قال سيبويه في الأبنية: (ويكون على (أفنعَل) في الاسم والصفة. فالاسم نحو: ألَنحَج وأبَنْبَم، والصفة نحو: ألَنْدَد). قال الطِرِمّاح:
كم دونَ إلفِكَ منِ نياطِ تنوفةٍ قذَفٍ تظلُّ بها الفرائضُ ترْعَدُ
فيها ابنُ بَجْدَتِها يكادُ يذيبه وقدُ النهار إذا استدار الصيخَدُ
(يوفي على جِذْم الجُذولِ كأنه خصْمُ أبرَّ على الخصوم ألَندَدُ)
التنوفة: الأرض الواسعة وجمعها تنائف، والنياط: البُعد،
[ ٢ / ٣٤٨ ]
والقَذَف: البعيدة، والفرائص: جمع فريصة وهي لحمة في مرجع الكتف. وأراد أن فرائص من يسلك هذه التنوفة ترعد من الخوف فيها. وقوله: فيها ابن بجدتها، يريد: في هذه
التنوفة ابن بجدتها وزعموا أنه يعني بابن بجدتها الحرباء، ويقال للرجل المقيم بالبلد لم يبرح منه قط: ابن بجدته، ويقال للعالم بالأرض ابن بجدتها.
والصَّيْخد: الحر الشديد، ويقال: شمس صيخد إذا كانت حارة. يعني أن الحر يكاد يذيب الحرباء، واستدار: يريد علت الشمس، فصار حرها كأنه مستدير على الرؤوس، ويوفي: يشرف، والجِذم: أصل الشجرة، والجذول: جمع جِذْل وهو أيضًا الأصل من أصول الشجرة. أبرَّ على الخصوم: غلبهم، والألندد: الشديد الخصومة.
شبه الحرباء - حين ارتفع على أصل الشجرة، ومد رأسه نحو الشمس - بخصم قد غلب خصومه، فرأسه مرتفع لم يطأطئه، لأنه لم يُغلب فيطأطئ رأسه.
قال سيبويه في الأبنية: (ويكون على (يَفاعيل): في الاسم نحو: يرابيع ويعاقيب ويعاسيب، والصفة نحو: اليحاميم واليخاضير، وصفوا باليحموم كما وصفوا باليخضور).
قال غيْلان بن حُريث:
كأنهمْ للناظرِ المُتيرِ
(عَيْدانُ شطيْ دجلةَ اليَخضورِ)
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وصف ظعُنًا تحملت وسارت، وشبه الهوادج على الإبل بالعَيْدان من النخل، الذي قد طال وفات المتناول، كأنهم - يعني القوم الذين ساروا - للإنسان الذي ينظر إليهم، والمُتير: المُتئر بالهمز وبغير الهمز: هوالذي يديم النظر. يقال: أتأر وأتار.
و(عيدان) مرفوع خبر (كأن) وشطا دجلة: جانباه، و(اليخضور) مجرور، وظاهره أنه نعت لـ (عيدان) و(عيدان) مرفوع، فكان ينبغي أن يقول: (اليخضورُ) بالرفع، ووجه الجر فيه عندي أنه نعت لشيء محذوف، والتقدير فيه أنه أراد: (عيدان نخل شطي دجلة اليخضور) فحذف (النخل) وأقام المضاف إليه
مقامه، ونعَت على لفظ ذلك المحذوف.
فإن قال قائل: فالعَيْدان هو النخل، فكيف أضاف العيدان إلى (نخل)؟ قيل له: ليس كل نخل عيدانًا، وإنما العيدان بعضه، فهو في تقدير قائل قال: كأنهم أوساط النخل أو صغار النخل أو ما أشبه ذلك.
وقال العجاج:
كأنّ ريحَ جوفه المَزْبورِ
بالخُشْب تحت الهَدَب اليَخضورِ
مَثواةُ عطارِين بالعُطورِ
وصف كِناس الثور الوحشي. يعني كأن ريح جوف الكِناس،
[ ٢ / ٣٥٠ ]
والمزبور: المَطويّ بالخشب، و(بالخُشْب) في صلة (المزبور)، يريد المزبور بالخشب، وفي الشعر تضمين. والهدب: ورق الشجر، واليخضور: الأخضر. يريد أنه طُوي أسفلُ الكِناس بالخشب الذي ليس فيه ورق، والورق الأخضر في أعلى الكناس.
والمثواة والمثوى: موضع الإقامة، والعطور: جمع عطر. يصف طِيب ريح الكناس الذي هوبيت الثور الوحشي. و(مثواة) رفع خبر كأنّ.