قال سيبويه في باب ما يجري على موضع الاسم الذي قبله: وذلك قولك: ليس زيد بجبان ولا بخيلا، وما زيد بأخيك ولا صاحبك. والوجه فيه الجر، لأنك تريد أن تشرك بين الخبرين.
يقول سيبويه: أن العطف على ما عملت فيه الباء، أولى من العطف على موضع الباء، لأنه أقرب إلى المعطوف، والعطف على ما قرب أولى من العطف
[ ١ / ١٩٨ ]
على ما بعد. واحتج لقوة العطف على ما عملت فيه بأنه أقرب إلى المعطوف ثم قال: ومما جاء في الشعر من الإجراء على الموضع قول عقيبة الأسدي:
(معاويَ إنّنا بشرٌ فأَشجحْ فلسنا بالجبالِ ولا الحديدا)
الشاهد فيه إنه نصب (الحديد) وعطفه على موضع الباء.
ومعنى قوله أسجح: سهل علينا حتى نصبر، فلسنا بجبال ولا حديد فنصبر على ما تفعله بنا. وبلغني عن بعض من تأدب بالنظر في أبيات من الشعر - ودخل على بعض السلاطين الذين لا يميزون من دخل إليهم إلا بحسن الزي والهيئة - إنه أنكر استشهاد سيبويه بهذا البيت وقال: البيت مجرور، ومعه أبيات مجرورة.
ولم يعلم أن هذا البيت يروى نصبا مع أبيات منصوبة، ويروى جرا مع أبيات مجرورة. فمن رواه بالنصب روى معه:
أقيموها بني حربٍ إليكمْ ولا ترموا بها الغرضَ البعيدا
ومن رواه بالجر روى معه:
أكلُتم أرضَنا فجردتموها فهلْ من قائمٍ أو من حصيدِ
[ ١ / ١٩٩ ]
وقد وقع في كتاب سيبويه مثل هذا، وذلك أن بعض الأبيات يروى على وجه من الإعراب مع غيره، ويروى على وجه آخر.
فمن ذلك ما أنشده سيبويه وهو لرجل من بني دارم:
ليَبْكِ أبا بدرٍ حمارٌ وثَلَّةٌ وسالِيةٌ راثَتْ عليها وِطابُها
(كأنّك لم تذبحْ لأهلكَ نعجةً فيصبحَ مُلقى بالفِناءِ إهابها)
فهذا مرفوع على ما انشده سيبويه. وقالت امرأة من بني حنيفة:
كأنّكَ لم تذبحْ لأهلك نعجةً وتُلِقِ على بابِ الخِباءِ إهابَها
ولم تَجبِ البيدَ التّنائِفَ تقتنصْ بهاجرةٍ حِسْلانَها وضبابَها
فإنْ متَّ أردى الموتُ أبناءِ عامرٍ وخَصَّ بني كعبٍ وعمر وكلابَها
وأنشد سيبويه بيت قيس بن ذريح:
تُبكّي على لُبنى وأنتَ فقدْتَها. . .
والبيت الآخر: وقال عروة بن الورد في قصيدة له منصوبة:
. . . وأنتَ عليها بالملا كنتَ أقدرا
فلا ينبغي أن يذهب إنسان له علم وتحصيل، إلى أن سيبويه غلط في
[ ١ / ٢٠٠ ]
الإنشاد، وإن وقع شيء مما استشهد به - في الدواوين - على خلاف ما ذكر، فإنما ذلك سمع إنشاده ممن يستشهد بقوله على وجه، لأنشد ما سمع، لأن الذي رواه قوله حجة، فصار بمنزلة شعر يروى على وجهين.