قال سيبويه في باب (فعل): (وقال لي - يعني الخليل - قال لي أبو عمرو: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورُباع) صفة، كأنك قلت أولي أجنحة اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة. وتصديق قول أبي عمرو قول ساعدة
[ ٢ / ٢١٤ ]
ابن جؤية) وأنشد بيتين له غير متواليين. قال ساعدة:
وعاوَدَني دِيني فبتُّ كأنما خِلال ضلوع الصدر شِرْعُ ممدَدُ
بأوبِ يَدَيْ صَناجةٍ عند مُدْمِنٍ غوِيٍّ إذا ما ينتشي يتغردُ
فلو أنه إذ كان ما حُمَّ واقعًا بجانب من يَحْفى ومن يتوددُ
ولكنما أهلي بوادٍ أنيسُهُ ذِئابُ تبغي الناسَ مثنى ومَوْحَدُ
الدين في هذا الموضع: ما يعتاده من الهموم، يراجعه مرة بعد مرة، يريد أنه عاوده حزنه على ابنه، والشِرْعُ: الوتر، ويقال فيه: شِرعة. يريد أنه بات وفي صدره دوي، كأن صوته صوت وتر عود، وخلال ضلوع الصدر بينها، والأوب: الرجوع. يريد ترديد هذه الصناحة يدها بالصنج، والباء في معنى مع.
يريد أنه خلال ضلوع الصدر وتر، مع أوب يدَيْ صناجة. يقول: كأن في صدري صوت وتر مع صوت صنج. والمدمن: الذي يديم الشرب، والغوي: الجاهل الذي لا يبالي ما صنع، وينتشي: يسكر، ويتغردُ: يتغنى،
[ ٢ / ٢١٥ ]
ويطرب: يمدد صوته. ثم قال: فلو أنه إذ كان ما حُمَّ: أي ما قدِّر أنه يقع بي، واقعًا بجنب قوم يحبونني ويودونني لكان أسهل علي.
وحذف جواب (لو). يريد أنه لو وقعت به هذه المصيبة وهو عند أهله لعزَّوه ورفقوا به، ولكنْ أتته المصيبة وهو بين قوم لا يبالون ما نزل به. ثم قال: ولكنما أهلي بوادٍ أنيسُهُ ذِئابُ. يريد أن أهله في بلد لا يجاورهم فيه إلا السباع. تبغى: تطلب الناس اثنين اثنين وواحدًا واحدا.