قال سيبويه قال ذو الرمة:
أقولُ لها إذْ شمرَ الليلُ واسْوتْ بها البيدُ واشتدَّتْ عليها الحرائِرُ
(إذا ابْنُ أبي موسى بِلالًا بَلَغْتِهِ فقامَ بفأس بين وصْلَيْكِ جازِرُ)
الضمير في (لها) يعود إلى ناقته، وشمر الليل: ذهب أكثره، واستوت بها البيد: يريد استوى سيرها في البيد ومضت على قصد، واشتدت على الناقة الحرائر: أي الرياح الحارة، وهي جمع حرور. والبيد: جمع بيداء وهي الأرض القفر، وبلال: هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري.
[ ١ / ١١٥ ]
دعا على ناقته بالنحر والجزر إذا بلغته ابن أبي موسى. والوصلان تثنيه وصل، والوصل بكسر الواو وإسكان الصاد: ملتقى كل عظمين وهي المفاصل.
ومثله قول الشماخ:
إذا بَلَّغْتِني وحَمَلْتِ رَحلي عَرَابَةَ فأشْرقي بدمِ الوتينِ
قال سيبويه قال ذو الرمة:
فأنْمِ القُتودَ على عَيْرانةٍ أجُدِ مَهْرِيةٍ مَخَطَتْها غِرْسَها العِيدُ
نَظارةٍ حين تعلو الشمسُ راكبَها طَرْحًا بعَيْنَي لياحٍ فيهِ تَحديدُ)
وجدت البيت منسوبا في الكتاب إلى الراعي، ووجدته لذي الرمة.
قال سيبويه: وإن شئت نصبته على إضمار فعل آخر، ويكون بدلا من اللفظ بالفعل. يعني أن شئت نصبت المصدر الذي تذكره بعد الفعل، على إضمار غير الفعل الذي لفظت به، ويكون هذا المصدر الملفوظ به كأنه بدل في اللفظ من الفعل الذي نصبه فتقول: سير عليه سيرا، وضرب به ضربا، كأنك قلت بعد ما قلت: سير عليه، وضرب به: يسيرون سيرا ويضربون ضربا
[ ١ / ١١٦ ]
وينطلقون انطلاقا، ولكنه صار المصدر بدلا من اللفظ بالفعل.
ثم مضى سيبويه في كلام بعد هذا إلى أن انتهى إلى ما أنشده المقدم ذكره. والذي أنشده هو شاهد على إضمار فعل ناصب للمصدر الذي قد ظهر اللفظ به، وهو قوله: (طرحا) (وجعل ما أضمره بعد قوله: سير عليه (يسيرون سيرا) وضرب به (يضربون ضربا) مثل إضمار (تطرح) قبل قوله (طرحا).
نم القتود: ارفعها، والقتود: خشب الرحل. يريد ارفعها على الراحلة، شد الرحل عليها. والعيرانة: الناقة المشبهة بالعير في نشاطها وخفتها في العدو، ومهرية: من إبل مهرة بن حيدان، والعيد: قبيلة من مهرة ينسب كرام الإبل اليها، والغرس: السلا، وهو الجلدة التي تكون على الولد، ومخطتها غرسها: نتجتها هذه القبيلة.
فجعل العيد لما كان نتاجها عندهم بمنزلة من استخرج الولد، يريد: مخطت العيد هذه الناقة، استخرجتها من بطن أمها وهي في الغرس. وتفسير قوله: (مخطتها) هو تفسير على ما رأيته صوابا عندي، والذي قال بعض الرواة: مخطتها أشبهتها. نظارة: يريد أنها تنظر نظرا حادا من النشاط وقوة النفس ينتصف النهار وتكون الشمس على رأس راكبها، وتطرح طرفها طرحا، وتنظر بعين لياح: وهو الثور الأبيض.
وفي كتاب سيبويه (تحديد) بحاء غير معجمة، وفي شعره (تجديد) بجيم. أي في
هذا الثور طرائق من سواد، والجدة الطريقة والجمع جدد. وقوله: فيه تحديد، أي في نظرة تحديد إلى ما ينظر إليه.
[ ١ / ١١٧ ]