(خ ١)
* قولُه: «إعراب الفعل»: لَمَّا انقضى الكلام على إعراب الاسم شرع في إعراب الفعل.
والحاصلُ: أن أنواع إعرابه ثلاثة: رفع، ونصب، وجزم، وليس رفعُه بدَالٍّ على العُمْديَّة، كما أن رفع الأسماء كذلك، ولا نصبُه دالٌّ على الفَضْليَّة، كما أن نصب الأسماء كذلك، ولا جزمُه القائمُ مَقامَ الجرِّ بدالٍّ على الإضافة، ولكنَّ التشابهَ بين هذه الأشياء في الصورة.
وبدأ بالكلام على الرفع؛ لأنه نظير ما هو الأصلُ في إعراب الاسم، فقال: «ارفَعْ» إلى آخره، ومرادُه بهذا: التنبيهُ على ضابط الرفع وعاملِه، كما في النصب والجزم.
-لا يُسلَّم أن في البيت التنبيهَ على عامله؛ لأنه قال: «ارفَعْ إذا يُجَرَّد»، وقد يكون به، أو بغيره محتملًا (^١) -.
والحاصلُ: أنه إن دخل عليه ناصب نَصَبه، أو جازمٌ جَزَمه، وإن خلا منهما كان مرفوعًا، وكان تجرُّدُه منهما رافعًا له، كما أن التجرُّد من العوامل رافعٌ للمبتدأ في باب الأسماء، ولو قال عِوَضَ هذا البيت:
تجرُّدٌ من جازمٍ وناصبِ رافعُ فِعْلٍ؛
كان أَجْودَ في مراده.
ثم شَرَع في النصب؛ لأنه يليه كما قدَّمنا، فقال: «وبـ"لَنِ" انصِبْه» إلى آخره، ثم شَرَع في الجزم؛ لأنه كالجر، فقال: «بـ"لا" ولامٍ».
وحاصلُ الأمر: أن الجوازم قسمان: جازم لفعل واحد، وجازم لفعلين، فالجازم
_________________
(١) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت. وهذا الاستدراك كتبه ابن هشام في هامش الورقة ملحقًا بعد قوله الآنف: «ضابط الرفع وعامله»، وسيأتي نحوه في التعليق على البيت الأول.
[ ٢ / ١٢٧٨ ]
لفعلٍ أربعة: نحو (^١): اللام، و"لا" الطلبيَّتان، و"لم" و"لَمَّا"، والجازم لفعلين ما عدا ذلك، وسيأتي.
وقولُنا: «الطلبيَّتان» أَوْلى من قول بعضهم: لام الأمر، و"لا" في النهي؛ لأن الطلب يشمل الأمرَ والدعاءَ في اللام، والنهيَ والدعاءَ في "لا"، وتلك العبارة يَخرُج منها الدعاءُ فيهما، مع طولها.
فمثالُ اللام للأمر: نحو: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ (^٢)، وفي الدعاء: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا﴾ (^٣)، ومثالُ "لا" في النهي: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (^٤)، وفي الدعاء: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ (^٥).
تنبيهٌ: الجازم لفعلٍ أربعة كما ذكرنا، فمنها اثنان يختَصُّ المضارعُ بعدهما بالاستقبال، وهما: اللام و"لا"، واثنان ينقلب المضارع معهما إلى المُضِيِّ، وهما: "لم" و"لَمَّا"، نحو: لم يَقُمْ، ولَمَّا يَقُمْ.
واختُلف: هل المنقلب زمانُهما، أو أنهما كانا ماضيَيْ اللفظ، فانقلب لفظُهما دون زمانهما؟
الأول: مذهب المبرِّد (^٦)، وأبي عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينِ (^٧)، وأكثرِ المتأخرين (^٨)، وقوَّاه المصنِّف (^٩) بأن له نظيرًا، وهو ما أجمعوا عليه في المضارع الواقعِ بعد "لو" في نحو:
لَوْ يَسْمَعُونَ
_________________
(١) كذا في المخطوطة.
(٢) الطلاق ٧.
(٣) الزخرف ٧٧.
(٤) لقمان ١٣.
(٥) البقرة ٢٨٦.
(٦) المقتضب ١/ ٤٧.
(٧) شرح الجزولية الكبير ٢/ ٤٦٠.
(٨) ينظر: شرح الجزولية للأبذي ١/ ٢٦٤، والتذييل والتكميل ١/ ١٠٢.
(٩) شرح التسهيل ١/ ٢٧.
[ ٢ / ١٢٧٩ ]
البيتَ (^١).
والثاني: مذهب أبي مُوسى (^٢) وغيرِه، ونُسِب هذا المذهب لسِيبَوَيْهِ (^٣)؛ لأنه جعل "لم" نفيَ "فَعَلَ"، و"لَمَّا" نفيَ "قد فَعَلَ"، قالوا: والدليل على ذلك: أنك إذا ناقَضْت مَنْ [أوجب] (^٤) قِيام زيدٍ، فقال: قام زيدٌ، قلتَ: لم يَقُمْ، وإن قال: قد قام، قلتَ: لَمَّا يَقُمْ، والمناقَضةُ إنما تكون بإدخال أداة النفي على ما أوجبه الذي أردتَّ مناقضتَه؛ أَلَا ترى أنه إذا قال: زيدٌ قائمٌ، فأردتَّ مناقضتَه قلت: ما زيدٌ قائمٌ؟ وأيضًا فإن صرف التغيير إلى اللفظ أَوْلى من صرفه إلى المعنى؛ لأن المحافظة على المعنى أَوْلى، وليست الألفاظ كذلك؛ لأنها خَدِيمةٌ للمعاني (^٥).
إرفع (^٦) مضارعًا إذا يُجَرَّدُ من جازم وناصب كتَسْعَدُ
(خ ١)
* ليس في كلامه ما يدلُّ على أن التجرُّد هو العاملُ؛ إلا أنه مسكوتٌ عنه (^٧).
وبلن انصبْه وكي كذا بِأن لا بعدَ علمٍ والَّتِي من بعد ظنّ
(خ ١)
* [«و"كَيْ"»]: في لغةِ مَنْ يقول: كَيْمَا، بالألف، فأما مَنْ يقول: كَيْمَهْ؟ كما يقول: لِمَهْ؟ فإنها عنده حرفُ جرٍّ بمنزلة اللام، والنصبُ بعدها بإضمار "أَنْ"، لا بها
_________________
(١) بعض بيت من الكامل، لكُثَيِّر عَزَّة، وهو بتمامه: لو يسمعون كما سمعتُ كلامَها خرُّوا لعَزَّةَ رُكَّعًا وسجُودا ينظر: الديوان ٤٤٢، وأمالي القالي ٢/ ٧٥، والخصائص ١/ ٢٨، وشرح التسهيل ١/ ٢٧، والتذييل والتكميل ١/ ١٠٤، والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٥٨.
(٢) المقدمة الجزولية ٣٣، ٣٤.
(٣) الكتاب ٣/ ١١٧.
(٤) ما بين المعقوفين ليس في المخطوطة، والسياق يقتضيه.
(٥) الحاشية في: ٤٤/أ.
(٦) كذا في المخطوطة بقطع الهمزة، ولعله تأكيدٌ على قراءتها مقطوعةً؛ لوقوعها في ابتداء الكلام.
(٧) الحاشية في: ٢٩/ب.
[ ٢ / ١٢٨٠ ]
نفسِها، وعلى هذه اللغة لا يجوز دخولُ اللام عليها، بخلاف اللغة الأُولى.
ع: لأنها على الأُولى حرفٌ مصدريٌّ بمنزلة "أَنْ"، هذا كلام ابنِ عُصْفُورٍ (^١)، وهو مخالفٌ لكلام الشَّيْخِ؛ فإنه هنا جَزَمَ بأنَّ "كَيْ" ناصبةٌ، وفي غير هذا من كلامه قال (^٢): إنَّ الداخلةَ عليها اللامُ ناصبةٌ، وغيرَها محتملِةٌ، والأرجحُ أن يكون النصبُ بها، فيكونَ بتقدير اللام قبلَها (^٣)؛ لأنه قد ثبت في التي [دخلت] (^٤) عليها (^٥) اللامُ أن النصب بها.
قال: ويجوز كونُها تعليليَّةً، كالتي في: كَيْمَهْ؟ والنصبُ بـ"أَنْ" مضمرةً، ويرجِّحُه: ظهورُها في الضرورة في قوله (^٦):
كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعَا (^٧)
قلت: تجويزُه الأمرين من غير تقييدٍ بلغةٍ مردودٌ، وهذا البيت لا يدلُّ لِمَا ذكر؛ وإلا لدلَّ:
_________________
(١) جعل في شرح جمل الزجاجي ٢/ ١٤٢ النصبَ مع "كَيْ" على كل حال بـ"أَنْ" مضمرة، وأجاز إظهارها.
(٢) شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٣١ - ١٥٣٣.
(٣) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٤) ما بين المعقوفين ليس في المخطوطة، والسياق يقتضيه.
(٥) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٦) هو جَمِيل بن مَعْمَر.
(٧) بعض بيت من الطويل، وهو بتمامه: فقالت: أكلَّ الناسِ أصبحتَ مانحًا لسانَكَ كيما أن تَغُرَّ وتَخْدَعا؟ ينظر: الديوان ١٢٦، وشرح كتاب سيبويه للسيرافي ١/ ٨٣، وضرائر الشعر ٦٠، وشرح التسهيل ١/ ٢٢٤، والمقاصد النحوية ٣/ ١١٩٥، وخزانة الأدب ٨/ ٤٨١.
[ ٢ / ١٢٨١ ]
أَرَدتَّ لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ بِقِرْبَتِي (^١)
على أن التي بعد اللام ليست ناصبةً (^٢).
* "كَيْ" إن دخلت عليها اللامُ فمصدريةٌ ناصبةٌ؛ لأن حرف الجرِّ لا يدخل على حرفٍ غيرِ مصدريٍّ، ومثالُه: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ (^٣).
وإن لم تدخل عليها اللامُ؛ فإن دخلت على "ما" فجارَّةٌ، و"ما" مصدريةٌ، فلا نَصْبَ، مثل:
كَيْمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ (^٤)؛
لأن دخولها على "ما" ينفي كونَ "ما" غيرَ مصدريةٍ، وكونَ "كَيْ" نفسِها مصدريةً، وثبوتُ مصدريةِ "ما" ينفي تقديرَ "أَنْ".
وممَّا يُشكِل ظاهرُه:
أَرَدتَّ لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ بِقِرْبَتِي (^٥)؛
لأن دخول اللام يُثبِت مصدريةَ "كَيْ"، و"ما" تنفيه عنها، وتُثبِتُه لها، وثبوتُ "أَنْ" ينفيه عن "ما"، ويُثبِتُه لها؛ لأنَّ "ما" يمكن دعوى زيادتِها، و"أَنْ" لا تزاد هنا.
_________________
(١) صدر بيت من الطويل، لم أقف له على نسبة، وعجزه: فتتركُها شَنًّا ببَيْداءَ بَلْقَع ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٢٦٢، والإنصاف ٢/ ٤٧٣، وشرح التسهيل ١/ ٢٢٤، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٩٠، وخزانة الأدب ٨/ ٤٨٤.
(٢) الحاشية في: ٢٩/ب.
(٣) الأحزاب ٣٧.
(٤) بعض بيت من الطويل، لقيس بن الخَطِيم، وقيل: لعبدالله بن معاوية، وهو بتمامه: إذا أنتَ لم تنفعْ فضُرَّ فإنما يُرَجَّى الفتى كيما يضرُّ وينفعُ روي: «يضرَّ وينفعَا» بالنصب، ولا شاهد فيه. ينظر: ذيل ديوان قيس ٢٣٥، ومعاني القرآن للأخفش ١/ ١٣١، والأمثال لأبي عبيد ١٣٠، والحيوان ٣/ ٣٦، والحماسة للبحتري ٤١٩، والزاهر ١/ ١٨١، وشرح التسهيل ٣/ ١٤٩، والمقاصد النحوية ٣/ ١١٩٦، وخزانة الأدب ٨/ ٤٩٨.
(٥) صدر بيت من الطويل، لم أقف له على نسبة، تقدَّم قريبًا.
[ ٢ / ١٢٨٢ ]
وقال المصنِّفُ (^١): يُحمل على مصدرية "كَيْ"، وشذَّ اجتماعهما و"أَنْ" (^٢) توكيدًا، أو على أنها جارَّةٌ، وشذَّ اجتماعُها واللامِ توكيدًا أيضًا، مثلُ:
وَلَا لِلِمَا بِهِمْ أَبَدًا دَوَاءُ (^٣)
ع: والثاني أقيسُ؛ لثبوت زيادة "ما" بين الجار والمجرور / دون الناصب والمنصوب، فإن زيادة "ما" لازمةٌ على التخريجين.
وتحتمل الأمرين -أعني: المصدريةَ والجرَّ- فيما عدا ذلك.
فإن قلت: هلَّا ذكرت أن من مواطن تعيُّنِ حرفيتِها وجودَ "أَنْ" بعدها، نحو: جئت كَيْ أَنْ تفعلَ؟
فإن ذلك لا يجوز إلا ضرورةً؛ فلم أَلْتَفِتْ إليه.
وقد تُحذف ياء "كَيْمَا" مع بقاء النصب، مثل:
كَمَا يَحْسِبُوا أَنَّ الهَوَى حَيْثُ تَنْظُرُ (^٤)
قاله أبو عَلِيٍّ (^٥)، وقد توجد "كَيْ" ولا تعملُ؛ لأن أصلها: كَيْفَ، نحو:
كَيْ تَجْنَحُونَ
_________________
(١) شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٣٤.
(٢) كذا في المخطوطة، وقوله: «و"أَنْ"» ملحق في الهامش، ولعل الصواب: اجتماعها و"أَنْ"، أو ما في شرح الكافية الشافية: وشذَّ اجتماعهما.
(٣) عجز بيت من الوافر، لمسلم بن معبد الوالِبي، تقدَّم في بابي الاستثناء والتوكيد.
(٤) عجز بيت من الطويل، لجَمِيل بن مَعْمَر، وصدره: وطَرْفُكَ إمَّا جئتَنا فاصرِفنَّه روي: «لكيما يروا» بدل «كما يحسبوا»، ولا شاهد فيه. ينظر: الديوان ٩٢، ومجالس ثعلب ١٢٧، وشرح القصائد السبع ٣٤٠، والإنصاف ٢/ ٤٧٩، وضرائر الشعر ١٤١، وشرح التسهيل ٣/ ١٧٣، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٩٢، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٢٤.
(٥) ينظر: شرح الكافية الشافية ٢/ ٨٢٠، ومغني اللبيب ٢٣٥.
[ ٢ / ١٢٨٣ ]
البيتَ (^١)،
فهذه "كَيْ" كاملةٌ لا تعملُ، وتلك "كَيْ" ناقصةٌ عَمِلتْ (^٢).
* ع: ينبغي للبصريين (^٣) أن يجزموا بكون "كَيْ" لا تنصب، بل النصبُ بـ"أَنْ" مضمرةً؛ لأنهم جعلوها مختصةً بالأسماء؛ حيث ادَّعوا أنها تعمل الخفض في "ما" الاستفهاميةِ، وفي تجويز ابنِ مالكٍ (^٤) نظرٌ، وهي عندي كلامِ العِلَّة سواءٌ.
وفي "شرح الكافِية" جَزَمَ في "باب حروف الجرِّ" (^٥) بأنها جارَّةٌ، وفي "باب إعراب الفعل" (^٦) أجاز الوجهين (^٧).
* قد يُنصب بـ"أَنْ" بعد العِلْم، كقراءة بعضهم (^٨): ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٩)، وقولِ الشاعر (^١٠):
_________________
(١) بعض بيت من البسيط، لم أقف له على نسبة، وهو بتمامه: كَيْ تَجْنحون إلى سَلْمٍ وما ثُئِرَتْ قتلاكمُ ولظى الهيجاءِ تضطرمُ؟ ينظر: شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٣٤، وتكملة شرح التسهيل لابن الناظم ٤/ ١٩، ومغني اللبيب ٢٤١، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٥٦.
(٢) الحاشية في: وجه الورقة الملحقة بين ٢٩/ب و٣٠/أ وظهرها.
(٣) ينظر: الإنصاف ٢/ ٤٦٥.
(٤) أي: كونَها جارَّةً وكونَها ناصبةً، كما سيأتي قريبًا.
(٥) شرح الكافية الشافية ٢/ ٧٨١.
(٦) شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٣٢، ١٥٣٣.
(٧) الحاشية في: وجه الورقة الملحقة بين ٢٩/ب و٣٠/أ.
(٨) هي قراءة أبي حيوة وأبي البَرَهْسَم. ينظر: مختصر ابن خالويه ٩١، ٩٢، وشواذ القراءات للكرماني ٣١١.
(٩) طه ٨٩.
(١٠) هو جرير.
[ ٢ / ١٢٨٤ ]
.. قَدْ عَلِمُوا أَنْ لَا يُدَانِيَنَا مِنْ خَلْقِهِ بَشَرُ (^١) (^٢)
فانصِب بها والرفعَ صحح واعتقد تخفيفَها من أَنَّ وهو مُطرِد
(خ ١)
* إشارتي عليك أن تفعلَ، و: أشرت عليك أن تفعل، و: أشرت عليك أن لا تفعل: الأُولى ذات وجهٍ، والثانيةُ ذات وجهين، والثالثةُ ذات ثلاثةٍ.
أما الأُولى فلأنها لا تكون إلا مصدريةً؛ لعدم تقدُّمِ جملةٍ.
وأما الثانية فتحتمل المصدريةَ، أي: أشرت عليك بأن تفعلَ، فتنصبُ، والتفسيريةَ، فترفعُ، كما تقول: أشرت عليك، أي: تفعلُ، فإذا جعلتها تفسيريةً رفعت، قال المصنِّفُ في "شرح الكافِية" (^٣): وإذا وقع بعد "أَنْ" المفسِّرةِ مضارعٌ رُفِعَ، نحو قولِك: أشرت إليه أن يفعلُ، بالرفع، على معنى: أَيْ، ويجوز النصب على كون "أَنْ" المصدريةَ. انتهى.
والثالثةُ يجوز فيها ثلاثةٌ؛ لأن "لا" إن جُعلت ناهيةً، فـ"أي" (^٤) تفسيريةٌ، إذ لا يدخل ناصبٌ على جازمٍ، ويجب الجزم بـ"لا"، وإن جُعلت نافيةً، فـ"أَنْ" إما تفسيريةٌ، فترفعُ، أو مصدريةٌ، فتنصبُ (^٥).
وبعضُهم أهمل أَنْ حَمْلًا على ما أُخْتِها حيث استحقت عَمَلا
(خ ١)
* أنشد الفارِسيُّ في "التَّذْكِرة" (^٦):
_________________
(١) بعض بيت من البسيط، وهو بتمامه: نرضى عن الله، إن الناس قد علموا أَنْ لا يدانيَنا من خلقه بشرُ ينظر: الديوان ١/ ١٥٧، وشرح التسهيل ٢/ ٤٥، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٢٦.
(٢) الحاشية في: ظهر الورقة الملحقة بين ٢٩/ب و٣٠/أ.
(٣) شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٣٠.
(٤) كذا في المخطوطة، ولعل صوابه: أَنْ، كما سيأتي بعده.
(٥) الحاشية في: وجه الورقة الملحقة بين ٢٩/ب و٣٠/أ.
(٦) لم أقف عليه في مختارها لابن جني، ولا في غيره من كتبه التي بين يدي.
[ ٢ / ١٢٨٥ ]
أَلَا يَا لَقَوْمِي قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذِلِي وَيَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَى بِحَقِّيَ بَاطِلِي (^١)
وقال: ينبغي أن تُجعل "أَنْ" الناصبةَ، لا المخفَّفةَ؛ لعدم الفاصل.
ع: إنما ذكرتُ هذا؛ لأن النَّاظم (^٢) قال في:
أَنْ تَهْبِطِينَ بِلَادَ قَوْ مٍ (^٣):
إنها المخفَّفة؛ لأنها بعد "زعيم"، وهو مقاربٌ لـ: عليم، وكلامُ أبي عَلِيٍّ يخالفُه (^٤).
* من مواطن زيادة "أَنْ": بعد "ما لَنَا" عند أبي الحَسَن (^٥)، ورأى أنَّ الزائدة تعملُ، نحو: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ﴾ (^٦)، وعندنا أنَّ الزائدة كالمفسِّرة لا تعملُ، وأنَّ "ما لَنَا" بمعنى: ما مَنَعَنَا؟ و"أَنْ" موصولة ناصبة.
ومنها: بعد "إذا"، نحو:
فَأَمْهَلَهُ حَتَّى إِذَا أَنْ كَأَنَّهُ (^٧)
_________________
(١) بيت من الطويل، للأحوص. أشطَّت: أبعدت. ينظر: الديوان ٢٢٤، ومجاز القرآن ١/ ٣٩٤، ٢/ ١٨٠، والكامل ١/ ١٠٩، وغريب الحديث للحربي ٣/ ١١٥٧، والأضداد لابن الأنباري ٢١٤.
(٢) شرح التسهيل ٢/ ٤٤، وشرح الكافية الشافية ١/ ٥٠١.
(٣) بعض بيت من مجزوء الكامل، لم أقف له على نسبة، وهو بتمامه مع ما قبله: إنِّي زعيمٌ يا نُوَيـ ـقَةُ إِنْ أَمِنْتِ من الرُّزَاحْ أَنْ تهبطينَ بلادَ قو مٍ يرتعون من الطِّلاحْ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١٣٦، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٢٢، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٤٨، والمحكم ٨/ ٣٢٨، وأمالي ابن الشجري ٣/ ١٥٧، وضرائر الشعر ١٦٣، والتذييل والتكميل ٥/ ١٦٦، وتخليص الشواهد ٣٨٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٧٦٤.
(٤) الحاشية في: ٢٩/ب.
(٥) معاني القرآن ١/ ١٩٤.
(٦) إبراهيم ١٢.
(٧) صدر بيت من الطويل، لأوس بن حَجَر، وعجزه: مُعَاطي يدٍ من جَمَّة الماء غارِفُ ينظر: الديوان ٧١، وشرح التسهيل ٢/ ٢١٣، والتذييل والتكميل ٧/ ٣١٨، ومغني اللبيب ٥١.
[ ٢ / ١٢٨٦ ]
وإظهارُ "أَنْ" بعد "كَيْ" ضرورةٌ، كقوله (^١):
كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعَا (^٢)
فما ظنُّك به مع "ما" واللام؟ فإن اللام تُثبِت مصدريةَ "كَيْ"، و"ما" ظاهرُها المصدريةُ.
وكما ذَكَرَ أَنَّ "أَنْ" قد تُهمل مع استيفاء الشروط؛ فهلَّا ذَكَرَه في "إِذَنْ"، وهو في "كتاب" (^٣) س؟
وَمَعْ شُرُوطِ النَّصْبِ مِنْ بَعْدِ "إِذَنْ" يَقِلُّ رَفْعُ مِثْلِهِ مِنْ بَعْدِ "أَنْ" (^٤)
قال (^٥): وهو فيهما حملٌ على "ما"؛ لأنهن مصدريَّات (^٦).
ونصبوا بإِذَنِ المستقبلا إن صُدّرتْ والفعلُ بعدُ موصَلا
أو قبلَهُ اليمينُ وانصِبْ وارفعا إِذا إِذنْ من بعد عطفٍ وقعا
وبين لا ولامِ جرٍ التُزِم إِظْهارُ أن ناصِبةً وإِن عُدِم
(خ ١)
* لـ"أَنْ" بعد اللام ثلاثُ حالاتٍ: وجوبُ إظهارٍ، ووجوبُ إضمارٍ، وجوازُ الوجهين (^٧).
* [«التُزِم إظهارُ "أَنْ"»]: لئلا يلتقيَ مِثْلان، كما التزموا ألفًا في: اضربْنَانِّ؛
_________________
(١) هو جميل بن مَعْمَر.
(٢) بعض بيت من الطويل، تقدَّم قريبًا.
(٣) ٣/ ١٦.
(٤) بيت من الرجز من أبيات الكافية الشافية، فيه مسألة إهمال "إِذَنْ" مع استيفائها شروط النصب، وهي المسألة التي استدركها ابن هشام على الألفية. ينظر: شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥١٦، ١٥٣٧.
(٥) شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٣٨.
(٦) الحاشية في: ظهر الورقة الملحقة بين ٢٩/ب و٣٠/أ.
(٧) الحاشية في: ٢٩/ب.
[ ٢ / ١٢٨٧ ]
لذلك، وكما قالوا: آأنت فعلت؟ بألفٍ بين الهمزتين (^١).
* [«التُزِم إظهارُ "أَنْ"»]: لئلا يجتمعَ المِثْلان لو حُذفت (^٢).
لا فأَنَ اعْمِلَ (^٣) مضمِرًا أو مُظْهِرا وبعدَ نفيِ كانَ حتما أُظْهِرا (^٤)
كذاك بعدَ أَوْ إذَا يصلح في موضِعِها حتى أوِ الا أن خَفِي
(خ ١)
* «أَوْ» بمعنى: إلى أَنْ، فيما يتطاول: لألزمنَّك أو تقضيَني حقِّي، ومعنى: إلَّا أَنْ، فيما لا يتطاول، نحو: لأقتلنَّك بالسيف أو تُسْلِمَ.
ويقال في الأُولى: إنها بمعنى "حتَّى"، وبمعنى "كَيْ"، ومن الأول:
لَأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى (^٥)
ومن الثاني:
كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا (^٦)
_________________
(١) الحاشية في: ٢٩/ب.
(٢) الحاشية في: ٢٩/ب.
(٣) كذا في المخطوطة مضبوطًا، والصواب ما في متن الألفية بسكون آخره، وبه يستقيم الوزن. ينظر: الألفية ١٥٢، البيت ٦٨٣.
(٤) كذا في المخطوطة، ولعله سهو، والصواب ما في متن الألفية: أُضْمِرا. ينظر: الألفية ١٥٢، البيت ٦٨٣.
(٥) صدر بيت من الطويل، لم أقف له على نسبة، وعجزه: فما انقادتِ الآمال إلا لصابر ينظر: تكملة شرح التسهيل لابن الناظم ٤/ ٢٥، ومغني اللبيب ٩٤، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٦٥.
(٦) عجز بيت من الوافر، لزياد الأعْجَم، وصدره: وكنتُ إذا غَمزتُ قناةَ قومٍ روي: «تستقيمْ». ينظر: الديوان ١٠١، والكتاب ٣/ ٤٨، والمقتضب ٢/ ٢٩، والمحكم ١/ ٤٩، وأمالي ابن الشجري ٣/ ٧٨، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٦٦.
[ ٢ / ١٢٨٨ ]
قال (^١): ويحتمِلُهما:
إِنَّمَا نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ (^٢) (^٣)
وبعد حتى هكذا إضمارُ أَن حتْمٌ كجُدْ حتى تَسُرَّ ذا حزن
وتِلْوَ حتى حالًا او مُؤَولا به ارفعنَّ وانصِبِ المُستَقْبلا
(خ ١)
* قولُه: «حالًا»: على الوجوب:
حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ (^٤) (^٥)
* قولُه: «أو مؤوَّلًا به»: نحو: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ (^٦)، فهذا مثلُ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ﴾ (^٧) (^٨).
_________________
(١) أي: ابن مالك في شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٤١.
(٢) بعض بيت من الطويل، لامرئ القيس، وهو بتمامه: فقلت له: لا تبكِ عينُكَ إنما نحاولُ مُلْكًا أو نموتَ فنُعذَرا ينظر: الديوان ٦٦، والكتاب ٣/ ٤٧، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٧١، والمقتضب ٢/ ٢٨، والأصول ٢/ ١٥٦، واللامات ٦٨، والخصائص ١/ ٢٦٤، وشرح جمل الزجاجي ٢/ ١٥٦، وخزانة الأدب ٨/ ٥٤٤.
(٣) الحاشية في: ظهر الورقة الملحقة بين ٢٩/ب و٣٠/أ.
(٤) بعض بيت من الكامل، لحسَّان بن ثابت ﵁، وهو بتمامه: يُغْشَونَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهم لا يَسْأَلون عن السَّوَادِ المُقْبِل ينظر: الديوان ١/ ٧٤، والكتاب ٣/ ١٩، والشعر والشعراء ١/ ٢٩٧، وقواعد الشعر ٤٤، والزاهر ١/ ٢٤١، وشرح جمل الزجاجي ٢/ ١٦٨، ومغني اللبيب ١٧٤.
(٥) الحاشية في: ٢٩/ب.
(٦) البقرة ٢١٤، وهي قراءة نافع. ينظر: السبعة ١٨١، والإقناع ٢/ ٦٠٨.
(٧) الكهف ١٨.
(٨) الحاشية في: ٢٩/ب.
[ ٢ / ١٢٨٩ ]
* قولُه: «وانصِبِ المُسْتقبَلا»: نحو: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (^١).
وبَقِي عليه: أو المؤوَّل به؛ حتى يدخلَ: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (^٢) (^٣).
وبعدَ فا جوابِ نفيٍ أَو طلب مَخْضَين (^٤) أَنْ وسَتْره حتم نَصَبْ
(خ ١)
* قولُه: «وبعد "فا" جوابِ نفيٍ» البيتَ: ليس من النصب في جواب الاستفهام: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ﴾ (^٥)؛ لأنه لا يصح أن يقدّر: أيكونُ عجزٌ مني فمواراةٌ؛ لأنه إذا اتفق حصولُ العجز لم يحصل (^٦) المواراةُ، والزَّمَخْشَريُّ (^٧) غَلِطَ في ذلك، فجعل "أُوَاريَ" جوابًا للاستفهام، وإنما هو عطفٌ على "أكونَ" (^٨).
* كَتَبَ الشَّلَوْبِينُ (^٩) على "المفصَّل" (^١٠): قال ابنُ جِنِّي (^١١): إذا كانت الهمزة للتقرير امتَنع النصب بالفاء في جوابه، والجزمُ بغير الفاء؛ لأنه ضربٌ من الخبر، قال: أَلَا ترى أنك إذا قلت: ألستَ صاحِبَنَا فنكرمُك؟ كان في معنى: أنت صاحبُنا؟
_________________
(١) طه ٩١.
(٢) البقرة ٢١٤.
(٣) الحاشية في: ٢٩/ب.
(٤) كذا في المخطوطة بالخاء المعجمة، وهي في نسخ الألفية العالية التي اعتمدها محققها بالحاء المهملة. ينظر: الألفية ١٥٢، البيت ٦٨٧.
(٥) المائدة ٣١.
(٦) كذا في المخطوطة، ولعل الصواب: تحصل.
(٧) الكشاف ١/ ٦٢٦.
(٨) الحاشية في: ٢٩/ب.
(٩) حواشي المفصل ٥٠٩.
(١٠) ٢٩٤.
(١١) الخصائص ٢/ ٤٦٥.
[ ٢ / ١٢٩٠ ]
ع: يُبطِله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ﴾ (^١)، وقولُه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ (^٢)، إن لم يُجعل معطوفًا، قال الشاعر (^٣):
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ (^٤) (^٥)
والواوُ كالفا إن تُفد مفهومَ مع كلا تَكُنْ جَلْدًا وتُظْهِرَ الجزَع
وبعد غَيرِ النفي جَزْما اعتَمِد إِن تَسْقُطِ الْفا والجزاءُ قد قُصِد
(خ ١)
* قولُه: «والجزاءُ قد قُصِد» احترازٌ من ثلاثة (^٦) مسائلَ:
الأولى: أن تَستأنف: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (^٧)، إن لم تُجعل الجملةُ حالًا ولا صفةً، والأحسنُ في التمثيل: لا تأكلْ أموالَ الناس يؤذي ذلك فاعلَه عند الله.
الثانية: أن تجعله صفةً، نحو: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ (^٨)؛ لأن الجمل بعد النكرة صفاتٌ.
والثالثة: أن تكون الجملة (^٩) حالًا، أنشد س (^١٠):
_________________
(١) الحج ٤٦.
(٢) يوسف ١٠٩، وغافر ٨٢، ومحمد ١٠.
(٣) هو البُرْج بن مُسْهِر الطائي.
(٤) صدر بيت من الوافر، وعجزه: على فِرْتاجَ، والطَّلَلُ القديمُ ينظر: الكتاب ٣/ ٣٤، وشرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ١٤٩، والمحكم ٧/ ٥٩٣.
(٥) الحاشية في: ٣٠/أ.
(٦) كذا في المخطوطة، والوجه: ثلاث.
(٧) التوبة ١٠٣.
(٨) مريم ٥، ٦.
(٩) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(١٠) الكتاب ٣/ ٩٩.
[ ٢ / ١٢٩١ ]
كُرُّوا إِلَى حَرَّتَيْكُمْ تَعْمُرُونَهُمَا كَمَا تَكُرُّ إِلَى أَوْطَانِهَا البَقَرُ (^١) (^٢)
وشرطُ جَزْمٍ بعد نهي أن تضَع إِنْ قبلَ لَا دونَ تخالف يقع
(خ ١)
* قال القُرْطُبيُّ (^٣) في (^٤) في: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا﴾ (^٥): "تكونا" عطفٌ على "تقربا"، وزعم الجَرْميُّ (^٦) أن الفاء هي الناصبة، وكلاهما جائز. (^٧) المذكورة لا تجوز؛ لأنه لا يقال: إن لا تقربا تكونا من الظالمين، وهي شرط عند الجمهور، والخلاف محكيٌّ عن الكِسَائيِّ (^٨)، وقد ذكره هذا الرجلُ عن الجَرْميِّ كما رأيتَ، وهو غريبٌ، ثم إنه قال: كلاهما جائز، فلعله سهوٌ منه، أو اعتَقَدَ ذلك المذهبَ صوابًا (^٩).
والأمرُ إن كان بغير افْعَلْ فلا تنصب جوابه وجزمَه اقبَلا
(خ ١)
* قولُه: «والأمرُ إن كان بغير "افْعَلْ"» يدخل فيه الماضي الذي معناه الأمرُ،
_________________
(١) بيت من البسيط، للأخْطَل. كُرُّوا: ارجعوا، وحَرَّتَيْكم: مثنى: حَرَّة، وهي الأرض ذات الحجارة السوداء. ينظر: الديوان ١٥٣، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ٢/ ٩٦، والمحكم ٩/ ٢٣٩، وتوجيه اللمع ٣٨٠، وشرح جمل الزجاجي ٢/ ١٩٤.
(٢) الحاشية في: ٣٠/أ.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٢٣.
(٤) موضع النقط مقدار كلمة انقطعت في المخطوطة.
(٥) البقرة ٣٥، والأعراف ١٩.
(٦) ينظر: إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٦.
(٧) موضع النقط مقدار كلمتين أو ثلاث بُيِّض لها أو حُكَّت في المخطوطة، ولعل هذا ابتداء تعليق ابن هشام على الكلام المنقول.
(٨) ينظر: البديع لابن الأثير ١/ ٦٤٧، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٥٢، وشرح الألفية لابن الناظم ٤٨٧.
(٩) الحاشية في: ٢٩/ب.
[ ٢ / ١٢٩٢ ]
فإنهم جَزَموا بعده، ولم ينصبوا، قالوا (^١): اتَّقَى اللهَ امرؤٌ فَعَلَ خيرًا يُثَبْ عليه، أي: ليتَّقِ اللهَ امرُؤٌ يفعلْ.
ع: ومن الجزم بعد اسم الفعل:
وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ: مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي (^٢)
"مكانَكِ" بمعنى: الْزَمِي (^٣).
* [«فلا تنصبْ جوابَه»]: قال ابنُ جِنِّي (^٤): لأنك لا تَقْدِر على أن تتصوَّر المصدرَ؛ لوجهين:
أحدُهما: أنها قد صُرِفت -يعني: أسماءَ الأفعال- عن لفظ الأفعال، فلو تُصُوِّر ذلك فيها لكان نقضًا لذلك الغرضِ، كإدغام الملحَق، وليس كذلك: أين بيتُك فأزورَك؟ لأنه لم يُعدَل عن لفظ الفعل.
الثاني: أن الفعل منها بعيدٌ؛ لأنها تقع على كل اسمٍ بلفظٍ واحدٍ، فلم يَجُزْ بعدُ أن تُراجَع أحكامُه بعد أن دَرَسَتْ أعلامُه.
فأما الجزم في جوابها فجائز؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير المصدر (^٥).
والفعلُ بعد الفاءِ في الرَجا نُصِبْ كنصبِ ما إلى التمني ينتسِبْ
_________________
(١) رواه سيبويه في الكتاب ٣/ ١٠٠، ٥٠٤.
(٢) بيت من الوافر، لعمرو بن الإِطْنابة الأنصاري. جَشَأت: نَهَضَت من حزن أو فزع، وجاشت: غَثَّت وتغيَّرت. ينظر: الوحشيات ٧٧، وعيون الأخبار ١/ ٢٠٧، وأمالي القالي ١/ ٢٥٨، والخصائص ٣/ ٣٧، والاقتضاب ١/ ١٢٤، وشرح جمل الزجاجي ١/ ١٣٣، ومغني اللبيب ٢٦٨، والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٠٢.
(٣) الحاشية في: ٣٠/أ.
(٤) الخصائص ٣/ ٥٠.
(٥) الحاشية في: ٣٠/أ.
[ ٢ / ١٢٩٣ ]
وإن على اسمٍ خالص فعلا (^١) عطف نَصَبَه أَن ثابتا أو منحذف (^٢)
(خ ١)
* قولُه: «اسم» خيرٌ من قول الجُزُوليِّ (^٣) وغيرِه: مصدر؛ لأن المراد أن يكون الفعل مع "أَنْ" بتقدير مفردٍ؛ حتى يُعطَف على مفردٍ من الأسماء قبله، وليس شرطه أن يكون مصدرًا، وبيتُ "الكِتَاب" (^٤) شاهدٌ لذلك، وهو:
أَوْ أَسُوءَكَ عَلْقَمَا (^٥) (^٦)
* [«اسمٍ خالِصٍ»]: ع: تأمَّلْ هذا الحكمَ؛ فإنه قد غَفَلَ عنه ابنُ (^٧) مُجَاهِدٍ (^٨)، فأنكر ما رواه الحُلْوانيُّ (^٩)، عن قَالُونَ، عن شَيْبةَ (^١٠): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ
_________________
(١) كذا في المخطوطة، وهو في نسخ الألفية العالية التي اعتمدها محققها: فعلٌ. ينظر: الألفية ١٥٣، البيت ٦٩٣.
(٢) تقدَّم هذا البيت في المخطوطة على الذي قبله، فكتب ابن هشام عليه: «مؤخر»، وعلى ما قبله: «مقدَّم».
(٣) المقدمة الجزولية ٣٧.
(٤) ٣/ ٥٠.
(٥) بعض بيت من الطويل، للحُصَين بن الحمام المُرِّي، وهو بتمامه: ولولا رجالٌ من رِزَامٍ أعزَّةٌ وآلُ سُبَيعٍ أو أسوءَكَ عَلْقَما ينظر: المفضليات ٦٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٤/ ٤٠٣، وكتاب الشعر ١/ ٣٢٣، والمحتسب ١/ ٣٢٦، وشرح جمل الزجاجي ١/ ١٣١، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٩٧.
(٦) الحاشية في: ٣٠/أ.
(٧) هو أحمد بن موسى بن العباس البغدادي، أبو بكر، إمام أهل القراءة في زمانه، وأول من جمع قراءة السبعة، له: كتاب السبعة، توفي سنة ٣٢٤. ينظر: معرفة القراء الكبار ١٥٣، وغاية النهاية ١/ ١٣٩.
(٨) ينظر: المحتسب ١/ ٣٢٦.
(٩) هو أحمد بن يزيد الصفار، أبو الحسن، من كبار القراء المجوِّدين، أخذ عن قالون وهشام بن عمار، واختص بهما، توفي سنة ٢٥٠. ينظر: معرفة القراء الكبار ١٢٩، وغاية النهاية ١/ ١٤٩.
(١٠) هو ابن نَصَاح بن سرجس بن يعقوب المدني، مولى أم سلمة ﵂، مقرئ المدينة في زمنه مع أبي جعفر وقاضيها، قرأ على عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة ﵁، وقرأ عليه نافع وإسماعيل بن جعفر وغيرهم، توفي سنة ١٣٠. ينظر: معرفة القراء الكبار ٤٤، وغاية النهاية ١/ ٣٢٩.
[ ٢ / ١٢٩٤ ]
آوِيَ﴾ (^١) بالنصب، وهي محكيَّةٌ عن أبي جَعْفَرٍ (^٢) أيضًا، وقال: لا يجوز تحريكُ الياء هنا.
وردَّ عليه ابنُ جِنِّي (^٣)، وقال: هذا الذي أنكره سائغٌ، وهو أن تعطف "آوِيَ" على "قُوَّةٍ"، حتى كأنه قال: أو أُوِيًّا، كقول مَيْسُونَ (^٤):
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي (^٥)
وكبيت "الكِتَاب" (^٦):
فَلَوْلَا رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أَعِزَّةٌ وَآلُ سُبَيْعٍ أَوْ أَسُوءَكَ عَلْقَمَا (^٧)
تقديرُه: أو مَسَاءَتي (^٨).
_________________
(١) هود ٨٠. ينظر: مختصر ابن خالويه ٦٥، وشواذ القراءات للكرماني ٢٣٧.
(٢) هو يزيد بن القعقاع. ينظر: مختصر ابن خالويه ٦٥، وشواذ القراءات للكرماني ٢٣٧.
(٣) المحتسب ١/ ٣٢٦.
(٤) هي بنت بَحْدَل بن أُنَيف الكلابية، أم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ينظر: الاشتقاق ٥٥٧، وخزانة الأدب ٨/ ٥٠٦.
(٥) صدر بيت من الوافر، وعجزه: أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوف ينظر: الكتاب ٣/ ٤٥، والمقتضب ٢/ ٢٧، والأصول ٢/ ١٥٠، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٥٧، ومغني اللبيب ٣٥٢، ٤٧٢، وخزانة الأدب ٨/ ٥٠٣، ٥٧٤.
(٦) ٣/ ٥٠.
(٧) بيت من الطويل، للحُصَين بن الحمام المُرِّي، تقدَّم قريبًا. رِزَام: جد بطن من تميم، وأعزة: جمع عزيز. ينظر: المقاصد النحوية ٤/ ١٨٩٧.
(٨) الحاشية في: ٣٠/أ.
[ ٢ / ١٢٩٥ ]
وشذ حذف أن ونصبٌ في سوى ما مر فاقبل منه ما عدول (^١) روى (^٢)
_________________
(١) كذا في المخطوطة، والصواب ما في متن الألفية: عَدْلٌ، وبه يستقيم الوزن. ينظر: الألفية ١٥٣، البيت ٦٩٤.
(٢) هذا البيت ملحق في الحاشية بغير خط ابن هشام.
[ ٢ / ١٢٩٦ ]