قال سيبويه في: باب من المصادر ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره، ولكنها مصادر وضعت موضعا واحدا لا تتصرف في الكلام. . . (فقعدك) تجري هذا المجرى. يريد أن (قعدك) بمنزلة (عمرك) وأن لم يكن له فعل يعني وأن لم يكن (لقعدك) فعل.
يريد أن بعض المصادر قد يترك استعمال الفعل فيه، ويكون بمنزلة ما استعمل فعله. فقعدك الله بمنزلة وصفك الله بالثبات وأنه لا يزول. يريد سألتك بوصفك الله بالثبات، ثم حذفت الفعل والتاء. ولا يستعمل الفعل فيه ولا حرف، وهو مصدر لا يتصرف، أي لا يستعمل في غير هذا الموضع من الكلام، ولا يستعمل إلا مضافا.
ثم استشهد على استعمال الفعل من (عمرك الله) بقول ابن أحمر:
(عَمَّرْتُكِ اللهَ الجليلَ فإنني أَلوي عليكِ لَوَ أن لبَّكِ يهتدي)
هل لامَني من صاحبٍ صاحبْتُهُ من حاسِرٍ أو دارِعٍ أو مُرْتَدي
[ ١ / ١٠٨ ]
يخاطب امرأة يقول لها عمرتك الله، أي سألتك بوصفك الله بالبقاء، هل علمت أن أحدا صاحبي من الناس لامني على فعل فعلته، من أحد حاسر: وهو الذي لا درع عليه، أو دارع: وهو الذي عليه الدرع، والمرتدي: الذي عليه الرداء. يريد أن كل من صاحبي على اختلاف أحوالهم وهيئاتهم وأخلاقهم لم يذمني. قوله: ألوي عليك: أي أعطف عليك، لو أن لبك يهتدي: أي لو أن قلبك يقبل النصيحة. و(هل
لامني) هو جواب عمرتك الله.
وقال سيبويه في الباب المتقدم: زعم أبو الخطاب أن (سبحان الله) كقولك: براءة الله من السوء.
ذكر سيبويه (براءة) مضافة إلى اسم الله، كما يضاف (سبحان) إذا قلت سبحان الله. و(براءة) منونة غير مضافة، كما تترك إضافة سبحان قال الأعشى:
(أقولُ لما جاءني فخرُهُ سبحانَ مِن علقمةَ الفاخِر)
فسبحان في هذا البيت غير مضاف، إلا أن (براءة) منصرف لأنها نكرة وأن كانت منونة، و(سبحان) لا ينصرف لأنه معرفة وفي آخره الألف والنون.
[ ١ / ١٠٩ ]
الشاهد في البيت على إنه نصب (سبحان) وهو غير مضاف ولم يصرفه.
وعلقمة هذا الذي ذكره الأعشى، هو علقمة بن علاثة، وكان علقمة قد فاخر عامر بن الطفيل وهو ابن عمه، وكان الأعشى مع عامر بن الطفيل.
يقول الأعشى: لما سمعت أن علقمة يفاخر عامرا، أعظمت هذا. وسبحان تبروا. يريد تبرأت من قبح ما فعل علقمة تبروا، يقول: لم ارض به وأنكرته.