قال سيبويه: في باب القوافي: (وقال في الرفع للأعشى:
(هريرةَ ودِّعْها وإنْ لام لائمو غداةَ غدٍ أم أنت للبَيْن واجمو)
يريد أنهم وقفوا على آخر البيت بواوثابتة في اللفظ، فهذا ما وقفوا عليه بحرف مد مما كان منونًا في الكلام.
و(هريرة) منصوب بإضمار فعل تفسيره هذا الظاهر، ولم يجز أن يكون نصبه بالظاهر لاشتغال الظاهر بالعمل في ضميرها، واختير فيها النصب بإضمار فعل، لأن معنى الكلام الأمر، والأمر لا يكون إلا بفعل، فاختير في الجملة التي هي أمر أن يكون فعل الأمر مبدوءًا به في اللفظ.
وإنْ تأخر واشتغل بضمير الاسم المتقدم، قُدر فعل مثله في أول الكلام، نحو
[ ٢ / ٣٠٠ ]
قولك: اضرب زيدًا، وزيدًا اضربه. تريد: اضرب زيدًا اضربه.
والواجم: الحزين الساكت، يريد انه شغله حزنه بفراقها حتى بقي واجمًا متحيرًا، لا يمكنه أن يودعها لما قد اصابه. و(أم) في هذا الموضع فيها معنى الإضراب. كأنه قال: بل أنت للبين واجم.
وقال جرير فيما لا ينون:
(أقِلي اللومَ عاذلَ والعِتابا وقولي إنْ أصبتُ لقد أصابا)
أراد: يا عاذلةُ فرخم. يقول: أقلّي لومي يا عاذلةُ، ودعيني وتأملي ما أفعله فإذا كنتُ مصيبًا فصوّبيني، ولا تعذُلي على شيء ما عرفتِهِ ولا تبينتِه، حتى تَخْبُري فتقولي ما تقولينه على علم.
وقال جرير:
(متى كان الخيامُ بذي طلوح! سُقيتِ الغيثَ أيتها الخيامُو)
طُلوح موضع في بلاد بني يربوع، والخيام: شبه البيوت تُعمل من الشجر وإنما كانوا يعملونها إذا ارتبعوا، فإذا انقضى ربيعهم، وعادت كل
[ ٢ / ٣٠١ ]
قبيلة إلى دارها وموضعها تركوا الخيام كما هي، فإذا مرّ بمرتبعهم راكب قد رآهم فيه - وقد كان رأى فيهم من يهواه، فإذا اجتاز بالموضع الذي ارتبعوا فيه بعد رحيلهم، ورأى الخيام وآثارهم - تذكرهم وحنّ إلى لقائهم. فلهذا تُذكر الخيامُ في المواضع التي كان فيها الناس وارتحلوا عنها.
وأخبرنا أبو بكر بن مِقْسَم قال: اخبرنا أبوالعباس ثعلب قال: قال لي يعقوب: قال لي ابن الكلبي: بيوت العرب ستة: قبة من آدم، ومظلة من شعر، وخباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وأقنة من حجَر.
وقوله: سُقيتِ الغيث: المعنى أنه دعا لها أن يُمطر الموضع الذي هي فيه حتى يخرج نباته، فإذا صار فيه نبت نزله الناس في وقت الربيع.
والشاهد فيه إثبات الواو في آخره في الوقف.
قال سيبويه: (وأما ناس كثير من بني تميم، فإنهم يبدلون مكان المدة النون
فيما ينون وما لا ينون لمّا لم يريدوا الترنم، أبدلوا مكان المَدة نونًا ولفظوا بتمام البناء وما هو منه، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد). قال العجاج:
ما هاجَ أحزانًا وشجْوًا قد شَجَنْ؟
(من طللٍ كالأتحميِّ أنهجَنْ)
[ ٢ / ٣٠٢ ]
(ما) استفهام يعني: أي شيء هاج عليّ حزني؟ والشجو: الحزن. يقال: شجاني يشجوني شجوًا إذا أحزنني، والطلل: كل شخص من آثار الديار، و(من طلل) في صلة (هاج)، والأتحميّ: ضرب من البرود فيه سواد وحمرة، وأنهج: أخلق.
(كالأتحميِّ) وصف للطلل، و(أنهج) يصلح أن يكون في موضع الحال بمعنى (مُنهِجًا).
فإن قال قائل: الفعل الماضي عند سيبويه لا يكون حالًا، وأبو الحسن يجعله في موضع الحال؟ قيل له: إذا دخل الفعل الماضي (قد) صلح أن يكون للحال، لأن (قد) يكون للتوقع، فإذا قيل: قد كان كذا. . . فهو إخبار عن وقوع الشيء الذي كان يتوقع في الوقت الذي يليه الوقت الذي هو حال، وقد تحذف (قد) من الفعل وهي تراد.
ويجوز أن يكون (أنهج) وصفًا للطلل، يريد أن الطلل أنهج كما ينهج الثوب. يقول: أي شيء هاج عليّ حزني حين نظرت إلى الطلل؟ وهو استفهام في معنى التعجب من نظره إلى هذا الطلل.
وقال العجاج:
(يا صاحِ ما هاجَ العيونَ الذُّرَّفنْ)
من طللٍ أمسى تخالُ المُصْحَفنْ
[ ٢ / ٣٠٣ ]
رسومَه والمُذهَبَ المزخرَفنْ
الذُّرَّف: جمع ذارفة، وهي التي يذرف دمعها يسيل، ولم يرد أن الطلل هاج العيون التي تبكي ويسيل دمعها، وإنما يريد أن الطلل هاج العيون التي كانت غير باكية فبكت، وإنما صارت ذُرفًا لهَيْج الطلل، فعبر عنها بما صارت إليه حالها.
ومثله:
والسبُّ تخريقُ الأديمِ الألخَنِ
أراد أن السب تخريق الصحيح الذي إذا سُب يصير ألخَن.
ومثله للعجاج:
والشوقُ شاج للعيون الحُذَّلِ
الحُذَّلِ: التي قد فسدت، وإنما شجاها وهي عيون صِحاح، فبكت فحَذلَت. و(المصحف) المفعول الأول، و(رسومته) المفعول الثاني، والمذهب: الجلد الذي عليه ذهب، أو اللوح أو ما أشبه ذلك، والمزخرف: المزين. شبه آثار الديار بمصحف وبجلد منقوش مذهب.