معموله المتقدم
قال سيبويه في: باب من الاستفهام يكون الاسم فيه رفعا: أكل يوم قميص تلبسه. فإذا كان وصفا، فأحسنه أن يكون فيه الهاء، لأنه ليس موضع اعمال، ولكنه يجوز كما جاز في الوصل، لأنه موضع ما يكون من الاسم.
ذكر سيبويه أن الفعل الذي يقع موقع الوصف؛ أحسنه أن يكون فيه الهاء، لأنه بالمضمر يصير وصفا للأول ويلتبس، ولو لم يكن فيه ضمير من الموصوف؛ لم يصلح أن يكون صفة له، فلذلك كان الأحسن ثبات الهاء.
وقوله: لأنه
[ ١ / ٨٢ ]
ليس موضع أعمال يريد أن الاسم المتقدم في أول الكلام، لا يجوز أن يعمل فيه الفعل هو وصف. وقد مثل ذلك سيبويه بأن قال: زيدا أنت رجل تضربه لو حذفت الهاء لم يعمل (تضرب) في (زيد) ولا في (رجل) لأن الفعل الذي هو وصف لا يعمل في الموصوف ولا فيما قبله.
وقوله: ولكنه يجوز كما جاز في الوصل يريد إنه يجوز حذف الضمير من الصفة كما يجوز حذف الضمير من صلة (الذي)، إذا قلت: الذي ضربت زيد. فالصفة تابعة للموصوف ولا تعمل فيه، فجاز حذف الضمير من الصفة؛ كما جاز حذفه من الصلة.
وقال قيس بن حصين بن زيد الحارثي:
(أَكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوونَهُ)
يُلقِحُهُ قَوْمٌ وتنْتِجونَهُ
أرْبابهُ نَوْكَى فلا يَحْمونَهُ
ولا يُلاقونَ طِعانًا دونَهُ
هيهاتَ هيهاتَ لما يَرْجُونَهُ
الشاهد فيه إنه جعل (تحوونه) وصفا لـ (نعم) و(نعم) مبتدأ و(أكل عام) خبره.
وجعل ظرف الزمان خبرا عن النعم، وظروف الزمان لا تكون
[ ١ / ٨٣ ]
أخبارا للجثث لتأويل فيه، وهو إنه يقدر أن الكلام فيه حذف، وأصله: أكل عام أخذ نعم أو تحصيل نعم أو ما أشبه ذلك.
يلحقه قوم: أي يحملون الفحولة على النوق، فإذا حملت أغرتم عليها فأخذتموها وهي حوامل، فنتجتموها: أي ولدت عندكم. ويقال: أنتجت الناقة إذا ولدت عندي.
والنوكى: جمع أنوك وهو الاحمق، الضعيف العمل والتدبير، فما تحمونه: لا تمنعون من أراد الإغارة عليه. هيهات هيهات لما يرجونه: أي رجوا أن يدوم لهم هذا الفعل في الناس، فمنعناهم منه وحمينا ما ينبغي أن نحميه.
وقال زيد الخيل:
(أفي كلَّ عامٍ مأتَمٌ تبعَثونَهُ على محِمْر ثَوْبتموهُ وما رُضَى)
تجدونَ خمْشا بعد خمشٍ كأنها على فاجع من خير قومِكُمُ نُعَى
الشاهد فيه أن (تبعثونه) وصف لـ (مأتم) والمأتم: الجماعة من النساء. أراد: أفي كل عام اجتماع مأتم. وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وهو مثل البيت الأول في التقدير.
والمحمر: البرذون. وقيل: هو السكيت الذي لا خير فيه من الخيل. يريد أنهم يجمعون نساء ليبكين على هذا المحمر. ومعنى ثوبتموه: جعلتموه ثوابا على جميل فعل بكم، وما رضي به ثوابا لقته وحقارته.
والخمش: تخديش الوجه. يريد أنهم يخدشون وجوههم على المحمر مرة بعد مرة، كما يفعلون لو فقدوا سيدا من ساداتهم. والفاجع: الهالك الذي يؤذي فقده
[ ١ / ٨٤ ]
أهله، ويبين عليهم أثر عدمه. ورضا ونعا. أصلهما رضي ونعي، فقلبت الياء فيهما ألفا،
وهذه لغة طائية.
وسبب هذا الشعر، أن بجير بن زهير بن أبي سلمى كان في غلمة يجتنون من جنى الأرض، ثم انطلق الغلمة وتركوا ابن زهير، فمر به زيد الخيل فأخذه، ودار طيء متاخمة لدور بني عبد الله بن غطفان، فسأل الغلام: من أنت؟ فقال: أنا بجير بن زهير، فحمله على ناقة ثم أرسل به إلى أبيه، فلما أتى الغلام أباه، اخبره أن زيد الخيل أخذه، فحمله، وخلاه.
وكان لكعب بن زهير فرس من كرام الخيل، وكان جسيما، وكان زيد الخيل من أعظم الناس وأجسمهم. كان - زعموا - لا يركب دابة إلا أصابت إبهامه الأرض.
فقال زهير: ما ادري ما أثيب به زيدا إلا فرس كعب، فأرسل به إليه وكعب غائب، فجاء كعب فسأل عن الفرس، فقيل: أرسل به أبوك إلى زيد، فقال كعب لأبيه: كأنك أردت أن تقوي زيدا على عطفان! فقال زهير لابنه: هذه أبلي فخذ ثمن وازدد عليه. فلم يرض كعب، واندفع يحرض بني ملقط الطائيين على زيد الخيل، وكان بينهم قتال.
وقال كعب قصيدة يذكر فيها ما بين بني ملقط وبين زيد الخيل. فأجابه زيد الخيل بأبيات أولها ما تقدم إنشاده.