قال سيبويه في المنصوبات: قال حريث بن جبلة العذري:
(حتى كأنْ لم يكُنْ إلا تذكرُهُ والدهرُ ايتما حالٍ دهاريرُ)
الشاهد فيه إنه نصب (ايتما حال) على الظرف و(دهارير) مبتدأ، و(أيتما حال)
خبره و(يكن) في البيت هي من (كان التامة) كأنه قال: حتى كان الإنسان لم يوجد في الدنيا أو لم يحدث إلا تذكره. وفي (يكن) ضمير المرء، وتقدير الكلام: حتى كأن الإنسان لم يوجد إلا ذكره، يريد أن الإنسان قصير العمر، وما مضى من عمره إذا مات كأنه لم يوجد.
ويحكى أن عبيد بن سارية الجرهمي قدم على معاوية - وكان عبيد من المعمرين، قيل إنه عمر ثلاثمائة سنة، وقيل إنه عمر مائتين وعشرين سنة - فسأله معاوية عن أشياء كثيرة حتى قال له: فأخبرني عن أعجب شيء رأيته؟ قال: أعجب شيء رأيته أني نزلت بحي من قضاعة، فخرجوا بجنازة رجل من عذرة يقال له: حريث بن جبلة، فخرجت معهم، حتى إذا وأروه انتبذت
[ ١ / ٢٣٧ ]
جانبا عن القوم وعيناي تذرفان، ثم تمثلت بأبيات شعر كنت لآويتها قبل ذلك. وهي:
يا قلب إنك في أسماء مغرور أذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد حتى جرت بك إطلاقا محاضير
تبغي أمورا فما تدري أعاجلها خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا وارضين به فبينما العسر إذا دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور
حتى كأن لم يكن إلا تذكره والدهر ايتما حال دهارير
[ ١ / ٢٣٨ ]
المحاضير: السراع الواحد محضير، والإطلاق: جمع طلق، وهي التي لا تعقل ولا تقيد.
قال عبيد بن سارية الجرهمي: فقال رجل إلى جنبي يسمع ما أقول: يا عبد الله، من قائل هذه الأبيات؟ قلت: والذي أحلف به ما أدري، قد رويتها منذ زمان. قال: قائلها هذا الذي دفنا آنفا، وإن هذا ذو قرابته أسر الناس بموته، وإنك الغريب الذي
وصف يبكي عليه. فعجبت لما ذكر في شعره والذي صار إليه من قوله، كأنه كان ينظر إلى موضع قبره! فقلت: أن البلاء موكل بالمنطق.
وقد أنشد سيبويه بيتا من جملة هذه الأبيات في باب النونين الخلفية والثقلية.