قال سيبويه في الاستثناء، قال النابغة الجعدي:
لولا ابنُ عفانَ الإمامُ لقد أغضيتَ من شتمي على رَغْمِ
[ ٢ / ١٥٤ ]
ودعوتَ لهْفكَ بعد فاقرةٍ تبدي محارفُها عن العَظمِ
كانتْ فريضةَ ما تقولُ كما كان الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْمِ
(إلا كمُعْرِضٍ المُحَسِّرِ بَكْرَيْهِ يسبِّبني على الظلمِ)
الشاهد فيه أنه استثنى استثناء منقطعًا، لأن (معرضًا) لم يجر قبله ما يستثنى منه، ولكن هذا الاستثناء بمعنى لكنْ، وليس من الأول في شيء. والكاف زائدة، أراد: إلا معرضًا.
وإنشاد البيت الأول في الكتاب على صحة وزن، وهو من العروض الثانية من الكامل، والبيت الثاني يخرج من العروض الأولى من الكامل. وقد أنشد مع البيتين من القصيدة ما يوضح المعنىْ والوزن.
وأغضيتَ: أسبلت جفنك على عينك - لما قد أصابك من الغلبةْ والقهر - من أجل شتمي لك، وأنك لا تستطيع أن تقول مثل شعري. والرغم: الإذلال، ودعوتَ لهْفكَ: استغثتْ وتلهفت على ناصر ينصرك فلم تجد.
والفاقرة: ما ينزل به فيكسر فقار صلبه، والمَحارف: جمع محراف وهو الميل الذي تقدر به الشَّجَةْ والجرح. يريد أنه كان يهجوه هجاء يجري مجرى ما يكسر فقار صلبه. (كانت فريضة ما تقول): في (كانت) ضمير الفاقرة. يريد: كانت الفاقرة فريضة ما تقول فيّ من القبيح،
[ ٢ / ١٥٥ ]
أي جزاء ما تقول، كما كان الرجم عقوبة الزنا.
وهذا من المقلوب، جعل الزنا عقوبة الرجم، وهذا اتساع لأجل الضرورة، وأنه ليس يقع في الكلام لَبْس.
والمعنى أنه يقول لسوار القشيري: لولا الإمام ابن عفان - وأني أخشى عقوبته - لعملت بك الفاقرة، لكنّ معرِضًا يدور الأحياء يشتمني.
ومعرض ليس بسوارْ ولا مستثنى منه، فهو استثناء بمعنى لكنْ. وقوله: المحسِّر بَكْرَيْه: يريد يحسرهما: يحملهما على الإعياءْ والكَلال من شدة سيرهْ وطوفه في الناس يكذب عليّ ويُعِين سوّارًا.
وبَكْرَيْه: تثنية بكر، والبكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس. وقوله: يسبِّبني على الظلمِ: يحتمل أمرين:
أحدهما أنه بمعنى يسبني، فجعله على يسبّب، أراد أنه يشتمهْ وهو ظالم له.
ويجوز أن يريد بهذا، أنه إذا ابتدأه بفعل القبيح من غير جناية - وشكاهْ وطاف في
الناس يسبه - أنه يهجوهْ ويهجو قومهْ وآباءه، ويشتم من لم يكن له في فعل مُعرض ذنب، فيكون حاملًا له على شتم من لم يكن له في هذا الأمر سبب، وهذا الشتم ظلم.
قال سيبويه في باب الاستثناء المنقطع، قال الجعدي:
(فتى كمُلتْ خيراته غير أنه جوادُ فما يُبْقي من المال باقيا)
[ ٢ / ١٥٦ ]
يرثى بذلك أخاه وَحْوحًَا. والشاهد فيه نصب (غير) على الاستثناء المنقطع، و(غير أنه جواد) ليس بشيء مستثنى من الأول. أراد: ولكنه مع ما ذكرته لك جوادُ لا يبقي من ماله شيئًا. والمعنى واضح.