قال سيبويه: ومثل ما يجيء في هذا الباب: على الابتداء، وعلى الصفة، وعلى البدل، وقوله ﷿: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة). يريد إنه يرفع على ابتداء محذو، كأن التقدير: إحداهما فئة تقاتل في سبيل الله، وفئة أخرى كافرة. والجملة وصف لـ (فئتين).
ثم قال:: ومن الناس من يجر. يريد إنه يجر (فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة) قال: والجر على وجهين: على الصفة، وعلى البدل. يريد أن (فئة) بدل من (فئتين) والصفة كما تقول: مررت برجلين قاعد وقائم. وإنما جعل (فئة) صفة لـ (فئتين) لأن (فئة) موصوفة، فكان اعتماد الصفة في (فئتين) على صفة (فئة). كما تقول: مررت برجلين: رجل صادق ورجل كاذب.
وقال كثير عزة:
فليتَ قَلوصي عند عزَّةَ قُيدَتْ بحبلٍ ضعيفٍ غرَّ منها فضَلتِ
وغودِرَ في الحي المقيمين رَحْهُا وكان لها باغٍ سوايَ فبلتِ
(وكنت كذي رِجلَيْنِ: رِجْلٍ صحيحةٍ ورجلٍ رمى فيها الزمانُ فشَلَّتِ)
[ ١ / ٣٧٧ ]
يقول: ليت قلوصي التي رحلت عليها إلى عزة - لما نزلت عندها، وشددت قلوصي بحبل قيدتها به - كان الحبل الذي شددتها به ضعيفا، حتى ينقطع وتذهب وتضل، فلا يكون لي ما اركبه وأعود عليه إلى أهلي، فأبقى مقيما عند عزة،
استمتع بها وبحديثها.
وغر منها: يريد غر الحبل صاحبه من القلوص، توهم أن الحبل جديد لا ينقطع، فغفل عن القلوص فقطعته وذهبت. وغودر: ترك في الحي المقيمين رحلها وكان للناقة باغ يطلبها سوى كثير، فبلت ذهبت لا توجد. وكنت كذي رجلين: إحداهما قد شلت، فلا يمكنني أن أبرح من عند عزة، لأن قلوصي قد ذهبت، ورجلي قد شلت، فلا يمكنني العود راكبا ولا راجلا.
تمنى أن رجله قد شلت لما حصل عندها، وان قلوصه ضلت، حتى تكون إقامته عندها بحجة.
وقوله: رمى فيها الزمان: أي أصابها ببلية.