قال سيبويه في ضرورة الشعر، قال الشاعر:
كنواحِ ريشِ حمامةٍ نجديةٍ ومسحْت بالثَتَيْنِ عَصْفَ الاثمدِ)
الشاهد فيه على حذف الياء من (نواحي) وهو جمع ناحية مثل شارية وشوار وجارية وجوار، وحذف الياء في الاضافة، وحذفها في غير الإضافة أسهل.
والحمامة: يعني به قمرية أو ما أشبهها من الحمام ذوات الأطواق. ونواح ريشها: أطرافه وجوانبه. وعندي إنه ذكر حمامة نجدية، ونسبها إلى نجد وهو يعني الفاختة لأن الفاختة لا تسكن الغور وتهامة وما والاها، وإنما تسكن في نواحي نجد.
والعصف: ورق الزرع، والاثمد: هذا الكحل المعروف، والكحل حجارة تؤخ من معدن من المعادن وليس بشيء ينبت فيكون له ورق، ولم يكن الأثمد من الأشياء
التي تكون في بلاد العرب فهم لا يقفون على حقيقته. ومثل ذلك قول أبي نخيلة:
بَريّةٌ لم تأكلِ المُرَقَّقَا
ولم تَذُقْ من البقولِ الفُستُقا
وقوله: ومسحت باللثتين عصف الاثمد، اراد: مسحت اللثتين بعصف الأثمد فقلب، لأن الكلام لا يدخله لبس، وكانت النساء تتزين بأن تسود اللحم
[ ١ / ٢٧٧ ]
الذي في أصول الأسنان واللثات بالنوءور وهو دخان الشحم أو الاثمد، وكانوا يستحسنون ذلك.
شبه سواد لثة هذه المرأة بسواد أطراف ريش الحمامة، وهم لا يقصدون بذلك أن يكون سواد اللثات حالكا، وإنما يريدون أن يضرب إلى السواد.
وهذا البيت منسوب إلى خفاف بن ندبة في الكتاب، وزعم قوم إنه لابن المقفع، وليس الأمر كما قالوا، وجميع ما ينسب إلى ابن المقفع مقطوعتان أوثلاث، بعضها في الحماسة. وليس له مقطوعة على هذا الوزن ولا على هذا الروي.
فأما نسبته إلى الخفاف فليس من عمل سيبويه؛ وقد ذكرنا ذلك، ولا يمتنع أن يكون لخفاف كما ذكر من نسبه إليه. وأن كان لم يقع في ديوانه. كما ينسب إلى زهير.