قال سيبويه: (ولو قلت (مُرْهُ يحفِرها) على الابتداء لكان جيدًا، وقد جاء رفعه على شيء هو قليل في الكلام على (مره أن يحفِرها) فإذا لم يذكر (أن) جعلوا الفعل بمنزلته في: عسَيْنا نفعل، وهو في الكلام قليل لا يكادون يتكلمون به، فإذا تكلموا به، فالفعل كأنه في موضع اسم منصوب. وقد جاء في الشعر، قال طرفة بن العبد:
(ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوَغى وأن أشهدَ اللذّاتِ هل أنت مُخْلدي)
الشاهد فيه أنه حذف (أنْ) من قوله (أن أحضرُ الوَغى) فإن قال قائل: وما الذي أحوج إلى تقدير (أنْ) قيل له: معنى الكلام أحوج إلى هذا، لأن الزاجر لطرفة زجره عن شيء من أفعاله فـ (عن) مقدرةْ و(أنْ) حذفت من الكلام، و(عن) من حروف الجرْ ولا تدخل على الأفعال، وإنما تدخل على الأسماء، و(أنْ والفعل) في تأويل اسم هو مصدر.
فأصل الكلام: ألا أيُّهذا الزاجري عن أن أحضرُ الوَغى. يريد عن حضور الوغى، وحذف (عن) فصار (أن أحضرُ الوَغى) ثم حذف (أنّ) ورفع الفعل.
وقوم من أهل الكوفة، يرون النصب في هذا الفعل بعد حذف (أنّ) وقد روي:
ألا أيها اللاحيَ أن أحضرَ الوغى
وهذه الرواية فيها (أن) ثابتة،
[ ٢ / ٦١ ]
والوغى: الأصوات في الحرب، والوغى: الحرب. يقول: يا أيها الرجل، أنت تلحانيْ وتزجرني حتى لا أحضر الحرب، وتلومني على حضورهاْ وعلى أن أنفق مالي في شرب الخمرْ واللذات، وأنا قد علمت أني
ميت، لا يمكنني أن أدفع الموت عن نفسي، فإن كنت أنت يمكنك أن تدفع عني الموت، أطعتك فيما تأمرني به من إمساك مالي، وترك إنفاقي. وإن لم يمكنك هذا فاتركني أصرف مالي فيما أشتهي في أيام حياتيْ وانتفع به.