قال سيبويه: هذا باب مالا يكون فيه إلا الرفع، وذلك قولك: صوته صوت حمار، وتلويحه تضميرك السابق، ووجدي بها وجد
[ ١ / ٣١ ]
ثكلى.
وساق الكلام إلى أن ذكر بين مزاحم العقيلي. قال مزاحم:
ومن يَرَ جَدوى مثل ما قد رأَيتُها تَشُقْهُ وتَجْحدْهُ إليها التّكالِفُ
(ووجدي بها وَجْدُ المُضِلَّ بَعيرهُ بنخلةَ، لم تَعْطِفْ عليه العواطفُ)
كأنه قال: ووجدي بها وجد المضل، كما تقول: شربك شرب الإبل، أي مثل شرب الإبل.
وجدوى: اسم امرأة، والتكالف: جمع تكلفة وهو ما يتكلفه الإنسان ويفعله على مشقة، وتشقه: يدعوه حبها إلى أن يشتاق إليها، وتجهده التكالف: تحمله على جهد، ونخلة: موضع معروف بنواحي تهامة موضعان: يقال لأحدهما نخلة اليمانية، والآخر نخلة الشامية، والمضل: الذي أضل بعيره. قال: أضللت بعيري، إذ لم تعرف موضعه الذي ذهب إليه. يقول: لم تعطف من إبله. والعواطف: جمع عاطفة، ويراد بها في البيت الصداقة والرحم والمودة والصحبة وما أشبه هذا، فلذلك جمعه على فواعل، وفواعل من جمع المؤنث. المعنى إنه وجد بمفارقته لها، كما وجد الذي ضل بعيره في هذا الموضع.
[ ١ / ٣٢ ]
قال سيبويه في باب الإضمار في (ليس وكان): ولا يجوز أن تقول: ما زيدا عبد الله ضاربا، وما زيدا أنا قائلا، لأنه لا يستقم في (ما) كما لم تقدم في (كان وليس)
ما يعمل فيه الآخر، فإن رفعت الخبر حسن حمله على اللغة التميمية، كأنك لم تذكر (ما) وكأنك قلت: زيدا أنا ضارب.
يريد أن لغة أهل الحجاز لا يصلح فيها تقديم خبر (ما) على اسمها، لأنها عاملة كـ (ليس) و(ليس) لا يجوز أن يقدم مفعول خبرها على اسمها، و(ما) هي مشبهة بـ (ليس) في عملها، فإذا كان هذا لا يجوز في (ليس) فهو في (ما) أبعد.
وأما بنو تميم فإنهم لا يعلمون (ما) ويجعلون ما بعدها مرفوعا بالابتداء، ويكون الكلام بمنزلة جملة لم يدخل عليها حرف نفي. وقد يجوز قبل دخول (ما): زيدا عمرو ضارب، فكذا يجوز بعد دخولها أن تقول: ما زيدا عمرو ضارب، فيكون (عمرو) رفعا بالابتداء، و(ضارب) خبره، و(زيدا) مفعول ضارب، وقد تقدم.
وقال مزاحم العقيلي:
(وقالوا تعرفْها المنازل من مِنى وما كلَّ منْ وافَى مِنى أنا عارف)
[ ١ / ٣٣ ]
وهذا الإنشاد على مذهب بني تميم، جعل (أنا) مبتدأ و(عارف) خبره و(كل) منصوب بـ (عارف).
وأما أهل الحجاز فإنهم يعلمون (ما) في (كل) ويرفعون (كل) بها، ويجعلون قوله: (أنا عارف) جملة في موضع الخبر. ويعود إلى اسم (ما) الضمير المحذوف، يريد: أنا عارفه.
وتعرفها بمنزلة أعرفها، والمنازل: منصوب على الظرف. يريد: اعرفها مكانها في المنازل من منى، وما كل من وافى منى أنا عارف: موضعه الذي ينزل فيه وتعرفت بمعنى عرفت. ومثله بيت طريف العنبري:
فَتَعرفوني إنني أنا ذاكمُ