الابتداء
قال سيبويه في أبواب (أنّ). قال المفضّل النكري.
(أحقا أنّ جيرتنا استقلوا فنيتناْ ونيَّتهمْ فربقُ)
فدمعي لؤلؤ سلسُ عُراهُ يخِرُّ على المهاوي ما يَليقُ
الشاهد فيه أنه أتى بقوله (أنّ جيرتنا استقلوا) و(أنّ وما يتصل بها) في تقدير مصدر كأنه قال: أحقًا استقلالُ جيرتنا. و(استقلال) مبتدأْ و(حقًا) في معنى ظرفْ وهو خبر المبتدأ. ومعناه: أفي حقٍ استقلالُ جيرتنا.
وزعم قوم أن سيبويه لا يرفع مثل هذا على الابتداء، وإنما يرفعه بالظرف، وأنه فيما سطره سيبويه المنع من الابتداء بـ (أنّ) المفتوحة المشددة. وقد ذهبوا بكلام سيبويه إلى غير وجهه - والذي يمنعه سيبويه أن تكون (أنّ) التي هي مبتدأة في
حكم الإعراب - مبتدأة في اللفظ، ولم يمنع أن تكون مبتدأة من طريق الحكم.
والدليل على صحة هذا قولهم: إنّ عندي أنّك خارج. فـ (إنّ) قد عملت في (أنّ) كما تعمل في (زيد) من قولك: إنّ خلفك زيدًا. ولو كان (عندي) عاملًا في (أنك خارج) لما تخطى عملُ إنّ المكسورة إلى (أنّ).
ونحن نستدل على
[ ٢ / ١٩٣ ]
صحة ما نذهب إليه في قولنا (إنّ زيدًا) مبتدأ من قولهم (خلفك زيد) بأنّا إذا جئنا بـ (إنّ) المكسورة قبل الظرف، وصل عملها إلى الاسم كما يصل عملها إليه في قولك (زيد خلفكّ) ولو ارتفع في التأخير بالظرف، لم يصل عمل (إنّ) المكسورة إليه.
ومعنى استقلوا: فرغوا من شد متاعهمْ ورحالهم على إبلهم، ثم أثاروا إبلهم ليسيروا، والنيّة: الموضع الذي ينوي المسافرون الرحيل إليه. يقول: هم ينوون الرحيل إلى موضع غير الموضع الذي ننوي نحن الرحيل إليه.
وفريق: مفترقة، والنية أنثى، وهي عندي من نحو قولهم: امرأة صديق، وليس على القياسْ وكان ينبغي أن يقول: ْ ونيتناْ ونيتهم فريقان، ولكنه اكتفى بخبر إحداهما عن خبر الأخرىْ ويجوز أن يكون من نحو استعمالهم (عدوًّا) للواحدْ والاثنينْ والجمع، و(صديق) كمثل ذلك.
فدمعي لؤلؤ يعني مثل اللؤلؤ في تحدره على خدي، سلسُ عُراهُ: أي سلس يقطع السمط الذي فيه اللؤلؤ، فانحداره سريع، والمهاوي: المواضع التي يقع منها الدمع من الوجه إلى الأرض، ما يليق: ما يثبتْ ولا يستمسك، ويخر: يسقط.