يتبع في الإعراب الاسماء الأول نعت وتوكيد وعطف وبدل
(خ ١)
* قال الزَّجَّاجيُّ (^١): بابُ ما يَتبع الاسمَ في إعرابه.
واعترضه ابنُ عُصْفُورٍ (^٢)، فقال: ظاهرُ الترجمة أن ذلك خاصٌّ بالاسم، وليس كذلك في النسق والبدل؛ فإن الفعل يدخل فيهما، وأما النعت والتوكيد فهما كما قال.
ع: قلت: التأكيدُ اللفظيُّ واردٌ عليه وعلى ادِّعاء ابنِ عُصْفُورٍ الاختصاصَ بالأسماء فيه (^٣).
فالنعت تابع متم ما سبق بوسمه أو وسم ما به اعتلق
(خ ١)
* لا يُنعت ضمير الغائب؛ لأنه بمنزلة تكرار الظاهر، وأنت لو قلت: رأيت رجلًا فضربتُ الرجلَ، لم تنعت الثانيَ، فأما قولك: فضربت الرجل المذكورَ فلئلا يُوهم أنه غير الأول، وذلك مُنْتَفٍ في الضمير.
وأما ضمير الحاضر فمعروفٌ غَنِيٌّ عن النعت، ولَمَّا امتنع نعتُه بما يرفع الإبهامَ امتنع بما للمدح والذم؛ لأنه إذا انتفى الأصل انتفى الفرع (^٤) (^٥).
(خ ٢)
* [«مُتِمٌّ»]: بَدْرُ الدِّينِ (^٦): أي: مُكمِّلٌ لمتبوعه، ورافعٌ عنه الشركةَ واحتمالَها، ببيان صفةٍ من الصفات التي له، أو للمتعلِّق به، ولذلك لا يكون إلا مشتقًّا، أو مؤوَّلًا
_________________
(١) الجمل ٢٦.
(٢) شرح جمل الزجاجي ١/ ١٩٢.
(٣) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٤) في المخطوطة: «الفرعم انتفى الأصلم»، دلالةً على أن الصواب بالتقديم والتأخير.
(٥) الحاشية في: ظهر الورقة الملحقة بين ٣٠/ب و٣١/أ.
(٦) شرح الألفية ٣٥٠.
[ ٢ / ٩٥٧ ]
بمشتقٍّ؛ لأن الجوامد لا دلالةَ لها بوضعها على معنًى منسوبٍ إلى غيرها (^١).
* [«مُتِمٌّ»]: فمِنْ ثَمَّ لم يُنعت الضمير؛ لأنه بَيِّنٌ بنفسه، فلا يحتاج لمتمِّمٍ؛ لأنك إنما تضمر بعد أن يُعرف.
بل أبلغُ من هذا أن الأَصْمَعيَّ (^٢) امتَنع من وصف المنادى المبنيِّ؛ لحلوله محلَّ الضمير، ومشابهتِه له.
وأنَّ بعضهم امتَنع من نعت المرخَّم؛ لأنك لم ترخِّم إلا وقد عُلم مَنْ تعني، والوصفُ للبيان، فتَجمع بين ما أصلُه للبيان وما يقتضي أَنْ لا إبهامَ ولا حاجةَ للبيان، وهذا تناقضٌ، قال: فإذا قيل: يا جَعْفَ بنَ عمرٍو، فهو على نداءٍ ثانٍ.
وهذا خُلْفٌ؛ لأن المرخِّم إنما اعتَمد على أن المخاطب علم أن الاسم حارثا أو مالكا (^٣) أو نحوه، لا أن مسمَّاه مَنْ هو (^٤).
* «أو وَسْمِ»: نحو: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (^٥)، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ (^٦) (^٧).
* قولُه: «أو وَسْمِ» البيتَ: إن قيل: كيف صحَّ أن تَصف الشيءَ بصفةِ غيرِه؟
فإنَّ س (^٨) احتَج لهذا بأنك تضع هذه الصفاتِ في موضع اسمِ الأول، فتقول: مررت بالكريم أبوه، ورأيت موسَّعًا عليه الدنيا، وأتاني الحسنةُ أخلاقُه، والذي أَتَيت وأَتَاك غيرُ صاحب الصفة، وقد وقع موقعَ اسمِه، وعَمِل فيه ما كان عاملًا فيه، فكما
_________________
(١) الحاشية في: ٩٩.
(٢) ينظر: شرح التسهيل ٣/ ٣٩٣، وشرح الكافية للرضي ١/ ٣٦٠.
(٣) كذا في المخطوطة، والوجه: حارثٌ أو مالكٌ.
(٤) الحاشية في: ٩٩.
(٥) النساء ٧٥.
(٦) فاطر ٢٧.
(٧) الحاشية في: ٩٩.
(٨) الكتاب ٢/ ٢٢.
[ ٢ / ٩٥٨ ]
جرى مَجرى اسمه فكذلك جرى مَجرى صفتِه.
قال أبو سَعِيدٍ (^١): وليست هذه الصفاتُ الأسماءَ المتقدِّمةَ في التحقيق (^٢)؛ لأنَّا إذا قلنا: لعن الله كافرًا أبوه؛ كان الأب غيرَ داخلٍ في اللعن، فجُعل "قائم" (^٣) هو الموصوف الذي قام مقامَه (^٤).
وليُعْط في التعريف والتنكير ما لما تلا كامرر بقوم كرما
وهو لدى التوحيد والتذكير أو سواهما كالفِعْلِ فاقف ما قَفوا
(خ ١)
* ع: قد تكون الصفة رافعةً لضمير الموصوف، ولا تطابقُه في الإفراد وفرعَيْه، والتذكيرِ وفرعِه، وذلك: "أَفْعَلُ مِنْ" للتفضيل؛ فإنه على القياس الذي قدَّمه (^٥) لك.
ولفظُ "مِثْل"، نحو: مررت برجلين مثلِك، إذا كان كلٌّ منهما مثلَه، وكذا: برجلين غيرِك، فإن لم تُضِفْ "مِثْلًا" لم يلزم أن يكون على حالةٍ واحدةٍ، وحكى س (^٦): مررت برجلين مِثْلَيْن، لكن لم يُسمع تأنيثُه.
ومثلُ "غير": "سِوَى" عند مَنْ صَرَّفها، و"أَيّ" مثلُ "أَفْعَلَ مِنْ" (^٧).
(خ ٢)
* اعلمْ أن الاسم باعتبار الإعراب على ثلاثة أنواع: مرفوع، ومنصوب، ومجرور،
_________________
(١) شرح كتاب سيبويه ٦/ ٩٩.
(٢) كذا في المخطوطة، ولعل الصواب ما عند السيرافي: وهذه الصفات هي الأسماء المتقدمة في التحصيل.
(٣) المثال عند السيرافي: لعن الله قائمًا أبوه.
(٤) الحاشية في: ٩٩.
(٥) في باب "أَفْعَل" التفضيل ص ٩٤٠، وذلك أنه إذا تجرَّد من "أَلْ" والإضافة يجب فيه الإفراد والتذكير.
(٦) الكتاب ١/ ٤٣٠.
(٧) الحاشية في: ٢٢/ب.
[ ٢ / ٩٥٩ ]
وباعتبار الإفراد والتعدُّد على ثلاثةٍ أيضًا: مفرد، ومثنًى، ومجموع، وباعتبار التذكير والتأنيث على قسمين، وباعتبار التنكير والتعريف كذلك، وهذه عشرة لا بدَّ أن يكون الاسم على أربعة منها: واحدٌ من أوجه الإعراب، وواحدٌ من الأوجه الثلاثة الأُخَر، وواحدٌ من التذكير والتأنيث، وواحدٌ من التعريف والتنكير.
وزعم أكثر النحويين أن النعت يتبع منعوتَه في الأربعة الحاصلة من العشرة، وهذا معلومُ الانتقاض؛ لأنك تقول: برجلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأةٍ قائمٍ أبوها، وبرجلين قائمٍ أبواهما، وبرجالٍ قائمٍ آباؤهم.
والصوابُ أن النعت يجب أن يتبع متبوعَه في اثنين من خمسةٍ: واحد من أوجه الإعراب، وواحد من التعريف والتنكير، وإلى الأول أشار بقوله: «يَتْبَعُ في الإعراب» البيتَ، وإلى الثاني أشار بقوله: «ولْيُعْطَ».
ومن النعت المحضِ: مررت برجلٍ كريمٍ أبًا، وكريمِ الأبِ؛ لأن في الوصف ضميرًا عائدًا إلى الموصوف مبالغةً وتجوُّزًا، ولولا هذا تعيَّن الرفعُ في "الأب"، وامتنع نصبه تمييزًا؛ لتقدُّم الفاعل حينئذٍ، وخفضُه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
وأما في الأمور الباقية فهو فيها كالفعل الذي يحل محلَّه، فيجب أن يُعلم هنا حكمُ الفعل، فنقول: الفعلُ يُذَكَّرُ إن كان فاعله مذكرًا، ويؤنث إن كان مؤنثًا، ويطابق ما قبلَه في إفرادٍ وتثنيةٍ وجمعٍ إن لم يُذْكر بعده اسمٌ ظاهرٌ، ولا يطابقُه إن كان بعده اسمٌ ظاهرٌ إلا في الإفراد، إلا في لُغَيَّةٍ (^١)، فيوافق في التثنية والجمع أيضًا.
إذا عرفت هذا فنقول: قد عُلم من قوله: «بوَسْمِه أو وَسْمِ» البيتَ (^٢) أن النعت ضربان: خالصٌ، وسببيٌّ.
والخالصُ يطابق النعتُ فيه المنعوتَ، نحو: برجلٍ قائمٍ، وبامرأةٍ قائمةٍ، وبرجلين قائمين، وبامرأتين قائمتين، وبرجالٍ قائمِين، وبنساءٍ قائماتٍ؛ لأن الفعل لو حلَّ هنا
_________________
(١) هي لغة الذين يقولون: أكلوني البراغيث. ينظر: الكتاب ١/ ١٩، ٧٨، ٢/ ٤١، ٣/ ٢٠٩، ومعاني القرآن للأخفش ١/ ٢٨٦.
(٢) مكررة في المخطوطة.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
طابق ما قبله، فامتحن ذلك في الأمثلة.
والسببيُّ يطابق ما بعده في التذكير والتأنيث دون ما قبله، ولا يطابقُه في التأنيث إلا في تلك اللُغَيَّة (^١)، وأما حكمه في الجمع فإنه يأتي معه على ثلاثة أوجهٍ:
مفردًا، وهو القياس، نحو: ﴿خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ (^٢)، فإن حكم الحال حكمُ النعت فيما ذكرنا، وقال (^٣):
وَرِجَالٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدّْ (^٤)
فهذا في النعت، وقال (^٥):
وَكُنَّا وَرِثْنَاهُ عَلَى عَهْدِ تُبَّعٍ طَوِيلًا سَوَارِيهِ شَدِيدًا دَعَائِمُهْ (^٦)
ومصحَّحًا، وهو على تلك اللُغَيَّة (^٧).
والتكسير، وهو أفصحها، كقراءة قومٍ: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (^٨)، وقولِه (^٩):
بَكَرْتُ عَلَيْهِ سُحْرَةً فَوَجَدتُّهُ قُعُودًا لَدَيْهِ بِالصَّرِيمِ عَوَاذِلُهْ (^١٠)
_________________
(١) فيقولون: مررت بامرأةٍ حسنةٍ أبوها. ينظر: الكتاب ٢/ ٤١، والأصول ١/ ١٣٦.
(٢) القمر ٧، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي. ينظر: السبعة ٦١٨، والإقناع ٢/ ٧٧٧.
(٣) هو أبو دُؤَاد الإيادي.
(٤) بيت من الرمل. ينظر: الديوان ٣٠٥، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ١٠٥، وكتاب الشعر ٢/ ٣٦٢، وتهذيب اللغة ١/ ١٠٧، والتذييل والتكميل ١١/ ٣٩.
(٥) هو الفرزدق.
(٦) بيت من الطويل. روي: «طوالًا» و«شدادًا»، ولا شاهد فيهما. ينظر: الديوان بشرح الصاوي ٢/ ٧٦٥، والكتاب ٢/ ٤٤، والحجة ٣/ ٣٢٥، والمخصص ٥/ ٥٦، وشرح جمل الزجاجي ١/ ٣٨٢، والتذييل والتكميل ٤/ ١٥٢.
(٧) فيقولون: مررت بقومٍ قرشيِّين آباؤهم. ينظر: الكتاب ٢/ ٤١، والأصول ١/ ١٣٦.
(٨) القمر ٧، وهي قراءة ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر. ينظر السبعة ٦١٧، والإقناع ٢/ ٧٧٧.
(٩) هو زهير بن أبي سُلْمى.
(١٠) بيت من الطويل، تقدم في باب إعمال اسم الفاعل.
[ ٢ / ٩٦١ ]
وإن كان له مانعٌ من جمع التصحيح فوجهان، أرجحُهما التكسيرُ، ودونه الإفرادُ، مثل: ﴿خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (^١) و: ﴿خُشَّعًا﴾ (^٢)، وقولِه (^٣):
.. حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ (^٤)
وقولِه (^٥):
طَوِيلًا سَوَارِيهِ (^٦)
وإن كان مما لا يُكسَّر تعيَّن التصحيحُ والإفرادُ، نحو: برجالٍ مضروبٍ آباؤهم، أو: مضروبين، وإن كان ممنوعًا منهما أصلًا تعيَّن الإفرادُ، نحو: ما رأيت رجالًا أحسنَ في عينهم الكحلُ منه في عين زيد.
فهذه ثلاثة أقسامٍ في الجمع، وبها تبيَّن نَقْصُ كلام الناظم؛ فإنه يخرج عنه مسألتان.
تنبيهٌ: تلخَّص أن الصفة إما محضةٌ لفظًا وتقديرًا، نحو: مررت برجلٍ فاضلٍ، أو سببيةٌ لفظًا وتقديرًا، نحو: برجلٍ فاضلٍ أبوه، ومحضةٌ في المعنى سببيةٌ في اللفظ، نحو: برجلٍ قائمِ الأبِ، وقائمٍ أبًا.
ورُبَّما أَجْرت العرب على هذا النوع الأخير حكمَ النوعِ الثاني، بشرط كونِ الاسم السببيِّ بـ"أَلْ"، كقوله (^٧):
_________________
(١) القمر ٧، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي، تقدمت قريبًا.
(٢) القمر ٧، وهي قراءة ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر، تقدمت قريبًا.
(٣) هو أبو دُؤاد الإيادي.
(٤) بعض بيت من الرمل، تقدم بتمامه قريبًا.
(٥) هو الفرزدق.
(٦) بعض بيت من الطويل، تقدم بتمامه قريبًا.
(٧) لم أقف له على نسبة.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
يَا (^١) لَيْلَةً خُرْسَ الدَّجَاجِ
البيتَ (^٢)،
وقولِه (^٣):
فماجت (^٤) بِهِ غُرَّ الثَّنَايَا مُفَلَّجًا وَسِيمًا جَلَا عَنْهُ الظَّلَامَ مُوَشَّمَا (^٥)
وقولِه (^٦):
_________________
(١) كذا في المخطوطة على رواية الخَرْم، وهو حذف أول متحركٍ من الوتد المجموع في أول البيت، كما في: الوافي في العروض والقوافي ٤١، والرواية الأخرى: أَيَا.
(٢) بعض بيت من الطويل، وهو بتمامه: يَا ليلةً خُرْسَ الدجاج طويلةً ببغدانَ ما كادت عن الصبح تنجلي بغدان: لغة في بغداد. الشاهد: مطابقة الصفة السببية لفظًا لا تقديرًا "خُرْس" السببيَّ "الدجاج" في الجمع، أي: خُرْسٌ دجاجُها؛ إجراءً لها مُجرى الصفة السببية لفظًا وتقديرًا، والأصل: خَرْساء الدجاج. ينظر: المذكر والمؤنث لابن الأنباري ٢/ ٤١، ٢٨٨، والبصريات ١/ ٥٦٣، والصحاح (ب غ د ذ) ٢/ ٥٦١، والمحكم ٥/ ١١٠، ومجمع الأمثال ٢/ ١٦٥، وشرح التسهيل ١/ ٢٦٤، ٣/ ١٠١، والتذييل والتكميل ١١/ ٤٣.
(٣) هو حُمَيد بن ثور الهلالي.
(٤) كذا في المخطوطة، والصواب ما في مصادر البيت: فمَاحَتْ.
(٥) بيت من الطويل. ماحت: من المَيْح، وهو الاستياك، ومفلَّجًا: متباعد الأسنان، وجلا عنه: أذهب، وموشَّمًا: به وشْمٌ، كما في: القاموس المحيط (م ي ح) ١/ ٣٦٤، (ف ل ج) ١/ ٣١١، (ج ل ا) ٢/ ١٦٦٨، (وش م) ٢/ ١٥٣٥. الشاهد: مطابقة الصفة السببية لفظًا لا تقديرًا "غُرّ" السببيَّ "الثنايا" في الجمع، أي: غرٌّ ثناياه؛ إجراءً لها مُجرى الصفة السببية لفظًا وتقديرًا، والأصل: أغرَّ الثنايا. ينظر: الديوان ٢٦، ومجالس العلماء ٢١٣، ومنتهى الطلب ٧/ ٣٦٩، وشرح التسهيل ٣/ ١٠١، والتذييل والتكميل ١١/ ٤٣.
(٦) هو زهير بن أبي سُلْمى يصف صقرًا.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
يَأْوِي إِلَى قُنَّةٍ خَلْقَاءَ رَاسِيَةٍ حُجْنُ المَخَالِبِ لَا يَغْتَالُهُ الشِّبَعُ (^١)
وأجاز ابنُ مالكٍ (^٢) على قياس ذلك: مررت برجلٍ حسنةٍ العينَ، كما يقال: حسنةٍ عينُه (^٣).
* فائدةٌ جَلِيلةٌ تتعلَّق باتحاد المتواصفَيْن وتَخَالُفِهما: قال الزَّمَخْشَريُّ في "حم" السجدةِ (^٤): كانوا لتَعَنُّتِهم يقولون: هلَّا أُنزل القرآن بلسانٍ أعجميٍّ؟ فقيل ما معناه: لو أنزلناه كما يقترحون لم يتركوا الاعتراضَ، وقالوا: لولا بُيِّنت آياته بلسانٍ نفقهُه، وقالوا: أقرآنٌ عجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ؟ أو: ومرسَلٌ إليه عربيٌّ؟
ثم استَشكل الزَّمَخْشَريُّ هذا الوجهَ؛ لأن العرب أمَّةٌ، فكيف يكون "العربي" وصفًا لهم؟
وأجاب بما نصُّه: قلت: هو على حدِّ قولك لو رأيت كتابًا عجميًّا كُتب لقومٍ عربٍ: أكتابٌ عجميٌّ ومكتوبٌ إليه عربيٌّ؟ وذلك لأن مَبْنى الإنكار على تنافُر الكتابِ والمكتوبِ إليه، لا على أن المكتوب إليه واحدٌ أو جماعةٌ، فوجب أن يُجرَّد لِمَا سِيق له من الغرض، ولا يوصَلَ به ما يحيلُ غرضًا آخرَ؛ أَلَا ترى أنك إذا رأيت لباسًا طويلًا على امرأة قصيرة قلت: اللباسُ طويلٌ واللابسُ قصيرٌ؟ ولو قلت: واللابسةُ قصيرةٌ؛ جئتَ بما
_________________
(١) البيت من البسيط. قُنَّة: صخرة في أعلى جبل، كما في: القاموس المحيط (ق ن ن) ٢/ ١٦١٠، وخَلْقاء: ملساء، وحُجْن: فيها اعوجاج، ويغتاله: يذهب بقوَّته. الشاهد: مطابقة الصفة السببية لفظًا لا تقديرًا "حُجْن" السببيَّ "المخالب" في الجمع، أي: حُجْنٌ مخالبه؛ إجراءً لها مُجرى الصفة السببية لفظًا وتقديرًا، والأصل: أَحْجَن المخالب. ينظر: الديوان بشرح ثعلب ١٧٤، وتهذيب اللغة ١/ ٢٦٩، ٨/ ١٦٩، والصحاح (غ ي ل) ٥/ ١٧٨٦، وشرح التسهيل ٣/ ١٠١، والتذييل والتكميل ١١/ ٤٣.
(٢) شرح التسهيل ٣/ ١٠١.
(٣) الحاشية في: ٩٩.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٠٢، ٢٠٣ في تفسير قوله تعالى في سورة فصلت ٤٤: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾.
[ ٢ / ٩٦٤ ]
هو، لكنَّه لم يقع في ذُكُورة اللابسِ وأنوثتِه، إنما وقع في غرضٍ وراءَهما (^١).
* إن قلت: كيف قال (^٢):
فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا (^٣)
فوَصف المفردَ بالجمع؟
ففي "الحُجَّة" (^٤) أن الجَرْميَّ حكى عن أبي عُبَيْدةَ (^٥) أن الحَلُوب لا يكون إلا جمعًا، وأن الحَلُوبة يكون واحدًا ويكون جمعًا (^٦)، فيجوز أن يكون الشاعر جعل الحَلُوبةَ جمعًا (^٧).
* ع: أجاز الزَّجَّاجُ (^٨) في: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ (^٩) كونَ "سِنِينَ" مخفوضًا صفةً لـ"ثلاثمائةٍ" (^١٠).
* في كتاب "العَيْن" (^١١): رجلٌ مَلْأَمانُ، معرفةٌ لا ينصرف.
_________________
(١) الحاشية في: ١٠٠.
(٢) هو عَنْترة بن شدَّاد العَبْسي.
(٣) بعض بيتٍ من الكامل، وهو بتمامه: فيها اثنتان وأربعون حَلُوبةً سودًا كخافِية الغُرابِ الأَسْحَم ينظر: الديوان ١٩٣، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٣٠، والجيم ١/ ٩١، والأصول ١/ ٣٢٥، والتذييل والتكميل ٩/ ٢٧٦، والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٩٢، وخزانة الأدب ٧/ ٣٩٠.
(٤) ٥/ ١٣٨.
(٥) ينظر: المذكر والمؤنث لابن الأنباري ٢/ ٥٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣/ ٢٧٤.
(٦) ينظر: المذكر والمؤنث لابن الأنباري ٢/ ٥٤، والمخصص ٢/ ١٤٤.
(٧) الحاشية في: ١٠٠.
(٨) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٢٧٨.
(٩) الكهف ٢٥.
(١٠) الحاشية في: ١٠٠.
(١١) لم أقف عليه في مطبوعته ٨/ ٣٤٥ - ٣٤٨، ولا في مختصرَيْ الإسكافي ١٢٣٥ - ١٢٤٣، والخوافي ٢/ ٥٣٠، ٥٣١، وهو في استدراك الغلط للزبيدي ٢٢٢، ولم يذكر في مختصره ٢/ ٦٨٦ (ت. الرحيلي) إلا عبارة: "رجل مَلْأَمان".
[ ٢ / ٩٦٥ ]
وفي كتاب "التَّقْرِيظ" (^١): هذا مُحالٌ، ذَكَر أنه معرفة، ووَصَف به النكرةَ (^٢).
وانعت بمشتق كصعبٍ وذَرب وشبهه كذا وذِي والمنتسِب
(خ ١)
* قال الزَّمَخْشَريُّ (^٣) في: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ (^٤): إن اسمه تعالى صفةٌ أو عطفُ بيانٍ.
ورُدَّ الأولُ بأن الأعلام لا يوصف بها، وعندي لا بُعْدَ في ذلك على تأوُّله بمعنى: المعبود، ولهذا عَلَّق بعضهم الظرفَ به في قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ (^٥) على هذا المعنى، لكنَّا لسنا محتاجين إليه، وإنما نذكر مثلَ ذلك إذا احتِيج إليه (^٦).
(خ ٢)
* [«بمُشْتَقٍّ»]: ومِنْ ثَمَّ كان الأحسن في: مررت برجلٍ فِضَّةٌ حِلْيةُ سيفِه، وبسَرْجٍ خَزٌّ صُفَّتُه (^٧)، وبصحيفةٍ طينٌ خاتمُها؛ الرفعَ، قال س (^٨): وهو قول العامَّة؛ مِنْ قِبَلِ أن هذا ليس بصفةٍ، أعني: الاسم الذي رفعته؛ لأنه جامد، قال: لأنك لو قلت: هذا خاتمٌ
_________________
(١) استدراك الغلط الواقع في كتاب العين للزُّبَيْدي ٢٢٢، ويسمى: التقريظ في إصلاح خلل كتاب العين وتنزيه الخليل بن أحمد عنه. ينظر: فهرست ابن خير ٣١٣، والدر الثمين في أسماء المصنفين ٢٠٦.
(٢) الحاشية في: ١٠٠.
(٣) الكشاف ٣/ ٦٠٥.
(٤) فاطر ١٣، والزمر ٦.
(٥) الأنعام ٣.
(٦) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٧) صُفَّة السَّرْج: ما يغطَّى به، والخَزُّ: الحرير. ينظر: جمهرة اللغة ١/ ١٤٢، والمخصص ١/ ٣٨٣.
(٨) الكتاب ٢/ ٢٣.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
حديدٌ، وهذا خاتمٌ طينٌ كان قبيحًا، إنما الكلام أن تضيف.
قال: ويدلُّك أيضًا على أنه ليس كـ: حَسَنٍ وظريف: وأنك (^١) تقول: مررت بحَسَنٍ أبوه، ولا تقول: مررت بخَزٍّ صُفَّتُه، ولا: بطينٍ خاتمُه، ومن العرب من يقول: بقاعٍ عَرْفَجٍ كلِّه.
قال أبو سَعِيدٍ (^٢): إذا أردت بالخَزِّ وأخواتِه حقائقَها فلا يجوز غيرُ الرفع، وإن أردت المماثلةَ والحملَ على المعنى أجيز مما (^٣) حُكي عن العرب.
ثم منهم مَنْ يقدِّر في الجميع: مِثْلًا، ومنهم مَنْ يؤوِّل: بقاعٍ ثابتٍ كلِّه، أو: مُشِيكٍ (^٤) كلِّه؛ لأن العَرْفَج شَوْكٌ، و: بقومٍ متعرِّبين أو منسوبين أجمعون، وتقديرُ "مِثْلٍ" قولُ المُبَرِّدِ (^٥)، وتقديرُ اسمِ الجوهرِ بالوصف قولُ غيره، فيقولون في: مررت بدارٍ ساجٍ بابُها: إنه جعل "الساجَ" في تقدير: وَثِيقٍ أو صُلْبٍ، ويتأولون في الخَزِّ: اللَيِّنَ، وفي كل شيءٍ ما يليق بمعناه (^٦) (^٧).
* قولُه: «و"ذي"»: ولا يضاف لمضمرٍ؛ لأن وضعها ليُتَوصَّل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس (^٨).
* قولُه: «والمُنْتَسِب»: هو أَطْبَعُها في الباب، ومِنْ ثَمَّ يؤنث ويذكر، ويثنى ويجمع
_________________
(١) كذا في المخطوطة، والصواب ما في الكتاب: أنَّك.
(٢) شرح كتاب سيبويه ٦/ ١٠٠.
(٣) كذا في المخطوطة، ولعل الصواب: كما، وعند السيرافي: أخبرْ فيها ما.
(٤) لعله من: أشاكه يُشِيكه، إذا أدخل فيه الشوكَ، كما في: القاموس المحيط (ش وك) ٢/ ١٢٥٢، أو لعل صوابه: مُشْتدٍّ؛ لموافقته تفسيرَهم العبارةَ بـ: خَشَنٍ وصُلْبٍ وجافٍّ، كما في: الإيضاح ٩١، والخصائص ٣/ ٢٧٥، والتبيين ٢٩٩، والتذييل والتكميل ٤/ ١٣، وهي في مطبوعة شرح السيرافي: مسد.
(٥) ينظر: الانتصار ١٢١.
(٦) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٧) الحاشية في: ١٠٠.
(٨) الحاشية في: ١٠٠.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
تصحيحًا، ويوصف به الحقيقيُّ والسببيُّ (^١).
ونعتوا بجُمْلَةٍ مُنَكَّرا فأعطيت ما أعطيته خبرا
(خ ١)
*
رُبَّمَا تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْـ ـرِ (^٢)
حَذَفوا فيه عائدَ الصفة (^٣)، كما في الخبر (^٤).
(خ ٢)
* [«ونَعَتُوا بجملةٍ»]: على سبيل النيابة عن المفرد؛ ولذلك رجَّح أبو الفَتْحِ (^٥) قراءةَ مَنْ قرأ: ﴿ثَابِتٍ أَصْلُهَا﴾ (^٦) على قراءة الجماعة: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ (^٧).
ولمرجِّحٍ أن يرجِّح قراءةَ الجماعة بأن "ثابتًا" في هذه القراءة جرى على "الشجرة"
_________________
(١) الحاشية في: ١٠٠.
(٢) بعض بيت من الخفيف، لأميَّة بن أبي الصَّلْت، وقيل لغيره، وهو بتمامه: رُبَّما تكرهُ النفوسُ من الأمـ ـر له فَرْجةٌ كحلِّ العِقَال ينظر: صلة الديوان ١٨٩، والكتاب ٢/ ١٠٩، والمقتضب ١/ ٤٢، والأصول ٢/ ٢٣٥، وكتاب الشعر ١/ ٢٦٣، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٥٥٤، وشرح التسهيل ١/ ٢١٥، ومغني اللبيب ٣٩١، والمقاصد النحوية ١/ ٤٥٠، وخزانة الأدب ٦/ ١٠٨.
(٣) وهي جملة "تكره النفوس" الواقعة صفةً لـ"ما" المقدرة بـ"شيءٍ"، والتقدير: رُبَّ شيءٍ تكرهه النفوس.
(٤) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٥) المحتسب ١/ ٣٦٢.
(٦) إبراهيم ٢٤، وهي قراءة أنس بن مالك. ينظر: مختصر ابن خالويه ٧٢، وشواذ القراءات للكرماني ٢٦١.
(٧) تمامها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
وليس لها، ولا كذلك في قراءة الجماعة (^١).
* إعراب (^٢) الزَّمَخْشَريّ (^٣): ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (^٤) صفةً، وأقيم "الخلق" مُقامَ الضمير (^٥).
* عَبْدُالقاهِر (^٦): الجُمَلُ نكراتٌ، فيوصف بها الأسماء النكراتُ، وهي أربع: جملة اسمية، جملة فعلية، جملة ظرفية، جملة شَرْطية (^٧).
* فا (^٨): ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ (^٩) عطفٌ على "والد"، وقوَّى ذلك: إعادةُ "لا"، و"هو جازٍ" صفة (^١٠) لـ"مولود"، أو "هو" تأكيد للضمير في "مولود"، و"جازٍ" صفة مفردة، أو "هو" تأكيد للضمير، و"جازٍ" خبر لـ"هو" مضمرةٍ، والجملةُ صفة، وحُذف الضمير من الصفة كما حُذف من الصلة.
ع: هذا تارةً قال ابنُ عُصْفُورٍ (^١١): إنه لا يجوز، وتارةً قال: يجوز بضعفٍ وشذوذٍ، كقوله (^١٢):
_________________
(١) الحاشية في: ١٠٠.
(٢) كذا في المخطوطة، ولعل الصواب: أعرب.
(٣) الكشاف ٤/ ٥٧٦.
(٤) الملك ٣، وتمامها: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾.
(٥) الحاشية في: ١٠٠.
(٦) المقتصد في شرح الإيضاح ٢/ ٩١١.
(٧) الحاشية في: ١٠٠.
(٨) الظاهر من إطلاقه هذا الرمز أن يريد به الفارسي، ولم أقف على كلامه، وهو في: جواهر القرآن للباقولي (إعراب القرآن المنسوب خطأ للزجاج) ٢/ ٥٤٥، ٥٤٦.
(٩) لقمان ٣٣، وتمامها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾.
(١٠) مكررة في المخطوطة.
(١١) شرح جمل الزجاجي ١/ ٤٧٧، وضرائر الشعر ١٧٣، والمقرب ٢٩٥.
(١٢) هو ثابت قُطْنة.
[ ٢ / ٩٦٩ ]
وَرُبَّ قَتْلٍ عَارُ (^١)
فكيف يجوز تخريجُ التنزيل العظيم عليه، مع عدم الاحتياج إليه؟ انتهى.
وليس "مولود" مبتد (^٢) و"جازٍ" خبرٌ، و"هو" فَصْلٌ؛ لأنه لا يبتد (^٣) بالنكرة، ولأن الفصل لا يقع بين النكرتين.
ع: النكرة يُبتدأ بها بعد النفي (^٤).
* أنشد ابنُ الشَّجَريِّ (^٥):
مِنَ اليَوْمِ زُوْرَاهَا خَلِيلَيَّ إِنَّهَا سَيَأْتِي عَلَيْهَا حِقْبَةٌ لَا نَزُورُهَا (^٦)
أي: فيها، فهذا مثلُ قولِه تعالى: ﴿يَوْمًا (^٧) لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (^٨)، أي: لا تجزي فيه، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ (^٩)، وفيها حذف "فيه" أربعَ مراتٍ، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (^١٠).
_________________
(١) بعض بيت من الكامل، وهو بتمامه: إِنْ يَقتُلوكَ فإنَّ قتلَكَ لم يَكُنْ عارًا عليك ورُبَّ قتلٍ عارُ روي: «وبعضُ» بدل «ورُبَّ»، ولا شاهد فيه. ينظر: الديوان ٤٩، والمقتضب ٣/ ٦٦، والأغاني ١٤/ ١٧٦، وأمالي ابن الشجري ٣/ ٤٦، واللباب ١/ ٣٦٤، وشرح التسهيل ٣/ ١٧٥، والتذييل والتكميل ١٠/ ٣٧، ومغني اللبيب ٤١، ١٧٩، ٦٥٣، وخزانة الأدب ٩/ ٥٧٦.
(٢) كذا في المخطوطة، والصواب: مبتدأ.
(٣) كذا في المخطوطة، والصواب: يُبتدأ.
(٤) الحاشية في: ١٠٠.
(٥) أماليه ١/ ٦.
(٦) بيت من الطويل، لكُثَيِّر عَزَّة، ولم أقف عليه في ديوانه. ينظر: شرح التسهيل ٣/ ٣١٣.
(٧) في المخطوطة: يوم، وهو خطأ.
(٨) البقرة ٤٨، ١٢٣.
(٩) البقرة ٢٨١.
(١٠) البقرة ٤٨، ١٢٣، وتمام الأولى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وتمام الثانية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
[ ٢ / ٩٧٠ ]
قال ابنُ الشَّجَريِّ: ثم قال الكِسَائيُّ (^١): لا يكون المحذوف إلا الهاءَ، وذلك أنهم حذفوا الجارَّ أوَّلًا، ثم الهاءَ ثانيًا، فيكونُ جُعِلَ الظرفُ أوَّلًا مفعولًا على السَّعَة، مثلُ:
وَيَوْمًا شَهِدْنَاهُ سُلَيْمًا وَعَامِرًا (^٢)
ومثلُه: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ (^٣)، أي: يبشِّر به اللهُ، ثم: يبشِّره اللهُ، ثم: يبشِّر اللهُ (^٤).
وامنع هنا إيقاعَ ذات الطلب وإن أتت فالقولَ أضمر تصب
(خ ٢)
* [«هُنا»]: مفهوم الظرف أن الجملة الطلبية تقع خبرًا للمبتدأ من غير احتياجٍ إلى تأويل (^٥).
* مِنْ إضمار القول: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا﴾ (^٦)، أي: قالوا: ما نعبدهم إلا
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/ ١٢٨، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ٥١، وشرح كتاب سيبويه للسيرافي ٥/ ١٦٩، وتهذيب اللغة ١١/ ٩٩.
(٢) صدر بيت من الطويل، لرجلٍ من بني عامر، وهو بتمامه: ويومًا شَهِدْناه سُلَيمًا وعامرًا قليلًا سِوَى الطَّعْنِ النِّهَالِ نَوَافِلُهْ شهدناه: شهدنا فيه. ينظر: الكتاب ١/ ١٧٨، والمقتضب ٣/ ١٠٥، ٤/ ٣٣١، والحجة ١/ ٣٥، وشرح التسهيل ٢/ ٢٤٥، والتذييل والتكميل ٦/ ٢٦١، ومغني اللبيب ٦٥٤.
(٣) الشورى ٢٣.
(٤) الحاشية في: ١٠٠.
(٥) الحاشية في: ١٠١.
(٦) الزمر ٣، وتمامها: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
[ ٢ / ٩٧١ ]
ليقرِّبونا، وذكر ابنُ الأَنْباريِّ أبو البَرَكاتِ في كتاب "البُلْغة في معرفة أساليب اللغة" (^١) أن ابنَيْ مسعودٍ وعبَّاسٍ ﵃ قرآ (^٢)، وجَعَل منه قراءةَ بعضِهم: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ (^٣)، أي: قُلْ: بل عجبتُ، ومثلُه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ﴾ (^٤)، أي: وقيل لي: لا تكوننَّ، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ إلى: ﴿شُكْرًا﴾ (^٥)، أي: وقيل له: اعملوا، فالخطابُ له في اللفظ، وله ولأهل بيته في المعنى (^٦).
* قد يُحذف بعضُ القول ويبقى البعضُ: في "التَّذْكرة" (^٧) في: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآيةَ (^٨): حُذِف: أَعِزَّنا ولا تُذِلَّنا (^٩).
ونعتوا بمصدرٍ كثيرا فالتزموا الإفرادَ والتذكيرا
(خ ١)
* استثناءٌ من شيئين: فأوَّلُه استثناءٌ من قوله: «وانعَتْ بمُشْتَقٍّ»، وعَجُزُه استثناءٌ من قوله: «وهْو لَدَى التَّوْحِيد» البيتَ (^١٠).
_________________
(١) لم أقف على ما يفيد بوجوده.
(٢) أي: بإثبات "قالوا" في الآية. ينظر: الكشاف ٤/ ١١١، وشواذ القراءات للكرماني ٤١٣.
(٣) الصافات ١٢، وهي قراءة حمزة والكسائي. ينظر: السبعة ٥٤٧، والإقناع ٢/ ٧٤٥.
(٤) الأنعام ١٤.
(٥) سبأ ١٣، وتمامها: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.
(٦) الحاشية في: ١٠١.
(٧) لم أقف عليه في مختارها لابن جني، وهو في جواهر القرآن للباقولي (إعراب القرآن المنسوب خطأً للزجاج) ١/ ٣٩.
(٨) آل عمران ٢٦.
(٩) الحاشية في: ١٠١.
(١٠) الحاشية في: ٢٢/ب.
[ ٢ / ٩٧٢ ]
* قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (^١)، الضَّنْكُ: مصدر؛ فمِنْ ثَمَّ لم يؤنث (^٢).
(خ ٢)
* ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (^٣)، أي: ذي كذبٍ، أو وَصْفٌ بالمصدر مبالغةً، كأنه نفسُ الكذب وعينُه، كما تقول للكذَّاب: هو الكذب بعينه، والزُّورُ بذاته، ونحوُه:
فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وَأَنْتُمْ بِهِ بُخْلُ (^٤)
قاله كلَّه في "الكَشَّاف" (^٥)، وفيه تصريحٌ بما يقول ابنُ عُصْفُورٍ (^٦) من أنه إذا كان على المبالغة لم يحتجْ لتقديرٍ.
وفي "شرح التَّسْهيل" (^٧) للناظم: أن الوصف بالمصدر يقارب الاطرادَ، وأن ممَّا وُصف به من المصادر: عَدْل، ورِضًى، وزُور وصَوْم، وفِطْر، وقال في الوصف بالعدد أيضًا: إنه قريب من الاطراد (^٨).
* ورُبَّما وَصفوا بأسماء الأعيان، كقولهم: فرسٌ قَيْدُ الأَوَابد، فوصفوا بالجوهر؛ لِمَا فيه من معنى الفعل، ويجوز أن يكون أصلُه: تقييدُ الأوابد، فحُذِف زائدُه، فيكونَ وصفًا بالمصدر، وقال (^٩):
_________________
(١) طه ١٢٤.
(٢) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٣) يوسف ١٨.
(٤) عجز بيت من الطويل، لم أقف له على نسبة، وصدره: ففيهنَّ فَضْلٌ قد عرفنا مكانَهُ ينظر: أساس البلاغة (ج ود) ٦٨.
(٥) ٢/ ٤٥١.
(٦) شرح جمل الزجاجي ١/ ١٩٨.
(٧) ٣/ ٣١٥.
(٨) الحاشية في: ١٠١.
(٩) قائله عُفَيرة بنت طَرَامة الكلبية، وقيل: منذر بن حسان.
[ ٢ / ٩٧٣ ]
فَلَوْ [لَا] (^١) اللهُ وَالمُهْرُ المُفَدَّى لَأُبْتَ وَأَنْتَ غِرْبَالُ الإِهَابِ (^٢)
وقال (^٣):
مِئْبَرَةُ العُرْقُوبِ إِشْفَى المِرْفَقِ (^٤)
أي: دَقِيقة المِرْفَق (^٥).
ونَعتُ غير واحد إذا اختلف فعاطفا فرقه لا إذا ائتلف
(خ ١)
* قال (^٦):
فَأَفْنَيْنَاهُمُ مِنَّا بِجَمْعٍ كَأُسْدِ الغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ (^٧) (^٨)
* [«غيرِ واحدٍ»]: ع: مرادُه به: المثنى، والمجموعُ، والمفرداتُ المتعاطفةُ، أو المعمولةُ لعواملَ متَّحدةٍ معنًى وعملًا، أو متخالفةٍ.
وقولُه: «فعاطِفًا» فيه نظرٌ، بل قد يُفرَّق بالعطف، وقد يُفرَّق بإيلاء كلٍّ منها ما
_________________
(١) ما بين المعقوفين ليس في المخطوطة، وهو في مصادر البيت، وبه يستقيم الوزن.
(٢) بيت من الوافر، تقدَّم في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل.
(٣) لم أقف له على نسبة.
(٤) بيت من مشطور الرجز. مئبرة العرقوب: رقيقته، والعرقوب: العصب الغليظ فوق العَقِب، والإِشْفى: المِثْقَب، كما في: القاموس المحيط (ء ب ر) ١/ ٤٨٩، (ع ر ق ب) ١/ ١٩٩، (ش ف ي) ٢/ ١٧٠٥. ينظر: التعليقات والنوادر ٢/ ١٠١٧، والحجة ٤/ ٢٠٠، والخصائص ٢/ ٢٢٣، والمحكم ٨/ ١٠٥، والاقتضاب ٢/ ٣٣٣، وشرح جمل الزجاجي ١/ ١٩٧، والتذييل والتكميل ١١/ ٥٣
(٥) الحاشية في: ١٠١.
(٦) هو حسان بن ثابت ﵁.
(٧) بيت من الوافر. روي: «من مُرْدٍ» بدل «مردان»، ولا شاهد فيه. الشاهد: مجيء النعت المختلف "مردان وشيب" مفرَّقًا بالعطف؛ لأن المنعوت "جمع" غير مفرد. ينظر: الديوان ١/ ٨٢، وشرح التسهيل ٣/ ٣١٦، والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٦٨.
(٨) الحاشية في: ٢٢/ب.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
هو له، وإنما يستقيم ما ذَكر من شرط العطف إذا كان المنعوت مثنًى أو جمعًا، وإنما وجب عندي (^١) (^٢).
* قولُه: «إذا اختَلَف»: ع: ينبغي أن يَدخُل في ذلك نحوُ: مررت بزيدٍ العالمِ وبرجلٍ عالمٍ، فإنه يجب التفريقُ؛ لأن النعت قد اختلف بالتنكير والتعريف.
وعلى هذا يَرِدُ عليه: مررت بهندٍ وزيدٍ العالمَيْن؛ لأن نعت المؤنث بالهاء، ونعتَ المذكر خالٍ منها، فقد اختَلفا.
وليس كذلك (^٣)، بل تُجمع، ويُغلَّب المذكرُ.
والجوابُ: أن الأول (^٤) في المنعوت، ومن (^٥) / (^٦) في النعت، وليس هو اختلافًا في النعت لذاته، والثاني لا تَخَالُفَ؛ لاتحاد المعنى (^٧).
* قولُه: «فعاطِفًا فَرِّقْه» ليس بجيدٍ؛ لأن ذلك ليس بواجبٍ مطلقًا، بل الواجبُ التخلُّصُ من مخالفة الصفة للموصوف فيما إذا اختَلفا تعريفًا وتنكيرًا، وذلك إما بالتفريق، أو الجمعِ على القطع بالرفع أو النصب، وإذا أخذنا قولَه: «اختَلَف» راجعًا إلى الاختلاف المعنويِّ، كـ: بخيلٍ وكريمٍ؛ لم يَرِدْ هذا.
وإذا كان الاختلاف بالإفراد وغيرِه خاصةً فلا يُعدل إلى العطف؛ لإمكان الجمع، وإنما يُصَار إلى العطف عند التعذُّر، نحو: مررت بزيدٍ وبالعَمْرَيْنِ العاقلِينَ.
ع (^٨): وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنه لا يمشي في نحو: رأيت الزيدَيْن أجمعين، ولا في:
_________________
(١) موضع النقط مقدار تسع كلمات انقطعت في المخطوطة.
(٢) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٣) هذا استدراك من ابن هشام على نفسه، كتبه بعد كلامه المتقدم.
(٤) موضع النقط مقدار كلمة انقطعت في المخطوطة.
(٥) موضع النقط مقدار كلمة انقطعت في المخطوطة.
(٦) موضع النقط مقدار كلمتين انقطعتا في المخطوطة.
(٧) الحاشية في: ٢٢/ب، ٢٣/أ.
(٨) هذه الفقرة إلى قوله: «مع امتناع الأول» ألحقها ابن هشام هنا؛ منظِّرًا مسألة النعت بالتوكيد.
[ ٢ / ٩٧٥ ]
اشتريت العبدَيْن أجمعين، ولا يلزم من امتناع التوكيد في بعض الأشياء منعُه في الجميع، بدليلِ منعِ: جاء زيدٌ كلُّه، (^١) رأيت زيدًا كلَّه، ثم ما ذكره من العلة واردٌ في الجمع إذا قلت: جاءني الزيدون أجمعون، (^٢) جمع، فإنه جائز مع امتناع الأول.
وينبغي أن يقال: المعنى: إذا اختَلف اختلافًا يمنع كونَه صفةً للمنعوت الآخَرِ، لا من حيث الإفرادُ والتذكيرُ وفروعهما (^٣).
والتحقيقُ: أن مراده: إذا اختَلف اختلافًا يمنع أن يُجمع في لفظٍ واحدٍ، فهذا لا يريدُ سواه (^٤).
* قولُه: «فعاطفًا فرِّقْه»: لِمَا عَلِمت من أن حقيقة المثنى (^٥) (^٦).
* قولُه: «لا إذا ائْتَلَف»: يعني: فإنك لا تفرِّقه، بل تثنِّيه وتجمعُه.
ويُفهم من كلامه أن النعوت يصح فيها أن تقع مؤتلفةً؛ فتُجمَع، أو مختلفةً؛ فتُفرَّق.
ومن التفريق للاختلاف نحوُ:
عَلَى رَبْعَيْنِ مَسْلُوبٍ وَبَالِ (^٧)
_________________
(١) موضع النقط مقدار كلمة انقطعت في المخطوطة.
(٢) موضع النقط مقدار أربع كلمات أو خمس انقطعت في المخطوطة.
(٣) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٤) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٥) كذا في المخطوطة، ولم أقف فيها على صلةٍ للكلام.
(٦) الحاشية في: وجه الورقة الملحقة بين ٣٠/ب و٣١/أ.
(٧) عجز بيت من الوافر، لابن ميَّادة، وصدره: بكيتَ وما بُكَا رجلٍ حليمٍ بُكَا: أصله: بُكَاء، فقُصِرَ، والمسلوب: المقوَّض. ينظر: الديوان ٢١٤، والكتاب ١/ ٤٣١، والمقتضب ٤/ ٢٩١، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ٢/ ١٨، وشرح جمل الزجاجي ١/ ٢٠٩، ومغني اللبيب ٤٦٥.
[ ٢ / ٩٧٦ ]
فإن اختلفت (^١)
ويستثنى من هذا إذا كان المنعوت اسمَ إشارةٍ؛ فإن نعوتها لا يتَّفق فيها أن تكون مختلفةً، فلا يجوز: مررت بهذين الطويلِ والقصيرِ، بل تقول إذا أردتَّ ذلك: مررت بهذا الطويلِ وهذا القصيرِ، وأما في الاسم الواحد فلا؛ قال ابنُ عُصْفُورٍ (^٢): لأن اسم الإشارة خالف الموصوفاتِ بأنه لا يكون نعتُه مشتقًّا، فأما إذا جاء مثلُ: جاء هذا العالمُ، فعلى حذفٍ، أي: هذا الرجل العالم، والمشتقُّ يتحمَّل الضميرَ، فعوَّضوا هنا من الضمير كونَه موافقًا لموصوفه إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، فلو قلت: بهذين الطويلِ والقصيرِ زالت المشاكلةُ، وهي الرابطة. /
قال (^٣): لو قلت: مررت بزيدٍ وذهبنا إلى أخيك العاقلَيْن، على الإتباع؛ كان "العاقلَيْن" -وهو اسم مفرد- مجرور (^٤) على الإلصاق وعلى انتهاء الغاية، واسمٌ واحدٌ لا يتحرَّر على معنيَيْن مختلفَيْن.
وتوهَّم الجَرْميُّ (^٥) أنَّا نما (^٦) نمنع؛ لأن العامل تعدَّد، وعنده أن العامل التبعيةُ، كما عندنا، فأجاز ذلك، ونحن إنما منعناه لهذا المعنى.
ع: هذا ينقُض عليهم إجازتَهم: قام زيدٌ وذهب بكرٌ العاقلان، بالإتباع (^٧).
(خ ٢)
* ع: هذا من موضوع فَصْل التثنية والجمع، لا من موضوع باب النعت؛ لأن تفريق الاسمين إذا اختَلفا وجَمْعَهما إذا ائتلفا لا يختَصُّ بالنعت، وكذا القول في الجمع، بل
_________________
(١) كذا في المخطوطة، ولم أقف فيها على صلة له، وهو ملحق في هامش الورقة في هذا الموضع ابتداءً من قوله الآنف: «ويفهم من كلامه».
(٢) شرح جمل الزجاجي ١/ ٢١٣.
(٣) شرح جمل الزجاجي ١/ ٢١٢، ٢١٤.
(٤) كذا في المخطوطة، والوجه: مجرورًا.
(٥) ينظر: التذييل والتكميل ١٢/ ٢٨٣، وارتشاف الضرب ٤/ ١٩٢٥.
(٦) كذا في المخطوطة، والصواب: إنما.
(٧) الحاشية في: وجه الورقة الملحقة بين ٣٠/ب و٣١/أ وظهرها.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
أقول: إن هذه المسألة لا تتعرَّض للنعت بخصوصٍ ولا عمومٍ؛ لأن هذه أمور تَعْرِضُ للاسم قبل التركيب، وقبل التركيب لا يوصف الاسمُ بكونه نعتًا، إنما يثبُتُ له ذلك عند التركيب (^١).
* يكون النعوت (^٢) متَّحدًا فلا إشكالَ، ومتعدِّدًا، وهو على ضربين: متعدِّد لفظًا ومعنًى، ومتعدِّد معنًى لا لفظًا، وأيًّا ما كان فإما أن تكون النعوتُ مؤتلفةً أو مختلفةً:
فإن ائتَلَفت وجب التثنية والجمع، نحو: برجلين صالحين، و: برجالٍ صلحاءَ، وكذا: بزيدٍ وعَمْرٍ (^٣) الصالحَيْن، وبالزيدَيْن الصالحَيْن.
وإن اختَلَفت وجب أمران: التفريقُ، وكونُه بالعطف، وأمرٌ ثالثٌ، وهو كونُه بالواو، نحو:
عَلَى رَبْعَيْنِ مَسْلُوبٍ وَبَالِ (^٤) (^٥)
* قولُه: «غيرِ واحدٍ» يشمل الاثنين فصاعدًا، ويشمل ما كان لفظًا واحدًا، أو لفظين فأكثرَ بالعطف، نحو: جاء الزيدان الفاضلُ والجاهلان (^٦)، وجاء زيدٌ وعمرٌو الفاضلُ والجاهلُ، وكذا في أكثر [من] (^٧) الاثنين، فما كان يُغْنِيه هنا أن يقول: ونعتُ المثنى والمجموع (^٨).
* قولُه: «إذا اختَلَف»: أي: اختلافًا يمنع من التثنية والجمع، وهو الاختلاف في
_________________
(١) الحاشية في: ١٠٢، ونقلها ياسين في حاشية الألفية ٢/ ٢٠.
(٢) كذا في المخطوطة، والصواب: المنعوت.
(٣) كذا في المخطوطة، وهو وجه في "عَمْرو" أجازه المبرد وغيره، بشرط ضبطه بالشكل؛ تمييزًا له عن "عُمَر". ينظر: كتاب الخط لابن السراج ١٢٥، وعمدة الكتاب ١٦٤.
(٤) عجز بيت من الوافر، لابن ميَّادة، تقدَّم قريبًا.
(٥) الحاشية في: ١٠٢.
(٦) كذا في المخطوطة، وكان كتبها أوَّلًا على الصواب: والجاهل، ثم أضاف لها الألف والنون.
(٧) ما بين المعقوفين ليس في المخطوطة، والسياق يقتضيه.
(٨) الحاشية في: ١٠٢.
[ ٢ / ٩٧٨ ]
اللفظ باتفاقٍ، وفي المعنى على رأيٍ (^١).
* قولُه: «فعاطِفًا» إشارةٌ إلى أنه لا يصحُّ: جاء الزيدان الفاضلُ والجاهلُ، ويجب أن يُعيد العطف بالواو، كما في: بَنُوكَ شاعرٌ وكاتبٌ وفقيهٌ؛ وذلك لأن الإخبار بمفردٍ عن متعدِّدٍ باعتبار مفرداتِه كان ينبغي ألا يجوز؛ لعدم التطابُق لفظًا، ولكنَّ واوَ الجمع تُنزِّل المتعاطفَيْن منزلةَ كلمةٍ واحدةٍ؛ أَلَا ترى أن التثنية والجمع يَنُوبان عن العطف بالواو فقط؟ فتأمَّلْه.
فإن قلت: قولُه: «نعتُ» مفردٌ، والضميرُ في: «اختَلَف» مفردٌ، وأنت تقول: القومُ اختَلَفوا، أَوَتقول: زيدٌ اختَلَف؟
قلت: هو -وإن كان مفردًا- إلا أنه واقعٌ على الاثنين فصاعدًا (^٢).
ونعتَ معمولي وحيدي معنى وعملٍ أتبع بغير استِثنا
(خ ١)
* الكلامُ في أنَّك هل تُثنِّي وتجمعُ النعوتَ، أو تفردُها؟ لا في إعراب مسألة العوامل، للفصل (^٣) من (^٤) (^٥).
* قولُه: «بغير استِثْنَا»: قال الشَّلَوْبِينُ في "حَوَاشِيه" (^٦): فإن كان العاملان متَّفقَيْ الجنسِ؛ فإنَّ س (^٧) يجيز من ذلك إتباعَ صفةِ المرتفعَيْن من جهةٍ واحدةٍ، كالمرتفعَيْن بالفعل، كـ: انطلق عبدُالله وجاء أخوك الصالحان، ولم يَحْكِ في النصب شيئًا، ومَنَعَه في
_________________
(١) الحاشية في: ١٠٢.
(٢) الحاشية في: ١٠٢.
(٣) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٤) موضع النقط مقدار كلمة انقطعت في المخطوطة.
(٥) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٦) حواشي المفصل ٣٨٥.
(٧) الكتاب ٢/ ٦٠.
[ ٢ / ٩٧٩ ]
الخفض (^١).
(خ ٢)
* ع: إذا كان النعت كلمةً واحدةً والمنعوتُ أكثرَ من كلمةٍ، وعاملُه كذلك؛ فلا يخلو هذا العاملُ المتعدِّدُ من أن يختلف معنًى وعملًا، أو معنًى لا عملًا، أو العكس، فيجب القطع، أو يتَّحد فيهما، فيجوز القطع والإتباع (^٢).
* قولُه: «نَعْتَ» مفعولٌ مقدَّمٌ، عاملُه: «أَتْبِعْ»، و: «أَتْبِعْ» أمرٌ للإباحة لا للإيجاب، و: «وَحِيدَيْ» صفةٌ لمحذوفٍ، أي: عاملَيْن وَحِيدَيْ، وفيه نقصٌ؛ لأنه لا يختصُّ بالاثنين، وضعفٌ في الاستعمال، بل فسادٌ؛ لأن "وَحِيدًا" لم يثبُتْ بمعنى: متَّحدٍ، بل بمعنى: فريدٍ (^٣).
وفُهِمَ أن ما فَقَدَ الاتحادَ من الطرفين أو من أحدهما فلا يباح فيه الإتباعُ، فالمفهومُ أوسعُ من المنطوق، وأعمُّ فائدةً (^٤).
* ع: نظيرُ هذه: أنه (^٥) قال في مثل: قام قام زيدٌ، و:
أَتَاكِ أَتَاكِ اللَاحِقُونَ (^٦):
إن شئت قدَّرت العملَ لهما؛ لأنهما -باستوائهما لفظًا ومعنًى- ككلمةٍ واحدةٍ، وإن شئت قدَّرت العملَ للأول، وقدَّرت الثانيَ لمجرَّد التوكيدِ، منزَّلًا منزلةَ الحروف الزائدة، ذَكَر
_________________
(١) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٢) الحاشية في: ١٠٢.
(٣) ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ١٢٥، ١٢٦.
(٤) الحاشية في: ١٠٢.
(٥) أي: ابن مالك، كما سيأتي في آخر الحاشية.
(٦) بعض بيت من الطويل، لم أقف له على نسبة، وهو بتمامه: فأين إلى أين النَّجَاءُ ببغلتي؟ أتاكِ أتاكِ اللاحقون احْبِسِ احْبِس النَّجَاء: الإسراع. ينظر: الخصائص ٣/ ١٠٥، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٧٢، وتوجيه اللمع ٢٦٧، والتذييل والتكميل ٧/ ٦٨، والمقاصد النحوية ٣/ ١٠١٤، وخزانة الأدب ٥/ ١٥٨.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
الوجهين الناظمُ في "شرحه التَّسْهيلَ" (^١) (^٢).
وإن نعوتٌ كثرث (^٣) وقد تلت مفتقرا لذكرهن أُتبِعت
(خ ١)
* قال س (^٤): واعلمْ أنه ليس كلُّ موضعٍ يجوز فيه التعظيمُ، فممَّا لا يجوز فيه ذلك: أن تذكر رجلًا ليس بنبيهٍ عند الناس، ولا معروفٍ بالتعظيم، ثم تعظِّمُه كما تُعظِّم النبيهَ، وذلك قولُك: مررت بعبدالله الصالحِ، فإن قلت: مررت بقومك الكرامِ الصالحين، ثم قلت: المُطْعِمِين في المَحْل (^٥)؛ جاز؛ لأنه إذا وَصَفهم صار بمنزلة مَنْ قد عُرف منه ذلك، وجاز له أن يجعلهم كأنَّهم قد عُلِموا.
وقد يجوز أن تقول: مررت بقومك الكرامَ، إذا جعلت المخاطَب كأنَّه قد عَرَفهم، كما قال: مررت برجلٍ زيدٌ، فنزَّله منزلةَ مَنْ قال لك: من هو؟ وإن لم يَتَكلَّمْ به، فكذلك هذا، نزَّلَه هذه المنزلةَ، وإن لم يَعرفْهم (^٦).
* قال كاتبُه ابنُ هِشَامٍ غفر الله تعالى له: ظَهَر لي بعدُ -والحمدُ لله- وجهُ صحةِ كلام أبي الحَسَن الأَخْفَش (^٧)، على ما نَقَل عنه الخَضْراويُّ (^٨) في الحاشية -تَرَاها (^٩) - رحمهم الله تعالى أجمعين، وذلك أن العرب أجازت الربط بالمعنى في الصفة دون الفعل، فقالوا: مررت برجلٍ عاقلةٍ أمُّه لبيبةٍ، و: عاقلٍ أبوه
_________________
(١) ٢/ ١٦٥.
(٢) الحاشية في: ١٠٢.
(٣) كذا في المخطوطة، والصواب: كثرت.
(٤) الكتاب ٢/ ٦٩، ٧٠.
(٥) هو الشدَّة والجَدْب وانقطاع المطر. ينظر: القاموس المحيط (م ح ل) ٢/ ١٣٩٥.
(٦) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٧) سيأتي قريبًا.
(٨) لم أقف على كلامه.
(٩) رمز تحتها بدائرةٍ فارغة «٥»، وبمثلها عند كلام ابن عصفور الآتي؛ إشارةً إلى الربط بينهما، وكانا كُتِبا منفصلين.
[ ٢ / ٩٨١ ]
فَطِنٍ، وفي الفعل يقولون: عَقَلَ أبوه فَطِنَ هو، ولم يقولوا: عَقَلَتْ أمُّه فَطِنَت؛ إلا بـ"هي"، ولا قالوا أيضًا: عَقَلَ أبوه فَطِنَ؛ إلا بذكر "هو"، فالحاصلُ: أنه إذا اتَّضح المعنى ربطوا بالمعنى في الصفة دون الفعل، وإن لم يتَّضح ربطوا في الفعل والوصف بالضمير، ومسائلُ الأَخْفَش مبنيَّةٌ على ذلك.
فهذا حكم الصفتين المكرَّرتين، وهو خاص بالتكرار، والنحاةُ أغفلوا تحقيقَ هذا، وأنت تسمع من كلام العرب الربطَ بالمعنى في الصفة المكرَّرةِ، ولا تجده في الفعل أَلْبَتَّةَ.
ع: رأيت بعدُ لابن عُصْفُورٍ كلامًا يقوِّي ما قلتُه: قال في "شرح الأَبْيات" (^١) بعد أن أجاز في:
مَمْطُولٌ مُعَنًّى غَرِيمُهَا (^٢)
أن ترفع (^٣) الغريمَ بـ"ممطول"، وفي "مُعَنًّى" ضميرُه، وقال: وارتباطُه به معنًى (^٤) لا لفظٌ؛ لأن الضمير فيه لَمَّا عاد على ما أُضيف إلى ضمير المتكلم (^٥) صار كأنَّه قال: مُعَنًّى غريمُها، ولا يرتفع "غريمُها" بـ"مُعَنًّى"، وفي "مَمْطول" ضمير الغريم، ويكون رَبَطَ بالمعنى لا باللفظ؛ لأن ارتباط الخبر بالمبتدأ معنًى لا لفظًا غيرُ قياس، وإنما سمع في الثاني.
قال أبو الحَسَن في "الكَبِير" (^٦): لا يجوز عندي في القياس: مررت برجلٍ قاما وقعدا أبواه؛ لأني إنما سمعت هذا في المؤخَّر، نحو: برجلٍ حَسَنٍ أبواه جميلَيْن، فلا يقاس عليه. انتهى.
_________________
(١) لم أقف عليه في مطبوعة "المفتاح في شرح أبيات الإيضاح"، ولعله مما فقد منه.
(٢) بعض بيت من الطويل، لكُثَيِّر عَزَّة، وهو بتمامه: قَضَى كلُّ ذي دينٍ فوفَّى غَرِيمَه وعَزَّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غَرِيمها غَرِيم: مَنْ عليه دين، ومَمْطول: مُسَوَّفٌ به، ومُعَنًّى: مأسور. ينظر: الديوان ١٤٣، والشعر والشعراء ١/ ٥٠١، والبصريات ١/ ٥٢٤، والإنصاف ١/ ٧٦، وشرح التسهيل ٢/ ١٦٦، والتذييل والتكميل ٧/ ٧١، والمقاصد النحوية ٣/ ١٠١٠.
(٣) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٤) مكررة في المخطوطة.
(٥) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٦) لم أقف على كلامه، وينظر: التذييل والتكميل ٤/ ٣٥، ٣٦، وارتشاف الضرب ٣/ ١١١٢.
[ ٢ / ٩٨٢ ]
وأيضًا س (^١) أجاز: برجلٍ عاقلةٍ أمُّه لبيبةٍ، ومنع: برجلٍ لبيبةٍ عاقلةٍ أمُّه، بإضمار الأم في "لبيبة" (^٢).
(خ ٢)
* إذا كان للاسم نعوتٌ فله ثلاثُ حالاتٍ:
أحدها (^٣): أن لا يُفهم إلا بمجموعها، وهي الحالة التي بدأ بها الناظمُ، ومثالُها: أن يكون عندنا ثلاث (^٤) زيودٍ: شاعرٌ وكاتبٌ لا فقيهٌ، وشاعرٌ فقيهٌ لا كاتبٌ، وشاعرٌ كاتبٌ فقيهٌ، فإذا أخبرنا عن الثالث، وأردنا أن نميِّزه من الزيدَيْن الآخرَيْن ذكرنا الصفاتِ الثلاثِ تابعةً؛ وذلك لأنه لَمَّا كان المعنى لا يتضحُ إلا بمجموع المنعوتِ ونعوتِه تنزَّلت كلُّها منزلةَ كلمةٍ واحدةٍ، فاستحقَّت إعرابًا واحدًا، وأن لا يُخالَفَ بينها.
الحالة الثانية: أن يكون مفهومًا بدونها، وذلك إذا لم يكن مَعَنا إلا زيدٌ واحدٌ، فهذا يَتَخيَّر فيه المتكلمُ، فإن شاء أَتْبع الجميعَ، وإن شاء قطع الجميعَ، وإن شاء أَتْبع بعضًا وقطع بعضًا، إلا أنه إذا جمع بين القطع والإتباع وجب تقديم الإتباع وتأخيرُ القطع.
الحالة الثالثة: أن يكون النعوت (^٥) يَتَوقَّف معرفتُه على بعض تلك النعوت دون بعضٍ، كما إذا كان مَعَنا زيدان: أحدهما شاعرٌ كاتبٌ، والآخرُ كذلك وفقيهٌ، وأردنا الثانيَ، فيجب علينا تقديمُ النعت الذي به التمييزُ، وأن نُتْبِعَه، ويجوز فيما عداه ثلاثةُ أوجهٍ.
وهذه الأنواعُ الثلاثةُ تُفهَم من كلام الناظم، أما الأول فمن قوله: «وإِنْ نعوتٌ» البيتَ، وأما الثاني فمن قوله: «واقْطَعْ أوَ اتْبِعْ» البيتَ، وأما الثالث فمن مجموع
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٥١.
(٢) الحاشية في: ٣١/أ.
(٣) كذا في المخطوطة، والوجه: إحداها.
(٤) كذا في المخطوطة، والوجه: ثلاثة.
(٥) كذا في المخطوطة، والصواب: المنعوت.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
البيتين؛ لأن الذي لا يتميَّز إلا به هو الذي نصَّ على جواز إتباعِه وقَطْعِه والجمعِ فيه بين القطع والإتباع (^١).
* قولُه: «كَثُرَتْ» تجوَّزَ به عن: تعدَّدت.
فإن قيل: وهذا حكمُ النعت الواحد أيضًا؛ فما وجهُ ذكرِ الكثرة أو التعدُّد؟
قلت: الكلامُ في مسألةٍ يُتَصوَّرُ فيها جوازُ قطعٍ ووجوبُ إتباعٍ وجوازُ الجمعِ بينهما، وذلك لا يَتَأتَّى في النعت الواحد.
فإن قلت: فما بالُه لم يَنُصَّ على جواز القطع في النعت الواحد؟
قلت: يؤخذ بالقياس على ما ذكرنا.
فإن قلت: فهلَّا ذَكَر القطعَ في الواحد، وأُخِذ القطعُ فيما فوقَه بالقياس على ما ذَكَر في الواحد؟
قلت: قد ذكرتُ أنه أراد أن يَذكر مسألةَ ثلاثةِ أوجهٍ، فلو ذَكر مسألةَ النعت الواحد لم يُغْنِه ذلك عن ذكر مسألة النعوت، بخلاف العكس، وأيضًا فالقطعُ مع تعدُّد النعوت أكثرُ منه مع انفرادها، فكان تخصيصُ ما يجوز القطعُ فيه بكثرةٍ بالذكر أَوْلى؛ من حيث إنَّ الحكم فيه أقوى، وأيضًا فلو فُرِض تساوي الطريقتين، وأنَّ هذه التي سَلَكها لا مُرجِّحَ لها؛ فالسؤالُ فاسدٌ؛ لأنه يدورُ؛ إذ لو عُكِس لقيل ذلك، فعلى المعترض أن يبيِّن وجهَ ترجيحِ هذه الطريق التي ذكرها.
وقولُه: «أُتْبِعَتْ»: أي: وجوبًا، وفُهِم ذلك من الاقتصار عليه (^٢).
واقطع أو اتبع إن يكن معينا بدونها أو بعضها اقطَعْ معْلِنا
(خ ١)
* ع: مِنْ قطع النعوت دون تكرارٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (^٣) في قراءة
_________________
(١) الحاشية في: ١٠٣.
(٢) الحاشية في: ١٠٣.
(٣) المسد ٤.
[ ٢ / ٩٨٤ ]
مَنْ نَصَب (^١)، وأما مَنْ رفع (^٢) فهي صفة مُتبَعةٌ لا خبرٌ؛ لأن المعنى لا يصح؛ لأنه ليس المقصود الإخبارَ عن امرأته بأنها حمالة الحطب، بل بأن في جيدها حبلًا، بدليلِ القراءةِ الأخرى (^٣) (^٤).
(خ ٢)
* قولُه: «واقْطَعْ أوَ اتْبِعْ» كلامٌ مفهومٌ [من] (^٥) البيت الأول؛ فإن مفهومه: أنه إذا لم يكن متوقِّفَ البيانِ عليها لا يجب القطع.
ويجب هذا (^٦) ثلاثةُ أمورٍ: أن يُتبِع الجميعَ، أو يَقطَعَ، أو يُتبِعَ بعضًا ويَقطَعَ بعضًا (^٧).
* النعتُ كالخبر والحال، فكما يكونان متعدِّدَيْن كذلك يكون النعتُ متعدِّدًا، وكما يكون تعدُّدُهما بالعطف وبغيره، كذلك يكون تعدُّدُه بهما.
فمثالُ تعدُّدِ الخبر بالعطف: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (^٨)، ومثالُ تعدُّدِه من غير عطفٍ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (^٩).
ومثالُ الأول في الحال: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ الآيةَ (^١٠)، ومثالُ الثاني فيه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ
_________________
(١) هي قراءة عاصم. ينظر: السبعة ٧٠٠، والإقناع ٢/ ٨١٥.
(٢) هي قراءة السبعة إلا عاصمًا. ينظر: السبعة ٧٠٠، والإقناع ٢/ ٨١٥.
(٣) انقطعت في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٤) الحاشية في: ٢٢/ب.
(٥) ما بين المعقوفين ليس في المخطوطة، والسياق يقتضيه.
(٦) كذا في المخطوطة، ولعل الصواب: هنا.
(٧) الحاشية في: ١٠٣.
(٨) الأنعام ٣٩.
(٩) البروج ١٤، ١٥.
(١٠) آل عمران ٣٩، وتمامها: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
مُتَقَابِلِينَ﴾ (^١).
ومثالُ الأول في النعت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي﴾ الآيةَ (^٢)، ومثالُ الثاني: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيةَ (^٣).
فإذا تعدَّدت النعوت؛ فتارةً لا يكون معلومًا إلا بمجموعها، وتارةً يكون معلومًا بدونها (^٤)، وتارةً يكون معلومًا بالبعض دون البعض، فالأول يجب فيه إتباع الجميع، والثاني يجوز فيه إتباع الجميع وقطعُ الجميع وإتباعُ بعضٍ وقطعُ بعضٍ، والثاني (^٥) يجب فيه إتباع ما تتوقَّف معرفتُه عليه، ويجوز فيما عداه الأوجهُ الثلاثةُ.
قال ابنُه (^٦) ما معناه: تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ الشاعرِ الكاتبِ، فيجوز فيه الأوجهُ الثلاثةُ، ولك أن تجمع في القطع بين الرفع والنصب، وتقول: مررت برجلٍ فاضلٍ شاعر كاتب، فيجب إتباع الأول؛ لأن النكرة غيرُ غَنِيةٍ عن التخصيص، ويجوز فيما عداه الأوجهُ الثلاثةُ، قال (^٧):
_________________
(١) الحجر ٤٧.
(٢) الأعلى ١ - ٤، وتمام الأخيرة: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾.
(٣) القلم ١٠، وبعدها: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾.
(٤) قوله: «وتارةً يكون معلومًا بدونها» مكرر في المخطوطة.
(٥) كذا في المخطوطة، والصواب: والثالث.
(٦) شرح الألفية ٣٥٥.
(٧) هو أمية بن أبي عائذ الهُذلي.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
وَيَأْوِي إِلَى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وَشُعْثًا (^١)
فأَتْبع الأولَ، وقطع الثانيَ.
وقال (^٢) في قوله: «أو بعضها اقْطَعْ»: أي: وإن يكن مغنيًا (^٣) ببعضها اقطعْ ما سواه. هذا نصُّه (^٤).
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
(خ ١)
* قالوا: الحمدُ لله أهلَ الحمد، قال س (^٥): وسمعنا بعض العرب يقول: الحمدُ لله ربَّ العالمين، فسألنا عنها يُونُسَ، فزعم أنها عربية.
ومنه في الذم: قولُه (^٦):
وَكُلُّ قَوْمٍ أَطَاعُوا أَمْرَ سَيِّدِهِمْ إِلَّا قريشا (^٧) أَطَاعَتْ أَمْرَ غَاوِيهَا
الظَّاعِنُونَ وَلَمَّا يُظْعِنُوا أَحَدًا وَالقَائِلُونَ: لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا (^٨)
_________________
(١) بعض بيت من المتقارب، وهو بتمامه: ويأوي إلى نسوةٍ عُطَّلٍ وشُعْثًا مَراضيعَ مثلَ السَّعَالِي عُطَّل: خوالٍ من الحُلِيّ، وشُعْث: مغبرَّات الرؤوس. ينظر: الكتاب ١/ ٣٩٩، ٢/ ٦٦، وديوان الهذليين ٢/ ١٨٤، والمخصص ٥/ ٨٩، وشرح التسهيل ٣/ ٣١٨، والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٥٦، وخزانة الأدب ٢/ ٤٢٦.
(٢) شرح الألفية ٣٥٥.
(٣) كذا في المخطوطة، والصواب ما في متن الألفية وشرح ابن الناظم: مُعَيَّنًا.
(٤) الحاشية في: ١٠٣.
(٥) الكتاب ٢/ ٦٣.
(٦) هو مالك بن خيَّاط العُكْلي.
(٧) كذا في المخطوطة، والصواب ما في مصادر البيت: نُمَيرًا.
(٨) بيتان من البسيط، تقدَّم أولهما في باب إعمال اسم الفاعل. ولَمَّا يُظْعِنوا: إذا ساروا لم يتبعهم حليف. ينظر: مجاز القرآن ١/ ١٧٣، ومعاني القرآن وإعرابه ١/ ٤٤، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ٢/ ٣٨، والإنصاف ٢/ ٣٨٤، وخزانة الأدب ٥/ ٤٢.
[ ٢ / ٩٨٧ ]
قال س (^١): وإن شئت قطعت فابتدأت، وإن شئت أَتْبعت، قال الأَخْطَلُ في الابتداء:
نَفْسِي فِدَاءُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ إِذَا أَبْدَى النَّوَاجِذَ يَوْمٌ بَاسِلٌ ذَكَرُ
الخَائِضُ الغَمْرَ وَالمَيْمُونُ طَائِرُهُ خَلِيفَةُ اللهِ يُسْتَسْقَى بِهِ المَطَرُ (^٢)
وقال (^٣) أيضًا: وزعم يُونُسُ أن القطع والابتداء في الترحُّم خطأٌ.
ومِنَ القطع: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ﴾ (^٤)، وقولُه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ (^٥).
س (^٦): وأما يُونُسُ فيقول: مررت به المسكينَ، على قوله: مررت به مسكينًا، وهذا لا يجوز، ولكنَّك إن شئت حملته على أحسنَ من هذا، كأنَّك قلت: لقيت المسكينَ، ودلَّ عليه: مررت (^٧).
* ش (^٨): زعم س والخَلِيلُ (^٩) أنك تقول: مررت به المسكينِ، على البدل لا على الصفة؛ لأن المضمر لا يوصف.
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٦٢.
(٢) بيتان من البسيط. النواجذ: أقصى الأضراس، وباسل: شديد، وذَكَر: ليس فيه إلا الجِدُّ والعمل، والغَمْر: الماء الكثير، والميمون طائره: يُتفاءل به. ينظر: الديوان ١٤٧، ١٤٨، والأغاني ٨/ ٤٢٩، ١١/ ٤٤، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ١/ ٣٢٧، ولسان العرب (ج ش ر) ٤/ ١٣٨، والتذييل والتكميل ٣/ ٣١٤.
(٣) الكتاب ٢/ ٧٧.
(٤) النساء ١٦٢.
(٥) البقرة ١٧٧.
(٦) الكتاب ٢/ ٧٦.
(٧) الحاشية في: ٢٣/أ.
(٨) حواشي المفصل ١٤٩، ١٥٠.
(٩) الكتاب ٢/ ٧٥.
[ ٢ / ٩٨٨ ]
قال س: قال الخَلِيلُ: وإن شئت رفعت "المسكين" و"البائس" (^١) من وجهين:
أحدهما: أن يكون على تقدير السؤال، كأنه قيل: من هو؟
والثاني: أن يكون على تقدير: المسكينُ مررت به، ودلَّ عليه قوله: مررت به.
فالحاصلُ: أن في "المسكين" ثلاثةَ أوجهٍ.
فإن قلت: مررت بي المسكين؛ فلا يجوز فيه الجرُّ؛ لأن البدل هنا لا يجوز، نصَّ عليه س (^٢) (^٣).
(خ ٢)
* المَعَرِّيُّ:
فَدُونَكُمُ خَفْضَ الحَيَاةِ فَإِنَّنَا نَصَبْنَا المَطَايَا بِالفَلَاةِ عَلَى القَطْع
فَلَيْتَ قِلَاصًا مِلْعِرَاقِ خَلَعْنَنِي جُعِلْنَ -وَلْم يَفْعَلْنَ ذَاكَ- مِنَ الخَلْعِ (^٤)
أي: ليت قلاصًا خَلَعْنني من العراق جُعِلْن من الخَلْع، أي: من اللحم الذي يتَّخذُه المسافرون في مَزَاوِدهم (^٥)، ولم يفعلن ما فعلْنَ من خَلْعي من العراق (^٦).
وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يَقِل
_________________
(١) في قول الشاعر: فلا تَلُمْهُ أنْ ينامَ البائسَا وهو بيت من مشطور الرجز، لم أقف له على نسبة. ينظر: الكتاب ٢/ ٧٥، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٨٩، وشرح جمل الزجاجي ٢/ ١٢، والتذييل والتكميل ٢/ ٢٦٨، ومغني اللبيب ٥٩٣.
(٢) الكتاب ٢/ ٧٦.
(٣) الحاشية في: ٢٣/أ.
(٤) بيتان من الطويل. خفض الحياة: لِينها، ومِلْعراق: من العراق، وخَلَعْنني: أخرجنني. الشاهد: ما في البيتين من الإلغاز بذكر الخفض والنصب على القطع. ينظر: سقط الزند ٢٤٠، وشروحه ٣/ ١٣٦٥.
(٥) ينظر: جمهرة اللغة ١/ ٦١٣، وتهذيب اللغة ١/ ١١٤.
(٦) الحاشية في: ١٠٣.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
(خ ١)
* قولُه: «وما مِنَ المنعوت عُقِلْ يجوز حَذْفُه»: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (^١)، ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ (^٢)، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (^٣)، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (^٤)، ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ (^٥).
وإن لم يُعلم لم يُحذف، نحو: رأيت متحرِّكًا، قال في "شرح العُمْدة" (^٦): إلا أن يُقصد الإبهامُ.
ويَرِدُ على النَّظْم: أن النعت إذا كان جملةً لا يُقام مُقامَ المنعوت وإن عُلِم؛ إلا أن يكون بعضًا لمذكورٍ قبلَه مسبوقٍ بنفيٍ مجرورٍ بـ"مِنْ"، نحو: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ﴾ (^٧)، وقولِ الشاعر (^٨):
وَمَا مِنْهُمُ إِلَّا يَقُولُ وَيَفْعَلُ (^٩)
وقولِه (^١٠):
_________________
(١) سبأ ١١.
(٢) الصافات ٤٨، وص ٥٢.
(٣) فاطر ٣٢.
(٤) المؤمنون ٥١، وسبأ ١١.
(٥) التوبة ٨٢.
(٦) شرح عمدة الحافظ ٢/ ١٣.
(٧) الصافات ١٦٤.
(٨) لم أقف على تسميته.
(٩) عجز بيت من الطويل، وصدره: لهم في سبيل المكرُمات تنافسٌ ينظر: شرح عمدة الحافظ ٢/ ١٣.
(١٠) هو تميم بن أُبيّ بن مقبل العجلاني.
[ ٢ / ٩٩٠ ]
وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغيِ العَيْشَ أَكْدَحُ (^١)
أو بـ"في"، نحو:
لَوْ قُلْتَ: مَا فِي قَوْمِهَا لَمْ تِيثَم
يَفْضُلُهَا فِي حَسَبٍ وَمِيسَمِ (^٢)
أي: وما منهم أحدٌ، فمنهما تارةٌ أموتُ فيها وتارةٌ أخرى أبتغي فيها، و: ما في قومها أحدٌ يفضُلُها.
وفي غير ذلك قليلٌ، نحو:
وَاللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ (^٣)
أي: بليلٍ نامَ فيه، وقولِه (^٤):
جَادَتْ بِكَفَّيْ كَانَ مِنْ أَرْمَى البَشَرْ (^٥)
أي: رجلٍ كان، وقولِ بعضِهم (^٦): واللهِ ما هي بنِعْمَ الولد، وقولِ آخَرَ (^٧):
_________________
(١) بيت من الطويل. ينظر: الديوان ٣٨، والكتاب ٢/ ٣٤٦، والحيوان ٣/ ٢١، والبصريات ٢/ ٨٣٩، والمحكم ٩/ ٥٣٠، وشرح التسهيل ٣/ ٣٢٣، والتذييل والتكميل ١٠/ ٩٨، وخزانة الأدب ٥/ ٥٥.
(٢) بيتان من مشطور الرجز، لأبي الأسود الحِمَّاني. تِيثَم: لغة في: تأثم، ومِيسَم: جَمال. ينظر: الكتاب ٢/ ٣٤٥، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٧١، والألفاظ ١٤٩، والخصائص ٢/ ٣٧٢، والاقتضاب ٣/ ٦٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٦٢، وخزانة الأدب ٥/ ٦٢.
(٣) بيت من مشطور الرجز، لم أقف له على نسبة. ينظر: البصريات ٢/ ٩٠٨، والخصائص ٢/ ٣٦٨، والمحكم ١٠/ ٥٢٤، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٤٠٥، والإنصاف ١/ ٩٢، وشرح جمل الزجاجي ١/ ٢٢٠، والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٠٤.
(٤) لم أقف له على نسبة.
(٥) بيت من مشطور الرجز، تقدَّم في باب "كان" وأخواتها.
(٦) هو أعرابيٌّ قاله لَمَّا بُشِّر ببنتٍ، رواه الفراء. ينظر: أمالي ابن الشجري ٢/ ٤٠٥.
(٧) هو الكُمَيت بن زيد الأسدي.
[ ٢ / ٩٩١ ]
لَكُمْ مَسْجِدَا اللهِ المَزُورَانِ وَالحَصَى لَكُمْ قِبْصُهُ مِنْ بَيْنِ أَثْرَى وَأَقْتَرَا (^١)
أي: من بين إنسانٍ أَثْرى وآخَرَ أَقْتَرَ (^٢).
* قال بعضُ النحاة: إنَّ حذف النعت (^٣) على خمسة أقسامٍ (^٤):
ممتنعٌ، نحو: رأيت سريعًا، ولقيت خفيفًا؛ لعدم الاختصاص بنوع واحد.
وجائزٌ قويٌّ، نحو: ركبت صاهلًا، وأكلت طيِّبًا؛ لاختصاص العامل بنوع من الأسماء، ومجيءِ الصفة مختصةً بذلك النوعِ، ونحوُه: أقمت طويلًا، وسرت سريعًا؛ لأن الفعل يدل على المصدر والزمان، ومنها: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (^٥)؛ لدلالة "الذُّرِّيَّة" على الموصوف بالصفة.
وقبيحُ الذكر؛ لكونه حشوًا، وذلك كقولك: أكرمِ العالمَ، أو: الشيخَ، وارفُقْ (^٦) / بالضعيف؛ لتعلُّق الأحكام بالصفة، واعتقادِها (^٧) عليه، ومنه: مؤمنٌ خيرٌ من كافرٍ، و: غنيٌّ أَحْظى من فقيرٍ، و: المؤمنُ لا يفعلُ كذا، و: لعنة الله على الظالمين، و: «الكافرُ يأكل في سبعة أمعاءٍ» (^٨)، وقولُهم في الشِّعْر:
_________________
(١) بيت من الطويل. مسجدا الله: البيت الحرام بمكة، ومسجد النبي ﷺ بالمدينة، والحصى والقِبْص: العدد الكثير من الناس، وأثرى: كثُر ماله، وأقتر: افتقر. ينظر: الديوان ١٥٥، وإصلاح المنطق ٢٧٩، والمعاني الكبير ١/ ٥٢٧، والمحكم ٦/ ٣٢٨، والإنصاف ٢/ ٥٩٢، وضرائر الشعر ١٧٢، وشرح التسهيل ٣/ ١٩، والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٧٣.
(٢) الحاشية في: وجه الورقة الثانية الملحقة بين ٢٣/ب و٢٤/أ.
(٣) كذا في المخطوطة، والصواب: المنعوت.
(٤) سقط منها هنا القسم الثاني، وهو في حواشي الشلوبين المنقول منها: نعتٌ يقبح حذف منعوته، وهو مع ذلك جائز، كقولك: لقيت ضاحكًا، ورأيت صاهلًا، وإنما جاز لاختصاص الصفة بنوع واحد.
(٥) الصافات ١١٣.
(٦) مكررة في المخطوطة.
(٧) كذا في المخطوطة، وهي في حواشي المفصل: واعتمادها.
(٨) بعض حديث أخرجه البخاري ٥٣٩٣ ومسلم ٢٠٦٠ من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
وَأَبْيَضَ كَالمِخْرَاقِ (^١)
وَأَسْمَرَ خَطِّيٍّ (^٢)
ع: (^٣) ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ (^٤)، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ﴾ (^٥)، ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٦) (^٧).
ونعتٌ لا يجوز ذكرُ موصوفِه، كـ: دابَّةٍ، وأَبْطح، وأَبْرق، وأَجْرع، للمكان، وأَسْود، للحيَّة، وأَدْهم، للقَيْد، وأَخْيل، لطائرٍ؛ أَلَا تراهم لا يصرفونها؛ لأنها صفاتٌ، ويقولون في مؤنثها: فَعْلاءُ؟ ولكنَّهم لا يُجرونها مُجرى الصفات. من "حواشي" (^٨) الشَّلَوْبِين (^٩).
* قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: كان ابنُ عبَّاسٍ يقرأ (^١٠): ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ﴾ (^١١).
_________________
(١) بعض بيت من الطويل، لامرئ القيس، وهو بتمامه: وأبيضَ كالمِخْراق بَلَّيتُ حدَّه وَهَبَّتَه في السَّاق والقَصَرات المِخْراق: حربة قصيرة ذات سن طويل، وبلَّيت: اختبرت، وحدَّه: نفاذه، وهبَّته: سرعة مضيِّه، والقَصَرات: أصول الأعناق. ينظر: الديوان ٨٢، وتهذيب اللغة ٧/ ١٥.
(٢) ورد هذا في أبياتٍ، منها: قول ربيعة بن مَقْرُوم الضبي من الطويل: وأسمرَ خَطِّيٍّ كأنَّ سنانَه شهابُ غضًى شيَّعْتُه فتلهَّبا خَطِّيّ: رمح منسوب إلى الخَطِّ، وهو موضع، وشيَّعته: ألهبته. ينظر: المفضليات ٣٧٦، والأصمعيات ٢٢٤، والمقاصد النحوية ٣/ ١١٨٣.
(٣) موضع النقط مقدار أربع كلمات أو خمس انقطعت في المخطوطة.
(٤) غافر ٢٨.
(٥) البقرة ٢٢١.
(٦) المؤمنون ٢٨، والقصص ٢١، ٢٥، والتحريم ١١.
(٧) انتهى هنا تعليق ابن هشام على الكلام المنقول.
(٨) حواشي المفصل ٣٩٦ - ٣٩٨. وينظر: نتائج الفكر ١٦٤ - ١٦٦.
(٩) الحاشية في: ٢٣/أ مع ٢٢/ب.
(١٠) ينظر: النشر ١/ ١٤. والقراءة أخرجها البخاري ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٧ ومسلم ٢٣٨٠.
(١١) الكهف ٧٩.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
ع: فقراءةُ غيرِه فيها حذفُ النعت.
ومِنْ حذف المنعوت:
أَنَا ابْنُ جَلَا (^١) ..
خلافًا لابن عُمَرَ (^٢)، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ (^٣)، أي: قولًا حَسَنًا.
وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^٤)، أي: مسؤولًا خبيرًا، فـ"خبيرًا" صفة للمنعوت المحذوف، هذا الأحسنُ؛ لأنك إن جعلت "خبيرًا" حالًا من الفاعل؛ فالخبيرُ يُسْألُ لا يَسْأَل، أو من المفعول؛ فالمسئولُ عنه خبيرٌ أيضًا، فليس للحال كبيرُ فائدةٍ.
فإن قلت: تكون حالًا مؤكِّدةً.
فإنَّ غير ذلك أَوْلى. من "الحُجَّة" (^٥).
ع: كأنَّ أبا عَلِيٍّ رأى الحملَ على غير التأكيد أَوْلى، وأيضًا (^٦) من تسلُّط الفعل (^٧) على "الخبير" أنه محلُّ الفَتْوى، كقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (^٨) (^٩).
* [«وفي النعت يَقِلّ»]: ع: بخلاف حذف المنعوت؛ لأن تابعته تدلُّ
_________________
(١) بعض بيتٍ من الوافر، لسُحَيم بن وَثِيل اليَرْبُوعي، وهو بتمامه: أنا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايا متى أَضَعِ العِمَامةَ تعرفُوني ينظر: الكتاب ٣/ ٢٠٧، وجمهرة اللغة ١/ ٤٩٥، والحلبيات ٢١٧، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٦٧، ومغني اللبيب ٢١٢، ٨١٧، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٣١، وخزانة الأدب ١/ ٢٥٥.
(٢) هو عيسى بن عُمر، ورأيه أن "جَلَا" في البيت فعل ماض سمِّي به فلم ينصرف. ينظر: شرح كتاب سيبويه للسيرافي ١١/ ٢٠٥، وعلل النحو ٤٦٧، وشرح جمل الزجاجي ٢/ ٢٠٦.
(٣) البقرة ٨٣، وهي قراءة حمزة والكسائي. ينظر: السبعة ١٦٣، والإقناع ٢/ ٥٩٩.
(٤) الفرقان ٥٩.
(٥) ٢/ ٢١٤، ٢١٥.
(٦) موضع النقط مقدار كلمتين انطمستا في المخطوطة.
(٧) انطمست في المخطوطة، ولعلها كما أثبت.
(٨) النحل ٤٣، والأنبياء ٧.
(٩) الحاشية في: ٢٣/أ.
[ ٢ / ٩٩٤ ]
على مكانه، وأما النعت فلا تدلُّ عليه قرينةٌ مقاليَّةٌ، فلذلك قَلَّ (^١).
* كَتَب الشَّلَوْبِينُ (^٢): قال س (^٣) في قولهم: سِيرَ عليه ليلٌ: يريدون: سِيرَ عليه ليلٌ طويلٌ (^٤).
(خ ٢)
* لا يُحذف المنعوت إلا بثلاثة شروط (^٥):
أحدها: كونُه مدلولًا عليه، وذلك يكون إما باختصاص النعت به، نحو: رأيت كاتبًا، وأكرمت حاسبًا، وسمعت صاهلًا، وركبت ناهقًا، أو بتقدُّم ذكرِه، نحو: أَلَا ماءً ولو باردًا، أو تقدُّمِ ما يُعَيِّنُه، نحو: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (^٦)، أي: دروعًا سابغاتٍ، أو تأخُّرِه، نحو: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، أي: طعامًا محرَّمًا، بدليلِ: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (^٧)، أو كليهما، نحو: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ﴾ (^٨)، أي: حورٌ قاصراتٌ، ولو قلت: عندي قاصرات لم يَجُزْ، ولكنَّ تقدُّمَ ضميرِ الجنة -وقد استقرَّ في الأذهان أن فيها الحورَ- وتأخُّرَ ذكرِ "الطَّرْفِ" أفادا بيانَ المراد.
ومن الأول: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (^٩)، ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ الآيةَ (^١٠)، إذا قيل بأن ذلك نعتُ مصدرٍ محذوفٍ.
_________________
(١) الحاشية في: ٢٣/أ.
(٢) حواشي المفصل ٣٩٤، ٣٩٨.
(٣) الكتاب ١/ ٢٢٠، ٢٢٦.
(٤) الحاشية في: ٢٣/أ.
(٥) لم يذكر إلا شرطين، وسيأتي التنبيه على ما في هذه الحاشية في أثنائها.
(٦) سبأ ١٠، ١١.
(٧) الأنعام ١٤٥.
(٨) الرحمن ٥٦، وتمامها: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾.
(٩) المؤمنون ٥١، وسبأ ١١.
(١٠) التوبة ٨٢، وتمامها: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
[ ٢ / ٩٩٥ ]
ومتى فُقِد واحدٌ ممَّا ذكرنا لم يَجُزْ، فأما قوله (^١):
وَقُصْرَى شَنِجِ الأَنْسَا ءِ
البيتَ (^٢)
فضرورةٌ؛ لأن شَنَجَ النَّسَا كما يُنعت به بقرُ الوحش كذلك يُنعت به الفرسُ والغزالُ، والمراد هنا: وقُصْرى ثورٍ شَنِجِ الأَنْساء.
وذلك من قِبَلِ أنه أراد: وقُصْرى ثورٍ شَنِجِ الأَنْساء، و"شَنِجُ الأَنْساء" لا يختصُّ ببقر الوحش، بل يكون للفرس والغزال أيضًا (^٣).
وهذا عندي نظيرُ قولِه (^٤):
بَعْدَمَا قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ (^٥)
في باب حذف المضاف.
_________________
(١) هو أبو دُؤَاد الإيادي، وقيل: عقبة بن سابق الهزاني.
(٢) بعض بيت من الهزج، سيشرح ابن هشام ألفاظه في الحاشية التالية، وهو بتمامه: وقُصْرَى شَنِجِ الأَنْسَا ءِ نَبَّاحٍ من الشُّعْب ينظر: ديوان أبي دؤاد ٢٨٨، والأصمعيات ٤١، وأدب الكاتب ١١٧، والمعاني الكبير ١/ ١٤٢، ٢/ ٦٩٥، والحيوان ١/ ٢٣٢، ٥/ ١١٨، وتهذيب اللغة ٥/ ٧٦، ٨/ ٢٨٠، ١٠/ ٢٨٧، والصحاح (ش ع ب) ١/ ١٥٦، (ن ب ح) ١/ ٤٠٩، والاقتضاب ٣/ ١١٤، وضرائر الشعر ١٧٠، وارتشاف الضرب ٤/ ١٩٣٨.
(٣) من قوله: «وذلك من قِبَل» إلى هاهنا ملحق في حاشية المخطوطة، ولعله إعادة صياغة للعبارة المتقدمة.
(٤) هو ذو الرمة.
(٥) بعض بيت من الطويل، وهو بتمامه: عشيَّةَ فرَّ الحارثيُّون بعدما قضى نحبه في ملتقى القوم هَوْبَرُ قضى نحبه: مات، وهَوْبَر: يريد: يزيد بن هَوْبر. ينظر: الديوان ٢/ ٦٤٧، ومجاز القرآن ٢/ ١٣٦، والزاهر ١/ ٣٥٧، وكتاب الشعر ٢/ ٣٥٠، والمحكم ٤/ ٣٠٩، وشرح جمل الزجاجي ٢/ ٥٧٩، وارتشاف الضرب ٤/ ١٨٣٦، وخزانة الأدب ٤/ ٣٧١.
[ ٢ / ٩٩٦ ]
الثاني: أن يكون النعت إما اسمًا مفردًا أو غيرَ مفرد، والمسألة (^١) واحدةٌ من أربعٍ -لِتُحرَّرِ المسألةُ من "شرح الجُمَل" (^٢)
-:
أحدها: أن يكون المنعوت تمييزَ "نِعْمَ" و"بِئْسَ"، نحو: نعم الرجلُ يقومُ زيد، أي: رجلًا يقومُ (^٣).
_________________
(١) أي: الثانية، وهي كون النعت غير مفرد، وذلك الجملة والظرف والمجرور.
(٢) شرح جمل الزجاجي ١/ ٢١٩ - ٢٢١، ٢/ ٥٨٨ - ٥٩٠. وقوله: «لتحرر المسألة من "شرح الجمل"» ملحق في حاشية المخطوطة، فلعله لم يتأتَّ لابن هشام حينئذٍ تحريرُ هذه المسألة. وقد عرض لها ابن عصفور في الموضعين المشار إليهما من شرح الجمل: ففي الموضع الأول -ونحوه في المقرب ٣٠٤، ٣٠٥ - قسمها إلى ما كانت الصفة فيه اسمًا أو ما في تقديره، فإن كانت اسمًا لم تقم مقام الموصوف إلا بشرط تقدُّمِ ذكره، أو كونِ الصفة خاصةً بجنس الموصوف، أو مستعملةً استعمال الأسماء، وإن كانت في تقدير الاسم لم تقم مقامه إلا إن كانت مع "مِنْ"، أو صفةً لتمييز "نِعْمَ"، وما عدا النوعين ضرورة. وفي الموضع الثاني جعل حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ضرورة في ثلاثة مواضع: الأول: صفة "أيّ" المنادى، والثاني: الصفة غير الحقيقية، وهي الجملة والظرف والمجرور، وهو مع حذف الموصوف المرفوع مقيس، ومع غير المرفوع غير مقيس، واستثنى من الضرورة وقوع الصفة مع "مِنْ"، أو صفةً لتمييز "نِعْمَ". والثالث: أن تكون الصفة غير مختصة بجنس الموصوف، أو مستعملةً استعمال الأسماء، أو لم يتقدم ذكر للموصوف. ومما تقدم يعلم أن الأقرب أن يقال في هذه الحاشية: إن حذف المنعوت يكون على نوعين: حذفه وإقامة الصفة المفردة مقامه، وحذفه وإقامة الصفة غير المفردة مقامه، فالأول شرطه أن يكون مدلولًا عليه بواحدة من الصور التي ذكرها ابن هشام في أول الحاشية، والثاني شرطه أن يكون واحدًا من المسائل الأربع التي سيذكرها هنا، وإن كانت الأولى منها هي الرابعة، لكن ابن عصفور يقدر المحذوف تمييزًا منصوبًا، وابن مالك يقدره مخصوصًا مرفوعًا.
(٣) كذا في المخطوطة، ولعل الصواب ما عند ابن عصفور: نعم الرجل يقوم، يريد: رجلًا يقوم. وقد خالفه الفارسي وابن مالك؛ فقدَّرا المحذوف مخصوصًا مرفوعًا، أي: نعم الرجل رجلٌ يقوم. ينظر: البصريات ٢/ ٨٣٨ - ٨٤٢، وشرح التسهيل ٣/ ١٩.
[ ٢ / ٩٩٧ ]
الثانية: أن يكون المنعوت بعضَ ما تقدَّم من مجرور بـ"مِنْ"، نحو: منَّا ظَعَنَ (^١).
الثالثة: أن يكون بعضَ ما تقدَّم من مجرورٍ بـ"في"، نحو: ما فيهم يفعلُ الخيرَ إلا زيدٌ، أي: ما فيهم أحدٌ يفعلُ الخيرَ، قاله ابنُ مالكٍ (^٢)، وأنشد عليه:
لَوْ قُلْتَ: مَا فِي قَوْمِهَا
البيتَ (^٣)، وهذا جَعَلَه [ابنُ] (^٤) عُصْفُورٍ (^٥) ضرورةً.
الرابعة: أن يكون المنعوت مخصوصًا في باب "نِعْمَ" و"بِئْسَ"، قاله ابنُ مالكٍ (^٦)، وجعل منه قولَه (^٧):
لَبِئْسَ المَرْءُ قَدْ مُلِئَ ارْتِيَاعَا وَيَأْبَى أَنْ يُرَاعِيَ مَا يُرَاعَى (^٨)
وقولَه (^٩):
بِئْسَ مَقَامُ الشَّيْخِ: أَمْرِسْ أَمْرِسِ (^١٠)
إلا أنه لم يذكر هذه المسألةَ إلا في باب "نِعْمَ" و"بِئْسَ"، ونصُّه فيها: وقد يُحذف، يعني: المخصوصَ، وتَخلُفُه صفتُه اسمًا أو فعلًا. انتهى.
_________________
(١) بعض قول للعرب، وهو بتمامه: منَّا ظَعَنَ ومنَّا أقام. والمراد: منَّا إنسانٌ أو رجلٌ أو فريقٌ ظَعَنَ، أو: بعضُنا ظَعَنَ، أي: رَحَلَ، ومنَّا إنسانٌ أو رجلٌ أو فريقٌ أقام. ينظر: شرح كتاب سيبويه للسيرافي ٢/ ١٧٨، وضرائر الشعر ١٧٢، ومغني اللبيب ٥١٥، ٦٧٠.
(٢) شرح التسهيل ٣/ ٣٢٣.
(٣) بعض بيت من مشطور الرجز، لأبي الأسود الحِمَّاني، تقدَّم بتمامه قريبًا.
(٤) ما بين المعقوفين ليس في المخطوطة، والسياق يقتضيه.
(٥) شرح جمل الزجاجي ١/ ٢١٩، ٢/ ٥٨٩، وضرائر الشعر ١٧٠.
(٦) شرح التسهيل ٣/ ١٩.
(٧) لم أقف له على نسبة.
(٨) بيت من الوافر، تقدَّم في باب "نعم" وبئس".
(٩) لم أقف له على نسبة.
(١٠) بيت من الوافر، تقدَّم في بابَيْ المعرب والمبني و"نعم" وبئس".
[ ٢ / ٩٩٨ ]
فقيَّدها بالاسم والفعل، فيَخرجُ الظرف والمجرور (^١).
* قولُه:
وقُصْرَى
البيتَ (^٢) لأبي (^٣) دُؤَادٍ (^٤)، والقُصْرى والقُصَيْرى: الضِّلْعُ التي تَلِي الشاكِلةَ، وهي الواهنةُ في أسفل الأضلاع (^٥).
والشَّنِجُ: المنقبض الجلدِ والأَنْساءِ (^٦)، وفرسٌ شَنِجُ النَّسَا: مدحٌ له؛ لأنه حينئذٍ لا تسترخي رجلاه (^٧).
ونَبَحَ الكلبُ والظبيُ، وعلى هذا أنشده الجَوْهَريُّ (^٨)، أعني: على نُبَاح الظبي.
والشُّعْب: بضم الشين المعجمة، وبالعين المهملة، والباءِ ثانية الحروف.
ويُروى: "نَبَّاج" بالجيم، وهو الشديد الصوتِ (^٩)، قال (^١٠):
بِأَسْتَاهِ نَبَّاجِينَ شُنْجِ السَّوَاعِدِ (^١١)
والأَشْعَبُ: الذي بين قرنَيْه بعيدٌ جدًّا، يقال: تَيْسٌ أشعبُ بَيِّنُ الشَّعَب، وعلى
_________________
(١) الحاشية في: ١٠٤.
(٢) تقدَّم في الحاشية السابقة.
(٣) هو جارية بن الحجاج، وقيل: حنظلة بن الشرقي، الإيادي، شاعر جاهلي، وصَّاف للخيل. ينظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٣١، والأغاني ١٦/ ٥١٨.
(٤) وقيل: لعقبة بن سابق الهزاني.
(٥) ينظر: الصحاح (ق ص ر) ٢/ ٧٩٣.
(٦) جمع: النَّسَا، وهو عرق من الوَرِك إلى الكعب. ينظر: القاموس المحيط (ن س ى) ٢/ ١٧٥٣.
(٧) ينظر: الصحاح (ش ن ج) ١/ ٣٢٥، ٣٢٦.
(٨) الصحاح (ن ب ح) ١/ ٤٠٨، ٤٠٩.
(٩) ينظر: الصحاح (ن ب ج) ١/ ٣٤٢.
(١٠) لم أقف له على نسبة.
(١١) شطر بيت من الطويل، لم أقف على تتمته. ينظر: ديوان الأدب ١/ ٣٢٦، والصحاح (ن ب ج) ١/ ٣٤٢.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
هذا أنشده الجَوْهَريُّ (^١) أيضًا، فهو تَيْسٌ لا ثورٌ (^٢).
* مِنْ حذف الموصوف: ﴿جَعَلَهُ (^٣) دَكَّاءَ﴾ (^٤): في "الحُجَّة" (^٥): مِثْلَ دَكَّاءَ، فحذف المضاف، يقال: ناقةٌ دَكَّاءُ، أي: لا سَنَامَ لها (^٦)، ولا بدَّ من تقدير الحذف؛ لأن الجبل مذكر، و"دَكَّاءُ" مؤنث.
ع: فيه حذفُ مضافٍ وموصوفٍ، وهذه الصفة خاصة بالنُّوق؛ وإلا لم يَجُزْ. انتهى.
ويمكن أن يكون حالًا.
ع: مثلُ: بَدَتِ الجاريةُ قَمَرًا (^٧).
وأما مَنْ قرأ: ﴿دَكًّا﴾ (^٨) فبتقدير مضافٍ، أي: ذا دَكٍّ، أو "جَعَلَ" بمعنى: خَلَقَ وعَمِلَ، فكأنه قيل: دَكَّه دَكًّا، فهذا حَمْلٌ على المعنى.
ع: فيه نظرٌ؛ لأن الكلام لم يتمَّ (^٩).
* مِنْ حذف النعت: «اللهمَّ اغفر لي، وارحمني، وأَلْحقني بالرفيق» (^١٠)، وقولُه ﷺ أيضًا: «لم يَبْقَ من مُبشِّرات النبوَّة إلا الرؤيا يراها المسلم، أو تُرى
_________________
(١) الصحاح (ش ع ب) ١/ ١٥٦.
(٢) الحاشية في: ١٠٥.
(٣) في المخطوطة: وجعله، وليست الواو في موضعَيْ الآية الكريمة.
(٤) الأعراف ١٤٣، والكهف ٩٨، وهي قراءة حمزة والكسائي في الموضعين، وقراءة عاصم في الكهف فقط. ينظر: السبعة ٢٩٣، ٤٠٢، والإقناع ٢/ ٦٤٩، ٦٩٣.
(٥) ٥/ ١٨٢، ١٨٣.
(٦) ينظر: جمهرة اللغة ١/ ١٩٣، وتهذيب اللغة ٩/ ٣٢٤، والصحاح (د ك ك) ٤/ ١٥٨٤.
(٧) انتهى هنا تعليق ابن هشام على الكلام المنقول.
(٨) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر في الموضعين، وقراءة عاصم في الأعراف فقط. ينظر: السبعة ٢٩٣، ٤٠٢، والإقناع ٢/ ٦٤٩، ٦٩٣.
(٩) الحاشية في: ١٠٤.
(١٠) حديث نبوي أخرجه البخاري ٤٤٤٠ ومسلم ٢٤٤٤ من حديث عائشة ﵂.
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
له» (^١)، أي: الرؤيا الصالحةُ، وقد ثَبَت من طريقٍ أخرى (^٢) إثباتُ هذه الصفة، فلولا إرادتُها عند عدم ذكرها التناقض (^٣) الحَصْران، وهذا حذفٌ غريبٌ، أعني: حذفَ شيءٍ مقصودٍ بالحصر؛ إذ الحصرُ مانِعٌ من حذف المحصور، ويَحتمل كونَ اللام في "الرؤيايا" (^٤) لعهدٍ ذكريٍّ أو ذهنيٍّ، فلا يَحتاج لحذف الصفة.
ع:
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَد طَّرَقْتُ وَمُرْضِعٍ
البيتَ (^٥)، وقولُه (^٦):
إِذَا جَانِبٌ أَعْيَاكَ فَالْحَقْ بِجَانِبِ (^٧)
أي: بجانبٍ آخَرَ، ومِنْ مُثُل س (^٨): سِيرَ عليه ليلٌ، أي: طويلٌ (^٩).
_________________
(١) حديث نبوي أخرجه مسلم ٤٧٩ (٢٠٨) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجها مسلم ٤٧٩ (٢٠٧) في بعض طرق الحديث المتقدم.
(٣) كذا في المخطوطة، والصواب ما عند ياسين: لَتَنَاقَضَ.
(٤) كذا في المخطوطة، والصواب ما عند ياسين: الرؤيا.
(٥) صدر بيت من الطويل، لامرئ القيس، وعجزه: فأَلْهيتها عن ذي تمائمَ مُحْوِل طرقت: أتيت ليلًا. وسياق البيت في حذف النعت، لكن لم يتبيَّن لي وجه الاستشهاد به على ذلك، وفي قوله: "ومرضعٍ" شاهد على حذف الموصوف؛ لتقدُّم ذكره، والتقدير: ومثلِك مرضعٍ. ينظر: الديوان ١٢، وشرح المفضليات لابن الأنباري ٢٧، والمحكم ١/ ٤٠٦، وشرح التسهيل ٣/ ١٨٨، والتذييل والتكميل ١١/ ٣١٤، والمقاصد النحوية ٣/ ١٢٦٦.
(٦) لم أقف له على نسبة.
(٧) شطر بيت من الطويل، لم أقف له على تتمةٍ، وروي بلفظ: «إن أعياك جانب فالحقْ بجانب»، وهو مَثَلٌ يضرب في الأمر بالارتحال عند نُبُوِّ المنزل. ينظر: المستقصى ١/ ٣٧٢.
(٨) الكتاب ١/ ٢٢٠، ٢٢٦.
(٩) الحاشية في: ١٠٤، ونقل منها ياسين في حاشية الألفية ٢/ ٢٧ حديث الرؤيا فقط.
[ ٢ / ١٠٠١ ]
* في "الخَصَائص" (^١): مِنْ حذف الصفة: حكايةُ "الكِتَاب" (^٢): سهر (^٣) عليه ليلٌ، يريدون: ليلٌ طويلٌ، وكأنَّ ذلك إنما جاز؛ لدلالة الحال عليها، وذلك أنك تُحِسُّ من كلام القائل من التَّطْريح والتَّطْويح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقامَ قولِه: طويلٌ، وأنت تُحِسُّ ذلك من نفسك، وذلك أنك إذا كنت في مدح إنسانٍ، فتقول: كان واللهِ رجلًا، وتزيد في قوة اللفظ بـ"الله"، وتتمكَّن في تمطيط اللام، وإطالةِ الصوت بها (^٤).
_________________
(١) ٢/ ٣٧٢، ٣٧٣.
(٢) ١/ ٢٢٠، ٢٢٦.
(٣) كذا في المخطوطة، والصواب ما في الكتاب والخصائص: سِيرَ.
(٤) الحاشية في: ١٠٤.
[ ٢ / ١٠٠٢ ]