قال سيبويه قال المرار:
فردَّ على الفؤاد هوى عميدًا وسوئل لو يُبينُ لنا السؤالا
[ ١ / ٢٤٨ ]
(وقد نَغْنَى بها ونرى عُصورًا بها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِدالا)
الشاهد فيه على أعمال (نرى) ونصب (الخرد الخدالا) بنرى، وهذا على أعمال الفعل الأول. وفي (يقتدننا) ضمير الخرد الخدال، والخرد الخدال في تقدير التقديم، لأن العامل فيها (نرى) كأنه قال: ونرى الخرد الخدال عصورا بها يقتدننا.
وفي (رد) ضمير الربع المسؤول عن أهله الذين ارتحلوا عنه، فقال بعد ما سألاه: فرد على الفؤاد هوى عميدا، وهو المعمود الذي عمده الحب، أي: شدخه ورضه، ومن ذلك قولهم: عميد سنام البعير يعمد عمدا إذا انشدخ.
كأنه لما وقف على الربع وتذكر من كان يحله، عاوده حزنه على مفارقتهم، وألم قلبه لما تذكرهم. وسوئل الربع عنهم لو يبين لنا السؤالا، أراد: لو يبين لنا جواب السؤال، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقد نغنى بها: أي بهذه الدار، والعصور: جمع عصر، والخرد: جمع خريدة وهي الحية، والخدال: جمع خدلة وهي التي على قصبها لحم وشحم، ويقتدننا ويقدننا
بمعنى واحد، أي قد كنا عصورا في هذه الدار نتبع الهوى ويقتادنا الحسان الخرد الخدال.
فأما (نرى) فالوجه أن يكون من رؤية القلب، ويكون (الخرد) المفعول الأول و(يقتدننا) في موضع المفعول الثاني. فإن قال قائل: قد أجاز النحويون إعمال الثاني في هذا الشعر - وأن كان
[ ١ / ٢٤٩ ]
لا يسوغ في الإنشاد - على التقدير فقالوا: لو أعمل الثاني لقال: وقد نغني بها ونرى عصورا بها تقتادنا الخرد الخدال.
فإذا أجازوا هذا فـ (نرى) أين مفعولاها؟ وقيل له: يجوز أن يكون المفعول الأول ضمير الأمر والشأن، وحذفه، كأنه قال: ونراه عصورا بها تقتادنا الخرد الخدال، أي نرى الأمر.
ومثله مما ذكر سيبويه: (إن بك زيد مأخوذ) على معنى: إنه بك زيد مأخوذ. ويجوز أن يكون (عصورا) المفعول الأول، والجملة التي بعد (عصور) في موضع المفعول الثاني، ويعود إلى (عصور) من الجملة التي هي المفعول - الضمير المتصل بالباء، وكأنه قال: ونعلم عصورا في هذه الدار بها - أي بالعصور - تقتادنا الخرد الخدال.
ومعنى (نَغْنَى) نقيم، أي: وقد نقيم بهذه الدار.