قال سيبويه في باب الحسن الوجه: ومن ذلك قولهم: هذا أحمر بين العينين، وجيد وجه الدار، ومما جاء منونا قول زهير:
أهوى لها أسفع الخدين مطرِقٌ ريشَ القوادمِ لِم تُنْصَبْ له الشَّبَكْ
[ ١ / ٥٥ ]
الشاهد فيه إنه نون (مطرق) ونصب (ريش القوادم).
وأراد بالأسفع صقرا، وأهوى لها: انقض عليها ليأخذها، ويقال أهوى وهوى في معنى واحد. ورواه الأصمعي:
هوى لها أسفع الخدين
والسفعة: شبيه بالسواد يكون في وجهه. ويقال هوى: انقض: وأهوى: أوما. والقوادم: الريشات العشر اللاتي في مقدم الجناح. والمطرق: الذي بعضه على بعض، يقال منه: طارق بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر. وقوله لم تنصب
له الشبك: أي لم يصد ولم يذلل، وهو وحشي. يريد إنه ليس بصقر متربب في أيدي الناس قد أرسله صاحبه.
وقال العجاج:
كمْ قد حَسَرْنا مِن علاةٍ عَنْسَ
كَبْداءَ كالقوسِ وأُخرى جَلْسِ
دِرفْسَةٍ أَو بازلٍ دِرفْسِ
(مُحْتَنكٍ ضَخْمٍ شُؤونَ الرأسِ)
حسرنا: أتعبنا وأنصبنا وأسقطنا، والعنس: الناقة الصلبة الشديدة، والعلاة: سندان الحداد، شبه الناقة في صلابتها بسندان الحداد، والكبداء: الضخمة الوسط خلقة، وجعلها كالقوس لأنها قد ضمرت واعوجت، والجلس: الشديدة، ويقال الجسيمة، والدرفسة الغليظة، والبازل: الذي له تسع
[ ١ / ٥٦ ]
سنين وقد دخل في العاشرة، والمحتنك: الذي قد بلغ في السن، والشؤون: جمع شأن وهي قبائل الرأس، عظام الرأس التي يتصل بعضها ببعض.
والشاهد: في تنوين (ضخم) ونصب (شؤون) الرأس.
قال سيبويه: وكان الألف واللام أولى لأن معناه: حسن وجهه، فكما لا يكون هذا - أعني (وجهه) - إلا معرفة؛ اختاروا في ذلك المعرفة، والأخرى عربية، كما أن التنوين عربي مطرد. فمن ذلك: حديث عهد بالوجع.
قال عمرو بن شأس:
أَلِكني إلى قومي السلامَ رسالةً بآيةِ ما كانوا ضِعافا ولا عُزْلا
(ولا سيَّئي زِيٍ إذا ما تَلَبَّسوا إلى حاجة يوما مخيسةً بزْلا)
الشاهد: في تنكير (زي) وترك إدخال الألف واللام عليه. ألكني: بلغ رسالتي، والالوك: الرسالة. وأراد ألكني فخفف الهمزة، وليس قولهم ألكني من لفظ الالوك،
وفيه قلب وليس هذا موضع ذكره. و(رسالة) بدل من (السلام) كأنه قال: الكني إلى قومي رسالة.
والآية: العلامة و(ما) جحد، والعزل: جمع أعزل وهو الذي لا سلاح معه، و(سيئي) منصوب معطوف على ما تقدم، وقوله تلبسوا. يريد لبسوا ثيابهم، و(إلى حاجة) في
[ ١ / ٥٧ ]
صلة (تلبسوا). ومخيسة: هي المذللة من الإبل والمحبوسة. ونصب (مخيسة) بإضمار فعل كأنه قال: إذا ما تلبسوا وركبوا مخيسة بزلا: ويجوز عندي أن ينصب بـ (تلبسوا) ويكون تقديره: إذا لبسوا يوما مخيسة. يريد أنهم شدوا عليها الرحال وزموها.
والذي وقع في شعره:
أَلِكْني إلى قومي السلامَ ورحمة ال إله، فما كانوا ضعافا ولا عزلا
ولا سيئي زِيّ إذا ما تحملوا لبعض الهوى يوما مخيَّسة بُزْلا