أين الشظاظان وأين المربعه وأين وسْقُ الناقة الجلنفعه
الأبيات التي يسأل عنها على أربعة أضرب بيت فارد وهو الذي ليس بعده شيء ولا قبله وبيت فاتح وهو المبتدأ به وبعده بيت آخر وبيت واسط وهو الذي قبله بيت وبعده بيت وبيت خاتم وهو الذي يكون آخر الأبيات وكل بيت يسأل عنه فأنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون معناه قد كمل فيه وإما أن يكون معناه يكمل في الذى بعده أو الذى قبله أو فيهما جميعًا وإنما قدمت ذلك لأن هذا الشعر الذى سال عنه يتردد في كتب اللغة وهو على ما ذكر ليس قبله شيء ولا بعده وهو بيتان لأن قوله: (أين الشظاظان وأين المرْبعه) بيتٌ (^٢) على رأى النحويين المتقدمين والمتأخرين ألا ترى الذين عدوا شواهد كتاب سيبويه عدُّوا قول العجاج:
قواطنا مكة من ورق الحمي (^٣)
_________________
(١) المسألة السابعة.
(٢) من مشطور الرجز.
(٣) هذا البيت من أرجوزة
[ ١٩٥ ]
بيتًا وكذلك قول الآخر دار لسعدى إِذهِ من هواكا (^١)
وعدوا قول الآخر:
رُب ابن عمّ لسليمى مُشمعل طباخ ساعات الكرى زاد الكسل (^٢)
بيتين وكذلك جميع ما تسميه العرب رجزًا اذا عدَّه أهل العلم بالعربية
_________________
(١) = للعجاج مطلعها يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمي وقد أورده سيبويه ج ١ ص ٨ شاهدًا على أنه يجوز في الشعر حذف ما لا يحذف يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفًا ورواية البت فيه كما هي هنا وفى ديوان العجاج المطبوع أو الفا مكة. قواطن: سواكن والورق جمع أورق وهي ما كان على لون الرماد والحمي أراد به الحمام وللأعلم الشنتمري كلام في توجيه الحذف فراجعه في كتاب سيبويه ١ - ٨.
(٢) وهذا البيت أورده سيبويه أيضًا في ص ٩ شاهدًا على حذف الياء من هي في قوله إذه والأصل إذ هي وهو من الأبيات الخمسين التي أوردها ولم يعلم قائلها. واستشهد به في الكافية على أن المصدر وهو هواك بمعنى اسم المفعول أي مهويك وعلى أن الياء قد تحذف ضرورة من هي واستشهد به في المفصل ج ٣ ص ٩٧ على أن الكوفيين يقولون إن الهاء من هي هي الاسم وحدها وروي له في الخزانة أول وهو هل تعرف الدار على تبراكا. وتبراك بكسر فسكون موضع في ديار بني فقعس.
(٣) المشمعل السريع الماضي والميم زائدة فيه الطباخ من يعالج الطبخ وهو إنضاج اللحم وغيره باستواء واقتدار والكرى النوم والزاد طعام السفر والحضر جميعًا وهذان البيتان نسبهما الاعلم إلى الشماخ معقل بن ضرار وفي نسخة ديوانه المطبوع أنهما لأبن أخيه جبار بن جزء وهما فيه على هذا الوجه: رب ابن عم لسليمى مشمعل … يحبه القوم وتشناه الإبل … في الشول وشواش وفي الحي رَفِل … طباخ ساعات الكرى زاد الكسل تشناه تبغضه. وشواش خفيف سريع الشول الإبل التي خفت ألبانها ورَفِل أخرق باللباس وكل عمل وقد أوردها سيبويه ج ١ ص ٩٠ شاهدًا على إضافة
[ ١٩٦ ]
جرى عدده على ما تقدم ذكره والشظاظان تثنية شِظاظ وهو عود يُدخل في عروة الجوالق (^١)
قال الراجز:
نبهتُ ميمونًا بأشمذين فقال لي وأنَّ أَنّتين
أما ترى ما قد أصاب عيني من الشظاظ ومن الحنوين (^٢)
والمربعة عصًا قصيرةٌ تدخل تحت الجوالق ويأخذ الرجلان بطرفيها إذا أراد رفعهُ يقال ربعنا الحمل وارتبعناه. وفي الحديث أنه مر بقوم يرتبعون حجرًا وفى رواية أخرى يربعون حجرًا أى يرفعونه (^٣) ويقال رابعتُ الرجل والمرأة إذا فعلتَ أنتَ وأحدهما ذلك بحمل أو حجر (^٤)
_________________
(١) = طباخ إلى الساعات ونصب الزاد على التعدي والتقدير طباخ الكرى على تشبيه الساعات بالمفعول به لا على الظرف ولما أضاف الطباخ إلى الساعات على هذا التأويل اتساعًا ومجازًا عداه إلى الزاد يقول إذا كسل أصحابه عن طبخ الزاد عند تعريسهم وغلبة الكرى عليهم كفاهم ذلك وشمر في خدمتهم. ويجوز إضافة طباخ إلى الزاد والفصل بالظروف ضرورة قال الاعلم والأول أجود واستشهد به شارح المفصل ج ٢ ص ٤٦ وج ٣ ص ٤٠.
(٢) وقيل هو خشيبة محددة الطرف تدخل في عروتي الجوالقين لتجمع بينهما عند حملهما على البعير.
(٣) اشمذان بفتح الهمزة والميم وسكون الشين تثنية اشمذ جبلان بين المدينة وخيبر نزلهما جهينة وأشجع وأنّ من الأنين صوت أو تأوه والحنو بكسر فسكون كل شيء فيه اعوجاج وحنو الرجل والقتب والسرج كل عود معوج من عيدانه.
(٤) يقال ربع الحجر يربعه ربعًا وارتبعه شاله ورفعه وقيل حمله وقيل الربع أن يشال الحجر باليد بفعل ذلك لتعرف به شدة الرجل وفي الحديث أنه مر بقوم يربعون حجرًا أو يرتبعون فقال عمال الله أقوى من هؤلاء. الربع اشالة الحجر ورفعه لإظهار القوة.
(٥) المرابعة أن تأخذ بيد الرجل ويأخذ بيدك تحت الحمل حتى ترفعاه على البعير وتقول رابعت الرجل إذا رفعت معه العدل بالعصا على ظهر البعير.
[ ١٩٧ ]
وأنشد ابن الأعرابي:
يا ليت أُم الغمر كانت صاحبي مكان من أَنشا على الركائب
ورابعتني تحت ليل ضاربِ بساعدٍ فعمٍ وكفّ خاضب (^١)
وقيل رابعتني أي أخذت بيدي. والوسق الحمل وفيه لغتان فتح الواو وكسرها والجلنفعة الغليظة الجافية (^٢) ومن روى المطبَّعة فانه يعني التي قد أُثقل حملها يقال طبَّعتُ الناقة والسفينة إذا أوقرتها ولذلك قالوا للنهر المملوء مًاء طِبعٌ (^٣) قال الهذليّ: (^٤)
وما حمل البختي عام غياره عليه الوسوق بُرها وشعيرها
أتى قريًة كانت كثيرًا طعامها كرفغ التراب كل شيء يميرها
فقيل تحمل فوق طوْقِك إِنها مطبَّعة من يأتها لا يضيرها (^٥)
_________________
(١) هكذا في الأصل أم الغمر وفي الصحاح واللسان أم العمر وكذا في شرح المفصل وفيه: مكان من اشتى وانشأ اقبل ابدل الهمزة لضرورة الشعر والركائب جمع ركاب وهى الإبل التي يسار عليها واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها فعم ممتلئ والكف مؤنثة وقد ذكرها على إرادة العضو كقول الأعشى كفا مخضبا وخاضب ذو خضاب أو على حد عيشة راضية. وأورده ابن يعيش ١ - ٤٤ شاهدًا على إدخال اللام على عمرو.
(٢) الجلنفعة الناقة الغليظة التامة الشديدة وقال الأزهري ناقة جلنفعة قد اسنت وفيها بقية واستشهد بهذا الرجز.
(٣) قال الأزهري المطبعة المثقلة وتكون المطبعة التي ملئت لحمًا وشحمًا فتوثق خلقها وتربة مطبعة طعامًا مملوءة وانشد قول الهذلي. مطبعة من يائها.
(٤) هو أبو ذؤيب.
(٥) البختي جمل منسوب إلى البخت والبخت دخيل في العربية أعجمي معرب وهي الإبل الخراسانية تنتج من بين عربية وفالج وهو البعير ذو السنامين وقيل البختي عربي وغيار مصدر غارهم الله بخير ومطر كغيرهم غيرا وغيارا =
[ ١٩٨ ]
يعني أن هذه القرية مملوءةٌ من الطعام ويجوز أن تكون المطبَّعة في البيت قد وقعت في طبع وهو النهر لأنَّ الإبل قد توحل كما جرت عادتها ألا ترى إلى قول لَبيدٍ (^١)
فتولوا فاترًا مشيهم كروايا الطبع همت بالوحل (^٢)
_________________
(١) = أصابهم بمطر وغيث والوسوق جمع وسق. والقرية الضيعة أو كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرار وقد تطلق على المدن وغيرها والرفغ الأرض الكثيرة التراب ويقال جاء فلان بمال كرفع التراب في كثرته وتراب رفغ وطعام رفغ لين قال بعضهم أصل الرفغ اللين والسهولة. والرفغ الناحية وقول أبي ذؤيب يفسر بجميع ذلك وماره يميره جلب له الميرة وهو الطعام تحمل احمل طوقك طاقتك وقدرتك مطبعة مملوءة لا يضيرها لا يضيرها أي لا يضر أهلها لكثرة ما فيها ويروى من نابها لا يضيرها وهذه الأبيات جاءت في الأصل مجرفة كثيرًا أولها ما حمل التحني. كرفع التراب. فأصلحنا على ما جاءت في اللسان وجاء فيه أتى قرية كما هنا بالياء المثناة هذا يشكل على قول الأزهري المتقدم وقربة مطبعة فلعل في إحدى الروايتين تحريفًا والبيت الثالث أورده سيبويه ج ١ ص ٤٣٨ شاهدًا على رفع يضيرها على نية التقديم. والتقدير لا يضيرها من يأتها وروايته فقلت تحمل وأورده شارح المفصل شاهدًا على إرادة التقديم أو إرادة الفاء يصف الشاعر قرية كثيرة الطعام من امتاز منها وحمل فوق طاقته لم ينقصها.
(٢) لبيد بن ربيعة.
(٣) تولوا ذهبوا فاترًا ضعيفًا لينًا والروايا جمع راوية وهى الإبل التي تحمل الماء وبها سميت المزادة راوية والطبع النهر المحفور سمي طبعا لأن الناس ابتدؤا حفره فهو بمعنى المفعول والأنهار التي شقها الله لا تسمى طبوعًا إنما الطبوع الأنهار التي أحدثها بنو آدم واحتفروها لمرافقها يريد أن الروايا اذا وقرت المزايدة مملوءة ماء ثم خاضت أنهارًا فيها وحل عسر عليها المشي فيها والخروج منها وربما ارتطمت فيها ارتطامًا إذ كثر فيها الوحل فشبه القوم الذين حاجوه عند النعمان فأدحض حجتهم حتى زلقوا. بروايا مثقلة خاضت أنهارًا ذات وحل فتساقطت فيها.
[ ١٩٩ ]