قال سيبويه: (ومن ذلك أيضًا (أعندك زيد أم لا) كأنه حيث قال: (أعندك زيد)، كان يظن أنه عنده، ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: (أم لا). يعني أن المستفهم قد يستفهم عن شيء يظن أنه كائن فيقول: أعندك زيد، فالسائل سألْ وهو يظن أن زيدًا قد حصل عند المسؤول، فربما أدركه ظن غير ظنه الأول في أنّ زيدًا ليس عند المسؤول فيأتي بـ (أم) ويجعل الذي بعدها جملة، وتكون (أم) هذه منقطعة.
يعني أن الكلام الذي بعدها منقطع عن الكلام الأول، ويكون في (أم) معنى الإضراب عن الكلام الأول، وإذا جاءت (أم) على هذا الوجه، جاز أن تأتي بعد جملة فيها استفهام، بعد جملة لا استفهام فيها.
وعلى كل وجه يكون الكلام بها في تقدير استفهام مستأنف، وقد أُضرب عن الكلام المتقدم.
[ ٢ / ١٤١ ]
قال كثيّر:
(أليس أبي بالنَّضْرِ أم ليس والدي لكلِّ نجيبٍ من خُزاعةَ أزْهَرا)
أراد النضر بن كنانة، وولدُ النضر هم قريش.
والشاهد فيه أنه جاء بـ (أم) منقطعةْ وفيها معنى الإضراب. والتقدير: أليس أبي النضر، بل أليس والدي لكل نجيب.
والأزهر: الأبيض، وأراد به أنه هو مشهور يضيء بحسنهْ وشرفه. ويروى:
أليس أبي بالصِّلتِ أم ليس اخوتي لكلِ هجانٍ من بني النَّضْر أزهرا
ويقال: إنه إنما قالها لأنه كان يزعم أنه من بني الصلت، والصلت من ولد النضر بن كنانة، وعنى بإخوته قبيصة بن ذئب الخزاعي، وكان أخا عبد الملك ابن مروان من الرضاعة، وكان على فلسطين استعمله عليها عبد الملك.
قال سيبويه: (وتقول: (أتضرب زيدًا أو تشتم عمرًا)، إذا أردت: هل يكون شيء من هذه الأفعال. وإن شئت قلت: (أتضرب زيدًا
[ ٢ / ١٤٢ ]
أو تشتم عمرًا) على معنى: أيهما).
يريد أنك إذا عطفت بـ (أو) فأنت شاك في وقوع واحد من الأمرين، وإنما تستفهم لتعلم أوقع واحد منهما؟.
وإذا عطفت بـ (أم) فأنت مُدَع أن أحدهما كائنْ وإن لم تعرفه بعينه. وهذا الحكم ثابت في الأفعال المعطوف بعضها على بعض كثباته في الأسماء. نحو قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟.
قال حسان:
رُبَّ حِلم أضاعه عدَمُ المالِ وجهلٍ غَطا عليه النعيمُ
(ما أُبالي أنَبَّ بالحَزْنِ تيسُ أم لحاني بظهرِ غيبٍ لئيمُ)
يعني أن الفقر قد يذهب بمحاسن الفقيرْ ومكارم أخلاقه، فإن الناس يطرحونه لأجل
فقره فلا تُعرف أخلاقه، فإن كان غنيًا قصدوهْ وسألوه فعُرفت أخلاقه.
وقوله: (وجهلٍ غطا عليه النعيم) يعني أن الغنَى يسترعيب صاحبه لمحبة الناس للمالْ وإكرامهم للغني. والحزن: الغليظ من الأرض، والحَزن مكان بعينه في بلاد بني تميم. يقول: كلام اللئيم لي وعيبه لي، بمنزلة صياح التيس حين يصيح عند النزو. ولحاني: لامني.
[ ٢ / ١٤٣ ]