قال سيبويه: ومما جاء في الشعر من الإجراء على الموضع، قول عقيبة الاسدي.
ثم قال بعد إنشاده بيت عقيبة: لأن الباء دخلت على شيء لو لم تدخل عليه لم يخل بالمعنى، ولم يحتج إليها وكان نصبا.
يريد أن الباء دخولها كخروجها، وإن الباء لو لم تدخل لكان قوله: فلسنا الجبال بمعنى: فلسنا بالجبال.
ثم ذكر بيت لبيد فقال:
فإنْ أَنتَ لم تَصْدُقْكَ نَفْسُكَ فانتَسِبْ لعلَّكَ تهديك القُرونُ الأوائِلُ
(فإنْ لم تَجد من دونِ عدنانَ والدا ودُونَ مَعَدٍ فَلْتَزَعْكَ العواذِلُ)
يريد أنك أن كنت لست على يقين من الموت والفناء، فانظر إلى من تقدم من آبائك، أبقي منهم أحد؟ فإذا علمت إنه ما بقي منهم أحد، وأنهم قد ماتوا كلهم، فاعلم أنك ميت، فلا تبخل بما في يديك، واسع فيما يبقى لك بفعله ذكر جميل، وثناء حسن في الناس.
وإن لم تجد من دون عدنان والدا
[ ١ / ١٨ ]
حيا، ووجدتهم كلهم موتى، فاقبل ممن يعذلك ويدعوك إلى فعل الجميل. ويقال: وزع يزع إذا كف.
ويجوز في معناه عندي وجه آخر، وهو إنه أراد: فإن لم تجد من دون عدنان والدا ميتا فلتزعك العواذل عن إنفاق مالك، واقبل منها ما تدعوك إليه من البخل والإمساك، لأنك باق كما بقي.
والعواذل جمع عاذلة، والعاذلة من النساء إنما كانت تعذلك على الإنفاق لا على الإمساك.
والشاهد في البيت إنه نصب (دون معد) وعطفه على موضع (من)، كأنه قال: فإن لم تجد دون عدنان والدا ودون معد. وهو مثل البيت المتقدم.