قال سيبويه في القوافي: (وقد دعاهم حذف ياء (يقضي) إلى أن حذف ناس كثير من قيس وأسد الياء والواو اللتين هما علامة المضمر، ولم تكثر واحدة منهما في الحذف ككثرة ياء (يقضي) لأنهما تجيئان لمعنى الأسماء، وليستا حرفين بنيا على ما قبلهما).
يريد أن قيسًا وأسدًا يحذفون في القوافي الواو التي هي ضمير جماعة المذكرين، والياء التي هي ضمير الأنثى المخاطبة، ويُجرونهما مُجرى الحرف الذي هو من نفس الكلمة، نحو ياء (يقضي) وواو (يغزو)، وحذف الذي هو من نفس الكلمة أسهل، لأن الضمير هو اسم، وهوالفاعل، ولا ينكر حذف بعض الكلمة - إذا كانت تفيد ما يدل عليه - كحذف بعض حروف الأسماء في الترخيم.
قال ابن مقبل:
(لا يُبْعِدِ اللهُ أصحابًا تركتهُمُ لم أدْرِ بعد غداةِ الأمسِ ما صَنَعْ)
[ ٢ / ٣٣٠ ]
الشاهد فيه على أنه وقف على حذف الواو التي هي ضمير الجماعة. والمعنى واضح. وقال ابن مقبل في هذه القصيدة أيضًا:
(لو ساوفتْنا بسَوْفٍ من تحيتها سَوْفَ العَيوفِ لراحَ الرَّكبُ قد قنعْ)
ساوفتنا: من السّوْف الذي هو الشم. يريد: لو دنت منا فشممنا ريحها لقنعنا.
ويروى:
لو ساعفتنا بسوف من تحيتها . . .
والعَيوف: الناقة التي تشم الماء ولا تشربه. يريد أنه قد رضي منها بمقدار الشم، وأن تمنعه ما سواه. والركب: أصحاب الإبل. يريد أن الركب الذي هو فيه، كان يروح وينصرف منها وقد قنع منها بهذا القدر.
يريد أنه إذا نال منها هذا القدر رضي أصحابه ومن معه لأجل رضاه، وسُرّوا بأن ينال وحده هذا منها، والشاهد فيه مثل الشاهد في الأول.
وقال ابن مقبل في هذه القصيدة أيضًا:
[ ٢ / ٣٣١ ]
(طافتْ بأعلاقِهِ جَرْدُ منعَّمةُ تدعو العرانين من عمرووما جَمَعْ)
الضمير المضاف إليه (الأغلاق) يعود إلى بعير قد تقدم ذكره. وأعلاقه: ما عُلق عليه من صوف مصبوغ يزين به. والجَرْد: الحَشِيّة الخَلق، والعرانين: السادة والرؤساء، وعمرو: قبيلة وهو عمرو بن كلاب فيما أرى، ويجوز أن يريد: بني عمرو بن تميم.
وفي الكتاب (خَود يمانية) وفيه (العرانين من بكر) وأظن هذا التغيير وقع في الكتاب بين عمرو وبكر. ويجوز أن يريد (ببكر) بني أبي بكر بن كلاب، ولم يمكنه أن يقول: من بني أبي بكر من كلاب، وهم ينسبون إلى بني أبي بكر من كلاب: بكريّ. وقوله (يمانية) لا يوافق هذا التفسير لأن القبائل التي ذكرتها كلها من نزار.