قال سيبويه في باب النون الخفيفة، قال الأعشى:
أبا ثابتٍ لا تعْلقنْكَ رماحُنا أبا ثابتٍ واقعُدْ وعِرضُك سالمُ
أبو ثابت: يزيد بن مسْهر الشيباني، وكان قد وقع بين شيبان وقوم الأعشى شر، فتهدد الأعشى. وقوله: لا تعلقنك رماحنا، يقول: لا تتعرض لقتالنا فتعلقك رماحنا، فجعل النهي؛ عن السبب الذي يؤدي فعله إليه.
قال سيبويه: قال النابغة الذبياني:
فلتأتينكَ قصائدُ ولَيَرْكبًا ألفُ إليكَ قوادمَ الأكوارِ
الشاهد في إدخال النون في (لتأتينكَ).
يخاطب بذلك زُرعة بنَ عمرو الكلابي لأجل شيء وقع بينه وبين النابغة، يقول: ليأتينّك هجوي لك في قصائدي، يريد أن الرواة تحملها وتشيع ذكرها
[ ٢ / ٢٢٥ ]
حتى تبلغه.
والأكوار: الرحال، الواحد كور، وقادمة الرحل: العود الذي يكون قدام الرجل إذا جلس على الرحل، والآخرة: العود الذي يكون خلف ظهره، والرجل يجلس بينهما
على الرحل.
وأراد النابغة أنه يسير إلى زُرعة ألف رجل على الرحال. وكانوا إذا أرادوا الغزو جنبوا الخيل وساروا على الإبل. فإذا أرادوا الإغارة نزلوا عن الإبل وركبوا الخيل.
قال الذبياني:
لا أعرفنْ رَبرَبًا حورًا مدامعُها كأن أبكارَها نِعاجُ دُوّارِ
ينظرنَ شَزْرًا إلى مَن جاء عن عُرُضٍ بأوجُهٍ منكِراتِ الرّقِ أحرارِ
ويروى: كأنهن نعاجُ حول دُوارِ.
الربرب: القطيع من البقر، وأراد به في هذا الموضع جماعة من النساء، والحَوَر: شدة سواد العين في شدة بياض بياضها، مع نقاء الجلد وصفاء اللون. والحُور: جمع حوراء، ودُوّار قيل فيه: مُستدار حيث يدور الوحش حوله، وقيل: دوار نُسُك لهم؛ حَجَرُ يذبحون عنده ويطوفون حوله، وقيل: دوار صنم تدور حوله الجواري. والشزر: النظر في جانب، وعن عُرُض: عن اعتراض، ومنكِراتِ الرّق: أي هن حرائر، فإذا سُبين أنكرن الرق.
يخاطب النابغة بهذا بني ذبيان، وكانوا قد أغاروا على بعض أهل الشام
[ ٢ / ٢٢٦ ]
فنهاهم النابغة عن ذلك، فبعث إليهم الحارث الجفني جيشًا، عليه النعمان بن الجُلاح الكلبي، فأغار عليهم وأصاب فيهم.
والشاهد فيه إدخال النون في فعل النهي.
قال سيبويه وقال النابغة الجعدي:
فمن يَكُ لم يثأرْ بأعراضِ قومهِ فإني وربِّ الراقصاتِ لأثأرا
الشاهد فيه إدخال النون الخفيفة في (لأثأرا) أراد لأثأرنْ، وأبدل من النون الألف، وهي تبدل ألفًا في الوقف.
يقول: من كان من الشعراء لم يهجُ الذين هجَوْا قومه، فإني أنا أهجو من هجا قومي. والذين يهجوهم النابغة في هذا الشعر: بنو سعد بن زيد مناة بن تميم. وثأر بأعراضهم: هجا من هجاهم، والراقصات: الإبل التي تسير رقصًا، والرقص: ضرب من الخَبَب. وعنى الإبلَ التي تحمل الحاجَّ وترقص نحو الحرم.
و(لأثأرا) جواب القسم، والقسم وجوابه في موضع خبر (إنّ) وقوله: فإني وما بعدها، جواب الشرط.
قال سيبويه قال النابغة الجعدي:
فأقبِلْ على رهطي ورهطِكَ نبتحِثْ مساعِيَنا حتى ترى كيف نفعلا
[ ٢ / ٢٢٧ ]
المساعي: جمع مسعى ومسعاة، وهي المكرمة التي في فعلها يقال: فلان كريم المساعي، أي كريم الأفعال فاضلها. يخاطب سوّارًا القشيريّ، وكانا يتهاجيان. يقول: أقبِلْ حتى نعدّد ما في قبيلتي وقبيلتكم من المفاخر، حتى تعلم أينا أكرم وأجل عند الناس، و(ترى) بمعنى تعْلم، من رؤية القلب. والجملة في موضع المفعولين.
والشاهد فيه إدخال النون الخفيفة في (تفعلا) لأنه استفهام.