قال سيبويه في باب (إجراء الصفة فيه على الاسم في بعض المواضع أحسن): وأما رب رجل وأخيه منطلقين، ففيه قبح حتى تقول: وأخ له، فالمنطلقان عندنا مجروران من قبل أن قوله: وأخيه، في موضع نكرة، لأن المعنى إنما هو: وأخ له. ثم ذكر كلاما اتصل بكلامه المتقدم، ومسائل، وامتد كلامه حتى انتهى إلى أن قال:
وقال الأعشى:
وكم دونَ بيتكَ من صَفْصَفٍ ودَكْداكِ رَمْلٍ واعقادِها)
ويهماَء بالليل غَطْشَى الفَلاةِ يؤرقني صوتُ فيّادها
ووضْعِ سقاءٍ وأحقابهِ وحَل حُلوسٍ واغمادِها
وفي الكتاب بعد الشعر: هذا حجة لقوله: رب رجل وأخيه. والشاهد على قوله (واعقادها) عطفه على المجرور بـ (من) ومن، لا تدخل في هذا الموضع إلا على نكرة، كما أن (رب) لا تدخل إلا على نكرة، فلما ادخل (من) على النكرة عطف على النكرة ما هو مضاف إلى ضمير النكرة، كما فعل في: (رب رجل وأخيه) كأنه قال: من ضفصف، ومن دكداك رمل واعقادها.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وكذا الشاهد في قوله: (ووضع سقاء وأحقابه) الهاء تعود إلى السقاء. وكذا: (وحل حلوس وأغمادها) يعود الضمير فيه إلى الحلوس.
يمدح الأعشى بهذا الشعر سلامة ذا فائش الحميري، يقول له: كم دون بيتك من صفصف قد قطعته وجزته إليك. والصفصف: المستوي من الأرض، الدكداك: الرمل اللين، والعقد وجمعه اعقاد: ما تعقد من الرمل وتراكم بعضه على بعض.
ووجه تأنيثه الضمير الذي أضاف الاعقاد اله - والاعقاد هي اعقاد الدكداك، والدكداك واحد - إنه في معنى الدكادك، وهو واحد يراد به الجنس، ولذلك قال: واعقادها. واليهماء: الأرض القفرة، والغطشى: العمياء التي لا يبصر أحد فيها شيئا، وليس فيها علم يستدل به، والغطش: ضعف البصر، والفياد: ذكر البوم، يؤرقني: يمنعني من النوم.
ووضع سقاء: على الأرض، إذا ترك ليشرب منه. وأحقابه: شده وراء رحله، يقال: احقبت الشيء إذا شددته وراءك. والحلوس: جمع حلس وهو مثل البرذعة، يكون تحت الرحل. يريد: حلها إذا نزل، وأغمادها: شدها على ظهر راحلته.
يقال: اغمد متاعه على ظهر دابته، إذا تركه، ويقال: إغماد الحلوس: إدامتها تحت الرحال. ويقال: إغمادها: إدخال بعضها على بعض.
والمعنى الذي قصده الأعشى، إنه وصف ما لقيه من الشدة والعناء والتعب في السير، حتى لقي سلامة ذا فائش. وإنما يقول له مثل هذا ليعظم حال قصده له.