قال سيبويه في باب: (من المعرفة يكون الاسم الخاص شائعا في الأمة، ليس واحد منها أولى به من الآخر): فإذا أخرجت الألف واللام صار
[ ١ / ٣٢٨ ]
الاسم نكرة يعني إذا أخرجت من ابن اللبون وابن المخاض وما أشبه ذلك، لأنه صار معرفة بالألف واللام، فإذا نزعتا منه تنكر. ثم انشد. كذا في الأصل.
ثم قال: وكذلك كل ابن أفعل إذا كان ليس باسم لشيءز لم يمثله سيبويه بشيء، وهو مثل قولك: مررت بابن أشر، ومررت بابن اخضر. يريد مررت بمهر ابن فرس اشقر، وبطائر ابن طائر أخضر، فأخضر وأشقر ليسا باسمين وهما صفتان.
وقال سيبويه: وقال ناس: كل ابن افعل معرفة لأنه لا ينصرف وهو ما مثلت من قولهم: ابن أشقر وابن أخضر، وزعم هؤلاء أن أخضر وأشقر وما أشبههما، إذا أضفت إلى واحد منهما (ابنا) فهو معرفة، لأنه لا ينصرف. وقال سيبويه: وهذا خطأ لأن (أفعل) لا ينصرف وهو نكرة، ألا ترى أنك تقول: أحمر قمد.
[ ١ / ٣٢٩ ]
يريد أن (أحمر) نكرة، ولو لم يكن نكرة لم يوصف بـ (قمد) وقمد نكرة. قال ذو الرمة:
(كأنا على أولادِ أحقَبَ لاحَها ورْميُ السَّفا أنفاسها بسِهامِ)
جَنوبٌ ذوَتْ عنها التّناهي وأنزلتْ بها يوم ذبابِ السبيبِ صيامِ
الأحقب: الحمار الوحشي الذي بموضع الحقيبة منه بياض. ويقول: كأنا على حمير وحش. شبه رواحلهم في السرعة بالحمر الوحشية. ويروى:
كأنا على أولاد خطباء. . .
والخطباء: الأتان، والخطب: الخضرة التي في متنها، لاحها: غيرها وأضمرها والضمير في (لاحها) يعود إلى أولاد أحقب، و(جنوب) مرفوعة فاعلة (لاحها) والسفا: شوك البهكي. وقوله (أنفاسها) يريد به انوافها وموضع أنفاسها ومناخرها، والسهام: هي شوك البهمى. يريد أن الريح اقتلعت السفا فرمت به أنوف الحمير، وإنما يكون ذلك إذا يبس النبت ولم يكن للحمير رطب ترعاه، فتقبل على رعي اليبيس، فإذا رعت البهمى وهي يابسة؛ حملت الريح سفا البهمى فشكته في أنوف الحمير.
والتناهي: جمع تنهية وهو موضع ينتهي السيل اليه، ويقف فيه مدة من الزمان، فإذا اشتد الحر جفت التناهي. ومعنى ذوت: جفت، وأنزلت بها أي بالحمير، وفي (أنزلت) ضمير يعود إلى (الجنوب)، يريد أن الجنوب أنزلت بالحمير يوما شديدا.
وقيل: أنزلت بها: أي أحلت بها؛ في معنى أحلتها وأنزلتها. جعل اليوم كأنه محل،
[ ١ / ٣٣٠ ]
كما تقول: أحلتها مكانا شديدا. وقيل: السبيب: أذنابها التي تذب بها، وكان ينبغي أن يقول: يوم ذبابة السبائب، يريد يوم تذب الحمير بأذنابها. وقيل: ذباب السيب: الثور الوحشي يذب عن نفسه بذنبه في شدة الحر. و(صيام) نعت لأولاد أحقب.
والشاهد فيه أن (صيام) نكرة وهو وصف لـ (أولاد احقب) فلو كان أولاد احقب معرفة كما زعم هؤلاء القوم كان المضاف إليه معرفة، وإذا صار معرفة لم يجز أن يوصف بنكرة.
وقد وقع في البيت ضرورة قبيحة، وهو تقديم المعطوف على المعطوف عليه.
لأن قوله (ورمي السفا) معطوف على (جنوب) وهذا كما تقول: قام وعبد الله زيد. ومثله:
. . . عليكِ ورحمةٌ اللهِ السّلامُ
ومثله:
جَمَعْتَ وبُخْلًا غِيبَةً ونَمِيمَةً. . .
يريد إنه لاحتها الجنوب ورمي السفا.