قال سيبويه في باب ضرورة الشعر: قال قيس ابن زهير العبسي:
(ألمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنْمي بما لاقتْ لَبونُ بني زِياد)
ومَحْبِسَها على القُرَشي تُشْرَى بأدراعٍ وأسياف حِدادِ
[ ١ / ٢٢٣ ]
الشاهد فيه إنه أثبت الياء في (يأتيك) وهو مجزوم. وكأنه بمنزلة من اضطر إلى تحريك الياء بالضم في حال الرفع، فلما جزم حذف الحركة التي كانت على الياء.
والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر، تنمي: تنشر ويحملها بعض الناس إلى بعض. واللبون: التي لها لبن، وبنو زياد: الربيع بن زياد العبسي واخوته.
وفاعل (يأتيك) يجوز أن يكون مضمرا في (يأتيك). يدل عليه قوله: والأنباء تنمي، فكأنه قال: ألم يأتك النبأ والأنباء تنمي؟ وقوله (والأنباء تنمي) جملة، هي اعتراض بين قوله (يأتيك) وبين قوله (بما لاقت) وتقديره: ألم يأتك الخبر بما لاقت لبون بني زياد.
وهذا البيت أول الأبيات، فليس يقدر أن الضمير الذي فيه يعود إلى مذكور، والباء وما بعدها في موضع نصب بـ (يأتيك). ويجوز أن يقال: (لبون) فاعل يأتيك. كأنه قال: ألم يأتيك لبون بني زياد؟ يريد: ألم يأتيك خبر لبون بني زياد وما صنع بها. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون في (لاقت) ضمير يعود إلى (اللبون) ويكون (لبون) في نية التقديم كأنه قال: ألم يأتيك خبر لبون بني زياد
بما لاقت.
ويجوز أن يقال: أن الباء في قوله (بما لاقت) زائدة، وكأنه قال: ألم يأتيك ما لاقت لبون بني زياد؟ ويكون كقوله ﷿: (وكفى بالله شهيدا).
و(محبسها)
[ ١ / ٢٢٤ ]
معطوف على فاعل (يأتيك) واللبون: أراد بها جماعة الإبل التي لها لبن، والقرشي: عبد الله بن جدعان التيمي، وتشرى: تباع ويؤخذ بثمنها دروع وسيوف.
وسبب هذا الشعر أن الربيع بن زياد طلب من قيس بن زهير درعا، فبينا هو يخاطبه والدرع مع قيس إذ أخذها الربيع وذهب بها، فلقي قيس أم الربيع وهي فاطمة بنت الخرشب فأسرها، وأراد أن يرتهنها حتى يريد عليه درعه الربيع. فقالت له: يا قيس أين عزب عنك حلمك، أترى بني زياد مصالحيك وقد أخذت أمهم فذهبت بها، وقد قال الناس ما قالوا؟ ويكفيك من شر سماعه. . . فخلى عنها. وأخذ إبل الربيع فحملها إلى مكة وباعها، واشترى من عبد الله بن جدعان بها سلاحا.