بضميره
قال سيبويه: وإذا قلت: كنت زيد مررت به، فقد صار هذا في موضع (أخاك) ومنع الفعل أن يعمل، وحسبتني عبد الله مررت به.
ذكر سيبويه أن الجملة التي في أولها اسم قد شغل الفعل بضميره، إذا وقعت في موضع خبر كان، أو موضع المفعول الثاني لـ (ظننت وحسبت) وكذلك خبر (إن) وخبر الابتداء؛ اختير فيها أن يرفع الاسم بالابتداء، ولا يجري مجرى
[ ١ / ٢١٤ ]
الجملة التي تعطف على جملة قبلها. فيختار في الاسم أن ينصب بإضمار فعل، لأن الجملة التي قبله مبنية على فعل. نحو: ضربت زيدا وعمرا كلمته.
وجعل الجمل التي تكون في موضع الإخبار بمنزلة الجمل التي لا شيء قبلها، لأنها من تمام الكلام، ولم يجز فيها النصب لأنه لم يتم الكلام الذي قبلها، وليست فيها حروف العطف كما يكون في الجمل المعطوفة.
ثم ساق كلامه في هذا المعنى، واحتج لصحة ما ذكر بحجج واضحة، ثم ذكر دخول لام الابتداء في قولهم: قد علمت لعبد الله تضربه ليبين أن الجمل قد تقع في مواقع المفعولات، وتكون في حكم الكلام الذي لم يتقدمه شيء، لأن لام الابتداء لا تدخل إلا على كلام لا يتعلق بما قبله، ويكون بمنزلة ما ليس قبله شيء.
ثم قال: (وإن شاء نصب ويريد) وإن شاء نصب في جميع هذا الذي اختير فيه الرفع، فأضمر له فعلا، كما يفعل إذا ابتدأ الكلام فقال: زيدا ضربته. يريد إنه يجوز أن تقول: كنت زيدا مررت به، وحسبتك عمرا لقيته. فكذا يفعل في (أن) فتقول: أني خالدا لقيته.
قال المرار الاسدي - كذا وجدته في الكتاب، ورأيت الشعر لعبد الله ابن الزبير الاسدي -:
أَبلِغْ يزيدَ ابنَ الخليفة أنني لقِيتُ من الظُلْم الأغرَّ المحجلا
[ ١ / ٢١٥ ]
(فلو أنها إياك عضَّتْك مثلها جررْتُ على ما شئتَ نحرا وكلكلا)
وكنت أخاك الحقَّ في كل مَشْهَدٍ ألمَّ ولو أغْلَوْا بلحميَ مِرْجَلا
الشاهد فيه إنه أتى بجملة في موضع خبر (أن) وخبرها مثل خبر (كنت) ومثل المفعول الثاني في (حسبت) وخبر الابتداء.
والاختيار أن يرفع الاسم في أول الجملة كما ذكر فيما تقدم، فأتى به الشاعر منصوبا، ولو رفع لقال: (فلو أنها ا، ت عضتك) فأتى بـ (إياك) ونصبها بإضمار (عضت) وجعل (عضتك) مفسرا للفعل المحذوف العامل في (إياك)، والموضع الذي يقدر فيه المحذوف بعد (إياك) كأنه قال: فلو أنها إياك عضت عضتك. والضمير في (أنها) يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون ضمير الأمر والشأن.
والوجه الآخر أن يكون ضمير المظلمة، لأنه قدم قوله: (لقيت من الظلم الأغر المحجلا). ومعنى قوله: (لقيت من الظلم الأغر المحجلا) أي لقيت ظلما واضحا مشهورا، لا يشك أحد إنه ظلم. فلو أنها إياك عضتك مثلها: (مثلها) رفع لأنه فاعل (عضتك)، وأنت الفعل وهو لـ (مثل) لأنه أراد بالمثل مؤنثا، كأنه قال: فلو أنها إياك عضتك بلية مثلها أو محنة أو مظلمة أو ما أشبه ذلك، ثم حذف الموصوف وأقام الصفة مكانه. ومثله قولك: كلمتك مثل هند. يريد: كلمتك امرأة مثل هند.
يقول: لو وقعت بك مثل هذه المظلمة، جررت على ما تريد
[ ١ / ٢١٦ ]
مني من النصرة والمعونة نحري وكلكلي. والتاء من (جررت) مضمونة وهي للمتكلم، والتاء من (شئت) مفتوحة.
يقول: كنت أحمل نفسي على ما تحب مني، حتى تبلغ ما تحب، ويزول عنك ما يؤذيك. وفي الكتاب: التاء من (جررت) مفتوحة. والمعنى على ما ذكرت لك.
ورأيت أيضا في شعره (حززت) بزايين وبحاء غير معجمة. أي قطعت نحري
وكلكلي فيما تحبه وتهواه. وكلا القولين له وجه: (جررت) بجيم وراءين و(حززت) بحاء وزايين.
وكنت أخاك: أي أنصرك كنصر الأخ لأخيه. و(الحق) وصف الأخ و(ألم) أي: قرب، و(ألم) وصف لـ (مشهد) ولو أغلوا بلحمي مرجلا: أي لو قطعوا لحمي وطبخوه لما قعدت عن معونتك ونصرتك.