قال سيبويه في الجزاء: (وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيها ضعيف في الكلام، لأنها ليست كـ (إنْ). يريد أن الفصل بين حروف
[ ٢ / ٩٦ ]
الجزاءْ وبين فعل الجزاء بالاسم ضعيف في حروف الجزاء، لا يجوز إلا في الشعر. سوى (إنْ) فإنه يجوز فيها الفصل في الكلام. ثم قال: ومما جاء من الشعر مجزومًا في غير (إنْ) قول عدي بن زيد:
وهمُ ما همُ إذا عزَّتِ الخَمْرُ وقامت زِقاقهمْ بالحِقاقِ
يعقِرون العِشارَ للشَّرْبِْ والذِّمَّةِ والفاقدين للأوراقِ
(ومتى واغِلُ يَنُبْهُمْ يحيُّوهُ وتُعطفْ عليه كأسُ الساقي)
الشاهد فيه أنه فصل بين (متى) وهي للشرط، وبين الفعلْ وهو (يَنُبْهُمْ) بـ (واغل) وأصله: متى ينبهم واغل، فقدمه. وإذا تقدم ارتفع بفعل مضمر تقديره: فمتى ينبهم واغل ينبهم، ويكون الذي أظهر تفسيرًا للذي أُضمر.
مدح نداماه، يقول: أي قوم هم إذا عزَّتِ الخَمْرُ.! يعني أنهم يبذلون أموالهم حتى
يشتروها، ولا ينظرون في عزة الأثمان. وقوله: وقامت زِقاقهمْ بالحِقاقِ، يريد أن كل زق بحقّة أو حِقّ من الإبل، والعِشارَ من الإبل: جمع عُشراءْ وهي الناقة التي أتى عليها من حملها عشرة أشهر، والشَّرْب: الذين يشربون، والذمة: الحُرمةْ والعهد، والفاقدون للأوراق: الذين افتقرواْ وفقدوا الدراهم التي تشترى بها الخمرْ وغيرها.
[ ٢ / ٩٧ ]
يريد أنهم ينحرون الجُزُر للذين يشربون معهم، ولمن بينهمْ وبينه ذمة وعهد، وللفقراء المحتاجين. والواغل: الداخل (على القوم في شرابهم من غير أن يُدعى. يقال منه وغَل يغِل. ويَنُبْهُمْ: من باب ينوب: إذا أتى.
يريد أن الداخل) عليهم - وهم يشربون - يكرم ويُحَيَّاْ ويسقىْ وإن كانوا لم يدعوه.
قال سيبويه في آخر الباب: ومثل الأول - يعني مثل قول عدي (فمتى واغل ينبهم):
قول هشام المُرّي:
تركنا رِقابَ الناسِ تحتَ سيوفِنا لطاعتِنا من رَهبةِ الموتِ خُضَّعا
(فمَن نحن نُؤْمِنْهُ يَبِتْْ وهو آمِنُ ومن لا نُجِرْهُ يُمْسِ منا مُفزَّعَا)
الشاهد فيه أنه فصل بين (مَنّ) وهي للشرط، وبين فعلهاْ وهو مجزوم بقوله (نحن) و(نحن) مرفوع بفعل مقدر بعد (مَن) كأنه قال: فمن نؤمنه نحن نؤمنه. والمعنى واضح.