قال سيبويه في: باب ما جرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل، مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل: فأما قول الله ﷿ (بلى قادرين) فهو على الفعل الذي أظهر كأنه قال: نجمعها قادرين، حدثنا بذلك يونس. ومعنى (فهو على الفعل الذي أظهر): يريد إنه أضمر (نجمعها) قبل (قادرين) لأنه قد ظهر قبل هذا الكلام: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) فدل قوله تعالى: (نجمع عظامه) على إضمار (نجمع) قبل (قادرين).
قال: قوله - وهو الفرزدق -:
ألم تَرَني عاهدْتُ ربي وإنني لَبَيْنَ رِتاجٍ قائما ومَقامِ
على حَلْفَةٍ لا أشْتمُ الدْهرَ مُسْلِمًا ولا خارجا مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ
الشاهد على إنه أضمر الفعل قبل (خارجا) كأنه قال: ولا يخرج خارجا، وهو اسم الفاعل في موضع (خروجا) الذي هو المصدر، وعطف (ولا يخرج) على قوله (ولا اشتم) جوابا للقسم، والقسم الذي هذا جوابه: (عاهدت) كأنه قال: حلفت بعهد الله لا أشتم الدهر مسلما، ولا يخرج من في زور الكلام
[ ١ / ١١٨ ]
خروجا. و(لا أشتم ولا يخرج) هما جواب القسم فيما يستقبل من الأوقات. وقال سيبويه: ولو حملته على إنه نفى شيئا هو فيه، ولم يرد أن يحمله على (عاهدت) لجاز، وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى.
يريد أن قوله (لا أشتم) في موضع الحال، وهو معنى قوله (نفى شيئا هو فيه) أي نفى ما في الحال ولم ينف المستقبل. يريد إنه حلف وهو غير شاتم ولا خارج من فيه زور كلام.
وقد أجاز سيبويه الوجهين جميعا، والكلام محتمل لهما. وقد قيل: أن الجواب يجوز أن يكون جوابا لقوله (على حلفة). ويكون تقدير الكلام: ألم ترني عاهدت ربي على أني أحلف لا أشتم ولا يخرج من في قبيح.
والرتاج: الباب، يريد باب الكعبة، والمقام: مقام إبراهيم ﵇. وكان الفرزدق حلف لا يقول الشعر، وأقبل على قراءة القرآن، ثم رجع عن هذا.