قال سيبويه في المنصوبات. وأما قول الشاعر:
لقد كَذَبَتْكَ نفسك فاكذِبَنْها فإنْ جَزَعا وإنْ إجمال صَبْرِ
[ ١ / ١٤٢ ]
قال سيبويه: فهذا محمول على (إما) وليس على الجزاء كقولك: أن حقا وإن كذبا.
يريد سيبويه أن (إنْ) في هذا البيت يراد بها (إما) التي تذكر مع حروف العطف، وتكون لأحد الشيئين، فاضطر الشاعر فحذف (ما) فبقي (إنْ) وأصلها عنده أنها مركبة من: أن وما، فلما اضطر حذف أحد الشيئين وهو (ما) فبقيت (إن)
وإنشاد الكتاب كما ذكرت لك على أن الخطاب لمذكر. والشعر لدريد:
أسركِ أن يكونَ الدَّهرُ وجها عليكِ بسْيبِهِ يغدو ويَسْري
وأن لا تُرْزئي أهلا ومالا يَضُركِ هلكُه ويطولَ عُمْري
(فقد كذَبَتْكِ نفسُكِ فاصْدقيها فإنْ جَزَعا وإنْ إجمالَ صبرِ)
ويروى: فاكذبيها. ويخاطب امرأته يقول لها: أن كنت تظنين أو تحدثك نفسك بأن الدهر يقبل عليك بخيره أبدا، فاصدقيها. وهو معنى قوله: وجها عليك.
والسيب: العطاء، يغدو ويسري: يأتيك بالنهار والليل،
[ ١ / ١٤٣ ]
وأنك لا تصابين في أهل ولا مال يضرك ويؤذيك فقده، ويطول عمري معك، ونعيش أبدا، فقد كذبتك نفسك في هذا الذي حدثتك به ومنتك دوامه من السلامة والغنى، فاصدقها أنت عن
الأمر وعرفيها كيف تجري حال الناس جميعا، وأنه لا بد من الموت والمصائب حتى تترك هذا التمني.
ووجه الرواية: فاكذبيها، أي حدثيها من الأمور بما تهواه، وصدقيها فيما تتمناه، وإن كان ما تحدثينها به كذبا، حتى يصلح أمر دنياك، واعتقدي فيه صحة ما قلت لك، وأنه لابد من الذهاب والفناء.
و(جزعا) منصوب على إضمار فعل، كأنه قال: فإما تجزعين جزعا، وأما تجملين صبرا. ويجوز الرفع عادة إنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فإما أمرها جزع، وإما أمرها إجمال صبر.