قال سيبويه في باب من البدل: صرفت وجوهها أولها، ومالي علم بهم أمرهم. يعني أن (أولهما) مجرور لأنه بدل من الضمير المضاف إليه (الوجوه) وكذا (أمرهم) هو بدل من الضمير في (بهم).
وقول جرير:
طرقَتْ سَواهِمَ قد أضَرَّبها السُّرَى نَزَحَتْ بأَذرُعِها تنائفَ زُورا
(مشَقَ الهواجرُ لحمَهُنَّ مع السُّرَى حتى ذّهَبْن كَلا وصدورا)
فإنما هو على: ذهب قدما وذهب أخرا.
يريد أن (كلاكلا
[ ١ / ١٥٠ ]
وصدورا) ليسا ببدل من (لحمهن) كالذي ذكر في قوله: صرفت وجوهها أولها - وجعل (أولها) بدلا من الضمير الذي أضيفت الوجوه إليه - وإنما انتصب (كلا كلا وصدورا) على الحال.
وقال سيبويه: هو بمنزلة قولك ذهب قدما أي متقدما، وذهب أخرا:
أي متأخرا. فإن قال قائل: لم يجعل سيبويه (كلاكلا وصدورا) بدلا من (لحمهن) ويكون التقدير: ألهو أجر مع الشرى كلا كلا وصورا، وجعلهما منصوبين على الحال؟ قيل له:
نحن إذا جعلناهما بدلا، جعلنا العامل فيها (مشق) وإذا نصبناهما على الحال جعلنا العامل (ذهبن)، وإعمال الفعل الأقرب أولى إذ كان لإعماله وجه جيد.
ومع هذا، أن النكرة إذا جعلت بدلا من المعرفة - في بدل الشيء من الشيء وهو بعضه - جعلت مضافة إلى ضمير المبدل منه، كقولك: ضربت زيدا يده، وضربت عمرا ظهره، هذا هو الأكثر، ولا يمتنع أن يبدل البعض وهو غير مضاف، إلا أن الأكثر ما قلت لك، وحمله على الأكثر أولى.
ولم يقل سيبويه أن البدل لا يجوز على وجه، إنما جعله من غير جنس البدل وجعله منصوبا على الحال، كأنه قال: حتى ذهبن ناحلات. والجواهر قد تقع أحوالا على تأويل يسوغ فيها.
وزعم بعض النحويين أن (كلاكلآ وصدورا) منصوبان على التمييز، وبعض رواة الشعر يجعل (كلاكلآ وصدورا) منصوبين على البدل من (لحمهن).
وفي (طرقت) ضمير يعود إلى امرأة ذكرها. يعني أنها طرقتهم وهم مسافرون نياما، فرأوا خيالها، وأراد: طرقت أصحاب إبل سواهم والسواهم:
[ ١ / ١٥١ ]
جمع ساهم وساهمة وهو المتغير المهزول، والسرى: سير الليل، نزحت بأذرعها: يعني أنها أنفدت طول الفلاة بسيرها كما ينفد ماء البئر بالنزع. والتنائف: جمع تنوفة وهي القفر من الأرض، وقيل أن الزور التي لا يهتدى لها. وعندي إنه أراد بالزور: التي لا يسير فيها: القوم على قصد واحد، يأخذون فيها يمنة ويسرة، ومشق: أذهب لحمهن، والهواجر: جمع هاجرة وهي نصف النهار في الحر، وأراد: مشق سير الهواجر لحمهن مع السرى - وهي سير الليل - حتى نحلت كلا كلهن
وصدورهن. والكلاكل والصدور شيء واحد، وإنما جاء بهما لاختلاف اللفظين.
سويروى: كواهلا وصورا. والكاهل: أعلى الصدر.