قال سيبويه في باب الترخيم، في باب الأسماء التي كل اسم منها من اسمين: واعلم أن الحكاية لا ترخم، لأنك لا تريد أن ترخم غير منادى، وليس مما يغيره النداء، وذلك نحو: تأبط شرا، وبرق نحره.
يعني أن الحكاية إذا نوديت لم ترخم، لأنها إذا نوديت فهي على اللفظ الذي تكون عليه في غير النداء، ولا يحدث فيها تغيير إذا نوديت، وإنما يرخم ما يتغير في النداء عما كان عليه، والذي يتغير في النداء هو الشيء الذي تقصد إليه بعينه فتدعوه، وإذا قصدت واحدا بعينه بنيته فتغير عن حال
[ ١ / ٣٥٩ ]
الإعراب إلى البناء، فجرأهم هذا التغير على ترخيمه.
قال سيبويه: لو رخمت هذا - يعني الحكاية - لرخمت رجلا يسمى: قول عنترة:
(يا دارَ عبلةَ بالجِواء تكلّمي)
الزم سيبويه من أجاز الترخيم في الحكاية - (إذا كانت الحكاية) بجملة - هي كلمتان، نحو: تأبط شرا، وبرق نحره، فيحذف الكلمة الثانية ويدع الأولى، فيقول: يا تأبط أقبل ويا برق هلم، فإذا سمي بحكاية هي كلمات: (أن يجيز الترخيم) وإن كانت الحكاية نصف بيت أو بيتا تاما، وهذا لا يركبه أحد وتمام البيت:
يا دارَ عبلةَ بالجواء تكلمي وعِمي صباحا دار عبلةَ واسْلَمي
والجواد موضع بعينه يقال له الجواد، وهو الذي عناه عنترة. والجواد ايضا: جمع جو وهو البطن من الأرض الواسع، تكلمي: أخبري عن أهلك والذين كانوا قاطنين بك، ما فعلوا. . . وعمي صباحا: أنعمي واسلمي من الآفات في صباحك.
و(صباحا) منصوب على الظرف، و(عمي) محذوف من (انعمي) على طريق التخفيف لكثرة استعماله، وقيل: إنه من وعم يعم مثل وعد يمد، فقوله: عمي مثل عدي، إلا إنه لا يستعمل منه إلا هذا الفعل الذي هو دعاء وهو على لفظ الأمر.
وقد حكي عن بعض أصحابنا المتقدمين إنه قتال: هو من قولهم: عمت السماء تعمي، ومعنى عمت: سال مطرها. والقول الأول أعجب
[ ١ / ٣٦٠ ]
إلي. وقد رأيناهم حذفوا من بعض الأفعال التي يكثر استعمالها ما لا يوجب القياس حذفه، لكثرة الاستعمال. نحو: لم أبل، ولم يك، ولم نرهم استعملوا وعم يعم، ولا عمى يعمي في هذا الباب.