قال سيبويه في باب الجر: قال الخليل: لا يقولون إلا: هذان جحرا ضب خربان، من قبل أن الضب واحد والجحر جحران، وإنما يغلطون إذا كان الآخر بعدة الأول وكان مذكرا مثله أو مؤنثا فقال: هذه
[ ١ / ٣٤٠ ]
جحرة ضباب خربة، لأن الضباب مؤنثة والجحرة مؤنثة والعدة واحدة.
يقول: هذا الذي تجره العرب على الجوار، إنما تجعله على بعض الأوصاف، وهو أن يكون النعت الذي يجره يوافق الاسم الذي يجاوره في: عدته وفي تذكيره وتأنيثه. فإن اختلفت العدة، أو كان أحدهما مذكرا والآخر مؤنثا، استعملوا الكلام على أصله، ولم يجروه على المجاورة.
لا يقولون: هذا وجار ضبع واسع، ر يجرون (واسع) على الجوار للضبع، لأن (واسع) مذكر والضبع مؤنثة. فلو قلت: (هذا وجار ثعلب واسع) لجاز الجر، لأن الثعلب مذكر و(واسع) مذكر، والعدة واحدة.
ولو قلت: هذا مكان ثعالب واسع؛ لم يجز الجر لاختلاف العدة. وسيبويه يخالفه، ويجيز الذي منع من جوازه. وقد احتج سيبويه لقوله بما هو بين في الكتاب. ثم انشد للعجاج ما يوضح قوله. قال العجاج:
(كأن نسجَ العنكبوتِ المُرْمَلِ)
على ذُرَى قُلاّمِهِ المُهَدَّلِ
[ ١ / ٣٤١ ]
سُبوبُ كَتّانٍ بأيدي الغُسلِ
الشاهد فيه على إنه جر (المرمل) على الجوار وهو مذكر، وأجراه على العنكبوت وهي مؤنثة. وهذا يشهد لصحة ما ذهب إليه سيبويه.
ذكر ماء ورده، والمرمل: المنسوج، والفلام: ضرب من النبت، وزعموا إنه الذي يعرف بالقاقلي، والذرى: الأعالي الواحدة ذروة، والمهدل: المدلى. يعني أن العنكبوت قد نسجت على القلام الذي حول هذا الماء، والسبوب: جمع سب وهو ثوب من كتان ابيض. شبه ما نسجت العنكبوت على هذا الماء بثوب رقيق من الكتان، والغسل: جمع غاسل وغاسلة.