قال سيبويه: في الترخيم، قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:
أن بُجَيرًا عبدٌ لغيركمُ يا مال والحقَّ عنده فقفوا)
تُؤتَوْن فيه الوفاَء مُعْتَرِفا بالحق فيه لكم فلا تَكِفوا
الشاهد فيه ترخيم (مالك) وفي البيت الثاني شاهد لسبيويه في رفع (تؤتون) وقد ذكره في عوامل الأفعال.
وسبب هذا الشعر أن مالك بن العلان الخزرجي - وكان سيد
[ ٢ / ١٢ ]
الخزرج في وقته - كان له حليف يسمى أبجر بن سمير، فجلس أبجر يوما من الأيام مع نفر من الاوس من بني عمرو بن عوف، فذر فضائل مالك بن العجلان، وأكثر، حتى غضب القوم، ووثب عليه سمير بن زيد الاوسي فقتله، وجرت الحروب بينهم، ثم رضوا جميعا عمرو بن امرئ القيس.
فحكم بأن يؤدى في ابجر بن سمير حليف مالك نصف دية الصريح، وكذا كانت السنة فيهم، (فلم يرض مالك بن العجلان. فقال عمرو بن امرئ القيس هذا الشعر يخاطب به مالك بن العجلان، ويعطفه إلى الرضا بما حكم).
فلم يرض مالك، واقتتل القوم. ثم حكموا المنذر بن حرام جد حسان، فحكم بأن يدفع إلى مالك بن العجلان دية الصريح في حليفه، ثم يعود الأمر فيما بعد إلى ما كانوا عليه من أن دية الحليف نصف دية الصريح، فرضي القوم كلهم.
و(بجير) يريد به أبجر، وصغره تصغير الترخيم، و(الحق) منصوب بـ (قفوا)
كما تقول: زيدا فاضربه. وتؤتون فيه الوفاء: تعطون ما يجب لكم من الدية، معترفا فيه: في ابجر، يريد في قتل ابجر، فلا تكفوا: أي لا تأثموا بطلب ما ليس لكم، والوكف: فعل ما يأثم الإنسان فيه، والوكف أيضا: العيب.
قال سيبويه في الترخيم، قال جرير:
(ألا أضحَتْ حبالُكُم رِماما وأضْحَتْ منكَ شاسِعةً أماما)
[ ٢ / ١٣ ]
الشاهد فيه إنه رخم إمامة في غير النداء على مذهب من قال: يا حار وكان أبو العباس يزعم أن الشاعر إذا اضطر إلى أن يرخم في غير النداء؛ رخم على مذهب من يقول: يا حار بضم الراء، لأنه يجعل الكلمة كأنها غير مرخمة، ويجري عليها ما يجري على الأسماء التي ليست بمرخمة. وهذا الإنشاد يدل على صحة ما ذهب إليه سيبويه.
والذي روى أبو العباس:
ألا أضحت حِبالكُمُ رِماما وما عهدٌ كعهدكِ يا أماما
حذفها على الترخيم في النداء:
وأقرب الأحوال في هذا أن يكون الإنشادان روايتين، ويكونان بمنزلة بيتين، فيكون كل إنسان يحتج به على اللفظ الذي ورد عليه، ولا ترد كل رواية بالرواية الأخرى.
والرمام: جمع رمة وهي القطعة من الحبل، والارمام: الحبل الخلق الذي قد صار قطعا، أراد أن حبل الوصال الذي بينه وبينها قد تقطع فصار رماما. وهو على طريق التشبيه. والشاسعة: البعيدة المحل.