قال سيوبه: هذا باب ما ينصب من المصادر لأنه عذر لوقوع الأمر، فانتصب
لأنه موقوعله، ولأنه تفسير لما قبل لم كان وهذا هو المفعول له.
ثم مثل فقال: وذلك قولك: فعلت ذاك حذار الشر، وفعلت ذاك مخافة فلان وادخار فلان. قال حاتم الطائي:
[ ١ / ٣٤ ]
وأَغفِرُ عَوْراَء الكريمِ ادَّخارَهُ وأعرِضُ عن شتمِ اللّئيمِ تكرُّما
العوراء: الكلمة القبيحة. يقول: إذا بلغتني كلمة قبيحة قالها في رجل كريم؛ غفرت له ما فعل ولم أكافئه عليها، واحتملت لأجل حسبه وكرمه وأبقيت على صداقته، وادخرته ليوم احتاج إليه فيه، لأن الكريم إذا فرط منه قبيح ندم على ما فعل، ومنعه كرمه أن يعود إلى مثله. واعرض عن شتم اللئيم: لا أكافئه على ما صنع لأنه ليس بكفء لي فأقتله. ويقرب منه قول الآخر:
لا تَسُبَّنَّني فلسْتَ بِسبي أن سِبي من الرجال الكريمُ
ونحو منه:
فإنّ حراما أن أَسُبَّ مُقاعِسًا بآبائِي الشُّمَّ الكرامِ الخَضارمِ
والشاهد في البيت: إنه نصب (ادخاره) و(تكرما) على إنه مفعول لهما.
وقال الحارث بن هشام المخزومي يعتذر من فراره يوم بدر:
وعلمتُ أَني أن أقاتلْ واحدا أقتَلْ ولم يَضْرُرْ عَدُوّي مَشهَدي
[ ١ / ٣٥ ]
(فصدَفْتُ عنهمْ والأحبة فيهمُ طعمًا لهم يعقاب يومِ مُفسدِ)
الشاهد في البيت إنه نصب (طمعا) لأنه مفعول له، يريد إنه صدف عنهم لطعمه في أن يمكنه أن يقاتلهم بجيش يجمعه في يوم آخر.
يقول: علمت أني أن قاتلت بعدها قتل أصحابي وأسروا وبقيت وحدي؛ قتلت قبل أن أقتل من أعدائي أحدا، فانصرف حتى انظر متى يمكنني غزوهم والأخذ بالثأر منهم.
وهذا؛ قاله الحارث بن هشام وهو مشرك، وكان مع قريش يوم بدر، ثم أسلم
وحسن إسلامه وقتل شهيدا.
وقال العجاج:
أَمسى بِذات الحاذِ والجُدورِ
من الدَّبيلِ ناشِطًا للدُّورِ
[ ١ / ٣٦ ]
يركب كلَّ عاقرٍ جُمهورِ
(مخافةً وَزَعلَ المَجْبورِ)
والهَوْلَ من تَهَوُّلِ الهُبورِ
في (أمسى) ضمير يعود إلى ثور وحش ذكره، والحاذ: ضرب من النبت، والجدر: ضرب منه أيضا وجمعه جدور، وذات الحاذ والجدور: أرض تنبت الحاذ والجدور، والدبل: ناحية معروفة، وذات الحاذ: من جملة الموضع الذي يقال له الدبيل، والناشط: الخارج من ارض إلى أرض، والدور أيضا: موضع معروف.
يقول: أمسى خارجا من الدبيل إلى الدور، والعاقر: الرملة التي لا تنبت سيئا، والجمهور: العظيمة المرتفعة. يقول: يركب هذا الثور كل رملة عاقر عظيمة، لمخافته من الرماة، ولزعله. والزعل: النشاط، والمحبور: الفرح. يريد أن نشاطه كنشاط الفرح المسرور.
والهبور: جمع هبر، وهو مطمأن في الرمل يهول النازل فيه، والتهول أن يعظم الشيء في عينك حتى يهولك أمره. يريد إنه يركب كل شيء يهول ركوبه من أجل خوفه من الرماة، فإذا ركبه وهو آمن منهم، هان عليه ما يلقى من الشدة.
والشاهد فيه إنه نصب (مخافة) لأنه مفعول له. و(زعل المحبور) عطف على (مخافة)، و(الهول) عطف على (كل). كأنه قال: يركب كل عاقر ويركب الهول.
[ ١ / ٣٧ ]