قال سيبويه في باب ما ينصرفْ وما لا ينصرف: (وأما (لوْْ وأوْ) فهما ساكنتا الأواخر، لأن ما قبل آخر كل واحدة منهما متحرك فإذا صارت كل واحدة منهما اسمًا، فقصتها - في التذكيرْ والتأنيثْ
[ ٢ / ١٩٤ ]
والانصراف وترك الانصراف كقصة (ليتْ
وإنّ) إلا أنك تُلحق واوًا أخرى فتثقلْ وذلك لأنه ليس في كلام العرب اسمُ آخره واو قبلها حرف مفتوح). قال أبو زبيد:
(ليت شعريْ وأين منيَ ليتُ إنّ ليتًا وإنّ لوًّا عناءُ)
أيُّ ساعٍ سعى ليقطعَ شِربي حين لاحت للشارب الجوزاءُ
الشاهد في هذا البيت أنّ (لو) لما جُعلت اسمًا زيد عليها واو أخرى، لأنه لا يكون اسم متمكن على حرفين الثاني منهما واو أو ياء أو ألف، فإذا سميتَ بشيء مما ثانيه حرف من هذه الحروف، زدت على الحرف الثاني مثله.
وسبب هذا الشعر أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط - لما قدم الكوفة - أخذ الجنينة من ربيع الطائي ودفعها إلى أبي زبيد، ثم عُزل الوليد بسعيد بن العاصي فلما قدم سعيد انتزع الجنينة من أبي زبيدْ وأخرجه منها فقال أبو زبيد: ليت شعري أيُّ ساعٍ سعى في أمري حتى أُخذت الجنينة مني. وجعل أخذ الجنينة منه بمنزلة انقطاع الماء عنه في أشد الأوقات التي يحتاج فيها إلى الماء.
وقوله: (وأين منيَ ليتُ) يريدْ وأين مني ما أتمناه، كأنه قال: وأين
[ ٢ / ١٩٥ ]
مني ما أتمناه بقولي ليتَ. يعني أنه لا يطمع فيه لأنه قد تقضّىْ وفات، فلذلك كان تمنيه عناء، والعناء: التعب، أي لا يحصل منه إلا عناء.
(أيُّ ساعٍ) معلق بـ (ليت) قد سد مسد الخبر عند كثير من النحويين، كما تقول: ليت شعري أزيدُ في الدار. وتقديره: ليت شعري أيُّ ساع سعى ليقطع شِربي. وقوله: (وأين منيَ ليت إلى آخر البيت) اعتراض بين (ليت شعريّ) وبين ما تعلق بها من البيت الثاني.
(حين لاحت للشارب الجوزاء) يريد حين ارتفعت في آخر الليل، وذلك يكون في شدة الحر، وأراد بالشارب: الذي يشرب الجاشرية، وهي ما يُشرب وقت السحر. ويروى (للصابح) وهو الذي يسقي غيره الصَّبوح، وهو ما يشرب عند الإصباح.