْرِ ذِي انْتِفا
وغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهي أَشْهَلا وغَيْرِ سَالِك سَبِيْلَ فُعِلَا
_________________
(١) على ما يراد به، فالأول في الماضي كتبارك وعسى، والثاني في الأمر كتعلم بمعنى اعلم. وقيل إن علة جمودهما تضمنهما معنى الحرف الذي كان حقه أن يوضع للتعجب فلم يوضع "وصغهما من ذي ثلاث صرفا قابل فضل تم غير ذي انتفا. وغير ذي وصف يضاهي أشهلا وغير سالك سبيل فعلا" أي: لا يبنى هذان الفعلان إلا مما استكمل ثمانية شروط: الأول أن يكون فعلًا فلا يبنيان من الجلف والحمار، فلا يقال ما أجلفه وما أحمره، وشذ ما أذرعها أي: ما أخف يدها في الغزل بنوه من قولهم امرأة ذراع. نعم ادعى ابن القطاع أنه سمع ذرعت المرأة خفت يدها في الغزل، وعلى هذا يكون الشذوذ من حيث البناء من فعل المفعول. الثاني أن يكون ثلاثيا فلا يبنيان من دحرج وضارب واستخرج إلا أفعل، فقيل يجوز مطلقًا، وقيل يمتنع مطلقًا، وقيل يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل نحو: ما أظلم هذا الليل وما أقفر هذا المكان. وشذ على هذين القولين ما أعطاه للدراهم، وما أولاه قوله: "ليكون مجيئه" أي: كلا الفعلين وأفرد الضمير نظرًا للفظ كلا. قوله: "أدل على ما يراد به" أي: من التعجب وإنما كان مجيئه على طريقة واحدة أدلّ؛ لأن التصرف فيه، ونقله من حالة إلى حالة ربما يشعر بزوال المعنى الأول. قوله: "من ذي ثلاث" أي: من مصدر فعل ذي ثلاث. قوله: "صرفًا" أي: تصرفًا تاما؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق. فخرج ما لا تصرف له أصلًا كنعم وبئس وعسى وليس وما له تصرف ناقص كيدع ويذر. قوله: "قابل فضل" أي: زيادة وقوله ثم أي: يكتفي بمرفوعه. قوله: "يضاهي أشهلا" أي: في الوزن وكون مؤنثه على فعلاء. قوله: "أي: لا يبنى إلخ" أخذ الحصر من قيد الاحتراز أعني قوله من ذي ثلاث إلخ. قوله: "أن يكون فعلًا" أخذه من كون الأوصاف المذكورة لموصوف مقدر وهو الفعل؛ لأن مجموعها لا يكون إلا له. قوله: "فلا يبنيان من الجلف" بكسر الجيم الرجل الجافي. قوله: "فلا يقال ما أجلفه" أي: لبنائه من غير فعل لكن في القاموس جلف كفرح جلفًا وجلافة فأثبت له فعلًا وحينئذٍ يبني من فعله ما أجلفه. قوله: "ما أذرعها" بالذال المعجمة والعين المهملة. قوله: "ذراع" كسحاب وقد يكسر كذا في القاموس. قوله: "نعم ادعى ابن القطاع إلخ" استدراك على ما قبله المقتضي أنه لم يسمع له فعل، وفي بعض النسخ ابن القطان بالنون والأول هو الظاهر؛ لأنه الذي من أئمة اللغة. قوله: "فلا يبنيان من دحرج إلخ" أي: لما يلزم عليه من حذف بعض الأصول في الرباعي المجرد وحذف الزيادة الدالة على معنى مقصود في غيره كالمشاركة والمطاوعة والطلب في ضارب وانطلق واستخرج قاله المصرح. قوله: "إلا أفعل" استثناء من مفهوم قوله أن يكون ثلاثيا فكأنه قال فلا يبنيان من غيره إلا أفعل أو من معطوف محذوف والتقدير من دحرج وضارب واستخرج ونحوها إلا أفعل. قوله: "فقيل يجوز مطلقًا" هذا رأي: سيبويه واختاره المصنف في التسهيل وشرحه. قوله: "لغير النقل" أي: لغير نقل الفعل من اللزوم إلى التعدي أو من التعدي لواحد إلى التعدي لاثنين أو من
[ ٣ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) للمعرف. وعلى الثلاثة ما أتقاه وما أملأه القربة؛ لأنهما من اتقى وامتلأت، وما أخصره؛ لأنه من اختصر. وفيه شذوذ آخر سيأتي. الثالث أن يكون متصرفًا، فلا يبنيان من نعم وبئس. وشذ ما أعساه وأعس به. الرابع أن يكون معناه قابلًا للتفاضل فلا يبنيان من فنى ومات. الخامس أن يكون تاما فلا يبنيان من نحو: كان وظل وبات وصار وكاد، وأما قولهم: ما أصبح أبردها وما أمسى أدفأها فإن التعجب فيه داخل على أبرد وأدفأ، وأصبح وأمسى زائدتان. السادس أن يكون مثبتًا فلا يبنيان من منفي سواء كان ملازمًا للنفي نحو: ما عاج بالدواء أي: ما انتفع به أم غير ملازم كما قام. السابع أن لا يكون اسم فاعله على أفعل التعدي لاثنين إلى التعدي لثلاثة بأن وضع الفعل على الهمزة. قوله: "نحو: ما أظلم هذا الليل" فإن فعل التعجب المذكور، وإن كانت همزته للنقل والتعدية كما سيذكره الشارح في الخاتمة مبني من أفعل الذي همزته لغير النقل وكذا يقال في المثال الثاني. قوله: "وشذ على هذين القولين إلخ" أما الشذوذ على أول القولين فظاهر. وأما على ثانيهما؛ فلأن الهمزة في المثالين للنقل من التعدي لواحد إلى التعدي لاثنين، فإن الأصل عطا زيد الدراهم أي: تناولها، وولي المعروف أي: تناوله. قوله: "وما أملأه القربة" كذا في نسخ وفي نسخ، وما أملأه للقربة وكلاهما فاسد. أما الأول فمن وجهين: الأول أن فعل التعجب لا ينصب لفظًا إلا مفعولًا واحدًا، الثاني: أن ما أملأه مصوغ من ملأ الثلاثي لا من امتلأ الخماسي، والذي سيصرح به الشارح أنه من امتلأ الخماسي. وأما الثاني فمن الوجه الثاني فدعوى البعض ظهور ما أملأه للقربة غفلة عن كلام الشارح والذي بخط الشارح ما أملأ القربة وهي الصواب. قوله: "لأنهما من اتقى وامتلأت" لم يأخذوهما من تقي بمعنى خاف وملأ بمعنى امتلأ فلا يكونان شاذين لندورهما أفاده في التصريح. قوله: "وشذ ما أعساه وأعس به" تبع في ذلك المصنف حيث قال في شرح التسهيل وشذ ما أعساه وأعس به بمعنى ما أحقه وأحقق به، فبنوه من فعل غير متصرف ا. هـ. وغلطه الدماميني بأن الفعل الجامد عسى التي هي من أفعال الرجاء وليس قولهم ما عساه وأعس به من عسى المذكورة كما يتأدى عليه قوله بمعنى ما أحقه وأحقق به. قوله: "أن يكون تاما" أي: لأنه لو قيل ما أكون زيدًا قائمًا لزم نصب أفعل لشيئين ولا يجوز حذف قائمًا لامتناع حذف خبر كان ولا جره باللام لامتناع جر الخبر باللام أفاده الشاطبي. قال في التصريح: وحكى ابن السراج والزجاج عن الكوفيين ما أكون زيدًا قائمًا بناء على أصلهم من أن المنصوب بعد كان حال. قوله: "فلا يبنيان من منفي" أي: لالتباسه بالمثبت. قوله: "نحو: ما عاج بالدواء" مضارعه يعيج، واعترض بأنه قد جاء في الإثبات كما في نوادر القالي، ويجاب بأن ذلك نادر، وأما عاج يعوج بمعنى مال يميل فيستعمل في الإثبات. قوله: "أن لا يكون اسم فاعله على أفعل" أي: لمنعهم بناء أفعل التفضيل منه؛ لأنه لو بنى منه أفعل التفضيل لالتبس بالوصف وفعل التعجب كأفعل التفضيل في أمور كثيرة، فمنعوا بناءه منه كما منعوا بناء أفعل التفضيل منه كذا
[ ٣ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فعلاء فلا يبنيان من عرج وشهل وخضر الزرع. الثامن أن لا يكون مبنيا للمفعول فلا يبنيان من نحو: ضرب وشذ ما أخصره من وجهين، وبعضهم يستثني ما كان ملازمًا لصيغة فعل نحو: عنيت بحاجتك وزهى علينا، فيجيز ما أعناه بحاجتك وما أزهاه علينا. قال في التسهيل: وقد يبنيان من فعل المفعول إن أمن اللبس. تنبيهات: الأول بقي شرط تاسع لم يذكره هنا وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره، نحو: قال من القائلة فإنهم لا يقولون ما أقيله استغناء بما أكثر قائلته. قال في التسهيل: وقد يغني في التعجب فعل عن فعل مستوف لنحو كما يغني في غيره أي: نحو: ترك فإنه أغنى عن ودع. وعدّ في شرحه من ذلك: سكر وقعد وجلس ضدي قام، وقال من القائلة. وزاد غيره قام وغضب ونام، وممن ذكر السبعة ابن عصفور. وعد نام فيها غير صحيح؛ لأن سيبويه حكى ما أنومه. الثاني عد بعضهم من الشروط أن يكون على فعل بالضم أصلًا أو تحويلًا أي: يقدر رده إلى ذلك؛ لأن فعل غريزة فيصير لازمًا ثم تلحقه همزة النقل، وبعضهم علل في شرح التسهيل. قوله: "أن لا يكون مبنيا للمفعول" أي: دفعًا للبس المبني من فعل المفعول بالمبني من فعل الفاعل. قوله: "من وجهين" هما كونه من غير ثلاثي وكونه من المبني للمفعول. قوله: "عنيت بحاجتك" كذا في نسخ بإسقاط ما وهي الصواب، وفي أخرى ما عنيت بزيادة ما وهي خطأ كما لا يخفى. قوله: "فيجيز ما أعناه إلخ" أي: لأمن اللبس. قوله: "إن أمن اللبس" أي: بأن كان الفعل ملازمًا للبناء للمجهول أو غير ملازم وقامت قرينة على أنه مبني من فعل المفعول، فهو أعم من مذهب البعض المتقدم، وقصر البعض أمن اللبس على كون الفعل ملازمًا للبناء للمجهول فيكون مساويًا لمذهب بعضهم، لا دليل عليه ولا داعي إليه. قوله: "لم يذكره هنا" أي: وأشار إليه في التسهيل كما نبه عليه الشارح بقوله، قال في التسهيل إلخ، ولم يذكره هنا؛ لأن الخارج به ألفاظ قليلة جدا. قوله: "سكر إلخ" أي: فالمسموع ما أكثر سكره لا ما أسكره وكذا ما بعده. قوله: "وقعد إلخ" اعترضه الشاطبي وأقره البعض بأن منع بناء فعل التعجب من القيام والقعود والجلوس لفقد شرط قبول الفضل، وعندي فيه نظر؛ لأنها تقبل الفضل من حيث طول زمنها. قوله: "أي: يقدر رده إلى ذلك" بيان للتحويل. قوله: "لأنه فعل غريزة فيصير لازمًا" المتبادر منه أن الغرض من هذا التحويل صيرورته لازمًا وقضيته عدم التحويل إذا كان فعل بالفتح أو بالكسر لازمًا وهو خلاف إطلاق هذا القول، مع أنه يرد عليه أيضًا أن التحويل لا يتعين طريقًا لصيرورة الفعل لازمًا لحصوله بتنزيله منزلة اللازم بقطع النظر عن مفعوله فاعرفه. قوله: "واقعًا" أي: غير مستقبل. قوله: "والصحيح عدم اشتراط ذلك" أي: المذكور من كونه على فعل أصلًا أو تحويلًا وكونه واقعًا وكونه دائمًا، أما الأول فلما مر؛ ولأن فعل بالفتح وفعل بالكسر يشاركان فعل بالضم في قبول همزة النقل فتقدير ردهما عند بناء فعل التعجب منهما إلى فعل لا حاجة إليه
[ ٣ / ٣٢ ]
وأَشْدِدَ أو أَشَدَّ أو شِبْهُهُما يَخْلُفُ ما بَعْضَ الشروطِ عَدِما
ومَصْدر العادِمِ بعد يَنْتَصِبْ وبَعْدَ أَفْعِل جَرُّه بِالبَا يَجِبْ
_________________
(١) أن يكون واقعًا، وبعضهم أن يكون دائمًا والصحيح عدم اشتراط ذلك "وأشدد أو أشد أو شبههما يخلف ما بعض الشروط عدما" من الأفعال "ومصدر" الفعل "العادم" بعض الشروط صريحًا كان أو مؤولا "بعد" أي: بعد ما أفعل "ينتصب وبعد أفعل جره بالبا يجب" فتقول في التعجب من الزائد على ثلاثة، ومما الوصف منه على أفعل: ما أشد أو أعظم دحرجته أو انطلاقه أو حمرته، أو أشدد أو أعظم بها. وكذا المنفي والمبني للمفعول إلا أن مصدرهما يكون مؤولا لا صريحًا نحو: ما أكثر أن لا يقوم، وما أعظم ما ضرب وأشدد ولأن من الأفعال أنواعًا رفضت العرب صوغها على فعل بالضم وهي: المضاعف والمعتل العين والمعتل اللام، فإذا تعجبت من شيء منها لم تقدر رد الصيغة إلى فعل للرفض المذكور. قال الدماميني: ولصاحب المذهب الأول أن يقول لو كانت الهمزة للنقل من غير رد إلى فعل بالضم للزم في مثل ما أعلم زيدًا نقص مفعول؛ لأنه كان يتعدى إلى مفعولين، وبعد التعجب يتعدى إلى مفعول واحد ولك أن تقول المفعول الثاني مقدر مجرور بالباء على القاعدة الآتية قبيل الخاتمة أي: ما أعلم زيدًا بكذا أو أن ما أعلم زيدًا مصوغ من علم المنزل منزلة اللازم فتفطن وأما الثاني فلجواز ما أحسن ما يكون هذا الطفل، وليس بواقع، وأما الثالث فلجواز ما أشد لمع البرق وليس بدائم. قوله: "وأشدد أو أشد إلخ" المتبادر منه أن أشدد وأشد مصوغان من فعل مستكمل للشروط؛ لأن القصد من الإتيان بنحو: أشدد وأشد التخلص من صوغ فعل التعجب من فعل لم يستكمل الشروط، مع أن أشدد وأشد مصوغان من غير ثلاثي وهو اشتد الخماسي على الظاهر إذ لا يعلم ورود أشد الرباعي فعلًا إلا فيما. قال صاحب الصحاح والقاموس أشدّ الرجل إذا كانت معه دابة شديدة والصوغ من هذا في أشد استخراجًا بعيد ثم رأيت بخط بعض الفضلاء ما نصه: قوله أو أشدد وأشد إلخ فعلهما المصوغان منه شدد ثلاثيا كما ذكره الناظم في شرح العمدة، وبهذا يندفع اعتراض ابن عاشر بأنهما من غير ثلاثي مجرد فلم يستكملا الشروط في أنفسهما، فكيف يتوصل بهما إلى غيرهما ا. هـ. قوله: "أو شبههما" أي: كأكثر وأكبر وأعظم. قوله: "يخلف ما بعض الشروط عدما" أي: يخلف فعلي التعجب المأخوذين مما ذكر. قال في التصريح. ولا يختص التوصل بأشد ونحوه بما فقد بعض الشروط، بل يجوز فيما استوفى الشروط نحو: ما أشد ضرب زيد لعمرو ا. هـ. ولا يرد هذا على الناظم؛ لأن مراده يخلف وجوبًا. قوله: "نحو: ما أكثر أن لا يقوم" اعترضه سم. فقال: هلا جاز المصدر الصريح مضافًا إليه العدم أو الانتفاء واعترضه زكريا فقال: لا يخفى أن المقصود التعجب من عدم قيامه مثلًا في الزمن الماضي فكيف يقال ذلك وأن للاستقبال. قال سم وقد يجاب بأن الصيغة صارت للإنشاء وانسلخ عنها معنى الزمان، وفيه أن هذا في صيغة فعل التعجب والاعتراض بغيرها، ويظهر أنه يصح أن يتعجب من عدم قيامه في المستقبل ومن عدم قيامه في الماضي وأنه يقال في الثاني ما أكثر أن لم يقم؛ لأن أن مع لم ليست
[ ٣ / ٣٣ ]
وبِالنُّدُورِ احْكُمْ لِغَيْرِ ما ذُكِرْ ولا تَقِسْ على الذي منه أُثِرْ
وفِعْلُ هذا الباب لن يُقَدَّما مَعْموله ووَصْلَهُ به الزَمَا
وفَصْلُهُ بظَرْف أو بحَرْف جَرّ مُسْتَعْمل والخُلفُ في ذاك اسْتَقَر
_________________
(١) بهما. وأما الفعل الناقص فإن قلنا له مصدر فمن النوع الأول، وإلا فمن الثاني، تقول ما أشد كونه جميلًا أو ما أكثر ما كان محسنًا أو أشدد أو أكثر بذلك. وأما الجامد والذي لا يتفاوت معناه فلا يتعجب منهما ألبتة. "وبالندور احكم لغير ما ذكر ولا تقس على الذي منه أثر" أي: حق ما جاء عن العرب من فعلي التعجب مبنيا مما لم يستكمل الشروط أن يحفظ ولا يقاس عليه لندوره، من ذلك قولهم: ما أخصره من اختصر وهو خماسي مبني للمفعول، وقولهم ما أهوجه وما أحمقه وما أرعنه، وهي من فعل فهو أفعل كأنهم حملوها على ما أجهله. وقولهم ما أعساه وأعس به، وقولهم أقمن به أي: أحقق به بنوه من قولهم هو قمن بكذا أي: حقيق به ولا فعل له، وقالوا ما أجنه وما أولعه من جن وولع، وهما مبنيان للمفعول وغير ذلك "وفعل هذا الباب لن يقدما معموله" عليه "ووصله به الزما. وفصله" للاستقبال فتأمل. قوله: "فإن قلنا له مصدر" أي: بناء على أن الفعل الناقص يدل على الحدث، وقوله وإلا أي: بناء على أنه لا يدل عليه والراجح الأول كما مر في محله. قوله: "فلا يتعجب منهما" قال البعض: بقي ما لا فعل له، والظاهر أنه لا يتعجب منه أيضًا؛ لأنه لا مصدر له حتى يؤتى به بعد أشد منصوبًا أو مجرورًا ا. هـ. والمتجه عندي أنه يتعجب منه بزيادة ياء المصدرية أو ما في معناها، فيقال ما أشد حماريته أو ما أشد كونه حمارًا فاحفظه. قوله: "وبالندور إلخ" اعترض بأنه لا حاجة إليه بعد تقريره الشروط، ولئن سلم الاحتياج إلى قوله وبالندور إلخ فهو يغني عن قوله ولا تقس إلخ، إذ معلوم أن النادر لا يقاس عليه. والجواب أنه أتى بالشطر الأول إشارة إلى أن الشروط سمع نادرًا تخلفها لدفع توهم أنها لم تتخلف، ثم لما كان النادر قد يطلق على القليل الذي يقاس عليه فتكون تلك الشروط شروطًا للكثرة قال ولا تقس إلخ، ذكره الشاطبي. قوله: "أثر" أي: نقل. قوله: "ما أهوجه" في القاموس الهوج محركة طول في حمق وطيش وتسرع، والهوجاء الناقة المسرعة كأن بها هوجًا. وفيه أيضًا حمق ككرم حمقًا بالضم وبضمتين، وحماقة وانحمق واستحمق فهو أحمق قليل العقل. وفيه أيضًا الأرعن الأهوج في منطقه والأحمق المسترخي وقدر عن مثلثة رعونة ورعنا محركة. وذكر صاحب ضياء الحلوم الأهوج في فعل بفتح العين يفعل بكسرها فعليه وعلى ما تقدم يتعذر النطق بقول المؤلف وهي من فعل فهو أفعل ا. هـ. عبد القادر علي ابن الناظم. قوله: "كأنهم حملوها على ما أجهله" أي: لمناسبتها له في المعنى وهو بيان للمسوغ في الجملة. قوله: "أقمن به" قال جماعة مثله: ما أجدره بكذا وردّ بأن ابن القطاع ذكر لأجدر فعلًا فقال: يقال جدر جدارة صار جديرًا أي: حقيقيا. قوله: "لن يقدما معموله عليه" أي: لعدم تصرفه. قوله: "أو بحرف جر" أو مانعة خلوّ فتجوّز الجمع فيجوز الفصل بمجموع الظرف والجار والمجرور هذا ما يقتضيه القياس على ما سبق في
[ ٣ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه "بظرف أو بحرف جر" متعلقين بفعل التعجب "مستعمل والخلف في ذاك استقر" فلا تقول ما زيدًا أحسن ولا يزيد أحسن، وإن قيل إن يزيد مفعول به. وكذلك، لا تقول ما أحسن يا عبد الله زيدًا، ولا أحسن لولا بخله بزيد. واختلفوا في الفصل بالظرف والمجرور المتعلقين بالفعل، والصحيح الجواز كقولهم ما أحسن بالرجل أن يصدق وما أقبح به أن يكذب. وقوله:
٧٦٢- خَلِيْلَيَّ ما أَحْرَى بِذِي اللُّبِّ أنْ يُرَى صَبُورًا ولكِن لا سَبِيلَ إلى الصَّبْر
وقوله:
٧٦٣- وَأَحْرِ إذا حَالَت بأَنْ أتَحَوَّلَا
فإن كان الظرف والمجرور غير متعلقين بفعل التعجب امتنع الفصل بهما. قال في شرح التسهيل. بلا خلاف فلا يجوز ما أحسن بمعروف آمرًا، ولا ما أحسن عندك جالسًا ولا أحسن في الدار عندك بجالس.
تنبيهات: الأول قال في شرح الكافية لا خلاف في منع تقديم المتعجب منه على فعل التعجب ولا في منع الفصل بينهما بغير ظرف وجار ومجرور، وتبعه الشارح في نفي الصل الخلاف عن غير الظرف والمجرور قال كالحال والمنادى، لكن قد أجاز الجرمي من
ــ
غير موضع وإن خالفه كلام الدماميني الذي اقتصر عليه شيخنا والبعض. قوله: "فلا تقول ما زيدا أحسن" ولا زيدًا ما أحسن كما فهم بالأولى. قوله: "وإن قيل إن بزيد مفعول به" أي: كما هو رأي: الفراء ومن وافقه. قوله: "واختلفوا في الفصل بالظرف إلخ" محل الخلاف ما إذا لم يكن في المعمول ضمير يعود على المجرور وإلا تعين الفصل. نقله السيوطي عن أبي حيان. وبهذا يعلم ما في غالب أمثلة الشارح لمحل الخلاف من المؤاخذة، قاله سم. قوله: "وأحر إلخ" صدره:
أقيم بدار الحرب ما دام حربها والشاهد في إذا حالت فإنه ظرف لأحر فاصل بينه وبين معموله. قوله: "ولا أحسن في الدار عندك" كذا في نسخ. وهو يدل على ما قلنا من جواز الفصل بمجموع الظرف والجار والمجرور، وفي نسخ ولا أحسن في الدار أو عندك. قوله: "عن غير الظرف والمجرور" أي: عن
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في الدرر ٥/ ٢٤٢؛ وشرح ابن عقيل ص٤٥٢؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٦٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩١.
(٢) صدره: أقيم بدار الحَزْمِ ما دام حَزْمُها والبيت من الطويل، وهو لأوس بن حجر في ديوانه ص٨٣؛ وتذكرة النحاة ص٢٩٢؛ وحماسة البحتري ص١٢٠؛ وشرح التصرح ٢/ ٩٠؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٤٨؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٥٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٦٣.
[ ٣ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البصريين وهشام من الكوفيين الفصل بالحال نحو: ما أحسن مجردة هندًا. وقد ورد في الكلام الفصيح ما يدل على جواز الفصل بالنداء؛ وذلك كقول علي كرم الله وجهه: أعزز علي أبا اليقظان أن أراك صريعًا مجدلًا. قال في شرح التسهيل: وهذا مصحح للفصل بالنداء. وأجاز الجرمي الفصل بالمصدر
نحو: ما أحسن إحسانًا زيدًا. ومنعه الجمهور لمنعهم أن يكون له مصدر. وأجاز ابن كيسان الفصل بلولا ومصحوبها نحو: ما أحسن لولا بخله زيدًا ولا حجة له على ذلك. الثاني قد سبق في باب كان أنها تزاد كثيرًا بين ما وفعل التعجب نحو: ما كان أحسن زيدًا. ومنه قوله:
٧٦٤- ما كان أَسْعَدَ مَن أجَابَك آخِذا بِهُداك مجتنبًا هَوًى وعِنادًا
ونظيره في الكثرة وقوع ما كان بعد فعل التعجب نحو: ما أحسن ما كان زيد، فما مصدرية وكان تامة رافعة ما بعدها بالفاعلية، فإن قصد الاستقبال جيء بيكون. الثالث يجر ما تعلق بفعلي التعجب من غير ما ذكر بإلى إن كان فاعلًا نحو: ما أحب زيدًا إلى عمرو ولا فبالباء إن كانا من مفهم علمًا أو جهلًا نحو: ما أعرف زيدًا بعمرو وما أجهل خالدًا ببكر، وباللام إن كان من
متعد غيره نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو، وإن كانا من متعد بحرف جر فيما كان يتعدى به نحو: ما أغضبني على زيد. ويقال في التعجب من كسا زيد
الفقراء الثياب وظن عمرو بشرًا صديقًا، ما أكسى زيدًا للفقراء الثياب وما أظن عمرًا لبشر صديقًا وانتصاب الآخر بمدلول عليه بأفعل لا به خلافًا للكوفيين.
ــ
الفصل بغير الظرف والمجرور. قوله: "كقول على إلخ" أي: في حق عمار بن ياسر حين رآه مقتولًا وهو نثر لا نظم. وقوله مجدلًا أي: مرميا على الجدالة بالفتح وهي الأرض. قوله: "لمنعهم أن يكون له" أي: لفعل التعجب مصدر لكونه لإنشاء التعجب فأشبه ما لا مصدر له كنعم وبئس ا. هـ. دماميني. قوله: "فما مصدرية إلخ" أي: وهي ومدخولها في محل نصب مفعول فعل التعجب، وأجاز بعضهم جعل ما اسمًا موصولًا وكان ناقصة ونصب زيد على أنه خبرها وضعفه في المغني.
قوله: "فإن قصد الاستقبال جيء بيكون" هذا مبنيّ على الصحيح المتقدم من عدم اشتراط كونه واقعًا. قوله: "ما تعلق بفعلي التعجب" أي: ما عمل فيه فعل التعجب، وقوله من غير ما ذكر أراد بما ذكر ما تعجب من وصفه منصوبًا أو مجرورًا، ويحتمل أنه أراد به الظرف والمجرور المفصول بهما بين الفعل ومعموله المتعجب من وصفه، ولا مانع من إرادتهما معًا. قوله: "بإلى إن كان فاعلًا" وإنما يكون ذلك بعد مفهم حب أو بغض ا. هـ. دماميني. قوله: " إن كانا من متعد غيره" أي: بنفسه بدليل ما بعد. قوله: "نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو" مثله ما أحب زيدًا لعمرو فزيد فاعل الحب وعمرو مفعوله بعكس ما أحب زيدًا إلى عمرو. قوله: "بمدلول عليه بافعل" أي: بفعل مقدر
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو لعبد الله بن رواحة في المقاصد النحوية ٣/ ٦٦٣، وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص٢١١، ٧٥٢.
[ ٣ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة: همزة أفعل في التعجب لتعدية ما عدم التعدي في الأصل نحو: ما أظرف زيدًا أو الحال نحو: ما أضرب زيدًا. وهمزة أفعل للصيرورة. ويجب تصحيح عينهما إن كانا معتليها نحو: ما أطول زيدًا وأطول به. ويجب فك أفعل المضعف نحو: أشدد بحمرة زيد. وشذ تصغير أفعل مقصورًا على السماع كقوله:
٧٦٥- يَامَا أُمَيْلِحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لنا من هُؤلَيَّائِكُنَّ الضَّالِ والسَّمَرِ
وطرده ابن كيسان وقاس عليه أفعل نحو: أحيسن بزيد والله أعلم.
ــ
مدلول عليه بافعل لا بافعل لما علمت من أنه لا ينصب إلا مفعولًا واحدًا تقديره في الأول يكسوهم وفي الثاني يظنه. قوله: "ما عدم التعدي" أي: ما عدم أصله الذي صيغ منه التعدي. قوله: "في الأصل" أي: قبل التعجب وقوله أو الحال أي: في حال التعجب وهو مبني على أن من شروط التعجب أن يكون الفعل على زنة فعل أصلًا أو تحويلًا، وتقدم ما فيه فالهمزة -على الصحيح من عدم اشتراط ذلك- لتعدية الفعل إلى مفعول كان قبلها فاعلًا. قوله: "وهمزة أفعل للصيرورة" أي: لصيرورة المتعجب من وصفه ذا كذا كأغد البعير، والباء زائدة هذا على الصحيح من أنه ماض في المعنى، وأما عند من جعله أمرًا لفظًا ومعنى فقد أسلفناه. قوله: "ويجب تصحيح عينهما" أي: دون لامهما حملًا على اسم التفضيل، حيث قالوا أقول وأبيع وأدعي وأرمي. قوله: "ويجب فك أفعل إلخ" أي: كما سيأتي في قوله:
وفك أفعل في التعجب التزم
قوله: "وشذ تصغير أفعل" أي: بفتح العين، وقد تبع الشارح الناظم في جعل تصغير أفعل شاذ وعز واطراده إلى ابن كيسان فقط، والذي في المغني أن النحويين أجازوا تصغيره بقياس لشبهه بأفعل التفضيل وزنًا وأصلًا وإفادة للمبالغة، وأراد بالأصل الفعل المصوغ منه ثم قال: ولم يحك ابن مالك اختيار قياسه إلا عن ابن كيسان وليس كذلك. قال أبو بكر بن الأنباري: ولا يقال إلا لمن صغر سنه ا. هـ. قال الدماميني: قال أبو حيان ما حكاه ابن مالك عن ابن كيسان هو نص كلام البصريين والكوفيين أما الكوفيون فإنهم اعتقدوا اسمية أفعل، فهو عندهم مقيس فيه، وأما البصريون فنصوا على ذلك في كتبهم وإن كان خارجًا عن القياس. قوله: "مقصورًا على السماع" مستغنى عنه بقوله وشذ ولم يسمع إلا في أحسن وأملح كما قاله الدماميني ونقله في
المغني عن الجوهري.
_________________
(١) راجع التخريج رقم ٧٥٧.
[ ٣ / ٣٧ ]
نعم وبئس وما جرى مجراهما:
فِعْلانِ غَيْر مُتَصرِّفَيْن نعم وبئس رافِعانِ اسْمَينِ
ــ
نعم وبئس وما جرى مجراهما:
"فعلان غير متصرفين نعم وبئس" عند البصريين والكسائي بدليل فبها ونعمت، واسمان عند الكوفيين بدليل ما هي بنعم الولد، ونعم السير على بئس العير. وقوله:
٧٦٦- صَبَّحَكَ اللهُ بخير باكِرِ بنعمَ طَيْر وشبابٍ فاخِرِ
وقال الأولون هو مثل قوله:
ــ
نعم وبئس وما جرى مجراهما:
أي: في المدح والذم كحبذا وساء. واعلم أن لنعم وبئس استعمالين: أحدهما أن يستعملا متصرفين كسائر الأفعال فيكون لهما مضارع وأمر واسم فاعل وغيرها، وهما إذ ذاك للإخبار بالنعمة والبؤس، تقول: نعم زيد بكذا ينعم به فهو ناعم وبئس يبأس فهو بائس. الثاني أن يستعملا لإنشاء المدح والذم وهما في هذا الاستعمال لا يتصرفان لخروجهما عن الأصل في الأفعال من الدلالة على الحدث والزمان فأشبها الحرف، والكلام عليهما هنا باعتبار هذا الاستعمال، وتجري فيهما على كلا الاستعمالين اللغات الآتية في الشرح أفاده الشاطبي. قوله: "فعلان" خبر مقدم لنعم وبئس. قوله: "بدليل فبها ونعمت" أي: لأن تاء التأنيث الساكنة من خصائص الأفعال، وبدليل ما حكاه الكسائي من قولهم نعما رجلين ونعموا رجالًا؛ لأن ضمائر الرفع البارزة المتصلة أيضًا من خصائص الأفعال.
قوله: "واسمان عند الكوفيين" أي: مبنيان على الفتح لتضمنهما معنى الإنشاء وهو من معاني الحروف. وأورد عليه أن المفيد للإنشاء الجملة بتمامها لا نعم وبئس فقط. ويجاب بأنهما العمدة في إفادة الإنشاء. وفي الدماميني نقلًا عن البسيط من قال باسميتهما فما بعدهما مما هو فاعل عندنا ينبغي أن يكون تابعًا عندهم لنعم بدلًا أو عطف بيان. والمعنى الممدوح الرجل زيد ا. هـ. قال سم: ويبقى الكلام في نحو: نعم رجلًا زيد ويحتمل أن يقال: إن رجلًا تمييز عن النسبة التي تضمنها نعم بمعنى الممدوح أي: الممدوح من جهة الرجولية زيد، ويحتمل أنه حال ثم قياس. ما ذكر في نعم الرجل حر الولد فيما استدلوا به من قوله ما هي بنعم الولد أي: ما هي بالممدوح الولد. ولعلهم يروونه بالجر فإن فرض أنهم يروونه بالرفع فلعله مقطوع عما قبله، وكذا يقال في العير من قوله على بئس العير ا. هـ. وفي الفارضي من قال باسمية نعم وبئس أعربهما مبتدأ وما بعدهما خبر ويجوز العكس حكاه أبو حيان في شرح هذا الكتاب. قوله: "باكر" أي: سريع.
قوله: "هو مثل قوله إلخ" ضمير هو يرجع إلى المذكور من الشواهد أي: إلى مجموعها
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الدرر ٥/ ١٩٥؛ ولسان العرب ١٢/ ٥٨٢ "نعم"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٤.
[ ٣ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٧٦٧- عَمْرُكَ ما لَيْلِي بِنَامَ صاحِبُهْ
وسبب عدم تصرفهما لزومهما إنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة وأصلهما فَعِل.
ــ
لأنه لا يأتي في البيت؛ لأنه يمنع منه فيه جر طير بإضافة نعم إليه بل تأويله أنه نزل نعم منزلة خير أي: بخير طير، فجعل نعم اسمًا للخير وأضافها لطير وفتحه على الحكاية للفظها قبل عروض الاسمية، قاله بعضهم وهو أولى مما ذكره شيخنا والبعض والمثلية في حذف الصفة والموصوف وإقامة المعمول مقامهما، هكذا قال شيخنا والبعض وفيه؛ أنه لا حاجة في بنام صاحبه إلى تقدير الصفة والأصل: بليل مقول فيه نام صاحبه، بل المحتاج إليه تقدير الموصوف فقط لصحة جعل نام صاحبه نفس الصفة فلا تكن أسير التقليد. قوله: "لزومهما إنشاء المدح والذم" أي: والإنشاء من معاني الحروف ولا تصرف في الحروف والمراد لزومهما في أحد الاستعمالين فلا ينافي أن لهما استعمالًا آخر فارقًا فيه الإنشاء. قال الدماميني: وإنما كانا لإنشاء المدح أو الذم؛ لأنك إذا قلت نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو فإنما تنشئ المدح أو الذم وتحدثه بهذا اللفظ، وليس المدح أو الذم بموجود خارجًا في أحد الأزمنة مقصود مطابقة هذا الكلام إياه حتى يكون خبرًا، بل الموجود خارجًا جودة الشخص أو رداءته، والقصد بهذا الكلام مدحه أو ذمه بالجودة أو الرداءة، فقول الأعرابي لمن بشره بمولودة وقال نعم الولد هي: والله ما هي بنعم الولد، ليس تكذيبًا له في المدح إذ لا يمكن تكذيبه فيه وإنما هو إخبار بأن الجودة التي حكمت بحصولها خارجًا ليست بحاصلة، فهو تكذيب لما تضمنه الإنشاء من الإخبار بحصول الجودة، فالتكذيب والتصديق إنما يتسلطان على ما تضمنه ذلك الإنشاء من الخبر لا عليه نفسه، وكذا الإنشاء التعجبي والإنشاء الذي في كم الخبرية وفي رب، هذا معنى كلام ابن الحاجب. قال الرضي: وفيه نظر إذ هذا الذي قرره يطرد في جميع الأخبار؛ لأنك إذا قلت زيد أفضل من عمرو فلا ريب في كونه خبرًا، ولا يمكن أن تكذب في التفضيل ويقال لك: إنك لم تفضل بل التكذيب إنما يتعلق بأفضلية زيد، وكذا إذا قلت زيد قائم هو خبر بلا شك، ولا يمكن أن تكذب من حيث الإاخبار؛ لأنك أوجدته بهذا اللفظ قطعًا بل من حيث القيام فكذا قوله: والله ما هي بنعم الولد، بيان لكون النعمية أي: الجودة المحكوم بثبوتها خارجًا ليست بثابتة وكذا في التعجب وفي كم ورب ا. هـ ببعض اختصار.
قوله: "على سبيل المبالغة" أي: لعموم المدح والذم فيهما وعدم تخصيصهما بخصلة معينة عند الإطلاق، وعدم التقييد بمخصص نحو: نعم الرجل زيد بخلاف نعم زيد عالمًا، وكان الأولى أن يقول: ويفيدان ذلك على سبيل المبالغة، إذ لا دخل لقوله على سبيل المبالغة في تعليل عدم التصرف كما علم. قوله: "وأصلهما فعل" أي: بفتح الفاء وكسر العين وقوله وقد يردان كذلك
_________________
(١) الرجز لأبي خالد القناني في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٤١٦؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٩٩، ١٠٠، والإنصاف ١/ ١١٢؛ وخزانة الأدب ٩/ ٣٨٨، ٣٨٩؛ والخصائص ٢/ ٣٦٦؛ والدرر ١/ ٧٦، ٦/ ٢٤؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٤٩؛ وشرح المفصل ٣/ ٦٢؛ وشرح قطر الندى ص٢٩؛ ولسان العرب ١٢/ ٥٩٥ "نوم"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣؛ وهمع الهوامع ١/ ٦، ٢/ ١٢٠.
[ ٣ / ٣٩ ]
مُقَارِنَيْ أل أو مُضافَيْن لِما قارَنَهَا كنِعم عُقْبَى الكُرَما
ــ
وقد يردان كذلك أو بسكون العين وفتح الفاء وكسرها أو بكسرهما. وكذلك كل ذي عين حلقية من فَعِل فعلًا كان كشهد أو اسمًا كفخذ. وقد يقال في بئس بَيْس "رافعان اسمين" على الفاعلية "مُقَارِنَيْ أل" نحو: نعم العبد وبئس الشراب "أو مضافين لما قارنها كنعم عقبى الكرما" ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: ٧٦]، أو مضافين لمضاف لما قارنها كقوله:
٧٦٨- فَنِعْمَ ابنُ أخْتِ القَومِ غَيْرَ مُكَذَّبِ
وإنما لم ينبه على هذا الثالث لكونه بمنزلة الثاني. وقد نبه عليه في التسهيل.
تنبيهان: الأول اشتراط كون الظاهر معرفًا بأل أو مضافًا إلى المعرف بها، أو إلى المضاف إلى المعرف بها. وهو الغالب. وأجاز بعضهم أن يكون مضافًا إلى ضمير ما فيه أل كقوله:
٧٦٩- فَنِعْمَ أخو الهَيْجَا ونِعْمَ شَبَابُهَا
ــ
إلخ يفيد أن الأوجه الأربعة فيهما إذا استعملا لإنشاء المدح والذم، وبعضهم خصها بحالة تصرفهما وأفصحها كما في الدماميني الكسر فالسكون ثم كسر الفاء والعين ثم الفتح فالسكون ثم الفتح فالكسر. قوله: "وكسرها" الوجه إسقاطه لعلمه من قوله وأصلهما فعل لرجوع الضمير إلى نعم وبئس بكسر فسكون. قوله: "حلقية" أي: مخرجها الحلق وقوله من فعل أي: موازن فعل بفتح فكسر والمراد لفظه فيجوز صرفه بتأويل اللفظ، ومنع صرفه بتأويل الكلمة. قوله: "وقد يقال في بئس بيس" أي: بموحدة مفتوحة فتحتية ساكنة مبدلة من الهمزة على غير قياس كذا في الهمع، ثم إن كان الإبدال في حال الكسر فهو قياسي أو بعد الفتح فهو غير قياسي. قوله: "رافعان" أعربه الفارضي خبر مبتدأ محذوف أي: وهما رافعان وهو أولى من إعرابه نعت فعلان لما يلزم عليه من الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو المبتدأ، كما
قاله الشيخ خالد. قوله: "على الفاعلية" أي: على القول بفعليتهما وأما على القول باسميتهما فقد أسلفناه. قوله: "مقارني أل" أي: المعرفة؛ لأنها المنصرف إليها اللفظ عند الإطلاق فلا يدخل لفظ الجلالة والذي. قوله: "غير مكذب" حال من الفاعل والمخصوص بالمدح زهير في تمام البيت. قوله: "وإنما لم ينبه على هذا الثالث" يمكن دخوله في كلامه بأن يراد بما قارنها ولو بواسطة. قوله: "هو الغالب" لا يلتئم مع قوله والصحيح إلخ، فكان الأولى أن يقول بدله هو الراجح أو نحوه، ووجد في بعض النسخ الضرب من أول التنبيه إلى الواو من قوله وأجاز وهو مناسب. قوله: "ونعم شبابها" كذا بخط الشارح وفي
_________________
(١) عجزه: زهير حسامًا مفردًا من حمائل والبيت من الطويل، وهو لأبي طالب في خزانة الأدب ٢/ ٧٢؛ والدرر ٥/ ٢٠٠؛ وشرح التصريح ٢/ ٩٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٧٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٥.
(٢) الشطر من الطويل.
[ ٣ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصحيح أنه لا يقاس عليه لقلته. وأجاز الفراء أن يكون مضافًا إلى نكرة كقوله:
٧٧٠- فَنِعْمَ صاحِبُ قَومٍ لا سِلاحَ لَهُمْ وصاحِبُ الرَّكْبِ عُثْمَانُ بنُ عفَّانا
ونقل إجازته عن الكوفيين وابن السراج، وخصه عامة الناس بالضرورة. وزعم صاحب البسيط أنه لم يرد نكرة غير مضافة، وليس كذلك بل ورد، لكنه أقل من المضاف نحو: نعم غلام أنت ونعم تيم. وقد جاء ما ظاهره أن الفاعل علم أو مضاف إلى علم كقول بعض العبادلة: بئس عبد الله أنا إن كان كذا، وقوله ﵊: $"نعم عبد الله هذا" وكقوله:
٧٧١- بِئْسَ قَومُ اللهِ قَومٌ طُرِقُوا فَقَرَوا جَارَهُم لَحْمًا وَحِرْ
وكأن الذي سهل ذلك كونه مضافًا في اللفظ إلى ما فيه أل وإن لم تكن معرفة. وأجاز المبرد والفارسي إسناد نعم وبئس إلى الذي نحو: نعم الذي آمن زيد كما يسندان إلى
ــ
بعض النسخ شهابها بالهاء بدل الموحدة الأولى. قوله: "والصحيح إلخ" وفرق بين هذا وبين ما أجازه في باب الإضافة من نحو:
الواهب المائة الهجان وعبدها
بأن عبدها تابع لما فيه أل وقد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، كذا قال البعض ولا يخفى أنه لا ينفع في نحو:
الود أنت المستحقة صفوه
فالأولى أن يقال باب نعم وبئس لعدم تصرفهما أضيق من باب الإضافة. قوله: "فنعم صاحب قوم إلخ" كأن الذي سهل ذلك عند الجمهور عطف المضاف إلى المحلى بأل عليه وعثمان هو المخصوص بالمدح. قوله: "ما ظاهره" أي: تركيب ظاهره، وإنما قال ما ظاهره لإمكان تأويله بجعل الفاعل ضميرًا مستترًا حذف تفسيره بناء على جواز حذف التمييز في مثل ذلك والعلم مخصوص بالمدح أو الذم وما بعده بدل أو عطف بيان. قوله: "طرقوا" من الطروق وهو الإتيان ليلًا فقروا جارهم أي: فأطعموا ضيفهم لحمًا وحر بفتح الواو وكسر الحاء المهملة أي: دبت عليه الوحرة بفتحات وهي نوع من الوزغ ووقف بالسكون على لغة ربيعة. قوله: "وإن لم تكن معرفة" أي: لأنها زائدة لازمة وتعريفه بالعلمية. قوله: "كما يسندان إلخ" أي: بجامع إرادة
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لكثير بن عبد الله النهشلي في الدرر ٥/ ٢١٣؛ وشرح شواهد الإيضاح ص١٠٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٧؛ وله أو لأوس بن مغراء أو لحسان بن ثابت في خزانة الأدب ٩/ ٤١٥، ٤١٧؛ وشرح المفصل ٧/ ١٣١؛ وليس في ديوان حسان؛ وبلا نسبة في المقرب ١/ ٦٦؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٦.
(٢) البيت من الرمل، وهو بلا نسبة في الدرر ٥/ ٢٠٦، ٢١٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٥.
[ ٣ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ما فيه أل الجنسية، ومنع ذلك الكوفيون وجماعة من البصريين وهو القياس؛ لأن كل ما كان فاعلًا لنعم وبئس وكان فيه أل كان مفسرًا للضمير المستتر فيهما إذا نزعت منه، والذي ليس كذلك، قال في شرح التسهيل ولا ينبغي أن يمنع؛ لأن الذي جعل بمنزلة الفاعل ولذلك اطرد الوصف به، الثاني ذهب الأكثرون إلى أن أل في فاعل نعم وبئس جنسية، ثم اختلفوا فقيل حقيقة. فإذا قلت نعم الرجل زيد فالجنس كله ممدوح وزيد مندرج تحت الجنس؛ لأنه فرد من أفراده ولهؤلاء في تقريره قولان: أحدهما أنه لما كان الغرض المبالغة في إثبات المدح للمدوح جعل المدح للجنس الذي هو منهم، إذ الأبلغ في إثبات الشيء جعله للجنس حتى لا يتوهم كونه طارئًا على المخصوص. والثاني أنه لما قصدوا المبالغة عدوا المدح إلى الجنس مبالغة ولم يقصدوا غير مدح زيد فكأنه قيل ممدوح جنسه لأجله، وقيل مجازًا، فإذا قلت نعم الرجل زيد جعلت زيدًا جميع الجنس مبالغة، ولم تقصد غير مدح زيد. الجنس في كل. قوله: "كان مفسرًا" أي: تمييزًا. قوله: "والذي ليس كذلك" أي: لأنه لا تنزع منه أل حتى يصلح لكونه مفسرًا للضمير. قوله: "قال في شرح التسهيل إلخ" باقي عبارة شرح التسهيل على ما في الهمع ومقتضى النظر الصحيح أنه لا يجوز مطلقًا، ولا يمنع مطلقًا بل إذا قصد به الجنس جاز، وإذا قصد به العهد منع ا. هـ. وهو إنما يتجه على أن أل في نعم الرجل جنسية لا عهدية. قوله: "ولا ينبغي أن يمنع" أي: والكلية السابقة غير مسلمة. قوله: "لأن الذي" أي: مع صلته جعل بمنزلة الفاعل أي: بمنزلة اسم الفاعل المحلى بأل واسم الفاعل المحلى بأل يقع فاعلًا لنعم وبئس فكذا ما هو بمنزلته، والمراد بكونه بمنزلته أنه مؤول به. قوله: "جنسية" أي: للجنس في ضمن جميع الأفراد حقيقة أو مجازًا كما يدل عليه تقريره الآتي وأل الجنسية بهذا المعنى هي الاستغراقية حقيقة أو مجازًا وبها عبر بعضهم. قوله: "فقيل حقيقة" أي: أنه أريد بمدخولها جميع أفراد الجنس قصدًا أو تبعًا للممدوح كما يدل عليه ما بعده. وقوله فالجنس كله ممدوح أي: قصدًا أو تبعًا وقوله وزيد مندرج تحت الجنس أي: ثم نص عليه كما ينص على الخاص بعد العام، واعترض بأن العموم يؤدي إلى التناقض في نحو: نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو وأجيب بأن الشيء قد يمدح ويذم من جهتين مختلفتين، ولا تناقض عند اختلاف الجهة. قوله: "في تقريره" أي: تقرير كونها للجنس حقيقة وقوله إنه أي: الحال والشأن. قوله: "جعل المدح للجنس" أي: قصدًا فجميع أفراده ممدوحة قصدًا على هذا القول. قوله: "حتى لا يتوهم" أي: فلا يتوهم كونه أي: المدح طارئًا على المخصوص، وأن جنسه لا يستحق المدح لنقصه فحتى تفريعية. قوله: "عدوا المدح إلى الجنس" أي: جعلوه متجاوزًا المخصوص إلى الجنس لا قصدًا بل تبعًا للمخصوص مبالغة في مدحه. قوله: "وقيل مجازًا" أي: جنسية مجازًا ووجهه أن المراد بمدخولها الفرد المعين مدعي أنه جميع الجنس لجمعه ما تفرق في غيره من الكمالات فالمدح لذلك الفرد
[ ٣ / ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وذهب قوم إلى أنها عهدية، ثم اختلفوا فقيل المعهود ذهني كما إذا قيل اشتر اللحم ولا تريد الجنس، ولا معهودًا تقدم وأراد بذلك أن يقع إبهام، ثم يأتي بالتفسير بعده تفخيمًا للأمر وقيل المعهود هو الشخص الممدوح، فإذا قلت زيد نعم الرجل فكأنك قلت زيد نعم هو. واستدل هؤلاء بتثنيته وجمعه ولو كان عبارة عن الجنس لم يسغ فيه ذلك. وقد أجيب عن ذلك على القول بأنها للاستغراق بأن المعنى أن هذا المخصوص يفضل أفراد هذا الجنس إذا ميزوا رجلين أو رجالًا رجالًا. وعلى القول بأنها للجنس مجازًا بأن كل واحد من الشخصين كأنه على حدته جنس فاجتمع جنسان فثنيا. الثالث لا يجوز اتباع فاعل نعم لا لغيره من الجنس لا قصدًا ولا تبعًا. قوله: "فقيل المعهود ذهني" أي: حقيقة معينة في الذهن باعتبار وجودها في ضمن فرد مبهم، كما هو شأن مدخول لام العهد الذهني ثم فسر ذلك الفرد المبهم بزيد مثلًا. قوله: "ولا معهودًا تقدم" أي: في الذكر صريحًا أو كناية أو في العلم كما هو شأن مدخول لام العهد الخارجي. قوله: "تفخيمًا للأمر" أي: مدح ذلك الفرد؛ لأن التفسير بعد الإبهام أمكن في ذهن المخاطب وأوقع في نفسه. قوله: "وقيل المعهود هو الشخص الممدوح" أي: فتكون أل للعهد الخارجي. قوله: "فكأنك قلت زيد نعم هو" أي: فيكون الرجل من وضع الظاهر موضع الضمير وأل للعهد الخارجي الذكرى، وهذا ظاهر إذا قدم المخصوص كما في مثال الشارح فإذا أخر كما في نعم الرجل زيد فالظاهر أن الأمر كذلك، على القول بأن المخصوص مبتدأ خبره الجملة قبله لتقدم المرجع في الرتبة، وإن تأخر لفظًا بخلافه على القول بأنه مبتدأ حذف خبره، أو خبر مبتدأ محذوف فعليهما لا إظهار في مقام الإضمار، بل ولا تكون أل للعهد الذكرى حيث اشترط تقدم ذكر مدخولها كما هو قضية كلامهم. وانظر أل حينئذٍ لأي أقسام العهد الخارجي. قوله: "واستدل هؤلاء" أي: القائلون بأن أل للعهد مطلقًا ذهنيا أو خارجيا كما يرشد إليه تعليله. قوله: "لم يسغ فيه ذلك" أي: لأن الجنس شيء واحد وإن أريد في ضمن جميع أفراده كما هو مراد القائل بأنها للجنس كما مر. قوله: "للاستغراق" أي: للجنس في ضمن جميع الأفراد حقيقة بتقريريه السابقين. قوله: "أن هذا المخصوص" أي: المثنى أو المجموع يفضل أي: يفوق أفراد هذا الجنس أي: جنس فاعل نعم المثنى أو المجموع، وأخذ الفضل من كونه المخصوص بالمدح. قوله: "إذا ميزوا" أي: فصلوا وقسموا رجلين رجلين أو رجالًا رجالًا أي: حالة كونهم، أي: أولئك الأفراد رجلين رجلين في المثنى أو رجالًا رجالًا في المجموع. وحاصله أن القائل نعم الرجلان أو الرجال ثنى أو جمع أولًا، ثم عرف بأل الجنسية فهي لجنس الاثنين في ضمن جميع أفراده التي هي مثنيات، ولجنس الجمع الذي في ضمن جميع أفراده التي هي جموع، وأما قول البعض وما ذكره لا يظهر إلا على القول بأن أفراد المثنى والجمع مثنيات وجموع وأما على القول بأن أفرادهما آحاد فلا ا. هـ. فغفلة؛ لأن محل الخلاف إذا لم تكن أل في المثنى لجنس الاثنين وفي المجموع لجنس الجمع، وإلا كانت أفراد المثنى مثنيات وأفراد الجموع جموعًا بلا خلاف للقطع
[ ٣ / ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبئس بتوكيد معنوي، قال في شرح التسهيل باتفاق وأما التوكيد اللفظي فلا يمتنع، وأما النعت فمنعه الجمهور وأجازه أبو الفتح في قوله:
٧٧٢- لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ لَبِئْسَ الفَتَى المَدْعُوُّ باللَّيْلِ حَاتِمُ
قال في شرح التسهيل: وأما النعت فلا ينبغي أن يمنع على الإطلاق بل يمتنع إذا قصد به التخصيص مع إقامة الفاعل مقام الجنس؛ لأن تخصيصه حينئذ مناف لذلك القصد، وأما إذا تؤول بالجامع لأكمل الفضائل فلا مانع مع نعته حينئذ؛ لإمكان أن يراد بالنعت ما أريد بالمنعوت. وعلى هذا يحمل قول الشاعر:
٧٧٣- نِعْمَ الفَتَى المُرِّيُّ أَنْتَ إذا هُمُ
ــ
بوجوب صدق المفهوم على أفراده ومفهوم الاثنين والجمع لا يصدق على الواحد فلا يكون فردًا لهما. فعض بنواجذك على هذا التحقيق. قوله: "بتوكيد معنوي" أي: فلا يقال نعم الرجل كلهم أو أنفسهم زيد ولا كله أو نفسه زيد؛ لأن الأول منافر للفظ والثاني منافر للمعنى. ولا يقاس الأول على قولهم الدينار الصفر والدرهم البيض؛ لشذوذه، وأيضًا ليس المقام مقام تحقيق الإحاطة بالجنس فلا يشذ منه أحد حتى يؤتى بكل، ولا رفع احتمال إرادة جنس آخر ملابس للجنس المذكور حتى يؤتى بالنفس، كذا قال الدماميني. قال سم: وهو يتأتى في المثنى والجمع ا. هـ. قال في الهمع وقال أبو حيان: ومن يرى أن أل عهدية شخصية لا يبعد أن يجيز نعم الرجل نفسه زيد. قوله:
"فلا يمتنع" لأن إعادة اللفظ خشية نحو: سهو السامع عنه لا محذور فيه.
قوله: "فمنعه الجمهور" أي: لأنه إن أفرد خولف المعنى وإن جمع خولف اللفظ، قاله الدماميني. وقال الفارضي؛ لأن النعت يخصصه ويقلل شياعه فينافي المقصود منه وهو الجنس في ضمن جميع الأفراد حقيقة أو مجازًا كما هو المشهور فيه. قوله: "لذلك القصد" أي: قصد الجنس على الوجه المتقدم.
قوله: "وأما إذا تؤول" أي: الفاعل بالجامع لأكمل الفضائل أي: بأن أريد الاستغراق مجازًا ومثل ذلك ما إذا أريد الجنس حقيقة ولم يقصد بالنعت التخصيص بل الكشف والإيضاح كما استفيد من مفهوم قوله سابقًا إذا قصد به التخصيص، ومثله أيضًا ما إذا أريد العهد. قوله: "لا مكان أن يراد بالنعت إلخ" بأن يراد بالنعت الجامع لكمالات جنس هذا النعت. قوله: "المري" بضم الميم وتشديد الراء نسبة إلى مرة أحد أجداده وتمام البيت:
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو ليزيد بن قنافة في خزانة الأدب ٩/ ٤٠٥، ٤٠٧؛ والدرر ٥/ ٢٠٣؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٤٦٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٩؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ٢/ ٨٥.
(٢) عجزه: حَضَروا لَدَى الحجُراتِ نارَ الموقِدِ والبيت من الكامل، وهو لزهير بن أبي س لمى في ديوانه ص٢٧٥؛ وخزانة الأدب ٩/ ٤٠٤؛ ٤٠٧، ٤٠٨؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٩١٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢١؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٧١؛ ومغني اللبيب ٢/ ٥٨٧.
[ ٣ / ٤٤ ]
ويَرْفَعانِ مُضْمرًا يُفسِّره مُمَيِّزٌ كنِعْمَ قومًا مَعْشَرُه
ــ
وحمل أبو علي وابن السراج مثل هذا على البدل وأبيا النعت ولا حجة لهما ا. هـ. وأما البدل والعطف فظاهر سكوته في شرح التسهيل عنهما جوازهما وينبغي أن لا يجوز منهما إلا ما تباشره نعم "وَيَرْفَعانِ" أيضًا على الفاعلية "مضمرًا" مبهمًا "يفسره مميز كنعم قومًا معشره" وقوله:
٧٧٤- نَعْمَ امْرَأ هَرِمٌ لم تَعْرُ نائِبَةٌ إلا وَكانَ لِمُرْتَاعٍ بِهَا وَزَرَا
وقوله:
٧٧٥- لنعم مَوْئِلًا المَولَى إذا حُذِرَتْ بَأْسَاءُ ذِي البَغْي واسْتِيلاءُ ذي الإحَنِ
وقوله:
٧٧٦- نعم امْرَأَيْنِ حاتِمٌ وكَعْبُ كِلاهما غَيْثٌ وسَيْفٌ عَضْبُ
ــ
حضروا لدى الحجرات نار الموقد
والحجرات جمع حجرة بفتحتين وهي شدة الشتاء. قوله: "إلا ما تباشره نعم" أي: ما يصلح لمباشرتها وهو المعرف بأل والمضاف إلى المعرف بها ولو بواسطة، وقد جزم بالجواز بهذا القيد السيوطي. قال البعض تبعًا لشيخنا وقد يقال الذي ينبغي الجواز مطلقًا ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع
ا. هـ. وأنت إذا تذكرت ما أسلفناه عن بعض المحققين من أن اغتفارهم في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ليس أصلًا مطردًا في كل موضع؛ ولذلك يقولون قد يغتفر إلخ، هان عليك هذا البحث. قوله: "مضمرًا مبهمًا" تقدم أن هذا من المواضع السبعة التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظًا ورتبة. قال الفارضي وندر جره بالباء أي: الزائدة نحو: نعم بهم قومًا. قوله: "يفسره مميز" فإذا قلت: زيد نعم رجلًا لم يعد الضمير على زيد بل على رجلًا. دماميني. قوله: "مميز" يجوز وصف هذا المميز نحو: نعم رجلًا صالحًا زيد وكذا فصله خلافًا لابن أبي الربيع نحو: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، همع. قوله: "كنعم قومًا معشره" ينبغي إذا جرينا على أن معشره مبتدأ خبره الجملة قبله أن يكون الرابط عموم الضمير للمبتدأ على أن المراد بالضمير الجنس، أو إعادة المبتدأ بمعناه على أن المراد به الشخص فعلم ما في كلام البعض تبعًا لسم من الخفاء والقصور. قوله: "نعم امرأ هرم" بفتح الهاء وكسر الراء لم تعر مضارع عرا يعرو بمعنى عرض والوزر الملجأ. قوله: "لنعم موئلا" أي: ملجأ وقوله حذرت بالبناء للمجهول أي: خيفت. والإحن بكسر الهمزة وفتح الحاء المهملة جمع إحنة بكسر الهمزة وسكون الحاء وهي الحقد. قوله: "كلاهما غيث وسيف عضب" أي: قاطع وفيه لف ونشر مرتب. قوله: "تقول عرسي إلخ"
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لزهير بن أبي سلمى في شرح التصريح، وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٧٥؛ وشرح التصريح ١/ ٣٩٢؛ وشرح شذور الذهب ص١٩٧.
(٢) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في شرح أبي عقيل ص٤٥٤؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٨٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٦.
(٣) الرجز بلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص٧٨٢.
[ ٣ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونحو: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] . وقوله:
٧٧٧- تَقُولُ عِرْسِي وَهْيَ لِي فِي عَومَرَهْ بِئْسَ امْرَأً وَإِنَّنِي بِئْسَ المَرَهْ
ففي كل من نعم وبئس ضمير هو الفاعل. ولهذا الضمير أحكام: الأول أنه لا يبرز في تثنية ولا جمع استغناء بتثنية تمييزه وجمعه، وأجاز ذلك قوم من الكوفيين وحكاه الكسائي عن العرب، ومنه قول بعضهم: مررت بقوم نعموا قومًا وهذا نادر. الثاني أنه لا يتبع. وأما نحو: نعم هم قومًا أنتم فشاذ. الثالث أنه إذا فسر بمؤنث لحقته تاء التأنيث نحو: نعمت امرأة هند هكذا مثله في شرح التسهيل. وقال ابن أبي الربيع: لا تلحق وإنما يقال نعم امرأة هند استغناء بتأنيث المفسر. ونص الخطاب على جواز الأمرين. ويؤيد الأول قوله فبها ونعمت. الرابع ذهب القائلون بأن فاعل نعم الظاهر يراد به الشخص إلى أن المضمر كذلك. وأما القائلون بأن الظاهر يراد به الجنس فذهب أكثرهم إلى المضمر كذلك.
وذهب بعضهم إلى أن المضمر للشخص، قال: لأن المضمر على التفسير لا يكون
ــ
عرس الرجل بالكسر امرأته، ولي بمعنى معي، والعومرة الصخب واختلاط الأصوات. قوله: "أنه لا يبرز" بل هو واجب الاستتار في الأحوال كلها كما أرشد إلى ذلك تمثيله، وندر إبرازه مجرورًا بالباء كما مر عن الفارضي.
قوله: "أنه لا يتبع" أي: بشيء من التوابع لقوة شبهه بالحرف بتوقف انفهامه لفظًا ومعنى على التمييز بعده بخلاف الضمير العائد على ما قبله قاله يس. قوله: "نعم هم" الشاهد في هم فإنه توكيد للضمير المستتر وأما أنتم فالمخصوص. قوله: "لحقته تاء التأنيث" أي: لحقت فعله وجوبًا بقرينة مقابلته بالقول الثالث. قوله: "لا تلحق" أي: يمتنع ذلك بقرينة مقابلته بالقول الثالث. قوله: "ويؤيد الأول" أي: القول بوجوب اللحوق واعترض بأن التمييز غير مذكور كما هو محل الخلاف، ولك أن تقول المقدر كالمذكور وبأنه إنما يؤيد الأول بالنسبة إلى الثاني لا الثالث. قوله: "يراد به الشخص" أي: المعهود خارجًا وقوله إلى أن المضمر كذلك أي: يراد به الشخص بأن يجعل راجعًا إلى التمييز المراد به الشخص. قوله: "فذهب أكثرهم إلى أن المضمر كذلك" أي: يراد به الجنس في ضمن جميع الأفراد بأن يجعل راجعًا إلى التمييز المراد به الجنس لكونه على نية أل الجنسية إذ الأصل نعم الرجل فاندفع الاعتراض بأن مرجع الضمير التمييز وهو نكرة في سياق الإثبات فلا يعم، والضمير كمرجعه فمن أين العموم وسكت عن الضمير على القول بأن الظاهر يراد به المعهود الذهني، وفي سم على المختصر أنه كالظاهر حينئذٍ أيضًا.
قوله: "وذهب بعضهم إلى أن المضمر للشخص" هذا مقابل قوله فذهب أكثرهم فضمير
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في جمهرة اللغة ص٧٧٣، ١١٧٦؛ وشرح ابن عقيل ص٤٥٥؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٨٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩.
[ ٣ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في كلام العرب إلا شخصًا. ولمفسر هذا الضمير شروط: الأول أن يكون مؤخرًا عنه، فلا يجوز تقديمه على نعم وبئس الثاني أن يتقدم على المخصوص فلا يجوز تأخيره عنه عند جميع البصريين، وأما قولهم نعم زيد رجلًا فنادر. الثالث أن يكون مطابقًا للمخصوص في الإفراد وضديه والتذكير وضده. الرابع أن يكون قابلًا لأل فلا يفسر بمثل غير وأي وأفعل التفضيل؛ لأنه خلف من فاعل مقرون بأل فاشترط صلاحيته لها. الخامس أن يكون نكرة عامة فلو قلت نعم شمسًا هذه الشمس لم يجز؛ لأن الشمس مفرد في الوجود، فلو قلت نعم شمسًا شمس هذا اليوم لجاز ذكره ابن عصفور وفيه نظر. السادس لزوم ذكره كما نص عليه سيبويه، وصحح بعضهم أنه لا يجوز حذفه وإن فهم المعنى ونص بعض المغاربة على شذوذ فبها ونعمت. وقال في التسهيل لازم غالبًا استظهارًا على نحو: فبها ونعمت. وممن أجاز حذفه ابن عصفور. تنبيه: ما ذكر من أن فاعل نعم يكون ضميرًا مستترًا فيها هو مذهب الجمهور، وذهب الكسائي إلى أن الاسم المرفوع بعد النكرة المنصوبة فاعل نعم والنكرة عنده منصوبة على الحال، ويجوز عنده أن تتأخر فيقال نعم زيد رجلًا، وذهب الفراء إلى أن بعضهم راجع إلى القائلين بأن الظاهر يراد به الجنس وبهذا يعرف ما في كلام البعض من الخلل. قوله: "على التفسير" أي: مع التفسير. قوله: "لا يكون في كلام العرب إلا شخصًا" قد يمنع بأن الضمير كمفسره شخصًا وغيره فتدبر. قوله: "ولمفسر هذا الضمير" خرج مفسر الظاهر فلا يعتبر فيه جميع هذه الشروط إذ يجوز تأخيره عن المخصوص كقوله بئس الفحل فحلهم فحلًا. قوله: "أن يكون قابلًا لأل" أي: أو حالًا محل ما يقبلها فلا يرد فنعمًا هي على القول بأن ما تميز؛ لأنها وإن لم تقبل أل حالة محل ما يقبلها أفاده زكريا. قوله: "وأفعل التفضيل" لعل مراده المضاف والمقرون بمن؛ لأن غيرهما يقبل أل فيجوز نعم أحسن زيد. قوله: "نكرة عامة" أي: متكثرة الأفراد كما يفيده كلامه فلا يرد أن النكرة في سياق الإثبات لا تعمّ وتقدم جواب آخر. قوله: "فلو قلت نعم شمسًا شمس هذا اليوم لجاز" أي: لأنك لما اعتبرت تعدد الشمس بتعدد الأيام كان شمسًا في كلامك نكرة عامة لكل شمس يوم. قوله: "وفيه نظر" وجه النظر بأن علة المنع موجودة في هذه الصورة أيضًا، وهو مدفوع باعتبار التعدد بتعدد الأيام وبهذا يستغنى عما أطال به البعض. قوله: "وصحح بعضهم إلخ" تقوية لما قبله. قوله: "وإن فهم المعنى" أي: كما في الحديث، وقوله استظهارًا يعني اعتمادًا، وقوله فبها ونعمت أي: فبالطريقة المحمدية من الوضوء أخذ ونعمت طريقة الوضوء هذا هو الصواب. وقول البعض في تقرير الحديث ونعمت الطريقة الوضوء غير مناسب لما نحن فيه بل غير صحيح؛ لأنه يلزم عليه حذف الفاعل فتنبه. قوله: "وذهب الكسائي إلخ" الظاهر أنه على مذهب الكسائي والفراء أغنى الفاعل عن المخصوص كما سيأتي نظيره في شرح قول المصنف، وما ميز وقيل فاعل إلخ. قوله: "ويجوز عنده أن
[ ٣ / ٤٧ ]
وَجَمْعُ تَمْيِيزٍ وفاعِلٍ ظَهَرْ فِيْهِ خِلافٌ عَنْهُمُ قَدِ اشْتَهَرْ
ــ
الاسم المرفوع كقول الكسائي إلا أنه جعل النكرة المنصوبة تمييزًا منقولًا. والأصل في قولك نعم رجلا زيد نعم الرجل زيد، ثم نقل الفعل إلى الاسم الممدوح فقيل نعم رجلا زيد، ويقبح عنده تأخيره؛ لأنه وقع موقع الرجل المرفوع وأفاد إفادته. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لوجهين: أحدهما قولهم نعم رجلًا أنت وبئس رجلًا هو فلو كان فاعلًا لاتصل بالفعل. الثاني قولهم نعم رجلًا كان زيد فأعملوا فيه الناسخ "وجمع تمييز وفاعل ظهر فيه خلاف عنهم" أي: عن النحاة "قد اشتهر" فأجازه المبرد وابن السراج والفارسي والناظم وولده، وهو الصحيح لوروده نظمًا ونثرًا فمن النظم قوله:
٧٧٨- نِعْمَ الفَتَاةُ فتاةٌ هِنْدُ لو بَذَلَتْ رَدَّ التَّحِيَّة نُطقًا أو بِإيمَاءِ
وقوله:
٧٧٩- والتَّغْلَبِيُّونَ بِئْسَ الفَحْلُ فَحْلُهُمُ فحلًا وأُمُّهُمُ زَلَّاءُ مِنْطِيقُ
ــ
تتأخر" أي: لأن الأصل في الحال أن تتأخر عن صاحبها. قوله: "منقولًا" أي: محولًا عن الفاعل كما يدل عليه ما بعده وقوله ثم نقل الفعل أي: حول إسناده عنه إلى الاسم الممدوح ونصب تمييزًا. قوله: "لوجهين" زيد ثالث وهو قولهم إخوتك نعم رجالًا، والفاعل لا يتقدم وفيه نظر، وإن أقره البعض وغيره؛ لأن الكسائي والفراء من الكوفيين وهم يجوزون تقديم الفاعل فلا ينهض هذا الوجه عليهما. قوله: "لا تصل بالفعل" أي: بارزًا في المثال الأول ومستترًا فيه في المثال الثاني. فإطلاق البعض استتاره ليس في محله. قوله: "قولهم نعم رجلًا كان زيد" قد يناقش باحتمال زيادة كان إلا أن يقال الأصل عدم الزيادة.
قوله: "فأعملوا فيه الناسخ" أي: والناسخ لا يدخل على الفاعل بل على المبتدأ. قوله: "نطقًا" أي: بنطق بدليل أو بإيماء. قوله: "والتغلبيون" نسبة إلى تغلب بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام لكن اللام في المنسوب مفتوحة؛ لاستثقال كسرتين مع ياء النسبة، وقد تكسر نقله شيخ الإسلام عن الجوهري. والتغلبيون قوم من نصارى العرب بقرب الروم منهم الأخطل. وأراد بالفحل الأب والزلاء بفتح الزاي وتشديد اللام المرأة اللاصقة العجز الخفيفة الألية، والمنطيق صيغة مبالغة من النطق يستوي فيها المذكر والمؤنث ومعناه البليغ، لكن المراد به هنا المرأة التي تتأزر بما تعظم به عجيزتها قاله العيني وغيره. وعبارة القاموس المنطيق البليغ والمرأة المتأزرة بحشية تعظم بها عجيزتها ا. هـ. وكأن الثاني مأخوذ من النطاق وهو شقة تلبسها المرأة
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٧٧؛ وخزانة الأدب ٩/ ٣٩٨؛ والدرر ٥/ ٢٠٩؛ وشرح التصريح ٢/ ٩٥؛ وشرح شواهد المغني ص٨٦٢؛ ومغني اللبيب ٤٦٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٦.
(٢) البيت من البسيط، وهو لجرير في ديوانه ص١٩٢؛ والدرر ٥/ ٢٠٨؛ وشرح التصريح ٢/ ٩٦؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٨٧؛ ولسان العرب ١٠/ ٣٥٥ "نطق"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٧؛ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص٤٥٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٦.
[ ٣ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
٧٨٠- فَنِعْمَ الزَّادُ زَادُ أَبِيكَ زَادَا
ومن النثر ما حكي من كلامهم: نعم القتيل قتيلًا أصلح بين بكر وتغلب. وقد جاء التمييز حيث لا إبهام يرفعه لمجرد التوكيد كقوله:
٧٨١- وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنَّ دِيْنَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِيْنَا
ومنعه سيبويه والسيرافي مطلقًا وتأولا ما سمع. وقيل إن أفاد معنى زائدًا جاز وإلا فلا كقوله:
٧٨٢- فَنِعْمَ المَرْءُ مِنْ رَجُلٍ تِهَامِي
وقوله:
٧٨٣- وَقَائِلَةٍ نِعْمَ الفَتَى أنت من فَتًى
ــ
وتشد وسطها فترسل الأعلى على الأسفل إلى الأرض والأسفل ينجر في الأرض.
قوله: "ومن النثر ما حكى" في بعض النسخ إسقاط ما وليس بصواب. قوله: "وقد جاء التمييز إلخ" جواب عما يقال التمييز لرفع الإبهام ولا إبهام مع الفاعل الظاهر. قوله: "وتأولا ما سمع" أي: بجعل فتاة وفحلًا وزادًا وقتيلًا أحوالًا مؤكدة، أو زادا مفعولًا به لتزود أول البيت. قوله: "إن أفاد معنى زائدًا" أي: بنفسه كالمثال الثاني أو بتابعه كالمثال الأول والثالث. قوله: "كقوله فنعم المرء إلخ" مثال لما أفاد معنى زائدًا وهو كونه تهاميا، فكان الأولى للشارح أن يؤخر قوله وإلا فلا عن الأمثلة. وتهامي نسبة إلى تهامة بكسر الفوقية وهي ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز
_________________
(١) صدره: تزوَّد مثل زاد أبيك فينا والبيت من الوافر، وهو لجرير في خزانة الأدب ٩/ ٣٩٤، ٣٩٩؛ والخصائص ١/ ٨٣، ٣٩٦، والدرر ٥/ ٢١٠؛ وشرح شواهد الإيضاح ص١٠٩؛ وشرح شواهد المغني ص٥٧؛ وشرح المفصل ٧/ ١٣٢؛ ولسان العرب ٣/ ١٩٨ "زود"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠؛ وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ص٨٦٢؛ وشرح ابن عقيل ص٤٥٦؛ ومغني اللبيب ص٤٦٢؛ والمقتضب ٢/ ١٥٠.
(٢) البيت من الكامل، وهو لأبي طالب في خزانة الأدب ٢/ ٧٦، ٩/ ٣٩٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٩٦؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٨٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٨٨؛ وشرح قطر الندى ص٢٤٢؛ ولسان العرب ٥/ ١٤٤ "كفر"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٨. ٧٨٢ صدره: تَخَيَّرُهُ فلم يَعْدِل سِواهُ والبيت من الوافر، وهو لأبي بكر بن الأسود المعروف بابن شعوب الليثي في الدرر ٥/ ٢١١؛ وشرح التصريح ١/ ٣٩٩، ٢/ ٩٦؛ وشرح المفصل ٧/ ١٣٣؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٢٢٧، ٤/ ١٤؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٩٦؛ وخزانة الأدب ٩/ ٣٩٥؛ والمقرب ١/ ٦٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٦.
(٣) عجزه: إذا المرضع العوجاء جال بريمُها =
[ ٣ / ٤٩ ]
ومَا مُمَيِّزٌ وقِيلَ فاعِل في نحو نِعْمَ ما يقول الفاضِلُ
_________________
(١) أي: من متفت أي: كريم. وفي الأثر "نعم المرء من رجل لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتانا" وصححه ابن عصفور "وما" في موضع نصب "مميز وقيل فاعل" فهي في موضع رفع، وقيل إنها المخصوص وقيل كافة "في نحو: نعم ما يقول الفاضل" ﴿بِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠]، فأما القائلون بأنها في موضع نصب على التمييز فاختلفوا على ثلاثة أقوال: الأول أنها نكرة موصوفة بالفعل بعدها والمخصوص محذوف وهو مذهب الأخفش والزجاجي والفارسي في أحد قوليه والزمخشري وكثير من المتأخرين. والثاني أنها نكرة غير موصوفة والفعل بعدها صفة لمخصوص محذوف أي: شيء والثالث أنها تمييز والمخصوص ما أخرى موصولة محذوفة والفعل صلة لما الموصولة المحذوفة ونقل عن الكسائي. وأما القائلون بأنها الفاعل فاختلفوا على خمسة أقوال: الأول أنها اسم معرفة تام أي: غير مفتقر إلى صلة والفعل صفة لمخصوص محذوف والتقدير: نعم الشيء شيء فعلت. وقال به قوم منهم: ابن خروف ونقله في التسهيل عن سيبويه والكسائي. والثاني أنها وفي النسبة إليها الكسر مع تشديد الياء والفتح مع تخفيفها، كيمان كما بينا ذلك في باب التمييز. قوله: "من متفت" قال سم: قد يقال هو بهذا المعنى ليس مما نحن فيه بل هو مباين للفاعل ا. هـ. وتعقبه البعض فقال: هذا يقتضي المباينة في كل ما أفاد معنى زائدًا، كما لا يخفى ولا يخفى ما فيه ا. هـ. وهو فاسد؛ لأنه لا يأتي فيما أفاد معنى زائدًا بتابعه فاعرفه. قوله: "كنفا" أي: سترًا. قوله: "وما مميز إلخ" أورد عليه بناء على القولين الأخيرين من أقوال كون ما تمييزًا أن ما مساوية للضمير في الإبهام، فكيف تكون مميزة له. وأجيب بأن المراد منها شيء له عظمة أو حقارة أو نحوهما بحسب المقام فتكون أخص منه مع أن التمييز قد يكون للتأكيد والفاعل على أنها مميز للضمير المستتر في نعم وبئس، وسكت عن من وهي مثل ما إلا أنها لا تكون معرفة تامة، بل هي إما موصولة أو نكرة تامة أو موصوفة كقوله: ونعم من هو في سر وإعلان وتقدم الكلام على ذلك في الموصول. قوله: "في نحو: نعم ما يقول الفاضل" أي: من كل تركيب وقع فيه بعد نعم أو بئس ما فجملة فعلية. قوله: "أنها تمييز" فيه أنه مشترك بين الأقوال الثلاثة فكان الظاهر أن يقول: والثالث كالثاني إلا أن المخصوص ما أخرى ا. هـ. قوله: "لما الموصولة المحذوفة" أظهر في محل الإضمار للإيضاح. قوله: "والفعل صفة لمخصوص محذوف" أورد عليه وعلى ثاني أقوال كون ما تمييزا لزوم حذف الموصوف بالجملة مع أنه ليس بعض اسم متقدم مجرور بمن أو في وسيأتي أنه ضرورة. قوله: "والتقدير نعم الشيء شيء فعلت" بوصف المخصوص بجملة فعلت تخصص عن الفاعل المراد به الجنس، فقد وجد شرط كون المخصوص أخص من الفاعل لا أعم ولا مساويًا كما في الهمع، لكنه لا يأتي على القول بأن أل
[ ٣ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) موصولة والفعل صلتها والمخصوص محذوف ونقل عن الفارسي. والثالث أنها موصولة والفعل صلتها وهي فاعل يكتفي بها وبصلتها عن المخصوص، ونقله في شرح التسهيل عن الفراء والكسائي. والرابع أنها مصدرية ولا حذف والتقدير نعم فعلك، وإن كان لا يحسن في الكلام نعم فعلك حتى يقال نعم الفعل فعلك كما تقول أظن أن تقوم ولا تقول أظن قيامك. والخامس أنها نكرة موصوفة في موضوع رفع والمخصوص محذوف، وأما القائلون بأنها المخصوص فقالوا: إنها موصولة والفاعل مستتر وما أخرى محذوفة هي التمييز والأصل نعم ما ما صنعت، والتقدير نعم شيئًا الذي صنعته. هذا قول الفراء وأما القائلون بأنها كافة فقالوا: إنها كفت نعم كما كفت قل وطال فتصير تدخل على الجملة الفعلية. تنبيهات: الأول في ما إذا وليها اسم نحو: فنعما هي ثلاثة أقوال: أحدها أنها نكرة تامة في موضع نصب على التمييز والفاعل مضمر والمرفوع بعدها هو المخصوص. وثانيها أنها معرفة تامة وهي الفاعل وهو ظاهر مذهب سيبويه. ونقل عن المبرد وابن السراج والفارسي وهو قول الفراء. وثالثها أن ما مركبة مع الفعل ولا موضع لها من الإعراب للعهد الخارجي لمساواة المخصوص للفاعل على هذا القول ولكن لا ضرر حينئذٍ؛ لأن اشتراط ما ذكر إنما هو على القول بأن أل للجنس فيما يظهر فتأمل. قوله: "أنها مصدرية" فيه أن الفاعل على هذا مجموع ما فعلت لا ما فقط، مع أن الكلام في أقوال القائلين بأن الفاعل ما، ولك دفعه بأن معنى قول الشارح سابقًا، وأما القائلون بأنها الفاعل أي: ما فقط أو مع ما بعدها واقتصر البعض على إيراد الاعتراض مدعيًا أن الفاعل على هذا القول هو المصدر المنسبك وفيه ما علم من تقريرنا. قوله: "ولا حذف" فيكون هذا المؤول سد مسد الفاعل والمخصوص. قوله: "وإن كان لا يحسن إلخ" أي: لعدم وجود شرط فاعل نعم. قوله: "فقالوا إنها موصولة" أي: والفعل صلتها. قوله: "وأما القائلون بأنها كافة" بهذا صارت الأقوال تفصيلًا في ما المتلوة بجملة فعلية عشرة. قوله: "كفت نعم" لأن نعم وبئس لعدم تصرفهما أشبها الحرف فجاز أن يكفا بما كما يكف الحرف بما نحو: ربما. قوله: "في ما إذا وليها إلخ" قد يقال هذا مندرج في كلام المصنف بأن يراد بنحو: نعم ما يقول الفاضل، كل تركيب وقعت فيه ما بعد نعم متلوة بشيء اسمًا كان أو جملة فعلية، فإن لم يلها اسم ولا غيره نحو: دققته دقا نعما فقيل، ما معرفة تامة فاعل وقيل نكرة تامة تمييز والفاعل مستتر، وعليهما فالمخصوص محذوف ويمكن دخول هذا أيضًا في كلام المصنف بأن يراد بنحو: المثال كل تركيب وقعت فيه ما بعد نعم مطلقًا. قوله: "وهي الفاعل" أي: والاسم المرفوع بعدها هو المخصوص وسكت عنه لعلمه مما قبله والتقدير في الآية فنعم الشيء هي أي: الصدقات أي: إبداؤها لأن الكلام فيه فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل وارتفع. قوله: "وابن السراج والفارسي" نقل في التسهيل عنهما أنها موصولة والتقدير فنعم التي هي مفعولة لكم أي: الفعلة التي فعلتموها من إبداء الصدقات فلهما قولان في المسألة ومن هذا
[ ٣ / ٥١ ]
ويُذْكَرُ المَخْصُوصُ بعد مُبْتَدَا أو خَبَرَ اسْمِ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا
_________________
(١) والمرفوع بعدها هو الفاعل وقال به قوم وأجازه الفراء، الثاني الظاهر أنه إنما أراد الأول من الثلاثة والأول من الخمسة لاقتصاره عليهما في شرح الكافية الثالث ظاهر عبارته هنا يشير إلى ترجيح القول الذي بدأ به وهو أن ما مميز وكذا عبارته في الكافية. وذهب في التسهيل إلى أنها معرفة تامة وأنها الفاعل ونقله عن سيبويه والكسائي "ويذكر المخصوص" بالمدح أو الذم "بعد" أي: بعد فاعل نعم وبئس نحو: نعم الرجل أبو بكر وبئس الرجل أبو لهب وفي إعرابه حينئذ ثلاثة أوجه: أن يكون "مبتدأ" والجملة قبله خبر "أو" يكون "خبر اسم" مبتدأ محذوف "ليس يبدو أبدا" أو مبتدأ خبره محذوف وجوبًا والأول هو الصحيح ومذهب سيبويه. قال ابن الباذش لا يجيز سيبويه أن يكون المختص بالمدح أو الذم إلا مبتدأ، وأجاز الثاني جماعة منهم السيرافي وأبو علي والصيمري. وذكر في شرح التسهيل أن يعلم أن الأقوال أربعة لا ثلاثة. قوله: "إن ما مركبة مع الفعل" أي: كتركيب حب مع ذا على القول به كما سيأتي. قوله: "والمرفوع بعدها هو الفاعل" سكت عن المخصوص فيحتمل أنه محذوف، أو أغنى عنه الفاعل على قياس ما سبق. قوله: "من الثلاثة" أي: أقوال التمييز وقوله من الخمسة أي: أقوال الفاعلية. قوله: "وذهب في التسهيل إلى أنها معرفة تامة وأنها الفاعل" هذا عين الأول من الخمسة، فلو قال إلى أول الخمسة لكان أخصر، وقوله ونقله عن سيبويه والكسائي مكرر مع قوله سابقًا ونقله في التسهيل عن سيبويه والكسائي. قوله: "ويذكر المخصوص" هو المخصوص بالمدح بعد نعم وبالذم بعد بئس وسمي مخصوصًا؛ لأنه ذكر جنسه ثم خص شخصه يس. قوله: "بعد" أي: وجوبًا على ظاهر عبارته هنا وفي الكافية، وغالبًا على ما ذكره في التسهيل وجرى عليه في التوضيح وهو المتجه الذي ينبغي أن تحمل عليه عبارته هنا، وفي الكافية عملا بما قرروه من حمل الظاهر على الصريح. قوله: "حينئذٍ" أي: حين إذ ذكر بعد. قوله: "والجملة قبله خبر" والرابط عموم الفاعل أو إعادة المبتدأ بمعناه كما مر. قوله: "أو خبر اسم إلخ" والتقدير الممدوح زيد. وقوله أو مبتدأ إلخ والتقدير زيد الممدوح. قوله: "والأول هو الصحيح" أي: لسلامته من التقدير. ومما أورد على قول الإبدال وقول البعض لسلامته من مخالفة الأصل يرد عليه أن تقديم الخبر على المبتدأ خلاف الأصل أيضًا. قال الدماميني. ورجح ابن الحاجب في شرح المفصل. الوجه الثاني بأنه ليس فيه مما هو خلاف الأصل إلا حذف المبتدأ وهو كثير شائع. وأما الوجه الأول فإن فيه تقديم الخبر الذي هو جملة على المبتدأ وخلو الخبر المذكور من عائد إلى المبتدأ ووقوع الظاهر موقع المضمر وبأن الإبهام والتفسير على الوجه الثاني تحقيقي وعلى الأول تقديري ا. هـ. قوله: "قال ابن الباذش" هذا تأييد لقوله ومذهب سيبويه فقوله إلا مبتدأ أي: خبره الجملة قبله بقرينة أن الكلام في القول الأول، وأن قول ابن الباذش تأييد لكون القول الأول مذهب سيبويه فقول البعض أو محذوف الخبر وجوبًا غير ملائم للسياق. قوله: "وهو غير
[ ٣ / ٥٢ ]
وإنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرُ بِهِ كَفَى كالعِلم نِعْم المُقْتَنَى والمُقْتَفَى
ــ
سيبويه أجازه وأجاز الثالث قوم منهم ابن عصفور. قال في شرح التسهيل وهو غير صحيح؛ لأن هذا الحذف لازم ولم نجد خبرًا يلزم حذفه إلا ومحله مشغول بشيء يسد مسده. وذهب ابن كيسان إلى أن المخصوص بدل من الفاعل، ورد بأنه لازم وليس البدل بلازم؛ ولأنه لا يصلح لمباشرة نعم "وإن يقدم مشعر به" أي: بالمخصوص "كفى" عن ذكره "كالعلم نعم المقتنى والمقتفى" فالعلم مبتدأ قولًا واحدًا والجملة بعده خبره، ويجوز دخول الناسخ عليه نحو: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ وقوله:
٧٨٤- إنَّ ابْنَ عَبْدِ اللهِ نِعْـ ـمَ أَخُو النَّدَى وابْنُ العَشِيرَه
ــ
صحيح" من هذا يمتنع أن يجعل قوله مبتدأ شاملًا له، لكونه غير صحيح عنده ولذلك زاده الشارح بعد ولم يجعله من مصدوق كلام المصنف. قوله: "بشيء يسد مسدّه" أي: كحال وجواب قسم وغير ذلك مما تقدم في باب المبتدأ. وهنا لم يشتغل المحل بشيء يسد مسد الخبر. قوله: "بدل من الفاعل" قال البعض أي: بدل اشتمال؛ لأنه خاص والرجل عام كما في الهمع ا. هـ. وهو إنما يظهر على جعل أل جنسية لا عهدية وإلا كان بدل كل من كل.
قوله: "وليس البدل بلازم" قال يس: قد يقال لا مانع من كونه لازمًا لكونه مقصودًا، وكونه تابعًا لا يقدح في اللزوم كتابع مجرور رب. قوله: "ولأنه لا يصلح لمباشرة نعم" أي: قد لا يصلح فلا ينافي أنه قد يصلح نحو: نعم الرجل غلام الأمير. قال يس وأقرّه شيخنا والبعض يمكن أن يقال قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع. قال في الارتشاف: قد يجوز في الاسم إذا وقع بدلًا ما لا يجوز فيه إذا ولي العامل فإنهم حملوا إنك أنت قائم على البدل وإن كان لا يجوزان أنت ا. هـ. والتعبير بقد يفيد الجواب. قوله: "وأن يقدم مشعر به" أي: لفظ مشعر بمعنى المخصوص أي: دال عليه سواء صلح لأن يكون المخصوص نفسه لو أخر كما في مثال المتن أولا نحو: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]، هذا هو المناسب لصنيع الشارح وقوله كفى أي: عن ذكر المخصوص ولم يكن مخصوصًا وإن صلح لكونه مخصوصًا لو أخر هذا ظاهر عبارته الذي جاراه الشارح وسيأتي فيها وجه آخر. قوله: "فالعلم مبتدأ قولًا واحدًا" المقصود نفي الخلاف المتقدم الذي في المخصوص المؤخر بعنوان كونه مخصوصًا مؤخرًا، فلا ينافي جواز نصبه على المفعولية لمحذوف أي: الزم العلم ورفعه خبرًا لمحذوف جوازًا أي: الممدوح العلم أو مبتدأ خبره محذوف جوازًا أي: العلم ممدوح ففهم أن ما أسلفناه من كون مثال المصنف من تقديم ما يصلح لأن يكون مخصوصًا لو أخر ليس على جميع الأوجه في العلم. وكلام البعض في هذه القولة والتي قبلها لا يخلو عن شيء كما يعلم من تقريرنا، وكان الأحسن تأخير قوله والجملة بعده خبره
_________________
(١) البيت من مجزوء الكامل، وهو لأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص٩٦؛ والدرر ٥/ ٢١٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ٢٠٩؛ وخزانة الأدب ٩/ ٣٨٨؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٩٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٧.
[ ٣ / ٥٣ ]
واجْعَل كَبِئْسَ سَاء واجْعَل فَعُلا من ذي ثَلاثَة كنِعم مُسْجَلا
ــ
وقوله:
٧٨٥- إذا أَرْسَلُوني عِنْد تَعْذِير حاجَة أُمارِس فيها كُنْت نِعْم المُمارِسُ
تنبيهان: الأول توهم عبارته هنا وفي الكافية أنه لا يجوز تقديم المخصوص وأن المتقدم ليس هو المخصوص بل مشعر به، وهو خلاف ما صرح به في التسهيل. الثاني حق المخصوص أمران: أن يكون مختصا أو أن يصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفًا بالمدح بعد نعم وبالذم بعد بئس، فإن باينه أول نحو: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الجمعة: ٥]، أي: مثل الذين كذبوا ا. هـ. "وَاجْعَل كَبِئس" معنى وحكمًا "ساء" تقول ساء الرجل أبو
ــ
عن قوله قولًا واحدًا ليرجع إليهما.
قوله: "عند تعذير حاجة" بعين مهملة فذال معجمة كما بخط الشارح أي: تعذرها أمارس فيها أي: أتحيل في قضائها. قوله: "توهم عبارته" أي: حيث قال ويذكر المخصوص بعد، ثم قال وأن يقدم مشعر به كفى، ثم مثل بمثال يصلح المقدم فيه لأن يكون مخصوصًا إذا أخر، وإنما قال: توهم لاحتمال أن المراد بقوله ويذكر المخصوص بعد أي: غالبًا وبقوله وأن يقدم مشعر به كفى وأن يقدم لفظ مشعر بمعنى المخصوص كفى عن ذكر المخصوص مؤخرًا مع كون المقدم مخصوصًا إن صلح لأن يكون مخصوصًا إذا أخر، وغير مخصوص إن لم يصلح وقد جرى على هذا التفصيل صاحب التوضيح وظاهر عبارته هنا وفي الكافية أن المقدم مشعر بالمخصوص لا نفسه مطلقًا كما مر وظاهر التسهيل أن المتقدم نفس المخصوص مطلقًا قاله شيخنا. قوله: "هو خلاف ما صرح به في التسهيل" أي: من أن المخصوص قد يذكر قبل نعم وبئس. قوله: "أن يكون مختصا" أي: بأن يقع معرفة أو نكرة موصوفة أو مضافة؛ لأن شرطه أن يكون أخص من الفاعل كما مر مع ما فيه فتنبه. قوله: "للإخبار به عن الفاعل" ومفسر الفاعل كالفاعل فيتناول ما ذكر من الضابط نحو: نعم رجلًا زيد وبئس رجلًا عمرو سم.
قوله: "موصوفًا" حال من قوله الفاعل وذلك كقولك في نعم الرجل زيد الرجل الممدوح زيد وفي بئس الولد العاق أباه الولد المذموم العاق أباه وقول البعض حال من فاعل يصلح سهو كما يدل عليه بقية كلامه. واعلم أنه إذا كان المخصوص مؤنثًا جاز تذكير الفعل وتأنيثه وإن كان الفاعل مذكرًا تقول نعم الثواب الجنة ونعمت والتذكير أجود كذا في التسهيل وشرحه للدماميني. قوله: "فإن باينه" أي: في المعنى أوّل أي: بتقدير مضاف في الثاني كما يؤخذ من الشرح. قوله: "معنى وحكمًا" أي: في أصل المعنى وهو الذم فلا يرد أنها تفيد مع ذلك معنى التعجب، وفي الأحكام الثابتة لبئس قيل المناسب حذف المعنى؛ لأن مماثلتها لها في المعنى لا تحتاج إلى الجعل. وردّ بأن المراد بالمعنى إنشاء الذم العام وهو بالجعل لا معناها الأصلي قبل
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو ليزيد بن الطثرية في ديوانه ص٨٤؛ والدرر ٥/ ٢١٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٩/ ٣٨٨؛ والأشباه والنظائر ٨/ ٢٠٩؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٧٩.
[ ٣ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) جهل، وساء حطب النار أبو لهب، وفي التنزيل: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وساء ما يحكمون "واجعل فَعُلا" بضم العين "من ذي ثلاثة كنعم" وبئس "مُسْجَلا" أي: مطلقًا. يقال أسجلت الشيء إذا أمكنت من الانتفاع به، مطلقًا أي: يكون له ما لهما من عدم التصرف وإفادة المدح أو الذم واقتضاء فاعل كفاعلهما فيكون ظاهرًا مصاحبًا لأل، أو مضافًا إلى مصاحبها أو ضميرًا مفسرًا بتمييز، وسواء في ذلك ما هو على فعل أصالة نحو: ظرف الرجل زيد وخبث غلام القوم عمرو، وما حول إليه نحو: ضرب رجلًا زيد وفهم رجلًا خالد. تنبيهات: الأول من هذا النوع ساء فإن أصله سوأ بالفتح فحول إلى فعل بالضم فصار قاصرًا، ثم ضمن معنى بئس فصار جامدًا قاصرًا محكومًا له بما ذكرنا، وإنما أفرده الجعل. قوله: "وساءت مرتفقًا" أي: مكانًا أي: نار مرتفق ليوجد شرط التمييز من كونه عين المميز. قوله: "واجعل فعلًا" يدخل فيه كما قاله سم حب مع غير ذا فيثبت له جميع ما ثبت لنعم من الأحكام ومنه الجمع بين الظاهر والتمييز على القول بجوازه وهو الصحيح والإسناد إلى الضمير وغيره. قوله: "من ذي ثلاثة" أي: حالة كون فعل كائنًا من فعل ذي ثلاثة أحرف وليس المراد محوّلًا من ذي ثلاثة حتى يرد اعتراض ابن هشام بأن عبارة المصنف ظاهرة في المحوّل عن فعل بالفتح أو الكسر. قوله: "كنعم" أي: كباب نعم فيدخل بئس فهو من حذف المضاف أو من باب الاكتفاء سم. قوله: "مسجلًا" أما صفة مفعول مطلق لا جعل أي: جعلا مطلقًا أي: في جميع الأحكام وعلى هذا حل الشارح وهو أقرب وإما حال من فعل أي: حالة كونه مطلقًا عن التقييد بضم العين أصالة. وما في كلام البعض مما يخالف ذلك غير ظاهر. قوله: "من عدم التصرف إلخ" ومن إجراء الخلاف في الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر وأن ما في نحو: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] و[النحل: ٥٩] و[العنكبوت: ٤] و[الجاثية: ٢١]، مميز أو فاعل، وجواز كون المخصوص مبتدأ أو خبرًا وأنه يكفي عن ذكره تقدم ما يشعر به زكريا. قوله: "وإفادة المدح أو الذم" أي: إفادة إنشائهما كما مر وما يفيده فعل غير وساء من مدح أو ذم ليس عاما كما ستعرفه فقول البعض وإفادة المدح أو الذم أي: العام فاسد وقد صرح بعد ذلك بما قلناه فتنبه. وقوله واقتضاه فاعل أي: ومخصوص. قوله: "أو مضافًا إلى مصاحبها" أي: ولو بواسطة فدخل المضاف إلى المضاف إلى مصاحبها. قوله: "ما هو على فعل أصالة" قد يقال إن التحويل جار فيما ذكر تقديرًا كما قالوه في نحو: فلك وهجان فتكون حركاته غير حركاته الأصلية ا. هـ. دنوشري. وقد يدفع بأن الأصل عدم التقدير. قوله: "وما حول إليه" ثم إن كان معتل العين بقي قلبها ألفًا نحو: قال الرجل زيد وباع الرجل زيد أو اللام ظهرت الواو وقلبت الياء واوًا نحو: عزو ورمو وقيل يقر على حاله فيقال غزا ورمى همع. قوله: "ثم ضمن" أي: بعد تحويله وصيرورته قاصرًا معنى بئس أي: إنشاء الذم العام فكان الأولى أن يقول فصار جامدًا ويحذف قوله
[ ٣ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالذكر لخفاء التحويل فيه. الثاني إنما يصاغ فعل من الثلاثي لقصد المدح أو الذم بشرط أن يكون صالحًا للتعجب منه مضمنًا معناه نص على ذلك ابن عصفور وحكاه عن الأخفش. الثالث يجوز في فاعل فعل المذكور الجر بالباء والاستغناء عن أل وإضماره على وفق ما قبله نحو:
٧٨٦- حَبَّ بالزَّورِ الذِي لا يُرَى مِنه إلا صَفْحَة أو لِمامُ
وفهم زيد، والزيدون كرموا رجالًا نظرًا لما فيه من معنى التعجب. الرابع مثل في شرح الكافية وشرح التسهيل وتبعه ولده في شرحه بعلم الرجل. وذكر ابن عصفور أن
ــ
قاصرًا فرارًا من التكرار، ودفعه بأن إعادة قاصر الدفع توهم تعديه بعد التضمين، ردّ بأن هذا لا يتوهم مع التحويل إلى فعل بالضم؛ لأنها لازمة للزوم. قوله: "بما ذكرنا" أي: من كونه كبئس في أحكامه. قوله: "لخفاء التحويل فيه" أي: بسبب الإعلال، وأورد عليه أنه يقتضي ذكر نحو: زان وشان لوجود العلة المذكورة فالأولى أن يقال إنما أفرده؛ لأنه للذم العام فهو أشبه ببئس بخلاف نحو: جهل فإن الذم فيه خاص ولكثرة استعماله بخلاف غيره قاله الدماميني. قوله: "صالحًا للتعجب" بأن يستوفي شروطه المارة.
قوله: "يجوز في فاعل فعل إلخ" يؤخذ من هذا أن قوله سابقًا واقتضاء فاعل كفاعلهما إلخ ليس على سبيل الوجوب بل الأولوية. ثم رأيت شيخنا السيد كتب على قوله واقتضاء فاعل كفاعلهما ما نصه: هذا لا ينافي ما بعد؛ لأن ما بعد على الصحيح، وهذا على غيره مجاراة لظاهر النظم ا. هـ. ويؤخذ أيضًا كما قاله سم من تعبيره بالجواز كغيره جواز إضمار فاعل فعل المذكور مفردًا مذكرًا دائمًا كفاعل نعم نحو: كرم رجلًا زيد أو رجلين الزيدان أو رجالًا الزيدون، وكلامه في غير ساء وإن كانت على وزن فعل؛ لأنها ملازمة لأحكام بئس لا تفارقها، كما استظهره الدماميني قال: وهذا إن تحقق كان وجهًا آخر لإفراد ساء بالذكر. قوله: "حب بالزور إلخ" أصل حب حبب نقلت حركة الباء إلى الحاء بعد سلب حركتها وأدغم. والزور بالفتح الزائر يستوي فيه المفرد وغيره. وصفحة كل شيء جانبه. واللمام بكسر اللام جمع لمة بكسرها أيضًا الشعر المجاوز شحمة الأذن فإذا بلغ المنكب سمي جمة بضم الجيم وإذا لم يبلغ شحمة الأذن سمي وفرة. قوله: "نظرًا لما فيه من معنى التعجب" راجع لكل من الثلاثة قبله فجاز الجر بالباء حملًا على أحسن بزيد، وجاز الاستغناء عن أل حملًا على ما أحسن زيدًا، وجاز إضماره على وفق ما قبله حملًا على قولك: الزيدان ما أكرمهما والزيدون ما أكرمهم.
قوله: "وذكر ابن عصفور إلخ" في كلام السيوطي أن الذي شذ في هذه الثلاثة بعض العرب لا جميعهم وأن منهم من يحوّلها، وحينئذٍ يكون التمثيل بعلم الرجل صحيحًا فاعرفه. قوله:
_________________
(١) البيت من المديد، وهو للطرماح بن حكيم في الدرر ٥/ ٢٣٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٥؛ وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٦٨٧؛ ولسان العرب ٤/ ٣٣٥ "زور"؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٩.
[ ٣ / ٥٦ ]
ومِثْلُ نِعْم حبَّذَا الفاعِل ذا وأَنْ تُرِدْ ذَمًّا فقُل لا حَبَّذا
_________________
(١) العرب شذت في ثلاثة ألفاظ فلم تحولها إلى فعل، بل استعملتها استعمال نعم وبئس من غير تحويل، وهي: علم وجهل وسمع ا. هـ. "ومثل نعم" في المعنى حب من "حبذا" وتزيد عليها بأنها تشعر بأن الممدوح محبوب وقريب من النفس. قال في شرح التسهيل. والصحيح أن حب فعل يقصد به المحبة والمدح، وجعل فاعله ذا ليدل على الحضور في القلب، وقد أشار إلى ذلك بقوله "الفاعل ذا" أي: فاعل حب هو لفظ ذا على المختار. وظاهر مذهب سيبويه، قال ابن خروف: بعد أن مثل بحبذا زيد حب فعل وذا فاعلها وزيد مبتدأ وخبره حبذا هذا قول سيبويه، وأخطأ عليه من زعم غير ذلك. تنبيه: في قوله الفاعل ذا تعريض بالرد على القائلين بتركيب حب مع ذا، ولهم فيه مذهبان: قيل غلبت الفعلية لتقدم الفعل فصار الجميع فعلًا وما بعده فاعل، وقيل غلبت الاسمية لشرف الاسم فصار الجميع اسمًا مبتدأ وما بعده خبر وهو مذهب المبرد وابن السراج ووافقهما ابن عصفور، ونسبه إلى سيبويه. وأجاز بعضهم كون حبذا خبرًا مقدمًا "وإنْ "في المعنى" أي: إنشاء المدح العام أي: وفي الفعلية على الأصح والمضي والنقل إلى الإنشاء والجمود وتفارقها في أنها لا يجوز في لفظها إلا هيئة واحدة، وفي جواز دخول لا عليها ودخول يا عليها من غير شذوذ بخلاف نعم وإن احتيج إلى التأويل في المحلين ا. هـ. يس. قوله: "حب من حبذا" أشار به إلى أن في عبارة المصنف مسامحة؛ لأن المماثل لنعم حب فقط لا حبذا وإنما ارتكبها اتكالًا على وضوح الحال بقوله الفاعل ذا، وأما قول البعض تبعًا لشيخنا إنما ارتكبها إشارة إلى أن مماثلتها نعم إذا اتصلت بذا فيرده أنها تماثل نعم في نحو: حب رجلًا زيد مما قصد به إنشاء المدح والتعجب، وإن لم تتصل ذا بحب كما مر فتدبر. قوله: "وقريب من النفس" مفاده استفادة القرب من حب لاستلزام الحب له، وهذا لا ينافي استفادته من ذا أيضًا حتى يعارض ما سينقله عن شرح التسهيل. قوله: "على الحضور" أي: حضور معناه لكونه محبوبًا. قوله: "الفاعل ذا" هو كفاعل نعم لا يجوز اتباعه فإذا وقع بعده اسم فهو مخصوص لا تابع لاسم الإشارة سم. قوله: "وزيد مبتدأ" أي: لأنه المخصوص كما علمت والرابط ذا أو العموم إن أريد به الجنس سم. قوله: "هذا" أي: ما ذكر من أن حب فعل وذا فاعلها وزيد مبتدأ خبره حبذا. قوله: "وأخطأ عليه" عداه بعلى لتضمينه معنى كذب، هكذا قال البعض وفيه من إساءة الأدب مع ابن عصفور ما لا يخفى، فالذي ينبغي أنه ضمنه معنى جار مثلًا، وقوله من زعم هو ابن عصفور كما سيأتي في الشرح. قوله: "فصار الجميع فعلًا" ضعف بأنه يلزم عليه تغليب أضعف الجزأين، وبأن تركيب فعل من فعل واسم لا نظير له. قوله: "فصار الجميع اسمًا" أي: بمنزلة قولك المحبوب ا. هـ. دماميني. وضعف بأن حبذا لو كان اسمًا لوجب تكرار لا إن أهملت لا نحو: لا حبذا زيد ولا عمرو وعمل لا في معرفة إن أعملت عمل إن أو ليس وبقي وجه آخر وهو كون حب فعلًا والاسم الظاهر فاعله وذا ملغاة. قوله: "وأجاز بعضهم" أي: بعض القائلين بأن حبذا اسم.
[ ٣ / ٥٧ ]
وَأَول ذا المَخْصُوصَ أيًّا كان لا تَعْدِل بِذَا فَهوَ يضاهي المَثَلا
ــ
ترد ذما فقل لا حبذا" زيد فهي بمعنى بئس. ومنه قوله:
٧٨٧- ألا حَبَّذا أَهْلُ المَلَا غَيْرَ أَنَّه إذا ذُكِرَتْ مَيُّ فلا حَبَّذَا هِيَا
"وأول ذا المخصوص" أي: اجعل المخصوص بالمدح أو الذم تابعًا لذا لا يتقدم بحال. قال في شرح التسهيل: أغفل كثير من النحويين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب. قال ابن بابشاذ: وسبب ذلك توهم كون المراد من زيد في حبذا زيد حب هذا، قال في شرح التسهيل: وتوهم هذا بعيد فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله، بل المنع من إجراء حبذا مجرى المثل، ويجب في ذا أن يكون بلفظ الإفراد والتذكير "أيا كان" المخصوص أي: أي شيء كان مذكرًا أو مؤنثًا مفردًا أو مثنى أو مجموعًا "لا تعدل بذا" عن الإفراد والتذكير "فهو يضاهي المثلا" والأمثال لا تغير، فتقول حبذا زيد
ــ
قوله: "فقل لا حبذا" أورد عليه أن حبذا على الصحيح فعل جامد، ولا إنما تدخل على فعل متصرف، وأجيب بأن الجمود نشأ بعد دخول لا فهي لم تدخل إلا على فعل متصرف، وبأن النفي صار غير مقصود بل المقصود بلا حبذا إثبات الذم، وبالثاني يجاب عن الاعتراض على الأول بأن لا إذا دخلت على فعل متصرف غير دعائي وجب تكرارها. ويجاب أيضًا عنه بأنه لما نقل
إلى الإنشاء أشبه الفعل الدعائي.
قوله: "وأول ذا المخصوص" ذا مفعول ثان مقدم والمخصوص مفعول أول مؤخر أي: اجعل المخصوص واليا ذا وما في إعراب الشيخ خالد من عكس ذلك غير ظاهر. قوله: "لا يتقدم بحال" أي: لا على ذا ولا على حب. قوله: "وسبب ذلك" أي: امتناع التقديم. قوله: "توهم كون المراد إلخ" أي: فيكون في حب ضمير هو الفاعل عائد على زيد وذا مفعول فيكون مدلول اسم الإشارة غير زيد مع أنه ليس بمراد. قوله: "وتوهم هذا بعيد" وأيضًا هو موجود مع التأخير أيضًا، وإن كان أقوى مع التقديم، قيل وإنما كان هذا التوهم بعيدًا لاشتهار التركيب في غير هذا المعنى، وفيه أن التركيب المشتهر حبذا زيد لا زيد حبذا. قوله: "أيا كان" أيا اسم شرط نصب بشرطه وهو كان على حد، ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠]، وجملة لا تعدل بذا جواب الشرط على حذف فاء الجزاء، وقوله فهو إلخ تعليل للنهي عن العدول، وعلل مع أن التعليل ليس من وظائف المتون إشارة إلى رد توجيه ابن كيسان الآتي في الشرح أو هو جواب الشرط، وجملة لا تعدل بذا معترضة والباء في بذا إما على بابها وعليه جرى الشارح حيث قال عن الإفراد والتذكير أو بمعنى عن، أي: لا تعدل عن لفظ ذا إلى غيره وضمير فهو يرجع إلى ذا بتقدير مضاف، أي: تركيبه أي: التركيب المشتمل عليه. قوله: "يضاهي المثلا" أي: في كثرة الاستعمال. وقوله والأمثال لا تغير
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ملحق ديوانه ص١٩٢٠ والدرر ٥/ ٢٢٨؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٥٤٢؛ وله أو لكنزة أم شملة في المقاصد النحوية ٤/ ١٢؛ وبلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ٩٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ٦٩.
[ ٣ / ٥٨ ]
وما سِوَى ذا ارْفَعْ بِحَبَّ أو فَجُرّ بالبَا ودُونَ ذا انْضِمامُ الحا كَثُرْ
ــ
وحبذا الزيدان وحبذا الزيدون وحبذا هند وحبذا الهندان وحبذا الهندات، ولا يجوز حب ذان الزيدان ولا حب هؤلاء الزيدون ولا حب ذي هند ولا حب تان الهندان ولا حب أولاء الهندات. قال ابن كيسان: إنما لم يختلف ذا؛ لأنه إشارة أبدا إلى مذكر محذوف والتقدير في حبذا هند حبذا حسن هند وكذا باقي الأمثلة. ورد بأنه دعوى بلا بينة.
تنبيهات: الأول إنما يحتاج إلى الاعتذار عن عدم المطابقة على قول من جعل ذا فاعلًا، وأما على القول بالتركيب فلا. الثاني لم يذكر هنا إعراب المخصوص بعد حبذا، وأجاز في التسهيل أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره، وأن يكون خبر مبتدأ واجب الحذف، وإنما لم يذكر ذلك هنا اكتفاء بتقديم الوجهين في مخصوص نعم هذا على القول بأن ذا فاعل، وأما على القول بالتركيب فقد تقدم إعرابه. الثالث يحذف المخصوص في هذا الباب للعلم به كما في باب نعم كقوله:
٧٨٨- أَلا حَبَّذَا لَولا الحَياءُ ورُبَّما مَنَحْتُ الهَوَى مَا لَيْس بالمُتَقَارِبِ
أي: ألا حبذا ذكر هذه النساء لولا الحياء، وسأذكر ما يفارق فيه مخصوص حبذا مخصوص نعم آخرًا ا. هـ. "وما سوى ذا ارفع بحب أو فجر بالبا" نحو: حب زيد رجلًا
ــ
أي: فكذا ما شابهها. قوله: "لأنه إشارة إلخ" وقال الفارسي: لأن المراد منه الجنس همع.
قوله: "إلى مذكر محذوف" أي: مضاف إلى المخصوص. قوله: "ورد" أي: هذا التوجيه بأنه دعوى بلا بينة أي: دليل لعدم ظهور هذا المقدر في شيء من كلام العرب. فالصحيح ما مر من أنه إنما لم يختلف لشبهه بالأمثال. قوله: "وأما على القول بالتركيب فلا" أي: لأن المجموع فعل أو اسم مبتدأ وذا ليس إشارة إلى شيء حتى يعتبر فيه المطابقة. نعم يرد أن المطابقة واجبة بين المبتدأ والخبر وهما حبذا والزيدان مثلًا، ولم توجد فيحتاج إلى الاعتذار عن عدم المطابقة بينهما على القول بتركيب حبذا، وجعل المجموع اسمًا بأنه مراعاة لمعنى كل من الزيدين مثلًا فتأمل. قوله: "خبر مبتدأ واجب الحذف" أي: أو مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا على قياس ما تقدم. وذهب بعض إلى أنه بدل وبعض آخر إلى أنه عطف بيان، ويردهما أنه يلزم عليهما وجوب ذكر التابع، ويرد البدل أنه لا يحل محل الأول، ويرد البيان وروده نكرة ا. هـ. دماميني. وفي رد البدل ما تقدم. قوله: "لولا الحياء" جواب لولا محذوف أي: لولا الحياء يمنعني لذكرتهنّ. وقوله منحت أي: أعطيت الهوى أي: هواي ما ليس بالمتقارب أي: القريب أي: ما لا طمع فيه.
قوله: "أو فجر بالباء" أي: على قلة بخلاف فاعل نعم فإن جره بالباء ممتنع وفاعل فعل فإن جره بالباء كثير، والفاء زائدة لا عاطفة حتى يستشكل بدخول عاطف على عاطف. قوله: "نحو
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لمرار "أو لمرداس" بن هماس في الدرر ٥/ ٢٢٣؛ وشرح شواهد المغني ص٧٩٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ص٥٥٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٩.
[ ٣ / ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحب به رجلًا "ودون ذا انضمام الحا" من حب بالنقل من حركة العين "كثر" وينشد بالوجهين قوله:
٧٨٩- وَحُبَّ بِها مَقْتولَة حِين تُقْتَلُ أما مع ذا فيجب فتح الحاء
تنبيهان: الأول قال في شرح الكافية: وهذا التحويل مطرد في كل فعل مقصود به المدح، وقال في التسهيل: وكذا في كل فعل حلقي الفاء مرادًا به مدح أو تعجب، الثاني
ــ
حب زيد رجلًا" قال البعض: تبعًا اسم هذا صريح في أن فاعل حب يكون علمًا وليس كذلك بل يجب أن يكون اسم جنس محلى بأل أو مضافًا إلى المحلى بها أو ضميرًا مفسرًا بتمييز أو لفظ ما أو من، كما صرح به الشاطبي كفاعل نعم ا. هـ. وما نقله عن تصريح الشاطبي وإن تبادر من عموم قول المصنف: واجعل فعلًا:
من ذي ثلاثة كنعم مسجلا
مخالف لقول الشارح سابقًا يجوز في فاعل فعل المذكور الجر بالباء والاستغناء عن أل وإضماره، على وفق ما قبله ثم مثل للاستغناء عن أل بنحو: فهم زيد ثم قال: نظرًا لما فيه من معنى التعجب ا. هـ. فتمثيل الشارح بنحو: حب زيد رجلًا موافق لما أسلفه سابقًا. قوله: "ودون ذا" حال من محذوف للعلم به أي: انضمام الحاء من حب حالة كونها دون ذا كثر. وقوله بالنقل أي: بسببه متعلق بانضمام. وقوله من حركة العين المناسب حذف حركة وهذا صريح في أن أصل حب حبب بضم العين أي: صار حبيبًا وبه صرح غيره أيضًا. قوله: "وحب بها إلخ" صدره:
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها
الضمير للخمر ومزاجها الماء وقتلها به أضعاف حدتها؛ ولهذا عداه بعن. ومقتولة أي: ممزوجة منصوب على الحال أو التمييز. قوله: "فيجب فتح الحاء" أي: إن جعلتا كالكلمة الواحدة كما في التوضيح. قال المصرح: فإن جعلتا باقيتين على أصلهما جاز الوجهان. قوله: "وهذا التحويل" أي: نقل حركة العين إلى الفاء. قوله: "في كل فعل مقصود به المدح" ظاهره سواء كان حلقي الفاء كحسن أولا كضرب وبه صرح في الارتشاف وإن نظر إلى كلامه في التسهيل قيد بحلقي الفاء.
_________________
(١) صدره: فقُلتُ اقتلوها عَنْكُم بمزاجِها والبيت من الطويل، وهو للأخطل في ديوانه ص٢٦٣؛ وإصلاح المنطق ص٣٥؛ وخزانة الأدب ٩/ ٤٢٧، ٤٣٠، ٤٣١؛ والدرر ٥/ ٢٢٩؛ وشرح شواهد الشافية ص١٤؛ ولسان العرب ١١/ ٥٥١ "قتل" ١٥/ ٢٢٧ "كفى"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٦؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٠٨؛ وسر صناعة الإعراب ص١٤٣؛ وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٢؛ وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ٤٣، ٧٧؛ وشرح ابن عقيل ص٤٦١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٨٠٦؛ وشرح المفصل ٧/ ١٢٩، ١٤١؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٩.
[ ٣ / ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله كثر لا يدل على أنه أكثر من الفتح. قال الشارح: وأكثر ما تجيء حب مع غير ذا مضمومة الحاء، وقد لا تضم حاؤها كقوله:
٧٩٠- فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَبَّ دِينًا
ا. هـ.
خاتمة: يفارق مخصوص حبذا مخصوص نعم من أوجه: الأول أن مخصوص حبذا لا يتقدم بخلاف مخصوص نعم وقد سبق بيانه. الثاني أنه لا تعمل فيه النواسخ بخلاف مخصوص نعم. الثالث أن إعرابه خبر مبتدأ محذوف أسهل منه في باب نعم؛ لأن ضعفه هناك نشأ من دخول نواسخ الابتداء عليه، وهي لا تدخل عليه هنا قاله في شرح التسهيل. الرابع أنه يجوز ذكر التمييز قبله وبعده نحو: حبذا رجلًا زيد، وحبذا زيد رجلًا. قال في شرح التسهيل: وكلاهما سهل يسير واستعماله كثير، إلا أن تقديم التمييز أولى وأكثر وذلك بخلاف المخصوص بنعم فإن تأخير التمييز عنه نادر كما سبق. والله أعلم.
ــ
قوله: "مدح أو تعجب" لا معنى لتخصيص المصنف المدح بالذكر لمساواة الذم له في الحكم. ثم الصواب أن لو اكتفى بقوله تعجب عن ذكر المدح والذم؛ لأنه نص فيما مضى على أن فعل الجاري مجرى نعم وبئس مضمن معنى التعجب، وإنما ترك المصنف النص على جواز التسكين من غير نقل؛ لأن
هذا الحكم ثابت لفعل بضم العين مطلقًا تضمن تعجبًا أو لم يتضمنه بل فعلًا كان أو اسمًا. دماميني. قوله: "لا يدل على أنه أكثر من الفتح" قال سم: قد يقال بل يدل؛ لأن المراد أكثر بالنسبة إلى الفتح فيفيد أنه أكثر منه. قوله:
"فحبذا ربا وحب دينًا" من كلامه -ﷺ- حين نزل في الخندق. والشاهد في حب دينا. قوله: "وقد سبق بيانه" أي: بكون المصنف
صرّح بتقديمه في التسهيل، وإن كانت عبارته هنا، وفي الكافية توهم منع تقديم مخصوص نعم. قوله: "أنه لا تعمل فيه النواسخ بخلاف مخصوص نعم" فإنها
تعمل فيه نحو: نعم رجلًا كان زيد. قوله: "نشأ من دخول نواسخ الابتداء"
أي: لأنها لا تدخل إلا على المبتدأ. قوله: "يجوز ذكر التمييز إلخ" مثل التمييز
الحال كما في التسهيل نحو: حبذا مبذولًا المال وحبذا المال مبذولًا إذا قصد الحال دون التمييز. قوله: "إلا أن تقديم التمييز أولى" أي: لأكثريته فقوله وأكثر عطف علة على معلوم ولعدم الفصل بين التمييز ومميزه، ومن هنا يعلم أن المراد بإيلاء المخصوص لذا إيقاعه بعده وإن لم يتصل به، فالمقصود نفي مقدمه على حبذا لا نفي الفصل بينه وبين ذا. والفرق بين هذا وباب نعم أن الضمير أحوج للتمييز من الإشارة فجعل تاليًا للضمير ذكره سم. وقوله نادر أي: شاذ.
_________________
(١) قبله: باسم الإله وباسمه بَدَيْنا لو عَبَدْنَا غيره شَقِينا والرجز لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص١٠٧؛ والدرر ٥/ ٢٢١؛ ولسان العرب ١٤/ ٦٧ "بدا"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨؛ ولبعض الأنصار في شرح عمدة الحافظ ص٨٠٢؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ٢/ ٨٨، ٨٩.
[ ٣ / ٦١ ]
أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ:
صُغْ مِنْ مَصُوغ مِنْهُ للتَّعَجُّبِ أَفْعَلَ للتَّفْضِيلِ وَأْبَ اللَّذْ أبِي
ــ
أَفْعَلُ التَّفْضِيل:
هو اسم لدخول علامات الأسماء عليه. وهو ممتنع من الصرف للزوم الوصفية ووزن الفعل، ولا ينصرف عن صيغة أفعل إلا أن الهمزة حذفت في الأكثر من خير وشر لكثرة الاستعمال. وقد يعامل معاملتهما في ذلك أحب كقوله:
٧٩١- وَحَبُّ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ ما مُنِعَا
وقد يستعمل خير وشر على الأصل كقراءة بعضهم: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦]، ونحو:
ــ
أفعل التفضيل:
قيل أولى منه التعبير باسم التفضيل ليشمل خيرًا وشرا؛ لأنهما ليسا على زنة أفعل وأولى منهما التعبير باسم الزيادة ليشمل نحو: أجهل وأبخل مما يدل على زيادة النقص لا على الفضل. ويدفع الأول بأن قوله أفعل أي: لفظًا أو تقديرًا وخير وشر من الثاني ويدفع الثاني بأن المراد بالفضل الزيادة مطلقًا في كمال أو نقص. قوله: "للزوم الوصفية ووزن الفعل" اعترضه البعض بأنه كان أولى حذف لزوم؛ لأن المقتضي لمنع الصرف الوصفية ووزن الفعل ولا دخل للزوم في اقتضاء منع الصرف، ولك دفعه بأن إضافة لزوم إلى الوصفية من إضافة الصفة إلى الموصوف أي: للوصفية اللازمة أي: الأصلية؛ لأن الوصفية العارضة لا تمنع الصرف كما يأتي في قول المصنف:
وألغين عارض الوصفيه
إلخ فاعرفه. قوله: "ولا ينصرف" أي: لفظًا وتقديرًا وقوله: إلا أن الهمزة إلخ أي: فخير وشر انصرفا عن صيغة أفعل لفظًا لا تقديرًا. فقول البعض أي: لفظًا أو تقديرًا فيه ما فيه.
قوله: "حذفت في الأكثر من خير وشر" أي: في التفضيل، أما في التعجب فالغالب ما أخيره وما أشره وندر ما خيره وما شره. دماميني. قوله: "لكثرة الاستعمال" أي: فهما شاذان قياسًا لا استعمالًا وفيهما شذوذ من جهة أخرى وهي كونهما لا فعل لهما. قوله: "في ذلك" أي: في حذف الهمزة لا في كثرة الاستعمال كما يؤخذ من تعبيره بقد. قوله: "من الكذاب الأشرّ" بفتح
_________________
(١) صدره: وزادني كَلَفًا بالحُبِّ ما مَنَعَت والبيت من البسيط، وهو للأحوص في ديوانه ص١٥٣؛ والأغاني ٤/ ٣٠١؛ وتذكرة النحاة ص٤٨، ٦٠٤؛ والحماسة الشجرية ١/ ٥٢١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٧٠؛ والعقد الفريد ٣/ ٣٠٦؛ وهو لمجنون ليلى في ديوانه ص١٥٨؛ وبلا نسبة في الدرر ٦/ ٢٦٦؛ وعيون الأخبار ٢/ ٥؛ ولسان العرب ١/ ٢٩٢ "حبب"؛ ونوادر أبي زيد ص٢٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٦٦.
[ ٣ / ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٧٩٢- بِلالُ خَيْر النَّاسِ وابْنُ الأَخْيَرِ
"صغ من" كل "مصوغ منه للتعجب" اسمًا موازنًا "أفعل للتفضيل" قياسًا مطردًا نحو: هو أضرب وأعلم وأفضل كما يقال ما أضربه وأعلمه وأفضله "وأب" هنا "اللذ أبي" هنا لكونه لم يستكمل الشروط المذكورة ثمة، وشذ بناؤه من وصف لا فعل له كهو أقمن به أي: أحق، وألص من شِظاظ. هكذا قال الناظم وابن السراج. لكن حكى ابن القطاع لصص بالفتح إذا استتر. ومنه اللص بتثليث اللام. وحكى غيره لصصه إذا أخذه بخفية. ومما زاد على ثلاثة كهذا الكلام أخصر من غيره، وفي أفعل المذاهب الثلاثة. وسمع هو أعطاهم للدراهم وأولاهم للمعروف وهذا المكان أقفر من غيره ومن فعل المفعول كهو أزهى من
ــ
الشين وتشديد الراء. قوله: "ونحو: بلال خير الناس وابن الأخير" شطر بيت من الرجز بدليل قول الفارضي نحو: قول الشاعر بلال إلخ وبلال بمنع الصرف للضرورة. قوله: "من كل مصوغ منه" أخذ الكلية من مقام البيان لا من النكرة؛ لأنها في سياق الإثبات لا تدل على العموم، ومنه نائب فاعل مصوغ. قوله: "نحو: هو أضرب" عدد الأمثلة إشارة إلى أنه لا فرق في المصوغ منه بين مفتوح العين ومكسورها ومضمومها. قوله: "لكونه إلخ" علة لأب أو أبي، وقوله ثمة أنسب بالثاني خلافًا للبعض.
قوله: "وألص من شظاظ" بكسر الشين المعجمة وظاءين معجمتين اسم رجل من ضبة كان لصا. زكريا. قوله: "ومما زاد" أي: وشذ بناؤه مما زاد. قوله: "كهذا الكلام أخصر من غيره" أي: لصوغه من اختصر. وفيه شذوذ من جهة أخرى، وهي صوغه من المبني للمجهول. قوله: "وفي أفعل" أي: وفي بناء أفعل التفضيل من أفعل المذاهب الثلاثة المتقدمة في التعجب: الجواز مطلقًا والمنع مطلقًا، والجواز إن كانت الهمزة لغير النقل والمنع إن كانت للنقل. قوله: "وسمع إلخ" المثالان الأولان شاذان على القول بالمنع مطلقًا، وعلى القول بالتفصيل قياسيان على القول بالجواز مطلقًا، والمثال الثالث شاذ على القول بالمنع مطلقًا قياسي على غيره، والقفر مكان لا نبات فيه ولا ماء.
قوله: "كهو أزهى من ديك" حكى ابن دريد بناء فعله للفاعل ولا شذوذ عليه ا. هـ. تصريح إلا أن يقال المتبادر صوغ أزهى من المبني للمفعول لكثرته وندور المبني للفاعل كما تقدم نظير ذلك في التعجب عن التصريح. قال زكريا: وخص الديك بالذكر؛ لأنه ينظر إلى حسن ألوانه ويعجب بنفسه. قوله: "وأشغل من ذات النحيين" إنما كان مصوغًا من المبني للمفعول؛ لأن المراد أنها أكثر مشغولية؛ لأنها أكثر شغلًا لغيرها، وإن كان يصاغ من المبني للفاعل إذا ناسب المقام ومن مجيء فعله مبنيا للفاعل، ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١]، فما ذكره ابن الناظم
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الدرر ٦/ ٢٦٥؛ وشرح التصريح ٢/ ١٠١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٧٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٦٦.
[ ٣ / ٦٣ ]
ومَا بِهِ إلى تَعَجُّبٍ وُصِل لِمَانِع بِهِ إلى التَّفْضِيلِ صِل
_________________
(١) ديك، وأشغل من ذات النحيين، وأعني بحاجتك. وفيه ما تقدم عن التسهيل في فعلي التعجب "وما به إلى تعجب وصل لمانع" من أشد وما جرى مجراه "به إلى التفضيل صل" عند مانع صوغه من الفعل، لكن أشد ونحوه في التعجب فعل وهنا اسم وينصب هنا من أن شغل مما لزم البناء للمفعول غير مسلم. والنحيين تثنية نحى بكسر النون وسكون الحاء المهملة زق السمن. وذات النحيين امرأة من تيم الله بن ثعلبة كانت تبيع السمن في الجاهلية، فأتى خوات بن جبير الأنصاري قبل إسلامه فساومها فحلت نحيًا، فقال لها: أمسكيه حتى أنظر إلى غيره، ثم حل الآخر، وقال لها: أمسكيه فلما شغل يديها حاورها حتى قضى منها ما أراد وهرب ثم أسلم وشهد بدرًا رضي الله تعالى عنه. قوله: "وأعني بحاجتك" سمع فيه عني كرضي بالبناء للفاعل ولا شذوذ عليه إلا أن يقال ما مر. قوله: "وفيه ما تقدم عن التسهيل" أي: من أنه قد يبنى فعلا التعجب من فعل المفعول إن أمن اللبس وعليه فيبنى منه أفعل التفضيل إن أمن اللبس. قوله: "وما به إلخ" يستثنى من ذلك فاقد الصوغ للفاعل وفاقد الإثبات فإن أشد يأتي هناك ولا يأتي هنا؛ لأن المؤول بالمصدر معرفة والتمييز واجب التنكير كما نبه عليه الموضح، والظاهر أنه لا استثناء عند من يجوز تعريف التمييز من الكوفيين، على أنه كما قال اسم يتأتى التوصل بنحو: أشد إلى التفضيل من المبني للمفعول الذي لا لبس فيه بالمبني للفاعل لصحة الإتيان بالمصدر الصريح حينئذٍ على أنه مصدر المبني للمفعول، وإن كان بصورة مصدر المبني للفاعل، ومن فاقد الإثبات إذا أضيف العدم أو الانتفاء إلى المصدر الصريح كما مر في التعجب. واعلم أن في قول المصنف وما به إلخ تقديم نائب الفاعل على الفعل وهو جائز في الضرورة، كتقديم الفاعل بل أولى كما أسلفناه في باب الفاعل، بل لا يبعد عندي جواز تقديم نائب الفاعل اختيارًا إذا كان ظرفًا أو مجرورًا لعدم علة منع التقديم، وهي التباس الجملة الفعلية بالاسمية كما قدمناه في باب نائب الفاعل، ومثل ذلك يقال في نحو قوله في باب التصغير: وما به لمنتهى الجمع وصل إلخ فكن على بصيرة. قوله: "به إلى التفضيل صل" قال الدماميني: ههنا بحث وهو أن أفعل التفضيل يقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل الحدث وزيادة المفضل على المفضل عليه فيه؛ فيلزم في كل صورة توصل فيها بأشد أن تكون الشدة موجودة في الطرفين وزائدة في طرف المفضل، وهذا قيد يتخلف باعتبار القصد فإنك قد تقصد اشتراك زيد وعمرو في الاستخراج مثلًا لا في شدته، وأن استخراج زيد شديد بالنسبة إلى استخراج عمرو، ولا أشد فكيف يتأتى التوصل في مثل ذلك بأشد مع دلالته على خلاف المقصود ا. هـ. قوله: "لكن أشد إلخ" دفع بالاستدراك توهم تساوي المنصوبين بعد أشد هنا وفي التعجب، وإن لم توهمه عبارة المصنف. قوله: "وينصب هنا إلخ" أخذه من قول المصنف في باب التمييز: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا
[ ٣ / ٦٤ ]
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِله أَبَدَا تَقْدِيرًا أو لَفْظًا بِمِن إن جُرِّدَا
_________________
(١) مصدر الفعل المتوصل إليه تمييزًا فتقول زيد أشد استخراجًا من عمرو، وأقوى بياضًا، وأفجع موتًا "وأفعل التفضيل صله أبدا تقديرًا أو لفظًا بمن إن جردا" من أل والإضافة جارة للمفضول. وقد اجتمعا في ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي: منك. أما المضاف والمقرون بأل فيمتنع وصلهما بمن. تنبيهات: الأول اختلف في معنى من هذه، فذهب المبرد ومن وافقه إلى أنها لابتداء الغاية وإليه ذهب سيبويه، لكن أشار إلى أنها تفيد مع ذلك معنى التبعيض فقال في هو أفضل من زيد: فضله على بعض ولم يعم. وذهب في شرح التسهيل إلى أنها بمعنى المجاوزة، وكأن القائل زيد أفضل من عمرو قال، جاوز زيد عمرًا في الفضل: قال ولو كان إلخ وبهذا يندفع ما يقال الإحالة على باب التعجب توهم جواز نصب المصدر هنا وجره بالباء وأن نصبه على المفعول به، وكلاهما غير صحيح. قاله الشاطبي. قوله: "وأفجع موتًا" فيه أن هذا المثال ليس مما نحن فيه؛ لأن المقصود الإخبار بالزيادة في الفجعة لا في الموت فهو على الأصل. قوله: "صله أبدا" أي: إن أبقى على أصله من إفادة الزيادة على معين فإن عري عنها لم يجب وصله بمن لا لفظًا ولا تقديرًا كما ستعرفه. قوله: "تقديرًا" أي: بأن تحذف مع مجرورها للعلم به فلو لم يعلم لم يجز الحذف وقد يذكر مع العلم نحو: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [الجمعة: ١١]، قاله الدماميني. قوله: "فيمتنع وصلهما بمن" أي: التي الكلام فيها وهي الجارة للمفضول. ووجه الامتناع أن الوصل في المجرد إنما وجب ليعلم المفضول، وهو مع الإضافة مذكور صريحًا، ومع أل في حكم المذكور؛ لأن أل إشارة إلى معين تقدم ذكره لفظًا أو حكمًا وتعيينه يشعر بالمفضول، فعلى هذا لا تكون أل في أفعل التفضيل إلا للعهد؛ لئلا يعرى عن ذكر المفضول أفاده شارح الجامع. قوله: "اختلف في معنى من هذه" أي: على ثلاثة أقوال: قول المبرد، وقول سيبويه، وقول المصنف في شرح التسهيل. قوله: "لابتداء الغاية" أي: المسافة في ارتفاع نحو: خير منه أو انحطاط نحو: شر منه. قوله: "وإليه ذهب سيبويه" الضمير يرجع إلى أنها لابتداء الغاية لا بقيد كونه فقط كما يقول المبرد بدليل ما بعد. قوله: "معنى التبعيض" يؤخذ من قول سيبويه في هو أفضل من زيد فضله على بعض ولم يعم أن المراد بالتبعيض كون مجرورها بعضًا لا التبعيض المتقدم في حروف الجر، وحينئذٍ لا ينهض الوجه الأول من وجهي إبطال التبعيض الآتيين. قوله: "إلى أنها بمعنى المجاوزة" أي: مجاوزة الفاضل المفضول بمعنى زيادته عليه في الوصف والمراد أنها تفيد ذلك مع بقية التركيب، فسقط الاعتراض بأنها لو كانت للمجاوزة لصح أن تقع موقعها عن على أن صحة وقوع المرادف موقع مرادفه إذا لم يمنع مانع. وهنا منع مانع وهو الاستعمال؛ لأن اسم التفضيل لا يصاحب من حروف الجر إلا من، وهذا الجواب الثاني ذكره المصرح والشمني وهو أولى؛ لأن التزام كون المفيد للمجاوزة جملة التركيب مع كونه قابلًا للمنع يؤدي إلى عدم حسن
[ ٣ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الابتداء مقصودًا لجاز أن يقع بعدها، إلى أن قال: ويبطل كونها للتبعيض أمران:
أحدهما عدم صلاحية بعض موضعها، والآخر كون المجرور بها عاما نحو: الله أعظم من كل عظيمن، والظاهر كما قاله المرادي ما ذهب إليه المبرد، وما رد به الناظم ليس بلازم؛ لأن الانتهاء قد يترك الإخبار به لكونه لا يعلم أو لكونه لا يقصد الإخبار به ويكون ذلك أبلغ في التفضيل إذ لا يقف السامع على محل الانتهاء. الثاني أكثر ما تحذف من ومجرورها إذا كان أفعل خبرًا كالآية، ويقل إذا كان حالًا كقوله:
٧٩٣- دَنَوتِ وَقَد خِلنَاكِ كالبَدْرِ أَجْمَلا
أي: دنوت أجمل من البدر، أو صفة كقوله:
٧٩٤- تَرَوَّحِي أَجْدَرُ أَنْ تَقْيلِي غدًا بِجَنْبَي بارِد ظَلِيل
أي: تروحي وأتى مكانًا أجدر من غيره بأن تقيلي فيه. الثالث قوله صله يقتضي أنه لا
ــ
تقابل الأقوال الثلاثة فالأولى أن المفيد لها من وبقية التركيب قرينة على إرادة المجاوزة من من فتدبر.
قوله: "كون المجرور بها عاما" أي: إنه قد يكون عاما. قوله: "من كل عظيم" أوضح منه في العموم من كل شيء. قوله: "والظاهر ما ذهب إليه المبرد" أي: من كونها لابتداء الغاية فقط، ووجه ظهوره أن من لا تحمل على غير الابتداء إلا إذا منع منه مانع؛ لأنه أشهر معانيها وهنا لا مانع منه فلا حاجة إلى إخراجها عنه. قوله: "ليس بلازم" أي: في جميع مواقع استعمال من الابتدائية. قوله: "لأن الانتهاء قد يترك إلخ" منه يعلم أن المراد بكون المجرور هو المفضل عليه أنه الذي قصد بيان التفضيل عليه وإلا فالمفضل عليه في الواقع قد يكون أكثر من ذلك. وكذا يقال في معنى كون المضاف إليه هو المفضل عليه أفاده سم. قوله: "ويكون ذلك" أي: ترك الإخبار بالانتهاء سواء كان تركه لعدم علمه أو لعدم قصد الإخبار به، فقول البعض إن قوله ويكون ذلك إلخ راجع للثاني فقط كما هو الظاهر غير ظاهر. قوله: "كالآية" هي قوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤]، ومحل التمثيل من الآية قوله تعالى: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] . قوله: "أي: تروّحي وأتى مكانًا إلخ" هذا التقدير إنما يناسب ما قاله بعضهم من أن الخطاب للناقة. وتروّحي بمعنى سيري في الرواح أي: العشي ولا يناسب ما قاله آخر وصوّبه العيني
_________________
(١) عجزه: فظَلَّ فؤادي في هَواك مُضَلَّلا والبيت من الطويل، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٩٠، ٣٨٩؛ وشرح التصريح ٢/ ١٠٣؛ وشرح ابن عقيل ص٤٦٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٠.
(٢) الرجز لأحيحة بن الجلاح في شرح التصريح ٢/ ١٠٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٦؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٩١، ٣٩٠؛ وخزانة الأدب ٥/ ٥٧.
[ ٣ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يفصل بين أفعل وبين من، وليس على إطلاقه بل يجوز الفصل بينهما بمعمول أفعل، وقد فصل بينهما بلو وما اتصل بها كقوله:
٧٩٥- وَلَفُوكِ أَطْيَبُ لو بَذَلتِ لنا مِن مَاءِ مَوهَبَةٍ على خَمْرِ
ولا يجوز بغير ذلك. الرابع إذا بني أفعل التفضيل مما يتعدى بمن جاز الجمع بينهما وبين من الداخلة على المفضول مقدمة أو مؤخرة نحو: زيد أقرب من عمرو من كل خير، وأقرب من كل خير من عمرو. الخامس قد تقدم أن المضاف والمقرون بأل يمتنع اقترانهما بمن المذكورة فأما قوله:
٧٩٦- نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِي أَعْلَمُنَا مِنَّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ
ــ
من أن الخطاب لصغار النخيل. وتروّحي من تروح النبت إذا طال. وأجدر على تقدير وخذي مكانًا أجدر. وقوله بأن تقيلي فيه أي: تمكثي فيه وقت الظهيرة. وعلى أن الخطاب لصغار النخيل تكون القيلولة كناية عن نموها وزهوتها كما في العيني، بجنبي بارد ظليل أي: في مكان بارد ذي ظل.
قوله: "وليس على إطلاقه" أي: بل في مفهومه تفصيل فلا يعترض. قوله: "بمعمول أفعل" كقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . قوله: "بلو وما اتصل بها" مثل ذلك الفصل بالنداء وممن صرح بجوازه الدماميني والسيوطي. قوله: "لو بذلت لنا" لو للتمني أو شرطية حذف جوابها أي: لأحسنت إلينا مثلًا. والموهبة نقرة يستنقع فيها الماء ليبرد. وقوله:
على خمر صفة ماء أي: حاصل على خمر. قوله: "ولا يجوز بغير ذلك" يرد عليه النداء لما عرفت. قوله: "وأقرب من كل خير من عمرو" لا يقال هذا من صور الفصل بمعمول أفعل ففي كلامه تكرار؛ لأنا نقول ذكره هنا ليس من حيث الفصل بل من حيث تقديم من المعدية على من الجارة للمفضول فلا تكرار. قوله: "بمن المذكورة" أي: الداخلة على المفضل عليه أما غيرها فلا يمتنع الجمع بينها وبين أل أو الإضافة كقوله:
فهم الأقربون من كل خير وهم الأبعدون من كلّ ذم
وكقولك: زيد أقرب الناس مني. قوله: "الوديّ" بفتح الواو وكسر الدال المهملة وتشديد الياء جمع ودية؛ وهي النخلة الصغيرة. والجياد جمع جواد وهو الذكر أو الأنثى من الخيل.
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو بلا نسبة في الاشتقاق ص٣٧٤؛ وجمهرة اللغة ص٣٨٣؛ والدرر ٥/ ٢٩٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٦٤؛ ولسان العرب ١/ ٨٠٤ "وهب"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٤؛ وهمع الهوامع ٤/ ٥٤.
(٢) البيت من المنسرح، وهو لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ص٢٣٦؛ ولسعد القرقرة في فصل المقال ص٢١٠، ٢١١؛ ولسان العرب ٩/ ١٤٧ "سدف" ولسعد أو لقيس بن الخطيم في شرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٥؛ وللأنصاري في لسان العرب ١٥/ ٣٨٦ "ودي"؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٩/ ٢١٩.
[ ٣ / ٦٧ ]
وإِنْ لِمَنْكُوَرٍ يُضَفْ أو جُرِّدَا أُلزِمَ تَذْكيرًا وأنْ يُوَحَّدا
ــ
وقوله:
٧٩٧- وَلَسْتُ بالأَكْثَرِ منهم حَصًى
فمؤولان "وإن لمنكور يضف" أفعل التفضيل "أو جردا" من أل والإضافة "ألزم تذكيرًا وأن يوحدا" فتقول زيد أفضل رجل وأفضل من عمرو، وهند أفضل امرأة وأفضل من
ــ
والسدف بفتح السين والدال المهملتين والفاء الصبح. قوله: "ولست" بتاء الخطاب كما قاله العيني، وحصى تمييز أي: عددًا وتمام البيت:
وإنما العزة للكاثر
أي: للفائق في الكثرة من كثرة بالتخفيف إذا غلبه في الكثرة، فقول البعض تبعًا للعيني أي: الكثير فيه مساهلة. قوله: "فمؤولان" مما أول به الأول إلغاء المضاف إليه أو جعل منا متعلقًا بمحذوف بدل من أعلمنا أي: أعلم منا. ومنع ابن جني الإضافة وجعل نا مرفوعًا مؤكدًا للضمير في أعلم نائبًا عن نحن. ومما أول به الثاني جعل أل زائدة أو جعل منهم متعلقًا بمحذوف. قوله: "ألزم تذكيرًا وأن يوحدا" لأن المجرد أشبه بأفعل في التعجب وهو لا يتصل به علامة تثنية ولا جمع ولا تأنيث، والمضاف للنكرة بمنزلة المجرد في التنكير. قوله: "زيد أفضل رجل" أصله زيد أفضل من كل رجل فحذف من كل اختصارًا وأضيف أفعل إلى رجل، وجاز كونه مفردًا مع كون أفعل بعض ما يضاف إليه فالأصل أن يكون جمعًا لفهم المعنى وعدم التباس المراد. ووجب تنكيره؛ لأن القاعدة أن كل مفرد وقع موقع الجمع لا يكون إلا نكرة، فإن جئت بأل رجعت إلى الجمع وإن جمعت أدخلت أل فإن عطفت على المضاف إلى النكرة مضافًا إلى ضميرها، قلت: هذا أفضل رجل وأعقله وهذه أكرم امرأة وأعقله بتذكير الضمير وإفراده في المفرد وضده والمذكر وضده على التوهم، كأنك قلت من أول الكلام، فإن أضفت أفعل إلى معرفة ثنيت وجمعت وأنثت وهو القياس. وأجاز سيبويه الإفراد تمسكًا بقوله:
ومية أحسن الثقلين جيدا وسالفة وأحسنه قذالا
أي: أحسن من ذكر نقله شيخنا عن يس وأقره هو والبعض. وظاهره وجوب تذكير الضمير وإفراده في نحو: هذه أكرم امرأة وأعقله، وهذان أكرم رجلين وأعقله، وهكذا والوجه عندي جواز
_________________
(١) عجزه: وإنما العِزَّة للكاثِرِ والبيت من السريع، وهو للأعشى في ديوانه ص١٩٣؛ والاشتقاق ص٦٥؛ وأوضح المسالك ٣/ ٢٩٥؛ وخزانة الأدب ١/ ١٨٥، ٣/ ٤٠٠، ٨/ ٢٥٠، ٢٥٤؛ والخصائص ١/ ١٨٥، ٣/ ٢٣٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١٠٤؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٣٥١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٠٢؛ وشرح المفصل ٦/ ١٠٠، ١٠٣؛ ولسان العرب ٥/ ١٣٢ "كثر" ٩/ ١٤٧ "سدف"؛ ١٤/ ١٨٣ "حصى"؛ ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨؛ ونوادر أبي زيد ص٢٥؛ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص٤٢٢؛ وخزانة الأدب ٢/ ١١؛ وشرح ابن عقيل ص٤٦٥؛ وشرح المفصل ٣/ ٦.
[ ٣ / ٦٨ ]
وتِلوُ أل طِبْقٌ وما لمِعْرِفَه أُضِيفَ ذو وَجْهَينِ عن ذِي مَعْرِفَه
ــ
دعد، والزيدان أفضل رجلين وأفضل من بكر، والزيدون أفضل رجال وأفضل من خالد، والهندان أفضل امرأتين وأفضل من دعد، والهندات أفضل نسوة وأفضل من دعد. ولا تجوز المطابقة. ومن ثم قيل في أخر أنه معدل عن آخر. وفي قول ابن هانئ:
٧٩٨- كَأَنَّ صُغْرَى وكُبْرَى من فَقَاقِعِهَا
إنه لحن.
تنبيه: يجب في هذا النوع مطابقة المضاف إليه الموصوف كما رأيت. وأما ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فتقديره أول فريق كافر به "وتلو أل طبق" لما قبله من مبتدأ أو
ــ
المطابقة إن لم تكن واجبة أو أولى فتأمل. قوله: "ومن ثم" أي: من أجل لزوم المجرد التذكير والإفراد. قيل في أخر جمع أخرى مؤنث آخر إنه معدول عن آخر الذي هو المستحق لأن يستعمل؛ لأنه على وزن أفعل التفضيل وبمعناه في الأصل؛ لأن معناه الأصلي أشد تأخرًا وإن صار بمعنى مغاير.
قوله: "وفي قول ابن هانىء" هو أبو نواس الحسن بن هانئ. قوله: "من فقاقعها" هي النفاخات التي تعلو الماء أو الخمرة. قال يس: والمحفوظ في البيت من فواقعها بالواو. قوله: "إنه لحن" أي: حيث أنث صغرى وكبرى والواجب التذكير، وسيأتي تصحيحه في كلام الشارح. قوله: "يجب في هذا النوع" قال البعض: أورد عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ا. هـ. أقول في البيضاوي وحاشيته للشيخ زاده ما ملخصه إن أسفل إما صفة أمكنة محذوفة أي: إلى أمكنة أسفل سافلين وهي النار أو أزمنة محذوفة أي: إلى أزمنة أسفل سافلين وهي أرذل العمر أو حال أي: رددناه أي: صرفناه عن أحسن الصور حال كونه أسفل سافلين وهم أصحاب النار، وعلى الوجه الثاني يكون الاستثناء بعد منقطعًا وعلى الأول والأخير متصلًا والمستثنى منه الضمير المنصوب في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾ لأنه في معنى الجمع لرجوعه إلى الإنسان المراد منه الجنس ا. هـ. أي: والجمع بالياء والنون على الأولين لتغليب العاقل. إذا علمت ذلك علمت أن الإيراد مدفوع وأن الاقتصار عليه قصور وتقصير، على أن المنقول عن الشاطبي أنه ذكر أن محل وجوب مطابقة المضاف إليه للموصوف إذا كان المضاف إليه جامدًا أما إذا كان مشتقا كما في الآية فلا. والله أعلم. ويجب أيضًا كونه من جنسه فلا يقال زيد أفضل امرأة؛ لأن أفعل بعض ما يضاف إليه. قوله: "الموصوف" أراد به هنا ما يشمل الموصوف معنى فقط، كالمبتدأ فهو أعم من الموصوف في قوله بعد من مبتدأ أو موصوف.
قوله: "فتقديره أول فريق كافر به" أي: وفرق جمع في المعنى فحصلت المطابقة باعتبار
_________________
(١) عجزه: حصباءُ دُرٍّ على أرض من الذَهَبِ والبيت من البسيط، وهو لأبي نواس في ديوانه ص٣٤؛ وخزانة الأدب ٨/ ٢٧٧، ٣١٥، ٣١٨؛ وشرح قطر الندى ص٣١٦؛ وشرح المفصل ٦/ ١٠٢؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ٢/ ٣٨٠.
[ ٣ / ٦٩ ]
هذا إذا نَوَيْتَ مَعْنَى مِن وإنْ لم تَنْوِ فهو طِبْقُ ما بِهِ قُرِنْ
_________________
(١) موصوف نحو: زيد الأفضل، وهند الفضلى، والزيدان الأفضلان، والزيدون الأفضلون، والهندان الفضليان، والهندات الفضليات أو الفضل. وكذلك مررت بزيد الأفضل وبهند الفضلى إلى آخره. ولا يؤتى معه بمن كما سبق "وما لمعرفة أضيف ذو وجهين" منقولين "عن ذي معرفة" هما المطابقة وعدمها "هذا إذا نويت" بأفعل "معنى من" أي: التفضيل على ما أضيف إليه وحده، فتقول على المطابقة الزيدان أفضلا القوم، والزيدون أفضلو القوم وأفاضل القوم، وهند فضلى النساء والهندان فضليا النساء، والهندات فضل النساء وفضليات النساء. ومنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وعلى عدم المطابقة الزيدان أفضل القوم، والزيدون أفضل القوم، وهكذا إلى آخره. ومنه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ المعنى وأفرد كافر باعتبار إفراد فريق في اللفظ. قوله: "طبق" أي: مطابق؛ لأن اقترانه بأل أضعف شبهه بأفعل في التعجب. قوله: "والزيدون الأفضلون" أي: أو الأفاضل ولو زاده كما فعل في نظيره لكان أحسن. قوله: "ذو وجهين" فالمطابقة لمشابهته المحلى بأل في الخلو عن لفظ من وعدم المطابقة لمشابهته المجرد لنية معنى من. قوله: "هذا إذا نويت إلخ" ظاهر صنيعه أن قصد التفضيل على المضاف إليه وحده تارة وعلى كل ما سواه تارة أخرى، وعدم قصد التفضيل رأسًا تارة أخرى يختص بالمضاف إلى معرفة، والذي سينقله الشارح في التنبيه الآتي عن المصنف في شرح التسهيل صريح في أن المجرد بدون من قد يعرى عن معنى التفضيل رأسًا وأن فيه حينئذٍ وجهين لزوم الإفراد والتذكير وهو المشهور والمطابقة، ولا يبعد أن يقاس على ذلك ما إذا عري المضاف إلى النكرة عن معنى التفضيل، أو قصد به التفضيل على المضاف إليه وغيره نحو: الأشج والناقص أعدلا بني مروان ونحو: محمد -ﷺ- أفضل قرشي فتدبر. قوله: "معنى من" أي: المعنى الحاصل معها؛ لأن التفضيل ليس نفس معناها، وإنما هو مستفاد من أفعل كما علم مما قدمه الشارح. قوله: "ومنه" أي: من القول الجاري على المطابقة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ [الأنعام: ١١٢ و١٢٣] إلخ. قال البعض: فأكابر مفعول أول جعلنا مضاف إلى مجرميها وفي كل قرية المفعول الثاني ا. هـ. ولا يخفى ما يلزم عليه من ضعف المعنى. والأولى عندي على الإضافة تفسير الجعل بالتمكين كما في البيضاوي. ويحتمل أن في كل قرية ظرف لغو متعلق بجعلنا، وأكابر مفعول ثان ومجرميهما مفعول أول، أو في كل قرية الثاني ومجرميها بدل، وعلى هذين الوجهين جعلنا بمعنى صيرنا ولا إضافة ولا يرد ما سيذكره الشارح من أنه يلزم عليه المطابقة في المجرد وهي ممتنعة؛ لأن الإضافة منوية أي: أكابرها فتأمل. قوله: "ومنه" أي: من القول الجاري على عدم المطابقة قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، فأحرص مفعول ثان لتجد ولو طابق لقال أحرصي. قوله: "وهذا" أي: عدم المطابقة. قوله: "فإن قدر" أي: ابن السراج دفعًا لما يقال كيف يوجب عدم المطابقة وقد وردت في أكابر مجرميها. قوله: "المطابقة في
[ ٣ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٦]، وهذا هو الغالب، وابن السراج يوجبه فإن قدر أكابر مفعولًا ثانيًا ومجرميها مفعولًا أول لزمه المطابقة في المجرد. وقد اجتمع الاستعمالان في قوله -ﷺ: "ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني منازل يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقًا". "وإن لم تلو" بأفعل معنى من بأن لم تنو به المفاضلة أصلًا أو تنويها لا على المضاف إليه وحده بل عليه وعلى كل ما سواه "فهو طبق ما به قرن" وجهًا واحدًا كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، أي: عادلاهم، ونحو: محمد -ﷺ- أفضل قريش، أي: أفضل الناس من بين قريش. وإضافة هذين النوعين لمجرد التخصيص؛ ولذلك جازت إضافة أفعل فيهما إلى ما ليس هو بعضه، بخلاف المنوي فيه معنى من فإنه لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه، فلذلك يجوز: يوسف أحسن إخوته إن قصد الأحسن من بينهم، أو قصد حسنهم، ويمتنع المجرد" أي: وهي ممتنعة كما مر في النظم. فإن قال: الإضافة منوية كما مر وقع فيما فر منه. قوله: "وقد اجتمع الاستعمالان في قوله إلخ" أي: حيث أفرد أحب وأقرب وجمع حسن، وجعل الزمخشري أحسن من قسم ما قصد فيه الزيادة المطلقة، فلذا بخلاف أحب وأقرب فإنهما من قسم ما قصد فيه التفضيل على المضاف إليه وحده، فلذا أفرد. وقوله: أحاسنكم أخلاقًا استئناف بياني. قوله: "أو تنويهًا" بالنصب عطفًا على لم تنو وفي بعض النسخ أو تنوهًا بحذف الياء ولا وجه له. قوله: "فهو طبق ما به قرن" من مبتدأ أو موصوف تشبيهًا بالمحلى بأل في الخلو من لفظ من ومعناها. قوله: "وجهًا واحدًا" لا يقال هذا ينافيه ما سينقله الشارح عن شرح التسهيل من أن المشهور في أفعل العاري عن معنى التفضيل التزام الإفراد والتذكير لما ستعرفه من أن ما في شرح التسهيل في المجرد من أل والإضافة دون من. قوله: "كقولهم إلخ" فيه مع ما قبله لف ونشر مرتب. قوله: "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي: عادلاهم؛ لأنه لم يشاركهما أحد من بني مروان في العدل. والناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان سمي بذلك لنقصه أرزاق الجند. والأشج عمر بن عبد العزيز بن مروان سمي بذلك لشجة أصابته بضرب الدابة. قوله: "من بين قريش" أي: حال كونه من بينهم أي: من وسطهم وخيارهم. قوله: "لمجرد التخصيص" أي: تخصيص الموصوف بأنه من القوم الفلاني مثلًا لا لبيان المفضل عليه سم. قوله: "إلى ما" أي: مضاف إليه ليس هو أي: أفعل بعضه أي: المضاف إليه الواقع عليه ما ولجريان الصفة على غير ما هي له أبرز الضمير. قوله: "إلا بعض ما أضيف إليه" أي: مشمولًا لما أضيف إليه بحسب المعنى الوضعي وإن كان غير مشمول له بحسب المراد منه في المقام إذ المراد من المضاف إليه غير الموصوف مما يشاركه في المعنى الوضعي فلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه قاله سم، وفي كلام الدماميني أن الحصر الذي ذكره الشارح مذهب البصريين دون الكوفيين. قوله: "فلذلك" أي: لكون المنوي فيه معنى من لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه، وما لم ينو فيه معنى من لعدم نية المفاضلة أصلًا، أو نيتها لا على المضاف إليه وحده بل على كل ما سواه لا يجب فيه ذلك. قوله: "إن قصد الأحسن من بينهم أو قصد حسنهم" لأن أفعل على هذين الوجهين ليس على معنى من فلا
[ ٣ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إن قصد أحسن منهم. تنبيه: يرد أفعل التفضيل عاريًا عن معنى التفضيل نحو: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ يجب كونه بعض ما أضيف إليه وقوله. ويمتنع إن قصد أحسن منهم أي: لكون المنوي فيه معنى من يجب أن يكون بعض ما أضيف إليه، وأفعل هنا ليس بعض ما أضيف إليه، وإلا لزم إضافة الشيء إلى نفسه في إخوته. فلو قيل: يوسف أحسن الإخوة صح لتحقق الشرط؛ لأن يوسف أحد الإخوة. قوله: "يرد أفعل التفضيل إلخ" أعاده مع علمه مما قدمه توطئة لذكر الخلاف فيه وذكر أمثلة له غير ما تقدم. وعبارة التسهيل واستعماله أي: استعمال أفعل التفضيل عاريًا من الإضافة والألف واللام دون من مجردًا عن معنى التفضيل مؤولًا باسم فاعل نحو: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، أي: عالم أو صفة مشبهة نحو: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، أي: هين مطرد عند أبي العباس المبرد لكثرة الوارد منه والأصح قصره على السماع ولزومه الإفراد والتذكير فيما ورد كذلك أكثر من المطابقة ا. هـ. مع إيضاح من الدماميني، ومنها يؤخذ أن محل الخلاف وجواز المطابقة وتركها هو المجرد من أل والإضافة فلا ينافي ما مر، وحينئذٍ كان المناسب للشارح ترك التمثيل بقوله فشركما إلخ؛ لأنه مضاف وأن محل وروده كذلك إذا لم يقترن بمن فالمقترن بمن لا يصح تجريده عن معنى التفضيل أصلًا لا قياسًا ولا سماعًا؛ لأن من هذه هي الجارة للمفضول. قاله الدماميني، ولا يرد عليه قولهم في التهكم: أنت أعلم من الحمار، ولا قولهم: العسل أحلى من الخل؛ لحصول لمشاركة التقديرية. وصرح في التسهيل بأن محل عدم تجرد أفعل المقرون بمن في غير التهكم وأن المفضل عليه في التهكم يرد بدون مشاركة المفضل تحقيقًا وتقديرًا نحو: أنت أعلم من الحمار، والأوجه ما قدمناه من تقدير المشاركة في التهكم أيضًا. وقال الدماميني أيضًا: وههنا تنبيهان: الأول قال في الكشاف من وجيز كلامهم الصيف أحر من الشتاء أي: الصيف أبلغ في حره من الشتاء في برده هذا نصه وعلى هذا يؤول قولهم العسل أحلى من الخل ونحوه. وتحرير هذا الموضع أن يقال لأفعل أربع حالات: إحداها وهي الحالة الأصلية أن يدل على ثلاثة أمور: أحدها اتصاف من هو له بالحدث الذي اشتق منه وبهذا الأمر كان وصفًا. والثاني مشاركة مصحوبه له في تلك الصفة. والثالث تمييز موصوفه على مصحوبه فيها وبكل من هذين الأمرين فارق غيره من الصفات. الحالة الثانية أن يخلع عنه ما امتاز به عن الصفات ويتجرد للمعنى الوصفي. الحالة الثالثة أن تبقى عليه أموره الثلاثة، ولكن يخلع عنه قيد الأمر الثاني ويخلفه قيد آخر، وذلك أن الأمر الثاني وهو الاشتراك كان مقيدًا بتلك الصفة فصار مقيدًا بالزيادة، ألا ترى أن المعنى في المثال أن للعسل حلاوة وأن تلك الحلاوة زائدة، وأن زيادتها أكثر من زيادة حموضة الخل. الحالة الرابعة أن يخلع عنه الأمر الثاني وقيد الأمر الثالث وهو كون الزيادة على مصحوبه فتكون دلالته على الاتصاف بالحدث
[ ٣ / ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الإسراء: ٥٤]، ﴿هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
وقوله:
٧٩٩- وَإِنْ مُدَّتِ الأيْدِي إلى الزَّادِ لَمْ أَكُنْ بِأَعْجَلِهم إذْ أَجْشَعُ القَومِ أَعْجَلُ
ــ
وزيادة مطلقة كما في يوسف أحسن إخوته ا. هـ. وقد تمنع دعواه خلع الأمر الثاني عنه في الحالة الرابعة.
ثم قال: التنبيه الثاني من كلامهم المشهور زيد أعقل من أن يكذب وظاهره مشكل إذ قضيته تفضيل زيد في العقل على الكذب ولا معنى له وقد وجهه في المعنى بتوجيهين: أحدهما أن يكون الكلام على تأويل أن والفعل بالمصدر وتأويل المصدر بالوصف كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ [يونس: ٣٧]، أن التقدير ما كان افتراء بمعنى ما كان مفترى وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أن التقدير يعودون للقول بمعنى يعودون للمقول، فيهن لفظ الظهار كما هو الموافق لقول جمهور العلماء
أن العود الموجب للكفارة هو العود إلى المرأة لا العود إلى القول نفسه كما يقوله أهل الظاهر، لكن يضعف هذا الوجه أن التفضيل على الناقص لا فصل فيه. الثاني أن أفعل ضمن معنى أبعد فمعنى المثال زيد أبعد الناس من الكذب لفضله على غيره، فمن هذه ليست الجارة للمفضول بل متعلقة بأفعل لتضمنه معنى أبعد، والمفضول متروك أبدا في مثل ذلك لقصد التعميم، وهذا الثاني وإن أقره فيه أيضًا نظر من جهة أن الفعل الذي يسبك هو وما بعده في المثال بالمصدر مسند إلى ضمير المفضل، فينبغي عند السبك أن يضاف المصدر إلى هذا الضمير، كما تقول في أعجبني ما صنعت المعنى: أعجبني صنعك. وإذا فعل ذلك في المثال صار معناه: زيد أبعد الناس من كذبه، فيلزم مشاركة الناس له في البعد من كذب نفسه وزيادته عليهم في ذلك البعد. وهذا عن مظان التوجيه بمعزل. وقال الرضي: ليس المقصود في نحو: قولهم أنا أكبر من الشعر، وأنت أعظم من أن تقول كذا، تفضيل المتكلم على الشعر والمخاطب على القول، بل المراد بعدهما عن الشعر والقول. وأفعل التفضيل يفيد بعد الفاضل من المفضول فمن في مثله ليست تفضيلية، بل هي مثلها في قولك: أنا بعيد منه، تعلقت بأفعل التفضيل بمعنى متباعد بلا تفضيل ا. هـ. باختصار.
وحاصل كلام الرضي أن أفعل التفضيل فيما ذكر مستعمل في بعض مدلوله دون بعض، ويرد عليه أيضًا أن فيه نسبة نحو: قول كذا والكذب إلى المخاطب، وقد يدفع هذا تنظير الدماميني في الثاني بأن نسبة ذلك إليه لتوهمه فيه لالتباسه به فافهم. قوله: "نحو: ربكم أعلم بكم إلخ" إنما أول في هذين الموضعين بما ذكر؛ لأنه لا مشارك لله ﷾ في علمه ولا تتفاوت المقدورات بالنسبة إلى قدرته ا. هـ. دماميني. قوله: "وإن مدت الأيدي إلخ" الشاهد في بأعجلهم
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للشنقري في ديوانه ص٥٩؛ وتخليص الشواهد ص٢٨٥؛ وخزانة الأدب ٣/ ٣٤٠؛ والدرر ٢/ ١٢٤؛ وشرح التصريح ١/ ٢٠٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٩٩؛ والمقاصد النحوية ٢/ ١١٧، ١٤/ ٥١؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٢٤؛ وأوضح المسالك ١/ ٢٩٥؛ والجنى الدني ص٤٥؛=
[ ٣ / ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقوله:
(٢) إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنَى لنا بيتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ وقوله:
(٣) فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ وقاسه المبرد. وقال في التسهيل: والأصح قصره على السماع. وحكى ابن الأبناري عن أبي عبيدة القول بورود أفعل التفضيل مؤولًا بما لا تفضيل فيه. قال: ولم يسلم له النحويون هذا الاختيار، وقالوا لا يخلو أفعل التفضيل من التفضيل، وتأولوا ما استدل به. وأعجل فإنهما بمعنى العجل لا في أجشع؛ لأنه كأعور وأجهركما يؤخذ من قول العيني الأجشع الحريص على الأكل. لكن قول القاموس الجشع محركة أشد الحرص، وقد جشع كفرح فهو جشع صريح في أن الوصف منه جشع بفتح فكسر فيكون أجشع أفعل تفضيل. قوله: "سمك السماء" أي: رفعها فهو متعد ومصدره سمك، ويستعمل لازمًا بمعنى ارتفع ومصدره سموك والمراد بالبيت الكعبة، وسيأتي وجه آخر. والدعائم جمع دعامة بالكسر وهي الأسطوانة. قوله: "فشركما إلخ" قبله: أتهجوه ولست له بكفء قاله حسان يخاطب به من هجا النبي -ﷺ. قوله: "وحكى ابن الأنباري إلخ" إشارة إلى قول ثالث أن أفعل التفضيل لا يجرد عن معنى التفضيل لا سماعًا ولا قياسًا. قوله: "وتأولوا ما استدل به" أما ربكم أعلم بكم فلا مانع من جعله للتفضيل باعتبار بعض الوجوه أي: أعلم بكم من غيره، العالم ببعض أحوالكم فالمشاركة في مطلق علم. وأما وهو أهون عليه فيجعل التفضيل فيه باعتبار الاعتقاد الحاصل لكثير من قياس الغائب على الشاهد أو باعتبار عادة الحوادث لا نفس الأمر. وأما بأعجلهم وأعجل فلا مانع من جعلهما للتفضيل. وأما أعز وأطول فقال السعد المراد بالبيت بيت المجد والشرف وقوله أعز وأطول أي: من دعائم كل بيت وعلى هذا هما للتفضيل: = وجواهر الأدب ص٥٤؛ وشرح ابن عقيل ص١٥٧؛ وشرح قطر الندى ص١٨٨؛ ومغني اللبيب ٢/ ٥٦٠ وهمع الهوامع ١/ ١٢٧. ٨٠٠ البيت من الكامل، وهو للفرزدق في ديوانه ٢/ ١٥٥؛ والأشباه والنظائر ٦/ ٥٠؛ وخزانة الأدب ٦/ ٥٣٩، ٨/ ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٧٦، ٢٧٨؛ وشرح المفصل ٦/ ٩٧، ٩٩؛ والصاحبي في فقه اللغة ص٢٥٧؛ ولسان العرب ٥/ ١٢٧ "كبر"، ٥/ ٣٧٤ "عزز"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٢؛ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص٤٦٧.
(٤) صدره: أتهجوه ولَسْتَ له بِنَدٍّ والبيت من الوافر، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص٧٦؛ وخزانة الأدب ٩/ ٢٣٢، ٢٣٦، ٢٣٧؛ ولسان العرب ٣/ ٤٢٠ "ندد" ٦/ ٣١٦ "عرش".
[ ٣ / ٧٤ ]
وإنْ تَكُنْ بِتِلوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَا فَلَهُمَا كُنْ أَبَدًا مُقَدِّما
كَمِثْلِ مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ وَلَدَى إِخْبارِ التَّقْدِيمُ نَزْرًا وَرَدًا
ــ
قال في شرح التسهيل: والذي سمع منه فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير. وقد يجمع إذا كان ما هو له جمعًا كقوله:
٨٠٢- إذا غابَ عَنكُمْ أَسْودُ العيْنِ كُنْتمُ كِرامًا وأَنْتمُ ما أقامَ أَلائِمُ
قال: إذا صح جمعه لتجرده من معنى التفضيل جاز أن يؤنث، فيكون قول ابن هانئ:
٧٠٣- كَأَنَّ صُغْرَى وكُبْرَى من فَقَاقِعِهَا
صحيحًا ا. هـ. "وإن تكن بتلو منه" الجارة "مستفهما فلهما" أي: لمن ومجرورها المستفهم به "كن أبدًا مقدمًا" على أفعل التفضيل لا على جملة الكلام كما فعل المصنف، إذ يلزم على تمثيله الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي ولا قائل به "كمثل ممن أنت خير" ومن أيهم أنت أفضل، ومن كم دراهمك أكثر، ومن غلام أيهم أنت أفضل لأن
ــ
وأما فشركما لخيركما الفداء
فشرّ وخير فيه ليسا أفعل تفضيل بل اسمان كالسهل والصعب؛ لأنهما يردان كذلك. هذا ما ظهر فجعل البعض تأويل ما استدل به بجعل التفضيل فيه باعتبار الاعتقاد لا نفس الأمر. إنما يصح في بعض ما استدل به لا في كله فتدبر. قوله: "إذا غاب" أي: عدم. وأسود العين اسم جبل ومعنى البيت أنتم لئام أبدًا؛ لأن هذا الجبل لا يغيب. قوله: "وإن تكن بتلو من إلخ" بقي ما إذا كان الاستفهام بالهمزة، ويتجه أن يقال إن أريد الاستفهام عن المفضل عليه وجب التقديم فتقول: أمن زيد أنت أفضل، فقد ذكر في علم المعاني أن المسئول عنه بالهمزة هو ما يليها فيجب التقديم ليكون المسئول عنه قد وليها، وإن أريد الاستفهام عن المفضل وجب التأخير، فتقول: أأنت أفضل من زيد ليليها المسئول عنه وفاء بالقاعدة المذكورة سم. قوله: "لا على جملة الكلام إلخ" وإنما فعل الشارح مثل ما فعله المصنف مجاراة لمثال المصنف لا يقال إذا لم يقدم على الجملة خرج الاستفهام عن الصدارة؛ لأنا نقول صدارته الواجبة له إنما هي بالنسبة لما عمل فيه فقط وهو أفعل. قوله: "الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي" لأن المبتدأ ليس من معمولات الخبر وقد يقال المختار جواز تقدم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ والخبر في السعة، إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا فليكن ما فعله المصنف مثله، إلا أن يفرق بقوة الخبر الفعلي بخلاف الخبر الذي هو
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للفرزدق في شرح التصريح ٢/ ١٠٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧، وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في أمالي القالي ١/ ١٧١، ٢/ ٤٧؛ وجمهرة اللغة ص٦٥٠؛ وخزانة الأدب ٨/ ٢٧٧؛ وسمط اللآلي ص٤٣٠؛ ولسان العرب ١٢/ ٣٨١ "عتم"؛ ومعجم البلدان ١/ ١٩٣ "أسود العين"؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٨١.
(٢) راجع التخريج رقم ٧٩٨.
[ ٣ / ٧٥ ]
وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ وَمَتَى عاقَبَ فِعْلا فَكَثِيرًا ثَبَتَا
ــ
الاستفهام له الصدر "ولدي إخبار" أي: وعند عدم الاستفهام "التقديم نزرًا وجدا" كقوله:
٨٠٤- فقالت لنا أَهْلًا وسَهْلًا وزَوَّدَتْ جَنَى النَّخْلِ بل ما زَوَّدَتْ منه أَطْيَبُ
وقوله:
٨٠٥- ولا عَيْبَ فِيها غير أنَّ سَرِيعَها قَطُوفٌ وأنْ لا شيءَ مِنْهُنَّ أكْسَلُ
وقوله:
٨٠٦- إذا سايَرَتْ أَسْماءُ يَومًا ظَعِينَةً فأسماء من تلك الظعينَةِ أمْلحُ
"ورفعه الظاهر نزر" أي: أفعل التفضيل يرفع الضمير المستتر في كل لغة، ولا يرفع اسمًا ظاهرًا ولا ضميرًا بارزًا إلا قليلًا. حكى سيبويه. مررت برجل أكرم منه أبوه؛ وذلك لأنه ضعيف الشبه باسم الفاعل من قبل أنه في حال تجريده لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع،
ــ
أفعل تفضيل فتأمل. قوله: "التقديم نزرًا وجدا" وفي التوضيح أنه ضرورة عند الجمهور.
قوله: "أهلًا وسهلًا" أي: أتيتم أهلًا ومكانًا سهلًا. وقوله جنى النحل أي: شبيهه بدليل ما بعده والاستشهاد بالبيت مبني على أن منه متعلق بأطيب. قال زكريا: ويجوز تعلقه بزودت، وحينئذٍ لا شاهد فيه. قوله: "ولا عيب فيها" أي: في النساء المذكورة فيما قبله. وقوله: غير أن إلخ من تأكيد المدح بما يشبه الذم، والقطوف بفتح القاف وفي آخره فاء المتقارب الخطأ. قوله: "ظعينة" هي في الأصل الهودج كانت فيه امرأة أو لم تكن ثم سميت المرأة ما دامت في الهودج ظعينة. وأملح من الملاحة وهي الحسن. قوله: "ورفعه الظاهر" المراد به المصرح به فيشمل الضمير البارز المنفصل؛ ولهذا أدرجه الشارح في حيز تفسير كلام المصنف وإن أفرده فيه بالذكر. قوله: "يرفع الضمير المستتر" أي: لأن العمل فيه ضعيف لا يظهر أثره لفظًا فلا يحتاج إلى قوة العامل سم. قوله: "إلا قليلًا" أي: شاذا. قوله: "لأنه ضعيف الشبه باسم الفاعل" أي: مع عدم ما يجبر الضعف من صحة وقوع فعل بمعناه موقعه فلا يرد أن الضعف موجود حتى في مسألة الكحل. قوله: "في حال تجريده" مثلها حال إضافته إلى نكرة، وخص حالة التجريد بالذكر؛ لأنها الأصل فيه كما
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للفرزدق في خزانة الأدب ٨/ ٢٦٩؛ والدرر ٥/ ٢٩٦؛ وشرح المفصل ٢/ ٦٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ٢٩٤، ٢٩٥؛ وتذكرة النحاة ص٤٧؛ وشرح ابن عقيل ص٤٦٨؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٦٦؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠٤.
(٢) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ديوانه ص١٦٠٠؛ وتذكرة النحاة ص٤٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٦٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٤؛ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص٤٦٩.
(٣) البيت من الطويل، وهو لجرير في ديوانه ص٨٣٥؛ وتذكرة النحاة ص٤٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٠٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٦٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٩٣؛ وشرح ابن عقيل ص٤٦٩.
[ ٣ / ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهذا إذا لم يعاقب فعلًا أي: لم يحسن أن يقع موقعه فعل بمعناه "ومتى عاقب فعلًا فكثيرًا" رفعه الظاهر "ثبتا" وذلك إذا سبقه نفي وكان مرفوعه أجنبيا مفضلًا على نفسه باعتبارين، نحو: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، فإنه يجوز أن سيأتي، يعني فلما ضعف بعدم قبول العلامات في بعض أحواله انحطت رتبته في جميعها، فلم يعمل في الاسم الظاهر إلا بالشروط الآتية. قوله: "لا يؤنث إلخ" بهذا فارق الصفة المشبهة، فإنها تؤنث وتثنى وتجمع؛ فلهذا عملت في الظاهر كثيرًا وإن لم يكن لها فعل بمعناها وهو الثبوت. قوله: "إذا لم يعاقب فعلًا" جارى فيه الناظم وإلا فالأحسن إسناد المعاقبة إلى الفعل، كما يشير إليه قول الشارح أي: لم يحسن إلخ فعلم أن قوله أي: لم يحسن إلخ تفسير باللازم فتفطن. قوله: "إذا سبقه نفي إلخ" زاد غيره قيدًا وهو أن يكون أفعل صفة لاسم جنس ليكون معتمدًا عليه، ولم يكف النفي كما في اسم الفاعل؛ لأنه لم يقو قوته ولهذا لا ينصب المفعول به بخلاف اسم الفاعل، وإنما اشترط سبق النفي ليكون أفعل التفضيل بمعنى الفعل فيعمل عمله؛ وذلك لأن النفي إذا دخل على أفعل توجه إلى قيده وهو الزيادة فيزيلها فيبقى أصل حسن كحل عين رجل مقيسًا إلى حسن كحل عين زيد إما بأن يساويه أو يكون دونه، ومقام المدح يأبى المساواة فيرجع المعنى إلى أن حسن الكحل في عين رجل دون حسنه في عين زيد أفاده الجامي، وأورد عليه أنه لو كان زوال الزيادة بالنفي مجوّزًا لعمل اسم التفضيل في ظاهر لجاز العمل في نحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه. وأجيب بالفرق بينه وبين مثال الكحل بأن اسم التفضيل في مثال الكحل خالف الأصل، وهو تغاير المفضل والمفضل عليه ذاتًا لاتحادهما فيه ذاتًا فحصل في معناه التفضيليّ ضعف يقتضي أنه إذا زال بالنفي لم يبق لأفعل قوة اقتضاء حكمه وهو امتناع عمله في الظاهر بخلاف نحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه فإنه لا ضعف في معناه التفضيلي لاختلاف المفضل والمفضل عليه ذاتًا، فله قوة اقتضاء حكمه، وقيل إنما اشترط تقدم النفي ليقوى طلب الموصوف الصفة المقتضي ذلك لقوتها في العمل؛ وذلك لأن طلب النكرة للمخصص في الإثبات دون طلبها له في النفي؛ لأنه في الإثبات لزيادة الفائدة وفي النفي لصون الكلام عن كونه كذبًا، فإنك إذا قلت: ما رأيت رجلًا، كان صدق الكلام موقوفًا على تخصيص الرجل بأمر يمكن أنه لم يحصل لمن رأيته من الرجال بخلاف رأيت رجلًا، وفي هذا أيضًا ما تقدم إيرادًا وجوابًا. قوله: "وكان مرفوعه أجنبيًا" أي: غير ملابس لضمير الموصوف بخلاف نحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه فالمراد نفي كونه سببيًا بهذا المعنى فلا ينافي اشتراط ابن الحاجب كونه سببيا بمعنى أن للموصوف به تعلقًا ما كما في المثال قاله سم، واعترض البعض على الشارح بأن هذا القيد مستغنى عنه بقوله مفضلًا على نفسه باعتبارين لما علمت من أن المفضل والمفضل عليه في نحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه مختلفان بالذات وفيه أن الاعتراض بإغناء المتأخر عن المتقدم غير ناهض. قوله: "مفضلًا على نفسه باعتبارين" كان ينبغي أن يقول باعتبار آخر؛ لأن التفضيل أي
[ ٣ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يقال: ما أريت رجلًا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، لأن أفعل التفضيل إنما قصر عن رفع الظاهر؛ لأنه ليس له فعل بمعناه. وفي هذا المثال يصح أن يقع موقعه فعل بمعناه كما رأيت. وأيضًا فلو لم يجعل المرفوع فاعلًا لوجب كونه مبتدأ فيلزم الفصل بين أفعل ومن بأجنبي، والأصل أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين: أولهما للموصوف وثانيهما للظاهر كما رأيت. وقد يحذف الضمير الثاني وتدخل من إما على الاسم الظاهر أو على محله أو على ذي المحل فتقول من كحل عين زيد، أو من عين زيد، أو من زيد فتحذف الزيادة إنما هو باعتبار واحد لا باعتبارين كما لا يخفى، إلا أن يجعل فيه اكتفاء والأصل ومفضولًا، فمعنى المثال أن الكحل باعتبار كونه في عين زيد أحسن من نفسه باعتبار كونه في عين غيره من الرجال وخرج به نحو: ما رأيت رجلًا أحسن كحل عينه من كحل عين زيد لاختلاف المفضل والمفضل عليه ذاتًا؛ لأنه اعتبر فيه فردان من أفراد الكل وأوقع التفاضيل بينهما بخلاف المثال المشهور فإنه اعتبر فيه ماهية الكحل مقيدة بقيد تارة ومقيدة بآخر تارة أخرى. والظاهر الذي يرمز إليه صنيع الشارح أن هذه الشروط شروط لعمل أفعل التفضيل مطلقًا في الظاهر لا لعمل أفعل من فقط، كما بينه البعض فانظره. قوله: "في عينه" حال من الكحل مقدم عليه أو ظرف لغو متعلق بأحسن، وفي عين زيد حال من الضمير المجرور بمن. قوله: "فإنه يجوز أن يقال إلخ" تعليل لمحذوف أي: وإنما كان هذا المثال مما يعاقب فيه أفعل الفعل؛ لأنه يجوز إلخ. قوله: "لأن أفعل التفضيل إلخ" علة لقول المصنف: ومتى عاقب فعلًا فكثيرًا ثبتا. قوله: "لأنه ليس له فعل بمعناه" أي: في الزيادة ليعمل عمله، ولا يرد عليه أن أفعال الغلبة بمعناه نحو: كاثرني فكثرته أي: غلبته في الكثرة وزدت عليه فيها لعدم اطراد الغلبة في كل مادة كما قاله سم، نعم يرد عليه أن الصفة المشبهة ليس لها فعل بمعناها في الثبوت مع عملها في الظاهر، وأن أفعل التفضيل المجرد عن معنى التفضيل بمعنى الفعل لعدم دلالته على الزيادة، مع أنه لا يعمل في الظاهر على ما يقتضيه إطلاقهم. وتعليلهم بما قدمه الشارح في قوله؛ وذلك لأنه ضعيف الشبه إلخ فلا يتم المطلوب بمجرد هذا التعليل، بل مع ضميمة التعليل الذي قدمه الشارح فتنبه. قوله: "يصح أن يقع إلخ" أي: بمعونة المقام. قوله: "لوجب كونه مبتدأ" أي: مخبرًا عنه باسم التفضيل. قوله: "فيلزم الفصل" أي: ولو تقديرًا كما في ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل فإن تقديره: ما رأيت عينا كعين زيد أحسن فيها الكحل منه في غيرها، فلو لم يجعل الكحل فاعلًا بل جعل مبتدأ لزم الفصل بأجنبي تقديرًا فلا يقال لزوم الفصل بأجنبي غير مطرد لعدمه في نحو: هذا المثال أفاده سم والأجنبي هنا المبتدأ والمراد بالأجنبي هنا: ما ليس من معمولات ذلك العامل، لا ما لا تعلق له به بوجه ما ولم يجعل الكحل مبتدأ مؤخرًا عن من فلا يلزم الفصل بأجنبي بأن يقال: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه منه في عين زيد الكحل فرارًا من التزام مخالفة الأصل، وهو تقديم مرجع الضمير عليه بلا ضرورة ولا مقدمًا على الوصف بأن يقال: ما رأيت رجلًا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد فرارًا من التزام تقديم غير الأهم وهو الوصف بلا ضرورة، والتزام مخالفة الأصل وهو النعت بالمفرد بلا ضرورة. قوله:
[ ٣ / ٧٨ ]
كَلَنْ تَرَى في الناسِ مِن رَفِيقِ أولَى بِه الفَضْلُ مِنَ الصِّدِّيقِ
_________________
(١) مضافًا أو مضافين وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء نحو: ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل. وقالوا: أما أحد أحسن به الجميل من زيد، والأصل ما أحد أحسن به الجميل من حسن الجميل بزيد، ثم أضيف الجميل إلى زيد لملابسته إياه ثم حذف المضاف الأول ثم الثاني. ومثله قوله -﵊: "ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم" من أيام العشر. والأصل من محبة الصوم في أيام العشر، ثم من محبة صوم أيام العشر، ثم من صوم أيام العشر، ثم من أيام العشر. وقول الناظم "كلن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الصديق" والأصل من ولاية الفضل بالصديق ففعل به ما ذكر. "فتقول من كحل عين زيد" قد يقال إذا قيل ذلك لم يكن المرفوع مفضلًا على نفسه بل على غيره بالذات، أما على أن أل في الكحل عوض عن ضمير الرجل فالتغاير بالذات ظاهر، وأما على أنها للجنس؛ فلأن الماهية الكلية مغايرة بالذات لفردها الجزئي إلا أن يختار الثاني، ويقال لما كان الفرد مندرجًا تحت الماهية الكلية كان كأنها نفسه والتغاير اعتباري فافهم. قوله: "فتحذف مضافًا" أي: إذا دخلت من على المحل وهو العين أو مضافين أي: إذا دخلت من على ذي المحل وهو زيد. قوله: "وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء" أي: اختيارًا وذلك إذا تقدم محل المفضل على أفعل كما في مثال الشارح، وكذا إذا تقدم صاحب محل المفضل على أفعل فيما يظهر كما في ما رأيت كزيد أحسن في عينه الكحل، فاقتصار البعض على الأول قصور ورأى بصرية على الظاهر، والكاف اسمية، وأحسن حال من مجرور الكاف على ما قاله البعض، ويلزم عليه مجيء الحال من المضاف إليه بدون شرطه أو كعين وأحسن صفتان لعينا محذوفة ويصح غير ذلك. قوله: "وقالوا إلخ" أي: فأدخلوا من في اللفظ على غير المفضل عليه وهو ملابسه كما بينه الشارح فهو كقولك: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل من عين زيد، لكن مدخول من في هذا التركيب محل المفضل عليه حقيقة وفي ما أحد أحسن به الجميل من زيد ملابس المفضل عليه لا محله حقيقة؛ ولهذا ذكره الشارح هنا، ولم يكتف بقوله سابقًا وقد يحذف الضمير الثاني إلخ فافهم. قوله: "من حسن الجميل بزيد" كان عليه إسقاط حسن؛ لأن المفاضلة بين الجميل ونفسه باعتبارين. لا يقال الداعي إلى ذكره تعلق بزيد به؛ لأنا نقول على حذفه يكون بزيد حالًا من مجرور من كما في نظائره، ولا حاجة إلى ما نقله شيخنا، والبعض عن اللقاني وأقراه من التكلف. ومثل ذلك يقال في الحديث ومثال الناظم الآتي. قوله: "ما من أيام أحب" إلخ أفعل التفضيل فيه مصوغ من فعل المفعول ففيه شذوذ من هذه الجهة إلا على قول من يجعل الصوغ منه مقيسًا عند أمن اللبس، وكذا من جهة صوغه من زائد على الثلاثي إن كان من أحب الرباعي فإن كان من حب الثلاثي فلا شذوذ فيه إلا من الجهة الأولى، وبهذا يعلم ما في كلام البعض من المؤاخذة. قوله: "أولى" فيه شذوذ من جهة أنه لا فعل له؛ لأنه بمعنى أحق ولم يستعمل من هذه المادة فعل بهذا المعنى؛ لأن الفعل المستعمل منها ولي بمعنى تولى أو تبع وبهذا يعلم حسن قوله، ومتى عاقب فعلًا ولم يقل فعله ولا الفعل لئلا يخرج مثل هذا أفاده شيخنا نقلًا عن يس قال:
[ ٣ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تنبيهات: الأول إنما امتنع نحو: رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، ونحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه، وإن كان أفعل فيهما يصح وقوع الفعل موقعه؛ لأن المعتبر في اطراد رفع أفعل التفضيل الظاهر جواز أن يقع موقعه الفعل الذي بني منه مفيدًا فائدته، وهو في هذين المثالين ليس كذلك، ألا ترى أنك لو قلت: رأيت رجلًا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، أو يحسن في عينه الكحل كحلًا في عين زيد بمعنى يفوقه في الحسن فأتت الدلالة على التفضيل في الأول وعلى الغريزة في الثاني. وكذا القول في ما رأيت رجلًا يحسن أبوه كحسنه إذا أتيت في موضع أحسن بمضارع حسن حيث تفوت الدلالة على التفضيل، أو قلت: ما رأيت رجلًا يحسنه أبوه، فأتيت موضع أحسن بمضارع حسنه إذا فاقه في الحسن حيث تغير الفعل الذي بني منه أحسن، ففاتت الدلالة على الغريزة المستفادة من أفعل التفضيل. ولو رمت أن توقع الفعل موقع أحسن على غير هذين الوجهين لم تستطع. الثاني قال في شرح التسهيل: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل إلا بعد نفي ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي كقوله: لا يكن غيرك أحب إليه الخير منه إليك، وهل في الناس رجل أحق به الحمد منه البعض وينازعه قول الشارح الآتي؛ لأن المعتبر في اطراد إلخ ا. هـ. أي: حيث قيد الفعل بالذي بنى منه أفعل، ويندفع بأن القيد مبني على الغالب فتدبر. قوله: "إنما امتنع نحو: إلخ" المانع في المثال الأول عدم سبق النفي، وفي الثاني عدم كون المرفوع أجنبيا. قوله: "مفيدًا فائدته" أي: فائدة أفعل من الدلالة على التفضيل وعلى الغريزة كما يؤخذ مما بعده. قوله: "ألا ترى أنك لو قلت إلخ" هذا متعلق بالمثال الأول، وقوله وكذا القول إلخ متعلق بالمثال الثاني. قوله: "كحلًا" مفعول يحسن لتضمنه معنى يفوق. قوله: "وعلى الغريزة في الثاني" لأن يحسن فيه مضارع حسنه إذا فاقه في الحسن فهو متعد وأفعال الغرائز لازمة. قوله: "حيث تفوت الدلالة على التفضيل" أورد عليه سم أن المثال المشهور يصدق لغة بصورتين؛ نقص حسن كحل عين الرجل عن حسن كحل عين زيد وتساويهما، والمراد بحسب المقام الأولى لا الثانية كما تقدم، ومثله: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه لصدقه بنقص حسن الأب ومساواته، وإذا عبر بالفعل فيهما صدق التركيب لغة بالأولى، وكذا بزيادة حسن كحل عين الرجل وحسن الأب على بعد والمقام يعين الأولى، فالتركيبان مستويان في المعنى سواء عبر فيهما بأفعل أو بالفعل فالحكم بفوات الدلالة على التفضيل في أحدهما دون الآخر تحكم. قوله: "على غير هذين الوجهين" يعني بهما كونه مضارع حسن اللازم وكونه مضارع حسنه أي: فاقه في الحسن. قوله: "منه" أي: الحمد، وقوله بمحسن حال من مجرور من أي: حالة كونه ملابسًا لمن ذكر. قوله: "أجمعوا إلخ" ينافيه قوله بعد وأجاز بعضهم إلخ، إلا أن يقال لم يعتد المصنف بمخالفة هذا المجيز فحكى الإجماع، أو يقال الإجماع في غير المتجرد عن معنى التفضيل، كما يؤخذ من
[ ٣ / ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمحسن لا يمن. الثالث قال في شرح الكافية: أجمعوا على أنه لا ينصب المفعول به، فإن وجد ما يوهم جواز ذلك جعل نصبه بفعل مقدر يفسره أفعل، نحو: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فحيث هنا مفعول به لا مفعول فيه، وهو في موضع نصب بفعل مقدر يدل عليه أعلم. ومنه قوله:
٨٠٧- وَأَضْرَبُ مِنّا بالسُّيوفِ القَوانِسَا
وأجاز بعضهم أن يكون أفعل هو العامل لتجرده عن معنى التفضيل ا. هـ.
خاتمة: في تعدية أفعل التفضيل بحروف الجر. قال في شرح الكافية: وجملة القول في ذلك أن أفعل التفضيل إذا كان من متعد بنفسه دال على حب أو بغض عدي باللام
ــ
تعليل المجيز وكما في شرح الدماميني على المغني فتدبر. قوله: "لا ينصب المفعول به" أي: بل يصل إليه بواسطة اللام نحو: هو أوعى للعلم فإن كان مما يتعدى لاثنين نصب الآخر بفعل مقدر نحو: أكسي للفقراء الثياب أي: يكسوهم الثياب قاله الدماميني. قال المصرح: وكذا لا ينصب المفعول معه والمفعول المطلق والتمييز إلا إذا كان فاعلًا في المعنى نحو: زيد أحسن الناس وجهًا ويجوز نصبه للباقي، وقال بعضهم: غلط من قال إن أفعل التفضيل لا يعمل في المفعول به لورود السماع بذلك كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤]، وليس تمييزًا؛ لأنه ليس فاعلًا في المعنى.
قوله: "فحيث هنا مفعول به لا مفعول فيه" اعترضه أبو حيان بأنه ضرب من التصرف، وحيث لا تتصرف وفي المرادي على التسهيل لم تجئ حيث فاعلًا ولا مفعولًا به ولا مبتدأ ا. هـ. وفي التسهيل أن تصرفها نادر، قال الدماميني: ولو قيل إن المراد يعلم الفضل الذي هو في محل الرسالة لم يبعد وفيه إبقاء حيث على ما عهد لها من ظرفيتها. والمعنى أن الله تعالى لن يؤتيكم مثل ما آتى رسله؛ لأنه يعلم ما فيهم من الذكاء والطهارة والفضل والصلاحية للإرسال ولستم كذلك. قال الشمني: بل هو بعيد لما فيه من حذف المفعول والاسم الموصول وبعض صلته بلا دليل. قوله: "القوانسا" جمع قونس وهو أعلى البيضة وعظم ناتئ بين أذني الفرس كما في القاموس. قوله: "لتجرده عن معنى التفضيل" رد بأنه وإن أول بما لا تفضيل فيه لا يلزم كون تعديه كتعديه وخصوصيات الألفاظ لا تنكر وأجاب الدماميني بأن أصل المتوافقين معنى أن يتوافقا حكمًا. قوله: "وجملة القول" أي: مجمله أي: مجموعه فهو من الإجمال بمعنى الجمع ضد التفريق لا من الإجمال ضد التفصيل والبيان. قوله:
"دال على حب أو بغض" أي: على معناهما فيشمل
_________________
(١) صدره: أكَرَّ وأحمى للحقيقة منهمُ والبيت من الطويل، وهو لعباس بن مرداس في ديوانه ص٦٩، والأصمعيات ص٢٠٥؛ وحماسة البحتري ص٤٨؛ وخزانة الأدب ٨/ ٣١٩، ٣٢١؛ وشرح التصريح ١/ ٣٣٩؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٤٤١، ١٧٠٠؛ ولسان العرب ٦/ ١٨٤ "قنس"؛ ونوادر أبي زيد ص٥٩؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٤٤، ٤/ ٧٩؛ وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٦٠؛ وخزانة الأدب ٧/ ١٠؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦١٨.
[ ٣ / ٨١ ]
النعت:
يَتْبَعُ في الإعرابِ الأسماء الأُوَل نَعْتٌ وتَوْكيدٌ وعَطْفٌ وبَدَل
_________________
(١) إلى ما هو مفعول في المعنى وبإلى إلى ما هو فاعل في المعنى، نحو: المؤمن أحب لله من نفسه، وهو أحب إلى الله من غيره، وإن كان من متعد بنفسه دال على علم عدي بالباء نحو: زيد أعرف بي وأنا أدرى به، وإن كان من متعد بنفسه غير ما تقدم عدي باللام نحو: هو أطلب للثأر وأنفع للجار، وإن كان من متعد بحرف جر عدي به لا بغيره، نحو: هو أزهد في الدنيا وأسرع إلى الخير وأبعد من الإثم وأحرص على الحمد وأجدر بالحلم وأحيد عن الخنى. ولفعل التعجب من هذا الاستعمال ما لأفعل التفضيل، نحو: ما أحب المؤمن لله وما أحبه إلى الله، وما أعرفه بنفسه وأقطعه للعوائق وأغضه لطرفه وأزهده في الدنيا، وأسرعه إلى الخير، وأحرصه عليه، وأجدره به ا. هـ. وقد سبق بعض ذلك في بابه والله تعالى أعلم. النعت: "يتبع في الإعراب الأسماء الأُول نعت وتوكيد وعطف وبدل" وتسمى لأجل ذلك ما كان من مادة الكراهة مثلًا. قوله: "وهو أحب إلى الله من غيره" أي: يحب الله المؤمن أكثر من محبته للكافر، قال البعض: وظاهره أنه حينئذٍ مجرد عن معنى التفضيل إذ لا يحب الله تعالى الكافر أصلًا ا. هـ. وفيه أنه ينافيه ما اشتهر وقدمه هو أيضًا من أن المقرون بمن لا يتجرد عن معنى التفضيل، فالذي ينبغي عندي أنه غير مجرد عن ذلك بل فيه معنى التفضيل باعتبار محبة الله تعالى الكافر من حيث كونه مخلوقًا، قاله مثلًا فتأمل. قوله: "وأحيد عن الخنى" بفتح الخاء المعجمة أي: أميل عن الزنا. قوله: "وقد سبق بعض ذلك في بابه" فيه أنه ذكر جميع هذا التفصيل في أفعل التعجب في بابه لا بعضه فقط والله ﷾ أعلم. النعت: ويقال له الوصف والصفة، وقيل: النعت خاص بما يتغير كقائم وضارب والوصف والصفة لا يختصان به بل يشملان نحو: عالم وفاضل، وعلى الثاني يقال صفات الله وأوصافه ولا يقال نعوته، والذي في القاموس أن النعت والوصف مصدران بمعنى واحد، وأن الصفة تطلق مصدرًا بمعنى الوصف واسمًا لما قام بالذات كالعلم والسواد. قوله: "في الإعراب" يرد عليه نحو: قام قام زيد ولا لا، وعطف النسق إذا لم يكن للمعطوف عليه إعراب كالجملة المستأنفة، والجواب أن المراد في الإعراب وجودًا أو عدمًا فيدخل ما ذكر، ويرد أيضًا: يا زيد الفاضل ويا سعيد كرز بضم الفاضل وكرز اتباعًا لضمة زيد وسعيد، فإن تبعية الفاضل وكرز لزيد وسعيد في الضم ليست تبعية في الإعراب. والجواب أن المراد الإعراب وما يشبهه من حركة عارضة لغير الإعراب، مع أنهما تابعان لزيد وسعيد في إعراب غير ظاهر، بل هو محلي في المتبوع وتقديري في التابع منع من ظهوره
[ ٣ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) التوابع. فالتابع هو المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر. فخرج بالحاصل والمتجدد خبر المبتدأ والمفعول الثاني وحال المنصوب. وبغير خبر حامض من قولك: هذا حلو حامض. تنبيهات: الأول سيأتي أن التوكيد والبدل وعطف النسق تتبع غير الاسم وإنما خص حركة الاتباع فعلم أن ضمة التابع ليست ضمة إعراب لعدم الرافع، ولا ضمة بناء لعدم مقتضيه هذا هو التحقيق. ثم المراد الإعراب لفظًا أو تقديرًا أو محلا فيدخل نحو: حجر ضب خرب، فخرب تابع لحجر ورفعه مقدر ونحو: رحم الله سيبويه الذي كان ماهرًا في العربية، فسيبويه والذي متوافقان في الإعراب محلا. فائدة: الجواز يختص بالجر وبالنعت قليلًا والتوكيد نادرًا على ما في التسهيل والمغني. وقال الناظم في العمدة: يجوز في العطف لكن بالواو خاصة وجعل منه "وَأَرْجُلِكُمْ" في قراءة الجر، وضعفه في المغني بأن العاطف يمنع التجاوز، وعلى منع عطف الجوار يكون جر الأرجل للعطف على الرءوس لا لتمسح بل لينبه بعطفها على الممسوح على طلب الاقتصاد في غسلها الذي هو مظنة الإسراف؛ لكونها من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، وجيء بالغاية دفعًا لتوهم أنها تمسح؛ لأن المسح لم تضرب له غاية في الشرع كذا في الكشاف، ويلزم عليه إما استعمال المسح في حقيقته بالنسبة إلى الرءوس وفي مجازه وهو الغسل الشبيه بالمسح في قلة الماء بالنسبة إلى الأرجل. وصاحب الكشاف ممن يمنعه وإما جعل العطف من عطف الجمل بتقدير: وامسحوا بأرجلكم فكون الأرجل معطوفة على الرءوس على هذا باعتبار صورة اللفظ، وفي هذا حذف الجار وإبقاء عمله وهو ضعيف إلا أن يقال قوة الدلالة عليه بسبق مثله تدفع الضعف. قال شيخنا السيد: قال بعضهم الجر بالجوار مقيس عند سيبويه سماع عند الفراء ا. هـ. وفي الدماميني أن ابن جني أنكره وجعل خرب صفة ضب بتقدير مضاف أي: خرب جحره وإن حركة الجوار حركة مناسبة لا حركة إعرابية، وأن الحركة الإعرابية مقدرة بحسب ما يقتضيه عامل المتبوع، وعبارة المغني أنكر ابن جني الجر على الجوار وجعل خرب صفة لضب والأصل خرب جحره، ثم أنيب المضاف إليه عن المضاف فارتفع واستتر، ويلزمه استتار الضمير مع جريان الصفة على غير ما هي له، وهو لا يجوز عند البصريين وإن أمن اللبس. قوله: "وعطف" أي: بيان أو نسق. قوله: "الحاصل" أي: في هذا التركيب والمتجدد أي: تركيب آخر. قوله: "غير خبر" حال من ضمير المشارك. قوله: "فخرج بالحاصل والمتجدد" أي: بمجموعهما ولو قال فخرج بقولنا والمتجدد لكان أحسن؛ لأنه المخرج لخبر المبتدأ أي: غير الثاني من الخبر المتعدد كما يدل عليه ما بعده. قوله: "حامض إلخ" مقتضاه أن حامض خبر بعد خبر وهو الموافق لما سبق أن نحو: الرمان حلو حامض مما تعدد فيه الخبر لفظًا ولا ينافيه قول بعضهم أنه جزء خبر؛ لأنه ناظر إلى المعنى. قوله: "إن التوكيد" أي: اللفظي أما المعنوي فمختص بالأسماء كالنعت وعطف البيان؛ ولذلك كانت الأسماء أصلًا في ذلك. قوله: "لكونها الأصل في
[ ٣ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الأسماء بالذكر لكونها الأصل في ذلك. الثاني في قوله الأول إشارة إلى منع تقديم التابع على متبوعه. وأجاز صاحب البديع تقديم الصفة على الموصوف إذا كان لاثنين أو جماعة ذلك" فيكون تقديمها على الفاعل في عبارته للاهتمام لا للحصر. قوله: "إلى منع تقديم التابع إلخ" مثل التابع معموله فلا يجوز: هذا طعامك رجل يأكل. قال البعض: لأن المعمول لا يحل إلا حيث يحل عامله ا. هـ. وهو منقوض بنحو: زيدًا لم أضرب. وجوز الكوفيون تقديم المعمول ووافقهم الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، فجعل في أنفسهم متعلقًا ببليغًا. فائدة: يجوز الفصل بين التابع والمتبوع بغير أجنبي محض كمعمول الوصف نحو: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، ومعمول الموصوف نحو: يعجبني ضربك زيدًا الشديد وعامله نحو: زيدًا ضربت القائم ومفسر عامله نحو: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، ومعمول عامل الموصوف نحو: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [المؤمنون: ٩٢]، والمبتدأ الذي خبره فيه الموصوف نحو: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، الخبر نحو: زيد قائم العاقل والقسم نحو: زيد والله العاقل قائم وجواب القسم نحو: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]، والاعتراض نحو: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦]، والاستثناء نحو: ما جاءني أحد إلا زيدًا خير منك، ومن الفصل بين التأكيد والمؤكد: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]، وبين المعطوف والمعطوف عليه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فصل به الأيدي والأرجل على قراءة نصب الأرجل وبين البدل والمبدل منه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣]، بخلاف الأجنبي بالكلية من التابع والمتبوع فلا يقال: مررت برجل على فرس عاقل أبيض، وكذا لا يجوز فصل نعت المبهم ونحوه مما لا يستغنى عن الصفة من منعوته، فلا يقال: ضربت هذا زيدًا الرجل ولا الشعري طلعت العبور كذا في الهمع. واعترض الأخير باستغناء الشعري في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩]، وما ذكره من أن نصفه بدل من الليل هو أحد أوجه ذكرها البيضاوي وغيره، والاستثناء عليه من نصفه والضمير في منه وعليه للأقل من النصف كالثلث فيكون التخيير بين الأقل منه كالربع والأكثر منه كالنصف، ومنها أن الاستثناء من الليل ونصفه بدل من قليلًا فيكون التخيير بين النصف والزائد عليه كالثلثين والناقص عنه كالثلث. واعترضه الشهاب القرافي بأنه يقتضي تسمية النصف قليلًا وهي غير معروفة في استعمال اللغة واختار أن نصفه بدل من الليل إلا قليلًا وأن المراد بالليل الليالي بناء على استغراقية أل وبالقليل منها ليالي الأعذار كالمرض والسفر فأبدل نصفه من الليالي التي لا عذر فيها والمعنى قم الليالي التي لا عذر فيها نصفها أي: نصف كل منها لكن ذكر الضمير المضاف إليه نصف لكون الليل مفردًا مذكرًا في اللفظ، وأن المراد بالقليل في قوله: أو انقص منه قليلًا أو زد عليه أي: قليلًا هو السدس فخير -ﷺ- بين قيام نصف الليل وثلثه وثلثيه. قوله: "إذا كان" أي: الصفة والتذكير باعتبار المذكور أو النعت، وفي بعض النسخ إذا كانت
[ ٣ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد تقدم أحد الموصوفين، فتقول: قام زيد العاقلان وعمرو، ومنه قوله:
٨٠٨- ولَسْتُ مُقرًّا للرجال ظُلامَة أَبَى ذاك عَمِّي الأَكْرَمانِ وخَالِيا
وأجاز الكوفيون تقديم المعطوف بشروط تذكر في موضعها. الثالث اختلف في العامل في التابع فذهب الجمهور إلى أن العالم فيه هو العامل في المتبوع واختاره الناظم وهو ظاهر مذهب سيبويه. الرابع لم يتعرض هنا لبيان رتبة التابع. قال في التسهيل: ويبدأ عند اجتماع التوابع بالنعت، ثم بعطف البيان، ثم بالتوكيد، ثم بالبدل، ثم بالنسق أي: فيقال: جاء الرجل الفاضل أبو بكر نفسه أخوك وزيد. الخامس قدم في التسهيل باب التوكيد على باب النعت، وكذا فعل ابن السراج وأبو علي والزمخشري وهو حسن؛ لأن التوكيد بمعنى الأول، والنعت على خلاف معناه؛ لأنه يتضمن حقيقة الأول وحالًا من أحواله،
ــ
وهي ظاهرة. قوله: "ظلامة" قال البعض: منصوب بنزع الخافض أي: بظلامة ا. هـ. ولا حاجة إليه بل الظاهر أنه مفعول به حقيقة أي: ولست مبقيًا ظلامة لأحد بل أزيلها، قال العيني: وتبعه غيره كشيخنا والبعض وذاك إشارة إلى المذكور من الظلامة ا. هـ. والأحسن إرجاع الإشارة إلى إقرار الظلامة المفهوم من مقرا، وفتح ياء المتكلم جائز اختيارًا إجماعًا. فقول العيني حركت الياء للضرورة غير صحيح. قوله: "بشروط تذكر في موضعها" أي: عند قوله وحذف متبوع إلخ. قوله: "اختلف في العامل في التابع" أي: غير البدل بقرينة قوله فذهب إلخ؛ لأن مذهب الجمهور في البدل كما في الهمع أن عامله محذوف بدليل ظهوره جوازًا مع الظاهر ووجوبًا مع الضمير نحو: مررت بزيد به فإعادة عامل الجر في نحوه واجبة، وبهذا يعلم ما في كلام الإسقاطي من الخلل، وزيف الدماميني الدليل بجعل الجار والمجرور الثاني بدلًا من الجار والمجرور الأول والعامل ما قبل الجار الأول وهو غير معاد. وأما مذهب غيرهم فهو: أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه. قوله: "فذهب الجمهور" وقيل العامل في النعت والبيان والتوكيد التبعية، وقيل مقدر وفي النسق مقدر، وقيل: حرف العطف نيابة كذا في الدماميني والهمع، قال الدماميني: فائدة الخلاف عدم جواز الوقف على المتبوع دون التابع عند من قال العامل فيه هو الأول ا. هـ. ويظهر أن الأمر كذلك على القول بأن العامل التبعية تأمل.
قوله: "ثم عطف البيان" أي: ثم يبدأ به بدءًا عرفيا أي: بالنسبة لما بعده وكذا يقال فيما بعده، إلا قوله ثم بالنسق فلا يتأتى فيه البدء العرفي فيقدر له عامل يناسبه أي: ثم يؤتى بالنسق ولك تقديره في الكل. قوله: "لأن التوكيد بمعنى الأول" أي: فهو كالجزء من النعت لدلالة النعت على الأول وزيادة والجزء مقدم على الكل، وكون التوكيد بمعنى الأول ظاهر في التوكيد اللفظي وفي
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في الدرر ٦/ ١٧؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦١٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٧٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢.
[ ٣ / ٨٥ ]
فالنَّعتُ تابِعٌ مُتِمُّ ما سَبَقْ بوَسْمِه أو وَسْمِ ما بِهِ اعْتَلَقْ
_________________
(١) والتوكيد يتضمن حقيقة الأول فقط. وقدم في الكافية النعت كما هنا. وكذا فعل أبو الفتح والزجاجي والجزولي نظرًا لما سبق في التنبيه الرابع. "فالنعت" في عرف النحاة "تابع متم ما سبق" أي: مكمل المتبوع "بِوَسْمِه" أي: بوسم المتبوع أي: علامته "أو وسم ما به اعتلق" فالتابع جنس يشمل جميع التوابع المذكورة، ومتم ما سبق مخرج للبدل والنسق، وبوسمه أو وسم ما به اعتلق مخرج لعطف البيان والتوكيد؛ لأنهما شاركا النعت في إتمام ما سبق؛ لأن الثلاثة تكمل دلالته وترفع اشتراكه واحتماله، إلا أن النعت يوصل إلى ذلك بدلالته على معنى في المنعوت أو في متعلقه، والتوكيد والبيان ليسا كذلك. والمراد بالمتم المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام من توضيح نحو: جاءني زيد التاجر أو التاجر أبوه، أو تخصيص نحو: جاءني رجل تاجر أو تاجر أبوه، أو تعميم نحو: يرزق الله عباده الطائعين والعاصين الساعية أقدامهم والساكنة أجسامهم، أو مدح نحو: الحمد لله رب العالمين الجزيل عطاؤه، أو ذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، أو تَرَحُّم المعنوي بالنفس والعين، وأما بكل وأجمع ففيه نظر لزيادته لإفادة الشمول فتأمل. قوله: "وحالًا من أحواله" هذا في النعت الحقيقي، واقتصر عليه لكونه الأصل. قوله: "نظرًا لما سبق إلخ" أي: من كونه يبدأ به عند اجتماع التوابع. قوله: "متم ما سبق" أي: المقصود منه أصالة إتمام متبوعه أي: إيضاحه أو تخصيصه كما سيأتي، فلا يرد النعت لغير الإيضاح والتخصيص كالمدح والذم والتأكيد؛ لأن هذا أمر عارض، ومنه النعت الكاشف إذا خوطب به العالم بحقيقة المنعوت وسيدفع الشارح الإيراد بوجه آخر. وبحث في التعريف بأنه غير مانع لشموله، لقولهم: يا هذا ذا الجمة، مع أنه عطف بيان عند سيبويه كما سيأتي، والمراد ما سبق ولو تقديرًا ليشمل المنعوت المحذوف. قوله: " بوسمه" الباء سببية والوسم يطلق بمعنى العلامة، وجرى على هذا الشارح وعليه يقدر مضاف أي: بإفهام وسمه. ويطلق بالمعنى المصدري وهو الوسم بالسمة، وهي العلامة ولا تقدير على هذا. ومعنى العبارة تابع مكمل لمتبوعه بسبب دلالته على معنى في متبوعه، أو في سببي متبوعه والمراد الدلالة التضمنية، فلا يرد علمه من قولنا: نفعني زيد علمه؛ لأن دلالة لفظ علم على المعنى الذي في زيد مطابقية لا تضمنية. قوله: "مخرج للبدل والنسق" لأنهما لا يتمان متبوعهما لا بإيضاح ولا تخصيص أي: لم يقصد بهما ذلك أصالة فلا ينافي عروض الإيضاح للبدل بل ولعطف النسق في بعض الصور. قوله: "أو في متعلقه" بكسر اللام أي: ما تعلق به وهو السببي. قوله: "ليسا كذلك" لأن البيان عين الأول وكذا التوكيد اللفظي والمعنوي بالنفس والعين، وأما بكل وأجمع ففيه ما تقدم. قوله: "من توضيح" المراد به رفع الاشتراك اللفظي في المعارف، وبالتخصيص تقليل الاشتراك المعنوي في النكرات، فالنعت في الأول جار مجرى بيان المجمل وفي الثاني جار مجرى تقييد المطلق أفاده في التصريح. قوله: "أو تعميم" مجيء النعت للتعميم وما بعده مجاز؛ لأن أصل وضعه
[ ٣ / ٨٦ ]
وليُعْطَ في التَّعريف والتَّنْكيرِ ما لِمَا تلا كامْرُرْ بقَوم كُرَمَا
ــ
نحو: اللهم أنا عبدك المسكين المنكسر قلبه، أو توكيد نحو: أمس الدابر المنقضي أمده لا يعود، أو إبهام نحو: تصدقت بصدقة كثيرة أو قليلة ثوابها أو شائع احتسابها، أو تفصيل نحو: مررت برجلين عربي وعجمي كريم أبواهما لئيم أحدهما. ويسمى الأول من هذه الأمثلة نعتًا حقيقيا والثاني سببيا "فليعط" النعت مطلقًا "في التعريف والتنكير ما" أي: الذي "لما تلا" وهو المنعوت "كامرر بقوم كرما" وبقوم كرماء آباؤهم، وبالقوم الكرماء وبالقوم الكرماء آباؤهم.
تنبيهات: الأول ما ذكره من وجوب التبعية في التعريف والتنكير هو مذهب الجمهور. وأجاز الأخفش نعت النكرة إذا خصصت بالمعرفة، وجعل الأوليان صفة لآخران في قوله تعالى: ﴿فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]، وأجاز بعضهم وصف المعرفة بالنكرة، وأجازه ابن الطراوة بشرط كون الوصف خاصا بذلك الموصوف كقوله:
٨٠٩- أَبِيتُ كأنِّي ساوَرَتْنِي ضَئيلَةٌ من الرُّفْشِ في أَنْيابِها السمُّ ناقِعُ
ــ
للتوضيح أو التخصيص كذا في التصريح. قوله: "الرجيم" أي: الراجم للناس بالوسوسة أو المرجوم بالشهب أو اللعنة، وكون هذا النعت للذم لا ينافيه كونه تأكيدًا لما فهم من لفظ الشيطان. قوله: "أو إبهام" ينبغي أن يزاد أو شك ويمثل له بمثال الإبهام إذا لم يعرف المتكلم حقيقة الأمر وكان شاكا نبه عليه الدماميني. ثم نقل عن ابن الخباز: أن النعت يجيء لإعلام المخاطب بأن المتكلم عالم بحال المنعوت، كقولك: جاء قاضي بلدك الكريم قيه إذا كان المخاطب يعلم اتصاف القاضي بذلك، ولم تقصد مجرد المدح بل قصدت إعلام مخاطبك بأنك عالم بحال الموصوف. وعن بعضهم أنه قد يكون النعت لإفادة رفعة معناه نحو: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، أجرى هذا الوصف على النبيين لإفادة عظم قدر الإسلام.
قوله: "في التعريف والتنكير" في بمعنى من البيانية لما الأولى، وقول شيخنا لما في لما تلا سهو والواو بمعنى؛ أو لأن الثابت للمتلوّ أحدهما. وقوله تلا صلة أو صفة جرت على غير ما هي له، ولم يبرز جريًا على المذهب الكوفي. قوله: "بالمعرفة" متعلق بنعت. قوله: "وأجاز بعضهم وصف المعرفة بالنكرة" أي: مطلقًا بقرينة مقابلته بما بعده. قوله: "ساورتني" أي: واثبتني بمعنى وثبت عليّ فالمفاعلة على غير بابها ضئيلة بفتح الضاد المعجمة وكسر الهمزة وهي الحية الدقيقة التي أتى عليها سنون كثيرة فقلّ لحمها واشتد سمها. والرقش بضم الراء وسكون القاف آخره شين معجمة
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص٣٣؛ وخزانة الأدب ٢/ ٤٥٧؛ والحيوان ٤/ ٢٤٨؛ والدرر ٦/ ٩؛ وسمط اللآلي ص٤٨٩؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٠٢؛ والكتاب ٢/ ٨٩؛ ولسان العرب ٤/ ٥٠٧ "طور" ٥/ ٢٠٢ "نذر"، ٨/ ٣٦٠ "نقع"؛ ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٧٣؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ٢/ ١١٧.
[ ٣ / ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصحيح مذهب الجمهور، وما أوهم خلاف ذلك مؤول. الثاني استثنى الشارح من المعارف المعرف بلام الجنس قال: فإنه لقرب مسافته من النكرة يجوز نعته بالنكرة المخصوصة، ولذلك تسمع النحويين يقولون في قوله:
٨١٠- وَلَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّنِي فأعِفُّ ثمّ أقول لا يَعْنِينِي
أن يسبني صفة لا حال؛ لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم من اللئام. ومنه قوله تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقولهم: ما ينبغي للرجل مثلك أو خير
ــ
جمع رقشاء وهي الحية التي لها نقط سود وبيض ومن تبعيضية. وقول البعض للبيان غير ظاهر وناقع بالنون والقاف أي: بالغ في الإهلاك وفيه الشاهد حيث وصف به السم وهو معرفة؛ لأنه لا يوصف به غير السم ولا يرد قولهم دم ناقع؛ لأنه بمعنى طري. قوله: "مؤوّل" أي: بجعل التابع بدلًا فالأوليان أي: الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتها بدل من آخران، وناقع بدل من السم.
ويصح جعل الأوليان خبر محذوف أي: هما الأوليان أو خبر آخران لتخصيصه بالصفة أو مبتدأ خبره آخران أو بدلًا من الضمير في يقومان، وجعل ناقع خبرًا ثانيًا للسم. قوله: "المعرّف بلام الجنس" أي: لام الحقيقة في ضمن فرد غير معين، وتسميها أهل المعاني لام العهد الذهني لعهد الحقيقة في الذهن. قوله: "لقرب مسافته من النكرة" أي: لعدم تعين شيء من الأفراد فيهما.
قوله: "بالنكرة المخصوصة" أي: بإضافة أو عمل كما يؤخذ من التمثيل بقولهم ما ينبغي للرجل إلخ، وقول البعض أي: بوصف أو إضافة كما يؤخذ من الأمثلة سهو منشؤه توهم أن منك صفة لخير، وهو باطل بل هو ظرف لغو متعلق بخير، والمراد النكرة المخصوصة وما في حكمها وهو الجملة كما يؤخذ من التمثيل بالبيت والآية، وقد يستفاد من تعبيره بالجواز أن الأحسن النعت بالمعرفة نظرًا للفظ وهو كذلك. قوله: "لا حال" جوّز جماعة الحالية نظرًا لصورة التعريف، وما ردّ به من أنه ليس المعنى أنه يمر عليه في حال السب بل المراد أن ذلك دأبه يردّ بأنا لا نسلم أنه ليس المعنى ما ذكر، بل المراد أن ذلك دأبه لم لا يجوز أن يكون المعنى ما ذكر ولئن سلم فجعل الحال لازمة يفيد أن ذلك دأبه. قوله: "وآية لهم الليل" أي: حقيقة الليل في ضمن فردّ ما من الليالي فلا ينافيه أن الواقع سلخ النهار من أفراد الليل فلا اعتراض. قوله: "بالأخص" أي: الأقل
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو لرجل من بني سلول في الدرر ١/ ٧٨، وشرح التصريح ٢/ ١١؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣١٠؛ والكتاب ٣/ ٢٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨؛ ولشمر بن عمرو الحنفي في الأصمعيات ص١٢٦؛ ولعميرة بن جابر الحنفي في حماسة البحتري ص١٧١؛ وبلا نسبة في الأزهية ص٢٦٣؛ والأشباه والنظائر ٣/ ٩٠؛ والأضداد ص١٣٢؛ وأمالي ابن الحاجب ص٦٣١؛ وأوضح المسالك ٣/ ٢٠٦؛ وجواهر الأدب ص٣٠٧؛ وخزانة الأدب ١/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣/ ٢٠١، ٤/ ٢٠٧، ٢٠٨، ٥/ ٢٣، ٥٠٣، ٧/ ١٩٧، ٩/ ١١٩، ٣٨٣؛ والخصائص ٢/ ٣٣٨، ٣/ ٣٣٠؛ والدرر ٦/ ١٥٤؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٢٢١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤١؛ وشرح ابن عقيل ص٤٧٥؛ والصاحبي في فقه اللغة ص٢١٩؛ ولسان العرب ١٢/ ٨١ "ثم"، ١٥/ ٢٩٦ "منن"، ومغني اللبيب ١/ ١٠٢، ٢/ ٤٢٩، ٦٤٥، وهمع الهوامع ١/ ٩، ٢/ ١٤٠.
[ ٣ / ٨٨ ]
وهُوَ لَدَى التَّوْحيدِ والتَّذْكيرِ أو سِواهُما كالفِعْلِ فاقْفُ ما قَفَوا
_________________
(١) منك أن يفعل كذا. الثالث لا يمتنع النعت في النكرات بالأخص نحو: رجل فصيح وغلام يافع. وأما في المعارف فلا يكون النعت أخص عند البصريين بل مساويًا أو أعم. وقال الشلوبين والفراء: ينعت الأعم بالأخص، قال المصنف: وهو الصحيح. وقال بعض المتأخرين: توصف كل معرفة بكل معرفة كما توصف كل نكرة بكل نكرة ا. هـ. "وهو لدى التوحيد والتذكير أو سواهما" وهو التثنية والجمع والتأنيث "كالفعل فاقف ما قفوا" أي: يجري النعت في مطابقة المنعوت وعدمها مجرى الفعل الواقع موقعه، فإن كان جاريًا على الذي هو له رفع ضمير المنعوت وطابقه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجلين حسنين وامرأة حسنة، كما تقول مررت برجلين حسنا وامرأة حسنت. وإن كان جاريًا على ما هو لشيء من سببيه فإن لم يرفع السببي فهو كالجاري على ما هو له في مطابقته للمنعوت؛ لأن مثله في رفعه ضمير المنعوت نحو: مررت بامرأة حسنة الوجه أو حسنة وجهًا، وبرجلين كريمي الأب أو كريمين أبًا، وبرجال حسان الوجوه أو حسان شيوعًا. قوله: "يافع" بالتحتية ثم الفاء أي: مراهق. قوله: "فلا يكون النعت أخص" أي: أعرف كما في سم فنحو: بالرجل أخيك التابع بدل لا نعت لئلا يفضل التابع على المتبوع، وقد أسلفنا رده في باب النكرة والمعرفة. قوله: "أو أعم" أي: أقل تعريفًا. قوله: "ينعت الأعم بالأخص" قال البعض أي: فقط وإلا ساوى ما بعده ا. هـ. وترجاه شيخنا وفيه نظر إذ يبعد كل البعد أن الفراء والشلوبين يوجبان وصف الأعم بالأخص مع منع غيرهما أيا، ولا يجيزان الوصف بالأعم أو المساوي مع إيجاب غيرهما إياه، وأي ضرر في كون ما بعده مساويًا له فيكون سوقه لتأييده ثم رأيت ما يؤيد ما قلته بخط بعض الأفاضل. قوله: "توصف كل معرفة بكل معرفة" أي: إلا اسم الإشارة فإنه لا يوصف إلا بذي أل إجماعًا وإنما وصفوه باسم الجنس المعرّف بأن لبيان حقيقة الذات المشار إليها إذ لا دلالة لاسم الإشارة على حقيقتها، وألحق به الموصول؛ لأنه مع صلته بمعنى ذي اللام؛ ولأن الموصول الذي يقع صفة ذو لام، وإن كانت زائدة وكما يجوز في تابع اسم الإشارة كونه نعتًا من حيث دلالته على معنى في متبوعه يجوز كونه عطف بيان من حيث إيضاحه له، والأول مبني على ما عليه جمع محققون أنه لا يشترط كون النعت مشتقا أو مؤوّلًا به. والثاني مبني على أنه لا يشترط في البيان أن يكون أعرف من المبين وهو الصحيح. قوله: "لدى التوحيد إلخ" أي: عند ملاحظة التوحيد إلخ. قوله: "الواقع موقعه" أي: الذي يقع في محل النعت على خلاف الأصل. قوله: "وطابقه في الإفراد إلخ" أورد عليه نحو: نطفة أمشاج وبرمة أعشار وثوب أخلاق. وأجيب بأن النطفة لما كانت مركبة من أشياء كل منها مشيج. والبرمة من أعشار هي قطعها. والثوب من قطع كل منها خلق كان كل من الثلاثة مجموع أجزاء فجاز وصفه بالجمع. وقيل أفعال في مثل ذلك واحد لا جمع كذا في الدماميني. قوله: "على ما هو إلخ" أي: على منعوت
[ ٣ / ٨٩ ]
وانْعَتْ بِمُشتقٍّ كصَعْب وذَرِبْ وشِبْهِهِ كذا وذي والمُنْتَسِبْ
_________________
(١) وجوهًا، وإن رفع السببي كان بحسبه في التذكير والتأنيث كما هو في الفعل، فيقال: مررت برجال حسنة وجوههم، وبامرأة حسن وجهها، كما يقال: حسنت وجوههم وحسن وجهها. تنبيهات: الأول يجوز في الوصف المسند إلى السببي المجموع الإفراد والتكسير فيقال: مررت برجل كريم آباؤه وكرام آباؤه. الثاني قد يعامل الوصف الرافع ضمير المنعوت معاملة رافع السببي إذا كان معناه له، فيقال: مررت برجل حسنة العين، كما يقال: حسنت عينه، حكى ذلك الفراء وهو ضعيف، وذهب كثير منهم الجرمي إلى منعه. الثالث أفهم قوله كالفعل جواز تثنية الوصف الرافع للسببي، وجمعه الجمع المذكر السالم على لغة أكلوني البراغيث، فيقال: مررت برجل كريمين أبواه، وجاءني رجل حسنون غلمانه، الرابع ما ذكره من مطابقة النعت للمنعوت مشروط بأن لا يمنع منها مانع كما في صبور وجريح وأفعل من ا. هـ "وانعت بمشتق" والمراد به ما دل على حدث وصاحبه، وذلك اسم الفاعل كضارب هو أي: النعت أي: معناه ثابت لشيء من سببيه أي: هو سببيه أو بعض أفراد سببيه. قوله: "كان" أي: النعت بحسبه أي: السببي وقوله في التذكير والتأنيث أي: وأما في الإفراد وضديه فسيأتي في التنبيه الأول والثالث. وقوله كما هو في الفعل أي: كحال هو أي: الحال في الفعل إذا وقع نعتًا مثلًا. قوله: "يجوز في الوصف إلخ" أي: على اللغة الفصحى فظهر وجه اقتصاره على الإفراد والتكثير؛ وذلك لأن التصحيح إنما يجوز على لغة أكلوني البراغيث. وسيصرح بهذا في التنبيه الثالث، ولم يتنبه البعض لهذا التحقيق فقال ما قال. واختلف في الأفصح من الإفراد والتكسير فالتكسير أفصح عند سيبويه، والمبرد قال في المغني: وهو الأصح وعكس الشلوبين وطائفة. وفصل آخرون فقالوا: إن كان النعت تابعًا لجمع فالتكسير أفصح وإن كان لمفرد أو مثنى فالإفراد أفصح، كذا في التصريح قال الدماميني: وإنما لم يضعف نحو: مررت برجل كرام آباؤه مع ضعف كريمين آباؤه؛ لأن اسم الفاعل المشابه للفعل إذا كسر خرج عن موازنة الفعل ومناسبته؛ لأن الفعل لا يكسر بخلافه إذا صحح ا. هـ. ووجه أفصحية التكسير إذا تبع جمعًا المشاكلة. قوله: "المجموع" فإن كان السببي مثنى تعين الإفراد على اللغة الفصحى. فائدة: يجوز مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، وإن لزم استتار الضمير في قاعدين مع جريان الصفة على غير من هي له؛ لأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، ويمتنع قائمين لا قاعد أبواه على إعمال الثاني للزوم وما ذكر في الأوائل أفاده في المغني. قوله: "قد يعامل إلخ" فيه إشارة إلى أنه قليل والكثير المطابقة كما مر. قوله: "إذا كان معناه" أي: الوصف له أي: السببي. قوله: "أفهم قوله كالفعل إلخ" وأفهم أيضًا جواز نحو: برجل قائم اليوم أمه للفصل ونحو: بامرأة حسن نغمتها، لمجازية التأنيث وبه صرح بعضهم سم. قوله: "بأن لا يمنع منها مانع" ككون الوصف يستوي فيه المذكر والمفرد وأضدادهما وكونه أفعل تفضيل مجردًا أو مضافًا لمنكور. قوله: "وانعت بمشتق إلخ" المتبادر منه أنه يشترط في النعت كونه مشتقا أو مؤوّلًا به وهو رأي
[ ٣ / ٩٠ ]
ونَعَتُوا بجمْلَةٍ مُنْكّرًا فَأُعْطِيَتْ ما أُعْطِيَتْهُ خَبرا
_________________
(١) وقائم واسم المفعول كمضروب ومهان والصفة المشبهة. "كصعب وذرب" وأفعل التفضيل كأقوى وأكرم، ولا يرد اسم الزمان والمكان والآلة؛ لأنها ليست مشتقة بالمعنى المذكور وهو اصطلاح "وشبهه" أي: شبه المشتق والمراد به ما أقيم مقام المشتق في المعنى من الجوامد "كذا" وفروعه من أسماء الإشارة عبر المكانية "وذي" بمعنى صاحب والموصولة وفروعهما "والمنتسب" تقول: مررت بزيد هذا، وذي المال، وذو قام، والقريشي، فمعناها الحاضر وصاحب المال، والقائم، والمنسوب إلى قريش "ونعتوا بجملة" بثلاثة شروط: شرط في المنعوت وهو أن يكون "منكرًا" إما لفظًا ومعنى نحو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ الأكثرين وذهب جمع محققون كابن الحاجب إلى عدم الاشتراط وأن الضابط دلالته على معنى في متبوعه كالرجل الدال على الرجولية قاله الدماميني. قوله: "وذلك اسم الفاعل" أراد به ما يشمل أمثلة المبالغة. قوله: "ومهان" كان عليه أن يأتي بالمزيد في اسم الفاعل كما أتى به في اسم المفعول، وأن يأتي باللازم في اسم المفعول كما أتى به في اسم الفاعل، ويمكن أن يجعل في كلامه احتباك. قوله: "وذرب" بالذال المعجمة الحاد من كل شيء وبالمهملة المعتاد للأشياء الخبير بها. قوله: "ليست مشتقة بالمعنى المذكور" لأنها لا تدل على صاحب الحدث أي: فاعله أو مفعوله بل هي مشتقة بالمعنى الأعم، وهو ما أخذ من المصدر للدلالة على شيء منسوب للمصدر، فمفتاح مثلًا مأخوذ من الفتح للدلالة على آلة منسوبة للفتح، ومرمى مأخوذ من الرمي للدلالة على مكان أو زمان منسوب للرمي. قوله: "وهو" أي: المشتق بالمعنى المذكور اصطلاح أي: لهم في مثل هذا المقام ولا يرد كونها مشتقة باصطلاح آخر. قوله: "في المعنى" أي: من جهة دلالته على معناه. قوله: "غير المكانية" أما هي كمررت برجل هنا أو هناك أو ثم أو ثم فمتعلقة بمحذوف صفة لرجل فهي ظروف لا صفات بل الصفات متعلقاتها. قوله: "والموصولة" إنما يكون قول الناظم وذي شاملًا للموصولة على لغة إعرابها، أما على لغة البناء فلا؛ لأنها بالواو لزومًا على هذه اللغة لا بالياء. ومثلها في الوصف بها سائر الموصولات المبدوءة بهمزة الوصل بخلاف نحو: من وما. قوله: "وذي المال" هل يجوز أن يقال برجل ذي مال أبوه على أن ذي رافع للأب نقل ابن جني عن الأكثرين المنع وعللوه بثلاثة أوجه ذكرها شيخنا فراجعه. قوله: "وذو قام" كذا في نسخ بالواو على لغة بناء ذو الموصولة، لكنه لا يناسب ما جرى عليه الشارح من شمول ذي في كلام المصنف للموصولة؛ لأن شموله للموصولة إنما يجيء على لغة الإعراب؛ لأنها في كلامه بالياء وفي نسخ وذي قام بالياء وهي المناسبة للشمول المذكور. قوله: "شرط في المنعوت إلخ" فيه شرط آخر وهو أن يكون مذكورًا إن لم يكن بعض اسم متقدم مجرور بمن أو في كما سيأتي ا. هـ تصريح. وأما أنا ابن جلا فضرورة. قوله: "أن يكون منكرًا" أي: لتأوّل الجملة بالنكرة فنحو: جاء رجل قام أبوه أو أبوه قائم من كل وصف بجملة
[ ٣ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، أو معنى لا لفظًا وهو المعرف بأل الجنسية كقوله:
٨١١- وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
وشرطان في الجملة: أحدهما أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف إما ملفوظ كما تقدم أو مقدر كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، أي: لا تجزي فيه أو بدل منه كقوله:
٨١٢- كَأَنَّ حَفِيفَ النَّبْلِ من فَوْق عَجْسِهَا عوَازِبُ نَخْل أَخْطأَ الغارَ مُطْنِفُ
أي: أخطأ غارها، فأل بدل من الضمير وإلى هذا الشرط الإشارة بقوله: "فأعطيت ما
ــ
المجهول فيها اتصاف المسند إليه بالمسند في تأويل جاء رجل قائم أبوه ونحو: جاء رجل أبوه القائم أو أبوه زيد من كل وصف بجملة المجهول فيها اتحاد ذاتيهما في تأويل جاء رجل كائن ذات أبيه ذات القائم أو ذات زيد، كذا في الدماميني عن ابن الحاجب والرضي لا لكون الجمل نكرات وإن جرى على ألسنتهم، ووجهه بعضهم بما ردّه الرضي ثم قال: والحق أن الجملة ليست معرفة ولا نكرة؛ لأن التعريف والتنكير من عوارض مدلول الاسم والجملة من حيث هي جملة ليست اسمًا، وإنما جاز نعت النكرة بها دون المعرفة لتأولها بالنكرة كما مر.
قوله: "على ضمير يربطها بالموصوف" اقتصر على الضمير؛ لأن الرابط هنا لا يكون إلا للضمير بخلاف الخبر والفرق أن المنعوت لا يستلزم النعت صناعة، فضعف طلبه له فاحتيج لدليل قوي يدل على ارتباط الجملة به، وأنها نعت له بخلاف المبتدأ فإنه يستلزم الخبر، فقوي طلبه له فاكتفى بأي دليل يدل على ارتباط الجملة به، وأنها خبر عنه أفاده سم. ورأيت بخط بعض الفضلاء أن الصحيح عدم تقييد الربط هنا أيضًا بالضمير. قوله: "أي: لا تجزي فيه" وهل حذف الجار والمجرور معًا أو الجار وحده فانتصب الضمير واتصل بالفعل، ثم حذف منصوبًا قولان: الأول عن سيبويه. والثاني عن الأخفش.
تصريح. قوله: "أو بدل منه" معطوف على ضمير. قوله: "كأن حفيف النبل" بالحاء المهملة أي: دويّ ذهاب السهام ومن فوق حال من النبل، وضمير عجسها للقوس. والعجس بتثليث العين المهملة فجيم فسين مهملة مقبض القوس. والعوازب بعين مهملة وبعد الألف زاي جمع عازبة من عزبت الإبل إذا بعدت في المرعى. ومطنف بضم الميم وكسر النون فاعل أخطأ، والمطنف الذي يعلو الطنف كجبل وهو رأس الجبل وأعلاه، وكأن المعنى أخطأ غارها منطفها أي: العالي منها رأس الجبل الذي هو أي: ذلك المنطف كدليلها الذي تتبعه في السير وقيد بقوله أخطأ إلخ؛ لأن النحل إذا تاه عن محله عظم دويه.
_________________
(١) راجع التخريج رقم ٨١٠.
(٢) البيت من الطويل، وهو للشنقري في ديوانه ص٥٤؛ والأغاني ٢١/ ٢١٣؛ ولسان العرب ٩/ ٢٢٤ "طنف"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٨٥.
[ ٣ / ٩٢ ]
وامْنَعْ هنا إيقاعَ ذاتِ الطَّلَبِ وإنْ أَتَتْ فالقَولَ أَضْمِرْ تُصِبِ
ونَعَتُوا بمصْدَرٍ كثيرًا فالتزموا الإفرادَ والتَّذكيرا
ــ
أعطيته خبرا" والثاني أن تكون خبرية أي: محتملة للصدق والكذب وإليه الإشارة بقوله: "وامنع هنا إيقاع ذات الطلب" فلا يجوز مررت برجل أضربه أو لا تهنه، ولا بعبد بعتكه قاصدًا إنشاء البيع "وإن أتت" الجملة الطلبية في كلامهم "فالقول أضمر تصب" كقوله:
٨١٣- جَاءُوا بِمَذْقٍ هل رأيت الذِّئبَ قَطْ
أي: جاءوا بلبن مخلوط بالماء مقول فيه عند رؤيته هذا الكلام.
تنبيهان: الأول ذكر في البديع أن الوصف بالجملة الفعلية أقوى منه بالجملة الاسمية. الثاني فهم من قوله:
أعطيت ما أعطيته خبرًا أنها لا تقترن بالواو بخلاف الحالية فلذلك لم يقل ما أعطيته حالًا "ونعتوا بمصدر كثيرًا" وكان حقه أن لا ينعت به لجموده، ولكنهم فعلوا ذلك قصدًا للمبالغة أو توسعًا
ــ
قوله: "فأعطيت ما أعطيته خبرًا" أي: من أصل الربط وإن كان في النعت بالضمير فقط، وفي الخبر به وبغيره على ما تقدم. قوله: "أن تكون خبرية" أي:
لأن النعت يوضح المنعوت أو يخصصه، والجملة لا تصلح لذلك إلا إذا كان مضمونها معلومًا للسامع قبل. ومضمون الجملة الإنشائية غير معلوم قبل. قوله: "وامنع هنا" أي: لا في الخبر على المختار، وكالنعت الحال ففي المفهوم تفصيل. قوله: "جاءوا بمذق إلخ" قبله:
حتى إذا جنّ الظلام واختلط
وصف به قومًا ما أضافوه وأطالوا عليه، ثم أتوه بلبن مخلوط بالماء حتى صار لونه في العشية يشبه لون الذئب في قلة البياض. والمذق بفتح الميم وسكون الذال المعجمة مصدر مذقت اللبن إذا خلطته بالماء، والمراد به هنا الممذوق. قوله: "أن الوصف بالجملة الفعلية أقوى" أي: لاشتمالها على الفعل المناسب للوصف في الاشتقاق، وأما الاسمية فقد تخلو عن المشتق بالكلية نحو: جاء رجل أبوه زيد، هكذا ينبغي تقرير التوجيه، ونقل شيخنا عن الدماميني أن الماضي أكثر من المضارع. قوله: "لا تقترن بالواو" خلافًا للزمخشري كما في الدماميني. قوله:
_________________
(١) قبله: حتى إذا جنّ الظلام واختلط والرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣٠٤؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٠٩؛ والدرر ٦/ ١٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١١٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٦١؛ وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ١١٥؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣١٠؛ وخزانة الأدب ٣/ ٣٠، ٥/ ٢٤، ٤٦٨، ٦/ ١٣٨؛ وشرح ابن عقيل ص٤٧٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٤١؛ وشرح المفصل ٣/ ٥٢، ٥٣؛ ولسان العرب ٤/ ٢٤٨ "خضر"؛ ١٠/ ٣٤٠ "مذق"؛ والمحتسب ٢/ ١٦٥؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٤٦، ٢/ ٥٨٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ١١٧.
[ ٣ / ٩٣ ]
وَنَعْتُ غَيْرِ واحِدٍ إذا اخْتَلَفْ فعاطِفًا فَرِّقْه لا إذا انْتَلَفْ
_________________
(١) بحذف مضاف "فالتزموا الإفراد والتذكيرا" تنبيهًا على ذلك. فقالوا: رجل عدل ورضا وزور، وامرأة عدل ورضا وزور، ورجلان عدل ورضا وزور، وكذا في الجمع أي: هو نفس العدل أو ذو عدل، وهو عند الكوفيين على التأويل بالمشتق أي: عادل ومرضي وزائر. تنبيهان: الأول وقوع المصدر نعتًا وإن كان كثيرًا لا يطرد كما لا يطرد، وقوعه حالًا وإن كان أكثر من وقوعه نعتًا. الثاني أطلق المصدر وهو مقيد بأن لا يكون في أوله ميم زائدة كمزاد ومسير فإنه لا ينعت به لا باطراد ولا بغيره "ونعت غير واحد إذا اختلف "تنبيهًا على ذلك" أي: ما ذكر من قصد المبالغة والتوسع؛ ولأن المصدر من حيث هو مصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث وإنما كان منبهًا على قصد المبالغة؛ لأن معنى قصد المبالغة جعل الموصوف نفس المعنى مجازًا لكثرة وقوعه منه، والمعنى شيء واحد مذكر على حذف المضاف؛ لأن المصدر يكون كذلك أي: مفردًا مذكرًا لو صرح بالمضاف نحو: هند ذات عدل والزيدان ذوا عدل وهكذا. قوله: "وهو عند الكوفيين إلخ" قد خالف كل من الفريقين مذهبه في باب الحال في أتيته ركضًا، فقال البصريون: إن ركضًا بمعنى راكضًا والكوفيون أنه على تقدير مضاف. وقد يقال إن كلا ذكر في كل من الموضعين ما هو بعض الجائز عنده. قوله: "على التأويل بالمشتق" أي: الذي بمعنى الفاعل كثيرًا كما في عدل وزور، وبمعنى المفعول قليلًا كما في رضا قاله الدماميني. فائدة: قيل من النعت بالمصدر على التأويل باسم المفعول أو تقدير المضاف قولهم مررت برجل ما شئت من رجل؛ لأن ما مصدرية، ومثله قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، وارتضى في المغني أن ما شرطية حذف جوابها أي: فهو كذلك ومجموع الجملتين نعت، وأن ما في الآية إما زائدة فالنعت جملة شاء وحدها بتقدير الرابط أي: شاءها وفي متعلقة بركبك أو باستقرار محذوف حال من مفعوله أو بعدلك أي: وضعك في صورة أي صورة شاء، وإما شرطية، فالنعت مجموع الجملتين والرابط محذوف أي: ما شاء تركيبك ركبك عليها، وفي متعلقة بعدلك لا بركبك؛ لأن الجواب لا يعمل فيما قبل أداة الشرط. قوله: "لا يطرد" أي: بل يقتصر على ما سمع منه، ولما لم يستفد من هذا التنبيه أن المسموع منه غير ميمي أتى بالتنبيه الثاني لإفادة ذلك. ولي في المقام بحث وهو أنهم كيف حكموا بعدم الاطراد مع أن وقوع المصدر نعتًا أو حالًا إما على المبالغة أو على المجاز بالحذف إن قدر المضاف أو على المجاز المرسل الذي علاقته التعلق إن أول المصدر باسم الفاعل أو اسم المفعول، وكل من الثلاثة مطرد كما صرح به علماء المعاني. اللهم إلا أن يدعي اختلاف مذهبي النحاة وأهل المعاني، أو أن المطرد عند أهل المعاني وقوع المصدر على أحد الأوجه الثلاثة إذا كان غير نعت أو حال كأن يكون خبرًا نحو: زيد عدل فتدبر. قوله: "ونعت غير واحد" بالرفع مبتدأ ولا يجوز نصبه؛ لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها
[ ٣ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فعاطفًا فرقه لا إذا ائتلف" مثال المختلف: مررت برجلين كريم وبخيل، ومثال المؤتلف: مررت برجلين كريمين أو بخيلين. ويستثنى من الأول اسم الإشارة فلا يجوز تفريق نعته، فلا يقال مررت بهذين الطويل والقصير نص على ذلك سيبويه وغيره كالزيادي والزجاج والمبرد. قال الزيادي وقد يجوز ذلك على البدل أو عطف البيان. تنبيهات: الأول قيل يندرج في غير الواحد ما هو مفرد لفظًا مجموع معنى كقوله: فلا يفسر عاملًا. والمراد بغير الواحد ما دل على متعدد مثنى أو جمعًا أو اسم جمع أو اسم جنس أو اسمين متعاطفين أو أسماء متعاطفة كذا فسر الدماميني وأورد عليه أن نحو: زيد وعمرو إذا اختلف نعته لا يجب فيه التفريق بالعطف، بل يجوز فيه ذكر كل نعت بجانب منعوته نحو: جاء زيد العاقل وعمرو الكريم. وما أجيب به من أن المراد بالتفريق ما يشمل إيلاء كل نعت منعوته يرده قوله فعاطفًا إلا أن يقال عاطفًا في الجملة وأيضًا على ما فسر به الدماميني يرد على قوله لا إذا ائتلف نحو: أعطيت زيدًا أباه مما اتفق فيه المنعوتان إعرابًا لا بسبب العطف فإنه يمتنع جمعهما في وصف واحد، بل يفرد كل بوصف أو يجمعان في نعت مقطوع؛ لأن التابع في حكم المتبوع ولا يكون اسم واحد مفعولًا أولًا، وثانيًا نص على ذلك الرضي فقول المصنف: لا إذا ائتلف أي: فلا يفرق بل يجمع محله ما لم يمنع مانع أفاده سم. وفي هذا الإيراد نظر؛ لأن المنعوت في هذه الصورة ليس من غير الواحد بتفسير الدماميني لعدم العطف فاعرفه ولو أريد بغير الواحد المثنى والمجموع لم يرد شيء من ذلك فتأمل. قوله: "إذا اختلف" أي: لفظًا ومعنى كالعاقل والكريم أو معنى لا لفظًا كالضارب من الضرب بالعصا مثلًا، والضارب من الضرب في الأرض أي: السير فيها أو لفظًا لا معنى كالذاهب والمنطلق. قوله: "فعاطفًا فرقه" أي: ففرق النعت حال كونك عاطفًا بالواو فقط، إجماعًا إذ لو قيل مررت برجلين صالح فطالح أو ثم طالح لم يستفد الترتيب في المرور، بل في حصول الوصفين للرجلين والترتيب في هذا غير مراد أفاده الدماميني. وأما قول ابن الحاجب الإدغام: أن تأتي بحرفين ساكن فمتحرك، فمردود بخلاف ما إذا كان المنعوت واحدًا فإنه يجوز العطف بغير الواو، حكى سيبويه مررت برجل راكب فذاهب وبرجل راكب ثم ذاهب قاله زكريا أي: لأن قصد الترتيب في حصول الوصفين للرجل سائغ. قوله: "كريمين" أي: بالتثنية ولا يجوز كريم وكريم بالتفريق، نعم يجوز مررت بإنسانين صالح وصالحة إذ لم يتفقا إلا بالتغليب فالنعت مختلف في الحقيقة فجاز تفريقه نظرًا لذلك وجمعه نظرًا للاتحاد في التغليب. قوله: "ويستثنى من الأول" اعترض بأنه لا استثناء؛ لأن نعت اسم الإشارة لا يكون مختلفًا أصلًا فهو خارج بقوله إذا اختلف. قوله: "فلا يجوز تفريق نعته" أي: لوجوب مطابقته له لفظًا، قال الدماميني: اختص نعت اسم الإشارة بأمور: منها هذا. ومنها وجوب كونه ذا أل. ومنها امتناع فصله من موصوفه فلا يجوز مررت بهذا في الدار الفاضل وإن جاز مررت بالرجل في الدار الكريم. ومنها امتناع قطعه، وأما كونه جنسًا لا وصفًا فغالب لا لازم. قوله: "فلا يقال مررت بهذين الطويل والقصير" أي: على النعتية بقرينة ما يأتي. قوله: "قيل
[ ٣ / ٩٥ ]
وَنَعْتَ مَعْمولَيْ وَحِيدَيْ مَعْنى وعَمَل أَتْبِع بغَيْر استثنا
_________________
(١) فَوَافَيناهُمُ مِنّا بجَمْعٍ كأُسْدِ الغابِ مُرْدانٍ وشِيبِ وفيه نظر. الثاني قال في الارتشاف: والاختيار في مررت برجلين كريم وبخيل القطع. الثالث قال في التسهيل: يغلب التذكير والعقل عند الشمول وجوبًا وعند التفصيل اختيارًا "ونعت معمولي" عاملين "وحيدي معنى وعمل أتبع بغير استثنا" أي: أتبع مطلقًا ــ يندرج إلخ" أي: لأن المراد بغير الواحد كما مر ما دل على متعدد والنظر الذي ذكره الشارح مبني على أن المراد به المثنى والمجموع فقط، وقد مر خلافه عن الدماميني وعليه فالنظر غير وارد. قوله: "والاختيار في مررت برجلين كريم وبخيل القطع" قال شيخنا: انظره مع ما سيأتي من وجوب اتباع النكرة بنعت ا. هـ. ولا وجه للتوقف؛ لأن ما يأتي فيما إذا اتحد المنعوت وتعدد نعته. قوله: "عند الشمول" أي: جمع النعوت في لفظ واحد نحو: مررت برجل وامرأة صالحين وبرجل وامرأتين صالحين وبرجل وأفراس سابقين، ويمتنع صالحتين وصالحات وسابقات والتغليب بالعقل خاص بجمع المذكر. قوله: "وعند التفصيل اختيارًا" مراده بالتفصيل التفريق. قال الدماميني: تقول على التغليب: مررت بعبيد وأفراس سابقين وسابقين وعلى عدمه سابقين وسابقات ا. هـ. أي: أو سابقات وسابقين والظاهر أن مثله في جواز التغليب وعدمه ما إذا أوليت كل منعوت بنعته. قوله: "وحيدي معنى وعمل" أي: متحدين فيهما سواء اتحدا لفظًا أم لا فالأول نحو: جاء زيد وجاء عمرو العاقلان وكثاني أمثلة الشارح، والثاني كبقية أمثلته فعلم ما في كلام البعض من المؤاخذة، واشترط بعضهم ثالثًا وهو اتفاق المنعوتين تعريفًا وتنكيرًا فلا يجوز: جاء رجل وجاء زيد العاقلان ولا عاقلان لما يلزم من نعت النكرة بالمعرفة أو العكس. ورابعًا وهو أن لا يكون أحد المنعوتين اسم إشارة فلا يجوز: جاء هذا وجاء زيد العاقلان لعدم جواز الفصل بين المبهم ونعته، فإن أخر اسم الإشارة كجاء زيد وجاء هذا العاقلان جاز عند المصنف، وزاد الشاطبي شرطًا خامسًا وهو: أن لا يكون أحد المنعوتين في جملة خبرية والآخر في جملة إنشائية فلا يجوز نحو: جاء زيد ومن عمرو العاقلان. وفيه أن العاملين في المثال مختلفان معنى فاتحادهما معنى يغني عن الشرط الخامس في منع نحو: هذا المثال. وقول البعض: إلا أن يقال في المثال مانعان لا ينهض وجهًا لزيادة الشرط الخامس، ثم منع الشاطبي الاتباع في هذا المثال يوهم جواز القطع بل وجوبه. وفي الرضي منعه أيضًا وعلله بأنه لا يجوز أن تخلط من تعلم بمن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة، فالذي ينبغي أن يمثل بنحو: بعت زيدًا الجبة وبعتك الثوب الجديدين مقصودًا بإحدى الجملتين الإخبار وبالأخرى الإنشاء، ونحو: قام زيد وهل قام عمرو العاقلان. قوله: "أي: أتبع مطلقًا" أي: سواء كان المتبوعان مرفوعي فعلين أو خبري مبتدأين أو
(٢) البيت من الوافر، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص١٣٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٧٧؛ وبلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص٥٤٤.
[ ٣ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نحو: جاء زيد وأتى عمرو العاقلان، وهذا زيد وذاك خالد الكريمان، ورأيت زيدًا وأبصرت عمرًا الظريفين، وخصص بعضهم جواز الاتباع بكون المتبوعين فاعلي فعلين أو خبري مبتدأين، فإن اختلف العاملان في المعنى والعمل أو في أحدهما وجب القطع بالرفع على إضمار مبتدأ، أو بالنصب على إضمار فعل نحو: جاء زيد ورأيت عمرًا الفاضلان أو الفاضلين، ونحو: جاء زيد ومضى بكر الكريمان أو الكريمين، ونحو: هذا مؤلم زيد وموجع عمرا الظريفان أو الظريفين، ولا يجوز الاتباع في ذلك؛ لأن العمل الواحد لا يمكن نسبته لعاملين من شأن كل واحد منهما أن يستقل. تنبيهان: الأول إذا كان عامل المعمولين واحدًا ففيه ثلاث صور: الأولى أن يتحد العمل والنسبة نحو: قام زيد وعمرو العاقلان. وهذه يجوز فيها الاتباع والقطع في أماكنه من غير إشكال. الثانية أن يختلف العمل وتختلف نسبة العامل إلى المعمولين من جهة المعنى منصوبين وقد مثل الشارح لذلك، أو مخفوضين كسقت النفع إلى خالد وسيق لزيد الكاتبين وكمررت بزيد وبعمرو الكاتبين. قال في الهمع: قال أبو حيان: ومقتضى مذهب سيبويه أنه لا يجوز الاتباع لما انجر من جهتين كالحرف والإضافة نحو: مررت بزيد وهذا غلام بكر الفاضلين، والحرفين المختلفين لفظًا ومعنى نحو: مررت بزيد ودخلت إلى عمرو الظريفين، أو معنى فقط نحو: مررت بزيد واستعنت بعمرو الفاضلين، والإضافتين المختلفتين معنى نحو: هذه دار زيد وهذا أخو عمرو الفاضلين. قوله: "ورأيت زيدًا" أي: أبصرته ليتحد مع ما بعده معنى. قوله: "وخصص بعضهم إلخ" هذا هو الذي أشار الناظم إلى رده بقوله بغير استثنا. قوله: "وجب القطع" قال سم: فيه تأمل فإنه يجوز إفراد كل بوصفه بجنبه ا. هـ. وقد يقال مراده بوجوب القطع امتناع الاتباع حالة جمع النعتين لا مطلقًا. قوله: "على إضمار فعل" أي: كأمدح وأذم وأعني وأذكر. قال الدماميني: قال المصنف في شرح عمدته: إذا كان المنعوت متعينًا لم يقدر أعني بل أذكر ا. هـ. وللبحث فيه مجال فتأمل. قوله: "أن يستقل" أي: ينفرد عن الآخر بالمعنى أو العمل لاختلافهما معنى أو عملًا بخلاف المتحدين معنى وعملًا فإنهما لاتحادهما ينزلان منزلة العامل الواحد فلا يلزم عمل عاملين في معمول واحد. قوله: "والنسبة" أي: نسبة العامل إليهما بأن تكون على جهة الفاعلية أو المفعولية مثلًا. قوله: "يجوز فيها الاتباع والقطع" ويجوز أيضًا إفراد كل بوصفه كجاء زيد الظريف وعمرو الظريف كما قاله الرضي. قال الإسقاطي: وهل يجوز تفريق النعتين مع تأخيرهما في الشاطبي ما يفيد المنع ا. هـ. ومقتضى القياس على ما يأتي عن الرضي في الصورة الثانية الآتية في كلام الشارح الجواز إلا أن يفرق بين هذه والصورة الثانية بأن في الصورة الثانية ما يرد كل نعت إلى منعوته إذا أخر النعت فيها وفرق، وهو اختلاف إعراب النعت بخلاف هذه الصورة لعدم ذلك فيها. وقد يقال لا ضرر فيه إذ لا يترتب عليه اختلاف المعنى فتأمل. قوله: "في أماكنه" أي: القطع
[ ٣ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو: ضرب زيد عمرا الكريمان، ويجب في هذه القطع قطعًا. الثالثة أن يختلف العمل وتتحد النسبة من جهة المعنى نحو: خاصم زيد عمرا الكريمان، فالقطع في هذه واجب عند البصريين، وأجاز الفراء وابن سعدان الاتباع، والنص عن الفراء أنه إذا أتبع غلب المرفوع، فتقول خاصم زيد عمرًا الكريمان. ونص ابن سعدان على جواز اتباع أي شيء؛ لأن كلًا منهما مخاصم ومخاصم، والصحيح مذهب البصريين؛ قيل بدليل أنه لا يجوز ضارب زيد هندًا العاقلة برفع العاقلة نعتًا لهند، لكن ذكر الناظم في باب أبنية الفعل من شرح التسهيل أن الاسمين من نحو: ضارب زيد عمرا، ليس أحدهما أولى من الآخر بالرفع ولا بالنصب. قال: ولو أتبع منصوبهما بمرفوع أو مرفوعهما بمنصوب لجاز، ومنه قول الراجز:
٨١٥- قَدْ ساَلَمَ الحَيَّاتُ منه القَدَمَا الأُفْعوانَ والشجَاعَ الشَّجْعَمَا
ــ
وهي المواضع التي يتعين فيها المنعوت بدون النعت. قوله: "ويجب في هذه القطع قطعًا" المراد بوجوب القطع امتناع الاتباع مع جمع النعتين وإلا فيجوز إفراد كل بنعت، كما في الرضي وفيه أيضًا أنه يجوز تأخير النعتين مع إفرادهما فتقول: ضرب زيد عمرًا الظريف الظريف لكن على أن الأول للثاني والثاني للأول؛ لأن اللازم عليه فصل أحدهما من منعوته وهو خير من فصلهما معًا كما سبق مثل ذلك في الحال ا. هـ. ولا يخفى أن غاية ما يفيده هذا التعليل الأولوية دون الوجوب. فإن كان مراده الأولوية فذاك وإلا منعناه مع أن قد يقال فصل أحدهما بمنزلة فصلهما؛ لأن فصل أحدهما بكلمتين وفصل كل منهما بكلمة فتأمل.
قوله: "قيل بدليل أنه لا يجوز إلخ" وجه التمريض أن هذا الدليل لا يبطل مذهب الخصم لجواز أن يقال المجوز لملاحظة المعنى في الاتباع التغليب، ولا تغليب هنا، وأيضًا عدم جواز ضارب إلخ غير مجمع عليه فلا يبطل هذا الدليل مذهب الخصم. وقد أشار الشارح إلى هذا بالاستدراك على الدليل بقوله لكن إلخ. قوله: "قد سالم" من المسالمة وهي المصالحة. والأفعوان بضم الهمزة والعين المهملة ذكر الحيات والأنثى أفعى. والشجاع الحية وكذا الشجعم وميمه زائدة. والشاهد في الأفعوان فإنه تابع للحيات لكن نصب نظرًا إلى كونه مفعولًا معنى.
_________________
(١) الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣٣٣؛ وجمهرة اللغة ص١١٣٩؛ وله أو لأبي حيان الفقعسي أو لمساور العبسي أو للدبيري، أو لعبد بني عبس في خزانة الأدب ١١/ ٤١١، ٤١٥، ٤١٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٨١؛ وللعجاج أو لأبي حيان الفقعسي أو لمساور العبسي أو للتدمري أو لعبد بني الحسحاس في الدرر ٣/ ٦؛ وللعجاج أو لأبي حيان الفقعسي أو لمساور العبسي أو للتدمري أو لعبد بني عبس في شرح شواهد المغني ٢/ ٩٧٣؛ ولمساور العبسي في لسان العرب ١٢/ ٣٦٦ "ضمز"؛ ولعبد بني عبس في الكتاب ١/ ٢٨٧؛ وللدبيري في شرح أبيات سيبويه ١/ ٢٠١؛ ولأبي حناء في خزانة الأدب ١٠/ ٢٤٠؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ١٢٢؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٣١، ٢/ ٤٨٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٥٢؛ ولسان العرب ٨/ ١٧٥ "شجع"، ١٢/ ٣١٩ "شجعم"؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٩٩؛ والمقتضب ٢/ ٢٨٣؛ والممتع في التصريف ١/ ٢٤١؛ والمنصف ٣/ ٦٩.
[ ٣ / ٩٨ ]
وإنْ نُعُوت كَثُرتْ وقَد تَلَتْ مُفْتقرًا لِذِكْرهنّ أُتْبِعتْ
واقْطَع أو أَتْبِع إنْ يكن مُعَيَّنا بدونها أو بعضِها اقْطَع مُعْلِنا
_________________
(١) فنصب الأفعوان وهو بدل من الحيات وهو مرفوع لفظًا؛ لأن كل شيئين تسالما فهما فاعلان مفعولان. وهذا التوجيه أسهل من أن يكون التقدير قد سالم الحيات منه القدم، وسالمت القدم الأفعوان. الثاني قوله: أتبع يوهم وجوب الاتباع وليس كذلك؛ لأن القطع في ذلك منصوص على جوازه "وإن نعوت كثرت وقد تلت" أي: تبعت منعوتًا "مفتقرًا لذكرهن" بأن كان لا يعرف إلا بذكر جميعها "أتبعت" كلها لتنزيلها منه حينئذ منزلة الشيء الواحد، وذلك كقولك: مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب إذا كان هذا الموصوف يشاركه في اسمه ثلاثة أحدهم تاجر كاتب والآخر تاجر فقيه والآخر فقيه كاتب "واقطع" الجميع "أو أتبع" الجميع أو اقطع البعض وأتبع البعض "إن يكن" المنعوت "معينًا بدونها" كلها كما في قول خرنق: قوله: "أسهل" أي: لسلامته من كثرة الحذف. قوله: "وسالمت القدم إلخ" أي: فيكون الأفعوان مفعول فعل حذف للعلم به من التعبير بالمسالمة التي هي مفاعلة من الجانبين. قوله: "يوهم وجوب الاتباع" قال سم، وأقره شيخنا والبعض قد يقال لا عبرة بهذا الإيهام مع ذكر مسائل القطع فيما سيأتي ا. هـ. وفيه أن المصنف إنما ذكر القطع مع تعدد النعوت، وكلامه الآن غير مفروض في التعدد فلا يندفع الإيهام هنا بكلامه الآتي. قوله: "وإن نعوت كثرت" مراده بالكثرة ما قابل الوحدة فيشمل النعتين وإطلاقه شامل للجمل، لكن سيأتي أن الواجب في المنعوت النكرة اتباع نعت واحد. قوله: "مفتقرًا لذكرهن" قال سم: هل يشكل ما أفاده هذا من أن النعت قد يفتقر إليه، وقد يستغنى عنه على ما أفاده التعريف من أنه أبدًا متمم للمنعوت، وذلك يتضمن الافتقار إليه أبدًا؛ لأن ما يتم بغيره يفتقر إليه فليتأمل ا. هـ ويظهر أنه لا إشكال؛ لأن المراد بإتمامه المنعوت أن شأنه والمقصود الأصلي منه الإتمام فلا يضر عروض عدم ذلك فتأمل. قوله: "أتبعت كلها" أي: وجوبًا وأورد عليه أن القطع لا يزيد على ترك النعت بالكلية وهو جائز. وأجيب بأن قطعه بعد الذكر يفوت الغرض من ذكره فبينهما تناف بخلاف الترك. وقد يقال الغرض من الذكر كالتوضيح والتخصيص حاصل عند القطع؛ لأن تلك النعوت المقطوعة في المعنى متعلقة بالمنعوت والتركيب يفهم ذلك فالأولى في الجواب أن يقال لما كان القطع مشعرًا بالاستغناء منعوه عند الحاجة لما فيه من التنافي إذ الغرض الاحتياج وهو يدل على عدم الاحتياج. قوله: "واقطع الجميع إلخ" لم يتعرض للقطع عند عدم تعدد النعت والصحيح جوازه خلافًا للزجاج المشترط في جواز القطع تعدد النعت. واعلم أن النعت إذا قطع خرج عن كونه نعتًا كما ذكره ابن هشام. قوله: "أو اقطع البعض وأتبع البعض" قد يشملها كلام المصنف بأن يراد واقطع الجميع أو البعض؛ لأن حذف المعمول يؤذن بالعموم قاله
[ ٣ / ٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨١٦- لا يَبْعدَنْ قَومِي الذين هم سمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُر
النازلون بكل معتَرَك والطيبون معاقدُ الأُزُر
فيجوز رفع النازلين والطيبين على الاتباع لقومي، أو على القطع بإضمارهم، ونصبهما بإضمار أمدح أو أذكر، ورفع الأول ونصب الثاني على ما ذكرنا، وعكسه على القطع فيهما "أو بعضها اقطع معلنا" أي: إذا كان المنعوت مفتقرًا إلى بعض النعوت دون بعض وجب اتباع المفتقر إليه، وجاز فيما سواه القطع والاتباع. هكذا في شرح الكافية.
تنبيهات: الأول إذا قطع بعض النعوت دون بعض قدم المتبع على المقطوع ولا
ــ
سم. قوله: "لا يبعدن قومي إلخ" دعاء لقومها خرج مخرج النهي. ويبعد مضارع بعد من باب فرح أي: لا يهلكن والعداة بضم العين جمع عاد. والأزر بضمتين جمع إزار، ومعاقدها مواضع عقدها. وكنى بالطيبين معاقد الأزر عن طهارتهم عن الفاحشة.
قوله: "فيجوز رفع النازلين إلخ" سكت عن النعت الأول وهو الموصول لخفاء إعرابه فيتبع أن أتبعت الجميع، وكذا إن أتبعت البعض وقطعت البعض بناء على الصحيح من أن القطع في البعض والاتباع في البعض مشروط بتقدم المتبع كما سيذكره الشارح، ويقطع إن قطعت الجميع. قوله: "على ما ذكرنا" راجع لرفع الأول ونصب الثاني أي: على الاتباع أو القطع بإضمارهم في الرفع وعلى القطع بإضمار أمدح أو أذكر في النصب. قوله: "على القطع فيهما" أي: في الرفع والنصب، ولم يقل على ما ذكرنا كسابقه؛ لأن مما ذكره فيما قبله الرفع على الاتباع، وهو لا يأتي في هذا بناء على الصحيح من امتناع الاتباع بعد القطع. قوله: "أو بعضها اقطع معلنًا" مقتضى حل الشارح أن بعضها بالجر عطفًا على الضمير في لذكرهن، أو في بدونها بناء على مذهب المصنف من جواز العطف على ضمير الخفض بغير إعادة الخافض، أو على دونها ومفعول اقطع محذوف أي: وإن يكن المنعوت مفتقرًا لذكر بعضهًا أو معينًا بدون بعضها أو معينًا ببعضها فاقطع ما سواه على الأول والأخير، أو فاقطعه دون ما سواه على الثاني، وعلى هذا يكون المتن مشتملًا على مسألتين: مسألة استغناء المنعوت عن جميع النعوت، ومسألة استغنائه عن بعضها وافتقاره إلى بعضها الآخر. وجعل الشيخ خالد بعضها بالنصب مفعولًا مقدمًا لاقطع، على أن تقدير البيت، واقطع جميع النعوت أو أتبع جميعها أو اقطع بعضها وأتبع بعضها إن يكن المنعوت معينًا بدونها، وعلى هذا فالمسألة الثانية مسكوت عنها في النظم مفهومة بالمقايسة.
قوله: "قدم المتبع" هذا هو الراجح كما يشير إليه تقديمه. قوله: "وفيه" أي: في العكس
_________________
(١) البيتان من الكامل، وهما للخرنق بنت هفان في ديوانها ص٤٣؛ والأشباه والنظائر ٦/ ٢٣١؛ وأمالي المرتضى ١/ ٢٠٥؛ والإنصاف ٢/ ٤٦٨؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣١٤؛ والحماسة البصرية ١/ ٢٢٧؛ وخزانة الأدب ٥/ ٤١، ٤٢، ٤٤؛ والدرر ٦/ ١٤؛ وسمط اللآلي ص٥٤٨؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١١٦؛ والكتاب ١/ ٢٠٢، ٢/ ٥٧، ٥٨، ٦٤؛ ولسان العرب ٥/ ٢١٤ "نضر"؛ والمحتسب ٢/ ١٩٨؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٠٢، ٤/ ٧٢؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص٤١٦.
[ ٣ / ١٠٠ ]
وارْفَعْ أو انصِب إنْ قَطَعْتَ مُضمِرًا مبتدأ أو ناصِبًا لن يَظْهَرَا
ــ
يعكس، وفيه خلاف. قال ابن أبي الربيع: الصحيح المنع. وقال صاحب البسيط: الصحيح الجواز. ولو فرق بين الحالة الثانية وهي الاستغناء عن الجميع فيجوز، والحالة الثالثة وهي الافتقار إلى البعض دون البعض فلا يجوز لكان مذهبًا. الثاني إذا كان المنعوت نكرة تعين في الأول من نعوته الاتباع وجاز في الباقي القطع كقوله:
٨١٧- وَيَأوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وشُعْثًا مَراضِيعَ مِثل السَّعَالِي
الثالث يستثنى من إطلاقه النعت المؤكد نحو: إلهين اثنين، والملتزم نحو: الشعرى العبور، والجاري على مشاربه نحو: هذا العالم فلا يجوز القطع في هذه "وارفع أو انصب إن قطعت" النعت عن التبعية "مضمرا مبتدأ أو ناصبًا لن يظهرا" أي: لا يجوز إظهارهما،
ــ
المستفاد من يعكس. قوله: "ولو فرق إلخ" وجهه أنه في حالة الاستغناء عن الجميع يكون الاتباع كلا اتباع بخلاف حالة الافتقار. قوله: "إذا كان المنعوت نكرة إلخ" هل يجري هذا في المعرف بأل الجنسية نظرا إلى أنه في المعنى نكرة فيه نظر سم. قوله: "تعين في الأول إلخ" فلو كان نعت النكرة واحدًَا نحو: جاء رجل كريم لم يجز قطعه إلا في الشعر، كما في الهمع ورأيت بخط بعض الفضلاء أن منع قطعه هو المشهور وأن سيبويه يجوزه. قوله: "وجاز في الباقي القطع" أي: وإن لم يتعين مسمى النكرة إلا بالجميع؛ لأن المقصود من نعتها التخصيص وقد حصل بتبعية الأول. قوله: "ويأوي" الضمير للصائد يغيب في صيده الوحش عن نسائه ثم يأتي إليهن فيجدهن في أسوأ حال، وعطل بضم العين وتشديد الطاء جمع عاطلة وهي المرأة التي خلا جيدها من القلائد. وشعثًَا منصوب بفعل محذوف على الاختصاص أي: وأخص شعثًَا ليبين أن هذا الضرب من النساء أسوأ حالًَا من الضرب الأول الذي هو العطل، وهو جمع شعثاء وهي المغبرة الرأس أي: التي لم تسرح شعر رأسها ولم تدهنه ولم تغسله. والمراضيع جمع مرضع والياء للإشباع أو جمع مرضاع فالياء قياسية، والسعالى جمع سعلاة بكسر السين كما في القاموس وهي أخبث الغيلان.
قوله: "والملتزم" أي: الذي التزمت العرب النعت به نحو: الشعرى العبور والمراد أنه إذا وقع بعدها وصف كان نعتا، لا أنه يلزم بعدها نعت فلا يرد قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩]، نقله شيخنا السيد عن الدماميني وهو أحسن مما قاله البعض، وسميت العبور لعبورها المجرة. قوله: "لن يظهرا" ألفه للتثنية كما عليه حل الشارح؛ لأن أو تنويعية وهي كالواو كما مر غير مرة فعلم ما في كلام البعض وإنما التزم حذف العامل ليكون حذفه الملتزم أمارة على
_________________
(١) البيت من المتقارب، وهو لأمية بن أبي عائذ الهذلي في خزانة الأدب ٢/ ٤٢، ٤٣٢، ٥/ ٤٠؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤٦؛ وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٥٠٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١١٧؛ والكتاب ١/ ٣٩٩، ٢/ ٦٦؛ ولأبي أمية في المقاصد النحوية ٤/ ٦٣؛ وللهذلي في شرح المفصل ٢/ ١٨؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٢٢؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣١٧؛ ورصف المباني ص٤١٦؛ والمقرب ١/ ٢٢٥.
[ ٣ / ١٠١ ]
وَمَا من المَنْعوتِ والنَّعتِ عُقِل يجوز حَذْفُه وفي النعت يَقِلْ
ــ
وهذا إذا كان النعت لمجرد مدح أو ذم أو ترحم نحو: الحمد لله الحميد بالرفع بإضمار هو. ونحو: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، بالنصب بإضمار أذم. أما إذا كان للتوضيح أو للتخصيص فإنه يجوز إظهارهما، فتقول مررت بزيد التاجر بالأوجه الثلاثة، ولك أن تقول: هو التاجر وأعني التاجر "وما من المنعوت والنعت عقل" أي: علم "يجوز حذفه" ويكثر ذلك في المنعوت "وفي النعت يقل" فالأول شرطه إما كون النعت صالحًا لمباشرة العامل نحو: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]، أي: دروعًا سابغات، أو كون المنعوت بعض اسم مخفوض بمن أو في كقولهم: منا ظعن ومنا أقام: أي: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام. وكقوله:
٨١٨- لَو قُلتَ مَا فِي قَومِها لَمْ تِيثَمِ يَفْضُلهَا في حَسَب ومَيسَمِ
ــ
قصد إنشاء المدح أو الذم أو الترحم. قوله: "ونحو وامرأته إلخ" كان عليه أن يزيد ونحو: اللهم الطف بعبدك المسكين بالرفع والنصب لاستيفاء التمثيل، وقوله بالنصب أي: لحمالة. قوله: "أما إذا كان للتوضيح أو للتخصيص" أي: أو للتعميم أو الإبهام أو التفصيل، كما يدل عليه قول الموضح وإن كان لغير ذلك أي: لغير المدح والذم والترحم جاز ذكره أي: العامل. قوله: "فإنه يجوز إظهارهما" أي: لعدم قصد الإنشاء حينئذٍ. قوله: "فتقول مررت بزيد التاجر" مثال للنعت الموضح. قوله: "وأعني التاجر" قال البعض أي: إن كان المنعوت غير متعين وإلا قدر اذكر ا. هـ. ونقله شيخنا عن الدماميني وفيه نظر؛ لأن مقتضاه جواز القطع مع عدم تعين المنعوت، مع أن محل القطع إذا تعين المنعوت بدون النعت. وممن صرح به هذا البعض عند قول الشارح سابقًا، وهذه يجوز فيها الاتباع والقطع في أماكنه فتدبر.
قوله: "وما من المنعوت والنعت إلخ" يشمل حذفهما معًا نحو: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ أي: حياة نافعة إذ لا واسطة بين مطلق الحياة والموت. قوله: "علم" فما لم يعلم منهما لا يجوز حذفه إلا عند قصد الإبهام على السامع نحو: رأيت طويلًا أي: شيئًا طويلًا نقله شيخنا عن الدماميني. قوله: "صالحًا لمباشرة العامل" أي: بأن يكون مفردًا إن كان منعوته فاعلًا أو مفعولًا مثلًا، وجملة مشتملة على الرابط إن كان المنعوت خبرًا مثلًا نحو: أنت يضرب زيدًا بالياء التحتية أي: أنت رجل يضرب زيدًا. قوله: "أي: دروعًا" بدليل ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ . قوله: "ظعن" أي: سافر. قوله: "لو قلت إلخ" فيه حذف وتغيير وتقديم وتأخير كما أشار إليه الشارح بقوله: أصله إلخ، ومتعلق تيثم محذوف أي: في مقالتك، والحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه والميسم بكسر
_________________
(١) الرجز لحكيم بن معية في خزانة الأدب ٥/ ٦٢، ٦٣؛ وله أو لحميد الأرقط في الدرر ٦/ ١٠٩؛ ولأبي الأسود الحماني في شرح المفصل ٣/ ٥٩، ٦١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٧١؛ ولأبي الأسود الجمالي في شرح التصريح ٢/ ١١٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٢٠؛ والخصائص ٢/ ٣٧٠؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٤٧؛ والكتاب ٢/ ٣٤٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٠.
[ ٣ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصله لو قلت أحد يفضلها لم تأثم، فحذف الموصوف وهو أحد، وكسر حرف المضارعة من تأثم وأبدل الهمزة ياء، وقدم جواب لو فاصلًا بين الخبر المقدم وهو الجار والمجرور، والمبتدأ المؤخر وهو أحد المحذوف، فإن لم يصلح ولم يكن المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن أو في امتنع ذلك أي: إقامة الجملة وشبهها مقامه، إلا في الضرورة كقوله:
٨١٩- لَكُمْ قِبْصَةٌ من بينَ أَثْرَى وأَقْتَرَا
وقوله:
٨٢٠- تَرْمِي بِكَفِّي كانَ مِن أَرْمَى البَشَرْ
ــ
الميم وفتح السين المهملة الجمال وأصله موسم قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة كميزان. قوله: "وكسر حرف المضارعة" أي: على غير لغة الحجازيين تصريح.
قوله: "والمبتدأ المؤخر" قال الشيخ خالد: إنما قدر مؤخرًا؛ لأن النكرة المخبر عنها بظرف مختص يجب تقديم خبرها عليها ا. هـ. ووجه وجوب تقديم الخبر دفع توهم كونه صفة للنكرة لما قالوه من أن النكرة أحوج إلى الصفة منها إلى الخبر فاندفع اعتراض سم وأقره شيخنا والبعض، بما حاصله أن النفي يكفي مسوغًا للابتداء بالنكرة. قوله: "إلا في الضرورة" أي: وإلا في قليل من النثر كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، أي: بناء على أن من لا تزاد في الإيجاب ولا داخلة على معرفة قاله في التصريح، ولا يلزم حذف الفاعل في غير المواضع المستثناة؛ لأن حذفه الممنوع إذا لم يقم شيء مقامه في اللفظ ونعته هنا قائم مقامه في اللفظ، وإن لم يصلح للفاعلية بنفسه قاله سم. قوله: "لكم قبصة إلخ" الخطاب لبني أمية يمدحهم. والقبصة بكسر القاف وسكون الموحدة وبالصاد المهملة العدد الكثير من الناس والشاهد في قوله من بين أثرى أي: من أثرى أي: كثر ماله وأقتر أي: افتقر فحذف النكرة الموصوفة وأقام الصفة مقامها بدون الشرط المتقدم للضرورة. قوله: "ترمي" بالتاء الفوقية لرجوع ضميره إلى مؤنث وهي الكبداء في
_________________
(١) صدره: لكم مَسْجِدا الله المزُورانِ والحصى والبيت من الطويل وهو للكميت بن زيد في لسان العرب ٣/ ٢٠٥ "سجد"، ٧/ ٦٨ "قبض" ١٤/ ١١١ "قرأ"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٨٤؛ وبلا نسبة إصلاح المنطق ص٣٩٧؛ والإنصاف ٢/ ٧٢١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٤٨؛ ولسان العرب ٥/ ٧١ "قتر".
(٢) الرجز بلا نسبة في الإنصاف ١/ ١١٤، ١١٥؛ وخزانة الأدب ٥/ ٦٥؛ والخصائص ٢/ ٣٦٧؛ والدرر ٦/ ٢٢؛ وشرح التصرح ٢/ ١١٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٤٦١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٥٠؛ وشرح المفصل ٣/ ٦٢؛ ولسان العرب ١٣/ ٣٧٠ "كون"، ٤٢١ "منن"؛ ومجالس ثعلب ٢/ ٥١٣؛ والمحتسب ٢/ ٢٢٧؛ ومغني اللبيب ١/ ١٦٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٦٦؛ والمقتضب ٢/ ١٣٩؛ والمقرب ١/ ٢٢٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٠.
[ ٣ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
٨٢١- كَأَنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيشٍ يُقَعْقَعُ بينَ رِجْلَيهِ بِشَنَّ
والثاني كقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أي: كل سفينة صالحة. وقوله:
٨٢٢- فَلَمْ أُعْطَ شَيئًا ولم أُمْنَعِ
أي: شيئًا طائلًا وقوله:
ــ
قوله قيل:
مالك عندي غير سهم وحجر وغير كبداء شديدة الوتر
والكبداء بفتح الكاف وسكون الموحدة بعدها دال مهملة القوس الواسعة المقبض، قاله الدماميني والشمني وغيرهما، وقوله بكفي كان أي: بكفي رجل كان. قوله: "كأنك من جمال إلخ" أي: كأنك جمل من جمال. وأقيش بضم الهمزة وفتح القاف وسكون التحتية آخره شين معجمة. ويقعقع بالبناء للمفعول أي: يصوت نعت ثان للمنعوت المحذوف، وإليه يرجع الضمير في رجليه وهو المحوج لتقدير المنعوت، والشن بفتح الشين المعجمة وتشديد النون القربة اليابسة، وهو أشد لنفور الإبل، ووجه الشبه سرعة الغضب وشدة النفور، والبيت يشهد لإقامة الجملة وإقامة شبهها. قوله: "والثاني" أي: حذف النعت. قوله: "أي: كل سفينة صالحة" بدليل أنه قرئ كذلك وأن تعييبها لا يخرجها عن كونها سفينة فلا فائدة فيه حينئذٍ ا. هـ. مغني. قوله: "فلم أعط شيئًا ولم أمنع" ببناء الفعلين للمجهول وصدره:
وقد كنت في الحرب ذا تدرأ
بضم الفوقية وسكون الدال المهملة وفتح الراء آخره همزة أي: عدة وقوة قال العيني: والشاهد في شيئًا إذ أصله شيئًا طائلًا فحذف الصفة، ولولا هذا التقدير لتناقض مع قوله ولم أمنع
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص١٢٦؛ وخزانة الأدب ٥/ ٦٧، ٦٩؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٨؛ وشرح المفصل ٣/ ٥٩؛ والكتاب ٢/ ٣٤٥؛ ولسان العرب ٦/ ٣٧٣ "وقش"، ٨/ ٢٨٦، ٢٨٧ "قعع"، ١٣/ ٢٤١ "شنن"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٦٧؛ وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب ١/ ٢٨٤؛ وشرح المفصل ١/ ٦١؛ ولسان العرب ٤/ ٢٣١ "خدر"، ٦/ ٢٦٤ "أقش"، ١٤/ ٢٧٢ "دنا"؛ والمقتضب ٢/ ١٣٨.
(٢) صدره: وقد كنت في الحرب ذا تُدْرَأ والبيت من المتقارب، وهو للعباس بن مرداس في ديوانه ص٨٤؛ والدرر ٦/ ٢٥؛ وشرح التصريح ٢/ ١١٩؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٢٥؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٥١؛ والشعراء والشعراء ٢/ ٧٥٢؛ ولسان العرب ١/ ٧٢ "درأ"، والمقاصد النحوية ٤/ ٦٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٢٢؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٠.
[ ٣ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٢٣- وَرُبَّ أَسِيلَةِ الخَدَّينِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لها فَرْع وجِيد
أي: فرع فاحم وجيد طويل.
تنبيهات: الأول قد يلي النعت لا أو إما فيجب تكررهما مقرونين بالواو نحو: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، ونحو: ائتني برجل إما كريم وإما شجاع. الثاني يجوز عطف بعض النعوت المختلفة المعاني على بعض نحو: مررت بزيد العالم والشجاع والكريم. الثالث إذا صلح النعت لمباشرة العامل جاز تقديمه مبدلًا منه المنعوت نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١] . الرابع إذا نعت بمفرد وظرف وجملة قدم المفرد وأخرت الجملة غالبًا نحو: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨]، وقد تقدم
ــ
وسبقه إلى ذلك صاحب المغني وناقشه الدماميني بأن عدم الإعطاء لا يناقض عدم المنع فتقدير الصفة لتحري الصدق. قال الشمني: وقد يقال هو وإن لم يناقضه عقلًا يناقضه عرفًا، والأظهر في تمثيل تقدير النعت لدفع التناقض قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، أي: السابقة ووجه التناقض المدفوع بتقدير السابقة أن أفعل التفضيل يقتضي زيادة المفضل على المفضل عليه فلا يصح الزيدان كل منهما أفضل من الآخر لاقتضائه إثبات الزيادة لكل ونفيها عنه وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، شامل لجميع الآيات المرئية لهم فيلزم أن يكون كل منها أكبر من غيرها، فيكون أكبر وغير أكبر فافهم. قوله: "لها فرع وجيد" الفرع الشعر التام والجيد العنق. قوله: "أي: فرع فاحم" أي: أسود وجيد طويل الدليل على هذا الحذف أن البيت للمدح وهو لا يحصل بإثبات الفرع والجيد مطلقين بل بإثباتهما موصوفين بصفتين محبوبتين. قوله: "مقرونين بالواو" أي: في المرة الثانية كما هو ظاهر. قوله: "عطف بعض النعوت إلخ" أي: بجميع حروف العطف إلا أم وحتى كما صوبه الموضح في الحواشي، والأحسن في الجمل العطف وفي المفردات تركه كما قاله أبو حيان. قوله: "المختلفة المعاني" أما متفقتها فلا؛ لئلا يلزم عطف الشيء على نفسه. وقال في الهمع: وإنما يحسن العطف عند تباعد المعاني نحو: هو الأول والآخر والظاهر والباطن بخلاف ما إذا تقاربت نحو: هو الله الخالق البارىء المصور. قوله: "مبدلًا منه المنعوت" قال البعض: أي: إن كان المنعوت معرفة أما إذا كان نكرة فينصب نعته المتقدم عليه حالًا نحو:
لمية موحشًا طلل ا. هـ. وأنت خبير بأن هذا ليس على إطلاقه فإن من المنعوت النكرة ما هو كالمنعوت المعرفة في إعراب نعته بحسب العوامل وإعرابه هو بدلًا أو عطف بيان نحو: مررت بقائم رجل، وقصدت بلد كريم رجل، ثم رأيت في الدماميني ما يؤيده حيث ذكر أن نصب نعت النكرة
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للمرقش الأكبر في شرح التصريح ٢/ ١١٩؛ وشرح اختيارات المفضل ص٩٩٨؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٥٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٧٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٢٥.
[ ٣ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الجملة نحو: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية ا. هـ. خاتمة: من الأسماء ما ينعت وينعت به كاسم الإشارة نحو: مررت بزيد هذا وبهذا العالم، ونعته مصحوب أل خاصة، فإن كان جامدًا محضًا نحو: بهذا الرجل فهو عطف بيان على الأصح، ومنها ما لا ينعت ولا ينعت به كالمضمر مطلقًا خلافًا للكسائي في نعت ذي الغيبة تمسكًا بما سمع نحو: صلى الله عليه الرءوف الرحيم، وغيره يجعله بدلًا. ومنها ما ينعت ولا ينعت به كالعلم. ومنها ما ينعت به ولا ينعت كأي نحو: مررن بفارس أي فارس. ولا يقال جاءني أي فارس. والله أعلم. المتقدم عليها حالًا غالب لا واجب على الأصح، وأن محل نصبه حالًا إذا قبل الحالية ليخرج النعت في نحو: جاءني رجل أحمر ونحوه من الصفات الثابتة إذا لم يمنع مانع من نصبه حالًا ليخرج الوصف في نحو: المثالين المتقدمين. قوله: "أنزلناه مبارك" قال ابن عصفور: الأحسن جعل مبارك خبرًا ثانيًا. قوله: " مصحوب أل خاصة" شامل للموصول ذي أل كالذي والتي وإن كانت أل فيه زائدة وإنما خصوا نعته بمصحوب أل؛ لأنه مبهم وإبهامه لا يرفع بمثله؛ لأنه أيضًا مبهم ولا بالمضاف إلى معرفة؛ لأن تعريفه مكتسب من المضاف إليه فهو كالعارية. كذا عللوا ويرد عليه الموصول غير ذي أل كمن وما فلماذا لم ينعت به اسم الإشارة. قوله: "كالمضمر" أما أنه لا ينعت؛ فلأن ضمير المتكلم والمخاطب أعرف المعارف فلا حاجة لهما إلى التوضيح، وحمل عليهما ضمير الغائب وحمل على الوصف الموضح الوصف المادح أو الذم أو غيرهما طردًا للباب. وأورد عليه الشنواني أن اسم الله تعالى أعرف المعارف فهو غني عن الإيضاح ومع ذلك ينعت للمدح. وأجيب بأنه نعت نظرًا لأصله وهو الإله الذي هو اسم جنس أو إلحاقًا له بالأعم الأغلب، إذ الأصل في الاسم الظاهر أن ينعت وأما أنه لا ينعت به؛ فلأنه ليس في الضمير معنى الوصفية؛ لأنه لا يدل إلا على الذات لا على قيام معنى بها كذا قالوا. ويرد على تعليل عدم النعت به ما إذا كان الضمير يرجع إلى مشتق لدلالته حينئذٍ على قيام معنى بذات لما قالوه من أن الضمير كمرجعه دلالة اللهم إلا أن يقال طردوا الباب فتأمل، قال في الهمع: وكالضمير في أنه لا ينعت ولا ينعت به أسماء الشرط والاستفهام وكم الخبرية وما التعجبية والآن وقبل وبعد. قوله: "وغيره بجعله بدلًا" أي: بناء على أن البدل لا يشترط فيه الجمود. قوله: "كالعلم" إنما نعت لإزالة الاشتراك اللفظي ولم ينعت به؛ لأنه ليس بمشتق ولا في حكمه إذ هو موضوع لمجرد الذات نعم العلم المشتهر مسماه بصفة كحاتم يصح أن يؤول بوصف وينعت به. فائدة: يجوز نعت النعت عند سيبويه ومنه: يا زيد الطويل ذو الجمة ومنعه جماعة منهم ابن جني قاله في الارتشاف. فائدة ثانية: النعت بعد المركب الإضافي للمضاف؛ لأنه المقصود بالحكم وإنما جيء
[ ٣ / ١٠٦ ]
التوكيد:
بالنَّفْسِ أو بالعَيْنِ الاسمُ أُكِّدَا معَ ضَميرٍ طابَقَ المُؤكَّدَا
_________________
(١) التوكيد: هو في الأصل مصدر ويسمى به، التابع المخصوص. ويقال أكد تأكيدًا ووكد توكيدًا. وهو بالواو أكثر. وهو على نوعين: لفظي وسيأتي، ومعنوي وهو التابع الرافع احتمال إرادة غير الظاهر. وله ألفاظ أشار إليها بقوله: "بالنفس أو بالعين الاسم أكدا مع ضمير طابق المؤكدا" أي: في الإفراد والتذكير وفروعهما، فتقول: جاء زيد نفسه أو عينه، أو نفسه عينه فتجمع بينهما، والمراد حقيقته. وتقول: جاءت هند نفسها أو عينها وهكذا. ويجوز جرهما بباء زائدة فتقول: بالمضاف إليه لغرض التخصيص فلا يكون له إلا بدليل ما لم يكن المضاف لفظ كل، فالنعت للمضاف إليه لا له؛ لأن المضاف إنما جيء به لقصد التعميم ولذلك ضعف قوله: وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان أفاده في المغني. التوكيد: قوله: "ويسمى به إلخ" الأنسب بمقام النقل أن يقول: ثم سمي به إلخ. قوله: "وهو بالواو أكثر" وهي الأصل والهمزة بدل. قوله: "الرافع احتمال إلخ" إما أن يكون المراد بالرفع الإبعاد، وإما أن يراد بالاحتمال الاحتمال القوي فوافق كلامه قول ابن هشام الظاهر أنه يبعد إرادة المجاز ولا يرفعها بالكلية؛ لأن رفعها بالكلية ينافي الإتيان بالألفاظ متعددة ولو صار بالأول نصا لم يؤكد ثانيًا وإنما اقتصر الشارح على رفع الاحتمال المذكور؛ لأن رفع توهم السهو والغلط إنما يكون بالتأكيد اللفظي كما نقله سم عن السعد والسيد وخرج بقوله الرافع إلخ، ما عدا التوكيد حتى البدل فإنه وإن رفع الاحتمال في نحو: مررت بقومك كبيرهم وصغيرهم أولهم وآخرهم، إلا أن ذلك عارض نشأ من خصوص المادة قاله شيخنا. قوله: "بالنفس أو بالعين" أي: بهاتين المادتين بقطع النظر عن إفرادهما وغيره، وليس المراد بالنفس أو بالعين مفردين حتى يفيد أن النفس والعين يبقيان على إفرادهما وإن أكد بهما مثنى أو مجموع مع أنه ليس كذلك، كما يصرح به قوله واجمعهما إلخ، فاندفع ما أطال به البعض عن البهوتي. واعلم أن في البيت إجمالًا بينه البيت بعده على أنه يمكن بقطع النظر عن قول الشارح أي: في الإفراد والتذكير وفروعهما أن يحمل الاسم في النظم على المفرد ولا يضيع على هذا قوله: مع ضمير طابق المؤكدا وإن زعمه البعض؛ لأن المراد بالمطابقة على هذا المطابقة في التذكير والتأنيث فقط فاعرفه، وأوفي النظم لمنع الخلو. قوله: "فتجمع بينهما" أي: بلا عطف كما سيأتي، والظاهر أن تقديم النفس على العين لازم وقيل حسن كذا في المرادي. قوله: "بباء زائدة" ومحل المجرور إعراب
[ ٣ / ١٠٧ ]
واجْمَعهُما بأَفْعُل إن تَبِعًا ما ليس واحِدًا تكن مُتَّبِعا
ــ
جاء زيد بنفسه وهند بعينها "واجمعهما" أي: النفس والعين "بأفعل إن تبعا ما ليس واحدًا تكن متبعا" فتقول: قام الزيدان أو الهندان أنفسهما أو أعينهما. وقام الزيدون أنفسهم أو أعينهم، والهندات أنفسهن أو أعينهن. ولا يجوز أن يؤكد بهما مجموعين على نفوس وعيون ولا على أعيان، فعبارته هنا أحسن من قوله في التسهيل جمع قلة، فإن عينا تجمع جمع قلة على أعيان ولا يؤكد به.
تنبيه: ما أفهمه كلامه من منع مجيء النفس والعين مؤكدًا بهما غير الواحد وهو المثنى والمجموع غير مجموعين على أفعل هو كذلك في المجموع، وأما المثنى فقال الشارح: بعد ذكره أن الجمع فيه هو المختار ويجوز فيه أيضًا الإفراد والتثنية. قال أبو حيان: ووهم في ذلك إذ لم يقل أحد من النحويين به. وفيما قاله أبو حيان نظر فقد قال ابن إياز في شرح الفصول: ولو قلت نفساهما لجاز فصرح بجواز التثنية. وقد صرح النحاة بأن كل مثنى في المعنى مضاف إلى متضمنه يجوز في الجمع والإفراد والتثنية، والمختار الجمع نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويترجح الإفراد على التثنية عند الناظم وعند غيره بالعكس وكلاهما مسموع كقوله:
٨٢٤- حَمامَةَ بَطْنِ الوادِييَنِ تَرَنَّمِي
وكقوله:
ــ
المتبوع. قوله: "واجمعهما" الأمر مستعمل في الوجوب بالنسبة إلى الجمع، وفي الأولوية بالنسبة إلى المثنى. قوله: "بأفعل" أي: جمعًا ملابسًا لأفعل أو على أفعل. قوله: "ولا على أعيان" لو قال: ولا بالعين مجموعًا على أعيان لكان مستقيمًا. قوله: "ولا يؤكد به" أي: المختار وإلا ففي الدماميني عن شرح العمدة للمصنف والمفصل للزمخشري والكفاية لابن الخباز جواز التوكيد بأعيان. قوله: "وقد صرح النحاة إلخ" لما لم يكن كلام ابن إياز ردا على أبي حيان بالنظر إلى الإفراد، أتى بهذا الرد الثاني؛ لأنه يرد عليه بالنظر إلى الإفراد والتثنية. ولأبي حيان أن يقول ما صرح به النحاة لا يظهر الرد به؛ لأن النفس والعين لم يضافا إلى المتضمن بل إلى ما هو بمعناهما؛ لأن المراد بهما الذات. قوله: "إلى متضمنه" بصيغة اسم الفاعل أي: ما اشتمل على المضاف. قوله: "والمختار الجمع" إما على التثنية؛ فلأن المتضايفين كالشيء الواحد فكرهوا الجمع بين تثنيتهما، وإما على الإفراد؛ فلأن الاثنين جمع في المعنى. قوله: "حمامة إلخ" تمامه:
_________________
(١) عجزه: سقاك من الغر الغوادي مَطيرها والبيت من الطويل، وهو للشماخ في ملحق ديوانه ص٤٣٨، ٤٤٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٨٦؛ وللمجنون في ديوانه من الطويل ص١١٣؛ ولتوبة بن الحمير في الأغاني ١١/ ١٩٨؛ والدرر ١/ ١٥٤؛ والشعر والشعراء ١/ ٤٥٣؛ وبلا نسبة في المقرب ٢/ ١٢٩؛ وهمع الهوامع ١/ ٥١.
[ ٣ / ١٠٨ ]
وكُلًّا اذْكُر في الشُّمُولِ وكِلا كِلتا جَمِيعًا بالضمير مُوصَلَا
_________________
(١) ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَينِ مَرْتَين ظَهْراهما مثل ظهور التُّرْسَين ا. هـ. "وكلا اذكر في" التوكيد المسوق لقصد "الشمول" والإحاطة بأبعاض المتبوع "وكلا" و"كلتا" و"جميعًا" فلا يؤكد بهن إلا ما له أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه لرفع احتمال تقدير بعض مضاف إلى متبوعهن، نحو: جاء الجيش كله أو جميعه، والقبيلة كلها أو جميعها، والرجال كلهم أو جميعهم، والهندات كلهن أو جميعهن، والزيدان كلاهما ــ سقاك من الغر الغوادي مطيرها والغر جمع غراء وهي البيضاء وهو صفة لمحذوف أي: من السحب الغر إلخ، والغوادي جمع غادية وهي السحابة الممطرة صباحًا، والمطير بفتح الميم كثير المطر. قوله: "ومهمهين إلخ" المهمه المكان القفر، والقذف بفتح القاف والذال المعجمة آخره فاء البعيد، والمرت بفتح الميم وسكون الراء آخره فوقية المكان الذي لا نبات فيه، وظهراهما مبتدأ ومثل خبر والجملة صفة ثالثة. قاله العيني. والمراد بظهريهما ما ارتفع منهما، وقوله مثل ظهور الترسين أي: في الصلابة. قوله: "وكلا اذكر إلخ" اعلم أن كلا وشبهها في إفادة شمول كل فرد إن كانت داخلة في حيز النفي بأن أخرت عن أداته لفظًا نحو: ما كل ما يتمنى المرء يدركه وما جاء كل القوم، وما جاء القوم كلهم، ولم آخذ كل الدراهم، ولم آخذا الدراهم كلها، أو رتبة نحو: كل الدراهم لم آخذ، والدراهم كلها لم آخذ توجه النفي إلى الشمول خاصة، وأفاد سلب العموم. وإلا بأن قدمت على أداته لفظًا ورتبة توجه النفي إلى كل فرد، وأفاد عموم السلب كقوله ﵊ كل ذلك لم يكن، وكالنفي النهي قال التفتازاني: والحق أن الشق الأول أكثري لا كلي بدليل: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . قوله: "يصح وقوع بعضها موقعه" أي: في نسبة الحكم إليه سواء كان على وجه إرادة البعض من لفظ الكل مجازًا مرسلًا أو إسناد ما للبعض إلى الكل مجازًا عقليا أو تقدير المضاف، فقوله: لرفع احتمال تقدير بعض إلخ فيه قصور، ولعله إنما اقتصر عليه؛ لأنه أقرب الاحتمالات الثلاثة فإذا اندفع هو اندفع أخواه بالأولى، ودخل في قول الشارح إلا ما له أجزاء إلخ نحو: زيد كله حسن، وعين البقرة الوحشية كلها سواد؛ لأن المؤكد وإن كان غير متعد له أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه. قوله: "تقدير بعض" أي: أو ما في معناه كأحد وإحدى بدليل قوله: بعد أو أحد الزيدين إلخ. قوله: "والزيدان كلاهما إلخ" فائدة لا يتحد توكيد متعاطفين ما لم يتحد عاملهما معنى
(٢) البيت من مشطور السريع، وهو لخطام المجاشعي.
[ ٣ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والهندان كلتاهما، لجواز أن يكون الأصل، جاء بعض الجيش، أو القبيلة أو الرجال أو الهندات، أو أحد الزيدين، أو إحدى الهندين. ولا يجوز جاءني زيد كله ولا جميعه. وكذا لا يجوز اختصم الزيدان كلاهما ولا الهندان كلتاهما لامتناع التقدير المذكور. وأشار بقوله "بالضمير موصلًا" إلى أنه لا بد من اتصال ضمير المتبوع بهذه الألفاظ ليحصل الربط بين التابع ومتبوعه كما رأيت. ولا يجوز حذف الضمير استغناء بنية الإضافة خلافًا للفراء والزمخشري. ولا حجة في: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ولا قراءة بعضهم: "إِنَّا كُلًّا فِيهَا" على أن المعنى جميعه وكلنا، بل جميعًا حال وكلا بدل من اسم إن أو حال من الضمير المرفوع في فيها. وذكر في التسهيل أنه يستغنى عن الإضافة إلى الضمير إلى مثل الظاهر المؤكد بكل، وجعل منه قول كثير:
٧٢٦- يا أَشْبَهَ النَّاسِ كُلِّ الناسِ بالقَمَرِ
ــ
فلا يقال مات زيد وعاش عمرو كلاهما، فإن اتحدا معنى جاز وإن اختلفا لفظًا جزم به الناظم تبعًا للأخفش نحو: انطلق زيد وذهب عمرو كلاهما. قال أبو حيان: ويحتاج ذلك إلى سماع. سيوطي سم. قوله: "لجواز أن يكون الأصل إلخ" فيه ما في التعليل الأول، ولو قال لجواز أن يكون المعنى إلخ لو في بالاحتمالات الثلاثة. قوله: "وكذا لا يجوز اختصم الزيدان كلاهما إلخ" هذا مذهب الأخفش والفراء وهشام وأبي علي، وذهب الجمهور إلى الجواز كما قاله الدماميني، ووافق الناظم في تسهيله الجمهور. قوله: "لامتناع التقدير المذكور" أي: فلا فائدة في التأكيد حينئذٍ. قوله: "بالضمير موصلًا" حال من الألفاظ المتقدمة بتأويلها بالمذكور وبالضمير متعلق به. قوله: "ولا يجوز حذف الضمير" والكلام مفروض فيما إذا جرت على المؤكد فلا يرد نحو: كل في فلك يسبحون. قوله: "على أن المعنى إلخ" راجع للمنفي بالميم. قوله: "بل جميعًا حال" بمعنى مجتمعًا إن قيل الحالية تقتضي وقوع الخلق على ما في الأرض حالة الاجتماع وليس كذلك. أجيب بأن خلق بمعنى قدر خلق ذلك في علمه.
قوله: "وكلا بدل من اسم إن" وإبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كل جائز إذا أفاد الإحاطة نحو: قمتم ثلاثتكم وبدل الكل لا يحتاج إلى ضمير. قوله: "أو حال من الضمير إلخ" قال في المغني: فيه ضعفان: تقدمه على عامله الظرفي وتنكير كل بقطعه عن الإضافة لفظًا ومعنًى؛ لأن الحال واجبة التنكير. قوله: "بالإضافة إلى مثل الظاهر" أي: لحصول الربط به كما تقدم في الموصول. قوله: "وجعل منه إلخ" جعل أبو حيان كل الناس نعتًا أي: الكاملين في الحسن
_________________
(١) صدره: كم قد ذَكَرتُكِ لو أُجزَى بذكرِكُم والبيت من البسيط، وهو لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص١٤٥؛ وخزانة الأدب ٩/ ٣٥؛ وسط اللآلي ص٤٦٩؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥١٨؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٥٧؛ ولكثير عزة في الدرر ٦/ ٣٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٨٨؛ وليس في ديوان كثير، وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ١٩٤.
[ ٣ / ١١٠ ]
واستعملوا أيضًا كَكُل فاعِلَه من عَمَّ في التوكيد مِثل النَّافله
وبعد كُلٍّ أكدوا بأجْمَعا جَمْعاءَ أَجْمَعِينَ ثُمّ جُمَعَا
ودُون كُلٍّ قد يَجِيء أَجْمَع جَمْعاءُ أَجْمَعون ثُمَّ جُمَع
_________________
(١) "واستعملوا أيضًا ككل" في الدلالة على الشمول اسمًا موازنًا "فاعله من عم في التوكيد" فقالوا: جاء الجيش عامته، والقبيلة عامتها، والزيدون عامتهم، والهندات عامتهن. وعد هذا اللفظ "مثل النافله" أي: الزوائد على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإن أكثرهم أغفله، لكن ذكره سيبويه وهو من أجلهم فلا يكون حينئذ نافلة على ما ذكروه، فلعله إنما أراد أن التاء فيه مثلها في النافلة أي: تصلح مع المؤنث والمذكر فتقول: اشتريت العبد عامته كما قال تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] . تنبيه: خالف في عامة المبرد وقال: إنما هي بمعنى أكثرهم "وبعد كل أكدوا بأجمعا جمعاء أجمعين ثم جمعا" فقالوا: جاء الجيش كله أجمع، والقبيلة كلها جمعاء، والزيدون كلهم أجمعون، والهندات كلهن جمع "ودون كل قد يجيء أجمع جمعاء أجمعون ثم جمع" المذكرات نحو: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]، ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣]، وهو قليل بالنسبة لما سبق، وقد يتبع أجمع وأخواته بأكتع وكتعاء وأكتعين وكتع، وقد يتبع أكتع وأخواته بأبصع وبصعاء وأبصعين وبصع، فيقال: جاء الجيش كله أجمع أكتع أبصع، والقبيلة كلها جمعاء كتعاء بصعاء، والقوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون، والهندات كلهن جمع كتع بصع. وزاد الكوفيون بعد أبصع وأخواته أبتع وبتعاء وأبتعين وبتع. قال الشارح: ولا يجوز أن يتعدى هذا الترتيب. وشذ قول بعضهم أجمع والفضل. همع. قوله: "واستعملوا أيضًا" أي: كما استعملوا غير عامة، وقوله: من عم أي: مشتقا من مصدره، وقوله في التوكيد متعلق باستعملوا ويغني عنه قوله: ككل. قوله: "فاعله من عم" لم يقل عامة مع أنه أخصر؛ لأن فيه اجتماع ساكنين وهو لا يجوز في النظم. قوله: "مثل النافلة" حال من فاعله، وقول الشارح: وعد هذا اللفظ مثل النافلة، حل معنى ولم يجعله زائدًا بل مثل الزائد نظرًا لكون البعض قد ذكره، وحينئذٍ لا يرد الاستدراك الذي ذكره الشارح؛ لأنه لم يجعله نافلة بل مثلها أفاده سم. قوله: "ويعقوب نافلة" حال من يعقوب أي: حالة كونه نافلة على ما طلبه إبراهيم من ولد صالح وهو إسحاق حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين﴾ فوهب له إسحق وولد لإسحق يعقوب. قوله: "بمعنى أكثرهم" أي: فتكون بدل بعض من كل. قوله: "المذكورات" دفع به ما يوهمه تعبير المصنف بالظاهر في موضع الضمير من مغايرة الألفاظ المذكورة في البيت الثاني للألفاظ المذكورة في البيت الأول. قوله: "بالنسبة لما سبق" أي: من وقوع المذكورات بعد كل أما بالنسبة لنفسه فكثير. قوله: "ولا يجوز أن يتعدى هذا الترتيب" أي: بتقديم وتأخير أو بحذف بعض ما في الأثناء.
[ ٣ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبصع. وأشذ منه قول الآخر: جمع بتع. وربما أكد بأكتع وأكتعين غير مسبوقين بأجمع وأجمعين. ومنه قول الراجز:
٨٢٧- يَالَيْتَنِي كُنْتُ صَبِيًّا مُرْضَعا تَحْمِلُنِي الذَّلفَاءُ حَولًا أَكْتَعا
إذا بكيت قَبَّلَتْنِي أَرْبَعا إذًا ظَلِلتُ الدهر أَبْكي أَجْمَعا
وفي هذا الرجز أمور: إفراد أكتع عن أجمع، وتوكيد النكرة المحدودة، والتوكيد بأجمع غير مسبوق بكل، والفصل بين المؤكد والمؤكد، ومثله في التنزيل: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] .
تنبيهات: الأول زعم الفراء أن أجمعين تفيد اتحاد الوقت، والصحيح أنها ككل في إفادة العموم مطلقًا بدليل قوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] . الثاني إذا تكررت ألفاظ التوكيد فهي للمتبوع وليس الثاني تأكيدًا للتأكيد. الثالث لا يجوز في ألفاظ التوكيد القطع إلى الرفع ولا إلى النصب. الرابع لا يجوز عطف بعضها على بعض فلا يقال: قام زيد نفسه وعينه، ولا جاء القوم كلهم وأجمعون. وأجازه بعضهم وهو قول ابن الطراوة
ــ
قال الفارضي: قدمت كل على الجميع لعراقتها وكونها أنص في الإحاطة، ووليها أجمع؛ لأنه صريح في الجمعية لاشتقاقه من الجمع، ووليه أكتع لانحطاطه عنه في الدلالة على الجمع؛ لأنه من تكتع الجلد إذا انقبض، ففيه معنى الجمع ووليه أبصع؛ لأنه من تبصع العرق إذا سال وهو لا يسيل حتى يجتمع، وأخر أبتع؛ لأنه أبعد من أبصع؛ لأنه طويل العنق أو شديد المفاصل لكن لا يخلو من دلالته على اجتماع ا. هـ. ببعض تلخيص. وإذا اجتمع النفس والعين وكل قدما على كل ولم يتعرضوا لما إذا اجتمع كل وعامة والظاهر تقديم كل على عامة. قوله: "وأشذ منه إلخ" أي: لأن في الأول حذف واسطة واحدة وهي أكتع، وفي الثاني حذف واسطتين وهما كتع وبصع. قوله: "بأكتع وأكتعين" لم يستشهد للثاني وقد استشهد له في الهمع. قوله: "إفراد أكتع عن أجمع" أي: وهو قليل. قوله: "وتوكيد النكرة المحدودة" أي: الموضوعة لمدة لها ابتداء وانتهاء أي: وهو ممنوع عند البصريين كما سيأتي. قوله: "والتوكيد بأجمع إلخ" أي: وهو قليل بالنسبة للتأكيد مسبوقة بكل. قوله: "والفصل إلخ" أي: وهو خلاف الأصل. قوله: "إفادة العموم مطلقًا" أي: لا بقيد اتحاد الوقت. قوله: "لا يجوز في ألفاظ إلخ" أي: على المختار لمنافاة القطع مقصود التوكيد. قوله: "فلا يقال إلخ" عللوه باتحاد معنى النفس والعين واتحاد معنى كل وأجمع وهذا يقتضي جواز نحو: جاء القوم أنفسهم وكلهم لعدم الاتحاد ولم أر من ذكره بل إطلاقهم يخالفه فافهم.
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الدرر ٦/ ٣٥، ٤١، وخزانة الأدب ٥/ ١٦٩؛ وشرح ابن عقيل ص٣٨٥؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٦٢، ٥٦٥؛ ولسان العرب ٨/ ٣٠٥ "كتع"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٩٣؛ والمقرب ١/ ٢٤٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٣، ١٢٤.
[ ٣ / ١١٢ ]
وإن يُفِد تَوكِيدُ منكور قُبِل وعن نُحَاةِ البَصْرَةِ المنع شَمِل
ــ
الخامس قال في التسهيل: وأجرى في التوكيد مجرى كل ما أفاد معناه من الضرع والزرع والسهل والجبل واليد والرجل والبطن والظهر، يشير إلى قولهم: مطرنا الضرع والزرع، ومطرنا السهل والجبل، وضربت زيدًا اليد والرجل، وضربته البطن والظهر. السادس ألفاظ التوكيد معارف: أما ما أضيف إلى الضمير فظاهر، وأما أجمع وتوابعه ففي تعريفه قولان: أحدهما أنه بينة الإضافة ونسب لسيبويه، والآخر بالعلمية علق على معنى الإحاطة "وإن يفد توكيد منكور" بواسطة كونه محدودًا وكون التوكيد من ألفاظ الإحاطة "قبل" وفاقًا للكوفيين والأخفش، تقول اعتكفت شهرًا كله. ومنه قوله:
٨٢٨- يَا لَيتَ عِدَّةَ حَولٍ كُلِّهِ رَجَبُ
ــ
قوله: "الضرع" بفتح الضاد المعجمة والزرع أي: جميعنا وكذا يقال فيما بعده. قوله: "وضربت زيدًا إلخ" أي: إذا أريد باليد والرجل وبالبطن والظهر الجملة أما إذا أريد العضوان فقط فبدل بعض. قوله: "معارف" ومن ثم لم تنصب حالًا على الأصح كما في السيوطي أي: مع إضافتها فلا ينافي ما قدمه الشارح في خلق لكم ما في الأرض جميعًا إنا كلا فيها. قوله: "بنية الإضافة" قيل هذا ينافي ما قدمه من امتناع حذف الضمير استغناء بنية الإضافة، والحق أنه لا منافاة؛ لأن ما تقدم في غير أجمع وتوابعه كما نبه عليه سم. قال في المغني: يجب تجريد نحو: أجمع المؤكد به من ضمير المؤكد. وأما قولهم: جاءوا بأجمعهم فهو بضم الميم لا بفتحها، فهو جمع لجمع كأفلس وفلس أي: بجماعاتهم ا. هـ. لكن نقل الرضي والبرماوي في شرح ألفية الأصول فتح الميم أيضًا.
قوله: "بالعلمية" أي: الجنسية وعليه فهي ممنوعة من الصرف للعلمية، ووزن الفعل إلا جمع وتوابعه فللعلمية والعدل وعلى الأول يكون منعها من الصرف للوصفية ووزن الفعل، إلا جمع وتوابعه فللوصفية والعدل كأخر كذا قال البعض. وظاهره أن جمعاء وتوابعه كأجمع وتوابعه، ويبطله أنها ليست بوزن الفعل، ولو جعل مانع صرفها ألف التأنيث الممدودة لم يبعد بل يتعين. ثم الذي قاله الدماميني أن منع الصرف على الأول لشبه العلمية ووزن الفعل ووجه الشبه كون كل من منوي الإضافة والعلم معرفة بغير معرف لفظي. قوله: "علق على معنى الإحاطة" أي: وضع على معنى هو الأحاطة ولا يخفى أن جعل مدلوله الإحاطة يورث اختلال الكلام، إذ يكون حينئذٍ معنى جاء القوم أجمع جاء القوم الإحاطة، فلعل في العبارة حذف مضاف أي: ذي الإحاطة على أن الإحاطة مصدر المبني للمفعول فافهم. قوله: "وفاقًا للكوفيين والأخفش" فلا يشترط عندهم
_________________
(١) صدره: لكنه شاقه أن قيل ذا رَجَب والبيت من البسيط، وهو لعبد الله بن مسلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين ٢/ ٩١٠؛ ومجالس ثعلب ٢/ ٤٠٧؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٩٠؛ والإنصاف ص٤٥٠؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٣٢؛ وتذكرة النحاة ص٦٤٠؛ وجمهرة اللغة ص٥٢٥؛ وخزانة الأدب ٥/ ١٧٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١٢٥؛ وشرح شذور الذهب ص٥٥١؛ وشرح قطر الندى ص٢٩٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٩٦.
[ ٣ / ١١٣ ]
وَاغْنَ بكِلتا في مُثَنَّى وكِلا عن وَزْنِ فَعْلاء وَوَزْنِ أَفْعَلا
ــ
وقوله:
٨٢٩- تَحْمِلُني الذَّلفاءُ حَولًا أَكْتَعا
وقوله:
٨٣٠- قَد صَرَّتِ البَكْرَةُ يومًا أَجْمَعا
"وعن نحاة البصرة المنع شمل" أي: عم المفيد وغير المفيد. ولا يجوز صمت
زمنًا كله ولا شهرًا نفسه "واغن بكلتا في مثنى وكلا عن" تثنية "وزن فعلاء ووزن أفعلا" كما استغنى بتثنية سي عن تثنية سواء، فلا يجوز جاء الزيدان أجمعان، ولا الهندان جمعاوان، وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش قياسًا معترفين بعدم السماع.
ــ
تطابق التوكيد والمؤكد تعريفًا وتنكيرًا. قوله: "رجب" هو كصفر إن أريد به معين فغير منصرف للعلمية والعدل عن المحلى بأل، وإلا فمنصرف نقله الدنوشري عن السعد وغيره، ونقل شيخنا عن شرح المواهب لشيخه الزرقاني أن رجب من أسماء الشهور مصروف، وإن أريد به معين كما في المصباح.
قوله: "الذلفاء" بالذال المعجمة ثم الفاء اسم امرأة. قوله: "قد صرت" بتشديد الراء أي: صوتت البكرة أي: بكرة البئر كما في العيني وشيخ الإسلام زكريا فتفسير البعض لها بالناقة فيه نظر. وهي بسكون الكاف وجوز بعضهم فتحها. قوله: "ولا يجوز صمت زمنًا إلخ" أي: بإجماع الفريقين؛ لأن النكرة في الأول غير محدودة والتوكيد في الثاني ليس من ألفاظ الإحاطة وفي نسخ فلا يجوز بالفاء وهي أولى. قوله: "واغن بكلتا إلخ" قال في النكت: ظاهره أن ما عدا ذلك من كل وعامة وجميع يستعمل في المثنى والمجموع؛ لأن كلامه فيما تقدم عام خصوصًا أنه ذكر في التسهيل جواز الاستغناء بكل عن كلا وكلتا، ورده أبو حيان وقال: إنه يحتاج إلى نقل وسماع من العرب. قوله: "في مثنى" أي: فيما دل على اثنين وإن لم يسم في الاصطلاح مثنى ليدخل
نحو: جاء زيد وعمرو كلاهما وهند ودعد كلتاهما. قوله: "عن تثنية وزن إلخ" قدر تثنية؛ لأن نفس وزن فعلاء لا يصلح للمثنى حتى يستغنى فيه عنه لغيره.
قوله: "فلا يجوز جاء الزيدان أجمعان ولا الهندان جمعاوان" لو قال فلا يجوز جاء
_________________
(١) قبله: يا ليتني كنت صبيًّا مُرضَعا والرجز بلا نسبة في الدرر ٦/ ٣٥، ٤١؛ وخزانة الأدب ٥/ ١٦٩؛ وشرح ابن عقيل ص٣٨٥؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٦٢، ٥٦٥؛ ولسان العرب ٨/ ٣٠٥ "كتع"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٩٣؛ والمقرب ١/ ٢٤٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٣، ١٢٤.
(٢) الرجز بلا نسبة في أسرار العربية ص٢٩١؛ والإنصاف ٢/ ٤٥٥؛ وخزانة الأدب ١/ ١٨١، ٥/ ١٦٩؛ والدرر ٦/ ٣٩؛ وشرح ابن عقيل ص٤٨٥؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٦٥؛ وشرح المفصل ٣/ ٤٤، ٤٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٩٥؛ والمقرب ١/ ٢٤٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٤.
[ ٣ / ١١٤ ]
وإنْ تُؤكِّد الضمِيرَ المتَّصِل بالنفس والعَيْن فَبَعْد المنفَصِل
ــ
تنبيهان: الأول المشهور أن كلا للمذكر وكلتا للمؤنث. قال في التسهيل: وقد يستغنى بكليهما عن كلتيهما أشار بذلك إلى قوله:
٨٣١- يَمُتُّ بِقُرْبَى الزَّينَبَينِ كِلَيهِمَا
وقال ابن عصفور هو من تذكير المؤنث حملًا على المعنى للضرورة كأنه قال: بقربي الشخصين. الثاني ذكر في التسهيل أيضًا أنه قد يستغنى عن كليهما وكلتيهما بكلهما، فيقال على هذا جاء الزيدان كلهما والهندان كلهما "وإن تؤكد الضمير المتصل" مستترًا
ــ
الجيشان أجمعان ولا القبيلتان جمعاوان لكان أولى؛ لأن ما مثل به لا يجوز. وإن قلنا بجواز تثنية أجمع وجمعاء؛ لأنه لا يؤكد بأجمع وجمعاء إلا مفرد ذو أبعاض ومفردة ذات أبعاض فبفرض جواز تثنيتهما إنما يؤكد بهما مثنى واحده مفرد ذو أبعاض ومفردة ذات أبعاض، إلا أن يدعي الفرق بين حالتي التثنية والجمع وفيه ما فيه. قوله: "وأجاز ذلك الكوفيون إلخ" وهل يجري خلافهم في توابع أجمع وجمعاء وهو أكتع وكتعاء إلخ، في كلام بعضهم ما يشعر بجريانه والقياس يقتضيه نقله شيخنا. قوله: "يمت" بفتح الميم وتشديد الفوقية أي: ينتسب أو بمعنى يتوسل بالقرابة وعليه يحتاج إلى تجريد يمت عن كونه بالقرابة لئلا يتكرر قوله بقربي.
قوله: "وقال ابن عصفور هو من تذكير المؤنث إلخ" يحتمل أن هذا قول آخر مخالف لما قاله في التسهيل فيكون المراد أن الشاعر احتاج إلى التذكير بتأويل الزينبين بالشخصين فارتكبه فكان إتيانه كليهما في محله، فليس المحل حينئذٍ لكلتيهما فقط حتى يكون الإتيان بكليهما من باب الاستغناء بكليهما عن كلتيهما، ويحتمل أنه تأييد وإيضاح لما قاله في التسهيل بين به وجه الاستغناء. قوله: "وأن تؤكد الضمير المتصل إلخ" قال الفارضي: وإنما وجب ذلك لوقوع اللبس في بعض المواضع كما لو قلت: هند ذهبت نفسها وسعدى خرجت عينها، إذ يحتمل أن تكون نفسها ذهبت وعينها خرجت، فإذا قيل: ذهبت هي نفسها لم يكن لبس ولم يفرقوا بين هذين المثالين وغيرهما طردًا للباب ا. هـ. وأيضًا إنما وجب ذلك؛ لأن المرفوع المتصل بمنزلة الجزء فكرهوا أن يؤكدوه أولًا بمستقل من غير جنسه، فأكدوه أولًا بمستقل من جنسه وبمعناه وهو الضمير المنفصل المرفوع ليكون تمهيدًا لتأكيده بالمستقل من غير جنسه، وهو النفس والعين اللذان هما من الأسماء الظاهرة، أما إذا كان المؤكد اسمًا ظاهرًا أو ضمير رفع منفصلًا أو ضمير نصب مطلقًا فلا يشترط هذا الشرط لفقد العلة المقتضية له إذ الظاهر مستقل والمنفصل ليس كالمتصل لاستقلاله بنفسه والمنصوب ليس كالمرفوع في شدة الاتصال.
_________________
(١) عجزه: إليك وقربى خالد وحبيب والبيت من الطويل، وهو لهشام بن معاوية في المقاصد النحوية ٤/ ١٠٦؛ وبلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص٥٥٩؛ والمقرب ١/ ٢٣٩.
[ ٣ / ١١٥ ]
عَنَيْتُ ذا الرَّفع وأَكَّدُوا بما سِواهُما والقَيْدُ لن يُلتَزَمَا
وما من التَّوكيدِ لفظِيّ يَجِي مُكَرَّرًا كقولك ادْرُجِي ادْرُجِي
_________________
(١) كان أو بارزًا "بالنفس والعين فبعد" الضمير "المنفصل" حتما "عنيت" المتصل "ذا الرفع" نحو: قم أنت نفسك أو عينك، وقوموا أنتم أنفسكم أو أعينكم، فلا يجوز قم نفسك ولا قوموا أعينكم، بخلاف قام الزيدون أنفسهم فيمتنع الضمير، وبخلاف ضربتهم أنفسهم ومررت بهم أعينهم، فالضمير جائز لا واجب. تنبيه: ما اقتضاه كلامه هنا من وجوب الفضل بالضمير المنفصل هو ما صرح به في شرح الكافية، ونص عليه غيره. وعبارة التسهيل تقتضي عدم الوجوب ا. هـ "وأكدوا بما سواهما" أي: بما سوى النفس والعين "والقيد" المذكور "لن يلتزما" فقالوا: قوموا كلكم وجاءوا كلهم من غير فصل بالضمير المنفصل. ولو قلت: قوموا أنتم كلكم وجاءوا هم كلهم كلان حسنًا "وما من التوكيد لفظي يجي مكررًا" ما مبتدأ موصول ولفظي خبر مبتدأ محذوف هو العائد، والمبتدأ مع خبره صلة ما. وجاز حذف صدر الصلة وهو قوله: "بالنفس والعين" إنما اختص هذا الحكم بهما لقوة استقلالهما فإنهما يستعملان في غير التوكيد كثيرًا نحو: علمت ما في نفسك وعين زيد حسنة بخلاف بقية الألفاظ، فلم يكن لها من قوة الاستقلال ما للنفس والعين فلم يكرهوا توكيد المرفوع المتصل بها. قوله: "نحو: قم أنت نفسك إلخ" ونحو: قمنا نحن أنفسنا ونحو: قاموا هم أنفسهم. قوله: "فيمتنع الضمير" لأن الظاهر لا يؤكد بالمضمر لكونه دون المضمر تعريفًا فلا يكون تكملة له. قوله: "ما اقتضاه كلامه هنا إلخ" وجه اقتضائه الوجوب أن التقدير فتوكيده بعد المنفصل والمصدر الواقع خبرًا بمعنى الأمر فكأنه قال فأكده بعد المنفصل، والأمر للوجوب وإنما قدرنا كالمكودي فتوكيده لا فأكده كما فعل الشاطبي؛ لأن حذف المبتدأ هو المعهود في جواب الشرط نحو: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩] . قوله: "تقتضي عدم الوجوب" أي: عدم وجوب الفصل بالضمير المنفصل فيكفي الفصل بغير الضمير فالشرط مطلق الفصل وعلى هذا اقتصر السيوطي حيث قال: لا يشترط في الفاصل كونه ضميرًا ا. هـ. بل في الفارضي ما نصه: يجوز على ضعف جاءوا أعينهم وقاموا أنفسهم، وجعل منه بعضهم القراءة الشاذة "عَلَيْكُمْ أَنْفُسُكُم" بالرفع على أنه توكيد للضمير المستتر في عليكم. وقال ابن هشام: الصواب أن أنفسكم مبتدأ على حذف مضاف وعليكم خبره أي: عليكم شأن أنفسكم ا. هـ. قوله: "يجيء" حذفت لامه للضرورة، أو على لغة قاله الشاطبي. قوله: "مكررًا" أي: إلى ثلاث مرات فقط لاتفاق الأدباء على أنه لم يقع في لسان العرب أزيد منها كما نقله الدماميني عن العز بن عبد السلام. قال: وأما تكرير ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة والمرسلات فليس بتأكيد، بل كل آية قيل فيها ذلك فالمراد المكذبون بما ذكر قبيل هذا القول فلم يتعدد على معنى واحد وكذا ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن ا. هـ. قوله: "وهو" أي: الجار والمجرور متعلق إلخ.
[ ٣ / ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العائد للطول بالجار والمجرور وهو متعلق باستقرار، على أنه حال من الضمير المستتر في الخبر إذ هو في تأويل المشتق، ومكررًا حال من فاعل يجي المستتر، وجملة يجي خبر الموصول، أي: النوع الثاني من نوعي التوكيد، وهو التوكيد اللفظي هو إعادة اللفظ أو تقويته بموافقه معنى، كذا عرفه في التسهيل، فالأول يكون في الاسم والفعل والحرف والمركب غير الجملة والجملة نحو: جاء زيد، ونكاحها باطل باطل باطل. وقوله:
٨٣٢- فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ المِرَاءَ فَإِنَّهُ إلى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وللشَّرِّ جَالِبُ
ونحو: قام قام زيد، ونحو: نعم نعم. وكقوله:
٨٣٣- فَحَتَّامَ حَتَّامَ العناءُ المطولُ
ــ
قوله: "إذ هو" أي: الخبر وهو لفظي وهذا تعليل لاستتار الضمير فيه. قوله: "هو إعادة اللفظ" قال السيوطي: ولا يضر نوع اختلاف نحو: فمهل الكافرين أمهلهم. قوله: "أو تقويته بموافقه" يوهم أن إعادة لفظه لا تقوية فيها، وليس كذلك مع أن التقوية فائدة التوكيد فلا تذكر في حده إلا أن يقال هو رسم، ولو قال أو ذكر موافقه معنى لكان أولى وأعلم أن كلام المتن صادق بالصورتين؛ لأن قوله مكرر أي: لفظًا ومعنى أو معنى فقط. قوله: "بموافقه" ظاهر في إرادة المرادف ويرد عليه نحو: عطشان نطشان فإنه توكيد لفظي مع أنه ليس بالمرادف، إذ لا يفرد والمرادف يفرد قاله الدماميني. ولك أن تقول إن نحو: نطشان مرادف وعدم إفراده عارض في الاستعمال، فلا يمنع المرادفة فاعرفه. قوله: "يكون في الاسم" استثنى من ذلك الاسم المحذر إذا ذكر العامل، فإنه لا يجوز أن يكرر توكيدًا لئلا يجتمع العوض والمعوض منه؛ لما سيأتي من أنهم جعلوا التكرار نائبًا عن الفعل، وعندي أنه يجوز تكراره توكيدًا ولا يلزم الاجتماع المذكور؛ لأن جعلهم التكرار عوضًا عن الفعل في حالة حذف الفعل لا حالة ذكره فأعرفه فإنه متين. قوله: "ونكاحها باطل باطل باطل" أي: من قوله -ﷺ: $"أيما امرأة نكحت نفسها بغير وليّ فنكاحها" إلخ. قوله: "المراء" هو الجدال ودعاء بتشديد العين مثال مبالغة. قوله: "ونحو: نعم نعم" بفتح النون والعين وسكون الميم. قوله: "العناء" بفتح العين
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للفضل بن عبد الرحمن في إنباه الرواة ٤/ ٧٦؛ وخزانة الأدب ٣/ ٦٣؛ ومعجم الشعراء ص٣١٠، وله أو للعرزمي في حماسة البحتري ص٢٥٣؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٦٨٦؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٣٦؛ والخصائص ٣/ ١٠٢؛ ورصف المباني ص١٣٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٢٨؛ وشرح المفصل ٢/ ٢٥؛ والكتاب ١/ ٢٧٩؛ وكتاب اللامات ص٧٠؛ ولسان العرب ١٥/ ٤٤١ "أيا"؛ ومغني اللبيب ٦٧٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١١٣، ٣٠٨؛ والمقتضب ٣/ ٢١٣.
(٢) صدره: فتلك ولاة السُّوء قد طال مَكْثُهمْ والبيت من الطويل، وهو للكميت في الدرر ٦/ ٤٦؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠٩؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٧١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١١١؛ وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في الدرر ٤/ ٧٣؛ ولسان العرب ١٢/ ٥٦٣ "لوم"؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٩٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥.
[ ٣ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجملة "كقولك أدرجي أدرجي" وقوله:
٨٣٤- لَكَ اللهُ لَكَ اللهُ
والثاني كقوله:
أَنْتَ بالخَيرِ حَقِيقٌ قَمِنٌ
وقوله:
٨٣٥- وَقُلنَ عَلَى الفِرْدَوسِ أَوَّلُ مَشْرَبٍ أَجَل جَيرِ إن كانَت أُبِيحَتْ دَغَاثِرُهُ
وقوله:
٨٣٦- صَمِّي لِما فَعَلَتْ يَهودُ صَمَامِ
ــ
المهملة والمد التعب. قوله: "لك الله لك الله" شطر بيت من الهزج.
قوله: "والثاني" أي: تقوية اللفظ بموافقه معنى، ويكون أيضًا في الاسم والفعل والحرف والجملة كما في التصريح، وإن أوهم صنيع الشارح خلافه. قوله: "وقلن إلخ" الضمير للنسوة وعلى الفردوس حال من الضمير والفردوس البستان. وأول مشرب مبتدأ خبره محذوف أي: لنا، وإن للشرط وجوابه محذوف لتقدم دليله، أو بالفتح مصدرية بتقدير لام التعليل أي: لأن كانت إلخ. والدعاثر بالعين المهملة ثم المثلثة جمع دعثور كعصفور وهو الحوض، والضمير فيه للفردوس كذا قال العيني. وقضية قول الشمني المعنى أول مشرب نشربه يكون على الفردوس أن على الفردوس خبر مقدم وأول مشرب مبتدأ مؤخر. قوله: "صمي" بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم أمر من صمم من باب علم أصله اصممي بوزن اعلمي نقلت فتحة الميم الأولى إلى الصاد
_________________
(١) تمامها: أيا من لست أقلاه لا في البعد أنساه لك الله على ذاك لك الله لك الله والبيتان من الهزج، وهما بلا نسبة في الدرر ٦/ ٤٨؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٧٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٩٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥.
(٢) البيت من الطويل، وهو لمضرس بن ربعي في ديوانه ص٧٦؛ وخزانة الأدب ١٠/ ١٠٣، ١٠٦، ١٠٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٦٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٩٨؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص٣٦٠؛ وجواهر الأدب ص٣٧٣؛ والدرر ٦/ ٤٣؛ وشرح المفصل ٨/ ١٢٢، ١٢٤؛ ولسان العرب ٤/ ١٥٦ "جير" ٤/ ٢٨٧ "دعثر"؛ ومغني اللبيب ١/ ١٢٠.
(٣) صدره: فرَّت يهودُ وأَسْلَمَتْ جِيرانَها والبيت من الكامل، وهو للأسود بن يعفر في ديوانه ص٦١؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٤٣٧؛ ولسان العرب ٣/ ٤٣٩ "هود"، ١٢/ ٣٤٥ "صمم" ومجالس ثعلب ص٥٨٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١١٢.
[ ٣ / ١١٨ ]
ولا تُعِدْ لفظَ ضَمير مُتّصِل إلا مع اللفظ الذي به وُصِل
كذا الحروف غير ما تَحَصَّلا به جواب كنَعَمْ وكَبَلَى
_________________
(١) ومنه توكيد الضمير المتصل بالمنفصل. تنبيه: الأكثر في التوكيد اللفظي أن يكون في الجمل، وكثيرًا ما يقترن بعاطف نحو: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤]، الآية ونحو: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤]، ونحو: ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧] الآية، ويأتي بدونه نحو قوله ﵊: $"والله لأغزون قريشًا" ثلاث مرات، ويجب الترك عند إبهام التعدد نحو: ضربت زيدًا ضربت زيدًا ولو قيل ثم ضربت زيدًا لتوهم أن الضرب تكرر منك مرتين تراخت إحداهما عن الأخرى والغرض أنه لم يقع منك إلا مرة واحدة ا. هـ "ولا تعد لفظ ضمير متصل إلا مع اللفظ الذي به وصل" فتقول قمت قمت، وعجبت منك منك؛ لأن إعادته مجردًا تخرجه عن الاتصال "كذا الحروف غير ما تحصلا به جواب كنعم وكبلى" وأجل وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها وأدغمت الميم في الميم. والخطاب للأذن. وصمام أصله فعل وهو توكيد لفظي، وقال كثير الخطاب للداهية وصمام منادى حذف منه حرف النداء. ذكر العيني القولين ويؤيد هذا القول قول القاموس بعد أن ذكر أن صمام كقطام اسم للداهية ما نصه: وصمي صمام أي: زيدي يا داهية، وصمام صمام تصاموا في السكوت ا. هـ. لكن الاستشهاد بالبيت مبني على القول الأول كما لا يخفى. وبما قررناه يعلم ما في كلام البعض من الخلل والله الموفق. قوله: "بعاطف" أي: وهو ثم خاصة كما في التصريح وجعل الرضي الفاء كثم ويؤيده: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤]، والمراد بعاطف صورة؛ لأن بين الجملتين تمام الاتصال فلا تعطف الثانية على الأولى حقيقة كما صرح به علماء المعاني؛ ولأن الحرف لو كان عاطفًا حقيقيا كانت تبعية ما بعده لما قبله بالعطف لا التأكيد. قوله: "ونحو: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ " قال في التوضيح الآية. قال صاحب التصريح: أي: ثم أولى لك فأولى فأرشد بقوله الآية إلى أن المؤكد ما بعد ثم والشارح مثل بأولى لك فأولى، ولم يزد فجعل المؤكد الجملة المقرونة بالفاء على ما قاله الرضي من أن الفاء كثم. وكل صحيح خلافًا لمن اعترض على الشارح؛ لأن أولى الثانية مبتدأ حذف خبره أي: لك أو أولى فعل فيه ضمير مستتر على ما يأتي. وعلى كل ففي ذلك تأكيد جملة بجملة. وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ تأكيد للجملتين. قال الشارح على التوضيح: ومعنى أولى لك التهديد والوعيد، وهو من الولي وهو القرب، وأصله أولاه الله ما يكرهه، واللام مزيدة كما في ردف لكم أو أولى له الهلاك. وقيل أفعل من الويل بعد القلب. وقيل أفعل من آل يؤول بمعنى عقباه النار ا. هـ. قوله: "إلا مع اللفظ الذي به وصل" سواء كان اسمًا أو فعلًا أو حرفًا. قوله: "وعجبت منك منك" وزيد مررت به به فلا فرق بين ضمير المتكلم والمخاطب والغائب. قوله: "كنعم وكبلى" نعم حرف تصديق للمخبر وإعلام للمستخبر ووعد للطالب. وبمعنى
[ ٣ / ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجيرو إي ولا لكونها كالجزء من مصحوبها، فيعاد مع المؤكد ما اتصل بالمؤكد إن كان مضمرًا نحو: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، ويعاد هو أو ضميره إن كان ظاهرًا نحو: إن زيدًا إن زيدًا فاضل أو إن زيدًا إنه فاضل وهو الأولى، ولا بد من الفصل بين الحرفين كما رأيت. وشذ اتصالهما كقوله: نعم جير وأجل وإي كما في المغني وأما بلى فلا تقع باطراد إلا بعد النفي مجردًا نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: ٧]، أو مقرونًا باستفهام حقيقي، كأن يقال: أليس زيد بقائم فتقول: بلى، أو توبيخي نحو: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: ٨٠]، أو تقريري نحو: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى رعيًا للفظه وحده هذا هو الأكثر. ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب بنعم رعيا لمعنى الهمزة والنفي الذي هو إيجاب، ألا ترى أنه لا يجوز بعده دخول أحد ولا الاستثناء المفرغ، فلا يقال أليس أحد في الدار ولا أليس في الدار إلا زيد، ولهذا نازع جماعة كالسهيلي فيما حكي عن ابن عباس في الآية أنهم لو قالوا: نعم لكفروا. نعم لو أجيب ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ بنعم لم يكف في الإقرار لاحتماله غير المراد ولهذا لا يدخل في الإسلام بلا إله إلا الله برفع إله؛ لاحتمال نفي الوحدة كذا في المغني، وإنما كان التقرير مع النفي إيجابًا؛ لأن الهمزة للنفي ونفي النفي إيجاب؛ ولأن غرض المتكلم تقرير المخاطب بالإيجاب. وحاصل المقام أن قام زيد تصديقه نعم وتكذيبه لا وتمتنع بلى لعدم النفي وما قام زيد تصديقه نعم وتكذيبه بلى وتمتنع؛ لا لأنها لنفي الإثبات لا لنفي النفي، وأقام زيد كقام زيد فإن أثبت القيام قلت: نعم، وإن نفيته قلت: لا، ويمتنع بلى، وألم يقم زيد كلم يقم زيد فإن أثبت القيام قلت: بلى ويمتنع لا، وإن نفيته قلت: نعم لكن إن كان الاستفهام تقريريا وأمن اللبس جاز لك أن تثبت بنعم كما مر فعلم أن بلى لا تأتي إلا بعد نفي، وأن لا لا تأتي إلا بعد إيجاب وأن نعم تأتي بعدهما قاله في المغني. قوله: "لكونها" أي: الحروف غير حروف الجواب. قوله: "ويعاد هو" أي: ما اتصل بالمؤكد بفتح الكاف وكذا الضمير إن في قوله أو ضميره إن كان ظاهرًا. قوله: "وهو الأولى" لأنه الأصل، وأما الأول فمن وضع الظاهر موضع المضمر. قيل من الثاني ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، ففي الثانية توكيد للأولى وأعيد مع الثانية ضمير رحمة، ولعله مبني على أن هم مبتدأ ثان، وخالدون خبره وفي رحمة الله متعلق بخالدون، أما على أن في رحمة الله خبر عما قبله، وهم فيها خالدون جملة مستأنفة فليست الآية مما نحن فيه. قال في المغني: ولا يكون الجار والمجرور توكيدًا للجار والمجرور؛ لأن الضمير لا يؤكد الظاهر؛ لأن الظاهر أقوى ولا يكون المجرور بدلًا من المجرور بإعادة الجار؛ لأن العرب لم تبدل مضمرًا من مظهر ا. هـ. لكن ذكر في محل آخر أن النحويين أجازوا إبدال المضمر من المظهر. قوله: "ولا بد من الفصل بين الحرفين" هذا يقوم مقام إعادة ما اتصل به. وعبارة
[ ٣ / ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٣٧- إنَّ إنَّ الكَرِيمَ يَحْلُمُ ما لَم يَرَيَنْ مَنْ أَجَارَهُ قَدْ ضِيمَا
وأسهل منه قوله:
٨٣٨- حَتَّى تَرَاهَا وكَأَنَّ وكَأَنْ أَعْناقها مُشَدَّداتٌ بِقَرَنْ
وقوله:
٨٣٩- لَيتَ شِعْرِي هل ثَمَّ هل آتِيَنْهُمْ
وقوله:
٨٤٠- لا يُنْسِكَ الأَسَى تأسِّيًا فما ما مِنْ حِمامٍ أَحَدٌ مُعْتَصِمَا
للفصل في الأولين بالعاطف وفي الثالث بالوقف. وأشذ منه قوله:
ــ
السيوطي أو حرف غير جوابي لم يعد اختيارًا إلا مع ما دخل عليه أو مفصولًا. قوله: "يحلم" بضم اللام في المضارع وكذا الماضي. قوله: "حتى تراها" أي: المطي. والقرن حبل يقرن به البعيران. قوله: "تأسيًا" أي: اقتداء بمن قبلك من الصابرين. قوله: "للفصل في الأولين بالعاطف" قال شيخنا: والبعض فيه نظر بالنسبة لأول الأولين أعني قوله: وكأن وكأن، فإن مجموع وكأن الثانية تأكيد لمجموع، وكأنه الأولى فالواو من جملة المؤكد فلم يفصل بين المؤكد والمؤكد بعاطف ا. هـ. ولا يخفى أن ما ذكراه غير متعين لجواز أن يكون المؤكد كأن فقط والواو عاطفة فاصلة بينه وبين توكيده كما درج عليه الشارح لكن يرد على هذا أن العطف الذي يفصل به هو ثم، وكذا الفاء على قول الرضي لا الواو إلا أن يجعل التقييد بثم والفاء للفصل بالعاطف قياسًا، وهذا سماع فتدبر. قوله: "وأشذ منه" أي: من قوله: أن إن
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٤٠؛ والدرر ٦/ ٥٤؛ وشرح التصريح ٢/ ١٣٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥.
(٢) الرجز لخطام المجاشعي أو للأغلب العجلي في الدرر ٦/ ٥٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١٣٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٠؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٢٥٣؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٤٢؛ وشرح التصريح ١/ ٣١٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥.
(٣) عجزه: أو يحولَنَّ من دون ذاك حِمام والبيت من الخفيف، وهو للكميت بن معروف في الدرر ٦/ ٥٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٩؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص٣٣٤، ٤٠٦؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٨٤؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٥٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥؛ ويروى "الردى" مكان "الحمام".
(٤) الرجز بلا نسبة في تخليص الشواهد ص٢٧٨؛ وحاشية يس ٢/ ١٣٠؛ وخزانة الأدب ٤/ ١٢٠؛ والجنى الداني ص٣٢٨؛ والدرر ٢/ ١٠٢، ١٠٣، ٦/ ٥٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١١٠؛ وهمع الهوامع ١/ ١٢٤، ٢/ ١٢٥.
[ ٣ / ١٢١ ]
ومُضْمَرَ الرَّفعِ الذي قَدِ انْفَصَل أَكَّد بِهِ كُلَّ ضميرٍ اتَّصَل
_________________
(١) فَلا واللهِ لا يُلفَى لِمَا بِي ولا لِلِمابِهِم أَبَدًا دَوَاءُ لكون الحرف المؤكد وهو اللام موضوعًا على حرف واحد. وأسهل من هذا قوله:
(٢) فَأَصْبَحنَ لا يَسْألنَهُ عن بِما بهلأن المؤكد على حرفين ولاختلاف اللفظين. أما الحروف الجوابية فيجوز أن تؤكد بإعادة اللفظ من غير اتصالها بشيء؛ لأنها لصحة الاستغناء بها عن ذكر المجاب به هي كالمستقل بالدلالة على معناه، فتقول: نعم نعم، وبلى وبلى، ولا لا. ومنه قوله:
(٣) لَا لا أَبُوحُ بِحُبِّ بَثْنَةَ إنَّها أَخَذَتْ عَلَيَّ مواثِقًا وعُهودًا "ومضمر الرفع الذي قد انفصل أكد به كل ضمير اتصل" نحو: قم أنت، ورأيتك ــ الكريم إلخ. قوله: "لا يلفي" أي: لا يوجد. قوله: "وأسهل من هذا" أي: من قوله: ولا للمابهم إلخ. قوله: "لأن المؤكد" بفتح الكاف على حرفين أي: فبعد عن قوله: للمابهم، وقرب نوع قرب لقوله: إن أن الكريم. وصح توكيد عن بالباء؛ لأن الباء بمعنى عن يقال سألت به وسألت عنه، ومن الأول، ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، فهو توكيد بالمرادف. قوله: "فيجوز أن تؤكد" الأنسب بقوله من غير اتصالها بشيء كسر كاف تؤكد فتدبر. قوله: "بثنة" بفتح الموحدة وسكون المثلثة بعدها نون اسم محبوبته. قوله: "أكد به كل ضمير اتصل" لكن على وجه استعارته في
(٤) البيت من الوافر، وهو لمسلم بن معبد الوالبي في خزانة الأدب ٢/ ٣٠٨، ٣١٢، ٥/ ١٥٧، ٩/ ٥٢٨، ٥٣٤، ١٠/ ١٩١، ١١/ ٢٦٧، ٢٨٧، ٣٢٠؛ والدرر ٥/ ١٤٧، ٦/ ٥٣، ٢٥٦؛ وشرح شواهد المغني ص ٧٧٣؛ وبلا نسبة في الإنصاف ص٥٧١؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٤٣؛ والجنى الداني ص٨٠، ٣٤٥؛ والخصائص ٢/ ٢٨٢؛ ورصف المباني ص٢٠٢، ٢٤٨، ٢٥٥، ٢٥٩؛ وسر صناعة الإعراب ص٢٨٢، ٣٣٢؛ وشرح التصريح ٢/ ١٣٠، ٢٣٠؛ والصاحبي في فقه اللغة ص٥٦؛ والمحتسب ٢/ ٢٥٦؛ ومغني اللبيب ص١٨١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٢؛ والمقرب ١/ ٣٣٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥، ١٥٨.
(٥) عجزه: أصعَّد في عُلو الهَوى أم تصَوَّبا والبيت من الطويل، وهو للأسود بن يعفر في ديوانه ص٢١؛ وشرح التصريح ٢/ ١٣٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٣؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٥٤؛ وخزانة الأدب ٩/ ٥٢٧، ٥٢٨، ٥٢٩، ١١/ ١٤٢؛ والدرر ٤/ ١٠٥، ١٤٧؛ وسر صناعة الإعراب ص١٣٦؛ وشرح شواهد المغني ص٧٧٤؛ ولسان العرب ٣/ ٢٥١ "صعد"؛ ومغني اللبيب ص٣٥٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٢٢، ٣٠، ٧٨، ١٥٨.
(٦) البيت من الكامل، وهو لجميل بثينة في ديوانه ص٥٨؛ وخزانة الأدب ٥/ ١٥٩؛ والدرر ٦/ ٤٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٢٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٣٨؛ وشرح قطر الندى ص٢٩١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١١٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥.
[ ٣ / ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أنت، ومررت بك أنت، وزيد جاء هو. ورأيتني أنا. تنبيه: إذا أتبعت المتصل المنصوب بمنفصل منصوب نحو: رأيتك إياك، فمذهب البصريين أنه بدل، ومذهب الكوفيين أنه توكيد. قال المصنف: وقولهم عندي أصح؛ لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في نحو: فعلت أنت، والمرفوع تأكيد بإجماع. خاتمة في مسائل منثورة: الأولى لا يحذف المؤكد ويقام المؤكد مقامه على الأصح. وأجاز الخليل نحو: مررت بزيد وأتاني أخوه أنفسهما، وقدره هما صاحباي أنفسهما. الثانية لا يفصل بين المؤكد والمؤكد بإما على الأصح، وأجاز الفراء مررت بالقوم إما أجمعين، وإما بعضهم. الثالثة لا يلي العامل شيء من ألفاظ التوكيد وهو على حاله في التوكيد إلا جميعًا وعامة مطلقًا، فتقول: القوم قام جميعهم وعامتهم، ورأيت جميعهم وعامتهم، ومررت بجميعهم وعامتهم. وإلا كلا وكلا وكلتا مع الابتداء بكثرة ومع غيره توكيد ضمير النصب والجر والتوكيد في الكل لفظي بالمرادف وسكت المصنف عن توكيد المنفصل المرفوع، أو المنصوب بمنفصل مرفوع. وينبغي أن لا يتوقف في جواز الأول. ومقتضى منع الثاني أنه لا يجوز: إياك أنت أكرمت وما أكرمت إلا إياك أنت. وفي المغني أن أنت من نحو: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يصح كونه فصلًا أو توكيدًا أو مبتدأ والأول أرجح فالثاني. قوله: "والمرفوع تأكيد بإجماع" أي: يجوز أن يكون توكيدًا بإجماع كما يجوز أن يكون بدلًا فالإجماع إنما هو على جواز التوكيد. قوله: "لا يحذف المؤكد" أي: لأن الغرض من التوكيد التقوية والحذف ينافيه وتقدم ما فيه. قوله: "وقدره إلخ" ويجوز نصب أنفسهما بتقدير أعينهما أنفسهما. قوله: "بإما" أما الفصل بغيرهما فثابت كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] . قوله: "إما أجمعين وإما بعضهم" محط التمثيل قوله إما أجمعين؛ لأنه التوكيد المفصول بينه وبين المؤكد بإما لا قوله وإما بعضهم، ولا يلزم من عطفه على أجمعين أن يكون تأكيدًا بدليل: لم يجئني القوم كلهم بل بعضهم أو ولا بعضهم، حتى يرد أنه ليس من ألفاظ التوكيد، فسقط ما نقله البعض عن الدماميني وأقره من الأشكال. قوله: "وهو على حاله في التوكيد" أي: من إفادة التقوية ورفع الاحتمال واحترز بذلك عن نحو: طابت نفس زيد وفقئت عين عمرو؛ فإن المراد بالنفس الروح وبالعين الباصرة فليسا على حالهما في التوكيد. ويرد عليه نحو: جاءني نفس زيد وعين عمرو أي: ذاتهما وفي التنزيل: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، أي: ذاته. قوله: "مطلقًا" أي: مع الابتداء وغيره. قوله: "جميعهم وعامتهم" الواو بمعنى؛ أو لأنه لا يجمع بين لفظي توكيد بعطف لما مر. قوله: "مع الابتداء بكثرة" لأن الابتداء عامل معنوي فلا يبعد معموله وهو المبتدأ من التأكيد وولي
[ ٣ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقلة فالأول نحو: القوم كلهم قائم، والرجلان كلاهما قائم، والمرأتان كلتاهما قائمة. والثاني كقوله:
٨٤٤- يَمِيدُ إذا والَتْ عليه دِلاؤُهُمْ فَيَصْدُرُ عَنْهُ كُلُّها وهْوَ ناهِلُ
وقولهم كليهما وتمرا: أي: أعطني كليهما. وأما قوله:
٨٤٥- فلمَّا تَبَيَّنَّا الهدى كان كُلّنا على طاعة الرحمن والحَقِّ والتُّقى
فاسم كان ضمير الشأن لا كلنا. الرابعة يلزم تابعية كل بمعنى كامل وإضافته إلى مثل متبوعه مطلقًا نعتًا لا توكيدًا، نحو: رأيت الرجل كل الرجل، وأكلت شاة كل شاة. الخامسة يلزم اعتبار المعنى في خبر كل مضافًا إلى نكرة نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل
ــ
لفظ التوكيد العامل في هذه الحالة باعتبار أن الابتداء سابق في التقدير على لفظ التوكيد الواقع مبتدأ؛ لأن رتبة العامل التقديم على المعمول. قوله: "فالأول" أي: ولي لفظ التوكيد وهو مبتدأ العامل. قوله: "نحو: القوم كلهم قائم" القوم مبتدأ أول وكلهم مبتدأ ثاني، وقائم خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر الأول، والمثال يكفي فيه الاحتمال فلا يقال: يحتمل أن كلهم تأكيد للقوم لا مبتدأ.
قوله: "يميد" أي: يضطرب والضمير فيه وفي عليه وعنه لماء البئر وفي نسخ عنها فيكون راجعًا إلى البئر وقوله فيصدر أي: يذهب عنه كلها أي: كل من الجماعة أصحاب الدلاء وهو ناهل أي: ريان. قوله: "لا كلنا" أي: حملًا على الكثير؛ لأنه إذا جعل اسم كان ضمير الشأن كان كلنا مبتدأ مخبرًا عنه بقوله على طاعة الرحمن والجملة خبر كان، وإذا جعل كل اسمًا لكان كان استعمالا لها على ما ثبت لها بقلة. قوله: "يلزم تابعية كل" أي: ولا يجوز قطعها وإن كانت كل التي بمعنى كامل نعتًا والنعت يجوز قطعه وكأن وجه ذلك أن أصلها التوكيد وهو لا يقطع. قوله: "بمعنى كامل" فيه أنها لو كانت بمعنى كامل لكان معنى قولنا جاء الرجل كل الرجل جاء الرجل كامل الرجل وفيه تهافت، ويدفع بحمل المضاف إليه على الاستغراق. قوله: "إلى مثل متبوعه" أي: لفظًا ومعنى كذا قالوا، ومقتضى القياس على الاكتفاء في أي الوصفية والحالية بالإضافة إلى مثل الموصوف معنى فقط أن يكون هنا كذلك إلا أن يفرق فتدبر وقوله مطلقًا أي: سواء تبع معرفة أو نكرة كما يرشد إليه تمثيله. قوله: "اعتبار المعنى" أي: معنى كل ومعناها بحسب ما تضاف إليه فيجب مطابقة الخبر للنكرة المضاف إليها كل.
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لكثير عزة في ديوانه ص٥٠٦؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٧٥؛ وبلا نسبة في الدرر ٥/ ١٣٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٢١؛ ومغني اللبيب ١/ ١٩٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٣.
(٢) البيت من الطويل، وهو للإمام علي بن أبي طالب في ديوانه ص١١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٢١؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ١٩٥.
[ ٣ / ١٢٤ ]
العطف:
للعَطْفِ إمّا ذو بَيان أو نَسَق والغَرَضُ الآن بيانُ ما سَبَق
فذو البيان تابِعٌ شبه الصِّفه حقيقة القصد به منكشفه
_________________
(١) عمران: ١٨٥] ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ولا يلزم مضافًا إلى معرفة فتقول: كلهم ذاهب وذاهبون. والله أعلم. العطف: "العطف إما ذو بيان أو نسق والغرض الآن بيان ما سبق" وهو عطف البيان "فذو البيان تابع شبه الصفه حقيقه القصد به منكشفه" فتابع جنس يشمل جميع التوابع، وشبه قوله: "في خبر كل" قيد بالخبر؛ لأن ما فيه الضمير وليس خبرًا، إن كان من جملة كل لزم اعتبار المعنى، وإن كان من جملة أخرى لم يلزم اعتبار المعنى. ومن هنا يعلم توجيه عدم المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾ [الحج: ٢٧]، بجعل يأتين استئنافًا لا صفة وكذا، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ، لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ [الصافات: ٧]، مع أن جعل لا يسمعون صفة أو حالًا فاسد معنى أيضًا، إذ لا معنى للحفظ من شياطين لا يسمعون. وأوجب ابن هشام الجمع في الكل المجموعي نحو: أعطاني كل رجل فأغنوني إذا كان حصول الغني من المجموع لا من كل واحد أفاده الدماميني، وجمع الأمرين قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠]، فأفرد أولًا وجمع ثانيًا لدلالة كل نفس على متعدد، ففي مفهوم الخبر تفصيل. قوله: "فرحون" فيه الشاهد؛ لأنه الخبر. قوله: "ولا يلزم مضافًا إلى معرفة" بل يجوز رعاية لفظ كل في الإفراد والتذكير، ومعناها هذا ما درج عليه المصنف في تسهيله. وذهب ابن هشام إلى أنه يجب في خبرها رعاية لفظها إذا أضيفت إلى معرفة نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥]، ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]، هذا كله إذا ذكر المضاف إليه فإن حذف فالذي صوبه ابن هشام أنه إن كان المقدر مفردًا نكرة وجب الإفراد كما لو صرح به، وإن كان جمعًا معرفًا وجب الجمع، وإن كانت المعرفة لو صرح بها لم يجب الجمع تنبيهًا على حال المحذوف فيهما فالأول نحو: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، أي: كل أحد والثاني نحو: ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال]، أي: كلهم ا. هـ. دماميني باختصار. العطف: هو لغة الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه. وسمي هذا التابع عطف البيان؛ لأن المتكلم رجع إلى الأول فأوضحه به. قوله: "شبه الصفة" أي: في الإيضاح والتخصيص وغيرهما، فقد جاء للمدح على ما في الكشاف أن البيت الحرام عطف بيان للكعبة على جهة المدح لا على جهة التوضيح، وللتأكيد على ما ذهب إليه بعضهم في يا نصر نصر نصرًا، لكن في الهمع عن المصنف أن الأولى جعله توكيدًا لفظيا قال: لأن حق عطف البيان أن يكون للأول به زيادة بيان ومجرد تكرير اللفظ لا يحصل به ذلك. قوله: "حقيقة القصد إلخ" أي: الأصل فيه ذلك فلا يرد عطف
[ ٣ / ١٢٥ ]
فَأَوليَنْه من وِفاقِ الأوَّلِ ما من وِفاقِ الأوَّلِ النَّعْتُ وَلِي
فقدْ يكونانِ مُنَكَّريْنِ كما يكونَانِ مُعَرَّفَيْنِ
_________________
(١) الصفة مخرج لعطف النسق والبدل والتوكيد. وحقيقة القصد إلى آخره لإخراج النعت: أي: إنه فارق النعت من حيث أنه يكشف المتبوع بنفسه لا بمعنى في المتبوع ولا في سببه "فأولينه من وفاق الأول" وهو المتبوع "ما من وفاق الأول النعت ولي" وذلك أربعة من عشرة: أوجه الإعراب الثلاثة، والإفراد، والتذكير، والتنكير، وفروعهن. وأما قول الزمخشري: أن مقام إبراهيم عطف بيان على آيات بينات فمخالف لإجماعهم. وقوله وقول الجرجاني: يشترط كونه أوضح من متبوع فمخالف لقول سيبويه في: يا هذا ذا الجمة، إن ذا الجمة عطف بيان مع أن الإشارة أوضح من المضاف إلى ذي الأداة. وإن كان له مع متبوعه ما للنعت مع منعوته "فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين" لأن النكرة تقبل التخصيص بالجامد كما تقبل المعرفة التوضيح به، نحو: لبست ثوبًا جبة، وهذا مذهب الكوفيين البيان الذي للمدح ونحوه. قوله: "لإخراج النعت" اعترضه شيخنا بأن النعت كما في التصريح خرج بقوله شبه الصفة؛ لأن شبه الشيء غيره وعلى هذا يكون قوله حقيقة إلخ؛ لبيان الفرق بين النعت وعطف البيان لا للإخراج. قوله: "من حيث أنه يكشف إلخ" وكذا يفارقه من حيث أنه لا يكون إلا جامدًا والنعت لا يكون إلا مشتقا أو مؤولًا به على ما مر. قوله: "فأولينه إلخ" تفريع على قوله شبه الصفة. وفي نفسي من عبارته شيء؛ لأنه إن جعل قوله أولًا من وفاق الأول بيانًا لما مقدمًا عليه استغنى عن قوله ثانيًا من وفاق الأول، وإن جعل قوله ثانيًا بيانًا لما استغنى عن قوله أولًا، فعلى كل حال في كلامه تكرار. قوله: "النعت" أي: الحقيقي؛ لأنه يجب في البيان أن يكون كالمبين في الإفراد والتذكير وفروعهما كالنعت الحقيقي بخلاف النعت السببي كما مر. قوله: "فمخالف لإجماعهم" أي: على وجوب مطابقة البيان والمبين تعريفًا وتنكيرًا وإفرادًا وغيره وتذكيرًا وغيره. ومقام مخالف لآيات من وجوه ثلاثة كما لا يخفى وسننقل عن الرضي تجويز تخالفهما، ولا يجوز أن يكون بدلًا لتصريحهم بأن المبدل منه إذا تعدد وكان البدل غير وافٍ بالعدة تعين القطع، فخرج عن البدلية فالوجه أنه مبتدأ حذف خبره، أي: منها مقام إبراهيم. قوله: "أوضح من متبوعه" أي: أعرف وإنما أوجبا أوضحية البيان من المبين، ولم يوجب أحد أوضحية النعت من المنعوت؛ لأن قصد الإيضاح من عطف البيان أقوى من قصده من النعت؛ لأن البيان يوضح المبين ببيان حقيقته فهو كالتعريف بخلاف النعت. قوله: "ذا الجمة" بضم الجيم الشعر الواصل إلى المنكب. قوله: "إن ذا الجمة عطف بيان" لم يجعله نعتًا لما مر أن نعت اسم الإشارة لا يكون إلا محلى بأل. قوله: "وإذا كان له إلخ" أشار به إلى أن قوله فقد يكونان إلخ مفرع على قوله فأولينه إلخ، لا على قوله شبه الصفة، حتى يرد اعتراض ابن هشام بأن الواجب الواو لتعطف هذه المسألة على ما قبلها المفرع على قوله شبه الصفة فتأمل. قوله: "فقد يكونان إلخ" أتى به مع علمه مما قبله
[ ٣ / ١٢٦ ]
وصالحًا لبَدَليَّة يُرَى في غَيْر نَحْوِيَا غُلامُ يَعْمُرا
ونحو بشْرٍ تابِعِ البكرِيِّ ولَيْسَ أنْ يُبْدَلَ بالمَرْضِي
ــ
والفارسي وابن جني والزمخشري وابن عصفور، وجوزوا أن يكون منه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، فيمن نون كفارة ونحو: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] وذهب غير هؤلاء إلى المنع، وأوجبوا فيما سبق البدلية ويخصون عطف البيان بالمعارف. قال ابن عصفور: وإليه ذهب أكثر النحويين. وزعم الشلوبين أنه مذهب البصرين. قال الناظم: ولم أجد هذا النقل من غير جهته. وقال الشارح: ليس قول من منع بشيء. وقيل يختص عطف البيان بالعلم اسمًا أو كنية أو لقبًا "وصالحًا لبدلية يرى في غير" ما يمتنع فيه إحلاله محل الأول كما في "نحو يا غلام يعمرا" وقوله:
٨٤٦- أَيَا أَخَوَينَا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوفَلَا
"ونحو بشر تابع البكريِّ" في قوله:
ــ
ردًا على المخالف. قوله: "فيما سبق" أي: من المثال والآيتين، وقوله البدلية أي: بدل كل من كل. قوله: "ويخصون عطف البيان بالمعارف" احتجوا بأن البيان بيان كاسمه والنكرة مجهولة، والمجهول لا يبين المجهول. ورد بأن بعض النكرات أخص من بعض والأخص يبين الأعم. قوله: "وصالحًا لبدلية يرى" أشار بتعبيره بالصلاحية إلى ما صرح به في التسهيل من أن عطف البيان أولى من البدل في غير المستثنيات؛ لأن الأصل في المتبوع أن لا يكون في نية الطرح، وأن لا يكون التابع كأنه من جملة أخرى. ومال الدماميني إلى أولوية الإبدال معللًا بما لا ينهض، فانظره في حاشية شيخنا وبقي قسم لا يؤخذ من كلامه وهو تعين الإبدال نحو: يا عبد الله كرز بالضم، فالأقسام ثلاثة: تعين الإبدال وتعين البيان ورجحان أحدهما وهو البيان عند غير الدماميني والإبدال عنده. وأما تساويهما فمنتف، وجعل البعض الأقسام أربعة لعله باعتبار القولين في رجحان أحدهما وفيه من التساهل ما لا يخفى. ثم جواز الأمرين على مقصدين، فإن قصدت بالحكم الأول وجعلت الثاني بيانًا له فهو عطف بيان. وإن قصدت بالحكم الثاني وجعلت الأول كالتوطئة له فهو بدل.
قوله: "يعمرا" بضم الميم وفتحها علم منقول من المضارع منصوب عطف بيان على محل غلام. قوله: "عبد شمس ونوفلا" فيمتنع كون عبد شمس بدلًا من أخوينا لا لذاته، بل لعدم صحة ذلك في المعطوف. قوله: "ونحو بشر تابع البكري" أي: من كل تركيب عطف فيه اسم خال
_________________
(١) عجزه: أعيذُكُما بالله أن تحدثا حَرْبا والبيت من الطويل، وهو لطالب بن أبي طالب في الحماسة الشجرية ١/ ٦١؛ والدرر ٦/ ٢٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١٣٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١١٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٥٠؛ وشرح قطر الندى ص٣٠٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢١.
[ ٣ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٤٧- أَنَا ابْنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ عَلَيه الطَّيرُ تَرْقُبُهُ وُقوعا
فبشر عطف بيان من البكري "وليس أن يبدل" منه "بالمرضي" لامتناع أنا الضارب زيد. نعم الفراء يجيزه الإبدال.
تنبيه: يتعين أيضًا العطف ويمتنع الإبدال في نحو: هند ضربت زيدًا أخاها، وزيد جاء الرجل أخوه؛ لأن البدل في التقدير من جملة أخرى فيفوت الربط من الأولى بخلاف العطف.
ــ
من أل على معرف بها مضاف إليه وصف محلى بها. قوله: "عليه الطير" خبر مقدم ومبتدأ مؤخر والجملة حال من البكري، وترقبه حال من المستتر في عليه، وقول البعض تبعًا للعيني عليه متعلق بوقوعًا يلزم عليه تقديم معمول معمول الخبر الفعلي على المبتدأ، والذي رجحوا جوازه تقديم معمول الخبر الفعلي لا تقديم معمول معموله، ووقوعًا مفعول له حذف متعلقه أي: ترقبه لأجل وقوعها عليه. قوله: "وليس أن يبدل بالمرضي" راجع للصورة الثانية كما يشير إليه تعليل الشارح وصرح به مع علمه مما قبله ردًا على الفراء المجوز للإبدال. قوله: "لامتناع أنا الضارب زيد" لما مر من قوله ووصل أل بذا المضاف إلخ.
قوله: "يتعين أيضًا العطف إلخ" يعني أن في كلام الناظم قصورًا: لأنه لم يستوف الصور التي لا يصلح فيها البيان للبدلية. قوله: "في نحو: هند إلخ" أي: من كل تركيب أورثت فيه البدلية الاختلال؛ لكون البدل على تقدير عامل آخر وإن صح حلوله محل المبدل منه، ومن صور تعين البيان لامتناع حلول الثاني محل الأول نحو: يأيها الرجل غلام زيد، وكلا أخويك زيد وعمرو عندي، ويا زيد الحارث، ويا زيد هذا إذ يلزم على البدلية اتباع أي: في النداء بغير ذي أل وإضافة كلا إلى اثنين بتفريق وإدخال يا على ذي أل واسم الإشارة بدون وصف، واستثناء هذه الصور وصورتي المتن مبني على أن البدل لا بد أن يصلح لحلوله محل الأول، ونظر في ذلك ابن هشام مع جزمه في المغني بأنهم يغتفرون في الثواني ما لا يغتفرون في الأوائل، وقد جوزوا في أنك أنت زيد كون أنت توكيدًا، وكونه بدلًا مع أنه لا يجوز إن أنت وفي المستوفي أولى ما يقال في نعم الرجل زيد أن زيد بدل من الرجل، ولا يلزم أن يجوز نعم زيد. وذكر الدماميني من صور تخلف ذلك فتنت هند حسن لها وأكلت الأرغفة جزء منها.
قوله: "من جملة أخرى" أي: بناء على الصحيح أن البدل على نية تكرار العامل. قوله:
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للمرار الأسدي في ديوانه ص٤٦٥؛ وخزانة الأدب ٤/ ٢٨٤، ٥/ ١٨٣؛ والدرر ٦/ ٢٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١٣٣؛ وشرح المفصل ٣/ ٧٣، ٧٣؛ والكتاب ١/ ١٨٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٢١؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٤٤١؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٥١؛ وشرح شذور الذهب ص٣٢٠؛ وشرح ابن عقيل ص٤٩١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٥٤، ٥٩٧؛ وشرح قطر الندى ص٢٩٩؛ والمقرب ١/ ٢٤٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٢.
[ ٣ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) خاتمة: يفارق عطف البيان البدل في ثمان مسائل: الأولى أن العطف لا يكون مضمرًا ولا تابعًا لمضمر؛ لأنه في الجوامد نظير النعت في المشتق. وأما قول الزمخشري: أن أن اعبدوا الله بيان للهاء في إلا ما أمرتني به فمردود. الثانية أن البيان لا يخالف متبوعه في "يفارق عطف البيان البدل" قال الرضي: أنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل وعطف البيان، بل ما أرى عطف البيان إلا البدل كما هو ظاهر كلام سيبويه وساق كلام سيبويه ثم قال: قالوا إن الفرق بينهما أن البدل هو المقصود بالنسبة دون متبوعه بخلاف عطف البيان فإنه بيان، والبيان فرع المبين فيكون المقصود هو الأول، والجواب أنا لا نسلم أن المقصود بالنسبة في بدل الكل هو الثاني فقط، ولا في سائر الأبدال إلا الغلط، فإن كون الثاني فيه هو المقصود بها دون الأول ظاهر، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأول في الأبدال الثلاثة منسوب إليه في الظاهر، ولا بد لذكره من فائدة صونًا لكلام الفصحاء عن اللغو، وهي في بدل الكل كون الأول أشهر والثاني مشتملًا على صفة نحو: بزيد رجل صالح أو العكس نحو: برجل صالح زيد والعالم زيد أو مجرد الإبهام ثم التفسير نحو: برجل زيد وفي بدل البعض وبدل الاشتمال الأخير فادعاء كون الأول غير مقصود بالنسبة مع كونه منسوبًا إليه في الظاهر، واشتماله على فائدة يصح أن ينسب إليه لأجلها دعوى خلاف الظاهر، فما كان من بدل الكل لإيضاح الأول يسمى بعطف البيان. وأما فرقهم بأن البدل على تكرير العامل فإن سلم فيما يكرر العامل فيه ظاهرًا لم يسلم في غيره، وإن سلم فلنا أن ندعيه فيما سموه عطف البيان. وفرقهم بجواز تخالف البدل والمبدل منه تعريفًا وتنكيرًا بخلاف البيان والمبين لنا منعه بتجويز التخالف في البيان والمبين أيضًا ا. هـ. باختصار. قوله: "في ثمان مسائل" زيد ثلاث أخرى: كون المتبوع في البدل في نية الطرح قيل غالبًا. وقال الزمخشري في المفصل: مرادهم بكون البدل في نية طرح الأول أنه مستقل بنفسه لا متمم لمتبوعه كالتأكيد والصفة والبيان لا إهدار الأول، ألا ترى أنك لو أهدرت الأول في نحو: زيد رأيت غلامه رجلًا صالحًا لم يستقم كلامًا ا. هـ. بخلافه في البيان، وكون حذفه في البدل جائزًا عند بعضهم وخرّج عليه المصنف كالأخفش قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، فجعل الكذب بدلًا من الضمير المحذوف أي: تصفه بخلافه في البيان، وكون البدل يجوز قطعه كما سيأتي بخلاف البيان إلا على قول. قوله: "نظير النعت في المشتق" أي: فكما أن الضمير لا ينعت ولا ينعت به كذلك لا يعطف عطف بيان ولا يعطف عليه. قوله: "بيان للهاء" ومنع هو كونه بدلًا من الهاء؛ لأن المبدل منه في نية الطرح فيبقى الموصول بلا عائد ورده في المغني بأنه لا أثر لتقدير عدم العائد مع وجوده حسا. قال: ولو لزم إعطاء منوي الطرح حكم المطروح لزم إعطاء منويّ التأخير حكم المؤخر فكان يمتنع: ضرب زيدًا غلامه ويرد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، والإجماع ا. هـ. ويجوز كونه بيانًا لما أمرتني به أو بدلًا منه بتأويل قلت بأمرت إذ القول الحقيقي لا يعمل في العبادة
[ ٣ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تعريفه وتنكيره كما مر. الثالثة: أنه لا يكون جملة بخلاف البدل فإنه يجوز فيه ذلك كما سيأتي. الرابعة: أنه لا يكون تابعًا لجملة بخلاف البدل. الخامسة: أنه لا يكون فعلًا تابعًا لفعل بخلاف البدل. السادسة: أنه لا يكون بلفظ الأول بخلاف البدل، فإنه يجوز فيه ذلك بشرط الذي ستعرفه في موضعه. هكذا قال الناظم وابنه وفيه نظر. السابعة: أنه ليس في نية إحلاله محل الأول بخلاف البدل. الثامنة: أنه ليس في التقدير من جملة أخرى بخلاف البدل، وقد مر قريبًا ما ينبني على هاتين، وسيأتي بيان ما يختص بالبدل في بابه إن شاء الله تعالى. والله أعلم. وأن على الجميع مصدرية وجوز الزمخشري كونها مفسرة بتأويل قلت بأمرت واستحسنه في المغني، قال: وعلى هذا فشرطهم في المفسرة أن لا يكون في الجملة قبلها حروف القول أي: باقيًا على حقيقته واستشكل كونها مفسرة بأن الله لا يقول ربي وربكم. وأجيب باحتمال أن يكون مقول الله الذي أمر بقوله عيسى اعبدوا الله وما بعده من مقول عيسى وقت خطابه قومه على حد: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، وأن يكون مقول الله اعبدوا الله ربك وربهم فعبر عيسى حين خاطبهم عن نفسه بالتكلم وعنهم بالخطاب. قوله: "فمردود" أي: بما تقدم من كونه نظير النعت في المشتق فيجعل بدلًا أو خبر مبتدأ محذوف وانتصر الدماميني للزمخشري ورجح جواز كونه عطف بيان قال ولا يلزم من كون شيء نظير آخر أن يعطي سائر أحكامه، ألا ترى أن المنادى المفرد المعين بمنزلة ضمير المخاطب؛ ولذلك بني والضمير مطلقًا لا ينعت على المشهور ومع ذلك لا يمتنع نعت المنادى عند الجمهور ا. هـ. مع أن الكسائي يجيز نعت الضمير. قوله: "أنه لا يكون جملة" يشكل عليه ما ذكره أهل المعاني في الفصل والوصل من أن جملة: قال يا آدم عطف بيان على فوسوس إليه الشيطان، وكما يشكل على هذا يشكل على قوله أنه لا يكون تابعًا لجملة. قوله: "بشرطه الذي ستعرفه في موضعه" هو كون الثاني معه زيادة بيان كما في قراءة يعقوب: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨]، بنصب كل الثانية فإنه قد اتصل بها ذكر سبب الجثو. قوله: "هكذا قال الناظم وابنه" أي: تبعًا لابن الطراوة واحتجوا بأن الشيء لا يبين بنفسه. قوله: "وفيه نظر" وجهه أن كلا من البدل وعطف البيان مبين لمتبوعه وإن كان التبيين في البدل غير مقصود بالذات، وبجملة لكونه على تقدير العامل، وفي عطف البيان مقصودًا بالذات وبمفرد وحينئذٍ فلا مانع من كون عطف البيان بلفظ المتبوع إذا كان معه زيادة كالبدل. قوله: "ما ينبني على هاتين" فينبني على السابعة امتناع بدلية نحو: يعمر وبشر في يا غلام يعمر. و: أنا ابن التارك البكري بشر وعلى الثامنة امتناع بدلية نحو: أخاها وأخوه في هند ضربت زيدًا أخاها وزيد جاء الرجل أخوه، وبهذا يعرف ما في كلام البعض من القصور.
[ ٣ / ١٣٠ ]
عَطْف النسق:
تالٍ بحرف مُتْبع عطف النَّسق كاخْصُص بِوُدّ وثناء من صَدَق
_________________
(١) عطف النسق: "تال بحرف متبع عطف النسق" فتال أي: تابع جنس يشمل جميع التوابع. وبحرف يخرج ما عدا عطف النسق منها. ومتبع يخرج نحو: مررت بغضنفر أي: أسد، فإن أسدًا تابع عطف النسق: تقدم معنى العطف، وأما النسق فقال الفاكهي: اسم مصدر بمعنى اسم المفعول، يقال: نسقت الكلام أنسقه عطفت بعضه على بعض والمصدر بالتسكين ا. هـ. والمعنى على هذا العطف الواقع في الكلام المعطوف بعضه على بعض، وفي الفارضي أن النسق بالتحريك مصدر، وقيل النسق بمعنى الطريقة والإضافة لأدنى ملابسة أي: عطف اللفظ الذي جيء به على نسق الأول وطريقته، وهو ثلاثة أقسام: أحدها العطف على اللفظ وهو الأصل وشرطه إمكان توجه العامل فلا يجوز في ما جاءني من امرأة ولا زيد جر زيد؛ لأن من الزائدة لا تعمل في معرفة. الثاني العطف على المحل وشرطه إمكان ظهور المحل في الفصيح فلا يجوز مررت بزيد وعمرًا بالنصب خلافًا لابن جني، وكون المحل بحق الأصالة فلا يجوز هذا ضارب زيدًا وأخيه خلافًا للبغداديين ووجود المحرز أي: العامل الطالب للمحل على خلاف فيه تقدم بيانه فلا يجوز أن زيدًا وعمرو قائمان برفع عمرو. وقد يمتنع العطف على اللفظ وعلى المحل معًا نحو: ما زيد قائمًا لكن أو بل قاعد؛ لأن في العطف على اللفظ إعمال ما في الموجب وفي العطف على المحل اعتبار الابتداء مع زواله بدخول الناسخ فلم يوجد المحرز والصواب الرفع على إضمار مبتدأ. الثالث العطف على التوهم وشرطه صحة دخول العامل المتوهم، وأما كثرة دخوله فشرط للحسن ولهذا حسن لست قائمًا ولا قاعد بالجر ولم يحسن ما كنت قائمًا ولا قاعدًا بالجر، والفرق بين القسمين الأخيرين أن العامل في العطف على المحل موجود دون أثره، والعامل في العطف على التوهم مفقود دون أثره. قوله: "تال بحرف متبع عطف النسق" قال شيخنا أي: معطوف النسق تال مع حرف متبع ا. هـ. فأشار إلى أمور ثلاثة لا تخفاك. قوله: "بحرف" ولو تقديرًا؛ لأن حذف العاطف جائز عند المصنف نظمًا ونثرًا وإن لم يكن المقام مقام سرد الأعداد على ما أفاده البهوتي. قوله: "متبع" أي: موضوع للاتباع وهو تشريك الثاني مع الأول في عامله غزى. قوله: "يخرج ما عدا عطف النسق منها" أي: وما عدا عطف البيان المسبوق بأي: التفسيرية بدليل كلامه بعد وما عدا التوكيد المسبوق بالعاطف نحو: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤ و٥]، لأن هذا أيضًا إنما يخرج بقوله متبع أي: محصل للاتباع. نعم إن جعلت الباء في قوله بحرف سببية خرج جميع ذلك بقوله بحرف؛ لأن تبعية البيان المسبوق بأي: التفسيرية والتوكيد المسبوق بالعاطف ليست بسبب
[ ٣ / ١٣١ ]
فَالعَطْفُ مطلقًا بواو ثمّ فا حَتّى أَمَ أو كَفِيك صِدق وَوَفا
_________________
(١) بحرف وليس معطوفًا عطف نسق، بل بيان؛ لأن أي ليست بحرف متبع على الصحيح بل حرف تفسير. وخلص التعريف للعطف بالحروف الآتي ذكرها "كاخصص بود وثناء من صدق" فثناء تابع لود بالواو وهي حرف متبع "فالعطف مطلقًا بواو" و"ثم" و"فا" و"حتى و"أم" و"أو" فهذه الستة تشرك بين التابع والمتبوع لفظًا ومعنى. وهذا معنى. قوله مطلقًا "كفيك صدق ووفا" وهذا ظاهر في الأربعة الأول. وأما أم وأو فقال المصنف: أكثر النحويين على أنهما يشركان في اللفظ لا في المعنى. والصحيح أنهما يشركان لفظًا الحرف لثبوت التبعية لهما مع حذف أي: والعاطف لكن الشارح لم يجر على هذا الوجه. قوله: "بل بيان" أي: عطف بيان وليس لنا عطف بيان بعد حرف إلا هذا. قوله: "ليست بحرف متبع" لصحة حذفها لفظًا وتقديرًا والعاطف ليس كذلك. ورده الدماميني بأن العاطف قد يحذف لفظًا وتقديرًا إذا صح الكلام بدونه كما في الأخبار المتعاطفة والصفات المتعاطفة، وكما في أشكو إليك بثي وحزني، إذ يصح حذف الواو فيصير الثاني توكيدًا. قوله: "على الصحيح" وقال الكوفيون: إنها عاطفة. قوله: "بل حرف تفسير" وقد ترد زائدة بين المبتدأ والخبر تأكيدًا للاتحاد وزيادة في البيان كما قاله السيد الجرجاني، مثال ذلك قول صاحب المغني. وقالوا التقدير في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤]، أي: كمن ينعم في الجنة ا. هـ. فزاد أي: بين المبتدأ وهو التقدير بمعنى المقدر والخبر وهو كمن ينعم في الجنة وتكلف الدماميني جعلها تفسيرية بجعل خبر التقدير محذوفًا تقديره ثابت، وهذا يدل على أن ثم مقدرًا فسره بقوله أي: كمن ينعم في الجنة فاحرص على هذه الفائدة تنفعك في مواطن عديدة. قوله: "مطلقًا" حال من الضمير في الخبر أي: استقر حالة كونه مطلقًا عن التقييد باللفظ وفيه تقديم الحال على عاملها الظرفي وهو جائز عند الأخفش والمصنف، ويجوز كونه حالًا من العطف على مذهب سيبويه. قوله: "لفظًا ومعنى" الحاصل أن حروف العطف المذكورة تسعة وهي ثلاثة أقسام: ما يشرك في اللفظ فقط دائمًا وهي ثلاثة: بل ولكن ولا لاختلاف المتعاطفين فيها بالإثبات والنفي، إذ ما قبل بل ولكن منفي وما بعدهما مثبت ولا بالعكس. وما يشرك لفظًا ومعنىً دائمًا وهو أربعة: الواو والفاء وثم وحتى. وما يشرك لفظًا فقط تارة ولفظًا ومعنىً تارة أخرى وهو أم وأو. فإن قلت الواو في عطف الجوار تشرك لفظًا فقط. قلت هي مشركة في المعنى أيضًا قطعًا؛ لأن العطف في مثل وأرجلكم بالخفض إنما هو على الوجوه، ولكنك ناسبت في الحركة بينه وبين ما قبله والإعراب مقدر لاشتغال المحل بحركة المناسبة. أفاده ابن هشام. قوله: "كفيك صدق ووفا" لا حاجة إليه بعد قوله: كاخصص إلخ. قوله: "والصحيح أنهما يشركان إلخ" الخلاف لفظي؛ لأن القائل بعدم تشريكهما في المعنى أراد بالمعنى معنى العامل؛ لأن الاستقرار في الدار مثلًا إنما هو ثابت لأحد المتعاطفين لا بعينه فقط لا لهما معًا، والقائل بتشريكهما في المعنى أراد بالمعنى ما يفيد أم من احتمال كل من متعاطفيها لثبوت استقراره في
[ ٣ / ١٣٢ ]
وأَتْبَعَت لفظًا فَحَسْب بل ولا لكن كَلَمْ يَبْد امرُؤ لكن طَلا
_________________
(١) ومعنى ما لم يقتضيا إضرابًا؛ لأن القائل أزيد في الدار أم عمرو عالم بأن الذي في الدار أحد المذكورين وغير عالم بتعيينه، فالذي بعد أم مساو للذي قبلها في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه، وحصول المساواة إنما هو بأم، وكذلك أو مشركة لما قبلها وما بعدها فيما يجاء بها لأجله من شك أو غيره. أما إذا اقتضيا إضرابًا فإنهما يشركان في اللفظ فقط. وإنما لم ينبه عليه؛ لأنه قليل "وأتبعت لفظًا فحسب" أي: فقط بقية حروف العطف وهي "بل ولا" و"لكن كلم يبدو امرؤ لكن طلا" وقام زيد لا عمرو، وما جاء زيد بل عمرو. والطلا الولد من ذوات الظلف. تنبيه: اختلف في ثلاثة أحرف مما ذكره هنا وهي: حتى وأم ولكن، أما حتى فمذهب الكوفيين أنها ليست بحرف عطف وإنما يعربون ما بعدها بإضمار وأما أم فذكر النحاس فيها خلافًا، وأن أبا عبيدة ذهب إلى أنها بمعنى الهمزة فإذا قلت: أقائم زيد أم عمرو فالمعنى أعمرو قائم فتصير على مذهبه استفهامية، وأما لكن فذهب أكثر النحويين إلى أنها من حروف العطف، ثم اختلفوا على على ثلاثة أقوال: أحدها أنها لا تكون عاطفة إلا إذا لم تدخل عليها الواو وهو مذهب الفارسي وأكثر النحويين. والثاني أنها عاطفة ولا تستعمل إلا بالواو والواو مع ذلك زائدة، وصححه ابن عصفور، قال: وعليه ينبغي أن يحمل مذهب الدار وانتفائه عنه وصلاحية كل منهما له أفاده الشاطبي. قوله: "ما لم يقتضيا إضرابًا" أي: فإنهما حينئذٍ يشركان في اللفظ فقد كما سيأتي. قوله: "لأنه قليل" أي: ولأن إطلاقه مقيد بما يأتي في كلامه فلا اعتراض. قوله: "والطلا" أي: بفتح الطاء مقصورًا وأما الطلاء بالكسر ممدودًا فالخمر وأما المضموم فممدوده الدم ومقصوره الأعناق أو أصولها جمع طلية أو طلاة كذا في القاموس. قوله: "الولد من ذوات الظلف" وقيل ولد بقر الوحش فقط. قوله: "مما ذكره هنا" قيد به لوقوع الخلاف في أحرف غير هذه الثلاثة لم يذكرها هنا، وهي إما بالكسر وأي: وإلا وأين وكيف وهلا وليس. قوله: "ليست بحرف عطف" أي: بل حرف ابتداء. قوله: "وإنما يعربون ما بعدها بإضمار" أي: بإضمار عامل، ففي نحو: جاء القوم حتى أبوك ورأيتهم حتى أباك ومررت بهم حتى أبيك يضمرون جاء ورأيت والباء، ويجعلون حتى ابتدائية. قوله: "فالمعنى أعمرو وقائم" أي: فيكون ما بعدها في مثل هذا التركيب مبتدأ محذوف الخبر وفي النصب والجر يقدر المناسب. قوله: "فذهب أكثر النحويين إلخ" فرض في المغني الخلاف فيما إذا وليها مفرد قال: فإن وليها كلام فهي حرف ابتداء لمجرد إفادة الاستدراك وليست عاطفة ويجوز أن تستعمل بالواو نحو: ولكن كانوا هم الظالمين وبدونها نحو: قول زهير: إن ابن ورقاء إلخ، وزعم ابن أبي الربيع أنها حين اقترانها بالواو عاطفة جملة على جملة وأنه ظاهر قول سيبويه ا. هـ. والواو على قول ابن أبي الربيع زائدة وعلى الأول عاطفة جملة فيما يظهر. قوله: "ولا تستعمل إلا بالواو" أي: لا تستعمل عاطفة
[ ٣ / ١٣٣ ]
فاعْطِفْ بوَاوٍ سابقًا أو لاحِقًا في الحكم أو مُصاحِبًا موافقًا
_________________
(١) سيبويه والأخفش؛ لأنهما قالا: إنها عاطفة، ولما مثلا للعطف بها مثلاه بالواو. والثالث أن العطف بها، وأنت مخير في الإتيان بالواو، وهو مذهب ابن كيسان. وذهب يونس إلى أنها حرف استدراك وليست بعاطفة والواو قبلها عاطفة لما بعدها على ما قبلها عطف مفرد على مفرد. ووافق الناظم هنا الأكثرين. ووافق في التسهيل يونس فقال فيه وليس منها لكن وفاقًا ليونس ا. هـ "فاعطف بواو سابقًا أو لاحقًا في الحكم أو مصاحبًا موافقًا" فالأول نحو: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى: ٣]، والثالث نحو: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وهذا معنى قولهم الواو لمطلق الجمع. وذهب بعض الكوفيين إلى أنها ترتب، وحكى عن قطرب وثعلب والربعي. وبذلك يعلم أن ما ذكره السيرافي والسهيلي من لا مطلقًا بدليل قوله: إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره لكن وقائعه في الحرب تنتظر والواو على هذا القول زائدة لازمة وعلى القول الذي بعده زائدة غير لازمة. قوله: "وذهب يونس" مقابل قوله فذهب أكثر النحويين إلى أنها من حروف العطف. قوله: "عطف مفرد على مفرد" ففي نحو: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ الآية يجعل رسول معطوفًا بالواو على أبا عطف مفرد على مفرد لا منصوبًا بكان المحذوفة، والعطف من عطف الجمل، وسيأتي في الشرح رد هذا القول بأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالإيجاب والسلب وسيأتي رد هذا الرد. قوله: "ووافق في التسهيل يونس" أي: في مجرد أن لكن غير عاطفة لكن اختلفا، فقال يونس: الواو عاطفة لمفرد على مفرد كما عرفت، وقال المصنف: لجملة حذف بعضها. قوله: "فاعطف بواو" وترد للاستئناف نحو: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ . قوله: "لمطلق الجمع" هو بمعنى قول بعضهم للجمع المطلق فذكر المطلق ليس للتقييد بالإطلاق بل لبيان الإطلاق، فلا فرق بين العبارتين فاندفع الاعتراض على العبارة الثانية بأنها غير سديدة لتقييد الجمع فيها بقيد الإطلاق، مع أن الواو للجمع بلا قيد، قال الشنواني: ومنشأ توهم الفرق بينهما الفرق بين الماء المطلق ومطلق الماء مع الغفلة عن أن ذلك اصطلاح شرعي وما نحن فيه اصطلاح لغوي ا. هـ. والمراد بالجمع الاجتماع في الحصول في عطف الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وفي نسبة العامل إلى المتعاطفين أو المتعاطفات في غير ذلك لا الاجتماع في زمان أو مكان. فإن قلت لو لم يؤت بالواو في نحو: قام زيد وقعد عمرو لكان حصول مضمون الجملتين معلومًا فما فائدة الواو في عطف الجمل التي لا محل لها. قلت: قال الدماميني: فائدتها في ذلك النص على حصول المضمونين معًا، إذ لولاها لكان حصولهما ظاهرًا فقط؛ لاحتمال كون الحاصل الثاني فقط بأن يكون الأول غلطًا والثاني إضرابًا عنه ا. هـ. باختصار وكونها للجمع مطلقًا أحد قولين والثاني أنها للجمع في المفردات فقط والأول أوجه. قوله: "وحكي عن
[ ٣ / ١٣٤ ]
واخْصُص بها عَطْف الذي لا يُغْنِي متبُوعُه كاصْطَفَّ هذا وابْنِي
_________________
(١) إجماع النحاة بصريهم وكوفيهم على أن الواو لا ترتب غير صحيح. تنبيه: قال في التسهيل: وتنفرد الواو بكون متبعها في الحكم محتملًا للمعية برجحان، وللتأخر بكثرة وللتقدم بقلة "واخصص بها" أي: بالواو "عطف الذي لا يغني قطرب إلخ" بل نقله ابن هشام عن الفراء والرضي عن الكسائي وابن درستويه. همع. قوله: "قال في التسهيل إلخ" حاصله أنها وإن كانت موضوعة لمطلق الجمع الصادق بالأمور الثلاثة، لكن استعمالها في الأمور الثلاثة الصادق بها مطلق الجمع متفاوت فاستعمالها في المعية أكثر، وفي تقدم ما قبلها كثير وفي تأخره قليل، فتكون عند التجرد عن القرائن للمعية بأرجحية ولتقدم ما قبلها برجحان ولتأخره بمرجوحية، فكلام التسهيل كما في التصريح تحقيق للواقع لا قول ثالث. قوله: "واخصص بها إلخ" قال الدماميني: يرد عليه أن أم المتصلة تشاركها في ذلك نحو: سواء عليّ أقمت أم قعدت فإنها عاطفة على ما لا يغني ا. هـ. قال في التصريح: أجيب عنه بأن هذا كلام منظور فيه إلى حالته الأصلية إذ الأصل سواء عليّ القيام والقعود، فالعاطف بطريق الأصالة إنما هو الواو، قاله الموضح في الحواشي ا. هـ. واعلم أن الواو تختص بأحد وعشرين حكمًا ذكر الناظم منها ثلاثة: عطف ما لا يغني متبوعه وعطف السابق على اللاحق وعطف عامل حذف وبقي معموله، ذكر هذا في قوله آخر الباب: وهي انفردت. بعطف عامل مزال قد بقي معموله. الرابع عطف سببي على أجنبي في الاشتغال ونحوه نحو: زيدًا ضربت عمرًا وأخاه، وزيد مررت بقومك وقومه. الخامس عطف الشيء على مرادفه نحو: "شرعة ومنهاجًا". السادس فصلها من معطوفها بظرف أو عديله نحو: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ . السابع جواز تقديمها مع معطوفها في الضرورة نحو: جمعت وفحشًا غيبة ونميمة وقيل لا تختص الواو بذلك، بل الفاء وثم وأو ولا كذلك. الثامن جواز العطف على الجوار في الجر خاصة نحو: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ في قراءة من جر. التاسع جواز حذفها إن أمن اللبس كقوله: كيف أصبحت كيف أمسيت العاشر إيلاؤها لا إذا عطفت مفردًا بعد نهي نحو: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢]، أو نفي ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ أو مؤوّل بنفي نحو: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ . الحادي عشر إيلاؤها إما مسبوقة بمثلها غالبًا إذا عطفت مفردًا نحو: إما العذاب وإما الساعة. الثاني عشر عطف النعوت المفرقة مع اجتماع منعوتها نحو: مررت برجلين كريم وبخيل. الثالث عشر عطف العقد على النيف إذا وقعا دفعة كأحد وعشرين، فإن تأخر وقوع العقد جاز أن تقول: قبضت ثلاثة فعشرين أو ثم عشرين. الرابع عشر عطف ما حقه التثنية أو الجمع نحو: محمد ومحمد في يوم واحد. الخامس عشر عطف العام على الخاص نحو: ﴿اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . أما عطف الخاص على العام لمزية في الخاص فيشاركها فيه حتى نحو: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾
[ ٣ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) متبوعه" أي: لا يكتفي الكلام به "كاصطف هذا وابني" ويخاصم زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو، ولا يجوز فيها غير الواو. وأما قوله: بين الدخول فحومل، فالتقدير بين [الأحزاب: ٧]، الآية ومات الناس حتى الأنبياء. ومثل العام والخاص الكل والجزء. السادس عشر العطف التلقيني من المخاطب نحو: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦] . السابع عشر اقترانها بلكن نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . الثامن عشر والتاسع عشر العطف في التحذير والإغراء نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، ونحو: المروءة والنجدة. العشرون عطف أي: على مثلها نحو: أيي وأيك فارس الأحزاب الحادي والعشرون صحة حكاية العلم بمن مع اتباعه بعلم آخر معطوف عليه بها نحو: من زيدًا وعمرًا فإنهم شرطوا في حكاية العلم بمن أن لا يتبع، إلا إذا كان التابع ابنًا متصلًا بعلم أو علمًا معطوفًا بالواو، وعد في التصريح من خصائص الواو عطف ما تضمنه الأول لمزية في المعطوف نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وفيه أن هذا عطف الخاص على العام ويشاركها فيه حتى كما ذكره بعد. وعد أيضًا من خصائصها امتناع الحكاية بمن إذا اقترنت بها فلا يقال: ومن زيدًا بالنصب حكاية لمن قال: رأيت زيدًا. وفيه أنهم أطلقوا العاطف الذي اقترانه بمن يمنع الحكاية ولم يقيدوه بالواو. هذا ملخص ما في حاشية شيخنا، ومنه يعلم ما في كلام البعض من الخلل في غير موضع، لكن ما تقدم من اختصاصها بعطف السابق على اللاحق يرد عليه أن حتى تشاركها في ذلك على الصحيح نحو: مات كل أب لي حتى آدم كما سيأتي، وما تقدم من اختصاصها بعطف عامل حذف وبقي معموله يرد عليه ما سيأتي أن الفاء تشاركها في ذلك نحو: اشتريته بدرهم فصاعدًا، وما تقدم من اختصاصها بجواز حذفها خلاف ما في التسهيل من أن أو كالواو في ذلك، بل مال الدماميني إلى أن الفاء أيضًا كالواو في ذلك كما سيأتي وقولنا فيما تقدم إذا عطفت مفردًا بعد نهي إلخ. قال في المغني: ولم تقصد المعية فلا يجوز ما اختصم زيد ولا عمرو؛ لأنه للمعية وأما: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢]، فلا الثانية والرابعة والخامسة زوائد لأمن اللبس ا. هـ. وإنما قرنوا الواو بلا في نحو: ما قام زيد ولا عمرو ولا تضرب زيدًا ولا عمرًا؛ لإفادة نفي القيام عنهما مجتمعين ومفترقين والنهي عن ضربهما كذلك، ودفع توهم تقييد النفي أو النهي بحال الاجتماع. وقولنا ما حقه التثنية أو الجمع أي: ما الأصل فيه التثنية أو الجمع فلا ينافي ما في التسهيل من أن العطف سائغ مع قصد التكثير أو فصل بين المتعاطفين ظاهر أو مقدر. مثال الأخير قول الحجاج يوم مات محمد ابنه ومحمد أخوه: محمد ومحمد في يوم واحد أي: محمد ابني ومحمد أخي. قوله: "بين زيد وعمرو" ويقال بين زيد وبين عمرو بزيادة بين الثانية للتأكيد قاله ابن بري
[ ٣ / ١٣٦ ]
والفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ باتِّصالِ وثمَّ للتَّرْتِيبِ بانفصالِ
_________________
(١) أماكن الدخول فأماكن حومل فهو بمثابة اختصم الزيدون فالعمرون "والفاء للترتيب باتصال" أي: بلا مهلة وهو المعبر عنه بالتعقيب نحو: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبسى: ٢١]، وكثيرًا ما تقتضي أيضًا التسبب إن كان المعطوف جملة نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ وغيره وبه يرد منع الحريري لذلك. دنوشري. قوله: "ولا يجوز فيها غير الواو" وإنما انفردت الواو بذلك لترجح معنى المصاحبة فيها. قوله: "بين الدخول فحومل" الدخول بفتح الدال وحومل موضعان. قوله: "بين أماكن إلخ" أي: فهو على حذف مضاف وقدره بعضهم بين أهل الدخول إلخ ويحتمل أن المراد بالدخول وحومل أجزاؤهما. قوله: "والفاء للترتيب" أي: المعنوي وقد تكون للترتيب الذكرى، وأكثر ما يكون في عطف مفصل على مجمل نحو: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، والذي انحط عليه كلام سم في الآيات البينات أنه ليس المراد من الترتيب الذكرى مجرد ترتيب الشيئين مثلًا في الذكر؛ لأن هذا القدر لازم للذكر مع إسقاط الفاء أيضًا، بل ترتيب مراتب المذكور في الذكر أي: بيان أن المذكور أولًا حقه أن يتقدم في الذكر لتقدم رتبته على رتبة المتأخر. قال: ولعل معنى التعقيب حينئذٍ بيان أن رتبة المتأخر قريبة من رتبة المتقدم غير متراخية عنها كثيرًا فليتأمل ا. هـ. وقد تكون في غير ذلك كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [البقرة: ٣٦]، فإن ذكر ذم الشيء أو مدحه يحسن بعد جري ذكره. وأما الفاء من فأخرجهما من قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، فللترتيب المعنوي إن رجع ضمير عنها إلى الشجرة أي: أوقعهما في الزلة بسبب الشجرة وللذكرى إن رجع إلى الجنة أي: أذهبهما عنها ويرد على هذا أن الذي كانا فيه هو الجنة، فأين التفصيل إلا أن يراد فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والكرامة فيكون تفصيلًا بعد الإجمال قاله الدماميني. قوله: "باتصال" أي: معه وهو في كل شيء بحسبه يقال: تزوج فلان فولد له إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل وإن طالت. قوله: "أي: بلا مهلة" بضم الميم أي: تأخر كذا في المصباح وغيره. قوله: "نحو: أماته فأقبره" لا يقال الإقبار مسبب عن الإماتة، فالفاء للتسبب في هذه الآية أيضًا، وصنيع الشارح يوهم خلافه؛ لأنا نقول المراد بالتسبب أن يكون المعطوف مسببًا عن المعطوف عليه بالذات لا بواسطة عادة، والآية من الثاني لا الأول. قوله: "إن كان المعطوف جملة" أي: أو صفة نحو: ﴿لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣]، الآية وقد تجيء في ذلك لمجرد الترتيب من غير سببية نحو: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧]، ونحو: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٢]، وفي المغني وشرح الدماميني عليه أن للفاء مع الصفة أربعة أحوال: أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود أو في غيره، كالشرف والخسة أو على ترتيب موصوفاتها في الوجود أو في غيره نحو: زيد الصابح فالغانم فالآيب أي: الذي أغار على القوم صباحًا فغنم فآب أي: رجع، وجالس الأزهد فالأورع، وولد
[ ٣ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[القصص: ١٥]، وأما نحو: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤]، ونحو: "توضأ فغسل وجهه ويديه" الحديث، فالمعنى أردنا إهلاكها وأراد الوضوء. وأما نحو: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ [الأعلى: ٥]، أي: جافًا هشيمًا أحوى أي: أسود، فالتقدير فمضت مدة فجعله غثاء، أو أن الفاء نابت عن ثم كما جاء عكسه وسيأتي "وثم للترتيب بانفصال" أي: بمهلة وتراخ نحو: ﴿فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقد توضع موضع الفاء كقوله:
٨٤٨- كَهَزّ الرُّدَينِيِّ تحت العَجَاج جَرى في الأنابيب ثم اضْطَرَبْ
ــ
لزيد الشاعر فالكاتب، ورحم الله المحلقين فالمقصرين ا. هـ بتلخيص وإيضاح.
قوله: "وأما نحو: أهلكناها إلخ" إيراد على الترتيب؛ لأن مجيء البأس قبل الإهلاك وغسل الأعضاء الأربعة قبل الوضوء كذا قال شيخنا. ولا يظهر الثاني إذا كان المراد غسل جملة الأعضاء؛ لأن غسل جملتها نفس الوضوء لا قبله ولا بعده، وإنما يظهر إذا كان المراد غسل كل منها على انفراده؛ لأنه الذي قبل الوضوء أي: في الجملة وإلا فغسل الرجلين بتمامهما ليس قبل الوضوء فتفطن. قوله: "فالمعنى أردنا إلخ" أو يقال الفاء في الآية والحديث للترتيب الذكرى ا. هـ. تصريح أي: لأن ما بعد الفاء تفصيل للمجمل قبلها. قوله: "وأما نحو: فجعله إلخ" إيراد على التعقيب؛ لأن جعله غثاء لا يتصل بإخراجه. قوله: "فالتقدير فمضت مدة إلخ" أي: فالمعطوف عليه محذوف. قيل هذا لا يدفع الاعتراض؛ لأن مضي المدة لا يعقب الإخراج، وأجيب بأنه يكفي أن أول أجزاء المضي يعقب الإخراج، وإن لم يحصل بتمامه إلا في زمن طويل ذكره الرضي والسعد وجعلا منه: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، قال في المغني: وقيل الفاء في هذه الآية يعني آية: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ للسببية لا للعطف، وفاء السببية لا تستلزم التعقيب بدليل صحة قولك أن يسلم فهو يدخل الجنة، ومعلوم ما بينهما من المهلة ا. هـ. قال الدماميني: الحق أن الأصل في الفاء السببية استلزام التعقيب وإن عدمه في بعض المواضع كالمثال لعدم استكمال السبب إذ السبب التام لدخول الجنة في المثال مجموع الإسلام، واستمرار حكمه لكن إطلاق السبب على جزئه مجاز ا. هـ. باختصار. قوله: "أو أن الفاء نابت عن ثم" أو يقال التعقيب في كل شيء بحسبه، قال في الهمع: قيل ترد الفاء للاستئناف نحو:
ألم تسأل الربع القواء فينطق
أي: فهو ينطق إذ لو كانت لمجرد العطف جزم ما بعدها، أو للسببية نصب ونحو: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، بالرفع قال ابن هشام: والتحقيق أنها في مثل ذلك عاطفة وأن المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده. قوله: "وثم" ويقال فم وثمت وثمت قاله في التسهيل. قوله: "كقوله كهز إلخ" فإن الهز متى جرى في أنابيب الرمح أعقبه الاضطراب ولم
_________________
(١) البيت من المتقارب، وهو لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه ص٢٩٢؛ والدرر ٦/ ١٩٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٠؛ وشرح شواهد المغني ص٣٥٨؛ والمعاني الكبير ١/ ٥٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٣١؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٦٣؛ والجنى الداني ص٤٢٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦١٢؛ ومغني اللبيب ص١١٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣١.
(٢) البيت من الخفيف؛ وهو لأبي نواس في ديوانه ١/ ٣٥٥؛ وخزانة الأدب ١١/ ٣٧، ٤٠، ٤١؛ والدرر ٦/ ٩٣؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص٤٢٨؛ وجواهر الأدب ص٣٦٤؛ ورصف المباني ص١٧٤؛ ومغني اللبيب ١/ ١١٧.
[ ٣ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأما نحو: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله:
(٢) إنَّ من سادَ ثمَّ سادَ أبوهُ ثُمَّ قد سادَ قَبلَ ذلكَ جَدُّه فقيل ثم فيه لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم، وأنه يقال: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، أي: ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب. وقيل إن ثم بمعنى الواو وقيل غير ذلك. وأجاب ابن عصفور عن البيت بأن المراد إن الجد أتاه السودد من يتراخ عنه قاله في المغني واعترضه قريبه فقال: الظاهر أنه ليس كذلك بل الاضطراب والجري في زمن واحد، فتكون ثم بمعنى الواو، وجوابه أن الترتيب يحصل في لحظات لطيفة، والرديني صفة للرمح نسبة إلى امرأة اسمها ردينة كانت تقوم الرماح. والعجاج الغبار، والأنابيب جمع أنبوبة، وهي ما بين كل عقدتين، كذا في التصريح والاعتراض أقوى من الجواب. وهز مصدر بمعنى اهتزاز كما في العيني مضاف إلى فاعله، والمشبه اهتزاز فرس كانت تحت الممدوح. قوله: "وأما نحو: إلخ" وجه الإيراد في الآية الأولى أن خلق حواء قبل خلق الذرية، وفي الثانية أن إيتاء موسى الكتاب قبل توصية هذه الأمة بالمشار إليه وفي البيت واضح. دماميني. قوله: "هو الذي خلقكم إلخ" التلاوة وهو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل إلخ أو خلقكم من نفس واحدة ثم جعل إلخ، والثاني هو الموافق لكون الكلام في ثم فكان عليه حذف هو الذي، وأراد بالنفس الواحدة آدم وبزوجها حواء. قوله: "وقيل غير ذلك" فمما قيل في الآية الأولى: إن العطف على محذوف أي: من نفس واحدة أنشأها ثم جعل منها زوجها أو على واحدة لتأويلها بالفعل أي: من نفس توحدت أي: انفردت ثم جعل إلخ، أو أن الذرية أخرجت من ظهر آدم كالذر ثم خلقت حواء، وهذه الأجوبة أنفع من جواب الشارح؛ لأنها تصحح الترتيب والمهلة وجوابه يصحح الترتيب فقط، إذ لا تراخي بين الإخبارين، نعم جوابه أعم إذ يصح أن يجاب به عن الآية الثانية والبيت كما فعله كذا في المغني. قال الدماميني: ووجه الترتيب الإخباري في البيت أن سيادة الابن نفسه أخص به من سيادة أبيه، وكذا سيادة الأب بالنسبة إلى سيادة الجد. قوله: "وأجاب ابن عصفور عن البيت إلخ" حاصل جوابه أن السيادة لما سرت من الابن إلى الأب ومن الأب إلى الجد كانت سيادة الابن متقدمة رتبة ثم سيادة الأب ثم سيادة الجد، فثم في البيت للترتيب الرتبي لا الخارجي. ولا ينافيه قوله قبل ذلك على رواية من قال:
[ ٣ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبل الأب، والأب من قبل الابن.
تنبيه: زعم الأخفش والكوفيون: أن ثم تقع زائدة فلا تكون عاطفة ألبتة، وحملوها على ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، جعلوا تاب عليهم هو الجواب وثم زائدة. وقول زهير:
٨٥٠- أَرَانِي إذا أَصْبَحْتُ أَصْبَحْتُ ذا هَوًى فَثُمَّ إذا أَمْسَيْتُ أَمْسَيْتُ عادِيَا
ــ
ثم قد ساد قبل ذلك جده
لإمكان أن يجعل ساد في قوله، ثم قد ساد قبل ذلك جده مستعملًا في السيادة الرتبية والخارجية، ويكون الإتيان بثم نظرًا إلى السيادة الرتبية. وقوله: قبل ذلك نظرًا إلى السيادة الخارجية؛ لأن سيادة الجد الخارجية قبل سيادة الابن وسيادة الأب الخارجيتين، وبهذا التدقيق يندفع الاعتراض بأن هذا الجواب إنما يظهر على رواية بعد ذلك لا على رواية قبل ذلك. وأجاب سم عنه بأن اسم الإشارة راجع إلى وقت التكلم، ولا يخفى أن جوابنا أدق فاعرفه. قوله: "أتاه السودد" قال في القاموس: السود والسودد والسؤدد بالهمز كقنفذ السيادة ا. هـ. والسين مضمومة في الأولين أيضًا كما ضبطت به في النسخ الصحيحة من القاموس كنسخة العلامة أبي العز العجمي، ويصرح بضم السين في الثانية، والثالثة قول الصحاح الدال في سودد زائدة لإلحاق بنائه ببناء جندب وبرفع ا. هـ. لأن أول جندب وبرقع مضموم وثالث جندب مفتوح كاللغة الثانية وثالث برقع مضموم كاللغة الثالثة. قوله: "إن ثم تقع زائدة" وتقع الفاء أيضًا زائدة كالفاء الثانية في قوله:
فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، عند من جعل كفروا به جواب لما الأولى والثانية تأكيد والفاء زائدة، وكذا الواو عند الأخفش كما في الدماميني وعزاه في الهمع للكوفيين أيضًا، ومثل بآية: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر: ٧١، ٧٣]، وآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، فإحدى الواوين فيهما زائدة، وغير الأخفش والكوفيين جعلوا الجواب محذوفًا والواو حالية بتقدير قد، والمعنى في الآية الأولى جاءوها حال فتح أبوابها إكرامًا لهم عن أن يقفوا حتى تفتح. قوله: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: مع سعتها وضاقت عليهم أنفسهم أي: من فرط الوحشة والغم ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ أي: وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره. قوله: "إذا أصبحت إلخ" الهوى بالقصر
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لزهير بن أبي سلمى في الأشباه والنظائر ١/ ١١١؛ وخزانة الأدب ٨/ ٤٩٠، ٤٩٢؛ والدرر ٦/ ٨٩؛ ورصف المباني ص٢٧٥؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٨٢، ٢٨٤؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٥٤؛ وشرح المفصل ٨/ ٩٦؛ ومغني اللبيب ١/ ١١٧؛ وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب ١/ ٢٦٤؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٥٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣١.
[ ٣ / ١٤٠ ]
وَاخْصُصْ بفاءٍ عَطْفَ ما لَيْسَ صِلَه عَلَى الذِي اسْتَقَرَّ أَنَّهُ الصِّلَهْ
_________________
(١) وخرجت الآية على تقدير الجواب والبيت على زيادة الفاء "واخصص بفاء عطف ما ليس" صالحًا لجعله "صله" لخلوه من العائد "على الذي استقر أنه الصله" نحو: اللذان يقومان فيغضب زيد أخواك، وعكسه نحو: الذي يقوم أخواك فيغضب هو زيد، فكان الأولى العشق وإرادة النفس، وكأن الثاني هو المراد في البيت يقول أصبح مريد الشيء وأمسى تاركًا له، يقال عدا فلان هذا الأمر إذا تجاوزه وتركه ا. هـ دماميني. قال الشمني: وهذا يدل على أن عاديًا بالعين المهملة وهو مضبوط في بعض نسخ المغني وفي غيره بالمعجمة، وقد أنشد ابن مالك هذا البيت في شرح الكافية: أراني إذا ما بتّ بت على هوى فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا قال ابن القطاع: غدا إلى كذا أصبح إليه ا. هـ. كلام الشمني. وكما أنشده ابن مالك أنشده السيرافي وقال: كذا رواية أبي بكر، ثم قال: يقول إن لي حاجة لا تنقضي أبدًا ا. هـ. قوله: "على تقدير الجواب" أي: فرج الله عنهم أو لجئوا إلى الله ثم تاب إلخ، فثم عاطفة على هذا المحذوف وتوبة الله تعالى على عبده تكون بمعنى توفيقه للتوبة كما في: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وبمعنى قبول توبته. قال الشمني: وقيل إذا بعد حتى قد تجرد عن الشرط وتبقى لمجرد الوقت فلا تحتاج إلى جواب بل تكون غاية للفعل قبلها أي: خلفوا إلى هذا الوقت ثم تاب عليهم. قوله: "على زيادة الفاء" لأنه عهد زيادتها ولم يعهد زيادة ثم، وترد ثم للاستئناف كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩]، فجملة ثم يعيده مستأنفة؛ لأن إعادة الخلق لم تقع فيقرروا برؤيتها ويؤيد كونها مستأنفة قوله تعالى عقب ذلك: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، كذا في المغني. قوله: "واخصص بفاء إلخ" وفي التسهيل أنها تنفرد أيضًا بعطف مفصل على مجمل متحدين معنى نحو: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، والترتيب في مثله ذكري لا معنوي لاتحاد المتعاطفين معنى. قوله: "وعكسه" بالنصب عطفًا على عطف في كلام الناظم. قوله: "فيغضب هو زيد" يحتمل أن هو فاعل يغضب، فنكتة الإبراز دفع توهم كون زيد فاعلًا ليغضب فيختل التركيب لعدم الضمير حينئذٍ في كل من الجملتين، لا كون الفعل جرى على غير من هو له كما قيل؛ لأنه ممنوع بل هو جار على من هو له، ويحتمل أن الفاعل ضمير مستتر في يغضب وهو توكيد له وهذا ظاهر كلام الدنوشري، وما قبله ظاهر كلام التصريح، ويحتمل أنه ضمير منفصل مبتدأ خبره زيد والجملة خبر الموصول، ويحتمل أنه ضمير فصل لا محل له من الإعراب، فالاقتصار على الأول تقصير، وفاعل يغضب على الأخيرين ضمير مستتر فيه يعود على الذي. قوله: "فكان الأولى إلخ" لو عبر بالواو لكان أولى لوجهين: الأول أن أولوية التعبير بعبارة تشمل مسألتي الصفة والخبر لا تتفرّع على جريان الحكم في عكس صورة المتن أيضًا، فلا يظهر
[ ٣ / ١٤١ ]
بَعْضَا بِحَتَّى اعطف على كلٍّ ولا يكون إلا غاية الذي تَلا
ــ
أن يقول كما في التسهيل وتنفرد الفاء بتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمن جملتين من صلة أو صفة أو خبر ليشمل مسألتي الصلة المذكورتين، والصفة نحو: مررت بامرأة تضحك فيبكي زيد وبامرأة يضحك زيد فتبكي، والخبر نحو: زيد يقوم فتقعد هند وزيد تقعد هند فيقوم ومن هذا قوله:
٨٥١- وإنسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءُ تارَةًفَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فيَغْرَقُ
ويشمل أيضًا مسألتي الحال ولم يذكره نحو: جاء زيد يضحك فتبكي هند، وجاء زيد تبكي هند فيضحك، فهذه ثمان مسائل يختص العطف فيها بالفاء دون غيرها، وذلك لما فيها من معنى السببية "بعضًا بحتى اعطف على كل ولا يكون إلا غاية الذي تلا" أي: للعطف بحتى شرطان: الأول أن يكون المعطوف بعضًا من المعطوف عليه أو كبعضه كما قاله في التسهيل نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، وأعجبتني الجارية حتى حديثها، ولا يجوز حتى ولدها. وأما قوله:
٨٥٢- أَلقَى الصَّحِيفَةَ كَي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ والزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ أَلقَاهَا
ــ
التفريع بالنسبة إليهما. الثاني أن ما قبل فاء التفريع علة لما بعدها فلا يحسن التعليل بعد شمول مسألتي كل من الصلة والصفة والخبر فتأمل. قوله: "يحسر الماء" بحاء وسين مهملتين من بابي ضرب وقتل كما في المصباح أي: يرتفع وينزاح وقوله: يجمّ بضم الجيم وكسرها أي: يكثر. قوله: "ويشمل أيضًا إلخ" الضمير يرجع إلى اختصاص الفاء ويشمل بالرفع على الاستئناف، وليس الضمير راجعًا إلى أن يقول كما في التسهيل، ويشمل بالنصب عطفًا على مدخول اللام في قوله سابقًا ليشمل إلخ؛ لعدم شمول ذلك القول مسألتي الحال كما قال ولم يذكره أي: في التسهيل اللهم إلا أن يراد بالصفة ما يشمل الحال؛ لأنها صفة في المعنى، ويراد بقوله ولم يذكره أي: نصا وفيه ما لا يخفى من التكلف، وبما قررناه اندفع تنظير شيخنا. قوله: "أن يكون المعطوف بعضًا من المعطوف عليه" بأن يكون جزءًا منه أو فردًا أو نوعًا وقوله أو كبعضه أي: في شدة الاتصال.
قوله: "فعلى تأويل ألقى ما يثقله" أي: تأويل ألقى الصحيفة والزاد بألقى ما يثقله ونعله بعض ما يثقله، فالمعطوف بعض تأويلًا، وقد روي نعله بالأوجه الثلاثة كما سيذكره الشارح. قوله: "والثاني أن يكون غاية إلخ" والتحقيق كما في المطول أن المعتبر في حتى ترتيب أجزاء ما
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ديوانه ص٤٦٠؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٩٢؛ والدرر ٢/ ١٧؛ والمقاصد النحوية ١/ ٥٧٨، ٤/ ٤٤٩؛ ولكثير في المحتسب ١/ ١٥٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٠٣، ٧/ ٢٥٧؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٦٢؛ وتذكرة النحاة ص٦٦٨؛ ومجالس ثعلب ص٦١٢؛ ومغني اللبيب ٢/ ٥٠١؛ والمقرب ١/ ٨٣؛ وهمع الهوامع ١/ ٩٨.
(٢) البيت من الكامل، وهو للمتلمس في ملحق ديوانه ص٣٢٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٠؛ ولأبي "أو لابن" مروان النحوي في خزانة الأدب ٣/ ٢١، ٢٤؛ والدرر ٤/ ١١٣؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤١؛ الكتاب ١/ ٩٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٣٤؛ ولمروان بن سعيد في معجم الأدباء ١٩/ ١٤٩؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٦٩؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٦٥؛ والجنى الداني ص٥٤٧، ٥٥٣؛ وخزانة الأدب ٩/ ٤٧٢؛ والدرر ٦/ ١٤٠؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤١١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦١٤؛ ورصف المباني ص١٨٢؛ وشرح قطر الندى ص٣٠٤؛ وشرح المفصل ٨/ ١٩؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٢٤، ٣٦.
[ ٣ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعلى تأويل ألقى ما يثقله حتى نعله. والثاني: أن يكون غاية في زيادة أو نقص نحو: مات الناس حى الأنبياء، وقدم الحجاج حتى المشاة. وقد اجتمعا في قوله:
٨٥٣- قَهَرْناكُم حَتَّى الكُماةَ فأَنْتُمُ تَهابُونَنَا حتى بَنِينَا الأصاغِرا
تنبيهات: الأول بقي شرطان آخران: أحدهما أن يكون المعطوف ظاهرًا لا مضمرًا كما هو شرط في مجرورها إذا كانت جارة، فلا يجوز: قام الناس حتى أنا، ذكره ابن هشام الخضراوي. قال في المغني: ولم أقف عليه لغيره. ثانيهما: أن يكون مفردًا لا جملة وهذا يؤخذ من كلامه؛ لأنه لا بد أن يكون جزءًا ما قبلها، أو كجزء منه كما تقدم، ولا يتأتي ذلك إلا في المفردات هذا هو الصحيح، وزعم ابن السيد في قول امرئ القيس:
ــ
قبلها ذهنًا من الأضعف إلى الأقوى أو بالعكس، ولا يعتبر الترتيب الخارجي لجواز أن تكون ملابسة الفعل لما بعدها قبل ملابسته للأجزاء الأخر نحو: مات كل أب لي حتى آدم أو في أثنائها نحو: مات الناس حتى الأنبياء، أو في زمان واحد نحو: جاءني القوم حتى زيد إذا جاءوك معًا وزيد أضعفهم أو أقواهم. قوله: "زيادة أو نقص" أي: معنويين كمثالي الشارح أو حسيين نحو: فلان يهب الأعداد الكثيرة حتى الألوف، ونحو: المؤمن يجزى بالحسنات حتى مثقال الذرة. قوله: "حتى الكمأة" جمع كمي على غير قياس، وهو كما في القاموس الشجاع أو لابس السلاح.
قوله: "بقي شرطان آخران" زاد في التصريح نقلًا عن الموضح شرطًا آخر وهو أن يكون ما بعدها شريكًا في العامل فلا يجوز صمت الأيام حتى يوم الفطر. قوله: "أن يكون المعطوف ظاهرًا لا مضمرًا" قال الحفيد: لأن معطوفها
بعض مما قبلها أو كبعضه، ولو دخلت على ضمير غيبة لكان ظاهرًا في أنه عين الأول لا بعضه، فيلزم عطف الشيء على نفسه ثم حمل ضمير المتكلم والمخاطب على ضمير الغائب ا. هـ. وما ذكره في ضمير الغيبة ليس على إطلاقه، فإنك لو قلت: زيد ضربت القوم حتى إياه لم يكن معطوفها عين ما قبلها، مع أن صورة كون معطوفها عين ما قبلها خارجة بالشرط الأول؛ لأن ما كان عينًا ليس بعضًا فالحق عدم اشتراط كون مجرورها ظاهرًا لا ضميرًا.
قوله: "الخضراوي" نسبة إلى الجزيرة الخضراء بلد من بلاد الأندلس.
دماميني. قوله: "مفردًا" لو قال اسمًا لكان أحسن؛ لأن المفرد يشمل الفعل مع أنها لا تعطفه. قوله: "أن يكون جزءًا" أراد بالجزء البعض ليشمل الجزئي ولو عبر بالبعض لكان أوضح وأوفق بعبارة الناظم.
قوله: "ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات" اعترضه الدماميني بأنه لو قيل فعلت مع زيد ما
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في الجنى الداني ص٥٤٩؛ والدرر ٦/ ١٣٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦١٥؛ ومغني اللبيب ١/ ١٢٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٦.
[ ٣ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٥٤- سَرَيتُ بهم حَتَّى تَكِلُّ مَطِيُّهُمْ وحَتَّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
فيمن رفع تكل أن جملة تكل مطيهم معطوفة بحتى على سريت بهم. الثاني: حتى بالنسبة إلى الترتيب كالواو خلافًا لمن زعم أنها للترتيب كالزمخشري. قال الشاعر:
٨٥٥- رِجالِيَ حَتَّى الأَقْدمونَ تَمَالئوا على كُلِّ أمر يُورِث المجد والحَمْدا
الثالث: إذا عطف بحتى على مجرور قال ابن عصفور: الأحسن إعادة الجار ليقع الفرق بين العاطفة والجارة. وقال ابن الخباز: تلزم إعادته للفرق، وقيده الناظم بأن لا يتعين
ــ
أقدر عليه حتى خدمته بنفسي كان المعطوف بها بعضًا مع أنه جملة، وصرح النحاة وأهل المعاني بأن الجملة تبدل مما قبلها بدل بعض من كل نحو: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٢ و١٣٣]، وأقره الشمني. وأجاب عنه البعض بأن البعضية في المثال إنما تظهر بالنسبة إلى المعنى التضمني، وكلام القائل بالنسبة إلى المعنى المطابقي ولا بعضية فيه، ويرد بأن زمن خدمته بنفسه بعض زمن فعل ما يقدر عليه، كما أن الخدمة بعض فعل ذلك، وحينئذٍ فالمعنى المطابقي بعض، وأما النسبة فليست جزء مفهوم الفعل على الراجح، ولئن سلم أنها جزؤه فبعضيتها باعتبار بعضية أحد طرفيها وهو الخدمة المنسوبة فتدبر.
قوله: "تكلّ" أي: تتعب والمطي اسم جنس جمعي لمطية وهي الدابة. والجياد جمع جواد وهو الفرس الجيد، والأرسان جمع رسن بالتحريك وهو الحبل أي: وحتى صارت الخيل لا تقاد بمقاودها، بل تسير بنفسها وهو كناية عن شدة تعبها قاله الدماميني. قوله: "فيمن رفع تكل" والمعنى حتى كلت ولكنه جاء مضارعًا على حكاية الحال الماضية، وأما من نصب فهي الجارة، ولا بد على النصب من تقدير زمان مضاف إلى كلال مطيهم مغني. والذي يظهر لي أن تقدير هذا المضاف غير ضروري فتدبر. والواو على النصب عاطفة لمحذوف على سريت بهم تقديره: وسريت بهم حتى الجياد إلخ، فلا يرد أنه لا يستقيم عطف حتى الابتدائية وجملتها على حتى الجارة ومجرورها قاله الدماميني.
قوله: "معطوفة بحتى" والصحيح أنها ابتدائية في الموضعين.
قوله: "بالنسبة إلى الترتيب" أي: إلى عدمه بدليل ما بعده والمراد الترتيب الخارجي فلا ينافي أنها للترتيب الذهني كما مر بيانه. قوله: "تمالئوا" أي: اجتمعوا. قوله: "وقيده الناظم" أي:
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٩٣؛ والدرر ٦/ ١٤١؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٢٠؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٢٢٨، ٢٥٥؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٤؛ وشرح المفصل ٥/ ٧٩؛ والكتاب ٣/ ٢٧، ٦٢٦، ولسان العرب ١٥/ ٢٨٤ "مطا"؛ ومغني اللبيب ١/ ١٢٧، ١٣٠؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٦٧؛ وجواهر الأدب ص٤٠٤؛ ورصف المباني ٥/ ١٨١؛ وشرح المفصل ٨/ ١٩؛ ولسان العرب ١٥/ ١٢٤ "غزا"؛ والمقتضب ٢/ ٧٢؛ وهمع الهوامع ١٣٦.
(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في الدرر ٦/ ١٣٦؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦١٦؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٦.
[ ٣ / ١٤٤ ]
وأَمْ بها اعطِف إثر هَمْز التَّسْوِيه أو همزة عن لفظ أَيٍّ مُغْنيَه
ــ
كونها للعطف نحو: اعتكفت في الشهر حتى في آخره، فإن تعين العطف لم تلزم الإعادة نحو: عجبت من القوم حتى بنيهم. وقوله:
٨٥٦- جُودُ يُمْناكَ فاضَ في الخَلقِ حَتَّى بائِسٍ دانَ بالإساءَةِ دِينَا
الرابع: حيث جاز الجر والعطف فالجر أحسن إلا في باب: ضربت القوم حتى زيدًا ضربته بالنصب أحسن على تقدير كونها عاطفة وضربته توكيد، أو ابتدائية وضربته تفسير، وقد روى بهما قوله: حتى نعله ألقاها، وبالرفع أيضًا على أن حتى ابتدائية ونعله مبتدأ وألقاها خبره ا. هـ. "وأم بها اعطف إثر همز التسوية" وهي الهمزة الداخلة على جملة في
ــ
قيد اللزوم قال في المغني: وهو حسن. قوله: "بأن لا يتعين إلخ" الضابط أنه متى صح حلول إلى محلها كانت محتملة للأمرين وإلا تعينت للعطف. قوله: "نحو: عجبت من القوم إلخ" إنما لم يصح الجر في المثال، والبيت لعدم صلاحية إلى في موضع حتى، ولكون ما بعدها ليس آخرًا ولا متصلًا بالآخر هذا حاصل ما في المغني وشراحه كما قاله شيخنا، وناقش الدماميني في التعليل الأول بأنه دعوى بلا دليل، وأي مانع من كون العجب في المثال انتهى إلى البنين، وفيض الجود في البيت انتهى إلى البائس. وقد يقال المانع عدم مناسبة ذلك مقام التعجب والمدح، ثم البعضية التي هي شرط في العاطفة ظاهرة في البيت، وكذا في المثال إن جعلنا الإضافة في بنيهم على معنى من التبعيضية، وعليه يحمل قول المغني: إنهم بعض القوم، فإن جعلت بمعنى اللام اقتضت عدم دخول بنيهم فيهم فافهم. قوله: "بائس" البائس من أصابه البؤس أي: الشدة، وقوله: دان بالإساءة دينًا بكسر الدال أي: تدين بالإساءة تدينًا أي: جعل الإساءة دينه لتكررها منه كثيرًا. قوله: "فالجر أحسن" لقلة العطف بحتى، حتى أنكره الكوفيون كما مر.
قوله: "إلا في باب ضربت القوم إلخ" أراد ببابه أن يقع بعد الاسم التالي حتى فعل مشتغل بنصب ضميره كما في المغني، فإن اشتغل برفعه نحو: قام القوم حتى زيد قام امتنع النصب وجاز الرفع والجر. قوله: "حتى زيدًا إلخ" أي: إذا كان زيد آخر القوم ليوجد شرط جواز الجر. قوله: "فالنصب أحسن إلخ" علله في المغني بأن الفعل لا يكون مؤكدًا بعد حتى الجارة نقله شيخنا السيد وهو يفيد تعين النصب فيخالف ما يقتضيه كلام الشارح من جواز الجر فتأمل. وقال شيخنا: انظر لم كان غير الجر في هذا الباب أحسن ا. هـ. وقد توجه الأحسنية بأن في النصب مشاكلة الضمير لمرجعه في الإعراب.
قوله: "وضربته توكيد" أي: لضربت زيدًا الذي تضمنه قولك: ضربت القوم لدخول زيد في القوم لا لضربت القوم حتى يرد أن الضمير ليس راجعًا للقوم حتى يكون ضربته تأكيدًا لضربت القوم بل لزيد. قوله: "بهما" أي: الجر والنصب وعليهما فألقاها توكيد إلا إذا جعلت حتى في النصب ابتدائية وألقاها تفسير.
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو بلا نسبة في الدرر ٦/ ١٤٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٧؛ ومغني اللبيب ١/ ١٢٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٧.
[ ٣ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) محل المصدر، وتكون هي والمعطوفة عليها فعليتين وهو الأكثر نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ قوله: "وأم بها اعطف إثر همزة التسوية" أي: بعدها ولا يجوز العطف بأو قياسًا، فقول الفقهاء سواء كان كذا أو كذا خطأ كقولهم: يجب أقل الأمرين من كذا أو كذا؛ لأن الصواب فيه الواو قاله في المغني. ثم ذكر أن قول الصحاح تقول: سواء عليّ قمت أم قعدت سهو، وأن قراءة ابن محيصن "وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهُمْ أَوْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ" من الشذوذ بمكان ا. هـ. ونقل الدماميني عن السيرافي: أن سواء إذا دخلت بعدها همزة التسوية لزم العطف بأم وإذا وقع بعدها فعلان بغير الهمزة جاز العطف بأو. قال الدماميني: وهذا نص صريح يقضي بصحة كلام الفقهاء وبصحة ما في الصحاح، وقراءة ابن محيصن ا. هـ. قال الشمني: ما في المغني هو مقتضى القياس إذ لا فرق بين همزة التسوية والتسوية بلا همزة ا. هـ. وكأن من فرّق رأى التسوية مع الهمزة أقوى. ونقل الدماميني أيضًا عن سيبويه جواز العطف بعد ما أدري وليت شعري مع الهمزة بأم وبأو، ثم قال: والعجب من إيراد المصنف يعني ابن هشام كلام الفقهاء والصحاح وقراءة ابن محيصن في العطف بعد همزة التسوية، والفرض أن لا همزة في شيء من ذلك، وكأنه توهم أن الهمزة لازمة بعد كلمة سواء فتقدر إن لم تذكر وتوصل بذلك إلى الرد ا. هـ. ويوافق ما في المغني ما سيذكره الشارح عند قوله: وربما حذفت الهمزة إلخ ثم ذكر الدماميني في قول المغني كقولهم يجب أقل الأمرين إلخ: أنه يدفع الخطأ في قولهم المذكور بجعل من بيانية لا أقل. قال الدماميني: فإن قلت فما وجه العطف بأو والتسوية تأباه؛ لأنها تقتضي شيئين فصاعدًا وأو لأحد الشيئين أو الأشياء؟ قلت: وجهه السيرافي بأن الكلام محمول على معنى المجازاة. قال: فإذا قلت سواء عليّ قمت أو قعدت فتقديره إن قمت أو قعدت فهما على سواء، وعليه فلا يكون سواء خبرًا مقدمًا ولا مبتدأ كما قيل، فليس التقدير: قيامك أو قعودك سواء عليّ أو سواء عليّ قيامك أو قعودك بل سواء خبر مبتدأ محذوف أي: الأمران سواء، وهذه الجملة دالة على جواب الشرط المقدر وصرح الرضي بمثل ذلك ا. هـ. وإنما قال بمثل ذلك؛ لأن فرض كلام الرضي في أم وقد أسلفناه مع زيادة في الاستثناء. ثم قال في المغني: فإن كان العطف بأو بعد همزة الاستفهام جاز وكان الجواب بنعم أو بلا؛ لأنه إذا قيل أزيد عندك أو عمرو فالمعنى: أأحدهما عندك وإن أجيب بالتعيين صح؛ لأنه جواب وزيادة ا. هـ. وما مر من أن ابن محيصن يقرأ بأو سيأتي في الشارح عند قول المصنف: وربما حذفت الهمزة إلخ أنه يقرأ بأم فحرره. واعلم أن الظاهر أن التسوية في قولنا: سواء عليّ أقمت أو قعدت مدلولة لسواء لا للهمزة، وفي قولنا ما أبالي أقمت أم قعدت مستفادة من ما أبالي لا من الهمزة فتسميتها همزة التسوية لوقوعها بعد ما يدل على التسوية. وانظر ما مدلول الهمزة حقيقة ولعلها لتأكيد التسوية فتدبر. قوله: "على جملة في محل المصدر" المناسب أن يقول على جملة هي معها في محل المصدر كذا في يس وفيه نظر. وهذا من مواضع تأويل الجملة بالمصدر بلا سابك بناء على قول
[ ٣ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] الآية، واسميتين كقوله:
٨٥٧- وَلَسْت أُبَالي بعدَ فَقْدِي مالِكًا أَمَوْتِي ناءٍ أم هو الآن واقِعُ
ومختلفتين نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٣] الآية. وإذا عادلت بين جملتين في التسوية فقيل: لا يجوز أن يذكر بعدها إلا الفعلية، ولا يجوز: سواء علي أزيد قائم أم عمرو منطلق فهذا لا يقوله العرب، وأجازه الأخفش قياسًا على الفعلية. وقد عادلت بين مفرد وجملة في قوله:
٨٥٨- سَوَاءٌ عَلَيكَ النَّفْرُ أمْ بِتُّ لَيلَةً بِأَهْلِ القِبَابِ مِنْ عُمَيرِ بنِ عامِرِ
"أو" بعد "همز عن لفظ أي مغنيه" وهي الهمزة التي يطلب بها وبأم التعيين، وتقع
ــ
الجمهور إن ما بعد الهمزة مبتدأ مؤخر، ومنها الجملة المضاف إليها الظرف نحو: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، ومنها تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه بناء على عدم تقدير أن، قاله في المغني. قوله: "ولست أبالي" أي: أكترث فهو متعد بنفسه؛ لأن معناه لا أفكر فيه ازدراء به فالجملة بعده في محل نصب، والفعل معلق أفاده الدماميني. وقد يتعدى أبالي بالباء والوجهان صحيحان كما قاله الشنواني نقلًا عن النووي. قوله: أموتي ناء أي: بعيد.
قوله: "نحو: سواء عليكم أدعوتموهم" أي: الأصنام أي: ونحو: سواء عليّ أزيد قائم أم قعد فتم التمثيل. قوله: "فقيل لا يجوز إلخ" يرد عليه أنه سمع ذكر الاسمية بعدها في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]، وفي قول الشاعر: ولست أبالي إلخ كما قدم ذلك فلا يصح قوله فهذا لا يقوله العرب ولا قوله، وأجازه الأخفش قياسًا على الفعلية المقتضي عدم السماع. وفي نسخ إسقاط قوله وإذا عادلت بين الجملتين إلخ وهو أولى. قوله: "مغنيه" أي: مع أم كما أشار إليه الشارح فقد حقق الدماميني أن أيا سادة مسد الهمزة وأم جميعًا لا الهمزة فقط. قوله: "وتقع" أي: أم المسبوقة بهمزة التعيين. قوله: "بين مفردين غالبًا" ومن غير الغالب أن تقع بين مفرد وجملة كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن: ٢٥]، وبين جملتين كما سيذكره الشارح.
قوله: "ويتوسط بينهما إلخ" ما لا يسأل عنه في الأول المسند؛ لأن السؤال عن المسند إليه وفي الثاني بالعكس. وبيان ذلك أن شرط الهمزة المعادلة لأم أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما ويلي أم المعادل الآخر؛ ليفهم السامع من أول الأمر ما طلب تعيينه، تقول إذا استفهمت عن تعيين المبتدأ دون الخبر: أزيد قائم أم عمرو وإن شئت أخرت زيد قائم؛ لأنه غير
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لمتمم بن نويرة في ديوانه ص١٠٥؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٥١؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٦٨؛ وجواهر الأدب ص١٨٧؛ والدرر ٦/ ٩٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٣٤؛ ومغني اللبيب ١/ ٤١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٣٦؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٢.
(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في المقاصد النحوية ٤/ ١٧٩.
[ ٣ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بين مفردين غالبًا، ويتوسط بينهما ما لا يسئل عنه نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧]، أو يتأخر عنهما نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وبين فعليين كقوله:
٨٥٩- فَقُلتُ أهي سَرَتْ أم عادَنِي حُلُمُ
ــ
مسؤول عنه، وإذا استفهمت عن تعيين الخبر دون المبتدأ أقائم زيد أم قاعد. وإن شئت أخرت زيدًا؛ لأنه غير مسئول عنه، وقس على هذا نقله الدماميني عن ابن الحاجب وابن هشام وغيرهما ثم ساق عن سيبويه كلامه الذي هو كما قاله نص في أن إيلاء المسئول عنه الهمزة أولى لا واجب، كما قاله الجماعة.
قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ هذا الاستفهام توبيخي لا حقيقي ولا ينافيه قول الشارح بعد؛ لأن الاستفهام معها على حقيقته؛ لأنه باعتبار الغالب أو أراد بالاستفهام الحقيقي ما يطلب جوابًا وإن كان توبيخًا أو إنكاريا بقرينة المقابلة نقله البعض عن البهوتي، وهو صريح في أن الاستفهام الإنكاري والتوبيخي يطلب جوابًا وقد يمنع؛ لأن الأول بمعنى لم يقع أو لا يقع، والثاني بمعنى ما كان ينبغي أو لا ينبغي، ولا يستدعي شيء من ذلك جوابًا. ولو قيل أراد بالاستفهام الحقيقي ما ليس خبرًا مجردًا عن طلب الفهم وعن التوبيخ والتقرير ونحوها لكان أسلم، ثم دعوى أن الاستفهام في الآية توبيخي يردها أن تالي همزة التوبيخ واقع أو يقع وفاعله ملوم نحو: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]، صرح به في المغني وهذا منتف في الآية، فالظاهر أنه تقريري فتأمل. قال الدماميني: ووجه كونها في الآية بين مفردين مع أن المتقدم عليها في الصورة جملة أن السماء معطوفة على أنتم وأشد خلقًا خبر مؤخر عن المتعاطفين تقديرًا ا. هـ. وكالآية في هذا قول زهير:
وما أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
وجعل الشمني أم في البيت بين جملتين بتقدير: أم هم نساء فارقًا بينه وبين الآية بأن فعل الدراية معلق في البيت، والتعليق إنما يكون عن جملة وهي هنا ما بعد الهمزة فيجب أن يكون معادله، وهو ما بعد أم جملة أيضًا. ويرد بأن المعلق عنه مجموع الكلام على حد ما أدري أزيد أم
_________________
(١) صدره: فقمت للطيف مُرتاعًا فأَرَّقَنِي والبيت من البسيط وهو لزياد بن منقذ في خزانة الأدب ٥/ ٢٤٤، ٢٤٥؛ والدرر ١/ ١٩٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٣؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٣٩٦، ١٤٠٢؛ وشرح شواهد الشافية ص١٩٠؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٣٤؛ ومعجم البلدان ١/ ٢٥٦ "أميلح"؛ والمقاصد النحوية ١/ ٢٥٩، ٤/ ١٣٧؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٢٧؛ وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٥٦؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٧٠؛ والخصائص ١/ ٣٠٥، ٢/ ٣٣٠؛ والدرر ٦/ ٩٧؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٨؛ وشرح المفصل ٩/ ١٣٩؛ ولسان العرب ١٥/ ٣٧٦ "هيا"؛ ومغني اللبيب ١/ ٤١؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٢.
[ ٣ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذ الأرجح أن هي فاعل بفعل محذوف. واسميتين كقوله:
٨٦٠- لَعَمْرُكَ ما أَدْرِي وإنْ كُنت دارِيا شُعَيثُ ابْنُ سَهْم أم شُعَيْثُ ابن مِنْقَرِ
الأصل أشعيث، فحذفت الهمزة والتنوين منهما.
ــ
عمرو في الدار نعم إن قلنا الهمزة بعد نحو: ما أدري، للتسوية وجبت قدير مبتدأ في البيت فقط؛ لأن همزة التسوية إنما تكون بين جملتين بخلاف همزة الاستفهام وسيأتي بسط ذلك. قوله: "أهي" بسكون الهاء ولم يجئ بعد الهمزة إلا في الشعر كما نقله الدماميني عن شرح التسهيل للناظم، وعادني أتاني والحلم بضمتين وتسكن اللام ما يراه النائم، والضمير يرجع إلى محبوبته التي رآها في المنام فلما استيقظ قال: أهي أتتني حقيقة أم أتاني خيالها في النوم؟
باعتبار عادتهم في مبالغتهم بطريق التجاهل. ويوجد في بعض النسخ صدر
البيت وهو:
فقمت للطيف مرتاعًا فأرّقني
أي: قمت لأجل خيال المحبوبة المرئي في النوم حالة كوني مرتاعًا للقائه هيبة، وأرقني أي: أسهرني ذلك لما لم أجد بعد الانتباه شيئًا محققًا. قوله: "إذ الأرجح" تعليل لقوله بين فعليتين، وقوله بفعل محذوف أي: يفسره سرت. وإنما كان هذا أرجح؛ لأنه الذي يدل عليه وقوع الفعل بعد أم المعادلة للهمزة. وقال في التصريح: لأن الاستفهام بالفعل أولى من حيث إن الاستفهام عما يشك فيه وهو الأحوال؛ لأنها متجددة، وأما عن الذوات فقليل ا. هـ. ومن ثم رجح النصب في أزيدًا ضربته.
قوله: "لعمرك ما أدري إلخ" أي: ما أدري أي: النسبين هو الصحيح وإن كنت داريًا بغير ذلك وشعيث بالمثلثة آخره، وصحفه من رواه بالموحدة كما في شرح شواهد المغني للسيوطي. ومنقر ضبطه الدماميني والشمني بكسر الميم وفتح القاف وبالراء قالا: وهو أي: البيت هجو لشعيث أي: لهذا الحي بأنهم لم يستقروا على أب واحد، وضبطه في التصريح بكسر الميم والقاف ويكتب ابن سهم وابن منقر بالألف؛ لأنه خبر لا نعت؛ ولهذه العلة كان حق شعيث التنوين. قوله: "فحذفت الهمزة والتنوين منهما" أي: للضرورة وقيل حذف الهمزة جائز اختيارًا. ونقل الدماميني أن المختار اطراد حذفها اختيارًا قبل أم المتصلة لكثرته نظمًا ونثرًا، ومنع الصرف لإرادة القبيلة ولا ينافيها الوصف بابن لجواز رعاية التأنيث والتذكير باعتبارين أفاده الدماميني. هذا وكان على الشارح أن يزيد ومختلفين نحو: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩]، بناء على الأرجح من فاعلية أنتم لمحذوف على ما مر في أهي سرت، وقد يعارضها هنا تناسب المتعاطفين فتستوي
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للأسود بن يعفر في ديوانه ص٣٧؛ وخزانة الأدب ١١/ ١٢٢؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٣؛ وشرح شواهد المغني ص١٣٨؛ والكتاب ٣/ ١٧٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٣٨؛ ولأوس بن حجر في ديوانه ص٤٩؛ وخزانة الأدب ١١/ ١٢٨؛ وللأسود أو للعين المنقري في الدرر ٦/ ٩٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٢٧؛ ولسان العرب ٢/ ١٦٢ "شعث"؛ والمحتسب ١/ ٥٠؛ ومغني اللبيب ١/ ٤٢؛ والمقتضب ٣/ ٢٩٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٢.
[ ٣ / ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تنبيهان: الأول تسمى أم في هذين الحالين متصلة؛ لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر. وتسمى أيضًا معادلة لمعادلتها للهمزة في إفادة التسوية في النوع الأول والاستفهام في النوع الثاني. ويفترق النوعان من أربعة أوجه: أولها وثانيها أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا؛ لأن المعنى معها ليس على الاستفهام، وأن الاسمية والفعلية كما قاله الدماميني. قوله: "متصلة" قال في الهمع: ويؤخر المنفي فيها بنوعيها فلا يجوز: سواء عليّ ألم يجىء زيد أم جاء ولا ألم يقم أم قام. قوله: "لا يستغنى بأحدهما عن الآخر" أما في الحال الأول؛ فلأن المقصود الإخبار بالتسوية، وهي لا تتحقق إلا بينهما، وأما في الثاني؛ فلأن المقصود طلب تعيين أحد الأمرين، فلا بد من ذكرهما. وقيل إنما سميت بذلك؛ لأنها اتصلت بالهمزة حتى صارتا في إفادة المقصود بمثابة كلمة واحدة؛ لأنهما جميعًا بمعنى أي. ورجح هذا على الأول بأن الاتصال عليه راجع إلى أم نفسها وعلى الأول راجع إلى متعاطفيها، وعورض بأن الثاني إنما يأتي في أم المسبوقة بهمزة الاستفهام لا المسبوقة بهمزة التسوية، فيترجح الأول لشموله النوعين وعليه اقتصر في المغني أفاده في التصريح. قوله: "في إفادة التسوية" أي: في جملة إفادة التسوية أي: في الجملة التي تفيد التسوية، ومعنى معادلتها للهمزة في هذه الجملة أنه يليها عديل ما يلي الهمزة فاندفع بتقرير عبارته على هذا الوجه ما توهمه من أن كلا من الهمزة وأم له دخل في إفادة التسوية فتدبر. قوله: "في النوع الأول" أي: أم بعد همزة التسوية وقوله في النوع الثاني أي: أم بعد همزة الاستفهام بقرينة قوله أن الواقعة بعد همزة التسوية إلخ. قوله: "ليس على الاستفهام" أي: بل على الإخبار بالتسوية لانسلاخها عن الاستفهام، فهي مجاز بالاستعارة. قال ابن يعيش: وإنما جاز استعارتها للتسوية للاشتراك في معنى التسوية، إذ الأمر: إن اللذان تسأل عن تعيين أحدهما مستويان عندك في عدم التعيين ا. هـ. وكما تستعار الهمزة للتسوية تستعار للإنكار الإبطالي فيكون ما بعدها غير واقع ومدعيه كاذبًا نحو: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾، ومنه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؛ لأنها أبطلت ما بعدها من النفي فصارت الجملة خبرية مثبتة بمعنى الله كاف عبده وشرحنا لك صدرك لا إنشائية؛ ولهذا صح عطف وضعنا على ألم نشرح ومن جعلها فيهما للتقرير، أراد التقرير بما بعد النفي ويظهر أن الهمزة في ألم نشرح على هذا ليست من المعطوف عليه، وأنها مسلطة على ما بعد العاطف أيضًا وللإنكار التوبيخي فيكون ما بعدها واقعًا أو يقع وفاعله ملومًا نحو: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل: ٨٤]، ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ وللتهكم نحو: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧]، وللتعجب كقولك: أخلص زيد الأسير متعجبًا وللاستبطاء نحو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٧]، والجامع بين الاستفهام والمعاني المذكورة استلزام كل مطلق الانتفاء فإن الاستفهام عن شيء يستلزم انتفاء علمه، والإنكار الإبطالي يستلزم انتفاء وقوع الشيء المنكر والتوبيخي يستلزم انتفاء لياقته والتهكم
[ ٣ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب؛ لأنه خبر وليست تلك كذلك؛ لأن الاستفهام معها يستلزم انتفاء تعظيم المتهكم به، والتعجب يستلزم انتفاء علم سبب الشيء المتعجب منه؛ ولهذا يقولون إذا ظهر السبب بطل العجب. والاستبطاء يستلزم انتفاء المبادرة وللأمر نحو: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: أسلموا وللتهديد كقولك لمن يسيء إليك وهو يعلم أنك أدبت فلانًا على إساءته إليك وأنت تعلم علمه بذلك: ألم أؤدب فلانًا على إساءته إليّ، وللتقرير بمعنى طلب إقرار المخاطب بما يعرفه من نفي أو إثبات، ولا يشترط أن يلي الهمزة كما صرح به غير واحد كالتفتازاني نحو: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ونحو: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، على احتمال وإنما لم يورد بعد الهمزة في الآيتين نفس المقرر به دفعًا لتهمة تلقين المتكلم للمخاطب الجواب المقرر به والجامع بين الاستفهام والمعاني الثلاثة مطلق الطلب، فإن الاستفهام طلب فهم المسئول عنه، والأمر طلب إيقاع المأمور به والتهديد يستلزم طلب ترك الشيء المهدد عليه والتقرير السابق طلب الإقرار، وللتقرير بمعنى التثبيت والتحقيق نحو: أضربت زيدًا أي: إنك ضربته ألبتة، قاله السعد والجامع: ترتب ثبوت الحكم. أما في هذا التقرير فظاهر، وأما في الاستفهام؛ فلأنه يترتب عليه الجواب المترتب عليه الثبوت، فعلم أن للتقرير معنيين لكن استعماله في الثاني قليل بالنسبة للأول كما أشار إليه في شرح التلخيص، ولغير ذلك وهل تشارك الهمزة في الإنكار الإبطالي نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، والتقرير نحو: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ [المطففين: ٣٦]، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]، والأمر نحو: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، هذا هو الصحيح على ما يؤخذ من حاشية السيوطي على المغني لكن في المغني في بحث هل أنها تختص عن الهمزة بأن يراد بها النفي ولهذا جاز: هل قام إلا زيد دون أقام إلا زيد ولا ترد الهمزة في نحو: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠]، من حيث إن الواقع انتفاء الاصفاء؛ لأنها للإنكار على مدعي الإصفاء، ويلزم منه النفي لا أنها للنفي ابتداء. وقد يكون الإنكار توبيخيا بمعنى ما كان ينبغي فعل كذا فيقتضي وقوع الفعل. فتلخص أن الإنكار على ثلاثة أوجه: إنكار على مدعي وقوع الشيء ويلزمه النفي، وإنكار على من أوقع الشيء ويختصان بالهمزة، وإنكار وقوع الشيء، وهذا معنى النفي وتختص به هل عن الهمزة ا. هـ. باختصار. وربما استعير لهذه المعاني غير الهمزة، وهل من أسماء الاستفهام كالتوبيخ والتعجب في: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، والإبطال في: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، والتقرير في ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ قرره ليقول: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ نقله السيوطي عن أبي البقاء. وما ذكرته من توجيه الاستعارة في المعاني المذكورة هو ما ظهر لي فاعرفه. وفي شرح المغني للدماميني أن استفهام العارف المتجاهل حقيقي بحسب الادعاء. قوله: "وإن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب إلخ" يعني أن جملة: سواء عليّ أقمت أم قعدت، وجملة: لست أبالي أمات زيد أم عاش ونحوهما يقبل التصديق والتكذيب؛ لأنه خبر بخلاف جملة: أزيد قائم أم عمرو
[ ٣ / ١٥١ ]
وَرُبَّمَا أُسْقِطَتِ الهمزة إنْ كان خَفَا المعنى بحذفها أمِنْ
_________________
(١) على حقيقته. والثالث والرابع. أن أم الواقعة بعد همزة التسوية لا تقع إلا بين جملتين، ولا تكون الجملتان معها إلا في تأويل المفردين. الثاني؛ قد بان لك أن همزة التسوية لا يلزم أن تكون واقعة بعد لفظة سواء، بل كما تقع بعدها بعد: ما أبالي وما أدري وليت شعري ونحوهن "وربما أسقطت الهمزة" المذكورة "وإن كان خفا المعنى بحذفها أمن" كقراءة ابن محيصن: "سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهُمْ" [البقرة: ٦]، وكما مر من قوله: وجملة الاستفهام في قولنا: ما أدري أعمري طويل أم قصير، أما مجموع ما أدري أعمري طويل أم قصير فقابل للتصديق والتكذيب؛ لأنه خبر فافهم هذا التحقيق. قوله: "وليست تلك" أي: الواقعة بعد همزة الاستفهام كذلك أي: كالواقعة بعد همزة التسوية في الأمرين، وقوله: لأن الاستفهام إلخ تعليل للنفي في الأمرين. قوله: "لأن الاستفهام معها على حقيقته" أي: غالبًا أو أراد بكونه على حقيقته أنه ليس إخبارًا مجردًا عن طلب الفهم وعن التوبيخ والتقرير ونحوها، فلا يرد أن الزمخشري جوز في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، كون أم متصلة مقدرًا قبلها معادلها أي: أتدعون على الأنبياء اليهودية أم إلخ، والهمزة فيه للإنكار التوبيخي، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠]، كون أم متصلة والهمزة فيه للتقرير، ونقلهما في المغني ولم يتعقب واحدًا منهما أفاده الشمني. لكن الأظهر كون الهمزة في الآية الأولى أيضًا تقريرية فتأمل. قوله: "إلا بين جملتين" أي: غالبًا فلا ينافي ما قدمه من أنها عادلت بين مفرد وجملة كما في قول الشاعر: سواء عليك النفر أم بت ليلة قوله: "قد بان لك" أي: من الضابط السابق والاستشهاد بقوله: ولست أبالي إلخ. قوله: "وما أدري إلخ" أنت خبير بأن الذي تبين مما قدمه أن الواقعة بعد ما أدري ليست همزة تسوية، بل همزة استفهام حيث مثل لهمزة الاستفهام بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وبقول الشاعر: لعمرك ما أدري إلخ أي: لا أدري جواب هذا الاستفهام، وهذا هو الأقرب عندي، ومثل ما أدري: ليت شعري ولا يحضرني ونحو ذلك، ثم رأيت الدماميني على المغني استظهر ما قلته مؤيدًا له بقصر الرضي همزة التسوية على الواقعة بعد قولهم: سواء، وقولهم: ما أبالي، وتصرفاته متعقبًا بذلك ما في المغني من التعميم الذي جرى عليه الشارح، ورأيت بعضهم مال إلى أنها للاستفهام بعد ما أبالي أيضًا كما يفيده ما مر عن الدماميني من كونه قلبيا معلقًا عن العمل في الجملة بعده، والمعنى لا أفكر في جواب هذا الاستفهام فتأمل. قوله: "حذفت الهمزة المذكورة" أي: الشاملة للنوعين المتقدمين بقرينة تمثيله بالمثالين الآتيين. قال الفارضي: وندر حذف أم ومعطوفها كقوله: دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها التقدير: أرشد أم غيّ وإذا استفهم بغير الهمزة عطف بأو نحو: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]، وقد تكون هل بمعنى الهمزة فيعطف بأم بعدها كحديث: $"هل
[ ٣ / ١٥٢ ]
وبِانْقِطاعٍ وبمعنى بَل وَفَتْ إن تَكُ مما قُيِّدت به خَلَتْ
_________________
(١) شُعَيثُ ابْنُ سَهْمٍ أم شُعَيثُ ابْنُ مِنْقَرِ وهو في الشعر كثير. ومال في شرح الكافية إلى كونه مطردًا "وبانقطاع وبمعنى بل وفت" أي: تأتي أم منقطعة بمعنى بل. "إن تك مما قيدت به" وهو أن تكون مسبوقة بإحدى الهمزتين لفظًا أو تقديرًا "خلت" ولا يفارقها حينئذ معنى الإضراب، وكثيرًا ما تقتضي مع ذلك استفهامًا إما حقيقيا نحو: إنها لا بل أم شاء، أي: بل أهي شاء، وإنما قدرنا ــ "تزوجت بكرًا أم ثيبًا"، وتكون أم بمعنى الهمزة نحو: أم ضربت زيدًا التقدير: أضربت زيدًا ا. هـ. وقوله: التقدير أرشد أم غي بحث فيه في المغني بجواز جعل الهمزة لطلب التصديق فلا يقدر لها معادل حينئذٍ. قوله: "وبانقطاع إلخ" ظاهره أنها عاطفة قال شيخنا: وفي الرضي خلافه اهـ. وعليه يكون ذكرها هنا استطراديا لتتميم أقسام أم. ثم رأيت في الدماميني ما يفيد أن في كون أم المنقطعة عاطفة ثلاثة أقوال: فابن جني والمغاربة يقولون: ليست للعطف أصلًا لا في مفرد ولا جملة. وابن مالك للعطف في المفرد قليلًا سمع من كلامهم أن هناك لا بلا أم شاء، وفي الجمل كثيرًا. وجماعة للعطف في الجمل فقط، وتأولوا ما سمع بتقدير ناصب أي: أم أرى شاء. قوله: "وبمعنى بل" العطف من عطف أحد المتلازمين على الآخر. قوله: "وفت" الضمير فيه وفي قيدت وخلت راجع إلى أم في قوله: وأم بها اعطف إلخ، والمراد بها ثم لفظها، كما أن المراد بها هنا ذلك فليس في الكلام استخدام ولا شبهه، وإن زعمه شيخنا. قوله: "إن تك مما قيدت به خلت" صادق بصور أن لا تسبق بأداة استفهام أصلًا بل تكون مسبوقة بالخبر المحض نحو: ﴿الم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ و٢ و٣]، وأن تسبق بأداة استفهام غير الهمزة نحو: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦]، وأن تسبق بهمزة لغير حقيقة الاستفهام المطلوب به التعيين وغير التسوية كالإنكار أي: النفي نحو: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، الآية والتقرير أي: التثبيت أي: جعل الشيء ثابتًا نحو: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: ٥٠]، الآية كذا في الدماميني عن الناظم وأبي حيان، وقد ينافي ما مر عن البهوتي والشمني. ولو قيل إن التقريري فقط أعني المطلوب به إقرار المخاطب كالحقيقي لاشتراكهما في طلب الجواب لكان وجهًا فتدبر. قوله: "ولا يفارقها حينئذٍ" أي: حين إذ خلت مما قيدت به وقيل ترد للاستفهام المجرد نحو: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] . قوله: "أي: بل أهي شاء" كأنه في حال بعده عنها جزم بأنها إبل، فلما قرب منها رآها صغيرة فأضرب مستفهمًا عن كونها شاء. وكأم فيه أم في نحو: أعندك زيد أم عندك عمرو، فقد نص سيبويه على أن أم فيه منقطعة ظن أولًا كون زيد عنده، فاستفهم عنه ثم ظن كون عمرو عنده
(٢) راجع التخريج رقم ٨٦٠.
[ ٣ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعدها مبتدأ محذوفًا؛ لكونها لا تدخل على المفرد، أو إنكاريا نحو: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ [الطور: ٣٩]، أي: بل أله البنات. وقد لا تقتضيه ألبتة نحو: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦]، أي: بل هل تستوي إذ لا يدخل استفهام على استفهام. ونحو: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ٢ و٣]، وقوله:
٨٦٢- فَلَيتَ سُلَيْمَى في المنامِ ضَجِيعَتِي هنالِكَ أم في جَنَّةٍ أم جَهَنَّمِ
وسميت منقطعة لوقوعها بين جملتين مستقلتين.
تنبيه: حصر أم في المتصلة والمنقطعة هو مذهب الجمهور، وذهب بعضهم إلى
ــ
قوله: "لا تدخل على المفرد" لأنها بمعنى بل الابتدائية وحرف الابتداء لا يدخل إلا على جملة.
فائدة: تدخل همزة الاستفهام على الواو والفاء وثم كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [غافر: ٨٢، محمد: ١٠]، ﴿ثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١]، فالجمهور أن الهمزة قدمت من تأخير وأن هذه الجمل ونحوها معطوفة بالواو والفاء وثم، وأن الهمزة كانت بعد هذه الأحرف فقدمت على العاطف تنبيهًا على أصالتها في التصدير، والزمخشري أن الهمزة في محلها الأصلي والعطف على جملة مقدرة بين الهمزة والعاطف والتقدير: أمكثوا فلم يسيروا ونحو ذلك، وحكي عنه موافقة الجمهور، وفي دعوى الزمخشري حذف الجملة، وفي دعوى الجمهور تقدم بعض المعطوف على العاطف. فارضي. قوله: "نحو: أم له البنات" إذ لو قدرت للإضراب المحض لكان الكلام إخبارًا بنسبة البنات إليه تعالى والله تعالى منزه عن ذلك.
قوله: "وقد لا تقتضيه" هذا مذهب الكوفيين ومذهب البصريين: أنها أبدًا بمعنى بل والهمزة جميعًا، نقله في المغني عن ابن الشجري قال: والذي يظهر قول الكوفيين؛ لأنه يلزم البصريين دعوى التأكيد في نحو: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ [الملك: ٢٠]، قال الدماميني: والتحقيق أن أهل البلدين متفقون على أن أم تجيء للإضراب المجرد، وإنما الخلاف في تسميتها حينئذٍ منقطعة، فالكوفيون يسمونها منقطعة والبصريون يقولون لا متصلة ولا منقطعة فهو في أمر لفظي. قوله: "أم يقولون افتراه" إنما لم تقتض الاستفهام هنا، وفي البيت لعدم احتياج المقام إليه لكن جعل الدماميني معنى الآية: بل أيقولون على الإنكار التوبيخي. قوله: "في المتصلة والمنقطعة".
فائدة: جواب الاستفهام مع المتصلة بالتعيين، وقد يجاب بلا مقصودًا بها نفي وقوع كل من الشيئين أو الأشياء تخطئة للسائل في اعتقاده وقوع أحد الشيئين أو الأشياء كما في قصة ذي اليدين، وهل يجاب بنعم مقصودًا بها إثبات كل من الشيئين أو الأشياء تخطئة للسائل في اعتقاده
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لعمر بن أبي ربيعة في ملحق ديوانه ص٥٠١؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٧٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٤؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٢٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٤٣.
[ ٣ / ١٥٤ ]
خَيِّرْ أَبِحْ قَسِّمْ وَأَبْهِمِ واشْكُكْ وإضراب بها أيضا نُمِي
ــ
أنها تكون زائدة. وقال في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْر﴾ [الزخرف: ٥٢]: إن التقدير أفلا تبصرون أنا خير، والزيادة ظاهرة في قول ساعدة في جؤية:
٨٦٣- يا ليت شِعْري ولا مَنْجَى من الهَرَمِ أم هل على العيش بعد الشِّيب من نَدَمِ
"خير" و"أبح" و"قسم بأو وأبهم واشكك" فالتخيير والإباحة يكونان بعد الطلب
ــ
ثبوت واحد فقط لم أر من ذكره، لكنه مقتضى القياس، وجواب الاستفهام مع المنقطعة بلا أو نعم. وإذا توالت استفهامات بأم المنقطعة فالجواب لأخيرها للإضراب إليه عما قبله فاعرف ذلك.
قوله: "إن التقدير أفلا تبصرون أنا خير" أي: على أن جملة: أنا خير مستأنفة وأما على الأول، فجملة: أنا خير منه معطوفة على ما قبلها. ووجه المعادلة بينها وبين الجملة قبلها أن الأصل أم تبصرون، فأقيمت الاسمية مقام الفعلية والسبب مقام المسبب؛ لأنهم إذا قالوا له: أنت خير كانوا عنده بصراء، قاله في المغني وأورد عليه أن السبب لاعتقاده كونهم بصراء قولهم: أنت خير كما تقرر، والمذكور هنا: أنا خير الذي هو مقوله لا مقولهم. وأجيب بأن الأصل أم تقولون أنت خير فحذف القول وحكي المقول بالمعنى. ثم يصح أن يكون في الآية إقامة المسبب مقام السبب؛ لأن اعتقادهم خيريته مسبب عنده عن كونهم بصراء ثم ظاهر كلام المغني أن أم في الآية متصلة وبه، صرح الزمخشري في الكشاف، والذي نص عليه سيبويه أنها منقطعة فإنه قال ما حاصله: إنه إذا كان ما بعد أم نقيض ما قبلها فهي منقطعة نحو: أزيد عندك أم لا؛ وذلك لأن السائل لو اقتصر على قوله: أزيد عندك لاقتضى استفهامه هذا أن يجاب بنعم أو لا فقوله أم لا مستغنى عنه في تتميم الاستفهام الأول وإنما يذكره الذاكر ليبين أنه عرض له ظن نفي أنه عنده فاستفهم عنه كما كان قد عرض له ظن ثبوت أنه عنده فاستفهم عنه، وكذا في الآية لو اقتصر على قوله: أفلا تبصرون لاستدعى أن يقال له نبصر أو لا نبصر فكان في غنية عن ذكر ما بعده، لكنه أفاد بقوله: أم أنا خير أنه عرض له ظن إبصارهم بعد ما ظن أولا عدمه. قوله: "ابن جؤية" بالهمزة اسم أم الشاعر، وهو في الأصل تصغير جئوة وهي حمرة تضرب إلى سواد.
قوله: "بأو" تنازعه الأفعال الثلاثة قبله كما أن قوله بها تنازعه الفعلان والمصدر قبله. قوله: "والإباحة" قال الشمني: ليس المراد بها الشرعية؛ لأن الكلام في معنى أو بحسب اللغة قبل ظهور الشرع، بل المراد الإباحة بحسب العقل أو بحسب العرف في أي: وقت كان وعند أي: قوم كانوا. قوله: "بعد الطلب" أي: صيغته وإن لم يكن هناك طلب كما في الإباحة وبعض صور التخيير، فقول البعض إذ لا طلب في الإباحة والتخيير فيه تساهل. قوله: "أو مقدرًا" نحو: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: ليفعل أي: الثلاثة قاله الشارح على التوضيح. قوله:
_________________
(١) البيت من البسيط، هو لساعدة بن جؤية في الأزهية ص١٣١؛ وخزانة الأدب ٨/ ١٦١، ١٦٢، ١١/ ١٦٢؛ والدرر ٦/ ١١٥؛ وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١١٢٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٥١؛ ومغني اللبيب ١/ ٤٨، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٤؛ وبلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص٣١٩؛ ولسان العرب ١٢/ ٣٦ "أمم".
[ ٣ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ملفوظًا أو مقدرًا، وما سواهما فبعد الخبر. فالتخيير نحو: تزوج زينب أو أختها. والإباحة نحو: جالس العلماء أو الزهاد، والفرق بينهما امتناع الجمع في التخيير وجوازه في الإباحة، والتقسيم نحو: الكلمة اسم أو فعل أو حرف، والإبهام نحو: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤]، وجعل منه نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، والشك نحو: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، "وإضراب بها أيضا نمي" "وما سواهما فبعد الخبر" صرح الشاطبي بأن الذي يختص بالخبر الشك والإبهام وأما الباقي فيستعمل في الموضعين، وكلام المغني يشعر به نقله شيخنا. قوله: "امتناع الجمع في التخيير" فإن قلت: قد مثل العلماء بآيتي الكفارة والفدية للتخيير مع إمكان الجمع. قلت: يمتنع الجمع بين الإطعام والكسوة والتحرير الآتي كل منهن كفارة وبين الصيام والصدقة والنسك الآتي كل منهن فدية، بل تقع واحدة منهن كفارة أو فدية والباقي قربة مستقلة خارجة عن ذلك ا. هـ. مغني وآية الكفارة فكفارته إطعام عشرة مساكين إلخ، وآية الفدية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . قوله: "والتقسيم" أي: تقسيم الكلي إلى جزئياته أو الكل إلى أجزائه. قال شيخنا: وعبر عنه في التسهيل بالتفريق المجرد أي: من الشك والإبهام والتخيير وبعضهم عبر عنه بالتفصيل بالمهملة ا. هـ. وبه يعرف ما في كلام البعض. قوله: "والإبهام" أي: على السامع. قوله: "وجعل منه نحو: وإنا أو إياكم إلخ" قال في المغني: الشاهد في الأولى ووجهه الشمني بأن اعتبار الإبهام في إحداهما يغني عن اعتباره في الثانية والأولى أولى بالاعتبار لسبقها، وفيه نظر إذ لا مانع من اعتباره فيهما وإن كان اعتباره في الأولى آكد. وقال الدماميني: في الأولى والثانية والمعنى وإن أحد الفريقين منا ومنكم لثابت له أحد الأمرين كونه على هدى أو كونه في ضلال مبين، أخرج الكلام في صورة الاحتمال مع العلم بأن من وحد الله تعالى وعبده فهو على هدى، وإن من عبد غيره فهو في ضلال مبين توطينًا لنفس المخاطب؛ ليكون أقبل لما يلقي إليه. وقال بعضهم: الشاهد في الثانية؛ لأن الشرط تقدم كلام خبري، وهو إنما يتحقق بقوله: ﴿لَعَلَى هُدًى﴾ لأن ما قبله ليس كلامًا، وقد يقال: إنا لعلى هدى أو في ضلال مبين خبر عن الأول وحذف خبر الثاني أو بالعكس، إذ لا يتعين كونه خبرًا عنهما وإن صلح لذلك؛ لأنه جار ومجرور وعلى كل وجد الشرط مع أنه قد يمنع اشتراطه وإنما خولف بين الحرفين الداخلين على الحق والباطل؛ لأن صاحب الحق كأنه مستعل على جواد يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في بحر لا يدري أين يتوجه، ومما ظهر لي أن الآية وإن كانت للإبهام ظاهرًا، إلا أنها ترمز إلى التعيين لاقتضاء التناسب صرف ما بعد أو الثانية لما بعد أو الأولى وصرف ما قبلها لما قبلها، ولاقتضاء الترتيب أيضًا ذلك فاعرفه. قوله: "والشك" الفرق بينه وبين الإبهام أن المتكلم عالم بالحكم في الابهام دون الشك. غزي. قوله: "واضراب بها أيضًا نمي" قيل: إنها حينئذٍ غير عاطفة كأم الإضرابية على رأي
[ ٣ / ١٥٦ ]
ورُبَّما عاقَبَتِ الواو إذا لم يُلفِ ذو النطق للَبْسِ مَنْفَذَا
ــ
أي: نسب إلى العرب في قول الكوفيين وأبي علي وابن برهان وابن جني مطلقًا تمسكًا بقوله:
٨٦٤- كَانوا ثَمانِينَ أو زادوا ثَمانِيَة لولا رَجَاؤُكَ قد قَتَّلتُ أولادِي
وقراءة أبي السمال: "أَوْ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا" [البقرة: ١٠٠]، بسكون الواو، ونسبه ابن عصفور لسيبويه لكن بشرطين: تقدم نفي أو نهي، وإعادة العامل نحو: ما قام زيد أو ما قام عمرو، ولا يقم زيد أو لا يقم عمرو، ويؤيده أنه قال في: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ولو قلت: أو لا تطع كفورًا انقلب المعنى، يعني أنه يصير إضرابًا عن النهي الأول ونهيًا عن الثاني فقط "وربما عاقبت أو "الواو" أي: جاءت بمعناها "إذا لم يلف ذو النطق لبس منفذا" أي: إذا أمن اللبس كقوله:
٨٦٥- قومٌ إذا سَمِعوا الصَّريخَ رَأَيتَهُمْ ما بَينَ مُلجِمِ مُهْرِهِ أو سافِعِ
وقوله:
ــ
الجمهور وقد نقل بعضهم ذلك عن الرضي والسعد كما في يس، وقيل عاطفة وإن كان بعدها جملة. إذ العطف يكون في المفردات والجمل كما يقول بذلك بعضهم في أم الإضرابية وهذا ظاهر كلام المصنف. قوله: "مطلقًا" أي: سواء تقدمها نفي أو نهي أولًا، وسواء أعيد العامل أو لا. قوله: "كانوا" أي: العيال المذكورون في البيت قبله. وقوله أو زادوا يحتمل أن أو بمعنى الواو وكذا في قراءة أبي السمال، وهو بسين مفتوحة وميم مشدة ولام آخره. قوله: "بسكون الواو" المعنى وما يكفر بتلك الآيات البينات إلا الذين فسقوا، بل نقضوا عهد الله مرارًا كثيرة. قوله: "ونسبه" أي: مجيء أو للإضراب بقطع النظر عن الإطلاق السابق بقرينة قوله لكن بشرطين. قوله: "وإعادة العامل" يعني مع حرف النفي أو حرف النهي شمني.
قوله: "ويؤيده" أي: يؤيد نقل ابن عصفور عن سيبويه أن أو تأتي للإضراب بشرطين. قوله: "أو سافع" أي: قابض ناصية فرسه من سفعت بناصيته قبضتها وجذبتها. قال الدماميني: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد بين فريق ملحم أو فريق سافع إذ كل واحد من القسمين ذو تعدد ا. هـ. واستبعد؛ لأن الظاهر أن قصد الشاعر أنهم حين سماع صريخ المستغيث محصورون بين
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لجرير في ديوانه ص٧٤٥؛ وجواهر الأدب ص٢١٧؛ والدرر ٦/ ١١٦؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٢٧؛ ومغني اللبيب ١/ ٦٤، ٢٧٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٤٤؛ وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص١٢١؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٤.
(٢) البيت من الكامل، وهو لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص١٤٥؛ ولحميد بن ثور في ديوانه ص١١١؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٦؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٤٦؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ٢١٨؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٧٩؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٢٩؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٢٨؛ ولسان العرب ٨/ ١٥٨ "سفح"؛ ومغني اللبيب ١/ ٦٣.
[ ٣ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٦٦- فَظَلَّ طُهاةُ اللحْمِ ما بين مُنْضِج صَفِيفَ شِواء أو قَدِير مُعَجَّلِ
وقول الراجز:
٨٦٧- إنَّ بها أَكْتَلَ أو رِزامَا خُوَيْرِبَينِ يَنْقُفانِ الهامَا
وقوله:
٨٦٨- وقَالوا لنا ثِنْتانِ لا بُدَّ مِنْهما صُدورُ رِماح أُشْرِعَتْ أو سلاسِلُ
وجعل منه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، أي: ويزيدون.
ــ
قسمين لا يخرجون عنهما لا أنهم ثابت لهم إحدى البينيتين. قوله: "فظل طهاة اللحم إلخ" الطهاة جمع طاه وهو الطباخ، وصفيف شواء مفعول منضج وهو ما فرق، وصف على الجمر وهو شواء الأعراب، وقدير معطوف على منضج بتقدير مضاف أي: وطابخ قدير أي: مطبوخ في القدر ومعجل صفة قدير، وقول العيني قدير معطوف على شواء غير ظاهر وإن أقره شيخنا كما لا يخفى.
قوله: "إن بها أكتل إلخ" ضمير بها للأرض المذكورة قبل، وأكتل بفوقية مفتوحة، ورزام براء مكسورة فزاي اسما رجلين، وخويربين تثنية خويرب تصغير خارب وهو اللص كما قاله الدماميني والشمني. وفي شرح شواهد المغني للسيوطي أنه لص الإبل حال من ضمير ينقفان قدمت على عاملها أو من المستكن في بها، وقول البعض حال مما قبله لا يتمشى على مذهب الجمهور المانعين مجيء الحال من المبتدأ في الحال، أو الأصل وينقفان بضم القاف من النقف وهو كسر الرأس كما قاله الدماميني والشمني والسيوطي، فيحتاج الكلام إلى التجريد. والهام اسم جنس جمعي لهامة وهي الرأس فقول البعض والهام الرأس فيه تساهل. وإنما كانت أو في البيت بمعنى الواو لقوله خويربين بالتثنية ولو كانت على بابها لأحد الشيئين لقال خويربا بالإفراد. قوله: "أشرعت" بالبناء للمجهول أي: صوّبت نحو: العدو وكني بذلك عن الطعن وبالسلاسل عن الأسر. قوله: "وجعل منه وأرسلناه إلخ" فصله للاختلاف فيه فقال بعض الكوفيين والبصريين بمعنى الواو والفراء بمعنى بل فتكون للإضراب عن الإخبار بأنهم مائة ألف بناء على حزر الرأي: مع علمه تعالى
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٢٢؛ وجمهرة اللغة ص٩٢٩؛ وجواهر الأدب ص٢١١؛ وخزانة الأدب ١١/ ٤٧، ٢٤٠؛ والدرر ٦/ ١٦١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٥٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٢٨؛ ولسان العرب "صفف"، ١٥/ ١٦ "طها"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٤٦؛ وبلا نسبة في الاشتقاق ص٢٣٣؛ ومغني اللبيب ٢/ ٤٦٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٤١.
(٢) الرجز للأسدي في الأزهية ص١١٦؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٩٩؛ ولرجل من بني أسد في الكتاب ٢/ ١٤٩؛ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص٢٨٨؛ ولسان العرب ١/ ٣٤٩ "حزب"، ١١/ ٥٨٢ "كتل"، ١٤/ ٥٥ "أوا"؛ ومغني اللبيب ١/ ٦٣.
(٣) البيت من الطويل، وهو لجعفر بن علبة الحارثي في الدرر ٦/ ١١٩؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٤٥؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٣؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ١٢/ ٦٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٤.
[ ٣ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هذا مذهب الأخفش والجرمي وجماعة من الكوفيين. تنبيهات: الأول أفهم قوله وربما أن ذلك قليل مطلقًا. وذكر في التسهيل أن أو تعاقب الواو في الإباحة كثيرًا، وفي عطف المصاحبة والمؤكد قليلًا، فالإباحة كما تقدم، والمصاحبة نحو: قوله ﵊: "فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد" والمؤكد نحو: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] . الثاني: التحقيق أن أو موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء، وهو الذي يقوله المتقدمون وقد تخرج إلى معنى بل والواو. وأما بزيادتهم إلى الإخبار عن تحقيق، وبعض البصريين للإبهام وقيل للشك مصروفًا للرائي كذا في المغني بزيادة. قال البعض: ويزيدون صفة موصوف محذوف معطوف على ما قبله أي: أو جماعة يزيدون ا. هـ. وفيه أن الموصوف بالجملة المحذوف ليس بعض اسم مجرور بمن أو في ويمكن جعل العطف من باب العطف على المعنى، أي: إلى جماعة يبلغون مائة ألف أو يزيدون فتأمل. قوله: "مطلقًا" أي: سواء كانت أو للإباحة أو لا. قوله: "وذكر في التسهيل أن أو تعاقب الواو" أي: تجيء بمعنى الواو فتكون للجمع وقوله: في الإباحة أي: في صورة الإباحة أي: في الصورة التي يظن أن أو فيها للإباحة أي: لأحد الشيئين مع جواز الجمع بينهما وإن لم تكن أو في حالة كونها بمعنى الواو للإباحة؛ لأنها حينئذٍ للجمع وأو التي للإباحة لأحد الشيئين مع جواز الجمع بينهما كما سيذكره الشارح عن ابن هشام. وقوله كثيرًا أي: لأنه يكثر إرادة الجمع في نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين. هذا هو الذي أفهمه في هذه العبارة وبه يندفع اعتراضات نشأت من عدم فهم العبارة كفهمنا. الاعتراض الأول ما ذكره البعض وأقره أن صاحب التسهيل لم يذكر الكثرة إلا في معاقبة أو للواو في الإباحة وهذا لم يرده المصنف هنا لذكره إياه فيما تقدم بقوله: أبح والذي أراده هنا وجعله قليلًا إنما هو القسمان الأخيران الموصوفان في التسهيل أيضًا بالقلة. الثاني ما ذكره شيخنا وأقره أن الإباحة معنى أو أصالة فلا ضرورة إلى جعلها في صور الإباحة بمعنى الواو ووجه اندفاع هذين أنهما مبنيان على أن أو في حال معاقبتها الواو في الإباحة لأحد الشيئين مع جواز الجمع بينهما وليس كذلك بل للجمع كما علمت. الثالث ما ذكره أيضًا البعض وأقره أن قوله: كثيرًا يوهم أن أو في الإباحة قد لا تعاقب الواو وليس كذلك، فكان الأولى أن يقول: تعاقب الواو في الإباحة لزومًا وقد تعاقبها في غيرها، ووجه اندفاع هذا الاعتراض أن المراد كما علمت أن الصورة التي يظن أن أو فيها للإباحة قد تعاقب فيها أو الواو بأن تكون للجمع وقد لا تعاقب بأن تكون للإباحة في الواقع أيضًا، فقول المعترض وليس كذلك ممنوع وكذا قوله لزومًا. هذا هو تحقيق المقام وعليك السلام. قوله: "نحو: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ " حمل بعضهم الخطيئة على الذنب الذي بين العبد وربه والإثم على مظالم العباد. قوله: "وقد تخرج إلى معنى بل والواو" أي: مجازًا. قوله:
[ ٣ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقية المعاني فمستفادة من غيرها. الثالث: زعم قوم أن الواو تستعمل بمعنى أو في ثلاثة مواضع: أحدها في التقسيم كقولك: الكلمة اسم وفعل وحرف وقوله:
٨٦٩- كَمَا النَّاسُ مَجْرومٌ عليه وجَارِمُ
وممن ذكر ذلك الناظم في التحفة وشرح الكافية. قال في المغني: والصواب أنها في ذلك على معناها الأصلي إذ الأنواع مجتمعة في الدخول تحت الجنس. ثانيها الإباحة. قاله الزمخشري وزعم أنه يقال: جالس الحسن وابن سيرين أي: أحدهما وأنه لهذا قيل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ بعد ذكر ثلاثة وسبعة؛ لئلا يتوهم إرادة الإباحة. قال في المغني أيضًا:
ــ
"وأما بقية المعاني إلخ" ذكره في المغني قال: ومن العجب أنهم ذكروا من معاني صيغة أفعل التخيير والإباحة ومثلوه بنحو: خذ من مالي درهمًا أو دينارًا وجالس الحسن أو ابن سيرين، ثم ذكروا أن أو تفيدهما ومثلوه بالمثالين المذكورين ا. هـ. وأجيب بأن كلا من الصيغة وأو تدل على ما ذكر فحيث مثل بالمثالين للصيغة قطع النظر فيهما عن أو وحيث مثل بهما لأو قطع النظر فيهما عن الصيغة. وقال التفتازاني في تلويحه: أن التخيير والإباحة قد يضافان إلى صيغة الأمر، وقد يضافان إلى كلمة أو. والتحقيق أن كلمة أو لأحد الأمرين أو الأمور، وأن جواز الجمع وامتناعه إنما هو بحسب موقع الكلام ودلالة القرائن. قوله: "فمستفادة من غيرها" أي: معها؛ وذلك لأنها تفيد أحد الشيئين وغيرها يفيد امتناع الجمع إذا كانت للتخيير، وجوازه إذا كانت للإباحة وهكذا وقوله من غيرها أي: من القرائن.
قوله: "وممن ذكر ذلك الناظم إلخ" قال البعض: انظر نسبة هذا للناظم مع تصريحه بأن الواو في التقسيم أجود من أو فإنه يدل على أنها فيه ليست بمعنى أو ا. هـ. وقد يقال إن له في المسألة قولين. واعلم أن لكل من الواو وأو في التقسيم وجهًا لاجتماع الأقسام في الدخول تحت المقسم، وعدم اجتماعها في ذات واحدة خارجًا، وإن كانت الواو فيه أكثر. قوله: "قاله الزمخشري" وافقه الناظم وابن هشام في حواشيه على التسهيل راجعًا عما ذكره في المغني كما قاله الدماميني، وسبقهم إلى ذلك السيرافي في شرح الكتاب. قوله: "أي: أحدهما" أي: مع جواز الجمع بينهما أو الترك لكل كما هو مقتضى الإباحة. قوله: "لئلا يتوهم إرادة الإباحة" ويحتمل أن ذلك لئلا يتوهم إرادة التخيير.
_________________
(١) صدره: ونَنْصُرُ مولانا ونَعْلَم أنَّه والبيت من الطويل، وهو لعمرو بن براقة في أمالي القالي ٢/ ١٢٢؛ والدرر ٤/ ٢١٠؛ وسمط اللآلي ص٧٤٩؛ وشرح التصريح ٢/ ٢١؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٢، ٥٠٠، ٢/ ٧٢٥، ٧٧٨؛ والمؤتلف والمختلف ص٦٧؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٣٣٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٩٧؛ والجنى الداني ص١٦٦، ٤٨٢؛ وجواهر الأدب ص١٣٣؛ وخزانة الأدب ١٠/ ٢٠٧؛ والدرر ٦/ ٨١؛ وشرح ابن عقيل ص٣٧١؛ ومغني اللبيب ١/ ٦٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ٣٨، ١٣٠.
[ ٣ / ١٦٠ ]
ومِثل أو القَصْد إما الثانِيَه في نحو إما ذي وإمّا النائِيَه
ــ
والمعروف من كلام النحويين أن هذا أمر بمجالسة كل منهما، وجعلوا ذلك فرقًا بين العطف بالواو والعطف بأو. ثالثها: التخيير قاله بعضهم في قوله:
٨٧٠- قالوا نَأَتْ فاخْتَرْ لَهَا الصَّبْرَ والبُكا فقلت البُكا أَشْفَى إذًا لغَلِيلِي
أي: أو البكا إذ لا يجمع بين الصبر والبكا. ويحتمل أن يكون الأصل من الصبر والبكا أي: أحدهما ثم حذف من كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ ويؤيده أن أبا علي الفارسي رواه بمن ا. هـ. "ومثل أو في القصد الثانية في نحو" تزوج "إما ذي وإما النائيه" وجاءني إما زيد وإما عمرو.
تنبيهات: الأول ظاهر كلامه أنها تأتي للمعاني السبعة المذكورة في أو، وليس كذلك فإنها لا تأتي بمعنى الواو ولا بمعنى بل والعذر له أن ورود أو لهذين المعنيين قليل ومختلف فيه فالإحاطة إنما هي على المعاني المتفق عليها ولم يذكر الإباحة في التسهيل لكنها بمقتضى القياس جائزة. الثاني ظاهره أيضًا أنها مثل أو في العطف والمعنى وهو ما ذهب إليه أكثر النحويين. وقال أبو علي وابنا كيسان: وبرهان هي مثلها في المعنى فقط، ووافقهم الناظم وهو الصحيح، ويؤيده قولهم: إنها مجامعة للواو لزومًا والعاطف لا يدخل على العاطف. وأما قوله:
٨٧١- يا ليتما أُمُّنَا شَالَتْ نعامَتُها إيما إلى جَنَّة إيما إلى نار
ــ
قوله: "أن هذا أمر" أي: إذن. قوله: "قالوا نأت إلخ" من الطويل ودخله الثلم وهو حذف فاء فعولن، ويروى وقالوا ولا ثلم فيه حينئذٍ، وقوله نأت أي: بعدت، والغليل حرارة العطش، لكن المراد هنا مطلق الحرارة ليشمل حرارة
العشق. قوله: "رواه بمن" أي: بدل لها. قوله: "إما" ذهب سيبويه إلى أنها مركبة من أن وما، وذهب غيره إلى أنها بسيطة وهو الظاهر؛ لأن الأصل البساطة، وقوله: الثانية احتراز عن الأولى، فإنه لا خلاف في أنها غير عاطفة لاعتراضها بين العامل والمعمول نحو: قام إما زيد وإما عمرو لكن لا مانع من نسبة المعاني للأولى أيضًا لتلازمهما غالبًا، والنائية البعيدة. قوله: "ظاهر كلامه" أي: حيث أطلق القصد فشمل جميع المعاني المقصودة. قوله: "والعذر له" أي: في الإطلاق وعدم التقييد بما عدا المذكورين. قوله: "ظاهره أيضًا" أي: حيث أطلق القصد فشمل العطف إذ هو مما يقصد. قوله: "مثل أو في العطف والمعنى" ولعل الواو على هذا القول زائدة لازمة كما قيل بمثله في لكن كما مر.
قوله: "والعاطف لا يدخل على العاطف" أي: فالعاطف إنما هو الواو الداخلة على إما. قوله: "وأما قوله إلخ" إيراد على قوله لزومًا. قوله: "شالت نعامتها" كناية عن موتها؛ لأن النعامة
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لكثير عزة في ديوانه ص١١٤؛ وأمالي القالي ٢/ ٦٤؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٨١؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠٤؛ وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص٤٨٠؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٠٨.
(٢) البيت من البسيط، وهو للأحوص في ملحق ديوانه ص٢٢١؛ ولسان العرب ١٤/ ٤٦ "أما"؛ ولسعد بن قرط في خزانة الأدب ١١/ ٨٦، ٨٧، ٨٨، ٩٠، ٩٢؛ والدرر ٦/ ١٢٢؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٦؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٨٦؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٤٣؛ والمحتسب ١/ ٢٨٤، ٢/ ٣١٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٣؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٨٢؛ وتذكرة النحاة ص١٢٠؛ والجنى الداني ص٥٣٣؛ وجواهر الأدب ص٤١٤؛ ورصف المباني ص١٠٢؛ وشرح المفصل ٦/ ٧٥؛ ومغني اللبيب ١/ ٥٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٥.
[ ٣ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فشاذ، وكذلك فتح همزتها وإبدال ميمها الأولى ياء، وفتح همزتها لغة تميم، وبها روي البيت المذكور، وقد يقال: إن قوله في القصد إشارة إلى ذلك أي: إنها مثلها في القصد أي: المعنى لا مطلقًا، سيما أنه لم يعدها في الحروف أول الباب. وقد نقل ابن عصفور اتفاق النحويين على أنها ليست عاطفة، وإنما أوردوها في حروف العطف لمصاحبتها لها. الثالث مقتضى كلامه أنه لا بد من تكرارها وذلك غالب لا لازم فقد يستغنى عن الثانية بذكر ما يغني عنها نحو: إما أن تتكلم بخير وإلا فاسكت، وقراءة أبي: "وَأَنَا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ" [سبأ: ٢٤] . وقوله:
٨٧٢- فَإِمَّا أن تكونَ أخي بصِدْقٍ فأعْرِفُ منك غَثِّي من سَمِينِي
ــ
باطن القدم ومن مات ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه فظهرت نعامته. قوله: "وكذا فتح همزتها وإبدال ميمها إلخ" أي: شاذان أيضًا على سبيل الاجتماع وإلا ففتح همزتها لغة تميمية وقيسية وأسدية. تصريح فضمير ميمها يرجع إلى المفتوحة الهمزة كما في البيت لا ميم إما مطلقًا وإن ثبت الإبدال مع الكسر أيضًا كما في الدماميني عن المصنف. قوله: "أي: المعنى" فيه إشارة إلى أن القصد بمعنى المقصود، وجمل القصد على المعنى مبني على أن المراد بالقصد مقصود جميعهم ومقصود جميعهم المعنى لاختلافهم في العطف. قوله: "وقد نقل ابن عصفور اتفاق النحويين إلخ" أي: وإن كان هذا النقل غير مسلم لما مر في الشرح. قوله: "لمصاحبتها لها" أي: لبعضها وهو الواو. قوله: "مقتضى كلامه" أي: حيث قال الثانية في نحو: إلخ وهذا أولى مما ذكره البعض.
قوله: "لا بد من تكرارها" أي: إما لا بقيد كونها الثانية. قوله: "غثى من سميني" غثى من غثت الشاة غثا من باب ضرب أي: ضعفت. ويقال في الكلام الغث والسمين أي: الرديء والجيد، ولعل المعنى فأعرف بك الرديء والجيد مني لتبيينك لي الرديء وإبعادك لي عنه، والجيد وإعانتك لي عليه. ويوجد في بعض النسخ بين البيتين:
فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين
وروي مؤخرًا عنهما وهو المتجه. قال شيخنا: وهو ساقط من خط المؤلف ثم قال وأنشده
_________________
(١) البيتان من الوافر، وهما للمثقب العبدي في ديوانه ص٢١١، ٢١٢؛ والأزهية ص١٤٠، ١٤١؛ وخزانة الأدب ٧/ ٤٨٩، ١١/ ٨٠؛ والدرر ٦/ ١٢٩؛ وشرح اختيارات المفضل ص١٢٦٦، ١٢٦٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٩٠، ١٩١؛ ومغني اللبيب ١/ ٦١؛ وله أو لسحيم بن وثيل في المقاصد النحوية ١/ ١٩٢، ٤/ ١٤٩؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص٥٣٢؛ وجواهر الأدب ص٤١٥؛ والمقرب ١/ ٢٣٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٥.
[ ٣ / ١٦٢ ]
وأَوِل لكن نَفْيًا أو نَهْيًا ولا نِداء أو أَمْرًا أو إثْباتًا تَلا
ــ
وَإلا فاطَّرِحْنِي واتَّخِذْنِي عدُوًّا أَتَّقِيكَ وتَتَّقِينِي
وقد يستغنى عن الأولى بالثانية كقوله:
٨٧٣- تُلِمُّ بدار قَد تقَادَمَ عَهدُها وإمّا بأَمْوات أَلَمَّ خَيَلُها
أي: أما بدار. والفراء يقيس هذا فيجيز: زيد يقوم وإما يقعد، كما يجوز: أو يقعد. الرابع ليس من أقسام أما التي في قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾، بل هذه أن الشرطية وما الزائدة "وأول لكن نفيًا أو نهيًا" نحو: ما قام زيد لكن عمرو ولا تضرب زيدًا لكن عمرا.
تنبيه: يشترط لكونها عاطفة مع ذلك أن يكون معطوفها مفردًا، وأن لا تقترن بالواو كما مثل، وقد سبق ما في هذا الثاني. وهي حرف ابتداء إن سبقت بإيجاب نحو: قام زيد لكن عمرو لم يقم، ولا يجوز لكن عمرو خلافًا للكوفيين أو تلتها جملة. كقوله:
ــ
ابن دريد مع بيتين غير هذين:
لعمرك إنني وأبا رباح على طول التجاور منذ حين
ليبغضني وأبغضه وأيضًا يراني دونه وأراه دوني
فلو أنا على حجر إلخ، يريد أنهما لشدة العداوة لا يختلط دماؤهما، فلو ذبحا على حجر لافترق الدميان ا. هـ. ثم رأيت في الفارضي في باب النسب أن العرب تقول: إن دم المتباغضين لا يجتمع ا. هـ. قوله: "وقد يستغنى عن الأولى" أي: لفظًا لا تقديرًا دماميني. فقوله كما يجوز أو يقعد تشبيه في مطلق الجواز إذ لا يحتاج إلى تقدير مع أو بخلاف إما، ثم ذكر الدماميني أن ظاهر كلام بعضهم أن الفراء يجيز الاستغناء عن إما الأولى لفظًا وتقديرًا وإجراءها مجرى أو. قوله: "تلم" الضمير يرجع إلى النفس المذكورة في البيت قبله من ألم إذا نزل. وفي بعض النسخ تهاض بالبناء للمجهول من هاض العظم إذا كسره بعد جبره، وعهد الدار ما عهد فيها. قوله: "وقد سبق ما في هذا الثاني" أي: من الخلاف في شرح قوله وأتبعت لفظًا فحسب إلخ. قوله: "وهي إلخ" شروع في محترزات الشروط فكان الأولى التعبير بالفاء. قوله: "ولا يجوز لكن عمرو" أي: على أن عمرو معطوف كما في التوضيح، أما على أنه مبتدأ خبره محذوف فيجوز. قوله: "أو تلتها جملة" أي: أو سبقت بنفي، لكن تلتها جملة فلا ينافي أن المسبوقة بإيجاب لا يتلوها إلا الجملة.
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ملحق ديوانه ص١٩٠٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٩٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٤٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٠؛ وللفرزدق في ديوانه ٢/ ٧١؛ وشرح المفصل ٨/ ١٠٢؛ والمنصف ٣/ ١١٥؛ ولذي الرمة أو للفرزدق في خزانة الأدب ١١/ ٧٦، ٧٨؛ والدرر ٦/ ١٢٤؛ وبلا نسبة في الأزهية ص١٤٢؛ والجنى الداني ص٥٣٣؛ ورصف المباني ص١٠٢؛ ومغني اللبيب ١/ ٦١؛ والمقرب ١/ ١٣٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٥.
[ ٣ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٧٤- إنَّ ابنَ وَرْقاءَ لا تُخْشَى بَوادِرُه لكنْ وَقائِعُهُ في الحَرْبِ تُنْتَظَرُ
أو تلت واوًا نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، أي: ولكن كان رسول الله وليس المنصوب معطوفًا بالواو؛ لأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالإيجاب والسلب "ولا نداء أو أمرًا أو إثباتًا تلا" لا مبتدأ خبره تلا، ونداء وما بعده مفعول بتلا. وفي تلا ضمير هو فاعله يرجع إلى لا. والتقدير لا تلا نداء أو أمرًا أو إثباتًا، أي: للعطف بلا شرطان: أحدهما إفراد معطوفها والثاني أن تسبق بأمر أو إثبات اتفاقًا نحو: اضرب زيدًا لا عمرًا وجائني زيد لا عمرو، أو بنداء خلافًا لابن سعدان نحو: يابن أخي لا ابن عمي قال السهيلي: وأن لا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر فلا يجوز: جاءني زيد لا رجل وعكسه،
ــ
قوله: "ورقاء" اسم رجل، بوادره جمع بادرة وهي الحدة. تصريح.
قوله: "أي: ولكن كان رسول الله إلخ" حاصله أن لكن حرف استدراك لا عاطفة والواو هي العاطفة لجملة حذف بعضها على جملة وهذا مذهب المصنف وتقدم في الشرح بقية الأقوال. وقد يستشكل العطف بأن قضية كون لكن حرف ابتداء استئناف الجملة بعدها لا عطفها بالواو، ويجاب بأن المراد بكونها حرف ابتداء أنها غير عاطفة للجملة فلا ينافي عطفها بغيرها أفاده سم. قوله: "لأن متعاطفي الواو المفردين إلخ" بخلاف الجملتين فيجوز تخالفهما في ذلك نحو: قام زيد ولم يقم عمرو، وقد يقال محل عدم اختلاف متعاطفي الواو إيجابًا وسلبًا إذا لم يصحبها ما يقتضي الاختلاف كلكن فتأمل. قوله: "أي: للعطف بلا إلخ" فيه مسامحة فإن الشرط الأول لا يفيده كلام المصنف. قوله: "شرطان" بقي شرط ثالث وهو: أن لا تقترن بعاطف فإذا قيل: جاءني زيد لا بل عمرو فالعاطف بل ولا رد لما قبلها وليست عاطفة وإذا قلت ما جاءني زيد ولا عمرو فالعاطف الواو ولا تأكيد للنفي. وفي هذا المثال مانع آخر من العطف وهو تقدم النفي وقد اجتمعا في ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ . مغني. قوله: "إفراد معطوفها" أي: ولو تأويلًا فيجوز: قلت زيد قائم لا زيد قاعد أخذًا من قول الهمع ولا يعطف بها جملة لا محل لها في الأصح.
قوله: "وأن لا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر" قال البعض: هو ظاهر فيما إذا كان المتناول والأعم الثاني لا الأول ا. هـ. ولك أن تقول جوازا: جاءني رجل لا زيد إذا جعلت لا بمعنى غير صفة لرجل لا إذا كانت عاطفة كما هو فرض الكلام، وقد علل الفارضي وغيره عدم جواز جاءني زيد لا رجل وعكسه بأن الرجل يصدق بزيد فيلزم التناقض. لا يقال المراد بالرجل غير زيد بقرينة العطف المقتضي للمغايرة فلا تناقض؛ لأنا نقول المغايرة التي يقتضيها العطف صادقة بالمغايرة الجزئية كالمغايرة التي بين العام والخاص والمطلق والمقيد فالتناقض غير منتف بحسب
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص٣٠٦؛ والجني الداني ص٥٨٩؛ والدرر ٦/ ١٤٤؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٧؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠٣؛ واللمع ص١٨٠؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٩٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٧٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٨٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٧.
[ ٣ / ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويجوز جاءني رجل لا امرأة. وقال الزجاجي: وأن لا يكون المعطوف عليه معمول فعل ماض فلا يجوز: جاءني زيد لا عمرو، ويرده قوله:
٨٧٥- كَأَنَّ دِثارًا حَلَّقَتْ بِلَبُونِه عُقابُ تَنُوفَى لا عُقَابُ القواعِلِ
تنبيهات: الأول في معنى الأمر الدعاء والتحضيض. الثاني: أجاز الفراء العطف بها على اسم لعل كما يعطف بها على اسم أن نحو: لعل زيدًا لا عمرًا قائم. الثالث: فائدة العطف بها قصر الحكم على ما قبلها إما قصر إفراد كقولك: زيد كاتب لا شاعر ردا على
ــ
مدلول اللفظ، وكالمثالين المذكورين في الامتناع: قام زيد لا الناس وقام الناس لا زيد. نعم قال: التقى السبكي كما حكاه عنه ولده في شرح التلخيص يخطر لي جواز: قام الناس لا زيد إن أريد إخراج زيد من الناس على وجه الاستثناء، لكن لم أر أحدًا من النحاة عدلًا من حروف الاستثناء فاعرف ذلك.
قوله: "وقال الزجاجي وأن لا يكون إلخ" علل بأن العامل يقدر بعد العاطف ولا يصح أن يقال: لا جاء عمرو إلا على الدعاء ورد بأنه لو توقف صحة العطف على تقدير العامل بعد العاطف لامتنع ليس زيدًا قائمًا ولا قاعدًا ذكره البعض، ثم رأيته في المغني أي: لمنع لا من تقدير ليس بعد الواو. قوله: "كأن دثارًا إلخ" دثار بكسر الدال المهملة وفتح المثلثة اسم راع واللبون النوق ذات اللبن، وحلقت ذهبت وتنوفى بفتح الفوقية وضم النون وفتح الفاء جبل عال. والقواعل بالقاف ثم العين المهملة الجبال الصغيرة وكني بذلك عن عدم عود هذه اللبون.
قوله: "الدعاء" نحو: رحم الله أبا بكر لا أبا جهل وقوله والتحضيض نحو: هلا تضرب زيدًا لا عمرًا، قال ذلك أبو حيان وخالفه الرضي فقال: لا تجيء لا بعد الاستفهام والعرض والتمني والتحضيض ونحو: ذلك ولا بعد النهي ولا يعطف بها الاسمية ولا الماضي، فلا يقال: قام زيد لأقعد؛ لأنها موضوعة لعطف المفردات، وإنما جاز على قلة عطفها المضارع لمضارعته الاسم، ولا يجوز تكريرها كسائر حروف العطف. لا يقال: قام زيد لا عمرو ولا بكر كما تقول: قام زيد وعمرو وبكر، بل لو قصدت ذلك أدخلت الواو في المكرر، وكانت هي العاطفة ولا تأكيد لكنه قال في الكلام على بل قبل لا تجيء بل بعد التحضيض والتمني والترجي والعرض، والأولى أن يجوز استعمالها بعد ما يفيد معنى الأمر والنهي كالتحضيض والعرض ا. هـ. والظاهر أن العرض كالتحضيض عند أبي حيان، ثم القلب إلى جواز مجيء لا بعد الاستفهام أميل نحو: أقام زيد لا عمرو. قوله: "إما قصر إفراد إلخ" لم يذكر قصر التعيين مع أنها تكون له نحو: زيد كاتب لا
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٩٤؛ وجمهرة اللغة ص٩٤٩؛ والجنى الداني ص٢٩٥؛ وخزانة الأدب ١١/ ١٧٧، ١٧٨، ١٨١، ١٨٤؛ والخصائص ٣/ ١٩١؛ وشرح التصريح ٢/ ١٥٠؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٤٤١، ٢/ ٦١٦؛ ولسان العرب ٨/ ٣٤٢ "ملع"؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٤٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٤؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٨٨؛ ومجالس ثعلب ص٤٦٦؛ والممتع في التصريف ١/ ١٠٤.
[ ٣ / ١٦٥ ]
وبل كلكِنْ بعد مصحُوبَيْها كَلَمْ أكنْ في مَرْبعِ بل تَيْها
وانقل بها للثانِ حكمَ الأوَّلِ في الخبر المثبَتِ والأمر الجَلِي
_________________
(١) من يعتقد أنه كانت وشاعر، وإما قصر قلب كقولك: زيد عالم لا جاهل ردا على من يعتقد أنه جاهل. الرابع أنه قد يحذف المعطوف عليه بلا نحو: أعطيتك لا لتظلم أي: لتعديل لا لتظلم "وبل كلكن" في تقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها "بعد مصحوبيها" أي: مصحوبي لكن وهما النفي والنهي "كلم أكن في مربع تيها" المربع منزل الربيع، والتيهاء الأرض التي لا يهتدى بها، ونحو: لا تضرب زيدًا بل عمرًا "وانقل بها للثان حكم الأول" فيصير كالمسكوت عنه "في الخبر المثبت والأمر الجلي" كقام زيد بل عمرو وليقم زيد بل عمرو. وأجاز المبرد وعبد الوارث ذلك مع النفي والنهي فتكون ناقلة شاعر للمتردد في أي: الوصفين ثابت لزيد مع علمه بثبوت أحدهما لا على التعيين. قوله: "كقولك زيد كاتب لا شاعر" في تمثيله لقصر الإفراد بما ذكر ولقصر القلب بقولك: زيد عالم لا جاهل إشارة إلى ما قالوه من اشتراط إمكان اجتماع الوصفين في قصر الإفراد دون قصر القلب. قوله: "قد يحذف المعطوف عليه بلا إلخ" قال شيخنا: كان الأولى تأخيره إلى قول الناظم: وحذف متبوع بدا هنا استبح قوله: "وبل كلكن" اعترض بأنه إحالة على مجهول؛ لأنه لم يذكر أولًا معنى لكن وأجيب بأن وجه الشبه الذي ذكره الشارح مشهور في لكن فالإحالة على مشهور بين النحاة. قوله: "في تقرير إلخ" أي: تثبيته في ذهن السامع والحاصل أنها مع النفي والنهي تفيد أمرين: تأكيدي وهو تقرير ما قبلها وتأسيسي وهو إثبات نقيضه لما بعدها، ومع الخبر المثبت والأمر أمرين تأسيسين إزالة الحكم عما قبلها بحيث صار كالمسكوت عنه وجعله لما بعدها. قال الشمني: قال الرضي: وظاهر كلام الأندلسي وهو الظاهر أنها بعد النفي والنهي أيضًا تصير الحكم الأول كالمسكوت عنه ا. هـ. وفي كون هذا هو الظاهر نظر، وقد عد في المعنى من الأمور التي اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها قولهم بل حرف إضراب، قال وصوابه حرف استدراك وإضراب فإنها بعد النفي والنهي بمنزلة لكن سواء ا. هـ. قوله: "للثان" حذف ياؤه للضرورة. قوله: "فيصير" بالنصب بأن مضمرة في جواب الأمر وقوله: كالمسكوت عنه أي: أصالة وإن صار مسكوتًا عنه لعارض الإضراب فصح الإتيان بالكاف. ومعنى كون زيد في قولك: قام زيد بل عمرو كالمسكوت عنه صيرورته كأنه لم يثبت له قيام ولم ينف عنه. قوله: "والأمر الجلي" أي: الظاهر واحترز به عن العرض والتحضيض كما في الغزي ومر خلافه عن الرضي. قوله: "ذلك" أي: النفل. قوله: "وعلى ذلك" أي: الجواز المذكور. وقوله بل قاعدًا أي: بالنصب على معنى بل ما هو قاعدًا. وأورد على المبرد وعبد الوارث أنه يلزمهما أن ما لا تعمل في قائمًا شيئًا؛ لأن شرط عملها بقاء النفي في المعمول وقد انتقل عنه. وأجيب بأن انتقاضه بعد مضي العمل لا يضر قياسًا على النصب بعد فاء السببية أو واو المعية الواقعين بعد
[ ٣ / ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لمعناها إلى ما بعدها، وعلى ذلك فيصح ما زيد قائمًا بل قاعدًا وبل قاعد، ويختلف المعنى. قال الناظم: وما جوزاه مخالف لاستعمال العرب: ومنع الكوفيون أن يعطف بها بعد غير النفي وشبهه ومنعهم ذلك مع سعة روايتهم دليل على قلته. ولا بد لكونها عاطفة من إفراد معطوفها كما رأيت، فإن تلاها جملة كانت حرف ابتداء لا عاطفة على الصحيح. وتفيد حينئذ إضرابًا عما قبلها إما على جهة الإبطال نحو: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، أي: بل هم عباد ونحو: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠]، وإما على جهة الانتقال من غرض إلى آخر نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٤]، ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: ٦٢]، وادعى الناظم في شرح الكافية أنها لا تكون في القرآن إلا على هذا الوجه، والصواب ما تقدم. تنبيهان: الأول لا يعطف ببل بعد الاستفهام؛ فلا يقال أضربت زيدًا بل عمرًا ولا نحوه. الثاني: تزاد قبلها لا لتوكيد الإضراب عن جعل الحكم للأول بعد الإيجاب كقوله: النفي المنتقض بعدهما نحو: وما أصاحب من قوم فأذكرهم إلا يزيدهم حبا إليّ هم قوله: "وبل قاعد" أي: على أن قاعد خبر مبتدأ محذوف أي: بل هو قاعد. قوله: "ويختلف المعنى" لأن النصب يقتضي انتفاء القعود والرفع يقتضي ثبوته. قوله: "ومنع الكوفيون إلخ" تورك على النظم بأنه يوهم كثرة العطف ببل في الخبر المثبت والأمر الجلي؛ لأنه ذكره مع العطف بها بعد النفي والنهي من غير تفصيل فتأمل. قوله: "وشبهه" هو النهي. قوله: "وتفيد حينئذٍ" أي: حين إذ تلاها جملة وكلامه يفيد أنها في حال عطفها المفرد ليست للإضراب. قال شيخنا: وفي شرح الفارضي خلافه ا. هـ. وفي المغني أنها للإضراب في الأمر والإيجاب. قوله: "نحو: وقالوا ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَه﴾ إلخ" أي: فبل في نحو ذلك للإضراب الإبطالي بناء على المضرب عنه المقول بالميم، أما إذا كان المضرب عنه القول فالإضراب انتقالي إذ الإخبار بصدور ذلك منهم ثابت لا يتطرق إليه الإبطال. قوله: "والصواب ما تقدم" أجيب عن الناظم بحمل كلامه على أنها لا تكون في القرآن بيقين إلا على وجه الانتقال، والآيتان الأوليان ليست بل فيهما للإضراب الإبطالي بيقين لاحتمال أنها للإضراب عن القول فتكون انتقالية كما مر. قوله: "الأول إلخ" هذا التنبيه يستفاد من النظم. قوله: "لا يعطف ببل" مثلها لكن ولا على ما مر. قوله: "ولا نحوه" بالرفع أي: نحو: هذا التركيب نحو: هل ضربت زيدًا بل عمرًا. قوله: "تزاد قبلها لا" المراد بزيادتها كونها لا للعطف ولا لنفي ما بعدها كما قاله الشمني فلا ينافي أنها نافية للإيجاب قبلها. قوله: "لتوكيد الإضراب عن جعل الحكم للأول بعد الإيجاب" اعلم أن لا بعد
[ ٣ / ١٦٧ ]
وإنْ عَلى ضَميرِ رَفع متَّصل عَطَفْتَ فافصِل بالضميرِ المنفَصِل
_________________
(١) وَجْهُكَ البَدْرُ لا بَلِ الشَّمْسُ لو لم يُقْضَ للشَّمْسِ كَسْفَة أو أَفُولُ ولتوكيد تقرير ما قبلها بعد النفي، ومنع ابن درستويه زيادتها بعد النفي وليس بشيء كقوله:
(٢) وما هَجَرْتُكِ لا بَل زَادَنِي شَغَفًا هجْرٌ وبُعْدٌ تَراخَى لا إلى أجَلِ "وإن على ضمير رفع متصل" مستترًا كان أو بارزًا "عطفت فافصل بالضمير المنفصل" نحو: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٤]، "أو فاصل ما" إما بين العاطف والمعطوف عليه، وإما بين العاطف والمعطوف كالمفعول به في نحو: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ [الرعد: ٢٣] ولا في نحو: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقد ــ الإيجاب لنفي الإيجاب الذي قبلها وصيرورته نصا في النفي بعد صيرورته بحرف الإضراب لولاها كالمسكوت عنه يحتمل النفي وغيره، وعليه فلا يظهر قول الشارح لتوكيد الإضراب، إذ ليس ما أفادته معنى تأكيديا بل ذلك معنى تأسيسي أفاده الدماميني، وقوله: عن جعل متعلق بالإضراب، وقوله: بعد الإيجاب متعلق بتزاد ومثله قوله: الآتي بعد النفي. ومقتضى جعله بل في قوله: بل الشمس للإضراب، الذي قدم أنه مفاد بل الداخلة على جملة أنها في قوله: بل الشمس داخلة على جملة، أي: بل هو الشمس وليس بلازم كما يفيده ما مر عن شرح الفارضي والمغني، ولك منع الاقتضاء بحمل قوله سابقًا وتفيد حينئذٍ إضرابًا، على معنى أنها إذا تلاها جملة لا تكون إلا للإضراب بخلاف ما إذا تلاها مفرد فإنها للإضراب في الأمر والإيجاب دون النفي والنهي فافهم. قوله: "كسفة أو أفول" الكسفة التغير إلى سواد والأفول الغيبوبة. قوله: "ضمير" قيد أول ولم يأخذ الشارح محترزه لظهوره. قوله: "فافصل بالضمير المنفصل" أي: لأن المتصل المرفوع كالجزء مما اتصل به، فلو عطف عليه كان كالعطف على جزء الكلمة، فإذا أكد بالمنفصل دل إفراده مما اتصل به بالتأكيد على انفصاله فحصل له نوع استقلال، ولم يجعل العطف على هذا التوكيد؛ لأن المعطوف في حكم المعطوف عليه فكان يلزم كون المعطوف تأكيدًا للمتصل وهو باطل. قوله: "أو فاصل ما" قال الشيخ خالد: ما اسم نكرة في موضع جر نعت لفاصل بمعنى أي: فاصل كان، وجوز المكودي أن تكون ما زائدة ا. هـ. وإنما اكتفى بأي فاصل؛ لأن فصل الكلام قد يغني عما هو واجب نحو: أتى القاضي بنت الواقف؛ فلأن يغني عما هو غير واجب أولى. قوله:
(٣) البيت من الخفيف، وهو بلا نسبة في الدرر ٦/ ١٣٥؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٨؛ ومغني اللبيب ٢/ ١١٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٦.
(٤) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في الدرر ٦/ ١٣٨؛ وشرح التصريح ٢/ ١٤٨؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤٨؛ ومغني اللبيب ١/ ١١٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٦.
[ ٣ / ١٦٨ ]
أو فاصِل ما وَبِلا فَصْل يَرِدْ في النَّظْم فاشِيا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
وعودُ حافِض لدى عطف على ضمير خفض لازمًا قد جُعلا
ــ
اجتمع الفصلان في: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] "وبلا فصل يرد في النظم فاشيًا وضعفه اعتقد" من ذلك قوله:
٨٧٨- وَرَجَا الأُخَيطِلُ من سَفاهَةِ رَأْيِهِ ما لم يكن وَأَبٌ له ليَنَالا
وقوله:
٨٧٩- قلتُ إذ أَقْبلت وَزُهْرٌ تَهادَى كَنِعاجِ الفَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلًا
وهو على ضعفه جائز في السعة نص عليه الناظم لما حكاه سيبويه من قول بعض العرب مررت برجل سواء والعدم، برفع العدم عطفًا على الضمير المستتر في سواء؛ لأنه مؤول بمشتق أي: مستو هو والعدم وليس بينهما فصل "وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازمًا قد جعلا" في غير الضرورة وعليه جمهور البصريين نحو: ﴿فَقَالَ لَهَا
ــ
"وضعفه اعتقد" أي: على مذهب البصريين وأجازه الكوفيون بلا ضعف قياسًا على البدل نحو: أعجبتني جمالك. والفرق على الأول أن الثاني في العطف غير الأول غالبًا، فلا بد من تقوية الأول بخلاف البدل. وكالبدل التأكيد إلا النفس والعين كما مر في محله. قوله: "ورجا الأخيطل" تصغير الأخطل. ومن في قوله من سفاهة رأيه تعليلية، وما مفعول رجا واللام في قوله: لينًا لا لام الجحود وألفه للتثنية. قوله: "وزهر" أي: ونسوة زهر كحمر جمع زهراء. وأصل تهادى تتهادى أي: تتبختر فحذفت إحدى التاءين والفلا اسم جنس جمعي للفلاة وهي الصحراء. والمراد بنعاج الفلا بقر الوحش تعسفن أي: أخذن على غير الطريق رملًا أي: في رمل وقيد بقوله تعسفن إلخ؛ لأنه أقوى في التبختر.
قوله: "وعود خافض" شامل للحرفي والاسمي، لكن لا يعاد الاسمي إلا إذا لم يلبس فإن ألبس نحو: جاءني غلامك وغلام زيد وأنت تريد غلامًا واحدًا مشتركًا بينهما لم يجز نعم يجوز إذا قامت قرينة تدل على المقصود، والذي ارتضاه الدماميني أن المعطوف الجار والمجرور على الجار والمجرور لا المجرور فقط على المجرور كما استظهره الرضي؛ لئلا يلزم إلغاء الجار واتصال الضمير بغير عامله في نحو: المال بيني وبينك ومررت بك وبه وكلاهما محذور راجع حاشية شيخنا. قوله: "وعليه" أي: اللزوم جمهور البصريين؛ لأن الجار والضمير المجرور كالشيء
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو لجرير في ديوانه ص٥٧؛ والدرر ٦/ ١٤٩؛ وشرح التصريح ٢/ ١٥١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٦٠؛ وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٧٦؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٩٠؛ والمقرب ١/ ٢٣٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٨.
(٢) البيت من الخفيف، وهو لعمر بن أبي ربيعة في ملحق ديوانه ص٤٩٨؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٠١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٥٨؛ وشرح المفصل ٣/ ٧٦؛ واللمع ص١٨٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٦١؛ وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٧٩؛ والخصائص ٢/ ٣٨٦؛ وشرح ابن عقيل ص٥٠١؛ والكتاب ٢/ ٣٧٩.
[ ٣ / ١٦٩ ]
وَليْسَ عِندِي لازِمًا إذْ قد أَتَى في النَّظْم والنثر الصحيح مُثْبِتا
ــ
وَلِلأَرْضِ﴾ [فصلت: ١١]، ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، قال الناظم: "وليس" عود الخافض "عندي لازمًا" وفاقًا ليونس والأخفش والكوفيين "إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتًا" فمن النظم قوله:
٨٨٠- فاذهبْ فما بك والأيامِ من عَجبِ
وقوله:
٨٨١- وما بينها والكعْبِ غَوطٌ نفَانِفُ
ــ
الواحد فإذا عطف بدون الجار فكأنه عطف على بعض الكلمة، وقيل غير ذلك كما بينه شيخنا. قوله: "وليس عندي لازمًا" اختاره أبو حيان وقال: ينبغي أن يقيد جواز العطف على الضمير المجرور بلا إعادة الجار بأن يكون الحرف ليس مختصا بجر الضمير احترازًا من الضمير المجرور بلولا على مذهب سيبويه، فإنه لا يجوز عطف الظاهر عليه بالجر أي: لا بإعادة الجار ولا بدونها أي: ولا عطف الضمير عليه إلا بإعادة الجار، فلو رفعت على توهم أنك قد نطقت بالضمير مرفوعًا ففي جوازه نظر ا. هـ. دماميني. قوله: " فاذهب إلخ" جواب شرط محذوف أي: إذا كنت فعلت الهجو والشتم المذكورين في صدر البيت أعني قوله:
فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا
فاذهب فإن ذلك ليس بعجيب من مثلك ومثل هذه الأيام. قوله: "وما بينها إلخ" صدره:
نعلق في مثل السواري سيوفنا
روي نعلق بنون المتكلم ومعه غيره مبنيا للفاعل، وسيوفنا بالنصب على المفعولية، وروي تعلق بتاء التأنيث مبنيا للمجهول وسيوفنا بالرفع على النيابة عن الفاعل، والسواري جمع سارية وهي الأسطوانة والواو في وما حالية وما مبتدأ خبره، غوط جمع غائط وهو المكان المطمئن الواسع وكني بذلك عن طول القامة، ونفانف صفته جمع نفنف وهو الهواء بين الشيئين ويقال للهواء
_________________
(١) صدره: فاليوم قرَّبْت تهجونا وتشتِمُنا والبيت من البسيط، وهو بلا نسبة في الإنصاف ص٤٦٤؛ وخزانة الأدب ٥/ ١٢٣، ١٢٦، ١٢٨، ١٢٩، ١٣١؛ والدرر ٢/ ٨١، ٦/ ١٥١؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٠٧؛ وشرح ابن عقيل ص٥٠٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٦٢؛ وشرح المفصل ٣/ ٧٨، ٧٩؛ والكتاب ٢/ ٣٩٢؛ واللمع في العربية ص١٨٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٦٣؛ والمقرب ١/ ٢٣٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٩.
(٢) صدره: نُعلِّق في مثل السَّواري سُيوفَنَا والبيت من الطويل، وهو لمسكين الدارمي في ديوانه ص٥٣ "وفيه نتائف بدل نفانف"؛ والحيوان ٦/ ٤٩٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٦٤؛ وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٦٥؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٦٣؛ وشرح المفصل ٣/ ٧٩؛ ولسان العرب ٧/ ٣٦٥ "غوط".
[ ٣ / ١٧٠ ]
والفاء قد تُحذَف مع ما عَطَفَت والواو لا لَبْسَ وهي انْفَرَدَتْ
_________________
(١) وهو كثير في الشعر. ومن النثر قراءة ابن عباس والحسن وغيرهما: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، وحكاية قطرب ما فيها غيره وفرسه قيل ومنه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، إذ ليس العطف على السبيل؛ لأنه صلة المصدر وقد عطف عليه كفر ولا يعطف على المصدر حتى تكمل معمولاته. تنبيهان: الأول في المسلة مذهب ثالث وهو أنه إذا أكد الضمير جاز نحو: مررت بك أنت وزيد، وهو مذهب الجرمي والزيادي. وحاصل كلام الفراء فإنه أجاز مررت به نفسه وزيد، ومررت بهم كلهم وزيد. الثاني أفهم كلامه جواز العطف على الضمير المنفصل مطلقًا، وعلى المتصل المنصوب بلا شرط نحو: أنا وزيد قائمان، وإياك والأسد، ونحو: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]، "والفاء قد تحذف مع ما عطفت الشديد كذا في العيني، ومثل السواري صفة لمحذوف أي: في قامات مثل السواري طولًا، ومراده بالكعب كعب حامل تلك السيوف هكذا يظهر. قوله: "وغيرهما" كحمزة من السبعة. قوله: "تساءلون به" قال شيخنا بتخفيف السين ا. هـ. وأما ما قيل إن الواو للقسم لا للعطف فعدول عن الظاهر مع أنه إن كان قسم الطلب في قوله: واتقوا الله، ورد عليه أن قسم السؤال إنما يكون بالباء كما قاله الرضي وغيره وإن كان قسم خبر محذوف تقديره والأرحام أنه لمطلع على ما تفعلون، كما قيل كان زيادة في التكلف. قوله: "قيل ومنه إلخ" وقيل خفض المسجد بباء محذوفة لدلالة ما قبلها عليها لا بالعطف فيكون مجموع الجار والمجرور معطوفًا على به وصوبه في المغني وكذا يقال في مثل هذه الآية. وأورد عليه أن حذف الجار وبقاء عمله شاذ إلا في مواضع تقدمت في حروف الجر ليس هذا منها، اللهم إلا أن يقال محل المنع إذا حذف غير تال لعاطف مسبوق بمثال الجار. قوله: "لأنه" أي: السبيل صلة المصدر أي: فكذا ما عطف على السبيل. قوله: "حتى تكمل معمولاته" لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي. قوله: "إذا أكد الضمير جاز" أي: قياسًا على العطف على ضمير الفاعل إذا أكد، والجامع شدة الاتصال بما يتصلان به، وفرق الأول بأوجه: منها أن الضمير المجرور أشد اتصالًا من ضمير الفاعل بدليل أن ضمير الفاعل قد يجعل منفصلًا عند إرادة الحصر ويفصل بينه وبين الفعل، ولا يمكن الفصل بين الضمير المجرور وعامله كما ذكره السيوطي فلم يؤثر توكيده جواز العطف. قوله: "جواز العطف على الضمير المنفصل إلخ" أي: لأن كلا من المذكورين ليس كالجزء فأجري مجرى الظاهر وقوله مطلقًا أي: مرفوعًا كان أو منصوبًا. قوله: "والفاء قد تحذف إلخ" هذه الأبيات الثلاثة كلام يتعلق بحروف العطف فكان ينبغي أن تذكر قبل ذكر أحكام المعطوف، وأن تكون إلى جانب قوله واخصص بفاء البيت ا. هـ. نكت. قوله: "إذ لا لبس" أي: وقت عدم اللبس فإذ ظرفية لا تعليلية كما يشير إليه قول الشارح هو قيد فيهما.
[ ٣ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والواو إذ لا لبس" هو قيد فيهما، أي: تختص الفاء والواو بجواز حذفهما مع معطوفهما لدليل مثاله في الفاء: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَت﴾، أي: فضرب فانفجرت وهذا الفعل المحذوف معطوف على فقلنا. ومثاله في الواو قوله:
٨٨٢- فما كان بيْنَ الخير لو جاء سالِمًا أبو حُجُرٍ إلا ليالٍ قلائِلُ
أي: بين الخير وبيني، وقولهم: راكب الناقة راكب الناقة طليحان أي: والناقة،
ومنه: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد.
تنبيهان: الأول أم تشاركهما في ذلك كما ذكره في التسهيل ومنه قوله:
٨٨٣- فما أدْرِي أَرُشْدٌ طِلابُها
أي: أم غي. وإنما لم يذكرها هنا لقلته فيها. الثاني قد يحذف العاطف وحده، ومنه
ــ
قوله: "أن اضرب إلخ" الصواب حذف أن أو إبدال، فانفجرت بفانبجست؛ لأن الآية التي فيها فانفجرت هكذا فقلنا: اضرب إلخ، والآية التي فيها أن هكذا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وقوله بعد في غالب النسخ معطوف على فقلنا: يدل على أنه أراد آية فقلنا: اضرب إلخ، فكان عليه أن يحذف أن ويقول فقلناك اضرب إلخ، وقد وجد ذلك في بعض النسخ. قوله: "أي: فضرب فانفجرت" قال البهاء السبكي: طوى ذكر فضرب هنا لسرعة الامتثال، حتى إن أثره وهو الانفجار لم يتأخر عن الأمر، ثم قيل فضرب كله محذوف. وقال ابن عصفور: حذف ضرب وفاء فانفجرت والفاء الباقية فاء فضرب ليكون على المحذوف دليل ببقاء بعضه. دماميني. قوله: "معطوف على فقلنا" فيه مسامحة ظاهرة. قوله: "بين الخبر" خبر كان مقدم وقوله: أبو حجر بضم الحاء والجيم. قوله: "طليحان" أي: ضعيفان فكون الخبر مثنى دليل على حذف المعطوف. ويحتمل أن يكون الأصل أحد طليحين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما قاله الموضح في شرح بانت سعاد وحينئذٍ لا شاهد فيه، لكن قال في المغني: هذا لا يتأتى في نحو: غلام زيد ضربتهما.
قوله: "أي: أم غي" إنما يلزم تقدير ما ذكر بناء على أن الهمزة دائمًا لا تكون إلا معادلة بين
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٢٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١٥٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٤٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٦٧؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٩٦.
(٢) تمامه: دعاني إليها القلب إني لأمره سَمِيع فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها والبيت من الطويل، وهو لأبي ذؤيب الهذلي في تخليص الشواهد ص١٤٠؛ وخزانة الأدب ١١/ ٢٥١؛ والدرر ٦/ ١٠٢؛ وشرح أشعار الهذليين ١/ ٤٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٥٥؛ وشرح شواهد المغني ص٢٦، ١٤٢؛ ومغني اللبيب ص١٣؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ٢/ ١٣٢.
[ ٣ / ١٧٢ ]
بِعَطْفِ عامِلٍ مُزالٍ قَدْ بَقِي مَعْمُولُهُ دَفْعًا لِوَهْمٍ اتُّقِي
ــ
قوله:
٨٨٤- كيفَ أصبحتَ كيف أمسيتَ مِمَّا يَغْرِسُ الوُدَّ في فؤادِ الكريمِ
أراد كيف أصبحت وكيف أمسيت. وفي الحديث: "تصدق رجل ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره" وحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع: أكلت خبزًا لحمًا تمرًا، أراد خبزًا ولحمًا وتمرًا، ولا يكون ذلك إلا في الواو وأو "وهي" أي: الواو "انفردت" من بين حروف العطف "بعطف عامل مزال" أي: محذوف "قد بقي معموله" مرفوعًا كان نحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩]، أي: وليسكن زوجك، أو منصوبًا نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] أي: وألفوا
ــ
شيئين إما مصرح بهما كما تقدم أو بأحدهما كالبيت فإن طلابها حاصل فلا يسأل عن حصوله وإنما يسأل هل هو رشد أو غي. وقد أسلفنا في مبحث أم تنظير ابن هشام في ذلك فتنبه. بقي أن الزمخشري أجاز حذف ما عطفت عليه أم فقال في أم كنتم شهداء: يجوز كون أم متصلة على أن الخطاب لليهود وحذف معادلها أي: أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء، وجوز ذلك الواحدي أيضًا، وقدر أبلغكم ما تنسبون إلى يعقوب من إيصاء بنيه باليهودية أم كنتم شهداء نقله في المغني وأقره. قوله: "قد يحذف العاطف وحده" أي: على قول الفارسي وابن عصفور ومنعه ابن جني والسهيلي. وإنما جاز حذف حرف الاستفهام اتفاقًا؛ لأن للاستفهام هيئة تخالف هيئة الإخبار. قوله: "ومنه قوله إلخ" خرج المانع الأمثلة على بدل الإضراب كما في الدماميني ويحتمل بعضها الاستئناف كالبيت.
قوله: "إلا في الواو وأو" كذا في نسخ وفي نسخ أخرى إسقاط قوله وأو والأولى هي الموافقة لقوله في التسهيل ويشاركها أي: الواو في ذلك أو، ومثله الدماميني بقول عمر رضي الله تعالى عنه: صلى رجل في إزار ورداء في إزار وقميص في إزار وقباء. وقال في المغني: حكى أبو الحسن: أعطه درهمًا درهمين ثلاثة، وخرج على إضمار أو ويحتمل البدل المذكور ا. هـ. قال الدماميني: وظاهره أن الفاء لا تشاركهما في ذلك وقد قيل في علمته النحو بابا بابا إن تقديره بابا فبابا، ويشهد لذلك قولهم: ادخلوا الأول فالأول. قوله: "بعطف عامل إلخ" أو رد عليه ابن هشام أن الفاء تعطف عاملًا حذف وبقي معموله نحو: اشتريته بدرهم فصاعدًا؛ لأن تقديره فذهب الثمن صاعدًا. قوله: "أي: وليسكن زوجك" فيه أن اجتماع حذف الفعل ولام الأمر شاذ فلا يحسن تخريج التنزيل عليه كذا في التصريح، قال سم ويمكن أن يقال: إن من قدر ذلك أراد بيان معنى المقدر لا نفسه أي: ويسكن والجملة حينئذٍ خبرية لفظًا إنشائية معنى. قوله: "تبوؤا الدار" أي
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٣٤؛ والخصائص ١/ ٢٩٠، ٢/ ٢٨٠؛ والدرر ٦/ ١٥٥؛ وديوان المعاني ٢/ ٢٢٥؛ ورصف المباني ص٤١٤؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٤١؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٤٠.
[ ٣ / ١٧٣ ]
وحَذْفَ مَتْبوع بدا هنا اسْتَبِح وعطفُكَ الفعْلَ على الفِعْلِ يَصِحّ
_________________
(١) الإيمان، أو مجرورًا نحو: ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة، أي: ولا كل سوداء. وإنما لم يجعل العطف فيهن على الموجود "دفعا لوهم اتقي" أي: حذر وهو أنه يلزم في الأول رفع فعل الأمر للاسم الظاهر، وفي الثاني كون الإيمان متبوأ وإنما يتبوأ المنزل، وفي الثالث العطف على معمولي عاملين. ولا يجوز في الثاني أن يكون الإيمان مفعولا معه لعدم الفائدة في تقييد الأنصار بمصاحبة الإيمان إذ هو أمر معلوم "وحذف متبوع" أي: معطوف عليه "بدا" أي: ظهر "هنا" أي: في هذا الموضع وهو العطف بالواو والفاء؛ لأن الكلام فيهما "استبح" كقول بعضهم: وبك وأهلًا وسهلًا جوابًا لمن قال له: مرحبًا بك، والتقدير ومرحبًا بك وأهلًا ونحو: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]، أي: أنهملكم فنضرب، ونحو: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سبأ: ٩]، أي: أعموا فلم يروا. وأما حذفه مع أو في قوله: نزلوها وأما تبوأ له فبمعنى هيأ له. قوله: "أي: وألفوا الإيمان" أي: فالعطف من عطف الجمل وجعله قوم من عطف المفردات بتضمين الفعل الأول معنى فعل يتسلط به على المعطوف أي: آثروا الدار والإيمان والوجهان في: وزججن الحواجب والعيونا قوله: "وهو أنه يلزم إلخ" كذا في التوضيح وفيه أن هذه اللوازم المذكورة متحققة على تقدير العطف على الموجود لا متوهمة حتى يقال دفعًا لوهم اتقى، بل كان المناسب إذا كان المراد هذا أن يقال دفعًا لأمر اتقى، إلا أن يقال المراد بالوهم الخطأ. قوله: "يلزم في الأول إلخ" قد يقال يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، ورب شيء يصح تبعًا ولا يصح استقلالًا ا. هـ. مغني فلا يشترط لصحة العطف صحة وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه. قوله: "متبوأ" أي: منزولًا. قوله: "على معمولي عاملين" مختلفين العاملان ما وكل والمعمولان بيضاء وشحمة. قوله: "في تقييد الأنصار" كذا في نسخ وهو الموافق لما عليه المفسرون من أن الآية واردة في الأنصار. وفي نسخ المهاجرين وهي غير موافقة إلا أن تقرأ بفتح الجيم أي: المهاجر إليهم. قوله: "وحذف متبوع بدا هنا استبح" لم يذكر ذلك مع أم وقد قيل في أم حسبتم أن تدخلوا الجنة إن أم متصلة فالتقدير: أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره أم حسبتم. ومر عن الزمخشري والواحدي تجويز ذلك في أم كنتم شهداء، وأسلف الشارح أن المعطوف عليه بلا قد يحذف نحو: أعطيتك لا لتظلم أي: لتعدل لا لتظلم. قوله: "وبك وأهلًا" الواو الأولى لعطف جميع الكلام على كلام المتكلم الأول كالواو في وعليكم السلام جوابًا لمن قال: السلام عليكم، والثانية لعطف أهلًا على مرحبًا المقدر عطف مفرد على مفرد وهي محل الاستشهاد كذا في التصريح، وقوله: والثانية إلخ مبني على أن العامل في الجميع واحد أي: صادفت كذا وكذا ومنهم من جعل ذلك من عطف الجمل وقدر لكل واحد ما يناسبه، وسيبويه يجعل مرحبًا وأهلًا منصوبين على
[ ٣ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٨٥- فَهَل لكَ أو من والِد لكَ قَبْلَنا
أي: فهل لك من أخ أو من والد فنادر.
تنبيهان: الأول قال في التسهيل: ويغني عن المعطوف عليه المعطوف بالواو كثيرًا وبالفاء قليلًا. الثاني: قال فيه أيضًا وقد يتقدم المعطوف بالواو وللضرورة. وقال في الكافية: ومتبع بالواو قد يقدم موسطًا أي: يلتزم ما يلزم. وظاهره جوازه في الاختيار على قلة. قال في شرحها قد يقع أي: المعطوف قبل المعطوف عليه إن لم يخرجه التقديم إلى التصدير أو إلى
ــ
المصدر نقل ذلك شيخنا عن الطبلاوي. قوله: "قال في التسهيل إلخ" تفصيل لما أجمله المتن دفع به توهم المساواة.
قوله: "وقد يتقدم المعطوف بالواو" خالف هشام في التخصيص بالواو وأجراه في الفاء وثم وأو ولا قاله السيوطي.
فائدة: فصل الواو والفاء من المعطوف بهما ضرورة وفصل غيرهما سائغ بقسم وظرف سواء كان المعطوف اسمًا نحو: قام زيد ثم والله عمرو وما ضربت زيدًا لكن في الدار عمرًا، أم فعلًا نحو: قام زيد ثم في الدار قعد أو بل والله قعد ا. هـ. همع. وألحق أبو حيان الحال بالظرف؛ لأنها مفعول فيه في المعنى وبنى عليه إعرابه أشد من قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، حالًا من ذكر المعطوف على كذكركم قال: لأن المعنى اذكروا الله ذكرًا كذكركم آباءكم أو ذكرًا أشد فأشد في الأصل صفة ذكرًا، فلما قدم عليه أعرب حالًا منه، وجوز وجهًا آخر وهو أن يكون ذكرًا مصدرًا لاذكروا، ويكون كذكركم آباءكم في موضع نصب على الحال من ذكرًا وأشد معطوف على كذكركم فتكون حالًا معطوفة على حال، وعدل كما قاله إلى هذين الوجهين عن كون ذكرًا تمييزًا لاقتضائه أن الذكر ذاكر، ومنهم من التزمه على الإسناد المجازي من وصف الشيء بوصف صاحبه نحو: جده أجد. وفي الكشاف أن أو أشد ذكرًا في موضع جر عطف على ضمير المخاطبين في كذكركم مثل ذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرًا، أو في موضع نصب عطف على آباءكم أي: أو أشد ذكرًا من آبائكم على أن ذكرًا من فعل المعلوم أو المجهول قال التفتازاني: وتحقيقه أن المصدر عبارة عن أن مع الفعل والفعل قد يؤخذ مبنيًا للفاعل، وقد يؤخذ مبنيا للمفعول، والمعنى على الأول أو قوم أشد ذاكرية، وعلى الثاني أو قوم أشد مذكورية واختار ابن الحاجب أن أشد ذكرًا حال من محذوف والعطف من عطف الجمل والتقدير: أو اذكروه حال كونكم أشد ذكرًا.
قوله: "للضرورة" تخصيصه بالضرورة مذهب البصريين ومذهب الكوفيين جوازه اختيارًا
_________________
(١) عجزه: يُوَسِّمُ أولادَ العِشارِ ويُفْضِلُ والبيت من الطويل، وهو لأمية بن أبي عائذ الهذلي في الدرر ٦/ ١٥٦؛ وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٥٣٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٧٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٢؛ وللهذلي في همع الهوامع ٢/ ١٤٠.
[ ٣ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مباشرة عامل لا يتصرف أو تقدم عليه ولذا قلت: موسطًا أن يلتزم ما يلزم، فلا يجوز وعمرو زيد قائمان لتصدر المعطوف وفوات توسطه، ولا ما أحسن وعمرًا زيدًا، ولا ما وعمرًا أحسن زيدًا لعدم تصرف العامل. ومثال التقديم الجائز قول ذي الرمة:
٨٨٦- كَأَنَّا عَلَى أولادِ أَحْقَبَ لاحَها وَرَمَى السَّفى أنْفاسَها بِسِهامِ
جَنوبٌ دوَتْ عنها التَّناهِي وأَنْزَلَتْ بها يومَ رَبَّابِ السَّفيرِ خِيامُ
أراد لاحها جنوب ورمى السفى. ومنه قول الآخر:
٨٨٧- وأنت غَرِيم لا أظنُّ قَضاءَهُ ولا العَنَزِيُّ القارِظُ الدَّهْرَ جائِيًا
ــ
بقلة. قوله: "إن لم يخرجه التقديم إلخ" أي: ولم يكن المعطوف مخفوضًا فلا يجوز: مررت وزيد بعمرو، ولم يكن العامل مما لا يستغنى بواحد فلا يقال اختصم وعمرو زيد خلافًا لثعلب كذا في السيوطي والدماميني. قوله: "أو تقدم عليه" عطف على مباشرة أي: أو يخرجه التقديم إلى تقدمه على عامل لا يتصرف كالمثال الأخير وفي نسخ أو التقدم عليه وهي ظاهرة. قوله: "وفوات توسطه" عطف لازم. قوله: "كأنا على أولاد" أي: حمر أولاد أحقب أي: أولاد فحل من الحمير أحقب أي: في موضع الحقيبة منه وهو مؤخره بياض لاحها بالحاء المهملة أي: غيرها. والسفي بفتح السين المهملة والفاء قال في القاموس: هو التراب، والهزال وكل شجر له شوك واحدته سفاة ا. هـ. والمعنى الأول والثالث يناسبان هنا. وأما قول البعض هو شوك مخصوص فمع كونه مخالفًا لما في القاموس هو غير مناسب لقوله بسهام؛ لأن معناه بشوك كالسهام كما قاله هو وسيأتي، أنفاسها أي: الأولاد على حذف مضاف أي: محل أنفاسها، بسهام متعلق برمي أي: بشوك كالسهام، جنوب فاعل لاحها والجنوب ريح معلومة. دوت بالدال المهملة قال في القاموس: دوي الماء أي: علاه ما تسفيه الريح ا. هـ. فقول البعض أي: جفت فيه نظر. وأما ذوي بالمعجمة ففي القاموس ذوي البقل كرمي ورضي ذويًا كصلى ذبل وأذواه الحر ا. هـ. عنها أي: عن الجنوب أي: من أجلها، التناهي فاعل ذوت وهي جمع تنهية وهي الموضع الذي ينتهي الماء إليه ويحبس فيه، وأنزلت بها أرجع البعض الضمير لأولاد أحقب وعليه فأنزلت عطف على لاحها ولعل المعنى عليه وحملت فوقها الخيام، ويحتمل رجوعه إلى الجنوب فتكون الباء في بها سببية. قال البعض: والمراد بيوم رباب السفير يوم شدة الحر ا. هـ. وفي القاموس الرباب كرمان وشداد الجماعة، وذكر للسفير معاني أنسبها هنا الرياح يسفر بعضها بعضًا. وفي البيت من عيوب القافية الإقواء.
قوله: "ومنه قول الآخر" قال بعضهم: هو من كلام ذي الرمة فكان الموافق الإتيان بالضمير
_________________
(١) البيتان من الطويل، وهما لذي الرمة في ديوانه ص١٠٧١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٨٣؛ والكتاب ٢/ ٩٩، ١٠٠؛ ولسان العرب ١٢/ ٢١٠ "سهم"؛ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص٨٦٢.
(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٤٧.
[ ٣ / ١٧٦ ]
واعْطِف على اسم شِبه فِعل فِعْلا وعكسًا استَعمِل تَجِده َسْهلا
_________________
(١) أراد لا أظن قضاءه جائيًا هو ولا العنزي "وعطفك الفعل على الفعل يصح" بشرط اتحاد زمانيهما سواء اتحد نوعهما نحو: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾ [الفرقان: ٤٩] ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] أم اختلفا نحو: قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ [الفرقان: ١٠] الآية "واعطف على اسم شبه فعل فعلا" نحو: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]، ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ﴾ العائد على ذي الرمة بدل التعبير بالآخر. قوله: "وأنت" بكسر التاء؛ لأن الخطاب لمحبوبته، والعنزي بفتح العين المهملة والنون بعدها زاي نسبة إلى عنزة قبيلة، وهو أحد رجلين خرجا يجنيان القرظ فلم يرجعا أصلًا فضرب بهما المثل. قوله: "وعطفك الفعل إلخ" قال ابن هشام: قال بعض الطلبة: لا يتصور لعطف الفعل على الفعل مثال؛ لأن نحو: قام زيد وقعد عمرو المعطوف فيه جملة لا فعل وكذا قام وقعد زيد؛ لأن في أحد الفعلين ضميرًا. قلت له: فإذا قلت: يعجبني أن تقوم وتخرج ولم تقم وتخرج ويعجبني أن يقوم زيد ويخرج عمرو فيا لها خجلة وقع فيها ا. هـ. سيوطي. ووجهه أن الفعل المعطوف منصوب أو مجزوم فلولا أن العطف للفعل وحده لم يتأت نصبه أو جزمه ا. هـ سم. قوله: "بشرط اتحاد زمانيهما" أي: مضيًا أو حالًا أو استقبالًا. قوله: "سواء اتحد نوعهما" أي: المتعاطفين بأن كانا ماضيين أو مضارعين أو أمرين. قوله: "نحو: يقدم قومه إلخ" فأوردهم معطوف على يقدم؛ لأنه بمعنى يوردهم كما قاله أبو البقاء. قال شيخ الإسلام زكريا: ويحتمل أن يكون أوردهم معطوفًا على اتبعوا أمر فرعون فلا اختلاف في اللفظ، ويرد عليه وإن أقره شيخنا والبعض أن زمني المتعاطفين حينئذٍ مختلفان لمضي زمن الاتباع واستقبال زمن الإيراد فلم يوجد شرط عطف الفعل على الفعل، إلا أن يراد بالنار ما يشمل نار القبر ومتباعدان جدا فلا وجه حينئذٍ للفاء فتدبر. ثم يحتمل أن يكون العطف في الآية من عطف الجملة على الجملة لا الفعل على الفعل وكذا في كثير من الأمثلة لكن لا يضر الاحتمال إذا كان المقصود التمثيل لا الاستشهاد. قوله: "تبارك الذي إلخ" الشاهد في ويجعل على قراءة الجزم عطفًا على جعل الذي هو في محل جزم. قوله: "فالمغيرات صبحًا" ظاهره أن أثرن معطوف على مغيرات وبه صرح في التصريح مع أنهم قالوا: إن المعطوفات إذا تكررت تكون على الأول على الأصح ويجاب بأن ذلك مقيد بما إذا لم يكن العاطف مرتبًا، فإن كان مرتبًا فالعطف على ما يليه، كما نقل عن الكمال ابن الهمام وإذا عطف بمرتب أشياء، ثم عطف بغير مرتب شيء فهو على ما يليه، كما يؤخذ من كلام المغني في أول الجملة الرابعة من الجمل التي لا محل لها، وينظر بكل تقدير محل أثرن من الإعراب، فإنه لا جائز أن يكون الجر لعدم دخوله الأفعال ولا جائز أن يكون غيره لعدم وجوده، إذ الفرض أنه معطوف على مجرور فقط إلا أن يقال محل قولهم الجر لا يدخل الأفعال إذا كان ذلك على
[ ٣ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العاديات: ٣] . لاتحاد جنس المتعاطفين في التأويل، إذ المعطوف في المثال الأول في تأويل المعطوف عليه وفي الثاني بالعكس "وعكسًا استعمل تجده سهلا" كقوله:
٨٨٨- أُمَّ صَبِيٍّ قَدْ حَبَى أو دَارِجِ
٨٨٩- يَقْصِدُ في أَسْوُقِهَا وجَائِرِ
ــ
سبيل الاستقلال أما على سبيل التبع كما هنا فيدخل، فإن قلت: صرحوا بأن الجملة الفعلية تقع في محل جر فلِمَ لم تكن جملة فأثرن في محل جر؟ قلت: الفرض أن المعطوف الفعل وحده كما صرحوا به لا الجملة بأسرها ا. هـ. دنوشري. وأجاب الإسقاطي بأن الذي يظهر أن أثرن لا محل له من الإعراب لعطفه على ما لا محل له وهو صلة أل، وما فيها من إعراب ليس بطريق الأصالة حتى يراعى في الفعل المعطوف بل بطريق العارية من أل الموصولة؛ لكونها على صورة الحرف نقلوا إعرابها إلى صلتها فجاز أن يعطف عليها ما لا محل له نظرًا لأصلها.
قوله: "إذ المعطوف في المثال الأول في تأويل المعطوف عليه" أي: لأن صافات حال والأصل في الحال الإفراد فيقبضن مؤول بقابضات، وهذا على سبيل الأولوية إذ يجوز كون المؤول هو المعطوف عليه، وكذا يقال في نظائره وفي الكلام حذف مضاف أي: في تأويل مثل المعطوف عليه، وكذا يقال فيما بعده. قوله: "وفي الثاني بالعكس" أي: لأن المعطوف عليه صلة وحقها أن تكون جملة فالمغيرات مؤول باللاتي أغرن. قوله: "أم صبي إلخ" صدره:
يا رب بيضاء من العواهج
جمع عوهج وهو الطويل العنق من الظباء والنعام والنوق، والمراد هنا المرأة التامة الخلق. ويجوز في أم الجر عطف بيان لبيضاء باعتبار اللفظ والرفع عطف بيان لبيضاء باعتبار المحل أو خبر محذوف، والنصب بتقدير أمدح والمؤول هو الأول؛ لأنه وصف والأصل فيه الإفراد على ما ارتضاه الشارح بعد وسيأتي ما فيه، والدارج المقارب بين خطاه وقد يشكل جر دارج مع عطفه على الفعل وحده إلا أن ينزل منزلة العطف على الجملة. قوله: "يقصد إلخ" صدره:
بات يعشيها بعضب باتر
ضمير يعشيها للمرأة؛ لأنه في وصف رجل يعاقب امرأته بالعضب الباتر أي: السيف القاطع.
_________________
(١) صدره: يا رب بيضاء من العَواهِج والرجز لجندب بن عمرو في خزانة الأدب ٤/ ٢٣٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٩٤؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٤١؛ وشرح التصريح ٢/ ١٥٢؛ ولسان العرب ٢/ ٣٣١ "كهج"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٧٣.
(٢) صدره: بات يُعَشِّيها بعَضْبٍ باتِرِ والرجز بلا نسبة في خزانة الأدب ٥/ ١٤٠، ١٤٣، وشرح ابن عقيل ص ٥٠٦؛ ولسان العرب ١١/ ٦٠٠، "كهل"، ١٥/ ٦٢ "عشا"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٧٤.
[ ٣ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجعل منه الناظم ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١]، وقدر الزمخشري عطف مخرج على فالق، وجعل ابن الناظم تبعًا لأصله المعطوف في البيتين في تأويل المعطوف عليه، والذي يظهر عكسه؛ لأنه المعطوف عليه وقع نعتًا والأصل فيه أن يكون اسمًا. خاتمة: في مسائل متفرقة: الأولى يشترط لصحة العطف صلاحية المعطوف أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل، فالأول نحو: قام زيد وعمرو، والثاني نحو: قام زيد وأنا، فإنه لا يصلح قام أنا ولكن يصلح قمت والتاء بمعنى أنا، فإن لم يصلح هو أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل، أضمر له عامل يلائمه وجعل من عطف الجمل، وذلك كالمعطوف على الضمير المرفوع بالمضارع ذي الهمزة أو النون أو تاء المخاطب أو بفعل الأمر نحو: أقوم أنا وزيد، ونقوم نحن وزيد، وتقوم أنت وزيد واسكن أنت وزوجك الجنة أي: وليسكن زوجك، وكذلك باقيها، وكذلك المضارع المفتتح بتاء التأنيث نحو: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قال الناظم: قال الشيخ أبو حيان: وما ذهب إليه مخالف لما تضافرت عليه نصوص النحويين والمعربين من أن زوجك معطوف على الضمير المستكن في اسكن المؤكد بأنت. الثانية لا يشترط في صحة العطف صحة وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه لصحة قام زيد وأنا وامتناع قام أنا وزيد. الثالثة: لا يشترط صحة تقدير العامل بعد العاطف لصحة اختصم زيد وعمرو وامتناع اختصم ويقصد من القصد ضد الجور في محل جر صفة ثانية لعضب في تأويل قاصد؛ لأنه وصف والأصل فيه الإفراد وجعله العيني حالًا ويرده جر المعطوف. والأسوق جمع ساق. قوله: "والذي يظهر عكسه إلخ" أقول هذا إنما يتم في البيت الثاني أما في الأول فلا؛ لأن ما علل به معارض بوجود قد في الأول بل وجودها فيه أقوى مما علل به؛ لأنها تبعد كون الفعل في تأويل الاسم، فالوجه أن المؤول في البيت الأول الثاني، وفي الثاني الأول فعليك بالإنصاف. قوله: "فإنه لا يصلح قام أنا" أي: هذا التركيب بعينه فلا يرد أنه يصلح أن يقال إنما قام أنا فأنا قد باشرت العامل. قوله: "من أن زوجك معطوف على الضمير المستكن في اسكن" أي: ويغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، وكذا يقال في بقية الأمثلة المتقدمة والبدل أيضًا على هذين القولين نحو: ادخلوا أولكم وآخركم، فيقدر عامل على الأول ويكون من إبدال الجمل بعضها من بعض ولا يحتاج إليه على الثاني. قوله: "لا يشترط في صحة العطف صحة وقوع المعطوف" أي: بنفسه وهذا مستفاد من قوله في المسألة الأولى، أو ما هو بمعناه فإنه يفيد أنه لا يشترط صحة وقوعه بنفسه هكذا ينبغي تقرير الاعتراض لا كما قرره البعض. قوله: "منعه البيانيون" قال السيد: منع
[ ٣ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيد واختصم عمرو. الرابعة: في عطف الخبر على الإنشاء وعكسه خلاف منعه البيانيون والناظم في شرح باب المفعول معه من كتاب التسهيل وابن عصفور في شرح الإيضاح، ونقله عن الأكثرين وأجازه الصفار تلميذ ابن عصفور وجماعة مستدلين بنحو: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]، في سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٧]، في سورة الصف. قال أبو حيان: وأجاز سيبويه جاءني زيد ومن عمرو والعاقلان على أن يكون العاقلان خبرًا لمحذوف، ويؤيده قوله: البيانيين إنما هو في الجمل التي لا محل لها بخلاف التي لها محل، فإن ذلك جائز فبها وكفاك حجة قاطعة على جوازه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وليس مختصا بالجمل المحكية بالقول إذ لا يشك من له مسكة في حسن قولك: زيد أبوه صالح وما أفسقه ووجه الجواز أن الجمل التي لها محل واقعة موقع المفردات، فليست النسب بين أجزائها مقصودة بالذات فلا التفات إلى اختلاف تلك النسب بالخبرية والإنشائية بخلاف ما لا محل لها ا. هـ. شمني. قوله: "وأجازه الصفار إلخ" قال البهاء السبكي: أهل البيان متفقون على منعه وكثير من النحاة جوزه ولا خلاف بين الفريقين؛ لأنه عند مجوزه يجوز لغة ولا يجوز بلاغة ا. هـ. شمني. وفيه عندي نظر وإن أقره شيخنا والبعض؛ لأن عدم جوازه بلاغة عند المجوزين ينافيه استدلالهم على جوازه بالآيتين فافهم. قوله: "بنحو: وبشر إلخ" أي: لأنه معطوف على أعدت للكافرين وهو خبر. وأجيب بأن الكلام منظور فيه إلى المعنى فكأنه قيل: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات فبشرهم بذلك. قوله: " ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في سورة الصف" أي: لأنه معطوف على نصر من الله وفتح قريب وهو خبر. وأجيب بأن بشر معطوف على تؤمنون بمعنى آمنوا ولا يقدح في ذلك تخالف الفاعلين بالإفراد وعدمه؛ لأنك تقول قوموا واقعد يا زيد. قوله: "على أن يكون العاقلان خبرًا لمحذوف" أي: لا على الاتباع لعدم شرطه من اتحاد المعنى والعمل كما مر، وعن الرضي منع جمع النعتين اتباعًا وقطعًا في مثل هذا كما في سم، ثم رأيت ما يؤيده في المغني وعبارته. وأما ما نقله أبو حيان عن سيبويه فغلط عليه، وإنما قال: واعلم أنه لا يجوز من عبد الله وهذا زيد الرجلين الصالحين رفعت أو نصبت؛ لأنك لا تثني إلا من أثبته وعلمته ولا يجوز أن تخلط من تعلم ومن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة. وقال الصفار: لما منعها سيبويه من جهة النعت علم أن زوال النعت يصححها فتصرف أبو حيان في كلام الصفار فوهم فيه، ولا حجة فيما ذكر الصفار إذ قد يكون للشيء مانعان ويقتصر على ذكر أحدهما؛ لأنه الذي اقتضاه المقام ا. هـ. والذي أوقع أبا حيان في الغلط توهمه أن مراد الصفار النعت الصناعي الذي هو تابع فصحح المسألة بجعل الوصف خبر مبتدأ محذوف وهذا غلط ظاهر، فإن سيبويه مصرح بامتناع المسألة مع الوصف المقطوع حيث قال: رفعت أو نصبت، وإنما مراد الصفار أن الوصف إذا زال بالكلية بأن قيل من عبد الله وهذا زيد كان التركيب جائزًا لفقد ما بنى سيبويه عليه المنع، فثبت حينئذٍ جواز عطف الخبر على الإنشاء، وجوابه قول المغني ولا حجة إلخ قاله الدماميني.
[ ٣ / ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٩٠- وإنَّ شِفائِي عَبْرَةٌ مُهَراقَةٌ وهل عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ من مُعَوَّلِ
وقوله:
٨٩١- تُناغِي غَزَالًا عِنْدَ دارِ ابْنِ عامِرٍ وكُحْلِ أَماقِيكِ الحِسانِ بإِثْمِدِ
الخامسة: في عطف الجملة الاسمية على الفعلية وبالعكس ثلاثة أقوال: أحدها الجواز مطلقًا وهو المفهوم من قول النحويين في نحو: قام زيد وعمرو أكرمته أن نصب عمرو أرجح؛ لأن تناسب الجملتين أولى من تخالفهما. والثاني المنع مطلقًا. والثالث: لأبي علي يجوز في الواو فقط. السادسة: في العطف على معمولي عاملين أجمعوا على جواز العطف على معمولي عامل واحد نحو: إن زيدًا ذاهب وعمرًا جالس، وعلى معمولات عامل واحد. نحو: أعلم زيدًا عمرًا بكرًا جالسًا، وأبو بكر خالدًا سعيدًا منطلقًا، وعلى منع العطف على معمول أكثر من عاملين نحو: إن زيدًا ضارب أبوه لعمرو وأخاك غلامه بكر. وأما معمولًا عاملين فإن لم يكن أحدهما جارًا؛ فقال الناظم هو ممتنع إجماعًا نحو: كان آكلًا
ــ
قوله: "عبرة" بالفتح الدمع مهراقة بفتح الهاء التي زادوها على غير قياس أي: مراقة والرسم الأثر والدارس المنمحي، والمعول مصدر ميمي بمعنى التعويل أي: البكاء برفع صوت أو اسم مكان أو اسم مفعول محذوف الصلة من عولت على فلان اعتمدت عليه، كذا في الشمني وبه يعرف ما في كلام البعض وبحث في الاستشهاد بالبيت بأن الاستفهام فيه إنكاري فهو خبر معنى وحينئذٍ لا شاهد فيه. قوله: "تناغي غزالًا" التاء للخطاب أي: تكلمه بما يسره. والأماقي جمع موق وهو طرف العين مما يلي الأنف. واللحاظ بفتح اللام طرفها مما يلي الأذن والإثمد بكسر الهمزة والميم حجر يكتحل به، وقد يقال كحل معطوف على أمر مقدر يدل عليه المعنى أي: فافعل كذا وكحل إلخ وحينئذٍ لا شاهد فيه. قوله: "مطلقًا" أي: بالواو وغيرها. قوله: "على معمول أكثر من عاملين" إضافة معمول إلى أكثر جنسية بدليل المثال فإن فيه العطف على ثلاث معمولات لثلاثة عوامل. قوله: "وأما معمولًا عاملين إلخ" الأصح في هذه المسألة ما ذهب إليه سيبويه من المنع مطلقًا لقيام العاطف مقام العامل، والحرف الواحد لا يقوى على قيامه مقام عاملين لضعفه. وما أوهم ذلك يؤول بتقدير عامل بعد العاطف فيكون إما من عطف الجمل كما في قولهم في الدار زيد
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٩؛ وخزانة الأدب ٣/ ٤٤٨؛ ٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ١١/ ٢٩٢؛ والدرر ٥/ ١٣٩؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٥٧، ٢٦٠؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٩؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٢؛ والكتاب ٢/ ١٤٢؛ ولسان العرب ١١/ ٤٨٥ "عول"، ٧٠٩ "هلل"؛ والمنصف ٣/ ٤٠؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٩/ ٢٧٤، ١١/ ٢٩؛ والدرر ٦/ ١٥٤؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٧٢؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٥٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٧، ١٤٠.
(٢) البيت من الطويل، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص ١٣٤؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٧٢، ٨٧٣؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ٢/ ٤٨٣.
[ ٣ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) طعامك عمرو وتمرك بكر وليس كذلك، بل نقل الفارسي الجواز مطلقًا عن جماعة، قيل منهم الأخفش وإن كان أحدهما جارًا فإن كان مؤخرًا نحو: زيد في الدار والحجرة عمرو أو وعمرو الحجرة فنقل المهدوي أنه ممتنع إجماعًا، وليس كذلك بل هو جائز عند من ذكرنا، وإن كان الجار مقدمًا نحو: في الدار زيد والحجرة عمرو أو وعمرو الحجرة فالمشهور عن سيبويه المنع، وبه قال المبرد وابن السراج وهشام، وعن الأخفش الإجازة وبه قال الكسائي والفراء والزجاج. وفصل قوم منهم الأعلم فقالوا: إن ولي المخفوض العاطف جاز وإلا امتنع. والله أعلم. والحجرة عمرو أو من عطف المفردات لكن لا من العطف على معمولي عاملين بل على معمولي عامل واحد كما في ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة بنصب تمرة وشحمة. بقي أنهم لم يتعرضوا للعطف على معمولات عاملين نحو: إن زيدًا ضارب عمرًا وبكرًا قاتل خالدًا ونحو: إن زيدًا ضارب أبوه عمرًا وأخاك غلامه بكرًا، والظاهر أنه كالعطف على معمولي عاملين فتأمل. فائدة: قال الرضي: كل ضمير راجع إلى المعطوف بالواو وحتى مع المعطوف عليه بطابقهما مطلقًا نحو: زيد وعمرو جاآني ومات الناس حتى الأنبياء وفنوا فالضمير للمعطوف والمعطوف عليه. وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، فالضمير للكنوز لدلالة يكنزون على الكنوز وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، أي: يرضوا أحدهما؛ لأن إرضاء أحدهما إرضاء للآخر ونحو: زيد وعمرو قام على حذف الخبر من الأول؛ لدلالة خبر الثاني أو العكس، ويجوز تخريج الآية الثانية على هذا الوجه باحتماليه، ويجوز تقديم الخبر نحو: زيد قام وعمرو على الحذف من الثاني لدلالة خبر الأول وفي الموضعين ليس المبتدأ وحده عطفًا على المبتدأ، إذ لو كان كذلك لقيل قاما. وأما الفاء وثم فإن كان الضمير في الخبر عن المعطوف بهما مع المعطوف عليه فقال بعضهم: يجب حذف الخبر من أحدهما نحو: زيد فعمرو قام، وزيد ثم عمرو قام، ويجوز تقديم الخبر على الحذف من الثاني نحو: زيد قام فعمرو أو ثم عمرو قالوا ولا تجوز المطابقة؛ لأن تفاوتهما بالترتيب يمتنع اشتراكهما في الضمير، وأجاز الباقون مطابقة الضمير وهو الحق نحو: زيد ثم عمرو قاما إذ الاشتراك في الضمير لا يدل على انتفاء الترتيب حتى يناقض الفاء، وثم إذ يقال قام الرجلان مع ترتبهما، والإضمار كالإظهار في هذا وإن لم يكن الضمير في الخبر وجبت المطابقة اتفاقًا نحو: جاءني زيد فعمرو فقمت لهما وجاءني زيد ثم عمرو وهما صديقان، وأما لا وبل وأو وأم وأما ولكن فمطابقة الضمير معها وعدمها بحسب قصد المتكلم فإن قصدت أحدهما وذلك واجب في الاخبار وجب إفراد الضمير نحو: زيد لا عمرو جاءني وزيد بل عمرو قام، وأزيد أم عمرو أتاك، وزيد أو هند جاءني إذ المعنى أحدهما جاءني ويغلب المذكر كما رأيت، وتقول في غير الإخبار جاءني إما زيد وإما عمرو فأكرمته وأزيدًا ضربت أم عمرًا فأوجعته، وما جاءني زيد لكن عمرو فأكرمته، وإن قصدتهما معًا وجبت المطابقة نحو: زيد لا عمرو جاءني مع أني دعوتهما وزيد أو
[ ٣ / ١٨٢ ]
البدل:
التابع المقصود بالحكم بِلا واسطة هو المسَمَّى بَدَلًا
_________________
(١) البدل: "التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى" في اصطلاح البصريين "بدلا" وأما الكوفيون فقال الأخفش: يسمونه بالترجمة والتبيين. وقال ابن كيسان يسمونه بالتكرير، فالتابع جنس والمقصود بالحكم يخرج النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق سوى عمرو جاءني وقد ذهبت إليهما قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]، وليست أو بمعنى الواو كما قيل والمعنى أن يكن غنيًا أو فقيرًا فلا بأس، فإن الله أولى بالغني والفقير، لكن يجوز في أو التي للإباحة المطابقة وإن كان المراد أحدهما نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين وباحثهما؛ لأنها لجواز الجمع بين الأمرين تشبه الواو ا. هـ. ملخصًا. البدل: قوله: "التابع إلخ" هذا معنى البدل اصطلاحًا وأما معناه لغة فالعوض. قال بعضهم: كيف يستقيم للناظم تعريف البدل بحد جامع مانع مع قوله في عطف البيان وصالحًا لبدلية يرى؟ أجيب بأن جواز الأمرين باعتبار قصدين فإن قصد بالحكم الأول وجعل الثاني بيانًا له، فهو عطف البيان وإن قصد به الثاني وجعل الأول كالتوطئة له فهو البدل. وحاصل الجواب أن الحيثية ملحوظة في تعريف كل منهما. قوله: "المقصود" أي: وحده دون المتبوع هذا هو المناسب لإخراج الشارح به ما عطف نسقًا بغير بل، ولكن بعد الإثبات مما قصد فيه التابع والمتبوع معًا. فإن قلت: يخرج عن ذلك بدل البداء؛ لأن متبوعه أيضًا مقصود كما يأتي، قلت: المراد المقصود قصدًا مستمرا ومتبوع بدل البداء وإن قصد أولًا، لكن صار بالإبدال كالمسكوت عنه فقصده لم يستمر وبما قررناه يعلم ما في كلام البعض. قوله: "بالحكم" أي: المنسوب إلى متبوعه نفيًا أو إثباتًا ا. هـ. تصريح. قوله: "بلا واسطة" المراد بها حرف العطف وإلا فالبدل من المجرور قد يكون بواسطة نحو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ا. هـ. زكريا ونحو: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤] . قوله: "بالترجمة" أي: عن المراد بالمبدل منه والتبيين له، قال البعض: وهو مبني على أن عطف البيان هو البدل ا. هـ. والظاهر أن هذا البناء غير لازم؛ لأن البدل لا يخلو عن بيان وإيضاح، وإن لم يكن المقصود منه بالذات ذلك فتأمل. وقوله بالتكرير أي: للمراد من المبدل منه، ولا يخفى أن هذه الأسماء الثلاثة لا تظهر في البدل المباين فافهم. قوله: "يخرج النعت والتوكيد وعطف البيان" فإنها ليست مقصودة بالحكم وإنما هي مكملات للمقصود بالحكم. قوله: "وعطف النسق إلخ" قال في التوضيح: وأما النسق فثلاثة أنواع: أحدها ما ليس مقصودًا بالحكم كجاء زيد لا عمرو وما جاء زيد بل عمرو أو لكن عمرو
[ ٣ / ١٨٣ ]
مُطابقًا أو بَعْضًا أو ما يَشْتَمِل عَلَيه يُلفى أو كَمَعْطوفٍ بِبَل
_________________
(١) المعطوف ببل ولكن بعد الإثبات. وبلا واسطة يخرج المعطوف بهما بعده "مطابقًا أو بعضًا أو ما يشتمل عليه يلفى أو كمعطوف ببل" أي: يجيء البدل على أربعة أنواع: الأول بدل كل من كل وهو بدل الشيء مما يطابق معناه نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ [الفاتحة: ٦ و٧]، وسماه الناظم البدل المطابق لوقوعه في اسم الله تعالى نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١]، في قراءة الجر، وإنما يطلق كل على ذي فالثاني ليس بمقصود في الأمثلة الثلاثة، أما الأول فواضح؛ لأن الحكم السابق منفي عنه وأما الأخيران؛ فلأن الحكم السابق هو نفي المجيء والمقصود به إنما هو الأول. النوع الثاني ما هو مقصود بالحكم هو وما قبله فيصدق عليه أنه مقصود بالحكم لا أنه المقصود بالحكم، وذلك كالمعطوف بالواو نحو: جاء زيد وعمرو وما جاء زيد ولا عمرو وهذان النوعان خارجان بما يخرج به النعت والتوكيد والبيان وهو الفصل الأول. النوع الثالث ما هو مقصود بالحكم دون ما قبله، وهذا هو المعطوف ببل بعد الإثبات نحو: جاءني زيد بل عمرو وهذا النوع خارج بقولنا بلا واسطة ا. هـ. قوله: "ولكن بعد الإثبات" صريح في أن لكن تعطف بعد الإثبات والذي تقدم أنها لا تعطف إلا بعد النفي أو النهي، نعم تقدم أنها تعطف بعد الإثبات على رأي: الكوفيين فيمكن أنه جرى هنا على مذهبهم. قوله: "مطابقًا" مفعول ثان ليلفي مقدم عليه والأول جعل نائب فاعله. قوله: "أو بعضًا" شرط صحته صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه، فيجوز جدع زيد أنفه ولا يجوز: قطع زيد أنفه؛ لأنه لا يقال قطع زيد على معنى قطع أنفه ا. هـ. دماميني قال شيخنا: ومثله في ذلك بدل الاشتمال كما يأتي فعلى هذا لا بد في كل من بدل البعض وبدل الاشتمال من دلالة ما قبله عليه ا. هـ. أي: إجمالًا كما يأتي، وقد يتوقف في عدم جواز قطع زيد فإن غاية أمره الإجمال وهو من مقاصد البلغاء وأي: فرق بين قطع زيد أنفه، وأكلت الرغيف ثلثه فتأمل. قوله: "أو ما يشتمل" بالبناء للفاعل وعليه متعلق به أي: أو بدلًا يشتمل على المبدل منه أو المعنى أو بدلًا يشتمل هو أي: المبدل منه عليه أو المعنى أو بدلًا يشتمل هو أي: العامل عليه، فكلامه محتمل للمذاهب الثلاثة الآتية في كلام الشارح، كذا قال البعض. وفيه أنه يلزم على الأخيرين جريان الصلة على غير ما هي له مع خوف اللبس فتدبر. قوله: "أو كمعطوف ببل" أي: بعد الإثبات وهذا التشبيه إنما يتم في بدل الإضراب دون بدلي الغلط والنسيان؛ لأن بدل الإضراب هو المشارك للمعطوف ببل في قصد المتبوع أولًا قصدًا صحيحًا، ثم الإضراب عنه إلى التابع بخلاف بدلي الغلط والنسيان كما ستعرفه إلا أن يقال التشبيه في مجرد كون الثاني مباينًا للأول، بمعنى أنه ليس عينه ولا بعضه ولا مشتملًا عليه. قوله: "مما يطابق معناه" أي: يطابق معناه معناه فقبل ضمير يطابق مضاف مقدر والمراد المطابقة بحسب الماصدق بأن يكون البدل والمبدل منه واقعين على ذات واحدة، فلا يرد أنهما كثيرًا ما يتغايران بحسب المفهوم نحو: جاء زيد أخوك، ثم التغاير الذي تقتضيه المطابقة ظاهر إن اختلفا مفهومًا وإلا
[ ٣ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أجزاء وذلك ممتنع هنا. والثاني بدل بعض من كل وهو بدل الجزء من كله قليلًا كان ذلك الجزء أو مساويًا أو أكثر نحو: أكلت الرغيف ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. ولا بد من اتصاله بضمير يرجع للمبدل منه مذكور كالأمثلة المذكورة وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] أو مقدر نحو: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩١] أي: منهم. والثالث بدل الاشتمال وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه بطريق الإجمال كأعجبني زيد علمه أو حسنه أو كلامه، وسرق زيد ثوبه أو فرسه، وأمره في الضمير كأمر بدل بالبعض فمثال المذكور ما تقدم من الأمثلة، جعل التغاير باعتبار اللفظ وبهذا يعرف ما في كلام البعض. قوله: "في قراءة الجر" أما في قراءة الرفع، فالاسم مبتدأ خبره الموصول بعده أو خبر مبتدأ محذوف أي: هو الله ا. هـ. غزي. قوله: "وذلك" أي: المذكور من الأجزاء أو التجزي المفهوم من قوله: ذي أجزاء ممتنع هنا أي: في اسم الله تعالى؛ لأن مسماه لا يقبل التجزي. قوله: "قليلًا" أي: بالنسبة للبعض المتروك وكذا يقال فيما بعده أما بالنسبة للمبدل منه فقليل أبدًا. قوله: "ولا بد من اتصاله بضمير إلخ" بخلاف البدل المطابق فإنه لا يحتاج لرابط لكونه نفس المبدل منه في المعنى، كما أن الجملة التي هي نفس المبتدأ في المعنى لا تحتاج لرابط هذا، وقال المصنف في شرح كافيته: اشترط أكثر النحويين مصاحبة بدل البعض والاشتمال لضمير عائد على المبدل منه، والصحيح عدم اشتراطه لكن وجوده أكثر ا. هـ. وصحح غيره ما ذكره الشارح من الاشتراط في البدلين. قوله: "ثم عموا إلخ" قال حفيد الموضح: إن جعلت كثيرًا بدلًا من الضميرين المتصلين أعني الواوين لزم منه توارد عاملين على معمول واحد، وإن جعلته بدلًا من أحدهما وبدل الآخر محذوف فهو متوقف على جواز حذف البدل ا. هـ. وأجاب المصرح بأن كثيرًا بدل من الواو الأولى فقط والثانية عائدة على كثير؛ لأنه مقدم رتبة، والأصل والله أعلم. ثم عموا كثير منهم وصموا، ويلزم عليه الفصل بين البدل والمبدل منه بأجنبي وهو ممنوع فتأمل. قوله: "نحو: ولله على الناس إلخ" أي: بناء على أن من استطاع بدل من الناس وتقدم ما فيه مع بيان أوجه أخرى في باب إعمال المصدر. قوله: "وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه بطريق الاجمال كأعجبني زيد علمه أو حسنه أو كلامه وسرق زيد ثوبه أو فرسه" كذا في نسخ وعليها كتب شيخنا وغيره. وفي نسخ أخرى وهو ما دل على معنى اشتمل عليه متبوعه، أو دل على ما استلزم معنى اشتمل عليه متبوعه فالأول: كأعجبني زيد علمه أو حسنه أو كلامه والثاني نحو: سرق زيد ثوبه أو فرسه وكتب عليها سم ما نصه لعل المراد أن الثوب دل على الملبوس المستلزم للبس الذي اشتمل عليه المتبوع والفرس دل على المركوب المستلزم للركوب المشتمل عليه المتبوع، ثم التمثيل بسرق زيد ثوبه لبدل الاشتمال يقتضي حسن الاقتصار على المبدل منه؛ لأن ذلك شرط في صحته ا. هـ. قوله: "يشتمل عامله على معناه إلخ" أي: يدل عليه دلالة إجمالية لكونه لا يناسب نسبته
[ ٣ / ١٨٥ ]
وذا للإضرابِ اعْزُ إنْ قَصْدًا صَحِب ودون قَصْد غَلَطٌ به سُلِبْ
_________________
(١) ومثله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ومثل المقدر قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ [البروج: ٤]، أي: النار فيه، وقيل الأصل ناره ثم نابت أل عن الضمير، والرابع البدل المباين وهو ثلاثة أقسام أشار إليها بقوله: "وذا للإضراب اعز إن قصدًا صحب ودون قصد غلط به سلب" أي: تنشأ أقسام هذا النوع الأخير من إلى ذات المبدل منه ففي قولك: أعجبني زيد علمه الإعجاب لا يناسب نسبته إلى ذات زيد التي هي مجموع لحم وعظم ودم فيفهم السامع أن المتكلم قصد نسبته إلى صفة من صفاته كعلمه أو حسنه. وفي قولك: سرق زيد ثوبه إنما يفهم السامع أن المتكلم قصد نسبته إلى شيء يتعلق به كثوبه أو فرسه، فقد دل العامل المنسوب إلى المبدل منه في الظاهر على ذلك البدل إجمالًا هذا هو المراد بالاشتمال كما حققه سعد الدين ويرد عليه أنه لا يطرد؛ لأن بعض صور بدل الاشتمال قد لا يدل العامل فيه على البدل الدلالة المذكورة كما في: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ [البروج: ٤]، بناء على أن النار بدل اشتمال من الأخدود كما سيذكره الشارح. وقال ابن غازي معنى اشتمال العامل على البدل أن معنى العامل متعلق بالبدل وإن تعلق في اللفظ بغيره، وأورد عليه أن بدل البعض كذلك فيلزم أن يسمى بدل اشتمال. وقد يقال وجه التسمية لا يوجبها. بقي ههنا بحث وهو أن الدلالة على بدل الاشتمال بما سبقه إجمالية كما مر ولا يجوز أن تكون على التعيين على ما نقله الدماميني عن المبرد وأقره، وعبارته: لا نقول من بدل الاشتمال قتل الأمير سيافه وبنى الوزير وكلاؤه؛ لأن شرط بدل الاشتمال أن لا يستفاد مما قبله معينًا بل تبقى النفس مع ذكر ما قبله متشوفة إلى بيان الإجمال الذي فيه، وهنا الأول غير مجمل إذ يستفاد عرفًا من قولك: قتل الأمير أن القاتل سيافه وكذا في أمثاله فلا يجوز مثل هذا الابدال أصلًا ا. هـ. فعلى هذا يشكل هذا التابع من أي: التوابع فتأمل. وعلم مما مر ما نقله الدماميني عن المبرد من أن نحو: ضربت زيدًا عبده ليس بدل اشتمال بل بدل غلط؛ لأن ما قبل البدل لا يدل عليه؛ لأن ضربت زيدًا مفيد بغير احتياج إلى شيء آخر لمناسبة العامل المبدل منه. قوله: "قتل أصحاب الأخدود" هو شق في الأرض وأصحابه ثلاثة شق كل واحد منهم شقا عظيمًا في الأرض وملأه نارًا، وقالوا: من لم يكفر ألقي فيه ومن كفر ترك ا. هـ. تصريح. ومنه يؤخذ أن أل في الأخدود للجنس؛ لأن الأخاديد ثلاثة لا واحد. قوله: "وقيل الأصل ناره إلخ" وقيل أراد بالأخدود النار مجازًا لاشتماله عليها وقيل النار على حذف مضاف أي: أخدود النار والبدل على هذين بدل كل وقيل: النار بدل إضراب أفاده زكريا. قوله: "وذا للإضراب إلخ" أي: أنسب هذا البدل الشبيه بالمعطوف ببل للإضراب، كأن تقول بدل إضراب إن صحب البدل قصد المتبوع أي: قصدًا صحيحًا كما قاله سم. قوله: "ودون قصد" منصوب على الظرفية لمحذوف أي: وإن وقع دون قصد أي: دون قصد صحيح بأن لا يقصد أصلًا بل يسبق إليه اللسان أو يقصد، ثم يتبين فساد قصده كما قاله سم، وغلط خبر مبتدأ محذوف على حذف مضاف أي: فهو بدل غلط والهاء عائدة على البدل وسلب في موضع الصفة
[ ٣ / ١٨٦ ]
كَزُرْهُ خالدًا وقَبِّله اليَدا واعْرِفْهُ حَقَّه وخُدْ نَبْلًا مُدَى
_________________
(١) كون المبدل منه قصد أولًا؛ لأن البدل لا بد أن يكون مقصودًا كما عرفت في حد البدل، فالمبدل منه إن لم يكن مقصودًا ألبتة، وإنما سبق اللسان إليه، فهو بدل الغلط أي: بدل سببه الغلط؛ لأنه بدل عن اللفظ الذي هو غلط لا أنه نفسه غلط، وإن كان مقصودًا فإن تبين بعد ذكره فساد قصده فبدل نسيان أي: بدل شيء ذكر نسيانًا، وقد ظهر أن الغلط متعلق باللسان والنسيان متعلق بالجنان، والناظم وكثير من النحويين لم يفرقوا بينهما فسموا النوعين بدل غلط وإن كان قصد كل واحد من المبدل منه والبدل صحيحًا فبدل الإضراب ويسمى أيضًا بدل البداء. ثم أشار إلى أمثلة الأنواع الأربعة على الترتيب بقوله: "كزره خالدًا وقبله اليدا واعرفه حقه وخذ نبلا مدى" فخالدًا بدل كل من كل، واليدا بدل بعض، وحقه بدل اشتمال، ومدى يحتمل الأقسام الثلاثة المذكورة وذلك باختلاف التقادير، فإن النبل اسم جمع للسهم، والمدى جمع مدية وهي السكين، فإن كان المتكلم إنما أراد الأمر بأخذ المدى فسبق لسانه إلى النبل فبدل غلط، وإن كان أراد الأمر بأخذ النبل ثم بان له فساد تلك الإرادة وأن الصواب الأمر بأخذ المدى فبدل نسيان، وإن كان أراد الأول ثم أضرب عنه إلى الأمر بأخذ المدى وجعل الأول في حكم المسكوت عنه فبدل إضراب وبداء، والأحسن أن يؤتى فيهن ببل. لغلط بمعنى بدل الغلط ونائب فاعله ضمير يعود للحكم المفهوم من السياق أي: سلب ببدل الغلط الحكم عن الأول، وأثبت للثاني وجرى على هذا المرادي. ويصح رجوع الضمير للغلط بمعنى الخطأ أي: رفع بهذا البدل الغلط في نسبة الحكم للأول. والصفة على الاحتمال الأول جارية على غير ما هي له بخلافها على الثاني، والأقرب عليه أن الغلط مبتدأ وسلب خبره فتأمل. قوله: "لأن البدل إلخ" علة لمحذوف أي: لا من كون البدل مقصودًا أولًا؛ لأن البدل إلخ. قوله: "أي: بدل سببه الغلط" أي: بذكر الأول فالإضافة في بدل الغلط من إضافة المسبب إلى السبب وإن كانت في بدل الكل وبدل البعض للبيان، وقوله: لا أنه نفسه غلط أي: كما يتوهم من قولهم بدل الكل وبدل البعض. قوله: "بدل البداء" بفتح الموحدة والدال المهملة مع المد أي: الظهور سمي بذلك؛ لأن المتكلم بدا له ذكره بعد ذكر الأول قصدًا. قوله: "اليدا" بدل بعض من الضمير والضمير الواجب في بدل البعض مقدر أي: اليد منه أو الأصل يده، ثم نابت أل عن الضمير على القولين المتقدمين. قوله: "وذلك" أي: احتمال الأقسام الثلاثة. قوله: "فإن النبل إلخ" محط بيان التقادير المختلفة قوله: فإن كان المتكلم إلخ، وإنما قدم قوله: فإن النبل إلخ، لتوقف اختلاف التقادير على تغاير النبل والمدى. قوله: "جمع مدية" بضم الميم وقد تكسر نقله شيخنا عن الشارح، والظاهر أن جمع مكسورة الميم بالكسر. قوله: "وهي السكين" قيد غيره بالعظيمة. قوله: "والأحسن أن يؤتى فيهن" أي: في أوجه المثال المتقدمة ببل؛ لئلا يتوهم أن المتكلم أراد الصفة أي: نبلًا حادا كما يقال رأيت رجلًا حمارًا أي: بليدًا كما في التصريح ومعلوم أنه إذا أتى فيهن
[ ٣ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهات: الأول زاد بعضهم بدل كل من بعض كقوله:
٨٩٢- كأَنِّي غَداةَ البَينِ يومَ تَحمَّلوا لدى سَمُرات الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ
ونفاه الجمهور وتأولوا البيت. الثاني رد السهيلي رحمه الله تعالى بدل البعض وبدل الاشتمال إلى بدل الكل، فقال: العرب تتكلم بالعام وتريد الخاص، وتحذف المضاف وتنويه، فإذا قلت: أكلت الرغيف ثلثه إنما يريد أكلت بعض الرغيف، ثم بينت ذلك البعض، وبدل المصدر من الاسم إنما هو في الحقيقة من صفة مضافة إلى ذلك الاسم. الثالث اختلف في المشتمل في بدل الاشتمال: فقيل هو الأول، وقيل الثاني،
ــ
ببل خرج مدى عن كونه بدلًا وصار عطف نسق.
قوله: "كأني غداة البين إلخ" الغداة أول النهار والبين الفراق وتحملوا ترحلوا والسمرات بفتح السين المهملة وضم الميم جمع سمرة، وهي شجرة الطلح، وناقف الحنظل بنون ثم قاف ففاء من يخرج حب الحنظل، أراد أنه في تلك الغداة دمعت عينه كثيرًا كما تدمع عين ناقف الحنظل لحرارته. قوله: "وتأولوا البيت" بأن اليوم بمعنى الوقت فهو من بدل الكل سم. قوله: "العرب تتكلم بالعام وتريد الخاص" أي: على طريق المجاز المرسل ومراده بالعام والخاص ما يشمل الكل والجزء وهذا إشارة إلى رد بدل البعض إلى بدل الكل وقوله وتحذف المضاف وتنويه أي: على طريق المجاز بالحذف وهذا إشارة إلى رد بدل البعض وبدل الاشتمال إلى بدل الكل، وقوله: فإذا قلت إلخ، راجع للوجهين قبله. وقوله: إنما تريد أكلت بعض الرغيف أي: على وجه إطلاق اسم الكل وإرادة الجزء مجازًا مرسلًا، أو على وجه تقدير المضاف مجازًا بالحذف، وقوله: وبدل المصدر إلخ راجع لقوله وتحذف إلخ. فإن قلت: كلام السهيلي على الوجه المذكور يقتضي أن رد بدل الاشتمال لا يكون على طريق المجاز المرسل مع أنه لا مانع منه بأن يطلق اسم المحل ويراد الحال فيه وهو الصفة. قلت: المجاز المرسل المذكور في رد بدل الاشتمال لا يطرد؛ لأنه وإن تأتى في نحو: نفعني زيد علمه لا يتأتى في نحو: سرق زيد فرسه.
قوله: "وبدل المصدر" أي: سواء كان باقيًا على مصدريته أو مرادًا منه غير معناه المصدري كالعلم في نفعني زيد علمه إذ الظاهر أنه بمعنى معلومه. واقتصر على المصدر؛ لأنه الغالب في بدل الاشتمال وإلا فقد يكون غير مصدر كما في سرق زيد ثوبه أو فرسه. قوله: "من صفة" أي: من هذا اللفظ كما قاله شيخنا، فمضافة بالنصب على الحال، والمراد هذا اللفظ وما في معناه كوصف وحال. فإذا قلت: أعجبني زيد علمه إنما تريد أعجبني صفة زيد فبينت بقولك علمه تلك الصفة المحذوفة. قوله: "اختلف في المشتمل إلخ" قال البعض: الظاهر أن المراد بالاشتمال مطلق التعلق والارتباط وإلا لم يتأت الاطراد في شيء من الأقوال ا. هـ. وفيه أن الاشتمال بالمعنى
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٩؛ وخزانة الأدب ٤/ ٣٧٦، ٣٧٧؛ والدرر ٦/ ٦٠؛ ولسان العرب ٩/ ٣٣٩ "نقف"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠١.
[ ٣ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل العامل وكلامه هنا يحتمل الأولين. وذهب في التسهيل إلى الأول. الرابع: رد المبرد وغيره بدل الغلط، وقال: لا يوجد في كلام العرب نظمًا ولا نثرًا. وزعم قوم منهم ابن السيد أنه وجد في كلام العرب كقول ذي الرمة:
٨٩٣- لَمْيَاءُ في شَفَتَيهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ
فاللعس بدل غلط؛ لأن الحوة السواد واللعس سواد يشوبه حمرة، وذكر بيتين آخرين. ولا حجة له فيما ذكره لإمكان تأويله. الخامس: قد فهم من كون البدل تابعًا أنه يوافق متبوعه في الإعراب، وأما موافقته إياه في الإفراد والتذكير والتنكير وفروعها فلم يتعرض لها هنا، وفيه تفصيل: أما التنكير وفرعه وهو التعريف فلا يلزم موافقته لمتبوعه فيهما، بل تبدل المعرفة من المعرفة نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللهِ﴾ [إبراهيم: ١]، في قراءة الجر، والنكرة من النكرة نحو: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ: ٣٢]، والمعرفة من النكرة نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢] والنكرة من المعرفة نحو: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٥ و١٦]، وأما الإفراد والتذكير
ــ
المذكور يوجد في بدل البعض وبدل الكل إلا أن يقال وجه التسمية لا يوجبها فتأمل. وانحط كلامه في التصريح على أن الراجح الثالث واختاره الموضح وتقدم الكلام عليه.
قوله: "يحتمل الأولين" ظاهره أنه لا يحتمل الثالث كاحتماله لهما، ولعل وجهه أن لفظ البدل يشعر بالمبدل منه إشعارًا قريبًا بخلاف العامل فيكون الضمير المستتر في قوله أو ما يشتمل عليه للبدل والبارز للمبدل منه الذي أشعر به لفظ البدل إشعارًا قريبًا، أو بالعكس وظاهره أيضًا أن الاحتمالين على السواء وليس كذلك كما يفيده ما أسلفناه من البحث في جعل البعض كلام المصنف محتملًا للمذاهب الثلاثة. قوله: "لمياء" فعلاء من اللمى كالفتى وهو سمرة في باطن الشفة وهو مستحسن. قوله: "لإمكان تأويله" كأن يقال لعس مصدر وصفت به الحوة أي: حوة لعساء. هذا وقد قيل كل من الحوة، واللعس حمرة تضرب إلى سواد، وعليه فلعس بدل كل من كل فلا شاهد فيه. قوله: "قد فهم من كون البدل تابعًا إلخ" أي: لما علمت سابقًا من أن التابع هو المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد. قوله: "وفيه تفصيل" أي: فيما ذكر من الموافقة. قوله: "بل تبدل المعرفة من المعرفة إلخ" محط الإضراب القسمان الأخيران، وإنما أتى بالقسمين الأولين تتميمًا للأقسام.
قوله: "مفازًا" أي: مكان فوز أو فوزًا وعلى هذا مشى الشارح بعد وسيأتي ما فيه وقوله
_________________
(١) عجزه: وفي اللِّثاثِ وفي أنيهابها شَنَبُ والبيت من البسيط، وهو لذي الرمة في ديوانه ص٣٢؛ والخصائص ٣/ ٢٩١؛ والدرر ٦/ ٥٦؛ ولسان العرب ١/ ٥٠٧ "شنب"، ٦/ ٢٠٧ "لعس" ١٤/ ٢٠٧ "حواء"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٦.
[ ٣ / ١٨٩ ]
ومن ضمير الحاضِرِ الظاهِرِ لا تُبْدِله إلا ما إحاطَة جَلا
ــ
وأضدادهما: فإن كان بدل كل وافق متبوعه فيها ما لم يمنع مانع من التثنية والجمع ككون أحدهما مصدرًا نحو: ﴿مَفَازًا، حَدَائِقَ﴾ [النبأ: ٣٢]، أو قصد التفصيل كقوله:
٨٩٤- وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَين رِجْلٍ صَحيحَة ورِجل رَمَى فِيها الزمانُ فَشَلَّتِ
وإن كان غيره من أنواع البدل لم يلزم موافقته فيها" ومن ضمير الحاضر" متكلمًا كان أو مخاطبًا "الظاهر لا تبدله" أي: يجوز إبدال الظاهر من الظاهر ومن ضمير الغائب كما ذكره في أمثلته، ولا يجوز أن يبدل الظاهر من ضمير المتكلم أو المخاطب "إلا ما إحاطة جلا" أي: إلا إذا كان البدل بدل كل فيه معنى الإحاطة نحو: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا
ــ
وأعنابًا عطف على مفازًا كما في الجلالين. قوله: "بالناصية" هي ناصية أبى جهل، وقوله: كاذبة من المجاز العقلي. قوله: "ككون أحدهما مصدرًا" نظر فيه بأن المراد المطابقة في المعنى، وهي حاصلة؛ لأن المصدر يدل على الاثنين والجماعة ورده بعضهم بأن مرادهم المطابقة في اللفظ، كما يدل عليه التعبير بالتثنية والجمع. قوله: "مفازًا حدائق" أي: فلم يقل مفاوز وفيه أن بدل الكل عين المبدل منه، والذوات لا تكون نفس الحدث، ويجاب بأن ذلك على حد زيد عدل. قوله: "أو قصد التفصيل" عطف على كون وقد يقال المطابقة حاصلة معه؛ لأن البدل ليس كل واحد من شقي التفصيل على حدته بل مجموعهما وهو مطابق ولما كان المجموع لا يمكن ظهور أثر العامل فيه، وكان جعله في أحدهما دون الآخر تحكمًا جعل في كل منهما دفعًا للتحكم، فاندفع بحث الدماميني بأنه إذا كان مجموعهما هو البدل فما العامل في كل واحد منهما مع أنه بمفرده غير بدل قال، وهذا في البدل كقولهم في الخبر: الرمان حلو حامض. ونقل الطبلاوي عن سم أنه قال: الظاهر أن المسمى بالبدل اصطلاحًا هو الأول فقط، وإن كان البدل في المعنى هو المجموع فليتأمل. قوله: "فشلت" بفتح الشين المعجمة أي: بطلت حركتها. قوله: "ومن ضمير الحاضر" أي: البارز؛ لأن ضمير الحاضر المستتر لا يبدل منه مطلقًا فإن ورد ما يوهم ذلك قدر للثاني فعل من جنس الفعل المذكور نحو: تعجبيني جمالك ويكون من إبدال الجملة.
قوله: "أي: يجوز إبدال الظاهر إلخ" بيان للمفهوم، وقوله: ولا يجوز إلخ بيان للمنطوق، وإنما لم يجز إبدال الظاهر من ضمير الحاضر لعدم فائدته؛ لأن ضمير الحاضر في غاية الوضوح. قوله: "ومن ضمير الغائب" أي: البارز أخذًا من أمثلتهم وإن لم يحضرني الآن التصريح به، فلا يجوز إبدال الظاهر من ضمير الغائب المستتر، فلا يقال: هند أعجبتني جمالها على الإبدال كما لا يقال: تعجبيني جمالك على الإبدال. قوله: "إلا ما إحاطة جلا" قال البعض: أي: إلإبدل كل أظهر إحاطة وشمولًا والتقييد ببدل الكل مستفاد من التعبير بالإحاطة ومن المقابلة ا. هـ. وهو صريح في أن ما
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لكثير عزة في ديوانه ص٩٩؛ وأمالي المرتضى ١/ ٤٦؛ وخزانة الأدب ٥/ ٢١١، ٢١٨؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٤٢؛ والكتاب ١/ ٤٣٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠٤؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ٣/ ٦٨؛ ومغني اللبيب ص٤٧٢؛ والمقتضب ٤/ ٢٩٠.
[ ٣ / ١٩٠ ]
أوِ اقْتَضَى بعضًا أوِ اشْتِمالا كأنَّكَ ابْتِهاجَكَ اسْتَمَالا
ــ
وَآَخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، وقوله:
٨٩٥- فَما بَرِحَتْ أَقْدامُنا في مَقامِنا ثلاثَتُنا حتى أُزِيرُوا المَنائِيا
فإن لم يكن فيه معنى الإحاطة فمذاهب: أحدها المنع وهو مذهب جمهور البصريين، والثاني الجواز وهو قول الأخفش والكوفيين. والثالث: أنه يجوز في الاستثناء نحو: ما ضربتكم إلا زيدًا وهو قول قطرب "أو اقتضى بعضًا" أي: كان بدل بعض نحو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقوله:
٨٩٦- أَوعَدَنِي بالسِّجنِ والأداهِمِ رِجْلي فَرِجْلِي شَثْنَةُ المَناسِمِ
ــ
واقعة على بدل كل ويبطله العطف الآتي في كلام المصنف، وقول الشارح أي: إلا إذا كان البدل بدل كل لا يدل على وقوع ما على بدل كل؛ لاحتمال أن يكون مراده أن هذا القيد ملحوظ بعدما والمعنى إلا ظاهرًا كان بدل كل وجلا إحاطة، بل هذا الاحتمال هو الظاهر الذي ينبغي حمل عبارته عليه لما عرفت فلا تغفل. قوله: "لأولنا وآخرنا" أي: لجميعنا؛ لأن عادة العرب التعبير بالطرفين وإرادة الجميع.
قوله: "فما برحت أقدامنا إلخ" قاله عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب ابن عم النبي -ﷺ- من قصيدة قالها في شأن يوم بدر وما جرى له يومه من قطع رجله ومبارزته هو وحمزة وعلي، وهم المراد من قوله: ثلاثتنا ومات رضي الله تعالى عنه بالصفراء، وهم راجعون كذا في العيني، والشاهد في: ثلاثتنا فإنه بدل من نا في مكاننا، وأزيروا مبني للمجهول وضميره للكفار، والمنائيا جمع منية على غير قياس؛ لأن قياسه المنايا وأصله المنايي بياءين ففعل فيه ما يأتي في التصريف. قوله: "أحدها المنع" لعدم الفائدة إذ ضمير الحاضر في غاية الوضوح كما مر. قوله: "نحو: ما ضربتكم إلا زيدًا" نظر فيه سم بأن زيدًا ليس بدل كل من ضمير المخاطبين بل بدل بعض ويظهر لي أنه لا يوجد مثال يكون فيه المستثنى بدل كل من المستثنى منه فتأمل. قوله: "أو اقتضى بعضًا إلخ" سكت عن بدل الإضراب فاقتضى عدم الجواز فيه لكن صرح الجامي بجواز ذلك كما نقله شيخنا.
قوله: "نحو: لقد كان لكم إلخ" أورد عليه أنه يلزم عليه انقسام الصحابة إلى من يرجو الله ومن لا يرجوه، وليس كذلك ولذا زعم الأخفش أنه بدل كل، والجواب أن الخطاب لمن سبق خطابه بقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨]، إلخ فوصفهم بالتعويق وغيره من صفات الذم، والموصوفون بذلك هم المخالطون لهم من المنافقين وليس الخطاب للصحابة فقط حتى يرد ما ذكر، نقله الدنوشري عن شرح اللباب. قوله: "والأداهم" جمع أدهم وهو القيد
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في المقاصد النحوية ٤/ ١٨٨؛ ولبعض الصحابة في شرح عمدة الحافظ ص٥٨٨؛ وبلا نسبة في المقاصد النحوية.
(٢) الرجز للعديل بن الفرخ في خزانة الأدب ٥/ ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠؛ والدرر ٦/ ٦٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٠؛ ولا نسبة إصلاح المنطق ص٢٢٦، ٢٩٤؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٢٤؛ وشرح التصريح ٢/١٦٠؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٢١؛ وشرح شذور الذهب ص٥٧٢؛ وشرح ابن عقيل ص٥١٠؛ وشرح المفصل ٣/ ٧٠؛ ولسان العرب ٣/ ٤٦٣ "وعد"، ١٢/ ٢١٠ "رهم"؛ ومجالس ثعلب ص٢٧٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٧.
[ ٣ / ١٩١ ]
وبَدَلُ المُضمَّنِ الهَمْزَ يَلِي همزًا كَمَن ذا أَسَعِيدٌ أم عَلِي
ــ
"أو اشتمالا" أي: كان بدل اشتمال "كأنك ابتهاجك استمالا" وقوله:
٨٩٧- بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدُنا وسَناؤُنا وإنَّا لنَرْجُو فَوقَ ذلك مَظْهرا
تنبيه: قال في التسهيل: ولا يبدل مضمر من مضمبر ولا من ظاهر وما أوهم ذلك جعل توكيدًا إن لم يفد إضرابًا ا. هـ "وبدل" المبدل منه "المضمن" معنى "الهمز"
ــ
والشثنة الغليظة والمناسم جمع منسم بفتح الميم وسكون النون وكسر السين وهو خف البعير استعير هنا لقدم الإنسان. قوله: "ابتهاجك" أي: فرحك استمالًا السين والتاء زائدتان أو للصيرورة أي: أملت القلوب إليك أو صيرتها مائلة إليك قال سم: وجرى في قوله استمالًا على الأكثر من مراعاة البدل وإلا لقال استملت. قوله: "وسناؤنا" السناء بالمد كما في البيت الشرف وبالقصر النور. وقوله: مظهرًا جعله شيخنا مصدرًا ميميا بمعنى الظهور ولا يبعد أنه اسم مكان مرادًا به الجنة؛ لأن قائل هذا البيت النابغة الجعدي الصحابي.
قوله: "ولا يبدل مضمر من مضمر" أي: مطلقًا؛ لأنه لم يسمع، ونحو: قمت أنت ومررت بك أنت توكيد اتفاقًا، وكذلك رأيتك إياك عند الكوفيين والناظم ا. هـ. توضيح. قوله: "ولا من ظاهر" أي: ولا يبدل مضمر من ظاهر عكس مسألة المتن. ومقتضى إطلاقه المنع في كل بدل وفي جمع الجوامع. وشرحه للسيوطي ومنع ابن مالك بدل المضمر من الظاهر بدل كل قال؛ لأنه لم يسمع ولو سمع لكان توكيدًا لا بدلًا، وأجازه الأصحاب نحو:
رأيت زيدًا إياه، وفي جواز بدل البعض والاشتمال خلف، فقيل يجوز نحو: ثلث التفاحة أكلت التفاحة إياه وحسن الجارية أعجبتني الجارية هو وقيل يمتنع. قال أبو حيان: وهو كالخلاف في إبدال مضمر من مضمر ومقتضاه ترجيح المنع ا. هـ. يس. قوله: "إن لم يفد إضرابًا" نحو: إياك إياي قصد زيد فإن دعوى التأكيد في مثل هذا لا تتأتى ا. هـ. دماميني ونحو: عمرًا إياي قصد زيد فعلم أن قوله إن لم يفد إضرابًا قيد في كل من عدم إبدال المضمر من المضمر وعدم إبدال المضمر من الظاهر فاعرفه.
قوله: "وبدل المضمن إلخ" خرج ما صرح معه بأداة الاستفهام أو الشرط فلا يلي البدل ذلك نحو: هل أحد جاءك زيد أو عمرو وكذا إن تضرب أحدًا رجلًا أو امرأة أضربه ا. هـ. سم عن شروح التسهيل ولعل عدم وجوب ذكر الحرف في صورة التصريح لقوة المصرح به فلا يحتاج إلى ذكر ثانيًا بخلاف المضمن. قوله: "معنى الهمزة" مقتضاه أن الهمز بالجر مضاف إليه وجعله
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص٦٨؛ وخزانة الأدب ٣/ ١٦٩، ٧/ ٤١٩؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦١؛ ولسان العرب ٤/ ٥٢٣، ٥٢٩ "ظهر"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٣؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٤٠٦.
[ ٣ / ١٩٢ ]
ويُبْدَل الفعلُ من الفعلِ كمَن يَصِل إلينا يَسْتَعِن بنا يُعَنْ
ــ
المستفهم به "يلي همزًا" مستفهمًا به وجوبًا "كمن ذا أسعيد أم علي" وكم مالك أعشرون أم ثلاثون؟ وما صنعت أخيرًا أو شرا؟ وكيف جئت أراكبًا أو ماشيًا؟
تنبيه: نظير هذه المسألة بدل اسم الشرط نحو: من يقم إن زيد وإن عمرو أقم معه وما تصنع إن خيرًا أو شرا تجز به، ومتى تسافر إن ليلًا أو نهارًا أسافر
معك "ويبدل الفعل من الفعل" بدل كل من كل، قال في البسيط باتفاق كقوله:
٨٩٨- مَتَى تَأْتِنا تُلمِمْ بِنا في دِيارِنا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونَارًا تَأَجَّجَا
ــ
الشيخ خالد منصوبًا مفعولًا ثانيًا للمضمن. قوله: "بل همزًا مستفهمًا به وجوبًا" ليوافق المبدل منه في تأدية المعنى. قوله: "أسعيد أم علي" فسعيد بدل من من بدل تفصيل. قوله: "بدل اسم الشرط" فإنه يلي حرف الشرط الذي تضمنه المبدل منه وهو بدل تفصيل، وقد يتخلف كل من التفصيل وإعادة حرف الشرط، ففي الكشاف أن يومئذٍ بدل من إذا في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]، وكذا قال أبو البقاء، ولهذا اقتصر في النظم على الاستفهام، وكذا فعل في التسهيل مع كثرة جمعه فيه على أن مسألة الشرط لا تخلو عن إشكاله؛ لأنك إذا قلت: من يقم إن زيد وإن عمر وكان اسم الشرط مبتدأ فيكون البدل كذلك ضرورة فيلزم دخول إن الشرطية على المبتدأ وهو غير جائز في الأصح، وإن جعلنا ما بعد إن فاعلًا بمحذوف امتنعت المسألة لتخالف العامل؛ ولأن إن لا يضمر الفعل بعدها إلا إذا كان هناك ما يفسره نحو: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ وجوابه: أن إن إنما جيء بها بيان المعنى لا للعمل فلا يلزم المحذور ا. هـ. تصريح.
فائدة: اجتمعت مع جماعة كثيرة من أهل العلم في بعض المحافل فأورد بعضهم سؤالًا في قوله -ﷺ: "أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه"، حاصله أنهم جوزوا أن يكون أمة بالرفع على البدلية من أي: مع أن بدل المضمن معنى الشرط يجب أن يلي حرف الشرط كما أن بدل المضمن حرف الاستفهام يجب أن يلي حرف الاستفهام فسكت جميع الحاضرين، فعند ذلك أجبت بأن محل وجوب إيلاء بدل المضمن معنى الشرط حرف الشرط إذا وقع البدل بعد فعل الشرط أخذًا من الأمثلة التي ذكروها، فأعجبهم ذلك غاية الإعجاب. وقد خرج مما مر جواب آخر وهو أن ذلك قد يتخلف كما في آية الزلزلة.
قوله: "ويبدل الفعل من الفعل" قال ابن هشام: ينبغي أن يشترط لإبدال الفعل ما اشترط لعطف الفعل على الفعل وهو الاتحاد في الزمان دون الاتحاد في النوع حتى يجوز إن جئتني
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لعبد الله بن الحر في خزانة الأدب ٩/ ٩٠، ٩٩؛ والدرر ٦/ ٦٩؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٦؛ وسر صناعة الإعراب ص٦٧٨؛ وشرح المفصل ٧/ ٥٣؛ وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦٦؛ ورصف المباني ص٣٢، ٣٣٥؛ وشرح قطر الندى ص٩٠؛ وشرح المفصل ١٠/ ٢٠؛ والكتاب ٣/ ٨٦؛ ولسان العرب ٥/ ٢٤٢ "نور"؛ والمقتضب ٢/ ٦٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٨.
[ ٣ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبدل اشتمال على الصحيح "كمن يصل إلينا يستعن بنا يعن" ومنه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقوله:
٨٩٩- إنَّ عَلَيَّ اللهَ أنْ تُبايِعا تؤخذ كرهًا أو تجيء طائعًا
ولا يبدل بدل بعض: وأما بدل الغلط فقال في البسيط: جوزه سيبويه وجماعة من النحويين والقياس يقتضيه.
تنبيه: تبدل الجملة من الجملة نحو: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾
ــ
تمش إليّ أكرمك. قوله: "تلمم بنا" في كونه بدل كل من كل نظر فإن الإتيان المجيء، والإلمام النزول، وما تمحل به البعض من أن المراد بإتيانهم النزول بهم مجازًا يزيفه أنه لا قرينة على ذلك، فالمتجه أنه بدل اشتمال. قوله: "كمن يصل إلينا" أي: معشر الكرام الذين لا يخيب قاصد الاستعانة بهم فاندفع ما قيل أن الشخص قد يصل ويستعين ولا يعان. قوله: "يستعن بنا" فيستعن بدل اشتمال من يصل؛ لأن وصول قاصد الاستعانة يشتمل على الاستعانة، فاندفع ما قيل إن الوصول قد لا يشتمل على الاستعانة. وجعله الشاطبي بدل إضراب أو غلط، فراجعه قال شيخنا: على القول بأن البدل من جملة أخرى وأنه على نية تكرار العامل فالقياس أن الجزم بشرط مقدر مع تقدير جواب آخر، والتقدير من يصل إلينا يعن من يستعن بنا يعن ا. هـ.
قوله: "يضاعف له العذاب" فهو بدل اشتمال من يلق أثامًا؛ لأن لقيّ الأثام أن يحصل له العذاب مضاعفًا، وهو يشتمل على المضاعفة فما نقله الغزي عن بعضهم من أن هذه الآية من بدل الكل؛ لأن لقيّ الآثام هو مضاعفة العذاب غير ظاهر. قوله: "أن عليّ الله إلخ" الخطاب لرجل تقاعد عن مبايعة الملك وعليّ خبران والله نصب بنزع الخافض وهو واو القسم وأن تبايعا اسم إن وتؤخذ بدل اشتمال من تبايعا وكرها مفعول مطلق بتقدير مضاف أي: أخذ كره أو حال أي: كارهًا وهذا أنسب بقوله: طائعًا وجعله صفة لمصدر محذوف يحوج إلى تكلف تقدير الموصوف، وتأويل كرهًا باسم مفعول؛ وبهذا يعلم ما في كلام العيني الذي درج عليه شيخنا والبعض. قوله: "ولا يبدل بدل بعض" نقل في التصريح أن الشاطبي أثبته ومثل له بنحو: إن تصلّ تسجد للرحمن يرحمك، لكن قال الفارضي: إنه يحتمل بدل الاشتمال؛ فإن الصلاة تشتمل على السجود ا. هـ. وفيه عندي وإن أقره شيخنا نظر؛ لأن الظاهر أنه ليس مرادهم بالاشتمال ما يعم اشتمال الكل على جزئه وإلا لزم أن كل بدل بعض بدل اشتمال. قوله: "والقياس يقتضيه" ومثله الشاطبي بنحو: إن تطعم زيدًا تكسه أكرمك.
قوله: "تبدل الجملة من الجملة إلخ" أي: إذا كانت الثانية أوفى من الأولى بتأدية المراد
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في خزانة الأدب ٥/ ٢٠٣، ٢٠٤؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٢؛ وشرح التصريح ١/ ١٦١؛ وشرح ابن عقيل ص٥١١؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٩١؛ والكتاب ١/ ١٥٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٩؛ والمقتضب ٢/ ٦٣.
[ ٣ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشعراء: ١٣٢ و١٣٣]، وقوله:
٩٠٠- أَقُولُ لَه ارْحَل لا تُقِيمَنَّ عِنْدنا
وأجاز ابن جني والزمخشري والناظم إبدالها من المفرد كقوله:
٩٠١- إلى اللهِ أَشْكُو بالمدِينَةِ حاجَة وبالشامِ أُخْرَى كيفَ يَلتَقِيانِ
ــ
على ما قاله الدنوشري وأقره شيخنا. والفرق بين بدل الفعل وبدل الجملة أن الفعل يتبع ما قبله في إعرابه لفظًا أو تقديرًا، والجملة تتبع ما قبلها محلا إن كان له محل، وإلا فإطلاق التبعية عليها مجاز كذا في التصريح. قال في المغني: جوز أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، كونه بدلًا من فضلنا بعضهم على بعض، ورده بعض المتأخرين بأن الجملة الاسمية لا تبدل من الفعلية ولم يقم دليل على امتناع ذلك ا. هـ. بقي إبدال الفعل من اسم يشبهه والعكس وإبدال مفرد من جملة وحرف من مثله أما الأول فجوزه ابن هشام نحو: زيد متق يخاف الله أو يخاف الله متق وأما الثاني فجوزه أبو حيان وجعل منه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١]، فجعل قيمًا بدلًا من جملة ولم يجعل له عوجًا، وأما الثالث فأثبته سيبويه وجعل منه: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، الآية فجعل أن الثانية بدلًا من الأولى لا توكيدًا والظاهر ما مر في باب التوكيد أن هذا من توكيد الضمير مع إعادة ما اتصل به.
قوله: "نحو: أمدكم بما تعلمون إلخ" فجملة أمدكم بأنعام وبنين إلخ بدل من جملة أمدكم بما تعلمون، ولا يخفى أنها صلة الذي في قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢]، فلا محل لها فإطلاق التبعية على ما بعدها مجاز لما مر عن التصريح، وقال الدماميني والشمني: إطلاقها عليه بالمعنى اللغوي لا الاصطلاحي ومثل بالآية في التصريح لبدل البعض وهو الظاهر؛ لأن ما يعلمونه أعم من المفصل المذكور بعده، إلا أن يقال المراد به خصوص المفصل فيكون عاما مرادًا به الخصوص. قوله: "أقول له ارحل لا تقيمن عندنا" التمثيل به لبدل الكل مبني على أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده، ومثل به في التصريح لبدل الاشتمال وهو مبني على أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده. قال الدماميني: لا تتعين التبعية في البيت لجواز أن يكون مجموع الجملتين هو المقول وكل واحدة جزء المقول ا. هـ. قال في التصريح: وسكتوا عن اشتراط الضمير في بدل البعض في الاشتمال في الأفعال والجمل لتعذر عود الضمير عليها. قوله: "إبدالها من المفرد" إنما صح ذلك لرجوع الجملة في التقدير إلى المفرد كما في التصريح.
_________________
(١) عجزه: وإلا فكُنْ في السِّرِّ والجَهْرِ مُسلِما والبيت من الطويل، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب ٥/ ٢٠٧، ٨/ ٤٦٣؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٩؛ ومجالس ثعلب ص٩٦؛ ومعاهد التنصيص ١/ ٢٧٨؛ ومغني اللبيب ٢/ ٤٢٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠٠.
[ ٣ / ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبدل كيف يلتقيان من حاجة وأخرى أي: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما. وجعل منه الناظم نحو: عرفت زيدًا أو من هو.
خاتمة في مسائل متفرقة من التسهيل وشرحه: الأولى قد يتحد البدل والمبدل منه لفظًا إذا كان مع الثاني زيادة بيان كقراءة يعقوب: "وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا" [الجاثية: ٢٨] بنصب كل الثانية، فإنها قد اتصل بها ذكر سبب الجثو. الثانية الكثير كون البدل معتمدًا عليه، وقد يكون في حكم الملغى كقوله:
٩٠٢- إنَّ السُّيوفَ غُدُوَّهَا ورَواحَها تَرَكَتْ هَوازِنَ مِثل قَرْنِ الأَعْضَبِ
الثالثة: قد يستغنى في الصلة بالبدل عن لفظ المبدل منه، نحو: أحسن إلى الذي صحبت زيدًا: أي: صحبته زيدًا. الرابعة: ما فصل به مذكور وكان وافيًا به يجوز فيه البدل
ــ
قوله: "أبدل كيف يلتقيان إلخ" الظاهر أنه بدل اشتمال وكذا في عرفت زيدًا أبو من هو. قوله: "تعذر التقائهما" أشار بذلك إلى أن الجملة في تأويل المفرد وإلى أن الاستفهام تعجبي قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى. قوله: "أبو من هو" أبو مبتدأ ومن مضاف إليه وهو خبر والجملة بدل من زيدًا بدل اشتمال لا مفعول ثان؛ لأن عرف إنما يتعدى إلى مفعول واحد. قوله: "سبب الجثو" هو دعاء كل أمة إلى قراءة كتابها. قوله: "كون البدل معتمدًا عليه" أي: اعتمد عليه ما بعده في الحالة التي له من تذكير وتأنيث وغيرهما نحو: إن زيدًا عينه حسنة وإن هندًا جفنها فاتر بنصب العين والجفن، فأنث الخبر في الأول وذكر في الثاني، ولولا أن المعتمد عليه في ذلك هو البدل لوجب التذكير في الأول والتأنيث في الثاني ا. هـ. دماميني وفي كلام البعض أن الخبر عند اعتماد البدل للبدل وعند اعتماد المبدل منه للمبدل منه وفيه نظر، إلا أن يراد بكون الخبر للبدل أن البدل هو المخبر عنه في المعنى فتأمل. قوله: "تركت" فيه الشاهد فإنه خبر أنثه اعتمادًا على المبدل منه. والأعضب بعين مهملة فضاد معجمة فموحدة ولد البقرة إذا طلع قرنه، وقيل ما كسر قرنه وهو أنسب بالمقام.
قوله: "زيدًا" يصح نصبه بدلًا من الهاء المقدرة وجره بدلًا من الذي ورفعه خبر مبتدأ محذوف قاله الشارح على التوضيح. قوله: "ما فصل به مذكور" أي: مبدل منه مذكور. قال شيخنا نقلًا عن السيوطي: وكذا غير المفصل يجوز فيه القطع أيضًا نحو: مررت بزيد أخوك نص عليه سيبويه والأخفش ا. هـ. ونقل شيخنا السيد عن سم جواز قطع البيان والعطف، وتقدم جواز قطع
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للفرزدق في خزانة الأدب ٥/ ٢٠٨؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٥٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠١؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٤٠٨؛ والمحتسب ٢/ ١٦٥؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٧، ٤٢٦ والمقتضب ٢/ ٣٢٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٨.
(٢) البيت من الكامل، وهو للأخطل في ديوانه ص٣٢٩؛ وخزانة الأدب ٥/ ١٩٩، ٢٠١؛ ولسان العرب ١/ ٦٠٩ "عضب"؛ وبلا نسبة في جهرة اللغة ص٣٥٤.
[ ٣ / ١٩٦ ]
النداء:
مدخل
وللمُنادى النَّاء أو كالنَّاء يَا وأَيْ وآكَذا أيا ثُمَّ هَيَا
_________________
(١) والقطع نحو: مررت برجال قصير وطويل وربعة، وإن كان غير واف تعين قطعه إن لم ينو معطوف محذوف، نحو: مررت برجال طويل وقصير، فإن نوى معطوف محذوف فمن الأول، نحو: اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر بالنصب، التقدير وأخواتهما لثبوتها في حديث آخر. والله تعالى أعلم. النداء: فيه ثلاث لغات أشهرها كسر النون مع المد، ثم مع القصر، ثم ضمها مع المد. واشتقاقه من ندى الصوت وهو بعده، يقال: فلان أندى صوتًا من فلان إذا كان أبعد صوتًا منه "وللمنادى الناء" أي: البعيد "أو" من هو "كالناء" لنوم أو سهو، أو ارتفاع محل، أو النعت وهناك قول بجواز قطع التوكيد. قوله: "وكان وافيًا به" أي: مستوعبًا لأنواعه. قوله: "وربعة" بفتح الراء وسكون الموحدة وفتحها الذي بين الطويل والقصير. قوله: "تعين قطعه" أي: لأنه حينئذٍ بدل بعض من غير رابط كما في المغني وبهذا يتبين بطلان قول البعض محل التعيين إذا جعل بدل كل، فإن جعل بدل بعض جاز الاتباع على أنه لا يتصور إلا كونه بدل بعض؛ لأن الغرض أنه لم ينو معطوف محذوف فلا تكن من الغافلين. قوله: "فمن الأول" أي: ما كان فيه البدل وافيًا بالمبدل منه فيجوز فيها الأمران البدل والقطع. النداء: هو لغة الدعاء بأي: لفظ كان واصطلاحًا طلب الإقبال بحرف نائب مناب أدعو ملفوظ به أو مقدر والمراد بالإقبال ما يشمل الإقبال الحقيقي والمجازي المقصود به الإجابة كما في نحو: يا ألله ولا يرد يا زيد لا تقبل؛ لأن يا لطلب الإقبال لسماع النهي والنهي عن الإقبال بعد التوجه، واعترض نيابة حرف النداء عن أدعو؛ بأن أدعو خبر والنداء إنشاء، وأجيب بأن أدعو نقل إلى الإنشاء وإنما ينادى المميز وأما نحو: يا جبال ويا أرض فقيل: إنه من باب المجاز لتشبيه ما ذكر بالمميز في الانقياد واستعارته في النفس له على طريق الاستعارة بالكناية، ويا تخييل ولك أن تقول: من الجائز أن الله لما ذكر حال الخطاب تمييزًا فلم يقع النداء إلا لمميز، وهمزة النداء منقلبة عن واو مثل كساء كما في الغزي. قوله: "ثم مع القصر" أي: ثم أشهرها كسر النون مع القصر أي: بالنسبة للثالث وقوله ثم ضمها مع المد أي: ثم أشهرها ضمنها مع المد وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه وقدر بعضهم خبرًا في الموضعين أي: ثم كسرها مع القصر يلي الأول ثم ضمها مع المد يلي الثاني. هذا وقد أسلفنا في مبحث علامات الاسم نقلًا عن المصباح أن في النداء لغة رابعة وهي الضم مع القصر فتنبه. قوله: "واشتقاقه" أي: أخذه من ندى الصوت لتلاقيهما في المادة وإنما فسرنا الاشتقاق بالأخذ لاختلاف المأخوذ والمأخوذ منه معنى. قوله: "وللمنادى إلخ" في حاشية المغني
[ ٣ / ١٩٧ ]
والهَمْزُ للدَّانِي ووا لِمن نُدِبْ أو يا وغَيْرُ واو لدَى اللَّبِس اجْتُنِبْ
ــ
انخفاضه، كنداء العبد لربه وعكسه من حروف النداء "يا وأي" بالسكون وقد تمد همزتها "وآكذا أيا ثم هيا" وأعمها يا فإنها تدخل في كل نداء، وتتعين في الله تعالى "والهمز" المقصور "للداني" أي: القريب نحو: أزيد أقبل "ووا لمن ندب" وهو المتفجع عليه أو المتوجع منه، نحو: واولداه وارأساه "أو يا" نحو: يا ولداه يا رأساه "وغيروا" وهو يا "لدى اللبس اجتنب" أي: لا تستعمل يا في الندبة إلا عند أمن اللبس كقوله:
٩٠٣- حَمَلتَ أَمْرًا عَظيِمًا فاصْطَبَرْتَ لَهُ وقُمْتَ فيهِ بأَمْرِ اللهِ يا عُمَرا
ــ
للسيوطي ما نصه: حكى أبو حيان: أن بعضهم ذهب إلى أن حروف النداء أسماء أفعال تتضمن ضمير المنادي فعلى هذا استكملت الهمزة أقسام الكلمة؛ لأنها تأتي حرفًا للاستفهام وفعل أمر من وأي: بمعنى وعد ولها في ذلك نظائر ا. هـ. أي: كعلى والمنادي في عبارته بكسر الدال.
قوله: "الناء" بحذف الياء والاستغناء بالكسرة وكذا ما بعده. قوله: "أي: البعيد" قال شيخنا: الضابط في البعد وضده العرف ا. هـ. قيل إنما نودي البعيد بالأدوات الآتية المشتملة على حرف المد؛ لأن البعيد يحتاج في ندائه إلى مد الصوت ليسمع وهو ظاهر في غير أي: بقصر الهمز. قوله: "من هو كالناء" هذا حل معنى لا حل إعراب حتى يقال: إن الشارح حمل عبارة المتن على ما يمتنع عند البصريين وهو حذف الموصول وبعض الصلة مع أنه لا ضرورة إلى ذلك في عبارة المتن لجواز كون الكاف اسمية بمعنى مثل معطوفة على الناء. قوله: "أو ارتفاع محل" أراد به ما يعم المحل الحسي والمحل المعنوي الذي هو الرتبة بقرينة تمثيله لارتفاع محل المنادى بنداء العبد لربه. قوله: "ثم هيا" قيل هي فرع أيا بإبدال الهمزة هاء، وقيل: أصل فليست هاؤها بدلًا من همزة أيا وكلامه محتمل للقولين، وإن كان إلى الثاني أقرب، ولزيادة أحرفهما عن يا كان فيهما دلالة على زيادة بعد مناداهما عن منادى يا.
قوله: "وأعمها يا" أي: باعتبار المحال كما يدل عليه بقية كلامه. قوله: "تدخل في كل نداء" ولا يقدر عند الحذف سواها. قوله: "في الله تعالى" أي: لفظ الله تعالى مدلوله عن كل ما لا يليق، وكما تتعين في لفظ الجلالة تتعين في المستغاث وأيها وأيتها؛ لأن الأربعة لم يسمع نداؤها إلا بيا لا لبعدها حقيقة أو تنزيلًا؛ لأنه غير لازم. قوله: "ووا لمن ندب إلخ" قال الرضي: وقد يستعمل في النداء المحض وهو قليل ا. هـ. وقال في المغني: أجاز بعضهم استعمال وا في النداء الحقيقي. قوله: "وا ولداه" فوا حرف نداء وندبة وولدا منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، والألف للندبة والهاء للسكت. قوله: "وهو يا" أخذ هذا الحصر من قوله:
قبل ووا لمن ندب أو يا. قوله: "وقمت فيه إلخ" فصدور ذلك بعد موت
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لجرير في ديوانه ص٧٣٦؛ والدرر ٣/ ٤٢؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦٤، ١٨١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٢؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٨٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩؛ وشرح قطر الندى ص٢٢٢؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٧٢؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨٠.
[ ٣ / ١٩٨ ]
وغَيْرُ مُنْدُوبٍ ومُضْمَر وما جا مُسْتَغاثًا قد يُعَرَّى فاعْلَما
_________________
(١) فإن خيف اللبس تعينت وا. تنبيهات: الأول من حروف نداء البعيد آي بمدى الهمزة وسكون الياء، وقد عدها في التسهيل فجملة الحروف حينئذ ثمانية. الثاني ذهب المبرد إلى أن أيا وهيا للبعيد، وأي والهمزة للقريب، ويا لهما. وذهب ابن برهان إلى أن أيا وهيا للبعيد والهمزة للقريب وأي للمتوسط ويا للجميع، وأجمعوا على أن نداء القريب بما للبعيد يجوز توكيدًا وعلى منع العكس "وغير مندوب ومضمر وما جا مستغاثًا قد يعرى" من حروف النداء لفظًا "فاعلما" نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: عمر دليل على أنه مندوب وليس الدليل الألف؛ لأنها تلحق آخر المستغاث والمتعجب منه كما يأتي أفاده سم. قوله: "فإن خيف اللبس إلخ" فتقول عند قصد ندبة زيد الميت وبحضرتك من اسمه زيد: وازيد بالواو إذ لو أتيت بيا لتبادر إلى فهم السامع أنك قصدت النداء. قوله: "من حروف نداء البعيد آي إلخ" هذا مكرر مع قوله سابقًا، وقد تمد همزتها إلا أن يقال: أعاده ليؤيده بنقله عن التسهيل أو توطئة لقوله فجملة الحروف ثمانية. قوله: "ذهب المبرد إلخ" انظر ماذا يقول في آي وآ بمد الهمزة فيهما هل يجعلهما للبعيد أو للقريب أولهما فإن أراد بقوله: وأي والهمزة للقريب مقصورتين ومدودتين فلا إشكال، ونظير ذلك يقال فيما نقله عن ابن برهان. قوله: "على أن نداء القريب بما للبعيد" أي: في غير صورة تنزيله منزلة البعيد بقرينة قوله: يجوز توكيدًا إذ عند التنزيل المذكور لا تأكيد فتلخص أنه يجوز نداء القريب بما للبعيد للتوكيد وللتنزيل، والمراد توكيد النداء إيذانًا بأن الأمر الذي يتلوه مهم جدا كما أفاده في الكشاف. قوله: "وعلى منع العكس" أي: لعدم تأتي التوكيد في صورة العكس، ومحل منعه إذا لم ينزل البعيد منزلة القريب وإلا جاز نداؤه بما للقريب إذ لا مانع منه حينئذٍ كما قاله سم. قوله: "قد يعرى من حروف النداء لفظًا" وإن لزم عليه حذف النائب والمنوب عنه، فقد قال الدماميني: لا نسلم أن العوضية تنافي الحذف بدليل إقام الصلاة ا. هـ. وقال بعضهم: يا للتنبيه لا عوض عن الفعل لكن لما وقعت في محل أشبهت العوض ا. هـ. أما حذف المنادى وإبقاء حرف النداء فذهب ابن مالك إلى جوازه قبل الأمر والدعاء، واستشهد على ذلك ووجه الدماميني جوازه قبل الأمر والدعاء بأنهما مظنة النداء، ووقوعه معهما كثير فحسن التخفيف معهما بالحذف. وذهب أبو حيان إلى منعه وعلله بأن الجمع بين حذف فعل النداء وحذف المنادى إجحاف، ولم يرد بذلك سماع عن العرب، ويا في الشواهد للتنبيه كهي قبل ليت ورب وحبذا على ما صرح به في التسهيل، وعلله في شرحه بأن مولى يا أحد هذه الثلاثة قد يكون وحده ولا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف. قوله: "نحو: يوسف أعرض عن هذا" أشار بتعداد الأمثلة إلى أنه لا فرق بين أن يكون المنادى مفردًا أو مضافًا أو شبيهًا به ولا فرق في المفرد بين أن يكون مقصودًا للنداء لذاته كيوسف أو وصلة لنداء غيره كأي: ولا بين أن يكون معربًا قبل النداء كيوسف أو مبنيا قبله كمن
[ ٣ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣١]، ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ [الدخان: ٨٨]، نحو: خيرًا من زيد أقبل، ونحو: من لا يزال محسنًا إلي، أما المندوب والمستغاث والمضمر فلا يجوز ذلك فيها؛ لأن الأولين يطلب فيهما مد الصوت والحذف ينافيه، ولتفويت الدلالة على النداء مع المضمر.
تنبيهان: الأول عد في التسهيل من هذا النوع لفظ الجلالة والمتعجب منه، ولفظه: ولا يلزم الحرف إلا مع الله والمضمر والمستغاث والمتعجب منه والمندوب، وعد في التوضيح المنادى البعيد وهو ظاهر. الثاني أفهم كلامه جواز نداء المضمر والصحيح منعه مطلقًا نحو: وشذ يا إياك قد كفيتك وقوله:
٩٠٤- يا أَبْجَرَ ابْنَ أَبْجَرٍ يا أَنْتَا
ــ
أو معربًا قبله في بعض الأحوال ومبنيا في البعض الآخر كأي، هذا ما ظهر لي.
وأما ما ذكره البعض فلا يتم كما يؤخذ مما قررناه. فعلم أن المنادى في المثال الأخير وهو من مفرد؛ لأنه اسم موصول لا شبيه بالمضاف؛ لأنه لم يعمل فيما بعده ولم يعطف عليه ما بعده فهو مبني على ضم مقدر كما قاله سم. قوله: "أن أدوا إليّ عباد الله" أي: أدوا إليّ الطاعة يا عباد الله، وهذا أحد وجهين؛ الثاني: أن عباد الله مفعول أدوا كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ولا شاهد فيه حينئذٍ. قوله: "مع المضمر" أي: لقلة ندائه. قوله: "والمتعجب منه" نحو قولهم: يا للماء والعشب إذا تعجبوا من كثرتهما. قوله: "إلا مع الله" لأن نداءه على خلاف الأصل لوجود أل فيه، فلو حذف حرف النداء لم يدل عليه دليل أفاده سم. قوله: "والمتعجب منه"؛ لأنه كالمستغاث لفظًا وحكمًا.
قوله: "المنادى البعيد" أي: حقيقة أو تنزيلًا؛ لأن مد الصوت معه مطلوب ليسمع فيجيب والحذف ينافيه. قوله: "والصحيح منعه مطلقًا" ظاهره أن الخلاف جار في مطلق الضمير، وليس كذلك بل الخلاف في ضمير المخاطب فقط. وأما ضمير المتكلم والغائب فنداؤهما ممنوع اتفاقًا كما في التصريح فلا يقال: يا أنا ولا يا هو. ولا يرد أنه سمع يا هو يا من لا هو إلا هو؛ لأن هو في مثله اسم للذات العلية لا ضمير ا. هـ. ويمكن دفع الاعتراض بأن مصب تصحيح المنع في عبارته الإطلاق أي: والصحيح منع نداءه المضمر حالة كون المضمر مطلقًا عن التقييد بكونه ضمير متكلم أو غائب فيكون مقابل الصحيح المنع حالة كون الضمير مقيدًا بذلك، ويمكن أيضًا أن يفرض كلام الشارح كالمصنف في ضمير المخاطب فقط، ويكون معنى قول الشارح مطلقًا سواء كان ضمير رفع أو نصب، أخذا مما بعده أو يكون معناه نثرًا أو نظمًا أخذا مما بعده أيضًا فاعرف ذلك. قوله: "وشذ يا إياك قد كفيتك" جعل بعضهم يا فيه للتنبيه وإيا مفعول فعل
_________________
(١) الرجز للأحوص في ملحق ديوانه ص٢١٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٢؛ ولسالم بن دارة في خزانة الأدب ٢/ ١٣٩، ١٤٣، ١٤٦؛ والدرر ٣/ ٢٧؛ ونوادر أبي زيد ص١٦٣؛ وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٣٢٥؛ وأوضح المسالك ٤/ ١١؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٥٩؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣٠١، وشرح المفصل ١/ ١٢٧، ١٣٠؛ والمقرب ١/ ٧٦؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٤.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وذاكَ في اسمِ الجِنْس والمُشارِ لَهْ قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ
ــ
"وذاك" أي: التعري من الحروف "في اسم الجنس والمشار له قل ومن يمنعه" فيهما أصلًا ورأسًا "فانصر عاذله" بالذال المعجمة أي: لائمه على ذلك، فقد سمع في كل منهما ما لا يمكن رد جميعه، فمن ذلك في اسم الجنس قولهم: أطرق كرًا، وافتد مخنوق، وأصبح ليل. وفي الحديث: "ثوبي حجر" وفي اسم الإشارة قوله:
٩٠٥- إذا هَمَلَتْ عَينِي لَها قالَ صاحِبِي بمثْلِكَ هَذا لَوْعَةٌ وغَرامُ
ــ
محذوف يفسره المذكور. قوله: "يا أبجر" بموحدة فجيم فراء قال في القاموس: الأبجر الذي خرجت سرته والعظيم البطن وقد بجر كفرح فيهما ا. هـ. وتمامه:
أنت الذي طلقت عام جعتا
وجعل بعضهم يا فيه للتنبيه وأنت الأولى مبتدأ وأنت الثانية تأكيدًا والموصول خبرًا. قوله: "أي: التعري" أي: المفهوم من يعري ولم يقل أي التعرية مع أنها مصدر يعرى؛ لأن التعري أوفق بتذكير اسم الإشارة. قوله: "في اسم الجنس" أي: المعين كما سيأتي في الشرح.
قوله: "والمشار له" اعترض بأن حقه أن يقول: والمشار به وأجيب بأن في كلامه حذف مضاف أي: ولفظ المشار له من حيث إنه مشار له، وهو اسم الإشارة وبأنه معطوف على الجنس أي: واسم المشار له أي: الاسم الدال عليه من حيث أنه مشار إليه. وظاهر كلامه جواز نداء اسم الإشارة مطلقًا وقيده الشاطبي بغير المتصل بالخطاب. قوله: "أصلًا ورأسًا" العطف للتوكيد والمراد أنه لا يحكم بالقلة فقط. وأما قول البعض المراد بمنعه أصلًا منع القياس عليه وبمنعه رأسًا منع وروده فهو مع ما فيه من التحكم مردود بما سيفيده
الشارح من اعتراف المانعين بالورود حيث قال: ومذهب البصريين المنع فيهما وحمل ما ورد على شذوذ أو ضرورة.
قوله: "أطرق كرًا" أصله يا كروان رخم بحذف النون وحذفت معها الألف لكونها لينًا زائدًا ساكنًا مكملًا أربعة. قال الناظم: ومع الآخر احذف الذي تلا إلخ، ثم قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وتمامه: إن النعام في القرى. وهو مثل يضرب لمن تكبر وقد تواضع من هو أشرف منه، أي: اخفض يا كرًا عنقك للصيد فإن من هو أكبر وأطول عنقًا منك وهو النعام قد صيد. تصريح بزيادة. قوله: "وافتد مخنوق" مثل يضرب لكل مضطر وقع في شدة وهو يبخل بافتداء نفسه بماله ا. هـ. تصريح. قوله: "وأصبح ليل" مثل يضرب لمن يظهر الكراهة للشيء أي: صر صبحًا ا. هـ. تصريح. ولو قال: أي ائت بالصبح أو تبدل بالصبح لكان أوضح. قوله: "ثوبي حجر" قاله -ﷺ- حكاية عن موسى ﵊ حين فر الحجر بثوبه حين وضعه عليه وذهب ليغتسل، وكان رخامًا كما في الفارضي. قوله: "إذا هملت عيني" أي: أسالت الدموع لها أي: لأجل
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ديوانه ص١٥٩٢؛ والدرر ٣/ ٢٤؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦٥؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٩٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٥؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٤؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٥؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٤١. ش
[ ٣ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
٩٠٦- إنَّ الأُلَى وَصَفُوا قَومِي لَهُم فَبِهِم هذا اعْتَصِمْ تَلقَ منْ عاداكَ مَخْذُولا
وقوله:
٩٠٧- ذا ارْعِواءً فَلَيسَ بَعْدَ اشْتِعالِ الرْ رَأسِ شَيبًا إلى الصِّبا مِنِّ سَبِيلِ
وجعل منه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وكلاهما عند الكوفيين مقيس مطرد، ومذهب البصريين المنع فيهما وحمل ما ورد، على شذوذ أو ضرورة، ولحنوا المتنبي في قوله:
٩٠٨- هَذِي بَرَزْتِ لَنا فَهِجْتِ رَسِيسًا
والإنصاف القياس على اسم الجنس لكثرته نظمًا ونثرًا، وقصر اسم الإشارة على السماع إذا لم يرد إلا في الشعر، وقد صرح في شرح الكافية بموافقة الكوفيين في اسم
ــ
المحبوبة وبمثلك خبر مقدم ولوعة مبتدأ مؤخر وهذا منادى وفيه الشاهد. قال البعض: ويحتمل أن يكون مبتدأ ولوعة بدل أو عطف بيان وحينئذٍ لا شاهد فيه ا. هـ. ومما يبعده تذكير اسم الإشارة مع تأنيث لوعة. قوله: "قومي لهم" قومي خبر إن ولهم متعلق بصلة الموصول، وهي وصفوا فيكون قد فصل بين العامل والمعمول بأجنبي للضرورة واعتصم أي: استمسك. قوله: "ذا ارعواء" أي: يا ذا ارعو ارعواء أي: انكف عن دواعي الصبا انكفافًا. قوله:
"وجعل منه قوله تعالى إلخ" لم يقل وقوله تعالى؛ لأن ما ذكره أحد أوجه منها أن هؤلاء بمعنى الذين خبر أنتم. قوله: "على شذوذ" أي: في النثر أو ضرورة في النظم. قوله: "ولحنوا المتنبي" قد يمنع التلحين بأن المتنبي كوفي، ومذهب الكوفيين جواز حذف حرف النداء من اسم الإشارة. قاله الدماميني. قوله:
"هذي" أي: يا هذي وجعله بعضهم مفعولًا مطلقًا أي: برزت هذه البرزة وحينئذٍ لا شاهد فيه. ورده الناظم بأنه لا يشار إلى المصدر على طريق المفعول المطلق إلا منعوتًا بذلك المصدر نحو: ضربته ذلك الضرب لكن تقدم في باب المفعول المطلق أن غير الناظم لا يشترط ذلك فهجت أي: أثرت رسيسًا أي: هما. وتمامه:
ثم انصرفت وما شفيت نسيسًا
بنون مفتوحة أي: بقية النفس. قوله: "إذ لم يرد إلا في الشعر" أي: لم يرد نصا إلا في
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص٢٩٨.
(٢) البيت من الخفيف، وهو بلا نسبة في شرح ابن عقيل ص٥١٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٠.
(٣) عجزه: ثم انْثَنَيْتِ وما شَفيت نَسِيسًا والبيت من الكامل، وهو للمتنبي في ديوانه ٢/ ٣٠١؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٤١؛ وبلا نسبة في المقرب ١/ ١٧٧.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
وابْن المُعَرَّفَ المنادى المفرَدا على الذي في رَفْعِهِ قد عُهِدا
_________________
(١) الجنس فقال وقولهم في هذا أصح. تنبيه: أطلق هنا اسم الجنس وقيده في التسهيل بالمبنى للنداء، إذ هو محل الخلاف، فأما اسم الجنس المفرد غير المعين كقول الأعمى يا رجلًا خذ بيدي فنص في شرح الكافية على أن الحرف يلزمه. فالحاصل أن الحرف يلزم في سبعة مواضع: المندوب والمستغاث والمتعجب منه والمنادى البعيد والمضمر ولفظ الجلالة واسم الجنس غير المعين وفي اسم الإشارة واسم الجنس المعين ما عرفت "وابن المعرف المنادى المفردا على الذي في رفعه قد عهدا" أي: إذا اجتمع في المنادى هذان الأمران: التعريف والإفراد فإنه يبني على ما يرفع به لو كان معربًا. وسواء كان ذلك التعريف سابقًا على النداء نحو: يا الشعر فلا ترد الآية لقبولها التأويل. قوله: "إذ هو محل الخلاف" يقتضي أن غير المعين يلزمه الحرف اتفاقًا، وليس كذلك فقد صرح المرادي بأن بعضهم أجاز حذف الحرف معه أيضًا نحو: رجلًا خذ بيدي وأجاب بعضهم بجعل أل في الخلاف للعهد والمعهود الخلاف بين البصريين والكوفيين، فغير المعين يلزمه الحرف اتفاقًا منهما، وهذا لا ينافي حكاية قول فيه عن بعض النحاة وإنما يصح هذا الجواب إذا كان البعض المجيز من غير الفريقين فراجعه. قوله: "على أن الحرف يلزمه" أي: على الصحيح لما مر عن المرادي خلافًا لما يوهمه كلام الشارح من أن لزومه للحرف متفق عليه. قوله: "وابن المعرف إلخ" إنما بني لوقوعه موقع الكاف الاسمية في نحو: أدعوك المشابهة لفظًا ومعنى لكاف الخطاب الحرفية ومماثلته لها إفرادًا وتعريفًا، وإنما احتيج إلى قولنا المشابهة لفظًا ومعنى لكاف الخطاب الحرفية؛ لأن الاسم لا يبنى إلا لمشابهة الحرف ولا يبنى لمشابهة الاسم المبني، وخرج بقولنا ومماثلته لها إفرادًا وتعريفًا المضاف والشبيه به؛ لأنهما لم يماثلا الكاف الاسمية إفرادًا والنكرة غير المقصودة؛ لأنها لم تماثلها تعريفًا. وجعل السيد علة البناء المشابهة لكاف ذلك في الخطاب والإفراد بلا واسطة، ويرد عليه وجود هذه العلة في النكرة غير المقصودة مع عدم بنائها وبني على حركة للإعلام بأن بناءه غير أصلي وكانت ضمة؛ لأنه لو بني على الكسر لالتبس بالمنادى المضاف إلى ياء المتكلم عند حذف يائه اكتفاء بالكسرة، أو على الفتح لالتبس به عند حذف ألفه اكتفاء بالفتحة. قاله الفاكهي. وأورد عليه أن المنادى المضاف للياء يجوز فيه الضم عند حذف يائه فلا يحصل الفرق، وأجيب بأنه قليل فلا ينظر إليه. قوله: "المنادى" ليس بقيد بل بيان لموضوع المسألة؛ لأن الكلام في أحكام المنادى وأخره عن قوله المعرف ضرورة ا. هـ. غزي. قوله: "في رفعه" أي: رفع نظيره على ما قاله الغزي، أو المراد رفعه في غير النداء، أو المراد رفعه على فرض إعرابه، وإلى هذا يشير قول الشارح: على ما يرفع به لو كان معربًا، فاندفع ما يقال الرفع إعراب فينافي قوله وابن. قوله: "على ما يرفع به" من حركة ظاهرة أو مقدرة أو حرف. قوله: "سابقًا على النداء" كالعلم والصحيح بقاؤه على تعريفه
[ ٣ / ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيد أو عارضًا فيه بسبب القصد والإقبال وهو النكرة المقصودة نحو: يا رجل أقبل تريدك رجلًا معينًا. والمراد بالمفرد هنا أن لا يكون مضافًا ولا شبيهًا به كما في باب لا، فيدخل في ذلك المركب المزجي والمثنى والمجموع نحو: يا معد يكرب ويا زيدان ويا زيدون ويا هندان ويا رجلان ويا مسلمون، وفي نحو: يا موسى ويا قاضي ضمة مقدرة. تنبيهات: الأول قال في التسهيل ويجوز نصب ما وصف من معرف بقصد وإقبال بالعلمية وازداد بالنداء وضوحًا. وقيل سلب تعريفه بالعلمية وتعرف بالنداء، ورده الناظم بنداء ما لا يمكن سلب تعريفه كلفظ الجلالة واسم الإشارة فإنهما لا يقبلان التنكير. فإن قلت: العلم إذا أريد إضافته نكر فما الفرق قلت: ليس المقصود من الإضافة إلا تعريف المضاف أو تخصيصه، فلو أضيف مع بقاء التعريف كانت الإضافة لغوًا، وليس المقصود من النداء التعريف بل طلب الإصغاء؛ فلا حاجة إلى تنكير المنادى إذا كان معرفة سم. قوله: "بسبب القصد" أي: قصد المنكر بعينه وقوله والإقبال أي: إقبال المتكلم على المنادى أي: إلقائه الكلام نحوه، وليس المراد إقبال المنادى على المتكلم كما قد يتوهم لتأخره عن النداء فيلزم كون الكلمة حالة النداء غير معرفة وتوقف تعريفها على إقبال المنادى، حتى إنه إذا لم يقبل بقيت الكلمة على تنكيرها وهو باطل. والعطف من عطف اللازم قال الدماميني: التعريف لم يحصل بمجرد القصد والإقبال بل بهما مع كون الكلمة مناداة بدليل انتفائه في أنت رجل عالم مع وجود القصد والإقبال، وحينئذٍ فقول الشارح بسبب القصد والإقبال أي: مع كون الكلمة مناداة. قوله: "المركب المزجي" المراد به ما يشمل العددي كخمسة عشر؛ لأنه أيضًا من المفرد، نعم أجرى الكوفيون اثني عشر واثنتي عشرة مجرى المضاف كما سيأتي في الشرح. قوله: "والمثنى والمجموع" الظاهر كما قال البعض أن نحو: يا زيدان ويا زيدون من النكرة المقصودة لا من العلم؛ لأن العلمية زالت إذ لا يثنى العلم ولا يجمع إلا بعد اعتبار تنكيره؛ ولهذا دخلت عليهما أل فتعريفهما بالقصد والإقبال. قوله: "ويا قاضي" بحذف التنوين اتفاقًا لحدوث البناء وإثبات الياء، إذ لا موجب لحذفها. قاله الخليل. وذهب المبرد إلى أن الياء تحذف؛ لأن النداء دخل على اسم منون محذوف الياء فيبقى حذفها بحاله وتقدر الضمة فيها، ومحل الخلاف بينهما إذا لم يصر بحذف الياء ذا أصل واحد وإلا ثبتت الياء اتفاقًا كما في مراسم فاعل من أرى. قاله في التسهيل. قوله: "ويجوز نصب ما وصف" أي: بمفرد معرف أو منكر أو بجملة أو بظرف أي: جوازًا برجحان بل أوجبه كثير ذاهبين إلى أنه من شبيه المضاف كما يفيده قول الهمع، أما الموصوفة بمفرد أو جملة أو ظرف فمن شبيه المضاف فتنصب وجوز الكسائي فيها البناء ا. هـ. وعلى هذا لا يختص الشبيه بالمضاف بما عمل فيما بعده أو عطف عليه ما بعده. ويؤخذ من التصريح أن الأحوال ثلاثة وأنه يجب النصب في حال ورود النداء على الموصوف وصفته بأن يطرأ النداء بعد الوصف بالصفة؛ لأنه حينئذٍ من شبيه المضاف، ويجب البناء في حال ورود الوصف بالصفة على
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وانْوِ انْضِمامَ ما بَنَوا قَبْلَ النِّدا وليُجْرَ مُجْرَى ذي بِناء جُدِّدا
ــ
وحكاه في شرحه عن الفراء وأيده بما روي من قوله -ﷺ- في سجوده: $"يا عظيمًا يرجى لكل عظيم" وجعل منه قوله:
٩٠٩- أَدَارًا بِحُزْوَى هِجْتِ للعَينِ عَبْرَةً
الثاني: ما أطلقه هنا قيده في التسهيل بقوله غير مجرور باللام للاحتراز من نحو: يا لزيد لعمرو، ونحو: ياللماء والعشب، فإن كلا منهما مفرد وهو معرب. الثالث: إذا ناديت اثني عشر واثنتي عشرة قلت: يا اثنا عشر ويا اثنتا عشرة بالألف، وإنما بني على الألف؛ لأنه مفرد في هذا الباب كما عرفت. وقال الكوفيون: يا اثني عشر ويا اثنتي عشرة بالياء إجراء لهما مجرى المضاف "وانو انضمام ما بنوا قبل الندا" كسيبويه وحذام في لغة الحجاز
ــ
النداء بأن يطرأ بعد النداء فيكون المنادى الموصوف وحده وهو مفرد مقصود، ثم يرد الوصف ويجوز كل في احتمال الأمرين. واستشكل الدماميني جواز وصف المنادى المقصود بالجملة والظرف والنكرة مع أنه معرفة، والثلاثة لا يوصف بها إلا النكرات، قال: وغاية ما يتمحل له أن هذا المنادى كان قبل النداء نكرة فيصح وصفه بجميع ذلك ويقدر أنه وصف بها قبل النداء، ثم جاء النداء داخلًا على الموصوف وصفته جميعًا لا داخلًا على المنادى فقط، ثم وصف بعده ا. هـ. وجوابه المذكور إنما يتم على النصب. وأجاب في التصريح بأنه يغتفر في المعرفة الطارئة ما لا يغتفر في الأصلية ثم نقل عن الموضح أن الجملة أي: في نحو: يا عظيمًا يرجى لكل عظيم حال من الضمير المستتر في الوصف لا نعت في حالة النصب؛ لأنها حينئذٍ عاملة فيما بعدها، قال: فهو من الشبيه بالمضاف وفيه رد على ابن مالك حيث جعل الجملة نعتًا ا. هـ. قال شيخنا: وغرض الشارح بقوله ويجوز نصب إلخ التنبيه على أن كلام المصنف هنا مقيد بعدم الوصف.
قوله: "هجت" أي: أثرت والعبرة الدمع. قوله: "قيده في التسهيل" هذا التقييد مأخوذ من قول المصنف في الاستغاثة إذا استغيث اسم منادى خفضًا باللام فما هنا مقيد بما سيأتي أفاده سم. قوله: "إجراء لهما مجرى المضاف" أي: لشبههما به في الصورة. قوله: "وانو انضمام ما بنوا قبل الندا" فإن قيل المبنيات إنما يحكم على محلها فلا يقدر فيها، فالجواب أن المقدر هنا حركة بناء لا حركة إعراب ا. هـ. فارسي أي: وحركة البناء لا تكون محلية؛ لأنها ليست من مقتضيات العامل والحركة المحلية من مقتضياته فانحصرت في حركة الإعراب. قوله: "ما بنوا" أي: أو حكوا كما سيذكره الشارح. قوله: "في لغة الحجاز" راجع لحذام فقط أي: وأما في لغة تميم فهو معرب فيكون في حالة النداء مبنيا على الضم بناء
_________________
(١) عجزه: فماءُ الهوى يَرْفَضُّ أو يَتَرَقْرَقُ والبيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ديوانه ص٤٥٦؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٩٠؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٨٨؛ والكتاب ٢/ ١٩٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٦، ٥٧٩؛ وبلا نسبة في الأغاني ١٠/ ١١٩؛ وأوضح المسالك ٤/ ٣٨٨؛ والمقتضب ٤/ ٢٠٣.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
والمُفْرَدَ المَنْكورَ والمضَافا وشِبْهَهُ انْصِبْ عادِمًا خِلافا
ــ
وخمسة عشر "وليجر مجرى ذي بناء جددا" ويظهر أثر ذلك في تابعه فتقول: يا سيبويه العالم برفع العالم ونصبه كما تفعل في تابع ما تجدد بناؤه نحو: يا زيد الفاضل، والمحكي كالمبني تقول يا تأبط شرا المقدام والمقدام "والمفرد المنكور والمضافا وشبهه انصب عادمًا خلافًا" أي: يجب نصب المنادى حتمًا في ثلاثة أحوال: الأول النكرة غير المقصودة كقول الواعظ:
يا غافلًا والموتْ يَطْلُبُهُ
وقول الأعمى: يا رجلًا خذ بيدي. وقوله:
٩١٠- أيا رَاكِبًا إمّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ
ــ
مجددًا. قوله: "وليجر مجرى ذي بناء جددا" يحتمل أن المراد يجري مجراه في كونه في محل نصب، وعلى هذا يرجع اسم الإشارة في قول الشارح، ويظهر أثر ذلك إلى ما ذكر من نية الضم ونصب المحل، ويحتمل أن المراد مجرى مجراه في جواز رفع تابعه ونصبه كما أشار إليه الفارضي، وعلى هذا كان ينبغي للشارح أن يسقط قوله: ويظهر أثر ذلك في تابعه ويقتصر على قوله: فتقول يا سيبويه العالم إلخ فتدبر.
قوله: "برفع العالم" أي: مراعاة للضم المقدر ونصبه أي: مراعاة لمحل المتبوع ولم يجر مراعاة لكسرة البناء؛ لأنها لأصالتها بعيدة عن حركة الإعراب بخلاف الضم فإنه لعروضه بيا أشبهت حركة الإعراب العارضة بالعامل المتأصلة في المتبوعية، وإطلاق الرفع على حركة التابع فيه مسامحة؛ لأن التحقيق أنها حركة اتباع. قوله: "والمحكي كالمبني" مقتضاه أن المحكي ليس بمبني وهو مذهب السيد؛ ولهذا جعل إعرابه تقديريا وهو أوجه مما في التصريح أنه مبني، ويمكن تفسير البناء في كلامه بما قابل الإعراب فيشمل الحكاية فيرجع الخلاف لفظيا فافهم. ومعنى كونه كالمبني أنه يبنى على ضم منوي ويرفع تابعه وينصب. قوله: "والمضافا" أي: لغير ضمير الخطاب أما المضاف إليه فلا ينادى، فلا يقال: يا غلامك لاستلزامه اجتماع النقيضين لاقتضاء النداء خطاب الغلام وإضافته إلى ضمير الخطاب عدم خطابه لوجوب تغاير المتضايفين وامتناع اجتماع خطابين لشخصين في جملة واحدة أفاده الدنوشري نقلًا عن المتوسط، وهو أولى مما ذكره البعض.
قوله: "يا غافلًا والموت يطلبه" قال البعض: الواو استئنافية ليصح كونه مثالًا للنكرة غير المقصودة إذ لو جعلت حالية لكان من أمثلة الشبيه بالمضاف لا مما نحن بصدده ا. هـ. وفيه أن المعنى على الحالية لا على الاستئناف فالأولى عندي أنه من شبيه المضاف لا من المفرد وإن درج عليه الشارح وغيره لما عرفته فتدبر.
قوله: "أيا راكبًا أما عرضت فبلغن" تمامه:
_________________
(١) عجزه: نَدامَايَ من نجرانَ أنْ لا تَلاقِيا =
[ ٣ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وعن المازني أنه أحال وجود هذا النوع. الثاني: المضاف سواء كانت الإضافة محضة نحو: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧، الحشر: ١٠]، أو غير محضة نحو: يا حسن الوجه. وعن ثعلب إجازة الضم في غير المحضة. الثالث: الشبيه بالمضاف وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه نحو: يا حسنًا وجهه ويا طالعًا جبلًا ويا رفيقًا بالعباد ويا ثلاثة وثلاثين فيمن سميته بذلك، ويمتنع في هذا إدخال يا على ثلاثين خلافًا لبعضهم، وإن ناديت جماعة هذه عدتها، فإن كانت غير معينة نصبتهما أيضًا وإن كانت معينة نداماي من نجران أن لا تلاقيا أصل أما إن ما فأدغمت نون الشرطية في ميم ما الزائدة وعرضت أي: أتيت العروض وهي مكة والمدينة وما بينهما ونجران بلد باليمن. تصريح. قوله: "أحال وجود هذا النوع" أي: نداء غير المقصود مدعيًا أن نداء غير المعين لا يمكن. قوله: "وعن ثعلب إجازة الضم" فيه تورك على قول الناظم عاد ما خلافًا إلا أن يقال المراد خلافًا معتدًا به، أو عادما في الجملة. قوله: "ما اتصل به شيء من تمام معناه" أي: متممه بأن يكون معمولًا أو معطوفًا قبل النداء كما يفيده كلام التسهيل، وصرح به في التصريح أو نعتًا على ما مر من الخلاف فالموصول نحو: يا من فعل كذا من المفرد فيقدر ضمه كما في سم، والمعمول إما مرفوع أو منصوب أو مجرور؛ ولهذا عدد الأمثلة. قوله: "ويا طالعًا جبلًا" هو معرفة بدليل نعته بمعرفة، ولا يقال موصوفه المقدر نكرة؛ لأنه تنوسي بإقامته مقامه؛ ولذلك كان هو المنادى دون الموصوف المقدر قاله الشنواني. ثم نقل عن الرضي جواز تعريف نعت النكرة المقصودة وتنكيره وكذا عن الشيخ خالد قال: لكون التعريف مجددًا، قال: وينبغي أن نعت شبه المضاف كذلك. قوله: "فيمن سميته بذلك" أي: حالة كونه مستعملًا فيمن سميته بمجموع المعطوف والمعطوف عليه فيجب نصبهما للطول بلا خلاف: الأول لشبهه بالمضاف والثاني لعطفه على المنصوب. قوله: "ويمتنع في هذا إدخال يا إلخ" أي: لأن ثلاثين جزء علم حينئذٍ كشمس من عبد شمس والمخالف نظر إلى الأصل المنقول عنه. قوله: "نصبتهما أيضًا" أي: وجوبًا أما الأول فلأنه نكرة غير مقصودة وأما الثاني فلعطفه على المنصوب. قوله: "وإن كانت" أي: الجماعة معينة إلخ قال الحفيد الظاهر أن هذا الحكم الذي قاله محله فيما إذا أريد بثلاثة ثلاثة معينة وبثلاثين ثلاثون معينة وإنما قلت ذلك؛ لأن المنادى إنما يبنى إذا كان مفرد المعين، وكذا لا يجوز في تابعه الوجهان إذا كان مع أل إلا إذا أريد به معين أما إذا أريد بالمجموع معين فلا يستحق كل منهما بناء بل = والبيت من الطويل، وهو لعبد يغوث بن وقاص في الأشباه والنظائر ٦/ ٢٤٣؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٩٤، ١٩٥، ١٩٧؛ وشرح اختيارات المفضل ص٧٦٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦٧؛ وشرح المفصل ١/ ١٢٨؛ والعقد الفريد ٥/ ٢٢٩؛ والكتاب ٢/ ٢٠٠؛ ولسان العرب ٧/ ١٧٣ "عرض"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠٦؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ٤١٣، ٩/ ٢٢٣؛ ورصف المباني ص١٣٧؛ وشرح شذور الذهب ص١٤٥؛ وشرح ابن عقيل ص٥١٥؛ وشرح قطر الندى ص٢٠٣؛ والمقتضب ٤/ ٢٠٤.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ضممت الأول وعرفت الثاني بأل ونصبته أو رفعته، إلا إن أعدت معه يا فيجب ضمه وتجريده من أل، ومنع ابن خروف إعادة يا وتخييره في إلحاق أل مردود. تنبيه: انتصاب المنادى لفظًا أو محلا عند سيبوه على أنه مفعول به وناصبه الفعل المقدر، فأصل يا زيد عنده أدعو زيدًا، فحذف الفعل حذفًا لازمًا لكثرة الاستعمال ولدلالة حرف النداء عليه وإفادته فائدته، وأجاز المبرد نصبه بحرف النداء لسده مسد الفعل، فعلى المذهبين يا زيد جملة وليس المنادى أحد جزأيها فعند سيبويه جزآها أي: الفعل والفاعل مقدران، وعند المبرد حرف النداء سد مسد أحد جزأي الجملة أي: الفعل والفاعل مقدر الظاهر فيه نصبهما كما لو سمي رجل بثلاثة وثلاثين سم. قوله: "ضممت الأول" أي: لأنه نكرة مقصودة تصريح. قوله: "وعرفت الثاني" قال في التصريح وجوبًا؛ لأنه اسم جنس أريد به معين فوجب إدخال أداة التعريف عليه وهي أل ا. هـ. ولم يكتف بحرف النداء؛ لأنه لم يباشره وقضية التعليل امتناع يا زيد ورجل، وهو ما نقله السيوطي عن الأخفش. ونقل عن المبرد الجواز قال سم. وقياس قول المبرد الجواز في مسألتنا بدون أل. قوله: "ونصبته" أي: عطفًا على محل الأول أو رفعته أي: عطفًا على لفظه والوجهان مأخوذان من قول المصنف الآتي: وإن يكن مصحوب أل ما نسقا ففيه وجهان ورفع ينتفى قوله: "فيجب ضمه" قال شيخنا: أي: بناؤه على ما يرفع به فلا يرد أنه يبنى على الواو ا. هـ. ولو قال: فيجب بناؤه على الواو لكان أوضح. قوله: "وتجريده من أل"؛ لأنه لا يجمع بين يا وأل إلا مع لفظ الجلالة والجملة المحكية المصدرة بأل كما يأتي. قوله: "مردود" كان الظاهر مردودان ليطابق الخبر المبتدأ، وهو منع وتخيير ويمكن أن يقرأ تخيير بالنصب على أنه مفعول معه أو يقدر لواحد منهما خبر على حد: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض. وهذا الجواب أولى لإيهام ما قبله أن ابن خروف لو قال بأحد الأمرين ولم يجمع بينهما لم يرد عليه وليس كذلك فافهم. ووجه رد الأول أن الثاني ليس جزء علم حتى يمتنع دخول يا عليه، ووجه رد الثاني أنه اسم جنس أريد به معين فيجب تعريفه بأل لما تقدم لا أنه مخير فيه. وللبعض هنا كلام لا يساوي التعرض له ويؤخذ رده مما تقدم فتأمل. قوله: "وإفادته فائدته" هي طلب الإقبال، وعلم من كلامه أن شرط الحذف، وهو الدلالة وشرط وجوبه وهو سد الحرف مسده موجودان لكن سد مسده عند سيبويه في اللفظ وعند المبرد في اللفظ والعمل. قوله: "نصبه بحرف النداء إلخ" في الهمع أنه على هذا مشبه بالمفعول به لا مفعول به. قوله: "يا زيد جملة" أي: مفيد مفاد الجملة وواقع موقعها وليس المراد أنه بنفسه جملة، كذا قال البعض وهو ظاهر على مذهب سيبويه وعلى أول الاحتمالين الآتيين في تقرير مذهب المبرد. قوله: "والفاعل مقدر" أي: محذوف تبعًا لحذف الفعل الذي استتر فيه ويحتمل أن المراد مستتر في يا؛ لأنها لما عملت عمله جاز أن يستتر فيها ما استتر في الفعل، ثم رأيت بعضهم ذكره مقتصرًا عليه
[ ٣ / ٢٠٨ ]
ونحو زيدٍ ضُمَّ وافْتَحَنَّ مِنْ نَحْوِ أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لا تَهِنْ
ــ
والمفعول ههنا على المذهبين واجب الذكر لفظًا أو تقديرًا إذ لا نداء بدون المنادى "ونحو زيد ضم وافتحن من نحو أزيد بن سعيد لا تهن" أي: إذا كان المنادى علمًا مفردًا موصوفًا بابن متصل به مضاف إلى علم نحو: يا زيد بن سعيد جاز فيه الضم والفتح، والمختار عند البصريين غير المبرد الفتح، ومنه قوله:
٩١١- يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ سُرادِقُ المَجْدِ عَليكَ مَمْدودْ
ــ
ولكن الأول أوفق بكلامه في تقرير مذهب سيبويه، وعلى الثاني يكون يا زيد بنفسه جملة، وكذا على ما حكاه أبو حيان عن بعضهم: أن أحرف النداء أسماء أفعال متحملة لضمير المنادى بكسر الدال فتنبه. قوله: "أو تقديرًا" اعترضه شيخنا بأن التقدير ينافي وجوب الذكر، وأجاب البعض بأن المراد بالذكر الملاحظة، وكلام الشارح مبني على مذهب ابن مالك من جواز حذف المنادى قياسًا قبل الأمر والدعاء كما مر بيانه. قوله: "ونحو" مفعول ضم
ومفعول افتحن ضمير محذوف يعود على نحو: وتهن بفتح التاء مضارع وهن أي: ضعف وبضمها مضارع أهان والهاء مكسورة فيهما. قوله: "بابن متصل" أنت خبير بأن المراد بابن لفظه فهو حينئذٍ علم فكيف وصفه بالنكرة حيث قال: متصل مضاف فكان حقه أن يقول: متصلًا مضافًا بالنصب على الحال.
قوله: "مضاف إلى علم" أعم من أن يكون مفردًا أو غيره. حفيد سم. قوله: "جاز فيه الضم" أي: على الأصل والفتح إما على الاتباع لفتحة ابن إذ الحاجز بينهما ساكن فهو غير حصين وعليه اقتصر في التسهيل أو على تركيب الصفة مع الموصوف، وجعلهما شيئًا واحدًا كخمسة عشر وعليه اقتصر الفخر الرازي تبعًا للشيخ عبد القاهر، أو على اقحام ابن وإضافة زيد إلى سعيد؛ لأن ابن الشخص تجوز إضافته إليه لملابسته إياه حكاه في البسيط مع الوجهين السابقين، فعلى الوجه الأولى فتحة زيد فتحة اتباع وعلى الثاني فتحة بنية وعلى الثالث فتحة إعراب، وفتحة ابن على الأول والثالث فتحة إعراب وعلى الثاني فتحة بناء ا. هـ. تصريح ببعض تغيير. ونقل شيخنا عن حواشي الجامي أنه لا يتصور الرفع في تابع العلم الموصوف بابن إذا كان أي: العلم الموصوف بابن مفتوحًا، ثم نقل عن الطبلاوي ما نصه: واعلم أنه لا يجوز في تابع العلم الموصوف بابن إلا النصب نحو: يا زيد ابن عمرو العاقل بنصب العاقل كما جزم به العصام وصرح به غيره ا. هـ. ومقتضى النقل الأول تصور رفعه إذا ضم العلم الموصوف بابن ومقتضى الثاني عدم تصور رفعه مطلقًا، وكأن المانع من الرفع عند ضم ذلك العلم الفصل بين التابع والمتبوع فحرره.
قوله: "يا حكم بن المنذر إلخ" من الرجز المذيل شذوذًا كما قرر في محله والسرادق
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٢؛ وللكذاب الحرمازي في شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٧٢؛ والشعر والشعراء ٢/ ٦٨٩؛ والكتاب ٢/ ٢٠٣؛ ولرؤبة أو للكذاب الحرمازي في شرح التصريح ٢/ ١٦٩؛ ولسان العرب ١٠/ ١٥٨ "سردق" والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٠؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٢؛ ورصف المباني ص٣٥٦؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٢٦؛ وشرح المفصل ٢/ ٥؛ والمقتضب ٤/ ٢٣٢.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
والضَّمُّ إنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا أو يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
_________________
(١) تنبيه: شرط جواز الأمرين كون الابن صفة كما هو الظاهر، فلو جعل بدلًا أو عطف بيان أو منادى أو مفعولًا بفعل مقدر تعين الضم، وكلامه لا يوفي بذلك وإن كان مراده "والضم إن لم يل الابن علما ويل الابن علم قد حتما" الضم مبتدأ خبره قد حتما وإن لم يل شرط جوابه محذوف، والتقدير فالضم متحتم أي: واجب. ويجوز أن يكون قد حتما جوابه والشرط وجوابه خبر المبتدأ. واستغنى بالضمير الذي في حتم رابطًا؛ لأن جملة الشرط والجواب يستغنى فيهما بضمير واحد لتنزلهما منزلة الجملة الواحدة، وعلى هذا فلا حذف. ومعنى البيت أن الضم متحتم أي: واجب إذا فقد شرط من الشروط المذكورة كما في نحو: يا رجل ابن عمرو، ويا زيد الفاضل ابن عمرو، ويا زيد الفاضل لانتفاء علمية المنادى بضم السين المهملة ما يمد فوق صحن الدار. قوله: "شرط جواز الأمرين" حاصل ما ذكره المصنف والشارح من الشروط ستة وشرط في التسهيل سابعًا، وهو أن يكون المنادى ظاهر الضم بأن يكون صحيح الآخر وسيذكره الشارح. وشرط النووي في شرح مسلم أن تكون البنوة حقيقية وشرط بعضهم في العلمين التذكير وغلطوه فنحو: يا زيد بن فاطمة كيا زيد بن عمرو كذا في الفارضي قال شيخنا: وينبغي أن يزاد كون لفظ ابن مفردًا لا مثنى ومجموعًا، ولا يخفى أخذ هذا من صنيع المصنف. قوله: "وكلامه لا يوفى بذلك" أي: لأن ابنا في المثال محتمل للوصفية وغيرها. قوله: "ويل الابن علم" معطوف على يل الأول والواو فيه بمعنى؛ أو لأن انتفاء أحدهما كاف في تحتم الضم. قوله: "وعلى هذا فلا حذف" أي: للجواب بل هو مذكور لكن فيه حذف فاء الجواب للضرورة وفي الاحتمال الأول أيضًا ارتكاب ضرورة؛ لأن شرط حذف الجواب أن يكون الشرط فعلًا ماضيًا فحيث كان مضارعًا كان حذفه مخصوصًا بالشعر قاله الشيخ خالد. قوله: "ومعنى البيت أن الضم متحتم أي: واجب إذا فقد شرط من الشروط المذكورة" يعني الشروط الأربعة المشار إليها في قوله: والضم إلخ بدليل بقية كلامه، وليس مراده بالشروط المذكورة ما يعم هذه الأربعة وغيرها حتى يصح اعتراض البعض بأنه لم يعلم من البيت إلا وجوب الضم عند فقد شرط من شروط أربعة، فكيف قال من الشروط المذكورة. لا يقال مثال المصنف يفيد اشتراط إفراد العلم الموصوف بابن؛ لأنا نقول هذا إلى إفادة مثاله اشتراط افراد العلم المضاف إليه ابن أيضًا وهو باطل. وإذا أردت استيفاء محترزات الشروط الستة المذكورة متنًا وشرحًا، قلنا خرج بكون المنادى مفردًا نحو: يا عبد الله بن زيد، وبالعلم نحو: يا رجل ابن زيد، وبكونه بعده ابن نحو: يا زيد الفاضل، وبكونه متصلًا به نحو: يا زيد الفاضل ابن عمرو، وبكونه صفة له نحو: يا زيد ابن عمرو على أنه بدل، وبكونه مضافًا إلى علم نحو: يا زيدا ابن أخينا فيجب النصب في الأول والضم في البقية. قوله: "يا رجل ابن عمرو" في وجوب الضم في هذا المثال نظر؛ لأنه تقدم أنه يجوز نصب
[ ٣ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الأولى، واتصال الابن به في الثانية والوصف به في الثالثة، ولم يشترط هذا الكوفيون كقوله:
٩١٢- فَما كَعْبُ بْنُ مامَةَ وابْنُ أَرْوَى بِأَجْوَدَ مِنْكَ يا عُمَرَ الجَوَادَا
بفتح عمر، وعلى هذه الثلاثة يصدق صدر البيت. ونحو: يا زيد ابن أخينا لعدم إضافة ابن إلى علم هو مراد عجز البيت.
تنبيهات: الأول لا إشكال أن فتحة ابن فتحة إعراب إذا ضم موصوفه، وأما إذا فتح فكذلك عند الجمهور. وقال عبد القاهر: هي حركة بناء؛ لأنك ركبته معه. الثاني: حكم ابنة
ــ
النكرة المقصودة الموصوفة في قوله: ويجوز نصب ما وصف إلخ إلا أن يجعل وجوب الضم نسبيا بمعنى امتناع الفتح للاتباع أو للتركيب فتنبه. قوله: "ويا زيد الفاضل" يصدق هنا أنه لم يل الابن علمًا لصدق السالبة بنفي الموضوع سم، وقد أساء البعض التصرف فوجه بصدق السالبة بنفي الموضوع صدق لم يل الابن علمًا بيا زيد الفاضل ابن عمرو فتأمل. قوله: "واتصال الابن إلخ" أي: وانتفاء اتصال إلخ وكذا قوله والوصف به إلخ.
قوله: "ولم يشترط هذا" أي: كون الوصف ابنًا فأجازوا الفتح مع كل وصف نصب، قال في التصريح، بناء على أن علة الفتح التركيب وقد جاء نحو: لا رجل ظريف بفتحهما فجوزوا ذلك هنا ا. هـ. قوله: "فما كعب بن مامة" هو الذي آثر رفيقه بالماء ومات عطشًا. ومامة اسم أبيه قال شيخنا السيد وابن أروى أو سعدى هو الجواد الطائي المشهور ا. هـ. ورواية المغني والعيني وابن سعدى، قال السيوطي في شرح شواهده: هو أوس بن حارثة الطائي وسعدى أمه ا. هـ. وكذا قال العيني وبه يعرف ما في كلام شيخنا السيد المقتضى أنه حاتم والمراد بعمر عمر بن عبد العزيز كما قاله السيوطي وغيره. قوله: "بفتح عمر" خرّج على أن أصله يا عمرًا بالألف عند من يجيز إلحاقها في غير الندبة والاستغاثة والتعجب، أو أن أصله يا عمرًا بالتنوين للضرورة، ثم حذف لالتقاء الساكنين ا. هـ. زكريا وفي التخريج الثاني نظر ظاهر.
قوله: "فكذلك عند الجمهور" أي: لأن مذهبهم أن الفتح في الأول ليس للتركيب بل للاتباع أو لإضافته إلى ما بعد ابن. نعم إعرابية فتحة ابن علي الإضافة المذكورة غير ظاهرة؛ لأن ابن علي الإضافة مقحم بين المتضايفين ففتحته غير مطلوبة لعامل اللهم إلا أن يجعل مضافًا تقديرًا إلى مثل ما أضيف إليه ما قبله مقدرًا قبله يا أو أعني مثلًا فتأمل. قوله: "لأنك ركبته معه" أي
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو لجرير في خزانة الأدب ٤/ ٤٤٢؛ والدرر ٣/ ٣٤؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦٩؛ وشرح شواهد المغني ص٥٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٤؛ واللمع ص١٩٤؛ والمقتضب ٤/ ٢٠٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٣؛ وشرح ابن عقيل ص٢٩١؛ وشرح قطر الندى ص٢١٠؛ ومغني اللبيب ص١٩؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٦.
[ ٣ / ٢١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فيما تقدم حكم ابن فيجوز الوجهان نحو: يا هند ابنة زيد، خلافًا لبعضهم ولا أثر للوصف ببنت هنا فنحو: يا هند بنت عمرو واجب الضم. الثالث: يلتحق بالعلم يا فلان بن فلان ويا ضل بن ضل. ويا سيد بن سيد ذكره في التسهيل وهو مذهب الكوفيين. ومذهب البصريين في مثله مما ليس بعلم التزام الضم. الرابع: قال في التسهيل: وربما ضم الابن اتباعًا، يشير إلى ما حكاه الأخفش عن بعض العرب من يا زيد ابن عمرو بالضم اتباعًا لضمة الدال. الخامس: قال فيه أيضًا: ومجوز فتح ذي الضمة في النداء يوجب في غيره حذف تنوينه لفظًا وألف ابن في الحالتين خطأ وإن نون فللضرورة. السادس: اشترط في التسهيل لذلك كون المنادى ذا ضمة ظاهرة، وعبارته: ويجوز فتح ذي الضمة الظاهرة اتباعًا وكلامه هنا يحتمله، فنحو: يا عيسى ابن مريم يتعين فيه تقدير الضم إذ لا فائدة في تقدير الفتح وفيه كتركيب خمسة عشر والظاهر في إعرابه على هذا القول أن يقال: زيد ابن منادى مبني على ضم مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء التركيبي، وحركة زيد على هذا حركة بنية. قوله: "ولا أثر للوصف ببنت هنا" الفرق بين ابنة وبنت أن ابنة هي ابن بزيادة التاء بخلاف بنت فإنها بعيدة الشبه، أو كثرة استعمال ابنة في مثل هذا التركيب دون بنت. وفي التصريح أن امتناع الفتح لتعذر الاتباع؛ لأن بينهما حاجزًا حصينًا وهو تحرك الباء الموحدة ا. هـ. وهو لا يأتي إلا على القول بأن الفتح للاتباع ومثل الوصف ببنت الوصف ببنيّ تصغير ابن. قوله: "يلتحق بالعلم إلخ" أي: لكثرة استعمال المذكورات كالعلم. قوله: "ويا ضل ابن ضل" بضم الضاد المعجمة علم جنس لمن لا يعرف هو ولا أبوه. قوله: "ومجوز فتح ذي الضمة" مبتدأ خبره يوجب والمراد بالمجوز اجتماع الشروط المتقدمة. قوله: "في غيره" أي: غير النداء كجاء زيد بن عمرو. قوله: "وألف ابن" أي: إذا لم تقع ابتداء سطر كما في الدماميني عن ابن الحاجب ولم تكن البنوة مجازية، ولم يثن الابن ولم يجمع كما في الفارضي. وقوله في الحالتين أي: النداء وعدمه ومثل ابن ابنة نظير ما تقدم ومقتضى عبارته وجوب تنوين الموصوف ببنت في غير النداء، إذ لا يجوز فتحه في النداء وهو خلاف ما في الدماميني، حيث قال: فيه وجهان رواهما سيبويه عن العرب الذين يصرفون هندًا ونحوه، فيقولون: هذه هند بنت عاصم بتنوين هند وتركه لكثرة الاستعمال. قوله: "وإن نون فللضرورة" كقوله: جارية من قيس بن ثعلبة ولا فرق في العالم في جميع ما ذكر بين الاسم والكنية واللقب على ما صرح به ابن خروف وجزم الراعي بوجوب تنوين المضاف إليه، وكتابة ألف ابن إذا كان الموصوف بابن مضافًا كما في: قام أبو محمد بن زيد واختاره الصفدي في تاريخه بعد نقل الخلاف، واختاره أيضًا المصنف إذا كان المضاف إليه ابن مضافًا. قوله: "يحتمله" بل هو أقرب إلى تمثيله بنحو: أزيد بن
[ ٣ / ٢١٢ ]
واضْمُمْ أو انْصِبْ ما اضْطِرَارًا نُوِّنا مما له استِحقاقٌ ضَمذٍ بُيِّنَا
ــ
خلاف ا. هـ "واضمم أو انصب ما اضطرارًا نونًا مما له استحقاق ضم بينا" فقد ورد السماع بهما، فمن الضم قوله:
٩١٣- سَلامُ اللهِ يا مَطَرٌ عَلَيهَا
وقوله:
٩١٤- ليتَ التَّحِيَّةَ كانَتْ لِي فَأَشْكُرَهَا مكانَ يا جَمَلٌ حُيِّيتَ يا رَجُلُ
ــ
سعيد. قوله: "وفيه خلاف" فقد أجاز الفراء تقدير الضمة والفتحة ا. هـ. دماميني فالضمة على الأصل والفتحة على الاتباع أو التركيب أو الإضافة إلى ما بعد ابن كما في: يا زيد بن سعيد. قوله: "واضمم أو انصب" في عبارته إشارة إلى بناء المنون اضطرارًا إذا ضم وإعرابه رجوعًا إلى الأصل في الأسماء إذا نصب. قال سم: وظاهره جواز الوجهين ولو فيما ضمه مقدر، ويفرق بين هذا وما تقدم بأن القصد ثم الاتباع للتخفيف ولا تخفيف مع التقدير ولا كذلك هذا ا. هـ. وإذا ضممت المنادى المفرد المنون ضرورة فلك في نعته الضم والنصب، وإن نصبته تعين نصب نعته فإن نون مقصور نحو: يا فتى للضرورة فإن نوى الضم جاز في نعته الوجهان أو النصب تعين نصب نعته كذا في شرح التسهيل للمرادي وغيره. قوله: "مما له استحقاق ضم بينا" يحتمل أن مما حال من ما واستحقاق مبتدأ، وله متعلق ببين مضمنًا معنى أثبت وبين خبره والجملة صلة ما، ومن الأوجه في هذه العبارة ما ذكره الشاطبي أن له هو الخبر وجملة بين بمعنى أظهر صفة لضم، قال: واحترز به من الضم المقدر فإنه لا يضطر إلى تنوينه فإن الحرف الذي قدرت فيه الضمة ساكن نحو: يا قاضي ويا فتى فإذا نون حذف لالتقائه ساكنًا مع التنوين فلم يفد التنوين في وزن الشعر شيئًا ا. هـ. قال شيخنا وتبعه البعض: وقد يقال فائدته تظهر فيما إذا اضطر إلى التحريك عند التقاء الساكنين فينون ثم يحرك أي: فالأولى أن بين بمعنى ذكرناه سابقًا. قوله: "ليت إلخ" قبله:
حيتك عزة بعد الهجر وانصرفت فحي ويحك من حياك يا جمل
وقوله: فأشكرها بالنصب جواب التمني. وقوله: مكان جعله العيني منصوب على الظرفية ولم
_________________
(١) عجزه: وليس عليك يا مَطَرُ السَّلامُ والبيت من الوافر، وهو للأحوص في ديوانه ص١٨٩؛ والأغاني ١٥/ ٢٣٤؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٥٠، ١٥٢؛ ٦/ ٥٠٧؛ والدرر ٣/ ٢١؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٠٥، ٣/ ٢٥؛ وشرح التصريح ٢/ ١٧١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٦؛ والكتاب ٢/ ٢٠٢؛ وبلا نسبة في الأزهية ص١٦٤؛ والأشباه والنظائر ٣/ ٢١٣؛ والإنصاف ١/ ٣١١؛ وأوضح المسالك ٤/ ٢٨؛ والجنى الداني ص١٤٩؛ والدرر ٥/ ١٨٢؛ ورصف المباني ص١٧٧، ٣٥٥؛ وشرح شذور الذهب ص١٤٧؛ وشرح ابن عقيل ص٥١٧؛ ومجالس ثعلب ص٩٢، ٥٤٢؛ والمحتسب ٢/ ٩٣.
(٢) البيت من البسيط، وهو لكثير عزة في ديوانه ص٤٥٣؛ والدرر ٣/ ٢٢؛ والشعر والشعراء ١/ ٥١٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٤؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ١٧٣.
[ ٣ / ٢١٣ ]
وَبِاضْطِرارٍ خُصَّ جَمْعُ يا وَأَل إلا مَعَ اللهِ ومَحْكِيِّ الجُمَل
ــ
ومن النصب قوله:
٩١٥- أَعَبْدًا حَلَّ في شَعَبَي غَرِيبًا
وقوله:
٩١٦- ضَرَبَتْ صَدْرَهَا إليَّ وقَالَتْ يا عَدِيًّا لقد وَقْتَكَ الأوَاقِي
واختار الخليل وسيبويه الضم. وأبو عمرو وعيسى ويونس والجرمي والمبرد النصب.
ووافق الناظم والأعلم الأولين في العلم والآخرين في اسم الجنس "وباضطرار خص جمع
ــ
يذكر متعلقه ولعل التقدير: أتمنى يا رجل حييت في مكان يا جمل حييت. قوله: "أعبدًا إلخ" لا حاجة لجعل نصب هذا ضرورة لما صرح به المصنف في التسهيل أن الموصوف يجوز نصبه، كما مر ونص الرضي على أن هذا من الشبيه بالمضاف فنصبه لذلك سم، وكونه من الشبيه بالمضاف أحد قولين كما مر بيان ذلك. وشعبي بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة والباء الموحدة. قوله: "ضربت صدرها إلخ" أي: متعجبة من نجاتي مع ما لقيت من الحروب، فإلي بمعنى مني، وعادة النساء الضرب على صدورهن عند رؤية مهول، وأصل أواقي وواقي جمع واقية من الوقاية وهي الحفظ، فأبدلت الواو الأولى همزة كما سيأتي في قول الناظم، وهمزًا أول الواوين رد إلخ.
قوله: "ووافق الناظم والأعلم إلخ" وجهه أن اسم الجنس أصل بالنظر إلى العلم والإعراب أصل بالنظر إلى البناء فلما اضطر الشاعر أعطى الأصل للأصل والفرع للفرع ا. هـ. حفيد قال السيوطي: والمختار عندي عكسه وهو اختيار النصب في العلم لعدم الإلباس فيه، والضم في النكرة المقصودة؛ لئلا تلتبس بالنكرة غير المقصودة إذ لا فارق مع التنوين للضرورة إلا الحركة لاستوائهما في التنوين ولم أقف على هذا الرأي لأحد ا. هـ. وفيه أن تعليله اختيار نصب العلم لا يتجه؛ لأنه كما لا إلباس في نصبه لا إلباس في ضمه فلا يتم التعليل إلا بضميمة كون الرجوع عند الضرورة
_________________
(١) عجزه: ألُؤْمًا لا أبا لك واغتربا والبيت من الوافر، وهو لجرير في ديوانه ص٦٥٠؛ وإصلاح المنطق ص٢٢١؛ والأغاني ٨/ ٢١؛ وجمهرة اللغة ص١١٨١؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٨٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٩٨؛ وشرح التصريح ١/ ٣٣١، ٢/ ١٧١، ٢٨٩؛ والكتاب ١/ ٣٣٩، ٣٤٤؛ ولسان العرب ١/ ٥٠٣ "شعب"؛ ومعجم ما استعجم ص٧٩٩، ٨٦١؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩، ٤/ ٥٠٦؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٢١؛ ورصف المباني ص٥٢.
(٢) البيت من الخفيف، هو للمهلهل بن ربيعة في خزانة الأدب ٢/ ١٦٥؛ والدرر ٣/ ٢٢؛ وسمط اللآلي ص١١١؛ ولسان العرب ١٥/ ٤٠١ "وقي"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢١١؛ والمقتضب ٤/ ٢١٤؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص١٧٧؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٨٠٠؛ وشرح التصريح ٢/ ٣٧٠؛ وشرح شذور الذهب ص١٤٦؛ وشرح ابن عقيل ص٥١٧؛ وشرح المفصل ١٠/ ١٠؛ والمنصف ١/ ٢١٨؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٣.
[ ٣ / ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يا وأل" في نحو: قوله:
٩١٧- عَبَّاسُ يا المَلِكُ المُتَوَّجُ والَّذِي عَرَفَتْ له بَيتَ العُلا عَدْنانُ
وقوله:
٩١٨- فَيَالغُلامانِ اللَّذانِ فَرَّا إيَّاكُما أن تُعْقِبانَا شَرًّا
ولا يجوز ذلك في الاختيار خلافًا للبغداديين في ذلك "إلا مع الله" فيجوز إجماعًا للزوم أل له حتى صارت كالجزء منه فتقول: يا ألله بإثبات الألفين، ويا الله بحذفهما، ويا الله بحذف الثانية فقط "و" إلا مع "محكي الجمل" نحو: يا ألمنطلق زيد فيمن سمي بذلك، نص على ذلك سيبويه، وزاد عليه المبرد ما سمي به من موصول مبدوء بأل نحو: الذي والتي وصوبه الناظم. وزاد في التسهيل اسم الجنس المشبه به نحو: الأسد شدة
ــ
إلى الأصل في الأسماء وهو الإعراب أولى فتدبر. قوله: "جمع يا" أي: مثلًا لظهور أن سائر حروف النداء كذلك سم. قوله: "المتوج" أي: الذي على رأسه تاج، ويجوز فيه الرفع والنصب ا. هـ. عيني وأراد بعدنان: القبيلة المعهودة بدليل التأنيث في قوله: عرفت، فقول البعض: تبعًا للعيني وعدنان أبو العرب غير مناسب هنا. قوله: "ولا يجوز ذلك في الاختيار"؛ لأن النداء معرف وأل معرفة ولا يجمع بين أداتي تعريف ا. هـ. تصريح وفي الحفيد أن النحويين مختلفون في نداء العلم الذي فيه أل كالحرث وأن ابن هشام اختار المنع، ثم بحث أنه لا مانع من ندائه؛ لأنهم إنما منعوا نداء ما فيه أل لئلا يجتمع معرفان، وذلك غير لازم هنا؛ لأن أل هنا غير معرفة إلا أن يكون المنع لأجل الصورة اللفظية إلا أنه ينتقض بنحو: يا المنطلق زيد ا. هـ. قال سم: ويؤيد الجواز ما يأتي عن المبرد فيما سمي به من موصول مبدوء بأل نحو: الذي والتي إلا أن يفرق بتأتي إسقاط أل في العلم لكونها زائدة عليه بخلاف نحو: الذي والتي مسمى بهما وفيه تأمل ا. هـ.
قوله: "نحو: يا ألمنطلق زيد" بقطع الهمزة؛ لأن المبدوء بهمزة الوصل فعلًا أو غيره إذا سمي به يجب قطع همزته كما أفاده في التصريح، قال البعض: وانظر ما الفرق بين هذا وبين يا الله حيث جوز فيه الشارح الأوجه الثلاثة ا. هـ. وأنت خبير بأن لاسم الجلالة خواص لا يشاركه فيها غيره فلا يبعد أن يكون منها جواز الأوجه الثلاثة. قوله: "نحو: الذي والتي" أي: مع الصلة إذ هو محل الخلاف، وأما مجرد الموصول المسمى به فوفاق قاله في التصريح أي: متفق على منع ندائه. قوله: "وصوبه الناظم" قال أبو حيان: والذي نص عليه سيبويه المنع، وفرق بينه وبين الجملة أن
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٢؛ والدرر ٣/ ٣١؛ وشرح التصريح ٢/ ١٧٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٥؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٤.
(٢) الرجز بلا نسبة في أسرار العربية ص٢٣٠؛ والإنصاف ١/ ٣٢٦؛ والدرر ٣/ ٣٠؛ وخزانة الأدب ٢/ ٢٩٤؛ وشرح ابن عقيل ص٥١٨؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٩٩؛ وشرح المفصل ٢/ ٩؛ واللامات ص٥٣؛ واللمع في العربية ص١٩٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٥؛ والمقتضب ٤/ ٢٤٣؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٤.
[ ٣ / ٢١٥ ]
والأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بالتَّعْوِيض وشَذَّ يا اللَّهمَ في قَرِيض
ــ
أقبل، وهو مذهب ابن سعدان. قال في شرح التسهيل: وهو قياس صحيح؛ لأن تقديره: يا مثل الأسد أقبل، ومذهب الجمهور المنع "والأكثر" في نداء اسم الله تعالى أن يحذف حرف النداء ويقال: "اللهم بالتعويض" أي: بتعويض الميم المشددة عن حرف النداء "وشذ يا اللهم في قريض" أي: شذ الجمع بين يا والميم في الشعر كقوله:
٩١٩- إنِّي إذا ما حَدَثٌ أَلَمَّا أقول يا اللهمَّ يا اللَّهُمَّا
ــ
التسمية فيها بشيئين كل منهما اسم تام، والذي بصلته بمنزلة اسم واحد كالحرث فلا يجوز نداؤه همع.
قوله: "نحو: يا الأسد شدة أقبل" قال شيخنا: وتبعه البعض الظاهر أنه من الشبيه بالمضاف فينصب؛ لأن شدة تمييز ا. هـ. وفيه أن شدة ليس تمييزًا للأسد تمييز مفرد حتى يكون الأسد عاملًا في شدة فيكون من الشبيه بالمضاف، بل هو تمييز نسبة عامله مثل المحذوفة التي بمعنى مماثل وحينئذٍ يكون التركيب من المضاف تقديرًا. ويكون نصب الأسد لحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في الإعراب. قوله: "لأن تقديره يا مثل الأسد" أي: فالمنادى في الحقيقة لم تدخل عليه أل، واعترضه الشاطبي بلزوم جواز نحو: يا القرية؛ لأن تقديره يا أهل القرية، ولا يقول به الناظم وابن سعدان. قال سم:
ويمكن الفرق بأن وجه الشبه فيما نحن فيه دل على معنى المثلية وصير اللفظ في قوله: يا مثل الأسد، ولا كذلك ما أورد فتأمل. قوله: "ويقال اللهم بالتعويض" فهو منادى مبني على ضم ظاهر على الهاء في محل نصب حذفه منه حرف النداء، وعوض عنه الميم. قال شيخنا: ويحتمل أن يكون مبنيا على ضم مقدر على الميم لصيرورتها كالجزء منه ا. هـ. أي: فيكون جعل حركة البناء على الميم كجعل حركة الإعراب على الهاء في نحو: عدة وزنة بجامع العوضية، والمتجه الأول والفرق أن التعويض في نحو: عدة وزنة عن جزء الكلمة، فلصيرورة الهاء جزءًا وجه قوي، وفي اللهم عن كلمة مستقلة فليس لصيرورة الميم جزءًا أو كالجزء وجه قوي. قوله: "أي: بتعويض الميم المشددة إلخ" وإنما أخرت تبركًا بالبداءة باسم الله تعالى ا. هـ. سم ولا يجب أن يكون العوض في محل المعوض عنه بخلاف البدل، واختيرت الميم عوضًا عن يا للمناسبة بينهما. فإن يا للتعريف والميم تقوم مقام لام التعريف في لغة حمير كقوله:
يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
وكانت مشددة ليكون العوض على حرفين كالمعوض. قوله: "إني إذا ما حدث إلخ"
_________________
(١) الرجز لأبي خراش الهذلي في الدرر ٣/ ٤١؛ وشرح أشعار الهذلين ١٣٤٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٦؛ ولأمية بن أبي الصلت في خزانة الأدب ٢/ ٢٩٥؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٣٢؛ والإنصاف ص٣٤١؛ وأوضح المسالك ٤/ ٣١؛ وجواهر الأدب ص٩٦؛ ورصف المباني ص٣٠٦؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٤١٩، ٢/ ٤٣٠؛ وشرح ابن عقيل ص٥١٩؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣٠٠؛ ولسان العرب ١٣/ ٤٦٩، ٤١٧ "أله"؛ واللمع في العربية ص١٩٧؛ والمحتسب ٢/ ٢٣٨؛ والمقتضب ٤/ ٢٤٢؛ ونوادر أبي زيد ص١٦٥؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٨.
[ ٣ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهات: الأول مذهب الكوفيين أن الميم في اللهم بقية جملة محذوفة، وهي: أمنا بخير، وليست عوضًا عن حرف النداء؛ ولذلك أجازوا الجمع بينهما في الاختيار. الثاني قد تحذف أل من اللهم كقوله:
٩٢٠- لاهُمَّ إن كنْتَ قَبِلتَ حَجَّتِجْ
وهو كثير من الشعر. الثالث قال في النهاية: تستعمل اللهم على ثلاثة أنحاء: أحدها النداء المحض نحو: اللهم أثبنا. ثانيها أن يذكرها المجيب تمكينًا للجواب في نفس السامع
ــ
الحدث الحادث من مكاره الدنيا وألمّ نزل ا. هـ. زكريا.
فائدة: لا يوصف اللهم عند سيبويه كما لا يوصف غيره من الأسماء المختصة بالنداء، وأجاز المبرد وصفه بدليل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦]، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ونحوهما وهو عند سيبويه على النداء المستأنف ا. هـ. دماميني وعلل بعضهم مذهب سيبويه بأن اللهم بالاختصاص والتعويض خرج عن كونه متصرفًا، وصار مثل حيهل إذ الميم بمنزلة صوت مضموم إلى اسم مع بقائهما على معنييهما بخلاف، مثل: سيبويه وخالويه حيث صار الصوت جزءًا من الكلمة. قوله: "بقية جملة محذوفة إلخ" رد بأنه يقال اللهم لا تؤمهم بخير، وبأنه كان يحتاج إلى العاطف في نحو: اللهم اغفر لي. قوله: "حجتج" بالجيم المبدلة من ياء المتكلم وفي بعض النسخ حجتي بالياء.
قوله: "على ثلاثة أنحاء" جمع نحو: بمعنى قسم أي: حالة كون هذه اللفظة كائنة على ثلاثة أقسام من الاستعمال كينونة ملابسة، وقوله: أحدها النداء أي: استعمالها في النداء؛ فصح كلام الشارح وتناسب، واندفع اعتراض البعض بأن المناسب لقوله: أحدها النداء أن يقول: ولهذه اللفظة ثلاثة معان، واعتراضه على قوله: ثانيها أن يذكرها المجيب بأن المناسب لما قبله أن يقول: ثانيها تمكين الجواب إلخ، وعلى قوله: ثالثها أن تستعمل دليلًا إلخ، بأن المناسب أن يقول: ثالثها الندرة إلخ فتأمل. قوله: "ثانيها أن يذكرها المجيب إلخ" قال شيخنا وتبعه البعض: إن اللهم في الموضعين الأخيرين خرجت عن النداء، والظاهر أن اللهم فيهما لا معربة ولا مبنية لعدم التركيب، وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم خروجها في الموضعين عن النداء بالكلية لم لا يجوز أن تكون فيهما للنداء مع التمكين أو الندرة، وقد يشير إليه قول الشارح في الموضع الأول المقابل لهذين الموضعين أحدها النداء
_________________
(١) عجزه: فلا يَزَالُ شاحجٌ يأتيك بجْ والرجز لرجل من اليمانيين في الدرر ٣/ ٤٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧٠؛ وبلا نسبة في الدرر ٦/ ٢٢٩؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ١٧٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٣٦٧؛ وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٢٨٧؛ وشرح شواهد الشافية ص٢١٥؛ وشرح المفصل ٩/ ٧٥، ١٠/ ٥٠؛ ولسان العرب ١٠/ ١٠٣ "دلق"؛ ومجالس ثعلب ١/ ١٤٣؛ والمحتسب ١/ ٧٥؛ والمقرب ٢/ ١٦٦؛ والممتع في التصريف ١/ ٣٥٥؛ ونوادر أبي زيد ص١٦٤؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٨، ٢/ ١٥٧.
[ ٣ / ٢١٧ ]
فصل: تابع المنادى ذي الضم المضاف دون أل
تابع ذي الضَّمِّ المضافَ دونَ أل أَلزِمْهُ نَصْبًا كأَزَيدُ ذا الحِيَل
_________________
(١) كأن يقول لك القائل: أزيد قائمك فتقول له: اللهم نعم أو اللهم لا. ثالثها: أن تستعمل دليلًا على الندرة وقلة وقوع المذكور نحو قولك: أنا أزورك اللهم إذا لم تدعني، ألا ترى أن وقوع الزيارة مقرونًا بعدم الدعاء قليل. فصل: "تابع" المنادى "ذي الضم المضاف دون أل ألزمه نصبًا" مراعاة لمحل المنادى المحض، ولئن سلم خروجها عن النداء بالكلية فلا نسلم أنها لا معربة ولا مبنية لعدم التركيب؛ لأن خروج الكلمة عن معناها الأصلي لا يستلزم خروجها عما لها من إعراب أو بناء أو تركيب، فالمتجه عندي أنها باقية على تركيبها، وأنه يقال: اللهم منادى أي: ولو صورة مبني على ضم إلى آخر ما مر فتأمل. قوله: "إذا لم تدعني" بسكون الدال وضم العين المهملة. فصل: قوله: "تابع ذي الضم" لو قال: ذي البناء لشمل نحو: يا زيدان ابني عمرو ويا زيدون أصحاب بكر، والمراد الضم: لفظًا أو تقديرًا كيا سيبويه ذا الفضل. وخرج المنصوب فإن تابعه غير النسق والبدل منصوب مطلقًا نحو: يا أخانا الفاضل ويا أخانا الحسن الوجه ويا خيرًا من عمرو فاضلًا والمستغاث المجرور فإن تابعه يتعين جره كما صرح به الرضي، وأما المستغاث الذي في آخره زيادة الاستغاثة فلا ترفع توابعه كما صرح به أيضًا الرضي نحو: يا زيدًا وعمرًا ولا يجوز وعمرو؛ لأن المتبوع مبني على الفتح قاله سم. وأنا أقول: سيأتي في باب الاستغاثة من هذا الشرح تجويز نصب تابع المستغاث المجرور باللام مراعاة للمحل، وصرح به في الهمع أيضًا ويرد على نصب النسق المعرف الخالي من أل كعمرو، والبدل التابعين للمستغاث الذي في آخره زيادة الاستغاثة ما سيصرح به المصنف من أنهما كالمستقل بالنداء اللهم إلا أن يخص بغير صورة المستغاث المذكور، وهو بعيد ويرد على التعليل بأن المتبوع مبني على الفتح أنه قد يمنع لم لا يجوز أن يكون مبنيا على ضم مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، بل هذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، وحينئذٍ يجوز في تابعه الرفع والنصب فاعرفه. قوله: "المضاف" بالنصب صفة لتابع ومحل وجوب نصب التابع المضاف إذا كانت إضافته محضة، وإلا جاز رفعه كما صرح به السيوطي، ويشير إليه الشارح، لكن إنما ينعت المنادى المضموم بمضاف إضافة غير محضة إذا كان نكرة مقصودة؛ لما مر أنه يجوز نعتها بالنكرة؛ لكون تعريفها طارئًا فلا يقال كيف ينعت المضموم المضاف إضافة غير محضة مع كون المنعوت معرفة والنعت نكرة ومثل المضاف الشبيه بالمضاف، فيتعين نصبه كما صرح به السيوطي، وجوز الرضي رفعه ويؤيده تجويز السيوطي رفع المضاف إضافة غير محضة؛ لأنها على تقدير الانفصال، فضارب
[ ٣ / ٢١٨ ]
وما سِواه ارفع أو انصِب واجْعَلا كمستقِلٍّ نسقًا وبدلًا
_________________
(١) نعتًا كان "كأزيد ذا الحيل" أو بياتًا نحو: يا زيد عائد الكلب، أو توكيدًا نحو: يا زيد نفسه ويا تميم كلهم أو كلكم. تنبيهان: الأول أجاز الكسائي والفراء وابن الأنباري الرفع في نحو: يا زيد صاحبنا، والصحيح المنع؛ لأن إضافته محضة، وأجازه الفراء في نحو: يا تميم كلهم وقد سمع، وهو محمول عند الجمهور على القطع أي: كلهم يدعى. الثاني: شمل قوله ذي الضم العلم والنكرة المقصودة والمبني قبل النداء؛ لأنه يقدر ضمه كما مر "وما سواه" أي: ما سوى التابع المستكمل للشرطين المذكورين وهما الإضافة والخلو من أل، وذلك شيئان: المضاف المقرون بأل، والمفرد "ارفع أو انصب" تقول: يا زيد الحسن الوجه والحسن زيد في تقدير ضارب زيدًا وضارب زيدًا شبيه بالمضاف. وقوله: دون أل حال من تابع أو من الضمير في المضاف، فقول البعض تبعًا للشيخ خالد حال من المضاف فيه تساهل وقصور. قوله: "نعتًا إلخ" أشار به إلى أن المراد بالتابع ما عدا البدل والنسق بقرينة المقابلة. قوله: "كلهم أو كلكم" أشار به إلى أن الضمير في تابع المنادى يجوز أن يكون بلفظ الغيبة نظرًا إلى كون لفظ المنادى اسمًا ظاهرًا، والاسم الظاهر من قبيل الغيبة وبلفظ الخطاب نظرًا إلى كون المنادى مخاطبًا فعلمت أنه يجوز أيضًا: يا زيد نفسه ونفسك قاله الدماميني، ثم قال: ويجوز: يأيها الذي قام ويأيها الذي قمت، وقد توهم بعض الناس أنك إذا قلت: يأيها الذي قام وقعدت كان فيه التفات وليس كذلك؛ لأن الالتفات من خلاف الظاهر، وكلا الفريقين موافق للظاهر فالغيبة لظاهر لفظ الظاهر والخطاب لظاهر المنادى ا. هـ. ملخصًا، وفيه نظر؛ لأن مقتضى الظاهر إذا سلك أحد الطريقين في كلام أن لا يعدل إلى غيره فيه فتدبر. قوله: "الأول إلخ" عبارة السيوطي في جمع الجوامع وجوز الكوفيون وابن الأنباري رفع النعت المضاف إضافة محضة، والفراء رفع التوكيد والعطف نسقًا ا. هـ. بزيادة من شرحه. قوله: "لأن إضافته محضة" أي: لغلبة الاسمية على صاحب، وفيه إشارة إلى أن ما إضافته غير محضة يجوز رفعه وبه صرح السيوطي كما مر. قوله: "على القطع" قضيته جواز قطع التوكيد وهو كذلك على قول. قوله: "والمبني قبل النداء" يوهم صنيعه أن المبني قبل النداء قسم مباين للقسمين قبله العلم والنكرة المقصودة وليس كذلك فلو قال ولو مبنيين قبل النداء لكان أحسن، مثال العلم المبني قبل النداء يا سيبويه ومثال النكرة المقصودة المبنية قبل النداء: يا من خلقني أي: يا إلهًا خلقني. قوله: "أي: ما سوى التابع" أي: من تابع المضموم خاصة. قوله: "المضاف المقرون بأل" أي: تابع ذي الضم المضاف المقرون بأل والمفرد وكذا الشبيه بالمضاف على ما مر عن الرضي والمضاف إضافة غير محضة على ما مر عن السيوطي وأشار إليه الشارح. ووجه جواز الأمرين في الأول والثالث والرابع إلحاقها بالمفرد؛ لأن غير المحضة ومنها إضافة المقرون كلا إضافة، فإن قلت فلم لم يلحق الشبيه والمضاف إضافة غير
[ ٣ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الوجه، ويا زيد الحسن والحسن، ويا غلام بشر وبشرًا، ويا تميم أجمعون وأجمعين، فالنصب اتباعًا للمحل، والرفع اتباعًا للفظ؛ لأنه يشبه المرفوع من حيث عروض الحركة. تنبيهان: الأول شمل كلامه أولًا وثانيًا التوابع الخمسة، ومراده النعت والتوكيد وعطف البيان، وسيأتي الكلام على البدل وعطف النسق. الثاني: ظاهر كلامه أن الوجهين على السواء "واجعلا كمستقل" بالنداء "نسقًا" خاليًا عن أل "وبدلًا" تقول: يا زيد بشر محضة به إذا نوديا مستقلين قلت محافظة على إعرابهما الذي هو الأصل فألحقا به تابعين لمشابهتهما له مع حصول الإعراب لفظًا أو تقديرًا، وهذا في حالة رفعهما على القول بأنه اتباع لا إعراب كما سيأتي ولم يلحقا به مستقلين محافظة على الإعراب فروعي الإعراب في الحالين ا. هـ. سم ببعض تغيير، فإن قلت لم لم يجز في التابع المفرد البناء كما جاز في تابع اسم لا المفرد نحو: لا رجل ظريف فيها؟ قلت؛ لأن المنادى لفظًا ومعنى هو المتبوع ولا دخل ليا في التابع والمنفي بلا في الحقيقة هو التابع لا المتبوع غالبًا فكأن لا باشرت التابع وذلك؛ لأن معنى لا رجل ظريف فيها لا ظرافة في الرجال الذين فيها فالمنفي مضمون الصفة بناء على الغالب من انصباب النفي على القيد فحصل الفرق بين التابعين. قوله: "والمفرد" دخل فيه نعت النكرة المقصودة معرفًا بأل أو لا فيجوز: يا رجل العاقل والعاقل ويا رجل عالم وعالمًا نعم إن نصبت رجلًا لجواز نصب النكرة المقصودة الموصوفة تعين نصب صفته. قوله: "ارفع" ظاهره أن رفع التابع المذكور إعراب. واستشكل بأنه لا عامل هناك يقتضي رفع التابع بل هناك ما يقتضي نصبه، وهو أدعو وأجيب بأن العامل فيه مقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى التزام قطع التابع. وقال السيوطي في متن جمع الجوامع وشرحه: واعتقد قوم بناء النعت إذا رفع؛ لأنهم رأوا حركته كحركة المنادى حكاه في النهاية ا. هـ. والمتجه وفاقًا لبعضهم أن ضمة التابع اتباع لا إعراب ولا بناء وفي قول الشارح والرفع اتباعًا للفظ إشارة إليه، وعلى هذا يكون في التعبير بالرفع تسمح فاعرفه. قوله: "ويا غلام بشر" أي: بتنوين بشر؛ لأنه معرب بفتحة مقدرة منع من ظهورها ضمة الاتباع على ما حققناه. قوله: "أولا" أي: في قوله: تابع ذي الضم وثانيًا أي: في قوله: وما سواه. قوله: "ومراده النعت إلخ" أي: بقرينة إفراد البدل وعطف النسق بحكم يخصهما بعد ذلك فالآتي مخصص لما تقدم وقوله: والتوكيد أي: لفظيا أو معنويا. قوله: "ظاهر كلامه إلخ" عليه قد يفرق بين هذا والنسق مع أل حيث رجح الرفع فيه كما يأتي بأن ذلك أقرب إلى الاستقلال فكانت الحركة الواجبة عند الاستقلال أولى سم وأقربية المنسوق مع أل إلى استقلاله بالنداء من حيث العاطف الذي هو كالعامل وإن بعد من حيث أل التي لا تجامع حرف النداء. قوله: "على السواء" كلام ابن المصنف يقتضي ترجيح النصب سم. قوله: "وبدلًا" لم يقيده أيضًا بالخلو من أل؛ لأنه لا يكون في النداء إلا خاليًا من أل؛ ولهذا قال
[ ٣ / ٢٢٠ ]
وإنْ يَكنْ مصحوبَ أل ما نُسِقا ففِيهِ وجْهانِ ورَفْعٌ يُنْتَقَى
_________________
(١) بالضم، وكذلك يا زيد وبشر، وتقول: يا زيد أبا عبد الله وكذلك يا زيد وأبا عبد الله، وهكذا حكمهما مع المنادى المنصوب؛ لأن البدل في نية تكرار العامل، والعاطف كالنائب عن العامل. تنبيه: أجاز المازني والكوفيون: يا زيد وعمرا ويا عبد الله وبكرا "وإن يكن مصحوب أل ما نسقا ففيه وجهان" الرفع والنصب "ورفع ينتقى" أي: يختار وفاقًا للخليل وسيبويه والمازني لما فيه من مشاكلة الحركة ولحكاية سيبويه أنه أكثر، وأما قراءة السبعة: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، بالنصب فللعطف على فضلًا من: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠]، اختار أبو عمرو وعيسى ويونس والجرمي النصب؛ لأن ما فيه أل لم يل حرف النداء فلا يجعل كلفظ ما وليه وتمسكًا بظاهر الآية إذ إجماع القراء سوى الأعرج على النصب. وقال المبرد: إن كانت أل معرفة فالنصب وإلا فالرفع؛ لأن المعرف السيوطي في جمع الجوامع وشرحه: لا يبدلان أي: النكرة المقصودة والإشارة ولا ذو أل من المنادى. قال سم: وكأن وجهه أن البدل على نية تكرار العامل وهو الحرف هنا وهو لا يدخل على ما فيه أل، لكن نقل الدماميني عن المصنف أن من البدل ما يرفع وينصب لشبهه بالتوكيد والنعت في عدم صلاحيته لتقدير حرف نداء قبله نحو: يا تميم الرجال والنساء وصحة هذه المسألة مبنية على أن عامل البدل عامل المبدل منه. قوله: "يا زيد بشر بالضم" أي: بلا تنوين وكذا يضم بشر بلا تنوين في صورة العطف. قوله: "وهكذا حكمهما مع المنادى المنصوب" أي: إنهما معه كالمستقل بالنداء فيعاملان تابعين له بما يعاملان به مستقلين بالنداء. قوله: "لأن البدل في نية تكرار العامل" ظاهر على مذهب غير المصنف أما على ما ذهب إليه من أن العامل في المبدل عامل في المبدل منه كبقية التوابع فيوجه بأن البدل لما كان هو المقصود وكان المبدل منه في نية الطرح كان كالمباشر له العامل، ونظير ذلك ما وجه به رفع تابع أي في نحو: يأيها الرجل من أنه لما كان هو المقصود وأي صلة إليه وجب رفعه. قوله: "أجاز المازني" أي: قياسًا على المنسوق المقرون بأل وفرق الجمهور بما سيعلم من تعليل جواز الوجهين في المقرون. وفي تعبيره بالاجازة إشارة إلى أنهم يجيزون جعله كالمستقل هذا هو الظاهر وإن توقف شيخنا فقال: وهل المراد مع إجازتهم الضم أو الرفع ا. هـ. قوله: "ما نسقا" ظاهره ولو مضافًا نحو: يا زيد والحسن الوجه ولا بعد فيه. قوله: "ففيه وجهان الرفع والنصب" لامتناع تقدير حرف النداء قبله فأشبه النعت. سيوطي. قوله: "ورفع" سوغ الابتداء به كون الكلام في معرض التقسيم كما في الفارضي. قوله: "لما فيه من مشاكلة الحركة" أي: مع كونه أقرب إلى الاستقلال فكانت الحركة الواجبة عند الاستقلال أولى كما مر عن سم. قوله: "فللعطف على فضلًا" وقال ابن معطي: مفعول معه وضعفه ابن الخشاب وقيل مفعول لمحذوف أي: وسخرنا له الطير. قوله: "فلا يجعل كلفظ ما وليه" أي: فلا
[ ٣ / ٢٢١ ]
وأيها مَصْحوبَ أل بعدُ صِفه يلزَم بالرَّفعِ لدى ذِي المعْرِفَهْ
_________________
(١) يشبه المضاف. تنبيه: هذا الاختلاف إنما هو في الاختيار، والوجهان مجمع على جوازهما إلا فيما عطف على نكرة مقصودة نحو: يا رجل الغلام فلا يجوز فيه عند الأخفش، ومن تبعه إلا الرفع "وأيها مصحوب أل بعد صفه يلزم بالرفع لدى ذي المعرفه" يجوز في ضبط هذا البيت أن يكون مصحوب منصوبًا فأيها مبتدأ ويلزم خبره، ومصحوب مفعول مقدم بيلزم، وصفة نصب على الحال من مصحوب أل وبالرفع في موضع الحال من مصحوب أل وبعد في موضع الحال مبني على الضم لحذف المضاف إليه وهو ضمير يعود إلى أي. والتقدير: وأيها يلزم مصحوب أل حال كونه صفة لها مرفوعة واقعة أو واقعًا بعدها. ويجوز أن يكون مصحوب مرفوعًا على أنه مبتدأ ويكون خبره يلزم والجملة خبر أيها والعائد على المبتدأ محذوف أي: يلزمها ويجوز أن يكون صفة هو الخبر. والمراد إذا نوديت أي: فهي تطلب مشاكلته له. قوله: "إن كانت أل معرفة" أي: كما في الآية فالنصب أي: فالمختار النصب لما في الشرح من أن المعرف يشبه المضاف أي: من حيث تأثر ما فيه أل المعرفة بتعريف أل وتأثر المضاف بتعريف الإضافة أو تخصيصها. قوله: "وإلا فالرفع" أي: وإلا تكن للتعريف كالتي من بنية الكلمة نحو: اليسع والتي للمح الصفة نحو: الحرث فالمختار الرفع؛ لأن أل حينئذٍ كالمعدومة. قوله: "إلا الرفع" ترد عليه الآية إلا أن يمنع عطف والطير على جبال سم. فائدة: إذا ذكر بعد نعت المنادى تابع كيا زيد الظريف صاحب عمرو فإن قدر الثاني نعتًا للمنادى نصب لا غير أو نعتًا لنعت المنادى لفظ به كما يلفظ بالنعت. دماميني. وقوله: لفظ به كما يلفظ بالتابع إن أراد على سبيل الأولوية للمشاكلة فذاك أو على سبيل الوجوب فممنوع عندي، ولم لا يجوز النصب مراعاة لمحل نعت المنادى فعليك بالإنصاف. قوله: "مصحوب أل" سيأتي أنه يقوم مقامه اسم الإشارة والموصول. قوله: "بالرفع" ظاهره ولو كان مضافًا نحو: يأيها الحسن الوجه ولا بعد فيه. قوله: "وبعد في موضع الحال" أي: من صفة لتقدمه عليها فلا يضر تنكيرها أو من مصحوب أل كما يشير إلى جواز الأمرين قوله: الآتي واقعة أو واقعًا، فالأول ناظر للأول والثاني للثاني. قوله: "في موضع الحال مبني على الضم" هذا مبني على ما ذهب إليه بعضهم من جواز وقوع الظرف المقطوع عن الإضافة حالًا كما نبه عليه شيخنا. قوله: "مرفوعة" مقتضاه أن بالرفع نعت لصفة لا حال من مصحوب أل وإلا لقال مرفوعًا إلا أن يقال التأنيث باعتبار كون مصحوب أل صفة أو أنه أشار إلى جواز وجه آخر. قال البعض: لكن يرد عليه لزوم الفصل بين النعت ومنعوته بأجنبي ا. هـ. وفيه أن الفاصل هنا ليس أجنبيا بل هو العامل في بالرفع؛ لأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف والعامل في الحال هو العامل في صاحبها فيكون يلزم عاملًا في مصحوب أل وفي الحال منه وفي صفة الحال فتدبر. قوله: "والعائد على المبتدأ" أي: الأول
[ ٣ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نكرة مقصودة مبنية على الضم وتلزمها ها التنبيه مفتوحة، وقد تضم لتكون عوضًا عما فاتها من الإضافة، وتؤنث لتأنيث صفتها نحو: يأيها الإنسان يأتيها النفس ويلزم تابعها الرفع، وأجاز المازني نصبه قياسًا على صفة غيره من المناديات المضمومة. قال الزجاج: لم يجز هذا المذهب أحد قبله ولا تابعه أحد بعده، وعلة ذلك أن المقصود بالنداء هو التابع وأي وصلة إلى ندائه. وقد اضطرب كلام الناظم في النقل عن الزجاج فنقل في شرح التسهيل أما العائد على المبتدأ الثاني فمستتر في يلزم، وكذا العائد على أيها في الإعراب الأول. قوله: "ويجوز أن يكون صفة هو الخبر" أي: والجملة خبر أي: وعائدها محذوف أي: صفة لها أو بعدها ويلزم إما بالياء التحتية فهو خبر بعد خبر أو بالتاء الفوقية فهو نعت صفة وبالرفع حال من فاعل يلزم وجعله مفعولًا بزيادة الياء تكلف مستغنى عنه، وإن اقتصر عليه الشيخ خالد وتبعه شيخنا والبعض. قوله: "والمراد إذا نوديت أي: إلخ" لا يخفى أن ما ذكر إلى قوله: ويلزم تابعها الرفع لم يستفد من المتن لا منطوقًا ولا مفهومًا فكيف يراد منه. وما اعتذر به البعض من أنه مستفاد من ذكر أي: مبنية على الضم مقرونة بها مرادًا بها معين غير نافع في قوله: وقد تضم إلى قوله: ويلزم تابعها الرفع. قوله: "لتكون عوضًا إلخ" علة تلزمها. قوله: "عوضًا عما فاتها إلخ" كما عوضوا عنه ما في: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الاسراء: ١١٠]، وخص ها بالنداء؛ لأنه موضع تنبيه وما بالشرط؛ لأنها مبهمة فتوافق الشرط. دماميني. قوله: "وتؤنث" أي: على سبيل الأولوية لا الوجوب كما في الدماميني والهمع عن صاحب البديع. قوله: "ويلزم تابعها الرفع" فيه ما قدمناه عند قول المصنف ارفع أو انصب فلا تغفل. قوله: "قال الزجاج إلخ" فيه نظر؛ لأن ابن الباذش ذكر أنه مسموع من لسان العرب؛ ولأنه قرشء شاذا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وهي تعضد المازني قاله السندوبي. قوله: "أن المقصود بالنداء هو التابع" ومع ذلك ينبغي أن لا يكون محله نصبًا؛ لأنه بحسب الصناعة ليس مفعولًا به بل تابع له ويؤيد ذلك قول ابن المصنف وسيذكره الشارح أيضًا أنه لو وصفت صفة أي: تعين الرفع سم وأنا أقول يرد عليه أن تابع ذي محل له محل متبوعه وحينئذٍ ينبغي أن يكون محل تابع أي: نصبًا وأن يصح نصب نعته، ويؤيده ما قدمناه عن الدماميني في يا زيد الظريف صاحب عمرو أنه إن قدر صاحب عمرو نعتًا للظريف لفظ به كما يلفظ بالنعت إن رفعًا فرفع وإن نصبًا فنصب، على ما بيناه سابقًا اللهم إلا أن يكون منع نصب نعت تابع أي: لعدم سماعه أصلًا نعم يصح ما بحثه من أنه ليس لتابع أي: محل نصب ولا يجوز نصب نعته على أن رفع التابع إعراب وأن عامله فعل مقدر مبني للمجهول أي: يدعي العاقل كما مر لكن ما بعد أي: على هذا ليس تابعًا لأي في الحقيقة فلا يظهر حمل كلامه على هذا مع قوله بل تابع له فتأمل.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عنه هذا الكلام ونسب إليه في شرح الكافية موافقة المازني وتبعه ولده. وإلى التعريض بمذهب المازني الإشارة بقوله: لدى ذي المعرفة، وظاهر كلامه أنه صفة مطلقًا، وقد قيل عطف بيان. قال ابن السيد: وهو الظاهر. وقيل إن كان مشتقا فهو نعت وإن كان جامدًا فهو عطف بيان وهذا أحسن. تنبيهات: الأول يشترط أن تكون أل في تابع أي جنسية كما ذكره في التسهيل فإذا قلت: يأيها الرجل فأل جنسية وصارت بعد للحضور كما صارت كذلك بعد اسم الإشارة. وأجاز الفراء والجرمي اتباع أي بمصحوب أل التي للمح الصفة نحو: يا أيها الحرث، والمنع مذهب الجمهور ويتعين أن يكون ذلك عطف بيان عند من أجازه. الثاني: ذهب الأخفش في أحد قوليه إلى أن المرفوع بعد أي خبر لمبتدأ محذوف، وأي موصولة بالجملة، ورد بأن بأنه لو كان كذلك لجاز ظهور المبتدأ بل كان أولى ولجاز وصلها بالفعلية قوله: "وأي: وصلة إلى ندائه" إنما آثروا أيا؛ لأنها لوضعها على الإبهام واحتياجها وضعًا إلى المخصص ألصق بما بعدها من غيرها ولما شابهها اسم الإشارة بكونه وضع مبهمًا مشروطًا إزالة إبهامه بالإشارة الحسية أو الوصف بعده قام مقامها في التوصل إلى نداء ما فيه أل. وأما ضمير الغائب فإنه وإن وضع مبهمًا مشروطًا إزالة إبهامه لكن بما قبله غالبًا، وهو المفسر، وأما الموصول فإنه وإن أزال إبهامه ما بعده لكنه جملة ا. هـ. دماميني عن الرضي باختصار، وأيضًا ضمير الغائب وكثير من الموصولات لا يباشرها حرف النداء. قوله: "إنه صفة له مطلقًا" أي: مشتقًا كان أو جامدًا لتأول الجامد بالمشتق كالمعين والحاضر؛ أو لأن كثيرًا من المحققين على أنه لا يشترط في النعت أن يكون مشتقًا أو مؤولًا به، بل الضابط دلالته على معنى في متبوعه كالرجل لدلالته على الرجولية. قوله: "وقد قيل عطف بيان" ظاهره مطلقًا لتصح المقابلة. قوله: "جنسية" أي: لا زائدة لازمة كاليسع أو غير لازمة كاليزيد ولا التي للمح الأصل كالحرث ولا التي للعهد كالزيدين ولا الداخلة على العلم بالغلبة كالصعق والنجم، فعلم ما في كلام البعض من القصور. والمراد أنها جنسية بحسب الأصل أي: قبل دخول يا كما يدل عليه بقية كلامه فلا ينافي في أن مصحوبها بعد دخول يا معين حاضر كما سيذكره. قوله: "وصارت بعد للحضور" أي: بسبب وقوع مدخولها صفة لمنكر قصد به معين حاضر لا بسبب انقلاب أل عهدية حتى يرد أن المصرح به أنها غير عهدية أفاده سم. قوله: "أن يكون ذلك عطف بيان" أي: لا نعتًا؛ لأن العلم لا ينعت به هكذا ينبغي التعليل. قوله: "وأي: موصولة بالجملة" والتقدير: يا من هو الرجل. وقال الفارضي: التقدير يا لذي هو الرجل ا. هـ. قال شيخنا: والأول أولى؛ لأن يا لا تدخل على نحو: الذي على الراجح كما مر. قوله: "لجاز ظهور المبتدأ" أي: لأن هذا ليس من مظان وجوب حذف المبتدأ. وله أن يقول باب النداء باب حذف وتخفيف بدليل جواز الترخيم فيه دون غيره؛ فلهذا التزموا حذف المبتدأ
[ ٣ / ٢٢٤ ]
وأيُّ هذا أيّها الذي وَرَدْ ووَصْفُ أيٍّ بِسِوى هذا يُرَدُّ
ــ
والظرف. الثالث: ذهب الكوفيون وابن كيسان إلى أن ها دخلت للتنبيه مع اسم الإشارة. فإذا قلت: يأيها الرجل تريد يأيها ذا الرجل، ثم حذف ذا اكتفاء بها. الرابع: يجوز أن توصف صفة أي، ولا تكون إلا مرفوعة مفردة كانت أو مضافة كقوله:
٩٢١- يأَيُّها الجاهِلُ ذو التَّنَزِّي لا تُوعِدَنِّي حَيَّةً بالنَّكْزِ
"وأي: هذا أيها الذي ورد" أيهذا مبتدأ وأيها الذي عطف عليه وسقط العاطف للضرورة وورد جملة خبر، ووحد الفاعل إما لكون الكلام على حذف مضاف، والتقدير لفظ: أيهذا وأيها الذي ورد أو هو من باب:
٩٢٢- نَحْنُ بما عِندنا وأنْتَ بما عنْدَكَ راضٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: ولجاز وصلها إلخ وله أن يقول: التزموا فيها ضربًا من الصلة كما التزموا فيها ضربًا من الوصف على رأيكم. همع.
قوله: "يأيها الجاهل إلخ" التنزي نزع الإنسان إلى الشر. والنكز بفتح النون وسكون الكاف آخره زاي اللسع أي: لا توعدني باللسع حالة كونك مشبهًا للحية في ذلك. قوله: "وأيهذا إلخ" نحو: يأيهذا الرجل فأي: منادى مبني على الضم في محل نصب وها للتنبيه وذا صفة أي: في محل رفع والرجل صفة لذا أو عطف بيان مرفوع بضمة ظاهرة ونحو: يأيها الذي قام فالذي صفة أي في محل رفع، وهذا كله مبني على أن حركة التابع إعراب. وتقدم ما فيه قال شيخنا، ولعل مذهب المازني يجري هنا أيضًا فيجوز كون ذا والذي في محل نصب. قوله: "للضرورة" بل تقدم أن الواو العاطفة تحذف اختيارًا.
قوله: "من باب نحن بما عندنا إلخ" أي: من الحذف من الأول لدلالة الثاني، ويحتمل كلام المصنف العكس، وفي الأولى منهما عند احتمالهما وعدم تعيين القرينة أحدهما قولان قيل الحذف من الثاني؛ لأن الأواخر أليق بالحذف من الأوائل، وقيل من الأول لعدم الفصل. وتمام البيت "والرأي: مختلف" وهو كما قال شيخنا من المنسرح. قوله:
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ديوانه ص٦٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٧١؛ وشرح المفصل ٦/ ١٣٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٩؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ١٦٩؛ وجمهرة اللغة ص٨٢٥؛ والكتاب ٢/ ١٩٢؛ والمقتضب.
(٢) تمامه: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف والبيت من المنسرح، وهو لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ص٢٣٩؛ وتخليص الشواهد ص٢٠٥؛ والدرر ٥/ ٣١٤؛ والكتاب ١/ ٧٥؛ والمقاصد النحوية ١/ ٥٥٧؛ ولعمرو بن امرئ القيس الخزرجي في الدرر ١/ ١٤٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٧٩؛ وشرح شواهد الإيضاح ص١٢٨، ولدرهم بن زيد الأنصاري في الإنصاف ١/ ٩٥؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٠٠، ٦/ ٦٥، ٧/ ١١٦؛ وأمالي ابن الحاجب ٢/ ٧٢٦؛ وخزانة الأدب ١٠/ ٢٩٥، ٤٧٦؛ وشرح ابن عقيل ص١٢٥؛ والصاحبي في فقه اللغة ص٢١٨؛ ولسان العرب ٣/ ٣٦٠ "قعد"؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٢؛ والمقتضب ٣/ ١١٢، ٤/ ٧٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠٩.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وذو إشارَة كأيٍّ في الصفه إن كان تَرْكُها يُفِيتُ المعرفه
ــ
أي: ورد أيضًا وصف أي في النداء باسم الإشارة وبموصول فيه أل كقوله:
٩٢٣- أل أيها ذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَه لشيء نَحَتْهُ عن يَدَيهِ المقادِرُ
ونحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحج: ٦]، ووصف أي بسوى هذا الذي ذكر "يرد" فلا يقال: يأيها زيد ولا يأيها صاحب عمرو.
تنبهان: الأول يشترط لوصف أي باسم الإشارة خلوه من كاف الخطاب كما هو ظاهر كلامه وفاقًا للسيرافي وخلافًا لابن كيسان فإنه أجاز يأيها ذاك الرجل. الثاني لا يشترط في اسم الإشارة المذكور أن يكون منعوتًا بذي أل وفاقًا لابن عصفور والناظم كقوله:
٩٢٤- أيُّهذانِ كُلا زادَ كُما ودَعَانِي واغِلًا فيمَنْ وَغَل
واشترط ذلك غيرهما "وذو إشارة كأي في الصفة" في لزومها ولزوم رفعها كونها
ــ
"ألا أبهذا الباخع" أي: المهلك والوجد بالرفع فاعل الباخع ونفسه مفعول، ولا يصح جر الوجد بإضافة الباخع إليه لعدم جواز إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى مرفوعه.
قوله: "ووصف أي بسوى هذا يرد" قال الشاطبي: حشو لا فائدة فيه ويجاب بأنه لما علم بقوله: وأي هذا إلخ، أن اللزوم ليس على ظاهره كان مظنة توهم شيء آخر فدفعه بهذا ا. هـ. طبلاوي واسم الإشارة في قوله: سوى هذا يرجع لما ذكر من مصحوب أل واسم الإشارة والموصول المقرون بأل. قوله: "خلوه من كاف الخطاب" أي: لأنه المقصود بالنداء كما تقدم فهو المخاطب ووصله بكاف المخاطب يقتضي أن المشار إليه غير المخاطب فيحصل التنافي. ولابن كيسان أن يجعل الخطاب في مثل: يا ذاك للمشار إليه فلا يحصل التنافي لكن يمنعه ما تقدم في باب اسم الإشارة من أن المخاطب بالكاف غير المشار إليه إلا أن يخصه بغير النداء فتأمل. قوله: "ودعاني" أي: أتركاني. والواغل من يدخل على القوم وهم يشربون ولم يدع.
قوله: "في لزومها إلخ" أي: لا في لزوم إفراد موصوفها، بل يراعى حال المشار إليه نحو: يا هذان الرجلان ويا هؤلاء الرجال. وأل في قوله: الصفة عهدية أي: الصفة المذكورة في أي إلا أنها تتناول اسم الإشارة مع أن اسم الإشارة لا يوصف باسم الإشارة، وكأنه ترك ذلك اتكالًا على ظهور أن اسم الإشارة لا يوصف باسم الإشارة فكأنه معلوم الانتفاء سم. قوله:
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ديوانه ص١٠٣٧؛ وشرح المفصل ٢/ ٧؛ ولسان العرب ٨/ ٥ "بخع"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٧؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٤٧٤؛ ولسان العرب ١٥/ ٣١٢ "نحا"؛ والمقتضب ٤/ ٢٥٩.
(٢) البيت من الرمل، وهو بلا نسبة في الدرر ٣/ ٣٣؛ وشرح شذور الذهب ص١٩٩؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٨١؛ ومجالس ثعلب ص٥٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٩، ٢٤٠؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٥.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
في نحو سَعْدَ سَعْدَ الاوس يَنْتَصِبْ ثانٍ وضُمَّ وافْتَحَ أوَّلا تُصِبْ
ــ
بأل على ما مر. نحو: يا ذا الرجل ويا ذا الذي قام هذا "إن كان تركها" أي: ترك الصفة "يفيت المعرفه" أي: بأن تكون هي مقصودة بالنداء واسم الإشارة قبلها لمجرد الوصلة إلى ندائها كقولك: لقائم بين قوم جلوس يا هذا القائم. أما إذا كان اسم الإشارة هو المقصود بالنداء بأن قدرت الوقوف عليه فلا يلزم شيء من ذلك، ويجوز في صفته حينئذ ما يجوز في صفة غيره من المناديات المبنيات على الضم "في نحو" يا "سعد سعد الاوس" وقوله:
٩٢٥- يا تَيم تيمَ عَدِيِّ لا أبا لَكمُ
وقوله:
٩٢٦- يا زَيد زيد اليَعْمُلاتِ الذُّبَّلِ
ــ
"على ما مر" لعل مراده على ما مر من اشتراط كون أل جنسية على الراجح. قوله: "نحو: يا ذا الرجل ويا ذا الذي قام" ونحو: يا هذا الرجل ويا هذا الذي قام ويا هؤلاء الكرام فها للتنبيه واسم الإشارة منادى مقدر فيه الضم وما بعده له صفة مرفوعة. قوله: "يفيت المعرفة" أي: يفوت على المخاطب بالمنادى. قوله: "بأن تكون هي" أي: الصفة. قوله: "هو المقصود بالنداء" بأن عرفه المخاطب بدون الوصف كما إذا وضع المتكلم يده عليه. قوله: "فلا يلزم شيء من ذلك" مقتضاه حتى كون الصفة مقرونة بأل فيقتضي صحة يا هذا رجل وليس كذلك، ويمكن تصحيح عبارته بجعل من بيانية وجعل الإشارة إلى مجموع ما مر من ذكر الصفة ورفعها وقرنها بأل، فالمعنى لا يلزم مجموع الثلاثة أي: بل بعضها وهو القرن بأل هكذا ينبغي الجواب لا كما أجاب البعض فتدبر.
قوله: "في نحو: سعد سعد الأوس" أي: من كل تركيب وقع فيه المنادى مفردًا مكررًا ووقع بعد المرة الثانية مضاف إليه. وسعد الأوس هو سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه كما في التصريح. قوله: "زيد اليعملات" بفتح الميم أضيف زيد إلى اليعملات؛ لأنه كان يحدو لها وهي
_________________
(١) عجزه: لا يَلْفِيَنَّكُمْ في سوأةٍ عُمَرُ والبيت من البسيط، وهو لجرير في ديوانه ص٢١٢؛ والأزهية ص٢٣٨؛ والأغاني ٢١/ ٣٤٩؛ وخزانة الأدب ٢/ ٢٩٨؛ ٣٠١، ٤/ ٩٩، ١٠٧؛ والخصائص ١/ ٣٤٥؛ والدرر ٦/ ٢٩؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٥٥؛ وشرح المفصل ٢/ ١٠؛ والكتاب ١/ ٥٣، ٢/ ٢٠٥؛ واللامات ص١٠١؛ ولسان العرب ١٤/ ١١ "أبي"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٠؛ والمقتضب ٤/ ٢٢٩؛ ونوادر أبي زيد ص١٣٩؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٢٠٤؛ وأمالي ابن الحاجب ٢/ ٧٢٥؛ وجواهر الأدب ص١٩٩، ٤٢١ وخزانة الأدب ٨/ ٣١٧، ١٠/ ١٩١؛ ورصف المباني ص٢٤٥؛ وشرح ابن عقيل ص٥٢٢؛ وشرح المفصل ٢/ ١٠٥، ٣/ ٢١؛ ومغني اللبيب ٢/ ٤٥٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٢.
(٢) الرجز لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص٩٩؛ وخزانة الأدب ٢/ ٣٠٢، ٣٠٤؛ والدرر ٦/ ٢٨؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٣، ٢/ ٨٥٥؛ ولبعض بني جرير في شرح المفصل ٢/ ١٠؛=
[ ٣ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) "ينتصب ثان" حتمًا "وضم وافتح أولًا تصب" فإن ضممته؛ فلأنه منادى مفرد معرفة، وانتصاب الثاني حينئذ؛ لأنه منادى مضاف أو توكيد أو عطف بيان أو بدل أو بإضمار أعني. وأجاز السيرافي أن يكون نعتًا وتأول فيه الاشتقاق. وإن فتحته فثلاثة مذاهب: أحدها وهو مذهب سيبويه أنه منادى مضاف إلى ما بعد الثاني. والثاني مقحم بين المضاف والمضاف إليه. وعلى هذا قال بعضهم: يكون نصب الثاني على التوكيد وثانيها جمع يعملة وهي الناقة القوية الحمولة. والذبل جمع ذابل بمعنى الضامر كركع جمع راكع ا. هـ. زكريا وعبارة القاموس وهي الناقة الشديدة النجيبة المعتملة المطبوعة على العمل، والجمل يعمل ولا يوصف بهما إنما هما اسمان ا. هـ. ولو قال زكريا جمع ذابلة كما عبر الشمني لكان أنسب باليعملات. قوله: "لأنه منادى مضاف" فهو بتقدير يا والفرق بين هذا والبدل أن هذا يجوز معه ذكر حرف النداء، ولا يجوز ذلك في البدل، وإن قيل إنه على تقدير تكرار العامل إذ هو عند ذلك القائل كالتقدير المعنوي الذي لا يتكلم به. شاطبي. قوله: "أو توكيد" قاله المصنف. قال أبو حيان: ولم يذكره أصحابنا؛ لأنه لا معنوي وهو ظاهر ولا لفظي لاختلاف جهتي التعريف؛ لأن الأول معرف بالعلمية أو النداء والثاني بالإضافة؛ لأنه لم يضف حتى سلب تعريف العلمية ا. هـ. قال ابن هشام: وثم مانع أقوى من ذلك وهو اتصال الثاني بما لم يتصل به الأول. قال سم: ولا يخفى أن كلا الأمرين إنما يرد على المصنف إذا سلم أنه مانع وإلا فقد يتمسك بظاهر تعريف التوكيد اللفظي فإنه صادق مع اختلاف جهتي التعريف ومع اتصال الثاني بما لم يتصل به الأول. قوله: "وتأول فيه الاشتقاق" أي: جعله مشتقا بتأوله بالمنسوب إلى الأوس وضعفه الشاطبي بأن النعت بالجامد على تأوله بالمشتق موقوف على السماع. قوله: "والثاني مقحم" أي: زائد بناء على جواز إقحام الأسماء وأكثرهم يأباه وعلى جوازه ففيه فصل بين المتضايفين وهما كالشيء الواحد، وكان يلزم أن ينون الثاني لعدم إضافته ا. هـ. تصريح وعليه ففتحته غير إعراب؛ لأنها غير مطلوبة لعامل بل فتحته اتباع فيما يظهر، وإن كان يرد عليه أن بين المتبع والمتبع له حاجزًا حصينًا، لكن صرح الشارح بأن نصب الثاني توكيد ويوافقه تفسير الحفيد الإقحام بالتأكيد اللفظي، وعلى هذا فالفتحة فتحة إعراب ولا يبعد أن الفصل بالثاني مغتفر؛ لأنه كلا فصل لاتحاد الاسمين لفظًا ومعنى وأن عدم تنوين الثاني على هذا الوجه والذي قبله للمشاكلة فيندفع قول صاحب التصريح ففيه فصل إلخ. وقوله وكان يلزم إلخ فتأمل ولا يصح إعرابه بدلًا أو عطف بيان كما كان في صورة الضم؛ لأنهما ما يكونان بعد تمام الاسم الأول والأول لا يكمل إلا بالإضافة بخلاف صورة الضم فإن الاسم الأول فيهما غير مضاف.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهو مذهب المبرد أنه مضاف إلى محذوف دل عليه الآخر، والثاني مضاف إلى الآخر ونصبه على الأوجه الخمسة، وثالثها: أن الاسمين ركبا تركيب خمسة عشر ففتحتهما فتحة بناء لا فتحة إعراب ومجموعهما منادى مضاف وهذا مذهب الأعلم. تنبيهات: الأول صرح في الكافية بأن الضم أمثل الوجهين، الثاني: مذهب البصريين أنه لا يشترط في الاسم المكرر أن يكون علمًا بل اسم الجنس نحو: يا رجل رجل قوم والوصف نحو: يا صاحب صاحب زيد كالعلم فيما تقدم، وخالف الكوفيون في اسم الجنس فمنعوا نصبه وفي الوصف فذهبوا إلى أنه لا ينصب إلا منونًا نحو: يا صاحبًا صاحب زيد، الثالث: إذا كان الثاني غير مضاف نحو: يا زيد زيد جاز ضمه بدلًا، ورفعه ونصبه عطف بيان على اللفظ أو المحل. قوله: "إلى محذوف" أي: مماثل لما أضيف إليه الثاني. قوله: "ونصبه" أي: الثاني على الأوجه الخمسة بل الستة وهي أن يكون منادى مستأنفًا أو منصوبًا بأعني أو عطف بيان أو بدلًا أو توكيدًا أو نعتًا وكأنه لم ينظر إلى السادس لضعفه. قوله: "أن الاسمين ركبا" قيل فيه تكلف تركيب ثلاثة أشياء ولا وجه له إذ المركب شيئان فقط قاله في التصريح، وقال الفارسي: الاسمان مضافان للمذكور وهو ضعيف لما فيه من توارد عاملين على معمول واحد. قوله: "ففتحتهما فتحة بناء" فيه أن فتحة الأول على القول بالتركيب فتحة بنية ويمكن تصحيح عبارته بأن المراد ففتحة مجموعهما الذي هو المركب وفتحته هي فتحة آخره، ولو قال ففتحة الثاني فتحة بناء لكان واضحًا. ثم هذا القول لا يشمله قول المصنف ينتصب ثان إلا أن يراد بالنصب ما يعم فتحة الإعراب وغيره. قوله: "أمثل الوجهين" أي: أحسنهما وأشار هنا إلى أمثليته بتقديمه. قوله: "بل اسم الجنس" مبتدأ خبره كالعلم. قوله: "وخالف الكوفيون إلخ" عبارة الهمع وخالف الكوفيون فأوجبوا في اسم الجنس ضم الأول وفي الوصفين ضمه بلا تنوين أو نصبه منونًا. قوله: "جاز ضمه بدلًا" نقله المصنف عن الأكثر ورده بأنه لا يتحد لفظ بدل ومبدل منه إلا ومع الثاني زيادة بيان، وجوز الدماميني أن يكون منادى ثانيًا وأن يكون تأكيدًا لفظيا وقوله ضمه بدلًا أي: بناؤه على الضم ومن لازمه عدم التنوين. قوله: "عطف بيان" رده المصنف في شرح الكافية فقال: إنه توكيد على اللفظ أو المحل لا عطف بيان كما يقول أكثر النحويين؛ لأن الشيء لا يبين نفسه. قوله: "على اللفظ أو المحل" لف ونشر مرتب.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم:
واجعل مُنادًى صَحَّ إن يُضَفْ لِيَا كعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عبْدا عَبْدِيَا
ــ
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم:
"واجعل منادى صح" آخره "إن يضف ليا" المتكلم "كعبد عبدي عبد عبدا عبديا" والأفصح والأكثر من هذه الأمثلة الأول وهو حذف الياء والاكتفاء بالكسرة نحو: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]، ثم الثاني: وهو ثبوتها ساكنة نحو: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ [الزخرف: ٦٨]، والخامس: وهو ثبوتها مفتوحة نحو: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وهذا هو الأصل، ثم الرابع: وهو قلب الكسرة فتحة والياء ألفًا نحو: ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ [يس: ٣٠] . وأما المثال الثالث وهو حذف الألف والاجتزاء بالفتحة فأجازه الأخفش والمازني والفارسي كقوله:
٩٢٧- ولستُ براجِعٍ ما فات مِنِّي بلَهْفَ ولا بليتَ ولا لو انِّي
ــ
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم:
أفرده بترجمة؛ لأن له أحكامًا تخصه، وتقدم أن الأصل في ياء المتكلم قيل السكون، وقيل الفتح وجمع بأن السكون أصل أوّل إذ هو الأصل في كل مبني والفتح أصل ثان إذ هو الأصل فيما وضع على حرف واحد. قوله: "صح آخره" بأن يكون آخره حرفًا غير لين أو لينًا قبله ساكن كدلو وظبي وهذا القيد يخرج نحو: مسلمي تثنية وجمعًا وجوز العصام حذف يائه لدلالة ياء التثنية والجمع على الإضافة وعدم التباسه بالمفرد عند الحذف، قال سم: وفيه نظر في الجمع لالتباسه حينئذٍ بالمفرد في صورة اثبات يائه ساكنة ا. هـ. ويشترط مع ما ذكره المصنف أن يكون غير وصف مشبه للفعل كما سيأتي. قوله: "عبدًا" ينبغي أن يكون منصوبًا بفتحة مقدرة على الدال لا بالفتحة الموجودة؛ لأنها لأجل الألف سم. قوله: "وهو حذف الياء والاكتفاء بالكسرة" نقل البعض عن الحفيد أنه قيد ذلك بأن يشتهر الاسم بالإضافة إلى الياء أولًا، فلا يقال في يا عدوي: يا عدو؛ لأنه لا دلالة على الياء. والذي في التوضيح وشرحه إنما هو اشتراط الاشتهار بالإضافة في الوجه السادس وهو الضم وهذا هو المتجه فافهم.
قوله: "والخامس" عطفه على الثاني بالواو إشارة إلى أنهما في مرتبة للقول بالأصالة في كل، وجعل السيوطي السكون أفصح من الفتح، ولعل وجهه أن السكون أخف من الفتح. قوله: "والياء ألفًا" أي: لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لأن الألف أخف من الياء ا. هـ. تصريح. والظاهر أن هذه الألف اسم؛ لأنها منقلبة عن اسم وينبغي أن يحكم بأنها مضاف إليه، وأنها في محل جر سم.
قوله: "وهو حذف الألف" فيه جمع بين حذف العوض والمعوض وهو لا يجوز، ويجاب بأنها بدل الياء
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٦٣، ١٧٩؛ والإنصاف ١/ ٣٩٠؛ وأوضح المسالك ٤/ ٣٧؛ وخزانة الأدب ١/ ١٣١؛ والخصائص ٣/ ١٣٥؛ ورصف المباني ص٢٨٨؛ وسر صناعة الإعراب ١/ =
[ ٣ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أصله بقولي يا لهفا. ونقل عن الأكثرين المنع. قال في شرح الكافية وذكروا أيضًا وجهًا سادسًا وهو الاكتفاء عن الإضافة بنيتها وجعل الاسم مضمومًا كالمنادى المفرد. ومنه قراءة بعض القراء: "رَبُّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ" [يوسف: ٣٣]، وحكى يونس عن بعض العرب: يا أم لا تفعلي وبعض العرب يقولون: يا رب اغفر لي ويا قوم لا تفعلوا. أما المعتل آخره ففيه لغة واحدة وهي ثبوت يائه مفتوحة نحو: يا فتاي ويا قاضي. تنبيهان: الأول ما سبق من الأوجه هو فيما إضافته للتخصيص كما أشعر به تمثيله، أما الوصف المشبه للفعل فإن ياءه ثابتة لا غير، وهي إما مفتوحة أو ساكنة نحو: يا مكرمي ويا ضاربي. الثاني: قال في شرح الكافية: إذا كان آخر المضاف إلى ياء المتكلم ياء مشددة كبني، قيل يا بني أو يا بني لا غير فالكسر على التزام حذف ياء المتكلم فرارًا من وفرق بين الإبدال والتعويض سم. على أنه قد يمنع عدم الجواز بدليل وأقام الصلاة وأجاب إجابًا. قوله: "ونقل عن الأكثرين المنع" أي: ولا دلالة في البيت على الجواز لاحتمال أن المراد بهذه اللفظة ولا نداء. قوله: "وجهًا سادسًا" يظهر أن قائله يحذف الياء والكسرة ثم يعامله معاملة الاسم المفرد فيضم آخره ضمة مشاكلة للمفرد المبني فهو منصوب تقديرًا بفتحة مقدرة منع من ظهورها ضمة المشاكلة. وتعرفه بالإضافة المنوية كما اختاره المصنف لا محلا. وتعرفه بالقصد كما قيل، وإلا لم يكن لغة في المضاف. قال أبو حيان: والظاهر أن حكمه في الاتباع حكم المبني على الضم غير المضاف لا حكم المضاف للياء ا. هـ. أي: إنه يجوز في تابعه الوجهان وهو لا يظهر على أن تعرفه بالإضافة المنوية ونصبه مقدر فإن مقتضاه عدم جواز الوجهين في تابعه، وقد يوجه ما قاله أبو حيان، وإن قلنا تعرفه بالإضافة المنوية ونصبه مقدر بأنه عومل معاملة المفرد فأعطى حكمه، وإن لم يكن منه حقيقة أفاده سم، قال في التصريح وإنما يأتي هذا الوجه السادس فيما يكثر نداؤه مضافًا كالرب تعالى والأب والأم والابن حملًا للقليل على الكثير. قوله: "أما المعتل آخره" بأن يكون آخره حرفًا لينًا قبله حركة مجانسة له وأما ما حذف لامه كأخ فلا ترد لامه خلافًا للمبرد، ووقع في عبارة البعض هنا خلل فاحذره. قوله: "وهي ثبوت يائه مفتوحة" وتسكين ورش محياي من إجراء الوصل مجرى الوقف. قوله: "فيما إضافته للتخصيص" كان الأولى للتعريف والمراد فيما إضافته محضة بقرينة المقابلة. قوله: "المشبه للفعل" أي: المضارع في كونه بمعنى الحال أو الاستقبال. قوله: "فإن ياءه ثابتة لا غير" قد يوجه بشدة طلبه لها لكونه عاملًا يشبه الفعل. قوله: "وهي إما مفتوحة أو ساكنة" أي: إن لم يكن الوصف مثنى أو مجموعًا على حده وإلا تعين الفتح نحو: يا ضاربي ويا ضاربي. قوله: "كبني" = ٥٢١، ٢/ ٧٢٨؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥١٢؛ وشرح قطر الندى ص٢٠٥؛ ولسان العرب ٩/ ٣٢١ "لهف"؛ والمحتسب ١/ ٢٧٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٨؛ والمقرب ١/ ١٨١، ٢/ ٢٠١؛ والممتع في التصريف ٢/ ٦٢٢.
[ ٣ / ٢٣١ ]
وفَتْحٌ أو كَسْرٌ وحَذْفُ اليا اسْتَمَرّ في يابن أمِّ يابنَ عَمِّ لا مَفَرّ
_________________
(١) توالي الياآت مع أن الثالثة كان يختار حذفها قبل ثبوت الثنتين، وليس بعد اختيار الشيء إلا لزومه. والفتح على وجهين: أحدهما أن تكون ياء المتكلم أبدلت ألفًا ثم التزم حذفها؛ لأنها بدل مستقل. الثاني: أن ثانية ياءي بني حذفت ثم أدغمت أولاهما في ياء المتكلم ففتحت؛ لأن أصلها الفتح كما فتحت في يدي ونحوه ا. هـ. وقد تقدمت بقية الأحكام في باب المضاف إلى ياء المتكلم "وفتح أو كسر وحذف اليا" والألف تخفيفًا لكثرة الاستعمال "استمر في" قولهم "يابن أم" ويا ابنة أم و"يابن عم" ويا ابنة عم "لا مفر" أما الفتح ففيه قولان: أحدهما أن الأصل أما وعما بقلب الياء ألفا فحذفت الألف وبقيت الفتحة دليلًا عليها. الثاني أنهما جعلا اسمًا واحدًا مركبًا وبني على الفتح والأول قول أي: تصغير ابن وأصله بنو بفتحتين، وإذا صغرته حذفت ألف الوصل ورددت اللام المحذوفة فيبقى بنيو فتقلب الواو ياء لاجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون وتدغم الياء في الياء، وعلى القول بأن لامه ياء يكون فيه ما عدا القلب. قوله: "قيل يا بني" بكسر الياء أو يا بني بفتحها لا غير، أورد عليه شيخنا أن فيه لغة ثالثة قرئ بها في السبع وهي إسكان الياء مخففة، ووجهه أنه حذف ياء المتكلم ثم استثقلت الياء المشددة المكسورة فحذف الياء الثانية التي هي لام الكلمة وأبقى الأولى وهي ياء التصغير ساكنة. قوله: "على التزام حذف ياء المتكلم" أي: وإبقاء الياء الثانية على كسرها لأجل ياء المتكلم. قوله: "مع أن الثالثة" كان الأوضح؛ ولأن الثالثة؛ لأن هذا تعليل آخر لالتزام الحذف. قوله: "أبدلت ألفًا" أي: بعد قلب الكسرة التي قبلها فتحة. قوله: "ثم التزم حذفها" أي: وأبقيت الفتحة دليلًا عليها. قوله: "مستثقل" أي: حرف مستثقل وهو الياء أي: وبدل الثقيل ثقيل. قوله: "ففتحت؛ لأن أصلها الفتح" وعلى القول بأن أصلها السكون يوجه الفتح بأنه احتيج للتحريك؛ لئلا يلتقي ساكنان والفتح أخف سم. قوله: "بقية الأحكام" أي: بقية أحكام المضاف المذكور ككسر آخره وجوبًا إذا لم يكن واحدًا من الأمور الأربعة المتقدمة في قوله: آخر ما أضيف لليا اكسر إذا لم يك معتلًا إلخ وسلامة الألف مطلقًا إلى آخر ما مر أي: فلا نعيد تلك الأحكام هنا. قوله: "وفتح أو كسر" أي: للميم وأجاز قوم ضمها أيضًا سم. قوله: "وحذف اليا" أي: مع الكسر والألف أي: مع الفتح ففيه مع ما قبله لف ونشر مشوش لكن حذف الألف، إنما يأتي على قول الكسائي الآتي ومن وافقه لا على قول سيبويه والبصريين فلهذا أسقطه المصنف. قوله: "استمر" أي: اطرد، وفي نسخة اشتهر وأفرد الضمير مع رجوعه إلى الفتح أو الكسر وحذف الياء على التأول بالمذكور أو على حذف خبر أحد المتعاطفين لدلالة الآخر. قوله: "ويا ابنة عم" في التصريح أن بنتا كابنة. قوله: "فحذفت الألف وبقيت الفتحة" قد تقدم منع الجمهور لهذا في غير هذه الصورة
[ ٣ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكسائي والفراء وأبي عبيدة وحكي عن الأخفش، والثاني قيل هو مذهب سيبويه والبصريين، وأما الكسر فظاهر مذهب الزجاج وغيره أنه مما اجتزى فيه بالكسرة عن الياء المحذوفة من غير تركيب. قال في الارتشاف: وأصحابنا يعتقدون أن: ابن أم وابنة أم وابن عم وابنة عم حكمت لها العرب بحكم اسم واحد وحذفوا الياء كحذفهم إياهم من أحد عشر إذا أضافوه إليها. وأما إثبات الياء والألف في قوله:
٩٢٨- يابْنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفسِي
وقوله:
٩٢٩- يا ابْنَةَ عَمَّا لا تلُومِي واهْجَعِي
فضرورة. أما ما لا يكثر استعماله من نظائر ذلك نحو: يابن أخي ويا ابن خالي
ــ
نحو: يا عبد وهم لا يمنعون ذلك هنا، والفرق ثبوت السماع الصحيح هنا سم، وقوله: قد تقدم أي: في قول الشارح ونقل عن الأكثرين المنع. قوله: "والثاني أنهما" أي: ابنا وما بعده. قوله: "وبني" أي: المجموع على الفتح فيكون نحو: يابن أم مبنيا على ضم مقدر كخمسة عشر، ونقل السيوطي عن الرضي أن مجموع الكلمتين مع تركيبهما وفتحهما مضاف إلى الياء المحذوفة. قوله: "من غير تركيب" هذا هو محل مخالفة ظاهر مذهب الزجاج لما في الارتشاف. قوله: "قال في الارتشاف إلخ" هذا مقابل قوله فظاهر مذهب الزجاج إلخ. قوله: "وحذفوا الياء" أي: وأبقوا الكسرة دليلًا عليها؛ لأن الكلام في الكسر. قوله: "ويا شقيق" تصغير شقيق. قوله: "فضرورة" وقال بعضهم: هما لغتان قليلتان، قيل وقلب الياء ألفًا أجود من إثباتها وإذا ثبتت الياء ففيها وجهان الإسكان والفتح فالحاصل خمسة أوجه، ونص بعضهم على أن الخمسة لغات، ومر قريبًا لغة سادسة وهي الضم. قوله: "فالياء فيه ثابتة لا غير" ساكنة أو مفتوحة ولا يجوز حذفها لبعدها عن المنادى تصريح أي: مع عدم سماع حذفها في غير يابن أم يا ابن عم فلا يرد أن البعد موجود فيهما أيضًا.
_________________
(١) عجزه: أنت خلَّفْتني لدَهْرِ شديد والبيت من الخفيف، وهو لأبي زبيد في ديوانه ص٤٨؛ والدرر ٥/ ٥٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٧٩؛ والكتاب ٢/ ٢١٣؛ ولسان العرب ١٠/ ١٨٢ "شقق"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٠؛ وشرح قطر الندى ص٢٠٧؛ وشرح المفصل ٢/ ١٢؛ والمقتضب ٤/ ٢٥٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ٥٤.
(٢) الرجز لأبي النجم في خزانة الأدب ١/ ٣٦٤؛ والدرر ٥/ ٥٨؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١٧٩؛ وشرح المفصل ٢/ ١٢؛ والكتاب ٢/ ٢١٤؛ ولسان العرب ١٢/ ٤٢٤ "عمم"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٤؛ ونوادر أبي زيد ص١٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤١؛ ورصف المباني ص١٥٩؛ وشرح قطر الندى ص٢٠٨؛ والمقتضب ٤/ ٢٥٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ٥٤.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
وفي النِّدا أبَتِ أمَّتِ عَرَض واكْسِرْ أو افْتَحْ ومِنَ اليا التَّا عِوَض
_________________
(١) فالياء فيه ثابتة لا غير، ولهذا قال في يابن أم يابن عم ولم يقل في نحو: يابن أم يابن عم. تنبيه: نص بعضهم على أن الكسر أجود من الفتح وقد قرئ: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ﴾ [طه: ٩٤] بالوجهين "وفي الندا" قولهم يا "أبت" ويا "أمت" بالتاء "عرض" والأصل يا أبي ويا أمي "واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض" ومن ثم لا يكادان يجتمعان، ويجوز فتح التاء وهو الأقيس وكسرها وهو الأكثر، وبالفتح قرأ ابن عامر وبالكسر قرأ غيره من السبعة. تنبيهات: الأول فهم من كلامهم فوائد: الأولى أن تعويض التاء من ياء المتكلم في أب وأم لا يكون إلا في النداء. الثانية أن ذلك مختص بالأب والأم. الثالثة أن التعويض فيهما ليس بلازم فيجوز فيهما ما جاز في غيرهما من الأوجه السابقة فهم ذلك من قوله: عرض. الرابعة منع الجمع بين التاء والياء؛ لأنها عوض عنها وبين التاء والألف؛ لأن الألف بدل من الياء. وأما قوله: قوله: "ولهذا قال في يابن أم يابن عم" ولا يرد يا ابنة أم يا ابنة عم؛ لأن ابنة هي ابن بزيادة التاء. قوله: "وفي الندا أبت أمت عرض" وكل منهما منصوب؛ لأنه معرب فإنه من أقسام المضاف بفتحة مقدرة على ما قبل التاء منع من ظهورها اشتغال المحل بالفتحة لأجل التاء؛ لاستدعائها فتح ما قبلها لا على التاء؛ لأنها في موضع الياء التي يسبقها إعراب المضاف إليها سم. قوله: "ومن الياء التا عوض" إنما عوض تاء التأنيث عن الياء إذا أضيف إليها الأب أو الأم؛ لأن كلا منهما مظنة التفخيم والتاء تدل عليه كما في علامة ا. هـ. حفيد. ووجهه في الكشاف بأن تاء التأنيث وياء الإضافة متناسبتان في أن كلا منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره، وفيما ذكر تصريح بأن التاء حرف لا اسم إذ لم تنقلب الياء إليها بخلاف الألف في نحو: يا عبدًا كما مر بيانه. قوله: "ويجوز فتح التاء إلخ" كان الأولى والفتح أقيس والكسر أكثر؛ لأن جواز كل مستفاد من عبارة المصنف. قوله: "وهو الأقيس" لأن التاء عوض عن الياء وحركتها الفتح وتحركها بحركة أصلها هو الأصل ا. هـ. حفيد. قوله: "وهو الأكثر" أي: لأن الكسر عوض عن الكسر الذي كان يستحقه ما قبل الياء وزال حين مجيء التاء؛ لأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحًا. قوله: "لا يكون إلا في النداء" أخذ الحصر من تقديم الجار والمجرور. قوله: "مختص بالأب والأم" أي: لأنه لم يقل نحو: أبت أمت. قوله: "من الأوجه السابقة" أي: في المنادى المضاف لياء المتكلم. قوله: "فهم ذلك من قوله: عرض" نظر فيه سم بأن العروض لا ينافي اللزوم، وقد يقال شأن العارض عدم اللزوم. قوله: "وبين التاء والألف" مشى ابن الحاجب على جواز الجمع بينهما؛ لأنه جمع بين عوضين بخلاف ما قبله سم أي: فإن فيما قبله جمعا بين العوض والمعوض عنه وفي
[ ٣ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٩٣٠- أَيَا أَبَتِي لا زِلت فِينا فإنَّما لنَا أَمَلٌ في العيشِ ما دُمتَ عائِشا
فضرورة، وكذا قوله:
٩٣١- يا أَبَتا َعَلَّكَ أو عَسَاكَا
وهو أهون من الجمع بين التاء والياء لذهاب صورة المعوض عنه. وقال في شرح الكافية الألف فيه هي الألف التي يوصل بها آخر المنادى إذا كان بعيدًا أو مستغاثًا به أو مندوبًا، وليست بدلًا من ياء المتكلم، وجوز الشارح الأمرين. الثاني: اختلف في جواز ضم التاء في يا أبت ويا أمت فأجازه الفراء وأبو جعفر النحاس، ومنعه الزجاج، ونقل عن الخليل أنه سمع من العرب من يقول: يا أبت ويا أمت بالضم، وعلى هذا فيكون في ندائهما عشر لغات: الست السابقة في نحو: يا عبد، وهذه الأربعة، أعني تثليث التاء والجمع بينهما وبين الألف في نحو: يا أبتا على ما مر. الثالث: يجوز إبدال هذه التاء هاء وهو يدل على أنها تاء التأنيث قال في التسهيل وجعلها هاء في الخط والوقف جائز، وقد قرئ بالوجهين في السبع، ورسمت في المصحف بالتاء.
ــ
قوله: بين عوضين تغليب؛ لأن الألف بدل عن الياء لا عوض عنها كما مر، ووقع للبعض خطأ فاحش في تقرير مذهب ابن الحاجب فانظره. قوله: "التي يوصل بها آخر المنادى إلخ" أي: بناء على القول بجواز ذلك في المنادى البعيد والمستغاث والمندوب.
قوله: "وجوز الشارح الأمرين" أي: كونها عوضًا عن الياء وكونها التي يوصل بها آخر المنادى. قوله: "على ما مر" أي: على القول الذي مر عن شرح الكافية أن هذه الألف هي التي يوصل بها آخر المنادى المتقدم وليست بدلًا عن ياء المتكلم، لا على القول بأنها بدل عن ياء المتكلم؛ لأن الجمع على هذا ضرورة كالجمع بين الياء والتاء لا لغة حتى تعد في اللغات، وإلا كانت إحدى عشرة لغة بزيادة الجمع بين الياء والتاء، وبهذا يعرف ما في كلام البعض. قوله: "إبدال هذه التاء هاء" أي: في الوقف. قوله: "على أنها تاء التأنيث" أي: بحسب الأصل. قوله: "ورسمت في المصحف بالتاء" أي: فرسمها بالتاء أولى كما قاله الدماميني.
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ١٧٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥١.
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨١؛ وخزانة الأدب ٥/ ٣٦٢، ٣٦٧، ٣٦٨؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦٤؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٣؛ وشرح المفصل ٧/ ١٢٣، ٢/ ٩٠؛ والكتاب ٢/ ٣٧٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٢؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٦؛ والإنصاف ١/ ٢٢٢؛ والجنى الداني ص٤٤٦، ٤٧٠؛ والخصائص ٢/ ٩٦؛ والدرر ٢/ ١٥٩؛ ورصف المباني ص٢٩، ٢٤٩، ٣٥٥؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٠٦، ٢/ ٤٩٣، ٥٠٢؛ وشرح المفصل ٢/ ١٢، ٣/ ١١٨، ١٢٠، ٨/ ٧٨، ٩/ ٣٣؛ واللامات ص١٣٥؛ ولسان العرب ١٤/ ٣٤٩ "روي"؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص١٣٠؛ والمقتضب ٣/ ٧١؛ ومغني اللبيب ١/ ١٥١، ٢/ ٦٩٩؛ وهمع الهوامع ١/ ١٣٢.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
أسماء لازمت النداء:
وَفُلُ بعض ما يخصُّ بالنِّدا لُؤمانْ نَومانُ كذا واطَّرَدَا
_________________
(١) أسماء لازمت النداء: "وفل بعض ما يخص بالندا" أي: لا يستعمل في غير النداء، ويقال للمؤنثة: يا فلة، واختلف فيهما فمذهب سيبويه أنهما كنايتان عن نكرتين، ففل كناية عن رجل وفلة كناية عن امرأة، ومذهب الكوفيين أن أصلهما فلان وفلانة فرخما، ورده الناظم بأنه لو كان مرخمًا لقيل فيه فلا ولما قيل في التأنيث فلة. وذهب الشلوبين وابن عصفور وصاحب البسيط إلى أن فل وفلة كناية عن العلم نحو: زيد وهند بمعنى فلان وفلانة، وعلى ذلك مشى الناظم وولده. قال الناظم في شرح التسهيل وغيره: أن يا فل بمعنى يا فلان ويا فلة بمعنى يا فلانة، قال: وهما الأصل فلا يستعملان منقوصين في غير نداء إلا في ضرورة فقد وافق الكوفيين في أنهما كناية عن العلم، وأن أصلهما فلان وفلانة، وخالفهم في الترخيم ورده بالوجهين السابقين و"لؤمان" بالهمز وضم اللام، وملأم وملأمان بمعنى عظم اللؤم وـ أسماء لازمت النداء: يجوز كون لازمت فعلًا ماضيًا كضاربت وكونه اسم فاعل كضاربة مضافًا إلى النداء أو منونًا ناصبًا النداء على المفعولية سم. قوله: "بعض ما يخص بالنداء" أشار إلى أن هناك ألفاظًا أخر تختص بالنداء كأبت وأمت. قوله: "أي: لا يستعمل في غير النداء" أشار به إلى أن الباء داخلة على المقصور عليه. قوله: "عن نكرتين" أي: من جنس الإنسان لا مطلقًا. قوله: "بأنه لو كان" أي: المذكور من فل وفلة مرخمًا أي: مرخم فلان وفلانة لقيل فيه أي: في بعضه وهو فل بقرينة ما بعده فلا؛ لأنه لا يحذف في الترخيم مع الآخر ما قبله من حرف مد زائد إلا إذا كان المرخم خماسيا فصاعدًا وفلان على أربعة أحرف فحق ترخيمه يا فلا. وقوله: ولما قيل في التأنيث فلة أي: بل كان يقال فلان، وكان الأخصر والأوضح أن يقول: ورده الناظم بأنهما لو كانا مرخمين لقيل في الأول فلا وفي الثاني فلان. قوله: "وذهب الشلوبين إلخ" الفرق بين هذا المذهب ومذهب الكوفيين مع أنهما كنايتان عن العلم عند الكوفيين، أيضًا اعتبار الترخيم عندهم دون الشلوبين ومن معه. قوله: "كناية عن العلم" أي: الشخصي لمن يعقل وكأن الظاهر كنايتان. قوله: "وهما الأصل" المراد بالأصل هنا وفي قوله الآتي وأن أصلهما فلان وفلانة ما كانا عليه قبل تخفيفهما بحذف الألف والنون لا بالترخيم، والحاصل أن الشلوبين والناظم ومن وافقهما يقولون هما كنايتان عن العلم وأصلهما فلان وفلانة فدخلهما مجرد الحذف تخفيفًا لا ترخيمًا. والكوفيون يقولون هما كنايتان عن العلم وأصلهما فلان وفلانة فدخلهما خصوص الترخيم. وبهذا تعلم أن قول البعض فيما كتبه قبيل
[ ٣ / ٢٣٦ ]
في سَبِّ الانْثَى وَزْنُ يا خَباثِ والأَمْرُ هكذا مِنَ الثلاثِي
ــ
"نومان" بفتح النون بمعنى كثير النوم "كذا" أي: مما يختص بالنداء.
تنبيهان: الأول الأكثر في بناء مفعلان نحو: ملأمان أن يأتي في الذم، وقد جاء في المدح نحو: يا مكرمان حكاه سيبويه والأخفش، ويا مطيبان. وزعم ابن السيد أنه يختص بالذم، وأن مكرمان تصحيف مكذبان وليس بشيء. الثاني: قال في شرح الكافية: إن هذه الصفات مقصورة على السماع بإجماع وتبعه ولده، وهو صحيح في غير مفعلان فإن فيه خلافًا، أجاز بعضهم القياس عليه فتقول: يا مخبثان وفي الأنثى يا مخبثانة "واطردا في سب الأنثى وزن" يا فعال نحو: "يا خباث" يا لكاع يا فساق وأما قوله:
٩٣٢- أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي إلى بيت قَعِيدتُهُ لَكاعِ
فضرورة "والأمر هكذا" أي: اسم فعل الأمر مطرد "من الثلاثي" عند سيبويه نحو:
ــ
الخاتمة أن مادة فلان مخالفة لمادة فل عند المصنف، كما أن الأمر كذلك على مذهب سيبويه الصحيح فيه نظر. قوله: "بالهمز" أي: الساكن. قوله: "أي: مما يختص بالنداء" بيان لوجه الشبه. قوله: "يا مكرمان" بفتح الراء زكريا، وهو العزيز المكرم. دماميني. قوله: "تصحيف مكذبان" أي: تحريفه وسماه تصحيفًا لقربه من التصحيف لقرب رسم الدال من رسم الراء وقرب رسم الباء من رسم الميم المخلوطة بما بعدها. قوله: "وليس بشيء" مع أنه يبقى عليه مطيبان إلا أن يمنع وروده.
قوله: "مقصورة على السماع" ويؤخذ ذلك من تعبيره بالاطراد فيما بعدها دونها. قوله: "وهو" أي: الاجماع. قوله: "فتقول يا مخبثان إلخ" قضيته عدم سماع مخبثان ويعكر عليه قول الهمع الذي سمع منه أي: من مفعلان ستة ألفاظ: مكرمان وملأمان ومخبثان وملكعان ومطيبان ومكذبان. قال: وحكى ابن سيده رجل مكرمان وملأمان وامرأة ملأمانة فمنهم من أجاز استعماله في غير النداء بقلة وخرجه أبو حيان على إضمار القول وحرف النداء، والأصل رجل مقول فيه يا مكرمان. قوله: "وزن يا فعال" أي: موازن ثاني يا فعال وكذا يقال في قوله الآتي: وشاع في سب الذكور وزن يا فعل وفي الإتيان بيا هنا، وفيما يأتي إشارة إلى اختصاص سب الأنثى والذكور المذكورين بالنداء. قوله: "قعيدته" سميت امرأة الرجل قعيدة للزومها البيت لكاع أي: خسيسة.
قوله: "فضرورة" وقيل التقدير: قعيدته يقال لها يا لكاع. قوله: "والأمر هكذا إلخ" وجه ذكره هنا مناسبته لنحو: خباث المتعلق بما هنا في وزنه وبنائه على الكسر وشروطه سم أي: فذكره هنا من باب الاستطراد وقوله: هكذا أي:
كخباث في الوزن لا في النداء. قوله: "أي: اسم فعل
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للحطيئة في ملحق ديوانه ص١٥٦، وجمهرة اللغة ص٦٦٢؛ وخزانة الأدب ٢/ ٤٠٤، ٤٠٥؛ والدرر ١/ ٢٥٤؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٠؛ وشرح المفصل ٤/ ٥٧؛ والمقاصد النحوية ١/ ٤٧٣، ٤/ ٢٢٩؛ ولأبي الغريب النصري في لسان العرب ٨/ ٣٢٣ "لكع"؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٥؛ والدرر ٣/ ٣٩؛ وشرح شذور الذهب ص١٢٠؛ وشرح ابن عقيل ص٧٦؛ والمقتضب ٤/ ٢٣٨؛ وهمع الهوامع ١/ ٨٢، ١٧٨.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نزال وتراك من نزل وترك.
تنبيهان: الأول أهمل الناظم من شروط القياس على هذا النوع أربعة شروط: الأول أن يكون مجردًا فأما غير المجرد فلا يقال منه إلا ما سمع نحو: دراك من أدرك. الثاني: أن يكون تاما فلا يبنى من ناقص. الثالث: أن يكون متصرفًا. الرابع: أن يكون كامل التصرف فلا يبنى من يدع ويذر. الثاني ادعى سيبويه سماعه من غير الثلاثي شذوذًا كقرقار من قرقر في قوله:
٩٣٣- قالت له رِيحُ الصّبا قَرْقار
وعرعار من عرعر في قوله:
٩٣٤- يَدْعُو وَلِيدهمْ بها عَرْعارِ
ــ
الأمر" أي: فكلامه على حذف مضافين وقول شيخنا: فكلامه على حذف مضاف أي: ودال الأمر هو مع كونه لا يناسب صنيع الشارح يرد عليه أن دال الأمر أعم من اسم فعل الأمر.
قوله: "من الثلاثي" جعله الشارح مختصا بقوله: والأمر هكذا، مع أنه يعود لما قبله أيضًا فالوجه تعليقه باطرد سم، وعليه فالأمر معطوف على وزن وهكذا حال وعلى صنيع الشارح الأمر مبتدأ هكذا حال ومطرد خبر أو هكذا خبر أول ومطرد خبر ثان. قوله: "عند سيبويه" وقال المبرد: هو مسموع فلا يقال قوام ولا قعاد في قم واقعد، إذ ليس لأحد أن يبتدع صيغة لم تقلها العرب.
قال الأندلسي: ومنع المبرد قوي، فالأولى أن يتأول قول سيبويه هو مطرد على أنه أراد بالاطراد الشياع ا. هـ. دماميني وفي التوضيح مع شرحه والمبرد لا يقيس فيهما أي: في فعال سبا وفعال أمرًا أي: فلا يقال يا قباح قياسًا على فساق ولا قعاد قياسًا على نزال ا. هـ. ومنه يعلم أن الخلاف بين سيبويه والمبرد في فعال سبا وفعال أمرًا، والموافق لهذا أن يجعل قول الشارح عند سيبويه متعلقًا باطرد في كلام المتن ومطرد في كلام الشارح على التنازع وإن كان الأقرب إلى صنيع الشارح تعلقه بمطرد في كلامه فعلم ما في قول البعض أن عند سيبويه متعلق باطرد. قوله: "على هذا النوع" قال البعض: أي: على ما ورد منه أو المراد في هذا النوع وهو اسم الفعل ا. هـ. وهو موافق لقول شيخنا أي: نوع نزال ا. هـ. وقال شيخنا السيد: قوله: على هذا النوع أي: وكذا ما قبله أو يراد بالنوع ما هو على وزن فعال منادى أو اسم فعل ا. هـ. وهذا هو الموافق لما في التوضيح وشرحه فانظره.
قوله: "أن يكون مجردًا" أي: عن الزوائد، وفيه أن هذا معلوم من اشتراط المصنف كونه ثلاثيا؛ لأن الثلاثي عند النحاة لا يشمل المزيد. قوله: "متصرفًا" فخرج نحو: نعم وبئس. قوله: "ادعى سيبويه سماعه" أي: سماع اسم فعل الأمر المبني على الكسر لا بقيد كونه على وزن فعال. قوله: "كقرقار" أي:
صوت وعرعار أي: العب. قوله: "يدعو وليدهم" أي: صغيرهم بها عرعار
_________________
(١) الرجز لأبي النجم في خزانة الأدب ٦/ ٣٠٧، ٣٠٩؛ ولسان العرب ٥/ ٨٩ "قرر"؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ٤/ ٥١؛ والكتاب ٣/ ٢٧٦؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٧٧. ٩٣٤ صدره: مُتَكنِّفي جَنْبَي عكاظ كِلَيهما والبيت من الكامل، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص٥٦؛ وخزانة الأدب ٦/ ٣١٢؛ وشرح المفصل ٤/ ٥٢؛ ولسان العرب ٤/ ٥٦١ "عرر"؛ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص١٩٧.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
وشاعَ في سَبِّ الذكورِ فُعَلُ ولا تَقِسء وجُرّ في الشعْرِ فُلُ
ــ
وقاس عليه الأخفش. ورد المبرد على سيبويه سماع اسم الفعل من الرباعي. وذهب إلى أن قرقار وعرعار حكاية صوت، وحكاه عن المازني. وحكى المازني عن الأصمعي عن أبي عمرو مثله. والصحيح ما قاله سيبويه؛ لأن لو كان حكاية صوت لكان الصوت الثاني مثل الأول نحو: غاق غاق فلما قال عرعار وقرقار فخالف لفظ الأول لفظ الثاني علم أنه محمول على عرعر وقرقر "وشاع في سب الذكور" يا "فعل" نحو قولهم: يا فسق يا لكع يا غدر يا خبث "ولا تقس" عليه بل طريقه السماع، واختار ابن عصفور كونه قياسًا ونسب لسيبويه "وجر في الشعر فل" قال الراجز:
٩٣٥- في لُجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عن فُلِ
ــ
أي: هلموا للعرعرة وهي لعبة الصبيان ا. هـ. فارضي. ووليد فاعل يدعو كما قاله شيخنا السيد وانظر مرجع ضمير بها. قوله: "حكاية صوت" أي: قرقار حكاية صوت الرعد، وعرعار حكاية صوت الصبيان.
قوله: "لكان الصوت الثاني" أي: لكان اسم الصوت الثاني. وقوله: مثل الأول تصدق المماثلة بأن يقال عرعر وقرقر وبأن يقال عارعار وقارقار. قوله: "علم أنه" أي: ما ذكر محمول على عرعر وقرقر بصيغة الأمر أي: دال عليه دلالة اسم الفعل على الفعل. قوله: "يا فسق إلخ" هي غير منصرفة للوصفية والعدل عن فاسق وألكع وغادر وخبيث. قوله: "يا لكع" ذكر في القاموس من معاني اللكع اللئيم والعبد والأحمق والصغير الوسخ، قيل قد يرد في غير النداء كحديث: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع ابن لكع" وقوله ﵊ في الحسن بن علي ﵄: "أين لكع" أي: الصغير. وقيل هو في الحديثين ليس من المختص بالنداء، بل هو فيهما وصف منصرف غير معدول كحطم ومؤنثه لكعة. أما المختص بالنداء فغير منصرف؛ لأنه معدول عن ألكع ومؤنثه لكاع. قوله: "بل طريقه السماع" أي: والمسموع منه الألفاظ الأربعة المذكورة.
قوله: "في لجة" متعلق بتدافع الشيب في بيت آخر. واللجة بفتح اللام اختلاط الأصوات في الحرب. وقوله: أمسك فلانًا عن فل مقول لقول محذوف أي: في لجة مقول فيها أمسك فلانًا
_________________
(١) الرجز لأبي النجم في جمهرة اللغة ص٤٠٧؛ وخزانة الأدب ٢/ ٣٨٩؛ والدرر ٣/ ٣٧؛ وسمط اللآلي ص٢٥٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٣٩؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٠؛ وشرح المفصل ٥/ ١١٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥٠؛ والصاحبي في فقه اللغة ٢٢٩؛ والطرائف الأدبية ص٦٦؛ والكتاب ٢/ ٢٤٨، ٣/ ٤٥٢؛ ولسان العرب ٢/ ٣٥٥ "لجج"؛ ١٣/ ٣٢٤، ٣٢٥ "فلن"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٣؛ وشرح ابن عقيل ص٥٢٧؛ وشرح المفصل ١/ ٤٨؛ والمقتضب ٤/ ٢٣٨؛ والمقرب ١/ ١٨٢؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٧.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصواب أن أصل هذا فلان وأنه حذف منه الألف والنون للضرورة كقوله:
٩٣٦- دَرَسَ المَنا بِمُتالِعٍ فَأبانِ
أي: درس المنازل. وليس هو فل المختص بالنداء إذ معناهما مختلف على الصحيح، كما مر أن المختص بالنداء كناية عن اسم الجنس، وفلان كناية عن علم ومادتهما مختلفة. فالمختص مادته ف ل ى فلو صغرته قلت فلى، وهذا مادته ف ل ن فلو صغرته قلت فلين، وقد تقدم بيان ما ذهب إليه المصنف.
خاتمة: يقال في نداء المجهول والمجهولة يا هن ويا هنة، وفي التثنية والجمع يا
ــ
عن فل. أي: امنع فلانًا عن فلان. يصف الشاعر إبلًا أقبلت وقد أثارت أيديها الغبار، وشبه تزاحمها ومدافعة بعضها بعضًا بقوم في لجة يدفع بعضهم بعضًا، فيقال أمسك فلانًا عن فلان أي: احجز بينهم. قوله: "والصواب إلخ" اعتراض على قول المصنف: وجرّ في الشعر فل المقتضى أن فل المجرور في الشعر هو فل المحدث عنه وهو المختص بالنداء. قوله: "درس المنا إلخ" درس عفا، ومتالع بضم الميم وبالتاء الفوقية اسم موضع، وكذلك أبان بالموحدة. تصريح. وفي القاموس أن درس يأتي لازمًا بمعنى عفا، ومتعديًا يقال درسته الريح. قوله: "أن المختص" بدل من ما مر أو بيان. وقوله: كناية عن اسم الجنس أي: على قول سيبويه. قوله: "وفلان" أي: الذي هو أصل فل الواقع في البيت مجرورًا أي: وما ثبت لفلان ثبت لفل الواقع في البيت؛ لأن أصله فلان كما مر.
قوله: "فالمختص مادته ف ل ى" أي: بالفك في هذا وما بعده كما في النسخ الصحاح على عادة أهل التصريف إذا أرادوا بيان الحروف الأصول من غير نظر إلى كونه فعلًا أو غيره. قوله: "وقد تقدم بيان ما ذهب إليه المصنف" لعله يشير بهذا إلى الجواب عن الاعتراض على المصنف المذكور بقوله: والصواب إلخ. وحاصله أن هذا التصويب إنما يظهر على مذهب سيبويه؛ لأن اختلاف المعنى والمادة الذي ذكره إنما يأتي على مذهبه دون مذهب المصنف؛ لاتحاد فل وفلان عليه معنى لكون كل عنده كناية عن العلم ومادة لكون أصل فل عنده فلانًا كما مر. وكمذهبه في الاتحاد المذكور مذهب الكوفيين. فدعوى البعض أن المادة مختلفة عند المصنف باطلة فتنبه. قوله: "في نداء المجهول" أي: المجهول اسمه. قوله: "يا هن إلخ" أي: لكن هن في الأصل كناية عن اسم الجنس وإن استعمل كثيرًا كناية عما يستقبح ذكره أو عن الفرج خاصة كما مر في مبحث الأسماء الستة.
_________________
(١) عجزه: فتقادمت بالحبس فالسُّوبانِ والبيت من الكامل، وهو للبيد بن ربيعة في ديوانه ص١٣٨؛ والدرر ٦/ ٣٠٨؛ وسمط اللآلي ص١٣؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٠؛ وشرح شواهد الشافية ص٣٩٧؛ ولسان العرب ٨/ ٣٧ "تلع"، ١٣/ ٥ "أبن"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٦؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٥٦.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
الاستغاثة:
إذا استُغيثَ اسمٌ منادًى خُفِضا باللامِ مَفْتوحًا كَيا للمُرْتَضَى
_________________
(١) هنان ويا هنتان ويا هنون يا هنات، وقد يلي أواخرهن ما يلي آخر المندوب نحو: يا هناه ويا هنتاه بضم الهاء وكسرها وفي التثنية والجمع يا هنانيه ويا هنتانيه ويا هنوناه ويا هناتوه. والله أعلم. الاستغاثة: "إذا استغيث اسم منادى" أي: نودي ليخلص من شدة أو يعين على مشقة "خفضا" غالبًا "باللام مفتوحًا" حال من اللام "كَيا للمرتضى" وقول عمر -﵁: يا لله، قوله: "ويا هنة" بسكون النون كما في الدماميني. قوله: "ويا هنون" جمع جمع المذكر السالم شذوذًا؛ لأن مفرده ليس علمًا ولا صفة، بل لم يستكمل شروط باب سنين. قوله: "بضم الهاء وكسرها" أي: الهاء الأخيرة كما في الفارضي، فالضم تشبيهًا بهاء الضمير والكسر على أصل التقاء الساكنين. واعلم أنه سيأتي للشارح في باب الندبة أن هذه الهاء لا تثبت وصلًا بل وقفًا ساكنة وربما ثبتت في الضرورة مضمومة ومكسورة. وأجاز الفراء إثباتها وصلًا بالوجهين. فقوله: هنا بضم الهاء وكسرها أي: على مذهب الفراء أو حيث ثبتت في الوصل لضرورة نظم، وإلا فهي ساكنة. قوله: "يا هنانية ويا هنتانيه" بقلب ألف الندبة ياء فيهما لمجانسة كسر نون التثنية، وفيه البحث الآتي. قوله: "ويا هناتوه" بقلب ألف الندبة واو المناسبة ضمة التاء. وبحث فيما ذكره بأن قلب الحركة أخف من قلب الحرف. فهلا قلبت كسرة نون التثنية في يا هنانيه ويا هنتانيه فتحة حفظًا للألف؟ وهلا قلبت ضمة التاء في يا هناتوه فتحة حفظًا للألف؟ كما فعل ذلك في يا هناه ويا هنتاه. والله أعلم. الاستغاثة: قوله: "إذا استغيث اسم" شامل للمضاف وشبهه. وأما النكرة غير المقصودة فتردد فيها الشاطبي، وإيقاع الاستغاثة على الاسم أي: اللفظ اصطلاحي، فإن المستغاث حقيقة المعنى أي: مدلول اللفظ أو التقدير مدلول اسم ا. هـ سم. قوله: "منادى" فائدته التنبيه على أن المستغاث اصطلاحًا لا يكون إلا منادى، ولو أطلق ربما فهم خلاف ذلك أو لم يفهم ذلك سم. قوله: "أو يعين على مشقة" أي: على دفعها والتعبير بالإعانة يقتضي مشاركة المستغيث للمستغاث في الدفع فحصل التغاير بين المتعاطفين. قوله: "غالبًا" من غير الغالب ما سيأتي في قوله: ولام ما استغيث عاقبت ألف. وقول الشارح: وقد يخلو منهما. قوله: "باللام" إنما اختيرت لمناسبة معناها للاستغاثة؛ لأن لامها للتخصيص أدخلت على المستغاث دلالة على أنه مخصوص من بين أمثاله بالنداء، وكذا المتعجب منه مخصوص من بين أمثاله باستحضار غرابته. قاله الدماميني.
[ ٣ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فخفضه للتنصيص على الاستغاثة وفتح اللام لوقوعه موقع المضمر لكونه منادى، وليحصل بذلك فرق بينه وبين المستغاث من أجله. وإنما أعرب مع كونه منادى مفردًا معرفة؛ لأن تركيبه مع اللام أعطاه شبهًا بالمضاف. وقد فهم من النظم فوائد: الأولى أن استغاث متعد بنفسه لقوله: إذا استغيث اسم، والنحويون يقولون مستغاث به قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، وقد صرح في شرح الكافية بالاستعمالين. الثانية: أن المستغاث معرب مطلقًا. الثالثة: أنه يجوز اقترانه بأل وإن كان منادى؛ لأن حرف النداء لم يباشرها، فهم ذلك من تمثيله وهو مجمع عليه. تنبيهات: الأول يختص المستغاث من حروف النداء بيا، يرشد إلى ذلك تمثيله وقوله بعد: إن كررت يا. الثاني ما أطلقه من فتح لام المستغاث هو مع غير ياء المتكلم فأما معها فتكسر نحو: يا لي. وقد أجاز أبو الفتح في قوله: قوله: "وقول عمر" أي: لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي قال: يا الله للمسلمين كما في الدماميني. قوله: "للتنصيص على الاستغاثة" إذ لو قيل يا زيدًا أو يا زيد احتمل التركيب غير الاستغاثة من الندبة في الأول والنداء المحض في الثاني. ويرد على كونها للتنصيص على الاستغاثة قولك: يا للعلماء متعجبًا من كثرتهم إلا أن يجعل التنصيص إضافيا أي: بالإضافة إلى الندبة والنداء المحض فتدبر. قوله: "لوقوعه موقع المضمر" أي: الذي تفتح معه اللام فلا ترد ياء المتكلم، أو مراده بالمضمر كاف الخطاب؛ لأنها التي يقع موقعها المنادى. وقيل؛ لأن اللام بقية آل كما سيأتي. قوله: "لكونه منادى" أي: والمنادى واقع موقع الكاف. قوله: "وبين المستغاث من أجله" شامل للمنتصر عليه والمنتصر له. قوله: "أعطاه شبهًا بالمضاف" أي: لأن اللام ومجرورها كلمتان كالمتضايفين؛ أو لأن اللام أضافت معنى الفعل إلى مجرورها. قوله: "متعد بنفسه" لو قال يتعدى بنفسه لكان أحسن؛ لأن النظم لا يفيد وجوب تعديه بنفسه، كما توهمه عبارة الشارح، وإنما يفيد جواز ذلك فاعرفه. قوله: "معرب مطلقًا" أي: مفردًا أو غيره ومحله كما قاله سم إن جر باللام وكان معربًا قبل النداء، فإن خلا من اللام كان كغيره من المناديات وإن كان مبنيا قبل النداء فهو باق على بنائه كيا لهذا. فهذا مبني على السكون في محل نصب. قوله: "لم يباشرها" أي: أل بل فصل بينهما اللام. قوله: "يختص المستغاث إلخ" أي: لأن الاستغاثة كالبعد لاحتياجها إلى مد الصوت؛ لأنه أعون على إسراع الإجابة المحتاج إليها، فلا يقال: إن يا للمنادى البعيد فيلزم أن لا يستغاث بالقريب إلا إن كان كالبعيد أفاده سم، بقي أنه يرد عليه أنه ورد المستغاث بالهمزة في قوله:
[ ٣ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٩٣٧- فَيا شَوق ما أَبْقَى ويالِي مِنَ النَّوَى ويا دَمْعُ ما أجْرَى ويا قلب ما أَصْبَى
أن يكون استغاث بنفسه وأن يكون استغاث لنفسه، والصحيح وفاقًا لابن عصفور أن يا لي حيث وقع مستغاث له، والمستغاث به محذوف بناء على ما سيأتي من أن العامل في المستغاث فعل النداء المضمر، فيصير التقدير يا أدعو لي وذلك غير جائز في غير ظننت وما حمل عليها، الثالث: اختلف في اللام الداخلة على المستغاث: فقيل هي بقية آل والأصل يا آل زيد، فزيد مخفوض بالإضافة، ونقله المصنف عن الكوفيين، وذهب الجمهور إلى أنها لام الجر، ثم اختلفوا: فقيل زائدة لا تتعلق بشيء وهو اختيار ابن
ــ
أعام لك ابن صعصعة بن سعد
إلا أن يقال هو ضرورة أو شاذ. قوله: "فيا شوق إلخ" يصح كسر شوق ودمع وقلب على حذف ياء المتكلم وإبقاء الكسرة دليلًا عليها، وضم الثلاثة على أنها نكرات مقصودة. وما تعجبية. والنوى البعد وما أصبى أي: ما أميلك إلى الهوى. قوله: "بناء على ما سيأتي إلخ" قيد بذلك ليتأتى المقتضى لكن المستغاث به في يا لي محذوفًا وهو لزوم عمل فعل في ضميري واحد على تقدير كون المستغاث به في يا لي هو المذكور، إذ لو بنينا على أن العامل حرف النداء لم يجب كون المستغاث به في يا لي محذوفًا؛ لأنه لا يلزم حينئذٍ على كون المستغاث به هو المذكور عمل فعل في ضميري واحد؛ لعدم الفعل العامل. قوله: "فيصير التقدير إلخ" تفريع على منفي محذوف معطوف على قوله محذوف أي: والمستغاث به محذوف لا مذكور فيصير إلخ. وقوله:
وذلك إلخ في معنى التعليل لهذا المنفي، ويصح جعل الفاء تعليلية له ولو قال:
إذ لو كان مستغاثًا به لكان التقدير إلخ لكان أوضح.
قوله: "يا أدعو لي" أي: فيلزم عمل فعل في ضميري واحد وهما الضمير المستتر في أدعو، والياء إذ هما لواحد وهو المتكلم والأولى حذف يا. قوله: "وذلك" أي: عمل الفعل في ضميري واحد غير جائز في غير ظننت وما حمل عليها أي: من أفعال القلوب. وما حمل عليها كنسيت وأبصرت وفقدت وعدمت. وأورد عليه أن عمل الفعل في ضميري واحد لازم على جعل الياء مستغاثًا له أيضًا إذ في قولك: ادعو قومي لي عمل أدعو في الضمير المستتر وفي الياء. وأجيب بأن المحذور عمله فيهما على وجه كون الثاني مفعولًا به وإذا جعلت الياء مستغاثًا له لم يكن مفعولًا به؛ لأن مدخول لام التعليل ليس مفعولًا به لعدم وقوع الفعل عليه بخلاف ما إذا جعلت مستغاثًا به. قوله: "والأصل يا آل زيد" أي: فحذفت همزة آل للتخفيف وإحدى الألفين لالتقاء الساكنين، وضعفه الرضي بأن ذلك يقال فيما لا آل له نحو: يا للدواهي، وقد يرد بأن يعتبر لها آل يناسبها فافهم. قوله: "عن الكوفيين" استدلوا بقوله:
إذا الداعي المثوب قال يا لا
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للمتنبي في ديوانه ١/ ١٨٥؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ٢٠٨.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
وافْتَحْ مَعَ المعطوفِ إن كرَّرتَ يا وفي سوى ذلك بالكسْرِ ائْتِيَا
ــ
خروف. وقيل ليست بزائدة فتتعلق، وفيما تتعلق به قولان: أحدهما بالفعل المحذوف وهو مذهب سيبويه واختاره ابن عصفور. والثاني تتعلق بحرف النداء وهو مذهب ابن جني. الرابع: إذا وصفت المستغاث جررت صفته نحو: يا لزيد الشجاع للمظلوم. وفي النهاية لا يبعد نصب الصفة حملًا على الموضع "وافتح" اللام "مع" المستغاث "المعطوف إن كررت يا" كقوله:
٩٣٨- يَا لَقَومِي ويالأَمْثالِ قَومِي لأُناسٍ عُتُوُّهُمْ في ازْدِيادِي
"وفي سوى ذلك" التكرار "بالكسر ائتيا" على الأصل لأمن اللبس نحو:
ــ
فإن الجار لا يقتصر عليه، وأجيب بأن الأصل يا قوم لا فرار فحذف ما بعد لا النافية. دماميني. قوله: "فقيل زائدة" بدليل صحة إسقاطها، وعورض بأن الزيادة خلاف الأصل، وعلى هذا القول يكون المستغاث منصوبًا بفتحة مقدرة لاشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة. قوله: "بالفعل المحذوف" أي: الذي نابت عنه يا لكن بتضمينه معنى فعل يتعدى بالحرف كالتجئ في نحو: يا لزيد وأتعجب في نحو: يا للماء فلا يرد أن أدعو متعد بنفسه فكيف عدى باللام. قوله: "بحرف النداء" لنيابته مناب الفعل. قوله: "على الموضع" أي: موضع الموصوف؛ لأنه مفعول كما مر وليس له موضع رفع حتى يتبع بالرفع. وجزم الرضي بامتناع ما عدا الجر كما مر. قوله: "مع المعطوف" إطلاقه شامل للمعطوف بغير الواو ولا مانع منه إذ قد تقصد الإشارة إلى تأخر أو تراخي رتبة الثاني في النجدة.
قوله: "وفي سوى ذلك التكرار" المفهوم من كررت أي: في سوى تكرار يا مع المعطوف ائت بكسر لام المعطوف ولام غيره من المستغاث؛ لأجله كما قد يدل له قوله بعد: الثاني علم مما ذكر إلخ ولو أرجع الشارح اسم الإشارة إلى المعطوف، مع تكرار يا لشمل الكلام المستغاث من أجله في صورة تكرار يا أيضًا؛ لأن غير المعطوف المكرر معه يا شامل لغير المعطوف في صورة تكرار يا وصورة عدم تكرارها وللمعطوف الذي لم تكرر معه يا، وبهذا التحقيق يعلم ما في كلام شيخنا والبعض من الإيهام. قوله: "على الأصل" أي: في لام الجر الداخلة على المظهر. قوله: "لأمن اللبس" أي: أمن لبس المعطوف بالمستغاث له بسبب عطفه على المستغاث، وأمن لبس المستغاث له بالمستغاث بسبب تقدم ذكر المستغاث. ويفهم منه أن الإلباس قد يوجد إذا كررت يا، ووجهه أن المستغاث له قد يلي حرف النداء إذا حذف المستغاث ثم إنما يحسن تعليله المذكور على تعليل فتح لام المستغاث بخوف اللبس الذي أشار إليه سابقًا بقوله: وليحصل بذلك أي: بفتح لام المستغاث فرق بينه وبين المستغاث من أجله، وأما على تعليل الفتح بما أسلفه أيضًا الشارح من وقوع المستغاث موقع المضمر لكونه منادى، فإنما يحسن تعليل كسر لام المعطوف
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٦؛ وشرح التصريح ١٢/ ١٨١؛ وشرح قطر الندى ص٢١٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٦.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٩٣٩- يا للكُهُولِ وللشُّبَّانِ للعَجَبِ
تنبيهات: الأول يجوز مع المعطوف المذكور إثبات اللام وحذفها، وقد اجتمعا في قوله:
٩٤٠- يا لَعِطافَنا ويا لَرِياحِ وأَبِي الحَشْرَجِ الفَتَى النَّفَّاحِ
الثاني: علم مما ذكر أن كسر اللام مع المستغاث من أجله واجب على الأصل، وهو ظاهر في الأسماء الظاهرة، وأما المضمر فتفتح معه إلا مع الياء نحو: يا لزيد لك، وإذا قلت: يا لك احتمل الأمرين. وقد قيل في قوله: فيا لك من ليل أن اللام فيه للاستغاثة. الثالث: فيما تتعلق به لام المستغاث من أجله خلاف: فقيل بحرف النداء. وقيل بفعل
ــ
هنا بما علل به الفارضي حيث قال؛ لأنه بعد عن حرف النداء، فكأنه لم يقع موقع الضمير فردت اللام إلى أصلها وهو الكسر، وتعليل كسر لام المستغاث له بعدم وقوعه موقع المضمر.
قوله: "مع المعطوف المذكور" أي: مع المعطوف الذي هو مستغاث أعم من أن يكون مستغاثًا لعطفه على المستغاث من غير تكرار يا، أو لكون يا تكررت معه بقرينة قوله: وقد اجتمعا في قوله إلخ. قوله: "يا لعطافنا إلخ" عطاف ورياح براء مكسورة فتحتية مخففة وأبو الحشرج أسماء رجال يرثيهم الشاعر. والنفاح كثير النفح أي: الإعطاء كما في القاموس. وفيه أيضًا نفح الطيب فاح فعلم تسمح من فسر النفح بالرائحة الذكية. قوله: "احتمل الأمرين" أي: كون المخاطب مستغاثًا ومستغاثًا من أجله. قوله: "إن اللام فيه للاستغاثة" أي: وكل من لام المستغاث ولام المستغاث من أجله تسمى لام الاستغاثة، فهذا الذي قيل يؤيد ما ذكره من احتمال يا لك للأمرين.
قوله: "فقيل بحرف النداء إلخ" قال البعض تبعًا لشيخنا: لم يذهب أحد هنا إلى التعلق بفعل النداء؛ لئلا يلزم عمل الفعل في ضميري متكلم ا. هـ. أقول: هذا باطل؛ لأن العمل المذكور إنما يلزم إذا كان المستغاث من أجله ياء المتكلم، وهو في هذه الصورة غير مضر لما مر من أن العمل
_________________
(١) صدره: يَبْكيكَ ناءٍ بعيدُ الدار مُغْتَربٌ والبيت من البسيط، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٧؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٥٤؛ والدرر ٣/ ٤٢؛ ورصف المباني ص٢٢٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨١؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٢٠٣؛ وشرح قطر الندى ص٢١٩؛ ولسان العرب ١٢/ ٥٦١، ١٢/ ٥٦٣ "لوم"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٧؛ والمقتضب ٤/ ٢٥٦؛ والمقرب ١/ ١٨٤؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨٠.
(٢) البيت من الخفيف، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب ٢/ ١٥٥؛ والدرر ٣/ ٤٣؛ وشرح المفصل ١/ ١٣١؛ والكتاب ٢/ ٢١٦، ٢١٧؛ وكتاب اللامات ص٨٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٦٨؛ والمقتضب ٢/ ٢٥٧؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨٠.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
ولامُ ما اسْتُغِيثَ عاقَبَتْ أَلِفْ ومثلُهُ اسم ذو تَعَجُّبٍ أُلِفْ
ــ
محذوف أي: أدعوك لزيد. وقيل بحال محذوفة أي: مدعو الزيد. الرابع: قد يجر المستغاث من أجله بمن كقوله:
٩٤١- يا للرِّجالِ ذَوِي الألبابِ مِنْ نَفَرٍ لا يَبْرَحُ السَّفَهُ المُرْدِي لَهُم دِينا
"ولام ما استغيث عاقبت ألف" فكما تقول: يا لزيد، تقول أيضا: يا زيدًا. ومنه قوله:
٩٤٢- يا يَزِيدا لآمُلٍ نَيلَ عِزٍّ وغِنًى بعدَ فاقَة وهَوانٍ
ولا يجوز الجمع بينهما، فلا تقول: يا لزيدًا. وقد يخلو منهما كقوله:
٩٤٣- ألا يا قَومِ للعَجَبِ العَجِيبِ
ــ
المذكور إنما يمتنع إذا كان على وجه كون الثاني مفعولًا به والمستغاث من أجله ليس مفعولًا به كما تقدم، وحينئذٍ لا مانع من القول بتعلق لام المستغاث من أجله بفعل النداء فاعرف ذلك. ثم رأيت السيوطي حكاه مع بقية الأقوال في متن جمع الجوامع وشرحه فللَّه الحمد. قوله: "بفعل محذوف" أي: مقدر بعد المستغاث والكلام على هذا جملتان بخلافه على الأول والثالث. قوله: "قد يجر المستغاث من أجله بمن" أي: إذا كان مستنصرًا عليه فإن كان مستنصرًا له تعين جره باللام وإذا جر الأول بمن وجب تعلقها بفعل من مادة التلخيص أو الإنصاف أو نحوهما أفاده الدماميني وسكت عليه شيخنا والبعض. وفيه أنه لا مانع من تعلقه بفعل الدعاء وجعل من سببية.
قوله: "عاقبت ألف" أي: ناوبتها من العقبة وهي النوبة، فالألف تجيء نوبة واللام نوبة أخرى، ووقف على ألف بالسكون مع أن الظاهر أنه مفعول به على لغة ربيعة. قوله: "يا زيدًا" صرح الرضي والجامي بأنه حينئذٍ مبني على الفتح وأن توابعه لا ترفع، ومقتضاه أن ألف الاستغاثة إذا لحقت المثنى والمجموع على حده صارا مبنيين على الياء، وتقدم تزييف ما قالاه، وأن الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه أنه مبني على ضم مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، وأنه يجوز في تابعه الوجهان على ما مر، بل جزم البعض بأن ما قالاه سبق قلم وإن كان فيه بعد. قوله: "ولا يجوز الجمع بينهما" قال شيخنا وتبعه البعض: لأن اللام تقتضي الجر والألف الفتح فبين أثريها تناف؛ ولأنه لا يجمع بين العوض والمعوض ا. هـ. وفي كل من العلتين نظر: أما الأولى فلأن مقتضى اللام الجر ولو تقديرًا فلا ينافي ما تقتضيه الألف من الفتح. وأما الثانية؛ فلأنه قد يمنع كون الألف عوضًا عن اللام ويدعي أن كلا أصل فتأمل. قوله: "وقد يخلو منهما" فيعطي ما يستحقه لو كان منادى غير مستغاث. تصريح. قوله: "ألا يا قوم" بحذف ياء المتكلم والدلالة بالكسرة عليها. قوله: "في ذلك"
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في الدرر ٣/ ٤٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٧٠؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨٠.
(٢) البيت من الخفيف، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٩؛ والجنى الداني ص١٧٧؛ والدرر ٤/ ١٢٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩١؛ وشرح قطر الندى ص٢٢٠؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٧١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٦٢.
(٣) عجزه وللغفلات تَعْرِضُ للأَريبِ والبيت من الوافر، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨١؛ وشرح قطر الندى ص٢٢١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٦٣.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"ومثله" في ذلك "اسم ذو تعجب ألف" بلا فرق كقولهم: يا للماء ويا للدواهي إذا تعجبوا من كثرتهما. ويقال: يا للعجب، ويا عجبًا لزيد، ويا عجب له.
تنبيه: جاء عن العرب في نحو: يا للعجب فتح اللام باعتبار استغاثته وكسرها باعتبار الاستغاثة من أجله وكون المستغاث محذوفًا.
خاتمة في مسائل متفرقة: الأولى إذا وقف على المستغاث أو المتعجب منه حالة إلحاق الألف جاز الوقف بهاء السكت. الثانية: قد يحذف المستغاث فيلي يا المستغاث من أجله لكونه غير صالح؛ لأن يكون مستغاثًا كقوله:
٩٤٤- يا لأُناسٍ أَبَوا إلا مُثابَرَةً على التَّوَغُّلِ في بَغي وعُدْوانِ
أي: يا لقومي لأناس. الثالثة قد يكون المستغاث مستغاثًا من أجله نحو: يا لزيد لزيد. أي: أدعوك لتنصف من نفسك. والله أعلم.
ــ
أي: المذكور في المتن من أحكام المستغاث، هذا هو الذي ينبغي، لا ما قاله البعض فانظره. وقوله: ذو تعجب أي: منه ذاتًا أو صفة، وظاهر كلامه أن الاستغاثة غير باقية بل التركيب مستعمل في محض التعجب، ويحتمل أنها باقية وأشرب اللفظ معها معنى التعجب، ويدل عليه ما في التنبيه الآتي.
قوله: "ويا عجبًا لزيد" لا يخفى أن زيدًا مستغاث من أجله ففي متعلق لامه الأقوال المتقدمة في متعلق لام المستغاث من أجله، والمعنى: أدعوك لزيد ليراك فعلم ما في كلام البعض. قوله: "باعتبار استغاثته" أي: الاستغاثة به مجازًا تشبيهًا له بمن يستغاث حقيقة قاله الدماميني أي: يا عجب احضر فهذا وقتك. قوله: "وكون المستغاث محذوفًا" والأصل يا لقومي للعجب، وعلى الوجهين المذكورين في الشرح فتح لام يا للدواهي وكسرها. قوله: "كقوله يا لأناس إلخ" المثابرة المواظبة والتوغل التعمق والبغي الظلم والعدوان التعدي الفاحش. وإنما كان ما ولي يا غير صالح لكونه مستغاثًا مع صحة نداء الناس في الجملة لكونهم مهجوّين بالوصف الذي وصفهم به فلم يقصدوا للاستنصار؛ لأن العاقل لا يهجو من يستنصر به. أفاده الدماميني.
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في الدرر ٣/ ٤٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٧١؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨١.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
النُّدْبَة:
ما للمُنادى اجْعَل لمَنْدوبٍ وما نُكِّرَ لم يُنْدَبْ ولا ما أُبْهِما
ــ
الندبة:
"ما للمنادى" من الأحكام "اجعل لمندوب" وهو المتفجع عليه لفقده حقيقة كقوله:
٩٤٥- وقُمْتَ فيه بأَمْرِ اللهِ يا عُمَرا
أو لتنزيله منزلة المفقود كقول عمر وقد أخبر بجدب أصاب بعض العرب: واعمراه واعمراه. أو المتوجع له نحو:
٩٤٦- فَوَاكَبِدا من حُبِّ من لا يُحِبُّنِي
ــ
الندبة:
هي بضم النون مصدر ندب الميت إذا ناح عليه وذكر خصاله الحميدة ا. هـ. دماميني وأكثر من يتكلم بها النساء لضعفهن عن احتمال المصائب، قاله الأخفش فارضي. قوله: "ما للمنادى اجعل لمندوب" فيه إشارة إلى أنه في المعنى ليس بمنادى وهو كذلك؛ لأنه لم يطلب إقباله ومن ثم منعوا في النداء يا غلامك؛ لأن خطاب أحد المسميين يناقض خطاب الآخر، ولا يجمع بين خطابين. وأجازوا في الندبة وا غلامك تصريح. وقال الطبلاوي: المراد بالمنادى في قوله: ما للمنادى إلخ المنادى المخصوص ا. هـ. وفيه ميل إلى أن المندوب من المنادى وبه صرح الفارضي نقلًا عن ابن يعيش. والظاهر أنه لا ينافي كلام التصريح؛ لأن كون المندوب منادى باعتبار اللفظ فتدبر. ثم رأيت الرضي صرح بأن المندوب والمتعجب منه ليسا مناديين حقيقة بل هما مناديان مجازًا. قال: فإذا قلت: يا محمداه فكأنك تناديه وتقول له: تعال فإني مشتاق إليك، وإذا قلت: وا حزناه كأنك تناديه وتقول له: احضر حتى يعرفك الناس فيعذروني فيك، وإذا قلت: يا للماء كأنك تناديه وتقول له: احضر حتى يتعجب منك ا. هـ. ببعض تغيير.
قوله: "وهو المتفجع عليه" أي: بوا أو يا ليخرج نحو: تفجعت على زيد سم والتفجع إظهار الحزن. قوله: "بجدب" بالدال المهملة أي: قحط. قوله: "أو المتوجع له" أدرجه صاحب التصريح
_________________
(١) صدره: حُمِّلتَ أمرًا عَظيمًا فاصْطَبَرْتَ له والبيت من البسيط، وهو لجرير في ديوانه ص٧٣٦؛ والدرر ٣/ ٤٢؛ وشرح التصريح ٢/ ١٦٤، ١٨١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٢، وشرح عمدة الحافظ ص٢٨٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩؛ وشرح قطر الندى ص٢٢٢؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٧٢؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨٠.
(٢) عجزه: ومن زفرات ما لهُنَّ فناءُ والبيت من الطويل، وهو لمجنون ليلى في ديوانه ص٣٥؛ والأغاني ٢/ ٣٧؛ وتزيين الأسواق ص١٢٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٩١؛ وبلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ١٨١.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
ويُندَبُ المَوصولُ بالذِي اشْتَهَرْ كَبِئْرَ زَمزَمٍ يَلِي وا مَنْ حَفَرْ
ــ
أو المتوجع منه نحو: وامصيبتاه فيضم في نحو: وازيد وينصب في نحو: واأمير المؤمنين وواضاربًا عمرا. وإذا اضطر إلى تنوينه جاز ضمه ونصب كقوله:
٩٤٧- وَافَقْعَسًا وأين مِنِّي فَقْعَسُ
ولا يندب إلا العلم ونحو: كالمضاف إضافة توضح المندوب كما يوضح الاسم العلم مسماه "وما نكر لم يندب" فلا يقال: وارجلاه خلافًا للرياشي في إجازته ندبة اسم الجنس المفرد. وندر واجبلاه "ولا" يندب "ما أبهما" وذلك
اسم الإشارة والموصول بما لا يعينه، فلا يقال: واهذاه، ولا وا من ذهباه؛ لأن غرض الندبة وهو الإعلام بعظمة المصاب مفقود في هذه الثلاثة "ويندب الموصول بالذي اشتهر" اشتهارًا يعينه ويرفع عنه الإبهام
ــ
وشارح الجامع في المتوجع منه؛ لأنهما قسماه إلى ما هو محل الألم كوا رأساه وإلى ما هو سبب الألم كوامصيبتاه. قوله: "ووا ضاربًا عمرًا" نظر في التمثيل به بأنه مناف لما سيأتي من أنه لا يندب المنكر، وكذا يقال في قوله الآتي: وفي المشبه به وا ثلاثة وثلاثينا، إلا أن يقال المراد المجعول علمًا كما صرح به الشارح في باب النداء. قوله: "ولا يندب إلا العلم إلخ" حاصله أنه ليس كل منادى يصح ندبه بل إنما يندب ما ليس نكرة ولا مبهمًا من علم ومضاف إلى معرفة توضح بها وموصول بما يعينه خال من أل نحو: وا زيداه وا غلام زيداه وا من حفر بئر زمزماه. وظاهر كلامه ندبة العلم ولو كان غير مشهور وفي الرضي لا يندب إلا المعروف علمًا كان أو لا، فلو كان علمًا غير مشهور لم يندب. قوله: "كما يوضح الاسم العلم مسماه" مراده بالاسم ما قابل الصفة لا ما قابل الكنية واللقب وحينئذٍ، فقوله: العلم من ذكر الخاص بعد العام كما هو المناسب. وفي نسخ سقوط لفظ مسماه وعليها يقرأ يوضح بالبناء للمفعول وهي التي كتب عليها البعض ما نصه: قوله كما يوضح الاسم العلم أي: بالصفة في نحو قولك: جاء زيد التاجر.
قوله: "اسم الجنس المفرد" خرج المضاف نحو: وا غلام زيداه فتجوز ندبته اتفاقًا لكنه أي: المضاف يشمل نحو: وا غلام رجلاه ولا يندب مثله على الصحيح والرياشي يجيزه وندبة كل نكرة، أو المنع إنما هو في المتفجع عليه أما المتوجع منه فإنك تقول: وا مصيبتاه وإن كانت المصيبة غير معروفة ا. هـ دماميني. فلو قال الشارح في إجازته ندبة النكرة كما في عبارة الهمع لكان أولى، وجعل البعض المتوجع له كالمتوجع منه فحرره. قوله: "اسم الإشارة" وكذا المضمر تصريح، وكذا أي: فلا يقال: وا أنتاه ولا وا أيها الرجلاه نقله شيخنا عن الشارح. قوله: "بعظمة المصاب" أي: المعين. قوله: "مفقود في هذه الثلاثة" فلذلك لا يندب إلا المعرفة السالمة من
_________________
(١) الرجز لرجل من بني أسد في الدرر ٣/ ١٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٧٢؛ وبلا نسبة في الدرر ٣/ ٤١؛ ورصف المباني ص٢٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٢؛ ومجالس ثعلب ٢/ ٥٤٢؛ والمقرب ١/ ١٨٤؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٢، ١٧٩.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
ومُنْتَهى المَنْدوبِ صِلهُ بالألِفْ مَتْلُوُّها إن كان مِثْلَها حُذِفْ
ــ
"كبئر زمزم يلي وا من حفر" في قولهم: وا من حفر بئر زمزماه، فإنه بمنزلة وا عبد المطلباه "ومنتهى المندوب" مطلقًا "صله" جوازًا لا وجوبًا "بالألف" المسماة ألف الندبة فتقول في المفرد: وا زيدًا ومنه قوله:
٩٤٨- وقُمتَ فيه بأمْرِ اللهِ يا عُمَرَا
وفي المضاف يا غلام زيدًا وا عبد الملكا، وفي المشبه به وا ثلاثة وثلاثينا، وفي الصلة وا من حفر بئر زمزما، وفي المركب وا معد يكربا، وفي المحكي وا قام زيدًا فيمن اسمه قام زيد، وأجاز يونس وصل ألف الندبة بآخر الصفة نحو: وا زيد الظريفا ويعضده قول
ــ
الإبهام وقد ينازع في دعوى الفقد بالنسبة إلى اسم الإشارة المصحوب بإشارة حسية تعين المشار إليه. قوله: "ويندب الموصول" الخالي من أل أي: عند الكوفيين وهو عند البصريين شاذ، واتفق الجميع على منع ندبة الموصول المبدوء بأل وإن اشتهرت صلته فلا يقال: وا الذي حفر بئر زمزماه إذ لا يجمع بين حرف الندبة وأل. تصريح. قوله: "بالذي اشتهر" متعلق بالموصول لا بيندب أي: بالذي اشتهر انتسابه إلى الموصول.
قوله: "كبئر زمزم" مثال لندبة الموصول بما اشتهر بملاحظة قوله: يلي وا من حفر فكأنه قال كوا من حفر بئر زمزماه. قال في التصريح: وأصل زمزم زمم أبدلت الميم الثانية زايًا قاله في الفردوس. قوله: "ومنتهى المندوب" أي: منتهاه حقيقة أو حكمًا كما في الموصول، فإن الألف تكون في آخر الصلة وهو آخر الموصول حكمًا. قوله: "مطلقًا" أي: مفردًا أو مضافًا أو شبيهًا به أو غيرها مما سيذكره. قوله: "صلة بالألف" ويكون المفرد مبنيا على ضم مقدر على قياس ما عولنا عليه في المستغاث الملحق بالألف وعلى ما صرح به الشاطبي حيث قال: إذا قلت وا زيداه فالضم مقدر في آخر الاسم وكذلك وا غلاماه في غلام المضاف إلى الياء الإعراب مقدر في آخره ا. هـ. وأطلق الناظم كالنحويين وصل المندوب بالألف لكنه في التسهيل قيد ذلك بأن لا يكون في آخره ألف وهاء فلا يجوز وا عبد اللاهاه ولا واجهجاهاه في عبد الله وجهجاه لاستثقال ألف وهاء بعد ألف وهاء وبالجواز صرح ابن الحاجب وغيره.
قوله: "في المفرد" لعله أراد به معنى أخص من معناه السابق في النداء الذي هو ما ليس مضافًا ولا شبيهًا به بدليل مقابلته بالأقسام الثلاثة الأخيرة، إلا أن يكون ذكرها بعده من ذكر الخاص بعد العام لنكتة كقلة ندبتها.
قوله: "وا قام زيدًا" اعلم أن وا قام زيد بلا ألف الندبة مبني على ضم مقدر منع من ظهوره ضمة الحكاية وكذا بالألف مبني على ضم مقدر، لكن هل مانع ظهوره فتحة المناسبة أو ضمة الحكاية المحذوفة لأجل الألف كل محتمل والأقرب الأول؛ لأن اعتبار الملفوظ به مانعًا
_________________
(١) راجع التخريج رقم ٩٤٥.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
كذاك تَنوينُ الذي بِهِ كَمَل من صِلَةٍ أو غَيْرِها نِلتَ الأَمَل
_________________
(١) بعض العرب واجمجمتي الشاميتينا. وهذه الألف "متلوها" وهو منتهى المندوب "إن كان" ألفا "مثلها حذف" لأجلها نحو: وا موساه، وأجاز الكوفيون قلبه ياء قياسًا فقالوا: وا موسياه "كذاك" يحذف لأجل ألف الندبة "تنوين الذي به كمل" المندوب "من صلة أو غيرها" مما مر كما رأيت "نلت الأمل" لضرورة أن الألف لا يكون قبلها إلا فتحة على ما رأيت، والتنوين لاحظ له في الحركة. هذا مذهب سيبويه والبصريين. وأجاز الكوفيون فيه مع الحذف وجهين: فتحه فتقول: وا غلام زيدناه وكسره مع قلب الألف ياء فتقول: وا غلام زيدنيه. قال المصنف: وما رأوه حسن لو عضده سماع لكن السماع فيه لم يثبت. وقال ابن عصفور: أهل الكوفة يحركون التنوين فيقولون: وا غلام زيدناه وزعموا أنه سمع ا. هـ. وأجاز أولى من اعتبار المحذوف وكذا في نحو: وا سيبويهاه مع إبدال ضمة الحكاية بكسر البناء الأصلي فتدبر. قوله: "وأجاز يونس إلخ" عزا جواز ذلك في الهمع إلى الكوفيين وابن مالك أيضًا. قوله: "بآخر الصفة إلخ" عبارة التصريح وأما لحاقها توابع المندوب، فقال ابن الخباز في النهاية: إنه لا خلاف في جواز لحاقها آخر الصفة إذا كانت ابنًا بين علمين نحو: وا زيد بن عمرا، وأما البدل والبيان والتوكيد فقياس قول سيبويه والخليل أن لا تلحق البيان والتوكيد، وعندي أنها تدخل آخر البدل؛ لأنه قائم مقام المبدل منه فتقول وا غلامنا زيداه، وتدخل العطف النسقي نحو: وا زيد وعمراه ا. هـ. وتدخل التوكيد اللفظي كما تقدم في قول عمر: وا عمراه وا عمراه ا. هـ. كلام التصريح، ومنه يعلم ما في كلام البعض من الخلل في غير موضع فانظره. قوله: "وا جمجمتي الشاميتينا" بضم الجيم تثنية جمجمة تطلق على عظم الرأس المشتمل على الدماغ وعلى القدح من خشب وهو المراد هنا، ضاع للقائل قدحان شاميان فندبهما. قوله: "متلوها" مبتدأ خبره الجملة الشرطية أو حذف وجواب الشرط على هذا محذوف، ولا فرق في حذف مثل الألف بين أن يكون جزء كلمة كما في المقصور أو كلمة كما في المضاف للياء على لغة من يقلبها ألفًا، وإذا كان متلوها همزة تأنيث لم تحذف كلمياء اسم امرأة، والكوفيون يحذفونها فتحذف الألف لالتقاء الساكنين. قوله: "وا موساه" فموساه مبني على ضم مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الموجودة للندبة والهاء للسكت، وإنما ألحق هاء السكت به دون الأمثلة المتقدمة؛ لأنه لاختتامه بألف غير ألف الندبة لا يعرف كون الألف الموجودة فيه ألف الندبة إلا بانضمام الهاء إليها، بخلاف الأمثلة المتقدمة فافهم. قوله: "تنوين الذي به كمل" وأما المندوب فلا تنوين فيه حتى يحكم بحذفه كذا قال البعض، وقد يرد عليه نحو: قام زيد مسمى به، ويدفع بأن التنوين فيه تنوين جزئه الأخير لا تنوين مجموعه، فهو داخل في تنوين ما كمل به المندوب. قوله: "كما رأيت" أي: في مثال الناظم بناء على صرف زمزم باعتبار أنه علم على القليب، وكذا على منع صرفه باعتبار أنه علم على البئر إذا أريد بالتنوين في كلامه ما يشمل المقدر فيما لا ينصرف، وفي بعض أمثلة الشارح السابقة هو يا غلام زيدًا ووا قام زيدًا فاقتصار البعض على قوله أي: في مثال
[ ٣ / ٢٥١ ]
والشَّكْلَ حَتْمًا أَولِهِ مُجانِسًا إن يَكُن الفَتْحُ بِوَهْم لابِسا
وواقِفًا زد هاء سكتٍ إن تُرِد وإن تَشَأ فالمَدَّ والها لا تَزِدْ
_________________
(١) الفراء وجهًا ثالثًا وهو حذفه مع إبقاء الكسرة وقلب الألف ياء فتقول: وا غلام زيديه "والشكل حتمًا أوله" حرفًا "مجانسًا" فأول الكسر ياء والضم واوًا "إن يكن الفتح بوهم لابسا" دفعا للبس فتقول في ندبة غلام مضافًا إلى ضمير المخاطبة وا غلامكيه وفي ندبته مضافًا إلى ضمير الغائب وا غلامهوه إذ لو قلت: واغلامكاه لالتبس بالمذكر، ولو قلت: وا غلامهاه، لالتبس بالغائبة. قال في شرح الكافية: وهذا الاتباع يعني والحالة هذه متفق على التزامه فإن كان الفتح لا يلبس عدل بغيره إليه وبقيت ألف الندبة بحالها. فتقول في رقاش وا رقشاه، وفي عبد الملك وا عبد الملكاه، وفيمن اسمه قام الرجل وا قام الرجلاه، هذا مذهب أكثر البصريين، وأجاز الكوفيون الاتباع نحو: وا رقاشيه وا عبد الملكيه وا قام الرجلوه. تنبيه: أجاز الكوفيون أيضًا الاتباع في المثنى نحو: وا زيدانيه واختاره في التسهيل "وواقفا زد" في آخر المندوب "هاء سكت" بعد المد "إن ترد وإن تشأ" عدم الزيادة الناظم تقصير. قوله: "هذا مذهب سيبويه إلخ" حاصله أن في التنوين أربعة مذاهب. قوله: "وقال ابن عصفور إلخ" رد لقول المصنف لكن السماع فيه لم يثبت لقول الكوفيين أنه سمع فالزعم في كلامه بمعنى القول إذ لا يليق نسبتهم إلى الكذب في حكايتهم السماع. قوله: "والشكل حتمًا إلخ" معناه أن آخر المندوب إذا كان محركًا بالكسر أو الضم فإن ألف الندبة تقلب حرفًا مجانسًا للحركة، ولا تحذف الحركة ويؤتى بالحركة المناسبة لألف الندبة إن كانت هذه الحركة وهي الفتحة موقعة في اللبس، ومن إيلاء الشكل حرفًا مجانسًا نحو: وا قوميه وا قوموه وا قاموه في ندبة قومي وقاموا مسمى بها. قال الفارضي لو سميت بقاموا قلت في الندبة: وا قاموه فتحذف واو قاموا لالتقاء الساكنين وتقلب ألف الندبة واوًا؛ لأنها بعد ضمة ولو سميت بقومي قلت: وا قوميه فتحذف ياء قومي لالتقاء الساكنين وتقلب ألف الندبة ياء؛ لأنها بعد كسرة ا. هـ. وما قيل في قاموا يقال في قوموا فعلم أن مسألة ندبة نحو: قومي وقوموا مسمى بهما داخلة تحت قوله: والشكل إلخ لا زائدة عليه كما يقتضيه كلام البعض فافهم. قوله: "حتمًا أوله" يعني إذا أريد زيادة ألف الندبة فيما ذكر أبدلت حتمًا من جنس الحركة قبلها، وإلا فلو قلت: وا غلامك فقط صح كما علم من أول الكلام ومما يأتي سم. قوله: "بوهم لابسًا" من لبست الأمر عليه إذا خلطته فلم يعرف وجهه والوهم بسكون الهاء ذهاب ظن الإنسان إلى غير المراد، يقال وهمت في الشيء بالفتح أهم بالكسر وهما بالإسكان إذا ذهب ذهنك إليه وأنت تريد غيره، فالمعنى إن يكن الفتح خالصًا المقصود بغيره بسبب وهم، وأما الوهم بالتحريك فهو الغلط، يقال وهم في الحساب يهم وهمًا بالفتح إذا غلط. قوله: "وهذا الاتباع" أي: اتباع حرف الندبة للحركة. قوله: "والحالة هذه" أي: كون الفتح ملبسًا لا مطلقًا. قوله: "عدل بغيره" أي: عن غيره. قوله: "في رقاش" هو اسم امرأة. قوله: "بعد
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وقَائلٌ واعَبْدِيا واعَبْدَا من في النّدا اليا ذا سكونٍ أَبْدَى
ــ
"فالمد والهاء لا تزد" بل اجعله كالمنادى الخالي عن الندبة، وقد مر بيان الأوجه الثلاثة. وأفهم قوله: وواقفًا أن هذه الهاء لا تثبت وصلًا، وربما ثبتت في الضرورة مضمومة ومكسورة، وأجاز الفراء إثباتها في الوصل بالوجهين. ومنه قوله:
٩٤٩- ألا يا عَمْرُ عَمْرَاهُ وعمرو بنُ الزُّبيراهُ
"وقائل" في ندبة المضاف للياء "واعبديا وا عبدا من في الندا اليا ذا سكون أبدى" فقال يا عبدي وأما من قال يا عبد بالكسر أو يا عبد بالفتح أو يا عبد بالضم أو يا
ــ
المد" أي: ألفًا كوا زيداه أو ياء كوا غلامكيه أو واوًا كوا غلامهوه. قوله: "بل اجعله كالمنادى إلخ" قال سم: يدل على أنه جعل المد والهاء معمولين للاتزد وقد يلزم عليه التكرار مع قوله أولًا ما للمنادى اجعل لمندوب ا. هـ. ويدفع بأن المراد بما للمنادى ما ثبت له من البناء على الضم تارة والنصب تارة أخرى وجواز الضم والنصب إذا نون اضطرارًا ونحو ذلك: لا عدم زيادة الألف والهاء وإلا ناقضه ما ذكره بعده من جواز زيادة الألف والهاء في المندوب نعم عدم وجوب زيادة الهاء وقفًا معلوم من قوله: إن ترد فالتنبيه بعد ذلك عليه تصريح بما علم مفهومًا. وأما عدم وجوب زيادة الألف فلم يعلم مما مر بل قوله: ومنتهى المندوب صله بالألف يوهم الوجوب فالتنبيه عليه محتاج إليه، فتلخص أن قوله: وإن تشأ إلخ محتاج إليه بالنسبة إلى زيادة الألف غير محتاج إليه بالنسبة إلى زيادة الهاء. قوله: "وقد مر بيان الأوجه الثلاثة" أي: زيادة الألف فقط والجمع بين الألف والهاء والخلو عنهما معًا.
قوله: "وربما ثبتت في الضرورة" أي: وصلًا. قوله: "مضمومة" أي: تشبيهًا بهاء الضمير ومكسورة أي: لالتقاء الساكنين. زاد ابن فلاح ومفتوحة فارضي والفتح لخفته. قوله: "وأجاز الفراء إثباتها في الوصل" أي: اختيارًا. قوله: "ومنه" أي: من ثبوتها في الوصل ضرورة. والشاهد في الأول؛ لأن محل الوصل هو العروض وأما الضرب فمحل وقف فلا شاهد فيه. وقد يقال العروض هنا مصرعة فهي في حكم الضرب فتكون أيضًا محل وقف فلا شاهد في البيت أصلًا وقوله:
وعمرو بن الزبيراه
هذا هو الصواب دون ما في بعض النسخ:
ويا عمرو بن الزبيراه
لأن زيادة يا تخل بالوزن وتحريك الهاء وقفًا في البيت للروي. قوله: "وقائل" خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وأبدى صلة من واليًا مفعول أبدى وذا سكون حال من اليا. قوله: "وا عبديا" بفتح الياء لأجل ألف الندبة. قوله: "وا عبدًا" بحذف الياء لالتقاء الساكنين وهذا ونحوه منصوب
_________________
(١) البيت من الهزج، وهو بلا نسبة في الدرر ٣/ ٤٢؛ ورصف المباني ص٢٧؛ وشرح ابن عقيل ص٥٣٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٧٣؛ والمقرب ١/ ١٨٤.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
الترخيم:
تَرْخيمًا احذفْ آخرَ المنادَى كيا سُعا فيمن دعا سُعادا
ــ
عبدا بالألف اقتصر على الثاني، ومن قال يا عبدي، بإثبات الياء مفتوحة اقتصر على الأول.
تنبيه: فتح الياء في ذي الوجهين المذكورين مذهب سيبويه وحذفها مذهب المبرد.
خاتمة: إذا ندب مضاف إلى مضاف إلى الياء لزمت الياء؛ لأن المضاف إليها غير مندوب نحو: وا ولد عبديا والله أعلم.
الترخيم:
"ترخيما احذف آخر المنادى" الترخيم في اللغة ترقيق الصوت وتليينه. يقال صوت رخيم أي: سهل لين. ومنه قوله:
٩٥٠- لها بَشَرٌ مثلُ الحريرِ ومنطِقٌ رخيمُ الحواشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ
أي: رقيق الحواشي. وأما في الاصطلاح فهو حذف بعض الكلمة على وجه مخصوص. وهو على نوعين: ترخيم التصغير كقولهم في أسود سويد وسيأتي في بابه،
ــ
بفتحة مقدرة منع من ظهورها الفتحة لأجل الألف وليس بمبني؛ لأنه مضاف سم. قوله: "اقتصر على الثاني" أي: وا عبدًا بغير عمل سوى الإتيان بألف الندبة على لغة من قلب الياء ألفًا وحذفها وأبقى الفتحة التي قبل الألف المحذوفة وبقلب الكسرة والضمة على لغتيهما فتحة لأجل ألف الندبة، وبحذف الألف المنقلبة عن ياء المتكلم لأجل ألف الندبة على لغة من قلب الياء ألفًا وأبقاها. قوله: "اقتصر على الأول" أي: يا عبديا بغير عمل سوى الإتيان بألف الندبة. قوله: "في ذي الوجهين" هو يا عبدي بسكون الياء ووجهاه وا عبديا وا عبدًا كما مر. قوله: "لزمت الياء" يمكن حذفها على تقدير سكونها لالتقاء الساكنين وإن لم يكن المضاف إليها مندوبًا سم.
الترخيم:
قوله: "ترقيق الصوت وتليينه" عبارة التصريح الترخيم لغة التسهيل والتليين فلم يقيد بالصوت. قوله: "أي: سهل لين" المناسب لعبارته قبل أن يقول أي: رقيق لين نعم هو مناسب لعبارة التصريح السابقة، ولقول القاموس رخم الكلام ككرم فهو رخيم لان وسهل كرخم كنصر. قوله: "رخيم الحواشي" لعل المراد بها الكلمات. وفي القاموس الحاشية جانب الثوب وغيره وقوله: لا
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ديوانه ص٥٧٧؛ وجمهرة اللغة ص١١٠٦؛ والخصائص ١/ ٢٩؛ ٣/ ٣٠٢؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٣٣٣؛ وشرح شواهد الشافية ص٤٩١؛ وشرح المفصل ١/ ١٦؛ ولسان العرب ١/ ١٨١ "هرأ"، ٥/ ٢٠٣ "نزر"؛ والمحتسب ١/ ٣٣٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٥؛ وبلا نسبة في أساس البلاغة ص٤٨٢ "هرأ"؛ وتذكرة النحاة ص٤٥؛ وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٢٥٥؛ وشرح ابن عقيل ص٥٣٣؛ وشرح المفصل ٢/ ١٩.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
وجَوَّزنَهُ مُطلقًا في كلِّ ما أُنِّثَ بالها والذي قد رُخِّما
_________________
(١) وترخيم النداء وهو مقصود الباب وهو حذف آخر المنادى "كيا سعا فيمن دعا سعادا" وإنما توسع في ترخيم المنادى؛ لأنه قد تغير بالنداء، والترخيم تغيير والتغيير يأنس بالتغيير فهو ترقيق. تنبيه: أجاز الشارح في نصب ترخيمًا ثلاثة أوجه: أن يكون مفعولًا له أو مصدرًا في موضع الحال أو ظرفًا على حذف مضاف. وأجاز المرادي وجهًا رابعًا وهو أن يكون مفعولًا مطلقًا وناصبه احذف؛ لأنه يلاقيه في المعنى. وأجاز المكودي وجهًا خامسًا وهو أن يكون مفعولًا مطلقًا لعامل محذوف أي: رخم ترخيمًا "وجوزنه" أي: جوز الترخيم "مطلقًا هراء إلخ الهراء بضم الهاء وتخفيف الراء الكلام الكثير والنزر بفتح النون وسكون الزاي القليل، وأراد أن كلامها متوسط لا كثير ممل ولا قليل مخل. قوله: "ترخيم التصغير" أي: حذف بعض الحروف لأجل التصغير. قوله: "وهو حذف آخر المنادى" أي: للتخفيف لا للإعلال ولم يقيد الآخر بكونه حرفًا فشمل كلامه الحرف والحرفين وعجز المركب. ويرد على التعريف أنه غير مانع لشموله نحو: يا يد ويا دم إذ في كل حذف آخر المنادى للتخفيف إلا أن يخرج باعتبار قيد الحيثية أي: من حيث هو آخر المنادى فاعرف ذلك. قوله: "في ترخيم" في بمعنى الباء السببية. قوله: "فهو ترقيق" بيان للمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لكن كان المناسب ذكره عقب المعنى الاصطلاحي لظهور تفريعه عليه فتأمل. قوله: "أن يكون مفعولًا له" رد بأن الترخيم حذف آخر المنادى فيلزم تعليل الشيء بنفسه، وبأن المفعول له يشترط أن يكون قلبيا على الراجح ويمكن دفعهما بتقدير مضاف أي: لإرادة الترخيم لكن يلزم أن المعنى رخم لإرادة الترخيم مثل اضرب لإرادة الضرب وفيه ركاكة لا تخفى. قوله: "أو مصدرًا في موضع الحال" أي: من فاعل احذف أي: مرخمًا لا من المنادى؛ لأنه وإن كان المضاف بعض المضاف إليه فشرط اتيان الحال من المضاف إليه موجود فحال المضاف إليه لا يتقدم عليه. ثم هذه الحال مؤكدة. قوله: "أو ظرفًا على حذف مضاف" أي: وقت ترخيم وهو وقت اجتماع شروط الترخيم. قوله: "لأنه" أي: احذف بقيد تعلقه بآخر المنادى أما الحذف من حيث هو فأعم من الترخيم. قوله: "مفعولًا مطلقًا لعامل محذوف" أي: ناب ذلك المفعول المطلق منابه في الدلالة على الطلب فيكون قوله: احذف إلخ من التأكيد اللفظي بالمساوى؛ لأن الحذف بقيد تعلقه بآخر المنادى مساوٍ في المعنى للترخيم فليس المفعول المطلق على هذا من باب المصدر المؤكد لعامله حتى يرد أن المصنف يمنع حذف عامل المؤكد، بل من باب الآتي بدلًا من فعله. وجوز الشيخ خالد وجهًا سادسًا وهو أن يكون ترخيمًا مفعولًا به لفعل شرط حذف مع أداته وحذفت الفاء من جوابه للضرورة، والتقدير: إن أردت ترخيمًا فاحذف آخر المنادى وفيه تكلف. قوله: "مطلقًا" أي: عن التقييد الآتي في غير المؤنث بالهاء بقوله: إلا الرباعي إلخ لكن
[ ٣ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في كل ما أنت بالها" أي: سواء كان علمًا أو غير علم ثلاثيا أو زائدًا على الثلاثي كقوله:
٩٥١- أفاطِمُ مَهلًا بعْضَ هذا التَّدلُّلِ
وكقوله:
٩٥٢- جاري لا تَسْتنكِري عَذِيري
ونحو: يا شا ادجني. أي: أقيمي بالمكان. يقال دجن بالمكان يدجن دجونًا أي: أقام به.
تنبيهات: الأول قيد في التسهيل ما أطلقه هنا بالمنادى المبني لإخراج النكرة غير المقصودة والمضاف فلا يجوز الترخيم في نحو قول الأعمى: يا جارية خذي بيدي لغير معينة. ولا في نحو: يا طلحة الخير. وأما قوله:
٩٥٣- يا عَلقمَ الخيرِ قد طالَتْ إقامَتُنا
فنادر. الثاني شرط المبرد في ترخيم المؤنث بالهاء العلمية فمنع ترخيم النكرة
ــ
المراد الإطلاق عن ذلك في الجملة وإلا لاقتضى جواز ترخيم المؤنث بالهاء ولو كان مضافًا أو مركبًا إسناديا، وليس كذلك أفاده سم. وإلى كون الإطلاق في الجملة أشار الشارح باقتصاره في بيان الإطلاق على ما ذكره ولم يقل مضافًا أو غيره صاحب إسناد أو غيره. قوله: "مهلًا" اسم مصدر أمهل منصوب بفعل حذف وأقيم هو مقامه والأصل أمهلي مهلًا قال العيني: ومعناه كفى. قوله: "عذيري" العذير بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة ما يعذر الإنسان فيه ا. هـ. فارضي وهو صادق بما يعذر الإنسان في تركه فهو أعم من قول الشارح على ما في كثير من النسخ. العذير بكسر الذال المعجمة الأمر الذي يحاوله الإنسان ويعذر على فعله. قوله: "يا شا ادجني" أي: يا شاة وهو مثال للثلاثي. قوله: "بالمنادى المبني" يشمل المبني قبل النداء كحذام مع أنه لا يرخم على الأصح والمختص بالنداء والمندوب والمستغاث مع أنها لا ترخم كما سيأتي. قوله:
_________________
(١) عجزه: وإن كُنتِ قد أَزْمعت صَرمي فأَجْملي البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص١٢؛ والجنى الداني ص٣٥؛ وخزانة الأدب ١١/ ٢٢٢؛ والدرر ٣/ ١٦؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٧؛ ورصف المباني ص٥٢؛ ومغني اللبيب ١/ ١٣؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧٢.
(٢) الرجز للعجاج في ديوانه ١/ ٣٣٢؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٢٥؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٦١؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٥؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٣٥٥؛ وشرح المفصل ٢/ ١٦، ٢٠؛ والكتاب ٢/ ٢٣١، ٢٤١؛ ولسان العرب ٤/ ٥٤٨ "عذر"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٧٧؛ والمقتضب ٤/ ٢٦٠؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٥٨؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٩٦.
(٣) الشطر من البسيط.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المقصودة والصحيح جوازه كما تقدم. الثالث: منع ابن عصفور ترخيم صلعمة بن قلعمة؛ لأنه كتابة عن المجهول الذي لا يعرف وإطلاق النحاة بخلافه، وليس كونه كناية عن المجهول بمانع؛ لأنه علم جنس. الرابع: إذا وقف على المرخم بحذف الهاء فالغالب أن تلحقه هاء ساكنة، فتقول في المرخم: يا طلحة فقيل هي هاء السكت وهو ظاهر كلام سيبويه. وقيل هي التاء المحذوفة أعيدت لبيان الحركة وإليه ذهب المصنف. قال في التسهيل: ولا يستغنى غالبًا في الوقف على المرخم بحذفها عن إعادتها أو تعويض ألف منها. وأشار بالتعويض إلى قوله:
٩٥٤- قِفي قَبلَ التفرُّقِ يا ضُباعا
فجعل ألف الإطلاق عوضًا عن الهاء ونص سيبويه وابن عصفور على أن ذلك لا يجوز إلا في الضرورة. وأشار بقوله: غالبًا إلى أن بعض العرب يقف بلا هاء ولا عوض. حكى سيبويه يا حرمل بالوقف بغير هاء. قال أبو حيان: أطلقوا في لحاق هذه الهاء. ونقول إن كان الترخيم على لغة من لا ينتظر لم تلحق. هذا كلامه وهو واضح. الخامس: اختلف النحاة في قوله:
٩٥٥- كِليني لَهُمْ يا أُميمةَ ناصِبِ
ــ
"لغير معينة" صلة قول. قوله: "كما تقدم" أي: في قوله أو غير علم مع تمثيله بجاري ويا شا.
قوله: "صلعمة بن قلعمة" الذي بخط الشارح صلمعة بن قلمعة بتقديم الميم على العين وكذا في القاموس. قوله: "لأنه علم جنس" ولهذا منع الصرف ا. هـ. دماميني. قوله: "بحذف الهاء" صلة المرخم. قوله: "لبيان الحركة" أي: حركة ما قبل المحذوف وهو في المثال المذكور الحاء المهملة. قوله: "لم تلحق" لأنه نقض لما عزموا عليه من جعله اسمًا تامًا حتى بنوه على الضم سم. قوله: "كليني" بكسر الكاف أي: دعيني من وكله وكلا وناصب بالجر صفة هم من النصب
_________________
(١) عجزه: ولا يكُ مَوقفٌ منك الوداعا والبيت من الوافر، وهو للقطامي في ديوانه ص٣١؛ وخزانة الأدب ٢/ ٣٦٧؛ والدرر ٣/ ٥٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٤؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٩؛ والكتاب ٢/ ٢٤٣؛ ولسان العرب ٨/ ٢١٨ "ضبع"، ٨/ ٣٨٥ "ودع"؛ واللمع ص١٢٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٥؛ والمقتضب ٤/ ٩٤؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٩/ ٢٨٥، ٢٨٦، ٢٨٨، ٢٩٣؛ والدرر ٢/ ٧٣؛ وشرح المفصل ٧/ ٩١؛ ومغني اللبيب ٢/ ٤٥٢.
(٢) عجزه: وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ والبيت من الطويل، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص٤٠؛ والأزهية ص٢٣٧؛ وخزانة الأدب ٢/ ٣٢١، ٣٢٥، ٣/ ٢٧٢، ٤/ ٣٩٢، ٥/ ٧٤، ٧٥، ١١/ ٢٢؛ والدرر ٣/ ٥٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٥؛ والكتاب ٢/ ٢٠٧، ٣/ ٣٨٢؛ وكتاب اللامات ص١٠٢؛ ولسان العرب ١/ ٧٢١ "كوكب"، ١/ ٧٥٨ "نصب"، ٦/ ٦ "أسس"، =
[ ٣ / ٢٥٧ ]
بِحَذْفِها وَفِّرْهُ بعدُ واحْظُلا تَرْخيمَ ما من هذه الها قد خَلا
_________________
(١) بفتحك أميمة من غير تنوين فقال قوم: ليس بمرخم، ثم اختلفوا فقيل هو معرب نصب على أصل المنادى ولم ينون؛ لأنه غير منصرف، وقيل بني على الفتح؛ لأن منهم من يبني المنادى المفرد على الفتح؛ لأنها حركة تشاكل كل حركة إعرابه لو أعرب، فهو نظير لا رجل في الدار. وأنشد هذا القائل:
(٢) يا ريحَ من نحوِ الشمالِ هُبِّي بالفتح. وذهب أكثرهم إلى أنه مرخم فصار في التقدير: يا أميم ثم أقحم التاء غير معتد بها، وفتحها؛ لأنها واقعة موقع ما يستحق الفتح وهو ما قبل هاء التأنيث المحذوفة المنوية وهو ظاهر كلام سيبويه. وقيل فتحت اتباعًا لحركة ما قبلها وهو اختيار المصنف "والذي قد رخما بحذفها" أي: بحذف الهاء "وفره بعد" أي: لا تحذف منه شيئًا بعد حذف الهاء ولو كان لينًا ساكنًا زائدًا مكملًا أربعة فصاعدًا، فتقول في عقنباة يا عقنبا بالألف، وأجاز سيبويه أن يرخم ثانيًا على لغة من لا يراعي المحذوف. ومنه قوله: وهو التعب قاله العيني وتابعه غيره كشيخنا والبعض وفيه أن الهم متعب لا تاعب إلا أن يكون التقدير: تاعب صاحبه، ثم رأيت في القاموس ما نصه وهمّ ناصب منصب على النسب وسمع نصبه الهم أتعبه، ثم قال: ونصبه المرض ينصبه أوجعه كأنصبه ا. هـ. فأفاد ثلاثة أوجه أخرى: وهي أن يكون ناصب من قبيل النسب كلابن وتامر وأن يكون اسم فاعل نصبه بمعنى أتعبه وأن يكون اسم فاعل نصبه بمعنى أوجعه. قوله: "فقيل هو معرب" تشبيهًا بالمضاف لكنه شاذ. قوله: "لأنها" أي: الفتح وأنثه باعتبار الخبر وهو حركة. قوله: "يا ريح" قال ابن غازي: ولا يمكن دعوى إعراب ريح؛ لأنه لم ينون مع كونه منصرفًا بخلاف أميمة. قوله: "هبي" بضم الهاء أمر من هب. قوله: "ثم أقحم التاء" أي: زادها بين الميم وهاء التأنيث المحذوفة للترخيم. قوله: "غير معتد بها" أي: غير جاعلها تاء التأنيث التي كانت محذوفة للترخيم إذ لو اعتد بها لما كان مرخمًا. قوله: "لأنها واقعة إلخ" لو قال لاستحقاقها الفتح بوقوعها قبل هاء التأنيث لكان أوضح وأخصر. قوله: "وقيل فتحت إلخ" أي: كفتحة دال يا زيد ابن عمرو اتباعًا لفتحة النون بل الاتباع هنا أولى؛ لأنه في كلمة؛ ولأنه اتباع متأخر لمتقدم. قوله: "وهو اختيار المصنف" لعل وجهه أن فيما اختاره المصنف مراعاة ملفوظ وهو حركة الميم وفيما قبله مراعاة محذوف وهو تاء التأنيث المحذوفة للترخيم المقتضية فتح ما قبلها. قوله: "وفره بعد" أي: بعد حذفها. قوله: "فتقول في عقنباة" أي: في ترخيمه وهو بفتح العين المهملة والقاف وسكون النون بعدها موحدة يقال عقاب = ٨/ ١٧٢ "شبع"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٣؛ وبلا نسبة في جواهر الأدب ص١٢١؛ وجمهرة اللغة ص٣٥٠، ٩٨٢؛ ورصف المباني ص١٦١؛ وشرح المفصل ٢/ ١٠٧.
(٣) الرجز بلا نسبة في المقاصد النحوية ٤/ ٢٩٤.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
إلا الرُّباعِي فما فوقُ العَلَمْ دونَ إضافةٍ وإسنادٍ مُتَمّ
_________________
(١) أحارُ بنَ بدر قد وَلِيتَ وِلايَةً يريد أحارثة. وقوله:
(٢) يا أَرْطُ إنَّكَ فاعل ما قُلتَهُ أراد يا أرطاة "واحظلا" أي: امنع "ترخيم ما من هذه الها قد خلا. إلا الرباعي فما فوق" أي: فأكثر "العلم دون إضافة و" دون "إسناد متم" فهذه أربعة شروط: الأول أن ــ عقنباة أي: حديدة المخالب. قوله: "أن يرخم ثانيًا" أي: إن بقي بعده ثلاثة أحرف سيوطي. قوله: "على لغة من لا يراعي المحذوف" أي: من لا ينتظره واعترض هذا التقييد أبو حيان بأن كون الشاعر رخم أولًا بحذف التاء على لغة من لا ينتظر يحتاج إلى وحي يسفر عنه، ولو قيل إن المؤنث بالتاء يجوز في ترخيمه حذف التاء فقط وهو الكثير وحذفها مع ما قبلها كما في منصور لكان قولًا نقله شيخنا ثم قال: وانظر على مذهب سيبويه بعد حذف الحرف الذي قبل الآخر هل تتعين لغة من لا ينوي أولًا ا. هـ. وكلام العيني صريح في عدم التعين فإنه ضبط حار في البيت بكسر الراء حيث قال: والشاهد في أحار بن بدر حيث أريد به حارثة فرخمه أولًا بحذف الهاء على لغة من لم ينو رد المحذوف، ثم رخمه ثانيًا بحذف التاء على لغة من نوى رد المحذوف، ويؤخذ من كون المقيد بلغة من لا ينتظر عند سيبويه هو الترخيم الأول أن قوله: على لغة إلخ متعلق بأحار أو بمحذوف تقديره: إن رخم أولًا على لغة إلخ لا بقوله: أن يرخم ثانيًا. قوله: "ما قلته" بفتح التاء بقرينة قوله بعد: والمرء يستحي إذا لم يصدق قوله: "أراد يا أرطاة" علم منقول من اسم شجرة يدبغ بها قيل همزته زائدة وألفه أصلية ويعضده قولهم: مرطى، وقيل همزته أصلية وألفه زائدة للإلحاق بعرفجة ويؤيده قولهم: مأروط ا. هـ. ابن غازي. قوله: "العلم" بدل من الرباعي أو عطف بيان عليه ودون حال من الرباعي. قوله: "وإسناد" أي: في الغالب بدليل قوله الآتي: وقل ترخيم جملة. قوله: "متم" على زنة اسم المفعول نعت إسناد
(٣) عجزه: فكُنْ جُرَذًا فيها تخونُ وتَسْرِقُ والبيت من الطويل، وهو لأنس بن زينم في لسان العرب ١٠/ ١٥٧ "سرق"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٦؛ وله أو لأنس بن أبي أنيس في الدرر ٣/ ٥٤؛ ولأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص١٧٧؛ والعقد الفريد ٣/ ٩٠؛ ولأنس بن أنيس، أو لابن أبي إياس الديلي، أو لأبي الأسود الدؤلي في أمالي المرتضى ١/ ٣٨٤؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٩/ ٤٤؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨٣.
(٤) عجزه: والمرءُ يستحي إذا لم يَصْدُقِ والبيت من الكامل، وهو لزميل من الحارث الفزاري في الأغاني ١٣/ ٣٧؛ والدرر ٣/ ٥٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٨؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ١٨٤.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون رابعيا فصاعدًا، فلا يجوز ترخيم الثلاثي سواء سكن وسطه نحو: زيد أو تحرك نحو: حكم. هذا مذهب الجمهور. وأجاز الفراء والأخفش ترخيم المحرك الوسط. وأما الساكن الوسط فقال ابن عصفور: لا يجوز ترخيمه قولًا واحدًا. وقال في الكافية: ولم يرخم نحو: بكر أحد، والصحيح ثبوت الخلاف فيه، حكي عن الأخفش وبعض الكوفيين إجازة ترخيمه، وممن نقل الخلاف فيه أبو البقاء العكبري وصاحب النهاية وابن الخشاب وابن هشام. الثاني: أن يكون علمًا، وأجاز بعضهم ترخيم النكرة المقصودة نحو: يا غضنف في غضنفر قياسًا على قولهم: أطرق كراء، ويا صاح. الثالث: أن لا يكون ذا إضافة خلافًا للكوفيين في إجازتهم ترخيم المضاف إليه كقوله:
٩٥٩- خُذُوا حِذْركُم يا آلَ عِكْرمَ واعلَموا
وهو عند البصريين نادر وأندر منه حذف المضاف إليه بأسره كقوله:
ــ
قال سم: كأنه احتراز عن النسبة الإضافية والتوصيفية. قوله: " أن يكون رباعيا فصاعدًا" أي: لئلا يلزم نقص الاسم عن أقل أبنية المعرب بلا موجب. قوله: "ترخيم المحرك الوسط" أي: تنزيلًا لحركة الوسط منزلة الحرف الرابع ولهذا كان نحو سقر غير مصروف، وفرق الجمهور بأن حركة الوسط ثمت اعتبرت في حذف حرف زائد على الكلمة وهو التنوين وههنا في حذف حرف أصلي، وأيضًا ليس الحذف هنا واردًا على حرف بعينه بل على أي: حرف كان آخرًا فهو مظنة الاشتباه بخلاف عدم الصرف فإنه حذف التنوين لا غير. قوله: "وابن هشام" عبارة الهمع وابن هشام الخضراوي. قوله: "أن يكون علمًا" أي: شخصيا أو جنسيا؛ لأن العلم لكثرة ندائه يناسبه التخفيف بالترخيم. قوله: "قياسًا على قولهم إلخ" اعترضه شيخنا وتبعه البعض بأن أطرق كرا ويا صاح شاذان؛ لأن كلا اسم جنس خال من التاء فلا يقاس عليهما وفيه أن هذا اعتراض بمذهب الغير فإن من يجيز ترخيم النكرة المقصودة لا يقول بشذوذ أطرق كرا ويا صاح.
قوله: "ويا صاح" قال في شرح الكافية: وكثر دعاء بعضهم بعضًا بالصاحب فأشبه العلم فرخم بحذف يائه ا. هـ. وليس مراده بيان أنه مقيس بل بيان المسهل لترخيمه. قوله: "أن لا يكون ذا إضافة"؛ لأن الحذف من المضاف يمنع منه أن المتضايفين كالشيء الواحد فالحذف منه بمنزلة حذف حشو الكلمة والحذف من المضاف إليه يمنع منه أن تالي أداة النداء المضاف، فالحذف من المضاف إليه بمنزلة الحذف من غير المنادى والمراد بذي الإضافة المضاف حقيقة أو حكمًا
_________________
(١) عجزه: أواصرنا والرِّحْمُ بالغيب تُذْكَرُ والبيت من الطويل، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص٢١٤؛ وأسرار العربية ص٢٣٩؛ والإنصاف ١/ ٣٤٧؛ وخزانة الأدب ٢/ ٣٢٩، ٣٣٠؛ والدرر ٣/ ٥١ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٦٢؛ وشرح المفصل ٢/ ٢٠؛ والكتاب ٢/ ٢٧١؛ ولسان العرب ٣/ ٣٣٣ "فرد"، ٤/ ٥٤٩ "عذر"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٠ وبلا نسبة في لسان العرب ١٢/ ٢٣٣ "رحم"؛ ١٢/ ٤١٦ "عكرم"؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨١.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٩٦٠- يا عَبْدَ هل تَذْكُرني ساعةً
يريد يا عبد هند يخاطب عبد هند اللخمي وذلك علم له. وتقدم أن ترخيم المضاف نادر أيضًا كما في نحو: يا علقم الخير. الرابع: أن لا يكون ذا إسناد فلا يجوز ترخيم برق نحره وتأبط شرا وسيأتي الكلام عليه.
تنبيه: أهمل المصنف من شروط الترخيم مطلقًا ثلاثة: الأول: أن
يكون مختصا بالنداء فلا يرخم نحو: فل وفلة. الثاني: أن لا يكون مندوبًا. الثالث: أن لا يكون مستغاثًا. وأما قوله:
٩٦١- كُلَّما نادى مُنادٍ منهم يا لِتيمِ اللهِ قلنا يا لِمال
فضرورة أو شاذ. وأجاز ابن خروف ترخيم المستغاث إذا لم يكن فيه اللام كقوله:
٩٦٢- أعام لك ابنُ صَعصعةَ بنِ سَعْدٍ
ــ
فيدخل شبه المضاف فلا يرخم كما في الدنوشري. قوله: "وذلك علم له" أي: فهو داخل في العلم فيصح الاحتراز عنه بأن لا يكون ذا إضافة فلا يقال إن المضاف خارج بالعلم.
قوله: "أن لا يكون ذا إسناد" أي: إن لا يكون منقولًا عن الجملة؛ لأن الجملة محكية بحالها فلا تغير. قوله: "وسيأتي الكلام عليه" يشير إلى أن اشتراط عدم الإسناد أكثري كما سيأتي. قوله: "مطلقًا" أي: سواء كان بتاء التأنيث أو لا. قوله: "ثلاثة" زاد السيوطي أن لا يكون مبنيا قبل النداء فلا يرخم يا حذام وقد مر ذلك. قوله: "أن لا يكون مندوبًا" قال شيخنا: ظاهره ولو بدون ألف الندبة وهو مفهوم كلام الرضي ا. هـ. وإنما لم يرخم المندوب؛ لأن الغالب زيادة الألف في آخره لمد الصوت إظهارًا للتفجع فلا يناسبه الترخيم. قوله: "أن لا يكون مستغاثًا" أي: لا مجرورًا باللام لعدم ظهور أثر النداء فيه من النصب أو البناء على الضم فلم يرد عليه الترخيم الذي هو من خصائص المنادى ولا مفتوحًا بزيادة الألف؛ لأن الزيادة تنافي الحذف ولا مجردًا من اللام والألف إلحاقًا له بذي اللام والألف. قوله: "يا لمال" أي: يا لمالك. قوله: "أعام" أي: يا عامر وتقدم أن الاستغاثة مختصة بيا وأن الاستغاثة بغيرها شاذة فقوله: أعام فيه شذوذ من وجهين نداء
_________________
(١) عجزه: في مَوْكبٍ أو رائدًا للقنيصْ والبيت من السريع، وهو لعدي بن زيد في ديوانه ص٦٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٨؛ وبلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ١٨٤.
(٢) البيت من الرمل، وهو لمرة بن الوراغ في المقاصد النحوية ٤/ ٣٠٠؛ وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص١٦٤؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٤.
(٣) صدره: تمناني ليلقاتي لقيطُ والبيت من الوافر، وهو للأخوص "أو الأحوص" بن شريح في الكتاب ٢/ ٢٣٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٠؛ وبلا نسبة في الدرر ٣/ ٥٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٤؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨١.
[ ٣ / ٢٦١ ]
ومَعَ الآخِرِ احذفْ الذي تَلا إن رِيدَ لَينًا ساكنًا مُكمِّلا
_________________
(١) والصحيح ما مر "ومع" حذف الحرف "الآخر" في الترخيم "احذف" الحرف "الذي تلا" أي: الذي تلاه الآخر وهو ما قبل الآخر ولكن بشروط أربعة: الأول وإليه أشار بقوله: "إن زيد" أي: إن كان ما قبل الآخر زائدًا، فإن كان أصليا لم يحذف نحو: مختار ومنقاد علمين؛ لأن الألف فيهما منقلبة عن عين الكلمة، فتقول يا مختا ويا منقا. الثاني: أن يكون "لينًا" أي: حرف لين وهو الألف والواو والياء، فإن كان صحيحًا لم يحذف سواء كان المستغاث بغيريا وترخيمه ولعل قوله: لك خبر لمحذوف أي: ندائي لك أو استغاثة ثانية بعامر والتقدير: يا لك وابن صعصعة نعت لعامر وصدر البيت: تمناني ليقتلني لقيط وهو اسم رجل. قوله: "والصحيح ما مر" أي: من أنه لا يرخم المستغاث مطلقًا. قوله: "احذف" أي: وجوبًا كما في ابن عقيل وعن الفراء لو سمي بنحو: حمراء جاز حذف الهمزة فقط. قوله: "ولكن بشروط أربعة" تقدم ما يؤخذ منه شرط خامس عند غير سيبويه وهو أن لا يكون الآخر تاء التأنيث كما في أرطاة. قوله: "الأول" مبتدأ خبره محذوف دل عليه الكلام تقديره كونه زائدًا إذ لا جائز أن يكون قول المصنف: إن زيد خبرًا؛ لأنه لا يصلح للخبرية؛ ولأن الشارح جعله مقول القول ولا قول الشارح وإليه إلخ لاقترانه بالواو. قوله: "إن زيد إلخ" يشمل نحو: هندات وحمدون وزيدين أعلامًا فترخم بحذف الآخر وما قبله ولا يجوز بقاء الألف في هندات علمًا؛ لأن تاءه ليست للتأنيث كذا في الفارضي وظاهر إطلاقه جواز ترخيم ما ذكر على لغة من ينتظر ومن لا ينتظر مع أن ترخيم هندات وزيدين على لغة من لا ينتظر يلبس بنداء المفرد الذي لا ترخيم فيه، وترخيم حمدون على اللغتين يلبس بذلك، ودعوى أن هذا الإلباس لا يلتفتون إليه يردها التفاتهم إليه في مواضع كثيرة من هذا الباب كما ستعرفه، ثم رأيت الفارضي قال: في موضع آخر ما نصه لو سمي بزيدين أو بما فيه ياء النسب كزيدي لزم ترخيمه على اللغة الأولى نحو: يا زيد بكسر الدال ولو رخم على الثانية لالتبس بمنادى لا ترخيم فيه ا. هـ. فهذا يدل على أن نحو: هندات وزيدين إنما يرخم على لغة من ينتظر ونحو: حمدون لا يرخم مطلقًا للإلباس وهذا هو الظاهر فتدبر. قوله: "فتقول يا مختا ويا منقا" أي: خلافًا للأخفش حيث جوز يا مخت ويا منق بحذف الألف همع. قوله: "لينا" قال المكودي: حال من الضمير في زيد وهو مخفف لين ولا ينافي هذا الإعراب قول الشارح أن يكون لينًا؛ لأنه حل معنى ثم ما ذكر صريح في أن اللام مفتوحة وقول الشارح أي: حرف لين يقتضي أنه بكسرها إلا أن يجعل بيانًا لمعنى لينًا بفتحها واحترز به المصنف عن زائد ليس لينًا نحو: شمأل فالهمزة حرف زائد غير لين وكان الأولى للمصنف أن
[ ٣ / ٢٦٢ ]
أَرْبعةً فصاعِدًا والخُلفُ في واوٍ وياءٍ بهما فَتحٌ قُفِي
ــ
متحركًا نحو: سفرجل أو ساكنًا نحو: قمطر فتقول يا سفرج ويا قمط خلافًا للفراء في قمطر فإنه يجيز يا قم بحذف حرفين. والثالث: أن يكون "ساكنًا" فإن كان متحركًا لم يحذف نحو: هبيخ وقنور فتقول يا هبخ وقنوى. والرابع: أن يكون "مكملًا أربعة فصاعدًا" فإن كان ثالثًا لم يحذف خلافًا للفراء كما في نحو: ثمود وعماد وسعيد فتقول يا ثمو ويا عما ويا سعي فالمستكمل الشروط نحو: أسماء ومروان ومنصور وشملال وقنديل علمًا، فتقول فيها يا أسم ويا مرو ويا منص ويا شمل ويا قند، ومنه قوله:
٩٦٣- يا أَسْم صَبرًا على ما كانَ من حَدَثٍ
وقوله:
٩٦٤- يا مَرْو إنَّ مَطَيِتِّي مَحبوسةٌ
ــ
يقول بدل لينًا مدا ليفيد اشتراط أن يكون قبله حركة من جنسه لفظًا كما في منصور أو تقديرًا كما في مصطفون علمًا، إذ أصله مصطفيون كما سيذكره الشارح ويستغنى عن قوله: ساكنًا. قوله: "فإن كان" أي: ما قبل الآخر. قوله: "نحو: سفرجل" اعترض إخراجه بهذا القيد بأنه خارج بقوله: قبل أن زيد؛ لأن الجيم أصلية. قوله: "نحو: قمطر" بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء المهملة هو الجمل القوي الضخم والرجل القصير ا. هـ. قاموس وفسره صاحب المصباح بما يصان فيه الكتب. قال: ويذكر ويؤنث وربما أنث بالهاء فقيل قمطرة. قوله: "بحذف حرفين" علل بأن الاقتصار على حذف الحرف الأخير يوجب عدم النظير وهو سكون آخر الاسم الصحيح لفظًا وتقديرًا على لغة التمام ولفظًا فقط على لغة الانتظار وفيه أنه على لغة التمام يضم. قوله: "ساكنًا" قال يس: المحققون لا يطلقون أحرف اللين على أحرف العلة إلا إذا كانت ساكنة، فقوله ساكنًا وصف كاشف ا. هـ. ونقل ابن غازي عن بعضهم أن المصنف جعل اللين ههنا شاملًا للمحرك فلذلك أخرجه بقوله: ساكنًا بخلاف قوله: في باب التكثير ما لم يك لينًا.
قوله: "هبيخ" بفتح الهاء والموحدة وتشديد التحتية آخره خاء معجمة الغلام الممتلئ أي: السمين. قوله: "وقنور" بفتح القاف والنون وتشديد الواو آخره راء الصعب اليبوس من كل شيء. قوله: "لم يحذف خلافًا للفراء" حيث جوز أن يقال يا عم ويا ثم ويا سع وقيل إنما قال بالحذف في ثمود فقط فرارًا من بقاء آخر الاسم واوًا بعد ضمة همع. قوله: "علمًا" أي: في حالة كون كل
_________________
(١) عجزه: إن الحوادِثَ مَلقيُّ ومُنْتَظِرُ والبيت من البسيط، وهو للبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ص٣٦٤؛ والكتاب ٢/ ٢٥٨؛ ولأبي زبيد الطائي في ملحق ديوانه ص١٥١؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٣٥؛ وللبيد أو لأبي زبيد في شرح التصريح ٢/ ١٨٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٣.
(٢) عجزه: ترجو الحياءَ ورَبُّها لم يَيأسِ والبيت من الكامل، وهو للفرزدق في ديوانه ١/ ٣٨٤؛ وخزانة الأدب ٦/ ٣٤٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٠٥؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٦؛ والكتاب ٢/ ٢٥٧؛ واللمع ص١٩٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٢؛ وشرح قطر الندى ص٢١٥؛ وشرح المفصل ٢/ ٢٢.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
والعَجُزَ احذفْ من مُركَّبٍ وقَل تَرْخيمُ جُملَةٍ وذا عمرو نَقَل
_________________
(١) "والخلف في واو وياء" استكملا الشروط المتقدمة لكن "بهما فتح قفي" نحو: فرعون وغرنيق علمًا، فذهب الجرمي والفراء إلى أنه يحذف مع الآخر كالذي قبله حركة مجانسة، فيقال يا فرع ويا غرن. قال في شرح الكافية: وغيرهما لا يجيز ذلك، بل يقول يا غرني ويا فرعو. تنبيه: يقال في ترخيم مصطفون ومصطفين علمين يا مصطف قولًا واحدًا، كما نبه عليه في شرح الكافية؛ لأن الحركة المجانسة فيهما مقدرة؛ لأن أصله مصطفيون ومصطفيين، وإليه أشار في التسهيل بقوله: مسبوق بحركة مجانسة ظاهرة أو مقدرة "والعجز احذف من مركب" تركيب مزج نحو: بعلبك وسيبويه، فتقول يا بعل ويا سيب، منهما علمًا أو هو راجع لقنديل وأما علمية ما قبله فظاهرة وقد يضعف هذا بخفاء علمية شملال أيضًا. قوله: "بهما فتح قفي" الباء للتعدية الخاصة متعلقة بقفي فالمعنى أتبعا الفتح أي: جعلاتا بعين للفتح. قوله: "وغرنيق" بضم الغين المعجمة وسكون الراء وفتح النون طير من طيور الماء طويل العنق تصريح. قوله: "علمًا" لما مر أنه إنما يرخم من الخالي من التاء العلم. قوله: "إلى أنه" أي: المذكور من الواو والياء المفتوح ما قبلهما وقوله كالذي قبله أي: كاللين الذي قبله إلخ. قوله: "قولًا واحدًا" أي: بالنظر لحذف حرف اللين مع الآخر فلا ينافي ما سيأتي من أنه على لغة من لا ينتظر يتعين رد المحذوف فيقال يا مصطفى بالألف في ترخيم مصطفون ومصطفين ويا قاضي بالياء في ترخيم قاضون وقاضين لانتفاء سبب حذف الألف والياء لفظًا وتقديرًا وهو التقاء الساكنين وعلى لغة من ينتظر فيه وجهان الرد نظرًا لانتفاء السبب لفظًا وعدم الرد نظرًا لوجوده تقديرًا، فيقال على هذا الأخير يا مصطف بفتح الفاء ويمتنع يا مصطف بضم الفاء على كل حال إذ لا وجه له كما علم مما تقرر، والحاصل أنه لا بد من حذف حرف اللين مع الآخر فلا يقال يا مصطفو ولا يا مصطفى بالواو والياء على اللغتين والتفرقة بينهما إنما هي برد الألف وعدمه كذا قال شيخنا وغيره، وفيه أن الإلباس لازم على لغة من لا ينتظر فهلا قيل بمنعها هنا على قياس ما مر عن الفارضي ثم رأيت عن الرضي فيما يأتي ما يؤيده فاعرفه. قوله: "فيهما مقدرة" فليسا من محل الخلاف بل مما استجمع شروط الوفاق سم. قوله: "لأن أصله مصطفيون" كذا في الفارضي أيضًا قال شيخنا: وإنما جعله بالياء مع أنه واوي؛ لأن آخر المقصور يقلب ياء في المثنى والجمع على حده كما سيأتي ا. هـ. فمراده بالأصل ما يستحقه عند التثنية والجمع فاندفع قول البعض كان الصواب مصطفوون ومصطفوين؛ لأنه واوي لا يائي ا. هـ. وإنما كان واويا؛ لأنه من الصفوة.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكذا تفعل في المركب العددي فتقول في خمسة عشر علمًا يا خمسة، ومنع الفراء ترخيم المركب من العدد إذا سمي به، ومنع أكثر الكوفيين ترخيم ما آخره ويه، وذهب الفراء إلى أنه لا يحذف منه إلا الهاء، فتقول يا سيبوي. وقال ابن كيسان: لا يجوز حذف الجزء الثاني من المركب بل إن حذفت الحرف أو الحرفين فقلت يا بعلب ويا حضرم لم أر به بأسًا. والمنقول أن العرب لم ترخم المركب وإنما أجازه النحويون قياسًا. تنبيه: إذا رخمت اثنا عشر واثنتا عشرة علمين حذفت العجز مع الألف قبله، فتقول يا اثن ويا اثنت كما تفعل في ترخيمهما لو لم يركبا، نص على ذلك سيبويه، وعلته أن عجزهما بمنزلة النون ولذلك أعربا "وقل ترخيم" علم مركب تركيب إسناد، وهو المنقول من "جملة" نحو: تأبط شرا وبرق نحره "وذا عمرو" وهو سيبويه "نقل" أي: نقل ذلك عن قوله: "ويا سيب" مشكل على ما صرح به أبو حيان والسيوطي والدماميني وغيرهم جازمين به من أنه يشترط في المرخم أن لا يكون مبنيًا قبل النداء إلا أن يستثنى المركب أو يبنى على لغة إعرابه إعراب ما لا ينصرف أو يكون الشارح ومن وافقه مخالفين في ذلك الاشتراط ا. هـ سم وهذا الإشكال يجري في نحو: خمسة عشر أيضًا. قوله: "وكذا تفعل في المركب العددي" والمنصوص أنك إذا رخمت خمسة عشر بحذف عجزه ثم وقفت فإنك تقف بالهاء على اللغتين وإذا رخمت بعلبك، ثم وقفت فعلى لغة من ينوي لك أن تقول يا بعله بهاء السكت وإن شئت لم تأت بالهاء ووقفت بإسكان الأخير وأما على لغة من لم ينو فيتحتم الوقف بالإسكان وذهب الأخفش إلى رد المحذوف من المركب المرخم عند الوقف ا. هـ. دماميني وقوله: فيتحتم إلخ يؤيد ما أسلفه الشارح عن أبي حيان في المؤنث بالتاء إذا وقف عليه بعد الترخيم سم. قوله: "فتقول يا سيبوي" أي: على لغة من ينتظر أما على لغة من لا ينتظر فتقول يا سيبوا؛ لأن الياء تضم على هذه اللغة فتقلب ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها قاله الشارح على الأوضح. قوله: "لا يجوز حذف الجزء الثاني من المركب" أي: إن حصل لبس كأن يكون ثم من اسمه حضر ومن اسمه حضرموت قاله الشارح على الأوضح. قوله: "قياسًا" أي: على ما فيه تاء التأنيث؛ لأن الجزء الثاني يشبه تاء التأنيث من وجوه فتح ما قبله غالبًا وحذفه في النسب وتصغير صدره كما أن تاء التأنيث كذلك واحترزنا بغالبًا عن نحو: معد يكرب. قوله: "إذا رخمت اثنا عشر واثنتا عشرة" بالألف فيهما على الحكاية كما يصرح به قوله مع الألف. قوله: "بمنزلة النون" أي: المحذوفة التي عاقبتها عشر وعشرة ولذلك لا يضاف اثنا عشر واثنتا عشرة كما يضاف ثلاثة عشر وأخواته ونظر فيه ابن الحاجب بأن عشر وعشرة اسمان برأسهما ولا يلزم من معاقبتهما النون حذف الألف معهما كما تحذف مع النون كذا في الدماميني. قوله: "وقل ترخيم جملة إلخ" الحاصل أن المحذوف للترخيم إما حرف نحو: يا سعا في يا سعاد وإما حرفان نحو: يا مرو وفي يا مروان وإما كلمة برأسها نحو: يا معدي في يا معد يكرب
[ ٣ / ٢٦٥ ]
وإنْ نَوَيتَ بعدَ حذفِ ما حُذفْ فالباقيَ استَعْمِل بما فيه ألِف
_________________
(١) العرب. قال المصنف: أكثر النحويين لا يجيزون ترخيم المركب المضمن إسنادًا كتأبط شرا، وهو جائز؛ لأن سيبويه ذكر ذلك في أبواب النسب فقال: تقول في النسب إلى تأبط شرا تأبطي؛ لأن من العرب من يقول يا تأبط. ومنع ترخيمه في باب الترخيم، فعلم بذلك أن منع ترخيمه كثير وجواز ترخيمه قليل. وقال الشارح: فعلم إن جواز ترخيمه على لغة قليلة. تنبيه: عمرو اسم سيبويه، وسيبويه لقبه، وكنيته أبو بشر "وإن نويت بعد حذف ما حذف" ما مفعول نويت: أي: إذا نويت ثبوت المحذوف بعد حذفه للترخيم "فالباقي" من المرخم "استعمل بما فيه ألف" قبل الحذف، وتسمى هذه لغة من ينوي ولغة من ينتظر، فتقول يا حار بالكسر، ويا جعف بالفتح، ويا منص بالضم، ويا قمط بالسكون في ترخيم حارث وجعفر ومنصور وقمطر. تنبيهان: الأول منع الكوفيون ترخيم نحو: قمطر مما قبل آخره ساكن على هذه اللغة، وحجتهم ما يلزم عليه من عدم النظير، وقد تقدم مذهب الفراء فيه. الثاني: يستثنى من قوله بما فيه ألف مسألتان: ذكرهما في غير هذا الكتاب: الأولى ما كان مدغمًا في ويا تأبط في يا تأبط شرا وإما كلمة وحرف نحو: يا اثن ويا اثنت في اثنا عشر واثنتا عشرة علمين والذي استظهره سم في ترخيم المركب الإسنادي إذا لم ينو المحذوف أنه إن كان الباقي جملة كما في تأبط فإن فاعله مستتر فيه قدر الضم في آخره، وإلا كما في قام من قام زيد ضم آخره لفظًا؛ لأنه كالمستقل والفعل الخالي من الضمير إذا سمي به يعرب لفظًا فإذا نودي ضم لفظًا. قوله: "وذا عمرو نقل" ذا مبتدأ وعمرو مبتدأ ثان خبره نقل والجملة خبر المبتدأ الأول والرابط محذوف تقديره نقله أو ذا مفعول نقل بناء على الصحيح من جواز تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ. قوله: "أي: نقل ذلك عن العرب" أي: في باب النسب كما سيذكره الشارح فلا ينافي أنه منع ترخيمه في باب الترخيم. قوله: "لأن من العرب من يقول يا تأبط" هذا محل الاستشهاد. قوله: "فعلم بذلك" أي: بمجموع كلامه في الموضعين. قوله: "وسيبويه لقبه" سيب بمعنى تفاح وويه بمعنى رائحة والإضافة في لغة العجم على قلبها في لغة العرب ولقب بذلك للطافته؛ لأن التفاح من لطيف الفواكه كذا في التصريح. قوله: "بعد حذف" بالتنوين. قوله: "بما فيه ألف" الباء للملابسة متعلقة باستعمل وما واقعة على حال ولا حاجة إلى جعل الباء بمعنى على. قوله: "من عدم النظير" وهو أن يكون الاسم المتمكن الصحيح الآخر ساكن الآخر ا. هـ. سم وللبصريين أن يقولوا المنوي كالثابت فليس الساكن هو الآخر في الحقيقة وكونه آخرًا لفظًا لا محذور فيه فتأمل. قوله: "ما كان مدغمًا" أي: الباقي الذي كان آخره مدغمًا. وقوله فيما يأتي الثانية ما حذف أي: باقي الاسم ذي الحرف الذي حذف ويحتمل أن التقدير الأولى الحرف الذي كان آخره
[ ٣ / ٢٦٦ ]
واجْعَلْهُ إن لم تَنوِ مَحذوفًا كما لو كان بالآخِرِ وَضْعا تُمِّما
_________________
(١) المحذوف وهو بعد ألف فإنه إن كان له حركة في الأصل حركته بها نحو: مضار ومحاج، فتقول فيهما يا مضار ويا محاج بالكسر إن كانا اسمي فاعل وبالفتح إن كانا اسمي مفعول، ونحو: تحاج تقول فيه يا تحاج بالضم؛ لأن أصله تحاجج، وإن كان أصلي السكون حركته بالفتح نحو: أسحار اسم بقلة، فإن وزنه أفعال بمثلين أولهما ساكن لا حظ له في الحركة، فإذا سمي به ورخم على هذه اللغة قيل يا أسحار بالفتح، فتحركه بحركة أقرب الحركات إليه وهو الحاء. وظاهر كلام الناظم في التسهيل والكافية تعين الفتح فيه على هذه اللغة. واختلف النقل عن سيبويه فقال السيرافي: يحتم الفتح، وقال الشلوبين: يختاره ويجيز الكسر. ونقل ابن عصفور عن الفراء أنه يكسر على أصل التقاء الساكنين وهو مذهب الزجاج. ونقل بعضهم أيضا أنه يحذف كل ساكن يبقى بعد الآخر حتى ينتهي إلى متحرك، فعلى هذا يقال يا أسح. الثانية: ما حذف لأجل واو الجمع كما إذا سمي بنحو: قاضون ومصطفون من جموع معتل اللام فإنه يقال في ترخيمه يا قاضي ويا مصطفى برد الياء في الأول والألف في الثاني لزوال سبب الحذف. هذا مذهب الأكثرين وعليه مشى في الكافية وشرحها، لكنه اختار في التسهيل عدم الرد "واجعله" أي: اجعل الباقي في المرخم "إن لم تنو محذوفًا كما لو كان بالآخر وضعًا تمما" أي: كالاسم التام الموضوع مدغمًا الثانية الحرف الذي حذف والأول أنسب بالسياق. قوله: "وهو بعد ألف" ليس بقيد بل الياء كذلك كما في خويص تصغير خاص إذا سميت به كما في الدماميني؛ ولذا قال الشارح على الأوضح: بعد مدة فلو لم يكن قبل المدغم مدة كمحمر بقي على سكونه ا. هـ. أي: كبقاء قمطر على سكونه ولكن يلزم ما تقدم من عدم النظير إلا أن يقال ما مر وإنما خص الألف بالذكر هنا لكثرتها. قوله: "نحو: مضار ومحاج" أي: علمين لما مر. قوله: "بالفتح" لأنه أقرب الحركات إليه أي: إلى السكون ووجهه أنه أخف الحركات فهو أقرب إلى السكون في الخفة؛ لأن السكون أخف من الحركات ا. هـ. سم وعبارة الشارح على الأوضح فتحركه بحركة أقرب المتحركات إليه وهو الحاء وضمير إليه عليها يرجع إلى الحرف الأخير كالراء من أسحار وهذه العبارة هي الواقعة في كثير من نسخ الشارح لكن مع إبدال المتحركات بالحركات فتؤول بالمتحركات كما في عبارته على التوضيح. قوله: "فعلى هذا يقال يا أسح" أي: بالفتح؛ لأن الكلام في لغة من ينتظر. قوله: "الثانية ما حذف" تقدم الكلام عليه. قوله: "لأجل واو الجمع" التقييد بالواو غير جيد؛ لأن الحكم كذلك فيما لو سمي بالجمع ذي الياء نحو: قاضين ومصطفين دماميني. قوله: "لزوال سبب الحذف" وهو التقاء الساكنين. قوله: "لكنه اختار في التسهيل عدم الرد" فتقول يا قاض بالضم ويا مصطف بالفتح؛ لأن الساكن الأخير كالثابت لفظًا فالتقاء الساكنين موجود تقديرًا ولا خلاف في رد الياء والألف على لغة من لم ينو كما تقدم. قوله: "إن لم ينو محذوف" هكذا في نسخ بافتتاح ينو بتحتية وبنائه
[ ٣ / ٢٦٧ ]
فقُل على الأوَّل في ثَمودَ يا ثَمُو ويا ثَمي على الثاني بيا
_________________
(١) على تلك الصيغة فيعطي آخره من البناء على الضم وغير ذلك من الصحة والإعلال ما يستحقه لو كان آخرًا في الوضع، فتقول يا حار ويا جعف ويا منص ويا قمط بالضم في الجميع كما لو كانت أسماء تامة لم يحذف منها شيء. تنبيهان: الأول لو كان ما قبل المحذوف معتلا قدرت فيه الضمة على هذه اللغة فتقول في ناجية يا ناجي بالإسكان وهو علامة تقدير الضم ولو كان مضمومًا قدرت ضمًا غير ضمه الأول نحو: تحاج ومنص. الثاني يجوز في نحو: يا حار بن زيد على هذه اللغة ضم الراء وفتحها كما جاز ذلك في نحو: يا بكر بن زيد "فقل على" الوجه "الأول" وهو للمجهول ورفع محذوف على النيابة عن الفاعل وفي نسخ إن لم تنو محذوفًا بافتتاح تنو بفوقية وبنائه للفاعل ونصب محذوفًا على المفعولية وهو أوفق بقوله: قبل وإن نويت بعد حذف ما حذف وتسمى هذه اللغة لغة من لا ينتظر. قوله: "كما" قال المكودي في موضع المفعول الثاني لأجله: والظاهر أن ما في قوله كما زائدة ولو مصدرية والتقدير ككونه متممًا بالآخر في الوضع ا. هـ. خالد وإنما كان هذا هو الظاهر مع أن الحقيق بجعله مزيدًا الثاني دون الأول لوقوعه في مركزه لكثرة زيادة ما بخلاف لو. قوله: "بالآخر" أي: آخره بعد الحذف سم. قوله: "من الصحة والإعلال" أي: إن كان آخره صحيحًا بقي على حاله وإلا أعل كما في ثمود فإنه يقال فيه ثمي بقلب الواو ياء والضمة كسرة. قوله: "على هذه اللغة" أي: لغة التمام وأما على لغة الانتظار فيقال في ترخيم يا ناجية يا ناجي بالفتح كما في سم. قوله: "يا ناجي" مشكل مع قوله الآتي: والتزم الأول إلخ نعم إن خصصنا ما يأتي بالصفة وهذا بالعلم فلا إشكال ا. هـ. سم وأقره شيخنا والبعض. وفيه أن تخصيص ما يأتي بالصفة لا يوافق صنيع الشارح الآتي؛ لأنه جعل كلام المصنف فيما يأتي عاما للصفة وغيرها، والذي ينبغي عندي حمل ما هنا على ما إذا وجدت القرينة الدافعة للبس وما يأتي على ما إذا لم توجد ثم رأيت عن الرضي فيما يأتي ما يؤيده. قوله: "ولو كان" أي: ما قبل المحذوف مضمومًا قدرت إلخ أي: على هذه اللغة ومن نوى لم يقدر شيئًا وظاهر قول الشارح قدرت ضما أنه مبني على ضم مقدر والذي في التصريح أن نحو: تحاج ومنص على لغة التمام مبني على ضمة حادثة للبناء غير الضمة التي كانت قبل الترخيم بدليل أن هذه يجوز اتباعها، والضمة التي كانت قبل الترخيم لا يجوز اتباعها فلو قال الشارح وأتيت بضم غير ضمة الأول لوافق ما في التصريح، والأقرب عندي ما مشى عليه الشارح وإن ضعفه البعض تبعًا للتصريح؛ لأن تقدير ضمة أسهل من تكلف ذهاب الضمة الأصلية وحدوث ضمة أخرى للبناء. وما استدل به صاحب التصريح لا ينهض لجواز أن يكون رفع التابع اتباعًا للضمة المقدرة كما في يا سيبويه العالم برفع العالم لا للضمة الملفوظ بها فاحفظه. قوله: "على هذه اللغة ضم الراء وفتحها" ومر أنها تكسر على لغة الانتظار ففي نحو: يا
[ ٣ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مذهب من ينتظر "في" ترخيم "ثموديا ثمو" بإبقاء الواو؛ لأنها محكوم لها بحكم الحشو فلم يلزم مخالفة النظير "و" قل "يا ثمي على" الوجه "الثاني بيا" أي: بقلب الواو ياء لتطرفها بعد ضمة كما تقول في جمع جرو ودلو الأجري والأدلي والألزم عدم النظير إذ ليس في العربية اسم معرب آخره واو لازمة قبلها ضمة فخرج بالاسم الفعل نحو: يدعو المعرب المبني نحو: هو وذو الطائية، ويذكر الضم نحو: دلو وغزو، وباللزوم نحو: هذا أبوك. وقل في ترخيم نحو: صميان وكروان على الأول يا صمي ويا كرو بفتح الياء والواو لما سبق، وعلى الثاني يا صما ويا كرا بقلبهما ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما مع عدم المانع الذي سيأتي بيانه كما فعل برمي ودعا. وقل في ترخيم سقاية وعلاوة على الأول يا حار بن زيد تثليث الراء. قوله: "وقل يا ثمي على الثاني بيا" يفهم من تقدير الشارح قل أن العطف من عطف الجمل ومن تقديره قل في الجملة الثانية وبإبقاء الواو في الجملة الأولى أن في كلام المصنف احتباكًا حيث حذف من كل من الجملتين نظير ما أثبته في الأخرى. قوله: "بقلب الواو ياء" أي: والضمة كسرة. قوله: "الأجرى والأدلى" أصلهما الأجرو والأدلو بضم الراء واللام فقلبوا الضمة كسرة والواو ياء. قوله: "إذ ليس في العربية إلخ" وذلك لمزيد الثقل بخلاف الياء التي قبلها كسرة وينظر ما الفرق بين الاسم والفعل حيث لم يجز في الأول وجاز في الثاني مع أنه أثقل وكذا يقال في المبني ا. هـ. دنوشري ويمكن أن يقال لما كان وضع الفعل دون الاسم على الثقل قبل النقل دون الاسم. قوله: "اسم معرب" فيه أن هذا منادى معرف مفرد فهو مبني وأجيب بأن له حكم المعرب لعروض بنائه. قوله: "نحو: يدعو" فإن جعل علمًا فهو أمر عارض. قوله: "وبالمعرب المبني" أي: أصالة لما تقدم. قوله: "نحو: هو إلخ" وأما نحو: سنبو اسم بلد بالصعيد فالظاهر أنه غير عربي ومثل بمثالين إشارة إلى أنه لا فرق في الواو والتي قبلها ضمة بين أن تكون متحركة أو ساكنة. قوله: "نحو: هذا أبوك" فإن الواو فيه ليست لازمة فإنها تقلب ألفًا في النصب وياء في الجر ومما خرج باللزوم نحو: هزو بإبدال الواو ومن الهمزة فإنه يصح فيه الهمز بدل الواو بل هو الأصل فلا يلزمه الواو. قوله: "صميان وكروان" أي: علمين لما مر أن من شروط الترخيم العلمية أو التأنيث بالتاء وكذا يقال في الأمثلة الآتية والصميان في الأصل. هو التقلب والتوثب ويقال رجل صميان أي: شجاع زكريا. قوله: "لما سبق" أي: من الحكم على كل بأنه حشو ولم يقلبا ألفًا كما قلبا على الثاني؛ لأن شرط قلبهما أن لا يكون بعدهما ساكن وعلى هذا بعدهما ساكن تقديرًا لا على الثاني. قوله: "مع عدم المانع الذي سيأتي بيانه" أي: في قول الناظم: من ياء أو واو بتحريك أصل ألفًا ابدل بعد فتح متصل. إن حرك التالي إلخ فالمانع الآتي أن يكون بعدهما ساكن. قوله: "كما فعل برمى ودعا" فيه لف ونشر مرتب فرمى راجع إلى يا صمى ودعا راجع إلى يا كرافان
[ ٣ / ٢٦٩ ]
والتَزَمِ الأولَ في كمُسْلِمَه وجَوِّز الوجهينِ في كمَسْلَمه
_________________
(١) سقاي ويا علا وبفتح الياء والواو، وعلى الثاني يا سقاء ويا علاء بقلبهما همزة لتطرفهما بعد ألف زائدة كما فعل برشاء وكساء. وقل في ترخيم لات مسمى به على الأول يا لا وعلى الثاني يا لاء بتضعيف الألف؛ لأنه لا يعلم له ثالث يرد إليه. وقل في ترخيم ذات على الأول يا ذا وعلى الثاني يا ذوا برد المحذوف. وقل في ترخيم سفيرج تصغير سفرجل على الأول يا سفير وعلى الثاني يا سفير عند الأكثرين، وقال الأخفش: يا سفيرل برد اللام المحذوف لأجل التصغير. وفروع هذا الباب كثيرة جدا وفيما ذكرناه كفاية "والتزم الأول صمى ورمس يا ئيا اللام وكرا ودعا واو يا ها وكذا يقال فيما بعد. قوله: "وعلاوة" بكسر العين المهملة ما علقته على البعير بعد تمام الوقر ا. هـ. خالد. قوله: "برشاء وكساء" أصلهما رشاي وكساو. قوله: "بتضعيف الألف" أي: وقلب الثانية همزة كما سيأتي في بابه. قوله: "وعلى الثاني يا ذو ابرد المحذوف" هو اللام أي: وقلبه ألفًا وإرجاع العين إلى أصلها وهو الواو إذ أصل ذات ذوي أو ذوو على الخلاف حذفت اللام وعوض عنها تاء التأنيث كما قيل في بنت ثم قلبت الواو التي هي عين الكلمة ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. فإن قيل لو كانت التاء عوضًا عن اللام ما جمع بينهما في التثنية والجمع حيث قيل ذواتا وذوات قلت لا نسلم الجمع فيهما، بل التاء في التثنية لمحض التأنيث كالتاء في كل مثنى مؤنث والتاء في الجمع هي التاء المزيدة مع الألف في جمع المؤنث واللام باقية على حذفها فلا جمع. هذا ما ظهر لي في هذا المحل وهو متين وإن أوهم بعض العبارات خلافه. قوله: "برد اللام المحذوفة" أي: لأن حذفها كان بسبب عدم تأتي صيغة التصغير مع بقائها وبقاء الجيم فلما حذفت الجيم ردت اللام لتأتى الصيغة معها حينئذٍ وأما الجيم فسبب حذفها الترخيم وهو موجود فلا ترد. وقوله: لأجل التصغير متعلق بالمحذوفة. قوله: "والتزم الأول إلخ" كلامه هنا شامل للعلم والصفة وعليه درج الشارح وصرح الناظم في بعض كتبه بما قاله جماعة: إن هذا اللبس إنما يعتبر في الصفة لا في العلم وهو الذي دل عليه كلام سيبويه ووجهه أن اشتهار المسمى بعلمه مما يزيل اللبس في الغالب. قال الرضي: والحق أن كل موضع قامت فيه قرينة تزيل اللبس جاز الترخيم على الانتظار كان أولًا، وإلا فلا كذا في الدماميني وعليه فيمتنع الوجهان الترخيم على الانتظار والترخيم على عدمه إذا ألبس كل منهما فيمتنع ترخيم نحو: فتاة رأسًا فإنه على الوجهين يلتبس بيا فتى غير مرخم، قال يس: لكن قضية تجويز الناظم ترخيم المثنى والجمع بحذف زيادتيه كما مر جواز ترخيم ما ذكر، وإن كان فيه لبس ولعل الفرق أن هاء التأنيث وضعت لتمييز المؤنث فلا يليق حذفها عند اللبس لمنافاته الغرض من وضعها ولا كذلك ما عداها ا. هـ. قال البعض: وقد يقال علامة التثنية والجمع وضعت لتمييز المثنى والجمع عن المفرد فلا فرق ا. هـ. وقد أفدناك فيما تقدم أن تجويز ترخيم المثنى والجمع بحذف زيادته محمول على ما إذا رخما على لغة من ينتظر بدون لبس وحينئذٍ فلا إشكال فاعرفه.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في" موضعين: الأول ما يوهم تقدير تمامه تذكير مؤنث "كمسلمة" وحارثة وحفصة فتقول فيه يا مسلم ويا حارث ويا حفص بالفتح؛ لئلا يلتبس بنداء مذكر لا ترخيم فيه. والثاني: ما يلزم بتقدير تمامه عدم النظير كطيلسان في لغة من كسر اللام مسمى به فتقول فيه يا طيلس بالفتح على نية المحذوف ولا يجوز الضم؛ لأنه ليس في الكلام فيعل صحيح العين إلا ما ندر من نحو: صيقل اسم امرأة و"عَذَابٍ بَيئس" في قراءة بعضهم، ولا فيعل معتلها بل التزم في الصحيح الفتح كضيغم وفي المعتل الكسر كسيد وصيب وهين وكحبليات وحبلوي وحمراوي فتقول فيها يا حبلى ويا حبلو ويا حمراو فتح الياء والواو على نية المحذوف، ولا يجوز القلب على نية الاستقلال لما يلزم عليه من عدم النظير وهو كون ألف فعلى وهمزة فعلاء مبدلتين وهما لا يكونان إلا للتأنيث. تنبيه: ذكر الناظم هذا السبب الثاني في الكافية والتسهيل ولم يذكره هنا لعلة لأجل أنه مختلف فيه فاعتبره الأخفش والمازني والمبرد، وذهب السيرافي وغيره إلى عدم اعتباره وجواز الترخيم فيما تقدم والتمام "وجوز الوجهين في" ما هو "كمسلمة" بفتح الأول اسم قوله: "تذكير مؤنث" ليس بقيد بل مثل إيهام تذكير المؤنث إيهام مجرد نداء مذكر لا ترخيم فيه كما صرحوا به فلو قال ما يوهم تقدير تمامه خلاف المراد لأجاد. قوله: "كمسلمة وحارثة" أي: لمؤنث أو مذكر فلا يجوز ترخيمهما على لغة من لا ينتظر لإيهامه تذكير المؤنث إن كانا لمؤنث ونداء مذكر لا ترخيم فيه إن كانا لمذكر وحفصة أي: لمؤنث فلا يجوز ترخيمها على لغة من لا ينتظر لإيهامه تذكير المؤنث ولا فرق في الثلاثة بين أن تكون أعلامًا أو نكرات مقصودة. وكالثلاثة في التزام الأول كل ما كانت التاء فيه للفرق أما ما ليست التاء فيه للفرق كحمزة وطلحة فيجوز فيه الوجهان. قوله: "وعذاب بيئس في قراءة بعضهم" عبارة الفارضي وبعذاب بيئس بياء ساكنة قبل همزة مكسورة في قراءة شعبة عن عاصم. قوله: "ولا فيعل معتلها" أي: بفتح العين وذكره تتميمًا للفائدة وإن لم يكن له دخل في التعليل فاندفع ما قاله البعض. قوله: "وكحبليات" عطف على كطيلسان وأعاد الكاف لبعد العهد ولدفع توهم عطفه على ما قبله. قوله: "وحبلوي وحمراوي" أي: بكسر الواو وتشديد الياء فيهما نسبة إلى حبلى وحمراء فقول الشارح بفتح الياء والواو صوابه وكسر الواو إذ لا وجه لفتح الواو إلا أن تصحح عبارته بأن الواو معطوف على فتح لا على الياء هذا ما ظهر لي بعد التوقف، ثم رأيت في الفارضي ما يؤيده حيث قال والثاني كطيلسان وحبلوى علمين. فتقول يا طيلس ويا حبلو بفتح السين وكسر الواو على اللغة الأولى. قوله: "ولا يجوز القلب" فلا تقول يا حبلى بقلب الياء والواو ألفًا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما ولا يا حمراء بقلب الواو همزة لتطرفها بعد ألف زائدة. قوله: "لا يكونان إلا للتأنيث" أي: وما للتأنيث لا يكون مبدلًا ا. هـ سم. أي: بل مزيدتين للتأنيث. قوله: "فيما تقدم" أي: في الأمثلة المتقدمة كطيلسان وحبليات
[ ٣ / ٢٧١ ]
ولاضْطرارٍ رَخَّموا دونَ نِدا ما للنِّدا يَصلحُ نحوُ أَحمدا
ــ
رجل لعدم المحذورين المذكورين، فتقول يا مسلم بفتح الميم وضمها.
تنبيه: الأكثر فيما جاز فيه الوجهان الوجه الأول وهو أن ينوي المحذوف كما نص عليه في التسهيل، وعبارته تقدير ثبوت المحذوف للترخيم أعرف من تقدير التمام بدونه "ولا
ضطرار رخموا دون ندا ما للندا يصلح نحو أحمدا" أي: يجوز الترخيم في غير النداء بشروط ثلاثة: الأول الاضطرار إليه فلا يجوز ذلك في السعة. الثاني: أن يصلح الاسم للنداء نحو: أحمد فلا يجوز في نحو: الغلام، ومن ثم خطئ من جعل من ترخيم الضرورة قوله:
٩٦٥- أوالفامَكَّة من وُرْقِ الحَمى
كما ذكره ابن جني في المحتسب والأصل الحمام فحذف الألف والميم الأخيرة لا على وجه الترخيم لما ذكرناه ثم كسر الميم الأولى لأجل القافية. الثالث: أن يكون إما
ــ
ونحوهما. قوله: "وجوز الوجهين في كمسلمه" قد يقال ترخيمه على لغة التمام يلبس بنداء مسلم مسمى به ا. هـ سم وقد يجاب بأن التسمية به نادرة فلم تعتبر. قوله: "كمسلمة" أي: وحمزة وطلحة.
فائدة: أجاز الجمهور وصف المرخم ومنه قول الشاعر:
أحار بن عمرو البيت. ومنعه السيرافي والفراء وجعل ابن عمرو بدلًا واستقبحه ابن السراج ويجوز رفع تابعه على لغة التمام مراعاة للفظ وأما على لغة الانتظار فقال سم فيه نظر إذ لا ضم في اللفظ. قال يس: والذي يظهر الجواز؛ لأن الحرف الذي حقه الضم في حكم الثابت وهو يؤيد ما قدمناه عند قول الشارح ولو كان مضمومًا قدرت إلخ. قوله: "للترخيم" صلة المحذوف وقوله: أعرف أي: أشهر في لسان العرب وقوله: بدونه أي: المحذوف. قوله: "ومن ثم" أي: من أجل اشتراط صلاحية الاسم للنداء. قوله: "فحذف الألف إلخ" هذا الذي فعله الشاعر من حذف الحرفين وكسر الميم الأولى في غاية الشذوذ كما في ابن غازي وغيره. قوله: "لما ذكرناه" أي: من اشتراط الصلاحية للنداء فهو علة لقوله: لا على وجه الترخيم.
قوله: "الثالث أن يكون إلخ" اعترض بأن هذا الثالث لا يؤخذ من كلام المصنف فكيف
_________________
(١) الرجز للعجاج في ديوانه ١/ ٤٥٣؛ والدرر ٣/ ٤٩؛ وشرح ابن عقيل ص٤٢٥؛ والكتاب ١/ ٢٦، ١١٠؛ ولسان العرب ١٥/ ٢٩٣ "منى"؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٥١؛ والمحتسب ١/ ٧٨؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٥٥٤، ٤/ ٢٨٥؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٢٩٤؛ والإنصاف ٢/ ٥١٩؛ والخصائص ٣/ ١٣٥؛ والدرر ٦/ ٢٤٤؛ ورصف المباني ص١٧٨؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٧٢١؛ وشرح التصريح ٢/ ١٨٩؛ وشرح المفصل ٦/ ٧٥؛ وهمع الهوامع ٨/ ١٨١، ٢/ ١٥٧.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زائدًا على الثلاثة أو بتاء التأنيث ولا تشترط العلمية ولا التأنيث بالتاء عينًا كما أفهمه كلامه ونص عليه في التسهيل ومنه قوله:
٩٦٦- لَيسَ حَيٌّ على المنونِ بخالِ
أي: بخالد.
تنبيه: اقتضى كلامه أن هذا الترخيم جائز على اللغتين وهو على لغة التمام إجماع كقوله:
٩٦٧- لنِعم الفَتَى تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ طريفُ بنُ مالٍ لَيلةَ الجوعِ والخَصَرْ
أراد ابن مالك فحذف الكاف وجعل ما بقي من الاسم بمنزلة اسم له لم يحذف منه شيء؛ ولهذا نونه وأما على لغة من ينتظر فأجازه سيبويه ومنعه المبرد ويدل للجواز قوله:
٩٦٨- ألا أَضْحَت حِبالُكم رِماما وأضحت منكَ شاسِعة أُماما
ــ
أوقعه في حيز أي: التفسيرية وزعم البعض أن هذا الشرط مستغنى عنه بالثاني باطل فراجعه تعرف. قوله: "ولا التأنيث بالتاء عينًا" المتبادر أن عينًا راجع إلى التأنيث بالتاء يعني أن خصوص التأنيث بالتاء لا يشترط بل الشرط إما التأنيث بالتاء أو الزيادة على ثلاثة أحرف فلا طائل تحت ما أطال به البعض. قوله: "كما أفهمه كلامه" أي: حيث أطلق ولم يشترط العلمية والتأنيث بالتاء. قوله: "ومنه" أي: من الزائد على الثلاث المرخم ضرورة وليس بعلم ولا مؤنث بالتاء. قوله: "تعشو" بتاء الخطاب أي: تسير في العشاء أي: الظلام والخصر بمعجمة فمهملة مفتوحتين شدة البرد وضبطه بمهملتين سهو ا. هـ. زكريا وكذا ضبطه بإعجام الخاء صاحب مختصر الصحاح، وقال: إنه من باب طرب. وأشار بقوله: وضبطه بمهملتين سهو إلى العيني وصاحب التصريح فإنهما ضبطاه بمهملتين وفسراه بشدة البرد.
قوله: "رمامًا" بكسر الراء جمع رمة بالضم وهي قطعة الحبل البالية والشاسعة البعيدة وأصل
_________________
(١) عجزه: فلَوى ذَرْوَةً فجنبي ذِيالِ والبيت من الخفيف، وهو لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص١٠٩؛ والدرر ٣/ ٤٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٦١؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ١٨١.
(٢) البيت من الطويل، وهو لامرئ المقيس في ديوانه ص١٤٢؛ وتذكرة النحاة ص٤٢٠؛ والدرر ٣/ ٤٨؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٥؛ وشرح التصريح ٢/ ١٩٠؛ والكتاب ٢/ ٢٥٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٠؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٩؛ ورصف المباني ص٢٣٩؛ وشرح ابن عقيل ص٥٣٧؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨١.
(٣) البيت من الوافر وهو لجرير في ديوانه ص٢٢١؛ وخزانة الأدب ٢/ ٣٦٥؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٩٤؛ وشرح التصريح ٢/ ١٩٠؛ والكتاب ٢/ ٢٧٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٢؛ ونوادر أبي زيد ص٣١؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٤٠؛ والإنصاف ١/ ٣٥٣؛ وأوضح المسالك ٤/ ٧٠؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣١٣.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
الاختصاص:
الاختصاصُ كنِداء دونَ يا كأيُّها الفَتَى بإثْرِ ارجُونِيا
ــ
هكذا رواه سيبويه. ورواه المبرد:
وما عهدي كعهدك يا أماما
قال في شرح الكافية: والإنصاف يقتضي تقرير الروايتين ولا تدفع إحداهما بالأخرى واستشهد سيبويه أيضًا بقوله:
٩٦٩- إنَّ ابنَ حارثَ أنْ اشْتَقْ لرُؤيتَهِ أو أَمْتَدِحهُ فإنَّ الناسَ قد عَلِموا
خاتمة: قال في التسهيل ولا يرخم في غيرها يعني في غير الضرورة منادى عار من الشروط إلا ما شذ من يا صاح وأطرق كرا على الأشهر، إذ الأصل صاحب وكروان فرخما مع عدم العلمية شذوذًا. وأشار بالأشهر إلى خلاف المبرد فإنه زعم أنه ليس مرخمًا، وإن ذكر الكروان يقال له كرا. والله أعلم.
الاختصاص:
"الاختصاص" قصر الحكم على بعض أفراد المذكور وهو خبر "كنداء" أي: جاء
ــ
أماما أمامة اسم امرأة ولو رخم على لغة التمام لقيل أمام بالرفع. قوله: "يا أماما" أي: فهو من ترخيم المنادى لا من الترخيم للضرورة فلا شاهد فيه على هذه الرواية لسيبويه. قوله: "إن ابن حارث" أراد حارثة فرخمه بحذف التاء للضرورة على لغة من ينتظر ومفعول علموا محذوف تقديره قد علموا ذاك مني كما في العيني. قوله: "على الأشهر" راجع لأطرق كرا فقط كما يعلم مما بعده. قوله: "إذ الأصل صاحب" زعم ابن خروف أن الأصل صاحبي وأنه أجري مجرى المركب المزجي فرخم بحذف الكلمة الثانية، ثم أدركه ترخيم آخر بعد ذلك الترخيم فحذفت الباء من صاحب وهو تعسف لا داعي إليه. قوله: "مع عدم العلمية" أي: وعدم التاء.
الاختصاص:
الباعث عليه إما فخر نحو: على أيها الجواد يعتمد الفقير أو تواضع نحو: إني أيها العبد فقير إلى عفو الله أو بيان المقصود نحو: نحن العرب أقرى الناس للضيف. قوله: "قصر الحكم على بعض أفراد المذكور" أي: أولًا فإذا قيل لا عالم إلا زيد فقد قصرنا الحكم وهو ثبوت العلم على زيد وهو بعض أفراد المذكور أولًا وهو عالم وهذا معناه لغة وأما اصطلاحًا فهو تخصيص حكم
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لأوس بن حنباء في الدرر ٣/ ٤٨؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٢٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٩٠؛ والكتاب ٢/ ٢٧٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٣؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٤١؛ والإنصاف ١/ ٣٥٤؛ والمقرب ١/ ١٨٨؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨١.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) على صورة النداء لفظًا توسعًا كما جاء الخبر على صورة الأمر والأمر على صورة الخبر والخبر على صورة الاستفهام والاستفهام على صورة الخبر لكنه يفارق النداء في ثمانية أحكام: الأول أنه يكون "دون يا" وأخواتها لفظًا ونية. الثاني: أنه لا يقع في أول الكلام بل في أثنائه، وقد أشار إليه بقوله: "كأيها الفتى بإثر ارجونيا" الثالث: أنه يشترط أن يكون المقدم عليه اسمًا بمعناه. الرابع والخامس أنه يقل كونه علمًا وأنه ينصب مع كونه مفردًا. علق بضمير بما تأخر عنه من اسم ظاهر معرفة معمول لأخص واجب الحذف. قوله: "أي: جاء على صورة النداء" أشار به إلى أن وجه شبه الاختصاص بالنداء كونه على صورته أي: غالبًا فلا يرد أن المنصوب على الاختصاص المقرون بأل ليس على صورة المنادى. ولك أن تقول وجه الشبه أن كلا من الاختصاص والنداء يوجد معه الاسم تارة مبنيا على الضم وتارة منصوبًا وهذا أوجه من قول شيخنا السيد مجيئة على صورة النداء إنما هو في أيها وأيتها لا غير. قوله: "كما جاء الخبر على صورة الأمر" نحو: أحسن بزيد فإن صورته صورة الأمر وهو خبر على المشهور إذ هو في تقدير ما أحسنه والأمر على صورة الخبر نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ أي: ليرضعن والخبر على صورة الاستفهام نحو: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ أي: الله كاف عبده والاستفهام على صورة الخبر نحو: عندك زيد على تقدير همزة الاستفهام. قوله: "في ثمانية أحكام" زاد عليها في التصريح أنه لا يكون نكرة ولا اسم إشارة ولا موصولًا ولا ضميرًا وأنه لا يستغاث به ولا يندب ولا يرخم وأن أيا هنا اختلف في ضمتها هل هي إعراب أو بناء وفي النداء بناء بلا خلاف وأن العامل المحذوف هنا فعل الاختصاص، وفي النداء فعل الدعاء وأن هذا العامل لم يعوض عنه هنا شيء وعوض عنه في النداء حرفه، وجميع الأحكام المذكورة راجعة إلى جهة اللفظ وأما الأحكام المعنوية التي يفترقان فيها فثلاثة: أحدها أن الكلام مع الاختصاص خبر ومع النداء إنشاء. والثاني أن الغرض من ذكره تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه بخلاف النداء. والثالث أنه مفيد لفخر أو تواضع أو بيان المقصود. قوله: "بل في أثنائه" أراد بالاثناء ما قابل الأول فيشمل ما وقع في وسط الكلام كما في نحن معاشر الأنبياء لا نورث لوقوعه بين المبتدأ والخبر وما وقع بعد فراغه كمثال الناظم لوقوع أيها الفتى بعد فراغ كلام تام وهو ارجوني. قوله: "كأيها الفتى باثر ارجونيا" وإعراب ذلك أن يقال: ارجوني فعل أمر للجماعة مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول وأي: مبني على الضم في محل نصب على المفعولية بأخص المحذوف وجوبًا وها للتنبيه والفتى مرفوع بضمة مقدرة على الألف نعتًا لأي: تابع للفظها فقط. قوله: "اسمًا بمعناه" كالياء في ارجوني فإنها بمعنى أيها الفتى أي: أن المراد منهما شيء واحد وهذا أوضح مما قاله البعض. قوله: "وأنه ينصب" أي: لفظًا لا محلا فقط مع كونه مفردًا أي: معرفًا. قال في التوضيح: كما في هذا المثال يعني المثال المتقدم في عبارته وهو بك الله نرجو الفضل كما في شرحه ويستثنى من ذلك أي: كما في مثال الناظم فإن نصبها محلي فقط. ومما ذكرنا يعلم ما في كلام
[ ٣ / ٢٧٥ ]
وقَدْ يُرَى ذا دونَ أيٍّ تِلو أَل كمِثلِ نَحنُ العُربَ أَسْخى من بَذَل
_________________
(١) السادس: أنه يكون بأل قياسًا كما سيأتي أمثلة ذلك. السابع: أن أيا توصف في النداء باسم الإشارة وهنا لا توصف به. الثامن: أن المازني أجاز نصب تابع أي: في النداء ولم يحكوا هنا خلافًا في وجوب رفعه. وفي الارتشاف لا خلاف في تابعها أنه مرفوع. واعلم أن المخصوص وهو الاسم الظاهر الواقع بعد ضمير يخصه أو يشارك فيه على أربعة أنواع: الأول أن يكون أيها وأيتها فلهما حكمها في النداء وهو الضم، ويلزمهما الوصف باسم محلى بأل لازم الرفع نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل: واللهم اغفر لنا أيتها العصابة. والثاني أن يكون معرفا بأل وإليه الإشارة بقوله: "وقد يرى ذا دون أي تلو أل كمثل نحن العرب البعض من التخليط. قوله: "وهنا لا توصف به" الاقتصار على اسم الإشارة يدل على أنها توصف بالموصول سم. قوله: "ولم يحكوا هنا خلافًا إلخ" لعل وجهه أنه يتوسع في النداء ما لا يتوسع في الاختصاص لأنه أكثر منه دورانًا. وقوله في وجوب رفعه أي: مراعاة للفظ أي: وظاهر عبارته أن ضمته إعرابية والتحقيق أنها ضمة اتباع كما مر في النداء إذ لا مقتضى للرفع الإعرابي. قوله: "بعد ضمير يخصه إلخ" شرحه على ظاهره البعض فقال: أي: يخص الاسم الظاهر كأنا أفعل كذا أيها الرجل أو يشارك فيه أي: يشارك الاسم الظاهر في الضمير غيره كنحن العرب أسخى من بذل وبنا تميمًا ا. هـ. وفيه أن الضمير دائمًا يخص الاسم الظاهر بمعنى أن المراد منه هو المراد من الاسم الظاهر كما صرحوا به وقد تقدم وحينئذٍ لا يصح هذا التقسيم اللهم إلا أن يراد بمشاركة غير الاسم الظاهر له في الضمير إمكانها لصلاحية نحن مثلًا في نفسها بقطع النظر عن المقام؛ لأن يراد بها ما يعم الأنبياء وغيرهم فتدبر. وقوله: يشارك فيه إما مبني للمفعول أو للفاعل وضميره المستتر فيه على كل راجع للاسم الظاهر كما علم فهذه الصفة المعطوفة جارية على غير الموصوف وإن كانت الصفة المعطوف عليها جارية عليه ولم يبرز الضمير الراجع إلى الاسم الظاهر لأمن اللبس. ويصح على بناء يشارك للمفعول جعل نائب فاعله قوله: فيه فيكون خاليًا من الضمير جاريًا على الموصوف. قوله: "أيها" أي: للمذكر مفردًا أو مثنى أو جمعًا وأيتها أي: للمؤنث مفردًا أو مثنى أو جمعًا كذا في الشاطبي. قوله: "نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل إلخ" جملة الاختصاص في المثالين في موضع نصب على الحال والمعنى أنا أفعل ذلك مخصوصًا من بين الرجال، واللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب قاله الرضي. قوله: "العصابة" هي بكسر العين الجماعة الذين أمرهم واحد. قوله: "معرفًا بأل" قال ابن الحاجب: المعرف بأل ليس منقولًا عن النداء؛ لأن المنادى لا يكون ذا لام ونحو: أيها الرجل منقول عنه قطعًا والمضاف يحتمل الأمرين: أن يكون منقولًا عن المنادى ونصبه بياء مقدرة كما في أيها الرجل وأن ينتصب بفعل مقدر نحو: أعني أو أخص أو أمدح كما في المعرف بأل والنقل خلاف الأصل فالأولى أن ينتصب انتصاب نحن العرب ا. هـ. وقوله: ونصبه بياء مقدرة أي: مجردة عن معنى النداء وإلا كان منادى حقيقة لا منقولًا عن المنادى هذا والحق ما صرح به الشارح والموضح وغيرهما أن كل مخصوص منصوب بفعل مقدر تقديره أخص مثلًا
[ ٣ / ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أسخى من بذل" بالذال المعجمة أي: أعطى. والثالث أن يكون معرفًا بالإضافة كقوله -ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث". وقوله:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
قال سيبويه: وأكثر الأسماء دخولًا في هذا الباب بنو فلان، ومعشر مضافة، وأهل البيت وآل فلان. والرابع أن يكون علمًا وهو قليل، ومنه قوله:
٩٧٠- بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ
ولا يدخل في هذا الباب نكرة ولا اسم إشارة.
تنبيه: لا يقع المختص مبنيا على الضم إلا بلفظ أيها وأيتها، وأما غيرهما فمنصوب وناصبه فعل واجب الحذف تقديره: أخص. واختلف في موضع أيها وأيتها: فمذهب الجمهور أنهما في موضع نصب بأخص أيضًا، وذهب الأخفش إلى أنه منادى ولا ينكر أن ينادي الإنسان نفسه، ألا ترى إلى قول عمر -﵁: كل الناس أفقه منك يا عمر، وذهب السيرافي إلى أن أيا في الاختصاص معربة وزعم أنها تحتمل وجهين: أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف والتقدير: أنا أفعل كذا هو أيها الرجل أي: المخصوص به. وأن تكون مبتدأ
ــ
وليس هناك يا مقدرة. قوله: "وقد يرى ذا" أي: المنصوب على الاختصاص ودون حال من ذا، وتلو مفعول ثان ليرى والكاف في كمثل زائدة. قوله: "العرب" منصوب بمحذوف والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر وكذا المنصوب في الحديث والبيت. كذا في المغني.
قوله: $"نحن معاشر الأنبياء" قال في التصريح: هذا الحديث بلفظ نحن قال الحفاظ غير موجود، وإنما الموجود في سنن النسائي الكبرى إنا معاشر الأنبياء ا. هـ. وقال شيخنا السيد: رواه البزار بلفظ نحن ورواه النسائي بلفظ إنا. قوله: "وأهل البيت" قيل منه إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت والصحيح كما في المغني أنه منادى حقيقة؛ لأن الاختصاص بعد ضمير الخطاب قليل كما يأتي. قوله: "يكشف الضباب" هو شيء كالغبار يكون في أطراف السماء. عيني. قوله: "ولا اسم إشارة" ولا موصول ولا ضمير قاله في الارتشاف. تصريح.
قوله: "إلا بلفظ أيها وأيتها" وجه الضم فيهما استصحاب حالهما في النداء بأن نقلا بحالهما عن النداء واستعملا في غيره كذا في الحواشي. وقال في المغني: وجه بنائهما على الضم مشابهتهما في اللفظ أيها وأيتها في النداء وإن انتفى هنا موجب بنائهما في النداء.
قوله: "هو أيها الرجل" لعل أيها على كلامه واقعة على الشخص مثلًا فتأمل. قوله: "أي
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٦٩؛ وخزانة الأدب ٢/ ٤١٣؛ والدرر ٣/ ١٥؛ والكتاب ٢/ ٢٣٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٢؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧١؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ٢/ ١٨.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
التحذير والإغراء:
إيَّاكَ والشَّرَّ ونَحوَهُ نَصَبْ مُحَذِّرٌ بما استِثارُهُ وَجَبْ
_________________
(١) والخبر محذوف والتقدير أيها الرجل المخصوص أنا المذكور. خاتمة: الأكثر في المختص أن يلي ضمير متكلم كما رأيت، وقد يلي ضمير مخاطب كقولهم بك الله نرجو الفضل، وسبحانك الله العظيم، ولا يكون بعد ضمير غائب. التحذير الإغراء: التحذير تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه والإغراء تنبيهه على أمر محمود المخصوص به" تفسير للضمير أعني هو والضمير في به يرجع إلى الفعل المفهوم من إفعل كذا قوله: "أنا المذكور" خبر عن أيها ولا حاجة إلى زيادة قوله المذكور. قوله: "أن يلي ضمير متكلم" ولا يجوز أن يتقدم على الضمير كما قاله السيوطي وغيره. قوله: "ولا يكون بعد ضمير غائب" ولا بعد اسم ظاهر فلا يجوز بهم معشر العرب ختمت المكارم ولا بزيد العالم تقتدي الناس. تصريح. التحذير والإغراء: قال في النكت: جمعهما في باب واحد لاستواء أحكامهما وكان ينبغي تقديم الإغراء على التحذير؛ لأن الإغراء هو الأحسن معنى وعادة النحويين البداءة به كما يقولون نعم وبئس وتقول الناس الوعد والوعيد والثواب والعقاب ونحو: ذلك ولا ترى طباعهم العكس ا. هـ. ولك أن تقول إنما قدموا التحذير؛ لأنه من قبيل التخلية والإغراء من قبيل التحلية ثم هما وإن تساويا حكمًا مفترقان معنى فالإغراء التسليط على الشيء والتحذير الإبعاد عنه. ويشتمل التحذير على محذر بكسر الذال وهو المتكلم ومحذر بفتحها وهو المخاطب ومحذر منه وهو الشر مثلًا كذا في الغزي ومثله يجري في الإغراء. وقوله: وهو المخاطب اقتصر عليه مع أنه قد يكون المتكلم والغائب؛ لأن تحذيرهما شاذ كما سيأتي. قال شيخ الإسلام: التحذير يكون بثلاثة أشياء بإياك وأخواتها وبما ناب عنهما من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب نحو: نفسك وبذكر المحذر منه نحو: الأسد وسيأتي بيانها في كلامه. قوله: "تنبيه المخاطب" اقتصر على المخاطب مع أن التحذير يكون لغيره؛ لأن تحذيره هو الكثير المقيس فقصد الشارح تعريف هذا النوع منه فقط. قوله: "على أمر مكروه" ولو في زعم المحذر فقط أو المخاطب فقط. أفاده سم. قوله: "ليجتنبه إلخ" بقي تنبيه المخاطب على أمر مذموم ليفعله وتنبيهه على أمر محمود ليجتنبه، والظاهر عندي أن الأول من الإغراء والثاني من التحذير، وإنما لم يذكرهما الشارح؛ لأنهما لا ينبغي صدورهما من العاقل. بقي أن تعريف التحذير يشمل نحو: لا تؤذ أخاك ولا تعص الله، وظاهر ما نقلناه قريبًا عن شيخ الإسلام خلافه وتعريف الإغراء يشمل نحو: أحسن إلى أخيك وأطع الله واصبر، وفي كون كل ذلك ونحوه يسمى إغراء
[ ٣ / ٢٧٨ ]
ودونَ عَطفٍ ذا لإيَّا انسُبْ وما سواهُ سَتْرُ فِعلِهِ لن يَلزما
_________________
(١) ليفعله، وإنما ذكر ذلك بعد باب النداء؛ لأن الاسم في التحذير والإغراء مفعول به بفعل محذوف ولا يجوز إظهاره كالمنادى على تفصيل يأتي. واعلم أن التحذير على نوعين: الأول أن يكون بإياك ونحوه. والثاني بدونه: فالأول يجب ستر عامله مطلقًا كما أشار إليه بقوله: "إياك والشر ونحوه" أي: نحو: إياك، كإياك وإياكما وإياكم وإياكن "نصب محذر بما" أي: بعامل "استتاره وجب" لأنه لما كثر التحذير بهذا اللفظ جعلوه بدلًا من اللفظ بالفعل، والأصل احذر تلاقي نفسك والشر، ثم حذف الفعل وفاعله ثم المضاف الاول وأنيب عنه الثاني فانتصب، ثم الثاني وأنيب عنه الثالث فانتصب وانفصل اصطلاحًا بعد. فتأمل. قوله: "محمود" فيه ما مر في نظيره وكان الأحسن في المقابلة أن يعبر بالمكروه والمحبوب أو بالمذموم والمحمود. قوله: "بعد باب النداء" أي: حقيقة أو صورة ليشمل الاختصاص. قوله: "على تفصيل يأتي" حاصله أن محل الوجوب إذا كان التحذير بإيا ونحوه أو بغيره مع العطف أو التكرار. قوله: "يجب ستر عامله" أي: حذفه. قال البعض: مقدرًا بعد إياك إذ لا يتقدم الفعل مع انفصال الضمير وفيه أنهم ذكروا من أسباب الانفصال حذف الفعل وتأخره ولا مانع أن يكون سببه هنا الحذف، بل صرح به بعضهم فالفعل المقدر يجوز تقدمه مع انفصال الضمير وما ذكره من عدم جواز تقدمه مع انفصال الضمير، إنما هو في الفعل الملفوظ به فما علل به تقدير الفعل بعد إياك لا ينهض. والتعليل الصحيح ما في الدماميني ونصه: تقدير الفعل بعد إياك واجب إذ لو قدر مقدمًا للزم أن يكون أصله باعدك أي: باعد أنت إياك فيلزم تعدي الفعل الرافع لضمير الفاعل إلى ضميره المتصل وذلك خاص بأفعال القلوب وما حمل عليها ا. هـ. ثم يؤخذ من التعليل ما أفاده صنيع التصريح وصرح به شيخنا السيد من أن وجوب تقديره بعد إياك، إنما هو على جعل الأصل إياك باعد عن الأسد والأسد عنك. وأما على جعل الأصل احذر تلاقي نفسك والأسد وهو ما مشى عليه الشارح والموضح فلا يجب تقديره بعد إياك لانتفاء المحذور المذكور نظرًا إلى أن المفعول في الحقيقة تلاقي لا الضمير. هذا تحقيق المقام فاحتفظ عليه والسلام. فإن قلت المعطوف في حكم المعطوف عليه وإياك محذر والأسد محذر منه وهما متخالفان فكيف جاز العطف فالجواب أنه لا يجب مشاركة الاسم المعطوف للمعطوف عليه إلا في الجهة التي انتسب بها المعطوف عليه إلى عامله وهي هنا كونه مفعولًا به أي: مباعدًا وكذا الأسد مباعد إذ المعنى إياك باعد وباعد الأسد كما مر. قوله: "مطلقًا" أي: سواء كان مع عطف أو تكرار أولًا. قوله: "جعلوه" أي: هذا اللفظ بدلًا أو عوضًا من اللفظ أي: من التلفظ بالفعل أي: ولا يجمع بين العوض والمعوض. قوله: "وأنيب عنه الثالث" ليس الثالث صفة لمحذوف تقديره المضاف الثالث وإن أوهمته عبارته إذ ليس ثم مضاف ثالث بل الثالث مضاف إليه فيجعل صفة لمحذوف تقديره الاسم الثالث. قوله: "فانتصب وانفصل" أي: بعد أن كان مجرورًا متصلًا. قوله: "ودون عطف" دون ظرف لغو متعلق بانسب
[ ٣ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"ودون عطف ذا" الحكم أي: النصب بعامل مستتر وجوبًا "لإيا انسب" سواء وجد تكرار كقوله:
٩٧١- فإيَّاكَ إيَّاكَ المراءَ فإنَّهُ إلى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وللشرِّ جالِبُ
أم لم يوجد نحو: إياك من الأسد، والأصل باعد نفسك من الأسد، ثم حذف باعد وفاعله والمضاف، وقيل التقدير أحذرك من الأسد، فنحو: غياك الأسد ممتنع على التقدير الأول وهو قول الجمهور، وجائز على الثاني وهو رأي الشارح وظاهر كلام التسهيل ويعضده البيت. ولا خلاف في جواز إياك أن تفعل لصلاحيته لتقدير من. قال في التسهيل: ولا يحذف يعني العاطف بعد إيا إلا والمحذوف منصوب بإضمار ناصب
ــ
وكذا قوله: لإيا وذا مفعول مقدم لانسب.
قوله: "والأصل" أي: أصل إياك من الأسد باعد نفسك إلخ. حاصله أنه إذا ذكر المحذر منه بلا عطف فعند الجمهور يتعين جره بمن بناء على أن العامل عندهم في إياك باعد؛ لأنه لا يتعدى إلى الثاني بنفسه وأما البيت فعلى حذف الجار ضرورة وعند ابن الناظم يجوز نصبه ولا تتعين من كما في البيت بناء على أن العامل عنده في إياك احذر ونحوه مما يتعدى إلى اثنين بنفسه كجنب، وعند الناظم على ما يؤخذ من التسهيل إما أن يجر بمن أو ينصب بفعل محذوف آخر تقديره دع أو نحوه ويجوز إظهاره، وأما نحو: إياك أن تفعل فجائز عند الجميع. قوله: "وقيل التقدير أحذرك من الأسد" لأن احذر يتعدى بمن كما يتعدى بنفسه. قال الحفيد: والحق أن يقال لا يقتصر على تقدير باعد ولا على تقدير احذر بل الواجب تقدير ما يؤدي الغرض إذ المقدر ليس أمرًا متعبدًا به لا يعدل عنه. قوله: "ممتنع على التقدير الأول" لأن باعد لا يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه كما مر وجعله منصوبًا بنزع الخافض والأصل من الأسد يرده أنه سماعي إلا مع إن وأن. ومحل الامتناع إذا لم يضمن معنى فعل يتعدى إلى مفعولين بنفسه كجنب وحذر وإلا جاز. قوله: "وهو قول الجمهور" مرجع الضمير الامتناع المفهوم من ممتنع.
قوله: "وجائز على الثاني" لأن احذر يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه كما يتعدى إليه بمن كما مر وينبني أيضًا على التقديرين أن الكلام على الأول انشائي وعلى الثاني خبري. قوله: "وظاهر كلام التسهيل" اعترضه شيخنا والبعض بأن مفاد ما سينقله عن التسهيل أن نصب الثاني بعامل آخر لا بناصب الأول، ولك دفعه بجعل الضمير في قوله: وهو رأي الشارح وظاهر كلام التسهيل إلى مجرد جواز النصب وإن اختلف تخريجه. قوله: "لصلاحيته لتقدير من" تعليل لجوازه
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للفضل بن عبد الرحمن في إنباه الرواة ٤/ ٧٦؛ وخزانة الأدب ٣/ ٦٣؛ ومعجم الشعراء ص٣١٠؛ وله للعرزمي في حماسة البحتري ص٢٥٣؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٦٨٦؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٣٦؛ والخصائص ٣/ ١٠٢؛ ورصف المباني ص١٣٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٢٨؛ وشرح المفصل ٢/ ٢٥؛ والكتاب ١/ ٢٧٩؛ وكتاب اللامات ص٧٠؛ ولسان العرب ١٥/ ٤٤١ "أيا"؛ ومغني اللبيب ص٦٧٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١١٣، ٣٠٨؛ والمقتضب ٣/ ٢١٣.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) آخر أو مجرور بمن وتقديرها مع أن تفعل كاف. تنبيهان: الأول ما قدمته من التقدير في إياك والشر هو ما اختاره في شرح التسهيل وقال: إنه أقل تكلفًا وقيل الأصل اتق نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك، فلما حذف الفعل استغنى عن النفس فانفصل الضمير، وهذا مذهب كثير من النحويين منهم السيرافي واختاره ابن عصفور. وذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أن الثاني منصوب بفعل آخر مضمر فهو عندهما من قبيل عطف الجمل. الثاني حكم الضمير في هذا الباب مؤكدًا على التقدير الأول وترك تعليله على الثاني لظهوره. قوله: "بإضمار ناصب آخر" فالتقدير في إياك الشر باعد كودع الشر. ومن كلام التسهيل هذا تعلم موافقة الناظم الجمهور في تقديرهم عامل إياك باعد إذ لو قدره الناظم احذر لم يحتج إلى تقدير ناصب آخر للشر كما فهم. قوله: "وقيل الأصل اتق نفسك إلخ" وقيل الأصل باعد نفسك من الشر والشر منك وهو أقل تكلفًا من كون الأصل اتق نفسك إلخ، لا من كون الأصل احذر تلاقي نفسك والشر وبهذا القول صارت الأقوال في إياك والشر أربعة. قوله: "أن تدنو من الشر" بدل اشتمال. قوله: "والشر أن يدنو منك" وقد حصل الواجب من اشتراك المتعاطفين في معنى العامل وهو الاتقاء فلا يقال كيف تعاطفا، وأحدهما محذر والآحر محذر منه. قوله: "فانفصل الضمير" ويقدر الفعل بعده لا قبله وإلا كان الأصل أي: الثاني اتقك فيلزم تعدي الفعل الرافع لضمير الفاعل إلى ضميره المتصل وذلك خاص بأفعال القلوب وما حمل عليها ا. هـ. سم وقد يقال هلا نظر إلى كون الفعل إنما تعدى في الحقيقة إلى نفس المقدرة لا إلى الكاف كما مر نظيره إلا أن يفرق بأن المقدر هنا عين الضمير في المعنى بخلاف المقدر في النظير المار وكل هذا يجري في قوله سابقًا نحو: إياك من الأسد والأصل باعد نفسك من الأسد إلخ فتنبه. قوله: "بفعل آخر مضمر" تقديره ودع الشر مثلًا. قوله: "حكم الضمير في هذا الباب" أراد بالضمير ما يشمل الضمير المنفصل البارز المنصوب والضمير المتصل المستتر المرفوع المنتقل إلى إياك بعد حذف الفعل. وقوله: حكمه في غيره قال الدماميني: فإذا قلت إياك فعندنا ضميران أحدهما هذا البارز المنفصل المنصوب وهو إياك والآخر ضمير رفع مستكن فيه منتقل إليه من الفاعل الناصب له، فإذا أكدت إياك قلت إياك نفسك وأنت بالخيار في تأكيده بأنت قبل النفس، وإن أكدت ضمير الرفع المستكن فيه قلت إياك أنت نفسك ولا بد من تأكيده بأنت قبل النفس حينئذٍ، وأما العطف فتقول في العطف على إياك إياك وزيدًا والشر وإن شئت قلت إياك أنت وزيدًا والشر، وتقول إن عطفت على المرفوع إياك أنت وزيد ويقبح بدون تأكيد أو فاصل على ما تقدم ا. هـ. قال شيخنا والبعض: وهذا مبني على انتقال الضمير من الفعل إلى إياك ونحوه، وهو خلاف ما تقدم في الشرح في قوله: ثم حذف الفعل وفاعله وعليه فليس معنا إلا ضمير واحد. وأجاب شيخنا السيد بأن حذف الفاعل أولًا مع فعله لا ينافي عوده ثانيًا عند مجيء ما يستكن فيه وهو إياك إذ هو في وقت حذفه لم يكن وهذا كله ظاهر على ما في كثير من النسخ من رفع زيد في قوله
[ ٣ / ٢٨١ ]
إلا مَعَ العَطفِ أو التَّكرارِ كالضَّيغمِ يا ذا السَّارِي
ــ
أو معطوفًا عليه حكمه في غيره نحو: إياك نفسك أن تفعل، وإياك أنت نفسك أن تفعل، وإياك وزيدًا أن تفعل، وإياك أنت وزيدًا أن تفعل "وما سواه" أي: ما سوى ما بإيا وهو النوع الثاني من نوعي التحذير. "ستر فعله لن يلزما إلا مع العطف" سواء ذكر المحذر نحو: ماز رأسك والسيف أي: يا مازن ق رأسك واحذر السيف، أم لم يذكر نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، "أو التكرار" كذلك "كالضيغم الضيغم" أي: الأسد الأسد "يا ذا الساري" ونحو: رأسك رأسك جعلوا العطف والتكرار كالبدل من اللفظ بالفعل، فإن لم يكن عطف ولا تكرار جاز ستر العامل وإظهاره، تقول نفسك الشر أي: جنب نفسك الشر، وإن شئت أظهرت، وتقول الأسد أي: احذر الأسد، وإن شئت أظهرت. ومنه قوله:
٩٧٢- خَلِّ الطريقَ لمن يَبْنِي المَنارَ بِهِ
ــ
وإياك أنت وزيد أن تفعل أما على ما في بعضها من نصبه فالمراد بالضمير الضمير البارز فقط، وبحكمه جواز الفصل بأنت بينه وبين تأكيده ومعطوفه وترك الفصل، وحينئذٍ فلا اعتراض على الشارح أصلًا فاعرف ذلك.
قوله: "إلا مع العطف" أي: بالواو فقط كما يأتي. قوله: "سواء ذكر المحذر" بفتح الذال المعجمة. قال شيخنا: الظاهر أن مراده به المخاطب كما زمن ماز رأسك والسيف وذا الساري من الضيغم الضيغم يا ذا الساري لكن هذا خلاف ما اصطلحوا عليه من أن المحذر بفتح الذال الاسم المنصوب بفعل محذوف أو مذكور على التفصيل المعلوم من إيا أو ما جرى مجراه، وعليه قول المصنف: وكمحذر إلخ والدليل على أن مراده المخاطب أنه مثل لما لم يذكر فيه المحذر بناقة الله وسقياها مع أنه يصدق عليه أنه اسم منصوب إلخ ا. هـ. وتمثيله بقوله: كماز إلخ يشعر بأن المراد المخاطب بالنداء لا بالكاف فيكون نحو: رأسك رأسك مثالًا لما لم يذكر فيه المحذر. وقد علم من ذلك أن قول المصنف يا ذا الساري ليس تكملة بل من جملة المثال.
قوله: "أي: يا مازن ق رأسك واحذر السيف" هلا جعل تقديره كهو في إياك والشر أي: احذر تلاقي رأسك والسيف. قوله: "ناقة الله وسقياها" فيه ذكر المحذر منه مع العطف. قال البيضاوي: أي: ذروا ناقة الله وسقياها فلا تذودوها عنها. قال الشيخ: زاده في حاشيته عليه هذا إشارة إلى أن ناقة الله منصوب بعامل مضمر على التحذير وإضمار الناصب هنا واجب لمكان العطف ا. هـ. قوله: "كذلك" أي: سواء ذكر المحذر أولا. قوله: "ونحو: رأسك رأسك" فيه تنبيه على أنه قد يكتفي بذكر المحذر عن ذكر المحذر منه كعكسه.
قوله: "ومنه" أي: من الإظهار. قوله: "خل الطريق" الشاهد فيه حيث أظهر العامل؛ لأن المحذر منه وهو الطريق خال من التكرار والعطف. تصريح. والمنار بفتح الميم والنون حدود
_________________
(١) عجزه: وابُرز ببرزَةَ حيث اضطركَ القَدَرُ والبيت من البسيط، وهو لجرير في ديوانه ١/ ٢١١؛ وشرح التصريح ٢/ ١٩٥؛ والصاحبي في فقه اللغة ص١٨٦؛ والكتاب ١/ ٢٥٤؛ ولسان العرب ٥/ ٣١٠ "برز"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٧؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٧٨ والرد على النحاة ص٧٥؛ وشرح المفصل ٢/ ٣٠.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تنبيهات: الأول أجاز بعضهم إظهار العامل مع المكرر، وقال الجزولي: يقبح ولا يمتنع. الثاني: شمل قوله إلا مع العطف أو التكرار الصور الأربع المتقدمة، وكلامه في الكافية يشعر بأن الأخيرة منها -وهي رأسك رأسك- يجوز فيها إظهار العامل فإنه قال: ونحو رأسك كإياك جعل إذ الذي يحذر معطوفًا وصل وقد صرح ولده بما تقدم. الثالث: العطف في هذا الباب لا يكون إلا بالواو وكون ما بعدها مفعولًا معه جائز فإذا قلت إياك وزيدًا أن تفعل كذا صح أن تكون الواو واو مع "وشذ" التحذير بغير ضمير المخاطب نحو: "إياي" في قول عمر -﵁: لتذك لكم الأسل والرماح والسهام، وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، والأصل إياي باعدوا عن حذف الأرض ويوجد في بعض النسخ تمام البيت وهو: وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر أي: في برزة وهي الأرض الواسعة. قوله: "ونحو: رأسك كإياك جعل إلخ" يعني أن رأسك إنما يكون كإياك في وجوب ستر عامله حيث عطف عليه المحذور فمفهومه أنه حيث لم يعطف عليه لا يكون كإياك ولو حصل تكرار وهذا وجه الإشعار الذي ذكره، واعترض البعض على الشارح بأن في كلامه قصورًا؛ لأن كلام الكافية يشعر بجواز الإظهار في الثالثة أيضًا إذ ليس في كلامها تقييد بحذف المحذر أي: المخاطب ا. هـ. وأقول إذا أحسنت التأمل في كلام الكافية وجدته مشعرًا بجواز الإظهار في بعض أفراد الرابعة وبعض أفراد الثالثة لا في جميع أفرادهما؛ لأن المراد بنحو: رأسك كل ما كان التحذير فيه بذكر غير المحذر منه أولًا بقرينة قوله إذ الذي يحذر إلخ سواء ذكر المخاطب أولًا وحينئذٍ يفيد كلامها أنه إذا قيل رأسك رأسك أو رأسك رأسك يا زيد حاز إظهار العامل لعدم عطف المحذر منه والأول من أفراد الرابعة والثاني من أفراد الثالثة، ولا تعرض في كلامها منطوقًا ولا مفهومًا لحكم ما إذا قيل الضيغم الضيغم وهو من أفراد الرابعة أو الضيغم الضيغم يا ذا الساري وهو من أفراد الثالثة؛ لأن فرض كلامها فيما إذا كان التحذير بذكر غير المحذر منه أولًا والتحذير في هذين المثالين بذكر المحذر منه أولًا فلم يتم إطلاق الشارح ولا إطلاق البعض فافهم. قوله: "بما تقدم" أي: من وجوب ستر العامل في الصور الأربع. قوله: "وكون ما بعدها إلخ" وعليه فالحذف حائز لا واجب لعدم العطف قاله الدماميني. قوله: "لتذك" من التذكية. والأسل بفتح الهمزة والسين المهملة مارقّ من الحديد كالسيف والسكين. تصريح. قوله: "والأصل إياي باعدوا عن حذف الأرنب إلخ" هذا قول الجمهور وقال الزجاج: التقدير: إياي وحذف الأرنب
[ ٣ / ٢٨٣ ]
وشَذَّ إيَّاي وإيَّاهُ أَشَذّ وعن سَبيلِ القصدِ من قاسَ انْتَبَذْ
وكمُحذَّرٍ بلا إيَّا اجْعلا مُغَرًى به في كل ما قد فُصِّلا
_________________
(١) الأرنب، وباعدوا أنفسكم عن أن يحذف أحدكم الأرنب. ثم حذف من الأول المحذور ومن الثاني المحذر، ومثل إياي إيانا "وإياه" وما أشبهه من ضمائر الغيبة المنفصلة "أشذ" من إياي كما في قول بعضهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب، والتقديرك فليحذر تلاقي نفسه وأنفس الشواب، وفيه شذوذان: مجيء التحذير فيه للغائب وإضافة إيا إلى ظاهر وهو الشواب، ولا يقاس على ذلك كما أشار إلى ذلك بقوله: "وعن سبل القصد من قاس انتبذ" أي: من قاس على إياي وإياه وما أشبههما فقد حاد عن طريق الصواب ا. هـ. تنبيه: ظاهر كلام التسهيل أنه يجوز القياس على إياي وإيانا فإنه قال: ينصب محذر إياي وإيانا معطوفًا عليه المحذور فلم يصرح بشذوذ وهو خلاف ما هنا "وكمحذر بلا إيا اجعلا مغرى به في كل ما قد فصلا" من الأحكام، فلا يلزم ستر عامله إلا مع العطف، كقوله: المروءة والنجدة بتقدير الزم، أو التكرار كقوله: وإياكم أن يحذف أحدكم الأرنب فحذف من كل من الجملتين ما أثبت نظيره في الأخرى فيكون احتباكًَا كذا في السندوبي والاحتباك موجود على قول الجمهور أيضًا فتضعيف قول الجمهور بأن فيه الحذف من الأوّل لدلالة الثاني وهو قليل يجري مثله في قول الزجاج، ويزيد بأن فيه ادعاء حذف إياكم وحذفها لا يليق لما استقر لها في هذا الباب من أنها بدل من اللفظ بالفعل. قوله: "ثم حذف من الأوّل المحذور" وهو حذف الأرنب ومن الثاني المحذر وهو أنفسكم. وقول البعض تبعًا للتصريح وهو باعدوا أنفسكم فيه تساهل. قوله: "وإيا الشواب" بشين معجمة وآخره موحدة جمع شابة ويروى بسين مهملة آخره مثناة فوقية جمع سوأة. قوله: "والتقدير فليحذر تلاقي نفسه وأنفس الشواب" أي: فحذف الفعل مع فاعله ثم تلاقي ثم نفس فانفصل الضمير وانتصب وأقام إيا مقام أنفس. قوله: "وفيه شذوذان" بل ثلاثة ثالثها اجتماع حذف الفعل وحذف لام الأمر كما في التوضيح. وظهر لي رابع وهو جعل إيا محذرًا منه، ثم رأيت في الهمع خلافه حيث ذكر أن المحذر منه يكون ضمير غائب معطوفًَا على المحذر واستشهد بقول الشاعر: فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه وذكر الرضي أن المحذور منه المكرر يكون ظاهرًا نحو: الأسد الأسد وسيفك سيفك، ومضمرًا نحو: إياك إياك وإياه إياه وإياي إياي. قوله: "وإضافة إيا إلى ظاهر" يقتضي أن إيا في نحو: إياه مضافة للهاء مع أنها حرف غيبة والضمير إيا وهو غير مضاف فلعل ما ذكره قول، أو أراد بالإضافة الربط والتعلق ا. هـ سم وقد يمنع الاقتضاء وما ترجاه هو الواقع كما مر في باب الضمير. قوله: "مغري به" ولا يكون الإغراء إلا للمخاطب وقيل جاء قليلًَا للغائب نحو: فعليه بالصوم وللمتكلم نحو: عليّ زيدًا. وأول فعليه بالصوم بأن الأمر للمخاطب أي: ألزموه الصوم أو دلوه عليه مثلًَا أفاده سم أي: وكذا يؤول عليّ زيدًَا أي: ألزموني زيدًا ونحو: ذلك وسيأتي في الباب الآتي
[ ٣ / ٢٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٩٧٣- أخاكَ أخاكَ إنْ من لا أخا له كساعٍ إلى الهَيجا بغير سِلاح
وإنَّ ابنَ عمِّ المَرءِ فاعْلَمْ جَناحُهُ وهل يَنْهضُ البازي بغيرِ جَناح
أي: الزم أخاك. ويجوز إظهار العامل في نحو: الصلاة جامعة إذ الصلاة نصب على الإغراء بتقدير احضروا، وجامعة حال، فلو صرحت باحضروا جاز.
تنبيه: قد يرفع المكرر في الإغراء والتحذير كقوله:
٩٧٤- إنَّ قومًا منهم عُميرٌ وأَشْبا هُ عُميرٍ ومنهم السَّفاحُ
لجديرونَ بالوفاءِ إذا قا لَ أخو النجدَةِ السِّلاحُ السلاحُ
وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]: نصب الناقة على التحذير، وكل تحذير فهو نصب، ولو رفع على إضمار هذه لجاز فإن العرب قد ترفع ما فيه معنى التحذير ا. هـ.
خاتمة: قال في التسهيل: ألحق بالتحذير والإغراء في التزام إضمار الناصب مثل وشبهه نحو: كليهما وتمرًا. وامرأ ونفسه. والكلاب على البقر. وأحشفا وسوء كيلة. ومن
ــ
كلام آخر في قوله فعليه بالصوم. قوله: "والنجدة" بفتح النون أي: الشجاعة. قوله: "نصب على الإغراء إلخ" ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر ورفع الأول على الابتداء مع حذف الخبر أو على الخبرية لمحذوف، ونصب جامعة على الحالية ونصب الأول على الإغراء ورفع الثاني على الخبرية لمحذوف.
قوله: "قد يرفع المكرر إلخ" مثل المكرر المتعاطفان كما أشار إليه بنقل كلام الفراء. قوله: "مثل وشبهه" قال البعض: لم يمثل لشبه المثل ومثاله انتهوا خيرًا لكم ا. هـ. وفي كلام شيخنا السيد ما يرده حيث قال: قوله: وامرأ ونفسه هذا من شبه المثل كما في الدماميني وكذا عذيرك وديار الأحباب وإن تأتني فأهل الليل وأهل النهار ومرحبًا وأهلًا وسهلًا، وهذا ولا زعماتك وكل شيء ولا هذا، ثم قال: ولو أخر ذكر جميع أشباه المثل عن ذكر جميع الأمثال لكان أنسب ا. هـ ملخصًا. وذكر شيخنا أيضًا
_________________
(١) البيتان من الطويل، وهما لمسكين الدارمي في ديوانه ص٢٩؛ والأغاني ١٠/ ١٧١، ١٧٣؛ وخزانة الأدب ٣/ ٦٥، ٦٧؛ والدرر ٣/ ١١؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٢٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٩٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٥؛ ولمسكين أو لابن هرمة في فصل المقال ص٢٦٩؛ ولقيس بن عاصم في حماسة البحتري ص٢٤٥؛ ولقيس بن عاصم أو المسكين الدارمي في الحماسة البصرية ٢/ ٦٠؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٧٩؛ وتلخيص الشواهد ص٦٢؛ والخصائص ٢/ ٤٨٠؛ والدرر ٦/ ٤٤؛ وشرح شذور الذهب ص٢٨٨؛ وشرح قطر الندى ص١٣٤؛ والكتاب ١/ ٢٥٦.
(٢) البيتان من الخفيف، وهما بلا نسبة في الخصائص ٣/ ١٠٢؛ والدرر ٣/ ١١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٦؛ والهمع ١/ ١٨٠.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أنت زيدًا. وكل شيء ولا هذا. ولا شتيمة حر. وهذا ولا زعماتك. وإن تأت فأهل الليل وأهل النهار. ومرحبًا وأهلًا وسهلًا. وعذيرك وديار الأحباب بإضمار أعطني، ودع، وأرسل، وأتبيع، وتذكر، واصنع، ولا ترتكب، ولا أتوهم، وتجد، وأصبت، وأتيت، ووطئت، واحضر، واذكر. ثم قال: وربما قيل كلاهما وتمرًا. وكل شيء ولا شتيمة حر. ومن أنت أن امرأ ونفسه شبه مثل. قوله: "كليهما وتمرًا" هذا مثل وأصله أن إنسانًا خير بين شيئين فطلبهما جميعًا وطلب الزيادة عليهما ا. هـ. دماميني. قوله: "والكلاب على البقر" مثل معناه خل الناس خيرهم وشرهم واغتنم أنت طريق السلامة. قوله: "وأحشفا وسوء كيلة" بكسر الكاف كالجلسة للهيئة وهو مثل لمن يظلم الناس من وجهين. قوله: "ومن أنت زيدًا" مثل لمن يذكر عظيمًا بسوء. قوله: "بإضمار أعطني إلخ" ساق الأفعال الناصبة للمنصوبات المتقدمة على ترتيبها في الذكر السابق فأعطني ناصب كليهما وتمرًا وظاهر كلامه أن تمرًا معطوف على كليهما؛ لأنه لم يقدر له ناصبًا وقدر غيره وزدني تمرًا فيكون من عطف الجمل ودع هو ناصب امرأ وأما نفسه فيحتمل أن يكون معطوفًا وأن يكون مفعولًا معه وأرسل هو ناصب الكلاب على البقر وأتبيع ناصب حشفًا، وأما سوء كيلة فيحتمل أن يكون بتقدير وتزيد وأن يكون مفعولًا معه، وتذكر هو ناصب زيدًا واصنع هو ناصب كل شيء ولا ترتكب هو ناصب هذا من قولهم كل شيء ولا هذا ولا أتوهم هو ناصب زعماتك من قولهم هذا ولا زعماتك، وأما هذا في هذا التركيب فناصبه محذوف أي: أرضى هذا ولا أبوهم زعماتك كما قاله ابن الحاجب، ولم ينبه عليه المؤلف لجواز أنه خبر لمحذوف أو مبتدأ خبره محذوف كما قيل أي: الحق هذا أو هذا الحق. وتجد هو ناصب أهل الليل وأهل النهار أي: تجد من يقوم لك مقام أهلك في الليل والنهار وأصبت ناصب مرحبًا وأتيت ناصب أهلًا ووطئت ناصب سهلًا فعلى هذا هي ثلاث جمل وغيره جعل العامل فيها كلها واحدًا وقدره صادفت، فعلى هذا هي جملة واحدة وأحضر ناصب عذيرك قال سيبويه: أي: أحضر عذرك وقال بعضهم: التقدير: أحضر عاذرك واذكر ناصب ديار الأحباب ا. هـ. دماميني ببعض زيادة. وظاهر سكوته عن قوله ولا شتيمة حر أنه من تتمة ما قبله وأن العامل في شتيمة هو العامل في الكلمة قبلها وهو ترتكب وفي كلام شيخنا السيد تبعًا للدماميني أنه جملة منفردة فتكون شتيمة مستقلة بعامل تقديره: ترتكب، وأنه كان الأولى زيادة واو أخرى قبل قوله: ولا شتيمة حر لتكون إحدى الواوين من الحكاية والأخرى من المحكي فيفيد أن ولا شتيمة حر جملة منفردة. قال: وكذا ما سيذكره الشارح من لفظ كل شيء ولا شتيمة حر جملة أخرى منفردة ا. هـ. وقد يؤخذ من مجموع ذلك أنه قد يقال ولا شتيمة حر فقط. وقد يقال كل شيء ولا شتيمة حر والظاهر أن الأول عطف على اصنع كل شيء محذوفًا. قوله: "وربما قيل كلاهما وتمرًا" بإثبات الألف في كلاهما ونصب تمرًا فكلاهما مرفوع ويحتمل أن يكون منصوبًا على لغة من ألزمه الألف. قال شيخنا والبعض: ويترجح بسلامته من عطف الإنشاء على الخبر ا. هـ. وفي أن السلامة من ذلك ممكنة على الرفع أيضًا بأن يقدر ناصب
[ ٣ / ٢٨٦ ]
أسماء الأفعال والأصوات:
ما نابَ عن فِعل كَشتَّان وَصَهْ هو اسم فِعل وكذا أَوَّه وَمَهْ
_________________
(١) زيد، أي: كلاهما لي. وزدني، وكل شيء أمم ولا ترتكب. ومن أنت كلامك زيد أو ذكرك. والله أعلم. أسماء الأفعال والأصوات: "ما ناب عن فعل" في العمل ولم يتأثر بالعوامل ولم يكن فضلة "كشتان وصه هو اسم فعل وكذا أوه ومه" فما ناب عن فعل جنس يشمل اسم الفعل وغيره مما ينوب عن تمرًا أطلب أو آخذ أو أستزيد مثلًا وإن كان خلاف تقدير الشارح. قوله: "وكل شيء" برفع كل كما قاله شيخنا وغيره. قوله: "أمم" بفتحتين أي: سهل يسير. قوله: "كلامك زيد" أي: متكلمك الذي تتكلم فيه. وقوله أو ذكرك أي: مذكورك. أسماء الأفعال والأصوات: أي: وأسماء الأصوات كما سيصرح به الشارح، وصرح جماعة بأنها ليست أسماء بل ليست كلمات لعدم صدق حد الكلمة عليها؛ لأنها ليست دالة بالوضع على معنى لتوقف الدلالة على علم المخاطب بما وضعت له والمخاطب بالأصوات مما لا يعقل. وأجاب القائلون بأنها أسماء بأن الدلالة كون اللفظ بحيث متى أطلق فهم منه العالم بالوضع معناه وهذه كذلك ولم يقل أحد إن حقيقة الدلالة كون اللفظ يخاطب به من يعقل. قوله: "ما ناب عن فعل" أي: اسم ناب عن فعل بدليل الترجمة فالحروف خارجة عن الحد فلا حاجة إلى زيادة ما يخرجها كما فعله الشارح. والنيابة عن الفعل فسرها ابن المصنف بما يخرج المصدر فلا حاجة إلى زيادة ما يخرجه ا. هـ. سم. وقوله: فسرها ابن المصنف بما يخرج المصدر إلخ عبارة ابن الناظم أسماء الأفعال ألفاظ نابت عن الأفعال معنى واستعمالًا كشتان بمعنى افترق وصه بمعنى اسكت وأوّه بمعنى أتوجع ومه بمعنى أكفف واستعمالها كاستعمال الأفعال من كونها عاملة غير معمولة بخلاف المصادر الآتية بدلًا من اللفظ بالفعل فإنها وإن كانت كالأفعال في المعنى فليست مثلها في الاستعمال لتأثرها بالعوامل ا. هـ. ومنه يعلم فساد قول البعض المراد بالنيابة عن الفعل النيابة عنه في المعنى والعمل فلا حاجة إلى زيادة ما يخرج المصدر ا. هـ. وذلك لأن النيابة عن الفعل في المعنى والعمل حاصلة للمصادر المذكورة كما عرفت فكيف تخرج بالنيابة عن الفعل في المعنى والعمل والله الموفق. ثم قول ابن الناظم: كاستعمال الأفعال من كونها عاملة غير معمولة. قال شيخ الإسلام: زكريا أي: غير معمولة للاسم والفعل وإلا فالأفعال تكون معمولة للحرف الناصب أو الجازم ا. هـ. ويرد عليه أنها تكون معمولة للاسم الجازم أيضًا إلا أن يقال عمله فيها لا لذاته بل لتضمنه معنى الحرف وهو أن. قوله: "هو اسم فعل" فائدة وضعه وعدم الاستغناء عنه بمسماه قصد المبالغة فإن القائل أف كأنه قال أتضجر كثيرًا جدا، والقائل هيهات كأنه قال بعد جدا كما قاله ابن السراج أفاده سم.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الفعل، والقيد الأول. وهو لم يتأثر بالعوامل. فصل يخرج المصدر الواقع بدلًا من اللفظ بالفعل واسم الفاعل ونحوهما. والقيد الثاني -وهو ولم يكن فضلة- لإخراج الحروف: فقد بان لك أن قوله: كشتان تتميم للحد، فشتان ينوب عن افترق، وصه ينوب عن اسكت، وأوه عن أتوجع، ومع عن انكفف، وكلها لا تتأثر بالعوامل وليست فضلات لاستقلالها. تنبيهان: الأول كون هذه الألفاظ أسماء حقيقة هو الصحيح الذي عليه جمهور البصريين. وقال بعض البصريين: إنها أفعال استعملت استعمال الأسماء. وذهب الكوفيون إلى أنها أفعال حقيقة. وعلى الصحيح فالأرجح أن مدلولها لفظ الفعل لا الحدث والزمان بل قوله: "وكذا أوه" فيه لغات منها ما اشتهر من قولهم آه وأه كما في المرادي. قوله: "يخرج المصدر الواقع بدلًا من اللفظ بالفعل" نحو: ضربا زيدًا واسم الفاعل نحو: أقائم الزيدان ونحوهما مما يعمل الفعل فإن العوامل اللفظية والمعنوية تدخل عليها فتعمل فيها ألا ترى أن ضربًا منصوب بما ناب عنه وهو اضرب وقائم مرفوع بالابتداء ا. هـ. تصريح. قوله: "لإخراج الحروف" كإن وأخواتها. قوله: "فقد بان لك" أي: من احتياج قوله: ما ناب عن فعل إلى ما يخرج الحروف ونحو: المصدر النائب عن فعله لكن جعل قوله: كشتان وصه تتميمًا للتعريف إنما هو بقطع النظر عن زيادة الشارح القيدين السابقين فلو أخرج الشارح الحروف ونحو: المصدر المذكور بقول المصنف: كشتان وصه ثم قال: فبان لك إلخ لكان أوضح. قوله: "ومه عن انكفف" كذا في بعض النسخ وفي بعضها عن اكفف وهي إنما تصح على ما قيل أنه سمع في اكفف التعدي وعدمه مع أنه قد يفسر اللازم بالمتعدي وعكسه. قوله: "كون هذه الألفاظ إلخ" جملة الأقوال سبعة. قوله: "هو الصحيح" بدليل أن منها ما هو على حرفين أصالة كصه وأنها لا يتصل بها ضمائر الرفع البارزة وأن منها ما يخالف أوزان الأفعال نحو: نزال وقرقار وأن الطلبي منها لا تلحقه نون توكيد سم. قوله: "استعملت استعمال الأسماء" أي: من حيث إنها تنوّن تارة ولا تنوّن تارة أخرى ومن حيث أنها لا تتصل بها ضمائر الرفع البارزة ومن حيث أن الطلبي منها لا تلحقه نون توكيد ونحو: ذلك. قوله: "وذهب الكوفيون إلى أنها أفعال" أي: لدلالتها على الحدث والزمان همع. قوله: "حقيقة" قال البعض: أي: لم تستعمل استعمال الأسماء وليس المراد بالحقيقة ما قابل المجاز ا. هـ. وأنت خبير بأن هذا يؤدي إلى أن قول الكوفيين محض مكابرة وكيف ينكر أحد أنها استعملت استعمال الأسماء فيما مر. والأولى عندي أن مذهب بعض البصريين ومذهب الكوفيين واحد وأن الاختلاف بينهما ليس إلا في العبارة. قوله: "وعلى الصحيح إلخ" كان المناسب تأخيره عن القولين الأخيرين الآتيين أو تقديمه على قوله وقال بعض البصريين إلخ كما هو الظاهر للمتأمل. قوله: "لفظ الفعل" أي: من حيث هو دال على المعنى الموضوع هو له لا من حيث كونه مطلق لفظ، فآمين مثلًا مسمى به الفعل الذي هو استجب لا من حيث كونه لفظًا من الألفاظ بل من
[ ٣ / ٢٨٨ ]
وما بِمعنَى افعل كآمينَ كَثُرْ وغيرُهُ كَوَي وهيهاتَ نَزُرْ
_________________
(١) تدل على ما يدل على الحدث والزمان كما أفهمه كلامه. وقيل إنها تدل على الحدث والزمان كالفعل لكن بالوضع لا بأصل الصيغة. وقيل مدلولها المصادر. وقيل ما سبق استعماله في ظرف أو مصدر باق على اسميته كرويد زيدًا ودونك زيدًا، وما عداه فعل كنزال وصه. وقيل هي قسم برأسه يسمى خالفه الفعل. الثاني ذهب كثر من النحوين منهم الأخفش إلى أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب، وهو مذهب المصنف، ونسبه بعضهم إلى الجمهور. وذهب المازني ومن وافقه إلى أنها في موضع نصب بمضمر، ونقل عن سيبويه وعن الفارسي القولان. وذهب بعض النحاة إلى أنها في موضع رفع بالابتداء وأغناها مرفوعها عن الخبر كما أغنى في نحو: أقائم الزيدان "وما بمعنى افعل كآمين حيث كونه لفظًا دالا على طلب الاستجابة. دماميني. قوله: "كما أفهمه كلامه" أي: حيث قال هو اسم فعل. قوله: "وقيل إنها تدل على الحدث والزمان كالفعل" أي: فهي أسماء بمعنى الأفعال وفي قول الرضي لا يفهم منها أي: أسماء الأفعال لفظ الفعل بل معناه ميل إلى هذا القول. قوله: "لكن بالوضع" يعني المادة كالصبوح ولو عبر بها لكان أوضح. وقوله: لا بأصل الصيغة بهذا تميز اسم الفعل من الفعل على هذا القول فإن دلالته على الحدث بالمادة وعلى الزمان بالصيغة وإضافة أصل إلى الصيغة للبيان، ولو قال لا بالمادة والصيغة لكان أحسن إذ لا قائل في الفعل بأنه يدل على الحدث والزمان بالصيغة حتى يتوهم ذلك في اسم الفعل فيحتاج إلى نفيه ويمكن إرجاع قوله: لكن إلخ إلى الزمان فقط فلا يرد ما ذكر. قوله: "وقيل مدلولها المصادر" أي: النائبة عن أفعالها كما في الفارضي وغيره، ويظهر أن في الكلام حذف مضاف أي: قيل مدلولها مدلول المصادر وإنما بنيت على هذا القول مع إعراب تلك المصادر لما قاله المرادي من أنه دخلها معنى الأمر والمضي والاستقبال التي هي من معاني الحروف، وعليه فالمراد بالأفعال في قولهم أسماء الأفعال الأفعال اللغوية التي هي المصادر كما نقله شيخنا السيد عن الارتشاف. قوله: "كرويد زيدًا إلخ" نشر على تشويش اللف. قوله: "خالفة الفعل" أي: خليفته ونائبه في الدلالة على معناه. قوله: "الثاني إلخ" هذا الخلاف مبني على الخلاف الأول فعلى القول بأنها أفعال حقيقة أو أسماء لألفاظ الأفعال لا موضع لها من الإعراب وعلى القول بأنها أسماء لمعان الأفعال موضعها رفع بالابتداء وأغنى مرفوعها عن الخبر، وعلى القول بأنها أسماء للمصادر النائبة عن الأفعال موضعها نصب بأفعالها النائبة هي عنها كذا في التصريح والفارضي، ولم يظهر وجه بناء القول بأنها في موضع رفع بالابتداء أغنى مرفوعها عن الخبر على القول بأنها أسماء لمعاني الأفعال كالأفعال بل يظهر أنها عليه لا موضع لها كالأفعال فتأمل. قوله: "وذهب المازني إلخ" ظاهر هذا وما بعده جريانهما في عليك وإليك سم. قوله: "وذهب بعض النحاة إلخ" يحتاج صاحب هذا القول إلى أنه لا يلزم شرط الاعتماد
[ ٣ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كثر" ما موصول مبتدأ وما بعده صلته وكثر خبره أي: ورود اسم الفعل بمعنى الأمر كثير، من ذلك آمين بمعنى استجب، وصه بمعنى اسكت، ومه بمعنى انكفف، وتيد وتيدخ بمعنى أمهل، وهيت وهيا بمعنى أسرع، وويها بمعنى أغر، وإيه بمعنى امض في حديثك، وحيهل بمعنى ائت أو أقبل أو عجل، ومنه باب نزال وقد مر أنه مقيس من الثلاثي، وأن قرقار بمعنى قرقر وعرعار بمعنى عرعر شاذ. تنبيه: في آمين لغتان: أمين بالقصر على وزن فعيل، وآمين بالمد على وزن فاعيل، كما في الوصف قال الشيخ يس وعليه فما الفرق. قوله: "كثر" لأن الأمر كثيرًا ما يكتفى فيه بالإشارة عن النطق فكيف لا يكتفى بلفظ قائم مقامه ولا كذلك الخبر. تصريح. أي: فالخبر لم يكثر فيه ذلك وإن وجد فيه كالاكتفاء بالإشارة بالرأس عن نعم أو لا. قوله: "وتيد" بفوقية مفتوحة فتحتية ساكنة فدال مهملة قال أبو علي من التؤدة فأبدلت الهمزة ياء. دماميني. قوله: "وتيدخ" بالخاء المعجمة. قوله: "بمعنى أمهل" راجع للكلمتين قبله وفي القاموس أن تيد تأتي بمعنى اتئد أيضًا. قوله: "وهيت" بفتح التاء وكسرها وضمها وقد قرئ قوله تعالى هيت لك بالأوجه الثلاثة ا. هـ. همع واللام بعدها للتبيين والمعنى إرادتي أو أعني لك ولا تتعلق بهيت دماميني. قوله: "وهيا" بفتح الهاء وكسرها مع تشديد الياء فيهما همع. قوله: "بمعنى أسرع" راجع للكلمتين قبله. قوله: "وويها" بالتنوين لزومًا كما في الفارضي وسيأتي عند قول المصنف واحكم بتنكير الذي ينون إلخ. قوله: "بمعنى أغر" بقطع الهمزة؛ لأنه من أغريت. قوله: "وايه" بكسر الهمزة والهاء وفتحها وتنون المكسورة ا. هـ. قاموس. وأما أيها بفتح الهاء مع التنوين لزومًا فبمعنى انكفف كما في الهمع وجعله في القاموس أمرًا بالسكوت فلعل قول الهمع بمعنى انكفف أي: عن الكلام. قوله: "بمعنى امض في حديثك" هو كقول جماعة بمعنى زدني أي: من حديثك وهمزة امض وصل كما هو ظاهر. قوله: "وحيهل" وقالوا حيهلًا بالتنوين وحيهلا بالألف بلا تنوين وهي مركبة من حي بمعنى أقبل وهل التي للحث والعجلة لا التي للاستفهام فجعلتا كلمة واحدة مبنية على الفتح في الكثير كخمسة عشر كذا في الفارضي. وذكر بعضهم أن لام حيهل تسكن وتفتح وأن هاء حيهلًا بالتنوين وحيهلا بالألف تفتح وتسكن وأن الألف بدل التنوين وقفًا وأنها قد تثبت وصلًا. قوله: "بمعنى ائت إلخ" هو بمعنى الأول متعد بنفسه وبمعنى الثاني متعد بعلى وبمعنى الثالث متعد بالباء أو بإلى ا. هـ. زكريا. وقد تفرد حي من هل فيستعمل بمعنى أقبل ويعدى بعلى وبمعنى ائت ويعدى بنفسه كما في الدماميني. قوله: "ومن باب نزال" أي: من اسم فعل الأمر. وقوله من الثلاثي أي: التام المتصرف كما مر. وقرقر بمعنى صوت وعرعر بمعنى العب. قوله: "في آمين لغتان" أي: آمين المتكلم عليها التي هي اسم فعل وأما آمين بالمد وتشديد
[ ٣ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكلتاهما مسموعة، فمن الأولى قوله:
٩٧٥- تَباعَدَ مِنِّي فَطَحْلٌ وابنُ أمهِ أمينَ فزادَ اللهُ ما بيننا بُعدا
ومن الثانية قوله:
٩٧٦- ويَرحمُ اللهُ عبدًا قالَ آمينا
وعلى هذه اللغة فقيل إنه عجمي معرب؛ لأنه ليس في كلام العرب فاعيل، وقيل أصله أمين بالقصر فأشبعت فتحة الهمزة فتولدت الألف كما في قوله:
٩٧٧- أقولُ إذ خرَّتْ على الكَلكالِ
قال ابن إياز: وهذا أولى "وغيره كوي وهيهات نزر" أي: غير ما هو من هذه الأسماء بمعنى فعل الأمر قل، وذلك ما هو بمعنى الماضي كشتان بمعنى افترق وهيهات بمعنى بعد،
ــ
الميم فليست لغة في آمين المذكورة حتى ترد عليه بل هي كلمة أخرى؛ لأنها جمع آمّ بمعنى قاصد. قوله: "وآمين بالمد" مع الإمالة وعدمها فاللغات تفصيلًا ثلاث. قوله: "أقول إذ خرت على الكلكال" أي: سقطت. قال في القاموس الكلكل والكلكال الصدر أو ما بين الترقوتين ا. هـ. قيل الشاهد في الكلكال فإن أصله الكلكل. واعترض بأن ظاهر القاموس أن كلا أصل ولذا قيل إن آقول بإشباع الهمزة وتوليد الألف والشاهد فيه ولا يخفى أن ثبوت هذا يحتاج إلى نقل صحيح وأما الاعتراض المذكور فيدفع بأن شأن أهل اللغة ذكر لغات الكلمة وإن كان بعضها فرعًا عن بعض فتأمل. قوله: "بمعنى افترق" كذا أطلقه الجمهور وقيده الزمخشري بكون الافتراق في المعاني والأحوال كالعلم والجهل والصحة والسقم فلا تستعمل في غير ذلك فلا يقال شتان الخصمان عن مجلس الحكم ويطلب فاعلًا دالا على اثنين نحو: شتان الزيدان وقد تزاد ما بينهما فيقال شتان ما زيد وعمرو وقد تزاد ما بين بينهما كقوله:
فشتان ما بين اليزيدين في الندى
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لجبير بن الأضبط في تهذيب إصلاح المنطق ٢/ ٤٢؛ وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص١٧٩؛ وشرح شذور الذهب ص١٥٢؛ وشرح المفصل ٤/ ٣٤؛ ولسان العرب ١١/ ٥١٨ "فحطل"، ١١/ ٥٢٨ "فطحل"، ١٣/ ٢٧ "أمن".
(٢) صدره: يا ربِّ لا تَسلُبني حُبَّها أَبدًا والبيت من البسيط، وهو للمجنون في ديوانه ص٢١٩، ولعمرو بن أبي ربيعة في لسان العرب ١٣/ ٢٧ "أمن" وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص١٧٩؛ وإنباه الرواة ٣/ ٢٨٢؛ وشرح المفصل ٤/ ٣٤؛ وشرح شذور الذهب ص١٥١.
(٣) الرجز بلا نسبة في الإنصاف ص٢٥؛ والجنى الداني ص١٧٨؛ ورصف المباني ص١٢؛ ولسان العرب ١١/ ٥٩٦ "كلل"؛ والمحتسب ١/ ١٦٦.
[ ٣ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وما هو بمعنى المضارع كأوه بمعنى أتوجع وأف بمعنى أتضجر، ووا ووي وواها بمعنى أعجب؛ كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: أي: اعجب لعدم فلاح الكافرين وقول الشاعر:
٩٧٨- وا بأبِي أنتِ وفوكِ الأَشَنْبُ
ــ
ولم تجعل ما موصولة على معنى افترق الحالتان اللتان بينهما؛ لأنه لا يقال بين زيد وعمرو حالتان على معنى أن إحداهما مختصة بأحدهما والأخرى بالآخر، بل لا يقال إلا إذا كانا مشتركين في الحالتين فلو فسرنا قوله: شتان ما بين اليزيدين بمعنى افترق الحالتان اللتان بينهما لكانا مشتركين في كل واحدة وهو ضد المقصود وخرّج بعضهم ذلك على أن شتان بمعنى بعد؛ لأنه لا يستلزم اثنين وما واقعة على المسافة أفاده الدماميني قال في شرح الشذور: وأما قول بعض المحدثين:
جاز يتموني بالوصال قطيعة شتان بين صنيعكم وصنيعي
فلم تستعمله العرب وقد يخرج على إضمار ما موصولة ببين ا. هـ. وذهب الأصمعي إلى أن شتان مثنى شت بمعنى مفترق وهو خبر لما بعده واحتج بأمرين: أحدهما كسر نونه في لغة. والثاني أن المرفوع بعده لا يكون إلا مثنى أو بمعناه ولا يكون جمعًا ولو كان بمعنى افترق لجاز كون فاعله جمعًا، ورد مذهبه بشيئين: أحدهما فتح نونه في اللغة الفصحى والثاني أنه لو كان خبرًا لجاز تأخره عن المبتدأ ولم يسمع كذا في الدماميني. قوله: "وهيهات بمعنى بعد" فإذا وقع بعدها لام كانت زائدة كما في قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ . قوله: "وما هو بمعنى المضارع" لم يثبته ابن الحاجب وعليه فأف بمعنى تضجرت وأوه توجعت وهكذا كما قاله الجامي والإنصاف أن المذهبين محتملان. قوله: "كأوه" فيها لغات أشهرهما فتح الهمزة وتشديد الواو وسكون الهاء، ومنها أوه بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الهاء وآه بقلب الواو ألفًا وآوه بفتح الهمزة ممدودة وكسر الواو مشددة ومخففة وسكون الهاء وأوه بفتح الهمزة وفتح الواو المشددة وكسر الهاء وقد تمد الهمزة في هذه كذا في الدماميني.
قوله: "وأف" ذكر صاحب القاموس فيها أربعين لغة منها تثليث الفاء المشددة مع التنوين وعدمه وأف بتثليث الهمزة مع سكون الفاء وألف بضم الهمزة وتخفيف الفاء مثلثة مع التنوين وعدمه، وأف بضم الهمزة وكسرها مع تثليث الفاء مشددة وأفى كحبلى وذكرى وإفى بكسر الهمزة والفاء مشددة وبفتح الهمزة. قوله: "أي: أعجب لعدم فلاح الكافرين" أشار إلى أن وي بمعنى أعجب، وأن الكاف بمعنى لام التعليل وأن أن مصدرية مؤكدة. وحاصل ما ذكره الشارح في وي كأن أربعة أقوال. قوله: "وا بأبي إلخ" خبر مقدم وأنت بكسر التاء مبتدأ مؤخر أي: أنت
_________________
(١) الرجز لراجز من بني تميم في الدرر ٥/ ٣٠٤؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٨٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٠؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٨٣؛ وجمهرة اللغة ص٣٤٥، ١٢١٨؛ والجنى الداني ص٤٩٨؛ وجواهر الأدب ص٢٨٧؛ وشرح التصريح ٢/ ١٩٧؛ وشرح قطر الندى ص٢٥٧؛ ولسان العرب ١/ ٤٤٨ "زرنب"؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٦٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠٦.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقول الآخر:
٩٧٩- واهًا لسَلْمى ثُمّ واهًا واها
تنبيهان: الأول تلحق وي كاف الخطاب كقوله:
٩٨٠- ولقد شَفا نَفْسي وأَبْرَأَ سُقْمَها قِيل الفوارسِ ويكَ عَنترَ أَقْدِمِ
قيل والآية المذكورة وقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٨٢] من ذلك. وذهب أبو عمرو بن العلاء إلى أن الأصل ويلك فحذفت اللام لكثرة
ــ
مفداة بأبي وفوك مبتدأ والأشنب صفته من الشنب وهو حدة الأسنان وقيل البرودة والعذوبة والخبر قوله: كأنما ذر عليه الزرنب وهو نبت طيب الرائحة.
قوله: "قيل الفوارس" أي: قول الفوارس ويروى هكذا وهو الأصح وقد تنازع فيه شفي وأبرأ فأعمل الثاني وأضمر في الأول وعنتر منادى مرخم أصله يا عنترة وأقدم أمر من قدم يقدم بالضم فيهما كذا في بعض نسخ العيني، وفيه أن قدم يقدم بالضم فيهما ضد حدث يحدث، وهو لا يناسب هنا، ولو قال من قدم يقدم كنصر ينصر بمعنى تقدم كما في القاموس لناسب هنا ولا مانع من قراءته أقدم بقطع الهمزة وكسر الدال من الإقدام كما في بعض آخر من نسخ العيني وهو الشجاعة والتقدم، بل هذا أوفق بالوزن إلا أن تثبت الرواية بخلافه.
والشاهد في ويك حيث ألحق بوي بمعنى أعجب كاف الخطاب والمعنى كلّ فارس أعجب من شجاعتك يا عنترة، فقول البعض الظاهر أن الأصل في البيت ويلك ولا يظهر كونه فيه اسم فعل ممنوع. وقد ذكر العيني أن الكسائي استشهد به على أن ويك مختصر ويلك والكاف مجرورة بالإضافة، وأنه أجيب عن استشهاده بأن وي بمعنى أعجب والكاف للخطاب. قوله: "من ذلك" وعليه ففتح همزة أن لإضمار اللام قبلها كما في المغني عن أبي الحسن الأخفش أو لكونها معمولة لمحذوف تقديره: اعلم كما يؤخذ من التصريح. وقد يجعل قول الشارح وفتح أن إلخ راجعًا لهذا القول أيضًا. واعلم في كلامه بصيغة الأمر على الأظهر.
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٦٨؛ وله أو لأبي النجم في المقاصد النحوية ١/ ١٢٣، ٣/ ٦٣٦؛ ولأبي النجم في شرح التصريح ٢/ ١٩٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٢٩؛ وشرح المفصل ٤/ ٧٢؛ ولسان العرب ١٣/ ٥٦٣ "ويه"، ١٤/ ٣٤٥ "روي"؛ وله أو لرجل من بني الحارث في خزانة الأدب ٧/ ٤٥٥؛ وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/ ٧٨٦؛ وشرح عمدة الحافظ ص٩٦٧؛ وشرح قطر الندى ص٢٥٧؛ اللامات ص١٢٥، ومجالس ثعلب ٢٧٥؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٦٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣١١.
(٢) البيت من الكامل، وهو لعنترة في ديوانه ص٢١٩؛ والجنى الداني ص٣٥٣؛ وخزانة الأدب ٦/ ٤٠٦، ٤٠٨، ٤٢١؛ وشرح شواهد المغني ص٤٨١، ٧٨٧؛ وشرح المفصل ٤/ ٧٧؛ والصاحبي في فقه اللغة ص١٧٧؛ ولسان العرب ١٥/ ٤١٨ "ويا"؛ والمحتسب ١/ ١٦، ٢/ ٥٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٨؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ص٣٦٩.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاستعمال وفتح أن بفعل مضمر كأنه قال: ويك اعلم أن. وقال قطرب: قبلها لام مضمر والتقدير: ويك لأن والصحيح الأول. قال سيبويه: سألت الخليل عن الآيتين فزعم أنها وي مفصولة من كأن، ويدل على ما قاله قول الشاعر:
٩٨١- وَي كأنْ من يَكُنْ له نَشَبٌ يُحْـ ـبَبْ ومن يفتَقِرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ
الثاني ما ذكره في هيهات هو المشهور. وذهب أبو إسحاق إلى أنها اسم بمعنى البعد، وأنها في موضع رفع في قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]،
ــ
قوله: "وقال قطرب إلخ" لم يتعرض الشارح لكون ويك على قول قطرب اسم فعل بمعنى أعجب لحقه كاف الخطاب، أو مختصر ويلك فالكاف اسم مضاف إليه ويل، ولعل الثاني أقرب وفي كلام البعض على قول الشارح أي: أعجب لعدم فلاح الكافرين الجزم بالثاني فعليك بالتثبت. قوله: "والصحيح الأول" أي: كون وي اسم فعل بمعنى أعجب والكاف للتعليل بقرينة تقويته بكلام سيبويه فإن هذا المذهب مذهبه ومذهب الخليل كما في التصريح؛ ولأن كلام سيبويه إنما يدل لهذا القول؛ لأن الكاف إنما تكون مفصولة من وي إذا كانت للتعليل بخلاف ما إذا كانت حرف خطاب أو اسمًا مضافًا إليه كذا قال شيخنا. قال البعض: وقد يقال كون الكاف مفصولة من وي لا يعين كونها تعليلية لاحتمال أن يكون كأن للتحقيق فلا ينهض فصلها مصححًا للأول ا. هـ. ملخصًا. ولك دفعه
بأن التعيين إضافي بالنسبة لبقية الأقوال المتقدمة فينهض فصل الكاف مصححًا للأول على ما عداه من تلك الأقوال، فلا ينافي احتمال أن كأن للتحقيق وما أبداه شيخنا وتبعه البعض من احتمال أن قصد الشارح حكاية قول آخر يرده أمران:
الأول ما مر عن التصريح أن القول الأول مذهب سيبويه والخليل، الثاني أن ما نقله عن سيبويه لا يقابل القول الأول فكيف يكون قولًا آخر مقابلًا للأقوال المتقدمة. نعم نقل في المغني عن الخليل خلاف ما نقله عن المصرّح وعبارته وقال الخليل: وي حدها وكأن للتحقيق فاعرف ذلك.
قوله: "ويدل على ما قاله إلخ" فيه أن المذاهب المتقدمة في الآيتين واحتمال التحقيق متأتية في البيت أيضًا غاية الأمر أن النون فيه مخففة من تثقيل فلا دلالة فيه على ما صححه. واسم أن أو كأن في البيت ضمير الشأن والخبر جملة من يكن إلخ والنشب بفتح النون والشين المعجمة المال. قوله: "وأنها في موضع رفع إلخ" واللام على هذا أصلية أي: البعد ثابت للذي توعدونه ولم أرَ من علل البناء على هذا القول ويظهر لي أنه تضمن معنى حرف التعريف. قوله:
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو لزيد بن عمرو بن نفيل في خزانة الأدب ٦/ ٤٠٤، ٤٠٨، ٤١٠؛ والدرر ٥/ ٣٠٥؛ وذيل سمط اللآلي ص١٠٣؛ والكتاب ٢/ ١٥٥؛ ولنبيه بن الحجاج في الأغاني ١٧/ ٢٠٥؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١١؛ ولسان العرب ١٥/ ٤٩٠ "وا"، ١٥/ ٤١٨ "ويا"؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص٣٥٣؛ والخصائص ٣/ ٤١، ١٦٩؛ وشرح المفصل ٤/ ٧٦؛ ومجالس ثعلب ١/ ٣٨٩؛ والمحتسب ٢/ ١٥٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠٦.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
والفِعْلُ من أَسمائِهِ عَليكَا وهكذا دونكَ مع إلَيْكا
_________________
(١) وذهب المبرد إلى أنها ظرف غير متمكن وبني لإبهامه، وتأويله عنده في البعد، ويفتح الحجازيون تاء هيهات ويقفون بالهاء، ويكسرها تميم ويقفون بالتاء، وبعضهم يضمها، وإذا ضمت فمذهب أبي علي أنها تكتب بالتاء ومذهب ابن جني أنها تكتب بالهاء. وحكى الصغاني فيها ستًا وثلاثين لغة: هيهاه وأيهاه وهيهات وأيهات وهيهان وأيهان، وكل واحدة من هذه الست مضمومة الآخر ومفتوحته ومكسورته، وكل واحدة منونة وغير منونة فتلك ست وثلاثون. وحكى غيره هياك وأيهاك، وأيهاء وإيهاه وهيهاء وهيهاه ا. هـ. "والفعل من أسمائه عليكا وهكذا دونك مع إليكا" الفعل مبتدأ ومن أسمائه عليك جملة اسمية في موضع الخبر. ودونك أيضًا مبتدأ خبره هكذا. يعني أن اسم الفعل على ضربين: أحدهما ما "غير متمكن" أي: غير منصرف كما قاله شيخنا والبعض ويحتمل أن مراده بغير المتمكن غير المعرب كما هو اصطلاحهم. قوله: "وبنى لإبهامه" أورد عليه شيخنا أن الإبهام لا يقتضي البناء نعم قالوا المبهم المضاف لمبني يجوز بناؤه. قوله: "وتأويله" أي: معناه عنده في البعد فهو خبر مقدم وما توعدون مبتدأ مؤخر واللام زائدة أي: ما توعدون كائن في البعد أي: متلبس به. قوله: "ويفتح الحجازيون إلخ" قال بعضهم: إن المفتوحة التاء مفردة وأصلها هيهية كزلزلة قلبت الياء الأخيرة ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها والتاء للتأنيث فالوقف عليها بالهاء، وأما المكسورة التاء فجمع كمسلمات فالوقف عليها بالتاء وكان القياس هيهات؛ لأن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها إلا أنهم حذفوا الألف المنقلبة عن الياء لكون الكلمة غير متمكنة كما حذفوا ألف هذا وياء الذي في التثنية للفرق بين المتمكن وغيره. وأما المضمومة التاء فتحتمل الإفراد والجمع فيجوز الوقف عليها بالهاء والتاء، قال الرضي: وهذا تخمين ولا مانع من كون الألف والتاء زائدتين في جميع الأحوال ولا كون الزائد التاء فقط وأصلها هيهية في جميع الأحوال، وإنما وقف عليها في هذا الوجه بالتاء كما هو الأكثر تنبيهًا على التحاقها بقسم الأفعال من حيث المعنى فكان تاؤها مثل تاء قامت، وهذا الوجه أولى كذا في الدماميني ولعل وجه الوقف عليها بالهاء على أول احتمالي الرضي الفرق بين زيادة الألف والتاء في المتمكن وزيادتهما في غيره. قوله: "وحكى غيره" أي: زيادة على ما ذكره الصغاني فجملة اللغات اثنتان وأربعون. قوله: "وأيهاء" أي: بالمد وأيهاه أي: بهاء السكت الساكنة كاللغة الأخيرة وبذلك غايرًا أيهاه وهيهاه المعدودتين في اللغات السابقة فإن الهاء فيهما للتأنيث بدل عن التاء ومحركة. وقوله وهيهاء أي: بالمد أيضًا ولم يبين الشارح حركة الآخر على الثلاث الأول والخامسة من هذه اللغات الست ولعلها الفتحة. وزاد في القاموس ثلاث عشرة أخرى هايهات وآيهات وهايهان وآيهان بزيادة ألف بين الهاء أو الهمزة والياء المكسورة لالتقاء الساكنين مثلثات الآخر وأيآت بإبدال الهاءين همزتين. قوله: "والفعل" أي: فعل الأمر. قوله: "يعني أن اسم الفعل إلخ" اعلم أن كلامهم في تقسيم اسم الفعل إلى مرتجل ومنقول يدل على أن اسم الفعل مجموع الجار والمجرور وكلامهم على موضع
[ ٣ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وضع من أول الأمر كذلك كشتان وصه، والثاني ما نقل عن غيره وهو نوعان: الأول منقول عن ظرف أو جار ومجرور نحو: عليك بمعنى الزم ومنه عليكم أنفسكم أي: الزموا شأن أنفسكم، ودونك زيدًا بمعنى خذه ومكانك بمعنى اثبت، وأمامك بمعنى تقدم، ووراءك بمعنى تأخر، وإليك بمعنى تنح. الكاف من الإعراب يخالف هذا ويقتضي أن اسم الفعل هو الجار فقط ا. هـ. يس وتوقف البعض في دلالة كلامهم في التقسيم على ما سبق وهو توقف في غير محله بعد قولهم منقول من ظرف أو جار ومجرور. قوله: "ما وضع من أول الأمر كذلك" أي: اسم فعل. قوله: "نحو: عليك بمعنى الزم" وقد يتعدى بالباء نحو: عليك بذات الدين فيكون بمعنى فعل مناسب متعد بها. وصرح الرضي بأن الباء في مثله زائدة قال، والباء تزاد كثيرًا في مفعول أسماء الأفعال لضعفها في العمل ا. هـ. دماميني. قوله: "ومنه عليكم أنفسكم" قيل ومنه عليكم في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، والوقف على قوله: ربكم والذي أحوج القائل إلى ذلك إشكال ظاهر الآية؛ لأن أن إن جعلت مصدرية بدلًا من ما أو من العائد المحذوف ورد أن المحرم الإشراك لا نفيه، وأن الأوامر الآتية بعد ذلك معطوفة على لا تشركوا وفيه عطف الطلب على الخبر، وجعل المأمور به محرمًا فيحتاج إلى تكلفات مثل جعل لا زائدة وعطف الأوامر على المحرم باعتبار حرمة أضدادها وتضمين الخبر معنى الطلب، وإن جعلت أن مفسرة على أن لا ناهية أشكل عطف الأوامر المذكورة على النهي؛ لأنها لا تصلح بيانًا للمحرم بل الواجب وعطف أن هذا صراطي مستقيمًا على أن لا تشركوا إذ لا معنى لعطفه على أن المفسرة والفعل، واختار الزمخشري كونها مفسرة لقرينة عطف الأوامر، وأجاب عن الأول بأن عطف الأوامر على النهي باعتبار لوازمها من النهي عن أضدادها والثاني بمنع عطف أن هذا صراطي مستقيمًا على أن لا تشركوا، بل هو تعليل لاتبعوا على حذف اللام وجاز عود ضمير اتبعوه إلى الصراط لتقدمه في اللفظ. فإن قيل فعلى هذا يكون اتبعوه عطفًا على لا تشركوا ويصير التقدير: فاتبعوا صراطي؛ لأنه مستقيم وفيه جمع بين حرفي عطف الواو والفاء وليس بمستقيم، وكذا إن جعلنا الواو استئنافية قلنا ورود الواو مع الفاء عند تقديم المعمول فصلًا بينهما سائغ في الكلام مثل وربك فكبر: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، فإن أبيت الجمع فاجعل الفاء زائدة فإن أبيت فاجعل المعمول متعلقًا بمحذوف والعامل المقرون بالفاء عطفًا عليه مثل عظم فكبر، وادعوا الله فلا تدعوا، وآثروه فاتبعوه تفتازاني على الكشاف باختصار. قوله: "ومكانك بمعنى أثبت" فيكون لازمًا وحكى الكوفيون تعديته وأنه يقال مكانك زيدًا أي: انتظره قال الدماميني: ولا أدري أي: حاجة إلى جعل مثل هذا الظرف اسم فعل وهلا جعلوه ظرفًا على بابه، وإنما يحسن دعوى اسم الفعل حيث لا يمكن الجمع بين ذلك وذلك الفعل نحو: صه وعليك وإليك وأما إذا أمكن فلا فإنه يصح أن يقال أثبت مكانك وتقدم أمامك ولا تقول اسكت صه إلخ.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تنبيهات: الأول قال في شرح الكافية: ولا يقاس على هذه الظروف غيرها إلا عند الكسائي أي: فإن لا يقتصر فيها على السماع، بل يقيس على ما سمع ما لم يسمع. الثاني قال فيه أيضًا: لا يستعمل هذا النوع إلا متصلًا بضمير المخاطب. وشذ قولهم عليه رجل بمعنى ليلزم، وعلي الشيء بمعنى أولنيه، وإلي بمعنى أتنحى. وكلامه في التسهيل قوله: "ولا يقاس على هذه الظروف" أي: المسموعة غيرها مما لم يسمع لخروجها عن أصلها وما خرج عن أصله لا يقاس عليه والمراد بالظروف ما يعم الجار والمجرور كما صرّح به الدماميني. قوله: "بل يقيس إلخ" بشرط كونه على أكثر من حرف احترازًا من نحو: بك ولك ا. هـ. دماميني. قوله: "وشذ قولهم عليه رجلًا بمعنى ليلزم" ولشذوذه رد في المغني قول بعضهم في ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أن الوقف على فلا جناح وأن عليه بمعنى ليلزم ليفيد صريحًا وجوب التطوف بالصفا والمروة على أنه ليس المقصود من الآية إيجاب التطوف بهما بل إبطال ما كانت الأنصار تعتقده في الجاهلية من تحرج التطوف بهما حتى سألوه ﵊ عن ذلك وقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية كما في صحيح البخاري عن عائشة في قصة ردها على ابن أختها أسماء عروة بن الزبير في زعمه أن الآية لرفع الجناح عمن لم يتطوف بهما بأنها لو كانت كما زعم لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما وإنما هي لإبطال معتقد الأنصار. قال في المغني: مع أن الإيجاب لا يتوقف على كون على اسم فعل بل كلمة تقتضي ذلك مطلقًا ا. هـ. وأما قوله ﵊: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم". فقد حسنه الخطاب، وقال ابن عصفور: إن عليه خبر والصوم مبتدأ والباء زائدة ا. هـ. فارضي. وقوله: فقد حسنه الخطاب عبارة عن بعضهم فقد حسنه كون ضمير الغائب فيه واقعًا على مخاطب؛ لأنه بعض المخاطبين أولًا بقوله من استطاع منكم. قوله: "بمعنى أولنيه" فيه نظر؛ لأن أول متعد لاثنين وعلى لم يتعد إلا لمفعول واحد فكيف يكون هو ومسماه مختلفين وقد يقال إنه مثل آمين واستجب والظاهر أنه اسم لقولك لا لزم أي: لفعل مضارع مقرون بلام الأمر فإنه متعد لواحد؛ لأن عليك وعليه اسمان لفعل اللزوم فكذا الآخر. فإن قلت يلزم دخول لام الأمر على فعل المتكلم. قلت لزومه غير ضارّ. ففي التنزيل: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وفي الحديث قوموا فلأصلّ لكم ا. هـ. دماميني وقوله وقد يقال إنه مثل آمين واستجب أي: في اختلاف الاسم والمسمى فإن آمين لازم واستجب متعد كما سيأتي في الشرح وقوله: والظاهر إلخ يؤخذ منه ومن تفسير الشارح عليه رجلًا بليلزم أن المراد بفعل الأمر الذي جعل الظرف اسمًا له ولو شذوذًا ما يشمل المضارع المقرون بلام الأمر وبهذا يسقط استشكال البعض تفسير الشارح المذكور. قوله: "بمعنى أتنحى" قياس ما قبله وما بعده وهو المناسب للمعنى أن يؤتى بالأمر فيقال بمعنى نحني وفي نسخة تنح بالأمر وعليها لا إشكال فيه ا. هـ. زكريا وقوله: وعليها لا إشكال فيه
[ ٣ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يقتضي أن ذلك غير شاذ. الثالث قال فيه أيضًا: اختلف في الضمير المتصل بهذه الكلمات فموضعه رفع عند الفراء ونصب عند الكسائي وجر عند البصريين وهو الصحيح؛ لأن الأخفش روى عن عرب فصحاء: علي عبد الله زيدًا بجر عبد الله، فتبين أن الضمير مجرور الموضوع لا مرفوعه ولا منصوبه، ومع ذلك فمع كل واحد من هذه الأسماء ضمير مستتر مرفوع الموضوع بمقتضى الفاعلية، فلك في التوكيد أن تقول: عليكم كلكم زيدًا بالجر توكيدًا للموجود المجرور، وبالرفع توكيدًا للمستكن المرفوع. والنوع الثاني منقول من مصدر وهو على قسمين: مصدر استعمل لعله ومصدر أهمل فعله، وإلى هذا النوع بقسميه أن هذه النسخة أيضًا لا تناسب المعنى والذي في التسهيل وشرحه للدماميني أتنحى بلفظ المضارع كما في النسخة الأولى فتأمل. قوله: "اختلف في الضمير إلخ" كون الكاف في عليك وأخواته ضميرًا هو مذهب الجمهور، وذهب ابن بابشاذ إلى أنها حرف خطاب كالكاف في ذلك ويرده عدم استعمال الجار وحده، وقولهم على وعليه فإن الياء والهاء ضميران اتفاقًا وحكاية الأخفش على عبد الله زيدًا دماميني. قوله: "فموضعه رفع" أي: على الفاعلية عند الفراء ويرده أن الكاف ليست من ضمائر الرفع ا. هـ. دماميني ويجاب بأنه من استعارة ضمير غير الرفع له ا. هـ. يس. واعلم أن القول بأن موضع الضمير رفع والقول بأن موضعه نصب منظور فيهما إلى ما بعد النقل إلى اسم الفعل، والقول بأن موضعه جر منظور فيه إلى ما قبل النقل؛ لأن اسم الفعل لا يعمل الجر كما هو مصرح به عند قول المصنف: وما لما تنوب عنه من عمل. لها وحينئذٍ فلا يتوارد الخلاف على جهة واحدة. قوله: "ونصب عند الكسائي" أي: على المفعولية والفاعل مستتر والتقدير ألزم أنت نفسك من الإلزام قال الدماميني: ويرده قولهم عليك زيدًا بمعنى خذ وخذ إنما يتعدى لواحد ا. هـ. وللكسائي أن يمنع كون عليك زيدًا بمعنى خذ ويقول معناه ألزم نفسك زيدًا من الإلزام، وأظهر منه في الرد قولهم مكانك بمعنى أثبت وأمامك بمعنى تقدم ووراءك بمعنى تأخر فإن ما ذكر لازم ويرد عليه أيضًا أنه يلزمه عمل الفعل في ضميري مخاطب وذلك خاص بأفعال القلوب وما حمل عليها. قوله: "وجر عند البصريين" على الأصل بالإضافة في نحو: دونك وبالحرف في نحو: عليك سم. قوله: "على عبد الله زيدًا" بتشديد الياء على أن على جارة لياء المتكلم وزيدًا مفعول به لاسم الفعل وقوله: بجر عبد الله أي: بدل كل من الياء وهذا شاذ عند الجماعة؛ لأنه بدل ظاهر من ضمير الحاضر بدل كل غير مفيد للإحاطة وجواز ذلك رأي الأخفش والأقرب جعله عطف بيان كذا قال الدماميني. وقال شيخ الإسلام زكريا: وهم من فهم أن على في على عبد الله جارة لياء المتكلم لا لعبد الله حتى بني عليه أن عبد الله عطف بيان أو بدل من الياء ا. هـ. وعليه يقرأ على بالألف وعبد مجرور بها. قوله: "ومع ذلك" أي: مع كون الكاف في موضع جر بقرينة قوله: بعد بالجر توكيدًا للموجود المجرر ومثل ذلك ما إذا قلنا إنها في موضع نصب فيجوز عليه أيضًا في التوكيد عليكم كلكم زيدًا بنصب كل توكيدًا للموجود المنصوب وبرفعه توكيدًا للمستكن
[ ٣ / ٢٩٨ ]
كَذا رُويدَ بلهَ ناصِبينِ ويَعملانِ الخَفضَ مصدَرينِ
ــ
الإشارة بقوله: "كذا رويد بله ناصبين" أي: ناصبين ما بعدهما نحو: رويد زيدًا وبله عمرًا. فأما رويد زيدًا فأصله أرود زيدًا أروادًا بمعنى أمهله إمهالًا، ثم صغروا الأرواد تصغير الترخيم وأقاموه مقام فعله واستعملوه تارة مضافًا إلى مفعول فقالوا: رود زيد، وتارة منونًا ناصبًا للمفعول فقالوا: رويدًا زيدًا. ثم إنهم نقلوه وسموا به فعله فقالوا رويد زيدًا. ومنه قوله:
٩٨٢- رُوَيدَ عَلِيا جِدْ ماثدي أُمّهمْ إلينا ولكنْ بعضُهم مُتبايِنُ
أنشده سيبويه. والدليل على أن هذا اسم فعل كونه مبنيا. والدليل على بنائه عدم تنوينه. وأما بله فهو في الأصل مصدر فعل مهمل مرادف لدع واترك، فقيل فيه بله زيد بالإضافة إلى مفعوله كما يقال ترك زيد، ثم قيل بله زيدًا بنصب المفعول وبناء بله على أنه
ــ
المرفوع بخلاف ما إذا قلنا إنها في موضع رفع لأنها حينئذٍ الفاعل.
قوله: "ناصبين" أي: مع عدم تنوينهما وإلا كانا مصدرين كما سيأتي. قوله: "ثم صغروا الإرواد تصغير الترخيم" أي: حذفوا الهمزة والألف الزائدتين وأوقعوا التصغير على أصوله فقالوا رويد وسمي تصغير ترخيم لما فيه من حذف الزوائد والترخيم حذف ا. هـ. تصريح قال سم: والأحسن أن يكون تصغير مرود؛ لأن اسم الفاعل يصغر فأما المصدر فلا يجوز تصغيره قبل التسمية به ا. هـ. وفيه أنه لو كان تصغير مرود لم يكن مصدرًا والفرض أنه مصدر فتأمل ا. هـ. قوله: "مضافًا إلى مفعوله" وسيأتي أنه يضاف للفاعل أيضًا وقوله: فقالوا رويد زيد أي: إمهال زيد. قوله: "فقالوا رويد زيد" أي: أمهل والفتحة على هذا بنائية بخلافها على ما قبله. قوله: "رويد عليًا إلخ" لم أرَ من تكلم على هذا البيت.
قوله: "والدليل على أن هذا اسم فعل كونه مبنيا" اعترضه الحفيد وأقره شيخنا والبعض بأنه لا يلزم من بنائه كونه اسم فعل لبناء كثير من الأسماء وليست أسماء أفعال، وقد يقال معلوم انحصار رويد بين كونه اسم فعل وكونه مصدرًا والمقصود إثبات كونه اسم فعل ونفي كونه مصدرًا فقوله: والدليل على أن هذا اسم فعل أي: لا مصدر وبعد ملاحظة هذا الانحصار يستلزم كونه مبنيًا كونه اسم فعل لا مصدرًا؛ لأن البناء ينفي المصدرية فثبتت اسمية الفعل فتأمل. قوله: "والدليل على بنائه عدم تنوينه" اعترضه الحفيد بأنه لا يلزم من عدم تنوينه أن يكون مبنيا فكان ينبغي أن يقول الدليل على بنائها أنها أشبهت الحرف في كونها أبدًا عاملة غير معمولة. ولك أن تقول المراد عدم تنوينه مع عدم موجبات عدم التنوين غير البناء فلم يبق إلا البناء فاندفع الاعتراض
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لمالك بن خالد الهذلي في شرح أبيات سيبويه ١/ ١٠٠؛ وللمعطل الهذلي في معجم ما استعجم ٣/ ٧٣٧؛ ولأحدهما في شرح أشعار الهذليين ١/ ٤٤٧؛ وللهذلي في الكتاب ١/ ٢٤٣؛ ولسان العرب ١٣/ ٣٩٦ "مأن"؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ٤/ ٤٠؛ ولسان العرب ٣/ ١٨٩ "رود"، ١٣/ ٤٢٦ "مين"؛ والمقتضب ٣/ ٢٠٨، ٢٧٨.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسم فعل. ومنه قوله:
٩٨٣- بَلهَ الأَكُفَّ كأنّها لم تُخْلَقِ
ينصب الأكف. وأشار إلى استعمالها الأصل بقوله: "ويعملان الخفض مصدرين"
ــ
وهذا أولى مما أجاب به البعض فتأمل. قوله: "ومنه قوله بله الأكفّ إلخ" صدره:
تذر الجماجم ضاحيًا هاماتها قاله كعب بن مالك شاعر رسول الله -ﷺ- من قصيدة قالها في وقعة الأحزاب وضمير تذر يرجع إلى السيوف ويروى فترى الجماجم إلخ والجماجم جمع جمجمة. قال صاحب الصحاح: هي عظم الرأس المشتمل على الدماغ وربما أطلقت على الإنسان فيقال خذ من كل جمجمة درهمًا كما يقال خذ من كل رأس بهذا المعنى. وقال أيضًا: الهامة من الشخص رأسه فالمناسب هنا أن يفسر الجمجمة بالإنسان. وفرق الزجاج بين الجمجمة والهامة بجعل الهامة بعضًا من الجمجمة فقال: عظم الرأس الذي فيه الدماغ يقال له جمجمة والهامة وسط الرأس ومعظمه. وقوله ضاحيًا: حال سببية من الجماجم وهاماتها فاعل ضاحيًا من ضحا يضحو إذا ظهر وبرز عن محله، وقوله: كأنها لم تخلق متعلق بقوله ضاحيًا هاماتها أي:
كأنها لم تخلق متصلة بمحالها ومعنى بله الأكف على رواية نصب الأكف دع ذكر الأكف فإن قطعها من الأيدي أهون من قطع هامات الجماجم بتلك السيوف، فبله على هذا اسم فعل وعلى الجرّ ترك ذكر الأكف أي: اترك ذكرها تركًا فإنها بالنسبة إلى الهامات سهلة فبله على هذا مصدر مضاف لمفعوله وعلى الرفع كيف الأكف لا تقطعها تلك السيوف مع قطعها ما هو أعظم منها وهي الهامات أي: إذا أزالت هذه السيوف تلك الهامات عن الأبدان فلا عجب أن تزيل الأكف عن الأيدي، فبله على هذا بمعنى كيف للاستفهام التعجبي فبله الأكف على الأول والثالث جملة اسمية وفتحة بل بنائية وعلى الثاني جملة فعلية حذف صدرها وفتحة بله إعرابية ا. هـ. ملخصًا من شرح شواهد الرضي لعبد القادر أفندي وفي شرح الدماميني على المغني أن المعنى على الجر أن السيوف تترك الجماجم منفصلة هاماتها ترك الأكف منفصلة عن محالها كأنها لم تخلق متصلة بها ا. هـ. وعلى هذا يكون بله منصوبًا بتذر ويكون قوله: كأنها لم تخلق إلخ متعلقًا بقوله بله الأكف أو بقوله ضاحيًا هاماتها.
قوله: "ويعملان الخفض" أي: والنصب منونين وسكت عنه؛ لأنه الأصل وقوله دالين على
_________________
(١) صدره: تذَرُ الجَماجِمَ ضَاحيًا هاماتُها والبيت من الكامل، وهو لكعب بن مالك في ديوانه ص٢٤٥؛ وخزانة الأدب ٦/ ٢١١، ٢١٤، ٢١٧؛ والدرر اللوامع ٣/ ١٨٧؛ وشرح شواهد المغني ص٣٥٣؛ ولسان العرب ٣/ ٤٧٨ "بله"؛ بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢١٧؛ وتذكرة النحاة ص٥٠٠؛ الجنى الداني ص٤٢٥؛ وخزانة الأدب ٦/ ٢٣٢؛ وشرح التصريح ٢/ ١٩٩؛ وشرح شذور الذهب ص٥١٣؛ وشرح المفصل ٤/ ٤٨؛ ومغني اللبيب ص١١٥؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٣٦.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي: معربين بالنصب دالين على الطلب أيضًا، لكن لا على أنهما اسما فعل، بل على أن كلا منهما بدل من اللفظ بفعله نحو: رويد زيد وبله عمرو أي: إمهال زيد وترك عمرو، وقد روي قوله: بله الأكف بالجر على الإضافة فرويد مضاف إلى المفعول كما مر، وإلى الفاعل نحو: رويد زيد عمرًا. وأما بله فإضافتها إلى المفعول كما مر. وقال أبو علي إلى الفاعل. ويجوز فيها حينئذ القلب، نحو: بهل زيد، رواه أبو زيد، ويجوز فيهما حينئذ التنوين ونصب ما بعدهما بهما وهو الأصل في المصدر المضاف، نحو: رويدًا زيدًا وبلها عمرًا، ومنع المبرد النص برويد لكونه مصغرًا. تنبيهات: الأول الضمير في يعملان عائد على رويد وبله في اللفظ لا في المعنى، فإن رويد وبله إذا كانا اسمي فعل غير رويد وبله المصدرين في المعنى. الثاني: إذا قلت رويدك وبله الفتى احتمل أن يكونا اسمي فعل ففتحتهما فتحة بناء، والكاف من رويدك حرف الطلب أيضًا أي: لنيابتهما عن فعل الأمر كما ذكره الشارح. قوله: "فرويد تضاف إلى المفعول كما مر" فيه أن ما مر وهو نحو: رويد زيد يحتمل الإضافة إلى المفعول والإضافة إلى الفاعل. قوله: "نحو: رويد زيد عمرًا" ولا يرد على ذلك قولهم المصدر النائب عن فعله لا يرفع الظاهر بل فاعله ضمير مستتر وجوبًا دائمًا؛ لأنه محمول على المنون كما يدل عليه تمثيلهم. قوله: "فإضافتها" مبتدأ وقوله: إلى المفعول خبر كما يشعر بذلك مقابلته بقوله: وقال أبو علي إلى الفاعل وفي قوله: كما مر ما أسلفناه. قوله: "وقال أبو علي إلى الفاعل" ظاهر صنيعه أن الأول يعين إضافتها إلى المفعول والثاني يعين إضافتها إلى الفاعل وكذا صنيع الفارضي يقتضي ذلك ويقتضي جريان الخلاف في رويد أيضًا وعبارته ويكونان مصدرين إذا انجرّ ما بعدهما كرويد زيد وبله عمرو أي: امهال زيد وترك عمرو فكلاهما مصدر مضاف للمفعول وقيل للفاعل ا. هـ. قوله: "ويجوز فيها حينئذٍ القلب" أي: حين إذ كانت مصدرًا وقوله نحو: بهل زيد أي: بفتح الهاء وسكونها. قوله: "ويجوز فيهما" أي: في رويد وبله حينئذٍ أي: حين إذ كانتا مصدرين لكن تنوين رويدًا ونصب ما بعده تقدم فذكره هنا توطئة لقوله: ومنع المبرد ولك أن تقول هلا ذكر منع المبرد سابقًا واستغنى عن إعادة تنوين رويدًا ونصب ما بعده. قوله: "وهو الأصل في المصدر المضاف" أي: المصدر المنون الناصب لما بعده أصل للمصدر المضاف لما بعده يعني أن المضاف محول عن المنون كما قاله سم. قوله: "ومنع المبرد النصب" وهو الموافق لما جزموا به في إعمال المصدر من اشتراط كونه مكبرًا فكيف أجازوا إعمال هذا المصغر إلى أن يكون هذا مستثنى بناء على ورود نصبه المفعول في كلام العرب على خلاف القياس سم. قوله: "في اللفظ لا في المعنى" أي: ففي كلامه استخدام كذا قيل وفيه نظر؛ لأن المراد من الضمير ومرجعه لفظ رويد ولفظ بله فلا استخدام ومعنى قوله: في اللفظ لا في المعنى باعتبار اللفظ لا باعتبار المعنى. قوله: "حرف خطاب" وإنما لم تجعل اسمًا فاعلًا؛ لأن الكاف ليست ضمير رفع واستعارتها
[ ٣ / ٣٠١ ]
وما لِما تَنوبَ عنهُ من عَمَل لها وأَخِّرْ ما لِذِي فيهِ العَمَل
_________________
(١) خطاب لا موضع لها من الإعراب، مثلها في ذلك، وأن يكونا مصدرين ففتحتهما فتحة إعراب وحينئذ فالكاف في رويدك تحتمل الوجهين: أن تكون فاعلًا وأن تكون مفعولًا. الثالث: تخرج رويد وبله عن الطلب فأما بله فتكون اسمًا بمعنى كيف فيكون ما بعدها مرفوعًا، وقد روي بله الأكف بالرفع أيضًا، وممن أجاز ذللك قطرب وأبو الحسن، وأنكر أبو علي الرفع بعدها. وفي الحديث يقول الله ﵎: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرًا من بله ما أطلعتم عليه"، فوقعت معربة مجرورة بمن وخارجة عن المعاني المذكورة، وفسرها بعضهم بغير وهو ظاهر، وبهذا يتقوى من بعدها من ألفاظ الاستثناء وهو مذهب لبعض الكوفيين. وأما رويد فتكون حالًا نحو: ساروا رويدًا فقيل هو حال من الفاعل أي: مروين. وقيل من ضمير المصدر المحذوف أي: ساروه أي: السير رويدًا. وتكون نعتًا لمصدر إما مذكور نحو: ساروا سيرًا رويدًا أو محذوف نحو: ساروا رويدًا أي: سيرًا رويدًا "وما لما تنوب عنه من عمل لها" ما مبتدأ موصول صلته لما. وما من لما موصول أيضًا صلته تنوب، وعنه ومن عمل متعلقان بتنوب، ولها خبر المبتدأ، للرفع خلاف الأصل ولا مفعولًا؛ لئلا يلزم عمل اسم الفعل في ضميري مخاطب وذلك خاص بأفعال القلوب وما حمل عليها ولا مجرورًا؛ لأن اسم الفعل لا يعمل الجر. قوله: "ذخرًا" بذال معجمة مضمومة. قوله: "من بله" بفتح بله وكسرها فوجه الكسر ما ذكره الشارح وأما وجه الفتح فقال الرضي: إذا كانت بله بمعنى كيف جاز أن تدخله من حكى أبو زيد أن فلانًا لا يطيق حمل الفهر فمن بله أن يأتي بالصخرة أي: كيف ومن أين وعليه تتخرج هذه الرواية فتكون بله بمعنى كيف التي للاستبعاد وما مصدرية في محل رفع بالابتداء والخبر من بله والضمير المجرور بعلى عائد على الذخر ا. هـ. دماميني وشمني. والمعنى على هذا من كيف أي: من أين اطلاعكم على هذا الذخر أي: المدخر ولا يخفى ما في جعلها على هذه الرواية بمعنى كيف من الركاكة ولو جعلت فيها من أول الأمر بمعنى أين لكان أحسن. قوله: "ما أطلعتم" بضم الهمزة وكسر اللام. قوله: "وخارجة عن المعاني المذكورة" قال الشمني: يجوز أن تكون مصدرًا بمعنى ترك ومن تعليلية أي: من أجل تركهم ما علمتموه من المعاصي فلا تكون خارجة. قوله: "من ضمير المصدر" يعني المصدر الذي دل عليه الفعل وقوله: المحذوف صفة لضمير بقرينة قول الشارح: أي: ساروه. قوله: "سيرًا رويدًا" أي: مرودًا فيه. قوله: "أو محذوف نحو: ساروا رويدًا" مذهب سيبويه أن نصب هذا على الحال ولا يكون نعت مصدر محذوف؛ لأن رويدًا صفة غير خاصة بالموصوف فلا يحذف إلا على قبح. قلت ليس الغرض باشتراط الخصوص بالموصوف إلا ليكون ذلك قرينة يعلم بها المحذوف فإذا حصل العلم بدون كون الصفة خاصة بالموصوف لم يمتنع الحذف كما هنا لحصول العلم بأن الموصوف هو السير للقرينة الدالة عليه فلا ضير في حذفه دماميني.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والعائد على ما الأولى ضمير مستتر في الاستقرار الذي هو متعلق اللام من لما والعائد على ما الثانية الهاء من عنه يعني أن العمل الذي استقر للأفعال التي نابت عنها هذه الأسماء مستقر لها أي: لهذه الأسماء، فترفع الفاعل ظاهرًا في نحو: هيهات نجد وشتان زيد وعمرو؛ لأنك تقول بعدت نجد وافترق زيد وعمرو. ومضمرًا في نجر نزال. وينصب منها المفعول ما ناب عن متعد نحو: دراك زيدًا؛ لأنك تقول أدرك زيدًا، ويتعدى منها بحرف من حروف الجر ما هو بمعنى ما يتعدى بذلك الحرف، ومن ثم عدى حيهل بنفسه لما ناب عن ائت في نحو: حيهل الثريد. وبالباء لما ناب عن عجل في نحو: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر أي: فعجلوا بذكر عمر. وبعلي لما ناب عن أقبل في نحو: حيهل على كذا. تنبيهات: الأول قال في التسهيل: وحكمها يعني أسماء الأفعال غالبًا في التعدي واللزوم حكم الأفعال، واحترز بقوله: غالبًا عن آمين فإنها نابت عن متعد ولم يحفظ لها مفعول. الثاني: مذهب الناظم جواز إعمال اسم الفعل مضمرًا قال في شرح الكافية: إن إضمار اسم الفعل مقدمًا لدلالة متأخر عليه جائز عند سيبويه. الثالث قال في التسهيل: ولا قوله: "وعنه ومن عمل متعلقان بتنوب" على جعل من عمل متعلقًا بتنوب تكون من بمعنى. والمعنى والعمل الذي ثبت للفعل الذي تنوب هي عنه في العمل ثابت لها وفيه من الركاكة ما لا يخفى وإن خفيت على البعض فأقر هذا الوجه ولهذا قال سم: الوجه أن من عمل بيان للفظ ما المبتدأ ا. هـ. وقال الشيخ خالد: عنه متعلق بتنوب ومن عمل بيان لما الواقعة مبتدأ متعلق بحال محذوفة من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع خبرها ا. هـ. وقوله: في الجارّ والمجرور الواقع خبرها: أي: أو في الجار والمجرور الواقع صلتها بل هذا أحسن لما يلزم على الأول من تقديم الحال على عاملها الظرفي وهو نادر كما تقدم في قوله: وندر نحو: سعيد إلخ ولم تجعل الحال من ما لمنع الجمهور الحال من المبتدأ. قوله: "مستتر في الاستقرار" أي: بحسب الأصل أي: قبل حذفه وإلا فالضمير بعد حذف المتعلق مستتر في الظرف لانتقاله إليه من المتعلق على الراجح. قوله: "دراك زيدًا" في بعض النسخ تراك زيدًا بالفوقية والراء والكاف وهذا مقيس ودراك شاذ؛ لأنه من أدرك. قوله: "في نحو: حيهل الثريد" قيل هو الخبز المغمور بمرق اللحم وقيل الخبز المأكول باللحم. قوله: "إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر" هذا أثر يروى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه والمراد عمر بن الخطاب ﵁ تصريح. قوله: "عن آمين" مثلها إيه فإنه لم يحفظ لها أيضًا مفعول ومسماها وهو زد يتعدى كذا في التصريح. قوله: "مضمرًا" أي: محذوفًا. قوله: "جائز عند سيبويه" وخرج عليه الناظم: يأيها المائح دلوى دونكا فجعل دلوى منصوبًا بدون مضمرًا لدلالة ما بعده عليه وسينبه على ذلك الشارح فعلم
[ ٣ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) علامة للمضمر المرتفع بها يعني بأسماء الأفعال، ثم قال: وبروزه مع شبهها في عدم التصرف دليل على فعليته يعني كما في هات وتعال فإن بعض النحويين غلط فعدهما من أسماء الأفعال وليسا منها بل هما فعلان غير متصرفين لوجوب اتصال ضمير الرفع البارز بهما كقولك للأنثى هاتي وتعالي، وللاثنين والاثنتين هاتيا وتعاليا، وللجماعتين هاتوا وتعالوا وهاتين وتعالين، وهكذا حكم هلم عند بني تميم فإنهم يقولون: هلم هلمي هلما هلموا هلممن، فهي عندهم فعل لا اسم فعل، ويدل على ذلك أنهم يؤكدونها بالنون نحو: هلمن. قال سيبويه: وقد تدخل الخفيفة والثقيلة يعني على هلم، قال: لأنها عندهم بمنزلة رد وردا بطلان جعل بعضهم نصب نحو: باب كذا بهاك مقدرًا؛ لأن من يجوز عمل اسم الفعل محذوفًا يشترط تأخر دال عليه كما في البيت. قوله: "ولا علامة للمضمر المرتفع بها" أي: لا يبرز معها ضمير بل يستكن معها مطلقًا بخلاف الفعل فتقول صه للواحد والاثنين والجمع وللمذكر والمؤنث بلفظ واحد ا. هـ. همع. فأراد بنفي علامة المضمر نفي ظهوره من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. قوله: "دليل فعليته" أي: فعلية شبهها. قوله: "كما في هات" بكسر التاء مبني على حذف الياء كارم وتعال بفتح اللام مبني على حذف الألف كاخش. قوله: "غلط فعدهما إلخ" قال الدماميني: لا وجه للتغليط فإن الذاهب إلى هذا لا يلتزم ما قاله المصنف من أن لحوق الضمائر البارزة لا يكون إلا في الأفعال بل من عدهما من أسماء الأفعال يجوز لحوقها بما قوي شبهه بالأفعال ويعتذر عن لحوق الضمائر بهما بقوة مشابهتهما للأفعال فعوملا معاملتها في ذلك ا. هـ. ملخصًا. قوله: "هاتي وتعالي" بالبناء على حذف النون وأصل هاتي هاتيي بياءين استثقلت الكسرة على الياء الأولى التي هي لام الفعل فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت تلك الياء لالتقاء الساكنين، وأصل تعالي تعاليي فقلبت الياء الأولى ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فالتقى ساكنان فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. قوله: "هاتوا وتعالوا" أصلهما هاتيوا وتعاليوا فعل بهما ما مر مع ضم هاتوا لمناسبة الواو. قوله: "وهكذا حكم هلم" نقل بعضهم الإجماع على تركيبها وفي كيفيته خلاف قال البصريون: مركبة من هاء التنبيه ولمّ التي هي فعل أمر من قولهم لمّ الله شعثه أي: جمعه كأنه قيل اجمع نفسك إلينا فحذفت ألفها تخفيفًا ونظرًا إلى أن أصل اللام السكون وقال الخليل: ركبا قبل الإدغام فحذفت الهمزة للدرج إذ كانت همزة وصل وحذفت الألف لالتقاء الساكنين ثم نقلت حركة الميم الأولى إلى اللام وأدغمت، وقال الفراء: مركبة من هل التي للزجر وأم بمعنى اقصد فخففت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكن قبلها وحذفت فصار هلم، قال ابن مالك في شرح الكافية: وقول البصريين أقرب إلى الصواب قال في البسيط: ويدل على صحته أنهم نطقوا به فقالوا هالم ا. هـ. همع. قوله: "فهي عندهم فعل" أي: لبروز الضمائر معها. قوله: "بمنزلة رد إلخ" أي: في كون كل
[ ٣ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وردى وردوا وارددن، وقد استعمل لها مضارعًا من قيل له هلم فقال لا أهلم. وأما أهل الحجاز فيقولون هلم في الأحوال كلها كغيرها من أسماء الأفعال. وقال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وهي عند الحجازيين بمعنى احضر وتأتي عندهم بمعنى أقبل "وأخر ما لذي" الأسماء "فيه العمل" وجوبًا فلا يجوز زيدًا دراك خلافًا للكسائي. قال الناظم: ولا حجة له في قول الراجز:
يَأيُّها المائِحُ دَلوي دُونَكا إني رأيتُ الناسَ يَحْمدونَكا
لصحة تقدير دلوي مبتدأ أو مفعولًا بدونك مضمرًا. ثم ذكر ما تقدم عن سيبويه
ــ
فعل أمر. قوله: "لا أهلم" بفتح الهمزة والهاء وضم اللام. قوله: "هلم شهداءكم" أي: أحضروا. قوله: "هلم إلينا" أي: أقبلوا كذا قال شيخنا وتبعه البعض وفيه أن اسم الفعل المتعدي بحرف يتعدى بذلك الحرف مثل فعله وأقبل يتعدى بعلى كما مر في الشرح قبيل التنبيهات وكما في غيره فالمناسب أن هلم في الآية بمعنى ائت؛ لأنها ترد بمعنى ائت أيضًا والاتيان يتعدى بإلى كما يتعدى بنفسه. قوله: "وهي عند الحجازيين إلخ" إن قلت هي بمعنى احضر أو أقبل عند التميميين أيضًا. قلت كأنه أراد أنها دالة على لفظ احضر أو لفظ أقبل فلهذا خص الحجازيين بالذكر. قوله: "بمعنى أقبل" أي: وبمعنى ائت نحو: هلمّ الثريد.
فائدة: توقف ابن هشام في عربية قول الناس هلم جرًا قال: والذي ظهر لنا في توجيهه أن هلم هي التي بمعنى ائت إلا أن فيها تجوزين أحدهما أنه ليس المراد بالإتيان المجيء الحسيّ بل الاستمرار على الشيء وملازمته. والثاني أنه ليس المراد الطلب حقيقة بل الخبر كما في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ وجرًا مصدر جره يجره إذا سحبه وليس المراد الجر الحسيّ بل التعميم فإذا قيل كان ذلك عام كذا وهلم جرًا فكأنه قيل واستمر ذلك في بقية الأعوام استمرارًا أو استمر مستمرا على الحال المؤكدة وبهذا التأويل ارتفع إشكال اختلاف المتعاطفين بالخبر والطلب وهو ممتنع أو ضعيف وإشكال التزام افراد الضمير إذ فاعل هلم هذه مفرد أبدًا ا. هـ. أي: مع أن بني تميم لا يلتزمونه في غير هلم هذه.
قوله: "وأخر ما الذي فيه العمل" أي: لضعفها بعدم تصرفها. قوله: "يأيها المائح" بهمزة قبل الحاء المهملة وهو الذي ينزل البئر فيملأ الدلو إذا قل ماؤها أي: البئر. قوله: "لصحة تقدير
_________________
(١) الرجز لجارية من بني مازن في الدرر ٥/ ٣٠١؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣١١؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٦٥؛ والأشباه والنظائر ١/ ٣٤٤؛ والإنصاف ص٢٢٨؛ وأوضح المسالك ٤/ ٨٨؛ وجمهرة اللغة ص٥٧٤؛ وخزانة الأدب ٦/ ٢٠٠، ٢٠١، ٢٠٦؛ وذيل السمط ص١١؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٥٣٢؛ وشرح شذور الذهب ص٥٢٢؛ وشرح عمدة الحافظ ص٧٣٩؛ وشرح المفصل ١/ ١١٧؛ ولسان العرب ٢/ ٦٠٩ "ميح"؛ ومعجم ما استعجم ص٤١٩؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٠٩؛ والمقرب ١/ ١٣٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠٥.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
واحْكُمْ بتنكيرِ الذي يُنوَنُ منها وتعريفُ سواهُ بَيِّنُ
_________________
(١) ويأتي هذا التأويل الثاني في قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . تنبيهات: الأول ادعى الناظم وولده أنه لم يخالف في هذه المسألة سوى الكسائي، ونقل بعضهم ذلك عن الكوفيين. الثاني: توهم المكودي أن لذي اسم موصول فقال: والظاهر أن ما في قوله: ما لذي فيه العمل زائدة لا يجوز أن تكون موصولة؛ لأن لذي بعدها موصولة. وليس كذلك بل ما موصولة، ولذي جار ومجرور في موضع رفع خبر مقدم، والعمل مبتدأ مؤخر، والجملة صلة ما. الثالث: ليس في قوله العمل مع قوله: عمل إبطال؛ لأن أحدهما نكرة والآخر معرفة، وقد وقع ذلك للناظم في مواضع من هذا الكتاب "واحكم بتنكير الذي ينون منها" أي: من أسماء الأفعال "وتعريف سواه" أي: سوى المنون "بين" قال الناظم في شرح الكافية: لما كانت هذه الكلمات من قبل دلوى مبتدأ" أي: خبره دونك بمعنى قدامك أي: ويكون الكلام حينئذٍ كناية عن طلب ملء الدلو كأنا عطشان كناية عن طلب سقي الماء فاندفع تنظير الشيخ خالد وسكت عليه شيخنا والبعض بأن المعنى ليس على الاخبار المحض حتى يخبر عن الدلو بكونه دونه، بل المقصود طلب ملء الدلو على أنه لا يصح على تقدير دلوى مبتدأ خبره دونك أن يكون دونك اسم فعل والخبر جملة اسم الفعل مع فاعله والرابط محذوف أي: دونكه فاعرفه. قوله: "ويأتي هذا التأويل الثاني في قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: بناء على أن عليكم فيه اسم فعل وقال في شرح القطر كتاب مصدر منصوب بفعل محذوف وعليكم متعلق به أو بالعامل المحذوف والتقدير كتب الله ذلك كتابًا عليكم فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى فاعله على حد صبغة الله ودل على ذلك المحذوف قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لأن التحريم يستلزم الكتابة ا. هـ. ومثل ذلك للحفيد حيث قال والصحيح أن كتاب الله مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن ما قبله وهو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، يدل على أن ذلك مكتوب فكأنه قال كتب الله عليكم ذلك كتابًا. قوله: "إن لذي اسم موصول" بناء على كون لذي بفتح اللام إحدى لغات الذي. قوله: "واحكم بتنكير إلخ" قال الرضي: ليس المراد بتنكيره أي: اسم الفعل الذي هو بمعناه؛ لأن الفعل لا يكون معرفًا ولا منكرًا بل التنكير راجع إلى المصدر الذي هو أصل ذلك الفعل فصه منونًا بمعنى اسكت سكوتًا أي: افعل مطلق السكوت عن كل كلام إذ لا تعيين فيه وصه مجردًا من التنوين بمعنى اسكت السكوت المعهود المعين عن هذا الحديث الخاص مع جواز التكلم بغيره هكذا حقق المقام ودع الأوهام ا. هـ. سندوبي وقد يؤخذ منه أنها في حال تعريفها من قبيل المعرف بأل العهدية وهو أظهر من قول بعضهم إنها حينئذٍ من قبيل المعرف بأل الجنسية ومن قول بعضهم إنها حينئذٍ من قبيل علم الجنس، ولنا في هذا المقام تحقيق أسلفناه أول الكتاب في الكلام على التنوين فارجع إليه.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
وما بِهِ خُوطِبَ ما لا يَعقِلُ من مُشْبِهِ اسمِ الفعلِ صَوتا يُجْعَلُ
كذا الذي أجْدَى حكِايَةً كَقَبْ والزم بنا النوعينِ فهو قد وَجَبْ
_________________
(١) المعنى أفعالًا ومن قبل اللفظ أسماء جعل لها تعريف تنكير، فعلامة تعريف المعرفة منها تجرده من التنوين، وعلامة تنكير النكرة منها استعماله منونًا. ولما كان من الأسماء المحضة ما يلازم التعريف كالمضمرات وأسماء الإشارة وما يلازم التنكير كأحد وعريب وديار، وما يعرف وقتا وينكر وقتا كرجل وفرس جعلوا هذه الأسماء كذلك فألزموا بعضًا التعريف كنزال وبله وآمين، وألزموا بعضا التنكير كواها وويها، واستعملوا بعضا بوجهين فنون مقصودًا تنكيره وجرد مقصودا تعريفه كصه وصه واف واف ا. هـ. تنبيه: ما ذكره الناظم هو المشهور. وذهب قوم إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف ما نون منها وما لم ينون تعريف علم الجنس "وما به خوطب ما لا يعقل من مشبه اسم الفعل صوتا يجعل. كذا الذي أجدى حكاية كقب" أي: أسماء الأصوات ما وضع لخطاب قوله: "من قبل المعنى أفعالًا" ذكره تتميمًا للفائدة وإلا فقوله: جعل لها تعريف إلخ إنما ينبني على كونها من قبيل اللفظ أسماء. قوله: "كأحد" أطلق أحد وله استعمالات أربعة. أحدها مرادف الأول وهو المستعمل في العدد نحو: أحد عشر. والثاني مرادف الواحد بمعنى المنفرد نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٢]، الثالث مرادف إنسان نحو: وإن أحد من المشركين. الرابع أن يكون اسمًا عاما في جميع من يعقل فما منكم من أحد وهو المراد هنا فإنه الملازم للتنكير، وندر تعريفه قاله الموضح في الحواشي تصريح. قوله: "وبله" لا ينافيه ما مر في شرح قوله: ويعملان الخفض من قوله: وبلها عمرًا؛ لأن ذاك على المصدرية سم. قوله: "تعريف علم الجنس" يعني أن مسماها حقيقة لفظ الفعل المتحدة في الذهن. قوله: "من مشبه اسم الفعل" قال البعض: أي: في الاكتفاء به وعدم احتياجه في إفادة المراد إلى شيء آخر ا. هـ. وفيه أن اسم الفعل لا يفيد المراد وحده بل بضميمة فاعله الظاهر كما في هيهات نجد أو المستتر كما في صه فوجه الشبه المذكور لم يوجد في المشبه به اللهم إلا أن يجعل المشبه به اسم الفعل الرافع للمستتر ويراد الاكتفاء به بحسب الظاهر، وقطع النظر عن الضمير المستتر فتأمل ثم قوله من مشبه اسم الفعل بيان لما حال من الضمير المجرور بالباء على قاعدة من البيانية ومجرورها من كونهما في موضع الحال، وبهذا يعلم اختلال قول البعض تبعًا للفارضي الجار والمجرور بيان لما أو حال من الضمير في به فتنبه. قوله: "صوتًا يجعل" أي: يجعل اسم صوت. قوله: "كذا الذي أجدى حكاية" أي: أفادها وصريحه أنها ليست نفس الحكاية بل مفيدة ومفهمة لها وهو كذلك؛ لأن من شروط الحكاية أن تكون مثل المحكي وهذه الألفاظ مركبة من حروف صحيحة وليس المحكي كذلك، إذ الحيوانات والجمادات لا تحسن الإفصاح بالحروف لكنهم لما احتاجوا إلى حكاية تلك الأصوات وتعذرت أو تعسرت عليهم أوردوا صورتها بأدنى ما أمكنهم من ألفاظ مركبة من الحروف شبيهة
[ ٣ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما لا يعقل، أو ما هو في حكم ما لا يعقل من صغار الآدميين، أو لحكاية الأصوات كذا في شرح الكافية. فالنوع الأول إما زجر كهلا للخيل. ومنه قوله:
وأيُّ جوادٍ لا يُقال لهُ هلا
وعدس للبغل ومنه قوله:
٩٨٥- عَدَسْ ما لِعَبَّادٍ عليكِ إمارَةٌ
وكخ للطفل. وفي الحديث: "كخ كخ فإنها من الصدقة" وهيد وهاد وده وجه وعاه
ــ
بتلك الأصوات في الجملة فصار الواقع في كلامهم كالحكاية. فإن قلت بقي عليه الأصوات الدالة على معنى في النفس كأح لذي السعال. قلت هذه ليست موضوعة أصلًا فلا تكون اسمًا بل لا تكون كلمة لأنها إنما تدل بالطبع لا بالوضع ا. هـ. دماميني ملخصًا.
قوله: "كهلا" في القاموس هلا وهال زجران للخيل أي: اقربي ا. هـ. والكلمتان منونتان بالقلم في نسخة العلامة أبي العز العجمي المصححة بخطه لكن في الهمع هلا بوزن ألا لزجر الخيل عن البطء ا. هـ. ومنه يعلم أن قول القاموس أي: اقربي تفسير باللازم. قوله: "للخيل" على حذف مضاف أي: لزجرها وقد يستحث بها العاقل لتنزيله منزلة غيره كقوله:
ألا حييا ليلى وقولا لها هلا
ا. هـ. زكريا وكذا يقدر المضاف في نظائره الآتية. قوله: "للبغل" أي: لزجره عن الإبطاء دماميني. قوله: "وكخ" بكسر الكاف وتشديد الخاء ساكنة ومكسورة ا. هـ. سم وفي القاموس جواز تخفيف الخاء وجواز تنوينها وجواز فتح الكاف. قوله: "للطفل" أي: لزجره عن تناول شيء كما في القاموس. قوله: "وفي الحديث إلخ" هو أن الحسن ﵁ أخذ تمرة من تمر الصدقة وجعلها في فيه فقال له ﵊: $"كخ كخ فإنها من الصدقة" فألقاها من فيه. قوله: "وهيد" بفتح الهاء وكسرها وفتح الدال فيهما زكريا والتحتية بينهما ساكنة.
_________________
(١) عجزه: نَجوتِ وهذا تحملين طليقُ والبيت من الطويل، وهو ليزيد بن مفرغ في ديوانه ص١٧٠؛ وأدب الكاتب ص٤١٧؛ والإنصاف ٢/ ٧١٧؛ وتخليص الشواهد ص١٥٠؛ وتذكرة النحاة ص٢٠؛ وجمهرة اللغة ص٦٤٥؛ وخزانة الأدب ٦/ ٤١، ٤٢، ٤٨؛ والدرر ١/ ٢٦٩؛ وشرح التصريح ١/ ١٣٩، ٣٨١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٥٩؛ وشرح المفصل ٤/ ٧٩؛ والشعر والشعراء ١/ ٣٧١؛ ولسان العرب ٦/ ٤٧ "حدس"، ٦/ ١٣٣ "عدس"؛ والمقاصد النحوية ١/ ٤٤٢، ٣/ ٢١٦؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٣٦٢، ٤٤٧؛ وأوضح المسالك ١/ ١٦٢؛ وخزانة الأدب ٤/ ٣٣٣، ٦/ ٣٨٨؛ وشرح شذور الذهب ص١٩٠؛ وشرح قطر الندى ص١٠٦؛ وشرح المفصل ٢/ ١٦، ٤/ ٢٣؛ ولسان العرب ١٥/ ٤٦٠ "ذوا"؛ والمحتسب ٢/ ٩٤؛ ومغني اللبيب ٢/ ٤٦٢؛ وهمع الهوامع ١/ ٨٤.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وعيه للإبل وعاج وهيج وحل للناقة. واس وهس وهج وقاع للغنم. وهجا وقج للكلب. وسع للضأن. ووح للبقرة. وعز وعيز للعنز. وحر للحمار. وجاه للسبع. وإما دعاء كأو للفرس. ودوه للربع. وعوه للجحش. وبس للغنم. وجوت وجيء للإبل الموردة. وتؤوتًا قوله: "وهاد" بكسر الدال على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين وده وجه بفتح الدال المهملة من الأول والجيم من الثاني وإسكان الهاء منهما وعاه وعيه بعين مهملة فيهما مكسورة من الثاني وهاء مكسورة فيهما وعاج بعين مهملة وجيم بعد الألف مكسورة وهيج بفتح الهاء وكسرها مع كسر الجيم وسكونها وحل بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة، ويقال في زجر البعير حل بفتح الحاء المهملة وكسر اللام منونة وإسّ بكسر الهمزة وتشديد السين المهملة مفتوحة وهس مثلها إلا أن أولها هاء، وقال الرضي: إس مكسورة الهمزة ساكنة السين وكذا هس مكسورة الهاء ساكنة السين وقيل بضم الهاء وفتح السين المشددة ا. هـ. دماميني. وقال زكريا: إس وهس بكسر أولهما مع فتح آخرهما أو كسره وتشديده فيهما ا. هـ. وفي القاموس هس بالضم زجر للغنم ولا يكسر ا. هـ. وقوله بالضم أي: ضم الهاء وأما السين فمضبوطة بالقلم بالسكون مشددة في نسخة أبي العز العجمي المصححة بخطه وفي غيرها من النسخ والله أعلم. قوله: "وهج" بهاء مفتوحة فجيم ساكنة وقاع بقاف فألف فعين مهملة مكسورة وهجا بهاء مفتوحة فجيم فألف مقصورة ا. هـ. دماميني. قوله: "وهج للكلب" بفتح الهاء وسكون الجيم أو كسرها منونة قاله الدماميني. وفي القاموس ما يوافقه وأما هج السابقة التي للغنم فاقتصر شيخنا السيد في ضبطها تبعًا للدماميني والقاموس على فتح الهاء وسكون الجيم كما مر وكتب شيخ الإسلام على هج الأولى ما نصه: قوله: وهج بفتح أوله مع كسر ثانيه وإسكانه وتشديد فيهما وأما هج الآتي فهو بفتح أوله مع إسكان ثانيه وكسره مع تنوينه وتخفيفه فيهما ا. هـ. وملخصه أن الأولى فيها لغتان كسر الثاني وإسكانه مع التشديد فيهما والثانية فيها لغتان كسر الثاني منونًا وإسكانه مع التخفيف فيهما. قوله: "وسع" بسين مفتوحة وعين ساكنة مهملتين ووح بواو مفتوحة وحاء مهملة ساكنة وعز بعين مهملة فزاي ساكنة ا. هـ. دماميني والعين من عز مفتوحة كما يفيده صنيع القاموس وذكره البعض. قوله: "وعيز" بفتح أوله وكسره مع آخره وكسره ا. هـ. زكريا. وقال الدماميني: بعين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فزاي مكسورة والذي في القاموس أن العين بالكسر والفتح والزاي بالفتح وأنه لزجر الضأن. قوله: "وحرّ" بالحاء المهملة بخط الشارح وفي بعض النسخ وهر قال الدماميني بفتح الهاء وكسر الراء المشددة. قوله: "وجاه" بجيم فألف فهاء مكسورة ويكون لزجر البعير أيضًا فهو مشترك دماميني. قوله: "وإما دعاء" أي: طلب كأو ضبطه المرادي والدماميني بأنه بوزن أو العاطفة وقيل بمد الهمزة وضم الواو. قوله: "ودوه" بفتح الدال المهملة أكثر من ضمها وسكون الواو وكسر الهاء كما في الدماميني وزكريا. قوله: "للربع" بضم الراء وفتح الموحدة وبعدها عين مهملة وهو
[ ٣ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) للتيس المنزي. ونخ مخففًا ومشددًا للبعير المناخ. وهدع لصغار الإبل المسكنة. وسأ وتشؤ للحمار المورد. ودج للدجاج. وقوس للكلب والنوع الثاني كغاق للغراب. وماء بالإمالة للظبية. وشيب لشرب الإبل. وعيط للمتلاعبين. وطيخ للضاحك. وطاق للضرب. وطق الفصيل. دماميني. قوله: "وعوه" بعين مهملة فواو ساكنة فهاء مكسورة ا. هـ. دماميني والعين مفتوحة على ما ذكره البعض. قوله: "وبس" بضم الباء وتثليث السين مع تشديدها زكريا وضبطه بعضهم بسكون السين وصدر به الدماميني. قوله: "وجوتّ" بجيم مضمومة فواو ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة ا. هـ. دماميني وفي القاموس في فصل الجيم من باب التاء الفوقية أن جوت مثلثة الآخر دعاء للإبل إلى الماء وصنيعه يفيد أن الجيم مفتوحة وكذا ضبطت بالقلم بالفتح في نسخة الصحيحة. قوله: "وجيء" بجيم مكسورة فهمزة ساكنة ا. هـ. دماميني وأما حيء بكسر الحاء المهملة وسكون الهمزة فدعاء للحمار إلى الماء كما في القاموس. قوله: "للإبل الموردة" أي: لدعائها لتشرب زكريا. قوله: "وتؤ" بمثناة فوقية مضمومة فهمزة ساكنة وتأ بمثناة فوقية مفتوحة فهمزة ساكنة دماميني. قوله: "المنزي" أي: على الإناث. قوله: "ونخ" بكسر النون وإسكان الخاء المعجمة مخففة ومشددة ا. هـ. زكريا وضبطه بعضهم بفتح النون وصدر به الدماميني. قوله: "المناخ" أي: الذي تراد إناخته. زكريا. قوله: "وهدع" بكسر الهاء وفتح الدال وإسكان العين المهملة ا. هـ. دماميني. وزاد في القاموس لغة ثانية سكون الدال مع كسر العين. قوله: "المسكنة" أي: التي يراد تسكينها من نفارها. زكريا. قوله: "وسأ" بفتح السين المهملة وسكون الهمزة وتشؤ بمثناة فوقية مضمومة فشين معجمة مضمومة فهمزة ساكنة ا. هـ. دماميني وزاد زكريا جواز فتح الشين. قوله: "ودج" بفتح الدال المهملة وسكون الجيم مخففة. وقوس بضم القاف وسكون الواو وكسر السين المهملة ا. هـ. دماميني وزكريا. قوله: "كغاق" بغين معجمة وقاف مكسورة ا. هـ. همع وقوله للغراب أي: لحكاية صوته. قوله: "وماء بالامالة" قال الرضي: إن ميمه ممالة وهمزته مكسورة أو ساكنة بعد الألف زكريا. قوله: "للظبية" أي: لحكاية صوتها إذا دعت ولدها. زكريا. قوله: "وشيب" بكسر الشين المعجمة وسكون التحتية وكسر الموحدة كما في زكريا وقوله لشرب الإبل أي: لحكاية صوت شربها. قوله: "وعيط" بعين مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فطاء مهملة مكسورة ا. هـ. دماميني. زاد زكريا جواز فتح آخره وقوله للمتلاعبين أي: لحكاية أصواتهم الموجودة عند اللعب ومن هنا أخذ الناس العياط كما في الدماميني. قوله: "وطيخ" بكسر الطاء المهملة وسكون التحتية وكسر الخاء المعجمة أو فتحها كما في زكريا وقوله: للضاحك أي: لحكاية صوت ضحكة قال الدماميني: أفرده؛ لأن الضحك يأتي من الواحد بخلاف ما قبله ا. هـ. وفيه نظر ظاهر. قوله: "وطاق" بطاء مهملة مفتوحة فألف فقاف مكسورة وقوله للضرب أي: للصوت الحادث عنده وكذا يقال فيما بعده وطق بطاء مهملة مفتوحة فقاف ساكنة وقب بقاف مفتوحة فموحدة ساكنة وخاق باق بكسر القاف فيهما وأول الأول خاء معجمة قبل ألف وأول الثاني باء موحدة قبل ألف ا. هـ.
[ ٣ / ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لوقوع الحجارة. وقب لوقع السيف. وخاق باق للنكاح. وقاش ماش للقماش.
تنبيه: قوله من مشبه اسم الفعل كذا عبر به أيضًا في الكافية، ولم يذكر في شرحها ما احترز به عنه، قال ابن هاشم في التوضيح: وهو احتراز من نحو قوله:
٩٨٦- يا دارَ مَيَّةَ بالعَلياءِ فالسَّندِ
وقوله:
٩٨٧- ألا أيُّها الليلُ الطويلُ إلا انْجَلي
ــ
دماميني وخاق باق اسمان جعلا اسمًا واحدًا وبنيا على الكسر وكذا قاش ماش ا. هـ. زكريا وقوله: للنكاح أي: للصوت الحادث من اصطكاك الأجرام عند النكاح كما في الدماميني.
قوله: "وقاش ماش" بشين معجمة مكسورة آخر كل منهما كما في الدماميني وقوله: للقماش قال زكريا أي: لصوته إذا طوى ا. هـ. هكذا ينبغي التكلم على هذه الألفاظ التي ساقها الشارح وبه يعلم ما في تكلم البعض عليها من التقصير في بعضها والخطأ في بعضها والله الموفق. قوله: "وهو احتراز من نحو: قوله يا دارمية إلخ" فإن قوله يا دارمية خطاب لما لا يعقل ولكنه لم يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به لكونه غير مكتفى به؛ ولهذا احتاج إلى قوله: أقوت إلخ وكذلك أيها الليل خطاب لما لا يعقل ولكنه لم يشبه اسم الفعل لكونه غير متكفى به ولهذا احتاج إلى قوله: انجلي كذا في التصريح. قال سم: وفي الاحتراز عن ذلك نظر؛ لأنه يكتفى به بدليل أن حقيقة النداء كلام اصطلاحي أو نائب عنه ا. هـ. وأشار البعض إلى دفعه بأن المراد غير مكتفى به في أداء المعنى المقصود للمتكلم وإن كان كلامًا تاما عند النحاة. قوله: "يا دارمية إلخ" تمامه:
أقوت وطال عليها سالف الأمد
إلخ. والعلياء ما ارتفع من الأرض وسند الجبل ارتفاعه حيث يسند فيه أي: يصعد وأقوت خلت والسالف الماضي والأمد الدهر والفاء بمعنى الواو. عيني وتصريح وفي القاموس السند محركة ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح ا. هـ. وهو واضح. قوله: "ألا أيها إلخ" تمامه:
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٤؛ والأغاني ١١/ ٢٧؛ والدرر ١/ ٢٧٤، ٦/ ٣٢٦ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٤؛ والصاحبي في فقه اللغة ص٢١٥؛ والكتاب ٢/ ٣٢١؛ والمحتسب ١/ ٢٥١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٥؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٢؛ ورصف المباني ص٤٥٢؛ وشرح التصريح ١/ ١٤٠؛ ولسان العرب ٣/ ٢٢٣ "سند"، ٣/ ٣٥٥ "قصد"، ١٤/ ١٤١ "جرا" ١٥/ ٤٩١ "يا".
(٢) عجزه: بصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأمْثل والبيت من الطويل وهو لامرئ القيس في ديوانه ص١٨؛ والأزهية ص٢٧١؛ وخزانة الأدب ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥١٣؛ ولسان العرب ١١/ ٣٦١ "شلل"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٧؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٣؛ وجواهر الأدب ص٧٨؛ ورصف المباني ص٧٩.
[ ٣ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"والزم بنا النوعين فهو قد وجب" يحتمل أن يريد بالنوعين أسماء الأفعال والأصوات وهو ما صرح به في شرح الكافية. ويحتمل أن يريد نوعي الأصوات وهو أولى؛ لأنه قد تقدم الكلام على أسماء الأفعال في أول الكتاب. وعلة بناء الأصوات مشابهتها الحروف المهملة في أنها لا عاملة ولا معمولة فهي أحق بالبناء من أسماء الأفعال.
تنبيه: هذه الأصوات لا ضمير فيها بخلاف أسماء الأفعال فهي من قبيل المفردات، وأسماء الأفعال من قبيل المركبات.
خاتمة: قد يعرب بعض الأصوات لوقوعه موقع متمكن كقوله:
٩٨٨- قَد أَقْبَلَتْ عَزَّةُ من عِراقِها مُلصِقَةَ السَّرجِ بخاقِ باقِها
ــ
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
أي: ليس الإصباح أمثل منك لأني أقاسي فيه أيضًا الهموم وهذا قاله بعد تنبهه والأول في حال غفلته. قوله: "فهو قد وجب" قال الغزي: وهو تتميم لصحة الاستغناء عنه بقوله: والزم ا. هـ. وقال سم: قد يقال الأمر بملازمة البناء لا يستوجب وجوبه فقد يؤمر بملازمة الجائز وحينئذٍ فقوله: فهو قد وجب لبيان وجوبه ودفع توهم جوازه فقط. قوله: "نوعي الأصوات" أي: ما خوطب به ما لا يعقل وما أجدى حكاية. قوله: "في أول الكتاب" أي: في قوله وكنيابة عن الفعل إلخ قال سم: قد يقال لم يصرح بها في أول الكتاب غاية الأمر أنه أدخلها في قوله: وكنيابة عن الفعل إلخ فيجوز أن يريد ههنا لدفع توهم عدم إرادتها هناك.
قوله: "فهي أحق بالبناء من أسماء الأفعال" أي: لأن علة بناء أسماء الأفعال مشابهتها للحروف العاملة في أنها عاملة غير معمولة فوجه الشبه في أسماء الأصوات وهو كونها لا عاملة ولا معمولة نادر في غير نوع الحرف إذ لا يوجد في غير نوعه إلا في أسماء الأصوات فيكون الحرف أخص به فتكون مشابهة أسماء الأصوات للحروف في ذلك الوجه أقوى بخلاف وجه الشبه في أسماء الأفعال، وهو كونها عاملة غير معمولة فإنه موجود في الأنواع الثلاثة الاسم والفعل والحرف فلا يقوى وجوده في الحرف قوة وجود وجه الشبه في أسماء الأصوات فتكون مشابهة أسماء الأفعال للحرف دون مشابهة أسماء الأصوات له هكذا ينبغي تقرير وجه الأولوية. قوله: "قد يعرب بعض الأصوات" أي: وجوبًا كما في الدماميني وقوله لوقوعه موقع متمكن أي: بأن تخرج عن معانيها الأصلية وتستعمل في معنى ذلك المتمكن الذي وقعت موقعه فإن خاق باق في البيت غير مستعمل في معناه الأصلي؛ لأنه لم يحك به صوت الجماع بل استعمل في معنى اسم متمكن وهو الفرج وترك الشارح ذكر جواز إعرابها وبنائها فيما إذا أريد لفظها كما في قوله:
وأي جواد لا يقال له هلا
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ١٠/ ٩٤ "خرق".
[ ٣ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: بفرجها وقوله:
٩٨٩- إذ لِمَّتِي مثلُ جَناح غاقِ
أي: غراب. ومنه قول ذي الرمة:
٩٩٠- تداعَينَ باسم الشِّيبِ في مُتَثلِّمِ جَوانبُهُ من بَصرَة وسِلامِ
وقوله أيضًا:
٩٩١- لا يُنْعِشُ الطَّرفَ إلا ما يُخوِّنُهُ داع يُناديهِ باسمِ الماءِ مَبْغومُ
فالشيب صوت شرب الإبل. والماء صوت الظبية كما مر ا. هـ والله أعلم.
ــ
قوله: "إذ لمتي" بكسر اللام يعني شعر رأسي. قوله: "تداعين" أي: الإبل باسم الشيب أي: بمسمى باسم هو الشيب أي: بالصوت المعهود أي: دعا بعضهم بعضًا بذلك الصوت فالشيب هنا مستعمل في نفس الصوت لا محكي به الصوت وقوله: في متثلم أي: حوض ماء متثلم أي: متكسر وقوله: من بصرة وصلام بكسر السين المهملة هما نوعان من الحجارة قاله شيخنا السيد. وعبارة القاموس في باب الراء البصرة بلد معروف إلى أن قال: وحجارة رخوة فيها بياض وفي باب الميم السلمة كفرحة الحجارة والجمع ككتاب. قوله: "لا ينعش الطرف" بالشين المعجمة أي: لا يرفعه قال في القاموس: نعشه الله كمنعه رفعه كأنعشه ونعشه ا. هـ. ومنه سمي النعش نعشًا لارتفاعه وما فاعل ينعش واقعة على أم الظبي وقوله: يخونه بضم التحتية وفتح الخاء المعجمة وكسر الواو المشددة آخره نون أي: يتعهده قال في القاموس: خونه تعهده كتخونه ا. هـ. وقوله داع بدل من ما أو عطف بيان أو خبر لمحذوف والمبغوم بالموحدة فالغين المعجمة من البغم وهو عدم الإفصاح. والمعنى لا يرفع طرف الظبي إلا سماعه أمه التي تتعهده تقول عند تعهدها له ماء.
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٠؛ والدرر ٥/ ٣٠٨؛ وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص١٥٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠٧.
(٢) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في ديوانه ص١٠٧٠؛ وإصلاح المنطق ص٢٩؛ وخزانة الأدب ١/ ١٠٤، ٤/ ٣٤٣؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٣٠٧؛ وشرح المفصل ٣/ ١٤، ٤/ ٨٢، ٨٥؛ ولسان العرب ١/ ٥٤ "شيب"، ٤/ ٦٧ "بصر"؛ وبلا نسبة في الاشتقاق ص٣٥؛ وجمهرة اللغة ص٣١٢، ٨٥٨؛ وخزانة الأدب ٦/ ٣٨٨، ٤٤٢؛ ولسان العرب ١٢/ ٢٩٧ "سلم".
(٣) البيت من البسيط، وهو لذي الرمة في ديوانه ص٣٩٠؛ وخزانة الأدب ٤/ ٣٤٤؛ والخصائص ٣/ ٢٩؛ ومراتب النحويين ص٣٨.
[ ٣ / ٣١٣ ]
نونا التوكيد:
للفِعلِ تَوْكيدٌ بنونينِ هما كنونَي اذْهبنَّ واقْصدْنَهما
يؤكدانِ افعَل ويَفعَل آتِيا ذا طَلبٍ أو شَرْطا أمَّا تالِيا
ــ
نونا التوكيد:
"للفعل توكيد بنونين هما" الثقيلة والخفيفة "كنوني اذهبن واقصدنهما" وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ﴾ [يوسف: ٣٢] وقد تقدم أول الكتاب أن قوله:
٩٩٢- أَقائِلُنَّ أحْضِروا الشُّهودا
ضرورة.
تنبيه: ذهب البصريون إلى أن كلا منهما أصل لتخالف بعض أحكامهما. وذهب الكوفيون إلى أن الخفيفة فرع الثقيلة. وقيل بالعكس. وذكر الخليل أن التوكيد بالثقيلة أشد من الخفيفة "يؤكدان افعل" أي: فعل الأمر مطلقًا نحو: اضربن زيدًا، ومثله الدعاء
ــ
نونا التوكيد:
قوله: "للفعل" قدمه للاختصاص سم. قوله: "بنونين" أي: بكل منهما سم أي: على انفراده. قوله: "ضرورة" أي: وسهلها شبه الوصف بالفعل. قوله: "لتخالف بعض أحكامهما" كإبدال الخفيفة ألفًا وقفًا في نحو: وليكونا وحذفها في نحو: لا تهين الفقير وهما ممتنعان في الثقيلة وكوقوع الشديدة بعد الألف وهو ممتنع في الخفيفة وعورض التعليل بأن الفرع قد يختص بأحكام ليست في الأصل كما في أن المفتوحة فإنها فرع المكسورة، ولها أحكام تخصها. تصريح مع زيادة وحذف. قوله: "فرع الثقيلة" لاختصارها منها؛ ولأن التأكيد في الثقيلة أبلغ سم. قوله: "وقيل بالعكس" يؤيده أن الخفيفة بسيطة والثقيلة مركبة فالخفيفة أحق بالأصالة والثقيلة أحق بالفرعية. قوله: "أشد من الخفيفة" أي: من التوكيد بالخفيفة ويؤيده أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى وقوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ فإن امرأة العزيز كانت أشد حرصًا على سجنه من كونه صاغرًا؛ لأنها كانت تتوقع حبسه في بيتها فتقرب منه وتراه كلما أرادت.
قوله: "يؤكدان افعل" أي: جوازًا كما سيأتي. قوله: "أي: فعل الأمر" قال البعض تبعًا لشيخنا الأولى فعل الطلب ليشمل الدعاء ا. هـ. ويدفع بأن المراد فعل الأمر اصطلاحي وهو يشمل فعل
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٣؛ وشرح التصريح ١/ ٤٢؛ والمقاصد النحوية ١/ ١١٨، ٣/ ٦٤٨، ٤/ ٣٣٤؛ ولرجل من هذيل في حاشية يس ١/ ٤٢؛ وخزانة الأدب ٦/ ٥؛ والدرر ٥/ ١٧٦؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٥٨؛ ولرؤبة أو لرجل من هذيل في خزانة الأدب ١١/ ٤٢٠، ٤٢٢؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٢٤٢؛ وأوضح المسالك ١/ ٢٤؛ والجنى الداني ص١٤١؛ والخصائص ١/ ١٣٦؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٤٧؛ والمحتسب ١/ ١٩٣؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٣٦؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٩.
[ ٣ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كقوله:
"فأنزلن سكينة علينا"
"ويفعل" أي: المضارع بالشرط الآتي ذكره ولا يؤكدان الماضي مطلقًا. وأما قوله:
٩٩٣- دامَنَّ سَعدُكَ إنْ رَحِمتَ مُتَيَّمًا
فضرورة شاذة سهلها كونه بمعنى الاستقبال. وإنما يؤكد بهما المضارع حال كونه "آتيا ذا طلب" بأن يأتي أمرًا نحو: ليقومن زيد، أو نهيا نحو: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾
ــ
الدعاء مع أنه لو قال فعل الطلب لشمل المضارع المقرون بلام الأمر مع أنه سيذكره المصنف ولا ينافي كون المراد بفعل الأمر ما ذكر قوله: ومثله الدعاء لإمكان حمله على الاستخدام بأن يجعل الضمير عائدًا على فعل الأمر لا بالمعنى الأعم المتقدم، بل بالمعنى الخاص المقابل للدعاء أو على جعل الضمير عائدًا على اضربن زيدًا لا على فعل الأمر فتأمل. قوله: "مطلقًا" أي: من غير شرط؛ لأنه مستقبل دائمًا ا. هـ. تصريح ويرشد إلى تفسير الإطلاق بذلك قوله بعد أي: المضارع بالشرط الآتي فهو أحسن من قول البعض أي: سواء كان على زنة إفعل أو غيرها كانفعل وافتعل. قوله: "فأنزلن سكينة علينا" تمامه:
وثبت الأقدام إن لاقينا
وهو من كلامه -ﷺ- الموافق لوزن الزجر. قوله: "بالشرط الآتي" هو قوله آتيا ذا طلب إلخ. قوله: "ولا يؤكدان الماضي" لأنهما يخلصان مدخولهما للاستقبال وذلك ينافي المضي ا. هـ. تصريح. قوله: "مطلقًا" أي: ولو كان ذلك الماضي بمعنى المستقبل طردًا للباب. قوله: "دامن سعدك" بكسر الكاف إن رحمت متيمًا من تيمه الحب أي: استعبده وذلله وتمامه:
لولاك لم يك للصبابة جانحا
أي: مائلًا والصبابة رقة الشوق. قوله: "فضرورة شاذة" أي: ليس للمولدين ارتكابها في شعرهم وكذا أقائلن إلخ وإن أوهم صنيعه خلافه. قوله: "سهلها كونه بمعنى الاستقبال" لأن الدوام إنما يتحقق في الاستقبال ا. هـ. سم. وقال الدماميني: سهلها ما فيه من معنى الطلب فعومل معاملة الأمر. قوله: "آتيا ذا طلب إلخ" عبارة التوضيح وأما المضارع فله حالات أي: خمس: إحداها أن يكون توكيده بهما واجبًا وذلك إذا كان مثبتًا مستقبلًا جوابًا لقسم غير مفصول من لامه بفاصل نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، ثم قال: والثانية أن يكون قريبًا من الواجب وذلك إذا كان شرطًا؛ لأن المؤكدة بما نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ [الأنفال: ٥٨]، ثم قال الثالثة أن
_________________
(١) عجزه: لولاك لم يكُ للصَّبابَةِ جَانِحا والبيت من الكامل وهو بلا نسبة في الجنى الداني ص١٤٣؛ والدرر ٥/ ١٦١؛ وشرح شواهد المغني ص٧٦٠؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٣٩؛ والمقاصد النحوية ١/ ١٢٠، ٤/ ٣٤١؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
[ ٣ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[إبراهيم: ٤٢]، أو عرضا نحو: ألا تنزلن عندنا، أو تحضيضًا كقوله:
٩٩٤- هَلا تَمُنِّنْ بوعَدٍ غيرَ مُخْلِفةٍ كما عهدتُّكِ في أيامِ ذي سَلَمِ
أو تمنيا كقوله:
٩٩٥- فَلَيتَكِ يومَ الملتَقى تَرَيِنَّنِي لكي تَعْلمي أني امرؤٌ بكِ هائِمٌ
أو استفهامًا كقوله:
ــ
يكون كثيرًا وذلك إذا وقع بعد أداة طلب كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلًا﴾ "إبراهيم: ٤٢"، ثم قال: والرابعة أن يكون قليلًا وذلك إذا وقع بعد لا النافية أو ما الزائدة التي لم تسبق بأن. ثم قال: والخامسة أن يكون أقل وذلك بعد لم وبعد أداة جزاء غير إما ا. هـ. قال شيخنا: وينبغي أن تزاد سادسة وهي امتناع التوكيد كالمضارع المنفي الواقع جواب القسم نحو: والله لا تفعل كذا والمضارع الحالي نحو: والله ليقوم زيد الآن والمضارع المفصول من لام القسم كما سيذكره الشارح قال في النكت: أورد على الناظم نحو: قولك للعاطس يرحمك الله وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ونحو: ذلك مما أوقع فيه الخبر موقع الطلب فإنه يصدق عليه أنه يفعل آتيا ذا طلب ولا يجوز توكيده، فلو قال يفعل المقترن بنهي أو استفهام إلخ لكان أولى ا. هـ. ويجاب بأنا لا نسلم أن الطلب فيما أورده بالفعل وحده كما هو فرض الكلام بل بالجملة؛ لأنها من الجمل الخبرية المستعملة في الإنشاء ولئن سلم أن الطلب فيه بالفعل وحده فالمراد ذا طلب بأداة كلام الأمر ولا الناهية والطلب فيما أورده ليس كذلك فاعرفه وذا طلب حال من ضمير آتيا.
قوله: "هلا تمنن" أصله تمنين فلما أكد بالنون حذفت نون الرفع تخفيفًا فالتقى ساكنان الياء والنون فحذفت الياء وذي سلم موضع بالحجاز ا. هـ. زكريا وغير مخلفة حال من الياء المحذوفة. قوله: "ترينني" فيه الشاهد وأصله قبل نون التوكيد ترأيين بقلب حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت الهمزة فصار تريين فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصار ترين فلما أكد بالنون حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال وكسرت الياء للتخلص من الساكنين ولم تحذف لعدم ما يدل عليها فلما أتى بياء المتكلم لحقت نون الوقاية فصار ترينني ويوم ظرف لغو متعلق بترينني. قوله: "أو استفهامًا" أي: بجميع أدواته اسمية كانت أو حرفية خلافًا لمن خصه بالهمزة وهل ا. هـ. دماميني ولذا عدد الشارح الأمثلة.
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٩؛ والدرر ٥/ ١٥٠؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠٠؛ والدرر ٥/ ١٥١؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
[ ٣ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٩٩٦- وهل يَمْنَعَنِّي ارْتيادِي البِلا د من حَذَرِ الموتِ أن يأتِيَنْ
وقوله:
٩٩٧- أَفَبَعْدَ كِندَةَ تَمْدحنَّ قَبِيلا
وقوله:
٩٩٨- فأَقْبِل على رَهْطِي ورَهْطِكَ نَبْتَحِثْ مساعينا حتى نرى كيف نَفْعلا
أو دعاء كقوله:
٩٩٩- لا يَبْعُدنْ قَومي الذين همو سُمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزُرِ
النازلون بكل مُعتركٍ والطيبونَ معاقِدَ الأزُرِ
"أو" آيتا "شرطا إما تاليا" إما في موضع النصب مفعول به لتاليا، أي: شرطًا تابعًا أن
ــ
قوله: "وهل يمنعني ارتيادي البلاد" أي: طوافي بها ومن حذر الموت تعليل لارتيادي وقوله: أن يأتين أي: من إتيانه متعلق بيمنعني. قوله: "أفبعد كندة" بكسر الكاف وسكون النون اسم قبيلة وقبيلًا ترخيم قبيلة للضرورة ا. هـ. تصريح. وقال زكريا: قبيلًا أي: جماعة ثلاثة فأكثر ا. هـ. قال أرباب الحواشي: وهو أولى؛ لأنه لا يلزم عليه ارتكاب ضرورة. قوله: "فأقبل إلخ" الشاهد في نفعلا حيث أكده بالنون الخفيفة لوجود الاستفهام ثم أبدلها ألفًا للوقف ونبتحث مساعينا جواب الأمر أي: نفتش عن مآثرنا أفاده زكريا. قوله: "لا يبعدن" أي: لا يهلكن وتقدم الكلام على البيت في النعت. قوله: "أما في موضع النصب إلخ" ويصح أن يكون إما بدلًا من شرطًا وشرطًا مفعول تاليًا.
_________________
(١) البيت من المتقارب، وهو للأعشى في ديوانه ص٦٥، ٦٩؛ والكتاب ٤/ ١٨٧؛ والدرر ٥/ ١٥١؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٤٦؛ وشرح المفصل ٩/ ٤٠، ٨٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٤؛ والمحتسب ١/ ٣٤٩؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ٢/ ٧٨.
(٢) صدره: قالت فطيمة حَلَّ شِعركِ مِدحَةًَ البيت من الكامل، وهو للمقنع في الكتاب ٣/ ٥١٤؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠١؛ وجواهر الأدب ص١٤٣؛ وخزانة الأدب ١١/ ٣٨٣، ٣٨٤؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
(٣) البيت من الطويل، وهو للنابغة الجعدي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٥١ وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في الدرر ٥/ ١٥٣؛ والكتاب ٣/ ٥١٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
(٤) البيت من الكامل، وهما للخرنق بنت هفان في ديوانها ص٤٣؛ والأشباه والنظائر ٦/ ٢٣١؛ وأمالي المرتضى ١/ ٢٠٥؛ والإنصاف ٢/ ٤٦٨؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣١٤؛ والحماسة البصرية ١/ ٢٢٧؛ وخزانة الأدب ٥/ ٤١، ٤٤؛ والدرر ٦/ ١٤، وسمط اللآلي ص٥٤٨؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦؛ وشرح التصريح ٢/ ١١٦؛ والكتاب ١/ ٢٠٢، ٢/ ٥٧، ٥٨، ٦٢؛ ولسان العرب ٥/ ٢١٤ "نضر"؛ والمحتسب ٢/ ١٩٨؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٠٢، ٤/ ٧٢؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص٤١٦.
[ ٣ / ٣١٧ ]
أو مُثْبتًا في قِسم مُسْتقبَلا وقَلَّ بعدَ ما ولم وبَعْدَ لا
ــ
الشرطية المؤكدة بما، نحو، وإما تخافن، فإما تذهبن، فإما ترين، واحترز من الواقع شرطًا بغير إما. فإن توكيده قليل كما سيأتي "أول" آتيا "مثبتا في" جواب "قسم مستقبلا" غير مفصول من لامه بفاصل نحو: ﴿تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] . وقوله:
١٠٠٠- فمن يكُ لم يَثْأَرْ بأَعْراضِ قَومِهِ فإنِّي وربِّ الراقصاتِ لأَثْأَرا
ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيا نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] إذ التقدير: لا تفتؤ. وأما قوله:
١٠٠١- تاللهِ لا يُحْمدَنَّ المرءُ مُجْتنبًا فِعلَ الكرامِ ولو فاق الوَرى حَسَبا
فشاذ أو ضرورة، أو كان حالًا كقراءة ابن كثير: "لأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ". وقوله:
١٠٠٢- يمينًا لأَبْغُضُ كُلَّ امرِئٍ يُزَخْرِفُ قَولا ولا يَفْعلُ
وقوله:
١٠٠٣- لئن تكُ قد ضاقَتْ عَلَيكم بيوتُكم لَيَعُلمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِي واسِعُ
ــ
والمعنى تاليًا شرطًا إما وشرطًا على هذا بمعنى أداة شرط وعلى ما ذكره الشارح بمعنى فعل شرط. قوله: "المؤكدة بما" أي: الزائدة. قوله: "فإما ترينّ" تقدم تصريفه لكن نون الرفع حذفت هنا للجازم وشذ ثبوتها في قراءة من قرأ "تَرَينَّ" بياء ساكنة بعدها نون الرفع على حد قوله: لم يوفون بالجار كما في المغني.
قوله: "فإن توكيده قليل" عبر بالتوضيح بأقل كما مر. قوله: "فمن يك لم يثأر بأعراض قومه" أي: لم ينتصر لها وهو بسكون المثلثة وفتح الهمزة والأعراض جمع عرض وهو ما يحميه الإنسان من أن يعاب فيه وأراد بالراقصات إبل الحجيج التي تهتز أطرافها في مشيها كأنها ترقص والشاهد في لأثأرا فإنه أكده بالنون الخفيفة ثم أبدلها ألفًا للوقف أفاده زكريا. قوله: "أو كان حالًا" منع البصريون الأقسام على فعل الحال فلا يجوزون والله لأفعل الآن كما سيأتي في التنبيه الثاني ويؤوّلون القراءة والبيتين بأنها على إضمار مبتدأ. قوله: "يمينًا لأبغض" مضارع من باب نصر وأما أبغض يبغض بالضم فلغة رديئة ذكره شيخنا السيد وقوله: يزخرف قولًا إلخ أي: يزين قوله:
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص٧٦؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٥٠؛ والكتاب ٣/ ٥١٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٦؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ٩/ ٣٩.
(٢) البيت من البسيط.
(٣) البيت من المتقارب، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٥؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٨.
(٤) البيت من الطويل، وهو للكميت بن معروف في خزانة الأدب ١٠/ ٦٨، ٧٠، ١١/ ٣٣١، ٣٥١، ٤٢٩؛ وبلا نسبة في شرح التصريح ٢/ ٢٥٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٧.
[ ٣ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو كان مفصولًا من اللام مثل: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، ونحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] .
تنبيهان: الأول التوكيد في هذا النوع واجب بالشروط المذكورة كما نص عليه في التسهيل وهو مذهب البصريين، فلا بد عندهم من اللام والنون فإن خلا منهما قدر قبل حرف النفي، فإذا قلت والله يقوم زيد كان المعنى نفي القيام عنه، وأجاز الكوفيون تعاقبهما، وقد ورد في الشعر، وحكى سيبويه: والله لأضربه. وأما التوكيد بعد الطلب فليس بواجب اتفاقًا. واختلفوا فيه بعد أماو فمذهب سيبويه أنه ليس بلازم ولكنه أحسن ولهذا لم يقع في القرآن إلا كذلك، وإليه ذهب الفارسي وأكثر المتأخرين وهو الصحيح، وقد كثر في الشعر مجيئه غير مؤكد، من ذلك قوله:
١٠٠٤- يا صاحِ إما تَجِدْنِي غيرَ ذي جِدَةٍ فما التَّخَلِّي عن الخلّانِ من شِيمِي
وقوله:
١٠٠٥- فإما تَرَينِي وَلي لِمَّةٌ فإنَّ الحوادِثَ أَودَى بِها
وقوله:
ــ
بالوعد ولا يفعل ما يعد به. قوله: "أو كان مفصولًا من اللام" أي: بمعموله كالمثال الأول أو بحرف تنفيس كالمثال الثاني أو بقد نحو: والله قد يقوم زيد كما في سم. قوله: "التوكيد في هذا النوع" أي: الواقع في جواب القسم واجب؛ لأنهم كرهوا أن يؤكد الفعل بأمر منفصل وهو القسم من غير أن يؤكدوه بما يتصل به وهو النون بعد صلاحيته له. جامي.
قوله: "قدر قبل" وفي بعض النسخ قبله. قوله: "كان المعنى نفي القيام عنه" به أخذ الحنفية فقالوا إذا قال الشخص والله أصوم حنث بالصوم والذي يقتضيه بناء الأيمان على العرف الحنث بعدم الصوم كما هو مذهب غيرهم. قوله: "وأجاز الكوفيون تعاقبهما" أي: اللام والنون فيكتفي بأحدهما. قوله: "غير ذي جدة" بكسر الجيم أي: سعة في المال. قوله: "فأما تريني إلخ" اللمة بكسر اللام شعر الرأس وأودي هلك وهو يتعدى بالباء فمعنى أودى بها أهلكها وإنما لم يقل أودت بها ليوافق تأسيس القافية وهو الألف الواقعة قبل حرف متحرك قبل حرف الرويّ،
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٧؛ وخزانة الأدب ١١/ ٤٣١؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٩.
(٢) البيت من المتقارب، وهو للأعشى في ديوانه ص٢٢١، وخزانة الأدب ١١/ ٤٣٠، ٤٣١، ٤٣٢، ٤٣٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٧٧؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٣٤٦؛ وشرح المفصل ٥/ ٩٥، ٩/ ٤١؛ والكتاب ٢/ ٤٦؛ ولسان العرب ٢/ ١٣٢ "حدث" ١٥/ ٣٨٥ "ودي"؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٦؛ وبلا نسبة في الإنصاف ص٧٦٤؛ وأوضح المسالك ٢/ ١١٠؛ ورصف المباني ص١٠٣، ٣١٦؛ وشرح المفصل ٩/ ٦.
[ ٣ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٠٦- فإمَّا تَرَيني كابنَةِ الرَّمْلِ ضَاحِيًا على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أَتَنَعَّلُ
وذهب المبرد والزجاج إلى لزوم النون بعد إما، وزعما أن حذفها ضرورة. الثاني: منع البصريون نحو: والله ليفعل زيد الآن، استغناء عنه بالجملة الاسمية المصدرة بالمؤكد كقولك: والله إن زيدًا ليفعل الآن، وأجازه الكوفيون. ويشهد لهم ما تقدم من قراءة ابن كثير لأقسم، والبيتين ا. هـ. "وقل" التوكيد "بعد ما" الزائدة التي لم تسبق بأن من ذلك قولهم: بعين ما أرينك. وبجهد ما تبلغن، وحيثما تكونن آتك، ومتى ما تقعدن أقعد. وقوله:
١٠٠٧- إذا ماتَ منهم مَيتٌ سرقَ ابنُهُ ومن عِضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شَكِيرُها
وقوله:
١٠٠٨- قليلا به ما يحمدنك وارث
ــ
زكريا. قوله: "كابنة الرمل" يعني الناقة ضاحيًا يعني ملاقيًا لحر الشمس على رقة يعني مع رقة جلد قدمي. قوله: "منع البصريون نحو: والله ليفعل زيد الآن" أي: من كل جواب قسم مضارع حالي مثبت ويظهر لي أن منعهم ذلك من لوازم قولهم السابق لا بد من اللام والنون فإن نحو: المثال المذكور لم يجتمع فيه اللام والنون لمنافات النون للحال لاقتضائها الاستقبال.
قوله: "من قراءة ابن كثير لأقسم" ومن منع الإقسام على فعل الحال أول ذلك على إضمار مبتدأ أي: لأنا أقسم ا. هـ. زكريا قال الدماميني والذي يظهر مذهب الكوفيين إذ لا حاجة إلى الإضمار مع كون الحال لا ينافي القسم كما اعترف به البصريون في الجملة الاسمية ا. هـ. وفيه أن علة منع البصريين ليست فيما يظهر منافاة القسم للحال حتى يرد عليهم أنه لا ينافي الحال كما قالوا به في الجملة الاسمية بل إنه لا بد عندهم من اجتماع اللام والنون، والنون لا تأتي هنا لمنافاتها الحال كما قدمناه فعلم ما في كلام البعض. قوله: "التي لم تسبق بأن" سواء سبقت بأداة شرط أم لا كما مثل. قوله: "بعين ما أرينك" تقوله لمن يخفى أمرًا أنت به بصير تصريح.
قوله: "وبجهد ما تبلغن" تقوله لمن حملته فعلًا فأباه أي: لا بد لك من فعله مع مشقة تصريح. قوله: "إذا مات إلخ" المعنى إذا مات منهم شخص سرق ابنه صفاته فصار مثله. وقوله: ومن عضة إلخ قال الشارح: في شرحه على التوضيح العضة بالتاء واحدة العضاه بالهاء وهو كل شجر عظيم له شوك والتاء عوض من الهاء الأصلية كما في شفة والشكير ما يثبت حول الشجرة من أصلها قاله الجوهري ا. هـ. قوله: "قليلًا به" أي: حمدًا قليلًا وضمير به للمال في بيت قبله ا. هـ.
_________________
(١) البيت من الطويل.
(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠٣؛ وخزانة الأدب ٤/ ٢٢، ٦/ ٢٨١، ١١/ ٢٢١، ٤٠٣؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٥؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٦٤٣؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦١؛ والكتاب ٣/ ٥١٧؛ ولسان العرب ٤/ ٤٢٦ "شكر"؛ ١٣/ ٥١٦، ٥١٨ "عضه"؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٤٠.
(٣) عجزه: إذا نال مما كنت تَجْمَعُ مَغْنَما والبيت من الطويل، وهو لحاتم الطائي في ديوانه ص٢٢٣؛ والدرر ٥/ ١٦٣؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٥؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٥١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٨؛ ونوادر أبي زيد ص١١٠؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهان: الأول مراد الناظم أن التوكيد بعد ما المذكور قليل بالنسبة إلى ما تقدم، لا قليل مطلقًا، فإنه كثير كما صرح به في غير الكتاب، بل ظاهر كلامه اطراده. وإنما كان كثيرًا من قبل أن ما لما لازمت هذه المواضع أشبهت عندهم لام القسم فعاملوا الفعل بعدها معاملته بعد اللام. نص على ذلك سيبويه كما حكاه في شرح الكافية. الثاني كلامه يشمل ما الواقعة بعد رب، وصرح في الكافية بأن التوكيد بعدها شاذ، وعلل ذلك بأن الفعل بعدها ماضي المعنى، ونص بعضهم على أن إلحاق النون بعدها ضرورة، وظاهر كلامه في التسهيل أنه لا يختص بالضرورة، وهو ما يشعر به كلام سيبويه فإن حكى ربما يقولن ذلك. ومنه قوله:
١٠٠٩- رُبّما أوفَيتُ في عَلَمٍ تَرْفَعَنْ ثَوبِي شمالاتُ
ــ
زكريا. قوله: "لا قليل مطلقًا" أي: بالنسبة لما تقدم وفي نفسه. قوله: "بل ظاهر كلامه اطراده" لكن في التصريح أنه لا يقاس على المواضع التي سمع فيها زيادة ما، وأنه لا يحذف منها ما. قوله: "لما لازمت هذه المواضع" يعني بعد عين وجهد وحيث ومتى وعضة وقليلًا في التراكيب المتقدمة وما أشبهها، وعندي في اللزوم بالنسبة إلى متى نظر للقطع بجواز متى تقعد أقعد فتأمل، وإنما زيدت ما بعد النكرة لتوكيد الإبهام كما قال شيخنا، وقول البعض لزوال الإبهام سبق قلم. قوله: "أشبهت" أي: في اللزوم وأما قول شيخنا: أي: في التوكيد فيرد عليه أن المشابهة في التوكيد لا تتوقف على اللزوم لترتب التوكيد بما على مجرد حصولها. قوله: "معاملته بعد اللام" أي: في مطلق توكيده فلا يرد أن توكيده بعد اللام واجب عند البصريين وبعد ما هذه قليل. قوله: "ماضي المعنى" أي: فلا يناسبه التوكيد بالنون المقتضية للاستقبال، والمراد ماضي المعنى غالبًا فلا يرد ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. قوله: "وظاهر كلامه في التسهيل إلخ" يصح تمشيته على أنه قليل وعلى أنه شاذ.
قوله: "ربما أوفيت إلخ" أي: نزلت والعلم الجبل وفي بمعنى على والشاهد في ترفعن
_________________
(١) البيت من المديد، وهو لجذيمة الأبرش في الأزهية ص٩٤، ٢٦٥؛ والأغاني ١٥/ ٢٥٧؛ وخزانة الأدب ١١/ ٤٠٤؛ والدرر ٤/ ٢٠٤؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٨١؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٢؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٢١٩؛ وشرح شواهد المغني ص٣٩٣؛ والكتاب ٣/ ٥١٨؛ ولسان العرب ٣/ ٣٢ "شيخ"، ١١/ ٣٦٦ "شمل"؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٣٤٤، ٤/ ٣٢٨؛ ونوادر أبي زيد ص٢١٠؛ وبلا نسبة في جواهر الأدب ص٢٩٣، ٣٦٦، ٣٦٨، وأوضح المسالك ٣/ ٧٠؛ والدرر ٥/ ١٦٢؛ ورصف المباني ص٣٣٥؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٦؛ وشرح المفصل ٩/ ٤٠؛ وكتاب اللامات ص١١١؛ ومغني اللبيب ص١٣٥، ١٣٧، ٣٠٩؛ والمقتضب ٣/ ١٥؛ والمقرب ٢/ ٧٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٣٨، ٧٨.
[ ٣ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ا. هـ. "ولم" أي: وقل التوكيد بعد لم كقوله:
١٠١٠- يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لم يَعْلَما شيخًا على كُرْسِيِّه مُعَمَّمَا
تنبيه: نص سيبويه على أنه ضرورة؛ لأن الفعل بعدها ماضي المعنى كالواقع بعد ربما. قال في شرح الكافية: وهو بعد ربما أحسن "وبعد لا" أي: وقل التوكيد بعد لا النافية. قال في شرح الكافية: وقد يؤكد بإحدى النونين المضارع المنفي بلا تشبيهًا بالنهي كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وقد زعم قوم أن هذا نهي وليس بصحيح. ومثله قول الشاعر:
١٠١١- فلا الجارَةُ الدُّنْيا بها تُلحِيَنَّها ولا الضيفُ فيها إن أَناخَ مُحَوَّلُ
ــ
وفاعله شمالات جمع شمال ريح من ناحية القطب، زكريا. قوله: "أي: وقل التوكيد بعد لم" القلة بالنسبة إلى التوكيد بعد لم بمعنى الندور كما في ابن الناظم وغيره. قوله: "يحسبه" أي: الجبل الذي عمه الخصب وحفه النبات والشاهد في ما لم يعلما ا. هـ. عيني وهذا ما نقله السيوطي في شرح شواهد المغني عن الأعلم، ثم قال: وقال ابن هشام اللخمي: ليس كذلك وإنما شبه اللبن في القعب لما عليه من الرغوة حتى امتلأ بشيخ معمم فوق كرسي، وما قبله من الأبيات يدل على ذلك ا. هـ. قوله: "كالواقع بعد ربما" أي: في أنه ماضي المعنى. قوله: "وهو بعد ربما أحسن" قال شيخنا: وتبعه البعض لعلة؛ لأن لم تقلب المضارع إلى المضي أبدًا بخلاف ربما فإنها قد تدخل على المستقبل كما في: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، ا. هـ. ويحتمل أن الأحسنية لوجود ما الزائدة التي يؤكد بعدها كثيرًا في غير ربما. قوله: "وبعد لا" لم يحتج لتقييدها بالنافية؛ لأنه قد علم من قوله: ذا طلب اطراد التوكيد بعد لا النافية نكت.
قوله: "وليس بصحيح" لعل وجهه أن الجملة صفة فتنة، والجملة الإنشائية لا تقع صفة ا. هـ. سم أي: والأصل عدم التأويلات الآتية من طرف من جعل لا ناهية. قوله: "فلا الجارة الدنيا" أي:
_________________
(١) الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣٣١؛ وله أو لأبي حيان الفقعسي أو لمساور العبسي أو للدبيري أو لعبد بني عبس في خزانة الأدب ١١/ ٤٠٩، ٤١١؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٧٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٨٠؛ ولمساور العبسي أو للعجاج في الدرر ٥/ ١٥٨؛ ولأبي حيان الفقعسي في شرح التصريح ٢/ ٢٠٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٩؛ وللدبيري في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٦٦؛ وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٤٠٩؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٠٦؛ وخزانة الأدب ٨/ ٣٨٨، ٤٥١؛ ورصف المباني ص٣٣، ٣٣٥؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٧٩؛ وشرح ابن عقيل ٥٤٦؛ وشرح المفصل ٩/ ٤٢؛ والكتاب ٣/ ٥١٦؛ ولسان العرب ٣/ ٣٢ "شيخ"؛ ١٤/ ٢٢٩ "خشي"، ١٥/ ٩٩ "عمي"، ٤٢٨ "الألف اللينة"؛ ومجالس ثعلب ص٦٢٠؛ ونوادر أبي زيد ص١٣٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
(٢) البيت من الطويل، وهو للنمر بن تولب في ديوانه ص٣٧٣؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٢٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٢؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ٢٤٧.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلا أن توكيد تصيبن أحسن لاتصال بلا فهو بذلك أشبه بالنهي كقوله تعالى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧]، بخلاف قول الشاعر فإنه غير متصل بلا فبعد شبهه بالنهي، ومع ذلك فقد سوغت لا توكيده، وإن كانت منفصلة فتوكيد تصيبن لاتصاله أحق وأولى. هذا كلامه بحروفه.
تنبيهان: ما اختاره الناظم هو ما اختاره ابن جني. والجمهور على المنع. ولهم في الآية تأويلات: فقيل لا ناهية والجملة محكية بقول محذوف هو صفة فتنة فتكون نظير:
١٠١٢- جاءوا بِمَذْقٍ هل رَأيتَ الذِّئبَ قَطْ
وقيل لا ناهية، وتم الكلام عند قوله: فتنة، ثم ابتدأ نهي الظلمة عن التعرض للظلم
ــ
القريبة لها أي: لجمزة محبوبته وتلحينها خبر الجارة أن ألغيت لا وخبر لا إن أعملت عمل ليس من لحيته ألحاه إذا لمته وفيها بمعنى عنها والضمير لجمزة وتقدير عجز البيت: ولا الضيف محول عنها إن أناخ أي: نزل. وجمزة بالجيم والزاي نقله شيخنا وقوله: وخبر لا إن أعملت عمل ليس أي: بناء على القول بجواز عملها في المعرفة، والذي في المغني بها بالباء بدل اللام وعليه فالباء ظرفية والضمير المجرور بها عائد إلى أرض المحبوبة، وكذا الضمير في فيها وفيها حال من الضيف صرح بذلك الدماميني. قوله: "ما اختاره الناظم" أي: من جواز التوكيد بعد لا النافية على قلة. قوله: "على المنع" أي: منع التوكيد بالنون بعد لا النافية إلا في الضرورة. قوله: "بقول محذوف هو صفة فتنة" والتقدير واتقوا فتنة مقولًا فيها لا تصيبن إلخ أي: وفي لا تصيبن إلخ تحويل النهي الآتي بيانة في الوجه الثاني ويحتمل عندي تنزيل الفتنة منزلة العاقل الذي ينهى فلا تحويل.
قوله: "فأخرج النهي عن إسناده للفتنة" يعني أن النهي وإن كان باعتبار القصد الأصلي عن تعرض المخاطبين للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة، والأصل لا تتعرضوا للظلم فتصيبكم الفتنة خاصة، لكنه حول في العبارة عن إيقاعه على هذا التعرض إلى إيقاعه على الإصابة المسببة عنه، وأوقع الذين ظلموا موقع ضمير خطاب جماعة الذكور تنبيهًا على أنهم إن تعرضوا كانوا ظالمين، فقول الشارح: أخرج أي: حول. وقوله: عن إسناده أي: إيقاعه وصلته محذوفة أي: إسناده للتعرض للظلم، وقوله: للفتنة متعلق بأخرج واللام بمعنى إلى مع حذف أي: إلى إسناده لإصابة الفتنة أي: تنزيلًا للمسبب منزلة السبب. وعلى هذا فالإصابة خاصة بالمتعرضين؛ لأن مفعول الإصابة هو فاعل التعرض بخلاف الوجه الأول ومن في منكم على هذا لبيان الجنس لا للتبعيض لئلا ينقسم
_________________
(١) الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣٠٤؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٠٩؛ والدرر ٦/ ١٠؛ وشرح التصريح ٢/ ١١٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٦١؛ وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ١١٥؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣١٠؛ وخزانة الأدب ٣/ ٣٠، ٥/ ٢٤، ٤٦٨، ٦/ ١٣٨؛ وشرح ابن عقيل ص٤٧٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص٥٤١؛ وشرح المفصل ٣/ ٥٢، ٥٣؛ ولسان العرب ٤/ ٣٤٨ "خضر"، ١٠/ ٣٤٠ "مذق"؛ والمحتسب ٢/ ١٦٥؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٤٦، ٢/ ٥٨٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ١١٧.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتصيبهم الفتنة خاصة فأخرج النهي عن إسناده للفتنة فهو نهي محول، كما قالوا: لا أرينك ههنا، وهذا تخريج الزجاج والمبرد والفراء. وقال الأخفش الصغير: لا تصيبن هو على معنى الدعاء. وقيل جواب قسم والجملة موجبة والأصل لتصيبن كقراءة ابن مسعود وغيره، ثم أشبعت اللام وهو ضعيف؛ لأن الإشباع بابه الشعر. وقيل جواب قسم ولا نافية ودخلت النون تشبيهًا بالموجب كما دخلت في قوله:
١٠١٣- تاللهِ لا يُحْمَدَنَّ المَرْءِ مُجْتَنِبًا فِعْل الكِرامِ
وقال الفراء: الجملة جواب الأمر نحو قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك، ولا نافية ومن منع النون بعد لا النافية منع أنزل عن الدابة لا تطرحنك. الثاني: إذا قلنا بما رآه الناظم فهل يطرد التوكيد بعد لا كلامه يشعر بالاطراد مطلقًا، لكن نص غيره على أنه بعد
ــ
المتعرضون للظلم إلى ظالم وغير ظالم وليس كذلك بخلاف الوجه الأول فمن عليه للتبعيض. قوله: "كما قالوا لا أرينك" هو نهي محول عن إسناده للمخاطب إلى إسناده للمتكلم، والأصل لا تأت فحول النهي عن الإتيان الذي هو سبب لرؤيته إلى المسبب الذي هو الرؤية سم. قوله: "هو على معنى الدعاء" أي: فلا دعائية لا نافية وحينئذٍ فهي إنشائية فلا تكون صفة فتنة فلا بد من تقدير القول، أو الوقف على فتنة، ولا يخفى أنه يلزم على هذا الوجه أن يكون الدعاء على الظالمين وغيرهم، وأنه إنما يأتي إذا كان هذا الكلام مقولًا على لسان بعض الناس، وفي ذلك ما لا يخفى فهذا الوجه عندي شديد الضعف فتأمل.
قوله: "وقيل جواب قسم ولا نافية" قال البعض: كان الصواب عدم ذكر هذا في التأويلات المذكورة؛ لأنها على مذهب الجمهور المانعين جواز التوكيد بعد لا النافية ا. هـ. وقد يدفع بحمل إنكارهم مجيء التوكيد بعد النفي بلا على النفي الذي ليس جواب قسم بدليل قولهم هنا بسماعه في النفي الذي هو جواب قسم. قوله: "تشبيهًا بالموجب" أي: بالجواب الموجب أي: في التوكيد مع كونه سماعيا. قوله: "جواب الأمر" يعني اتقوا وممن ذكر هذا الوجه الزمخشري وهو فاسد؛ لأن المعنى حينئذٍ أن تتقوها لا تصيب الظالم خاصة، وقوله: إن التقدير: إن أصابتكم لا تصيب الظالم خاصة مردود؛ لأن الشرط إنما يقدر من جنس الأمر لا من جنس الجواب ألا ترى أنك تقدر في ائتني أكرمك إن تأتني أكرمك ا. هـ. مغني. وأجاب التفتازاني بأنه على رأي: من يقدر ما يناسب الكلام ولا يلتزم كون المقدر من جنس الأمر ولا موافقًا له نفيًا وإثباتًا فيصح في الآية تقدير إن لم تتقوا وتقدير إن أصابتكم كذا في الشمني.
قوله: "مطلقا" أي: سواء كانت لا مفصولة من المضارع بفاصل كما في قوله فلا الجارة
_________________
(١) تمام البيت: تاللهِ لا يُحمدَنَّ المرءُ مُجْتنبًا فِعْلَ الكرامِ ولو فاقَ الورَى حَسَبا وهو من البسيط.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وغَيْرِ إمّا مِن طَوالِبِ الجَزَا وآخِرَ المؤكَّدِ افْتَحْ كابرُزا
ــ
المفصولة ضرورة "وغير إما من طوالب الجزا" أي: وقل بعد غير إما الشرطية من طوالب الجزاء، وذلك يشمل إن المجردة عن ما وغيرها، ويشمل الشرط والجزاء. فمن توكيد الشرط بعد غير إما قوله:
١٠١٤- مَنْ يُثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيسَ بآيِبٍ
ومن توكيد الجزاء قوله:
١٠١٥- فمهما تَشَأ مِنْهُ فَزازَةُ تُعْطِكُمْ ومهما تَشَأ مِنْه فزارَةُ تَمْنَعَا
وقوله:
١٠١٦- ثَبَتُّم ثباتَ الخَيْزُرانِيِّ في الوغَى حديثًا مَتى ما يأتِكَ الخيرُ يَنْفَعا
ــ
الدنيا البيت المتقدم أو موصولة به. قوله: "على أنه بعد المفصولة ضرورة" الذي في المغني أنه بعد المفصولة والموصولة سماعي. قوله: "وذلك يشمل إلخ" أي: قولنا وقل بعد غير إما الشرطية، لكن محط شمول إن وغيرها قوله: غير إما ومحط شمول الشرط والجزاء قوله: بعد غير. قوله: "وغيرها" بالنصب عطفًا على أن. قوله: "والجزاء" أي: جزاء غير إما من طوالب الجزاء لعدم شمول كلام المصنف جزاء إما، ويمكن أن يعمم في الجزاء بناء على أن جزاء إما داخل في كلام المصنف بمفهوم الموافقة الأولوي فاعرفه. قوله: "من يثقفن" بالبناء للمجهول أي: يوجدن، يقال ثقفته من باب فهم أي: وجدته والآيب الراجع وتوهم البعض أن يثقفن مبني للفاعل بمعنى يوجدن فقال يثقفن مضارع ثقف من باب علم يعلم أي: يوجدن ا. هـ. وهو خطأ واضح، ثم رأيت في نسخة صحيحة من العيني ونسخة صحيحة من ابن الناظم تثقفن بتاء الخطاب مبنيا للفاعل فيكون بمعنى تجدن وهو واضح. قوله: "فمهما تشأ إلخ" منه متعلق بتعطكم وفزارة فاعل تشأ. قوله: "حديثا"
_________________
(١) عجزه: أبدا وقتلُ بني قتيبة شَافي والبيت من الكامل، وهو لبنت مرة بن عاهان في خزانة الأدب ١١/ ٣٨٧، ٣٩٩؛ والدرر ٥/ ١٦٣؛ ولبنت أبي الحصين في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٦٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٥؛ وشرح ابن عقيل ص٥٤٧؛ والكتاب ٣/ ٥١٦؛ والمقتضب ٣/ ١٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٠؛ والمقرب ٢/ ٧٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٩.
(٢) البيت من الطويل، وهو للكميت بن معروف في حماسة البحتري ص١٥؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٧٢؛ وللكميت بن ثعلبة في خزانة الأدب ١١/ ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٩٠؛ ولسان العرب ٨/ ٣٧٣ "قزع"؛ وللكميت بن معروف أو للكميت بن ثعلبة في المقاصد النحوية ٤/ ٣٣٠؛ ولعوف بن عطية بن الخرع في الدرر ٥/ ١٦٥؛ والكتاب ٣/ ٥١٥؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٥٠٩، ٥١٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٩.
(٣) البيت من الطويل، وهو للنجاشي الحارثي في ديوانه ص١١٠؛ وخزانة الأدب ١١/ ٣٨٧، ٣٩٥، ٣٩٧؛ والدرر ٥/ ١٥٦؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٠٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٤؛ وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٥١٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهان: الأول مقتضى كلامه أن ذلك جائز في الاختيار وبه صرح في التسهيل فقال: وقد تلحق جواب الشرط اختيارًا، وذهب غيره إلى أن دخولها في غير شرط إما وجواب الشرط مطلقًا ضرورة. الثاني جاء توكيد المضارع في غير ما ذكر وهو في غاية الندرة؛ ولذلك لم يتعرض له، ومنه قوله:
١٠١٧- لَيتَ شِعْرِي وأَشْعُرَنَّ إذا ما قَرَّبُوهَا مَنْشورَةً ودُعِيتُ
وأشذ من هذا توكيد أفعل في التعجب كقوله:
١٠١٨- ومُسْتَبْدلٍ من بعدِ عَضْبَى صَرِيمَةً فَأَخْرِ بِهِ مِنْ طولِ فَقْرٍ وأَحْرِيا
وهذا تشبيه لفظ بلفظ وإن اختلفا معنى. وأشذ من هذا قوله:
أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودا
"وآخر المؤكد افتح" لما عرف أول الكتاب أنه تركب معها تركيب خمسة عشر، ولا فرق بين أن يكون صحيحًا "كابرزا" إذ أصه ابرزن بالنون الخفيفة فأبدلت ألفا في الوقف كما سيأتي، واضربن، أو معتلا نحو: اخشين وارمين واغزون: أمرًا كما مثل، أو مضارعًا نحو: هل تبرزن وهل ترمين. هذه لغة جميع العرب سوى فزارة فإنها تحذف آخر الفعل إذا كان ياء تلي كسرة، نحو: ترمين فتقول هل ترمن يا زيد، ومنه قوله:
ــ
أي: حدث حديثًا أي: قل ذلك جهارًا فإنه مسلم.
قوله: "وجواب الشرط" معطوف على غير. وقوله: مطلقًا أي: سواء كان جواب إما أو جواب غيرها. قوله: "الثاني جاء" أي: لضرورة الشعر كما قاله المرادي فمع كونه في غاية الندرة كما قال الشارح: هو خاص بالضرورة. قوله: "في غير ما ذكر" أي: غير المواضع السبعة. قوله: "ليت شعري" أي: علمي أي: ليتني أعلم والضمير في قربوها لصحيفة الأعمال. قوله: "وأشذ من هذا توكيد أفعل في التعجب" أي: لأنه ماض معنى. قوله: "ومستبدل من بعض عضْبَى صريمة" قال الشمني: عضبى معرفة لا تنون ولا تدخلها أل وهي مائة من الإبل وصريمة تصغير صرمة بالكسرة وهي القطعة من الإبل نحو: الثلاثين وأحْريا بحاء مهملة فراء فتحتية. قوله: "من تشبيه لفظ" وهو أفعل في التعجب بلفظ وهو أفعل في الأمر سم. قوله: "وآخر المؤكد افتح" بيان لقاعدة، وقوله: واشكله إلى آخر البيت استثناء منها. قوله: "فإنها تحذف آخر الفعل إلخ" الظاهر أن الفعل على
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو للسموأل بن عادياء في الدرر ٥/ ١٦٦؛ ولسان العرب ٢/ ٧٥ "قوت"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٢؛ وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص٢٧٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٩.
(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في جواهر الأدب ص٥٨؛ والدرر ٥/ ١٥٩؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٥٩؛ وشرح ابن عقيل ص٤٤٦؛ ولسان العرب ١/ ٦٥٠ "غضب"، ١٤/ ١٧٣ "حرى"، ١٥/ ١٢٩ "غضا"؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٣٩؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٤٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
واشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَيْنٍ بما جانَسَ مِن تَحَرُّك قد عُلِما
والمضْمَرَ احذِفَنَّهُ إلا الأَلِفْ وإن يَكُنْ في آخِرِ الفِعْلِ أَلِفْ
_________________
(١) ولا تُقاسِنَّ بَعْدِي اللهَمَّ والجَزَعا هذا إذا كان الفعل مسندًا لغير الألف والواو والياء، فإن كان مسندًا إليهن فحكمه ما أشار إليه بقوله: "واشكله قبل مضمر لين بما جانس" أي: بما جانس ذلك المضمر "من تحرك قد علما" فيجانس الألف الفتح والواو الضم والياء الكسر "والمضمر" المسند إليه الفعل "احذفنه" لأجل التقاء الساكنين مبقيًا حركته دالة عليه "إلا الألف" أبقها لخفتها تقول: يا قوم هل تضربن بضم الباء. ويا هند هل تضربن بكسرها، فأصل يا قوم هل تضربن هل تضربونن فحذفت نون الرفع لكثرة الأمثال فصار تضربون فحذفت الواو لالتقاء ــ هذه مبني على فتحة الياء المحذوفة. قوله: "هذا" أي: ما ذكر من فتح آخر المؤكد. قوله: "واشكله" أي: حرك آخر المؤكد حالة كون هذا الآخر قبل مضمر لين بفتح اللام مخفف لين هذا هو المسموع والظاهر، وإن جاز كسرها على أنه من النعت بالمصدر، وقوله: من تحرك بيان لما وقول الشيخ خالد متعلق بحانس غير ظاهر. قوله: "المسند إليه" قيد به نظر إلى المتبادر من لفظ المضمر وإلا فيصح أن يراد بالمضمر ما يعم الحرف المجعول علامة للتثنية والجمع مجازًا على لغة أكلوني البراغيث نحو: هل يضربن الزيدون بضم الباء. قوله: "احذفنه لأجل التقاء الساكنين" أي: لأنه ليس على حده الجائز إذ شرطه أن يكون الساكنان في كلمة، وهنا ليس كذلك بل النون كالكلمة المنفصلة كذا قاله سم. والصحيح الذي درج عليه الشارح فيما يأتي عدم اشتراط كونهما في كلمة بدليل نحو: أتحاجوني، وعلة الحذف عند من لا يشترط ذلك استثقال الكلمة واستطالتها لو أبقى المضمر. فإن قلت: المقتضي للحذف على كلا القولين موجود في اضربان فلم لم تحذف الألف. قلت: لمانع وهو الالتباس بالمفرد لو حذفت الألف، والمانع يغلب على المقتضي. فإن قلت: كسر النون يدفع اللبس. قلت: المقتضي لكسر النون مشابهتها نون التثنية في الوقوع آخرًا بعد الألف فإذا ذهبت الألف ذهب مقتضي الكسر. فإن قلت: كان ينبغي حينئذٍ حذف الألف في اضربنان لعدم الالتباس. قلت: لو حذف لزال الغرض الذي أتى به لأجله، وهو الفصل بين الأمثال وما قدمناه من الخلاف في كون التقاء الساكنين فيما مر على حده أولًا إنما هو مع النون الثقيلة أما مع الخفيفة فالتقاء الساكنين على غير حده اتفاقًا لعدم ادغام الساكن الثاني. قوله: "لكثرة الأمثال" أي: الزوائد فلا يرد نحو: النسوة جنن ويجنن كما قدمناه أول الكتاب ثم ما ذكره لا يتأتى مع الخفيفة، مع أن نون الرفع تحذف معها أيضًا فيما ذكر إلا أن يقال
(٢) صدره: لا تَتْبَعَنَّ إثري ولا هلعا والبيت من البسيط، وهو لمحمد بن يسير في سمط اللآلي ص١٠٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٩؛ ولمحمد بن بشير في أمالي القالي ١/ ٢٢؛ والدرر ٥/ ١٧١.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
فاجْعَلهُ منه واقعًا غَيْرَ اليا والواوِ ياءً كاسْعَيَنَّ سَعْيا
_________________
(١) الساكنين. وأصل يا هند هل تضربن هل تضربينن، فعل به ما ذكر. وتقول: يا زيدان هل تضربان، فأصل تضربان تضربانن فحذفت نون الرفع لما ذكر، ولم تحذف الألف لخفتها ولئلا يلتبس بفعل الواحد، ولم تحرك؛ لأنها لا تقبل الحركة وكسرت نون التوكيد بعدها لشبهها بنون التثنية في زيادتها آخرًا بعد ألف. هذا كله إذا كان الفعل صحيحًا، فإن كان معتلا نظرت إن كان بالواو والياء فكالصحيح تقول: يا قوم هل تغزن وهل ترمن بضم ما قبل النون، ويا هند هل تغزن وهل ترمن بكسره، فتحذف مع نون الرفع الواو والياء. وتقول: هل تغزوان وترميان فتبقى الألف. فإن قلت: ليس هذا كالصحيح؛ لأنه حذف آخره وجعلت الحكرة المجانسة على ما قبل الآخر بخلاف الصحيح. قلت: حذف آخره إنما هو لإسناده إلى الواو والياء لا لتوكيده فهو مساو للصحيح في التغيير الناشيء عن التوكيد، ولذلك لم يتعرض له الناظم. وإن كان بالألف فليس كالصحيح فيما ذكر، بل له حكم آخر أشار إليه بقوله: "وإن يكن في آخر الفعل ألف فاجعله" أي: الألف "منه" أي: من الفعل "رافعًا" حال حذفت مع الخفيفة حملًا على حذفها مع الثقيلة طردًا ا. هـ. سم وتقدم تعليل الحذف بالتخفيف أيضًا في كلام زكريا. قوله: "هذا كله" أي: ما ذكر من شكل الآخر بالمجانس وحذف المضمر إلا الألف. قوله: "هل تغزن وهل ترمن" أصل الأول قبل التوكيد بالنون تغزوون استثقلت الضمة على الواو الأولى فحذفت الضمة ثم الواو لالتقاء الساكنين ثم أكد بالنون فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال ثم الواو لالتقاء الساكنين مع كون الضمة قبلها دليلًا عليها، وأصل الثاني قبل التوكيد بالنون ترميون استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين ثم أكد بالنون إلى آخر ما تقدم. وإن شئت قلت: استثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة ثم الياء لالتقاء الساكنين ثم قلبت كسرة الميم ضمة لتناسب الواو ثم أكد بالنون إلى آخر ما تقدم. قوله: "ويا هند هل تغزن وهل ترمن بكسره" أصل الأول تغزوين استثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى ما قبلها، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين ثم أكد بالنون فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال ثم الياء لالتقاء الساكنين. إن شئت قلت: استثقلت الكسرة على الواو فحذفت الكسرة ثم الواو لالتقاء الساكنين ثم قلبت ضمة الزاي كسرة لتناسب الياء ثم أكد بالنون إلى آخر ما تقدم. وأصل الثاني ترميين استثقلت الكسرة على الياء فحذفت الكسرة ثم الياء لالتقاء الساكنين ثم أكد بالنون إلى آخر ما تقدم. قوله: "ليس هذا" أي: المعتل بالواو والياء. قوله: "لأنه حذف آخره" أي: إذا رفع الواو والياء. قوله: "إنما هو لإسناده إلى الواو والياء" بدليل أنه إذا لم يسند إليهما ثبت الآخر مفتوحًا نحو: هل تغزون يا زيد وهل ترمين يا عمرو. قوله: "وإن كان بالألف" أي: معتلا بالألف. قوله: "في آخر الفعل" فيه ظرفية الشيء في نفسه؛ لأن الآخر هو الألف، ويدفع بأن المراد بالآخر ما قابل الأول وحينئذٍ تكون الظرفية من ظرفية الجزء في الكل. قوله: "منه" حال من الضمير في
[ ٣ / ٣٢٨ ]
واحْذِفهُ من رافِع هاتَيْنِ وَفِي وا وَيَا شَكْلٌ مُجانِسٌ قُفي
نَحْو اخْشَينْ يا هندُ بالكسْرِ وَيا قومُ اخْشَونْ واضمُمْ وقِسْ مُسَوِّيَا
_________________
(١) من الفعل أي: حال كون الفعل رافعًا "غير اليا والواو" أي: بأن رفع الألف أو النون أو ضميرًا مستترًا أو اسمًا ظاهرًا "ياء" مفعول ثان لاجعل: أي: اجعل الألف حيئنذ ياء نحو: هل تخشيان وترضيان يا زيدان، وهل تخشينان وترضينان يا نسوة، ويا زيد هل تخشين وترضين، وهل يخشين ويرضين زيد، والأمر في ذلك كالمضارع "كاسعين سعيا" يا زيد وكذا بقية الأمثلة. تنبيه: إنما وجب جعل الألف ياء؛ لأن كلامه في الفعل المؤكد بالنون وهو المضارع والأمر، ولا تكون الألف فيهما إلا منقلبة عن ياء غير مبدلة كيسعى، أو مبدلة من ياء والياء منقلبة عن واو كيرضى؛ لأنها من الرضوان "واحذفه" أي: الألف "من رافع هاتين" أي: الياء والواو وتبقى الفتحة قبلهما دليلا عليه. "وفي واو ويا شكل مجانس قفي" أي: تبع. يعني أن الواو بعد حذف الألف تضم والياء تكسر. وإنما احتيج إلى تحريكهما ولم يحذفا؛ لأن قبلهما حركة غير مجانسة أعني فتحة الألف المحذوفة، فلو حذفا لم يبق ما يدل عليهما "نحو اخشين يا هند" وهل ترضين يا هند "بالكسر ويا قوم اخشون" وهل ترضون "واضمم" الواو "وقس" على ذلك "مسويا". تنبيهان: الأول أجاز الكوفيون حذف الياء المفتوح ما قبلها نحو: اخشين يا هند اجعله. قوله: "حال من الفعل" أي: من ضمير الفعل أي: من الضمير الراجع إلى الفعل. قوله: "نحو: هل تخشيان" نشر على ترتيب اللف ومثل بفعلين إشارة إلى أنه لا فرق بين كون الألف منقلبة عن ياء كيخشى أو واو كيرضى؛ لأنه من الرضوان. قوله: "والأمر في ذلك كالمضارع" أي: في التمثيل المذكور أي: في غالبه وإلا فالأمر لا يرفع الظاهر بخلاف المضارع. قوله: "عن ياء غير مبدلة" أي: عن ياء أصلية ليست مبدلة عن شيء. قوله: "لأنه من الرضوان" فأصل يرضى يرضو قلبت الواو ياء لمجاوزتها متطرفة ثلاثة أحرف ثم الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها هذا ما يفيد كلام الشارح، ولعلهم لم يقلبوا الواو من أول الأمر ألفًا ليكون في المضارع ما في الماضي من قلب الواو ياء، فإن أصل رضي رضو قلبت الواو ياء لتطرفها بعد كسرة فاعرف ذلك. قوله: "واحذفه أي: الألف" إنما لم يقلب ياء كما تقدم؛ لأنه لو كان هنا ياء لاجتمع ياآن في نحو: اخشين يا هند إذ كان يقال اخشيين بفتح الياء الأولى المنقلبة عن الألف وكسر الثانية الفاعل وكذا في نحو: هل ترضين يا دعد إذ كان يقال ترضيين، وكل ذلك ثقيل ولا يلزم ذلك فيما تقدم. وجعل شيخنا وتبعه البعض اللازم على قلب الألف ياء في نحو: هل ترضيين يا دعد اجتماع واو وياء إذ كان يقال ترضوين وهو أيضًا ثقيل، وهذا سهو منهما عن كون الملزوم قلب الألف ياء والله الموفق. قوله: "دليلًا عليه" أي: الألف وذكره باعتبار أنه حرف مثلًا موافقة للنظم. قوله: "وفي واو ويا" من وضع الظاهر موضع المضمر. قوله: "أعني فتحة الألف" فيه مسامحة والمراد فتحة ما قبل الألف. قوله: "أجاز الكوفيون حذف الياء إلخ" وهل تبقى حركة ما قبلها
[ ٣ / ٣٢٩ ]
ولم تَقَعْ خَفِيفَةٌ بعدَ الأَلِف لكِنْ شَديدَةٌ وكسرُها ألِفْ
_________________
(١) فتقول اخشن. وحكى الفراء أنه لغة طيئ. الثاني فرض المصنف الكلام على الضمير وحكم الألف والواو اللذين هما علامة. أي: بأن أسند الفعل إلى الظاهر على لغة أكلوني البراغيث. كحكم الضمير. وهذا واضح "ولم تقع" أي: النون "خفيفة بعد الألف" أي: سواء كانت الألف اسمًا بأن كان الفعل مسندًا إليها، أو حرفًا بأن كان الفعل مسندًا إلى ظاهر على لغة أكلوني البراغيث، أو كانت التالية لنون جماعة النساء، وفاقًا لسيبويه والبصريين سوى يونس، وخلافًا ليونس والكوفيين؛ لأنه فيه التقاء الساكنين على غير حده "لكن" تقع "شديدة وكسرها" لالتقاء الساكنين "ألف"؛ لأنه على حدة، إذ الأول حرف لين والثاني مدغم. ويعضد ما ذهب إليه يونس والكوفيون قراءة بعضهم "فَدَمَّرْانَّهُمْ تَدْمِيرًا" حكاها ابن جني. ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن ذكوان: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حين حذفها أو يكسر دلالة على الياء قال بعضهم: وهذا الذي ينبغي. قوله: "وحكم الألف والواو اللذين هما علامة إلخ" لم يذكر الياء؛ لأنها لا تكون إلا ضميرًا. قوله: "ولم تقع خفيفة إلخ" هذا شروع فيما تنفرد فيه الخفيفة عن الثقيلة وهو أربعة الأول ما ذكره في هذا البيت. قوله: "أي: النون" صريح في أن خفيفة بالنصب على الحال من ضمير تقع ويصح رفعها على الفاعلية والوجهان جاريان في قوله: شديدة أيضًا. قوله: "وفاقًا لسيبويه والبصريين" هو وما عطف عليه راجعان لعدم وقوع الخفيفة بعد الألف بأقسامها الثلاثة. قوله: "لأن فيه التقاء الساكنين" أي: بالنظر إلى أصل الخفيفة وهو السكون وإلا فسيأتي أن من أجاز وقوعها بعد الألف يكسرها. نعم روي عن يونس ابقاؤها ساكنة والالتقاء على هذا ظاهر. قوله: "على غير حده" أي: غير طريقه الجائز؛ لأن الساكن الثاني غير مدغم. قوله: "لالتقاء الساكنين" قال سم: فيه نظر؛ لأن التقاء الساكنين متحقق مع الكسر ولا يزيله ا. هـ. وأجاب الإسقاطي: بأنه ليس المراد بالتقاء الساكنين الألف والنون كما هو مبني النظر بل النونين، يعني أن النون المشددة ذات نونين أولاهما ساكنة والثانية محركة بالكسر؛ لئلا تلتقي ساكنة مع النون الأولى، ويدل على أن هذا مراد الشارح قوله: معللًا وقوع الشديدة بعد الألف؛ لأنه أي: التقاء الساكنين بين الألف والنون على حده إلخ أي؛ لأنه لو كان مراده بالساكنين الألف والنون لناقض قوله: لالتقاء الساكنين قوله: لأنه على حده لاقتضاء الأول زواله؛ لأن معناه لدفع التقاء الساكنين والثاني بقاءه. قال شيخنا: وما ذكره بعيد إذ لو كان التحريك لالتقاء الساكنين بمعنى النونين لحركت الأولى كما هو الشأن في التقاء الساكنين ا. هـ. وعلل جماعة الكسر بمشابهتها نون المثنى وهو ما قدمه الشارح آنفًا. قوله: "لأنه على حده" تعليل لقوله تقع شديدة واعترضه البعض بما علم اندفاعه من القولة السابقة، ثم كون التقاء الساكنين هنا على حدةه مبني على الصحيح من عدم اشتراط كونهما في كلمة كما مر بيانه. قوله: "ولا تتبعان" فالواو للعطف ولا للنهي ونون الرفع محذوفة بها والنون مؤكدة وقال: يمكن لجواز أن تكون الواو للحال ولا للنفي والموجود نون الرفع ا. هـ. تصريح وليس
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وألفًا زِدْ قَبْلَها مُؤكِّدًا فِعْلًا إلى نونِ الإناثِ أُسْنِدا
واحْذِفْ خَفِيفَةً لساكِنٍ رَدِفَ وبعْدَ غَيْرِ فَتْحَةٍ إذا تَقِفْ
ــ
[يونس: ٨٩] .
تنبيهان: الأول ذكر الناظم أن من أجاز الخفيفة بعد الألف يكسرها، وحمل على ذلك القراءتين المذكورتين. وظاهر كلام سيبويه وبه صرح الفارسي في الحجة: أن يونس يبقي النون ساكنة، ونظر ذلك بقراءة نافع محياي. والثاني هل يجوز لحاق الخفيفة بعد الألف إذا كان بعدها ما تدغم فيه على مذهب البصريين نحو: اضربان نعمان. قال اشيخ أبو حيان: نص بعضهم على المنع، ويمكن أن يقال يجوز، وقد صرح سيبويه بمنع ذلك "وألفا زد قبلها" أي: زد قبل نون التوكيد "مؤكدا فعلًا إلى نون الإناث أسندا" لئلا تتوالى الأمثال، فتقول: هل تضربنان يا نسوة بنون مشددة مكسورة، وفي جواز الخفيفة الخلاف السابق كما تقدم. ولا يجوز ترك الألف فلا تقول: هل تضربنن يا نسوة "واحذف خفيفة لساكن ردف" أي: تحذف النون الخفيفة وهي مرادة لأمرين: الأول أن يليها ساكن نحو: اضرب الرجل تريد اضربن. ومنه قوله:
١٠٢٠- لا تُهينَ الفَقِيرَ عَلكَ أنْ تَرْ كَعَ يَومًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
ــ
عن الآية الأولى جواب ا. هـ. سندوبي. قوله: "بقراءة نافع محياي" وجهها الوصل بنية الوقف. قوله: "نص بعضهم على المنع" هو ظاهر إطلاق الناظم. قوله: "ويمكن أن يقال يجوز"؛ لأن الساكن الثاني مدغم فيه. قوله: "لئلا تتوالى الأمثال" نظر إلى الصحيح من عدم جواز وقوع الخفيفة بعد الألف فعلل بهذا التعليل الذي لا يظهر بالنسبة للخفيفة على مذهب من أجاز وقوعها بعد الألف؛ لأن اللازم بالنسبة إليها توالي مثلين فقط ولو نظر إلى المذهبين لعلل بقصد التخفيف كما علل غيره وكلا المسلكين صحيح.
قوله: "الخلاف السابق" أي: بين يونس والكوفيين وبين غيرهم وقوله: كما تقدم أي: على ما تقدم من كسرها عند من أجاز الوقوع أو سكونها. قوله: "واحذف خفيفة إلخ" وإنما لم تحرك عند ملاقاتها ساكنًا كما يحرك التنوين عند ملاقاته ساكنًا في الأكثر لنقصها عنه في الفضل بكونها في الفعل وهو في الاسم فقصدوا بحذفها وإبقائه محركًا إظهار شرف الاسم بتشريف ما يختص به على ما يختص بالفعل الذي هو دونه. قوله: "لساكن ردف" أي: لها سواء تلت فتحة كاضرب الرجل يا زيد أو ضمة كاضرب الرجل يا قوم أو كسرة كاضرب الرجل يا هند. دماميني. قوله: "لا تهين الفقير" أصله لا تهن بحذف الياء لالتقاء الساكنين فلما أكد الفعل ردت لزوال
_________________
(١) البيت من المنسرح، وهو للأضبط بن قريع في الأغاني ١٨/ ٦٨؛ والحماسة الشجرية ١/ ٤٧٤؛ وخزانة الأدب ١١/ ٤٥٠، ٤٥٢؛ والدرر ٢/ ١٦٤، ٥/ ١٧٣؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٨؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١١٥١؛ وشرح شواهد الشافية ص١٦٠؛ وشرح شواهد المغني ص٤٥٣؛ والشعر والشعراء=
[ ٣ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لأنها لما لم تصلح للحركة عوملت معاملة حرف المد فحذفت لالتقاء الساكنين، وإذا وليها ساكن وهي بعد ألف على مذهب المجيز، فقال يونس: إنها تبدل همزة وتفتح فتقول: اضرباء الغلام، واضربناء الغلام. قال سيبويه: وهذا لم تقله العرب، والقياس اضرب الغلام واضربن الغلام يعني بحذف الألف والنون. والثاني أن يوقف عليها تالية ضمة أو كسرة، وإلى ذلك أشار بقوله: "وبعد غير فتحة إذا تقف" فتقول: يا هؤلاء اخرجوا، ويا هذه الالتقاء كذا في مطالع السعد. وما ذكره من دخول الجازم قبل النون هو الموافق لقوله: وبفعل آتيًا ذا طلب وينقدح أن هذا الفعل معرب تقديرًا؛ لأن النون لم تدخل إلا بعد استيفاء الجازم مقتضاه، وليس هو كالفعل المتصل بنون الإناث إذا دخل عليه الجازم؛ لأن اتصال نون الإناث سابق على الجازم قاله شيخنا السيد، والذي ذكره هو كغيره في باب إعراب الفعل أنه في محل نصب أو جزم مع نون التوكيد، أو نون الإناث إذا دخل عليه ناصب أو جازم وتقدم هذا أيضًا في باب المعرب والمبني. وقوله: علك أي: لعلك وحمل لعل على عسى فقرن خبرها بأن وهو قليل، وأراد بالركوع انحطاط الرتبة. والبيت من المنسرح لكن دخل في مستفعلن أوله الخرم بالراء بعد خبنه فصار فاعلن كما قاله الدماميني والشمني، ويدل له بقية القصيدة ومنها بعد هذا البيت: وصل حبال البعيد إن وصل الحبـ ـل وأقص القريب إن قطعه وارض من الدهر ما أتاك به من قر عينا بعيشه نفعه فقول العيني: ومن تبعه إنه من الخفيف خطأ. قوله: "فقال يونس إلخ" ثم قوله: والقياس إلخ هل يأتيان على ما قاله المصنف كما تقدم أن من يلحق الخفيفة بعد الألف يكسرها وحينئذٍ يفرق بين ما وليه ساكن وغيره أو خاص بما تقدم عن ظاهر كلام سيبويه أن من يلحقها بعد الألف يبقيها ساكنة ا. هـ. سم والظاهر الثاني؛ لأن سيبويه المعارض ليونس فيما ذكر ظاهر كلامه كما مر أن يونس يسكنها بل جزم البعض بالثاني واستدل بما لا يدل. قوله: "فتقول اضرباء الغلام" أي: يا زيدان واضربناء الغلام أي: يا نسوة. قوله: "والقياس" أي: على ما إذا وليها ساكن ولم تكن بعد الألف. قوله: "بحذف الألف" قال شيخنا: أي: ألف التثنية من اضربا الغلام والألف الفاصلة بين نون النسوة وون التوكيد في اضربن الغلام وقوله: والنون أي: نون التوكيد الخفيفة في المثالين ا. هـ. والمتبادر من كلام الشارح حذف الألف لفظًا وخطأ حتى من المثال الأول وهو الموافق لما في النسخ والقياس إثباتها خطأ في المثال الأول كما لا يخفى على العارف.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وارْدُدْ إذا حَذَفْتَها فِي الوقْفِ ما من أَجْلِها في الوَصْلِ كان عُدِما
وأَبْدِلَنْها بعدَ فَتح ألِفا وقْفًا كما تقول في قِفَنْ قِفَا
ــ
اخرجي، تريد اخرجنّ واخرجن. أما إذا وقعت بعد فتحة فسيأتي "واردد إذا حذفتها في الوقف ما" أي: الذي "من أجلها في الوصل كان عدما" فتقول في اضربن يا قوم واضربن يا هند إذا وقفت عليهما: اضربوا واضربي برد واو الضمير ويائه كما مر. وتقول في هل تضربن وهل تضربن إذا وقف عليهما: هل تضربون وهل تضربين برد الواو والياء ونون الرفع لزوال سبب الحذف "وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفا" أي: واقفًا، ويحتمل أن يكون مفعولًا له أي: لأجل الوقف، وذلك لشبهها بالتنوين "كما تقول في قفا قفا" ومنه "لنسفعًا وليكونًا" وقوله:
١٠٢١- ولا تَعْبُدِ الشَّيطانَ والله فاعْبُدَا
ــ
قوله: "واردد إلخ" فإن قلت: لم رد المحذوف هنا في الوقف ولم يرد فيه في نحو: هذا قاض مع زوال العلة قلت: يرد فيه أيضًا وإن كان الأكثر خلافه. وعليه فالفرق أن المحذوف هنا وهو الفاعل كلمة وثم جزء كلمة والاعتناء بالكلمة أتم منه بجزئها. زكريا والذي يظهر لي في معنى كلام المصنف والشارح أنه إذا ورد عليك فعل مؤكد سابقًا بالنون الخفيفة لكونه في حال توكيده بها وصل مما بعده واتفق لك الوقف عليه فاحذف منه النون بعد توكيده بها واردد ما كان حذف لأجلها، وليس المراد أنه إذا صدر منك فعل تريد توكيده والوقف عليه فاحذف منه النون بعد توكيده بها واردد ما كان حذف لأجلها حتى يرد قول أبي حيان ما معناه: الذي يظهر لي أن توكيد الفعل الموقوف عليه بالنون الخفيفة خطأ؛ لأنها تحذف في الوقف من غير دليل عليها فلا يظهر للإتيان بها ثم حذفها بلا دليل فائدة. قوله: "في الوقف" تنازعه اردد وحذفتها. قوله: "كما مر" أي: في قوله: فتقول يا هؤلاء اخرجوا ويا هند اخرجي. قوله: "لزوال سبب الحذف" هو في النون اجتماع المثلين وفي الواو والياء التقاء الساكنين. دماميني. قوله: "ألفا" ولذلك رسمت بالألف نظرًا إلى حالتها عند الوقف كما هو قاعدة الرسم. قوله: "أي: واقفا" ضعف بأن مجيء المصدر حالًا سماعي وضعف الاحتمال الثاني بكون الوقف غير قلبي فالأولى كونه ظرفًا بتقدير وقت. قوله: "وذلك لشبهها بالتنوين" قال شيخنا: اسم الإشارة راجع إلى حذفها بعد
_________________
(١) صدره: فإياك والميتات لا تقربنها والبيت من الطويل، وهو للأعشى في ديوانه ص١٨٧؛ والأزهية ص٢٧٥؛ وتذكرة النحاة ص٧٢؛ والدرر ٥/ ١٤٩؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٧٨؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٠٨؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٧٧، ٧٩٣؛ والكتاب ٣/ ٥١٠؛ ولسان العرب ١/ ٧٥٩ "نصب"، ٢/ ٤٧٣ "سبح"، ١٣/ ٤٢٩ "نون"؛ واللمع ص٢٧٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٠؛ والمقتضب ٣/ ١٢؛ وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦٥٧؛ وأوضح المسالك ٤/ ١١٣؛ وجمهرة اللغة ص٨٥٧؛ وجواهر الأدب ص٥٧، ١٠٨؛ ورصف المباني ص٣٢، ٣٣٤؛ وشرح قطر الندى ص١٤٩؛ وشرح المفصل ٩/ ٣٩؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٧٢؛ والممتع في التصريف ١/ ٤٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
١٠٢٢- فَمَنْ يَكُ لم يثْأرْ بأعراضِ قومِهِ فإنِّي ورَبِّ الراقِصاتِ لأَثْأرَا
وندر حذفها لغير ساكن ولا وقف كقوله:
١٠٢٣- اضْرِبَ عَنْكَ الهمومَ طارِقَها
وقوله:
١٠٢٤- كَما قِيلَ قبلَ اليومِ خالِفَ تُذْكَرَا
وحمل على ذلك قراءة من قرأ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
خاتمة: أجاز يونس للواقف إيدال الخفيفة ياء أو واوًا في نحو: اخشين واخشون، فتقول: اخشي واخشووا وغيره يقول اخشى واخشوا وقد نقل عنه إبدالها واوًا بعد ضمة وياء بعد كسرة مطلقًا، وكلام سيبويه يدل على أن يونس إنما قال بذلك في المعتل فإنه
ــ
الضم والكسر وقلبها ألفًا بعد الفتح ا. هـ. وهو وجيه.
قوله: "كقوله إلخ" إن قلت: لعل المحذوف في البيتين والآية النون الثقيلة قلت: تقليل الحذف والحمل على ما ثبت حذفه أولى قاله في المغني. قوله: "اضرب عنك" ضمنه معنى اطرد فعداه بعن وطارقها بدل من الهموم. قوله: "وحمل على ذلك قراءة إلخ" وحملها بعضهم على أنها من النصب بلم كما جزم بلن مقارضة بين الحرفين. دماميني. قوله: "مطلقًا" أي: في المعتل والصحيح بدليل ما بعده، لكن يلزم على الإبدال في الصحيح لبس؛ لأنك إذا قلت اضربي في اضربن التبست الياء المبدلة من النون بياء الضمير وكذا يقال إذا قلت اضربو في اضربن بخلاف المعتل؛ لأنك تنطق بياءين في اخشيي وبواوين في اخشووا ولو لم ترد التوكيد لم تنطق
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص٧٦؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٥٠؛ والكتاب ٣/ ٥١٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٦؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ٩/ ٣٩.
(٢) عجزه: ضَرْبَكَ بالسُّوطِ قَونَسَ الفَرَسِ والبيت من المنسرح، وهو لطرفة بن العبد في ملحق ديوانه ص١٥٥؛ وخزانة الأدب ١١/ ٤٥٠؛ والدرر ٥/ ١٧٤؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٣٣؛ وشرح المفصل ٦/ ١٠٧؛ ولسان العرب ٦/ ١٨٣ "قَنَسَ"، ١٣/ ٤٢٩ "نون"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٧؛ ونوادر أبي زيد ص١٣؛ وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٦٥؛ وجمهرة اللغة ص٨٥٢، ١١٧٦؛ والخصائص ١/ ١٢٦؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٨٢؛ وشرح المفصل ٩/ ٤٤؛ ولسان العرب ١١/ ٧١١ "هول"؛ والمحتسب ٢/ ٣٦٧؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٤٣؛ والممتع في التصريف ١/ ٣٢٣.
(٣) صدره: خلافًا لقولي من فيالة رأيه والبيت من الطويل، وهو بلا نسبة في الحيوان ٧/ ٨٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٥.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
ما لا ينصرف:
الصَّرْفُ تَنْوينٌ أَتَى مُبيِّنا معنًى به يكونُ الاسمُ أَمْكَنا
_________________
(١) قال: وأما يونس فيقول: اخشووا واخشيي يزيد الواو والياء بدلًا من النون الخفيفة من أجل الضمة والكسرة، وهو ما نقله الناظم في التسهيل، وإذا وقف على المؤكد بالخفيفة بعد الألف على مذهب يونس والكوفيين أبدلت ألفا، نص على ذلك سيبويه ومن وافقه ثم قيل: يجمع بين الألفين فيمد بمقدارهما، وقيل: بل ينبغي أن تحذف إحداهما ويقدر بقاء المبدلة من النون وحذف الأولى. وفي الغرة: إذا وقفت على اضربان على مذهب يونس زدت ألفا عوض النون فاجتمع ألفان فهمزت الثانية فقلت: اضرباء. ا. هـ. وقياسه في اضربنان اضربناء والله أعلم. ما لا يَنْصَرِف: قد مر في أوّل الكتاب أن الأصل في الاسم أن يكون معربًا منصرفًا، وإنما يخرجه عن أصله شبهه بالفعل أو بالحرف، فإن شابه الحرف بلا معاند بني، وإن شابه الفعل بكونه فرعًا بوجه من الوجوه الآتية منع الصرف. ولما أراد بيان ما يمنع الصرف بدأ بتعريف الصرف فقال: "الصرف تنوين أتى مبينًا مغنى به يكون الاسم أمكنا" فقوله: تنوين: جنس يشمل أنواع التنوين، وقد تقدمت أول الكتاب، وقوله: أتى مبينًا إلخ مخرج لما سوى المعبر عنه بالصرف، والمراد بالمعنى الذي يكون به الاسم أمكن، أي: زائدًا في التمكن: بقاؤه إلا بياء واحدة وواو واحدة. قوله: "يجمع بين الألفين" أي: في النطق وفيه أن الجمع بينهما محال لتعذر التقاء الساكنين سكونًا ذاتيا، وممن صرح باستحالة اجتماع الألفين شيخ الإسلام زكريا كما سيأتي عنه في مبحث ألف التأنيث من باب: ما لا ينصرف اللهم إلا أن يراد الجمع بينهما صورة؛ لأن مد الألف بقدر أربع حركات في صورة الجمع بين ألفين، وعلى هذا يكون قول الشارح فيمد بمقدارهما عطفًا تفسيريا وقوله: بمقدارهما نائب فاعل يمد. ما لا ينصرف: ذكره عقب نوني التوكيد؛ لأن فيه شبه الفعل فله تعلق به كما أن لهما تعلقًا به؛ ولأن نوني التوكيد ثقيلة وخفيفة، وهذا الباب مشتمل على الثقيل وهو ما لا ينصرف والخفيف وهو المنصرف، وإن لم يكن مقصودًا من الباب بالذات. قوله: "بلا معاند" أي: معارض لشبه الحرف. قوله: "بوجه" الباء سببية متعلقة بفرعًا. قوله: "أمكنا" اسم تفضيل من مكن مكانة إذا بلغ الغاية في التمكن لا من تمكن خلافًا لأبي حيان ومن وافقه؛ لأن بناء اسم التفضيل من غير الثلاثي المجرد شاذ، تصريح. قوله: "والمراد إلخ" يرد عليه أنه حينئذٍ يلزم الدور؛ لأن معرفة هذا المعنى تتوقف على معرفة أنه لم يشبه الفعل فيمنع الصرف لأخذه في تفسيره ومعرفة ذلك تتوقف على معرفة الصرف. لا يقال هذا تعريف لفظي خوطب به من يعلم المعرف والتعريف ويجهل وضع لفظ
[ ٣ / ٣٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) على أصله أي: إنه لم يشبه الحرف فيبني ولا الفعل فيمنع من الصرف. تنبيهات: الأول ما ذكره الناظم من أن الصرف هو التنوين هو مذهب المحققين، وقيل الصرف هو الجر والتنوين معًا. الثاني تخصيص تنوين التمكين بالصرف هو المشهور، وقد يطلق الصرف على غيره من تنوين التنكير والعوض والمقابلة. الثالث يستثنى من كلامه نحو: مسلمات فإنه منصرف مع أنه فاقد للتنوين المذكور إذ تنوينه للمقابلة كما تقدم أول الكتاب. الرابع اختلف في اشتقاق المنصرف: فقيل من الصريف وهو الصوت؛ لأن في للتعريف؛ لأنا نقول: لو كان المخاطب هنا عالمًا بهذا التعريف لكان عالمًا بالصرف؛ لأنه مذكور فيه فلا يكون جاهلًا بوضع اللفظ له. وقد يقال إنه ليس لفظيا ويمنع لزوم الدور بأن يقال المعتبر في التعريف عدم مشابهة الفعل، ويمكن ذلك بدون ملاحظة الانصراف وعدمه، وأما قول الشارح: فيمنع الصرف فليس المراد أن ذلك ملاحظ في التعريف بل المراد بيان أمر واقعي أفاده سم. قوله: "هو التنوين" أي: وحده وأما الجرّ بالكسرة فتابع له فسقوطه بتبعية التنوين لما أسلفه الشارح عند قول المصنف: وجر بالفتحة ما لا ينصرف وقوله هو مذهب المحققين لوجوه: منها أنه مطابق للاشتقاق من الصريف الذي بمعنى الصوت إذ لا صوت في آخر الاسم إلا التنوين، ومنها أنه متى اضطرّ شاعر إلى صرف المرفوع أو المنصوب نونه وقيل صرفه للضرورة مع أنه لا جرّ فيه ا. هـ. يس وقوله: وقيل صرفه أي: قالوا فيه حينئذٍ: إنه صرفه للضرورة فأطلقوا على مجرد تنوينه صرفًا. قوله: "تخصيص تنوين التمكين بالصرف" الباء داخلة على المقصور. قوله: "يستثنى من كلامه" أي: من مفهوم كلامه فإن مفهومه أن فاقد التنوين المذكور المسمى صرفًا غير منصرف وهذا يشمل نحو: مسلمات مع أنه منصرف فيكون مستثنى واستشكله سم بأن المنصرف هو الذي قام به الصرف وإذا كان حقيقة الصرف هو التنوين المذكور وهو غير قائم بجمع المؤنث السالم فكيف يكون منصرفًا. قال: وقد يجاب بأن المراد أن التنوين علامة الصرف لا نفسه والعلامة لا يجب انعكاسها ا. هـ. قال شيخ الإسلام زكريا: وظاهر كلامهم أن المتصف بالانصراف وعدمه إنما هو الاسم المعرب بالحركات وإلا فينبغي أن يستثنى أيضًا ما يعرب بالحروف إذ يصدق عليه أنه فاقد لتنوين الصرف، مع أنه في الواقع منصرف حيث لا مانع ا. هـ. قوله: "نحو: مسلمات" أراد جمع المؤنث السالم ومحل ذلك قبل التسمية به أما ما سمي به منه نحو: عرفات فإنه غير منصرف ولا كلام فيه. حفيد. قوله: "إذ تنوينه للمقابلة" هذا مذهب الجمهور، وذهب بعضهم إلى أن تنوينه للصرف وإنما لم يحذف إذ سمي به؛ لأنه لو حذف لتبعه الجرّ في السقوط فينعكس إعراب جمع المؤنث السالم فيبقى لأجل الضرورة ا. هـ. زكريا ويرده أنه خرج بالتسمية به عن كونه جمع مؤنث حقيقة فلا بعد في انعكاس إعرابه. قوله: "في اشتقاق المنصرف" المراد بالاشتقاق هنا الأخذ من
[ ٣ / ٣٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آخره التنوين وهو صوت، قال النابغة:
١٠٢٥- له صَرِيفٌ صَرِيفُ القَعْوِ بالمَسَدِ
أي: صوت صوت البكرة بالحبل، وقيل من الانصراف في جهات الحركات. وقيل من الانصراف وهو الرجوع، فكأنه انصرف عن شبه الفعل. وقال في شرح الكافية: سمي منصرفًا لانقياده إلى ما يصرفه عن عدم تنوين إلى تنوين، وعن وجه من وجوه الإعراب إلى غيره ا. هـ. واعلم أن المعتبر من شبه الفعل في منع الصرف هو كون الاسم إما فيه فرعيتان مختلفتان مرجع إحداهما اللفظ ومرجع الأخرى المعنى، وإما فرعية تقوم مقام الفرعيتين؛ وذلك لأن في الفعل فرعية على الاسم في اللفظ وهي اشتقاقه من المصدر، وفرعية في
ــ
المناسب في المعنى. قوله: "فقيل من الصريف إلخ" وقيل من الصرف وهو الفضل؛ لأنه له فضلًا على غير المنصرف. قوله: "من الانصراف" أي: الجريان وقوله في جهات الحركات لو حذف لفظ الحركات لكان أولى؛ لأنه بصدد المعنى اللغوي المأخوذ منه الاصطلاحي وابن إياز تنبه لذلك فحذفها ا. هـ. دنوشري. قوله: "فكأنه انصرف عن شبه الفعل" إنما قال كأنه؛ لأنه لم يكن أشبه الفعل حتى يرجع عن شبهه به حقيقة. قوله: "إلى ما يصرفه إلخ" كالتنكير فنحو: الرجل منصرف؛ لأنك تقول فيه رجل، قال شيخنا: والظاهر أن القول الأول والثالث مفرعان على أن الصرف هو التنوين وحده والثاني والرابع على أنه التنوين والجرّ. قوله: "وعن وجه من وجوه الإعراب" أي:
حركة من حركاته.
قوله: "أما فيه فرعيتان إلخ" إنما لم يقتنع في هذا الحكم بكون الاسم فرعًا من جهة واحدة؛ لأن المشابهة بالفرعية غير ظاهرة ولا قوية إذ الفرعية ليست من خصائص الفعل الظاهرة بل يحتاج في إثباتها إلى تكلف وكذا إثبات الفرعية في هذه الأسماء بسبب هذه العلل غير ظاهر فلم يكف واحدة منها إلا إذا قامت مقام اثنتين، وكان اعطاء الاسم حكم الفعل أولى من العكس مع أن الاسم إذا شابه الفعل فقد شابهه الفعل؛ لأن الاسم تطفل على الفعل فيما هو من خواص الفعل وإنما لم يبن الاسم بمشابهة الفعل فيما ذكر لضعفها إذ لم يشبه الفعل لفظًا مع ضعف الفعل في البناء ولم يعط بها عمل الفعل؛ لأنه لم يتضمن معنى الفعل الطالب للفاعل والمفعول ا. هـ يس. واعلم أن معنى فرعية الشيء كونه فرعًا عن غيره لكنها هنا تارة يراد منها الكون فرعًا وتارة يراد منها سبب الكون فرعًا وقد استعمل الشارح الأمرين فتنبه.
_________________
(١) صدره: مقذوفة بِدَخيسِ النَّحْضِ بازِلُها والبيت من البسيط، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٦؛ وجمهرة اللغة ص٥٧٨، ٧٤١، ٩٤٤؛ والدرر ٣/ ٧٦؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣١؛ والكتاب ١/ ٣٥٥؛ ولسان العرب ٩/ ١٩ "صرف"، ٢٧٧ "قذف"، ١١/ ٥٢ "بزل"، ١٥/ ١٩١ "قعا"؛ وبلا نسبة في لسان العرب ٦/ ٧٧ "دخس"؛ ومجالس ثعلب ص٣٢٠؛ وهمع الهوامع ١/ ١٩٣.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المعنى وهي احتياجه إليه؛ لأنه يحتاج إلى فاعل والفاعل لا يكون إلا اسمًا، ولا يكمل شبه الاسم بالفعل بحيث يحمل عليه في الحكم إلا إذا كانت فيه الفرعيتان كما في الفعل، ومن ثم صرف من الأسماء ما جاء على الأصل كالمفرد الجامد النكرة كرجل وفرس؛ لأنه خف فاحتمل زيادة التنوين وألحق به ما فرعية اللفظ والمعنى فيه من جهة واحدة كدريهم، وما تعددت فرعيته من جهة اللفظ كأجيمال، أو من جهة المعنى كحائض وطامث؛ لأنه لم يصر بتلك الفرعية كامل الشبه بالفعل، ولم يصرف نحو: أحمد؛ لأن فيه فرعيتين مختلفتين مرجع إحداهما اللفظ وهي وزن الفعل ومرجع الأخرى المعنى وهو التعريف، فلما كمل شبهه بالفعل ثقل الفعل فلم يدخله التنوين وكان في موضع الجر مفتوحًا. والعلل المانعة من الصرف تسع يجمعها قوله: عدل ووصف وتأنيث ومعرفة وعجمة ثم جمع ثم تركيب قوله: "وهي اشتقاقه من المصدر" وعلى القول بأن المصدر مشتق من الفعل تكون فرعية اللفظ التركيب في معناه كذا قال بعضهم وفيه تأمل؛ لأن التركيب جاء للفعل من حيث المعنى كما اعترف به، لا من حيث اللفظ على أن كثيرًا من الأسماء يدل على شيئين كضارب وأكرم ا. هـ. دنوشري. قوله: "احتياجه" أي: الفعل إليه أي: الاسم. قوله: "ولا يكمل إلخ" من تمام التعليل. قوله: "في الحكم" وهو منع التنوين الدال على الأمكنية. قوله: "ما جاء على الأصل" أي: عدم المشابهة. قوله: "ما فرعية اللفظ والمعنى فيه" أي: ما الفرعية التي مرجعها اللفظ والفرعية التي مرجعها المعنى فيه إلخ. قوله: "كدريهم" فإن فرعية اللفظ فيه صيغة فعيعل فدريهم فرع من درهم وفرعية المعنى التحقير ا. هـ. يس أي: والتحقير فرع عن عدمه أي: وهاتان الفرعيتان من جهة واحدة وهي التصغير بمعنى أن كلا منهما نشأ عن التصغير الذي هو فعل الفاعل. قوله: "كأجيمال" تصغير أجمال جمع جمل فإن فيه فرعيتين التصغير الذي هو فرع التكبير والجمع الذي هو فرع الإفراد وهما من جهة اللفظ. قوله: "كحائض وطامث" بمعنى حائض فإن فيهما فرعيتين التأنيث الذي هو فرع التذكير، والوصف الذي هو فرع الموصوف، وجهتهما المعنى كذا قال البعض تبعًا لزكريا. قال شيخنا: لكن فيه أنه سيأتي أن التأنيث من العلل الراجعة إلى اللفظ، والأحسن أن يقال لزوم التأنيث ا. هـ. وسيصرح هذا البعض في الكلام على قول المصنف: كذا مؤنث إلخ، بأن التأنيث مطلقًا من العلل اللفظية ووجهه أن المؤنث تأنيثًا معنويا مقدر فيه تاء التأنيث كما سيأتي. لا يقال هلا منع حينئذٍ صرف نحو: حائض للفرعيتين اللفظية والمعنوية؛ لأنا نقول سيأتي أنه لا عبرة بالتأنيث بالتاء مع الوصفية لصحة تجريد الوصف عنها بخلاف العلم. قوله: "ولم يصرف نحو: أحمد إلخ" عطف على قوله: صرف من الأسماء ما جاء على الأصل إلخ. قوله: "تسع" حصرها في التسع استقرائي. قوله: "عدل" أي: تقديري أو تحقيقي وقوله:
[ ٣ / ٣٣٨ ]
فأَلِفَ التَّأْنِيثِ مُطْلَقًا مَنَعْ صَرْفَ الذي حَواهُ كَيْفَما وَقَعْ
_________________
(١) والنون زائدة من قبلها ألفٌ ووزنُ فعل وهذا القلول تقريبُ المعنوية منها: العلمية والوصفية، وباقيها لفظي، فيمنع مع الوصف ثلاثة أشياء: العدل كمثنى وثلاث، ووزن الفعل كأحمر، وزيادة الألف والنون كسكران، ويمنع مع العلمية هذه الثلاثة: كعمر ويزيد ومروان، وأربعة أخرى وهي: العجمة كإبراهيم، والتأنيث كطلحة وزينب، والتركيب كمعد يكرب، وألف الإلحاق كأرطى، وسترى ذلك كله مفصلًا وجميع ما لا ينصرف اثنا عشر نوعًا: خمسة لا تنصرف في تعريف ولا تنكير، وسبعة لا تنصرف في التعريف وتنصرف في التنكير. ولما شرع في بيان الموانع بدأ بما يمنع في الحالتين؛ لأنه أمكن في المنع فقال: "فألف التأنيث مطلقًا منع صرف الذي حواه كيفما وقع" أي: ألف التأنيث مقصورة كانت أو ممدودة، وهو المراد بقوله: مطلقًا تمنع صرف ما هي فيه كيفما وقع، أي: سواء وقع نكرة كذكرى وصحراء، أم معرفة كرضوى وزكرياء، مفردًا كما مر، أو جمعًا كجرحى وأصدقاء، اسمًا كما مر، أم صفة كحبلى وحمراء. وإنما استقلت بالمنع؛ لأنها قائمة مقام شيئين؛ وذلك لأنها لازمة لما هي فيه، بخلاف التاء فإنها في الغالب مقدرة الانفصال، ففي المؤنث بالألف فرعية من جهة التأنيث وفرعية من جهة لزوم علامته، وتأنيث أي: لفظي أو معنوي وقوله: ومعرفة أي: علمية وقوله: ثم تركيب أي: مزجي. وقوله: زائدة حال من النون، وقوله: من قبلها ألف أي: زائدة وقوله: وهذا القول تقريب أي؛ لأنه ليس فيه تعيين ما يستقل بالمنع وتعيين ما يمنع مع الوصفية ولا بيان الشروط المعتبرة في بعضها. قوله: "كعمرو يزيد ومروان" نشر على ترتيب اللف. قوله: "كأرطى" اسم شجر وألفه للإلحاق بجعفر. قوله: "وسبعة" وهي ما كانت إحدى علتيه العلمية. قوله: "فألف التأنيث" خرج غيرها كالألف الأصلية في نحو: مرمى وألف الإلحاق في نحو: أرطى وعلباء وألف التكثير في نحو: قبعثري نعم ألف الإلحاق المقصورة وألف التكثير يمنعان الصرف مع العلمية كما سيأتي. قوله: "مطلقًا" حال من الضمير في منع العائد على المبتدأ لا من المبتدأ؛ لأنه ممنوع عند الجمهور وإن جوزه سيبويه. قوله: "كيفما" اسم شرط على مذهب الكوفيين من عده من أسماء الشروط ووقع فعل الشرط والجواب محذوف دل عليه قوله منع والتقدير كيفما وقع ألف التأنيث منع الصرف الذي حواه كذا في الفارضي وخالد، لكن مقتضى كلام الشارح أن ضمير وقع للاسم الذي حوى ألف التأنيث، وتقدير الجواب على هذا كيفما وقع امتنع صرفه أو نحو: ذلك ووقع في كلام البعض ما لا ينبغي. قوله: "كذكرى" مصدر ذكر وقوله: كرضوى بفتح الراء علم على جبل بالمدينة. قوله: "اسمًا كما مر" قد يقال إن جرحى وأصدقاء وصفان إلا أن يقال إنهما غلبت عليهما الاسمية. قوله: "لأنها لازمة لما هي فيه" هذا مسلم بالنسبة لألف التأنيث المقصورة دون الممدودة؛ لأنها على تقدير الانفصال كالتاء كما سيذكره المصنف بقوله: وألف التأنيث حيث مدا وتاؤه منفصلين عدا
[ ٣ / ٣٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بخلاف المؤنث بالتاء. وإنما قلت في الغالب؛ لأن من المؤنث بالتاء ما لا ينفك عنها استعمالًا، ولو قدر انفكاكه عنها لوجد له نظير كهمزة فإن التاء ملازمة له استعمالًا ولو قدر انفكاكه عنها لكان همز كحطم لكن حطم مستعمل وهمز غير مستعمل. ومن المؤنث بالتاء ما لا ينفك عنها استعمالًا ولو قدر انفكاكه عنها لم يوجد له نظير كحِذْرِيةَ وعَرْقُوَةَ، فلو قدر سقوط تاء حذرية وتاء عرقوة لزم وجدان ما لا نظير له، إذ ليس في كلام العرب فعلى ولا فعلوه، إلا أن وجود التاء هكذا قليل فلا اعتداد به، بخلاف الألف فإنها لا تكون إلا هكذا، ولذلك عوملت خامسة في التصغير معاملة خامس أصلي، فقيل في قرقرى: قر يقر كما قيل في سفرجل سفيرج. وعوملت التاء معاملة عجز المركب فلم ينلها تغير التصغير كما لا ينال عجز المركب فقيل في زجاجة زجيجة. فرعان: الأول إذا سميت بكلتا من قولك: قامت كلتا جاريتيك: منعت الصرف؛ لأن ألفها للتأنيث وإن سميت بها من قولك رأيت كلتيهما أو كلتي المرأتين في لغة كنانة صرفت؛ لأن ألفها حنيئذ منقلبة فليست للتأنيث. الثاني إذا رخمت حبلوى على لغة فتأمل. قوله: "ففي المؤنث بالألف إلخ" أي: ففيه في الحقيقة فرعيتان: إحداهما من جهة اللفظ وهي الأولى والثانية من جهة المعنى وهي الثانية. قوله: " كحذرية" بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وكسر الراء بعدها تحتية وهي القطعة الغليظة من الأرض كما في القاموس. قوله: "وعرقوة" بفتح العين المهملة وسكون الراء وضم القاف إحدى الخشبتين المعترضتين على الدلو كالصليب وهما عرقوتان قاله الجوهري. قوله: "هكذا" أي: لازمة وكذا الآتي. قوله: "في التصغير" متعلق بعوملت. قوله: "معاملة خامس أصلي" أي: فنالها تغيير التصغير حيث حذفت لمراعاة حصول صيغة فعيعل، ويدل على أن ذلك مقصوده مقابلته بما ذكره بعده من حكم التاء سم. قوله: "زجيجة" بتشديد الياء؛ لأن زجاجة رباعي وتصغير الرباعي يكون على فعيل كما يأتي. قوله: "إذا سميت بكلتا" قال الإسقاطي: يريد كلتا المرفوعة ا. هـ. قال شيخنا: ولعله أخذ هذا القيد من قول الشارح من قولك: قامت إلخ لكن فيه أن التعليل يقتضي أن المراد كلتا بالألف سواء المرفوعة كما في مثاله أو المنصوبة كما في رأيت كلتا جاريتيك على اللغة الفصحى ا. هـ. أي: أو المجرورة كما في مررت بكلتا جاريتيك على اللغة الفصحى أيضًا، وهذا هو المتجه وبه جزم البعض وإنما اقتضى التعليل ذلك؛ لأنه يقتضي أن المدار على كون الألف للتأنيث. قوله: "وإن سميت بها من قولك إلخ" قال الإسقاطي: يريد كلتا المنصوبة بالياء ا. هـ. قال شيخنا: وفيه أن التعليل يقتضي أن المجرورة مثلها ا. هـ. أي: لأنه يقتضي أن المدار على كون الألف منقلبة عن الياء. قوله: "في لغة كنانة" أي: الذين يعاملون كلا وكلتا معاملة المثنى وإن أضيفا إلى ظاهر
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وزائِدا فَعْلانَ في وَصْف سَلِمْ من أنْ يُرَى بِتاء تأنيثٍ خُتِمْ
_________________
(١) الاستقلال عند من أجازه فقلت: يا حبلى ثم سميت به صرفت لما ذكرت في كلتا "وزائدا فعلان" رفع بالعطف على الضمير في منع أي: ومنع صرف الاسم أيضًا زائدًا فعلان وهما الألف والنون "في وصف سلم من أن يرى بتاء تأنيث ختم" إما؛ لأن مؤنثه فعلى كسكران وغضبان وندمان من الندم، وهذا متفق على منع صرفه. وإما؛ لأنه لا مؤنث له نحو: لحيان لكبير اللحية، وهذا فيه خلاف والصحيح منع صرفه أيضًا؛ لأنه وإن لم يكن له فقوله: في لغة كنانة راجع لقوله: أو كلتي المرأتين فقط. قوله: "عند من أجازه" تقدم أن الراجح منع ترخيمه على لغة الاستقلال لما يلزم عليه من عدم النظير إذ ليس لهم فعلى ألفه منقلبة. قوله: "فقلت يا حبلى" أي: بحذف ياء النسب للترخيم، ثم قلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. قوله: "لما ذكرت في كلتا" أي: من أن الألف منقلبة فليست للتأنيث لكن انقلابها هنا عن واو وثم عن ياء. قوله: "فعلان" مضاف إليه ممنوع الصرف للعلمية على الوزن وزيادة الألف والنون ا. هـ. خالد وفعلان بفتح الفاء فخرج غيره كخمصان كما يأتي، وفي حاشية الجامي للعصام الألف والنون في الصفة لا تكون على فعلان بكسر الفاء وبضم الفاء لا تكون إلا مع فعلانة بخلاف الألف والنون في الاسم فإنه يكون على الأوزان الثلاثة. قوله: "بالعطف على الضمير في منع" وجاز العطف عليه لوجود الفصل بالمفعول ويحتمل أن يكون مبتدأ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي: وزائدًا فعلان كذلك في منع الصرف. قوله: "أي: ومنع صرف الاسم" هكذا فيما رأيناه من النسخ وكأن النسخة التي وقعت للبعض فيها ويمنع بصيغة المضارع فاعترض بأن المناسب لعبارة المصنف السابقة أن يقول هنا، وفيما يأتي ومنع بصيغة الماضي نعم عبر الشارح فيما يأتي بالمضارع، فالاعتراض عليه فيما يأتي في محل. قوله: "في وصف" حال من زائدًا. قوله: "سلم إلخ" شرط فيه في الغمدة وشرحها شرطًا ثانيًا وهو أصالة الوصفية، ويمكن أن يرجع قول المصنف الآتي وألغين عارض الوصفية إلى هذا أيضًا فيفيد هذا الشرط ولا ينافي رجوعه إلى هذا ما فرعه بقوله: فالأدهم إلخ؛ لأن تفريع بعض الأمثلة والأوزان الخاصة لا يقتضي التخصيص ا. هـ. سم والاحتراز بهذا الشرط عما عرضت فيه الوصفية نحو: مررت برجل صفوان قلبه أي: قاس. قوله: "من أن يرى" إما علمية فجملة بتاء تأنيث ختم مفعول ثان أو بصرية فهي حال بناء على مذهب الناظم من جواز وقوع الماضي حالًا خاليًا من قد كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ . قوله: "وندمان من الندم" وأما ندمان من المنادمة فمصروف؛ لأن مؤنثه ندمانة كما يأتي. قوله: "وهذا متفق على منع صرفه" أي: بين النحاة على غير لغة بني أسد وليس المراد متفق عليه بين العرب حتى يرد اعتراض شيخنا والبعض بأنه ينافي ما سيأتي في الشارح من أن بني أسد تصرف كل ما كان على فعلان لالتزامهم في مؤنثه فعلانة بالتاء فاحفظ ذلك. قوله: "نحو: لحيان" أي: كرحمن. قوله: "وهذا فيه خلاف" فمن لم يشترط لمنع صرف فعلان إلا انتفاء
[ ٣ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فعلى وجودًا فله فعلى تقديرًا؛ لأنا لو فرضنا له مؤنثًا لكان فعلى أولى به من فعلانة؛ لأن باب فعلان فعلى أوسع من باب فعلان فعلانة، والتقدير في حكم الوجود بدليل الإجماع على منع صرف أكمر وآدر مع أنه لا مؤنث له، ولو فرض له مؤنث لأمكن أن يكون كمؤنث أرمل، وأن يكون كمؤنث أحمر، لكن حمله على أحمر أولى لكثرة نظائره. واحترز من فعلان الذي مؤنثه فعلانة فإن مصروف نحو: ندمان من المنادمة وندمانة وسيفان وسيفانة. وقد جمع المصنف ما جاء على فعلان ومؤنثه فعلانة في قوله: أَجِزْ فَعْلَى لِفَعْلانا إذا اسْتَثنَيتَ حَبلانا ودَخْنانا وسَخْنانا وسَيفانا وصَحْيانا وصَوجانا وعَلّانا وقَشْوانا ومَصّانا ومَوتانا ونَدْمانا وأَتْبعهُنّ نَصْرانا فعلانة منعه من الصرف وهو ما مشى عليه في النظم، ومن اشترط وجود فعلى تحقيقًا صرفه. قوله: "والصحيح منع صرفه" يخالف قول أبي حيان إن الصحيح فيه صرفه؛ لأنا جهلنا النقل فيه عن العرب والأصل في الاسم الصرف فوجب العمل به ا. هـ. فهذه المسألة مما تعارض فيها الأصل والغالب فتنبه. قوله: "أكمر" لعظيم الكمرة بفتح الميم وهي الحشفة وآدر بالمد لكبير الأنثيين. قوله: "كمؤنث أرمل" وهو أرملة والأرمل الفقير. قوله: "ندمان من المنادمة" وهو الموافق للشارب في فعله واحترز بقوله: من المنادمة عن ندمان من الندم، فإن مؤنثه ندمى وفعله ندم وفعل الأول نادم. قوله: "أجز" المراد بالجواز ما قابل الامتناع فيصدق بالوجوب فلا يرد أن ما عدا الألفاظ المستثناة يجب في مؤنثها فعلى، أو يقال عبر بأجز دون أوجب نظرًا للغة بني أسد الآتية. وهذه الأبيات التي للمصنف بقطع النظر عن تذييل المرادي يحتمل أن تكون من الوافر المجزوّ وأن تكون من الهزج، لكن التذييل يعين الأول لتعين كونه من الأول؛ لأن قوله فيه على لغة بوزن مفاعلتن لا بوزن مفاعلين هذا، وقد نظم الألفاظ الاثني عشر التي في نظم المصنف الشارح الأندلسي مع زيادة تفسيرها فقال: كل فعلان فهو أنثاه فعلى غير وصف النديم بالندمان ولذي البطن جاء حبلان أيضًا ثم دخنان للكثير الدخان ثم سيفان للطويل وصوجا ن لذي قوّة على الحملان ثم صحيان إن حوى اليوم صحوًا ثم سخنان وهو سخن الزمان ثم موتان للضعيف فؤادًا ثم علان وهو ذو النسيان ثم قشوان للذي قل لحمًا ثم نصران جاء في النصراني ثم مصان في اللئيم وفي لحـ ـيان رحمن يفقد النوعان
[ ٣ / ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) واستدرك عليه لفظان وهما خمصان لغة في خمصان وأليان في كبش أليان أي: كبير الألية فذيل الشارح المرادي أبياته بقوله: وزِدْ فيهنَّ خَمْصانا على لُغَةٍ وأليانا فالحبلان الكبير البطن وقيل الممتلئ غيظًا. والدخنان اليوم المظلم. والسخنان اليوم الحار. والسيفان الرجل الطويل. والصحيان اليوم الذي لا غيم فيه. والصوجان البعير اليابس الظهر. والعلان الكثير النسيان. وقيل الرجل الحقير. والقشوان الرقيق الساقين. والمصان اللئيم. والموتان البليد الميت القلب. والندمان المنادم. أما ندمان من الندم فغير مصروف إذ مؤنثه ندمى وقد مر. والنصران واحد النصارى. تنبيهات: الأول إنما منع نحو: سكران من الصرف لتحقق الفرعيتين فيه: أما فرعية المعنى؛ فلأن فيه الوصفية وهي فرع عن الجمود؛ لأن الصفة تحتاج إلى موصوف ينسب معناها إليه والجامد لا يحتاج إلى ذلك. وأما فرعية اللفظ؛ فلأن فيه الزيادتين المضارعتين لألفي النأنيث في نحو: حمراء في أنهما في بناء يخص المذكر، كما أن ألفي حمراء في ونظمت ما زاده المرادي مع التفسير في بيت ينبغي وضعه قبل البيت الأخير فقلت: ولذي ألية كبيرة اليا ن وخمصان جاء في الخمصان قوله: "واستدرك" أي: زيد وقوله: فذيل الشارح أبياته بقوله، أي: جعل قوله المذكور ذيلًا لأبيات المصنف. قوله: "خمصان" يقال رجل خمصان البطن وخميصه أي: ضامره. قوله: "والصوجان البعير اليابس الظهر" في القاموس في فصل الصاد المهملة في باب الجيم الصوجان كل يابس الصلب من الدواب والناس ونخلة صوجانة يابسة ا. هـ. وقال في فصل الضاد المعجمة من باب الجيم: الضوجان الصوجان ا. هـ. فعلم أنه بالصاد المهملة والضاد المعجمة وبالجيم وعلم ما في كلام شيخنا والبعض من القصور. قوله: "والعلان" أي: بعين مهملة كما في القاموس. قوله: "وقيل الرجل الحقير" وفي القاموس امرأة علانة جاهلة وهو علان. قوله: "والقشوان" بقاف وشين معجمة. قوله: "الرقيق الساقين" الذي في خط الشارح الدقيق بالدال وفي القاموس القشوان الدقيق الضعيف وهي بهاء ا. هـ. قوله: "والمصان" بالصاد المهملة كما في القاموس. قوله: "والجامد لا يحتاج إلى ذلك" أي: وما يحتاج فرع عما لا يحتاج. قوله: "المضارعتين لألفي التأنيث في نحو: حمراء" بناه على أن الهمزة تسمى ألفًا وهو صحيح وعلى أنها مع الألف قبلها للتأنيث ولا نظير له إذ ليس لنا علامة تأنيث بحرفين، والمنقول عن سيبويه وغيره أن الهمزة بدل من ألف التأنيث، وأن الأصل حمرى بوزن سكرى، فلما قصدوا مده زادوا قبلها ألفًا أخرى والجمع بينهما محال وحذف إحداهما يناقض الغرض المطلوب، إذ لو حذفوا الأولى لفات المد أو الثانية لفاتت الدلالة على التأنيث، وقلب الأولى مخل بالمد فقلبوا
[ ٣ / ٣٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بناء يخص المؤنث، وأنهما لا تلحقهما التاء فلا يقال: سكرانة كما لا يقال: حمراءة مع أن الأول من كل من الزيادتين ألف. والثاني حرف يعبر به عن المتكلم في أفعل ونفعل فلما اجتمع في نحو: سكران المذكور الفرعيتان امتنع من الصرف. وإنما لم تكن الوصفية فيه وحدها مانعة من أن في الصفة فرعية في المعنى كما سبق وفرعية في اللفظ وهي الاشتقاق من المصدر لضعف فرعية اللفظ في الصفة؛ لأنها كالمصدر في البقاء على الاسمية والتنكير، ولم يخرجها الاشتقاق إلى أكثر من نسبة معنى الحدث فيها إلى الموصوف والمصدر بالجملة صالح لذلك كما في رجل عدل ودرهم ضرب الأمير، فلم يكن اشتقاقها من المصدر مبعدًا لها عن معناه، فكان كالمفقود فلم يؤثر، ومن ثم كان نحو: عالم وشريف مصروفًا مع تحقق ذلك فيه، وكذا إنما صرف نحو: ندمان مع وجود الفرعيتين لضعف فرعية اللفظ فيه من جهة أن الزيادة فيه لا تخص المذكر وتلحقه التاء في المؤنث نحو: ندمانة فأشبهت الزيادة فيه بعض الأصول في لزومها في حالتي التذكير والتأنيث وقبول علامته، فلم يعتد بها. ويشهد لذلك أن قومًا من العرب وهم بنو أسد يصرفون كل صفة على فعلان؛ لأنهم يؤنثونه بالتاء، ويستغنون فيه بفعلانة عن فعلى، فيقولون: سكرانة وغضبانة وعطشانة، فلم تكن الزيادة عندهم شبيهة بألفي حمراء فلم تمنع من الصرف. الثاني فهم من قوله: زائدًا فعلان أنهما لا يمنعان في غيره من الأوزان كفعلان بضم الفاء الثانية همزة وقيل: إن الأولى للتأنيث والثانية مزيدة للفرق بين مؤنث أفعل ومؤنث فعلان ورد بأنه يفضي إلى وقوع علامة التأنيث حشوًا ا. هـ. زكريا ويمكن دفع الاعتراض بجعل الإضافة في قوله: لألفي التأنيث بالنسبة إلى الألف الأولى لأدنى ملابسة. قوله: "والثاني" أي: من كل منهما وذلك الثاني هو الهمزة في نحو: حمراء والنون في نحو: سكران. قوله: "كما سبق" أي: من أن الصفة فرع الجامد. قوله: "والمصدر بالجملة صالح لذلك" أي: لما ذكر من نسبة الحدث إلى الموصوف إذا وقع نعتًا أم حالًا أو خبرًا وإنما قال بالجملة؛ لأن المصدر لا يصلح لذلك إلا بالتأويل. قوله: "عن معناه" أي: المصدر وقوله: فكان أي: اشتقاق الصفة. قوله: "ومن ثم" أي: من أجل كون الاشتقاق فيما ذكر غير مؤثر لضعفه المتقدم بيانه كان نحو: إلخ. قوله: "مع تحقق ذلك" أي: ما ذكر من فرعية اللفظ وفرعية المعنى. قوله: "إنما صرف نحو: ندمان" بمعنى المنادم. قوله: "لا تخص المذكر" لوجودها مع المؤنث كندمانة. قوله: "في لزومها إلخ" فيه نشر على ترتيب اللف؛ لأن اللزوم راجع إلى قوله: لا تخص المذكر وقبول علامة التأنيث راجع إلى قوله: وتلحقه التاء في المؤنث. قوله: "ويشهد لذلك" أي: لكون صرف نحو: ندمان لضعف فرعية اللفظ فيه من الجهة المتقدمة وهذا أوضح مما ذكره شيخنا والبعض. قوله: "فلم تكن الزيادة عندهم شبيهة بألفي حمراء" أي: في الاختصاص بواحد من المذكر والمؤنث وفي عدم لحوق التاء.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وَوَصْفٌ أصْلِيٌّ ووزْنُ أَفْعَلا ممنوع تأنيثٍ بتا كأَشْهَلا
_________________
(١) نحو: خمصان لعدم شبههما في غيره بألفي التأنيث. الثالث ما تقدم من أن المنع بزائدي فعلان لشبههما بألفي التأنيث في نحو: حمراء هو مذهب سيبويه، وزعم المبرد أنه امتنع لكون النون بعد الألف مبدلة من ألف التأنيث. ومذهب الكوفيين أنهما منعا لكونهما زائدتين لا يقبلان الهاء لا للتشبيه بألفي التأنيث "ووصف أصلي ووزن أفعلا ممنوع" بالنصب على الحال من وزن أفعلا أي: حال كونه ممنوع "تأنيث بتاء كأشهلا" أي: ويمنع الصرف أيضًا اجتماع الوصف الأصلي ووزن أفعل بشرط أن لا يقبل التأنيث بالتاء: إما؛ لأن مؤنثه فعلاء كأشهل، أو فعلى كأفضل؛ أو لأنه لا مؤنث له كأكمر وآدر، فهذه الثلاة ممنوعة من الصرف للوصف الأصلي ووزن أفعل، فإن وزن الفعل به أولى؛ لأن في أوله قوله: "لشبههما بألفي التأنيث" إن قلت: هلا أكتفي في المنع بزيادتهما كألفي التأنيث قلت: المشبه لا يعطي حكم المشبه به من كل وجه، وقال في المغني: إنما شرطت العلمية أو الوصفية؛ لأن الشبه بألفي التأنيث إنما يتقوم بإحداهما ا. هـ. أي: لا يتحقق في الواقع إلا في علم أو صفة. قوله: "امتنع" أي: فعلان لكون النون بعد الألف مبدلة من ألف التأنيث، فكما لا ينصرف حمراء لا ينصرف سكران واستدل على الإبدال بقولهم: بهراني وصنعاني في النسب إلى بهراء وصنعاء. وأجيب بأن النون بدل من الواو والأصل بهراوي وصنعاوي وأيضًا المذكر سابق عن المؤنث لا العكس. قوله: "لكونهما زائدتين إلخ" إن أرادوا مطلق الزيادة ورد عليهم عفريت وإن أرادوا خصوص الألف والنون سألناهم عن علة الخصوصية فلا يجدون معدلًا عن التعليل بأنهما لا يقبلان الهاء فيرجعون إلى ما اعتبره البصريون كذا في المغني. لا يقال هلا اكتفى في علة المنع بالزيادة كما اكتفى بألف التأنيث؛ لأنا نقول المشبه به من كل وجه على أن في المغني أن تعليل منع صرف نحو: سكران بالوصفية والزيادة اشتهر بين المعربين مع أنه مذهب الكوفيين، أما البصريون فمذهبهم أن المانع الزيادة المشبهة لألفي التأنيث؛ ولهذا قال الجرجاني: ينبغي أن تعد موانع الصرف ثمانية لا تسعة. قوله: "لا للتشبيه بألفي التأنيث" أي: وإن استلزم كونهما زائدتين لا يقبلان الهاء شبههما بألفي التأنيث في الزيادة وعدم قبول الهاء إذ فرق بين اعتبار الشيء وحصوله بدون اعتبار؛ ولهذا عبر صاحب الهمع في علة منعهما عند الكوفيين بقوله: كونهما زائدتين لا يقبلان الهاء من غير ملاحظة الشبه بألفي التأنيث ا. هـ. قوله: "ووصف" معطوف على الضمير في منع أو مبتدأ خبره محذوف على وزان ما مر في زائدًا، وقول خالد: إنه معطوف على زائدًا لا يجري على الصحيح من أن المعطوفات بحرف غير مرتب على الأول. قوله: "على الحال من وزن" وقال خالد: من أفعل قال الفارضي: لأنه علم على اللفظ ا. هـ. وشرط مجيء الحال من المضاف إليه موجود لصحة الاستغناء عن المضاف بأن يقال ووصف أصلي وأفعل أي: هذا الوزن. قوله: "كأشهلا" الشهلة في العين أن يشوب سوادها زرقة. قوله: "فإن وزن الفعل به أولى" علة لما يفيده سابقه من مدخلية وزن أفعل في منع
[ ٣ / ٣٤٥ ]
وأَلغِينَّ عارِضَ الوَصْفِيَّه كأَرْبَعٍ وعارِضَ الاسْمِيَّه
_________________
(١) زيادة تدل على معنى في الفعل دون الاسم، فكان ذلك أصلًا في الفعل؛ لأن ما زيادته لمعنى أصل لما زيادته لغير معنى، فإن أنث بالتاء انصرف نحو: أرمل بمعنى فقير، فإن مؤنثه أرملة لضعف شبهه بلفظ المضارع؛ لأن تاء التأنيث لا تلحقه، وأجاز الأخفش منعه لجريه مجرى أحمر؛ لأنه صفة وعلى وزنه. نعم قولهم عام أرمل غير مصروف؛ لأن يعقوب حكى فيه سنة رملاء، واحترز بالأصلي عن العارض فإنه لا يتعد به كما سيأتي. تنبيهان: الأول مثل الشارح لما تلحقه التاء بأرمل وأباتر وهو القاطع رحمه، وأدابر وهو الذي لا يقبل نصحًا فإن مؤنثها أرملة وأباترة وأدابرة: أما أرمل فواضح، وأما أباتر وأدابر فلا يحتاج هنا إلى ذكرهما إذ لم يدخلا في كلام الناظم، فإن علق على المنع على وزن أفعل، وإنما ذكرهما في شرح الكافية؛ لأنه علق المنع على وزن أصلي في الفعل أي: الفعل به أولى، ولم يخصه بأفعل. ولفظه فيها: ووصفٌ أصليٌّ ووَزْنٌ أُصِّلا في الفعْلِ تا أُنْثى بِهِ لن تُوصَلا ولهذا احترز أيضًا من يعمل ومؤنثه يعملة وهو الجمل السريع. الثاني الأولى تعليق الحكم على وزن الفعل الذي هو به أولى لا على وزن أفعل ولا الفعل مجردًا ليشمل نحو: أحيمر وأفيضل من المصغر فإنه لا ينصرف لكونه على الوزن المذكور نحو: أبيطر. ولا يرد نحو: بطل وجدل وندس فإن كل واحد منها وإن كان أصلًا في الوصفية وعلى وزن فعل صرف الوصف المذكور لكن لو حذف لفظ وزن لكان أوضح، وأما قول البعض علة لمحذوف تقديره وإنما نسب هذا الوزن للفعل؛ لأن إلخ ففيه أنه لم يتقدم منه نسبة هذا الوزن إلى الفعل حتى يقال وإنما نسب إلخ، وفي بعض النسخ فإنه وزن الفعل به أولى وهو أوضح فتأمل. قوله: "لأن في أوله" اعترضه شيخنا والبعض فإن فيه ظرفية الشيء في نفسه فكان الأولى إسقاط في، ويمكن دفعه بأن المراد بالأول ما قابل الآخر فيكون من ظرفية الجزء في الكل. قوله: "على معنى في الفعل" وهو التكلم. قوله: "فكان ذلك" أي: وزن أفعل. قوله: "فإن أنث بالتاء إلخ" محترز قوله: ممنوع تأنيث بتا. قوله: "لضعف إلخ" علة لانصرف. قوله: "لأن تاء التأنيث" أي: المتحركة بحركة إعرابية فلا يرد المتحركة بحركة بنية في نحو: هند تقوم. قوله: "وأجاز الأخفش منعه" أي: نحو: أرمل. قوله: "نعم إلخ" استدراك على قوله نحو: أرمل. قوله: "عام أرمل" أي: قليل المطر والنفع كما في القاموس وحينئذٍ قد يقال الكلام في أرمل بمعنى فقير إلا أن يجاب بأن تقارب المعنيين كاتحادهما فتأمل. قوله: "وأباتر" من البتر وهو القطع وأدابر من الإدبار ضد الإقبال. قوله: "من يعمل" بوزن يفرح الجمل النجيب المطبوع ويقال للناقة النجيبة المطبوعة يعملة كما في القاموس. قوله: "الذي هو" أي: الفعل به أي: الوزن. قوله: "لكونه على الوزن المذكور" أي: الذي الفعل به أولى وإن لم يكن في حال التصغير على وزن أفعل. قوله: "أبيطر"
[ ٣ / ٣٤٦ ]
فالأَدْهَمُ القَيْدُ لكونِهِ وُضِعْ في الأَصْلِ وَصْفًا انصرافُهُ مُنِعْ
وَأَجْدَلٌ وأَخْيَلٌ وأَفْعَى مصروفَةٌ وقد يَنَلنَ المَنَْعا
_________________
(١) لكنه وزن مشترك فيه ليس الفعل أولى به من الاسم فلا اعتداد به ا. هـ "وألغين عارض الوصفية كأربع" في نحو: مررت بنسوة أربع فإنه اسم من أسماء العدد، لكن العرب وصفت به فهو منصرف نظرًا للأصل، ولا نظر لما عرض له من الوصفية، وأيضًا فهو يقبل التاء فهو أحق بالصرف من أرمل؛ لأن فيه مع قبول التاء كونه عارض الوصفية، وكذلك أرنب من قولهم: رجل أرنب أي: ذليل فإنه منصرف لعروض الوصفية إذ أصله الأرنب المعروف "وعارض الإسمية" أي: وألغ عارض الاسمية على الوصف، فتكون الكلمة باقية على منع الصرف للوصف الأصلي، ولا ينظر إلى ما عرض لها من الاسمية "فالأدهم القيد لكونه وضع في الأصل وصفًا انصرافه منع" نظرًا إلى الأصل وطرحًا لما عرض من الاسمية. تنبيه: مثل أدهم في ذلك أسود للحية العظيمة، وأرقم لحية فيها نقط كالرقم نظرًا إلى الأصل وطرحًا لما عرض من الاسمية "وأجدل" للصقر "وأخيل" لطائر ذي نقط كالخيلان يقال له الشقراق "وأفعى" للحية "مصروفة"؛ لأنها أسماء مجردة عن الوصفية في أصل الوضع مضارع بيطر إذا عالج الدواب. قاموس. قوله: "وجدل" بفتح الدال وتكسر الصلب الشديد وندس كعضد وكتف السريع الاستماع لصوت خفي والفهم كذا في القاموس. قوله: "وألغينّ عارض الوصفيه" هذا تصريح بمفهوم قوله: أصلي ا. هـ. مرادي وإضافة عارض الوصفية من إضافة الصفة للموصوف، أو بمعنى من ومثلها إضافة عارض الاسمية. قوله: "وصفت به" أي: في قولهم مررت بنسوة أربع. قوله: "كونه عارض الوصفية" بخلاف أرمل بمعنى فقير فإنه متأصل الوصفية. قوله: "وكذلك أرنب" انظر هل تلحقه تاء التأنيث أولًا، وقد يؤخذ الثاني من اقتصاره في علة انصرافه على عروض الوصفية فحرره. قوله: "فالأدهم" إلى آخره البيت تفريع على قوله: وعارض الاسمية، وما قاله البعض غير مستقيم. قوله: "القيد" عطف بيان على الأدهم من تفسير الأخفى بالأجلى كما تقول البرّ القمح والعقار الخمر سندوبي. قوله: "وأرقم" مثله أبطح وهو مسيل واسع فيه دقاق الحصى وأجرع، وهو المكان المستوي وأبرق وهو أرض خشنة فيها حجارة ورمل وطين مختلطة. وذكر سيبويه أن العرب لم تختلف في منع صرف هذه الستة أعني أدهم وأسود وأرقم وأبطح وأجرع وأبرق ا. هـ. مرادي ويخالفه ما سيأتي في الشرح من أن بعض العرب يصرف الثلاثة الأخيرة. قوله: "كالخيلان" بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء جمع خال وهو النقطة المخالفة لبقية البدن خالد. قوله: "الشقراق" فيه لغات ذكرها في القاموس منها الشقراق كقرطاس والشرقرق كسفرجل، قال: وهو طائر معروف مرقط بخضرة وحمرة وبياض ويكون بأرض الحرم. قوله: "لأنها أسماء مجردة عن الوصفية في أصل الوضع" أي: وفي الحال وإنما اقتصر الشارح على نفي وصفيتها في الأصل؛ لأنه المعتبر فهي أسماء في الأصل والحال كما في التوضيح. قال
[ ٣ / ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا أثر لما يلمح في أجدل من الجدل وهو الشدة، ولا في أخيل من الخيول وهو كثرة الخيلان، ولا في أفعى من الإيذاء لعروضه عليهن "وقد ينلن المنعا" من الصرف لذلك وهو في أفعى أبعد منه في أجدل وأخيل؛ لأنهما من الجدل ومن الخيول كما مر. وأما أفعى فلا مادة لها في الاشتقاق لكن ذكرها يقارنه تصور إيذائها فأشبهت المشتق وجرت مجراه على هذه اللغة. ومما استعمل فيه أجدل وأخيل غير مصروفين قوله:
١٠٢٦- كَأَنَّ العُقَيلِيِّينَ يَومَ لَقِيتُهُمْ فِراخُ القَطا لاقَينَ أجْدَلَ بازِيا
وقول الآخر:
ــ
شيخنا وتبعه البعض: وبهذا فارقت نحو: أربع فإن أربع اسم في الأصل وصف في الحال وهذه أسماء لم تعرض لها الوصفية، ولكن يتخيل فيها الوصفية وكان
منع صرف أربع أحق من منع صرفها، إلا أنه لم يرد فيه وورد فيها فقبل ا. هـ. وعلى هذا يكون قول المصنف: وأجدل إلخ كلامًا مستقلًا لا مفرعًا على قوله:
وألغينّ عارض الوصفية
لأن هذه الأسماء لم تعرض لها الوصفية غاية الأمر أن الوصفية تتخيل فيها فالعارض لها تخيل الوصفية لا نفس الوصفية، إذ لا يلزم من تخيل شيء تحققه، وحينئذٍ كان الأولى للشارح في تعليل صرفها أن يقول: بدل قوله لعروضه
أي: لمح الوصفية عليهنّ لتجردها عن الوصفية رأسًا، وإن تخليت فيها ما مر عن شيخنا والبعض من توجيه عدم منع صرف أربع مع أنها أحق بالمنع من نحو: أجدل لا يصح توجيهًا بل هو تقرير للسؤال فتأمل. قوله: "لما يلمح" عبارة الفارضي وغيره لما يتخيل. قوله: "من الجدل" بسكون الدال. قوله:
"وقد ينلن" أي: يعطين. قوله: "لذلك" أي: للوصفية الملموحة المنضمة إلى وزن أفعل فيكون أجدل بمعنى شديد وأخيل بمعنى متلوّن وأفعى بمعنى مؤذ كل ذلك على سبيل التخيل. قوله: "فلا مادة لها في الاشتقاق" أي: ليس لها مادة يتأتى اشتقاقها منها، وقيل من فوعان السمّ أي: حرارته فأصل أفعى فدخله القلب المكاني، ثم قلبت الواو ألفًا وقيل من فعوة السمّ أي: شدته وعليه فلا قلب مكانيا.
قوله: "كأن العقيليين" بضم العين وقوله: لاقين بنون الإناث أي: فراخ القطا وقوله: أجدل أي: صقرًا وبازيًا صفته من بزي عليه إذا تطاول عليه ويجوز أن يريد بالبازي الطير المشهور ويكون عطفًا على أجدل بحذف العاطف للضرورة، قاله العيني وزكريا. قوله: "ذريني" أي: دعيني والواو بمعنى مع والشيمة الطبيعة والأخيل الشقراق، والعرب تتشاءم به يقال هو أشأم من أخيل قاله العيني
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للقطامي في ديوانه ص١٨٢؛ وشرح التصريح ٢/ ٢١٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٦؛ ولجعفر بن علبة الحارثي في المؤتلف والمختلف ص١٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١١٩؛ وجمهرة اللغة ص٨٠٠؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٣٩٣؛ ولسان العرب ١١/ ١٠٤.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
ومَنْعُ عدْلٍ مَعَ وصْفٍ مُعْتَبَرْ في لفظ مَثْنَى وثُلاثَ وأُخَرْ
_________________
(١) ذَرِيني وعلمي بالأمُورِ وشِيمَتي فما طائري يومًا عَلَيكِ بأخْيَلا وكما شذ الاعتداد بعروض الوصفية في أجدل وأخيل وأفعى، كذلك شذ الاعتداد بعروض الاسمية في أبطح وأجرع وأبرق فصرفها بعض العرب، واللغة المشهورة منعها من الصرف؛ لأنها صفات استغنى بها عن ذكر الموصوفات فيستصحب منع صرفها كما استصحب صرف أرنب وأكلب حين أجرى مجرى الصفات، إلا أن الصرف لكونه الأصل ربما رجع إليه بسبب ضعيف بخلاف منع الصرف فإنه خروج عن الأصل فلا يصار إليه إلا بسبب قوي "ومنع عدل مع وصف معتبر في لفظ مثنى وثلاث وأخر" منع مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى فاعله وهو عدل، والمفعول محذوف وهو الصرف ومعتبر خبره، وفي لفظ متعلق به: أي: مما يمنع الصرف اجتماع العدل والوصف وذلك في موضعين: أحدهما المعدول في العدد إلى مفعل نحو: مثنى أو فعال نحو: ثلاث والثاني في أخر المقابل لآخرين. أما المعدول في العدد فالمانع له عند سيبويه والجمهور العدل والوصف: فأحاد ــ وزكريا. قوله: "بعروض الوصفية إلخ" أي: بعروض تخيل الوصفية ليوافق ما قدمناه فتفطن. قوله: "وأكلب" مقتضى سياقه أنه اسم جنس جامد لكن قد يوصف به عروضًا لا أصالة مثل: أرنب ولم أقف على الجنس المسمى به بعد مراجعة القاموس وغيره فانظره. قوله: "إلا أن الصرف إلخ" يعني أن صرف نحو: أبطح ومنع صرف نحو: أجدل وإن كانا شاذين لكن شذوذ صرف نحو: أبطح أخف من شذوذ منع صرف نحو: أجدل. قوله: "ومنع عدل" العدل إخراج الكلمة عن صيغتها الأصلية لغير قلب، أو تخفيف أو إلحاق أو معنى زائد فخرج نحو: أيس مقلوب يئس وفخذ بإسكان الخاء مخفف فخذ بكسرها وكوثر بزيادة الواو إلحاقًا له بجعفر ورجيل بالتصغير لزيادة معنى التحقير، وفائدته تخفيف اللفظ وتمحضه للعلمية في نحو: عمر وزفر لاحتماله قبل العدل للوصفية، وهو تحقيقي إن دل عليه غير منع الصرف وتقديري إن لم يدل عليه إلا منع الصرف قاله الحفيد، ثم هو باعتبار محله أربعة أقسام؛ لأنه إما بتغيير الشكل فقط كجمع عند من قال إنه معدول عن جمع أو بالنقص فقط فيما عدل عن ذي أل وهو سحر وأمس وكذا أخر في قول أو بالنقص وتغيير الشكل كعمر أو بالزيادة والنقص وتغيير الشكل كحذام ومثلث. قوله: "مع وصف" متعلق بمحذوف نعت عدل. قوله: "والثاني في أخر" الأولى إسقاط في؛ لأن الموضع الثاني نفس أخر وقوله: المقابل آخرين سيأتي محترزه في التنبيه الأول وهو صريح في أن أخر وصف لجماعة الإناث؛ لأن أخر جمع أخرى وأنه ضد آخرين الذي هو وصف لجماعة الذكور؛ لأن آخرين جمع آخر وأما نحو
(٢) البيت من الطويل، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص٢٧١؛ وشرح التصريح ٢/ ٢١٤؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٣٩٢؛ ولسان العرب ١١/ ٢٣٠ "خيل"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٨؛ وبلا نسبة في الاشتقاق ص٣٠٠؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٢٠.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وموحد معدولان عن واحد واحد وثناء ومثنى معدولان عن اثنين اثنين وكذلك سائرها، وأما الوصف؛ فلأن هذه الألفاظ لم تستعمل إلا نكرات إما نعتًا نحو: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، وإما حالًا نحو: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وإما خبرًا نحو: صلاة الليل مثنى مثنى. وإنما كرر لقصد التأكيد لا لإفادة التكرير. ولا تدخلها أل. قال في الارتشاف: وإضافتها قليلة. وذهب الزجاج إلى أن المانع لها العدل في اللفظ وفي المعنى: أما في اللفظ فظاهر وأما في المعنى فلكونها تغيرت عن مفهومها في الأصل إلى إفادة معنى التضعيف. ورد بأنه لو كان المانع من صرف أحاد مثلًا عدله عن لفظ واحد وعن معناه إلى معنى التضعيف للزم أحد أمرين: إما منع صرف كل اسم يتغير عن أصله لتجديد معنى فيه كأبنية المبالغة وأسماء الجموع، وإما ترجيح أحد المتساويين على الآخر واللازم منتف باتفاق، وأيضًا كل ممنوع فعدة من أيام أخر فلتأوله بالجماعات. قوله: "معدولان عن واحد واحد" أي: لأن المقصود التقسيم ولفظ المقصود مكرر أبدًا نحو: جاء القوم رجلًا رجلًا فلما وجدنا أحاد غير مكرر لفظًا، مع أن المقصود التقسيم كما علمت حكمنا بأن أصله لفظ مكرر، ولم يأت بمعناه إلا واحد واحد فحكم بأنه أصله، وكذا يقال في الباقي أفاده الدماميني. قوله: "وأما الوصف إلخ" مقابل لقوله: فأحاد وموحد معدولان إلخ؛ لأنه في قوة أن يقال أما العدل؛ فلأن أحاد إلخ أي: أما بيان العدل فأحاد إلخ وأما بيان الوصف إلخ. ولو قال الوصفية لكان أوضح. قوله: "لم تستعمل إلا نكرات إما نعتًا إلخ" أي: فتكون أوصافًا أصالة قال السيد: الوصفية في ثلاث مثلا أصلية؛ لأنه معدول عن ثلاثة ثلاثة وهذا المكرر لم يستعمل إلا وصفًا، فكذا المعدول إليه وهو ثلاث وإن لم تكن الوصفية في أسماء العدد واحد اثنان إلخ أصلية. قوله: "إما نعتًا إلخ" علم منه ما صرح به الفارضي من أنه لا بد أن يتقدمها شيء. قوله: "وإنما كرر إلخ" أي: فلا يرد أن مثنى يفيد التكرير فأي: فائدة في إعادته، وقوله: لا لإفادة التكرير أي: لا لتأسيس معنى زائد هو التكرير لحصوله بمثنى الأول. قوله: "ولا تدخلها أل" وادعى الزمخشري أنها تعرف فقال: يقال فلان ينكح المثنى والثلاث. قال أبو حيان: ولم يذهب إليه أحد وكما لا تعرف لا تؤنث فلا يقال مثناة مثلًا قاله الفارضي. قوله: "وذهب الزجاج إلخ" المعدول عنه على مذهبه إلى أحاد وموحد واحد وإلى ثناء ومثنى اثنان، وهكذا كما سيشير إليه الشارح بخلافه على المذهب الأول فواحد واحد واثنان اثنان وهكذا. قوله: "كأبنة المبالغة" نحو: ضرّاب فإنه تغير عن ضارب لإفادة معنى جديد وهو التكثير. قوله: "وأسماء الجموع" ليس المراد بها أسماء الجموع المعروفة كقوم ورهط إذ لا تغيير فيها، بل المراد الجموع نفسها فالإضافة للبيان أفاده زكريا، فالجمع تغير عن الواحد لإفادة معنى جديد وهو التعدد. قوله: "ترجيح أحد المتساويين" أي: في التغيير لإفادة معنى جديد على الآخر ومراده بأحدهما المعدود في العدد وبالآخر غيره كأبنية المبالغة والجموع. قوله:
[ ٣ / ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من الصرف لا بد أن يكون فيه فرعية في اللفظ وفرعية في المعنى، ومن شرطها أن يكون من غير جهة فرعية اللفظ ليكمل بذلك الشبه بالفعل، ولا يتأتى ذلك في أحاد إلا أن تكون فرعيته في اللفظ بعدله عن واحد المضمن معنى التكرار، وفي المعنى بلزومه الوصفية، وكذا القول في أخواته. وأما أخر فهو جمع أخرى أنثى آخر بفتح الخاء بمعنى مغاير فالمانع له أيضًا العدل والوصف: أما الوصف فظاهر، وأما العدل فقال أكثر النحويين: إنه معدول عن الألف واللام؛ لأنه من باب أفعل التفضيل فحقه ألا يجمع إلا مقرونًا بأل، والتحقيق أنه معدول عما كان يستحقه من استعماله بلفظ ما للواحد المذكر بدون تغير معناه، وذلك أن آخر من باب أفعل التفضيل فحقه أن لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث إلا مع الألف واللام أو الإضافة فعدل في تجرده منهما، واستعماله لغير الواحد المذكر عن لفظ آخر إلى لفظ التثنية "ولا يتأتى ذلك" أي: الشرط المذكور للفرعية في المعنى وهو كونها من غير جهة الفرعية في اللفظ، وقوله: إلا أن تكون إلخ أي: لأن الجهة على ما ذكره الزجاج واحدة وهي العدل. قوله: "واحد المضمن معنى التكرار" يعني واحدًا المكرر أي: عن واحد واحد زكريا. قوله: "بمعنى مغاير" أي: باعتبار الحال وإلا فمعنى آخر في الأصل أشد تأخرًا، وكان في الأصل معنى جاء زيد ورجل أشد تأخيرًا في معنى من المعاني، ثم نقل إلى معنى غير فمعنى رجل آخر رجل غير زيد. دماميني. قوله: "أما الوصف فظاهر" لأنه اسم تفضيل بمعنى مغاير باعتبار الحال، وبمعنى أشد تأخرًا باعتبار الأصل كما مر، وعلى كل فهو وصف والظاهر أن صوغه من تأخر فهو اسم تفضيل مصوغ من خماسي شذوذًا. قوله: "عن الألف واللام" أي: عن ذي الألف واللام ولا ينافي ذلك أنه نكرة فكيف يكون معدولًا عن معرفة؛ لأنه لا يلزم في المعدول عن الشيء أن يكون بمعناه من كل وجه خلافًا للفارسي. دماميني. قوله: "إلا مقرونًا بأل" أي: أو مضافًا إلى معرفة. قوله: "والتحقيق إلخ" فأخر على الأول معدول عن الآخر، وعلى هذا عن آخر بالإفراد والتذكير، ولعلّ وجه كون هذا القول هو التحقيق تطابق المعدول والمعدول عنه عليه تنكيرًا فتدبر. قوله: "عما كان يستحقه" أي: عن استعمال كان يستحقه بدليل قوله من استعماله إلخ، وقوله: بلفظ ما للواحد المذكر الإضافة للبيان أي: بلفظ هو اللفظ الذي للواحد المذكر، هكذا ينبغي تقرير عبارته لا كما قررها البعض، وكلامه صريح في أن المعدول عنه الاستعمال المذكور مع أنه لفظ الواحد المذكر، فلو قال والتحقيق أنه معدول عما كان يستحقه من لفظ الواحد المذكر لكان أخصر وأولى. وقوله: بدون تغير معناه حال من لفظ أو من ما أي: حالة كون لفظ الواحد المذكر لم يغير معناه الذي هو الواحد المذكر. قوله: "وذلك" أي: وبيان ذلك. قوله: "أو الإضافة" أي: إلى معرفة. قوله: "فعدل في تجرده" أي: في حالة هي تجرده إلخ. فإن قلت: يجوز أن يكون بتقدير الإضافة قلت: لا؛ لأن
[ ٣ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والجمع والتأنيث بحسب ما يراد به من المعنى، فقيل عندي رجلان آخران ورجال آخرون وامرأة أخرى ونساء أخر، فكل من هذه الأمثلة صفة معدولة عن آخر، إلا أنه لم يظهر أثر الوصفية والعدل إلا في أخر؛ لأنه معرب بالحركات بخلاف آخران وآخرون، وليس فيه ما يمنع من الصرف غيرهما بخلاف أخرى فإن فيها أيضًا ألف التأنيث. فلذلك خص أخر بنسبة اجتماع الوصفية والعدل إليه وإحالة منع الصرف إليه، فظهر أن المانع من صرف أخر كونه صفة معدولة عن آخر مرادًا به جمع المؤنث؛ لأن حقه أن يستغنى فيه بأفعل عن فعل؛ لتجرده من أل، كما يستغنى بأكبر عن كبر في قولهم: رأيتها مع نساء أكبر منها. تنبيهان: الأول قد يكون أخر جمع أخرى بمعنى آخرة فيصرف لانتفاء العدل؛ لأن مذكرها آخر بالكسر بدليل: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧]، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، فليست من باب أفعل التفضيل، والفرق بين أخرى أنثى آخر وأخرى بمعنى آخرة أن تلك لا تدل على الانتهاء ويعطف عليها مثلها من جنسها، نحو: جاءت امرأة أخرى وأخرى، وأما أخرى بمعنى آخرة فتدل على الانتهاء، ولا يعطفع عليها مثلها من جنس واحد وهي المقابلة لأولى في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩]، إذا عرفت ذلك فكان ينبغي أن يحترز عن هذه كما فعل في الكافية فقال: المضاف إليه لا يحذف إلا إذا جاز إظهاره، ولا يجوز إظهاره هنا نقله الدماميني عن الرضي. وانظر وجه عدم جواز إظهاره، ولعله كونه يؤدي إلى وصف النكرة بالمعرفة في نحو: مررت بنساء ونساء أخر لكن يرد أنه بمعنى مغايرات فلا تفيده الإضافة تعريفًا، إلا أن يقال كونه بمعناه لا يقتضي أنه في حكمه من كل وجه فتأمل. قوله: "عن لفظ آخر" فيه إقامة الظاهر مقام المضمر إذ المعنى عدل في تجرد آخر عن لفظه إلى لفظ المثنى والمجوع والمؤنث. زكريا ولعل نكتة الإظهار طول الفصل. قوله: "لم يظهر أثر إلخ" فيه دلالة ظاهرة على أن جميع هذه الصيغ توصف بمنع الصرف، وإن لم يظهر أثره إلا في المعرب بالحركات فمنع الصرف عنده لا يختص بالمعرب بالحركات بل بالمختص به ظهور أثره كذا في سم. قوله: "فإن فيها أيضًا ألف التأنيث" أي: وهي تستقل بالمنع فاعتبرت؛ لأنها أوضح من الوصفية والعدل كما في زكريا. قوله: "مرادًا به جمع المؤنث" حال من آخر بفتح الهمزة، وفي هذا القيد دفع لما أورد من أن آخر يصلح للواحد والمثنى والجمع وأخر لا يصلح إلا للجمع فكيف يكون معدولًا عنه، ووجه الدفع أنه معدول عن آخر بمعنى الجماعة لا مطلقًا. قوله: "بدليل وأن عليه إلخ" مرتبط بقوله: بمعنى آخرة، ووجه الدلالة أنه وصف النشأة في هذه الآية بالأخرى وبالآخرة في الآية الثانية، وذلك يدل على أن معناهما واحد. قوله: "والفرق" أي: من جهة المعنى. قوله: "مثلها من جنسها" فلا يقال عندي رجل وحمار آخر ولا إمرأة أخرى، كذا قال شيخنا، فالمراد بالجنس الصنف. قوله: "ولا يعطف عليها مثلها" لأن
[ ٣ / ٣٥٢ ]
ووَزْنُ مَثْنَى وثُلاثَ كَهُمَا من واحِدٍ لأَرْبَعٍ فليُعْلَما
_________________
(١) ومَنْعَ الوَصْفُ وعَدْلٌ أُخَرَا مُقابِلًا لآخَرينَ فاحْصُرا الثاني: إذا سمي بشيء من هذه الأنواع الثلاثة -وهي ذو الزيادتين وذو الوزن وذو العلد- بقي على منع الصرف؛ لأن الصفة لما ذهبت بالتسمية خلفتها العلمية "ووزن مثنى وثلاث كهما من واحد لأربع فليعلما" يعني ما وازن مثنى وثلاث من ألفاظ العدد المعدول من واحد إلى أربع فهو مثلهما في امتناع الصرف للعدل والوصف تقول: مررت بقوم موحد وأحاد، ومثنى وثناء، ومثلث وثلاث، ومربع ورباع، وهذه الألفاظ الثمانية متفق عليها؛ ولهذا اقتصر عليها. قال في شرح الكافية: وروي عن بعض العرب مخمس وعشار ومعشر ولم يرد غير ذلك. وظاهر كلامه في التسهيل أنه سمع فيها خماس أيضًا واختلف فيما لم يسمع على ثلاثة مذاهب: أحدها أنه يقاس على ما سمع وهو مذهب الكوفيين والزجاج ووافقهم الناظم في بعض نسخ التسهيل وخالفهم في بعضها. الثاني لا يقاس بل يقتصر على المسموع وهو مذهب جمهور البصريين. الثالث أنه يقاس على فعال لكثرته لا على مفعل. قال الشيخ أبو حيان: والصحيح أن البناءين مسموعان من واحد إلى عشرة، وحكى البناءين أبو عمرو الشيباني، وحكى أبو حاتم وابن السكيت من أحاد إلى عشار ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. الانتهاء الحقيقي لا يتعدد بخلاف معنى المغايرة فيتعدد سم. قوله: "مقابلًا لآخرين" بفتح الخاء بمعنى مغايرين ومنه قوله تعالى: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، واحترز به عن آخر مقابل آخرين بكسر الخاء في نحو: يجمع الله الأولين والآخرين. وقوله: فاحصرا أي: احصر منع صرف آخر في أخر المقابل لآخرين بفتح الخاء. قوله: "خلفتها العلمية" فإذا نكر بعد أن سمي به فذهب الخليل وسيبويه إلى أنه لا ينصرف؛ لأنك رددته إلى حال كان لا ينصرف فيها. وذهب الأخفش إلى أنه ينصرف؛ لأن الوصفية قد انتقلت عنه بالعلمية وسيأتي ذلك. قوله: "ووزن" أي: موازن كما أشار إليه الشارح، وقوله: كهما فيه جر الكاف للضمير. وتقدم أنه شاذ فالأولى جعلها اسمًا بمعنى مثل مضافًا إلى الضمير، وقوله: من واحد متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر أي: حالة كونه مأخوذًا من واحد وقول شيخنا: أنه بيان لوزن بمعنى موازن غير صحيح. قوله: "متفق عليها" أي: على ورودها عن العرب بدليل ما يأتي. قوله: "إلى عشرة" الغاية داخلة بقرينة ما سبق وما يأتي، وقولهم: الصحيح أن الغاية بإلى خارجة محله إذا لم تقم قرينة على دخولها، وأما قول شيخنا السيد: الغاية خارجة ولذا عبر بإلى وأما العشرة فغير مسموع صوغ فعال ومفعل منها، كما قاله العصام فهو مخالف لما في الشرح. قوله: "وحكى وأبو حاتم وابن السكيت من أحاد إلى عشار" ولم يتعرضا لسماع موحد
[ ٣ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تنبيه: قال في التسهيل: ولا يجوز صرفها، يعني أخر مقابل آخرين وفعال ومفعل في العدد مذهوبًا بها مذهب الأسماء خلافًا للفراء، ولا مسمى بها خلافًا لأبي علي وابن برهان، ولا منكرة بعد التسمية بها خلافًا لبعضهم ا. هـ. أما المسألة الأولى فالمعنى أن الفراء أجاز: أدخلوا ثلاث ثلاث وثلاثًا ثلاثًا وخالفه غيره وهو الصحيح. وأما الثانية فقد تقدم التنبه عليها إلى معشر ولهذا أخر حكايتهما عن حكاية أبي عمرو الشيباني. قوله: "مذهوبًا بها مذهب الأسماء" أي: المنكرة أو الجامدة على الوجهين الآتيين عاجلًا في كلام الدماميني، وعلى الأول اقتصر في الهمع. قوله: "خلافًا للفراء" أي: فإنه زعم أن هذه الألفاظ منعت الصرف للعدل والتعريف بنية أل وأنه يجوز جعلها نكرة، ويذهب بها مذهب الأسماء المنصرفة، وظاهر تقريرهم المذكور عن الفراء أن يقال: إنها تصرف بناء على كونها أسماء نكرات وأنها في حالة المنع معارف. وكلام المصنف يقتضي أن الفراء يرى أنها حال منع الصرف صفات وحال الصرف أسماء، وأنها على حالة واحدة بالنسبة إلى التعريف والتنكير. دماميني. ورد قول الفراء بمجيئها أحوالًا وصفات للنكرات. قوله: "ولا مسمى بها خلافًا لأبي علي وابن برهان" أي: لأن الصفة لما ذهبت خلفتها العلمية، وما نقله عن أبي علي وابن برهان نقله في التصريح عن الأخفش وأبي العباس وغيرهما، وعبارته وقال الأخفش في المعاني وأبو العباس: إنه لو سمي بمثنى أو أحد أخواته انصرف؛ لأنه إذا كان اسمًا فليس في معنى اثنين اثنين وثلاثة وثلاثة وأربعة أربعة، فليس فيه إلا التعريف خاصة، وتبعهما على ذلك الفارسي وارتضاه ابن عصفور وردّ بأن هذا مذهب لا نظير له إذ لا يوجد بناء ينصرف في المعرفة ولا ينصرف في النكرة، وإنما المعروف العكس. وعبارة الفارسي في التذكرة تخالف هذا فإنه قال: الوصف يزول فيخلفه التعريف الذي للعلم والعدل قائم في الحالين جميعًا ا. هـ. وحجة الجمهور أن شبه الأصل من العدل حاصل والعلمية محققة فسبب المنع موجود فالوجه امتناع الصرف ا. هـ. قوله: "فالمعنى أن الفراء إلخ" مراد الشارح تصوير الذهاب بها مذهب الأسماء، وأما ما نقله البعض عن البهوتي وأقره من أنه لما كان كلام التسهيل يقتضي أن الفراء يوجب صرفها لكونه جوازًا مقابلًا للمنع وهو يقتضي الوجوب، مع أن مذهب الفراء في الواقع جواز كل من الصرف وعدمه احتاج الشارح إلى بيانه بقوله: فالمعنى إلخ، فيردّ بأن الجواز الذي قالوا إنه يقتضي الوجوب هو جواز الشيء شرعًا بعد امتناعه شرعًا لا مطلق الجواز في مقابلة مطلق المنع كما في هذا المقام، ألا ترى أنه لا يفهم من مقابلة منع الصرف بجوازه وجوبه فدعوى اقتضاء كلام التسهيل إيجاب الفراء صرفها غير مسلمة. قوله: "فقد تقدم التنبيه عليها" أي: في قوله إذا سمي بشيء من هذه الأنواع إلخ. قوله: "لجمع" اعترض بأن الجمعية ليست شرطًا كما صرح به السيوطي وغيره، بل كل ما كان على هذين الوزنين، واستوفى الشروط المذكورة في الشرح منع صرفه وإن فقدت الجمعية، فكان الأولى أن يقول للفظ ويجاب بأن الجمع في كلامه تمثيل لا تقييد، بدليل قوله: ولسراويل إلخ، وإنما آثر
[ ٣ / ٣٥٤ ]
وكن لجمع مشبه مفاعلا أو المفاعيل بمنع كافلا
_________________
(١) "وكن لجمع مشبه مفاعلًا أو المفاعيل بمنع كافلًا" كافلًا خبر كن، وبمنع متعلق بكافلًا، وكذا الجمع، ومفاعل مفعول بمشبه: يعني أن مما يمنع من الصرف الجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل أي: في كون أوله مفتوحًا وثالثه ألفًا غير عوض يليها كسر غير عارض ملفوظ أو مقدر على أول حرفين بعدها ثلاثة أوسطها ساكن غير منوي به وبما بعده الانفصال، فإن الجمع متى كان بهذه الصفة كان فيه فرعية اللفظ بخروجه عن صيغ الآحاد العربية وفرعية المعنى بالدلالة على الجمعية فاستحق منع الصرف. ووجه خروجه عن صيغ الآحاد العربية أنك لا تجد مفردًا ثالثه ألف بعدها حرفان أو ثلاثة إلا وأوله مضموم كعذافر، أو ألفه عوض من إحدى ياءي النسب إما تحقيقًا كيمان وشآم فإن أصلهما يمني وشآمي، فحذفت إحدى الباءين وعوض عنها الألف، أو تقديرًا نحو: تهام وثمان فإن ألفهما موجودة قبل، وكأنهم نسبوا إلى فعل أو فعل ثم حذفوا إحدى الياءين وعرضوا عنها الألف، أو ما يلي الألف غير الجمع بالتمثيل؛ لأنه الغالب في الوزنين. قوله: "مشبه مفاعلًا" أي: في الحال كمساجد أو في الأصل كعذارى إذ أصله عذارى بكسر الراء وتحريك الياء قلبت الكسرة فتحة والياء ألفًا كما يأتي. قوله: "بمنع" أي: لصرفه فصلة منع محذوفة لدلالة المقام عليها. قوله: "أي: في كون أوله مفتوحًا" خرج به نحو: عذافر وبقوله ثالثه ألفًا غير عوض أي: من إحدى ياءي النسب تحقيقًا أو تقديرًا نحو: يمان وشآم ونحو: تهام وثمان، وبقوله: يليها كسر خرج نحو: براكاء وتدارك وبقوله: غير عارض خرج نحو: تدان وتوان وبقوله: أوسطها ساكن خرج ملائكة وبقوله: غير منوي به وبما بعده الانفصال أي: بأن يكونا غير ياءي النسب بأن يكون الثالث غير ياء كمصابيح أو ياء من بنية الكلمة بأن يكون سابقًا على ألف التكسير ككرسي وكراسي خرج نحو: رباحي وجواري، وجملة الشروط ستة كذا قال شيخنا وتبعه البعض. وفيه أن هذه الأمور المخرجة لم تدخل في موضوع المسألة حتى تخرج بهذه القيود؛ لأن موضوع المسألة الجمع والأمور المخرجة مفردات. والجواب ما علم مما مر أن الجمع مثال لا قيد والمراد الجمع وكل لفظ على أحد الوزنين. قوله: "فإن الجمع متى كان إلخ" تعليل لقوله: مما يمنع من الصرف الجمع إلخ ولا حاجة لجعله تعليلًا لمحذوف كما زعم البعض. قوله: "كعذافر" هو بمهملة فمعجمة الجمل الشديد واسم من أسماء الأسد. قوله: "كيمان وشآم" بحذف الياء المخففة الساكنة؛ لالتقاء الساكنين هي والتنوين. قوله: "فحذفت إحدى الياءين وعوض عنها الألف" أي: وفتحت همزة شآم لتناسب الألف. قوله: "أو تقديرًا" قال شيخنا: هو مسلم في تهامى أما ثمان ففيه أن الجوهري قال: إنه منسوب حقيقة كما يأتي ا. هـ. قال الدماميني: والذي دعاهم إلى تقدير نسب نحو: تهام سماعه مصروفًا، فإنهم قالوا: رأيت تهاميا بتخفيف الياء والتنوين فلولا أنه على تقدير النسب لمنع الصرف، وإن كان مفردًا كما منع سراويل ولم يجعلوه كجوار في منع الصرف وجعل التنوين عوضًا؛ لأنه ليس من المنقوص. قوله: "موجودة قبل" أي: قبل ياء النسب. قوله: "وكأنهم نسبوا إلخ" أي:
[ ٣ / ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مكسور بالأصالة بل إما مفتوح كبرا كاء، أو مضموم كتدارك، أو عارض الكسر لأجل الاعتلال كتدان وتوان، ومن ثم صرف نحو: عبال جمع عبالة؛ لأن الساكن الذي يلي الألف فيه لا حظ له في الحركة. والعبالة الثقل يقال ألقى عبالته أي: ثقله، أو يكون ثاني الثلاثة متحرك الوسط كطواعية وكراهية، ومن ثم صرف نحو: ملائكة وصيارفة، أو هو والثالث عارضان للنسب منوي بهما الانفصال، وضابطه أن لا يسبقا الألف في الوجود سواء كانا مسبوقين بها كرباحي وظفاري، أو غير منفكين كحواري وهو الناصر وحوالي وهو المحتال فليس هو على النسب حقيقة كما صرّح به ابن الناظم، لكن في كلام الجوهري ما يخالفه حيث قال: وهو يعني ثمان في الأصل منسوب إلى الثمن؛ لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية فهو ثمنها، ثم فتحوا أوله؛ لأنهم يغيرون في النسب كما قالوا: دهري وسهلي، وحذفوا منه إحدى ياءي النسب وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن فتثبت ياؤه عند الإضافة، كما تثبت ياء القاضي فتقول: ثماني نسوة وثماني مائة كما تقول: قاضي عبد الله، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر وتثبت عند النصب؛ لأنه ليس بجمع فيجري مجرى جوار وسوار في ترك الصرف، وما جاء في الشعر غير مصروف فهو على التوهم ا. هـ. عبد القادر المكي وقوله: فيجري إلخ تفريع على المنفي بالميم. قوله: "إلى فعل" أي: بفتح العين كما نسبوا إلى يمن أو فعل أي: بسكونها كما نسبوا إلى شأم. قوله: "أو ما يلي الألف إلخ" عطف على قوله: وأوله مضموم وكذا ما يأتي. قوله: "كبراكاء" بالمد والهمز الثبات في الحرب ا. هـ. زكريا ومراده أنه ليس مما منع صرفه لكونه على وزن منتهى الجموع وإن كان مما منع صرفه لألف التأنيث الممدودة. قوله: "كتدان وتوان" أصلهما تدانى وتوانى بضم النون فيهما قلبت الضمة كسرة لتناسب الياء وأعلا إعلال قاض. قوله: "ومن ثم إلخ" أي: من أجل وجود غير كسر تالي الألف أصالة في غير وزن منتهى الجموع. قوله: "لا حظ له في الحركة" أي: لأنه ليس له أصل يرجع إليه في ذلك بخلاف نحو: دواب فإنه من دب والماضي أصل عينه التحريك. قوله: "متحرك الوسط" ينبغي حذف الوسط كما في عبارة التصريح؛ لأن الثاني هو الوسط لا شيء له وسط كما هو ظاهر. قوله: "ومن ثم" أي: من أجل وجود تحرك ثاني الثلاثة في غير وزن منتهى الجموع. قوله: "أو هو" أي: الثاني وقوله: للنسب أي: تحقيقًا كما في رباحي وظفاري أو تقديرًا كما في جواري وحوالي فالياء فيهما ملحقة بياء النسب؛ لأنهما سمعا مصروفين فقدر فيهما النسب، وإن لم يكونا منسوبين حقيقة، وقوله: منوي بهما الانفصال صفة لازمة لعارضان للنسب. قوله: "وضابطه" أي: العروض للنسب أن لا يسبقا الألف في الوجود بأن سبقتهما الألف أو قارناها لبناء الكلمة على الجميع، فالأول ما أشار إليه بقوله: مسبوقين بها، والثاني ما أشار إليه بقوله: أو غير منفكين. قوله: "كرباحي" نسبة إلى رباح بلد يجلب منه الكافور وظفاري نسبة إلى ظفار بوزن
[ ٣ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بخلاف نحو: قماري وبخاتي فإنه بمنزلة مصابيح، وقد ظهر من هذا أن زنة مفاعل ومفاعيل ليست إلا لجمع أو منقول من جمع كما سيأتي. وقد دخل بذكر التقدير نحو: دواب فإنه غير منصرف؛ لأن أصله دوابب فهو على وزن مفاعل تقديرًا. تنبيهات: الأول لا فرق في منع ما جاء على أحد الوزنين المذكورين بين أن يكون أوله ميمًا نحو: مساجد ومصابيح أو لم يكن نحو: دراهم ودنانير. الثاني: اشتراط كسر ما بعد الألف مذهب سيبوبه والجمهور. قال في الارتشاف: وذهب الزجاج إلى أنه لا يشترط ذلك فأجاز في تكسير هَبَيّ أن يقال هباي بالإدغام أي: ممنوعًا من الصرف. قال: وأصل الياء عندي السكون ولولا ذلك لأظهرتها. الثالث: اتفقوا على أن إحدى العلتين هي الجمع واختلفوا في العلة الثانية، فقال أبو علي: هي خروجه عن صيغ الآحاد وهذا الرأي هو الراجح، وهو معنى قولهم: إن هذه الجمعية قائمة مقام علتين. وقال قوم: العلة الثانية تكرار الجمع قطام مدينة باليمن ا. هـ. زكريا. قوله: "بخلاف قماري وبخاتي" أي: ونحوهما ككراسي فالياء المشددة في نحو: قماري موجودة قبل ألف الجمع؛ لأنها وجدت في المفرد نحو: قمري وهو سابق على الجمع. فائدة: لو نسبت إلى نحو: قماري صرفت المنسوب؛ لأن هذه الياء الموجودة في المنسوب إليه تحذف ويؤتى بياء النسب وهي لا تؤثر المنع كما قاله الدماميني. قوله: "فإنه بمنزلة مصابيح" أي: في سبق الثاني والثالث على الألف. لا يقال ياء مصابيح لم تكن في المفرد حتى تكون سابقة على ألف الجمع؛ لأنا نقول هي بدل ألف مصباح وللبدل حكم المبدل. قوله: "وقد ظهر من هذا" أي: من عدم وجود مفرد عربي على زنة مفاعل أو مفاعيل بالشروط المذكورة، وقوله: أو منقولة من جمع فيه أنه لم يتعرض فيما مر للمنقول من جمع فكيف قال وقد ظهر من هذا إلخ إلا أن يقال: المراد من قوله سابقًا أنك لا تجد مفردًا أي: أصالة فيكون فيه إشارة إلى وجود المفرد بالنقل فتأمل وقوله كما سيأتي أي: في قوله: وإن به سمي إلخ فهو راجع للثاني فقط. قوله: "وقد دخل بذكر التقدير" أي: في قوله: نعتًا لكسر ملفوظ أو مقدر. قوله: "هبيّ" بفتح الهاء والباء والموحدة وتشديد التحتية: الصبي الصغير والأنثى هبية كذا في القاموس. قوله: "ولولا ذلك لأظهرتها" أي: بالفك لكونها متحركة حينئذٍ فكان يقال هبابي، واعترضه سم بأن اجتماع المثلين في كلمة يوجب الإدغام، وإن كان أولهما متحركًا كما في دواب ونحوه، وأجاب يس بأن الياء لو ظهرت لقيل هبايا لما ستعرفه من قول المصنف: والمد زيد ثالثًا في الواحد همزًا يرى في مثل كالقلائد وافتح ورد الهمز يا فيما أعل. وإذا قيل هبايا لم يحصل الإدغام، وفيه عندي نظر وإن أقره غيره لعدم دخول نحو: هبي في قول المصنف: والمد إلخ؛ لأن ثالثه ليس مدا وإن كان لينًا. قوله: "وهو معنى قولهم إلخ" أي:
[ ٣ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تحقيقًا أو تقديرًا فالتحقيق نحو: أكالب وأراهط إذ هما جمع أكلب وأرهط، والتقدير نحو: مساجد ومنابر فإنه وإن كان جمعًا من أول وهلة لكنه بزنة ذلك المكرر، أعني أكالب وأراهط فكأنه أيضًا جمع جمع، وهذا اختيار ابن الحاجب. واستضعف تعليل أبي علي بأن أفعالًا وأفعلا نحو: أفراس وأفلس جمعان ولا نظير لهما في الآحاد وهما مصروفان، والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: الأول أن أفعالًا وأفعلا يجمعان نحو: أكالب وأناعم في أكلب وأنعام. وأما مفاعل ومفاعيل فلا يجمعان، فقد جرى أفعال وأفعل مجرى الآحاد في جواز الجمع، وقد نص الزمخشري على أنه مقيس فيهما. الثاني أنهما يصغران على لفظهما كالآحاد نحو: أكيلب وأنيعام، وأما مفاعل ومفاعيل فإنهما إذا صغرا ردا إلى الواحد أو إلى جمع القلة، ثم بعد ذلك يصغران. الثالث أن كلا من أفعال وأفعل له نظير من الآحاد يوازنه في الهيئة وعدة الحروف، فأفعال نظيره -في فتح أوله وزيادة الألف رابعة- تفعال نحو: تجوال وتطواف، وفاعال نحو: ساباط وخاتام، وفعلال نحو: صلصال وخزعال. وأفعال نظيره الخروج أي: مع الدلالة على الجماعة معنى قولهم إلخ. ولك أن تقول يحتمل قولهم المذكور أن العلة الثانية تكرارًا الجمع كما هو اختيار ابن الحاجب. قوله: "من أول وهلة" قال في المصباح: يقال لقيته أول وهلة أي: أول كل شيء. قوله: "ولا نظير لهما في الآحاد" أي: فلو كانت العلة الثانية الخروج عن صيغ الآحاد لمنعا من الصرف. قوله: "فلا يجمعان" أي: جمع تكسير وإلا فقد يجمعان جمع تصحيح كقولهم في نواكس نواكسون، وفي أيامن أيامنون وكقولهم في حدائد: حدائدات وفي صواحب صواحبات، قاله الشارح في آخر باب التكسير. قوله: "فقد جرى أفعال وأفعل إلخ" فإن قلت: هذا لا يدفع الاعتراض؛ لأن هذا لا يقتضي أن لهما نظيرًا في الآحاد قلت: حاصل الجواب أن مرادنا بالخروج عن صيغ الآحاد الخروج عن صيغها لفظًا وحكمًا وأفعال وأفعل لم يخرجا عن حكم الآحاد لجواز جمعهما كالآحاد، وكذا يقال في الجواب الثاني ا. هـ. هندي. قوله: "وقد نص الزمخشري إلخ" أي: فليس في جمع أكلب وأنعام على أكالب وأناعم شذوذ حتى يضعف به الوجه الأول. قوله: "على أنه" أي: الجمع على مفاعل. قوله: "وأنيعام" بالألف لما سيأتي في قول الناظم: كذاك ما مدة أفعال سبق إلخ، فلا يقال أنيعيم بقلب الألف ياء بل تبقى الألف. قوله: "أو إلى جمع القلة" قال شيخنا: لعله أراد ما يشمل جمعي التصحيح فإنهما من جموع القلة، فتقول في تصغير مساجد: مسيجدات. قوله: "الثالث" محصله عدم تسليم خروجهما عن صيغ الآحاد لفظًا بإثبات نظائر لهما من الآحاد في الهيئة وعدة الحروف وإن لم تكن مبدوءة بالهمزة مثلهما فكان الأولى تقديمه على الجوابين الأولين؛ لأن محصلهما تسليم خروجهما عن صيغ الآحاد لفظًا وعدم إثبات خروجهما عنها حكمًا. قوله: "تجوال وتطواف" مصدران لجال وطاف وقيل لتجول وتطوف. قوله:
[ ٣ / ٣٥٨ ]
وذا اعْتِلالٍ مِنْهُ كالجَوارِي رَفْعًا وجَرًّا أَجْرِهِ كَسارِي
_________________
(١) في فتح أوله وضم ثالثه تفعل نحو: تتفل وتنضب، ومفعل نحو: مكرم ومهلك، على أن ابن الحاجب لو سئل عن ملائكة لما أمكنه أن يعلل صرفه إلا بأن له في الآحاد نظيرًا نحو: طواعية وكراهية "وذا اعتلال منه كالجواري رفعًا وجرا أحره كسارى" يعني ما كان من الجمع الموازن مفاعل معتلا فله حالتان: إحداهما أن يكون آخره ياء قبلها كسرة نحو: جوار وغواش والأخرى أن تقلب ياؤه ألفًا نحو: عذارى ومدارى، فالأول يجري في رفعه وجره مجرى قاض وسار في حذف يائه وثبوت تنوينه نحو: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١]، وفي النصب مجرى دراهم في سلامة آخره "ساباط" هو سقيفة بين دارين تحتها طريق. قاموس. قوله: "وخاتام" لغة في الخاتم. قوله: "نحو: صلصال" هو الطين ما لم يجعل خزفًا وخزعال بالخاء المعجمة فالزاي فالعين المهملة هو العرج، يقال ناقة بها خزعال أي: عرج. قوله: "نحو: تتفل" بفوقيتين وفاء ولد الثعلب وتنضب بفوقية فنون فضاد معجمة شجر يتخذ منه السهام. قوله: "نحو: مكرم ومهلك" مصدر أكرم وهلك ويجوز في لام مهلك الفتح والكسر أيضًا فتكون مثلثة. قوله: "على أن ابن الحاجب لو سئل إلخ" قد يقال يمكنه أن يعلل صرفه بأنه لم يتكرر لا تحقيقًا وهو ظاهر إذ هو جمع ملك من أول وهلة ولا تقديرًا؛ لأنه ليس على وزن المكرر الذي هو مفاعل أو مفاعيل؛ لتحرك الوسط في الثلاثة التي بعد الألف. سم بإيضاح. قوله: "منه" صفة لذا أو حال منه وكذا قوله: كالجواري وضمير منه للجمع المتقدم، وقوله: كساري أي: إجراؤه كإجراء ساري أو حالة كونه كسارى. قوله: "يعني ما كان إلخ" لما كان مفهوم قول المصحف كالجواري أن ما كان من معتل منتهى الجموع كالعذارى لا يجري كسار في حذف حرف العلة وثبوت التنوين، بل يبقى فيه حرف العلة ولا يثبت التنوين، قال الشارح: يعني فإتيانه بالعناية المقتضية تضمن كلام المصنف حكم نحو: جوار وحكم نحو: العذارى بالنظر إلى المنطوق والمفهوم وهذا لا ينافي ما سيذكره الشارح من خروج نحو: العذارى عن حكم نحو: جوار بقول المصنف كالجواري، كما لا يخفى على ذي بصيرة، ولغفلة البعض عما ذكرنا زعم أن في كلام الشارح تناقضًا لاقتضاء أول كلامه دخول القسمين في النظم، واقتضاه آخر كلامه خروج الثاني منه، وأنه كان الأولى حذف يعني. قوله: "أن تقلب ياؤه ألفًا" أي: بعد قلب الكسرة قبلها فتحة كما يأتي. قوله: "نحو: عذارى" جمع عذراء بالمد وهي البكر ومدارى جمع مدرى بكسر الميم والقصر، وهو مثل الشوكة تحك به المرأة رأسها وأصلهما عذارى ومدارى بالكسرة، ثم أبدلت الكسرة فتحة أي: اتباعًا لفتحة ما قبل الألف فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها ا. هـ. تصريح والذي في شرح الشارح على التوضيح أن مدارى جمع مدراء أي: كحمراء وهي المنتفخة الجنبين وفي القاموس ما يوافقه. وذكر أن الفعل مدر كفرح فهو أمدر وهي مدراء ودالها مهملة. قوله: "في حذف يائه إلخ" أي: لا في جميع الوجوه فإن جره بفتحة مقدرة وتنوينه تنوين عوض بخلاف نحو: قاض فإنه بكسرة مقدرة
[ ٣ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وظهور فتحته نحو: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ﴾ [سبأ: ١٨] . والثاني يقدر إعرابه ولا ينون بحال، ولا خلاف في ذلك، وهذا خرج من كلامه بقول كالجواري. تنبيهات: الأول اختلف في تنوين جوار ونحوه: فذهب سيبويه إلى أنه تنوين عوض عن الياء المحذوفة لا تنوين صرف، وذهب المبرد والزجاج إلى أنه عوض عن حركة الياء، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين. وذهب الأخفش إلى أنه تنوين صرف؛ لأن الياء لما حذفت تخفيفًا زالت صيغة مفاعل وبقي اللفظ كجناح فانصرف، والصحيح مذهب سيبويه. وأما جعله عوضًا عن الحركة فضعيف؛ لأنه لو كان عوضًا عن الحركة لكان التعويض عن حركة الألف في نحو: موسى وعيسى أولى؛ لأن حاجة المتعذر إلى التعويض أشد من حاجة وتنوينه تنوين صرف كما سينبه عليه الشارح. قوله: " ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ﴾ " فليال مجرور بفتحة مقدرة على الياء المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع تقديرًا أي: بحسب الأصل. قوله: "في سلامة آخره" أي: من الحذف. قوله: "وهذا خرج من كلامه" أي: من منطوق كلامه، فلا ينافي دخوله في كلامه مفهومًا، أعني أن حكمه مستفادًا من كلامه بطريق المفهوم؛ ولهذا قال الشارح في أول عبارته: يعني كما أوضحناه سابقًا. قوله: "فذهب سيبويه إلى أنه تنوين عوض عن الياء المحذوفة" خرجه الأكثر على أن الإعلال مقدم على منع الصرف لكون سببه وهو الثقل أمرًا ظاهرًا محسوسًا بخلاف منع الصرف فإن سببه مشابهة الاسم الفعل، وهي خفية فأصل جوار على هذا جواري بالتنوين استثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة فالتقى ساكنان فحذفت الياء؛ لالتقائهما، ثم حذف التنوين لوجود صيغة منتهى الجمع تقديرًا؛ لأن المحذوف لعلة كالثابت، ثم خيف رجوع الياء فأتى بالتنوين عوضًا عنها. وخرجه بعضهم على أن منع الصرف مقدم فأصل جوار على هذا جواري بترك التنوين لصيغة منتهى الجمع، فحذفت ضمة الياء للثقل ثم الياء تخفيفًا ثم أتى بالتنوين عوضًا عنها، فعلم أن سبب الحذف على الأول التقاء الساكنين وعلى الثاني التخفيف، وعليه بنى الشارح السؤال والجواب الآتيين. قوله: "عوض عن حركة الياء" أي: وحصل التعويض قبل حذف الياء بدليل قوله: ثم حذفت الياء، وهذا بناء على أن منع الصرف مقدم على الإعلال، فأصله على مذهب المبرد جواري بترك التنوين حذف ضمة الياء لثقلها وأتى بالتنوين عوضًا عنها، فالتقى ساكنان فحذفت الياء لالتقائهما. قوله: "لأن الياء لما حذفت تخفيفًا" أي: لالتقاء الساكنين فهو مبني على تقديم منع الصرف على الإعلال. قوله: "لأن حاجة المتعذر إلخ" وجهه أن العامل في كل من المنقوص والمقصور طالب أثرًا، وقد ظهر الأثر مع المنقوص في الجملة لظهوره حالة النصب ولم يظهر في المقصور أثر بالكلية فكان أولى بالتعويض، وبهذا سقط ما يقال كان الظاهر عكس الأولوية؛ لأن التعويض
[ ٣ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المتعسر، ولألحق مع الألف واللام كما ألحق معهما تنوين الترنم واللازم منتف فيهما فكذا الملزوم. وأما كونه للصرف فضعيف أيضًا إذ المحذوف في قوة الموجود، وإلا لكان آخر ما بقي حرف إعراب، واللازم كما لا يخفى منتف. فإن قلت: إذا جعل عوضًا عن الياء فما سبب حذفهما أولًا؟ قلت: قال في شرح الكافية: لما كانت ياء المنقوص قد تحذف تخفيفًا ويكتفى بالكسرة التي قبلها، وكان المنقوص الذي لا ينصرف أثقل التزموا فيه من الحذف ما كان جائزًا في الأدنى ثقلًا ليكون لزيادة الثقل زيادة أثر، إذ ليس بعد الجواز إلا اللزوم. ا. هـ. واعلم أن ما تقدم عن المبرد من أن التنوين عوض عن الحركة هو المشهور عنه، كما نقل الناظم في شرح الكافية. وقال الشارح: ذهب المبرد إلى أن فيما لا ينصرف يقتضي حذف شيء وإقامة غيره مقامه، والمقصور لم يظهر فيه أثر حتى يقال حذف وعوض عنه التنوين بخلاف المنقوص، فإن الحركات تظهر في لفظه لكن ثقل بعضها فترك وعوض عنه التنوين أفاده البهوتي. قوله: "ولألحق مع الألف واللام كما ألحق إلخ" أي: بجامع أن كلا من تنوين الترنم وتنوين نحو: جوار على مذهب المبرد عوض عن شيء، فتنوين الترنم عوض عن مدة الإطلاق وتنوين نحو: جوار عوض عن حركة الياء، قال البعض تبعًا لشيخنا: كان الأولى أن يقول الشارح: ولألحق مع الألف واللام؛ لأنه عنده عوض عن الحركة والحركة تجامع الألف واللام ا. هـ. ولعل وجهه أن قياس العوض على المعوض عنه أقرب من قياسه على تنوين الترنم فتأمل، ثم قال البعض: وقد يقال هذا اللازم جار على القول بأنه عوض عن الياء، بل هو أظهر فيه بأن يقال لو كان عوضًا عن الياء لألحق مع الألف واللام كما ألحق معهما تنوين الترنم بجامع أن كلا منهما عوض عن حرف ا. هـ. وقد يجاب بأن التنوين هنا ليس لمحض العوضية عن الياء بل للعوضية عنها ومنع عودها؛ لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض عنه فكان كضد الياء التي تجامع الألف واللام فناسب أن لا يجامع الألف واللام فاحفظه فإنه دقيق. قوله: "واللازم" يعني أولوية التعويض عن حركة الألف في نحو: موسى وعيسى وإلحاق التنوين مع الألف واللام، وقوله: فيهما مرتبط باللازم والضمير للقضيتين المتقدمتين، أعني قوله: لكان التعويض إلخ، وقوله: ولألحق إلخ. قوله: "إذ المحذوف" وهو الياء في قوة الموجود أي: فصيغة منتهى الجمع موجودة تقديرًا. قوله: "فإن قلت إلخ" مبني السؤال والجواب على أن منع الصرف مقدم على الإعلال كما مر. قوله: "فما سبب حذفها" أي: على سبيل الوجوب بقرينة أن الجواب يفيد تعليل حذفها على سبيل الوجوب. قوله: "قد تحذف تخفيفًا" يفيد أن حذف ياء المنقوص غير واجب، ويصرح بذلك قوله: ما كان جائزًا في الأدنى، وفيه نظر، فإن أراد المقرون بأل فليس الكلام فيه ا. هـ. سم على أن المقرون بأل يستوي فيه المنصرف وغيره. قوله: "وقال الشارح ذهب المبرد إلخ" على هذا يكون المبرد مخالفًا لسيبويه في الساكن
[ ٣ / ٣٦١ ]
ولِسَراوِيلَ بهذا الجَمْعِ شَبَهٌ اقْتَضَى عُموم المَنْعِ
_________________
(١) تنوينًا مقدرًا بدليل الرجوع إليه في الشعر، وحكموا له في جوار ونحوه بحكم الموجود وحذفوا لأجله الياء في الرفع والجر لتوهم التقاء الساكنين، ثم عوضوا عما حذف التنوين وهو بعيد؛ لأن الحذف لملاقاة ساكن متوهم الوجود مما لم يوجد له نظير ولا يحسن ارتكاب مثله. الثاني: ما ذكر من تنوين جوار ونحوه في الرفع والجر متفق عليه، نص على ذلك الناظم وغيره. وما ذكره أبو علي من أن يونس ومن وافقه ذهبوا إلى أنه لا ينون ولا تحذف ياؤه، وأنه يجر بفتحة ظاهرة وهم، وإنما قالوا ذلك في العلم وسيأتي بيانه. الثالث: إذا قلت: مررت بجوار فعلامة جره فتحة مقدرة على الياء؛ لأنه غير منصرف، وإنما قدرت مع خفة الفتحة؛ لأنها نابت عن الكسرة فاستثقلت لنيابتها عن المستثقل، وقد ظهر أن قوله: كسار إنما هو في اللفظ فقط دون التقدير، لأن سار جره بكسرة مقدرة وتنوينه تنوين التمكين لا العوض؛ لأنه منصرف. وقد تقدم أول الكتاب "ولسراويل بهذا الجمع شبه اقتضى عموم المنع" اعلم أن سراويل اسم مفرد أعجمي جاء على وزن مفاعيل فمنع من الصرف لشبهه بالجمع في الصيغة المعتبرة لما عرفت أن بناء مفاعل ومفاعيل لا يكونان في كلام العرب إلا لجمع أو منقول من جمع، فحق ما وازنهما أن يمنع من الصرف، وإن فقدت منه الجمعية إذا تم شبهه بهما، وذلك بأن لا تكون ألفه عوضًا من إحدى ياءي الذي ردف الياء فسيبويه يقول: هو التنوين الموجود قبل حذفه، والمبرد يقول: هو التنوين المقدر في كل ممنوع من الصرف وموافقًا له في أن المعوض عنه الياء المحذوفة. قوله: "وحذفوا لأجله الياء" أي: بعد حذف حركتها المقدرة استثقالًا زكريا. قوله: "ساكن متوهم الوجود" هو التنوين المقدر. قوله: " وأنه يجر بفتحة ظاهرة" أي: ويرفع بضمة مقدرة على الياء الموجودة فيقال: جاء جواري بياء ساكنة. وقوله: وإنما قالوا ذلك في العلم أي: في المنقوص العلم كقاض علم امرأة، وقوله: وسيأتي بيانه أي: في شرح قول المصنف وما يكون منه منقوصًا إلخ. قوله: "مع خفة الفتحة" لم يضمر؛ لأنه لو أضمر لرجع الضمير إلى خصوص الفتحة المقدرة على الياء نيابة عن الكسرة فيتدافع مع قوله: فاستثقلت إلخ فالمراد بالفتحة جنسها فليس في قوله: مع خفة الفتحة إظهار في مقام الإضمار. قوله: "ولسراويل" خبر شبه وبهذا متعلق بشبه وفيه تقديم معمول المصدر عليه للوزن، كذا قال خالد وتبعه شيخنا والبعض وفيه مسامحة؛ لأن الظاهر أن شبه اسم مصدر لا مصدر. قوله: "اسم مفرد أعجمي" زاد الفارضي نكرة مؤنث، وقال في القاموس: السراويل فارسية معربة، وقد تذكر، ثم قال: والسراوين بالنون والشروال بالشين أي: المعجمة لغة. قوله: "لما عرفت إلخ" أي: وإنما كان أعجميا لما عرفت إلخ. قوله: "أو منقول من جمع" وهو ما سمي به من هذا الجمع. قوله: "فحق ما وازنهما" أي: فحق اسم الجنس الذي وازن مفاعل أو مفاعيل، وكأنه تفريع على قوله: منع من الصرف لشبهه بالجمع في الصيغة المعتبرة صرّح به توطئة، لقوله: إذا تم شبهه إلخ. قوله: "وذلك" أي: تمام شبهه بهما بأن لا يكون
[ ٣ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النسب ولا كسرة ما يلي ألفه عارضة، ولا بعد ألفه ياء مشددة عارضة، ولم يوجد ذلك في مفرد عربي كما مر. ولما وجد في مفرد أعجمي وهو سراويل لم يمكن إلا منعه من الصرف وجهًا واحدًا خلافًا لمن زعم أن فيه وجهين: الصرف ومنعه، وإلى التنبيه على ذلك أشار بقوله:
شَبهٌ اقتضى عمومَ المنعِ
أي: عموم منع الصرف في جميع الاستعمال خلافًا لمن زعم غير ذلك. ومن النحوين من زعم أن سراويل عربي، وأنه في التقدير جمع سروالة سمي به المفرد، ورد بأن سروالة لم يسمع. وأما قوله:
١٠٢٨- عَلَيهِ منَ اللُّؤْمِ سِرْوالةٌ
ــ
إلخ. قوله: "ولم يوجد ذلك إلخ" مرتبط بقوله: فحق ما وازنهما أن يمنع من الصرف وإن فقدت منه الجمعية إذا تم شبهه بهما، واسم الإشارة يرجع إلى تمام شبهه بهما وكذا الضمير في قوله: ولما وجد. قوله: "خلافًا لمن زعم إلخ" هو ابن الحاجب حيث قال في الكافية: وسراويل إذا لم يصرف وهو الأكثر فقد قيل إنه أعجمي حمل على موازنة، وقيل عربي جمع سروالة وإذا صرف فلا إشكال ا. هـ. وفي التوضيح ونقل ابن الحاجب أن من العرب من يصرفه وأنكر ابن مالك عليه ذلك ا. هـ. قال الحفيد: لا وجه لإنكاره؛ لأن ابن الحاجب ثقة وقد نقله.
قوله: "وأنه في التقدير إلخ" أي: يقدر أن سراويل كان جمع سروالة فنقل من الجمعية إلى تسمية المفرد به، وسيأتي وجه آخر في معنى العبارة. قوله: "سمي به المفرد" أي: أطلق اسم جنس على هذه الآلة المفردة كما عبر بذلك المرادي. قوله: "ورد بأن سروالة لم يسمع" اعترض بأنه لا يصلح ردا للقول بأنه جمع سروالة تقديرًا؛ لأن تقدير كونه جمعًا لسروالة لا يستلزم سماع سروالة وإنما يصلح ردا للقول بأنه جمع سروالة تحقيقًا كما حكاه السندوبي وغيره، وعبارة
السندوبي: وقيل إنه جمع سروالة تقديرًا أو تحقيقًا بناء على سماع سروالة كما نقل عن أهل اللغة ا. هـ. ويمكن حمل كلام الشارح على هذا القول بأن يراد بقوله في التقدير بحسب الأصل. قوله: "عليه من اللؤم سروالة" تمامه:
فليس يرقّ لمستعطف
والضمير في عليه للمذموم واللؤم الدناءة في الأصل والخساسة في الفعل. زكريا. قوله:
_________________
(١) عجزه: فليس يَرِقُّ لمُسْتعطِفِ والبيت من المتقارب، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ٢٣٣؛ والدرر ١/ ١٨٨؛ وشرح التصريح ٢/ ٢١٢؛ وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ٢٧٠؛ وشرح شواهد الشافية ص١٠٠؛ وشرح المفصل ١/ ٦٤؛ ولسان العرب ١١/ ٣٣٤ "سرل"؛ والمقتضب ٣/ ٣٤٦؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٥.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فمصنوع لا حجة فيه. وذكر الأخفش أنه سمع من العرب من يقول: سروالة. ويرد هذا القول أمران: أحدهما أن سروالة لغة في سراويل؛ لأنها بمعناه فليس جمعًا لها كما ذكره في شرح الكافية، والآخر أن النقل لم يثبت في أسماء الأجناس وإنما ثبت في الأعلام.
تنبيهان: الأول قال في شرح الكافية: وينبغي أن يعلم أن سراويل اسم مؤنث فلو مسي به مذكر ثم صغر لقيل فيه سرييل غير مصروف للتأنيث والتعريف، ولولا التأنيث لصرف كما يصرف شراحيل إذا صغر فقيل شريحيل لزوال صيغة منتهى التكسير. الثاني شذ منع صرف ثمان تشبيهًا له بجواز. نظرًا لما فيه من معنى الجمع وأن ألفه غير عوض في الحقيقة. قال في شرح الكافية: ولقد شبه ثمانيًا بجوار من قال:
١٠٢٩- يَحْدُوا ثَمانِيَ مُولَعًا بلَقاحِها حتى هَمَمْنَ بزَيفَةِ الإرْتاجِ
ــ
"فمصنوع" أي: من كلام المولدين. قوله: "وذكر الأخفش" رد للرد ولرده له احتاج إلى رد آخر فقال: ويرد هذا القول أي: القول بأن سراويل جمع سروالة في التقدير أمران إلخ. وحاصل الأول أنا لا نسلم أن سروالة وإن كانت مسموعة مفرد سراويل بل هي لغة فيه، فلا يصح كونه في التقدير جمع سروالة. وحاصل الثاني أنه لو كان في التقدير جمعًا فسمي به المفرد لاستلزم ذلك نقل الجمع إلى اسم الجنس، وهو منتف؛ لأن الثابت إنما هو نقل الجمع إلى العلم كما في مدائن، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم وهو أنه كان في التقدير جمعًا، فسمي به المفرد هذا هو اللائق في تقرير كلامه، وبه يعلم أن دعوى البعض أن الأمر الثاني مبني على تسليم أنه جمع سروالة غير مسموعة وأن تبجحه هنا بما لا ينبغي على من لولاه ما راح ولا جاء لم يتم. نسأل الله العافية. وكيف يليق تسلم كونه جمه سروالة ومنع تسمية المفرد به مع أن الغرض ليس إلا منع كونه جمع سروالة؛ لأنه المنازع فيه لا منع تسمية المفرد به؛ لأن مجرد تسمية المفرد به محل اتفاق فلا يصح منعها فتدبر. بقي أنه قد يبحث في الأمر الأول بمنع أن سروالة بمعنى سراويل بل هي بمعنى قطعة خرقة كما في الرضي، وفي الثاني بأن اختصاص النقل بالأعلام دون أسماء الأجناس مسلم في النقل التحقيقي دون التقديري الذي كلامنا فيه، إلا أن يجاب بأن معنى قوله في التقدير بحسب الأصل كما مر إيضاحه فتنبه. قوله: "اسم مؤنث" وإنما لم تلحقه تاء التأنيث عند تصغيره؛ لأن من شرط لحاقها المؤنث تأنيثًا معنويا عند تصغيره أن يكون ثلاثيا كما سيأتي في قول المصنف:
واختم بتا التأنيث ما صغرت من مؤنث عار ثلاثي كسن
قوله: "سرييل" أصله سريويل فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون. قوله: "للتأنيث" أي: لكون اللفظ مؤنث وضعا كزينب. قوله: "لزوال صيغة منتهى التكسير" أي: مع عدم ما يخلفها في المنع بخلاف الأول. قوله: "يحدو ثماني إلخ" الحدو سوق الإبل والغناء لها
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو لابن ميادة في ديوانه ص٩١؛ وخزانة الأدب ١/ ١٥٧؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٩٧؛ ولسان العرب ١٣/ ٨٠ "ثمن"؛ وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب ص١٦٤؛ والكتاب ٣/ ٢٣١؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٤٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥٢.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
وإنْ بِهِ سُمِّيَ أو بِما لَحِقْ بهِ فالانصِرافُ مَنْعُهُ يَحِقّ
_________________
(١) والمعروف فيه الصرف لما تقدم. وقيل هما لغتان "وإن به سمي أو بما لحق به فالانصراف منعه يحق" يعني أن ما سمي به من مثال مفاعل أو مفاعيل فحقه منع الصرف، سواء كان منقولًا من جمع محقق كمساجد اسم رجل أو مما لحق به من لفظ أعجمي مثل سراويل وشراحيل، أو لفظ ارتجل للعلمية مثل هوازن. قال الشارع: والعلة منع صرفه ما فيه من الصيغة مع أصالة الجمعية أو قيام العلمية مقامها، فلو طرأ تنكيره انصرف على ومولعًا بفتح اللام حال من الضمير في يحدو من أولع بالشيء أغري به، واللقاح بفتح اللام ماء الفحل وأما بكسرها فجع لقحة وهي الناقة التي تحلب، وليس مرادًا هنا، والزيفة بفتح الزاي الميلة والارتاج بالكسر من ارتجت الناقة إذا أغلقت رحمها على الماء. والمعنى من شدة طربهن من الحدو هممن بميلهن عن الارتاج كذا في العيني. قوله: "من لفظ أعجمي" بيان لما لحق أي: من اسم جنس مفرد أعجمي. قوله: "وشراحيل" مقتضى سياقه أنه اسم جنس مثل سراويل لا علم ولم يذكر في القاموس إلا أنه علم فتدبر. قوله: "أو لفظ" هكذا في النسخ بالجر عطفًا على لفظ الأول أو على جمع، قال البعض والصواب النصب عطفا على منقولًا؛ لأن العلم المرتجل مقابل للعلم المنقول لا أن الثاني منقول عن الأول ا. هـ. بإيضاح وهو تصويب في غير محله لإمكان تصحيح عبارة الشارح بجعل قوله: أو مما لحق به عطفا على منقولا وجعل من فيه تبعيضية لا صلة النقل، وجعل قوله أو لفظ عطفا على لفظ الأول. والمعنى أو كان ما سمي به من مثال مفاعل أو مفاعيل بعض ما لحق بالجمع من اسم جنس أعجمي أو لفظ ارتجل للعلمية ويرجع هذا أنه عليه يكون اللفظ المرتجل للعلمية داخلًا فيما لحق بالجمع فيكون مما شمله قول المصنف، وإن به سمي أو بما لحق إلخ بخلافه على نصب لفظ عطفا على منقولًا، فإنه يكون هذا القسم زائدًا على كلام المصنف فينافي تصدير الشارح العبارة بالعناية، فعض على هذا التحقيق والله ولي العناية. ثم لا بد من كون هذا اللفظ المرتجل للعلمية أعجميا؛ لئلا ينافي ما أسلفه الشارح من أن هذا الوزن لا يكون في العربية إلا جمعا أو منقولا عن الجمع. لا يقال يدخل هذا القسم حينئذ في قوله: من لفظ أعجمي؛ لأنا نقول قد أسلفنا أن المراد باللفظ الأعجمي اسم الجنس المفرد الأعجمي. قوله: "مثل هوازن" كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي نسخ أخرى مثل كشاجم بشين معجمة ثم جيم واعترض عليها بأن كشاجم بضم الكاف اسم الشاعر المعروف. وأجيب بأنه يحتمل أن مراد الشارح اسم آخر مفتوح الكاف غير اسم الشاعر. قوله: "والعلة في منع صرفه" أي: ما سمي به من ذلك. قوله: "ما فيه من الصيغة مع أصالة الجمعية" هذه العلة الأولى قاصرة على ما سمي به من الجمع كمساجد علم رجل، ولا تشمل نحو: سراويل وشراحييل، ولا نحو: هوازن وكشاجم ولعل العلة في هذين القسمين ما قاله البعض من وجود صيغة منتهى الجمع قبل العلمية وبعدها.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
والعَلمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا تَرْكيبَ مَزْجٍ نحوُ مَعْديكربا
_________________
(١) مقتضى التعليل الثاني دون الأول ا. هـ. قال المرادي: قلت مذهب سيبويه أنه لا ينصرف بعد التنكير لشبهه بأصله. ومذهب المبرد صرفه لذهاب الجمعية، وعن الأخفش القولان، والصحيح قول سيبويه؛ لأنهم منعوا سراويل من الصرف وهو نكرة وليس جمعًا على الصحيح ا. هـ "والعلم امنع صرفه مركبًا مزج نحو معد يكربا" قد تقدم أن ما لا ينصرف على ضربين: أحدهما ما لا ينصرف في تعريف ولا تنكير، والثاني ما لا ينصرف في التعريف وينصرف في التنكير، وقد فرغ من الكلام على الضرب الأول. وهذا شروع في الثاني وهو سبعة قسام كما مر: الأول المركب تركيب المزج نحو: بعلبك وحضرموت ومعد يكرب لاجتماع فرعية المعنى بالعلمية وفرعية اللفظ بالتركيب، والمراد بتركيب المزج أن يجعل الاسمان اسمًا واحدًا لا بإضافة ولا بإسناد بل ينزل عجزه من الصدر منزلة تاء التأنيث ولذلك التزم فيه فتح آخر الصدر، إلا إذا كان معتلا فإنه يسكن نحو: معد يكرب؛ لأن ثقل التركيب أشد من ثقل التأنيث، فجعلوا لمزيد الثقل مزيد تخفيف بأن سكنوا ياء معد يكرب ونحوه، وإن كان مثلها قبل تاء التأنيث يفتح نحو: رامية وعارية، وقد يضاف أول جزأي: المركب إلى ثانيهما فيستصحب سكون ياء معد يكرب ونحوه قوله: "أو قيام العلمية مقامها" أي: أو ما فيه من الصيغة مع قيام علميته مقام جمعيته التي كانت له أو جمعية غيره. قوله: "التعليل الثاني" هو ما فيه من الصيغة مع قيام العلمية مقام الجمعية. وقوله: دون الأول هو ما فيه من الصيغة مع أصالة الجمعية. قوله: "لذهاب الجمعية" أي: بالعلمية التي خلفت الجمعية ثم زالت بلا خلف عنها. قوله: "لأنهم منعوا سراويل إلخ" فيه رد لتعليل المبرد الصرف بذهاب الجمعية. قوله: "والعلم" مفعول لمحذوف يفسره المذكور باللزوم أي: اقصد العلم امنع صرفه فهو على حد زيدًا أكرم أخاه، قوله: "مركبًا تكريب مزج" أي: غير عددي وغير مختوم بويه كما يؤخذ من قوله نحو: معد يكرب، على ما يأتي. قوله: "ما لا ينصرف في تعريف ولا تنكير" هو ما إحدى علتيه الوصفية وهو ثلاثة وما منع صرفه لعلة واحدة وهو اثنان. قوله: "والثاني ما لا ينصرف إلخ" ضابطه ما إحدى علتيه العلمية. قوله: "بل ينزل عجزه إلخ" التعريف للمركب المزجي المعرب فلا اعتراض بأن المركب العددي والمختوم بويه، والمركب من الأحوال والظروف مركبات مزجية، مع أن التعريف لا يصدق عليها أفاده شيخنا السيد. قوله: "منزلة تاء التأنيث" أي: في أن الإعراب على العجز وما قبله ملازم لحالة واحدة وهي الفتح إلا نحو: معد يكرب كما سيذكره الشارح. قوله: "ولذلك" أي: للتنزيل المذكور، وقوله: فإنه يسكن أي: يبقى على سكونه. قوله: "بأن سكنوا" الباء سببية متعلقة بمزيد تخفيف أو تصويرية للجعل المذكور. وقوله ونحوه كقالي قلا اسم موضع. وقوله: وإن كان مثلها أي: الياء. قوله: "وقد يضاف أول جزأي المركب" أي: المزجي سواء كان آخر صدره ياء أو لا فأل للعهد الذكرى لكنه بعد الإضافة لا يسمى مركبًا مزجيا؛ لأن
[ ٣ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تشبيهًا ببناء دردبيس، فيقال: رأيت معد يكرب؛ ولأن من العرب من يسكن مثل هذه الياء في النصب مع الإفراد تشبيهًا بالألف، فالتزم في التركيب لزيادة الثقل ما كان جائزًا في الإفراد، ويعامل الجزء الثاني معاملته لو كان منفردًا، فإن كان فيه مع التعريف سبب مؤثر امتنع صرفه كهرمز من رام هرمز؛ لأن فيه مع التعريف عجمة مؤثرة فيجر بالفتحة ويعرب الأول بما تقتضيه العوامل نحو: جاء رام هرمز ورأيت رام هرمز ومررت برام هرمز. ويقال في حضرموت هذه حضرموت ورأيت حضرموت ومررت بحضرموت؛ لأن موتًا ليس فيه من التعريف سبب ثان، وكذلك كرب في اللغة المشهورة، وبعض العرب لا يصرفه حينئذٍ، الإضافي قسيم المزجي فتسميته مزجيا باعتبار حالته الأخرى أعني حالة مزجه. واعلم أن هذه الإضافة لفظية لا معنوية؛ لأن بكا مثلًا ليس اسمًا لشيء أضيف إليه بعل حتى تظهر ثمرة الإضافة المعنوية، بل هو بمنزلة الراء من جعفر فلا فرق في المعنى بين الإضافة وعدمها، ولا فائدة لها إلا التنبيه على شدة امتزاج الكلمتين واتحادهما؛ لأن المتضايفين كالشيء الواحد، ولا ينافيه حصول هذه الفائدة بالمزج؛ لأن فائدة الشيء قد تحصل بغيره أيضًا. قوله: "فيستصحب سكون إلخ" أي: في الأحوال الثلاثة، وقيل تفتح في النصب وتسكن في الرفع والجر. قوله "تشبيها بياء دردبيس" أي: بجامع أن كلا من الياءين وسط، وإن كان دردبيس كلمة تحقيقًا ومعد يكرب كلمة تنزيلا، ودردبيس اسم للداهية والعجوز الفانية وخرزة للحب قاله في القاموس. قوله: "ولأن من العرب من يسكن مثل هذه الياء إلخ" المتبادر أن ذلك على سبيل الجواز لا الوجوب وإن نقله البعض عن البهوتي وأقره وقوله: مع الإفراد أي: عدم التركيب كقوله: ولو أن واش باليمامة داره وقوله: تشبيها بالألف في نحو: الفتى بجامع؛ أن كلا حرف علة، وقوله: ما كان جائزًا في الإفراد معنى جوازه في الإفراد أن بعض العرب يجيز التسكين والفتح حال النصب، وإن كان البعض الآخر يوجب الفتح أو أن اللفظ في حد ذاته بقطع النظر عن لغة مخصوصة يجوز فيه حال النصب الفتح كما هو لغة بعض العرب، والتسكين كما هو أحد وجهين جائزين عند بعض آخر، وعلى فرض أن من يسكن يوجب التسكين معنى جوازه في الإفراد أن اللفظ في حد ذاته بقطع النظر عن لغة مخصوصة يجوز فيه حال النصب الفتح كما هو لغة بعض العرب والتسكين كما هو لغة بعض آخر. قوله: "ويعامل الجزء الثاني إلخ" معطوف على يضاف فمعاملة الجزء الثاني المذكور على لغة إضافة صدره إلى عجزه كما قاله المرادي، وقوله: معاملته أي: معاملة نفسه في الصرف وعدمه. قوله: "فإن كان فيه مع التعريف" إنما قال: مع التعريف؛ لأن المركب لم يخرج عن العلمية بهذا الإعراب، فهو معرفة وجزء المعرفة هنا كالمعرفة سم قوله: "وبعض العرب لا يصرفه" أي:
[ ٣ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فيقول في الإضافة: هذا معد يكرب فيجعله مؤنثًا. وقد يبنيان معًا على الفتح ما لم يعتل الأول فيسكن تشبيهًا بخمسة عشر. وأنكر بعضهم هذه اللغة وقد نقلها الأثبات. وقد سبق الكلام على ذلك في باب العلم. تنبيهان: الأول أخرج بقوله: معد يكرب ما ختم بويه؛ لأنه مبني على الأشهر، ويجوز أن يكون لمجرد التمثيل، وكلامه على عمومه ليدخل على لغة من يعربه، ولا يرد على لغة من بناه؛ لأن باب الصرف إنما وضع للمعربات، وقد تقدم ذكره في باب العلم. الثاني احترز بقوله: تركيب العدد نحو: خمسة عشرة فمتحتم البناء عند البصريين، وأجاز فيه الكوفيون إضافة صدره إلى عجزه وسيأتي في بابه، فإن سمي به ففيه ثلاثة أوجه: أن يقر على حاله، وأن يعرب إعراب ما لا ينصرف، وأن يضاف صدره إلى عجزه. وأما تركيب الأحوال والظروف كربا، حينئذ أي: حين إذ أضيف إليه معدي. قال الخبيصي: من قدر كربا اسمًا للكربة منع صرفه، ومن قدره اسما للحزن صرفه، ومن قدر بكا وقلا في بعلبك وقالى قلا، ونحو ذلك اسما للبقعة منعه من الصرف، ومن قدره اسمًا لموضع أو مكان صرفه. دماميني. قوله: "فيجعله مؤنثًا" لو قال كابن الناظم يجعله مؤنثًا لكان أولى؛ لأن جعله مؤنثًا لا يتفرع عل ما قبله، بل هو سبب لما قبله. قوله: "تشبيهًا بخمسة عشر" تعليل لبناء الجزأين على الفتح، والمعنى تشبيهًا للنوع المتكلم فيه من المزجي، وهذا النوع منه هو المعرب بنوع آخر منه ليس الكلام فيه، وهو المبنى فلا ينافي كلامه أن المركب العددي من المزجي. قوله: "وقد نقلها الأثبات" جمع ثبت بفتح المثلثة وسكون الموحدة وهو الثقة. قوله: "أخرج بقوله: معد يكربًا إلخ" فيه أن المثال لا يخصص ا. هـ. سم وأجاب شيخنا بأن الناظم كثيرًا ما يستغني بالتمثيل عن التقييد. أي: وقولهم المثال لا يخصص معناه أنه ليس نصا في التخصيص، فلا ينافي أنه راجح فيه لقرينة كعادة الناظم فافهم. قوله: "لأنه مبني" أي: على الكسر أما البناء؛ فلأن ويه اسم صوت، وأما الكسر فعلى أصل التقاء الساكنين. قوله: "ليدخل على لغة من يعربه" اعلم أن سيبويه لا يجوز فيه البناء على الكسر وأما الجرمي فجوز إعرابه إعراب ما لا ينصرف، قال أبو حيان: وهو مشكل إلا أن يستند إلى سماع وإلا لم يقبل؛ لأن القياس البناء لاختلاط الاسم بالصوت وصيرورتهما اسمًا واحدًا. قوله: "وقد تقدم ذكره في باب العلم" أي: ذكر المختوم بويه بما فيه من اللغات بعضها في المتن وبعضها في الشرح أي: فلا حاجة إلى استقصائها هنا حتى يرد أنه لم يذكر فيه جواز الإضافة كغير المختوم بويه. قوله: "شغر بغر" بغين معجمة مفتوحة فيهما مع فتح أول كل وكسره يقال ذهب القوم شغر بغر أي: متفرقين من أشغر في البلد أبعد وبغر النجم سقط؛ لأنهم بتفرقهم تباعد بعضهم عن بعض وسقطوا في الأماكن التي تفرقوا إليها أفاده الدماميني. وهذا المثال والمثال الثاني لما ركب من الأحوال، وأما الثالث فلما ركب من الظروف الزمانية.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
كَذاكَ حاوِي زائِدَيْ فَعْلانَا كَغَطَفَانَ وكَأَصْبَهانَا
_________________
(١) نحو: شعر بغر وبيت بيت وصباح مساء إذا سمي به أضيف صدره إلى عجزه وزال التركيب. هذا رأي سيبويه. وقيل يجوز فيه التركيب والبناء "كذاك حاوي زائدي فعلانا كغطفان وكأصبهانا" يعني أن زائدي فعلان يمنعان مع العلمية في وزن فعلان وفي غيره نحو: حمدان وعثمان وعمران وغطفان وأصبهان. وقد نبه على التعميم بالتمثيل. تنبيهات: الأول علامة زيادة الألف والنون سقوطهما في بعض التصاريف كسقوطهما في رد نسيان وكفران إلى نسي وكفر، فإن كانا فيما لا يتصرف فعلامة الزيادة قوله: "وبيت وبيت" تقول: هو جاري بيت بيت، وأصله بيتًا ملاصقًا لبيت فحذف الجار وهو اللام وركب الاسمان، وعامل الحال ما في قوله: جاري من معنى الفعل فإنه في معنى مجاوري. وجوزوا أن يكون الجار المقدر إلى وأن لا يقدر جار أصلًا بل العاطف. شرح الشذور. قوله: "وصباح ومساء" تقول فلان يأتينا صباح مساء أي: كل صباح ومساء فحذف العاطف وركب الظرفان قصدًا للتخفيف، ولو أضفت فقلت: صباح مساء لجاز أي: صباحًا مقترنًا بمساء ا. هـ. شرح الشذور وظاهره أن العاطف الذي تضمنه التركيب الواو، وفي الرضي أنه الفاء؛ لأن الفاء للتعقيب فتقيد العموم إذ المعنى يأتينا صباحًا فمساء عقبه بلا فصل إلى ما لا يتناهى، فليراجع الرضي. ومثال الظروف المكانية قولهم: سهلت الهمز بين بين وأصله بينها وبين حرف حركتها فحذف ما أضيف إليه بين الأولى وبين الثانية وحذف العاطف وركب الظرفان يس. قوله: "وقيل يجوز فيه التركيب والبناء" أي: كحالة قبل التسمية به فالتركيب والبناء وجه واحد. هذا هو المتبادر ويؤيده أن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عينًا فيكون المراد التركيب المذكور في قوله: وزال التركيب. وفي قوله: وأما تركيب الأحوال والظروف ومن ادعى غير ذلك كالبعض والبهوتي فعليه الإثبات. قوله: "كذاك حاوي" أي: علم حاوي زائدي فعلانًا. فائدة: قال أبو الفتح: إذا سميت رجلًا ذان صرفته؛ لأن ألفه وإن كانت زائدة فإنها لما عاقبت ألف ذا التي هي عين جرب مجرى الأصل وأما زيدان المسمى به رجل فإنه لا ينصرف؛ لأنه يبقى بعد إسقاط زائديه ثلاثة أحرف، وهذا شيء يكون وضع الأسماء المعربة عليه. وأما ذان فإنه يبقى بعد الحذف على حرف واحد نقله سم. قوله: "كغطفان" بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة اسم قبيلة من العرب سميت باسم أبيها تصريح. قوله: "وكأصبهانا" بفتح الهمزة وكسرها وبفتح الباء الموحدة عند أهل المغرب والفاء عند أهل المشرق اسم مدينة بفارس سميت باسم أول من نزلها، وأصبه اسم فرس كذا في التصريح. قال في القاموس: وهي كلمة أعجمية وأصلها أسباهان أي: الأجناد؛ لأنهم سكنوها وفي كلامه ما يفيد أن فتح الهمزة أكثر من كسرها وأن الموحدة أكثر من الفاء. قوله: "فعلامة الزيادة إلخ" فإذا جهل كل من زيادة الألف والنون وأصالتهما فسيبويه والخليل يمعنان الصرف لحوقًا بالأكثر وغيرهما لا يحتم الزيادة إلا بدليل ا. هـ. حفيد. قوله:
[ ٣ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يكون قبلهما أكثر من حرفين أصولًا، فإن كان قبلهما حرفان ثانيهما مضعف فلك اعتباران: أن قدرت أصالة التضعيف فالألف والنون زائدتان، وإن قدرت زيادة التضعيف فالنون أصلية. مثال ذلك: حسان إن جعل من الحس فوزنه فعلان، وحكمه أن لا ينصرف وهو الأكثر فيه، ومن شعره:
١٠٣٠- ما هاجَ حَسَانَ رُسُومُ المَدَامْ ومَظْعَنُ الحَيِّ ومَبنَى الخِيامْ
وإن جعل من الحسن فوزنه فعال، وحكمه أن ينصرف. وشيطان إن جعل من شاط يشيط إذا احترق امتنع صرفه، وإن جعل من شطن انصرف. ولو سميت برمان فذهب سيبويه والخليل إلى المنع لكثرة زيادة النون في نحو: ذلك، وذهب الأخفش إلى صرفه؛ لأن فعالًا في النبات أكثر، ويؤيده قول بعضهم: أرض مرمنة. الثاني إذا أبدل من النون الزائدة لام
ــ
"فإن كان قبلهما حرفان إلخ" يتبادر إلى الوهم أن هذا مفهوم قوله: أكثر من حرفين أصولًا، وليس كذلك؛ لأنه يلزم عليه أن يكون قوله: فإن كان قبلها حرفان إلخ، من صور ما إذا كانا فيما لا ينصرف وليس كذلك، بدليل التمثيل بحسان وحينئذ فهو كلام مستقل. قوله: "إن قدرت أصالة التضعيف" أي: أصالة ما حصل به التضعيف وهو الحرف الثاني، قيل لبعضهم: أتصرف عفان قال: إن هجوته أي: لأنه حينئذ من العفونة لا إن مدحته أي: لأنه حينئذ من العفة. قوله: "إن جعل من الحق إلخ" عبارة مستقيمة مناسبة، واعتراض البعض عليها بأن المناسب لقوله: إن قدرت إلخ أن يقول: إن جعل وزنه فعلان إلخ، وإن جعل وزنه فعال إلخ بإسقاط من الحس ومن الحسن غير ناهض كما لا يخفى ودعواه أن الكلام فيما لا ينصرف فلا يلائمه قوله: من الحس ومن الحسن قد عرفت منعه، وما يتبادر من العبارة أن المتكلم بنحو: حسان مخير في الصرف وعدمه نظرًا للاعتبارين مسلم ولا ينافيه ما سيأتي في رمان من الخلاف؛ لأن فيه وجد المرجح لأحد الاعتبارين عند القائل بصرفه، والقائل بمنع صرفه بخلاف نحو: حسان.
قوله: "وشيطان إلخ" استطراد؛ لأنه صفة والكلام في الأعلام؛ ولأنه غير مضاعف وكلام الشارح في المضاعف، وقد يبحث في العلة الأولى بأن المراد شيطان المسمى به. قوله: "من شطن" أي: بعد عن الحق وبابه قعد. مصباح. قوله: "لأن فعالًا في النبات أكثر" أي: من فعلان بالضم. قوله: "مرمنة" كذا بخط الشارح وفي بعض النسخ رمنة، والمعنى كثيرة الرمان، كذا قال شيخنا وغيره وسها البعض فعكس وضبط شيخنا السيد مرمنة بفتح الميم أي: الأولى والثانية، ويؤيده ضبطه بالقلم هكذا في النسخ الصحيحة من القاموس. قوله: "إذا أبدل من النون الزائدة لام إلخ" حاصله أن النظر للأصل لا للطارئ ا. هـ. سم أي: في الصورتين اللتين ذكرهما الشارح. قوله:
_________________
(١) البيت من السريع، وهو في ديوان حسان ص١٨٤.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
كذ مُؤنَّثٌ بهاءٍ مُطْلَقا وشرْطُ منعِ العار كونُهُ ارْتَقَى
فوق الثلاثِ أو كحُورَ أو سَقَرْ أو زَيدٍ اسمَ امرأةٍ لا اسمَ ذَكَرْ
وَجْهانِ في العادِمِ تَذْكيرًا سَبَقْ وعُجْمةً كهَنْدَ والمَنْعُ أحقّ
_________________
(١) منع الصرف إعطاء للبدل حكم المبدل، مثال ذلك أصيلال فإن أصله أصيلان، فلو سمي به منع، ولو أبدل من حرف أصلي نون صرف بعكس أصيلال. ومثال ذلك حنان في حناء أبدلت همزته نونًا. الثالث ذهب الفراء إلى منع الصرف للعلمية وزيادة ألف قبل نون أصلية تشبيهًا لها بالزائدة نحو: سنان وبيان، والصحيح صرف ذلك "كذا مؤنث بهاء مطلقًا وشرط منع العار كونه ارتقى. فوق الثلاث أو كجور أو سقر أو زيد اسم امرأة لا اسم ذكر وجهان في العادم تذكيرًا سبق وعجمة كهند والمنع أحق" مما يمنع الصرف اجتماع العلمية والتأنيث بالتاء لفظًا أو تقديرًا: أما لفظًا فنحو: فاطمة وإنما لم يصرفوه لوجود العلمية في معناه ولزوم علامة التأنيث في لفظه، فإن العلم المؤنث لا تفارقه العلامة، فالتاء فيه بمنزلة الألف في حبلى وصحراء فأثرت في منع الصرف بخلافها في الصفة. وأما تقديرًا ففي المؤنث المسمى في الحال كسعاد وزينب أو في الأصل، كعناق اسم رجل وأقاموا في "أصيلان" تصغير أصيل على غير قياس ا. هـ. تصريح والأصيل العشي كما في القاموس. قوله: "صرف" لأصالة النون حينئذ؛ لأنها بدل من أصلي. قوله: "حنان" أي: مسمى به؛ لأن الكلام في العلم. قوله: "كذا مؤنث" أي: علم مؤنث، وكذا جزء علم مؤنث كما في أبي هريرة وأبي قحافة سم. قوله: "مطلقًا" حال من الضمير في الخبر. قوله: "وشرط منع العار" أي: المؤنث العاري من الهاء. قوله: "فوق الثلاث" على حذف مضاف أي: فوق ذي الثلاث؛ لأن الاسم لا يرتقي فوق الأحرف الثلاثة، وإنما يرتقي فوق اسم آخر ذي أحرف ثلاثة كذا في الشاطبي. قوله: "أو كجور" عطف على محل ارتقى. وقوله: أو ستقر أو زيد عطفان على جور. وقوله: اسم امرأة حال من زيد. قوله: "وجهان" مبتدأ والمسوغ كونه في معرض التقسيم وفي العادم خبر. وتذكيرًا مفعول العادم وسبق جملة في محل نصب نعت تذكيرًا وعجمة عطف على تذكيرًا وكان عليه أن يزيد وتحرك الوسط إلا أن يقال هو مأخوذ من قوله: كهند. قوله: "في معناه" أي: فيه باعتبار وضعه لمعناه المشخص ففيه مسامحة. قوله: "ولزوم علامة التأنيث في لفظه" اعترضه سم بأنه مناف لما تقدم من الفرق بين ألف التأنيث وتائه حيث استقلت الأولى بالمنع دون الثانية، بأن الأولى لازمة لما هي فيه دون الثانية. وأجيب بأن الألف لازمه مطلقا أي: في العلم وغيره كالصفة والتاء ليست كذلك بل إنما تلزم في العلم وكلامنا الآن في العلم. قوله: "بخلافها في الصفة" أي: بخلاف التاء حالة كونها في الصفة كقائمة وقاعدة فإنها لا تؤثر فيها؛ لأنها في حكم الانفصال فإنها تارة تجرد منها وتارة تقترن بها تصريح. قوله: "ففي المؤنث المسمى" من إضافة الوصف إلى مرفوعه أي: المؤنث مسماه وقول البعض أي: المسمى
[ ٣ / ٣٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ذلك كله تقدير التاء مقام ظهورها. إذا عرفت ذلك فالمؤنث بالتاء لفظًا ممنوع من الصرف مطلقًا: أي: سواء كان مؤنثا في المعنى أم لا، زائدًا على ثلاثة أحرف أم لا، ساكن الوسط أم لا إلى غير ذلك مما سيأتي: نحو: عائشة وطلحة وهبة. وأما المؤنث المعنوي فشرط تحتم منعه من الصرف أن يكون زائدًا على ثلاثة أحرف نحو: زينب وسعاد؛ لأن الرابع ينزل منزلة تاء التأنيث أو محرك الوسط كسقر ولظى؛ لأن الحركة قامت مقام الرابع خلافًا لابن الأنباري فإنه جعله ذا وجهين. وما ذكره في البسيط من أن سقر ممنوع الصرف باتفاق ليس كذلك، أو يكون أعجميا كجور وماه اسمي بلدين؛ لأن العجمة لما انضمت إلى التأنيث والعلمية تحتم المنع، وإن كانت العجمة لا تمنع صرف الثلاثي؛ لأنها هنا لم تؤثر منع الصرف، وإنما أثرت تحتم المنع. وحكى بعضهم فيه خلافًا فقيل: إنه كهند في جواز الوجهين أو منقولًا من مذكر نحو: زيد إذا سمي به امرأة؛ لأنه حصل بنقله إلى التأنيث ثقل عادل خفة اللفظ. هذا مذهب سيبويه والجمهور، وذهب عيسى ابن عمر والجرمي والمبرد به؛ لأن الكلام في اللفظ غفلة ناشئة عن توهم أن المسمى صفة للمؤنث وليس كذلك كما علمت، بدليل قوله: في الحال كسعاد وزينب أو في الأصل إلخ فلا تكن من الغافلين. قوله: "وهبة" أي: علمًا. قوله: "وأما المؤنث المعنوي" أي: ما ليس علامته لفظية وإلا فالتأنيث مطلقًا راجع للفظ كما تقدم؛ لأن علامته الملفوظة أو المقدرة لفظية ا. هـ. يس وأراد باللفظية أولًا الظاهرة وثانيًا الأعم فلا تناقض، ومعنى كون المقدرة لفظية أنها ترجع للفظ والمراد المؤنث المعنوي من الأعلام؛ لأنها موضع الكلام. قوله "لأن الحركة قامت مقام الرابع" لأن الاسم بالحركة خرج عن أعدل الأسماء وهو الثلاثي الساكن الوسط فصار كالرباعي في الثقل؛ ولأنها في النسب كالحرف الخامس، فلو نسبت إلى جمزى لقلت جمزي بحذف الألف لا غير، ولو كان الوسط ساكنًا لجاز فيه الحذف والقلب واوًا تقول في النسب إلى حبلى حبلي أو حبلوي كما سيأتي دنوشري. قوله: "اسمي بلدين" ينبغي أن يقول: اسمي بلدتين ليكون جور وماه مما نحن فيه وأما إذا جعلا اسمي بلدين كانا مذكرين فيكونان مثل نوح ولوط في الصرف. قوله: "أو منقولًا من مذكر إلخ" لي ههنا بحث وهو أنه كيف يتحتم منع نحو: زيد إذا سمي به مؤنث عند سيبويه والجمهور ولا يتحتم عندهم منع نحو: هند مع عروض تأنيث الأول وأصالة تأنيث الثاني ومع استوائهما في عدد الحروف وفي الهيئة وهلا جاز الوجهان في الأول كالثاني أو تحتم منع الثاني كالأول ومن هنا تظهر قوة مذهب عيسى بن عمر والجرمي والمبرد فتأمل. قوله: "وذهب عيسى إلخ" استدلوا بقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مع قوله: وقال ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فإن مصر في الأصل اسم لمذكر وهو ابن نوح، ثم نقل وجعل علمًا على البلدة، وهي مؤنثة فصار كزيد المذكور وجوابه أنا لا نسلم علمية المنصرف سلمنا لكن لا نسلم أنه مؤنث بل يجوز أن يكون قد لحظ فيه المكان دماميني.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى أنه ذو وجهين. واختلف النقل عن يونس، وأشار بقوله: وجهان في العادم تذكيرًا إلى آخر البيت، إلى أن الثلاثي الساكن الوسط إذا لم يكن أعجميا ولا
منقولًا من مذكر كهند ودعد يجوز فيه الصرف، ومنعه والمنع أحق، فم صرفه
نظر إلى خفة السكون وأنها قاومت أحد السببين، ومن منع نظر إلى وجود
السببين ولم يعتبر الخفة، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله:
١٠٣١- لَمْ تَتَلفَّعْ بفَضْلِ مِئْزَرِها دَعُدٌ ولم تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ
تنبيهات: الأول ما ذكره من أن المنع أحق هو مذهب الجمهور. وقال أبو علي: الصرف أفصح. قال ابن هشام: وهو غلط جلي. وذهب الزجاج قيل والأخفش إلى أنه متحتم المنع. قال الزجاج: لأن السكون لا يغير حكمًا أوجبه اجتماع علتين يمنعان الصرف. وذب الفراء إلى أن ما كان اسم بلدة لا يجوز صرفه نحو: فيد؛ لأنهم لا يرددون اسم البلدة على غيرها فلم يكثر في الكلام بخلاف هند. الثاني: لا فرق بين ما سكونه أصلي كهند أو عارض بعد التسمية كفخذ أو الإعلال كدار. الثالث: قال في شرح الكافية: وإذا سميت امرأة بيد ونحوه مما هو على حرفين جاز فيه ما جاز في هند، ذكر ذلك سيبويه، هذا لفظه. وظاهره جواز الوجهين وأن الأجود المنع وبه صرح في التسهيل، فقول صاحب البسيط في يد: صرفت بلا خلاف ليس بصحيح. الرابع: إذ صغر نحو: هند ويد تحتم منعه لظهور التاء نحو: هنيدة ويدية فإن صغر بغير تاء نحو: حريب وهي ألفاظ مسموعة انصرف.
ــ
قوله: "كهند ودعد" مثلهما بنت وأخت علمي مؤنث كما سيأتي. قوله: "والمنع أحق" أي: لوجود السببين. قوله: "لم تتلفع إلخ" يعني أنها ليست من البدو حتى يكون لها ذلك بل هي حضرية قاله شيخنا السيد. قوله: "الصرف أفصح" لمقاومة الخفة أحد السببين مع كون الصرف هو الأصل فيرجع إليه بأدنى سبب فدعوى ابن هشام أنه غلط جلي غير ظاهرة. قوله: "لأنهم لا يرددون اسم البلدة على غيرها" أي: لا يوقعون فيه الاشتراك اللفظي أي: غالبًا بخلاف أسماء الأناسي فإنهم يوقعونه فيها كثيرًا فاحتاجت إلى التخفيف وإنما قلنا أي: غالبًا؛ لأنهم قد يوقعونه في اسم البلدة. قوله: "أو الإعلال كدار" لأن أصله دور فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. قوله: "وبه صرح في التسهيل" وهو ظاهر كلامه هنا أيضًا إذ يد وإن كان ثنائيا لفظًا فهو ثلاثي تقديرًا ساكن الوسط إذ أصله يدي بالإسكان كما في الصحاح زكريا. قوله: "نحو: حريب" تصغير حرب وحرب مؤنثة وقوله: وهي أي: حريب ونحوها مما سيأتي في التصغير. قوله:
_________________
(١) البيت من المنسرح، وهو لجرير في ملحق ديوانه ص١٠٢١؛ ولسان العرب ٣/ ١٦٦ "دعد"، ٩/ ٣٢١ "لفع"؛ ولعبيد الله بن قيس الرقيات في ملحق ديوانه ص١٧٨؛ وبلا نسبة في أدب الكاتب ص٢٨٢؛ وأمالي ابن الحاجب ص٣٩٥؛ والخصائص ٣/ ٦١؛ وشرح قطر الندى ص٣١٨؛ وشرح المفصل ١/ ٧٠؛ والكتاب ٣/ ٢٤١؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٥٠؛ والمنصف ٢/ ٧٧.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الخامس: إذا سمي مذكر بمؤنث مجرد من التاء فإن كان ثلاثيا صرف مطلقًا خلافًا للفراء وثعلب إذ ذهبا إلى أنه لا ينصرف سواء تحرك وسطه نحو: فخذ أم سكن نحو: حرب. ولابن خروف في المتحرك الوسط وإن كان زائدًا على الثلاثة لفظًا نحو: سعاد أو تقديرًا كاللفظ نحو: جيل مخفف جيأل اسم للضبع بالنقل منع من الصرف. السادس: إذا سمي "انصرف" قال الإسقاطي وتبعه غيره: لعل المراد جوازًا فيجوز المنع كهند ا. هـ. وهو متجه ويستفاد من كلام الشارح أن ياء التصغير لم يعتدوا بها في تصييره رباعيا وإلا كان متحتم المنع اتفاقًا. قوله: "مطلقًا" أي: تحرك وسطه أم لا كما يؤخذ مما ذكره في القولين بعده وسكت عن كونه أعجميا أو لا واستظهر البعض أنه لا فرق قال يس، فإن قلت: لم لم يكتفوا هنا بتحريك الوسط؛ لأن حكمه حكم الزيادة كما تقدم، قلت: لأنه لما كان المسمى مذكرًا ضعف هنا معنى التأنيث جدا لكون اللفظ والمعنى مذكرين فاحتاجوا لتقوية معنى التأنيث بأقوى الأمور القائمة مقام التاء، وهو الحرف الزائد على الثلاثة فإنه في قيامه مقام التاء أقوى من تحرك الوسط ا. هـ. قوله "وإن كان زائدًا على الثلاثة إلخ" شرط في التسهيل لمنع صرفه ثلاثة شروط أن لا يسبق له تذكير انفرد به محققًا أو مقدرًا، وأن لا يحتاج تأنيثه إلى تأويل لا يلزم، وأن لا يغلب استعماله قبل العلمية في المذكر قال الدماميني: فيصرف أن سبق له تذكير انفرد به محققا كدلال علم مذكر منقولًا من مؤنث؛ لأنه في الأصل مصدر أو مقدرًا كحائض علم مذكر لسبق التذكير تقدير إذ المعنى شخص حائض، بدليل أنهم إذا صغروه لم يأتوا بالتاء، وقال الكوفيون: إذا سمي بنحو: حائض مذكر لم يصرف بناء على أن قولهم: إن نحو حائض لم تدخله التاء لاختصاصه بالمؤنث، والتاء إنما تدخل فرق ويرد عليهم أنهم إذا أرادوا بنحو: حائض معنى الفعل وهو الحدوث أدخلوا التاء، فقالوا: حائضة ومرضعة واحترز المصنف بقوله: انفرد به من نحو: ظلوم علم مذكر منقولا من مؤنث فهو ممنوع من الصرف؛ لأنه قبل التسمية به يطلق على المذكر والمؤنث تقول: مررت برجل ظلوم وامرأة ظلوم، وكذا يصرف المؤنث الزائدة على ثلاثة المسمى به مذكر إن احتاج تأنيثه إلى تأويل لا يلزم كرجال علم مذكر؛ لأن تأويله بالجماعة لا يلزم لجواز تأويله بالجمع، وكذا يصرف إن غلب استعماله قبل العلمية في المذكر كذراع علم مذكر فهو في الأصل مؤنث، لكن غلب في أعلام المذكرين ووصف به المذكر فقالوا: ثوب ذراع أي: قصير ا. هـ. باختصار. قوله: "كاللفظ" صفة تقديرًا أي: تقديرًا كائنًا كاللفظ وبمنزلته بأن يكون الحذف قياسيا فإن حذف الهمزة بعد نقل حركتها قياسي ومنه شمل تخفيف شمأل، واحترز به مما هو على غير قياس كأيم في أيم فليس المحذوف من هذا كالملفوظ به ا. هـ. يس وعبارة الدماميني فإن الحرف المقدر بمنزلة الملفوظ به أما أولًا؛ فلأنه قد ينطق به، وأما ثانيًا؛ فلأن حركة الهمزة مشعرة به؛ ولهذا قال: كاللفظ واحترز به عن نحو: كتف فإن هاء التأنيث مقدرة فيه بدليل ظهورها في التصغير، ومع ذلك فهو مصروف وإن سمي به مذكر إذ لا يلفظ بها وليس في اللفظ مشعر بها ا. هـ. قوله: "اسم للضبع" أي: الأنثى ويقال للذكر ضبعان، وقوله بالنقل متعلق بمخفف. قوله: "إذا
[ ٣ / ٣٧٤ ]
والعَجَمِيُّ الوَضْعِ والتَّعرِيفِ مَعْ زيدٍ على الثَّلاثِ صَرْفُهُ امْتَنَعْ
_________________
(١) رجل ببنت أو أخت صرف عند سيبويه وأكثر النحويين؛ لأن تاءه قد بنيت الكلمة عليها وسكن ما قبلها فأشبهت تاء جبت وسحت. قال ابن السراج: ومن أصحابنا من قال إن تاء بنت وأخت للتأنيث، وإن الاسم مبنيا عليها فيمنعونهما الصرف في المعرفة، ونقله بعضهم عن الفراء. قلت: وقياس قول سيبويه إنه إذا سمي بهما مؤنث أن يكون على الوجهين في هند. السابع: كان الأولى أن يقول بتاء بدل قوله بهاء، فإن مذهب سيبويه والبصريين أن علامة التأنيث التاء والهاء بدل عندهم عنها في الوقف، وقد عبر بالتاء في باب التأنيث فقال: علامة التأنيث تاء أو ألف، وكأنه إنما فعل ذلك للاحتراز من تاء بنت وأخت، وكذا فعل في التسهيل. الثامن مراده بالعار في قوله: وشرط منع العار العاري من التاء لفظًا، وإلا فما من مؤنث بغير الألف إلا وفيه التاء إما ملفوظة أو مقدرة "والعجمي الوضع سمي رجل ببنت أو أخت إلخ". فائدتان: الأولى قال الدماميني: لو سمي مذكر بما هو اسم مؤنث على لغة وصفة لمؤنث على لغة. نحو: جنوب ودبور وشمال بفتح أوله فإنها عند بعض العرب أسماء للريح وعند بعضهم صفات جرت على الريح وهي مؤنثة -ففيه وجهان المنع كزينب والصرف كباب حائض ا. هـ. الثانية قال في التسهيل: صرف أسماء القبائل والأرضين والكلم ومنعه مبنيان على المعنى فإن كان أبا أو حيا أو مكانًا أو لفظًا أو قبيلة أو بقعة أو كلمة أو سورة لم يصرف وقد يتعين اعتبار القبيلة نحو: يهود ومجوس علمين أو البقعة نحو: دمشق أو المكان نحو: بدر ا. هـ. وكذا حروف الهجاء تذكر باعتبار الحرف وتؤنث باعتبار الكلمة قال الدماميني: وإطلاقهم القول بجواز الأمرين محمول على ما إذا لم يتحقق مانعان من الصرف، فإن تحققا فمنع الصرف بكل حال نحو: تغلب وباهلة وخولان وقوله: وقد يتعين إلخ يعني أن جواز الصرف وعدمه بحسب الاعتبارين إنما هو فيما لم يقتصر فيه العرب على أحدهما أما هو فلا تتجاوز فيه ما سمع زاد في الهمع وقد يتعين اعبار الحي ككلب. قوله: "فأشبهت تاء جبت وسحت" فيه نشر على ترتيب اللف والجبت في الأصل اسم للصنم ثم استعمل في كل ما يعبد من دون الله ﷿، والسحت هو الحرام. قوله: "وقياس قول سيبويه" أي: قوله: أن بنتا وأختا إذا سمي بهما رجل يصرفان كما في زكريا. قوله: "أن يكون على الوجهين" جزم غير الشارح بنقل ذلك عن سيبويه ا. هـ. سم؛ لأنهما حينئذ كهند وفي عبارة الشارح ركاكة ظاهرة، وكان ينبغي أن يقول إنهما إذا سمي به مؤنث كانا على الوجهين. قوله: "للاحتراز من تاء بنت وأخت" إنما يصح هذا الاحتراز على القول بأن تاءهما ليست للتأنيث أما على أن تاءهما للتأنيث فلا لوجوب منع صرفهما حينئذ مع العلمية. قوله: "وكذا فعل في التسهيل" أي: عبر هنا بالهاء، وفي باب التأنيث بالتاء كما يعلم بالوقوف عليه. قوله: "والعجمي الوضع والتعريف" إضافته لفظية فليست على معنى حرف كما سلف أي:
[ ٣ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والتعريف مع زيد على الثلاث صرفه امتنع" أي: مما لا ينصرف ما فيه فرعية المعنى بالعلمية وفرعية اللفظ بكونه من الأوضاع العجمية لكن بشرطين: أن يكون عجمي التعريف أي: يكون علمًا في لغتهم، وأن يكون زئدًا على ثلاثة أحرف، وذلك نحو: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، فإن كان الاسم عجمي الوضع غير عجمي التعريف انصرف كلجام إذا سمي به رجل؛ لأنه قد تصرف فيه بنقله عما وضعته العجم له فألحق بالأمثلة العربية، وذهب قوم منهم الشلوبين وابن عصفور إلى منع صرف ما نقلته العرب من ذلك إلى العلمية ابتداء كبندار وهؤلاء لا يشترطون أن يكون الاسم علمًا في لغة العجم، وكذا ينصرف العلم في العجمة إذا لم يزد على الثلاثة بأن يكون على ثلاثة أحرف لضعف فرعية اللفظ فيه لمجيئة على أصل ما تبنى عليه الآحاد العربية. ولا فرق في ذلك بين الساكن الوسط نحو: نوح ولوط والمتحرك نحو: شتر ولمك. قال في شرح الكافية قولًا واحدًا في العجمي وضعه وتعريفه وقوله: مع زيد حال من الضمير في العجمي وغير هذا لا يخلو عن شيء والمراد الزيادة على الثلاثة بغير ياء التصغير كما سيأتي، وإنما لم يقم تحرك الوسط هنا مقام الزيادة كا قام في المؤنث لضعف العجمة بعدم علامة لها كعلامة التأنيث عن التقوي بمجرد تحرك الوسط الذي هو مقو ضعيف، وهذا أوجه مما ذكره البعض. قوله: "من الأوضاع" أي: الموضوعات. قوله: "أي: يكو علمًا في لغتهم" وإن نقلته العرب إلى علمية أخرى كأن سمت بإسماعيل شخصًا آخر. قوله: "كلجام" بالجيم وضعه العجم اسم جنس للآلة التي تجعل في فم الفرس ومثله الفرند بكسر الفاء والراء وسكون النون كما في القاموس وغيره وضعه العجم اسم جنس للسيف وقول البعض وفتح الراء سهو. قوله: "إلى العلمية ابتداء" بأن لم تستعمله اسم جنس قبل أن تستعمله علمًا. قوله: "كبندار" بضم الموحدة هو في لغة العجم اسم جنس للتاجر الذي يلزم المعادن ولمن يخزن البضائع للغلاء وجمعه بنادرة. قوله: "لا يشترطون أن يكون إلخ" بل الشرط عندهم أن يكون أول استعمال العرب له في العلمية. قوله: "لمجيئه على أصل ما تبنى إلخ" إضافة أصل إلى ما على معنى في وذلك الأصل هو عدم الزيادة على الثلاثة؛ لأن العرب يراعون في كلامهم التخفيف، وأما الآحاد العجمية فالأصل فيها الزيادة؛ لأن العجم يراعون في كلامهم الطول. قوله: "نحو: نوح ولوط" أي: من كل علم ثلاثي ساكن الوسط أعجمي مذكر أما المؤنث كماه وجور فممنوع الصرف لتقوي العجمة بالتأنيث، وإنما لم يجز في نوح ولوط الوجهان كما جاز في هند ودعد، مع أن كلا وجد فيه سببان؛ لأن التأنيث سبب قوي فيمكن اعتباره مع سكون الوسط بخلاف العجمة قاله ابن هشام. واعلم أن أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ممنوعة الصرف إلا ستة. محمد وشعيب وصالح وهود ونوح ولوط؛ لخفة الأخيرين، وكون الأربعة الأول عربية، وقيل هود كنوح؛ لأن سيبويه قرنه معه فهو أعجمي وصرفه للخفة ويؤيده ما يقال من أن العرب من ولد
[ ٣ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لغة جميع العرب، ولا التفات إلى من جعله ذا وجهين مع السكون، ومتحتم المنع مع الحركة؛ لأن العجمة سبب ضعيف فلم تؤثر بدون زيادة على الثلاثة. وقال: وممن صرح بالغاء عجمة الثلاثي مطلقًا السيرافي وابن برهان وابن خروف ولا أعلم لهم من المتقدمين مخالفًا، ولو كان منع صرف العجمي الثلاثي جائزًا لوجد في بعض الشواذ كما وجد غيره من الوجوه الغريبة ا. هـ. قلت: الذي جعل ساكن الوسط على وجهين هو عيسى بن عمر وتبعه ابن قتيبة والجرجاني. ويتحصل في الثلاثي ثلاثة أقوال: أحدهما أن العجمة لا أثر لها فيه مطلقًا وهو الصحيح. الثاني أن ما تحرك وسطه لا ينصرف وفيما سكن وسطه وجهان. إسماعيل وما كان قبل ذلك فليس بعربي، وهود قبل إسماعيل فكان كنوح كذا في الجامي. قال العصام: ويرد على الحصر في الستة شيث وعزير، وقال البيضاوي: تنوين عزير بناء على أنه عربي وترك تنوينه بناء على أنه أعجمي ا. هـ. واستشكله سم بأن ثبوت التنوين وتركه في القرآن كما هو قضية القراءة بهما يوجب جوازهما فكيف يكون أحدهما مبنيا على أنه عربي والآخر على أنه أعجمي مع أنه في الواقع لا يكون عربيا وعجميا بل أحدهما فقط. وأجيب بأنه يكفي في تخريج القراءة المطابقة لوجه نحوي، وإن لم يوافق توجيه القراءة الأخرى، وقد قرئ تترى بالتنوين على أن الأنف للإلحاق، وتركه على أنها للتأنيث، ولا يمكن أن تكون في الواقع لهما، والياء على أعجمي ليست للتصغير؛ لأن الظاهر أن الكلمة وضعت عليها في لغة العجم فلا تكون للتصغير لاختصاص لغة العرب بياء التصغير؛ ولأنها لو كانت للتصغير لم تؤثر عجمته منع الصرف لما مر من أن الأعجمي إذا كان رباعيا بياء التصغير انصرف، ولم يعتد بالياء فعلم ما في كلام البعض على قول الشارح ولا يعتد بالياء فتأمل. قوله: "نحو: شتر" بفتح الشين المعجمة والتاء الفوقية اسم قلعة فهو مؤنث، فيشكل على ما سلف أن العجمة إذا انضمت إلى تأنيث الثلاثي الساكن الوسط تحتم المنع فكيف لا تؤثر مع تحركه إلا أن يقال اعتبار التأنيث فيه غير متعين لجواز إرادة المكان يس. قوله: "ولمك" فسره شيخنا والبعض بما في القاموس من أنه جلاء يكتحل به وهو غير مناسب؛ لأن الكلام في العلم، ولمك بهذا المعنى اسم جنس، ونقل شيخنا السيد عن السيد في شرح اللباب: أن لمك بفتح اللام والميم هو ابن متوشلخ بن نوح الأمر عليه ظاهر. قوله: "لأن العجمة سبب ضعيف" علة لقوله ولا فرق في ذلك إلخ. قوله: "مطلقًا" أي: ساكن الوسط أو متحرك. قوله: "جائزًا" المراد بالجواز ما قابل الامتناع فيصدق بالوجوب في متحرك الوسط وقوله: لوجد في بعض الشواذ المناسب لمذهب من يجعل ساكن الوسط ذا وجهين ومتحركه متحتم المنع أن يقول لوجد في بعض كلامهم؛ لأن صاحب هذا المذهب لا يقول بشذوذ المنع إلا أن يقال المراد المبالغة في عدم وجوده في كلامهم رأسًا فالمعنى لوجد ولو في بعض الشواذ فتفطن. قوله: "ويتحصل" أي: من كلام النحاة لا مما تقدم إذا القول الثالث لم يتقدم.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
كَذاكَ ذو وَزْنٍ يَخُصُّ الفِعْلا أو غالِبٍ كأحمَدٍ ويَعْلَى
_________________
(١) الثالث أن ما تحرك وسطه لا ينصرف، وما سكن وسطه ينصرف وبه جزم ابن الحاجب. تنبيهات: الأول قوله زيد هو مصدر زاد يزيد زيدًا وزيادة وزيدانًا. الثاني المراد بالعجمي ما نقل من لسان غير العرب ولا يختص بلغة الفرس. الثالث إذا كان الأعجمي رباعيا وأحد حروفه ياء التصغير انصرف ولا يعتد بالياء. الرابع تعرف عجمة الاسم بوجوه: أحدها نقل الأئمة، ثانيها خروجه عن أوزان الأسماء العربية نحو: إبراهيم، ثالثها عروه من حروف الذلاقة وهو خماسي أو رباعي فإن كان في الرباعي السين فقد يكون عربيا نحو: عسجد وهو قليل، وحروف الذلاقة ستة يجمعها قولك: مر بنفل، رابعها أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في كلام العرب كالجيم والقاف بغير فاصل نحو: قج وجق، والصاد والجيم نحو: صولجان، والكاف والجيم نحو: أسكرجة، وتبعية الراء للنون أول كلمة نحو: نرجس والزاي بعد الدال نحو: مهندز "كذاك ذو وزن يخص الفعلان أو غالب كأحمد قوله: "وما سكن وسطه ينصرف" أي: وجوبًا ليغاير الثاني. قوله: "مصدر زاد يزيد إلخ" الأحسن أن يقول مصدر زاد يقال زاد يزيد إلخ. قوله: "عروه من حروف الذلاقة" اعلم أن العلامة يلزم اطرادها ولا يلزم انعكاسها أي: يلزم من وجودها وجود المعلم ولا يلزم من عدمها عدمه فيلزم من وجود الخلو في الخامسي أو الرباعي وجود العجمة ولا يلزم من عدم الخلو فيما ذكر عدم العجمة فلا يرد أن يوسف أعجمي وقد وجد فيه حرف من حروف الذلاقة وهو الفاء. إذا علمت أن ما فرعه يس. وتبعه شيخنا والبعض على هذه العلامة بقوله فما فيه حرف من حروف الذلاقة عربي، وينبغي أن يقال حيث لم تنقل عجمته ولم يكن فيه سبب آخر ناشئ عن الغفلة عن حكم العلامة فتدبر. قوله: "فإن كان في الرباعي السين" أي: ما ذكر من عجمة الرباعي العاري عن حروف الذلاقة إذا لم يكن فيه السين فإن كان إلخ. قوله: "نحو: عسجد" هو الذهب والجوهر والبعير الضخم قاموس. قوله: "بغير فاصل" لم يشترط ذلك بعضهم ومثل لما فيه الفاصل بالجرموق. قوله: "نحو: قج وجق" الأول بقاف مفتوحة وجيم مشوبة بالشين ساكنة لغة تركية بمعنى اهرب وبمعنى كم الاستفهامية وأما بكسر القاف فبمعنى الرجل، والثاني بكسر الجيم وسكون القاف بمعنى اخرج، وقال في القاموس: الجقة بالكسر الناقة الهرمة، وجق الطائر ذرق ا. هـ. ولم يذكر قج ويؤخذ من صنيع شيخنا السيد أن مراد الشارح التمثيل بقج وجق التركيتين، وحينئذ يرد على الشارح أن كلامه في الأسماء وجق ليس في اللغة التركية اسمًا اللهم إلا أن يراد بالأسماء مطلق الكلمات فتأمل. قوله: "نحو: صولجان" بفتح الصادر واللام المحجن وجمعه صوالجة قاموس ومثله الجص والصنجة. قوله: "نحو: أسكرجة" قال البعض: بسكون السين وضم الكاف وضم الراء المشددة اسم لوعاء مخصوص ا. هـ. وانظر ما حركة الهمزة. قوله "والزاي بعد الدال" أي: وكالزاي بعد الدال، ولو قال: والزاي للدال أي: وتبعية الزاي للدال لكان أخصر وقيد في الهمع تبعية الزاي
[ ٣ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ويعلى" أي: مما يمنع الصرف مع العلمية وزن الفعل بشرط أن يكون مختصا به أو غالبًا فيه. والمراد بالمختص ما لا يوجد في غير فعل إلا في نادر أو علم أو أعجمي كصيغة الماضي المفتتح بتاء المطاوعة كتعلم أو بهمزة وصل كانطلق، وما سوى أفعل ونفعل وتفعل ويفعل من أوزان المضارع وما سلمت صيغته من مصوغ لما لم يسم فاعله وبناء فعل، وما صيغ للأمر من غير فاعل، والثلاثي نحو: أَنطلق ودحرج فإذا سمي بهما مجردين عن الضمير قيل هذا أنطلق ودحرج ورأيت أنطلق ودحرج ومررت بأنطلق ودحرج، وهكذا كل وزن من الأوزان المبنية على أنها تختص بالفعل والاحتراز بالنادر من نحو: دئل لدويبة للدال بكونها في آخر الكلمة وقوله: نحو: مهندز، قال يس: وقد تبدل زايه سينًا. قوله: "كذاك ذو وزن" أي: علم ذو وزن وفي البيت عطف الاسم على الفعل لكون أحدهما بمعنى الآخر، والأحسن هنا إرجاع الأولى إلى الثاني؛ لأن الأصل في الوصف الإفراد. قوله: "كأحمد" منقول من فعل ماض أو مضارع أو من اسم تفضيل ا. هـ. سم. قوله: "إلا في نادر" أي: لفظ نادر عربي غير علم بقرينة عطف العلم والعجمي عليه، والعطف يقتضي المغايرة وقوله: كصيغة الماضي إلخ تمثيل للمختص وعطف عليه قوله: وما سوى إلخ، وقوله: وما سلمت إلخ، وقوله: وبناء فعل، وقوله: وما صيغ إلخ. قوله: "أو بهمزة وصل" وحكم همزة الوصل في الفعل المسمى به القطع؛ لأن المنقول من فعل بعد عن أصله فالتحق بنظائره من الأسماء فحكم فيه بقطع الهمزة بخلاف المنقول من اسم كاقتدار فإن الهمزة تبقى على وصلها بعد التسمية؛ لأن المنقول من اسم لم يبعد عن أصله فلم يستحق الخروج عما هو له. تصريح. قوله: "وما سوى أفعل ونفعل وتفعل ويفعل" أي: لأن هذه من الغالب كما يعلم مما يأتي ا. هـ. سم ومثال ما سواها يدحرج ويستخرج. قوله: "وما سلمت إلخ" احترز بالسلامة عن الغير كرد وقيل وسيأتي، وقوله: من مصوغ بيان لما سلمت إلخ، وقوله: وبناء فعل أي: بالتشديد. قوله: "من غير فاعل" أما ما صيغ للأمر من فاعل كضارب بكسر الراء أمر من ضارب بفتحها فليس من المختص، ولا من الغالب بل هو بالاسم أولى فلا يؤثر. تصريح. قوله: "والثلاثي" أي: وغير الثلاثي؛ لأن ما صيغ من الثلاثي من الغالب كما يأتي سم. قوله: "نحو: انطلق ودحرج" تمثيل لما صيغ للأمر من غير فاعل وغير الثلاثي. قوله: "مجردين عن الضمير" إذ لو اقترنا به لكانا من المحكي لا من الممنوع الصرف؛ لأن العلم حينئذ منقول من الجملة لا من الفعل وحده لكن هذا القيد لا يخص هذين المثالين كما لا يخفى. قوله: "قيل هذا أنطلق" بقطع الهمزة لما مر. قوله: "وهكذا" أي: كالمذكور من صيغة الماضي المفتتح بتاء المطاوعة وغيره مما مر وقوله: المبنية أي: الموضوعة. قوله: "والاحتراز بالنادر من نحو: دئل" أي: من خروج وزن نحو: دئل بصيغة الماضي المجهول وينجلب وتبشر عن ضابط المختص بالفعل، وقوله: لدويبة أي: شبيهة بابن عرس أي: اسم
[ ٣ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وينجلب لخرزة وتبشر لطائر، وبالعلم من نحو: خضم بالمعجمتين لرجل وشمر لفرس وبالأعجمي من بقم وإستبرق فلا يمنع وجدان هذه الأسماء اختصاص أوزانها بالفعل؛ لأن النادر والعجمي لا حكم لهما؛ ولأن العلم منقول من فعل فالاختصاص باق، والمراد بالغالب ما كان الفعل به أولى إما لكثرته فيه كإثمد وأصبع وأُبْلُم فإن أوزانها تقل في الاسم وتكثر في الأمر من الثلاثي؛ وإما لأن أوله زيادة تدل على معنى في الفعل دون الاسم كأفكل وأكلب فإن نظائرهما تكثر في الأسماء والأفعال، لكن الهمزة من أفعل وأفعل تدل على معنى في الفعل نحو: أذهب وأكتب ولا تدل على معنى في الاسم فكان المفتتح بأحدهما من لهذا النوع وكذا يقال في قوله: لخرزة وقوله: لطائر فدئل وينجلب وتبشر أسماء أجناس فلو جعلت أعلامًا منعت الصرف، وكذا بقم وإستبرق كذا قال سم، وفي التوضيح ما يؤيده وينجلب بجيم بعد النون وتبشر بضم التاء وفتح الباء وكسر الشين مشددة كما في سم. وغيره وصدر في القاموس بضم الباء الموحدة ثم حكى فتحها. قوله: "من نحو: خضم" بفتح الخاء المعجمة وتشديد الضاد المعجمة مفتوحة كما في القاموس. قوله: "من بقم وإستبرق" البقم بفتح الموحدة وتشديد القاف مفتوحة صبغ معروف وهو العندم والإستبرق الديباج الغليظ. قوله: "إما لكثرته فيه" يرد عليه أن وزن فاعل بفتح العين كضارب وقاتل أكثر في الأفعال مع أن ما على وزنه من الأسماء كخاتم بالفتح مصروف إلا أن يكون أطلق بناء على أن الغالب أن أكثرية الوزن في الفعل تقتضي المنع ومن غير الغالب قد لا تقتضيه. قوله: "كإثمد" بكسر الهمزة والميم وسكون المثلثة وبالدال المهملة وإصبع بكسر الهمزة وفتح الباء الموحدة واحدة الأصابع وفيها عشر لغات حاصلة من ضرب ثلاثة أحوال الهمزة في ثلاثة أحوال الباء والعاشر أصبوع وأبلم بضم الهمزة واللام بينهما موحدة ساكنة سعف المقل ا. هـ. تصريح ونقل البعض عن البهوتي فتح الهمزة واللام وكسرهما أيضًا. قوله: "وإما لأن أوله" احترز بقوله: أوله من وزن فاعل بالفتح فإنه وإن اشتمل على زيادة تدل في الفعل كضارب دون الاسم كخاتم وهي ألف المفاعلة، لكن ليست أوله فليس الفعل أولى به من الاسم وإن كان أكثر في الفعل فتفطن. قوله: "زيادة إلخ" احترز بزيادة عما لو كان أوله أصليا فلا أثر له وإن ماثل حروف المضارعة كما في نرجس ونهشل. واعلم أنه يدخل في كلامه نحو: ينجلب وتبشر فلم جعل ذلك من المختص وهلا جعله من الغالب ا. هـ. سم. قلت: إنما جعل ذلك من المختص نظرًا إلى الصيغة بتمامها وهو أولى من جعله من الغالب نظرًا إلى جزئها فتأمل ا. هـ. إسقاطي والعجب من البعض حيث ذكر السؤال بلا عزو والجواب بلا عزو كما هو عادته ولم يحذف لفظ قلت: فأوهم أن الجواب له وليس كذلك كما علمت. قوله: "كأفكل" وهو الرعدة وأكلب جمع كلب، وقوله: فإن نظائرهما إلخ نظائر أفكل من الأسماء أبيض وأسود وأفضل ومن الأفعال أذهب أوعلم وأسمع ومن نظائر أكلب من الأسماء أبحر
[ ٣ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الأفعال أصلًا للمفتتح بأحدهما من الأسماء، وقد يجتمع الأمران نحو: يرمع وتنضب فإنهما كإثمد في كونه على وزن يكثر في الأفعال ويقل في الأسماء وكأفكل في كونه مفتتحًا بما يدل على معنى في الفعل دون الاسم. تنبيهات: الأول قد اتضح بما ذكر أن التعبير عن هذا النوع بأن يقال أو ما أصله للفعل كما فعل في الكافية، أو ما هو به أولى كما في شرحها والتسهيل أجود من التعبير عنه بالغالب. الثاني قد فهم من قوله يخص الفعل أو غالب أن الوزن المشترك غير الغالب لا يمنع الصرف نحو: ضرب ودحرج خلافًا لعيسى بن عمر فيما نقل من فعل فإنه لا يصرفه تمسكًا بقوله: وأوجه وأعين ومن الأفعال: أنصر وأدخل وأخرج. قوله: "بأحدهما" أي: بهمزة أحدهما أي: أفعل وأفعل. قوله: "وقد يجتمع الأمران" أي: المعلل بهما الأولوية وهما الأكثرية والافتتاح بزيادة تدل على معنى في الفعل دون الاسم، هذا ما يدل عليه كلامه بعد وأما ما قاله سم وتبعه شيخنا والبعض من أنهما الأكثرية والأولوية فلا يناسب كلامه بعد فافهم. قوله: "نحو: يرمغ" بتحتية فراء فميم فغين معجمة بوزن يضرب اسم لحجارة بيض دقاق تلمع وتنضب بفوقية فنون فضاد معجمة فموحدة بوزن تنصر اسم شجر، فلو قال يدل قوله: فإنهما كإثمد فإنهما كاصبع وأصبع لكان أنسب نعم يرد على الشارح أن وزن أفعل بضم العين كثير في الأسماء أيضا كما قدمه فتأمل. قوله: "قد اتضح بما ذكر إلخ" يجوز أن يحمل قول المصنف أو غالب على الغالب حقيقة لكثرته في الفعل أو حكمًا بأن يكون القياس يقتضي كثرته في الفعل؛ لأن أنسب به؛ لأن أوله زيادة تدل على معنى فيه دون الاسم ا. هـ. سم. ويدل على هذا الحمل تمثيله بأحمد ويعلى للغالب؛ لأنهما من الغالب حكمًا. قوله: "عن هذا النوع" أي: المعبر عنه هنا بالغالب. قوله: "أجود إلخ" أي: لأنه قد بان أن هذا النوع قسمان ما يغلب في الفعل وما الفعل به أولى وإن لم يغلب. وقول الناظم: أو غالب لا يشمل القسم الثاني بدون تأويل. قوله: "الثاني قد فهم من قوله إلخ" عبارة السندوبي وفهم من كلامه أن الوزن الخاص بالاسم أو الغالب فيه أو المستوى فيه هو والفعل لا يؤثر وهو كذلك، وخالف عيسى بن عمر في المنقول من الفعل ا. هـ. فقول الشارح: المشترك أي: وكذا المختص بالاسم وقوله: غير الغالب أي: في الفعل فيصدق بالغالب في الاسم والمستوى فيه هو والفعل. قوله: "لعيسى بن عمر" هو شيخ سيبويه وشيخ شيخه الخليل دماميني. قوله: "فيما نقل من فعل" أي: من موازن فعل بفتحتين يعني من الفاعل الماضي مطلقًا أي: لا بقيد صيغة مخصوصة كما يدل عليه كلام عيسى بن عمر فإنه قال كما في الشاطبي: كل فعل ماض إذا سمي به، فإنه لا ينصرف وبدليل الرد عليه بعد بأن العرب أجمعوا على صرف كعسب اسم رجل مع أنه منقول من كعسب إذا أسرع، إذ لو كانت مخالفة عيسى في خصوص الماضي الذي على وزن فعل كأكل وضرب لم يصح الرد عليه بصرف كعسب إجماعًا؛ لأن وزن كعسب
[ ٣ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٣٢- أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا
ولا حجة فيه؛ لأنه محمول على إرادة أنا ابن رجلا جلا الأمور وجربها، فجلا جملة من فعل وفاعل فهو محكي لا ممنوع من الصرف كقوله:
١٠٣٣- نُبِّئْتُ أخْوالِي بَنِي يَزِيدُ
والذي يدل على ذلك إجماع العرب على صرف كعسب اسم رجل مع أنه منقول من كعسب إذا أسرع. وقد ذهب بعضهم إلى أن الفعل قد يحكى مسمى به وإن كان غير
ــ
فعلل وكلامه في موازن فعل. قوله: "أنا ابن رجل جلا إلخ" فجملة جلا في موضع خفض صفة لمحذوف واعترض بأن الموصوف بالجملة لا يحذف إلا إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو في كما مر في النعت، لكن نقل يس عن بعضهم عدم اعتبار هذا الشرط، ونقل شيخنا السيد أن اعتباره خاص بما إذا كان الموصوف مرفوعًا. قوله: "فهو محكي" نظر في تفريع هذا على سابقه بأنه إنما يتفرع كون الجملة محكية على جعلها مسمى بها لا على أنها صفة لمحذوف؛ لأن الجملة الموصوف بها لا تسمى محكية بل هما احتمالان كما تصرح به عبارة التوضيح وهي: وأجيب بأنه يحتمل أن يكون سمي بجلا من قولك: زيد جلا ففيه ضمير وهو من باب المحكيات كقوله:
نبئت أخوالي بني يزيد
وأن يكون ليس بعلم بل صفة لمحذوف أي: أنا انب رجل جلا الأمور ا. هـ. فكان الظاهر أن يقول أو هو محكي. قوله: "بني يزيد" فيزيد مسمى به وفيه ضمير مستتر بدليل رفعه على الحكاية، ولو كان مجردًا عن الضمير لجر بالفتحة تصريح. قوله: "والذي يدل على ذلك" أي: الصرف فيما نقل عن الفعل الماضي خلافًا لعيسى وما ذكره البعض من المناقشة في الدلالة المذكورة علم رده مما كتبناه على قوله فيما نقل من فعل. قوله: "إلى أن الفعل قد يحكى
_________________
(١) عجزه: متى أضعُ العمامَةَ تَعْرفونِي والبيت من الوافر، وهو لسحيم بن وثيل الرياحي في الاشتقاق ص٢٢٤؛ والأصمعيات ص١٧؛ وجمهرة اللغة ص٤٩٥، ١٠٤٤؛ وخزانة الأدب ١/ ٢٥٥، ٢٥٧، ٢٦٦؛ والدرر ١/ ٩٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥٩؛ وشرح المفصل ٣/ ٦٢؛ والشعر والشعراء ٢/ ٦٤٧؛ والكتاب ٣/ ٢٠٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥٦؛ وبلا نسبة في الاشتقاق ص٣١٤؛ وأمالي ابن الحاجب ص٤٥٦؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٢٧؛ وخزانة الأدب ٩/ ٤٠٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٤٩؛ وشرح قطر الندى ص٨٦؛ وشرح المفصل ١/ ٦١، ٤/ ١٠٥؛ ولسان العرب ١٤/ ١٢٤ "ثنى"، ١٥٢ "جلا"؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٢٠؛ ومجالس ثعلب ١/ ٢١٢؛ ومغني اللبيب ١/ ١٦٠؛ والمقرب ١/ ٢٨٣؛ وهمع الهوامع ١/ ٣٠.
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٢؛ وخزانة الأدب ١/ ٢٧٠؛ وشرح التصريح ١/ ١١٧؛ والمقاصد النحوية ١/ ٣٨٨، ٤/ ٣٧٠؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٢٤؛ وشرح المفصل ١/ ٢٨؛ ولسان العرب ٣/ ٢٠٠ "زيد"، ٣٢٩ "فدد"؛ ومجالس ثعلب ص٢١٢؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٦.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مسند إلى ضمير متمسكًا بهذا البيت. ونقل عن الفراء ما يقرب من مذهب عيسى، قال: في الأمثلة التي تكون للأسماء والأفعال إن غلبت للأفعال فلا تجره في المعرفة نحو: رجل اسمه ضرب، فإن هذا اللفظ وإن كان اسمًا للعسل الأبيض هو أشهر في الفعل، وإن غلب في الاسم فأجره في المعرفة والنكرة نحو: رجل مسمى بحجر؛ لأنه يكون فعلًا. تقول: حجر عليه القاضي ولكنه أشهر في الاسم. الثالث يشترط في الوزن المانع للصرف شرطان: أحدهما أن يكون لازمًا. الثاني أن لا يخرج بالتغيير إلى مثال هو للاسم، فخرج بالأول نحو: امرئ فإنه لو سمي به انصرف، وإن كان في النصب شبيهًا بالأمر من علم وفي الجر مسمى به" أي: فعلى تسليم أن جلا مجرد عن الضمير مسمى به لا نسلم دلالته على منع الصرف الذي ادعاه عيسى، لاحتمال أن يكون محكيا بناء على هذا المذهب. وقوله: بهذا البيت أي: أنا ابن جلا إلخ. قوله: "وما يقرب من مذهب عيسى" إنما قال يقرب لمخالفته مذهب عيسى فيما غلب استعماله اسمًا وإن وافقه فيما غلب استعماله فعلًا؛ ولأن نظر عيسى إلى الوزن بقطع النظر عن المادة ونظر الفراء إلى المادة ذات الوزن. قوله: "الأمثلة التي تكون إلخ" أي: الكلمات التي تارة تكون أسماء وتارة أفعالًا إن غلب استعمالها أفعالًا إلخ، ولم ينقل الشارح حكم ما استعمل اسمًا وفعلا على السواء عند الفراء، ولعله يجوز الوجهين في المعرفة فراجع. قوله: "فلا تجره" أي: بالكسرة والضمير البارز للأمثلة لتأولها بالمذكور. قوله "أن يكون لازمًا" أي: للكلمة فنحو: إثمد لازم له وزن اضرب ونحو: إصبع لازم له على إحد لغاته وزن اقطع ونحو: أبلم لازم له وزن اكتب. قال الحفيد: اعلم أن الوزن إذا كان مختصا تجب الموازنة في اللفظ والتقدير، وإن كان غالبا لكونه مبدوءًا بزيادة هي بالفعل أولى من الاسم فلا تشترط الموازنة في اللفظ؛ لأن أوله مما ينبه على الوزن؛ ولهذا امتنع صرف أهب وأشد علمين إذا علمت هذا علمت عدم عموم قوله: أن يكون لازمًا إلخ ا. هـ. وقوله: إذا كان مختصا أي: أو غالبا لكثرته في الفعل دون الاسم بدليل بقية كلامه، واللائق كتابة هذا الكلام على الشرط الثاني وإبدال قوله: علمت عدم عموم قوله: أن يكون لازمًا بقوله: علمت عدم عموم قوله: أن لا يخرج بالتغيير إلى مثال هو للاسم، ومع كون البعض تبعه في كتابة ذلك على الشرط الأول تصرف في عبارته واختصرها تصرفًا واختصارًا مخلين. قوله: "الثاني أن لا يخرج إلخ" اعترضه البعض بأنه لا حاجة إلى هذا الشرط فإن ما أخرجه به من نحو: رد وقيل خارج من الضابط السابق للوزن المختص وخارج أيضًا بقيد السلامة في قوله سابقًا وما سلمت صيغته من مصوغ لما لم يسم فاعله؛ لأن المراد بالسالم عندهم ما سلم من الاعتلال والتضعيف ويمكن أن يدفع بأن خروجه من ضابط الوزن المختص لا يستلزم خروجه من مطلق الوزن المانع الصرف وكلامه الآن في شرط مطلق الوزن المانع وقوله: وما سلمت إلخ من مدخول كاف التمثيل والمثال لا يخصص فتدبر. قوله: "نحو: امرئ" أي: على لغة الاتباع فيه
[ ٣ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) شبيهًا بالأمر من ضرب وفي الرفع شبيهًا بالأمر من خرج؛ لأنه خالف الأفعال بكون عينه لا تلزم حركة واحدة فلم تعتبر فيه الموازنة، وخرج الثاني نحو: رد وقيل فإن أصلهما ردد وقول، ولكن الإدغام والإعلال أخرجاهما إلى مشابهة برد وقيل فلم يعتبر فيهما الوزن الأصلي. ولو سميت رجلًا بألبب بالضم جمع لب لم تصرفه؛ لأنه لم يخرج بفك الإدغام إلى وزن ليس للفعل. وحكى أبو عثمان عن أبي الحسن صرفه؛ لأنه بابن الفعل بالفك. وشمل قولنا إلى مثال هو للاسم قسمين: أحدهما ما خرج إلى مثال غير نادر ولا إشكال في صرفه نحو: رد وقيل، والآخر ما خرج إلى مثال نادر نحو: انطلق إذا سكنت لامه فإنه خرج إلى بناء انْتَحَل وهو نادر، وهذا فيه خلاف، وجوز فيه ابن خروف الصرف والمنع. وقد فهم من ذلك أن ما دخله الإعلال ولم يخرجه إلى وزن الاسم نحو: يزيد امتنع صرفه. الرابع اختلف في فإن سمي به على لغة من يلتزم فتح عينه منع من الصرف لكون الوزن لازمًا حينئذ، وكذا الكلام في ابنم على اللغتين دماميني بحذف. قوله: "وفي الرفع شبيهًا بالأمر من خرج" رد بأن همزته مكسورة كما كانت قبل التسمية، وهمزة اخرج مضمومة فلا مشابهة وحينئذ فصرفه في هذه الحالة أقوى من صرفه في الحالين الأولين. قوله: "ولكن الإدغام" أي: في رد والإعلال أي: في قيل بالنقل والقلب. قوله: "ولو سميت إلخ" محترز قوله: إلى مثال هو للاسم. قوله: "بالضم" أي: ضم الباء الأولى، وأما الهمزة فمفتوحة كما في الفارضي، قال الدماميني: واحترز عن ألبب بفتح الباء الأولى فإنه لا خلاف في منع صرفه؛ لأنه اسم تفضيل بمعنى أعقل فيستحق منع صرفه مطلقًا للصفة والوزن. قوله: "جمع لب" بضم اللام وتشديد الموحدة وهو العقل وجمع لب على ألبب قليل والأكثر أن يجمع على ألباب تصريح. قوله: "لأنه باين الفعل" أي: فعله الذي هو لب لا الفعل مطلقًا فإنه بوزن اكتب واقتل ا. هـ. زكريا والظاهر أنه لا حاجة إلى ذلك؛ لأن الشارح لم يدع انتفاء كونه بوزن الفعل وإنما ادعى كونه مباينًا للفعل بالفك؛ لأن الفعل الذي على وزنه مدغم نحو: أشد وأرد أي: فضعف اعتبار الوزن، قال في الهمع: والأصح وعليه سيبويه منعه ولا مبالاة بفكه؛ لأنه رجوع إلى أصل متروك فهو كتصحيح مثل: استحوذ، وذلك لا يمنع اعتبار الوزن إجماعًا فكذا الفك؛ ولأن وقوع الفك في الأفعال معهود كاشدد في التعجب ولم يردد وألل السقاء فلم يباينه. قوله: "إلى مثال نادر" ليس المراد أنه نادر في الاسم وكثير في الفعل وإلا كان من أوزان الفعل بل المراد أنه من أوزان الاسم الخاصة به إلا أنه نادر فيه سم. قوله: "إلى بناء انتحل" قال شيخنا: بالحاء المهملة الساكنة ا. هـ. ولم أجده في القاموس. قوله: "ما دخله الإعلال ولم يخرجه إلخ" نحو: يزيد فإنه أعل إذ أصله يزيد كيضرب ولم يخرج بالإعلال إلى مثال الاسم فمنع من الصرف فإن قيل يزيد على وزن بريد، أجيب بأنه وإن كان على وزنه لكن يزيد مفتتح بياء تدل في الفعل على معنى هو الغيبة بخلاف بريد فلم يخرج يزيد
[ ٣ / ٣٨٤ ]
وما يَصِيرُ عَلمًا من ذي أَلِفْ زِيدَتْ لإلحاقٍ فليسَ يَنْصَرفْ
_________________
(١) سكون التخفيف العارض بعد التسمية نحو: ضرب بسكون العين مخففًا من ضرب المجهول: فمذهب سيبويه أنه كالسكون اللازم فينصرف وهو اختيار المصنف، وذهب المازني والمبرد ومن وافقهما إلى أنه ممتنع الصرف، فلو خفف قبل التسمية انصرف قولًا واحدًا "وما يصير علمًا من ذي ألف زيدت لإلحاق فليس ينصرف" أي: ألف الإلحاق المقصورة تمنع الصرف مع العلمية لشبهها بألف التأنيث من وجهين: الأول أنها زائدة ليست مبدلة من شيء بخلاف الممدودة فإنها مبدلة من ياء. والثاني أنها تقع في مثال عن كونه من أوزان الفعل. قوله: "وهو اختيار المصنف" لأن الوزن قد زال والأصل الصرف ولصرفهم جندل بعد حذف الألف، وإن كان حذفًا عارضًا مع أن فيه ما يدل على تقديرها وهو توالي أربع متحركات دماميني. قوله: "ممتنع الصرف" أي: لعروض السكون كما لا ينصرف جيل المخفف من جيأل. وأجيب عن هذا بأن الفتحة باقية فهي بمنزلة الهمزة دماميني. قال في الهمع: ويجري القولان في يعفر علمًا إذا ضم ياؤه اتباعًا فالأصح صرفه وعليه سيبويه، لورود السماع به فيما حكاه أبو زيد وخروجه إلى شبه الاسم والثاني منعه وعليه الأخفش لعروض الضمة فلا اعتداد بها ويجريان أيضًا في بدل همزة أفعل كهراق أصله أراق علمًا والأصح فيه المنع ولا مبالاة بهذا الإبدال. قوله: "فلو خفف" أي: بالسكون. قوله: "لإلحاق" هو جعل كلمة على مثال أخرى رباعية الأصول أو خماسيتها كجعل أرط وعلقى على مثال جعفر وعزهى وذفرى على مثال درهم وجلبب جلببة وجلبابًا على مثال دحرج دحرجة ودحراجًا وحلتيت وحلاتيت وعفريت وعفاريت على مثال قنديل وقناديل. قوله: "المقصورة" خرج به ألف الإلحاق الممدودة كما سيأتي. قوله: "مع العلمية" ولم تستقل ألف الإلحاق بالمنع كألف التأنيث؛ لأن الملحق بغيره أحط رتبة منه سم. قوله: "لشبهها بألف التأنيث" أي: المقصورة وقوله: من وجهين أي: لا من كل وجه فإنها تفارقها من حيث أن ألف التأنيث لا يقبل ما هي فيه التنوين ولا تاء التأنيث وما فيه ألف الإلحاق يقبلهما، وقد استعمل بعض الأسماء منونًا بجعل ألفه للإلحاق وغير منون بجعل ألفه للتأنيث نحو: تترى وبالوجهين قرئ في السبع قوله: "بخلاف الممدودة" أي: ألف الإلحاق الممدودة فإنها لا تؤثر منع الصرف لعدم شبهها بألف التأنيث الممدودة؛ لأن همزة الإلحاق منقلبة عن ياء وهمزة التأنيث منقلبة عن ألف وأيضًا همزة التأنيث منقلبة عن مانع وهو الألف فتمنع، وهمزة الإلحاق منقلبة عن غير مانع وهو الياء فلا تمنع أفاده في التصريح. قوله: "فإنها مبدلة من ياء" أي: فلم تشبه ألف التأنيث الممدودة؛ لأنها مبدلة من ألف ثانية، وظاهر هذا الجري على أن ألف الإلحاق الممدود الهمزة بعد الألف وألف التأنيث الممدودة الهمزة بعد الألف وفيه خلاف سيأتي في باب التأنيث. قوله: "في مثال" أي: وزن وقوله: نحو: أرطي اسم شجر وألفه للإلحاق بجعفر على الراجح وقيل إن أرطى أفعل فمانعه العلمية ووزن الفعل
[ ٣ / ٣٨٥ ]
والعَلَمَ امنَعْ صَرْفَهُ إنْ عُدِلا كفُعَل التوكيدِ أو كثُعَلا
والعَدلُ والتعرِيفُ مانِعا سَحَرْ إذا به التَّعيينُ قَصْدًا يُعتَبَرْ
_________________
(١) صالح لألف التأنيث نحو: أرطى فإنه على مثال سكرى وعزهى فهو على مثال ذكرى بخلاف الممدودة نحو: علباء، وشبه الشيء بالشيء كثيرًا ما يلحقه به كحاميم اسم رجل، فإنه عند سيبويه ممنوع الصرف لشبهه بهابيل في الوزن والامتناع من الألف واللام، وكحمدون عند أبي علي حيث يمنع صرفه للتعريف والعجمة، ويرى أن حمدون وشبهه من الأعلام المزيد في آخرها واو بعد ضمة ونون لغير جمعية لا يوجد في استعمال عربي مجبول على العربية، بل في استعمال عجمي حقيقة أو حكمًا، فألحق بما منع صرفه للتعريف والعجمة المحضة. تنبيهان: الأول كان ينبغي أن يقيد الألف بالمقصود صريحًا أو بالمثال أو بهما كما فعل في الكافية فقال: وألِفُ الإلحاقِ مَقصورًا مَنع كعلقَ إن ذا عَلَميّة وَقَعْ الثاني: حكم ألف التكثير كحكم ألف الإلحاق في أنها تمنع مع العلمية نحو: قبعثري. ذكره بعضهم "والعلم امنع صرفه إن عدلا كفعل التوكيد أو كثعلا والعدل قال الفارضي: ولا يجوز أن تكون ألف أرطى وعلقى للتأنيث؛ لأنهم قالوا: أرطاة وعلقاة فلو كانت للتأنيث لاجتمع تأنيثان في الكلمة ا. هـ. قوله: "وعزهى فهو على مثال ذكرى" كذا زيد في نسخ والعزهى بعين مهملة فزاي اسم للرجل الذي لا يلهو كما سيأتي في الشرح في باب التأنيث، وألفه للإلحاق بدرهم وترك مثال الضم لعدم ألف الإلحاق في فعلى بالضم بل هي ألف تأنيث كخنثى. قوله: "بخلاف الممدود" أي: ألف الإلحاق الممدودة فإنها لا تقع في مثال صالح لألف التأنيث. قوله: "نحو: علباء" بعين مهملة فلام فموحدة اسم لعصبة العنق وألفه الممدودة للإلحاق بقرطاس، وإنما لم تكن ألفه للتأنيث، قال الفارضي: لأن علباء لا يوازنه شيء من أوزان ألف التأنيث الممدودة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في علامة التأنيث. قوله: "وشبه الشيء" بتحريك شبه. قوله: "لشبهه بهابيل" فيكون مانعه من الصرف العلمية وشبه العجمة. قوله: "للتعريف والعجمة" أي: الحكمية بقرينة ما بعده ويعبر عنها بشبه العجمة. قوله: "في استعمال عربي" أي: في استعمال شخص عربي مجبول على العربية أي: فصيح موثوق بعربيته. قوله: "والعجمة المحضة" يعني الحقيقة. قوله: "حكم ألف التكثير" أي: التي أتى بها لأجل تكثير حروف الكلمة وتلحقها تاء التأنيث كألف الإلحاق فيقال قبعثراة. قوله: "نحو: قبعثرى" ومن أدخلها في ألف الإلحاق فقدسها إذ ليس في أصول الاسم سداسي فيلحق به ا. هـ تصريح والقبعثرى الجمل العظيم والفصيل المهزول قاموس. قوله: "والعلم" أي: حقيقة أو حكمًا بقرينة التمثيل بفعل التوكيد فإنه ليس بعلم حقيقة عند
[ ٣ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والتعريف مانعًا سحر إذا به التعيين قصدًا يعتبر" أي: يمنع من الصرف اجتماع التعريف والعدل في ثلاثة أشياء: أحدها فعل في التوكيد وهو جمع وكتع وبصع وبتع فإنها معارف بنية الإضافة إلى ضمير المؤكد فشابهت بذلك العلم لكونه معرفة من غير قرينة لفظية. هذا ما مشى عليه في شرح الكافية، وهو ظاهر مذهب سيبويه، واختاره ابن عصفور. وقيل بالعلمية وهو ظاهر كلامه هنا ورده في شرح الكافية وأبطله، وقال في التسهيل: بشبه العلمية أو الوصفية. قال أبو حيان: وتجويزه أن العدل يمنع مع شبه الصفة في باب جمع لا أعرف له فيه سلفًا، ومعدولة عن فعلاوات فإن مفرداتها جمعاء وكتعاء وبصعاء وبتعاء، وإنما الناظم كما في شرح الكافية وتصحيح بعضهم إبقاء العلمية على ظاهرها بجعل الكاف للتنظير لا للتمثيل يمنعه العطف في قوله: أو كثعلا؛ لأن فعل مثال قطعًا فالمناسب أن يكون ما قبله كذلك نعم يصح الإبقاء بإجراء كلامه هنا على القول بأن فعل التوكيد علم حقيقة لمعنى هو الإحاطة، وإن كان خلاف ما مشى عليه في الكافية. قوله: "كفعل التوكيد" الإضافة على معنى اللام أوفى وكلام الشارح يشير إلى هذا. قوله: "كثعلا" هو علم جنس للثعلب. قوله: "إذا به" الباء بمعنى في متعلقة بيعتبر وقصدًا أي: مقصودًا حال مؤكدة من نائب الفاعل وفي كلامه إدخال إذا على المضارع وهو جائز وإن كان قليلا. قوله: "بنية الإضافة إلى ضمير المؤكد" والأصل في رأيت النساء جمع جمعهن فحذف الضمير للعلم به، واستغنى بنية الإضافة، وضعف هذا القول بأن تعريف الإضافة غير معتبر في منع الصرف. وأجيب بأن عدم اعتباره إذا وجد المضاف إليه؛ لأن حكم منع الصرف لا يتبين معه، وأما مع حذفه فما المانع من اعتباره. قوله: "فشابهت بذلك العلم إلخ" فإن سمي به أعني بفعل المؤكد به فمذهب سيبويه بقاؤه على المنع، وعن الأخفش صرفه؛ لأن العدل إنما كان حال التوكيد وقد ذهب فإن نكر بعد التسمية صرف وفاقًا لذهاب العلمية بلا عوض عنها بخلاف أخر؛ لأنه في الأصل صفة أفاده السيوطي. قوله: "وقيل بالعلمية" أي: لمعنى الإحاطة ا. هـ. تصريح فهي علم جنس للمعنى كسبحان. قوله: "وهو ظاهر كلامه هنا" لأنه مثل للعلم المعدول بفعل التوكيد، وإنما قال ظاهر؛ لإمكان حمل العلم في كلامه على ما يشمل العلم حكمًا وهو ما يشبه العلم الحقيقي في كون تعريفه بغير أداة ظاهرة. قوله: "ورده في شرح الكافية وأبطله" فقال: وليس -يعني جمع- بعلم؛ لأن العلم إما شخصي أو جنسي فالشخصي مخصوص ببعض الأشخاص فلا يصح لغيره، والجنسي مخصوص ببعض الأجناس فلا يصلح لغيره وجمع بخلاف ذلك فالحكم بعلميته باطل ا. هـ. قلت: علم الإحاطة من قبيل علم الجنس المعنوي كسبحان للتسبيح وفي ارتكابه توفية بالقاعدة وهي أنه لا يعتبر في منع الصرف من المعارف إلا العلمية تصريح. قوله: "يشبه العلمية" أي: نظرًا لكونه معرفًا بغير أداة ظاهرة، وقوله: أو الوصفية أي: وشبه الوصفية أي: نظرًا لكون مذكره أفعل ومؤنثه فعلاء كما هو شأن الصفات. قوله: "ومعدولة عن فعلاوات" عطف على معارف في قوله السابق: فإنها معارف بنية الإضافة سم. قوله: "لأن مذكره
[ ٣ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قياس فعلاء إذا كان اسمًا أن يجمع على فعلاوات كصحراء وصحراوات؛ لأن مذكره جمع بالواو والنون فحق مؤنثه أن يجمع بالألف والتاء، وهذا اختيار الناظم. وقيل معدولة عن فعل؛ لأن قياس أفعل فعلاء أن يجمع مذكره ومؤنثه على فُعْل نحو: حمر في أحمر وحمراء، وهو قول الأخفش والسيرافي واختاره ابن عصفور. وقيل إنه معدول عن فعالي كصحراء وصحاري، والصحيح الأول؛ لأن فعلاء لا يجمع على فعل إلا إذا كان مؤنثًا لأفعل صفة كحمراء وصفرء، ولا على فعالي إذا كان اسمًا محضًا لا مذكر له كصحراء، وجمعاء ليس كذلك. الثاني علم المذكر والمعدول إلى فعل نحو: عمر وزفر وزحل ومضر وثعل وهبل وجشم وقثم وجمح وقزح ودلف: فعمر معدول عن عامر وزفر معدول عن زافر، وكذا باقيها. قيل وبعضها عن أفعل وهو ثعل، وطريق العلم بعدل هذا النوع سماعه غير مصروف عاريًا من سائر الموانع، وإنما جعل هذا النوع معدولًا لأمرين: أحدهما أنه لو لم يقدر عدله لزم ترتيب المنع على علة واحدة إذ ليس فيه من الموانع غير العلمية. والآخر أن الأعلام يغلب عليها النقل فجعل عمر معدولًا عن عامر العلم المنقول من الصفة ولم يجعل مرتجلًا، وكذا باقيها. وذكر بعضهم لعدله فائدتين: إحداهما لفظية وهي التخفيف، والأخرى معنوية وهي تمحيض العلمية إذ لو قيل عامر لتوهم أنه صفة، فإن ورد فعل مصروفًا جمع إلخ" كان ينبغي أن يقول: ولأن مذكره إلخ؛ لأن هذا تعليل آخر للناظم وابنه غير تعليل ابن هاشم السابق في قوله: فإن مفرداتها جمعاء وكتعاء وبصعاء وبتعاء وإنما قياس فعلاء إلخ؛ ولأن صنيعه يوهم أن صحراء له مذكر وليس ذلك كما سيصرح به الشارح أفاده البهوتي. قوله: "عن فعل" أي: بضم الفاء وسكون العين. قوله: "وقيل إنه معدول عن فعالى" أي: لأن فعلاء الذي ليس بصفة قياسه أن يجمع على فعالى دماميمي. قوله: "صفة" حال من أفعل وقوله: لا مذكر له بيان لقوله: محضًا كما تدل عليه عبارة الدماميني. قوله: "وجمعاء ليس كذلك" لأنه ليس بصفة وله مذكر فبطل القولان الأخيران. قوله: "نحو: عمر إلخ" دخل تحت نحو: هدل وعصم وبلع وحجى فجملة الأعلام الموازنة فعل خمسة عشر. قوله: "وزفر عن زافر" بمعنى ناصر أو حامل كما في الفارضي قال: وأما زفر بمعنى كثير العطاء فيصرف؛ لأنه نكرة بدليل دخول أل عليه ا. هـ. قوله: "وهو ثعل" قال أبو حيان: لأن ثاعلا غير مستعمل وأثعل مستعمل قال في الصحاح: الثعل بالتحريك زوائد في الأسنان واختلاف منابتها، رجل أثعل وامرأة ثعلاء ا. هـ. قوله: "عاريًا من سائر الموانع" أي: غير العلمية؛ لأن الكلام في العلم. قوله: "لو لم يقدر عدله إلخ" وإنما قدر العدل دون غيره لإمكانه دون غيره دماميني. قوله: "عن عامر العلم المنقول من الصفة" صريح في أن المعدول عنه العلم لا الصفة. قوله: "وهي التخفيف" أي: بحذف الألف. قوله: "فإن ورد فعل مصروفًا إلخ" وما لم يسمع صرفه ولا عدمه فسيبويه يصرفه حملًا على الأصل في الأسماء وغيره يمنع صرفه حملا الغالب في فعل علمًا، وليس يجيد قاله الخضراوي ا. هـ. تصريح. وعبارة
[ ٣ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهو علم علمنا أنه ليس بمعدول، وذلك نحو: أدد وهو عند سيبويه من الود فهمزته عن واو، وعند غيره من الأد وهو العظيم فهمزته أصلية، فإن وجد في فعل مانع مع العلمية لم يجعل معدولًا نحو: طوى فإن منعه للتأنيث والعلمية، ونحو: تتل اسم أعجمي فالمانع له العجمة والعلمية عند من يرى منع الثلاثي للعجمة إذ لا وجه لتكلف تقدير العدل مع إمكان غيره. ويلتحق بهذا النوع ما جعل علمًا من المعدول إلى فعل في النداء كغدر وفسق فحكمه حكم عمر. قال المصنف: وهو أحق من عمر بمنع الصرف؛؛ لأن عدله محقق وعدل عمر مقدر ا. هـ. وهو مذهب سيبويه. وذهب الأخفش وتبعه ابن السيد إلى صرفه. الثالث سحر إذا أريد به سحر يوم بعينه فالأصل أن يعرف بأل أو بالإضافة، فإن تجرد منهما مع قصد التعيين فهو حينئذ ظرف لا يتصرف ولا ينصرف نحو: جئت يوم الجمعة سحر والمانع له الأشباه للسيوطي قال في البسيط لو سمي بفعل مما لم يثبت كيفية استعماله ففيه ثلاثة أقوال: أحدها الأولى منع صرفه حملًا له على الأكثر. والثاني الأولى صرفه نظرًا إلى الأصل؛ لأن تقدير العدل على خلاف القياس. والثالث إن كان مشتقا من فعل منع الصرف حملًا على الأكثر وإلا صرف وهو فحوى كلام سيبويه ا. هـ. قوله: "هو علم" يظهر لي أن هذا القيد لكون الكلام في الأعلام وأن ما ورد مصروفًا وهو وصف كحطم ولبد ليس أيضًا معدولًا وإلا استحق منع الصرف. قوله: "من الود" أي: مشتق من الود وقوله: من الأد أي: مأخوذ من الإد؛ لأن الإد بكسر الهمزة بمعنى العظيم ليس مصدرًا. قوله: "فإن منعه للتأنيث" أي: المعنوي باعتبار البقعة وتنوينه باعتبار المكان لغة فيه قرئ بها في السبع. قوله: "ونحو: تتل" بفوقيتين اسم لبعض عظماء الترك وقوله: عند من يرى إلخ. أما عند من يرى عدم منعه فمانع تتل العلمية. والعدل وقوله: إذ لا وجه إلخ علة لقوله: لم يجعل معدولًا. قوله "بهذا النوع" أي: الثاني. قوله: "حكم عمر" فإن نكر زال المنع سيوطي. قوله: "لأن عدله محقق" فغدر معدول عن غادر وفسق معدول عن فاسق وهذا محقق له قبل التسمية، وأما بعدها فبقي لفظ المعدول على ما هو عليه فاعتبر فمانعه العلمية وبقاء لفظ العدل دماميني. قوله: "سحر إذا أريد به سحر يوم بعينه فالأصل إلخ" كان يكفيه أن يقول سحر إذا أراد به سحر يوم بعينه فهو حينئذ ظرف إلخ وكأنه إنما زاد قوله: فالأصل إلخ لبيان وجه العدل لكن يرد عليه أنه قد بينه في قوله: أما العدل إلخ وإن لم يذكر ثم الإضافة فتأمل وقوله: إذا أريد به سحر يوم بعينه أي: وجعل ظرفًا كما سيأتي. قوله: "نحو: جئت يوم الجمعة سحر" قال في مبحث: إذًا من المغني وعمل العامل في ظرفي زمان يجوز إذا كان أحدهما أعم نحو: أتيك يوم الجمعة سحر ا. هـ. واستشكل بأن السحر هو الوقت الواقع قبل الفجر بقليل وضبطه بعضهم بالسدس الأخير من الليل واليوم ما بين طلوع الشمس وغروبها أو ما بين الفجر والغروب فلم يصدق أحد الطرفين على الآخر فلا عموم. وأجيب
[ ٣ / ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من الصرف العدل والتعريف: أما العدل فعن اللفظ بأل فإنه كان الأصل أن يعرف بها، وأما التعريف فقيل بالعلمية؛ لأنه جعل علمًا لهذا الوقت وهذا ما صرح به في التسهيل. وقيل بشبه العلمية؛ لأنه تعرف بغير أداة ظاهرة كالعلم وهو اختيار ابن عصفور. وقوله هنا والتعريف يومئ إليه إذ لم يقل والعلمية. وذهب صدر الأفاضل وهو أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي إلى أنه مبني لتضمنه معنى حرف التعريف. قال في شرح الكافية: وما ذهب إليه بثلاثة أوجه: أحدها أن ما ادعاه ممكن وما ادعيناه ممكن لكن ما بحمل السحر على أول الفجر لقربة منه أو حمل اليوم على ما يشمل ما قبل الفجر. قوله: "فعن اللفظ بأل" أي: عن لفظ سحر المقرون بأل أي: العهدية كما في الدماميني؛ وذلك لأنه اسم جنس أريد به معين كرجل إذا أريد به معين فحقه أن يكون مع الإضافة أو أل لكنهم عدلوا عن قرنه بأل إلى جعله علمًا على هذا الوقت. فإن قلت كما يجوز أن يكون معدولًا عن ذي أل يجوز أن يكون معدولًا عن المضاف فلم حكمتم بأنه معدول عن ذي اللام دون المضاف؟ فالجواب أن التعريف بأل أخصر من التعريف الإضافي والضرورة داعية إلى اعتبار التعريف ومعها إنا يرتكب قدر الحاجة فلهذا لم يقل الشارح أو الإضافة مع أنه المطابق لقوله سابقًا، فالأصل أن يعرف بأل أو الإضافة. واعلم أن عدل سحر تحقيقي لا تقديري لما عرفت من أنه يدل عليه دليل غير منع الصرف وهو أنه اسم جنس أريد به معين فحقه أن يعرف بأل بخلاف التقديري فإنه لا دليل عليه إلا منع الصرف وليس المراد بالتحقيق ما نطقوا بأصله. قوله: "بالعلمية" قال الحفيد أي: الشخصية ا. هـ. قال سم ويلزم عليه تعدد الأوضاع بتعدد الأسحار المعينة أي: والأصل عدم تعدد الوضع فالأقرب جعله علم جنس. قوله: "وهذا ما صرح به في التسهيل" استشكله أبو حيان بأن المعدول له يشتمل على معنى المعدول عنه كاشتمال مثنى وفسق على معنى اثنين اثنين وفاسق وكيف يشتمل سحر على معنى السحر ويكون علمًا مع أن تعريف العلمية لا يجامع تعريف اللام فلا يجامع علمية سحر اشتماله على معنى السحر. همع باختصار. قوله: "إلى أنه مبنى" هذا ثاني أربعة أقوال فيه ذكرها الفارضي ثالثها أنه معرب منصرف وسينقله الشارح عن السهيلي والشلوبين الصغير. رابعها أنه لا معرب ولا مبني وهي مفروضة في سحر المراد به معين المجعول ظرفًا فإن نكر صرف وإن أريد به معين ولم يجعل ظرفًا قرن بأل أو أضيف وجوبًا كما صرح به الدماميني. قوله: "لتضمنه معنى حرف التعريف" الفرق بين العدل والتضمين أن العدل تغيير صيغة اللفظ مع بقاء معناه الأصلي والتضمين إشراب اللفظ معنى زائدًا على أصل معناه من غير تغييره عن صيغته الأصلية فسحر المذكور عند الجمهور مغير عن لفظ السحر من غير تغيير لمعناه وعند صدر الأفاضل وارد على صيغته الأصلية مع إشرابه معنى زائدًا على أصل معناه وهو التعيين أفاده في التصريح فالتغيير على العدل في اللفظ دون المعنى وعلى التضمين بالعكس. قوله: "ما ادعاه" أي: من البناء وتضمن معنى حرف التعريف فالمصنف إنما سلم إمكان
[ ٣ / ٣٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ادعيناه أولى؛ لأنه خروج عن الأصل بوجه دون وجه؛ لأن الممنوع الصرف باق على الإعراب، بخلاف ما ادعاه فإنه خروج عن الأصل بكل وجه. الثاني أنه لو كان مبنيا لكان غير الفتح أولى به؛ لأنه في موضع نصب فيجب اجتناب الفتحة؛ لئلا يتوهم الإعراب كما اجتنبت في قبل وبعد والمنادى المبني. الثالث أنه لو كان مبنيا لكان جائز الإعراب جواز إعراب حين في قوله:
١٠٣٤- عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيب عَلَى الصِّبا
لتساويهما في ضعف سبب البناء بكونه عارضًا، وكان يكون علامة إعرابه تنوينه في بعض المواضع، وفي عدم ذلك دليل على عدم البناء وأن فتحته إعرابية، وأن عدم التنوين
ــ
التضمن الذي علل به صدر الأفاضل البناء لا وجوده وإنما لم يحكم بعدمه؛ لأن ما سلكه أسلم له فسقط ما نقله البعض عن البهوتي وأقره من الاعتراض. قوله: "لأنه خروج عن الأصل بوجه إلخ" إيضاحه أن أصل الاسم الإعراب والانصراف فالمنع من الصرف عدول عن وجه والبناء عدول عن وجهين معًا. قوله: "لكان غير الفتح إلخ" قد ينقض باسم لا التبرئة المبني؛ لأن بناءه على الفتح مع أنه في موضع نصب فلعل كلامه باعتبار الغالب. قوله: "فيجب اجتناب الفتحة" أي: يتأكد ليوافق قوله قبل لكان غير الفتح أولى به. قوله: "جائز الإعراب" جوازًا وقوعيا كما يؤخذ من بقية كلامه. قوله قبل لكان غير الفتح أولى به. قوله: "جائز الإعراب" جوازًا وقوعيا كما يؤخذ من بقية كلامه. قوله: "جواز إعراب حين" أي: إذا أضيف إلى جملة واللازم باطل عند صدر الأفاضل؛ لأنه مبني عنده مطلقًا زكريا.
قوله: "في ضعف إلخ" وفي كون كل منهما ظرفًا زمانيا. قوله: "بكونه عارضًا" اعترضه البعض بأن الفرق بين سحر وحين ظاهر؛ لأن سبب بناء حين إضافته لمبنى وهي مجوز للبناء لا موجبة وسبب بناء سحر تضمنه معنى الحرف وهو موجب لا مجوز كما لا يخفى أي: ومجرد اشتراكهما في عروض البناء لا يقتضي جواز البناء فقد يكون البناء العارض واجبًا كبناء المنادى واسم لا. قوله: "وكان يكون إلخ" عطف على لكان جائز الإعراب. قوله: "وفي عدم ذلك" أي: التنوين دليل على عدم البناء؛ لأن انتفاء اللازم وهو جواز الإعراب مع التنوين يوجب انتفاء الملزوم
_________________
(١) عجزه: وقلتُ ألَمَّا أصْحُ والشِّيبُ وازعُ والبيت من الطويل، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص٣٢؛ والأضداد ص١٥١؛ وجمهرة اللغة ص١٣١٥؛ وخزانة الأدب ٢/ ٤٥٦، ٣/ ٤٠٧، ٦/ ٥٥٠، ٥٥٣؛ والدرر ٣/ ١٤٤؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٠٦؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٣؛ وشرح التصريح ٢/ ٤٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨١٦، ٨٨٣؛ والكتاب ٢/ ٣٣٠؛ ولسان العرب ٨/ ٣٩٠ "وزع"، ٩/ ٧٠ "خشف"؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠٦، ٤/ ٣٥٧؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١١١؛ والإنصاف ١/ ٢٩٢؛ وأوضح المسالك ٣/ ١٣٣؛ ورصف المباني ص٣٤٩؛ وشرح شذور الذهب ص١٠٢؛ وشرح ابن عقيل ص٣٨٧؛ وشرح المفصل ٣/ ١٦، ٤/ ٥٩١، ٨/ ١٣٧؛ ومغني اللبيب ص٥٧١؛ والمقرب ١/ ٢٩٠، ٢/ ٥١٦؛ والمنصف ١/ ٥٨؛ وهمع الهوامع ١/ ٢١٨.
[ ٣ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنما كان من أجل منع الصرف فلو نكر سحب وجب التصرف والانصراف كقوله تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ، نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القمر: ٣٤] ا. هـ. وذهب السهيلي إلى أنه معرب وإنما حذف تنوينه لنية الإضافة. وذهب الشلوبين الصغير إلى أنه معرب، وإنما حذف تنوينه لنية أل، وعلى هذين القولين فهو من قبيل المنصرف، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
تنبيه: نظير سحر في امتناعه من الصرف أمس عند بني تميم فإن منهم من يعربه في الرفع غير منصرف ويبنيه على الكسر في النصب والجر، ومنهم من يعربه إعراب ما لا ينصرف في الأحوال الثلاث خلافًا لمن أنكر ذلك، وغير بني تميم يبنونه على الكسر. وحكى ابن أبي الربيع أن بني تميم يعربونه إعراب ما لا ينصرف إذا رفع أو جر بمد أو منذ فقط. وزعم الزجاج أن من العرب من يبنيه على الفتح، واستشهد بقول الراجز:
١٠٣٥- إني رأيتُ عَجبًا مُذْ أمْسَا
قال في شرح التسهيل: ومدعاه غير صحيح لامتناع الفتح في موضع الرفع، ولأن
ــ
وهو البناء فثبت وجوب الإعراب مع عدم الصرف. قوله: "فلو نكر سحر" هذا مقابل قوله: إذا أريد به سحر يوم بعينه، واعلم أن هذا من تتمة كلام المصنف في شرح الكافية فلا يعترض بأن الأولى تأخيره عن جملة الأقوال في سحر المعرفة. قوله: "إلى أنه معرب" أي: ومنصرف كما يؤخذ من قوله: وإنما حذف تنوينه إلخ والخلاف بين السهيلي والشلوبين إنما هو في علة حذف التنوين كما هو ظاهر في سياقه. قوله: "نظير سحر في امتناعه من الصرف أمس إلخ" مثل ذلك أيضًا رجب وصفر فإن كلا منهما علم جنس على الشهر المخصوص ومعدول عن ذي أل. قوله: "من يعربه في
الرفع إلخ" قال البعض: انظر ما وجه التفرقة بين حالة الرفع وغيرها ا. هـ. وأقول قد توجه بأن الرفع شأن العمد فلم يخرج فيه عن الأصل في الأسماء بالكلية بخلاف النصب والجر فإنهما شأن الفضلات فيقبلان الخروج عن الأصل بالكلية فاعرفه. قوله: "ويبنيه على الكسر" أي: لما يأتي قريبًا. قوله: "يبنونه على الكسر" أي: بالشروط الخمسة المأخوذة من قوله فيما يأتي، ولا خلاف في إعراب أمس وهي أن لا يكسر ولا يصغر ولا ينكر ولا يضاف ولا يحلى بأل وإنما بني لتضمنه معنى حرف التعريف وعلى حركة للتخلص من التقاء الساكنين وكانت كسرة؛ لأنها الأصل في التخلص.
قوله: "إذا رفع أو جر بمذ أو منذ فقط" أي: ويبنونه على الكسر في غير ذلك، ولعل وجه تخصيص مذ ومنذ كثرة جر أمس بهما. قوله: "لامتناع الفتح في وضع الرفع" قال البعض: أي
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في أسرار العربية ص٣٢؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٣٢؛ وجمهرة اللغة ص٨٤١، ٨٦٣؛ وخزانة الأدب ٧/ ١٦٧، ١٦٨؛ والدرر ٣/ ١٠٨؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٢٦؛ وشرح شذور الذهب ص١٢٨؛ وشرح قطر الندى ص١٦؛ وشرح المفصل ٤/ ١٠٦، ١٠٧؛ والكتاب ٣/ ٢٨٤؛ ولسان العرب ٦/ ٩، ١٠ "أمس"؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٩٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥٧؛ ونوادر أبي زيد ص٥٧؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
ابْنِ عَلَى الكَسْرِ فَعَالِ عَلَما مُؤنَّثًا وهو نَظيرُ جُشَما
ــ
سيبويه استشهد بالرجز على أن الفتح في أمسا فتح إعراب، وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه، فقد غلط فيما ذهب إليه واستحق أن لا يعول عليه ا. هـ. ويدل للإعراب قوله:
١٠٣٦- اعْتَصِمْ بالرّجاءِ إنْ عَنَّ بَأسٌ وتَناسَ الذي تَضَمَّنَ أمْسُ
وأجاز الخليل في لقيته أمس أن يكون التقدير بالأمس، فحذف الباء وأل، فتكون الكسرة كسرة إعراب. قال في شرح الكافية: ولا خلاف في إعراب أمس إذا أضيف، أو لفظ معه بالألف واللام، أو نكر، أو صغر، أو كسر "وابن على الكسر فعال علما مؤنثًا"
ــ
لعدم وجدان الفتح في لسانهم في موضع الرفع فقالوا: مضى أمس بالرفع ولم يفتحوه ولو كان مبنيا على الفتح في الأحوال كلها أي: عند بعض العرب لسمع مضى أمس بالفتح ا. هـ. وفيه تصريح بأن منقول الزجاج البناء على الفتح في كل الأحوال وحينئذ يتم التعليل أما إن كان منقوله البناء على الفتح في الجر فقط فلا. قوله: "ولأن سيبويه استشهد بالرجز إلخ" هذا التعليل غير ناهض إذ لا ضرر في تخريج إنسان بيتًا على خلاف تخريج من نقل هذا البيت عن العرب فتدبر. قوله: "فتح إعراب" أي: نائب عن الكسر كما هو شأن الممنوع من الصرف وزعم بعضهم أن أسسًا فيه فعل فعل ماض فاعله ضمير مستتر أي: أمسى هو أي: المساء. قوله "وأبو القاسم" أي: الزجاج. قوله: "ويدل للإعراب إلخ" إن كان مقصوده الرد بذلك على الزجاج لم يتم لأن الزجاج لم يدع البناء على الفتح عند جميع العرب بل البناء على الفتح عند بعضهم فيجوز أن يكون قائل البيت من غير هذا البعض فافهم. قوله: "اعتصم" أي: تمسك وعن ظهر. قوله: "ولا خلاف إلخ" نظ فيه بعضهم بأن من العرب من يستصحب البناء مع أل كقوله:
وإني وقفت اليوم والأمس قبله ببابك حتى كادت الشمس تغرب
بكسر سين الأمس وهو في موضع نصب عطفًا على اليوم وخرج على أن أل زائدة لغير تعريف واستصحب معنى المعرفة فاستديم البناء أو أنها المعرفة وجر على إضمار الباء فالكسر إعراب لا بناء. قوله: "أو نكر" أي: أريد به يوم من الأيام الماضية مبهم كما في التوضيح بقي ما إذا أريد به معين من الأيام الماضية غير اليوم الذي يليه يومك كأن يراد به اليوم الذي يلييه أول الشهر الماضي ولا يبعد أن يكون حكمه حكم ما لو أريد به اليوم الذي يليه يومك ويكون التقييد باليوم الذي يليه يومك لأن الغالب في إرادة المعنى ا. هـ. سم وربما يشير إلى ذلك قولن التوضيح سهم فما يتبادر من كلام البعض من أن حكم هذا حكم المنكر غير صحيح. قوله: "أو صغر" أي: على مذهب من يجيز تصغيره كالمبرد وابن برهان ونص سيبويه على أنه لا يصغر وكذا غد استغناء بتصغير ما هو أشد تمكنًا وهو اليوم والليلة قاله أبو حيان. قوله: "أو كسر" أي: جمع جمع
_________________
(١) ١٠٣٦ البيت من الخفيف، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٣؛ والدرر ٣/ ١٠٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٢٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٢؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
عندَ تَميمِ واصْرِفَنْ ما نُكِّرا منْ كلِّ ما التعريفُ فيه أثَّرا
ــ
أي: مطلقًا في لغة الحجازيين لشبهه بنزال وزنا وتعريفًا وتأنيثًا وعدلًا. وقيل لتضمنه معنى هاء التأنيث. قال الربعي. وقيل لتوالي العلل وليس بعد منع الصرف إلا البناء. قاله المبرد، والأول هو المشهور: تقول هذه حذام ووبار، ورأيت حذام ووبار، ومررت بحذام ووبار، ومنه قوله:
١٠٣٧- إذا قالتْ حَذامِ فَصَدِّقُوها فإنَّ القولَ ما قالتْ حَذامِ
"وهو نظير جشما" وعمر وزفر "عند تميم" أي: ممنوع الصرف للعلمية والعدل عن فاعلة، وهذا رأى سيبيويه. وقال المراد: للعلمية والتأنيث المعنوي كزينب، وهو أقوى على ما لا يخفى. وهذا فيما ليس آخره راء: فأما نحو: وبار وظفار وسفار فأكثرهم يبنيه على
ــ
تكسير على آمس كأفلس وأموس كفلوس وآماس كأوقات فعلم ما في قول البعض بأن قيل أموس من القصور.
قوله: "مطلقًا" أي: سواء ختم براء أو لا. والحاصل أن فيه ثلاث لغات بناءه على الكسر مطلقًا وإعرابه إعراب ما لا ينصرف مطلقًا والتفصيل بين ما آخره راء فيبنى وما لا فيمنع من الصرف. قوله: "لشبهه بنزال" علة لابن ولا ينافي ما سبق من حصر سبب البناء في شبه الحرف؛ لأن الشبه بالحرف صادق بالشبه بلا واسطة وبها كما هنا؛ لأن نزال تشبه الحرف، وقوله: وتعريفًا لما مر من أن اسم الفعل الغير المنون معرفة وقوله: وتأنيثًا لعله في نزال باعتبار أنه اسم لكلمة انزل وهو جار على مذهب المبرد أن نزال بمعنى النزلة وعبارة الهمع لشبهه بفعال الواقع موقع الأمر كنزال في الوزن والعدل والتعريف فأسقط التأنيث. قوله: "لتضمنه معنى هاء التأنيث" أي: التي في المعدول عنه. قوله: "لتوالي العلل" أي: العلمية والتأنيث والعدل ورد بأن أذربيجان فيه خمسة أسباب وهو مع ذلك معرب ا. هـ. حفيد ويجاب بأنهم نبهوا بإعرابه على أن اجتماع الأسباب مجوز للبناء لا موجب سم والخمسة هي العلمية والعجمة وزيادة الألف والنون والتأنيث؛ لأنه علم بلدة والتركيب. قوله: "حذام" معدول عن حاذمة من الحذم وهو القطع، ومن هذا الباب صلاح اسمًا لمكة وسكاب اسمًا لفرس.
قوله: "جشما" معدول عن جاشم أي: عظيم كما في سم. قوله: "وهذا رأي: سيبويه" وهو مقتضى قول المصنف وهو نظير جشما. قوله: "وهو أقوى على ما لا يخفى" أي: لأن التأنيث متحقق فلا حاجة إلى تقدير العدل لأنه إنما يقدر إذا لم يتحقق غيره وأجاب الدماميني بأن الغالب
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للجيم بن صعب في شرح التصريح ٢/ ٢٢٥؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٩٦؛ والعقد الفريد ٣/ ٣٦٣؛ ولسان العرب ٦/ ٣٠٦ "رقش"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٠؛ وله أو لوشيم بن طارق في لسان العرب ٢/ ٩٩ "نصت"؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣١؛ والخصائص ٢/ ١٧٨؛ وشرح شذور الذهب ص١٢٣؛ وشرح ابن عقيل ص٥٨؛ وشرح قطر الندى ص١٤؛ وشرح المفصل ٤/ ٦٤؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٧٥؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٢٠.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكسر كأهل الحجاز؛ لأن لغتهم الإمالة، فإذا كسروا توصلوا إليها، ولو منعوه الصرف لامتنعت. وقد جمع الأعشى بين اللغتين في قوله:
١٠٣٨- ومَرَّ دهْرٌ عَلى وَبارِ فَهَلَكَتْ جَهْرةً وَبارُ
تنبيهات: الأول أفهم قوله مؤنثًا أن حذام وبابه لو سمي به مذكر لم يبن، وهو كذلك، بل يكون معربًا ممنوعًا من الصرف للعلمية والنقل عن مؤنث كغيره، ويجوز صرفه
ــ
على الأعلام النقل فلذا جعلها سيبويه منقولة عن فاعلة المنقولة عن الصفة كما تقدم في عمر، وعلى مذهب المبرد تكون مرتجلة وأجيب بغير ذللك أيضًا كما ذكره شيخنا. قوله: "نحو: وبار" اسم لأرض كانت لعاد وظفار اسم مدينة وسفار اسم ماء وكل معدول عن فاعلة وقولنا سفار اسم ماء تبعنا فيه التوضيح قال شارحه من مياه العرب ملحوظ فيه معنى التأنيئث؛ ولهذا قال سيبويه: اسم لماءة وقال الجوهري: اسم لبئر وهو المناسب؛ لأن الكلام في أعلام المؤنث والماء مذكر ا. هـ.
قوله: "لأن لغتهم الإمالة" أي: لغة جميعهم كما صرحوا به واعترض بأن التوصل للإمالة ليس من أسباب البناء ولو سلم فمقتضى إمالة جميعهم إن جميعهم يبنون على الكسر لا أكثرهم فقط، ويدفع بأن سبب البناء ليس التوصل للإمالة بل الشبه بنزال على ما تقدم لكن أكثرهم اعتبر هذا الشبه لتقويه بترتب الإمالة التي هي لغتهم عليه وبعضهم لم يعتبره لكونه لا يقتضي البناء عنده، ولم يعتبر ترتب الإمالة عليه لكونه لا يجنح إلى الإمالة إلا عند تحقق مقتضى الكسر فاعرف ذلك. قوله: "وقد جمع الأعشى إلخ" أي: حيث كسر الأول بلا تنوين كما في الفارضي ورفع الثاني بالضمة، قال الدنوشري: فيه إشكال؛ لأن الأعشى إن كان غير تميمي فليس عنده إلا البناء على الكسر وكذا إن كان من أكثر بني تميم وإن كان من القليل فليس عنده إلا الإعراب، وقول بعضهم: يجوز للعربي أن يتكلم بغير لغته مردود ا. هـ. والتحقيق كما أوضحناه سابقًا أن العربي قادر على التكلم بغير لغته وحينئذ لا إشكال. نعم قال في شرح الشذور وقيل إن وبار الثاني ليس باسم كوبار الذي في حشو البيت بل
الواو عاطفة وما بعدها فعل ماض وفاعل والجملة معطوفة على قوله: هلكلت وقال أولا هلكت بالتأنيث على معنى القبيلة، وثانيًا باروا بالتذكير على معنى الحي، وعلى هذا القول يكتب باروا بالواو والألف كما يكتب ساروا ا. هـ. فعلى هذا القول لا جمع بين اللغتين.
قوله: "والنقل عن مؤنث" لو قال: والتأنيث بحسب الأصل لكان أحسن؛ لأن النقل نفسه
_________________
(١) البيت من مخلع البسيط، وهو للأعشى في ديوانه ص٣٣١؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٤٠؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٢٥؛ وشرح شذور الذهب ص١٢٥؛ وشرح المفصل ٤/ ٦٤، ٦٥؛ والكتاب ٣/ ٢٧٩؛ ولسان العرب ٥/ ٢٧٣ "وبر"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥٨؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٩؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٢٦٤؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٣٠؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٧٧؛ والمقتضب ٣/ ٥٠؛ والمقرب ١/ ٢٨٢.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنه إنما كان مؤنثًا لإرادتك به ما عدل عنه، فلما زاد العدل زال التأنيث بزواله. الثاني فعال يكون معدولًا وغير معدول: فالمعدول إما علم مؤنث كحذام وتقدم حكمه، وإما أمر نحو: نزال، وإما مصدر نحو: حماد، وإما حال نحو:
١٠٣٩- والخَيلُ تَعْدُو في الصَّعيدِ بَدادِ
وإما صفة جارية مجرى الأعلام نحو: حلاق للمنية. وإما صفة ملازمة للنداء نحو: فساق، فهذا خمسة أنواع كلها مبنية على الكسر معدولة عن مؤنث، فإن سمي ببعضها مذكر فهو كعناق وقد يجعل كصباح، وإن سمي به مؤنث فهو كحذام ولا يجوز البناء
ــ
ليس من أسباب منع الصرف. قوله: "لأنه إنما كان مؤنثًا إلخ" أي: لأن حذام إنما كان مؤنثًا؛ لأنك أردت به في حالة كونك اسما لأنثى مدلول المؤنث الذي عدل عنه وهو حاذمة، فلما زال العدل بجعله اسمًا لمذكر وعدل إرادة مدلول حاذمة زال التأنيث فانتفى سبب منع الصرف وإنما زال العدل بذلك؛ لأنه لا يصح أن يكون في حالة كونه اسما لمذكر معدولًا عن حاذمة لامتناع إطلاق حاذمة على المذكر مع أن شأن العدل صحة إطلاق المعدول عنه على مسمى المعدول، ولو قال الشارح بدل قوله: فلما زال العبد إلخ فلما لم ترد ذلك زال التأنيث فزال العدل بزواله لكان واضحًا فتأمل.
قوله: "وأما أمر" إن حمل على الأمر الاصطلاحي كان التقدير اسم فعل أمر وإن حمل على الأمر اللغوي وهو الطلب كان التقدير دال أمر. قال في التسهيل: وفتح فعال أمرًا لغة أسدية. قال الدماميني: فيقولون نزال بفتح الآخر إيثارًا للتخفيف. قوله: "نحو: حماد" معدول عن محمدة بفتح الميم الثانية وكسرها. قوله: "في الصعيد" قال في لقاموس: الصعيد التراب أو وجه الأرض أو الطريق وبلاد بمصر مسيرة خمسة عشر يومًا طولًا، وموضع قرب وادى القرى به مسجد للنبي -ﷺ ا.
هـ. وقوله: بداد معدول عن متبددة. قوله: "جارية مجرى الأعلام" أي: في استعمالها غير تابعة لموصوف وقوله: حلاق بالحاء المهملة معدول عن حالقة والمنية الموت. قوله: "معدولة عن مؤنث" هذا في الأمر ظاهر على رأي المبرد أنه معدول عن مصدر مؤنث معرفة أما على ظاهر كلام سيبويه أنه معدول عن الفعل كما في الهمع فتأنيث الفعل باعتبار أنه كلمة أو لفظة. قوله: "فهو كعناق" أي: في الإعراب والمنع من الصرف كما مر وقوله: كصباح في الإعرب والصرف.
_________________
(١) صدره: وذَكَرَتْ من لبن المُحَلَّق شُرْبةً والبيت من الكامل، وهو للنابغة الجعدي في ملحق ديوانه ص٢٤١؛ والكتاب ٣/ ٢٧٥؛ ولسان العرب ١٠/ ٦٤ "حلق"؛ ولعوف بن عطية بن الخرع في جمهرة اللغة ص٩٩٩؛ والخزانة ٦/ ٣٦٣، ٣٦٨، ٣٧٠؛ والدرر ١/ ٩٨؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٩٩؛ وشرح المفصل ٤/ ٥٤؛ ولسان العرب ٣/ ٧٨ "برد"؛ والمعاني الكبير ص١٠٤؛ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص٦٦؛ وخزانة الأدب ٦/ ٣٤٠؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص٧٣؛ والمعاني الكبير ص٣٨٩؛ والمقتضب ٣/ ٣٧١؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٩.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) خلافًا لابن بابشاذ. وغير المعدول يكون اسما كجناح، ومصدرًا نحو: ذهاب، وصفة نحو: جواد، وجنسًا نحو: سحاب، فلو سمي بشيء من هذه مذكر انصرف قولًا واحدًا إلا ما كان مؤنثًا كعناق "واصرفن ما نكرا من كل ما التعريف فيه أثرا" وذلك الأنواع السبعة المتأخرة وهي: ما امتنع للعلمية والتركيب، أو الألف والنون الزائدتين، أو التأنيث بغير الألف، أو العجمية، أو وزن الفعل، أو ألف الإلحاق، أو العدل: تقول رب معد يكرب وعمران وفاطمة وزينب وإبراهيم أحمد وأرطى وعمر لقيتهم، لذهاب أحد السببين وهو العلمية. وأما الخمسة المتقدمة وهي: ما امتنع لألف التأنيث، أو للوصف والزيادتين، أو للوصف ووزن الفعل، أو للوصف والعدل، أو للجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل فإنها لا تصرف نكرة، فلو سمي بشيء منها لم ينصرف أيضًا. أما ما فيه ألف التأنيث؛ فلأنها كافية في منع الصرف ووهم من قال في حواء امتنع للتأنيث والعلمية. وأما ما فيه الوصف مع زيادتي فعلان أو وزن أفعل؛ فلأن العلمية تخلف الوصف فيصير منعه للعلمية والزيادتين أو للعلمية ووزن أفعل. وأما ما فيه الوصف والعدل وذلك أخر وفعال ومفعل نحو: أحاد وموحد فمذهب سيبويه أنها إذا سمي بها امتنعت من الصرف للعلمية والعدل. قال في شرح الكافية: وكل معدول سمي به فعدله باق إلا سحر وأمس في لغة بني تميم فإن عدلهما يزول بالتسمية فيصرفان، بخلاف غيرهما من المعدولات فإن عدله بالتسمية باق فيجب قوله: "وإن سمي به مؤنث إلخ" أتى به تتميمًا للتقسيم وإلا فهو مما دخل تحت قول المصنف وابن على الكسر فعال علمًا مؤنثًا وهذا أولى مما ذكره البعض لما يلزم عليه من قصور النظم فتدبر. قوله: "فهو كحذام" فتنبيه على لغة الحجاز وتعربه غير منصرف على لغة تميم وإن كان آخره راء فعلى ما تقدم أيضًا نحو: حذار ويسار ا. هـ. دماميني. قوله: "ولا يجوز البناء" قال الدماميني: أي: فيما سمي به مذكر ا. هـ. أي: لا فيما سمي به مؤنث حتى يعترض بأن في كلامه تناقضًا؛ لأن قضية التشبيه بحذام جواز البناء فينافي قوله: ولا يجوز البناء، لكن لو ذكره قبل قوله: وإن سمي به مؤنث إلخ، لسلم من الإيهام. قوله: "من كل إلخ" حال من ما بيان لها. قوله: "من كل ما التعريف فيه أثرًا" أي: مما يمكن تنكيره فلا يرد أن فعل في التوكيد مما يؤثر فيه التعريف مع أنه لا ينكر لوجوب إضافته ولونية إلى ضمير المؤكد. قوله: "ووهم من قال إلخ" أي: لأن ألف التأنيث كافية في المنع فلا وجه لاعتبار غيرها. قوله: "وكل معدول إلخ" حاصل ما فرق به بين ما يبقى فيه العدل بعد التسمية وما يزول فيه بعدها أن الأول فيه ما يشعر بالعدل وهو تغيير الحركات بخلاف الثاني ا. هـ. زكريا ووجه بعضهم زوال عدل سحر وأمس بالتسمية بأن أل لا تجامع العلمية. قوله: "في لغة بني تميم" راجع لأمس فقط أي: وأما في لغة الحجازيين فمبني على الكسر. قوله: "فإن عدله بالتسمية باق"
[ ٣ / ٣٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) منع صرفه للعدل والعلمية عددًا كان أو غيره. هذا هو مذهب سيبويه، ومن عزا إليه غير ذلك فقد أخطأ، وقوله: ما لم يقل، وإلى هذا أشرت بقولي: وعَدْلُ غير سَحَر وأمْسِ في تسْميَة تَعرِضُ غيرُ مُنْتَفِي وذهب الأخفش وأبو علي وابن برهان إلى صرف العدد المعدول مسمى به، وهو خلاف مذهب سيبويه رحمه الله تعالى. هذا كلامه بلفظه. وأما الجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل فقد تقدم الكلام على التسمية به، وإذا نكر شيء من هذه لأنواع الخمسة بعد التسمية لم ينصرف أيضًا. أما ذو ألف التأنيث فللألف، وأما ذو الوصف مع زيادتي فعلان أو مع وزن أفعل أو مع العدل إلى فعال أو مفعل؛ فلأنها لما نكرت شابهت حالها قبل التسمية فمنعت الصرف لشبه الوصف مع هذه العلل. هذا مذهب سيبويه. وخالف الأخفش في باب سكران فصرفه. وأما باب أحمر ففيه أربعة مذاهب: الأول منع الصرف وهو الصحيح. والثاني: الصرف وهو مذهب المبرد والأخفش في أحد قوليه ثم وافق سيبويه في الباء بمعنى مع متعلقة بباق. قوله: "عددًا كان" أي: غير سحر وأمس وتسمية نحو: ثلاث مسمى به عددًا باعتبار ما كان. قوله: "هذا كلامه بلفظه" يحتمل أنه قاله تقوية لنقله ويحتمل أنه قاله تبريًا من التكرار الذي فيه؛ لأن قوله: وهو خلاف مذهب سيبويه يغني عنه التنصيص على مذهبه أول العبارة. قوله: "أو مع العدل إلى فعال أو مفعل" لا يشمل أخر مع أن حكمه حكم معدول العدد ولو أسقط قوله إلى فعال أو مفعل لشمله. قوله: "شابهت حالها قبل التسمية" لم يقل عاد الوصف؛ لأن معنى أحمر مثلا قبل التسمية ذات ما اتصفت بالحمرة بلا قصد وصفية بالحمرة ولما لوحظ بعد التنكير اتصاف الذات المبهمة بالتسمية بأحمر أشبه أحمر بعد التنكير حاله قبل التسمية في إيهام الذات، وملاحظة مطلق الاتصاف، ولم يجعل وصفًا بالتسمية حقيقيا لعدم التعبير بقولنا مسمى بأحمر. قوله: "لشبه الوصف" القياس على مواضع تقدمت أن يقال للوصف بحسب الأصل لكن كل صحيح. قوله: "وخالف الأخفش في باب سكران فصرفه" أي: عند قصد تنكيره. قوله: "وأما باب أحمر" أي: عند قصد تنكيره ففيه أربعة مذاهب إلخ لو قال وخالف المبرد والأخفش في أحد قوليه في باب أحمر فصرفاه ثم قال: والفراء وابن الأنباري فقالا: إن سمي بأحمر رجل أحمر إلخ. ثم قال: والفارسي في بعض كتبه فجوز الصرف وتركه لكان أخصر وأولى لتقدم ذكر باب أحمر وذكر المذهب الأول فيه وأنسب بقوله وخالف الأخفش في باب سكران فصرفه. قوله: "الأول منع الصرف" أي: لشبه الوصفية ووزن الفعل. قوله: "والثاني الصرف" أي: لأن الوصفية زالت بالعلمية بلا عود بعد التنكير. قوله: "والأخفش في أحد قوليه" حكى أن أبا عثمان المازني سأل الأخفش لم صرفت أربع في نحو: مررت بنسوة أربع فقال: لأنه في الأصل اسم للعدد والوصف به
[ ٣ / ٣٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كتابه الأوسط. قال في شرح الكافية: وأكثر المصنفين لا يذكرون إلا مخالفته، وذكر موافقته أولى؛ لأنها آخر قوليه. والثالث إن سمي بأحمر رجل أحمر لم ينصرف بعد التنكير، وإن سمي به أسود أو نحوه انصرف وهو مذهب الفراء وابن الأنباري. والرابع: أنه يجوز صرفه وترك صرفه. قاله الفارسي في بعض كتبه. وأما المعدول إلى فعال أو مفعل فمن صرف أحمر بعد التسمية صرفه وقد تقدم الخلاف في الجمع إذا نكر بعد التسمية. تنبيه: إذا سمي بأفعل التفضيل مجردًا من من ثم نكرة بعد التسمية انصرف باجماع كما قاله في شرح الكافية. قال: لأنه لا يعود إلى مثل الحال التي كان عليها إذا كان عارض فلم يعتد به فقال: هلا اعتبرت أحمر إذا نكرته يعني في كونه وصفًا في الأصل والتسمية به عارضة فلم يأت بمقنع ولعل موافقته سيبويه آخرًا من أجل ذلك كذا في الفارضي. قوله: "لم ينصرف بعد التنكير" أي: لمشابهة حال التنكير حال الوصفية في وجود المشتق منه وهو الحمرة في المدلول فكأن الوصفية باقية بعد التنكير وهذا أحسن مما علل به البعض. قوله: "يجوز صرفه وترك صرفه" فالصرف نظرًا إلى زوال الوصفية بالعلمية والعلمية بالتنكير وتركه نظرًا إلى شبه الوصفية ووزن الفعل. قوله: "فمن صرف أحمر بعد التسمية" أي: بعد زوالها بالتنكير. قوله: "مجردًا من من" أي: لفظًا وتقديرًا كما يؤخذ مما بعده كأنه سمي شخص بأكرم. قوله: "لأنه لا يعود إلى مثل الحال إلخ" أي: لأن أفعل من إذا كان وصفًا معناه ذات معينة ثبت لها الزيادة على ذات أخرى معينة، وإذا سمي به صار دالا على الذات فقط. وإذا نكر صار دالا على ذات ما ثبت لها الزيادة، ولم ينظر إلى كون الزيادة على ذات أخرى فلم ترجع الحالة الأولى ولا شبهها؛ لأن شبهها يكون مركبًا أيضًا من مفضل ومفضل عليه، وإن كانت مبهمين نقله البعض عن البهوتي وأقره. وأنا أقول فيه نظر من وجوه: الأول أن ما ادعاه من كون معنى أفعل من إذا كان وصفًا ذاتًا معينة إلخ غير مسلم لتصريحهم بأن مدلول الصفات ذات مبهمة لا معينة، والتعيين إذا وجد يكون بقرينة لا بالوضع وتصريحهم بأن المفضل عليه قد يكون معينًا وقد يكون مبهمًا. والثاني: أن ما ادعاه من كون معناه إذا نكر بعد التسمية ذاتًا ما ثبت لها الزيادة غير مسلم بل معناه ذات ما ثبت لها التسمية بكذا، وممن صرح بهذا وبكون مدلول الصفة ذاتا مبهمة ذلك البعض قبل هذه القولة بنحو: نصف صفحة. الثالث: أن ما ادعاه من عدم رجوع شبه الحالة الأولى ينازع فيه ما تقدم في الكلام على قول الشارح لما نكرت شابهت حالها قبل التسمية من توجيه المشابهة بأن معنى أحمر مثلا بعد التنكير ذات ما مسماة بأحمر، فلما لوحظ بعد التنكير اتصاف الذات المبهمة بالتسمية بأحمر أشبه أحمر بعد التنكير حاله قبل التسمية في الإبهام، وملاحظة مطلق الاتصاف ووجه المنازعة أن هذا التوجيه بعينه جار في أفعل من بعد التنكير وهذا يدل على رجوعه لشبه الحالة الأولى، وأما ما ادعاه من كون شبهها يكون مركبا أيضا من مفضل ومفضل عليه، ففي محل المنع؛ لأن ذلك غير لازم، وحينئذ يقال هلا منع من الصرف، وأما ما في الشرح من
[ ٣ / ٣٩٩ ]
وما يكونُ منهُ مَنقوصًا ففي إعرابِهِ نَهْج جوارٍ يَقْتَفِي
_________________
(١) صفة، فإن وصفيته مشروطة بمصاحبة من لفظا أو تقديرا ا. هـ. فإن سمي به مع من ثم نكر امتنع صرفه قولا واحدًا، وكلام الكافية وشرحها يقتضي إجراء الخلاف في نحو: أحمر فيه "وما يكون منه منقوصًا ففي إعرابه نهج جوار يقتفي" يعني أن ما كان منقوصًا من الأسماء التي لا تنصرف سواء كان من الأنواع السبعة التي إحدى علتيها العلمية أو من الأنواع الخمسة التي قبلها، فإنه يجري مجرى جوار وغواش، وقد تقدم أن نحو: جوار يلحقه التنوين رفعًا وجرا فلا وجه لما حمل عليه المرادي كلام الناظم من أنه أشار إلى الأنواع السبعة دون الخمسة؛ لأن حكم المنقوص فيهما واحد: فمثاله في غير التعريف أعيم تصغير أعمى فإنه غير منصرف للوصف والوزن، ويلحقه التنوين رفعا وجرا نحو: هذا أعيم ومررت بأعيم ورأيت أعيمي، والتنوين فيه عوض من الياء المحذوفة كما في نحو: جوار، وهذا لا خلاف فيه. ومثاله في التعريف: قاض اسم امرأة فإنه غير منصرف للتأنيث والعلمية، ويعيل تصغير يعلى ويرم مسمى به فإنه غير منصرف للوزن والعلمية، والتنوين فيهما في الرفع والجر عوض من الياء المحذوفة. وذهب يونس وعيسى بن عمر والكسائي إلى نحو: قاض تعليل عدم العود بأن الوصفية مشروطة بمصاحبة من فلا يدل إلا على عدم عود الوصفية لا على عدم عود شبهها فيما مر على أن الوصفية المشروطة بمصاحبة من الوصفية بالزيادة لا مطلق الوصفية فتأمل. قوله: "وما يكون منه منقوصا إلخ" أي: والذي يكون مما لا ينصرف منقوصًا فهو يقتفي نهج جوار في إعرابه فلو سميت بيرمي ويقضي أعللته إعلال جوار ولو سميت بيغزو ويدعو ورجعت بالواو للياء أجريته مجرى جوار، وتقول في النصب رأيت يرمي ويغزي. قال بعضهم ووجه الرجوع بالواو للياء ما ثبت أن الأسماء المتمكنة ليس فيها ما آخره واو قبلها ضمة فتقلب الواو ياء ويكسر ما قبلها، وإذا سميت بيرم ومن لم يرم رددت إليه ما حذف منه ومنعته من الصرف، تقول هذا يرم ومررت بيرم والتنوين للعوض ورأيت يرمي وإذا سميت بيغز من لم يغز قلت هذا يغز ومررت بيغز ورأيت يغزي، إلا أن هذا ترد إليه الواو وتقلب ياء لما تقدم، ثم يستعمل استعمال جوار سم. قوله: "من الأسماء التي لا تنصرف" يشير إلى أن الهاء في منه لما لا ينصرف أعم من المعرفة والنكرة ليشمل محل الخلاف والوفاق كما سيذكره. قوله: "فلا وجه لما حمل إلخ" اعتذر عنه بأن الباعث له على ذلك أن أقرب مذكور إلى الضمير في وما يكون منه ما التعريف فيه أثرًا وبأن العلم منقوص محل الخلاف فيعتني به. قوله: "وهذا لا خلاف فيه" أي: لا خلاف في حذف الياء ولحوق التنوين رفعًا وجرا في نحو: أعيم بخلاف قاض ويعيل ويرم أعلامًا ففي حذف يائه ولحوق التنوين له رفعًا وجرا خلاف، نبه عليه بقوله الآتي: وذهب يونس إلخ. قوله: "إلى أن نحو: قاض إلخ" أي: من كل علم منقوص وجد فيه مقتضى ممنع الصرف قال سم: يمكن الفرق من جهة المعنى على قولهم بخفة العلم فاحتملت
[ ٣ / ٤٠٠ ]
ولاضطرارٍ أو تناسُبْ صُرِفْ ذو المنعِ والمصروفُ قد لا يَنصرِفْ
ــ
اسم امرأة، ويعيل ويرم يجري مجرى الصحيح في ترك تنوينه وجره بفتحة ظاهرة، فيقولون هذا يعيلى ويرمى وقاضي، ورأيت يعيلى ويرمي وقاضي، ومررت بيعيلى ويرمى وقاضي، واحتجوا بقوله:
١٠٤٠- قَدْ عَجِبَتْ مِنّي ومن يَعْيلِيا لَمّا رأتني خَلَقًا مُقْلوْلِيا
وهو عند الخليل وسيبويه والجمهور محمول على الضرورة كقوله:
١٠٤١- ولكنَّ عبدَ اللهِ مَولَى مَوالِيا
"ولاضطرار أو تناسب صرف ذو المنع" بلا خلاف مثال الضرورة قوله:
١٠٤٢- ويَوْمُ دخلتُ الخدْرَ خدْرَ عُنَيزَة فقالتْ لك الوَيلاتُ إنّك مُرْجِلي
ــ
الحركة على الياء. قوله: "يجري مجرى الصحيح إلخ" حاصل مذهبهم أن المعرب تثبت ياؤه مطلقًا وتسكن رفعًا لثقل الضمة وتفتح جرا ونصبًا لخفة الفتحة. قوله: "خلقًا" بفتح المعجمة واللام أي: عتيقًا جدا وأراد به الضعيف رث الهيئة. وقوله: مقوليا بضم الميم؛ لأنه اسم فاعل اقلولى أي: تجافى وانكمش كما في القاموس، فقول التصريح بفتح الميم غير ظاهر، ولعل المراد بالمقلولي هنا دميم الخلقة. قوله: "مولى مواليًا" بإضافة مولى إلى مواليًا جمع مولى.
قوله: "أو تناسب" هو قسمان تناسب لكلمات منصرفة انضم إليها غير منصرف نحو: سلاسلًا وأغلالًا وتناسب لرءوس الآي، كقوارير، الأول فإنه رأس آية فنون ليناسب بقية رءوس الآي في التنوين أو بدله وهو والألف في الوقف، وأما قوارير الثاني فنون ليشاكل قوارير الأول كذا قال شيخنا وهو الصواب الموافق في التصريح وغيره. وأما في كلام البعض من العكس فخطأ. قوله: "صرف" أي: وجوبًا في الضرورة وجوازًا في التناسب. قوله: "ويوم دخلت الخدر" بكسر الخاء
_________________
(١) الرجز للفرزدق في الدرر ١/ ١٠٢؛ وشرح التصريح؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٤؛ والخصائص ١/ ٦؛ والكتاب ٣/ ٣١٥؛ ولسان العرب ١٥/ ٩٤ "علا"، ١٥/ ٢٠٠ "قلا"؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص١١٤؛ والمقتضب ١/ ١٤٢؛ والممتع في التصريف ٢/ ٥٥٧؛ والمنصف ٢/ ٦٨، ٧٩، ٣/ ٦٧؛ وهمع الهوامع ١/ ٣٦.
(٢) صدره: فلو كانَ عبدُ اللهِ مَولًى هَجَوْتُهُ والبيت من الطويل، وهو للفرزدق في إنباه الرواة ٢/ ١٠٥؛ وبغية الوعاة ٢/ ٤٢؛ وخزانة الأدب ١/ ٢٣٥، ٢٣٩، ٥/ ١٤٥؛ والدرر ١/ ١٠١؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣١١؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٢٩؛ وشرح المفصل ١/ ٦٤؛ والكتاب ٣/ ٣١٣، ٣١٥؛ ولسان العرب ١٥/ ٤٧ "عرا" ٤٠٩ "ولى"؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص١١٤؛ ومراتب النحويين ص٣١، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٥؛ والمقتضب ١/ ١٤٣؛ وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٤٠؛ وهمع الهوامع ١/ ٣٦.
(٣) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص١١؛ وخزانة الأدب ٩/ ٣٤٥؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٢٧؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٤؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٦؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٤٣.
[ ٣ / ٤٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
١٠٤٣- وأَتاها أُحَيمرٌ كأخي السَّهْـ ـمِ بِعَضْبٍ فقال كُوني عَقِيرا
وقوله:
١٠٤٤- تَبَصَّرْ خَليلي هل تَرى من ظَعائِنٍ
وهو كثير. نعم اختلف في نوعين: أحدهما ما فيه ألف التأنيث المقصورة فمنع بعضهم صرفه للضرورة، قال: لأنه لا فائدة فيه إذ يزيد بقدر ما ينقص، ورد بقوله:
١٠٤٥- إنِّي مُقَسِّمُ ما مَلكتُ فجاعِلٌ جزءًا لآخِرَتي ودُنيا تَنفعُ
أنشده ابن الأعرابي بتنوين دنيا. وثانيهما: أفعل من، منع الكوفيون صرفه للضرورة.
ــ
المعجمة وسكون الدال أي: الهودج وقوله: إنك مرجلي أي: مصيري راجلة أي: ماشية لعقرك ظهر بعيري تصريح.
قوله: "وأتاها" أي: ناقة صالح ﵊ أحيمر هو الذي عقرها وكان أحمر أزرق أصهب كأخي السهم أي: كمثل السهم والعضب السيف وعقيرًا فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث ا. هـ. عيني، وقال الدماميني: كأخي السهم من إضافة الملغي إلى المعتبر. قوله: "أحدهما ما فيه ألف التأنيث المقصورة" مقتضى التعليل الآتي أن تكون ألف الإلحاق المقصورة كألف التأنيث المقصورة. قوله: "إذ يزيد بقدر ما ينقص" لأنه إذا نون سقطت الألف لالتقاء الساكنين والتنوين قدر الألف المحذوفة وكل ساكن. وأجيب بأنه قد يكون فيه فائدة بأن تلتقي الألف مع ساكن بعده فيحتاج الشاعر إلى كسر الأول فينون ثم يكسر. ومقتضى هذا أنه لم يحتج إلى تنوينه لم ينون ا. هـ. مرادي وهو مبني على أن الضرورة ما لا مندوحة عنه ما وقع في الشعر ا. هـ. سم أي: مما لا يقع مثله في النثر.
قوله: "ورد بقوله إلخ" قال الصفوي: وضعف الرد بمنع الدليل؛ لأن تنوين المؤنث بالألف كدنيا لغة فيه، فلعل الشاعر من أهل هذه اللغة. قوله: "ودنيا" معطوف على جزءًا والمعنى فجاعل
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص ٣٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٧؛ والمقرب ٢/ ٢٠٢.
(٢) عجزه: سَوالُك نَقْبا بين حَزْمَي شَعَبْعَبِ والبيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص ٤٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٦٨؛ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص٥٦٣.
(٣) البيت من الكامل، وهو للمسلم بن رياح في خزانة الأدب ٨/ ٢٩٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٦.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالوا: لأن حذف تنويه لأجل من فلا يجمع بينهما. ومذهب البصريين جوازه؛ لأن المانع له إنما هو الوزن والوصف كأحمر لا من، بدليل صرف خير منه وشر منه لزوال الوزن. ومثال الصرف للتناسب قراءة نافع والكسائي: "سَلَاسِلا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا" [الإنسان: ٤]، "قَوَارِيرا، قَوَارِيرا" [الإنسان: ١٦]، وقراءة الأعمش بن مهران:
"وَلَا يَغُوثًا وَيَعُوقًا وَنَسْرًا" [نوح: ٢٣] .
تنبيه: أجاز قوم صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اختيارًا، وزعم قوم أن صرف ما لا ينصرف مطلقًا لغة. قال الأخفش: وكأن هذه لغة الشعراء؛ لأنهم اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم على ذلك في الكلام "والمصروف قد لا ينصرف" أي: للضرورة أجاز ذلك الكوفيون والأخفش والفارسي، وأباه سائر البصريين. والصحيح الجواز. واختاره الناظم لثبوت سماعه، من ذلك قوله:
١٠٤٦- وما كانَ حِصنٌ ولا حابِسٌ يَفوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ
وقوله:
١٠٤٧- وقائِلةٍ ما بالُ دَوْسَرَ بَعْدَنا صحا قلْبُهُ عن آلِ ليلَى وعن هِنْدِ
ــ
منه جزءًا لآخرتي وجاعل منه دنيا تنفع. قوله: "لأجل من" أي: لقيامها مقام المضاف إليه، فالمانع قوي لكونه كلمة مستقلة بخلاف سائر موانع الصرف، وقوله: فلا يجمع بينهما أي: بين التنوين ومن ملفوظة أو مقدرة إلا اختيارًا ولا ضرورة. قوله: "ومذهب البصريين جوازه" ويدل له قول امرئ القيس:
وما الإصباح منك بأمثل
فصرف أمثل للضرورة مع وجود من المقدمة عليه في قوله: منك قاله الدماميني. قوله: "إنما هو الوزن والوصف" أي: فيجوز الجمع بينهما وبين التنوين ضرورة لعدم قوتهما قوة من. قوله: "صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد" كسلاسلا وسببه جمعهم له جمع السامة نحو: صواحبات فأشبه الآحاد ا. هـ. دماميني. قوله: "في الكلام" أي: النثر. قوله: "وأباه" أي: منعه سائر
_________________
(١) البيت من المتقارب، وهو لعباس بن مرداس في ديوانه ص٨٤؛ والأغاني ١٤/ ٢٩١؛ والإنصاف ٢/ ٤٩٩؛ وخزانة الأدب ١/ ١٤٧، ١٤٨، ٢٥٣؛ والدرر ١/ ١٠٤؛ وسمط اللآلي ص٣٣؛ وشرح التصريح ٢/ ١١٩؛ وشرح المفصل ١/ ٦٨؛ والشعر والشعراء ١/ ١٠٧، ٣٠٦، ٢/ ٧٥٢؛ ولسان العرب ٦/ ٩٧ "ردس"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٦٥؛ وبلا نسبة في صناعة الإعراب ٢/ ٥٤٦، ٥٤٧؛ ولسان العرب ١٠/ ٣١٦ "فوق".
(٢) البيت من الطويل، وهو لدوسر بن دهبل في الأصمعيات ص١٥٠؛ والإنصاف ٢/ ٥٠٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٦٦؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ١٤٩، ١٥٠؛ وجواهر الأدب ص٢٣٧؛ ومجالس ثعلب ص١٧٦.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
١٠٤٨- طَلَبَ الأَزَارِقِ بالكتائِبِ إذ هَوَتْ بشَبيبَ غائِلةَ النفوسِ غَدُرُ
وأبيات أخر.
تنبيه: فصل بعض المتأخرين بين ما فيه علمية، فأجاز منعه لوجود إحدى العلتين، وبين ما ليس كذلك فصرفه، ويؤيده أن ذلك لم يسمع إلا في العلم. وأجاز قوم منهم ثعلب وأحمد بن يحيى منع صرف المنصرف اختيارًا.
خاتمة: قال في شرح الكافية: ما لا ينصرف بالنسبة إلى التكبير والتصغير أربعة أقسام: ما لا ينصرف مكبرًا ولا مصغرًا، وما لا ينصرف مكبرًا وينصرف مصغرًا، وما لا ينصرف مصغرًا وينصرف مكبرًا، وما يجوز فيه الوجهان مكبرًا ويتحتم منعه مصغرًا فالأول نحو: بعلبك وطلحة وزينب وحمراء وسكران وإسحاق وأحمر ويزيد مما لا يعدم سبب المنع
ــ
البصريين لكونه خروجًا عن الأصل بخلاف صرف ما لا ينصرف، فإنه رجوع إلى الأصل فاحتمل في الضرورة، وللكوفيين ومن وافقهم أن يمنعوا عدم تجويز الضرورة الخروج عن الأصل، قوله: "طلب الأزارق" أصله الأزارقة فحذف الهاء للضرورة جمع أزرقي بتقديم الزاي على الراء قوم من الخوارج نسبوا إلى نافع بن الأزرق وهو مفعول طلب وفاعله ضمير يعود على سفيان نائب الحجاج وزوج ابنته، والكتائب جمع كتيبة بفوقية بعد الكاف وهي الجيش. وإذ ظرف زمان، وهوت من هوى به الأمر إذا أطمعه وغره وغائلة النفوس فاعل هوت أي: شرها وغدور مبالغة غادرة خبر لمحذوف أو بدل من غائلة. والشاهد في شبيب بشين معجمة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية فموحدة وهو شبيب بن زيد رأس الأزارقة كذا في العيني، وشيخ الإسلام فقول البعض في هوت: أي: سقطت فيه شيء.
قوله: "بين ما فيه علمية" اقتصاره على العلمية يقتضي أن غيرها كالوصفية في نحو: قائم ليس مثلها لمزية العلمية على غيرها؛ لأن لها من القوة ما ليس لغيرها ولورود السماع فيها دون غيرها، كذا في حاشية شيخنا وعليه كان المناسب للشارح أن يعلل بما ذكر لا بوجود إحدى العلتين؛ لأنه يقتضي أن غير العلمية من العلل مثلها فليتأمل. قوله: "فأجاز منعه" أي: في الضرورة فهذا التفصيل خاص بالضرورة كما هو ظاهر كلام الشارح لكن ظاهر صنيع التصريح عدم اختصاصه بالضرورة وعبارته في منع المصروف أربعة مذاهب: أحدها الجواز مطلقًا الثاني المنع مطلقًا الثالث وهو الصحيح الجواز في الشعر والمنع في الاختيار الرابع يجوز في العلم خاصة قوله: "أربعة أقسام" هي مبنية على قاعدة وهي أن كل مصغر لم يذهب تصغيره أحد سببيه فهو
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو للأخطل في ديوانه ص١٩٧؛ والإنصاف ٢/ ٤٩٣؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٢٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٦٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٧.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
إعراب الفعل:
ارفَعْ مُضارعًا إذا يُجَرَّدُ من ناصِب وجازِم كتَسْعَدُ
_________________
(١) في تكبير ولا تصغير. والثاني نحو: عمر وشمر وسرحان وعلقى وجنادل أعلامًا مما يزول بتصغيره سبب المنع، فإن تصغيرها عمير وشمير وسريحين وعليق وجنيدل بزوال مثال العد ووزن الفعل، وألفي سرحان وعلقى وصيغة منتهى التكسير، والثالث نحو: تحلئ وتوسط وترتب وتهبط أعلامًا مما يتكمل فيه بالتصغير سبب المنع فإن تصغيرها تحيلئ وتويسط وتريتب وتهيبط على وزن مضارع بيطر، فالتصغير كمل لها سبب المنع، فمنعت من الصرف فيه دون التكبير فلو جيء في التصغير بياء معوضة مما حذف تعين الصرف لعدم وزن الفعل. الرابع نحو: هند وهنيدة فلك فيه مكبرًا وجهان وليس لك فيه مصغرًا إلا منع الصرف. والله أعلم. إعراب الفعل: "ارفع مضارعًا إذا يجرد من ناصب وجازم كتسعد" يعني أنه يجب رفع المضارع حينئذ، والرافع له التجرد المذكور كما ذهب إليه حذاق الكوفيين منهم الفراء، ولا وقوعه. غير منصرف وإلا فهو منصرف دماميني. قوله: "وسرحان" بخلاف سكران؛ لأنك تقول في تصغيره سكيران فتبقى الزيادتان بحالهما ا. هـ. دماميني وهو بكسر السين كما في القاموس وفسره بمعان منها الذئب والأسد والمراد المجعول علمًا. قوله: "وعلقى" وهو في الأصل اسم نبت. قوله: "وجنادل" هو في الأصل جمع جندل والجندل قال في القاموس: كجعفر ما يقله الرجل من الحجارة وتكسر الدال ا. هـ. قوله: "بزوال مثال العدل" إذ العدل في عمر تقديري فلا يصار إليه إلا عند سماع الاسم ممنوعًا من الصرف وما سمع من أفواههم عمير إلا مصروفًا فصار ادعاء العدل فيه مناقضًا لكلامهم. وإذا حكمنا في أدد بأنه غير معدول مع مجيئه على صيغة عمر لكونه مصروفًا فهذا أجدر دماميني. قوله: "نحو: تحلئ" ضبطه في التصريح بكسر التاء الفوقية وسكون الحاء المهملة وكسر اللام وبالهمزة آخره. قال الشارح في شرحه على التوضيح: هو شعر وجه الأديم ووسخه وسواده وما أفسده السكين من الجلد’ إذا قشروا لتهبط بكسرات مشددة الباء طائر والترتب كقنفذ وجندب الشيء المقيم الثابت ا. هـ. والتوسط مصدر توسط. قوله: "مما حذف" وهو أحد المثلين في توسط وتهبط بأن يقال تويسيط وتهيبيط، أما تحلئ وترتب فلم يحذف منهما شيء فكلامه بالنظر للبعض. قوله: "إلا منع الصرف" أي: لوجود التاء لفظًا. إعراب الفعل: قوله: "حينئذ" أي: حين إذ جرد من ناصب وجازم. قوله: "والرافع له التجرد" لأن الرافع دائر معه وجودًا وعدمًا والدوران مشعر بالعلية ا. هـ. دماميني؛ لأن الدوران من مسالكها.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) موقع الاسم كما قال البصريون، ولا نفس المضارعة كما قال ثعلب، ولا حروف المضارع كما نسب للكسائي، واختار المصنف الأول. قال في شرح الكافية: لسلامته من النقض، بخلاف الثاني فإنه ينتقض بنحو: هلا تفعل وجعلت أفعل وما لك لا تفعل ورأيت الذي تفعل، فإن الفعل في هذه المواضع مرفوع مع أن الاسم لا يقع فيها، فلو لم يكن للفعل رافع غير وقوعه موقع الاسم لكان في هذه المواضع مرفوعًا بلا رافع، فبطل القول بأن رافعه وقوعه موقع الاسم، وصح القول بأن رافعه التجرد ا. هـ. ورد الأول بأن التجرد عدمي والرفع وجودي والعدمي لا يكون علة للوجودي، وأجاب الشارح بأنا لا نسلم أن التجرد من الناصب والجازم عدمي؛ لأنه عبارة عن استعمال المضارع على أول أحواله مخلصًا عن قوله: "ولا نفس المضارع" لأنها إنما اقتضت مطلق الإعراب لا خصوص الرفع، لكن هذا لا يأتي على قول الكوفيين: إن إعراب المضارع بالأصالة لا بالحمل على الاسم ومضارعته إياه. قوله: "ولا حروف المضارعة" لأن جزء الشيء لا يعمل فيه. قوله: "كما نسب للكسائي" قال: وإنما لم تعمل مع عاملي النصب والجزم لقوتهما عنها. قوله: "فإنه ينتقض إلخ" جوابه أن المراد الحلول في الجملة ا. هـ. حفيد. وأيضًا فالرفع استقر قبل حرف التحضيض ونحوه، فلم يغيره إذ أثر العامل لا يغير إلا بعامل آخر ا. هـ. تصريح. قوله: "بنحو: هلا تفعل" لأن أداة التحضيض مختصة بالفعل ومن نحو: المذكورات سيقوم زيد وسوف يقوم زيد. قوله: "وجعلت أفعل" لأن أفعال الشروع لا يكون خبرها اسمًا مفردًا إلا شذوذًا كما مر. قوله: "وما لك لا تفعل" قال شيخنا: لعله؛ لأنه لم يسمع الاسم بعد ما لك وإن كانت الجملة في تأويله؛ لأنها حال أي: أي شيء ثبت لك حالة كونك غير فاعل. قوله: "ورأيت الذي تفعل" لأن الصلة لا تكون اسمًا مفردًا. قوله: "فبطل القول بأن رافعه وقوعه موضع الاسم" أي: الذي هو أقوى من القول الثالث والرابع لكونه قول البصريين مع ظهور بطلانهما بما تقدم فاندفع اعتراض البعض على قوله، وصح القول بأن رافعه التجرد بأن مجرد إبطال أن الرافع وقوعه موقع الاسم لا يقتضي صحة أن الرافع التجرد، وإنما يقتضيها إبطال الأقوال الثلاثة. قوله: "وأجاب الشارح بأنا لا نسلم إلخ" هذا جواب بمنع أن التجرد عدمي وتسليم أن العدمي لا يكون علة للوجودي، ولك أن تقول سلمنا أنه عدمي لكن لا نسلم أن العدمي لا يكون علة للوجودي على الإطلاق بل ذاك في الأعدام المطلقة، أما العدم المضاف كالعمى فيجوز كونه علة للوجودي. قوله: "لأنه عبارة عن استعمال المضارع إلخ" الاستعمال هنا مصدر المبني للمجهول ليكون وصفًا للفعل فيصح تفسير التجرد الذي هو وصف للفعل به.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وبِلَنِ انْصِبْهُ وكي كذا بأنْ لا بعدَ عَلْمٍ والتي من بعْدِ ظَنّ
_________________
(١) لفظ يقتضي تغييره، واستعمال الشيء والمجيء به على صفة ما ليس بعدمي. تنبيه: إنما لم يقيد المضارع هنا بالذي لم تباشره نون توكيد ولا نون إناث اكتفاء بتقدم ذلك في باب الإعراب "وبلن انصبه وكي" أي: الأدوات التي تنصب المضارع أربع: وهي لن وكي وأن وإذن، وسيأتي الكلام على الأخيرتين: فأما لن فحرف نفي تختص بالمضارع وتخلصه للاستقبال وتنصبه كما تنصب لا الاسم، نحو: لن أضرب ولن أقوم، فتنفي ما أثبت بحرف التنفيس ولا تفيد تأبيد النفي ولا تأكيده، خلافًا للزمخشري: الأول في أنموذجه والثاني في كشافه، وليس أصلها لا فأبدلت الألف نونًا خلافًا للفراء، ولا لا أن فحذفت الهمزة تخفيفًا والألف للساكنين خلافًا للخليل والكسائي. تنبيهات: الأول الجمهور على جواز تقديم معمول معمولها عليها نحو: زيدًا لن قوله: "اكتفاء بتقدم ذلك في باب الإعراب" قال يس: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن رفع المضارع أعم من كونه لفظيا أو محليا كالمضارع المؤكد بالنون، والذي فاعله نون الإناث ا. هـ. وهو تابع في ذلك لشيخه سم قال شيخنا: وفيه نظر إذ المضارع مع إحدى النونين ليس له محل رفع أبدًا، وله محل الناصب والجازم صرح بذلك القليوبي وغيره. قوله: "وبلن انصبه" ولا يجوز الفصل بين لن والفعل اختيارًا عند البصريين وهشام، وأجاز الكسائي الفصل بالقسم ومعمول الفعل ووافقه القراء على القسم وزاد الفصل بأظن والشرط كذا في السيوطي. قوله: "أي: الأدوات إلخ" تفسير لقوله: وبلن انصبه وكي مع ملاحظة قوله: كذا بأن وقوله: ونصبوا بإذن المستقبلا فافهم. قوله: "ما أثبت بحرف التنفيس" أي: معه وخصه بالذكر لمشاركته لن في تخليص الفعل للاستقبال. قوله: "خلافًا للزمخشري إلخ" وافقه على التأكيد كثيرون، ورد ادعاؤه التأبيد بأنه لا دليل عليه وبأنها لو كانت للتأبيد للزم التناقض بذكر اليوم في ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ والتكرار بذكر أبدًا في ولن يتمنونه أبدًا، وأما التأبيد في لن يخلقوا ذبانًا فلأمر خارجي لا من مقتضيات لن، ويجاب عن التناقض بأن القائل بالتأبيد إنما يقول به عند إطلاق منفيها وخلوه عن مقيداته وعن التكرار بأن هذا ليس تكررًا باللفظ وهو ظاهر ولا بالمرادف؛ لأن الاسم لا يرادف الحرف؛ ولأن التأبيد نفس معنى أبدًا وجزء معنى لن فلا يكون تكرارًا وإنما هو تصريح ودلالة بالمطابقة على ما فهم بالتضمن كذا في الشمني، وحاصله أنه ليس التكرار بل من توكيد معنى تضمني لكلمة سابقة بلفظ دل على هذا المعنى مطابقة. قوله: "خلافًا للفراء" لأن المعهود إبدال النون ألفًا كنسفعا لا العكس. قوله: "خلافًا للخليل والكسائي" لأن دعوى التركيب إنما تصح إذا كان الحرفان
[ ٣ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أضرب وبه استدل سيبويه على بساطتها، ومنع ذلك الأخفش الصغير. الثاني تأتي لن للدعاء كما أتت لا كذلك وفاقًا لجماعة منهم ابن السراج وابن عصفور، من ذلك قوله:
١٠٤٩- لن تَزالُوا كَذلِكم ثُمّ لا زِلـ ـتُ لكم خالِدًا خُلودَ الجِبالِ
وأما: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] فقيل ليس منه؛ لأن فعل الدعاء لا يسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب أو الغائب، ويرده قوله: ثم لا زلت لكم. الثالث زعم بعضهم أنها قد تجزم كقوله:
١٠٥٠- فلن يَحْلَ للعَينينِ بعدَكِ مَنْظَرُ
وقوله:
١٠٥١- لَنْ يَخِبْ الآن من رجائِكَ من حَرْ رَكَ دونَ بابِكَ الحلقَهْ
ــ
ظاهرين حالة التركيب كلولا والظاهر هنا جزء كل منهما. قوله: "الجمهور على جواز إلخ" استثنى أبو حيان التمييز فلا يجوز عرقًا لن يتصبب زيد، قال الدماميني: إنما يمتنع ذلك عند الجمهور لمنعهم تقديم التمييز على عامله فلا يقال عندهم عرقًا تصبب زيد فهو ممتنع قبل مجيء لن، وأما ابن مالك فلا يسلم هذا الاستثناء؛ لأنه يجوز تقديم التمييز على عامله المتصرف بقلة، كما تقدم فيجوز عنده قليلًا عرقًا لن يتصبب زيدًا ا. هـ. ملخصًا. قوله: "وبه استدل سيبويه على بساطتها" وجه الاستدلال أنه يمتنع تقديم معمول معمول أن عليها ونوقش في الدليل بأنه يجوز أن يتغير حكم الشيء بالتركيب دماميني. قوله: "ومنع ذلك الأخفش" لأن النفي صدر الكلام ورد بأن ذلك خاص بما بخلاف لن بدليل قول الشاعر:
منه عاذلي فهائمًا لن أبرحا
قوله: "لن تزالوا كذلكم" الدليل على أنه دعاء لا إخبار عطف الدعاء عليه، وهو ثم لا زلت إلخ أفاده سم. قوله: "فلن يحل" بفتح اللام من حليت المرأة في عيني بالكسر تحلى بالفتح وأما حلا الشيء في فمي فمضارعه يحلو شمني والكاف في قوله: بعدك، مكسورة والمنظر بفتح الظاء.
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو للأعشى في ديوانه ص٦٣؛ والدرر ٢/ ٤٢/ ٦٢؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٨٤؛ وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٦٨؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٠؛ ومغني اللبيب ٢/ ٢٨٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٤.
(٢) صدره: أيادي سَبا يا عَزُّ ما كنتُ بعْدَكُمْ والبيت من الطويل، وهو لكثير عزة في ديوانه ص٣٢٨؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٨٧؛ وبلا نسبة في في رصف المباني ص٢٨٨؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٨٥.
(٣) البيت من المنسرح، وهو لأعرابي في الدرر ٤/ ٦٣؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٨٨؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٦؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٨٥؛ وهمع الهوامع ٢/ ٤.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأول محتمل للاجتزاء بالفتحة عن الألف للضرورة. وأما كي فعلى ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون اسمًا مختصرًا من كيف كقوله:
١٠٥٢- كَي تَجْنحون َإلى سِلمٍ وما ثُئِرتْ قَتْلاكم ولَظَى الهَيْجاء تَضْطَرِمُ
الثاني: أن تكون بمنزلة لام التعليل معنى وعملًا وهي الداخلة على ما الاستفهامية في قولهم في السؤال عن العلة: كيمه بمعنى لمه، وعلى ما المصدرية كما في قوله:
١٠٥٣- إذا أنت لم تَنْفعْ فضرَّ فإنَّما يُرجَّى الفتى كيما يَضُرَّ ويَنْفعٍ
وقيل ما كافة، وعلى أن المصدرية مضمرة نحو: جئت كي تكرمني إذا قدرت النصب بأن، ولا يجوز إظهار أن بعدها. وأما قوله:
١٠٥٤- كَيما أنْ تَغُرَّ وتَخْدَعَا
ــ
قوله: "لن يخب الآن إلخ" البيت من المنسرح إلا أنه سقط من قلم الناسخ لفظ من بعد حرك، والحلقة بتسكين اللام سواء حلقة الحديد وحلقة القوم، وجوز بعضهم الفتح كما في البيت. قوله: "اسمًا مختصرًا من كيف" فتكون بمعنى كيف ويليها الاسم والماضي والمضارع مرفوعًا ونظيرها في الاختصار سوأفعل أي: سوف أفعل. وحكى الكوفيون سف أقوم كذا في الفارضي. قوله: "كي تجنحون إلخ" أي: كيف تميلون والسلم بكسر السين وفتحها الصلح، وثئرت بالمثلثة في أوله مبني للمفعول من ثأرت القتيل وبالقتيل قاتله، واللظى النار والهيجاء الحرب، تمد كما في البيت وتقصر وتضطرم تلتهب، والجملتان حالان من فاعل تجنحون، أو الثانية حال من قتلاكم. قوله: شمني. "كيما يضر وينفع" أي: للضر والنفع. قوله: "وقيل ما كافة" أي: كفت كي المصدرية عن نصب المضارع. قوله: "مضمرة" أي: وجوبًا كما سيشير إليه وهو منصوب على الحالية من أن. قوله: "ولا يجوز إظهار أن بعدها إلخ" جعل في التسهيل إظهار أن بعد كي قليلًا ونقل في الهمع عن الكوفيين جواز إظهارها اختيارًا. قوله: "كيما أن تغر وتخدعا" العطف تفسيري كما
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في الجنى الداني ص٢٦٥؛ وجواهر الأدب ص٢٣٣؛ وخزانة الأدب ٧/ ١٠٦؛ والدرر ٣/ ١٣٥؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٥٠٧، ٢/ ٥٥٧؛ ومغني اللبيب ١/ ١٨٢، ٢٠٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٧؛ وهمع الهوامع ١/ ٢١٤.
(٢) البيت من الطويل، وهو للنابغة الجعدي في ملحق ديوانه ص٢٤٦؛ وله أو للنابغة الذبياني في شرح شواهد المغني ١/ ٥٠٧؛ وللنابغة الجعدي، أو للنابغة الذبياني، أو لقيس بن الخطيم في خزانة الأدب ٨/ ٤٩٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٥؛ ولقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ص٢٣٥؛ وكتاب الصناعتين ص٣١٥؛ وللنابغة الذبياني في شرح التصريح ٢/ ٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٠؛ وتذكرة النحاة ص٦٠٩؛ والجنى الداني ص٢٦٢؛ والحيوان ٣/ ٧٦؛ وخزانة الأدب ٧/ ١٠٥؛ وشرح عمدة الحافظ ٢٦٦؛ ومغني اللبيب ١/ ١٨٢؛ وهمع الهوامع ١/ ٥، ٣١.
(٣) تمامه: فقالت أَكُلَّ الناسِ أصبحتَ مَانِحًا لِسانَكَ كيما أنْ تُغُرَّ وتَخْدَعا
[ ٣ / ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فضرورة. الثالث أن تكون بمنزلة أن المصدرية معنى وعملًا وهو مراد الناظم، ويتعين ذلك في الواقعة بعد اللام وليس بعدها أن، كما في نحو: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣]، ولا يجوز أن تكون حرف جر لدخول حرف الجر عليها، فإن وقع بعدها أن كقوله:
(٢) أَردتَ لكيما أنْ تَطِيرَ بقَرْبَتِي احتمل أن تكون مصدرية مؤكدة بأن، وأن تكون تعليلية مؤكدة للام، وبترجح هذا قاله الشمني، ويظهر لي أن ما زائدة بين الجار ومجروره نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وصدر البيت: فقالت أكل الناس أصبحت مانحا لسانك كيما إلخ. قوله: "معنى وعملًا" أما الثاني فظاهر، وأما الأول؛ فلأن كلا حرف مصدري استقبالي. قوله: "ويتعين ذلك إلخ" ويتعين كونها جارة إذا جاءت قبل اللام سيوطي. قوله: "لدخول حرف الجر عليها" أي: ولا يجمع بين حرفي جر في الفصيح. ولك أن تقول هلا جاز ذلك، ويكون الثاني مؤكدًا كما لو وقع بعدها أن وكما لو جاءت قبل نحو: كي لأقرأ إلا أن يقال الضرورة داعية إلى التوكيد هناك أي: فيما إذا توسطت كي بين اللام وأن، أو تقدمت على اللام بخلاف ما هنا وفيه نظر ا. هـ. سم، ببعض تغيير ولعل وجه النظر أن الضرورة لا تدعو في صورة التوسط إلى كون خصوص كي تأكيدًا للام لاندفاعها بكون أن تأكيدًا لكي، ويمكن دفعه بأن المراد الضرورة المتلخص منها على وجه وجيه، وسيأتي أن جعل كي تأكيدًا للام أولى من جعل أن تأكيدًا لكي من ثلاثة أوجه فتأمل. وقوله: "أردت لكيما أن تطير بقربتي" تمامه: وتتركها شنا ببيداء بلقع تطير تذهب سريعًا مستعار من طيران الطير، والشن بفتح الشين المعجمة القربة الخلقة والبيداء بفتح الموحدة والمد الأرض التي يبيد أي: يهلك من يدخل فيها والبلقع الأرض القفر = والبيت من الطويل، وهو لجميل بثينة في ديوانه ص١٠٨؛ وخزانة الأدب ٨/ ٤٨١، ٤٨٢، ٤٨٣، ٤٨٨، والدرر ٤/ ٦٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٣، ٢٣١؛ وشرح المفصل ٩/ ١٤، ١٦؛ وله أو لحسان بن ثابت في شرح شواهد المغني ١/ ٥٠٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١١؛ وخزانة الأدب ص١٢٥؛ وجواهر الأدب ص١٢٥؛ والجنى الداني ص٢٦٢؛ ورصف المباني ص٢١٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٣٠؛ وشرح شذور الذهب ص٣٧٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٧؛ ومغني اللبيب ١/ ١٨٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ٥.
(٣) عجزه: فتتركها شِنًّا ببيداء بَلْقَع والبيت من الطويل، وهو بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٨٠؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٥٤؛ والجنى الداني ص٢٦٥؛ وجواهر الأدب ص٢٣٢؛ وخزانة الأدب ١/ ١٦، ٨/ ٤٨١؛ ٤٨٤، ٤٨٥، ٤٨٦، ٤٨٧؛ ورصف المباني ص٢١٦، ٣١٦؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣١؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٥٠٨؛ وشرح المفصل ٧/ ١٩، ٩/ ١٦، ومغني اللبيب ١/ ١٨٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٥.
[ ٣ / ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني بأمور: الأول أن أن أم الباب، فلو جعلت مؤكدة لكي لكانت كي هي الناصبة فيلزم تقديم الفرع على الأصل. الثاني ما كان أصلًا في بابه لا يكون مؤكدًا لغيره. الثالث أن أن لاصقت الفعل فترجح أن تكون هي العاملة، ويجوز الأمران في نحو: جئت كي تفعل: ﴿كَيْلَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧]، فإن جعلت جارة كانت أن مقدرة بعدها وإن جعلت ناصبة كانت اللام مقدرة قبلها.
تنبيهات: الأول ما سبق من أن كي تكون حرف جر ومصدرية هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنها ناصبة للفعل دائمًا، وتأولوا كيمه على تقدير كي تفعل ماذا، ويلزمهم كثرة الحذف وإخراج ما الاستفهامية عن الصدر، وحذف ألفها في غير الجر، وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل النصب، وكل ذلك لم يثبت. ومما يرد قولهم قوله:
١٠٥٦- فأَوْقَدتُ ناري كي لِيُبْصَرَ ضَوْءُها
وقوله:
١٠٥٧- كي لِتَقْضِينِي رُقيَّةُ ما وَعَدَتْنِي غيرَ مُخْتَلَسِ
ــ
التي لا شيء فيها. شمني. قوله: "لا يكون مؤكدًا لغيره" أي: لا يليق أن يكون مؤكدًا لغيره، وليس المراد لا يجوز أن يكون مؤكدًا لغيره؛ لأن مقتضى ما قدمه جوازه بمرجوحية. قوله: "تنبيهات" أي: تتعلق بكي وأما التنبيهات قبل فتتعلق بلن. والحاصل أنه أفرد كلا بتنبيهات ذكرها في مبحثه، وهذا يغنيك عما للبعض من التكلف البارد. قوله: "على تقدير كي تفعل ماذا" أي: لكي تفعل أي شيء. والمتبادر من عبارته أن أداة الاستفهام في هذا التركيب بحسب أصله ماذا لا ما وحدها. وحينئذ لا يظهر قوله: وإخراج ما إلخ لما يأتي قريبًا، ولا قوله: في غير الجر؛ لأن ألف ماذا الاستفهامية لا تحذف لا في الجر ولا في غيره، فالمناسب جعل تعبيره بماذا لمجرد بيان أن ما في كيمه استفهامية؛ لا لأن الأصل ماذا. قوله: "وإخراج ما إلخ" ذهب بعضهم إلى أنها لا يلزم صدريتها وفي الصحيح أقول ماذا. قال ابن مالك: فيه شاهد على أن ما الاستفهامية إذا ركبت مع ذا تفارق وجوب التصدير شمني.
قوله: "كي لتقضيني" بإسكان الياء آخر الفعل للضرورة؛ لأن البيت من المديد كما قاله
_________________
(١) عجزه: وأَخْرَجْتُ كَلْبِي وهو في البيتِ داخِله والبيت من الطويل، وهو لحاتم الطائي في ديوانه ص٢٨٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٥٠٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٦؛ وللنمري أو لرجل من باهلة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٦٩٧؛ وبلا نسبة في مجالس ثعلب ص٣٤٩؛ ومغني اللبيب ١/ ١٨٣.
(٢) البيت من المديد، وهو لعبيد الله بن قيس الرقيات في خزانة الأدب ٨/ ٤٨٨، ٤٩٠؛ والدرر ١/ ١٧٠؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣١؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٥١؛ وهمع الهوامع ١/ ٥٣.
[ ٣ / ٤١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأن لام الجر لا تفصل بين الفعل وناصبه. وذهب قوم إلى أنها حرف جر دائمًا، ونقل عن الأخفش. الثاني أجاز الكسائي تقديم معمول معمولها عليها نحو: جئت النحو كي أتعلم، ومنعه الجمهور. الثالث: إذا فصل بين كي والفعل لم يبطل عملها خلافًا للكسائي نحو: جئت كي فيك أرغب، والكسائي يجيزه بالرفع لا بالنصب. قيل والصحيح أن الفصل بينها وبين الفعل لا يجوز في الاختيار. الرابع زعم الفارسي أن أصل كما في قوله:
١٠٥٨- وطَرْفُكَ إمّا جِئْتَنا فاحْبِسَنَّهُ كما يَحْسَبوا أنَّ الهَوَى حيثُ تَنْظُرُ
ــ
العيني قال. ومختلس بفتح اللام مصدر ميمي بمعنى الاختلاس ا. هـ. وأقره شيخنا والبعض ولا حاجة إلى جعله مصدرًا ميميا، بل الظاهر أنه اسم مفعول حال من ما. قوله: "لأن لام الجر لا تفصل إلخ" أي: فليس النصب بكي بل بأن المضمرة بعد اللام المؤكدة لكي الجارة فبطل القول بأنها مصدرية ناصبة للفعل دائمًا. قوله: "حرف جر دائمًا" أي: والنصب بعدها بأن مضمرة أو ظاهرة ورد بقوله تعالى ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ فإن زعم أن كي تأكيد للام كقوله:
ولا للمابهم أبدًا دواء
رد بأن الفصيح المقيس لا يخرج على الشاذ تصريح. قوله: "ومنعه الجمهور" لأن كي من الموصولات الحرفية ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول وإن كانت جارة فأن مضمرة بعدها وهي موصولة سم. قوله: "إذا فصل بين كي إلخ" قال أبو حيان: وأجمعوا على جواز الفصل بينها وبين معمولها بلا النافية وبما زائدة وبهما معًا، وأما الفصل بغير ما ذكر فلا يجوز عند البصريين وهشام ومن وافقه من الكوفيين في الاختيار مطلقًا سواء رفع الفعل أو نصب، وجوزه الكسائي بمعمول الفعل الذي دخلت عليه وبالقسم وبالشرط فيبطل عملها فيرفع الفعل، واختار ابن مالك وولده جواز الفصل بما ذكر من العمل فينصب الفعل فتلخص في الفصل ثلاثة أقوال ا. هـ. سيوطي وبه يعلم ما في كلام الشارح من الإجمال والإبهام.
قوله: "بالرفع لا بالنصب" أي: مع الرفع لا مع النصب. قوله: "وطرفك إلخ" الطرف العين ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر بل يطلق على الواحد والجماعة. قال تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وهو مبتدأ خبره جملة الشرط والجزاء ولا يجوز نصبه بمحذوف يفسره احبسنه؛ لأن فعل الجزاء لا يعمل في متقدم على شرطه فلا يفسر عاملًا فيه ا. هـ. شمني وقوله: فاحبسنه أي: عن النظر إلينا وقوله: كما يحسبوا قال شيخنا: قال شيخنا السيد: أي: يظنوا من حسب كما في
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص١٠١؛ وخزانة الأدب ٥/ ٣٢٠؛ والدرر ٤/ ٧٠؛ ولجميل بثينة في ديوانه ص٩٠؛ ولعمر أو لجميل بثينة في شرح شواهد المغني ١/ ٤٩٨؛ وللبيد أو لجميل في المقاصد النحوية ٤/ ٤٠٧؛ وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٨٦؛ والجنى الداني ص٤٨٣؛ وجواهر الأدب ص٢٣٣؛ وخزانة الأدب ٨/ ٥٠٢، ١٠/ ٢٢٤؛ ورصف المباني ص٢١٤؛ ومجالس ثعلب ص١٥٤؛ ومغني اللبيب ١/ ١٧٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ٦.
[ ٣ / ٤١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كيما فحذفت الياء ونصب بها وذهب المصنف إلى أنها كاف التشبيه كفت بما ودخلها معنى التعليل فنصبت، وذلك قليل. وقد جاء الفعل بعدها مرفوعًا في قوله:
١٠٥٩- لا تَشْتُمْ الناسَ كما لا تُشْتم
الخامس: إذا قيل جئت لتكرمني فالنصب بأن مضمرة، وجوز أبو سعيد كون المضمر كي، والأول أولى؛ لأن أنَّ أمكن في عمل النصب من غيرها فهي أقوى على التجوز فيها بأن تعمل مضمرة و"كذا بأن" أي: من نواصب المضارع أن المصدرية نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ [البقرة: ١٨٤]، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢]، "لا بعد
ــ
نسخة قديمة بيدي من شرح الكافية ضبط قلم وتنظر بتاء الخطاب ا. هـ. والمعنى إذا جئتنا فلا تجعل نظرك إلينا بل إلى غيرنا ليظنوا أن هواك للشيء الذي تنظر إليه لا لمحبوبتك فيستتر أمرك. قوله: "ونصب بها" فتكون كي مصدرية واللام مقدرة قبلها. قوله: "كاف التشبيه إلخ" عبارة المغني، وقال ابن مالك: هي كاف التعليل وما الكافة ا. هـ. وهي تفيد أن كونها كافة التشبيه بحسب الأصل.
قوله: "فنصبت" يلزم عليه عمل عامل الاسم المختص به في الفعل وهو ممتنع. وأجيب بأن نسبة نصب الفعل إلى الكاف التعليلية كنسبته إلى اللام التعليلية وهي نسبة مجازية باعتبار أن النصب بأن مضمرة بعدها، ولا يخفى أن التكلف فيما قاله ابن مالك وأن رواية لكي يحسبوا مؤيدة لقول الفارسي، وأنه يمكن أن يقال إن ما في البيت مصدرية لا كافة والفعل منصوب بها حملًا على أن أختها كما قيل في كما تكونوا يولي عليكم كذا في الشمني. وأنا أقول لا يخفى أن ادعاءه التكلف فيما قاله ابن مالك غير ظاهر وإن تبعه البعض وإن أسهل مما قاله ومما قاله ابن مالك ومما قاله الفارسي أن تكون الكاف تعليلية وما مصدرية كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والفعل مرفوع بالنون المحذوفة تخفيفًا كما في قوله:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي
فاحفظه. قوله: "وذلك قليل" أي: النصب بكاف التشبيه المضمنة معنى التعليل كذا قال شيخنا، وهو صريح في بقائها على إفادة التشبيه مع زيادة التعليل، والظاهر أنها في مثل ذلك للتعليل فقط وتسمية المصنف لها كاف التشبيه باعتبار الأصل كما مر فتدبر. قوله: "وجوز أبو سعيد" أي: السيرافي ووافقه ابن كيسان وحملهما على ذلك أن العرب أظهرت بعد لام كي أن تارة وكي تارة وهمع. قوله: "كذا بأن" هي أم الباب؛ لأنها تعمل ظاهرة ومقدرة وإنما أخرها عن لن وكي لطول
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٣؛ وجواهر الأدب ص١٣١؛ وخزانة الأدب ٨/ ٥٠٠، ٥٠١، ٥٠٣، ١٠/ ٢١٣، ٢٢٤؛ والدرر ٤/ ٢١١؛ والكتاب ٣/ ١١٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٩؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص٤٨٤؛ ورصف المباني ص٢١٤؛ واللمع في العربية ص٥٨، ٥٩، ١٥٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٣٨.
[ ٣ / ٤١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
علم" أي: ونحوه من أفعال اليقين فإنها لا تنصبه؛ لأنها حينئذ المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾ [طه: ٨٩]، أي: إنه سيكون وإنه لا يرجع. وأما قراءة بعضهم أن لا يرجع بالنصب وقوله:
١٠٦٠- نَرْضَى عنِ اللهِ أنَّ الناسَ قد عَلِموا أن لا يُدانِينا من خَلْقِهِ بَشَرُ
فمما شذ. نعم إذا أول العلم بغيره جاز وقوع الناصبة بعده، ولذلك أجاز سيبويه ما علمت إلا أن تقوم بالنصب، قال: لأنه كلام خرج مخرج الإشارة فجرى مجرى قولك أشير عليك أن تقوم، وقيل يجوز بلا تأويل. ذهب إليه الفراء وابن الأنباري. والجمهور على المنع
ــ
الكلام عليها عنهما قال في الهمع: ويقال فيها عن بإبدال الهمزة عينًا. قوله: "أي: ونحوه" حمل كلام المصنف على أن المعنى لا بعد مادة علم فاحتاج إلى قوله: ونحوه والأولى حمله على أن المعنى لا بعد مفيد علم كرأي وتحقق وتيقن وتبين وظن مستعملًا في العلم، وحينئذ لا يحتاج إلى ذلك، ومثل هذا يقال في قوله" والتي من بعد ظن قوله: "نرضى عن الله" يعني نثني عليه ونشكره وقوله: أن الناس إلخ استئناف بياني مسوق للتعليل وقوله: أن لا يدانينا أي: يقاربنا في المفاخر. قوله: "إذا أول العلم بغيره من ذلك ما إذا أريد به الظن.
قوله: "ولذلك أجاز سيبويه إلخ" ومنع المبرد النصب بعد العلم مطلقًا باقيًا على حقيقته أو مؤولا كما في الهمع. قوله: "خرج مخرج الإشارة" أي: وقع موقع الكلام الدال على الإشارة فمعنى ما علمت إلخ ما أشير عليك إلا بأن تقوم. وقوله: فجرى إلخ أي: فعومل معاملة قولك: أشير إلخ في نصب الفعل. قوله: "والجمهور على المنع" أي: منع وقوع الناصبة للمضارع بعد العلم بلا تأويل. قال الدماميني: هو الصواب؛ لأن الناصبة تدخل على ما ليس بمستقر ولا ثابت؛ لأنها تخلص المضارع للاستقبال فلا تقع بعد أفعال التحقيق بخلاف المخففة فإنها تقتضي تأكيد الشيء وثبوته واستقراره ا. هـ. وفيه عندي نظر؛ لأنه إن أريد بعدم استقرار مدخولها وثبوته عدم تيقنه فممنوع وتعليله باستقبال مدخولها لا يفيده فقد يكون المستقبل متيقنًا. وحينئذ لم يضر تلو أن أفعال اليقين وإن أريد به عدم حصوله وقت التكلم فمسلم، لكن لا يلزم من ذلك عدم تيقن حصوله في المستقبل. فإذا كان كذلك لم يضر تلو أن أفعال اليقين فكيف التصويب الذي ارتكبه، وقال الفارضي: إنما وجب كونها مخففة؛ لأن العلم لا يناسبه إلا التوكيد وأن المثقلة كالمخففة في التوكيد، وأما أن المصدرية فإنها للرجاء والطمع فلا يناسبان العلم ا. هـ. ثم ما ذكرناه من أن المراد بالمنع في قول الشارح والجمهور على المنع مع وقوع الناصبة للمضارع بعد العلم بلا تأويل لا مطلقًا هو المتبادر من عبارة التصريح والهمع والذي ترجاه شيخنا ويدل له تعليل الدماميني الذي قدمناه فقول البعض بعد العلم مطلقًا غير ظاهر، وقد تلخص أن الأقوال ثلاثة: قول المبرد بالمنع مطلقًا ولم يذكره الشارح، وقول الفراء وابن الأنباري بالجواز مطلقًا وقول سيبويه والجمهور
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لجرير في ديوانه ١/ ١٥٧؛ والدرر ٤/ ٥٦؛ وهمع الهوامع ٢/ ٢.
[ ٣ / ٤١٤ ]
فانْصَبْ بها والرفعَ صحِّحْ واعتقِدْ تَخْفيفها من أن فهو مُطَّرِدْ
ــ
"والتي من بعد ظن" ونحوه من أفعال الرجحان "فانصب بها" المضارع إن شئت بناء على أنها الناصبة له "والرفع صحح واعتقد" حينئذ "تخفيفها من أن" الثقيلة "فهو مطرد" وقد قرئ بالوجهين: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع تكون والباقون بنصبه. نعم النصب هو الأرجح عند عدم الفصل بينها وبين الفعل، ولهذا اتفقوا عليه في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] .
تنبيهات: الأول أجرى سيبويه والأخفش أن بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقن المخوف نحو: خفت أن لا تفعل وخشيت أن تقوم، ومنه قوله:
١٠٦١- أخافُ إذا ما مِتُّ أن لا أَذُوقَها
ــ
بالتفصيل فاعرف ذلك.
قوله: "والتي من بعد ظن إلخ" قال أبو حيان: وليس في الواقعة بعد الشك إلا النصب. سيوطي. قوله: "واعتقد حينئذ" أي: حين إذ رفعت بها. قوله: "هو الأرجح إلخ" أي: لأن الناصبة للمضارع أكثر وقوعًا من المخففة. أما عند الفصل فالأرجح الرفع؛ لأن الفصل بين المخففة ومدخولها أكثر من الفصل بين الناصبة للمضارع ومدخولها كذا قال البعض. وقد يقال أكثرية الفصل بين المخففة ومدخولها معارض بأكثرية وقوع الناصبة للمضارع، ومقتضى ذلك استواء الوجهين عند الفصل ويؤيده اختلاف القراء عند الفصل في قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] ولو كان راجحًا لاتفقوا عليه كما اتفقوا على النصب لرجحانه في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢]، كما سيذكره الشارح. نعم ذكر بعضهم أن السبعة قد يتفقون على المرجوح فافهم. قوله: "عند عدم الفصل" أي: بلا فقط؛ لأنها التي يحتمل معها كون أن مخففة أو ناصبة لجواز الفصل بها بين المخففة والفعل أو الناصبة والفعل بخلاف غيرها مما يفصل به بين المخففة والفعل كان وقد ولو وحرف التنفيس؛ لأن غيرها لا يفصل به بين الناصبة والفعل فمعه يتعين كون أن مخففة فيجب الرفع لا أنه يترجح فقط. فقول شيخنا عند عدم الفصل أي: بلا أو لن أو ما أشبههما من الحروف التي تفصل بين أن المخففة والفعل غير صحيح.
قوله: "بعد الخوف" أي: الذي لم يستعمل بمعنى العلم وإلا كان من بابه سم. قوله: "لتيقن المخوف" أي: عند تيقنه. قال سم: ويفهم منه وجوب النصب عند عدم التيقن وهو شامل لظن
_________________
(١) صدره: ولا تَدْفُنَنِّي في الفَلاةِ فإنَّنِي والبيت من الطويل وهو لأبي محجن الثقفي في ديوانه ص٤٨؛ والأزهية ص٦٧؛ وخزانة الأدب ٨/ ٣٩٨، ٤٠٢؛ والدرر ٤/ ٥٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٠١؛ والشعر والشعراء ١/ ٤٣١؛ ولسان العرب ٨/ ٢٥٧ "فنع"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨١؛ وهمع الهوامع ٢/ ٢؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ٣٠.
[ ٣ / ٤١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنع ذلك الفراء. الثاني: أجاز الفراء تقديم معمول معمولها عليها مستشهدًا بقوله:
١٠٦٢- رَبَّيْتُهُ حتّى إذا تَمَعْددا كانَ جزائي بالعَصا أنْ أُجْلَدا
قال في التسهيل: ولا حجة فيما استشهد به لندوره أو إمكان تقدير عامل مضمر الثالث: أجاز بعضهم الفصل بينها وبين منصوبها بالظرف وشبهه اختيارًا نحو: أريد أن عندك أقعد، وقد ورد ذلك مع غيرها اضطرارًا كقوله:
١٠٦٣- لَمَّا رأيتُ أبا يَزيدَ مُقاتِلا أَدَع القتالَ وأَشْهَد الهَيْجَاء
ــ
المخوف فظاهره أنه حينئذ لا يلحق بالظن كما ألحق بالعلم عند التيقن فليراجع ا. هـ. وقد يقال الذي يفهم من قوله: لتيقن المخوف أنه لا يجب الرفع عند عدم التيقن وعدم وجوب الرفع صادق بوجوب النصب وبجواز الوجهين فتأمل. قوله "أن لا أذوقها" أي: برفع أذوق كبقية القوافي والضمير للخمرة. قوله: "ومنع ذلك الفراء" أي: فأوجب النصب في تلك الصورة ونقله في الهمع عن المبرد. قوله: "أجاز الفراء إلخ" ومذهب البصريين المنع؛ لأن معمول الصلة من تمامها فكما لا تتقدم الصلة لا يتقدم معمولها همع. قوله: "تمعددا" أي: قويت معدته كناية عن كبره. قوله: "أو إمكان تقدير عامل مضمر" أي: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلد فالجار والمجرور متعلق بأجلد المحذوف لا المذكور. دماميني.
قوله: "أجاز بعضهم إلخ" أما الجمهور ومنهم سيبويه فيمنعون في الاختيار الفصل مطلقًا قوله: "بالظرف إلخ" وأجازه الكوفيون بالشرط نحو: أردت أن أن تزرني أزورك بالنصب. همع. قوله: "وشبهه" هو الجار والمجرور. قوله: "لما رأيت إلخ" يلغز به فيقال: أين جواب لما وبم انتصب أدع. والجواب أن الأصل لن ما فأدغمت النون في الميم للتقارب وحقهما أن يكتبا منفصلين لكن وصلا خطأ في بعض النسخ للإلغاز وما ظرفية مصدرية وقد فصل بها وبصلتها بين لن والفعل، وأشهد ليس معطوفًا على أدع لمنافاته قوله: لن أدع القتال بل منصوب بأن مضمر وأن والفعل عطف على القتال أي: لن أدع القتال وشهود الهيجاء فهو من عطف الفعل على المصدر الصريح ونظيره في الإلغاز قوله:
عافَتَ الماء في الشتاء فقلنا برديه تصادفيه سخينا
فيقال كيف يكون التبريد سببًا لمصادفته سخينًا. وجوابه أن الأصل بل رديه بوزن عديه من
_________________
(١) الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٢٨١؛ وخزانة الأدب ٨/ ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣٢، والدرر ١/ ٢٩٢، ٢/ ٥٠؛ والمحتسب ٢/ ٣١٠؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٤٢؛ والدرر ٤/ ٥٩؛ وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣٣٦؛ وشرح المفصل ٩/ ١٥١؛ واللامات ص٥٩؛ والمنصف ١/ ١٢٩؛ وهمع الهوامع ١/ ٨٨، ١١٢، ٢/ ٣.
(٢) البيت من الكامل، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٣؛ والخصائص ٢/ ٤١١ وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٨٣؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٨٣، ٢/ ٥٢٩، ٦٩٤.
[ ٣ / ٤١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتقدير لن أدع القتال مع شهود الهيجاء مدة رؤية أبي يزيد. الرابع أجاز بعض الكوفيين الجزم بها، ونقله اللحياني عن بعض بني صباح من ضبة وأنشدوا:
١٠٦٤- إذا ما غَدَوْنا قالَ وِلدانُ أَهْلِنا تعالَوْا إلى أنْ يَأْتِنا الصيدُ نَحْطِبِ
وقوله:
١٠٦٥- أُحاذِرُ أنْ تَعْلَمَ بِها فَتَرُدَّها فتَتْرُكَها ثِقْلا عليَّ كما هِيا
وفي هذا نظر؛ لأن عطف المنصوب -وهو فتتركها- عليه يدل على أنه سكن للضرورة لا مجزوم. الخامس تأتي أن مفسرة وزائدة فلا تنصب المضارع. فالمفسرة هي
ــ
الورود أي: اشربيه تجديه سخينا. قوله: "اللحياني" بكسر اللام وسكون الحاء المهملة، ولحيان أبو قبيلة وصباح بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة وآخره حاء مهملة أبو بطن من ضبة وضبة بمعجمة مفتوحة وموحدة مشددة أبو قبيلة. شمني مع زيادة قولي: أبو بطن من ضبة. واللحياني من البصريين كما في الهمع. قوله: "إذا ما غدونا" أي: بكرنا ونحطب بحاء مهملة فطاء مهملة مكسورة مضارع حطب أي: جمع الحطب وهو جواب الأمر. قوله: "أن تعلم بها" الضمير المستتر في تعلم يرجع إلى بثينة محبوبة الشاعر الذي هو جميل، والضمير البارز في بها يرجع إلى الحاجة المذكورة في البيت قبله، والثقل بكسر فسكون واحد الأثقال وهي الأشياء الثقيلة. قوله: "وهو فتتركها" حصر المنصوب في فتتركها؛ لأنه المنصوب نصا بخلاف فتردها إذ قد يدعي أنه مجزوم وحرك تخلصًا من التقاء الساكنين، وكان حركته فتحة للخفة. قوله: "تأتي أن مفسرة إلخ" وضميرًا للمتكلم في قول بعض العرب: أن فعلت وضميرًا للمخاطب في نحو: أنت وأنت إلخ. قال الكوفيون: وشرطية كإن المكسورة كما في قوله:
أبا خِراشة إما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع
ورجحه في المغني بأمور منها مجيء الفاء بعدها كثيرًا كما في البيت، وتقدم تخريجه على غير قولهم في باب كان وأخواتها. قيل ونافية كإن المكسورة كما في قوله تعالى حكاية عن طائفة من أهل الكتاب، ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وخرجه الزمخشري وغيره على معنى صدر منكم ما صدر كراهة أن يؤتى إلخ
، أي: حملكم على ذلك الحسد فيكون متعلقًا بمحذوف من مقول قل، أو على معنى ولا تظهروا الإيمان بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب إلا لمن تبع دينكم فيكون متعلقًا بقوله: ولا تؤمنوا، وجملة ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراض ونوقش
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ملحق ديوانه ص٣٨٩؛ وخزانة الأدب ٤/ ٢٩٢؛ وسمط اللآلي ص٦٧؛ وشرح شواهد المغني ص٩١؛ والمحتسب ٢/ ٢٩٥؛ وبلا نسبة في أمالي المرتضى ٢/ ١٩١؛ والجنى الداني ص٢٢٧؛ وجواهر الأدب ص١٩٢؛ ومغنى اللبيب ص٣٠.
(٢) البيت من الطويل، وهو لجميل بثينة في ديوانه ص٢٢٤؛ والدرر ٤/ ٥٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٩٨؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص٢٢٧؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ٣.
[ ٣ / ٤١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه نحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] والزائدة هي التالية للما نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦] والواقعة بين الكاف ومجرورها كقوله: بأن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا المستثنى والمستثنى منه وتابع أحدهما. وأجيب باحتمال أن الزمخشري لا يرى ذلك في الظرف والجار والمجرور لتوسعهم فيهما. قوله: "مفسرة" أي: لمتعلق فعل قبلها. قال الرضي: وأن لا تفسر إلا مفعولًا لا مقدرًا نحو: كتبت إليه أن قم أي: كتبت إليه شيئًا هو قم أو ظاهرا نحو: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ . دماميني. قوله: "المسبوقة بجملة إلخ" بقي قيدان: وهما أن يتأخر عنها جملة ولم تقترن بجار فخرج من التعريف ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لعدم تقدم الجملة فأن فيه مخففة من الثقيلة كما في الفارضي وغيره، وإنما لم تكن المسبوقة بمفرد مفسرة؛ لأن المفسرة ليس ما بعدها من صلة ما قبلها، بل يتم الكلام دونه ولا يحتاج إليه من جهة تفسير المبهم فيه وما بعد المسبوق بمفرد ليس كذلك، فإن أن الحمد لله خبر آخر دعواهم. قاله الرضي وقلت له: أن افعل لوجود حروف القول فلا يقال هذا التركيب لعدم وجوده في كلامهم؛ لأن الجملة تقع مفعولا لصريح القول، وعلى تسليم أنه يقال لا تجعل أن فيه تفسيرية بل زائدة وجوز الزمخشري في أن ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أن تكون أن مفسرة على تأويل قلت بأمرت، واستحسنه في المغني. قال: وعلى هذا فمعنى شرطهم أن لا يكون في الجملة قبلها حروف القول أي: باقيًا على حقيقته غير مؤول بغيره ا. هـ. وجوز ابن عصفور أن يفسر بها صريح القول ولا يقال أخذت عسجدًا أن ذهبًا لعدم تأخر الجملة فلا يؤتى بأن بل تحذف أو يؤتى بدلها بأي: وكتبت إليه بأن افعل أو كتبت إليه أن افعل إذا قدر معها الباء لاقترانها بالجار فهي مصدرية في الموضعين؛ لأن حرف الجر لا يدخل إلا على اسم صريح أو مؤول. قوله: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ قيل الجملة مفسرة فلا محل لها كما في المغني، وفيه عندي نظر؛ لأنه إنما يظهر في المفسرة التي ليست في معنى المفرد كما في زيدًا ضربته لا في المفسرة بعد أن للمفعول؛ لأن الظاهر أن هذه في محل نصب تبعًا لما فسرته؛ لأنها في معنى هذا اللفظ فيحل المفرد محلها. وفي كلام الكافيجي ما نصه: الظاهر أن الإيحاء متعلق بالجملة تعلق مفعولية فتكون منصوبة المحل ا. هـ. وهو يؤيد ما قلنا: إن أراد المفعولية في المعنى مع بقاء أن على كونها مفسرة فإن أراد المفعولية في اللفظ مع كون أن زائدة فشيء آخر فتدبر. قوله: "وانطق الملأ إلخ" ليس المراد بالانطلاق المشي بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي في أن امشوا المشي المتعارف بل الاستمرار على الشيء. فائدة: إذا ولي أن الصالحة للتفسير مضارع معه لا، نحو: أشرت إليه أن لا يفعل جاز رفعه على تقدير لا نافية وجزمه على تقديرها ناهية، وعليهما فأن مفسرة ونصبه على تقديرها نافية، وأن مصدرية فإن فقدت لا امتنع الجزم، وجاز الرفع والنصب ا. هـ. مغني أقول: يصح على الجزم بلا ناهية أن تكون أن مصدرية بناء على الأصح من كونها توصل بالأمر والنهي. قوله: "التالية للما"
[ ٣ / ٤١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٦٦- كأنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إلى وارِقِ السَّلَمْ
في رواية الجر. وبين القسم ولو كقوله:
١٠٦٧- فأُقْسِمُ أن لو التَقَيْنا وأنتم لكان لكم يومٌ من الشّرِّ مُظْلمُ
وأجاز الأخفش إعمال الزائدة، واستدل بالسماع كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا
ــ
أي: التوقيتية كما في المغني احترازًا عن النافية وهي الجازمة والموجبة وهي التي بمعنى إلا فما يقتضيه كلام البعض من مغايرة الجازمة للنافية فاسد.
قوله: "نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ " وتقول: أكرمك لما أن يقوم زيد بالرفع فارضي. قوله: "لكان لكم إلخ" جواب القسم لتقدمه وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب لقسم عليه بناء على أن الشرط الامتناعي كغيره في كون الجواب له عند تقدمه أو جواب لو وجواب القسم محذوف بناء على أن الجواب للامتناع، تقدم على القسم أو تأخر أو جواب لو ولو وما دخلت عليه جواب القسم. وسيأتي هذا الخلاف في بحث عوامل الجزم. قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ إن قلت ليست هذه من مواضع الزيادة المتقدمة. قلت الأخفش لا يخص الزيادة بما تقدم، بل زعم أنها تزاد في غير ذلك ا. هـ. تصريح ووجه زيادتها في الآية أن ما لنا ونحو: كما لك لا يقع بعده عند الأخفش إلا الفعل الصريح عن أن الجملة حالية نحو: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]، أو الاسم الصريح على أنه حال نحو: ما لك قائمًا دون المؤول بالاسم ولا يرد أن الجملة الحالية لا
_________________
(١) صدره: ويومًا تَوافَيْنا بوجْه مُعَسَّمٍ والبيت من الطويل، وهو لعلباء بن أرقم في الأصمعيات ص١٥٧؛ والدرر ٢/ ٢٠٠؛ وشرح التصريح ١/ ٢٣٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٤؛ ولأرقم بن علباء في شرح أبيات سيبويه ١/ ٥٢٥؛ ولزيد بن أرقم في الإنصاف ١/ ٢٠٢؛ ولكعب بن أرقم في لسان العرب ١٢/ ٤٨٢ "قسم"؛ ولباغت بن صريم اليشكري في تخليص الشواهد ص٣٩٠؛ وشرح المفصل ٨/ ٨٣؛ والكتاب ٢/ ١٣٤؛ وله أو لعلباء بن أرقم في المقاصد النحوية ٢/ ٣٠١؛ ولأحدهما أو لأرقم بن علباء في شرح شواهد المغني ١/ ١١١؛ ولأحدهما أو لراشد بن شهاب اليشكري أو لابن أصرم اليشكري في خزانة الأدب ١٠/ ٤١١؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٧٧؛ وجواهر الأدب ص١٩٧؛ والجنى الداني ص٢٢٢، ٥٢٢؛ ورصف المباني ص١١٧، ٢١١؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٨٣؛ وسمط اللآلي ص٨٢٩؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٤١، ٣٣١؛ وشرح قطر الندى ص١٥٧؛ والكتاب ٣/ ١٦٥؛ والمحتسب ١/ ٣٠٨؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٣؛ والمقرب ١/ ١١١، ٢/ ٢٠٤؛ والمنصف ٣/ ١٢٨؛ وهمع الهوامع ١/ ١٤٣.
(٢) البيت من الطويل، وهو للمسيب بن علس في خزانة الأدب ٤/ ١٤٥، ١٠/ ٥٨٠، ٥٨١، ١١/ ٣١٨؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٨٥؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٠٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٦٠؛ وجواهر الأدب ص١٩٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٣؛ وشرح المفصل ٩/ ٩٤؛ والكتاب ٣/ ١٠٧؛ ولسان العرب ١٢/ ٣٧٨ "ظلم"؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤١٨.
[ ٣ / ٤١٩ ]
وبَعْضُهم أَهْمَلَ أنْ حَمْلا على ما أُخْتِها حيثُ اسْتَحَقَّت عَمَلا
ــ
نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وبالقياس على حرف الجر الزائد، ولا حجة في ذلك؛ لأنها في الآية مصدرية، فقيل: دخلت بعد ما لنا لتأوله بما منعنا، وفيه نظر؛ لأنه لم يثبت إعمال الجار والمجرور في المفعول؛ ولأن الأصل أن لا تكون لا زائدة، والصواب قول بعضهم: إن الأصل وما لنا في أن لا نقاتل، والفرق بينها وبين حرف الجر أن اختصاصه باق مع الزيادة بخلافها فإنها قد وليها الاسم في البيت الأول والحرف في الثاني "وبعضهم" أي: بعض العرب "أهمل أن حملا على ما أختها" أي: المصدرية "حيث استحقت عملا" أي: واجبًا، وذلك إذا لم يتقدمها علم أو ظن كقراءة ابن محيصن: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ" [البقرة: ٢٣٣]، وقوله:
١٠٦٨- أَنْ تَقْرآنِ على أسْماءِ وَيَحْكُما مِنّي السلامَ وأن لا تُشْعرا أَحَدا
ــ
تصدر بدليل استقبال؛ لأن دليل الاستقبال أن غير الزائدة لا الزائدة، كذا في الدماميني. قوله: "لتأوله بما منعنا" أي: فأن لا نقاتل مفعول ثان للجار والمجرور لتأوله بفعل يتعدى لاثنين.
قوله: "إعمال الجار والمجرور" وهو لنا في المفعول وهو أن لا نقاتل ا. هـ. سم قال الدماميني: قد يقال إنما يرد ذلك لو كان أن لا نقاتل عند هذا القائل مفعولًا مصرحًا وليس في كلامه ما يقتضيه لاحتمال أن يكون عنده على نزع الخافض وهو عن فإنه يقال منعته عن كذا كما في الصحاح وغيره والمحل نصب أو خفض على الخلاف. قوله: "أن لا تكون لا زائدة" أي: كما لزم على هذا القول إذ المعنى عليه وما منعنا أن نقاتل سم. قوله: "والصواب قول بعضهم إلخ" هذا مقابل القيل السابق كما هو صريح المغني لا قول الأخفش، كما زعم البعض؛ لأنه قابل قول الأخفش بقوله: لأنها في الآية مصدرية، ثم ذكر قولين على أنها مصدرية. قوله: "في أن لا نقاتل" فتكون أن مصدرية منسبكة مع ما بعدها بمصدر مجرور بجار محذوف متعلق بما تعلق به لنا. قوله: "والفرق بينها إلخ" هذا رد لقياس الأخفش أن الزائدة على حرف الجر الزائد.
قوله: "حملا" أي: بالحمل على ما بجامع أن كلا منهما حرف مصدري ثنائي، وبعضهم أعمل ما المصدرية حملا على أن المصدرية نحو: كما تكونوا يولي عليكم ا. هـ. مغني قال الدماميني: ولا حاجة إلى جعل ما هنا ناصبة فإن في ذلك إثبات حكم لها لم يثبت في غير هذا المحل بل الفعل مرفوع ونون الرفع محذوفة وقد سمع نثرًا ونظمًا ا. هـ. قوله: "حيث استحقت" أي: إن عملًا أي: واجبًا كما يفيده كلام الشارح والظرف متعلق بأهمل. قوله: "وذلك" أي: استحقاق أن العمل. قوله: "لمن أراد أن يتم" أي: بالرفع والقول بأن أصله يتمون فهو منصوب
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٣؛ والإنصاف ٢/ ٥٦٣؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٥٦؛ والجنى الداني ص٢٢٠؛ وجواهر الأدب ص١٩٢؛ وخزانة الأدب ٨/ ٤٢٠، ٤٢١، ٤٢٣، ٤٢٤؛ والخصائص ١/ ٣٩٠؛ ورصف المباني ص١١٣؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٤٩؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٠٠؛ وشرح المفصل ٧/ ١٥، ٨/ ١٤٣؛ ٩/ ١٩؛ ولسان العرب ١٣/ ٣٣ "أنن"؛ ومجالس ثعلب ص٢٩٠؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٠؛ والمنصف ١/ ٢٧٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٠.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
ونَصَبُوا بإذَن المُسْتَقبلا إنْ صُدِّرَت والفِعلُ بعدُ مُوصَلا
أو قَبْلَهُ اليمينُ وانْصَبْ وارْفَعا إذا إذنْ من بعدِ عَطْفٍ وَقَعا
_________________
(١) هذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فهي عندهم مخففة من الثقيلة. تنبيه: ظاهر كلام المصنف أن إهمالها مقيس "ونصبوا بإذن المستقبلا إن صدرت والفعل بعد موصلا. أو قبله اليمين" أي: شروط النصب بإذن ثلاثة: الأول أن يكون الفعل مستقبلا، فيجب الرفع في إذن تصدق جوابًا لمن قال: أنا أحبك. الثاني: أن تكون مصدره، فإن تأخرت نحو: أكرمك إذن أهملت، وكذا إن وقعت حشوا كقوله: بحذف النون وحذفت الواو للساكنين واستصحب ذلك خطأ، والجمع باعتبار معنى من تكلف. تصريح. قوله: "أن تقرآن إلخ" إما محل نصب بدل من حاجة في قوله قبله: يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما وحيثما كنتما لاقيتما رشدا أن تحملا حاجة لي خف محملها وتصنعا نعمة عندي بها ويدا أو من أن تحملا المنصوب بمحذوف تقديره: أسألكما وإما في محل رفع خبر مبتدأ محذوف عائد إلى حاجة أي: هي أن تقرآن، والشاهد في أن الأولى وليست مخففة من الثقيلة خلافًا للكوفيين، قيل بدليل أن المعطوف عليها واعترض بأنه لا مانع من عطف أن الناصبة وصلتها على أن المخففة وصلتها إذ هو عطف مصدر على مصدر ا. هـ. يس مع زيادة وقد يجاب بأن مراده أن عطف أن الناصبة مرجح لكون أن العطوف عليها ناصبة للتناسب والترجيح كاف في الاستشهاد ولا يلزم التعيين ولك أن تستدل على كونها ليست المخففة بعدم وقوعها بعد دال علم أو ظن فاحفظه. قوله: "ظاهر كلام المصنف إلخ" وظاهره أيضًا اختصاصها بالإهمال ووجهه أنهم يتوسعون في الأمهات وضعفها من جهة أنها قد تهمل لا ينافي كونها أما إذ لا يلزم في الأم قوتها من كل وجه فاندفع اعتراض البعض. قوله: "ونصبوا" اعلم أن أكثر العرب يلتزم إعمال إذن عند استيفاء شروطه والقليل منهم يلتزم إهمالها عند ذلك كما سيذكره الشارح. إذا علمت ذلك فالضمير في نصبوا لأكثر العرب وهو على الوجوب، فقول البعض تبعًا لشيخنا: ونصبوا أي: جوازًا كما سينبه الشارح عليه غير ظاهر فتأمل، والواو في والفعل بعد حالية وموصلًا حال من الضمير المستكن في الخبر أعني بعد. وقوله: أو قبله اليمين إما معطوف على بعد واليمين فاعل الظرف لاعتماده على المبتدأ أو مبتدأ مؤخر وقبله خبر مقدم، وإما معطوف على موصلًا على الوجهين المذكورين في العطف على بعد، والمراد بالبعدية على هذا ما يشمل البعدية مع الانفصال. قوله: "أن يكون الفعل مستقبلا" إجراء لها مجرى سائر النواصب وإنما لم تعمل النواصب في فعل الحال؛ لأن له تحققا في الوجود كالأسماء فلا يعمل فيه عوامل الأفعال. دماميني. قوله: "فيجب الرفع في إذن تصدق إلخ" أي: لأنه حال ومن شأن الناصب أن يخلص المضارع للاستقبال. همع. قوله: "أن تكون مصدرة" أي: في جملتها بحيث لا يسبقها شيء له تعلق بما بعدها، وإنما لم تعمل غير مصدرة لضعفها بعدم تصدرها
[ ٣ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٦٩- لَئِنْ عادَ لي عبدُ العزيزِ بِمْثِلها وأَمْكننِي منها إذا لا أُقِيلُهَا
فأما قوله:
١٠٧٠- لا تَتْرُكَنِّي فيهُمُ شَطِيرا إنِّي إذًا أَهْلِكُ أو أَطيرا
ــ
عن العمل ا. هـ. دماميني وفي الشمني أن ترك تصديرها داخلة على المضارع إنما يكون في ثلاثة مواضع بالاستقراء أن يكون ما بعدها خبرًا لما قبلها نحو: أنا إذن أكرمك أو جوابًا لشرط قبلها نحو: إن تزرني إذن أكرمك أو لقسم قبلها نحو: والله إذن لأخرجن ا. هـ. وفي الموضع الأول خلاف كما في الهمع فأجاز هشام النصب بعد مبتدأ كالمثال وأجازه الكسائي بعد اسم أنه نحو: إني إذن أهلك أو أطير أو اسم كان نحو: كان زيد إذن يكرمك قال أبو حيان: وقياس قوله جواز النصب بعد ظن نحو: ظننت زيدًا إذن يكرمك.
قوله: "أهملت" أي: وجوبًا بلا خلاف؛ لأن الفعل المنصوب لا يجوز تقديمه على ناصبه همع. قوله: "بمثلها" أي: بمثل مقالته سابقًا تمن علي وقوله: لا أقبلها أي: لا أترك مقالتي سابقًا أتمنى عليك أن أكون كاتبًا عندك. وعبد العزيز هذا والد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وأخوه بعد الملك بن مروان تولى إمارة مصر لا الخلافة العظمى كما في الشمني وغيره، كان الشاعر وهو كثير عزة امتدحه بقصيدة أعجبته فقال له: تمن علي. فقال له: أتمنى عليك أن أكون كاتبك، فقال له: ويحك أنت لا تحسن الكتابة وأعطاه جائزة فصمم على أنه إن قال له عبد العزيز ثانيًا تمن علي لا يتمنى إلا كونه كاتبه وقد عد هذا من حمقه. وإرجاع الضمير للمقالة هو ما قاله الدماميني والعيني وأرجعه الشمني لخطة الرشد في قوله قبل:
عجبت لتركي خطة الرشد بعد ما بدا لي من عبد العزيز قبولها
والشاهد في قوله: لا أقيلها حيث رفعه لعدم تصدر إذن لكونها جواب قسم سابق عليها في قوله:
حلفت برب الراقصات إلى منى
إلخ وجواب الشرط محذوف فعلم ما في كلام الحواشي من الخلل. قوله: "شطيرا" بفتح
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لكثير عزة في ديوانه ص٣٠٥؛ وخزانة الأدب ٨/ ٤٧٣، ٤٧٤، ٤٧٦؛ والدرر ٤/ ٧١؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٩٧؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤٤؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٤؛ وشرح شواهد المغني ص٦٣؛ وشرح المفصل ٩/ ١٣، ٢٢؛ والكتاب ٣/ ١٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٦٥؛ وخزانة الأدب ٨/ ٤٤٧، ١١/ ٣٤٠؛ ورصف المباني ص٦٦، ٢٤٣؛ وشرح شذور الذهب ص٣٧٥؛ والعقد الفريد ٣/ ٨؛ ومغني اللبيب ١/ ٢١.
(٢) الرجز بلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٧٧؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٦٦؛ والجنى الداني ص٣٦٢ وخزانة الأدب ٨/ ٤٥٦، ٤٦٠؛ والدرر ٤/ ٧٢؛ ورصف المباني ص٦٦؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٤؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٧٠؛ وشرح المفصل ٧/ ١٧؛ ولسان العرب ٤/ ٤٠٨ "شطر"؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٣؛ والمقرب ١/ ٢٦١؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فضرورة أو الخبر محذوف أي: إني لا أستطيع ذلك، ثم استأنف: إذن أهلك، فإن كان المتقدم عليها حرف عطف فسيأتي. الثالث: أن لا يفصل بينها وبين الفصل بغير القسم، فيجيب الرفع في نحو. إذا أنا أكرمك ويغتفر الفصل بالقسم كقوله:
١٠٧١- إذنْ واللهِ نَرْميهُم بحَرْبٍ يَشِيبُ الطفلُ من قبلِ المشيبِ
وأجاز ابن بابشاذ الفصل بالنداء والدعاء، وابن عصفور الفصل بالظرف، والصحيح المنع إذ لم يسمع شيء من ذلك. وأجاز الكسائي وهشام الفصل بمعمول الفعل، والاختيار حينئذ عند الكسائي النصب وعند هشام الرفع "وانصب وارفعا إذا إذن من بعد عطف"
ــ
الشين المعجمة أي: غريبًا وأهلك بكسر اللام ويجوز فتحها على ما في القاموس. قوله: "أن لا يفصل إلخ" لضعفها مع الفصل عن العمل. ا. هـ. تصريح. قوله "وبالقسم" كذا بلا النافية؛ لأن القسم تأكيد لربط إذن ولا لم يعتد بها فاصلة في أن فكذا في إذن سيوطي. قوله "والدعاء" نحو: إذن غفر الله لك أكرمك. قوله: "بمعمول الفعل" فلو قدم معمول الفعل على إذن نحو: زيدًا إذن أكرم فذهب الفراء إلى أنه يبطل عملها، وأجاز الكسائي الرفع والنصب. قال أبو حيان: ولا نص أحفظه عن البصريين في ذلك ومقتضى اشتراطهم في عملها التصدير أن لا تعمل حينئذ؛ لأنها غير مصدرية ويحتمل أن يقال تعمل؛ لأنها وإن لم تتصدر لفظًا فهي مصدرة في النية؛ لأن النية بالمعمول التأخير ا. هـ. سيوطي قال سم: ويؤخذ من كلامه عدم العمل قطعًا في نحو: يا زيد إذن أكرمك؛ لأن المتقدم عليها معمول ا. هـ. وفيه عندي نظر لتصدرها في جملتها؛ ولأن نحو: هذا المثال ليس من المواضع الثلاثة المحصورة فيها عدم تصدرها داخلة على المضارع.
كما مر قوله: "عند الكسائي النصب" فيه أنه تقدم عن الكسائي في الفصل بين كي والفعل بمعموله أنه يبطل عملها ويمكن الفرق بشدة اقتضاء كي المصدرية الاتصال بالفعل؛ لأنهما في تأويل اسم واحد سم. قوله: "وعند هشام الرفع" لضعف عملها بالفصل وكان القياس بطلان العمل فلا أقل من أن يكون مرجوحًا. قوله: "وانصب وارفعا" وقد يجزم إن اقتضاه الحال كما سيأتي في الشرح، وإنما جاز النصب والرفع؛ لأنك عطفت جملة مستقلة على جملة مستقلة فمن حيث كون إذن في ابتداء جملة مستقلة هو متصدر فيجوز انتصاب الفعل بعده ومن حيث كون ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط حرف العطف بعض الكلام ببعض هو متوسط وإلغاؤها أجود كما في الرضي؛ لأنها غير متصدرة في الظاهر ا. هـ. سم ويشير إلى رجحانه قوله: وارفعا بنون التوكيد الخفيفة المبدلة ألفًا ومقتضى التعليل المذكور تعين النصب إذا كانت الواو أو الفاء
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو لحسان بن ثابت في ملحق ديوانه ص٣٧١؛ والأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٣؛ والدرر ٤/ ٧٠؛ وشرح شواهد المغني ص٩٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٦؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٦٨؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٥؛ وشرح شذور الذهب ص٣٧٦؛ وشرح قطر الندى ص٥٩؛ ومغني اللبيب ص٦٩٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ٧.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بالواو والفاء "وقعا" وقد قرئ شاذا "وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا خِلَفَك" ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]، على الأعمال نعم الغالب الرفع على الإهمال وبه قرأ السبعة. تنبيهات: الأول أطلق العطف والتحقيق أنه إذا كان العطف على ما له محل ألغيت، فإذا قيل أن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك فإن قدرت العطف على الجواب جزمت وأهملت إذن لوقوعها حشوًا، أو على الجملتين معًا جاز الرفع والنصب. وقيل يتعين النصب؛ لأن ما بعدها مستأنف؛ أو لأن المعطوف على الأول أول. ومثل ذلك: زيد يقوم وإذن أحسن إليه إن عطفت على الفعلية رفعت، أو على الاسمية فالمذهبان. الثاني الصحيح الذي عليه الجمهور أن إذن حرف، وذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم والأصل في إذن أكرمك إذا جئتني أكرمك، ثم حذفت الجملة وعوض عنها التنوين وأضمرت أن. وعلى الأول استئنافية كما إذا قيل لك آتيك غدًا فقلت مستأنفًا وإذن أكرمك. قوله: "على ما له محل" قال البعض: كان الأولى أن يقول على ما له إعراب ليشمل اللفظي والمحلي بقرينة التمثيل ا. هـ. ويدفع بأن ما له محل شامل لما إعرابه لفظي؛ لأنه معرب لفظًا ومحلا فهو مما له محل فتدبر. قوله: "ألغيت" أي: وجوبًا لوقوعها حشوًا كما سيذكره الشارح. قوله: "لوقوعها حشوًا" أي: بين جزأي الجواب، وإن شئت قلت بين الشرط والجواب؛ لأن المعطوف على الجواب جواب. قوله: "أو على الجملتين معًا" أي: جملتي الشرط والجواب. قوله: "وقيل يتعين النصب" ليس المراد وقيل إن قدرت العطف على الجملتين معًا يتعين النصب؛ لأنه ينافيه قوله: لأن ما بعدها مستأنف بل المراد وقيل إن لم تعطف عن الجواب أعم من أن تقدر الواو عاطفة أو استئنافية ثم المراد تعين النصب على لغة أكثر العرب الملتزمين إعمال إذن عند استيفاء الشروط فلا ينافي جواز الرفع على لغة بعضهم الملغى لها عند استيفاء الشروط، فاندفع ما أطال به البعض. قوله: "لأن ما بعدها مستأنف" أي: بناء على أن الواو استئافية وقوله: لأن المعطوف إلخ أي: بناء على أنها عاطفة. قوله: "فالمذهبان" أي: القول بجواز الأمرين والقول بتعين النصب. قوله: إلى أنها اسم" أي: غير ناصب للفعل، وإنما الناصب له أن مضمرة بعده كما سيذكره. قوله: " وعوض عنها التنوين" أي: وحذفت الألف لالتقاء الساكنين. قوله: "وأضمرت أن" ولعل المفرد المؤول به أن ومدخولها عند صاحب هذا القول فاعل أي: إذا جئتني وقع إكرامك لا مبتدأ خبره محذوف أي: حاصل وإلا وجبت الفاء الرابطة الواجبة مع الجملة الاسمية الواقعة جوابًا قاله الدماميني. وذهب الرضي إلى أنها اسم وأصلها إذا حذفت الجملة المضاف إليها وعوض عنها التنوين وفتح ليكون في صورة ظرف منصوب وقصد جعله صالحًا لجميع الأزمنة بعد ما كان مختصا بالماضي وضمن معنى الشرط غالبًا. قال: وإنما قلنا غالبًا؛ لأنه لا معنى للشرط في نحو: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، ثم قال: وإذا كان بمعنى الشرط في الماضي جاز إجراؤه مجرى لو في قرن جوابه باللام نحو: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ أي: ولو ركنت شيئًا قليلا لأذقناك وإذا كان بمعنى الشرط في المستقبل جاز
[ ٣ / ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فالصحيح أنها بسيطة لا مركبة من إذ وأن وعلى البساطة فالصحيح أنها الناصبة لا أن مضمرة بعدها كما أفهمه كلامه. الثالث معناها عند سيبويه الجواب والجزاء فقال الشلوبين: في كل موضع. وقال الفارسي: في الأكثر. وقد تتمحض للجواب بدليل أنه يقال أحبك قرن جوابها بالفاء كقوله: ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه إذا فلا رفعت سوطًا إلي يدي أي: إن أتيت فلا إلخ وقد تستعمل بعد لو وإن توكيدًا لهما نحو: لو زرتني إذن لأكرمتك وإن جئتني إذن أزرك ثم قال: ولما احتمل إذن التي يليها المضارع معنى الجزاء فالمضارع مستقبل واحتمل معنى مجرد الزمان فالمضارع حال وقصد التنصيص على معنى الجزاء في إذن نصب المشارع بأن المقدرة؛ لأنها تخلصه للاستقبال فتحمل إذن على الغالب فيها من الجزاء لانتفاء الحالية المانعة من الجزاء بسبب النصب بأن ثم قال: وإنما ادعينا أن إذن زمانية لظهور معنى الزمان فيها في جميع استعمالاتها وقلب نونها في الوقف ألفًا يرجح جانب اسميتها وتجويز الفصل بينهما وبين منصوبها بالقسم ونحوه يقوي كونها غير ناصبة بنفسها كأن ولن إذ لا يفصل بين الحرف ومعموله بما ليس من معموله ا. هـ. ولا يخفى أن أكثر ما قاله متأت على أن أصلها إذا. وفي حاشية السيوطي على المغني عن بعضها أن إذن تأتي على وجهين حرف ناصب للمضارع مختص به واسم أصله إذا أو إذ حذفت الجملة المضاف إليها وعوض عنها التنوين وهذه تدخل على غير المضارع وعلى المضارع فيرفع فيجوز أن تقول لمن قال: أنا آتيك إذن أكرمك بالرفع على أن الأصل إذا أتيتني أكرمك وبالنصب على أنها الحرفية. قوله: "وعلى الأول" أو على أنها حرف أما على الثاني فبسيطة قطعًا وقوله: لا مركبة من إذ وإن نقلت حركة الهمزة إلى الذال ثم حذفت ا. هـ. سم أي: وغلب عليها وحكم الحرفية، وهذا قول الخليل قال: فإذا قال القائل أزورك فقلت إذن أكرمك فكأنك قلت حينئذ إكرامي واقع ا. هـ. أي: ولا من إذا وأن حذفت همزة أن ثم ألف إذ لالتقاء الساكنين كما يقول الرندي مستدلا بأنها تعطي الربط كإذا والنصب كأن أفاد كل ذلك في الهمع. قوله: "وعلى البساطة" قيد بذلك؛ لأن القائل بالتركيب يجعل النصب بأن المشتملة عليها إذن كما في حاشية السيوطي على المغني. قوله: "لا أن مضمرة بعدها" كما ذهب إليه الخليل في أحد قوليه؛ لأن أن لا تضمر إلا بعد عاطف أو جار ا. هـ. دماميني واعتل الخليل بعدم اختصاصها لدخولها على الجملة الاسمية نحو: إذن عبد الله يأتيك همع. قوله: "كما أفهمه كلامه" يعني قوله: ونصبوا بإذن المستقبلا. قوله: "الجواب" أي: لكلام آخر ملفوظ أو مقدر سواء وقعت في الصدر أو الحشو أو الآخر وقوله: والجزاء أي: المجازاة لمضمون كلام آخر وفي كلامه مسامحة أي: ربط الجواب إلخ. قوله: "فقال الشلوبين: في كل موضع" وتكلف تخريج نحو: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ على الشرط والجزاء أي: إن كنت فعلت الوكزة كافرًا لأنعمك كما زعمت يا فرعون فأنا من
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وبَيْنَ لا ولامِ جَرٍّ التُزِمْ إظهارُ أنْ ناصِبةً وإنْ عُدِمْ
لا فأن اعمِل مُظهرًا أو مُضمرا وبعد نَفْي كان حَتما أضْمِرا
_________________
(١) فتقول: إذن أظنك صادقًا إذ لا مجازاة هنا. الرابع اختلف في لفظها عند الوقف عليها والصحيح أن نونها تبدل ألفًا تشبيهًا لها بتنوين المنصوب. وقيل بوقف بالنون؛ لأنها كنون لن وأن. وروي ذلك عن المازني والمبرد، وينبني على هذا الخلاف خلاف في كتابتها، والجمهور يكتبونها بالألف وكذا رسمت في المصاحف، والمازني والمبرد بالنون وعن الفراء إن علمت كتب بالألف وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا، وتبعه ابن خروف. الخامس حكى سيبويه وعيسى بن عمر أن من العرب من يلغيها مع استيفاء الشروط وهي لغة نادرة، ولكنها القياس؛ لأنها غير مختصة، وإنما أعملها الأكثرون حملًا على ظن؛ لأنها مثلها في جواز تقدمها على الجملة وتأخرها عنها وتوسطها بين جزأيها، كما حملت ما على ليس؛ لأنها مثلها في نفي الحال ا. هـ. "وبين لا ولام جر التزم إظهار أن ناصبة" نحو: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، لا في الآية الأولى نافية وفي الثانية مؤكدة زائدة "وإن عدم لا فأن اعمل مظهرا أو مضمرا" لا في موضع الرفع بعدم، وأن في موضع النصب بأعمل، ومظهرًا ومضمرًا نصب على الحال: إما من أن إن كانا اسمي مفعول، أو من فاعل أعمل المستتر إن كانا اسمي الضالين بل فعلتها غير قاصد القتل وغير كافر لأنعمك. قوله "إذا أظنك صادقًا" برفع أظن؛ لأن للحال كما يفيده ما سننقله عن الرضي. قوله: "إذ لا مجازاة هنا" قال الرضي: لأن الشرط والجزاء إما في الاستقبال أو في الماضي ولا مدخل للجزاء في الحال ا. هـ. ولأن ظن الصدق لا يصلح جزاء للمحبة. قوله: "اختلف في لفظها إلخ" أي: في غير القرآن أما فيه فيوقف عليها وتكتب بالألف إجماعًا كما في الإتقان اتباعًا للمصحف العثمان، قال السيوطي في حاشية المغني: ينبغي أن يكون الخلاف في الوقف عليها مبنيًا على الخلاف في حقيقتها فعلى أنها حرف يوقف عليها بالنون وعلى أنها اسم منون يوقف عليها بالألف. قوله: "والجمهور يكتبونها إلخ" المناسب فالجمهور بالفاء كما في عبارة المغني. قوله: "والمازني والمبرد بالنون" وعزاه أبو حيان إلى الجمهور. قوله: "وعن الفراء إلخ" ونقل السيوطي قولًا بالعكس لضعفها في الإهمال وقوتها في العمل. قوله: "إن عملت كتبت بالألف" لمنع العمل التباسها بإذا الظرفية ويرد عليه أن العمل في اللفظ وليس الشكل لازمًا فالفرق في الكتابة محتاج له على العمل أيضًا. قوله: "وهي لغة نادرة" تلقها البصريون بالقبول فلا التفات إلى قول من أنكرها دماميني قوله: "وبين لا" أي: سواء كانت نافية أو زائدة ولهذا مثل بمثالين. قوله: "ناصبة" أتى به مع علمه من كون الكلام في أن الناصبة دفعًا لتوهم إهمالها لفصلها من الفعل بلا. قوله: "فإن أعمل" أي: إن الواقعة بعد لام الجر سواء كانت للتعليل كما مثل أو للعاقبة نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، أو للتوكيد وهي الآتية بعد فعل متعد نحو: وأمرنا لنسلم لرب
[ ٣ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فاعل، أي: يجوز إظهار أن وإضمارها بعد اللام إذا لم يسبقها كون ناقص ماض منفي ولم يقترن الفعل بلا فالإضمار نحو: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]، والإظهار نحو: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] فإن سبقها كون ناقص ماض منفي وجب إضمار أن بعدها هذا أشار إليه بقوله: "وبعد نفي كان حتما أضمرا" أي: نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]، وتسمى هذه اللام لام الجحود، وسماها النحاس لام النفي وهو الصواب، والتي قبلها لام كي؛ لأنها للسبب كما أن كي للسبب. وحاصل كلامه أن لأن بعد لام الجحود ثلاثة أحوال: وجوب إظهارها مع المقرون بلا، ووجوب إضمارها بعد نفي كان، وجواز الأمرين فيما عدا ذلك. ولا يجب الإضمار بعد كان التامة؛ لأن اللام بعدها ليست لام الجحود، العالمين. قاله الفاكهي، أي: أو للتعدية نحو: أعددت زيدًا ليقاتل. قوله: "إذا لم يسبقها إلخ" أخذ من قوله الآتي: وبعد نفي كان إلخ. قوله: "ماض" أي: لفظًا ومعنى أو معنى فقط. قوله: "نحو: وأمرنا لنسلم لرب العالمين إلخ" اختلف في اللام في نحو: الآيتين فقيل زائدة وقيل للتعليل والمفعول محذوف أي: وأمرنا بما أمرنا به لنسلم لرب العالمين وقيل للتعليل ولا مفعول بل الفعل في معنى مصدر مرفوع بالابتداء واللام ومجرورها خير عنه؛ لأن الفعل إذا جرد عن الزمان وأريد به الحدث فقط كان كالاسم في صحة الإضافة والإسناد إليه كذا في المغنى والشمني. قوله: "وبعد نفي كان إلخ" يعني ما لم ينتقض النفي نحو: ما كان زيد إلا ليضرب عمرًا ويجوز ذلك مع لام كي نحو: ما جاء زيد إلا ليضرب عمرًا قاله أبو حيان، وظاهر قوله ويجوز ذلك مع لام كي أن المراد بقوله: ما لم ينتقض، النفي أنه لا يجوز انتقاض النفي مع لام الجحود فتأمل. قال: والفرق أن النفي مسلط مع لام الجحود على ما قبلها وهو المحذوف الذي تتعلق به اللام، فيلزم من نفيه نفي ما بعدها وفي لام كي يتسلط على ما بعدها نحو: ما جاء زيد ليضرب فينتفي الضرب خاصة ولا ينتفي المجيء إلا بقرينة تدل على انتفائه ا. هـ. وحاصل الفرق كما قاله شيخنا أن النفي مع لام الجحود مسلط على الكلام بتمامه أعني ما قبلها وما بعدها، ومع لام كي مسلط على ما بعدها فقط أي: فاغتفر الانتقاض معها بخلاف لام الجحود. قوله: "لا الجحود" من تسمية العام بالخاص؛ لأن الجحود إنكار الحق لا مطلق النفي والنحويون أطلقوه وأرادوا الثاني ا. هـ. تصريح وبهذا يندفع تصويت قول النحاس. قوله: "والتي قبلها لام كي" وحكمها الكسر وفتحها لغة تميم. همع. قوله: "لأنها للسبب" أي: في الجملة والأفلام كي قد تكون لغير السبب كالتي للعاقبة والزائدة والمعدية. قوله "وجوب إظهارها مع المقرون بلا" كراهة اجتماع اللامين سم. قوله: "ووجوب إضمارها إلخ" علل بأن إثبات ما كان زيد ليفعل كان زيد سيفعل جعلت اللام معادلة للسين فكما لا يجمع بين أن السين لا يجمع بين أن واللام زكريا. قوله: "ليست لام الحجود" بل هي لام كي نحو: ما كان زيد ليلعب أي: ما وجد للعب.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإنما لم يقيد كلامه بالناقصة اكتفاء بأنها المفهومة عند إطلاق كان لشهرتها وكثرتها في أبواب النحو. ودخل في قوله نفي كان نحو: لم يكن أي: المضارع المنفي بلم كما رأيت؛ لأن لم تنفي المضارع. وقد فهم من النظم قصر ذلك على كان خلافًا لمن أجازه في أخواتها قياسًا ولمن أجازه في ظننت. تنبيهات: الأول ما ذكره من أن اللام التي ينصب الفعل بعدها هي لام الجر والنصب بأن مضمرة هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن اللام ناصبة بنفسها، وذهب ثعلب إلى أن اللام ناصبة بنفسها لقيامها مقام أن، والخلاف في اللامين أعني لام الجحود ولام كي. الثاني اختلف في الفعل الواقع بعد اللام: فذهب الكوفيون إلى أنه خبر كان واللام للتوكيد. وذهب البصريون إلى أن الخبر محذوف واللام متعلقة بذلك الخبر قوله: "لأن لم تنفي المضارع" لو قال: لأن لم تقلب المضارع إلى المضي لأنتج مطلوبه وفي بعض النسخ؛ لأن لم تنفي الماضي أي: الماضي معنى وهو المضارع لفظًا ولا إشكال عليها فتأمل. قوله: "لمن أجازه في أخواتها" نحو: ما أصبح زيد ليضرب عمرًا ولم يصبح زيد ليضرب عمرًا وقوله: ولمن أجازه في ظننت أي: قياسًا نحو: ما ظننت زيدا ليضرب عمرًا ولم أظن زيدا ليضرب عمرا قال أبو حيان: وهذا كله تركيب لم يسمع فوجب منعه ا. هـ. فما يتبادر من قول البعض والحق أن اللام فيما ذكر لام كي لا لام الجحود كما يظهر بالنظر في المعنى ا. هـ. من جواز هذه التراكيب ممنوع من أن دعواه أن اللام فيها لام كي وأن النظر في المعنى يرشد إلى ذلك باطلة قال في التصريح وبعضهم أجازه في كل فعل تقدمه نفي نحو: ما جاء زيد ليفعل ا. هـ. قال يس: وهو فاسد؛ لأن هذه يعني اللام في نحو: ما جاء زيد ليفعل لام كي. قوله: "ما ذكره من أن اللام إلخ" لأن كلامه في أن الواقعة بعد لام الجر لقوله: وبين لا ولام جر إلخ. قوله: "والنصب بأن مضمرة" إنما قال مضمرة مع أن النصب عند البصريين بعد اللام بأن مظهرة أو مضمرة وعند الكوفيين باللام أظهر أن أو أضمرت كما سيصرح به الشارح عند شرح قول المصنف وبعد حتى إلخ لأجل قول ثعلب؛ لأنه إنما يأتي عند إضمار أن فتأمل. قوله: "ناصبة بنفسها" أي: بطريق الأصالة بدليل ما بعده واحتجوا بقوله: لقد عذلتني أم عمرو ولم أكن مقالتها ما كنت حيا لأسمعا إذا لو كانت أن الناصبة للزم تقدم معمول صلتها عليها وهو ممتنع ورد بأن مقالتها معمول لمحذوف يفسره المذكور نظير ما مر في قوله: كان جزائي العصا أن أجلدا وقوله: ما كنت أي: مدة وجودي حيا. قوله: "لقيامها مقام أن" أي: نيابة عن أن. قوله: "اختلف في الفعل إلخ" الظاهر أن هذا الاختلاف مبني على الاختلاف في الناصب هل هو اللام أو أن المضمرة. قوله: "إلى أنه" أي: الفعل وفيه مسامحة؛ لأن الخبر جملة الفعل والفاعل. قوله: "واللام للتوكيد" أي: زائدة لتوكيد النفي كالباء في ما زيد بقائم واعترض قولهم بأن اللام الزائدة تعمل الجر في
[ ٣ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المحذوف، وقدروه ما كان زيد مريدًا ليفعل، وإنما ذهبوا إلى ذلك؛ لأن اللام جارة عندهم، وما بعدها في تأويل مصدر. وصرح المصنف بأنها مؤكدة لنفي الخبر إلا أن الناصب عنده أن مضمرة، فهو قول ثالث. قال الشيخ أبو حيان: ليس بقول بصري ولا كوفي. ومقتضى قوله مؤكدة أنها زائدة، وبه صرح الشارح، لكن قال في شرحه لهذا الموضع من التسهيل: سميت مؤكدة لصحة الكلام؛ لا لأنها زائدة لم يكن لنصب الأسماء وعوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، وأجيب بأنهم لعلهم لا يسلمون هذه الكلية ا. هـ. دماميني قال الحفيد: وتظهر فائدة الخلاف في قولك: ما كان محمد طعامك ليأكل فإنه لا يجوز على رأي البصريين؛ لأن كما في حيز أن لا يعمل فيما قبلها ويجوز على رأي: الكوفيين؛ لأن اللام لا تمنع العمل فيما قبلها. قوله: "واللام متعلقة بذلك الخبر المحذوف" قال المرادي: قولهم متعلقة بالخبر يقتضي أنها ليست بزائدة وتقديرهم مريدا يقتضي أنها زائدة تقوية للعامل ا. هـ. وفي المغني أن المقوية ليست زائدة محضة ولا معدية محضة بل بينهما ا. هـ. فزيادتها عند الكوفيين محضة وعند البصريين غير محضة. قوله: "وقدروه إلخ" تقدير مريدًا غير لازم فيما يظهر بل قد يقدر غيره إذا اقتضاه المقام كما قدر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وإن كان مكرهم أهلًا لتزول إلخ ويدل لما قلناه ما يأتي من شرح التسهيل. قوله: "لأن اللام جارة عندهم" أي: جارة غير زائدة زيادة محضة أي: والجار غير الزائد زيادة محضة لا بد له من متعلق. قوله: "إلا أن الناصب عنده أن مضمرة" اعترض بأنه يلزمه الإخبار بالمصدر عن الجثة وهو لا يجوز، وأجيب بما قاله بعضهم من أن الإخبار بالفعل المؤول بالمصدر عن الجثة جائز كما في زيد إما أن يعيش وإما أن يموت وإن لم يجز الإخبار بالمصدر الصريح عنها لدلالة الفعل بصيغته على الفاعل والزمان بخلاف المصدر الصريح لا سيما وقد التزم إضمار أن فصار منخرطا في سلك الفعل على أنه يحتمل أن يكون في الكلام حذف. قوله: "ومقتضى قوله مؤكدة" أي: مع قوله لنفي الخبر إذ لولاه لأمكن حمل قوله مؤكدة على أنها مقوية للعامل فيوافق ما يأتي عن شرح التسهيل ويكون نفس قول البصريين ولا يرد عليه لزوم الإخبار بالمصدر عن الجثة، وقوله: أنها زائدة أي: محضة. قوله: "لكن قال" أي: الناظم في شرحه إلخ كذا قال شيخنا وشيخنا السيد وهو الظاهر، وأرجع البعض الضمير للشارح ابن الناظم فإنه له شرح على التسهيل كما في الهمع ثم رأيت في بعض النسخ لكن قال المصنف في شرحه إلخ وهو نص في الأول، ورأيت بخط بعض الفضلاء بهامش الهمع عزو العبارة التي في الشرح إلى شرح التسهيل لابن الناظم وهو نص في الثاني والجمع ممكن والله أعلم. قوله: "لصحة الكلام بدونها" هذا ظاهر على تقدير ما يتعدى بنفسه كمريدًا دون ما يتعدى باللام كمستعدا إلا أن يراد أن اللام يصح حذفها لفظًا لاطراد حذف الجار مع أن هذا وقال في
[ ٣ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفعل بعدها وجه لم يكن لنصب الفعل بعدها وجه صحيح، وإنما هي لام اختصاص دخلت على الفعل لقصد ما كان زيد مقدرًا أو هاما أو مستعدا؛ لأن يفعل. الثالث قد تحذف كان قبل لام الجحود كقوله:
١٠٧٢- فَمَا جَمْعٌ لِيَغْلبَ جَمْعَ قَومِي مقاوَمَة ولا فرْدٌ لفَرْدِ
أي: فما كان جمع. ومنه قول أبي الدرداء في الركعتين بعد العصر: ما أنا لأدعهما. الرابع: أطلق النافي ومراده ما ينفي الماضي وذلك ما ولم دون لن؛ لأنها تختص بالمستقبل، وكذلك لا؛ لأن نفي غير المستقبل بها قليل. وأما لما فإنها وإن كانت تنفي الماضي لكن تدل على اتصال نفيه بالحال. وأما إن فهي بمعنى ما وإطلاقه يشملها. وزعم كثير من الناس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، في قراءة غير الكسائي أنها لام الجحود، لكن يبعده أن الفعل بعد لام الجحود لا يرفع إلا
ــ
المغني وجه كونها مؤكدة على رأي: البصريين أن الأصل ما كان قاصدًا للفعل ونفي الفعل أبلغ من نفيه. قوله: "لا لأنها زائدة" أي: محضة بأن يكون دخولها في الكلام كخروجها. وقوله إذ لو كانت زائدة أي: محضة وإلا فلام التقوية زائدة لكن زيادتها غير محضة كما مر. قوله: "لم يكن لنصب الفعل إلخ" إذ يلزم علي الإخبار بالمصدر عن الجثة وهو لا يجوز أي: إلا بتكلف فلا ينافي ما مر فقوله وجه صحيح خال عن التكلف. قوله: "لام اختصاص" أي: دلت على اختصاص الإرادة المنفعة بالفعل وهذا لا ينافي كونها لتقوية العامل أو للتعدية لجواز كونها لهما باعتبارين. قوله: "أو هاما" هو بمعنى قول البصريين مريدًا. قوله: "أي: فما كان جمع" قال سم: أي: ضرورة إلى هذا التقدير ا. هـ أي: لصحة فما جمع مريد ليغلب إلخ، وقد يقال الداعي إليه موافقة النظائر وعبارة الدماميني والشمني ليس ما ذكره في البيت، وقول أبي الدرداء متعينًا لجواز أن يكون المعنى في البيت فما جمع متأهلًا لغلب قومي، وفي قول أبي الدرداء أو ما أنا مريدًا لتركهما. قوله: "ما أنا لأدعهما" أي: ما كنت فلما حذف الفعل انفصل الضمير. قوله: "أطلق النافي" أي: الذي تضمنه قوله ونفي كان.
قوله: "وإن كانت تنفي الماضي" أي: في المعنى وقوله: لكن تدل على اتصال نفيه بالحال أي: وشرط النافي هنا أن يكون نافيًا للحدث في الماضي فقط. قوله: "وأما أن" ألحقها السيوطي وغيره بلن قال: فلا يجوز إن كان زيد ليخرج. قوله: "في قراءة غير الكسائي" أما في قراءته بفتح اللام ورفع الفعل فإن مخففة من الثقيلة واللام للفصل أي: وإن مكرهم لتزول منه الأمور المشبهة في عظمها بالجبال كبأس أعدائهم الكثيرين. قوله: "أنها لام الجحود" أي: ليس مكرهم أهلًا لتزول منه الجبال أي: ما هو كالجبال ثباتًا وتمكنًا من آيات الله تعالى وشرائعه وباختلاف المشبه
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ١١٠؛ وتذكرة النحاة ص٥٦٠؛ والجنى الداني ص١١٧؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٦٢؛ ومغني اللبيب ١/ ٢١٢.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
كذاكَ بعْدَ أو إذا يَصْلُحُ في مَوضِعها حتّى أو إلا أنْ خَفِي
_________________
(١) ضمير الاسم السابق، والذي يظهر أنها لام كي وأن إن شرطية، أي: وعند الله جزاء مكرهم وهو مكر أعظم منه، وإن مكرهم لشدته معدا لأجل زوال الأمور العظام المشبهة في عظمها بالجبال، كما يقال أنا أشجع من فلان وإن كان معدا للنوازل، الخامس أجاز بعض النحويين حذف لام الجحود وإظهار أن مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ [يونس: ٣٧]، والصحيح المنع، ولا حجة في الآية؛ لأن أن يفترى في تأويل مصدر وهو الخير "كذاك بعد أو إذا يصلح في موضعها حتى أو إلا أن خفي" أن مبتدأ وخفى خبره وكذاك وبعد متعلقان بخفي، وحتى فاعل يصلح، وإلا عطف عليه: أي: كذا يجب إضمار أن بعد أو إذا صلح في موضعها حتى، نحو: لألزمنك أو تقضيني حقي، بالجبال على وجهي النفي والإثبات يندفع التنافي بينهما. قوله: "أن الفعل بعد لام الجحود" أما بعد لام كي فيرفع غير ضمير الاسم السابق، وقوله: لا يرفع إلا ضمير إلخ لعل هذا أغلبي لا واجب بدليل تعبيره بيبعده دون يمنعه وأنه يبعد جدا امتناع ما كان زيد ليضربه أبوه ثم رأيت الدماميني ذكر أن المخرجين للآية على النفي لا يشترطون رفع الفعل ضمير الاسم السابق وقوله: الاسم السابق أي: المرفوع بفعل الكون. قوله: "شرطية" أي: حذف جوابها لعلمه مما قبلها وقوله: وجزاء مكرهم إشارة إلى تقدير مضاف في الآية، وقوله: وهو أي: جزاء مكرهم وقوله: الاسم السابق أي: المرفوع بفعل الكون. قوله: "معدا لأجل زوال إلخ" كان الأظهر إسقاط أجل وجعل اللام للتعدية أصله معدا أي: مهيأ ولا ينافيه أن الغرض كون اللام لام كي؛ لأن المراد بلام كي ما هو أعم من لام العليل كما مر، وبه يعلم ما في كلام شيخنا والبعض. قوله: "الأمور العظام" كبأس الجيش الكثير من أعدائهم. قوله: "لأن ن يفترى في تأويل مصدر" أي: وهذا المصدر بمعنى اسم المفعول كما أن القرآن مصدر بمعنى اسم المفعول فحصل التطابق. قوله: "كذاك" الإشارة راجعة إلى أن بعد نفي كان. قوله: "إذا يصلح" أي: من حيث المعنى كما سينبه الشارح عليه وقوله: حتى هو فيما يتطاول، وقوله: أو إلا هو فيما لا يتطاول. قوله: "متعلقان بخفي" لكن تعلق بعد على وجه الظرفية لخفي وتعلق كذاك على وجه الحالية من فاعل خفي أو الوصفية لمفعول مطلق لخفي أي: خفاء كذاك أي: كخفاء ذاك. قوله: "أي: كذا يجب إلخ" هذا بيان لحاصل المعنى وإلا فالتقدير أن خفي بعد أو إذا يصلح في موضعها حتى أو إلا حال كونه كان بعد نفي في وجوب الخفاء، أو خفاء كخفاء أن بعد نفي كان في الوجوب، وإنما وجب ليتجانس المتعاطفان صورة بخلاف ما لو قيل لأطيعن الله أو أن يغفر لي فلا تجانس في الصورة لذكر أن في المعطوف دون المعطوف عليه. وقال الجامي: وأما الفاء والواو وأو؛ فلأنها لما اقتضت نصب ما بعدها للتنصيص على معنى السببية والجمعية والانتهاء صارت كعوامل النصب فلم يظهر الناصب بعدها. قال ابن الناظم: وإنما نصب المضارع بعد أو هذه ليفرقوا بين أو التي لمجرد العطف المفيدة مساواة ما بعدها لما قبلها في الشك مثلًا وأو التي تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها في ذلك فإن ما قبلها محقق
[ ٣ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
١٠٧٣- لأَسْتَسهِلنَّ الصعْبَ أو أُدْرِكَ المُنَى فما انْقادَتِ الآمالُ إلا لصابِرِ
أو إلا كقولك: لأقتلن الكافر أو يسلم وقوله:
١٠٧٤- وكنتُ إذا غَمَزتُ قَناةَ قومٍ كَسَرْتُ كُعُوبهَا أو تَسْقِيما
ويحتمل الوجهين قوله:
١٠٧٥- فقُلتَ له لا تَبْكِ عينُكَ إنما نحاوِلُ مُلكًا أو نَموتَ فَنُعْذَرَا
ــ
الوقوع حتى يحصل ما بعدها وكان النصب بعد هذه بأن مضمرة لا بها نفسها لعدم اختصاصها.
قوله: "نحو: لألزمنك إلخ" لا يتعين في هذا المثال تقدير حتى بل هو صالح للتقديرات الثلاثة التعليل والغاية الاستثناء من الأزمان كما قاله الشارح في شرحه على التوضيح، قال: ويتعين الأول في نحو: لأطيعن الله أو يغفر لي والثاني في نحو: لأنتظرنه أو يجيء والثالث في نحو: لأقتلن الكافر أو يسلم ا. هـ. وقد يقال لأنتظرنه أو يجيء صالح للاستثناء فتأمل. وأما لأستسهلن إلخ فصالح للتعليل والغاية وجوز أبو حيان أن تكون أو فيه للاستثناء. قال الدماميني: وليس بشيء ا. هـ. وفيه نظر. قوله: "المنى" جمع منية ما يتمنى والمراد بالآمال المأمولات وبانقيادها حصولها قاله الشمني. قوله: "وكنت إذا غمزت إلخ" بالغين والزاي المعجمتين عصرت والقناة بالقاف والنون الرمح والكعوب النواشز في أطراف الأنابيب، وهذه استعارة تمثيلية شبه حالة إذا أخذ في إصلاح قوم اتصفوا بالفساد فلا يكف عن حسم المواد التي ينشأ عنها فسادهم إلا أن يحصل صلاحهم بحاله إذا غمزت قناة معوجة حيث يكسر ما ارتفع من أطرافها ارتفاعًا يمنع من اعتدالها ولا يفارق ذلك إلا
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٧٢؛ والدرر ٤/ ٧٧؛ وشرح شذور الذهب ص٣٨٥؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٦؛ وشرح ابن عقيل ص٥٦٨؛ وشرح قطر الندى ص٦٩؛ ومغني اللبيب ١/ ٦٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠.
(٢) البيت من الوافر، وهو لزياد الأعجم في ديوانه ص١٠١؛ والأزهية ص١٢٢؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦٩؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٧؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٢٥٤؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٥؛ والكتاب ٣/ ٤٨؛ ولسان العرب ٥/ ٣٨٩؛ "غمز"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٥؛ والمقتضب ٢/ ٩٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٧٢؛ وشرح شذور الذهب ص٣٨٦؛ وشرح ابن عقيل ص٥٦٩؛ وشرح قطر الندى ص٧٠؛ وشرح المفصل ٥/ ١٥؛ ومغني اللبيب ١/ ٦٦؛ والمقرب ١/ ٢٦٣.
(٣) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٦٦؛ والأزهية ص١٢٢؛ وخزانة الأدب ٤/ ٢١٢، ٨/ ٥٤٤، ٥٤٧؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٩؛ وشرح المفصل ٧/ ٢٢، ٣٣؛ والصاحبي في فقه اللغة ص١٢٨؛ والكتاب ٣/ ٤٧؛ واللامات ص٦٨؛ والمقتضب ٢/ ٢٨؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣١٣؛ والجنى الداني ص٢٣١؛ الخصائص ١/ ٢٦٣؛ ورصف المباني ص١٣٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٦٤٤؛ واللمع ص٢١١.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحترز بقوله إذا يصلح في موضعها حتى أو إلا من التي لا يصلح في موضعها أحد الحرفين، فإن المضارع إذا ورد بعدها منصوبًا جاز إظهار أن كقوله:
١٠٧٦- ولولا رجالٌ من رِزامٍ أعِزَّةٌ وآل سُبَيعٍ أو أسُوءَكَ عَلقَما
تنبيهات: الأولى قال في شرح الكافية: وتقدير إلا وحتى -في موضع أو- تقدير لحظ فيه المعنى دون الإعراب، والتقدير الإعرابي المرتب على اللفظ أن يقدر قبل أو مصدر وبعدها أن ناصية للفعل وهما في تأويل مصدر معطوف بأو على المقدر قبلها، فتقدير لأنتظرنه أو يقدم: ليكونن انتظار أو قدوم، وتقدير لأقتلن الكافر أو يسلم: ليكونن قتله أو إسلامه، وكذلك العمل في غيرهما. الثاني ذهب الكسائي إلى أن أو المذكورة
ــ
أن تستقيم ا. هـ. تصريح ويظهر صحة تقدير حتى بمعنييها أيضًا في هذا البيت فتدبر.
فائدة: قال شارح أبيات الإيضاح: وقع هذا البيت في قصيدة لزياد الأعجم غالبها مرفوع القوافي وبعضها مجرورها، وقال الزمخشري في شرح أبيات الكتاب أبيات القصيدة غير منصوبة وإنما أنشده سيبويه منصوبًا؛ لأنه سمعه كذلك ممن يستشهد بقوله وإنشاد الأبيات على الوقف مذهب لبعض العرب فإن أنشد بيت منها أنشد على حقه من الإعراب، وإن أنشد جميعها أنشد على الوقف من شرح شواهد المغني للسيوطي. قوله: "إذا ورد بعدها منصوبًا" فيه إشارة إلى جواز وروده بعدها مرفوعًا لعدم تقدير ناصب.
قوله: "ولولا رجال إلخ" رزام براء مكسورة فزاي حي من تميم وأعزة صفة ثانية لرجال وآل سبيع بالتصغير حي أيضًا، وهو معطوف على رجال لا رزام فيما يظهر لئلا يلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي وهو أعزة والشاهد في أو أسوءك فإنه منصوب بأن مضمرة جوازًا لعدم صحة تقدير أو بأحد الحرفين إذ المعنى لولا رجال وإساءتك وعلقم، قال العيني: منادى مرخم أي: يا علقمة وبهذا التقدير يعلم ما في كلام البعض من الإيهام. قوله: "المرتب على اللفظ" أي: الذي يقتضيه لفظ الفعل المنصوب بعد أو بأن المقدرة ولفظ أو التي لأحد الشيئين لاقتضاء الأول كون ما بعد أو مصدرًا مؤولًا، والثاني كون المعطوف عليه مصدرًا كالمعطوف ليتجانس الشيئان اللذان أو لأحدهما. قوله: "أن يقدر قبل أو مصدر" أي: يتوهم ويلحظ قبلها مصدر متصيد من الفعل السابق فلا ينافي قوله الآتي، ولكن عطفت مصدرًا مقدرًا على مصدر متوهم، وإنما قدر؛ لأن الفعل بعد أو مؤول بمصدر، ولا يصح عطف الاسم على الفعل إلا في نحو: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥]، على ما سبق في آخر العطف فلا بد أن يكون المعطوف عليه هنا اسمًا والمصدر هو المناسب من بين أنواع الاسم.
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للحصين بن الحمام في خزانة الأدب ٣/ ٣٢٤؛ والدرر ٤/ ٧٨؛ وشرح اختيارات المفصل ص٣٣٤؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٤٤؛ وشرح المفصل ٣/ ٥٠؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤١١؛ وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٢؛ والمحتسب ١/ ٣٢٦؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠، ١٧.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
وبَعْد حتّى هكذا إضمارُ أنْ حَتْمٌ كجُدْ حتّى تَسُرَّ ذا حَزَنْ
_________________
(١) ناصية بنفسها، وذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين إلى أن الفعل انتصب بالمخالفة، والصحيح أن النصب بأن مضمرة بعدها لأن أو حرف عطف فلا عمل لها، ولكنها عطفت مصدرًا مقدرًا على مصدر متوهم، ومن ثم لزم إضمار أن بعدها. الثالث قوله: إذا يصلح في موضعها حتى أو إلا أحسن من قوله في التسهيل بعد أو الواقعة موقع إلى أن أو إلا أن؛ لأن لحتى معنيين كلاهما يصح هنا: الأول الغاية مثل إلى. والثاني التعليل مثل كي، فيشمل كلامه هنا نحو: لأرضين الله أو يغفر لي بخلاف كلام التسهيل؛ لأن المعنى حتى يغفر لي بمعنى كي يغفر لي. وقد بان لك أن قول الشارح يريد حتى بمعنى إلى لا التي بمعنى كي لا وجه له. وكلتا العبارتين خير من قول الشارح بعد أو بمعنى إلى أو إلا فإنه يوهم أن أو ترادف الحرفين وليس كذلك، بل هي أو العاطفة كما مر "وبعد حتى هكذا إضمار أن قوله: "ليكونن" بفتح اللام. قوله: "في غيرهما" أي: غير المثالين المذكورين. قوله: "انتصب بالمخالفة" أي: مخالفة الثاني للأول من حيث لم يكن شريكًا له في المعنى ولا معطوفًا عليه ا. هـ. همع ونقض بنحو: ما جاء زيد لكن عمرو وجاء زيد لا عمرو فإن الثاني خالف الأول في المعنى ولم يختلف في الإعراب إلا أن يخص ذلك بالفعل لضعفه عن الاسم في الإعراب. قوله: "أن النصب بأن إلخ" ولذا لا يتقدم معمول الفعل عليها ولا يفصل بينها وبين الفعل؛ لأنها حرف عطف وجوز الأخفش الفصل بينهما بالشرط نحو: لألزمنك أو إن شاء الله تقتضيني حقي. سيوطي. قوله: "ولكنها عطفت" لعل الاستدراك لرفع ما يتوهم من قوله حرف عطف من ظهور المتعاطفين كما هو الغالب. قوله: "متوهم" إنما كان متوهمًا لعدم آلة السبك لفظًا وتقديرًا. قوله: "ومن ثم" أي: من أجل أنها عطفت مصدرًا مقدرًا على مصدر متوهم لزم إضمار أن بعدها، وفيه أنه لا يتسبب عن عطفها مصدرًا مقدرًا على مصدر متوهم لزوم إضمار أن ولا إضمارها إذ لو ظهرت لم تخرج عن عطفها مصدرًا مقدرًا أي: من أن والفعل على مصدر متوهم فكان عليه أن يعلل اللزوم بتجانس المتعاطفين في الصورة كما مر، وبهذا علم ما في قول البعض تبعًا لشيخنا؛ الأولى أن يقال ومن ثم أضمرت أن بعدها؛ لأن عطفها ما ذكر لا يقتضي لزوم إضمار أن. قوله: "موقع إلى أن أو إلا أن" الصواب حذف أن فإن أو إنما وقعت موقع إلى وحدها أو إلا وحدها ا. هـ. دماميني أي: لأنها لو كانت بمعنى إلى أن أو إلا أن لزم التكرار، إذ النصب بأن مضمرة بعدها على الراجح، وقد يجاب بأن المراد الواقعة مع المضمر بعدها موقع إلى أن أو إلا أن. قوله: "لأن لحتي معنيين إلخ" وجه الشارح الأحسنية بما حاصله عموم كلامه هنا وتوجه أيضًا بسلامته من الاعتراض على كلامه في التسهيل بما مر عن الدماميني. قوله: "بمعنى كي يغفر لي" ولا يناسب هنا معنى إلى ولا معنى إلا؛ لأنه يوهم انقطاع الإرضاء إذا حصل الغفران سم قوله: "فإنه يوهم إلخ" أي: إيهامًا قويا، إذ أصل الإيهام موجود في العبارتين أيضًا. أفاده سم. قوله "وبعد حتى" الجارة ومن أحكامها أنها لا يفصل بينها وبين الفعل شيء وأجازه بعضهم بالظرف
[ ٣ / ٤٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حتم" أي: واجب. والغالب في حتى حينئذ أن تكون للغاية نحو: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١]، وعلامتها أن يصلح في موضعها إلى وقد تكون للتعليل "كجد حتى تسر ذا حزن" وعلامتها أن يصلح في موضعها كي، وزاد في التسهيل أنها تكون بمعنى إلا أن كقوله:
١٠٧٧- لَيسَ العطاءُ من الفُضولِ سَماحةً حتى تجودَ وما لديك قليلُ
وهذا المعنى على غرابته ظاهر من قول سيبويه في تفسير قولهم: والله لا أفعل إلا أن تفعل المعنى حتى أن تفعل. وصرح به ابن هشام الخضراوي، ونقله أبو البقاء عن بعضهم في: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ [البقرة: ١٠٢] والظاهر في هذه الآية
ــ
والشرط الماضي والقسم والجار والمجرور والمفعول ا. هـ. سيوطي والظرف متعلق بإضمار الذي هو مبتدأ وهكذا إما متعلق بإضمار والخبر حتم فيكون قوله هكذا توكيدًا؛ لأن معناه كالإضمار السابق في الوجوب والوجوب مستفاد من قوله: حتم وعلى هذا اقتصروا فحكموا بأن قول المصنف هكذا خشو وإما خبر وقوله: حتم خبر ثان جيء به لبيان وجه الشبه وعلى هذا فلا يكون في كلامه توكيد لعدم استفادة التحتم من التشبيه لاحتمال أنه في نصب المضارع بها فقط.
قوله: "والغالب في حتى حينئذ" أي: حين إذ أضمرت أن بعدها أن تكون للغاية هذا مخالف لقول الجامي الأغلب فيها أن تستعمل بمعنى كي ا. هـ. وإنما تكون للغاية إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها وللتعليل إذا كان مسببًا عما قبلها، كذا في التصريح واحترز بقوله حينئذ عن حتى الابتدائية فإنها بمعنى الفاء. قوله: "كجد حتى تسر" الغاية هنا ممكنة أيضًا سم. قوله: "بمعنى إلا أن" الصواب إسقاط أن لما تقدم قيل إلا التي حتى تكون بمعناها للاستثناء المنقطع، وقال الدماميني: سواء كان الاستثناء متصلًا أو منقطعًا وجعل الاستثناء في والله لا أفعل حتى تفعل أي: إلا أن تفعل متصلًا مفرغًا للظرف إذ المعنى لا أفعل وقتًا من الأوقات إلا وقت فعلك ويظهر أن الغاية ممكنة فيه وفي البيت الآتي منقطعًا إذ المعنى ليس العطاء في حال الغنى سماحة لكن في حال الفقر والغاية ممكنة فيه كما قاله الفاكهي تبعًا للدماميني وابن الناظم، لكن نظر فيه سم بأن النفي قبل حتى لا ينقطع عما بعدها بل هو ثابت مع ثبوته فكيف تكون غائية فتأمل، ولا تنافي بين كونها جارة وكونها بمعنى إلا؛ لأن عمل الجر ثبت مع إفادة الاستثناء كخلا وحاشا إذا جر بهما.
قوله: "من الفضول" جمع فضل وهو الزيادة والمراد زيادات المال وهي ما لا يحتاج إليه منه. دماميني. قوله: "على غرابته" أي: مع غرابته. قوله: "حتى أن تفعل" ففسر إلا بحتى فاقتضى
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو للمقنع الكندي في خزانة الأدب ٣/ ٣٧٠؛ والدرر ٤/ ٧٥؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٧٣٤؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٢؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص٥٥٥؛ ومغني اللبيب ١/ ١٢٥؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤١٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
وتِلوَ حَتَّى حالا أو مُؤولا بِهِ ارْفَعَنَّ وانصِبِ المُستقْبِلا
ــ
خلافه. وأن المراد معنى الغاية. نعم هو ظاهر في قوله:
١٠٧٨- واللهِ لا يَذْهَبُ شَيخي باطِلًا حَتى أُبِيرَ مالكًا وكاهِلا
لأن ما بعدها ليس غاية لما قبلها ولا مسببًا عنه.
تنبيه: ذهب الكوفيون إلى أن حتى ناصبة بنفسها وأجازوا إظهار أن بعدها توكيدًا كما أجازوا ذلك بعد لام الجحود "وتلو حتى حالا أو مؤولا به" أي: بالحال "ارفعن"
ــ
أن حتى تكون بمعنى إلا. قوله: "حتى يقولا" أي: إلا أن يقولا والاستثناء مفرغ للظرف والمعنى وما يعلمان أحدًا في وقت إلا وقت أن يقولا إلخ. "وأن المراد معنى الغاية" أي: يمتد انتفاء تعليمهما إلى وقت قولهما ذلك، واعترضه الدماميني بأن هذا وإن أمكن لكن لا مرجح له حتى يكون هو الظاهر دون الاستثناء.
قوله: "نعم هو" أي: كون حتى بمعنى إلا ظاهر في قوله: والله إلخ. والمعنى لا أترك الأخذ بثأر شيخي أي: الحسين بن علي إلا أن أقتل هذين الحيين أي: لكن أقتل هذين الحيين فالاستثناء منقطع كما قاله الدماميني، ونقله في الهمع عن ابن هشام الخضراوي مقتصرًا عليه، وتصحيح البعض تبعًا لشيخنا كونه متصلًا؛ لأن قتل الحيين أخذ بالثأر باطل؛ لأن المعنى حينئذ لا أترك أخذ ثأر شيخي إلا قتل الحيين فأتركه وهو
فاسد ولا يصح كونها للغاية؛ لأن المعنى عليه يمتد انتفاء ترك الأخذ بالثأر إلى قتل الحيين فينقطع الانتفاء ويوجد الترك وهو فاسد. وأما كونها للتعليل أي: ينتفي الترك المذكور لكوني أقتل الحيين فصحيح لولا ما أفاده الشارح وصرح به الشيخ خالد من أن حتى التعليلية هي التي ما بعدها مسبب عما قبلها؛ لأن ما بعد حتى في البيت ليس مسببًا عما قبلها كما قاله الشارح، بل هو سبب لما قبلها فعلم ما في تجويز الشمني وتبعه شيخنا والبعض كونها للغاية وكونها للتعليل فكن ممن يعرف الرجال بالحق.
وما مر من أن المراد بشيخ الشاعر الحسين بن علي هو ما ذكره بعضهم والذي قاله الدماميني والشمني والسيوطي أن قائل البيت امرؤ القيس بن حجر حين بلغه أن بني أسد قتلت أباه وأن المراد بشيخه أبوه.
قوله: "حتى أبير" بهمزة مضمومة فموحدة فراء أو دال مهملة من أباره الله أو أباده أهلكه ومالك وكاهل قبيلتان من بني أسد قاله الشمني. قول: "لأن ما بعدها" وهو قتل الحيين ليس غاية لما قبلها وهو انتفاء ترك الأخذ بالثأر ولا مسببًا عما قبلها بل هو سبب له أي: فلم يصح كونها غائية ولا تعليلية فثبت كونها استثنائية إذ لا تخرج حتى في البيت عن المعاني الثلاثة فإذا انتفى اثنان تعين الثالث فلا غبار على التعليل خلافًا للبعض. وقول شيخنا هذا يعني النفي في كلام الشارح بحسب الظاهر وإن كانت الغاية والتعليل محتملين احتمالا مرجوحًا علم رده مما أسلفناه فتنبه، قوله:
_________________
(١) الرجز لامرئ القيس في ديوانه ص١٣٤؛ والأغاني ٩/ ٨٧؛ وخزانة الأدب ١/ ٣٣٣، ٢/ ٢١٣؛ والدرر ٤/ ٧٥؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٢؛ ومعجم ما استعجم ص٥٦؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ١٤٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) حتمًا "وانصب المستقبلا" أي: لا ينصب الفعل بعد حتى إلا إذا كان مستقبلًا: ثم إن كان استقباله حقيقيا بأن كان بالنسبة إلى زمن التكلم فالنصب واجب نحو: لأسيرن حتى أدخل المدينة وكالآية السابقة. وإن كان غير حقيقي بأن كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصة فالنصب جائز لا واجب نحو: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال لا بالنظر إلى زمن قص ذلك علينا. فالرفع -وبه قرأ نافع- على تأويله بالحال، والنصب -وبه قرأ غيره- على تأويله بالمستقبل: فالأول يقدر اتصاف "أو مؤولا به" أي: أو غير حال من ماض أو مستقبل مؤولا به. قوله: "ارفعن حتمًا" لأن نصبه بتقدير أن وهي للاستقبال والحال ينافيه. قوله: "وانصب المستقبلا" أي: وجوبًا إن كان الاستقبال حقيقيا بأن كان بالنسبة إلى زمن التكلم، وجواز إن لم يكن حقيقيا بأن كان بالنسبة إلى ما قبل حتى والمراد المستقبل الذي لم يؤول بالحال كما قاله سم؛ لوجوب رفع المستقبل المؤول به وإنما شرط في نصب المضارع استقباله؛ لأن نصبه بأن المضمرة وهي تخلصه للاستقبال. قوله: "إلى زمن التكلم" أي: بالكلام الذي وقع فيه حتى. قوله: "وكالآية السابقة" وهي لن نبرح عليه إلخ، وقد يقال إنها من القسم الثاني فإن العكوف عليه ورجوع موسى ماضيان بالنسبة إلى زمن النزول، والرجوع مستقبل بالنسبة إلى العكوف فهو على حد الزلزال، وقول الرسول في الآية الآتية والجواب أن قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١]، إلخ فيه حكاية كلامهم وعبارتهم الصادرة فالمنظر فالمنظور إليه فيه هو المحكي لا الحكاية، ورجوع موسى مستقبل بالنسبة إلى زمن التكلم بالمحكي؛ لأنه المعتبر في المحكي بخلاف ما في الآية الآتية، فإنه ليس حكاية لكلام آخر بل هو إخبار منه فينظر فيه لزمن النزول؛ لأنه زمن التكلم بالنظر إليه ا. هـ سم والحاصل أن ما كان حكاية كلام ينظر فيه لزمن المحكي وهو وقت حصول الواقعة، وما كان غير حكاية كلام ينظر فيه لزمن الإخبار لنا. قوله: "بالنسبة إلى ما قبلها" أي: لزمن الفعل قبلها قال سم: أي: ولم يكن للحال حقيقة بدليل ما يأتي أنه يجب رفع الحال حقيقة مع أنه قد يكون مستقبلًا بالنسبة لما قبلها نحو: سرت حتى أدخلها إذا قلت ذلك حال الدخول ا. هـ. وقوله خاصة أي: لا بالنسبة إلى زمن التكلم. قوله: "وزلزلوا" أزعجوا إزعاجا شديدًا شبيهًا بالزلزلة. قوله: "الرسول" وهو اليسع أو شعياء، دماميني. قوله: "فإن قولهم" أي: الرسول والذين آمنوا معه. قوله: "إلى زمن قص ذلك علينا" أي: زمن تكلم جبريل بالآية وهو زمن نزولها أي: لأنه ماض بالنظر إلى زمن القص. قوله: "على تأويله بالحال" بأن يقدر القول الماضي واقعًا في الحال أي: في زمن التكلم لاستحضار صورته العجيبة فكأنه قيل حتى حالتهم الآن أن الرسول والذي آمنوا معه يقولون. قوله: " على تأويله بالمستقبل" بأن يقدر أنهم في الحال عازمون على القول فيلزم استقبال القول على ما سيشير إليه الشارح. قوله: "فالأول إلخ" عبارة الدماميني. قال ابن الحاجب: من رفع يقول فعلى إرادة الإخبار بوقوع شيئين: الزلزال والقول لكن الخبر الأول على وجه الحقيقة والثاني على حكاية الحال والمراد مع
[ ٣ / ٤٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المخبر عنه وهو الرسول والذين آمنوا معه بالدخول في القول فهو حال بالنسبة إلى تلك الحال. والثاني يقدر اتصافه بالعزم عليه فهو مستقبل بالنسبة إلى تلك الحال، ولا يرتفع الفعل بعد حتى إلا بثلاثة شروط: الأول أن يكون حالًا، إما حقيقة نحو: سرت حتى أدخلها إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول، والرفع حيئنذ واجب، أو تأويلًا نحو: "حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ" [البقرة: ٢١٤] في قراءة نافع. والرفع حينئذ جائز كما مر. الثاني: أن يكون ذلك الإعلام بأمر ثالث وهو تسبب القول عن الزلزال ومن نصب فعلى إرادة الإخبار بوقوع شيء واحد وهو الزلزال وبأن شيئًا آخر كان مترقبًا وقوعه عند حصول الزلزال وهو القول وليس فيه إخبار بوقوع القول كما في قراءة الرفع، وإن كان الوقوع ثابتًا في نفس الأمر، ولكن ثبوته بدليل آخر لا من هذه القراءة. قلت وذلك الدليل هو قراءة الرفع؛ لأن القراءتين كالآيتين وإنما قدر القول مترقبًا في قراءة النصب يحتمل أن تكون حتى بمعنى إلى وأن تكون بمعنى كي وعلى الرفع حتى حرف ابتداء ا. هـ. قوله: "وبالدخول في القول" أي: زمن التكلم فالماضي فرض حاصلًا في الحال. ولو قال بالقول بدل بالدخول في القول لكان أوضح. قوله: "فهو" أي: القول حال بالنسبة إلى تلك الحال أي: باعتبار تلك الحال وهي تقدير اتصافهم بالقول زمن التكلم. قوله: "والثاني بقدر إلخ" فرض هذا التأويل فيما إذا كان الفعل قد مضى، وهل يأتي فيما إذا كان الفعل حالا حقيقة، وقد يقال إتيانه فيه أولوى وأقرب إلى اعتبار استقباليته من الماضي فيحتمل أن وجوب الرفع في الحال حقيقة ما لم يؤول بالمستقبل وفي كلام الرضي والجامي ما يوافقه لكن يخالفه ظاهر ما في المغني. وظاهر قول الدماميني في شرح التسهيل تلخيص مسألة حتى بأسهل طريق أن يقال إن صلح المضارع بعدها لوقوع الماضي موقعه نحو: حتى يقول الرسول جاز فيه الرفع والنصب وإلا فإن كان حاضرًا فالرفع أو مستقبلا فالنصب ا. هـ. أفاده سم. قوله: "بالعزم عليه" أي: القول فهو أي: القول مستقبل بالنسبة إلى تلك الحال أي: باعتبار تلك الحال وهي تقدير اتصافهم بالعزم زمن التكلم على القول. قوله: "والرفع حينئذ واجب" ما لم يؤول بالمستقبل التأويل السابق على ما فيه. قوله: "أو تأويلًا نحو: حتى يقول إلخ" ونحو: سرت حتى أدخلها تريد فأنا الآن متمكن من الدخول. وحاصلهما أن يكون الماضي أو المستقبل قدر أنه موجود في الحال ا. هـ. دماميني فعلم أن من الحال المقدرة تقدير المستقبل حاضرًا سم. قوله: "والرفع حينئذ جائز كما مر" فيه عندي نظر؛ لأن رفع المؤول بالحال واجب كما قال المصنف والشارح سابقًا وتلو حتى حالًا أو مؤولًا به أي: بالحال ارفعن حتمًا ا. هـ. والذي مر إنما هو جواز الرفع والنصب إذا كان الاستقبال بالنسبة إلى زمن الفعل قبل حتى فالرفع على التأويل بالحال والنصب على التأويل بالمستقبل، ثم رأيت في المغني وشرحه للدماميني التصريح بأن المضارع إذا
[ ٣ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مسببًا عما قبلها فيمتنع في نحو: لأسيرن حتى تطلع الشمس، وما سرت حتى أدخلها، وأسرت حتى تدخلها لانتفاء السببية: أما الأول؛ فلأن طلوع الشمس لا يتسبب عن السير. وأما الثاني؛ فلأن الدخول لا يتسبب عن عدم السير. وأما الثالث؛ فلأن السبب لم يتحقق، ويجوز الرفع في أيهم سار حتى يدخلها، ومتى سرت حتى تدخلها؛ لأن السير محقق، وإنما الشك في عين الفاعل أو في عين الزمان، وأجاز الأخفش الرفع بعد النفي على أن يكون أصل الكلام إيجابًا ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره لا على ما قبل حتى خاصة. ولو عرضت هذه المسألة بهذا المعنى على سيبويه لم يمنع الرفع فيها وإنما منعه إذا كان النفي مسلطًا على السبب خاصة، وكل أحد يمنع ذلك. الثالث أن يكون فضلة فيجب النصب في نحو: سيري حتى أدخلها، وكذا في كان سيري أمس حتى أدخلها إن قدرت كان ناقصة ولم تقدر الظرف خبرًا ا. هـ. كان للحال المحكية تحتم رفعه؛ لأن النصب بأن يناقض قصد الحكاية وأن محل نصبه إذا لم تقصد الحكاية وهو يؤيده النظر هذا. وقال السيوطي: حكى الجرمي أن من العرب من ينصب بحتى في كل شيء. قال أبو حيان: وهي لغة شاذة. قوله: "أن يكون مسببًا عما قبلها" أي: ليحصل الربط معنى ويؤخذ من كلامه بعد أنه لا بد من وقوع السبب خارجًا. قوله: "وما سرت حتى أدخلها" نعم إن انتقض النفي نحو: ما سرت إلا يوما حتى أدخلها جاز الرفع لعدم انتفاء السببية، وأما فلما سرت حتى أدخلها، فإن أردت نفي السير وهو الأغلب في كلامهم وجب النصب وإن أردت التقليل جاز الرفع على ضعف نقله شيخنا عن الرضي ثم رأيت الدماميني ذكره. قوله: "فلأن السبب لم يتحقق" أي: للاستفهام عنه فلو رفع لزم تحقق وقوع المسبب مع الشك في وقوع السبب، وذلك لا يصح أفاده في التصريح. قوله: "وأجاز الأخفش إلخ" قال الرضي نقلًا عن الأخفش: إلا أن العرب لم تتكلم به قال الدماميني، والذي يظهر إجراء ما قاله الأخفش في الاستفهام أيضًا بأن يقدر الكلام خاليًا عن الاستفهام ثم أدخلت أدائه على الكلام بأسره لا على ما قبل حتى خاصة كأن يقول شخص لآخر سرت حتى تدخلها فشككت أنت في صدق الخبر فتقول: أنت للمخاطب هل سرت حتى تدخلها أي: هل ما أخبرك به هذا الشخص صحيح ا. هـ. قوله: "على الكلام بأسره" فيكون التقدير ما سرت فأنا لا أدخلها. قوله: "لم يمنع الرفع فيها" أي: لوجود الشرط؛ لأن عدم السر يتسبب عنده عدم الدخول فلا خلاف في الحقيقة. قوله: "أن يكون فضلة" لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر؛ لأنه إذا رفع الفعل كانت حتى حرف ابتداء فالجملة بعدها مستأنفة تصريح. قوله: "فيجب النصب في نحو: سيري إلخ" ينبغي ما لم يتم الكلام بتقدير مبتدأ أو خبر، وإلا لم يجب ا. هـ. أي: وقامت قرينة على التقدير. قوله: "إن قدرت إلخ" فإن قدرت كان تامة أو قدر الظرف وهو أمس خبرًا جاز الرفع؛ لأن ما بعد حتى
[ ٣ / ٤٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهات: الأول: تجيء حتى في الكلام على ثلاثة أضرب: جارة وعاطفة وقد مرتا، وابتدائية أي: حرف تبتدأ بعده الجمل أي: تستأنف، فتدخل على الجمل الاسمية كقوله:
١٠٧٩- فما زالتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِماءَها بِدَجْلَةَ حتّى ماءُ دِجْلةَ أَشْكَلُ
وعلى الفعلية التي فعلها مضارع كقوله:
١٠٨٠- يُغْشَونَ حتّى ما تَهِرُّ كِلابُهُمْ
وقراءة نافع: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وعلى الفعلية التي فعلها ماض نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا﴾ [الأعراف: ١٩٥] وزعم المصنف أن حتى هذه جارة ونوزع في ذلك. الثاني إذا كان الفعل حالًا أو مؤولًا به فحتى ابتدائية، وإذا كان مستقبلًا أو مؤولًا به فهي الجارة وأن مضمرة بعدها حتى تقدم. الثالث علامة كونه حالًا أو مؤولًا به صلاحية
ــ
فضلة. قوله: "على ثلاثة أضرب" أي: كائنة على ثلاثة أقسام من كينونة المجمل على المفصل أو الجنس على الأنواع فإبدال جارة وعاطفة وابتدائية من ثلاثة أضرب صحيح وإن كان بحيث لو أسقط المبدل منه صار التركيب غير مألوف فتدبر. "جارة" وهي ثلاثة أقسام غائية وتعليلية واستثنائية كما تقدم. قوله: "وابتدائية" قال شيخنا السيد: مقتضى كلامه هنا والتنبيه الثالث أن الابتدائية ليست غائية والذي في المغني وشرح جمع الجوامع للمحلي أنها غائية أي: غير جارة. قوله: "أي: حرف تبتدأ بعده الجمل" فالابتدائية هي الداخلة على الجمل اسمية أو فعلية. قوله: "فما زالت القتلى إلخ" تمج أي: تقذف ودجلة بكسر الدال نهر العراق والأشكل الأبيض الذي يخالطه حمرة ا. هـ. زكريا وقوله: بكسر الدال أي: وفتحها.
قوله "يغشون" بغين معجمة مبني للمجهول أي: يؤتون وتهر من هر من باب ضرب أي: صوت كذا في المصباح أي: حتى ما تصوت على الضيوف لكثرتهم أو اشتغالها بآثار القرى يصف قومًا بكثرة غشيان الضيوف لهم. قوله: "أن حتى هذه" أي: الداخلة على الماضي نحو: حتى عفوًا
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لجرير في ديوانه ص١٤٣؛ والأزهية ص٢١٦؛ والجنى الداني ص٥٥٢؛ وخزانة الأدب ٩/ ٤٧٧، ٤٧٩؛ والدرر ٤/ ٣٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٧؛ وشرح المفصل ٨/ ١٨؛ واللمع ص١٦٣؛ ومغني اللبيب ١/ ١٢٨؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٦؛ وللأخطل في الحيوان ٥/ ٣٣٠؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٦٧؛ والدرر ٤/ ١١٢؛ ولسان العرب ١١/ ٣٥٧ "شكل"؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٤٨، ٢/ ٢٤.
(٢) عجزه: لا يَسْألونَ عن السوادِ المُقْبِلِ والبيت من الكامل، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص١٢٣؛ وخزانة الأدب ٢/ ٤١٢؛ والدرر ٤/ ٧٦؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٨، ٢/ ٩٦٤؛ والكتاب ٣/ ١٩؛ ومغني اللبيب ١/ ١٢٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ٩.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
وبَعْدَ فا جَوابِ نَفْي أو طَلَبْ مَحْصَيْنِ أنْ وَسَتْرُها حَتْمٌ نَصَبْ
_________________
(١) جعل الفاء في موضع حتى، ويجب حينئذ أن يكون ما بعدها فضلة مسببًا عما قبلها ا. هـ "وبعد فا جواب نفي أو طلب محصين أن وسترها ختم نصب" أن مبتدأ ونصب خبرها، وسترها حتم مبتدأ وخبر في موضع الحال من فاعل نصب، وبعد متعلق بنصب، يعني أن تنصب الفعل مضمرة بعد فاء جواب نفي نحو: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: كما في حواشي زكريا وقوله جارة أي: للمصدر المنسبك من أن مضمرة والفعل. قوله: "وبعد فا" هي فاء السببية أي: التي قصد بها سببية ما قبلها لما بعدها بقرينة العدول عن العطف على الفعل إلى النصب. وقوله: جواب نفي أو طلب سمي جوابًا؛ لأن ما قبله من النفي والطلب المحضين لما كان غير ثابت المضمون أشبه الشرط الذي ليس بمتحقق الوقوع فيكون ما بعد الفاء كالجواب للشرط. قال الحفيد: وسواء النفي بالرحف كما أو الفعل كليس أو الاسم كغير والتقليل المراد به النفي كالنفي نحو: قلما تأتينا فتحدثنا وربما نفي بقد فنصب الجواب بعدها نحو: قد كنت في خبر فتعرفه قاله السيوطي، ويزاد خامس وهو التشبيه المراد به النفي كما سينبه عليه الشارح. قوله: "محضين" اعترض ابن هشام تقييد النفي بالمحض بأنه يخرج تالي التقرير نحو: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٩، فاطر: ٤٤، غافر: ٢١]، فتكون لكن في العمدة وشرحها أن تالي التقرير لا ينصب جوابه، وفي التوضيح أن مما احترز عنه بتقييد النفي بالمحض النفي التالي تقريرًا نحو: ألم تأتني فأحسن إليك إذا لم ترد الاستفهام الحقيقي. قال خالد: فثبت أن الاستفهام التقريري يتضمن ثبوت الفعل فلا ينصب جوابه لعدم تمحض النفي وما ورد منه منصوبًا فلمراعاة صورة النفي وإن كان تاليًا تقريرًا؛ أو لأنه جواب الاستفهام ا. هـ. وقال في المغني: ولكون جواب الشيء مسببًا عنه امتنع النصب جوابًا للاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، لأن رؤية إنزال الماء ليست سبب اخضرار الأرض بل سببه نفس إنزال الماء بخلافه في آية: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩، فاطر: ٤٤، غافر: ٢١] لأن السير في الأرض سبب كمال العقل هذا هو الصواب ا. هـ. بإيضاح من الشمني وعليه فيكون في النفي تقريرًا تفصيل لكن تعليل خالد بمراعاة صورة النفي أو الاستفهام قد يقتضي جواز النصب في آية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، فلعل المراد مراعاتهما شذوذًا أو هو موافقة لقول حكاه في المغني ورده أن النصب في الآية جائز عربية ما في آية: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ لكن قصد العطف على أنزل بتأويل تصبح بأصبحت ويوافق هذا القول قول الهمع لا فرق في النفي بين كونه محضًا نحو: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أولًا بأن نقض بإلا نحو: ما تأتينا فتحدثنا إلا بخير أو دخلت عليه أداة الاستفهام التقريري نحو: لم تأتنا فتحدثنا ويجوز في هذا الجزم والرفع أيضًا ا. هـ. ملخصًا فتأمل واعترض سم تقييد الطلب بالمحض بأنه يوهم رجوعه لكل أنواعه مع أنه خاص منها بالأمر والنهي والدعاء. ومعنى كون الثلاثة محضة أن تكون بفعل صريح في ذلك. قوله: "في موضع الحال" أي: أو معترضة. قوله: "وبعد متعلق بنصب" وجعله ابن المصنف حالًا من مفعوله المحذوف أي: نصب الفعل واقعًا بعد ما ذكر. قوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ
[ ٣ / ٤٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٦]، أو جواب طلب وهو إما أمر أو نهي أو دعاء أو استفهام أو عرض أوتحضيض أو تمن. فالأمر نحو: قوله:
١٠٨١- يا ناقُ سِيرِي عَنْقًا فَسِيحًا إلى سُليمانَ فَنَسْتَرِيحا
والنهي نحو: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]، وقوله:
لا يَخْدَعَنَّكَ مأثورٌ وإنْ قَدُمَتْ تِرائُهُ فيَحِقَّ الحزنُ والنَّدَمُ
والدعاء نحو: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، وقوله:
ــ
فَيَمُوتُوا﴾ أي: لا يحكم عليهم بالموت فيموتوا أي: لا يكون قضاء عليهم فموت لهم لانتفاء المسبب بانتفاء سببه وهو القضاء به، وإنما قدروا هذا التقدير فيه وفيما يأتي لاقتضاء أن المقدرة كون ما بعد الفاء مصدرًا، ولا يصح عطف الاسم على الفعل إلا في نحو: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥]، كما تقدم فلا بد أن يكون المعطوف عليه اسمًا والمصدر هو المناسب من بين أنواع الاسم. وهذا كما في المغني من العطف المسمى بالعطف على المعنى والعطف على التوهم فاعرفه. وفي قوله شيخنا والبعض استرواحًا بقول الشارح بعد على معنى ما تأتينا محدثًا أي: لا يقضى عليهم ميتين نظر لتصريحهم بأن ما بعد الفاء مسبب عما قبلها فيكون متأخرًا عنه، والحالية تقتضي خلاف ذلك ويمكن دفع هذا بأن يراد بالقضاء بالموت تعلق الإرادة به تنجيزًا فيما لا يزال والموت مقارن له وجودًا متأخر رتبة فتدبر. قوله: "أما أمر إلخ" أي: أو ترج كما يأتي فالجملة مع النفي المتقدم تسعة مجموعة في قول بعضهم:
مروانه وادع وسل واعرض لحضهم تمن وارج كذاك النفي قد كملا
والفرق بين العرض والتحضيض أن الأول الطلب بلين ورفق والثاني الطلب بحث وإزعاج. قوله: "أو استفهام" أي: بأي أداة كانت، وقد يحذف السبب بعد الاستفهام لوضوح المعنى نحو: متى فأسير معك أي: متى تسير. قوله: "يا ناق إلخ" ناق مرخم ناقة، والعنق بفتحتين ضرب من السير أي: ليكن منك سير فاستراحة وكذا يقال فيما يأتي. قوله: "فيسحتكم" بضم الياء وكسر الحاء أو بتفحهما أي: يهلككم. قوله: "لا يخدعنك مأثور إلخ" المأثور بالمثلثة المال المتروك والتراث الوراث فأبدلت الواو تاء ولعل معنى وإن قدمت تراثة رأى وإن تقادمت وارثوه من غيرهم
_________________
(١) الرجز لأبي النجم في الدرر ٣/ ٥٢، ٤/ ٧٩؛ والرد على النحاة ص١٢٣؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٩؛ والكتاب ٣/ ٣٥؛ ولسان العرب ٣/ ٨٣ "نفخ"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٠؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٨٢؛ ورصف المباني ص٣٨١؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٠، ٢٧٤؛ وشرح شذور الذهب ص٣٩٤؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧٠؛ وشرح قطر الندى ص٧١؛ وشرح المفصل ٧/ ٢٦؛ واللمع في العربية ص٢١٠؛ والمقتضب ٢/ ١٤؛ وهمع الهوامع ١/ ١٨٢.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٨٢- رَبِّ وَفْقِّنِي فلا أعْدِلَ عَن نن الساعينَ في خيرِ سَنِنْ
وقوله:
١٠٨٣- فيا رَبِّ عَجَّل ما أُؤَمِّلُ منهُمُ فَيَدْفَأَ مَقْرورٌ ويَشْبَعَ مُزْمِلُ
والاستفهام نحو: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣] وقوله:
١٠٨٤- هل تَعْرفونَ لُبَاناتي فَأرْجُوَ أنْ تُقْضَى فَيُرْتَدَّ بعضُ الروحِ للجَسَدِ
والعرض نحو: قوله:
١٠٨٥- يابنَ الكرامِ لا تَدْنُو فَتُبْصِر ما قد حَدَّثوكَ فما راءَ كمَنْ سَمِعا
والتحضيض نحو: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] وقوله:
١٠٨٦- لولا تَعْوجِينَ يا سلمى على دَنِفٍ فَتُحْمِدِي نارَ وَجْدٍ كادَ يُفْنِيهِ
ــ
وهو باق عندهم فإنه لا ينفع. قوله: "سنن" بفتحتين أي: طريق. قوله: "فيدفأ مقرور إلخ" المقرور بالقاف البردان والمرمل العادم للقوت. قوله: "لباناتي" جع لبانة بضم اللام وهي الحاجة، وإنما قال بعض الروح؛ لأن الارتداد مرتب على الرجاء وقد لا يتحقق المرجو.
قوله: "فأصدق وأكون من الصالحين" وقرئ وأكن بالجزم عطفًا على محل فأصدق بناء على أن جواب الطلب المقرون بالفاء معها في محل جزم بجعل المصدر المسبوك من أن وصلتها مبتدأ حذف خبره، والجملة جواب شرط مقدر أي: إن أخرتني فتصدق ثابت وأكن. وضعفه في المغني قال: والتحقيق أنه عطف على فأصدق بتقدير سقوط الفاء وجزم أصدق ويسمى العطف على المعنى أي: العطف الملحوظ فيه المعنى؛ لأن المعنى أخرني أصدق، ثم قال: ويقال له في غير القرآن العطف على التوهم أي: تأدبًا وعلى الثاني مشى في الإتقان نقلًا عن الخليل وسيبويه وفي التسهيل فقال:
وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها ا. هـ. قال الدماميني: كقراءة أبي عمرو ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ ثم قال: والجزم في ذلك على توهم وتقدير سقوط الفاء. قوله: "لولا تعوجين" أي: تعطفين. قوله:
_________________
(١) البيت من الرمل، وهو بلا نسبة في الدرر ٤/ ٨٠؛ وشرح شذور الذهب ص٣٩٦؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧١؛ وشرح قطر الندى ص٧٢ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ١١.
(٢) البيت من الطويل.
(٣) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في شرح قطر الندى ص٧٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٨.
(٤) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في الدرر ٤/ ٨٢؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٩؛ وشرح شذور الذهب ص٣٩٨؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧١؛ وشرح قطر الندى ص٧٤؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢.
(٥) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في الدرر ٤/ ٨٢؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتمني نحو: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣] وقوله:
١٠٨٧- يا ليتَ أمَّ خُليدٍ واعَدَتْ فَوَفَتْ ودامَ لي ولها عمْرٌ فَنَصْطَحِبا
واحترز بفاء الجواب عن الفاء التي لمجرد العطف نحو: ما تأتينا فتحدثنا؛ بمعنى ما تأتينا فما تحدثنا، فيكون الفعلان مقصودًا نفيهما، وبمعنى ما تأتينا فأنت تحدثنا على إضمار
ــ
"لمجرد العطف" يفيد أن فاء الجواب عاطفة أيضًا وهو كذلك على ما يأتي، واحترز أيضًا عن الفاء الاستثنائية كقوله:
ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق
فإنها في فينطق للاستئناف أي: فهو ينطق وليست للعطف ولا للسببية إذ العطف يقتضي الجزم والسببية تقتضي النصب، وهو مرفوع ولو نصب لجاز لكن القوافي مرفوعة كذا قيل، وزيفه الدماميني بأن النصب مع السببية غالب لا لازم فقد ورد الرفع معها. كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، ولعل مراده مع وجود السببية وإن لم تقصد بأن قصد مجرد العطف فلا ينافي لزوم النصب مع قصدها بدليل قول الشارح، وإذا قصد الجواب لم يكن الفعل إلا منصوبًا إلخ فإن قوله: أو على معنى إلخ إشارة إلى قصد السببية لكن قال في المغني: للرفع استئنافًا وجه آخر، وهو أن يكون على معنى السببية، وانتفاء الثاني لانتفاء الأول وهو أحد وجهي النصب وهو قليل جدا وعليه قوله:
ولقد تركت ضبية مرحومة لم تدر ما جزع عليك فتجزع
أي: لم تعرف الجزع فلم تجزع وأجازه ابن خروف في قراءة عيسى بن عمر فيموتون والأعلم في قراءة السبعة، "وَلَا يُؤْذَنَ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ" وقد كان النصب ممكنًا
مثله في فيموتون لكن عدل عنه لتناسب الفواصل والمشهور في توجيهه أنه لم يقصد إلى معنى السببية بل إلى مجرد العطف على الفعل وإدخاله معه في سلك النفي، ولا يحسن حمل التنزيل على القليل جدا ا. هـ. باختصار والقواء الخالي والبيداء القفر والسملق الأرض التي لا تنبت شيئًا. قوله: "بمعنى ما تأتينا فما تحدثنا إلخ" قال شيخنا: ذكر على كل من الرفع والنصب وجهين: فالرفع على العطف أو الاستئناف والنصب على الحالية أو ترتب انتفاء الثاني على انتفاء الأول فتأمل ا. هـ. وكون الفاء على ثاني وجهي الرفع للاستئناف غير متعين بل يصح كونها لعطف جملة على جملة بل يعين كون هذا مراد الشارح فرضه الكلام في الفاء التي لمجرد العطف، حيث قال: واحترز بفاء الجواب عن الفاء التي لمجرد العطف فاعرفه. وقوله: على الحالية متابعة لقول الشارح على معنى ما تأتينا محدثًا وفيه ما أسلفناه سابقًا من النظر والتمحل عنه، وكان الأولى للشارح أن يقول على معنى ما تأتينا محدثا وفيه ما أسلفناه سابقا من النظر والتمحل عنه وكان الأولى للشارح أن يقول على معنى ما يكون منك إتيان يترتب عليه تحديث وحاصله جعل الثاني قيدًا للأول فينصب عليه النفي؛ لأن الغالب انصباب النفي على القيد فيصدق بثبوت المقيد وبانتفائه أيضًا.
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في المقاصد النحوية ٤/ ٣٨٩.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مبتدأ، فيكون المقصود نفي الأول وإثبات الثاني، وإذا قصد الجواب لم يكن الفعل إلا منصوبًا على معنى ما تأتينا محدثًا، فيكون المقصود نفي اجتماعهما أو على معنى ما تأتينا فكيف تحدثنا فيكون المقصود نفي الثاني لانتفاء الأول، واحترز بمحضين عن النفي الذي ليس بمحض وهو المنتقض بإلا والمتلو بنفي نحو: ما أنت تأتينا إلا فتحدثنا، ونحو: ما تزال تأتينا فتحدثنا، ومن الطلب الذي ليس بمحض وهو الطلب باسم الفعل وبالمصدر أو بما لفظه خبر نحو: صه فأكرمك، وحسبك الحديث فينام الناس، ونحو: سكوتًا فينام الناس، فائدة: إذا قلت ما يليق بالله الظلم فيظلمنا فالفعلان منفيان وانتفاء الثاني مسبب عن انتفاء الأول فيجوز رفع الثاني على مجرد العطف أي: فما يظلمنا ونصبه على ترتب انتفاء الثاني على انتفاء الأول أي: فكيف يظلمنا، وإذا قلت ما يحكم الله تعالى بحكم فيجوز فالثاني فقط هو المنفي والنصب واجب على جعل الثاني قيدًا للأول أي: ما يكون منه حكم يترتب عليه جور. قوله: "وبمعنى ما تأتينا" أي: في المستقبل فأنت تحدثنا أي: الآن وإلا فظاهره مشكل إذ لا يمكن أن يحدثه مع عدم الإتيان ا. هـ. زكريا وصوره البعض بأن يكون أحدهما على شط نهر والآخر على شطه الآخر. قوله: "فيكون المقصود نفي اجتماعهما" أي: لانصباب النفي حينئذ على المعطوف أي: ما يكون منك إتيان يعقبه تحديث أعم من أن ينتفي أصل الإتيان أيضًا، أو يثبت هذا مقتضى عبارة الشارح، ومقتضى عبارة المغني والرضي ثبوت أصل الإتيان على هذا المعنى. وعبارة الثاني ومعنى النفي في ما تأتينا فتحدثنا انتفى الإتيان فانتفى التحديث لانتفاء شرطه وهو الإتيان هذا هو القياس، ثم قال: ويجوز أن يكون النفي راجعًا إلى التحديث في الحقيقة لا إلى الإتيان أي: ما يكون منك إتيان بعده تحديث وإن حصل مطلق الإتيان وعلى هذا المعنى ليس في الفاء معنى السببية، لكن انتصب الفعل عليه تشبيهًا بفاء السببية ا. هـ. قوله: "أو على معنى ما تأتينا فكيف تحدثنا" هذا المثال وإن صح فيه المعنيان المذكوران لكن ليس كل مثال كذلك فقد قال في المغني: وعلى المعنى الأول يعني الثاني من وجهي قصد الجواب في كلام الشارح جاء قوله ﷾: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، أي: فكيف يموتون ويمتنع أن يكون على الثاني يعني الأول في كلام الشارح إذ يمتنع أن يقضى عليهم ولا يموتوا ا. هـ. وهذا أيضًا يعكر على ما سبق عن شيخنا والبعض من قولهما في الآية أي: لا يقضى عليهم ميتين. قوله: "وهو الطلب باسم الفعل" إنما لم يكن محضًا؛ لأنه ليس موضوعًا للطلب بناء على الصحيح أنه موضوع للفظ الفعل، وكذا على أنه موضوع للحدث أما على أنه موضوع لمعنى الفعل فمشكل أفاده سم. قوله: "أو بالمصدر" أي: الواقع بدلًا من اللفظ بفعله، قال ابن هشام: ألحق أن المصدر الصريح إذا كان للطلب ينصب ما بعده سيوطي. قوله: "وحسبك الحديث" مقتضاه أن حسب اسم فعل أمر وليس كذلك؛ لأن حسب إما اسم فعل مضارع بمعنى يكفي فضمته بناء وإما اسم فاعل بمعنى كاف فضمته إعراب فكان ينبغي تأخير هذا
[ ٣ / ٤٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونحو: رزقني الله مالًا فأنفقه في الخير، فلا يكون لشيء من ذلك جواب منصوب. وسيأتي التنبيه على خلاف في بعض ذلك.
تنبيهات: الأول مما مثل به في شرح الكافية لجواب النفي المنتقض ما قام فيأكل إلا طعامه، قال ومنه قول الشاعر:
١٠٨٨- وما قامَ منّا قائمٌ في نَدِيِّنا فينطِقُ إلا بالتي هي أَعْرَفُ
وتبعه الشارح في التمثيل بذلك، واعترضهما المرادي وقال: إن النفي إذا انتقض بإلا بعد الفاء جاز النصب، نص على ذلك سيبويه. وعلى النصب أنشد:
فينطِقَ إلا بالتي هي أعرفُ
الثاني قد تضمر أن بعد الفاء الواقعة بين مجزومي أداة شرط أو بعدهما أو بعد حصر بإنما اختيارًا نحو: إن تأتني فتحسن إلي أكافئك، ونحو: متى زرتني أحسن إليك فأكرمك، ونحو: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧، آل عمران: ٤٧، مريم: ٣٥]، في قراءة من نصب، وبعد الحصر بإلا والخبر المثبت الخالي من الشرط اضطرارًا نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا ونحو: قوله:
ــ
المثال عما بعده؛ لأن حسبك الحديث جملة خبرية بمعنى الأمر أي: اكفف فهو من قبيل: رزقني الله مالًا إلخ. قوله: "في ندينا" الندى مجلس القوم ومتحدثهم ومناصلة قائم زكريا.
قوله: "جاز النصب" أي: والرفع كما في النكت وإنما جاز النصب؛ لأن الانتقاض إنما جاء بعد استحقاق الفعل النصب ويتفرع على ذلك ما إذا قلت ما جاءني أحد إلا زيد فأكرمه، فإن جعلت الهاء لأحد نصبت لتقدم الفعل في التقدير على انتقاض النفي، وإن جعلتها لزيد رفعت لتأخره عنه في التقدير. قوله: "قد تضمران إلخ" سيذكره المصنف في الجوازم بقوله:
والفعل من بعد الجزاء إن يقترن
إلخ وهناك بسطه. قوله: "ونحو: إذا قضى أمرًا إلخ" إنما لم يجعل منصوبًا في جواب كن؛ لأنه ليس هناك قول كن حقيقة بل هي كناية عن تعلق القدرة تنجيزًا بوجود الشيء ولما سيأتي عن ابن هشام من أنه لا يجوز توافق الجواب والمجاب في الفعل والفاعل، بل لا بد من اختلافهما فيهما أو أحدهما فلا يقال قم تقم، وبعضهم جعله منصوبًا في جوابه نظرًا إلى وجوب الصيغ في هذه الصورة ويرد ما ذكرناه عن ابن هشام. قوله: "اضطرارًا" راجع للأمرين قبله فقوله نحو: ما
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للفرزدق في ديوانه ٢/ ٢٩؛ وجمهرة أشعار العرب ص٨٨٧؛ وخزانة الأدب ٨/ ٥٤٠، ٥٤١، ٥٤٢؛ والرد على النحاة ص١٥٤؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٥٣٥؛ والكتاب ٣/ ٣٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٠؛ وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٧١.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٨٩- سأتْرُكَ مَنْزِلي لبَنِي تميمٍ وأَلحَقُ بالحجازِ فأَسْتَرِيحا
الثالث يلحق بالنفي التشبيه الواقع موقعه نحو: كأنك وال علينا فتشتمنا أي: ما أنت وال علينا ذكره في التسهيل، وقال في شرح الكافية: إن غيرًا قد تفيد نفيًا فيكون لها جواب منصوب كالنفي الصريح، فيقال غير قائم الزيدان فتكرمهما أشار إلى ذلك ابن السراج، ثم قال: ولا يجوز هذا عندي. قلت وهو عندي جائز والله أعلم. هذا كلامه بحروفه. الرابع ذهب بعض الكوفيين إلى أن ما بعد الفاء منصوب بالمخالفة، وبعضهم إلى أن الفاء هي الناصبة كما تقدم في أو، والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفاء عاطفة فلا عمل لها لكنها عطفت مصدرًا مقدرًا على مصدر متوهم، والتقدير في نحو: ما تأتينا فتحدثنا ما
ــ
أنت إلخ نظير للجائز في الشعر لا مثال، قوله: "يلحق بالنفي التشبيه إلخ" وفي التسهيل وشرحه للدماميني ما نصه وربما نفى بقد فنصب الجواب بعدها ذكر ذلك ابن سيده صاحب المحكم. وحكى عن بعض الفصحاء قد كنت في خير فتعرفه يريد ما كنت في خير فتعرفه ا. هـ. قوله: "غير قائم الزيدان" أي: ما قائم الزيدان، فليس المعتبر في غير هنا مجرد المغايرة. قوله: "بالمخالفة" قال الفارضي: لأن الثاني خبر والأول ليس بخبر؛ لأنه إما نفي أو طلب فلما خالفه في المعنى خالفه في الإعراب ونقض بنحو: ما جاء زيد لكن عمرو وجاء زيد لا عمرو فقد خالف الثاني الأول في المعنى ولم يخالفه في الإعراب ا. هـ. ومراده بالخبر ما ليس نفيًا ولا طلبًا.
قوله: "إلى أن الفاء هي الناصبة" عبارة الفارضي وعن الجرمي النصب هنا بالفاء والواو ورد بأنهما عاطفان وحرف العطف لا يعمل لعدم اختصاصه. قوله: "لأن الفاء عاطفة إلخ" ولذا امتنع عندهم تقديم الجواب على سببه نحو: ما زيد فنكرمه يأتينا، وأجازه الكوفيون إذ الفاء عندهم ليست للعطف ومذهبهم جواز تقديم جواب الشرط على الشرط دماميني. قوله: "لكنها إلخ" استدراك على قوله عاطفة دفع به توهم أنها عطفت صريحًا على صريح. قوله: "عطفت مصدرًا إلخ" استشكله الرضي بأن فاء العطف لا تكون للسببية إلا إذا عطفت جملة على جملة، واختار هو جعلها للسببية فقط لا للعطف. قال: وإنما نصبوا ما بعدها تنبيهًا على تسببه عما قبلها وعدم عطفه عليه إذ المضارع المنصوب بأن مفرد وما قبل الفاء المذكورة جملة فيكون ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا ا. هـ. وقوله جملة على جملة أي: أو صفة على صفة كما بيناه في باب العطف وللجماعة دفع الاستشكال بمنع الحصر وإلحاق المصادر بالجمل والصفات.
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للمغيرة بن حيناء في خزانة الأدب ٨/ ٥٢٢؛ والدرر ١/ ٢٤٠، ٤/ ٧٩؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٢٥١؛ وشرح شواهد المغني ص٤٩٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٠؛ وبلا نسبة في الدرر ٥/ ١٣٠؛ والرد على النحاة ص١٢٥؛ ورصف المباني ص٣٧٩؛ وشرح شذور الذهب ص٣٨٩؛ وشرح المفصل ٧/ ٥٥؛ والكتاب ٣/ ٣٩، ٩٢؛ المحتسب ١/ ١٩٧؛ ومغني اللبيب ١٠/ ١٧٥؛ والمقتضب ٢/ ٢٤؛ والمقرب ١/ ٢٦٣.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
والواوُ كالفا إنْ تُفِد مفهومَ مَعْ كلا تَكُنْ جَلدًا وتُظهِرَ الجَزَعْ
_________________
(١) يكون منك إتيان فتحديث، وكذا يقدر في جميع المواضع. الخامس شرط في التسهيل في نصب جواب الاستفهام أن لا تضمن وقوع الفعل احترازًا من نحو: لم ضربت زيدًا فيجازيك؛ لأن الضرب قد وقع فلم يمكن سبك مصدر مستقبل منه، وهو مذهب أبي علي، ولم يشترط ذلك المغاربة. وحكى ابن كيسان أين ذهب زيد فنتبعه بالنصب مع أن الفعل في ذلك محقق الوقوع، وإذا لم يمكن سبك مصدر مستقبل من الجملة سبكناه من لازمها، فالتقدير ليكن منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا "والواو كالفا" في جميع ما تقدم "إن تفد مفهوم مع" أي: بقصد بها المصاحبة "كلا تكن جلدًا وتظهر الجزع" أي: لا تجمع بين قوله: "وكذا يقدر في جميع المواضع" يؤخذ منه أنه يشترط في النصب أن يتقدم على الفاء ما يتصيد منه مصدر من فعل أو شبهه وهو كذلك، فقد قال السيوطي: يشترط أن لا يكون المتقدم جملة اسمية خبرها جامد فإن كان نحو: ما أنت زيد فنكرمك امتنع النصب وتعين القطع أو العطف والقطع أحسن؛ لأن العطف ضعيف لعدم المشاكلة من حيث إنه عطف فعلية على اسمية ا. هـ. ومراد بالقطع الاستئناف، وقال في محل آخر: يتعين الرفع في نحو: هل أخوك زيد فنكرمه بخلاف نحو: أفي الدار زيد فنكرمه أو أزيد منا فنكرمه لنيابة الجار والمجرور مناب الفعل. قوله: "وقوع الفعل" أي: في الزمن الماضي. قوله: "فالتقدير" أي: في المثال الثاني وأما التقدير في الأول ليكن منك إعلام بسبب ضرب زيد فمجازاة لك منه. قوله: "إعلام بذهاب زيد" أي: بمكان ذهاب زيد؛ لأن المكان هو المجهول المسئول عنه. قوله: "والواو كالفا" ألحق الكوفيون بهما ثم في قوله -ﷺ: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" وضعف بأنه يصير المعنى على النصب النهي عن الجمع بين البول والاغتسال فيقتضي أن البول في الماء الدائم بلا غسل منه غير داخل تحت النهي، وليس كذلك، وأجاب في المغني بأن اعتبار المفهوم محله إذا لم يصد عنه دليل، والدليل هنا قام على إلغائه وجوز ابن مالك وغيره في الحديث الرفع على الاستئناف لا العطف وإلا لزم عطف الخبر على الإنشاء ويؤخذ من هذا أن ثم تكون استئنافية وبه صرح صاحب رصف المباني قاله الدماميني. قوله: "إن تفد مفهوم مع" أي: مع العطف فلا ينافي ما صرحوا به من أنها عاطفة مصدرًا مقدرًا على مصدر متوهم، قال في المغني: ويسمى الكوفيون هذه الواو واو الصرف ا. هـ. وخالف الرضي في كون الواو التي ينصب المضارع بعدها عاطفة فقال: لما قصدوا في واو الصرف معنى الجمعية نصبوا المضارع بعدها ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدم مرشدًا من أول الأمر، إلى أنها ليست للعطف فهي إذن، أما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، فمعنى قم وأقوم وقيامي ثابت أي: في حال ثبوت قيامي وأما بمعنى مع أي: قم مع قيامي كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم فنصبوا ما بعد الواو، ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر على مصدر متصيد من الفعل قبله كما قال النحاة أي: ليكن قيام منك وقيام مني لم يكن فيه تنصيص على معنى الجمع ا. هـ. واستظهره الدماميني ودفع
[ ٣ / ٤٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذين، وقد سمع النصب مع الواو في خمسة مما سمع مع الفاء: الأول النفي نحو: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] . الثاني الأمر نحو: قوله:
١٠٩٠- فقلتُ ادْعِي وأَدْعُو إنَّ أَنْدَى لصَوتِ أنْ يُنادِيَ داعيانِ
الثالث النهي نحو: قوله:
١٠٩١- لا تَنْهَ عن خُلُق وتأتي مِثلُهُ عارٌ عليكَ إذا فَعَلتَ عَظِيمُ
ــ
استشكال وجوب حذف الخبر مع عدم سد شيء مصدره بأن ذلك لكثرة الاستعمال.
قوله: "أي: يقصد بها المصاحبة" أي: لا التشريك بين الفعلين ويؤخذ من كلامه أن النصب بعدها ليس على معنى الجواب كما هو بعد الفاء، وهو كذلك خلافًا لمن زعمه، وقولهم: الواو تقع في جواب كذا فيه تجوز ظاهر أفاده زكريا عن المرادي. قوله: "جلدًا" الجلد من الرجال الصلب القوي على الشيء. قوله: "ولما يعلم الله إلخ" الخطاب بالآية لجماعة جاهدوا ولم يصبروا على ما أصابهم وطمعوا مع ذلك في دخول الجنة مع أن الطمع في ذلك إنما ينبغي إذا اجتمع مع الجهاد الصبر، فالمعنى بل حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يكن لله علم بجهادكم مصاحب للعلم بصبركم أي: ولم يجتمع علمه بجهادكم وعلمه بصبركم لعدم وقوع صبركم، وإذا لم يقع صبرهم لم يعلم الله تعالى بوقوعه؛ لأن علم غير الواقع واقعًا جهل. وإذا انتفى عنه تعالى هذا العلم انتفى عنه العلم المصاحب له فلا ينافي هذا ما قرره من تعلق علمه تعالى بالمعدوم؛ لأن معنى تعلقه بالمعدوم أنه تعالى يلعم عدمه لا وقوعه.
قوله: "فقلت ادعى" أصله ادعوى بضم العين فلما حذفت الواو لالتقائها ساكنة مع الياء بعد
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للأعشى في الدرر ٤/ ٨٥؛ والرد على النحاة ص١٢٨، والكتاب ٣/ ٤٥؛ وليس في ديوانه؛ وللفرزدق في أمالي القالي ٢/ ٩٠؛ وليس في ديوانه؛ ولدثار بن شيبان الثمري في الأغاني ٢/ ١٥٩؛ وسمط اللآلي ص٧٢٦؛ ولسان العرب ١٥/ ٣١٦ "ندى"؛ وللأعشى أو للحطيئة أو لربيعة بن جشم في شرح المفصل ٧/ ٣٥؛ ولأحد هؤلاء الثلاثة أو لدثار بن شيبان في شرح التصريح ٢/ ٢٣٩؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٢٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٢؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ٢/ ٨٦٤؛ والإنصاف ٢/ ٥٣١؛ وأوضح المسالك٤/ ١٨٢؛ وجواهر الأدب ص١٦٧؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٩٢؛ وشرح شذور الذهب ص٤٠١؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣٤١؛ ولسان العرب ١٢/ ٥٦٠ "لوم"؛ ومجالس ثعلب ٢/ ٥٢٤؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٩٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣.
(٢) البيت من الكامل، وهو لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص٤٠٤؛ والأزهية ص٢٣٤؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣٨؛ وشرح شذور الذهب ص٣١٠؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣؛ وللمتوكل الليثي في الأغاني ١٢/ ١٥٦؛ وحماسة البحتري ص١١٧؛ والعقد الفريد ٢/ ٣١١؛ والمؤتلف والمختلف ص١٧٩؛ ولأبي الأسود أو للمتوكل في لسان العرب ٧/ ٤٤٧ "عظظ"؛ ولأحدهما أو للأخطل في شرح شواهد الإيضاح ص٢٥٢؛ ولأبي الأسود أو للأخطل أو للمتوكل الكناني في الدرر ٤/ ٨٦؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٣؛ ولأحد هؤلاء =
[ ٣ / ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الرابع الاستفهام نحو قوله:
(٢) أُتَبِيتُ رَبَّانَ الجفُونِ من الكَرَى وأَبَيتُ منك بليلةِ المَلسوعِ وقوله:
(٣) ألم أكُ جارَكم ويكونَ بَيْنِي وبينكُمُ المودَّةُ والإخاءُ الخامس التمني نحو: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] في قراءة حمزة وحفص. وقس الباقي، قال ابن السراج: الواو ينصب ما بعدها في غير الموجب حذف حركة الواو استثقالًا لها كسرت العين لمناسبة الياء ويجوز في الهمزة نظرًا لضم العين في الأصل والكسر نظرًا لكسرها الآن أفاده الإسقاطي على ابن عقيل، وقوله: إن أندى من الندى بفتح النون والدال مقصورًا وهو بعد ذهاب الصوت ا. هـ. زكريا. واللام في لصوت زائدة بين المتضايفين على ما يؤخذ من العيني ولا حاجة إليه لصحة كون المعنى أن أبعد ذهاب لصوت كما قاله الدماميني والشمني. قوله: "أتبيت إلخ" التاء في الفعلين لام الكلمة والخطاب في الأول مستفاد من تاء المضارعة والتكلم في الثاني من الهمزة فاستشكال من قال كيف ضم التاء من تبيت وهو للمخاطب وفتحها من أبيت وهو للمتكلم غلط، والكرى النوم وشبهه بالماء في أن بكل راحة النفس واستعاره له بالكناية، وريان تخييل والباء في بليلة الملسوع بمعنى في وليلة الملسوع كناية عن ليلة السهر. قوله: "ألم أك جاركم إلخ" الاستفهام للتقرير وتقدم ما فيه. قوله: "في قراءة حمزة وحفص" بنصب نكذب ونكون ووافقهما ابن عامر في الثاني. قوله: "وقس الباقي" وهو الدعاء والعرض والتحضيض والترجي، وقال أبو حيان: لا ينبغي أن يقدم على ذلك إلا بسماع. قوله: "في غير الموجب" أي: غير الخبر المثبت وغيره هو النفي والطلب وقوله: من حيث = أو للمتوكل الليثي أو للطرماح أو للسابق البربري في خزانة الأدب ٨/ ٥٦٤، ٥٦٧؛ وللأخطل في الرد على النحاة ص١٢٧؛ وشرح المفصل ٧/ ٢٤؛ والكتاب ٣/ ٤٢؛ ولحسان بن ثابت في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٨٨؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ٢٩٤؛ وأمالي ابن الحاجب ٢/ ٨٦٤؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٨١؛ وجواهر الأدب ص١٦٨؛ والجنى الداني ص١٥٧؛ ورصف المباني ص٤٢٤؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٥٣٥؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣٤٢؛ وشرح قطر الندى ص٧٧؛ ولسان العرب ١٥/ ٤٨٩ "وا"؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٦١؛ والمقتضب ٢/ ٢٦.
(٤) البيت من الكامل، وهو للشريف الرضي في ديوانه ١/ ٤٩٧؛ وحاشية الشيخ ليس ١/ ١٨٤؛ والدرر ٤/ ٨٧؛ وللشريف المرتضى في مغني اللبيب ٢/ ٦٦٨؛ وبلا نسبة في همع الهوامع ٢/ ١٣.
(٥) البيت من الوافر، وهو للحطيئة في ديوانه ص٥٤؛ والدرر ٤/ ٨٨؛ والرد على النحاة ص١٢٨/ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٧٣؛ وشرح شذور الذهب ص٤٠٣؛ وشرح شواهد المغني ص٩٥٠؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧٤؛ والكتاب ٣/ ٤٣؛ ومغني اللبيب ص٦٦٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤١٧؛ وبلا نسبة في جواهر الأدب ص١٦٨؛ ورصف المباني ص٤٧؛ وشرح قطر الندى ص٧٦؛ والمقتضب ٢/ ٢٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من حيث انتصب ما بعد الفاء، وإنما يكون كذلك إذا لم ترد الاشتراك بين الفعل والفعل، وأردت عطف الفعل على مصدر الفعل الذي قبلها كما كان في الفاء وأضمرت أن، وتكون الواو في هذا بمعنى مع فقط، ولا بد مع هذا الذي ذكره من رعاية أن لا يكون الفعل بعد الواو مبنيا على مبتدأ محذوف؛ لأنه متى كان كذلك وجب رفعه، ومن ثم جاز فيما بعد الواو من نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن ثلاثة أوجه: الجزم على التشريك بين الفعلين في النهي، والنصب على النهي عن الجمع، والرفع على ذلك المعنى، ولكن على تقدير وأنت تشرب اللبن. إلخ من بمعنى في وهو كما قال شيخنا: بدل من غير الموجب أي: في الأمكنة التي ينتصب فيها ما بعد الفاء، قوله: "عطف الفعل" فيه تسمح إذ المعطوف أن والفعل المؤولان بالمصدر لكن لما كان الموجود في اللفظ الفعل فقط اقتصر عليه وبهذا يعلم ما في كلام البعض. قوله: "بمعنى مع فقط" أي: للمصاحبة دون الاشتراك بين الفعلين وإلا فهي للعطف أيضا كما سبق وكما يدل عليه قوله: وأردت عطف الفعل إلخ. قوله: "ولا بد مع هذا إلخ" هذا علم من قول ابن السراج وأردت عطف الفعل على مصدر الفعل الذي قبلها ا. هـ. زكريا أي: فليس زائدًا على كلام ابن السراج كما يقتضيه كلام الشارح، بقي أن رفع ما بعد الواو استئنافًا لإباحته بعد النهي عما قبلها لا يتوقف على تقدير مبتدأ فما الداعي إلى تقديره، ثم رأيت في شرح الدماميني عند قول المغني: أجرى ابن مالك ثم مجرى الفاء والواو بعد الطلب فأجاز في قوله -ﷺ: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" ثلاثة أوجه الرفع بتقدير ثم هو يغتسل فيه وبه جاءت الرواية والجزم بالعطف على موضع فعل النهي والنصب بأن مضمرة ما نصه تقدير هو ليس لأجل كونه متعينًا وإنما هو لتحقيق كون الكلام مستأنفًا كما جرت به عادة النحاة عند الاستئناف ا. هـ. قوله: "على التشريك بين الفعلين في النهي" أي: على النهي عن كل منهما كما عبر به في المغني وغيره، قال الدماميني: ولي فيه نظر إذ لا موجب لتعين أن يكون المراد النهي عن كل منهما بل يحتمل أن المراد النهي عن الجمع بينهما كما قالوا إذا قلت ما جاءني زيد وعمرو احتمل أن المراد نفي كل منهما على كل حال وأن المراد نفي اجتماعهما في وقت المجيء فإذا جيء بلا صار الكلام نصا في المعنى الأول فكذا إذا قلت لا تضرب زيدًا وعمرًا احتمل تعلق النهي بكل منهما مطلقًا وتعلقه بهما على معنى الاجتماع ولا يتعين الأول إلا بلا ولا فرق في ذلك بين الاسم والفعل. قال الشمني: يرتفع هذا النظر بأن معنى قولهم النهي عن كل منهما أي: ظاهرًا فلا ينافي احتمال النهي عن الجمع بينهما. قوله: "على ذلك المعنى" أي: بناء ما بعد الواو على مبتدأ محذوف ولا موقع للاستدراك بعد بل كان عليه أن يحذفه أو يبدله بقوله: وهو تقدير إلخ ولا يصح رجوع الإشارة إلى النهي عن الجمع؛ لأنه يمنع منه كون الإشارة للبعيد وكون الرفع على النهي عن الأول وإباحة الثاني لا على النهي عن الجمع اللهم إلا أن يكون هذا توجيهًا للرفع غير المشهور وعليه تكون الواو للحال لا
[ ٣ / ٤٥١ ]
وبعدَ غيرِ النفي جَزمًا اعْتَمدْ إنْ تَسْقُطِ الفاء والجزاءُ قد قُصِدْ
ــ
تنبيه: الخلاف في الواو كالخلاف في الفاء وقد تقدم "وبعد غير النفي جزما اعتمد" جزمًا مفعول به مقدم أي: اعتمد الجزم "إن تسقط الفاء والجزاء قد قصد" أي: انفردت الفاء عن الواو بأن الفعل بعدها ينجزم عند سقوطها بشرط أن يقصدك الجزاء. وذلك بعد الطلب بأنواعه كقوله:
١٠٩٤- قِفا نَبْكِ من ذِكرى حَبيبٍ ومَنْزِلِ
وكذا بقية الأمثلة. أما النفي فلا يجزم جوابه؛ لأنه يقتضي تحقق عدم الوقوع كما يقتضي الإيجاب تحقق الوقوع، فلا يجزم بعده كما لا يجزم بعد الإيجاب، ولذلك قال: وبعد غير النفي. واحترز بقوله: والجزاء قد قصد عما إذا لم يقصد الجزاء فإنه لا يجزم بل
ــ
للاستئناف ثم رأيت صاحب المغني نقل هذا عن ابن الناظم وبحث فيه وعبارته وإن رفعت فالمشهور أنه نهى عن الأول وإباحته للثاني وأن المعنى ولك شرب اللبن وتوجيهه أنه مستأنف فلم يتوجه إليه حرف النهي. وقال بدر الدين بن مالك: إن معناه كمعنى وجه النصب ولكنه على تقدير لا تأكل السمك وأنت تشرب اللبن ا. هـ. وكأنه قدر الواو للحال وفيه بعد لدخولها في اللفظ على المضارع المثبت ثم هو مخالف لقولهم إذا جعلوا لكل من أوجه الإعراب معنى ا. هـ. بالحرف.
قوله: "وبعد غير النفي" قال السيوطي نقلًا عن ابن هشام: ينبغي أن يسثنى أيضًا لو التي للتمني في نحو: فلو أن لنا كرة فنكون ووجهه أن أشرابها التمني طارئ عليها فلذا لم يسمع الجزم بعدها ا. هـ. وغير النفي هو الطلب. قوله: "أن تسقط الفا" أي: لم توجد مع الفعل والسقوط بهذا المعنى لا يستدعي سبق الوجود. قوله: "والجزاء قد قصد" بأن تقدره مسببًا عن الطلب المتقدم كما أن جزاء الشرط مسبب عن فعل الشرط ا. هـ. تصريح والواو في الجزاء قد قصد حالية.
قوله: "وكذا بقية الأمثلة" نحو: لا تعص الله يدخلك الجنة ويا رب وفقني أطعك وهل تزورني أزرك وليت لي ما لا أنفقه ولا تنزل تصب خيرًا ولولا تجيء أكرمك ولعلك تقدم أحسن إليك. قوله: "فلا يجزم جوابه" أي: على الصحيح خلافًا للزجاج كما في الهمع. قوله: "كما لا
_________________
(١) عجزه: بسقط اللِّوى بين الدخولِ فحَوْمَلِ والبيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٨؛ والأزهية ص٢٤٤، ٢٤٥؛ وجمهرة اللغة ص٥٦٧؛ والجنى الداني ص٦٣، ٦٤؛ وخزانة الأدب ١/ ٣٣٢، ٣/ ٢٢٤؛ والدرر ٦/ ٧١؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٠١؛ وشرح شواهد الشافية ص٢٤٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٤٦٣؛ والكتاب ٤/ ٢٠٥؛ ولسان العرب ١٥/ ٢٠٩ "قوا"؛ ومجالس ثعلب ص١٢٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٢٩؛ وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦٥٦؛ وأوضح المسالك ٣/ ٣٥٩؛ وجمهرة اللغة ص٥٨٠؛ وخزانة الأدب ١١/ ٦؛ والدرر ٦/ ٨٢؛ ورصف المباني ص٣٥٣؛ وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣١٦؛ وشرح قطر الندى ص٨٠؛ والصاحبي في فقه اللغة ص١١٠؛ ومغني اللبيب ١/ ١٦١، ٢٦٦؛ والمنصف ١/ ٢٢٤؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣١.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
برفع: إما مقصودًا به الوصف نحو: ليت لي مالًا أنفق منه، أو الحال أو الاستئناف، ويحتملهما قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: ٧٧]، وقوله:
١٠٩٥- كُرُّوا إلى حَرَّتَيْكُمُ تَعْمُرونَهُما كما تَكُرُّ إلى أوطانِها البَقَرُ
تنبيهان: الأول قال في شرح الكافية: الجزم عند التعري من الفاء جائز بإجمال الثاني: اختلف في جازم الفعل حينئذ: فقيل إن لفظ الطلب ضمن معنى حرف الشرط فجزم، وإليه ذهب ابن خروف واختاره المصنف ونسبه إلى الخليل وسيبويه. وقيل إن الأمر والنهي وباقيها نابت عن الشرط: أي: حذفت جملة الشرط وأنيبت هذه في العمل منابها
ــ
يجزم إلخ" ففيه حمل الشيء على نقيضه. قوله: "إما مقصودًا به الوصف" يتعين إن كان قبل الفعل نكرة لا تصلح لمجيء الحال منها نحو: فهب لي من لدنك وليا يرثني في قراءة من رفع والمراد إرث العلم والنبوة فلا اعتراض بتخلف الإرث بموت يحيى في حياة زكريا عليهما الصلاة والسلام، وقوله: أو الحال يتعين إن كان قبله معرفة نحو: ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ فإن كان قبله نكرة تصلح لمجيء الحال منها احتمل الوصفية والحالية نحو: أكرم شخصًا من العلماء يقرأ وبهذا التقرير يعلم ما في كلام شيخنا والبعض من الإيهام.
قوله: "ويحتملهما" أي: الحال والاستئناف ومما يحتملهما قراءة ابن ذكوان "وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفُ" بالرفع قال الدماميني: وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، يحتمل الأمرين المذكورين والنعت أيضًا. قوله: "كروا إلى حرتيكم إلخ" الكر الرجوع وبابه رد وحرتيكم تثنية حرة وهي أرض ذات حجارة سود ا. هـ. مختار. قوله: "جائز بإجماع" أي: وإنما الخلاف في عامله كما قال الثاني اختلف إلخ. قوله: "فقيل إن لفظ الطلب إلخ" حاصله أربعة أقوال على الأولين يكون العامل مذكورًا وهو لفظ الطلب إلا أنه على الأول لتضمنه معنى حرف الشرط وعلى الثاني لنيابته عنه وعلى الأخيرين يكون مقدرًا. قوله: "ضمن معنى حرف الشرط" كما أن أسماء الشرط إنما جزمت لذلك ا. هـ. تصريح ونوقش بأن تضمن الفعل معنى الحرف إما غير واقع أو غير كثير بخلاف تضمن الاسم معنى الحرف، وفي الهمع أن ابن عصفور رد هذا القول بأنه يقتضي كون العامل جملة ولا يوجد عامل جملة وأبا حيان بأن في تضمين ائتني مثلا معنى إن تأتني تضمين معنيين معنى أن ومعنى تأتني ولا يوجد في لسانهم تضمين معنيين مع أن معنى إن تأتني معنى غير طلبي فلو تضمنه فعل الطلب لكان الشيء الواحد طلبًا غير طلب ا. هـ. باختصار.
قوله: "ثابت عن الشرط إلخ" كما أن النصب بضربا في ضربا زيدًا لنيابته عن اضرب لا
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو للأخطل في ديوانه ص١٧٦؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٨٧؛ والكتاب ٣/ ٩٩؛ ولسان العرب ١٣/ ٤٥١ "وطن"؛ ومعجم ما استعجم ص٤٨١؛ وبلا نسبة في المقرب ١/ ٢٧٣.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فجزمت. وهو مذهب الفارسي والسيرافي وابن عصفور. وقيل الجزم بشرط مقدر دل على الطلب، وإليه ذهب أكثر المتأخرين. وقيل الجزم بلام مقدرة فإذا قيل: ألا تنزل تصب خيرًا فمعناه لتصب خيرًا وهو ضعيف، ولا يطرد إلا بتجوز وتكلف والمختار القول الثالث لا ما لتضمنه معناه ورد بأن نائب الشيء يؤدي معناه والطلب لا يؤدي معنى الشرط إذا لا تعليق في الطلب بخلاف الشرط والأرجح في ضربا زيدًا أن زيدًا منصوب بالفعل المحذوف لا المصدر ا. هـ. تصريح وقد يمنع ما ذكره من ترجيح نصب زيدًا في ضربًا زيدًا بالفعل لا بالمصدر. قوله: "جملة الشرط" أي: أداته وفعله. قوله: "بشرط مقدر" أي: هو وفعله بعد الطلب لدلالته على الشرط وفعله والظاهر أنه يتعين تقدير إن؛ لأنها أم الأدوات بل صرحوا بأنه لا يحذف منه إلا هي. قوله: "ولا يطرد إلا بتجوز وتكلف" بمنزلة التعليل للضعف أي: لأنه لا يستقيم من جهة المعنى في كل موضع إلا بتجوز وتكلف في بعض المواضع نحو: أكرمني أكرمك أما التجوز فلما قيل من أن أمر المتكلم نفسه إنما هو على التجوز بتنزيل نفسه منزلة الأجنبي وأما التكلف؛ فلأن دخول لام الأمر على فعل المتكلم قليل كما سيأتي فلا يحسن تخريج الكثير عليه ولا يرد على صاحب هذا ما سيأتي في الجوازم أن اللام إنما تجزم محذوفة اختيارًا بعد قول؛ لأنه لا يسلم هذا الحصر بل يقول بجزمها محذوفة اختيارًا قياسًا في جواب الطلب أيضًا ولم يفهم البعض مراد الشارح بالاطراد مع ظهوره فخطأه في قوله: إلا بتجوز وتكلف فقال قوله لا يطرد إلا بتجوز وتكلف أي: لا ينقاس في سائر المواضع؛ لأن اللام إنما تجزم محذوفة اختيارًا بعد قول كما سيأتي في الجوازم وكان الصواب حذف قوله إلا بتجوز وتكلف؛ لأنه لا معنى له فتأمل ا. هـ. وقد ظهر لك إن كان عندك أدنى تنبه أنه لم يخطئ إلا ابن أخت خالته. قوله: "والمختار القول الثالث" أبطله المصنف بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، قال: لأن تقدير أداة الشرط يستلزم أن لا يتخلف أجد من المقول له ذلك عن الامتثال لكن التخلف واقع، قال الدماميني: وهذا مبني على أن الشرط والجزاء ملازمة عقلية وهو ممنوع قال بعض المتأخرين: يكفي الشرط في كونه شرطًا توقف الجزاء عليه وإن كان متوقفًا على أشياء أخر نحو: إن توضأت صحت صلاتك وأجاب ابن المصنف عن اعتراض والده بأن الحكم مسند إليهم على سبيل الإجمال لا إلى كل فرد فيحتمل أن يكون الأصل يقم أكثرهم ثم حذف المضاف وأنيب عنه المضاف إليه فارتفع واتصل بالفعل وباحتمال أنه ليس المراد بالعباد المؤمنين مطلقهم بل المخلصون منهم وكل مخلص قال له الرسول أقم الصلاة أقامها، وقال المبرد: التقدير: قل لهم أقيموا يقيموا فالجزم في جواب أقيموا المقدر لا في جواب قل ورده في المغني بأن الجواب لا بد أن يخالف المجاب إما في الفعل والفاعل نحو: ائتني أكرمك أو في الفعل نحو: أسلم تدخل الجنة أو في الفاعل نحو: قم أقم ولا يجوز أن يتوافقا فيهما بقي شيء آخر يظهر لي وهو أن مقول قل في الآية على أن يقيموا مجزوم في جواب الأمر محذوف لدلالة الجواب عليه أي: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناكم يقيموا إلخ إذ لا
[ ٣ / ٤٥٤ ]
وشَرْطُ جزمٍ بعد نَهي أنْ تَضَعْ إنْ قبلَ لا دونَ تخالُفٍ يَقَعْ
_________________
(١) ذهب إليه المصف؛ لأن الشرط لا بد له من فعل، ولا جائز أن يكون هو الطلب بنفسه ولا مضمنًا له مع معنى حرف الشرط لما فيه من زيادة مخالفة الأصل، ولا مقدرًا بعده لامتناع إظهاره بدون حرف الشرط بخلاف إظهاره معه؛ ولأنه يستلزم أن يكون العامل جملة وذلك لا يوجد له نظير ا. هـ. "وشرط جزم بعد نهي" فيما مر أن يصح "إن تضع إن" الشرطية "قبل لا" النافية "دون تخالف" في المعنى "يقع" ومن ثم جاز لا تدن من الأسد تسلم، وامتنع لا تدن من الأسد يأكلك بالجزم خلافًا للكسائي. وأما قول الصحابي: يا رسول الله لا يصح أن يكون هو الجواب؛ لأن مقول القول مفعول به للقول فلا يصح جوابًا له لوجوب استقلال الجواب، لكن هذا التقدير ظاهر على غير القول بأن جزم الجواب بلام أمر مقدرة أما عليه فيلزم تكرار الأمر بالإقامة والإنفاق لو قدرنا ذلك ويعجبني ما ارتضاه المصنف في هذه الآية أن يقيموا مجزوم بلام أمر مقدرة من غير أن يكون جوابًا، فيكون مقول القول إلا أنه محكي بالمعنى إذ لو حكاه بلفظه لقال لتقيموا بتاء الخطاب فاحفظ هذا التحقيق. قوله: "لأن الشرط" أي: أداته لا بد له إلخ، أجيب بأن هذا في الشرط التحقيقي لا التقديري الذي كلام المصنف فيه؛ لأن المصنف لم يجعله شرطًا حقيقة بل مضمنًا معناه. "أن يكون هو" أي: الفعل الطلب بنفسه؛ لأن الطلب لا يصلح لمباشرة الأداة. قوله: "ولا مضمنًا" معطوف على الطلب أي: ولا يجوز أن يكون هو أي: الفعل مضمنًا له أي: للطلب أي: مجعولًا في ضمن الطلب فعلم أن ما تكلفه شيخنا والبعض لا حاجة إليه. قوله: "لما فيه من زيادة مخالفة الأصل" وذلك؛ لأن تضمن الطلب معنى الحرف مخالف للأصل فتضمنه مع ذلك فعل الشرط فيه زيادة مخالفة للأصل. قوله: "بدون حرف الشرط" أي: وإنما يجوز تقديره إذا جاز إظهاره مع حرف الشرط؛ ولهذا قال بخلاف إظهاره معه وإنما لم يجز إظهار حرف الشرط هنا؛ لأن الطلب قد تضمن معناه فلا يصح إظهاره مع فعل الشرط. قوله: "ولأنه" أي: ما ذهب إليه المصنف يستلزم أن يكون العامل جملة الطلب ويرد هذا على القول الثاني أيضًا، ولك أن تقول لا نسلم الاستلزام المذكور بل العامل على ما ذهب إليه المصنف وكذا على الثاني الفعل فقط لا الجملة فافهم. قوله: "فيما مر" أي: فيما إذا سقطت الفاء وقصد الجزاء. قوله" أن يصح" أشار به إلى أن الكلام على تقدير مضاف؛ لأن الشرط صحة وضع ما ذكر لا وضعه بالفعل ولهذا الشرط أجمع السبعة على الرفع في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، وأما قراءة الحسن البصري تستكثر بالجزم فعلى إبداله من تمنن لا على الجواب أو على أن المعنى تستكثر من الثواب أي: تزدد منه. قوله: "قبل لا النافة" وفي بعض النسخ لا الناهية وكل صحيح؛ لأنها قبل دخول إن ناهية وبعده نافية فتسميتها ناهية باعتبار الحالة الأولى وتسميتها نافية باعتبار الثانية أفاده الفارضي. قوله: "دون تخالف" حال من إن والمراد بالتخالف بطلان المعنى. قوله: "خلافًا للكسائي" فإنه لم يشترط صحة دخول إن على لا وجوز الجزم في نحو: لا تدن من الأسد يأكلك بتقدير أن
[ ٣ / ٤٥٥ ]
والأَمرُ إنْ كانَ بغيرِ افعَل فلا تَنصِبْ جَوابَهُ وجَزْمَهُ اقْبَلا
_________________
(١) تشرف يصبك سهم، وقوله ﵊: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا يؤذنا بريح الثوم"، فجزمه على الإبدال من فعل النهي لا على الجواب، على أن الرواية المشهورة في الثاني يؤذينا بثبوت الياء. تنبيهان: الأول قال في شرح الكافية: لم يخالف في الشرط المذكور غير الكسائي. وقال المرادي: وقد نسب ذلك إلى الكوفيين. الثاني: شرط الجزم بعد الأمر صحة وضع إن تفعل، كما أن شرطه بعد النهي صحة وضع إن لا تفعل، فيمتنع الجزم في نحو: أحسن إلي لا أحسن إليك، فإنه لا يجوز إن تحسن إلي لا أحسن إليك لكونه غير مناسب وكلام التسهيل يوهم إجراء خلاف الكسائي فيه ا. هـ. "والأمر إن كان بغير افعل" بأن كان بلفظ الخبر أو باسم فعل أو باسم غيره "فلا تنصب جوابه" مع الفاء كما تقدم "وجزمه اقبلا" عند حذفها. قال في شرح الكافية: بإجماع، وذلك نحو: قوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف: ١١، ١٢]، وقوله: اتقي الله امرؤ فعل خيرًا يثب عليه. وقوله: تدن بغر نفي واحتج بنحو: الأثر والحديث الآتيين وسيأتي الجواب عنهما وبالقياس على النصب فإنه يجوز لا تدن من الأسد فيأكلك، ورد البصريون القياس بأنه لو صح القياس على النصب لصح الجزم بعد النفي قياسًا له على النصب. قال في التصريح: وفي الرد نظر فإن الكوفيين قائلون بجواز الجزم بعد النفي. قوله: "بريح الثوم" بضم المثلثة. قوله: "على الإبدال" أي: إبدال الاشتمال تصريح. قوله: "بعد الأمر" غير الأمر من أنواع الطلب غير النهي كالأمر في الشرط المذكور نحو: أين بيتك أزرك أي: إن تعرفنيه أزرك بخلاف أين بيتك أضرب زيدًا في السوق إذ لا معنى لقولك أن تعرفنيه أضرب زيدًا في السوق وقس الباقي نقله شيخنا عن بعضهم. قوله: "يوهم إجراء إلخ" قال الدماميني: فيجوز عنده أي: الكسائي أسلم تدخل النار بمعنى إن لم تسلم تدخل النار وبجريان خلاف الكسائي فيه أيضًا صرح صاحب الهمع والرضي مقيدًا تجويزه في القسمين بقيام القرينة. قوله: "فلا تنصب جوابه" أي: عند الأكثرين كما سيذكره الشارح فلا نصب في نحو: صه فأحسن إليك ونزل فتصيب خيرًا بل يجب الرفع إذ لا يتصيد من اسم الفعل مصدر يعطف عليه ما بعد الفاء لو نصب لجمود اسم الفعل غالبًا. قوله: "مع الفاء" قيد بها مع أن الواو كذلك لأجل قوله: وجزمه اقبلا فإن الجزم خاص بما إذا كان الساقط الفاء كما مر في قوله: وجزمًا اعتمد. أن تسقط الفاء. إلخ. قوله: " ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ إلخ" هذا هو صواب التلاوة وفي بعض النسخ زيادة من وهي غير صواب والجزم في جواب تؤمنون وتجاهدون؛ لأنهما بمعنى الأمر لا في جواب الاستفهام؛ لأن غفران الذنوب لا يتسبب عن الدلالة بل عن الإيمان والجهاد وقيل الجزم في جوابه تنزيلًا للسبب منزلة المسبب وهو الامتثال.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
والفعلُ بعدَ الفاءِ في الرَّجا نُصِبْ كنصْبِ ما إلى التمَنِّي يَنْتَسِبْ
_________________
(١) مَكانَكِ تُحْمَدِي أو تَسْتَرِيحي وقولهم: حسبك الحديث ينم الناس، فإن المعنى: آمنوا، وليتق، واثبتي، واكفف. تنبيهان: الأول أجاز الكسائي النصب بعد الفاء المجاب بها اسم فعل أمر نحو: صه، أو خبر بمعنى الأمر نحو: حسبك. وذكر في شرح الكافية أن الكسائي انفرد بجواز ذلك، لكن أجازه ابن عصفور في جواب نزال ونحوه من اسم الفعل المشتق وحكاه ابن هشام عن ابن جني، فالذي انفرد به الكسائي ما سوى ذلك. الثاني أجاز الكسائي أيضًا نصب جواب الدعاء المدلول عليه بالخبر نحو: غفر الله لزيد فيدخله الجنة "والفعل بعد الفاء في الرجا نصب كنصب ما إلى التمني ينتسب" وفاقًا للفراء لثبوت ذلك سماعًا كقراءة حفص عن عاصم: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، ــ قوله: "مكانك" اسم فعل بمعنى اثبتي تحمدي أي: بالشجاعة أو تستريحي أي: بالقتل من آلام الدنيا والخطاب للنفس. قوله: "حسبك الحديث ينم الناس" حسبك إما اسم فاعل بمعنى كافيك وإما اسم فعل مضارع بمعنى يكفي، فقول الشارح: واكفف بيان للمراد من جملة المبتدأ والخبر أو من جملة اسم الفعل وفاعله لا لمعنى لفظ حسب. قوله: "نحو: حسبك" أي: مع قولك الحديث؛ لأن الخبر الذي بمعنى الأمر جملة حسبك الحديث. قوله: "ونحوه من اسم الفعل المشتق" كضراب عمرًا فيستقيم فخرج نحو: صه فأحسن إليك. قوله: "بعد الفاء" قيد بذلك لعدم سماع النصب بعد الواو في الرجاء وكذا بعدها في الطلب اهتمامًا بشأنه لكون البصريين خالفوا فيه. قوله: "كقراءة حفص إلخ" لا حجة فيه لجواز نصب أطلع جوابًا لقوله ابن أو عطفًا على الأسباب على حد: ولبس عباءة وتقر عيني أو عطفًا على المعنى في لعلي أبلغ فإن خبر لعل يقترن بأن كثيرًا نحو: فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ا. هـ. زكريا والاحتمال الثالث يأتي في الآية الثانية وفي الرجز وهذا
(٢) صدره: وقولي كُلَّما جَشَأْت وجاشَتْ والبيت من الوافر، وهو لعمرو بن الإطنابة في إنباه الرواة ٣/ ٢٨١؛ وحماسة البحتري ص٩؛ والحيوان ٦/ ٤٢٥؛ وجمهرة اللغة ص١٠٩٥؛ وخزانة الأدب ٢/ ٤٢٨؛ والدرر ٤/ ٨٤؛ وديوان المعاني ١/ ١١٤؛ وسمط اللآلي ص٥٧٤؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٤٣؛ وشرح شواهد المغني ص٥٤٦؛ ومجالس ثعلب ص٨٣؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤١٥؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٨٩؛ والخصائص ٣/ ٣٥؛ وشرح شذور الذهب ص٤٤٧، ٥٣٤؛ وشرح قطر الندى ص١١٧؛ وشرح المفصل ٤/ ٧٤؛ ولسان العرب ١/ ٤٨ "جشأ"؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٠٣؛ والمقرب ١/ ٢٧٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
وإنْ على اسمٍ خالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ تَنْصِبُهُ أنْ ثابِتا أو مُنْحَذِفْ
ــ
وكذلك: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ٣]، وقول الراجز أنشده الفراء:
١٠٩٧- عَلَّ صُروفَ الدَّهرِ أو دُوَلاتِها تُدِلننا اللَّمَّةُ من لَمَّاتِها
فَتَستَرِيحَ النفسُ من زَفراتِها
ومذهب البصريين أن الرجاء ليس له جواب منصوب وتأولوا ذلك بما فيه بعد، وقول أبي موسى: وقد أشربها معنى ليت من قرأ فأطلع نصبًا: يقتضي تفصيلًا.
تنبيه: القياس جواز جزم جواب الترجي إذا سقطت الفاء عند من أجاز النصب. وذكر في الارتشاف أنه قد سمع الجزم بعد الترجي، وهو يدل على صحة ما ذهب إليه الفراء. ا. هـ. "وإن على اسم خالص فعل عطف تنصبه أن ثابتًا أو منحذف" فعل رفع
ــ
معنى قول الشارح الآتي: وتأولوا بما فيه بعد. قوله: "عل صروف إلخ" أي: لعل حوادث الدهر، والدولات جمع دولة قال أبو عبيدة: الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول يكون مرة لهذا ومرة لهذا، والدولة بالفتح الفعل. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بضم الدال في المال وبفتحها في الحرب وقيل هما واحد كذا في المختار، قال زكريا: وتدلننا من الأدالة هي الغلبة والنصر واللمة بالفتح الشدة وهي مفعول ثان لتدلننا. والشاهد في فتستريح، والزفرات جمع زفرة وهي الشدة وسكنت الفاء للضرورة ا. هـ. وقوله: وهي مفعول ثان غير ظاهر وإن تبعه شيخنا والبعض. والظاهر أنه منصوب بنزع الخافض أي: باللمة إن أريد بالأدالة الغلبة ولعل قصد الشاعر على هذا ترجي الموت ليستريح من مشقات الدنيا أو ترجي اشتداد الكرب ليعقبه الفرد فيستريح من الكروب كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]، أو على اللمة أو باللمة النازلة بالعدا إن أريد بالأدالة النصر والمعنى عليه ظاهر وقوله وهي الشدة في كلام الدماميني والشمني أنها إدخال النفس بشدة والشهيق إخراجه.
قوله: "يقتضي تفصيلًا" وهو أن الترجي إن أشرب معنى التمني نصب الفعل بعد الفاء في جوابه وإلا فلا. قوله: "على صحة ما ذهب إليه الفراء" من نصب الفعل بعد الفاء في جواب الترجي؛ لأن الجزم فرع النصب. قوله: "ينصبه أن" ينبغي أن يضبط بالياء التحتية؛ لأنه اعتبر تذكير أن لكونه حرفًا أو لفظًا بدليل قوله: ثابتًا أو منحذف كذا ذكره شيخنا وتبعه البعض، والظاهر أنه لا يتعين بل يجوز ضبطه بالتاء الفوقية على تأويل أن بالكلمة فيكون قوله: ثابتًا أو منحذف على تذكير أن بعد تأنيثها قال السيوطي: قال ابن هشام: ظاهر كلام المصنف وجوب النصب ويشكل عليه القراءة بالرفع "أَوْ يُرْسِلُ رَسُولًا" والجواب أنه حينئذ مسنأنف لا معطوف على الاسم ا. هـ. ويلزمه
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الإنصاف ١/ ٢٢٠؛ والخصائص ١/ ٣١٦؛ والجنى الداني ص٥٨٤؛ ورصف المباني ص٢٤٩؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٠٧؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥٤؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣٣٩؛ واللامات ص١٣٥؛ ولسان العرب ١١/ ٤٧٣ "علل"، ١٢/ ٥٥٠ "لمم"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٦.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالنيابة بفعل مضمر يفسره الفعل بعده وينصبه جواب الشرط، وأن بالفتح فاعل ينصبه، وثابت حال من أن، ومنحذف عطف عليه وقف عليه بالسكون للضرورة، أي: ينصب الفعل بأن مضمرة جوازًا في مواضع -وهي خمسة- كما ينصب بها مضمرة وجوبًا في خمسة مواضع وقد مرت. فالأول من مواضع الجواز: بعد اللام إذا لم يسبقها كون ناقص ماض منفي ولم يقترن الفعل بلا وقد سبق في قوله: وإن عدم لا فأن اعمل مظهرًا أو مضمرًا. والأربعة الباقية هي المرادة بهذا البيت وهي أن تعطف الفعل على اسم خالص بأحد هذه الحروف الأربعة: الواو والفاء وثم، نحو: قوله:
١٠٩٨- لَلِبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَينِي أَحَبُّ إليَّ مِنْ لِبسِ الشُّفوفِ
ونحو: أو يرسل رسولًا في قراءة غير نافع بالنصب عطفًا على وحيا، ونحو قوله:
ــ
أن تكون أو للاستئناف. قوله: "وينصبه جواب الشرط" ورفع لكون فعل الشرط ماضيًا كما يأتي في قوله:
وبعد ماض رفعك الجزا حسن
قوله: "بالسكون للضرورة" أي: عند غير ربيعة أما عندهم فالسكون لغة ويحتمل أن المصنف جرى عليها. قوله: "على اسم خالص" أي: من شائبة الفعلية بأن لا يكون في تأويل الفعل وهو الجامد. قوله: "للبس عباءة إلخ" الصحيح وليس بواو العطف والشفوف بضم الشين المعجمة وبالفاءين الثياب الرقاق ا. هـ. عيني ومنه:
ولولا رجال من رزام أعزه وآله سبيع أو أسوءك علقمًا
بنصب أسوءك فلا يشترط خصوص المصدر كما سيذكره. قوله: "عطفًا على وحيًا" استثناء الوحي والإرسال من التكليم منقطع؛ لأنهما ليسا منه وقوله: إلا وحيًا أي: إلهامًا كما وقع لأم موسى وقوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ " أي: أو تكليمًا من وراء حجاب كما وقع لموسى ﵊، وقوله: أو يرسل أي: إرسال كما هو عادة الأنبياء وجعل في المغني الاستثناء مفرغًا فقال كان في الآية تحتمل النقصان والتمام والزيادة وهي أضعفها فعلى النقصان الخبر أما البشر ووحيًا
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو لميسون بن جندل في خزانة الأدب ٨/ ٥٠٣، ٥٠٤؛ والدرر ٤/ ٩٠؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٣؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٤٤؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٤٧٧، وشرح شذور الذهب ص٤٠٥؛ وشرح شواهد الإيضاح ص٢٥٠؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٣؛ ولسان العرب ١٣/ ٤٠٨ "مسن"؛ والمحتسب ١/ ٣٢٦؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٦٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٧؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٢٧٧؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٩٢؛ والجنى الداني ص١٥٧؛ وخزانة الأدب ٨/ ٥٢٣؛ والرد على النحاة ص١٢٨؛ ورصف المباني ص٤٢٣؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧٦؛ وشرح عمدة الحافظ ص٣٤٤؛ وشرح قطر الندى ص٦٥؛ وشرح المفصل ٧/ ٢٥؛ والصاحبي في فقه اللغة ص١١٢، ١١٨؛ والكتاب ٣/ ٤٥؛ والمقتضب ٢/ ٢٧.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٩٩- لولا تَوَقُّعَ مُعتَرٍّ فَأُرْضِيَهُ ما كنتُ أُوثِرُ أَتْرابًا على تِرْبِ
وكقوله:
١١٠٠- إني وقَتْلي سُليكًا ثُمّ أَعْقِلَهُ كالثورِ يُضْربُ لمّا عافَتِ البَقَرُ
والاحتراز بالخالص من الاسم الذي في تأويل الفعل نحو: الطائر فيغضب زيد الذباب فيغضب واجب الرفع؛ لأن الطائر في تأويل الذي يطير ومن العطف على المصدر المتوهم فإنه يجب فيه إضمار إن كما مر.
تنبيهات: الأول إنما قال على اسم ولم يقل على مصدر كما قال بعضهم ليشمل
ــ
استثناء مفرغ من الأحوال فمعناه موحيًا أو موحى إليه على كونه حالًا من الفاعل أو المفعول وقوله: أو من وراء حجاب أي: أو مكلمًا من وراء حجاب وقوله: أو يرسل رسولًا أي: أو إرسالًا لملك الوحي إليه أي: أو مرسلًا أو مرسلًا وإما وحيًا والتفريغ في الإخبار أي: ما كان تكليمهم إلا إيحاء أو تكليمًا من وراء حجاب أو إرسالًا وجعل الإيحاء والإرسال تكليمًا على حذف مضاف أي: تكليمم وحي أو تكليم إرسال ولبشر على هذا تبيين فهو خبر لمحذوف أي: إرادتي لبشر أو مفعول لمحذوف أي: لبشر أعني وعلى التمام فالتفريغ في الأحوال من الفاعل أو المفعول ولبشر تبيين أو متعلق بكان التامة وعلى الزيادة فالتفريغ في الأحوال من الضمير المستتر في لبشر الواقع خبر لأن يكلمه الله ا. هـ. ملخصًا مع تغيير وزيادة من الدماميني والشمني وغيرهما.
قوله: "لولا توقع معتر إلخ" المعتر بالعين المهملة المتعرض لسؤال المعروف، والأتراب جمع ترب بكسر الفوقية وهو الموافق في العمر. قوله: "إني وقتلي سليكًا" أي: لأجل تحصيل غرض غيري وسليك بالتصغير اسم رجل. والشاهد في نصب أعقله أي: أعطي ديته، وعافت كرهت أي: أن البقر كرهت شرب الماء وامتنعت منه لا تضرب؛ لأنها ذات لبن وإنما يضرب الثور لتفزع هي فتشرب ووجه الشبه أن كلا حصل له ضرر الأجل نفع غيره. قوله: "في تأويل الذي يطير" لأنه صلة أل وصلتها في تأويل الفعل. قوله: "ومن العطف على المصدر المتوهم" قد يقال المصدر المتوهم يصدق عليه أنه اسم خالص فكيف يحترز عنه بالخالص ويجاب بأن المراد اسم خالص موجود؛ لأنه المتبادر من قولنا اسم خالص والمتوهم ليس بموجود فافهم. قوله: "كما قال
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٩٤؛ والدرر ٤/ ٩٢؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٤٤؛ وشرح شذور الذهب ص٤٠٥؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٧.
(٢) البيت من البسيط، وهو لأنس بن مدركة في الأغاني ٢/ ٣٥٧؛ والحيوان ١/ ٨١؛ والدرر ٤/ ٩٣؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٤٤؛ ولسان العرب ٤/ ١٠٩ "ثور"، ٨/ ٣٨٠ "وجع"، ٩/ ٢٦٠ "عيف"؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٩؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٩٥؛ وخزانة الأدب ٢/ ٤٦٢؛ وشرح شذور الذهب ٤٠٦؛ وشرح ابن عقيل ص٥٧٧؛ ولسان العرب ٤/ ١١٠ "ثور"؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٧.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
وشَذَّ حَذفُ أنْ ونَصْبٌ في سِوى ما مَرَّ فاقْبَل مِنْهُ ما عَدْلٌ رَوَى
ــ
غير المصدر فإن ذلك لا يختص به، فتقول لولا زيد ويحسن إلي لهلكت. الثني يجوز في قوله: فعل عطف فإن المعطوف في الحقيقة إنما هو المصدر. الثالث: أطلق العاطف ومراده الأحرف الأربعة إذ لم يسمع في غيرها "وشذ حذف أن ونصب سوى ما مر فاقبل منه ما عدل روى" أي: حذف أن مع النصب في غير المواضع العشرة المذكورة شاذ لا يقبل منه إلا ما نقله العدول كقولهم: خذ اللص قبل أن يأخذك، ومره يحفرها، وقول بعضهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وقراءة بعضهم: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] وقرءة الحسن: "قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدَ" [الزمر: ٦٤] ومنه قوله:
١١٠١- ونَهْنَهْتُ نَفْسِي بعدَ ما كدتُ أَفْعَلَهْ
تنبيهات: الأول أفهم كلامه أن ذلك مقصور على السماع لا يجوز القياس عليه وبه صرح في شرح الكافية، وقال في التسهيل: وفي القياس عليه خلاف. الثاني أجاز ذلك
ــ
بعضهم" تبع الفارضي هذا البعض فاشترط المصدرية. قوله: "إنما هو المصدر" أي: المؤول من أن والفعل. قوله: "في سوى ما مر" أي: وسوى ما يأتي في الباب الآتي من جواز نصب الفعل المقرون بالفاء أو الواو بعد الشرط والجزاء ا. هـ. زكريا وسينبه عليه الشارح بقوله: الرابع إلخ قال سم: أي: وسوى الفعل بعد كي التعليلية فإن المصنف لم يتعرض لها فيما سبق.
قوله: "المواضع العشرة" ي مواضع وجوب إضمار أن الخمسة ومواضع جواز إضمارها الخمسة. قوله: "وقراءة بعضهم بل نقذف إلخ" أي: بنصب يدمغه ا. هـ. فارضي. قوله: "أعبد" أي: أن أعبد وانتصاب غير في هذه القراءة من رفع أعبد لا يكون بأعبد؛ لأن الحرف المصدري محذوف إما مع بقاء أثره في قراءة النصب أو مع ذهابه في قراءة الرفع، والصلة لا تعمل فيما قبل الموصول بل بتامروني وأن أعبد بدل اشتمال منه أي: تأمروني غير الله عبادته. دماميني. قوله: "ونهنهت" أي: زجرت وما في بعد ما كدت أفعله مصدرية أي: بعد قربي من الفعل وقال المبرد: أراد أفعلها برفع الفعل فنقل فتحة الهاء إلى اللام وحذف الألف وحينئذ لا شاهد فيه. قوله: "الثاني أجاز ذلك" أي: القياس عليه الكوفيون ومن وافقهم ولا وجه لإفراد هذا بتنبيه مع أنه من
_________________
(١) صدره: فَلَمْ أرَ مِثلها خُباسَةَ واحدٍ والبيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ملحق ديوانه ص٤٧١؛ وله أو لعمرو بن جؤين في لسان العرب ٦/ ٦٢ "خبس"؛ ولعامر بن جؤين في الأغاني ٩/ ٩٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٣٧؛ والكتاب ١/ ٣٠٧؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠١؛ ولعامر بن جؤين أو لبعض الطائيين في شرح شواهد المغني ٢/ ٩٣١؛ ولعامر بن الطفيل في الإنصاف ٢/ ٥٦١؛ وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص١٤٨؛ وجمهرة اللغة ص٢٨٩؛ والدرر ١/ ١٧٧؛ ورصف المباني ص١١٣؛ ومغني اللبيب ٢/ ٦٤٠؛ والمقرب ١/ ٢٧٠؛ وهمع الهوامع ١/ ٥٨.
[ ٣ / ٤٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الكوفيون ومن وافقهم. الثالث كلامه يشعر بأن حذف أن مع رفع الفعل ليس بشاذ، وهو ظاهر كلامه في شرح التسهيل فإنه جعل منه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]، قال: فيريكم صلة لأن حذفت وبقي يريكم مرفوعًا، وهذا هو القياس؛ لأن الحرف عامل ضعيف فإذا حذف بطل عمله هذا كلامه، وهذا الذي قاله مذهب أبي الحسن أجاز حذف أن ورفع الفعل دون نصبه وجعل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، وذهب قوم إلى أن حذف أن مقصور على السماع مطلقًا فلا يرفع ولا ينصب بعد الحذف إلا ما سمع، وإليه ذهب متأخرو المغاربة، قيل وهو الصحيح. الرابع: ما ذكره من أن حذف أن والنصب في غير ما مر شاذ ليس على إطلاقه لما ستعرفه في قوله في باب الجوازم: والفعل من بعد الجزاء إن يقترن. إلخ ا. هـ. تتمة التنبيه قبله فكان ينبغي حذف قوله الثاني. قوله: "وهو ظاهر كلامه في شرح التسهيل" اعلم أن قوله في شرح التسهيل: وهذا هو القياس يحتمل رجوعه إلى ما ذكر قبله من حذف أن ورفع الفعل فيفيد كلامه قياسية الحذف والرفع، ويحتمل رجوعه إلى رفع الفعل فقط. ويؤيد هذا الاحتمال أمران: قرب الرفع إلى اسم الإشارة والتعليل بقوله: لأن الحرف عامل ضعيف إلخ وعلى هذا لا يفيد كلامه إلا قياسية الرفع دون قياسية الحذف لجواز أن يكون معنى قياسية الرفع كما قال سم أنه بعد ارتكاب الحذف الشاذ يكون القياس الرفع فلا تدل حينئذ قياسية الرفع على قياسية الحذف إذا عرفت ذلك عرفت أن قول الشارح ظاهر ممنوع. لأن ظاهر كلامه الاحتمال الثاني الذي لا يفيد الكلام علي قياسية الحذف، اللهم إلا أن يقال الظاهر فيما بني عليه أمر قياسي أن يكون قياسيا، هذا وفي الفارضي أن كون حذفها مع رفع الفعل ليس بشاذ مذهب الأخفش فتفطن.
[ ٣ / ٤٦٢ ]