قال سيبويه: (وسألت الخليل عن الياءات، لِمَ لمْ تنصب في موضع النصب إذا كان الأول مضافًا، وذلك قولك: رأيت معديْ كربٍ، واحتملوا أياديْ سبًا؟ فقال: شبهوا هذه الياءات بألف المثنى، حيث عرَّوْها من الرفع والجر).
يعني أنهم شبهوا هذه الياءات التي في (معدي كرب) و(قالي قلا) وما أشبهها لما
كانت تسكن في موضع الرفع والجر، ولا يدخلها حركة بألف مثنى. فلما كانت مثل الألف في وجهين من وجوه الإعراب - وهما الرفع والجر جعلوها مثلها في الوجه الثالث وهو النصب. ثم قال: (وقالت الشعراء حين اضطروا). يريد حين اضطروا إلى إسكان الياء في الأسماء التي ليست بمنزلة (معدي كرب) و(أياديْ سبا).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قال رؤبة:
سَوَّى مساحيْهِنَّ تقطيطَ الحققْ
تفليلُ ما قارعْنَ من سُمْرِ الطرَقْ
الشاهد فيه إسكان الياء من (مساحيْهِنَّ) وهو في موضع نصب لأنه مفعول (سَوَّى)، وفاعل (سَوَّى) تقليل.
وأراد بمساحيْهِنَّ: حوافر حُمُر الوحش، وجعل حوافرهن بمنزلة المساحي لأنهن يُثرن بها التراب، والتقطيط: تقليمها، والقط في الأصل: القطع. يعني أن الحجارة التي تعدو فيها قد قططتها كما يُقط القلم، يريد سوّت جوانبها وحروفها.
و(تقطيط) مصدر منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: قططتها تقطيطًا مثل تقطيط الحُقق، والحقق: جمع حُقة. يريد أن كل حافر من حوافرها مستدير مستو كأنه حقة، والتفليل: تفليل الحجارة الحوافرَ، تكسيرها من جوانبها، كأن الحجارة أخذت من جوانب الحوافر حتى استوت.
ويجوز أن تنصب (تقطيط) بسوّى. وهو من باب: تبسمتْ وميضَ البرق. ما قرعن: أي ما قارعنه بحوافرهن. والطرَق: ما تطارق من الحجارة بعضها على بعض.