قال سيبويه في الجزاء: (وقد يجوز في الشعر: آتي مَنْ يأتِني) يريد أنه يجوز أن يكون الفعل بعد الشرط مجزومًا، ويكون الفعل المتقدم يسد مسد الجواب، ثم يؤخّرْ وهو في نية التقديم. وهذا يحسُن إذا كان فعل الشرط ماضيًا.
فإذا كانت (إنْ) عاملة لم يجز أن يكون الجواب إلا: بفعل مجزوم، أو بجملة في أولها الفاء. فإن اضطر شاعر كان له أن يجعل الفعل الذي يأتي بعد فعل الشرط مرفوعًاْ وينوي به التقديم.
قال أبو ذؤيب:
ما حُمِّل البُختِيُّ عامَ غِياره عليه الوُسوق بُرُّهاْ وشعيرُها
أتى قريةً كانت كثيرًا طعامُها كرفغ التراب كلُّ شيءٍ يَميرُها
(فقيل: تحمَّلْ فوق طَوقِكَ إنها مطبَّعَةُ، مَنْ يأتِها لا يَضيرُها)
الشاهد فيه أن رفع (يضيرها) ونوى به التقديم، كأنه قال: لا يضيرها مَن يأتِها،
[ ٢ / ١٨١ ]
كذا قدّره سيبويه، وأجاز أيضًا في هذا البيتْ وفي نظائره، أن نُقدر الفاء فيه محذوفة منه، ولا يُقدر فيه التقديم. كأنه قال: مَن يأتها فهو لا يضيرها، وحذَف
الفاءْ والمبتدأ.
فأما هذا الوجه فيوافَقُ عليه - أعني حذف الفاء - وأما تقديره تقديم الفعل، فإن أبا العباس يمنع منهْ ويقول لو قدرتُ الفعل متقدمًا لصارت (مَن) فاعلة له، ولو كانت (مَن) فاعلة لخرجت عن أن تكون شرطًاْ وصارت بمعنى الذي، وصار الفعل الذي بعدها مرفوعًا، فكنت تقول: لا يضيرها من يأتيها.
والجواب عما قال أبو العباس: أن التقدير في (لا يضيرها) أن يكون مقدمًا وفيه ضمير فاعل كأنه قال: لا يضيرها ضير أو لا يضيرها شيء. كما قال الله تعالى (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليَسْجنُنه).
وفيه وجه آخرْ وهو عندي جيد، وهو أن يكون الفاعل في (لا يضيرها) (التحمّل) ويكون (تحَّملْ) قد دل على المصدر الذي هو فاعل (يضيرها) ولو قُدر فيها أن فاعلها (التحمل) - على كل حال - صلح، إن قدرتَ الفاء محذوفة، أو قدرتَ فيه التقديم.
والغيار: مصدر غارَ أهله يغيرهم إذا مارهم، والميرة: يقال لها الغِيرة، والوُسوق: جمع وَسْقْ والوَسْق ستون صاعًا، و(برُهاْ وشعيرُها) بدل من
[ ٢ / ١٨٢ ]
(الوُسوق).
أتى البُختيُّ قرية كانت كثيرًا طعامها، واللفظ للبختيْ والمعنى لصاحبه، والرفغ: التراب الكثير. كل شيء يَمير هذه القرية، يأتي إليها كل حين من كل ناحية. فقيل لصاحب البُختيّ لتحمل عليه أكثر مما يطيق - إن استوى لك - فإن الطعام الذي في هذه القرية لا يؤثر فيه مقدار ما تأخذه أنت. والمطبّعة: المملوءة.
أراد أبو ذؤيب بهذا، أن الذي حمّله خالدَ بن زهير من الأمانة وكَتم سره في أنه يهوى أم عمرو، واستيثاقه منه أنه لا يخونه أعظم مما تحمّله البختي من هذه القرية: وبعد هذه الأبيات:
بأثقلَ مما كنتُ حَمَّلتُ خالدًا