أنشد في الهمزة، وهو الانشاد الرابع:
(٤) أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل
وهو صدر وعجزه:
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وهو من معلقة امرئ القيس، وقبله:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معًا عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فقلت لها سيري وأرخي زمامه ولا تبعديني من جناك المعلل
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا فألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحول
ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت علي وآلت حلفةً لم تحلل
أفاطم مهلًا البيت
فإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
[ ١ / ١٣ ]
أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وما ذرفت عيناك إلا لتضر بي بسهميك في أعشار قلب مقتل
قوله: ويوم دخلت الخدر الخ: هو معطوف على «يوم» في قوله: ولا سيما يوم بدارة جلجل، من بيت قبله، لكنه بني على الفتحة لإضافته إلى مبني، والخدر بكسر الخاء المعجمة: الهودج هنا، وخدر عنيزة: بدل منه، وعنيزة بوزن مصغر عنزة: لقب ابنة عمه فاطمة، وفيه رد على من زعم أنه لم يسمع تلقب الإناث، وقيل: عنيزة امرأة أخرى غير فاطمة، ونون عنيزة للضرورة، والوبلة والوبل: شدة العذاب، وهذا دعاء عليه منها، وزعم بعضهم أنه دعاء له منها في معرض الدعاء عليه، والعرب تفعل ذلك صرفًا لعين الكمال عن المدعو عليه، كقولهم: قاتله الله ما أشعره وأرجله، إذا أحوجه أن يمشي راجلًا، ورجل الرجل يرجل، كعلم يعلم: إذا صار راجلًا. يريد أنه لما حملته على بعيرها ومال معها في شقها، كرهت أن يعقر البعير، والغبيط بفتح الغين المعجمة وآخره طاء مهملة: هو القنب، وقيل: نوع من الرحال، وقيل: نوع من الهوادج، والباء للتعدية، أي: أمالنا الغبيط فقالت: أدبرت ظهر بعيري فانزل من البعير.
وقوله: فقلت لها سيري، هو أمر من سار يسير، وأرخي: من أرخيت الستر ونحوه إذا أرسلته، وجناها: ما اجتني منها من القبل، والمعلل بكسر اللام: اسم فاعل من علله تعليلًا إذا ألهاه وشفاه، وحقيقته: أزال علته أو خففها، وروي بفتح اللام: اسم مفعول من علله تعليلا، مبالغة عله إذا سقاه ثانيًا، يريد: جناك الذي قد علل بالطيب، أي: طيب مرة بعد مرة.
ومعنى البيت: أنه تهاون بأمر البعير في حاجته، فأمرها أن تخلي زمامه ولا تبالي ما أصابه من ذلك. وقد شرحت هذين البيتين مع أبيات قبلهما بأكثر مما هنا في شرح الشاهد الرابع والأربعين بعد المائتين من شرح شواهد الرضي.
[ ١ / ١٤ ]
وقوله: فمثلك حبلى الخ، مثلك: مجرور «برب» المقدرة بعد الفاء، وطرقتها: أتيتها ليلًا. وقوله: عن ذي تمائم، أي: عن صبي ذي تمائم، جمع تميمة، وهي: العوذة تعلق على الولد لترد العين عنه، ومحول: اسم فاعل من أحول الصبي إذا تم له حول، ويأتي إن شاء الله تعالى شرحه مع البيت الذي يليه في «رب».
وقوله: ويومأ على ظهر الكثيب الخ، يومأ: نصب على الظروف «بتعذرت» قال الزوزني: هذا يحتمل أن يكون صفة حال اتفقت له مع عنيزة، ويحتمل أنها اتفقت له مع المرضع التي وصفها، هذا كلامه، والسياق يقتضي الأول، والكثيب: الرمل المجتمع المرتفع على غيره، وعلى متعلقة بتعذرت أيضًا، وتعذرت، أي: جاءت بالمعاذير من غير عذر، وآلت: حلفت، يقال: آلى إيلاء، أي: حلف، ونصب «حلفة» بفتح الحاء على المصدر من غير لفظه، ولم تحلل: من التحلل في اليمين، وهو الاستثناء، روي بفتح اللام على أن الجملة صفة لحلفة، وروي بكسرها على أن الجملة حال من ضير آلت.
قال الإمام الباقلاني: يتعجب من ذلك اليوم، وإنما تشددت وتعسرت وحلفت عليه، فهو كلام رديء النسج، لا فائدة لذكره لنا أن حبيبته تمنعت عليه [يومًا] بموضع يسميه ويصفه، وأنت تجد في شعر المحدثين من هذا الجنس في التغزل ما يذوب معه اللب، وتطرب عليه النفس، وهذا مما يشمئز منه القلب،
[ ١ / ١٥ ]
وليس فيه شيء من الإحسان والحسن، انتهى.
وقوله: أفاطم مهلًا، الهمزة لنداء القريب، والقرب يعلم من القرينة، وهو الأبيات، وفاطم بالفتح: منادى مرخم على لغة من ينتظر، وفاطمة: اسم عنيزة السابقة، ونقل التبريزي في شرحه عن ابن الكلبي أنها فاطمة بنت عبيد بن ثعلبة ابن عامر، ولها يقول:
لا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر
انتهى. وعامر: هو ابن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة، ومهلًا: رفقًا، وهو مفعول مطلق، وأصله: أمهلي إمهالًا، فحذف عامله وحذف زائده، وجعل نائبًا عن فعله، فبعض منصوب به لا بفعله، أي: أخريه عن هذا الوقت، وقال الزوزني: نصب به «بعض» لأن «مهلًا» ينوب مناب «دع»، والتدلل والإدلال: أن يثق الإنسان بحب غيره، فيؤذيه على حسب ثقته به، والاسم: الدل والدلال والدالة، وأزمعت الشيء: جزمته وصمت على فعله، قال الفراء: ويقال أيضًا: أزمعت عليه، والصرم بالفتح: الهجر، يقال: صرمت الرجل صرمًا إذا قطعت كلامه، والاسم: الصرم بالضمو وروي بهما، والإجمال: الإحسان، يقول لها: إن كان هذا منك تدللا فأقصري، وإن كان عن بغضة فأجملي، ويقال: أجملي في اللفظ.
أخرج ابن عساكر عن الإصبع بن عبد العزيز قال: سألت نصيبًا، أي
[ ١ / ١٦ ]
بينت قالته العرب أنسب؟ فقال: قول امرئ القيس:
أفاطم ميلا بعض هذا التدلل البيت.
وقد تحامل عليه الإمام الباقلاني في كتاب «إعجاز القرآن» بقوله: فيه ركاكة جدًا وتأنيث ورقة، ولكن فيها تخنيث، ولعل قائلا أن يقول: كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل، وليس كذلك، لأنك تجد الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم، والمصراع الثاني منقطع عن الأول لا يلائمه ولا يوافقه، وهذا يبين لك إذا عرضت معه البيت الذي تقدمه، وكيف ينكر عليها تدللها، والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلله! هذا كلامه، وفيه أنه لم ينكر دلالها رأسًا، وإنما طلب تخفيف دلالها المفرط وتأخيره إلى وقت آخر.
وهذا البيت مقفى، والتفقيه: أن يتساوى العروض والضرب من البيت في الوزن والروي من غير نقص ولا زيادة، وأكثر ما تكون التقفية في مطلع القصيدة، كما في قوله:
قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل البيت
وقد يأتي في أثنائها كما وقع له هنا. وقوله: وإن تك قد ساءتك، أي: آذتك، والخليقة والخلق واحد، وتنسل: تسقط، يقال: نسل ريش الطائر إذا سقط، وأنسل إذا نبت، والنسول: سقوط الريش والوبر والشعر، وفعله من باب نصر، وقوله: فسلي ثيابي من ثيابك، أي: انزعي قلبي من قلبك، وهذا تمثيل كما في قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [سورة المدثر /٤]، وقال عنترة:
[ ١ / ١٧ ]
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم
ومنهم من حمل الثياب على حقيقتها، وقال: كنى بتباين الثياب عن تباعدهما، وقال: إن ساءك شيء من أخلاقي فاستخرجي ثيابي من ثيابك، أي: ففارقيني كما تحبين، فإني لا أوثر إلا ما آثرت لانقيادي، وإن كان فراقي سبب هلا كي، هذا كلام الزوزني.
وقال الإمام الباقلاني: ذكر الثوب وأراد البدن، مثل قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ وقال أبو عبيدة: هذا مثل الهجر. وهو بيت ركيك المعنى، وكل ما أضاف إلى نفسه ووصف به نفسه سقوط وسقه وسخف يوجب قطعه، فلم لم يحكم على نفسه بذلك! ولكن يورده [مورد] أن ليست له خليقة توجب هجرانه، وأنه مذب الأخلاق، فذلك يوجب أن لا تنفك من وصاله. والاستعسارة في المصراع الثاني فيها تواضع وتقارب وإن كانت غريبة، انتهى كلامه.
وقوله: أغرك مني الخ، الهمزة للاستفهام، وغره: خدعه وأطمعه بالباطل، وقال الزوزني: أغرك: أحملك على الغيرة، وهو فعل من لم يجرب الأمور، يقول: أغرك مني كون حبك قاتلي، وكون قلبي مطيعًا لك بحيث مهما أمرته بشيء فعله؟ فألف الاستفهام للتقرير، وقيل: معناه: قد غرك مني أنك علمت أن حبك مذللي – والقتل: التذليل – وأنك تملكين فؤادك مهما أمرت قلبك بشيء أسرع إلى مرادك، فتحسبين إني أملك عنان قلبي كما ملكت عنان قلبك حتى يسهل علي فراقك كما سهل عليك فراقي!
وقال الإمام الباقلاني: قد عيب هذا عليه، لأنه قد أخبر أن من سبيلها أن
[ ١ / ١٨ ]
لا تغتر بما يدلها من أن حبها يقتله، وإنما تملك قلبه، فما أمرته فعله، والمحب إذا أخبر عن مثل هذا صدق، وإن كان المعنى غير هذا الذي عيب عليه، وإنما ذهب مذهبا آخر، وهو أنه أراد أن يظهر التجلد، فهذا خلاف ما أظهره من نفسه فيما تقدم من الأبيات من الحب والبكاء على الأحبة، وقد دخل في وجه آخر من المناقضة، ثم قوله: تأمري القلب يفعل، [معناه]: تأمريني، والقلب لا يؤمر، والاستعارة في ذلك غير واقعة ولا حسنة. انتهى. وقوله: وما ذرلفت عيناك .. الخ، ذرفت: دمعت، ومعنى قوله: إلا لتضربي .. الخ، أي: لتجرحي قلبًا معشرًا، أي: مكسرًا، من قولهم: برمة أعشار إذا تكسرت، وقال الزوزني: استعار للحظ عينيها ودمعها اسم السهم لتأثيرهما في القلوب، وجرحهما إباها، كما أن السهام تجرح الأجسام وتؤثر فيها، والمقتل: المذلل غاية التذليل، وقيل: أراد بالسهمين: المعلى والرقيب من سهام الميسر، والجزور يقسم على عشرة أجزاء، للمعلى سبعة أجزاء، وللرقيب ثلاثة، فمن فاز بهذين فقد فاز بجميع الأجزاء وظفر بالجزور. وتلخيص المعنى على هذا القول: وما بكيت إلا لتملكي قلبي كلهو وتفوزي بجميع أعشاره، والأعشار على هذا جمع عشر، لأن أجزاء الجزور عشرة. انتهى.
وقال الإمام الباقلاني: هذا البيت معدود من محاسن القصيدة وبدائعها، ومعناه: ما بكيت إلا لتجرحي قلبًا معشرًا، أي: مكسرًا من قولهم: برمة أعشار إذا كانت قطعًا، هذا تأويل ذكره الأصمعي، وهو أشبه عند أكثرهم، وقال غيره: هذا مثل للأعشار التي تقسم الجزور عليا، ويعني بسهميك: المعلى، وله سبعة أنصباء، والرقيب، وله ثلاثة أنصباء، فأراد: أنك ذهبت بقلبي أجمع. ويعني بقوله مقتل: مذلل، وأنت تعلم أنه على ما يعني به فهو غير موافق للأبيات المتقدمة
[ ١ / ١٩ ]
لما فيها من التناقض، ويشبه أن يكون من قال بالتأويل الثاني فزع إليه، لأنه رأى اللفظ مستكرهًا على المعنى الأول، لأن القاتل إذا قال: ضرب فلان بسهمه في الهدف بمعنى أصابه، كان كلامًا ساقطًا مرذولًا، وهو يرى أن معنى الكلمة أن عينيها كالسهمين النافذين في إصابة قلبه المجروح، فلما بكتا وذرفتا بالدموع كانتا ضاربتين في قلبه، ولكن من حمل على التأويل الثاني سلم من الخلل الواقع في اللفظ، ولكنه إذا حمل على الثاني فسد المعنى واختل، لأنه إن كان محبًا على ما وصف به نفسه من الصبابة، فقلبه كله لها، فكيف يكون بكاؤها هو الذي يخلص قلبه لها!
واعلم أن هذا البيت غير ملائم للبيت الذي قبله، ولا متصل به في المعنى، وهو منقطع عنه، لأنه لم يسبق كلام يقتضي بكاءها، ولا سبب يوجب ذلك، فتركيبه هذا الكلام على ما قبله فيه اختلال، ثم لو سلم له بيت من عشرين بيتًا، وكان بديعًا لا عيب فيه، فليس بعجيب، لأنه لا يدعى على مثله أن كلامه كله متناقض، ونظمه كله متبلين، وإنما يكفي أن نبين أن ما سبق من كلامه إلى هذا البيت، مما لا يمكن أن يقال: إنه يتقدم فيه أحدًا من المتأخرين فضلًا عن المتقدمين، وإنما قدم في شعره لأبيات قد برع فيها، وبان حذقه فيها، وإنما أنكرما أن يكون شعره متناسبًا في الجودة، ومتشابهًا في صحة المعنى واللفظ، وقلنا: إنه يتصرف بين وحشي غريب مستنكر، وعربية كالمهمل مستكرهة، وبين كلام سليم متوسط، وبين عامي سوفي في اللفظ والمعنى، وبين حكمة حسنة، وبين سخف مستشنع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا﴾ [النساء/٨٢]. انتهى كلام الباقلاني.
وفيه تحامل شديد عليه كما لا يخفى.
وامرؤ القيس: شاعر جاهلي ترجمناه ترجمة مبسوطة في شرح الشاهد التاسع والأربعين من أبيات شرح الكافية للرضي.
[ ١ / ٢٠ ]
ومعنى المعلقمة أن العرب كانت في الجاهلية يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض، فلا يعبأ به ولا ينشده أحد حتى يأتي مكة في موسم الحج، فيعرضه على أندبة قريش فإن استحسنوه روي، وكان فخرًا لقائله، وعلق على ركن من أركان الكعبة حتى ينظر إليه، وإن لم يستحسنوه طرح ولم يغبأ به. وأول من علق شعره في الكعبة امرؤ القيس، وبعده علقت الشعراء، وعدد من علق شعره سبعة، ثانيهم طرفة بن العبد، ثالثهم زهير بن أبي سلمى، رابعهم لبيد ابن ربيعة، خامسهم عنترة بن شداد، سادسهم الحرث بن حلزة، سابعهم عمرو ابن كلثوم التغلبي، هذا هو المشهور.
وفي «العمدة» لابن رسيق: وقال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسم بـ «جمهرة أشعار العرب»: إن أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السمط: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو، وطرقه. قال: وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل، فأسقطا من أصحاب المعلقات عنترة والحارث بن حلزة، وأثبتا الأعشى والنابغة. وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك أنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، فلذلك يقال: مذهبة فلان، إذا كانت أجود شعره، وذكر ذلك غير واحد من العلماء، وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته.
وأنشد بعده وهو الإنشاد الخامس:
(٥) دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها
[ ١ / ٢١ ]
على أن المعادل للهمزة محذوف تقديره: أم غي، وأورده المصنف في بحث «أم، أيضا وقال: وفيه بحث، وبين شراحه وجيه بما قاله هنا من أنه لا حاجة إلى تقدير معادل في البيت، لصحة قولك: لا أدري هل طلابها رشد؟ وهذا مما اتفق عليه شراحه تبعًا له، ولا وجه له، لأن لا أدري ولا أبالي لا يوجدان بلا معادل، لما فيهما من معنى التسوية، وقد اتفق شراح شعر هذيل على تقديره في البيت، وكذا نقل المرزباني في «الموشح» عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي في التشبيهات البديعة التي لم يلطف أصحابها فيها، ولم يخرج كلامهم في العبارة عنها سلسًا سهلًا، ثم أورد هذا البيت من جملة أبيات عليا، وقال: كان ينبغي أن يقول: أغي أم رشد، فنقص العبارة. انتهى.
والبيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، وقبله:
وقد طفت من أحوالها وأردتها سنين فأخشى بعلها وأهابها
ثلاثة أحوال فلما تجرمت علينا بهون واستحار شبابها
دعاني إليها القلب إني لأمره البيت.
فقلت لقلبي يا لك الخير إنما يدليك للموت الجديد حبابها
[ ١ / ٢٢ ]
الضمير المؤنث لأسماء في أول القصيدة، قال الإمام المرزوقي في «شرح أشعار الهذليين»: أخذ في هذه الأبيات يقص كيف توصل إليها، ويعد أنواع ما قاساه فيها، وكل هذا تحزن وتحسر. ودخول «من» في أحوالها لبيان ابتداء الطواف، وأنه لم يجسر على الدنو منها، فأخذ يطوف حواليها، وإنما قال: من أحوالها، ولم يقل: من حولها، لاختلاف مواقع المطاف، وأراد أن ينبه على أنها عفيفة عزيزة محتشمة، وأن بعلها عظيم الموقع في النفوس، يخاف فيما لا يعلمه، وأن ينبه على أنه يهوى المنيع الشاق الذي يطلب دهرًا فلا ينال.
وقوله: ثلاثة أحوال: انتصب على البدل من سنين، والهون بالضم: الذل، واستحار بالحاء المهملة، يقال: استحار الشباب إذا تم وانتهىو وأصله من التحير، ومثله: استحار المسافر إذا أقام أيامًا في موضع. والمعنى: لما كملت السنون التي هبتها أن أواجهها بما في نفسي، وانقضت بهوان علينا لازم لما كنت أتولاه فيها، وأبذل من نفسي في سببها وألتزمه من التصاغر والتذلل لمن حولها وتخير ماء الشيبة في مجاريه منها، فبرعت محاسنها، وبلغت النهاية، عيل صبري.
وقوله: دعاني إليها، هذا جواب «لما» في البيت قبله، وهو رواية أبي عمرو، وروى غيره «عصاني إليها القلب الخ» قال المرزوقي: أي عصاني القلب مائلا إليها وذاهبًا نحوها، فانقدت لهواه وآثرت العدول إلى رضاه إذ كان الغلبة له، وقوله: فما أدري .. الخ، أراد: التبس الأمر علي، فلم أدر أطلابها رشد أم غي؟ وهذا بيان حاله حين عصاه القلب وركبه الهوى، فتمكن منه، وذلك لأنه فارقه الجلد والحزم، فاستوى لذيه الحسن والقبيح.
[ ١ / ٢٣ ]
وإنما ساغ حذف: أم غي، لأن المراد مفهوم، وهذه الألف ألف التسوية، ومثله: فما أدري أسكلهم سكلي؟ انتهى كلامه.
وقد أعاد المصنف هذا البيت ثالثًا في حذف أم المعادلة من الباب الخامس.
وجملة: إني لأمره سميع – أي: مجيب – استئناف بياني، كأنه قيل: أأنت سميع لأمره؟ والتأكيد للشك، ويجوز أن تكون اعتراضيه، ويجوز أيضًا أن تكون حالًا من الياء في «دعاني»، وقال الدماميني: من «القلب»، واللام في لأمره للتعدية، وتقديم المعمول للحصر، وجملة: فما أدري .. الخ: معطوفة على دعاني، وطلابها: مبتدأ، ورشد خبره، والجملة منصوبة المحل بفعل الدراية المعلق عنها بالاستفهام، وطلابها: مصدر طالبه بمعنى طلبه مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف أي: طلابه إياها، وقوله: يا لك الخير، المنادى به محذوف، أي: يا قلب لك الخير، على الدعاء له، وهذا استسلام منه للقلب فيما دعاه إليه، وإنما قالك للموت الجديد، لأنه يريد الموت الذي يكون جديدًا إذا وقع، وقال بعضهم: لأنه لا يعود إليه مرة أخرى، يريد أنه يكون مجدودًا، أي: مقطوعًا، وهذا لأن الذي كان فيه من هواها كأنه كان موتًا متصلًا، فقال: يدليك للموت المنقطع، ومعنى يدليك: يسوقك، والدلو: السوق، قال:
لا تقلواها وادلياها دلوا
وحبابها بكسر أوله: أراد به الحبو وقيل: هو جمعه، وقيل: هو مصدر حاببته، وروى الباهلي «حبابها» بضم الحاء، أي: حبيبها.
وأبو ذؤيب - بالتصغير -: اسمه خويلد بن خالد، وينتهي نسبه إلى هذيل بن مدركة، وهو شاعر مجيد مخضرم، أسلم ورحل إلى المدينة، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مرضه، فتوفاه الله تعالى قبل قدومه بليلة، وأدركه وهو مسجى، وصلى عليه وشهد دفنه، وعاش إلى زمن عثمان ﵁، وليس معدودًا من الصحابة.
[ ١ / ٢٤ ]
وأورد بعده، وهو الانشاد السادس:
(٦) بدا لي منها معصم حين جمرت وكف خضيب زينت ببنان
فوالله ما أدري وإن كنت داريًا بسبع رمين الجمر أم بثمان
أراد الشاعر: أبيع، فحذف همزة الاستفهام لدلالة أم عليها، وظاهر كلام المصنف أن حذفها سائغ في الكلام غير مختص بالشعر، سواء أمن اللبس كما هنا أم لا، كالبيت الذي بعده، وكلاهما ضرورة عند سيبويه، وتبعه ابن عصفور في كتاب «الضرائر» في بحث «أم» المنقطعة، زعم الخليل أن قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
كقولك: إنها لإبل أم ساء، ويجوز في الشعر أن تريد بـ «كذبتك»، الاستفهام، وتحذف الألف، قال عمر بن أبي ربيعة:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا .. البيت.
انتهى. وقال شارح أبياته الأعلم الشنتمري: الشاهد فيه حذف ألف الاستفهام ضرورة،
لدلالة «أم» عليها. انتهى.
وذهب الأخفش إلى جواز حذفها في الاختيار، وإن لم يكن بعدها «أم» وتبعه
[ ١ / ٢٥ ]
ابن مالك وقال: وأقوى الاحتجاج عليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لجبريل ﵇: «وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق» أراد: أو إن. زنى؟ قال المرادي في «الجنى الداني»: والمختار أن حذفها مطرد إذا كان بعدها «أم» المتصلة، لكثرته نظمًا ونثرًا، فمن النظم قول الشاعر: لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا البيت. ومن النثر قراءة ابن محيصن: ﴿سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ [البقرة/٦] بهمزة واحدة. انتهى. وهذا مذهب ابن النحاس، وجماعة منهم الزمخشري، نص عليه في «مفصله» وقال في «الكشاف»: إنها قد حذفت مع مدخولها في قوله تعالى: ﴿ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ [النمل/٢٠] تقديره: أهو حاضر استتر عني أم كان من الغائبين؟ وأجاب ابن عصفور عما ورد في الكلام بأنه شاذ.
والبيتان من قصيدة لعمر ابن أبي ربيعة، وقبلهما:
ولما التقينا بالثنية سلمت ونازعني البغل اللعين عناني
الثنية: كل فج في جبل يخرج إلى فضاء، ونازعني: جاذبني، ووصف البغل باللعين للذم، لأنه أراد أن يصرفه عن جهة حبيبته، واللعين: من يلعنه كل أحد والمشتوم، والتلاعن: التشاتم. وقوله: بدا لي .. الخ بدا: ظهر، والمعصم بكسر الميم: موضع السوار من اليد، وجمرت: رمت جمرات النسك في منى، والكف مؤنثة، قال صاحب «المصباح»: الكف من الإنسان وغيره أنثى، قال ابن الأنباري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكريها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كف مخضب، فعلى معنى: ساعد مخضب، قال الأزهري: الكف: الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تكف
[ ١ / ٢٦ ]
الأذى عن البدن. انتهى. ولم تلحق التاء في خضيب، لأن فعيلًا إذا كان بمعنى مفعول وذكر موصوفه تمتنع التاء منه غالبًا، وروي: «وكف لها مخضوبة ببنان» فلا إشكال. والبنان: العقدة الأخيرة من كل إصبع، وقيل: الأصابع، الواحدة بنانه، قيل: سميت بنانًا لأن بها صلاح الأحوال التي يستقر بها الإنسان، لأنه يقال: ابن بالمكان إذا استقر، كذا في «المصباح».
ومعنى تزيين الكف بالبنان إشارة إلى ما خص الله تعالى به النوع الإنساني من الأعضاء المتناسبة بالنسبة إلى سائر الحيوان، أو زينت بلطافة البنان، أو بمغايرة خضاب البنان في اللون خضاب الكف. وقوله: وإن كنت داريًا، الدراية: المعرفة المدركة بضرب من الحيل، ولهذا لا يقال في الله تعالى دار. وجملة ما أدري: جواب القسم، وكذا على رواية سيبويه، فإن اللام في «لعمرك» لام الابتداء للتأكيد، وعمرك: مبتدأ خبره محذوف تقديره: قسمي، وجملة ما أدري: جواب القسم، والفاء لمحض السببية، يعني: ذهلت عن عند الحصيات بسبب رؤيتي تلك المحاسن، وليس عاطفة، إذ لا تشريك، وجملة: «وإن كنت داريًا» معترضة بين ما أدري، وبين معموله المعلق بالاستفهام المقدر في بسبع، والمتبادر إلى الذهن أن إن وصلية لا جواب لها. يقول: ما أدري من الذهول عد الحصيات، وإن كنت من أهل الدراية بسائر الأمور.
ووقع في رواية العيني: «ولو كنت داريًا» بـ «لو» بدل «إن»، وهو بمعنى ما تقدم.
ومع ظهور كون إن للوصلية لم يذكره السيوطي، وإنما قال: يحتمل أن تكون إن نافية، فيكون تأكيدًا للجملة قبلها، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقلية، أي: وإني كنت قبل ذلك من أهل الدراية، حتى بدا لي ما ذكر فسليتها، وهذا الاحتمال عندي أظهر، هذا كلامه.
[ ١ / ٢٧ ]
وفي كلا الاحتمالين نظر: أما الأول، فلأنه لا وجه للحلف على شيء لم يعرفه في الزمن الحالي، ولا الزمن الماضوي في هذا المقام، وإنما المراد أني مع كوني من أهل المعرفة، ذهلت عن عد الحصيات، بسبب اشتغال حواسي بتلك المحاسن.
وأما الثاني، فلأن «إن» المخففة تلزم اللام الفارقة، فكان يلزمه أن يقول: وإن كنت لدرايا.
وقوله: بسبع رمين الخ، الجمر كالتمر: اسم جنس يطلق على القليل والكثير، والواحد جمرة، وهي ثلاث الأولى: الجمرة التي تلي مسجد الخيف، والثانية: الجمرة الوسطى، والثالثة: جمرة العقبة، وكل واحدة ترمى بسبع حصيات، وإنما يحصل الاشتباه في الرمي بسبع أو بثمان عند الجمرة الأولى والوسطى، قال صاحب «المصباح»: وكل شيء جمعته فقد جمرته، ومنه الجمرة، وهي مجتمع الحصى بمنى، فكل كومة من الحصى جمرة والجمع جمرات، وجمرات منى ثلاث، بين كل جمرتين [نحو] غلوة سهم. انتهى.
والنون في «رمين» ضمير النسوة، أراد محبوبته وصواحبها، وقال الدماميني: الضمير عائد على البنان، أو إلى المرأة وصواحبها، وقال ابن الملا الحلبي في شرحه: أتى بضمير الوجه للتعظيم، وفيه أن المعهود عند قصد التعظيم الواو، كما قال تعالى: ﴿وقال لأهله امكثوا﴾ [طه /١٠] وقال كعب بن زهير:
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
على أن في تعظيم الغائب منعًا من الرضي والتفتازاني وغيرهما بيناه مفصلًا في «حاشية شرح بانت سعاد» عند الكلام على المصراع المذكور. وروى الزبير بن بكار في أنساب قريش» البيت هكذا:
[ ١ / ٢٨ ]
فوالله ما أدري وإني لحاسب بسبع رميت الجمر أم بثمان
بضمير المتكلم في «رميت»، قال السيوطي: وهذا الوجه أوجه بلا شك، فإن الإخبار بذهوله عن فعله لشغل قلبه بما رأى، أبلغ من الإخبار بذهوله عن فعل الغير، وفيه سلامة من التأويل المذكور، وقال ابن الملا في شرحه: هذا في حيز المنع، إذا ليس في ذهول الإنسان عن فعل نفسه، وإن كان ذا خطر كثير أمر، كيف وإن وقوعه أكثر من أن يحصى! بخلاف ذهول الإنسان عن فعل الغير المتصدي لمراقبته شهودًا أو غيبة، فإن العادة تقضي، والمذهب الغرامي يوجب، أن من تصدى لمراقبة فعل الأحباب كان أبعد من أن يذهل عنه، فإذا ذهل عنه كان في حيز التعجب، هذا كلامه. أقول: كان الشاعر وحبيبته في موقف عبادة، وهي رمى الجمرات، ولم نجر عادة في عد حصيات الغير لا من عاشق ولا من غيره، وإنما محل التعجب أن يكون الإنسان في ذلك المقام متوجهًا إلى الله تعالى بالعبادة وترك ما سواه، فلشدة اشتغال باله بها ذهل عن عد الحصيات، والله تعالى أعلم.
وعمر ابن أبي ربيعة هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، واسمه: حذيفة القرشي المخزومي، وهو من طبقة جرير والفرزدق وعبد الله بن قيس الرقيات، لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر، ولد ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ومات سنة ثلاث وتسعين وترجمته في «الأغاني» طويلة.
وأورد بعده، وهو الانشاد السابع:
(٧) طر بت وما شوقًا إلى البيض أطرب ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب
[ ١ / ٢٩ ]
وقال: أراد: أو ذو الشيب يلعب؟ وعده ابن عصفور من قبيل الضرورة كما تقدم، وقال الدماميني: هو استئناف على تقدير سؤال، كأنه قيل: ولم لا نلعب؟ فقال: أو ذو الشيب يلعب! على جهة الإنكار، فأشار إلى علة عدم اللعب، وهو كونه ذا شيب.
والقائل أن يقول: لا يتعين هذا شاهدًا، على حذف الهمزة، لجواز أن يكون مما حذف فيه حرف النفي للقرينة، أي: وذو الشيب لا يلعب. انتهى. أقول: حذف لا النافية إنما يجوز في جواب القسم، وأما في غيره فإنما سمع في بيت نادر، وأما حذف «ما» النافية وأختها «إن» فلم يسمع، قال ابن الخباز: ما رأيت في كتب النحو إلا حذف لا، وقال لي شيخنا يعني ابن إياز: لا يجوز حذف ما، لأن التصرف في «لا» أكثر من التصرف في «ما» انتهى. ومع الندرة فلا ينبغي أن يخرج عليها شيء، قال ابن وحيي، ونعم ما قال: هذا احتمال بعيد، والإثبات والنفي ضدان، فإذا اعتبر مثل هذه الاحتمالات ارتفع الأمان عن اللسان، ولا يصلح الأخذ بما صدر من المكلفين من العبارات، ولا يمكن أخذ الأحكام الشرعية من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية! وحذف حرف النفي مع وجود القرينة الظاهرة، وإن كان واردًا لكنه ليس مثل حذف حرف الاستفهام، لندور الأول وكثرة الثاني، حتى قيل: تقدير همزة الاستفهام مما يجري فيه القياس، انتهى كلامه. وأجاب الشمني بأن المصنف لم يستشهد بالبيت [على حذف
[ ١ / ٣٠ ]
الهمزة] وإنما مثل به له، والمثال لا يقتضى عدم احتماله غير الممثل له، بخلاف الشاهد فإنه يقتضي ذلك والفرق بينهما أن المثال جزئي ذكر لإيضاح قاعدة، والشاهد جزئي ذكر لإثباتها، انتهى. وهذا الجواب فيه نظر فإن صريح كلام المصنف أنه شاهد كالذي قبله، فإنه في صدد الاستدلال لا التمثيل، وما أبداه من الفرق بين الشاهد والمثال صحيح في نفسه، ولا فائدة فيها هنا، إذ ما أورد على الأول وارد عليه، فيقال: إنه لا يتعين مثالًا، لاحتماله غير الممثل له، والفرق الأول إنما يصحح المثالية ولا يعنيها، والكلام في تعيين المثالية حيث انتفى تعين الشاهدية.
ونقل السيوطي عن شارح «السبع الهاشميات» أنه قال: هذا خير وليس باستفهام، والمعنى: ولم أطرب شوقًا إلى البيض، ولا طربت لعبًا مني وأنا ذو الشيب، وقد يلعب ذو الشيب ويطرب، وإن كان قبيحًا به، ولكن طربي إلى أهل الفضائل والنهى، وهذا كما قال الكميت في موضع آخرك
قد تفتن الكاعب الربحلة ذا الشيب ويغتر صيده اليلب
يقول: فالشيخ يغتر صيده، وإن كان لا ينبغي له، انتهىز
والبيت مطلع قصيدة للكميت بن زيد، مدح بها آل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذه أبيات منها. قال الزجاجي في كتاب «الأخبار والفوائد والأشعار»:
أخبرنا أبو الفضل الضرير النحوي قال: أخبرنا السياري عن الرباشي قال: قال أبو يحيى محمد بن كناسة الأسدي: قدم الفرزدق الكوفة، فاستقبله الكميت عند مسجد ابن أقيصر الأسدي، والفرزدق راكب بغلة، فقبض الكميت على عنانها وقال: يا أبا فراس، قد قلت قصيدة أحببت أن تسمعها مني، قال: هات، فأنشأ يقول:
[ ١ / ٣١ ]
طر بت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب
فقال الفرزدق: فإلى أي شيء طربت؟ فقال الكميت:
ولم تلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب
فقال: ويحك! فأي شيء ألهاك وأي شيء أطربك؟ فقال الكميت:
ولا أنا ممن يزجر الطير همه أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية أمر سليم القرن أم مر أعضب
فنزل الفرزدق عن بغلته، واخترط سيفه ثم قال: والله لئن لم تأت بعذر لاملأنه منك! وكان يدل عليه للقرابة التي بينهما، فقال الكميت:
ولكن إلى أهل الفضائل والتقى وخير بني حواء والخير يطلب
إلى النفر البيض الذين بحبهم إلى الله فيما نابني أتقرب
بني هاشم رهط النبي محمد بهم ولهم أرضى مرارًا وأغضب
فأغمد الفرزدق سيفه وقال: يا ابن أخي! لقد ذهبت مذهبًا عظيمًا، وطربت إلى مطرب ما نطرب نحن إليه، وإنما نطرب إلى هذه الدراهم، فقل بملء فيك فإنك أشعر العرب! هذا آخر ما أورده الزجاجي.
والطرب: خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور، وكلاهما جائز هنا، وشوقًا: مفعول له قدم على عامله وهو أطرب، وبه رد أبو حيان على من منع تقمه، والبيض: النساء الحسان، ورسم المنزل: ما بقي من آثاره لاصقًا بالأرض، وتطر به بمعنى أطربه، والزجر: العياقة، وهو ضرب من التكهن، تقول: زجرت أنه يكون كذا، وهمه: فاعل يزجر، والطير: مفعوله، والسانح: ما مر من اليسار إلى اليمين من طير أو ظبي، والبارح عكسه، والعرب تتيمن بالسانح وتتشاءم بالبارح. والأعضب بمهملة فمعجمة: المكسور القرن.
[ ١ / ٣٢ ]
وقد استشهد الرضي بعدة أبيات من هذه القصيدة، وأول موضع أورد فيه منها باب الإضافة، وهو الشاهد الثاني بعد الثلاثمائة، وقد بسطنا الكلام هناك، وذكرنا ترجمته. وولد الكميت في سنة ستين، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ست وعشرين ومائة.
وأورد بعده، وهو الانشاد الثامن:
(٨) ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد الرمل والحصا والتراب
وقال: اختلفوا فيه فقيل: أراد أنحبها؟ وقيل: إنه خبر، أي: أنت تحبها، ومعنى: قلت بهرًا، قلت: أحبها حبًا بهرني بهرًا، أي: غلبني، وقيل: معناه عجبًا، ومثله كلام ابن الشجري في المجلس الرابع والثلاثين من «أماليه»، وقال المبرد في «الكامل»: قال قوم: أراد بقوله: تحبها، الاستفهام، كما قال امرؤ القيس:
أحار ترى برقًا أريك وميضه
فحذف ألف الاستفهام، وهو يريد: أترى برقًا؟ قالوا: أراد: أنحبها؟ وهذا القول خطأ فاحش، إنما يجوز حذف الألف إذا كان في الكلام دليل عليها، وسنفسر هذا ونذكر الصواب منه، إن شاء الله تعالى. قوله: تحبها، إيجاب عليه غير استفهام، إنما قالوا: أنت تحبها، أي: قد علمنا ذاك، فهذا معنى صحيح
[ ١ / ٣٣ ]
لا ضرورة فيه، وأما قول امرئ القيس فإنما جاز، لأنه جعل الألف التي تكون في الاستفهام للنداء تنبيهًا، واستغنى بها، ودلت على أن بعدها ألفًا منوية، فحذفت ضرورة، لدلالة هذه عليها، كما قال التميمي، وهو اللعين المنقري:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
يريد: أشعيت، فدلت «أم» على ألف الاستفهام. وقال عمر ابن أبي ربيعة:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان
مثل ذلك، وبيت الأخطل فيه قولان، وهو:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
قال: أراد أكذبتك عينك، كما قيل فيما قبله، وليس هذا بالأجود، ولكنه ابدأ متيقنًا ثم شك، فأدخل أم كقولك: إنها لإبل، ثم تشك فتقول: أم شاء يا قوم، انتهى كلام المبرد. وكتب عليه في هامشه أبو الوليد أبو علي الوقشي: قوله: وقالوا أراد: أتحبها؟ وهذا القول خطأ، بل قوله هذا هو الخطأ، وما حكوه من حذف الألف دون دليل في اللفظ عليها إلا بما يعطيه معنى الكلام معروف لهم، قال حضرمي بن عامر الأسدي يرد على من غيره أنه فرح بموت أخيه وميراثه:
[ ١ / ٣٤ ]
أفرح أن أرزا الكرام وأن أورث ذودا شصائصا نبلا
وكتب أيضًا على هامش نسخته ابن السيد البطليوسي: أكثر ما تحذف ألف الاستفهام إذا كان بعدها أم، لأن أم تدل عليها، فإذا لم تكن في الكلام لم يجز عند أكثر النحويين، وهذا هو الذي أراد أبو العباس المبرد، وقد جاء حذفها في الشعر دون ذكر أم، قال الشاعر: أفرح أن أرزأ الكرام البيت، انتهى. ثم قال المبرد: وقوله: بهرًا، يكون على وجهين، أحدهما: حبًا بهرني بهرًا، أي: ملأني، ويقال للقمر ليلة البدر: باهر، أي: يبهر النجوم، أي: يلمؤها، كما قال ذو الرمة:
كما يبهر البدر النجوم السواريا
وقال الأعشى:
حكمتموه فقضى بينكم أبلج مثل القمر الباهر
والوجه الآخر: أن يكون أراد بهرًا لكم، أي: تبًا لكم حيث تلومونني على هذا، كما قال ابن ميادة:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي بجارية بهرًا لهم بعدها بهرا
[ ١ / ٣٥ ]
انتهى. وكتب أبو الوليد في هامش نسخته: قوله بهرًا، يكون على وجهين، قال ابن دريد: يقال: بهرًا لك، كأنه يدعو عليه بالغلبة، قال الشاعر:
ثم قالوا تحبها قلت بهرًا البيت.
وقال الأصمعى: كنت أحسب قوله بهرًا من الدعاء عليه، فسمعت رجلًا من أهل مكة يقول: معناه جهرًا لا أكاتم، وقوله: يملؤها في النجوم ليس بشيء، ولا يصح له معنى معقول، وإنما هو بمعنى غلب نوره نورها، فمحا ضوؤه صغارها وخفياتها أو كاد، وبهذا فسره ابن دريد فقال: بهره الأمر يبهره بهرًا: غلبه، ومنه قيل: بهر القمر النجوم، إذا غلبها بنوره. وكتب ابن السيد البطليوسي: قال ابن الأعرابي: بهرًا بمعنى عجبًا، انتهى.
وكتب الإمام مغلطاي الحافظ في هامش إحدى نسختيه: قال أبو بكر ابن السراج في «الاشتقاق»: وقالوا: «بهر» في الليالي البيض، لأن القمر يبهر فيهن ظلمة الليل، ويقال: بهرًا له، أي: عجبًا له، قال أبو بكر: هذا يقال أحسبه عن الشيء يغلب على الإنسان الجهالة به، فلا يدري ما سببه، انتهى.
وأنشد الجوهري هذا البيت في «الصحاح» وفسر بهرًا بـ «عجبا»، وجزم به ابن مالك في «شرح التسهيل» وجعله مصدرًا لا فعل له، وأورد البيت شاهدًا على نصبه
[ ١ / ٣٦ ]
بعامل لازم الإضمار، لأنه بدل من اللفظ بفعل مهمل لم يوضع.
تتمة: أبو عمرو بن العلاء أيضًا ممن يمنع حذف همزة الاستفهام، قال المرزباني في كتاب «الموشح»: حدثني عبد الله بن محمد قال: أخبرنا إسحاق النخعي قال: حدثني ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية، وما تعلق عليه إلا بحرف واحد، قوله: ثم قالوا تحبها البيت، وكان ينبغي أن يقول: أتحبها؟ لأنه استفهام، قال: وقوله: بهرًا، أي: تعسًا. وحدثني أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان قال: حدثنا الحسن بن عليل قال: حدثنا علي بن إسماعيل العدوي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن الأصمعي قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية، وما تعلق عليه بشيء غير حرف واحد، قال أبو عمرو: وله وجه إن أراد الخبر، ولم يرد الاستفهام، وهو قوله: ثم قالوا: تحبها، ولم يقل: أتحبها، وقد روى الرواة أنه إنما قال: «قيل لي هل تحبها قلت بهرًا». وحدثني أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثنا ثعلب قال: قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية، وما تعلق عليه بشيء غير حرف واحد، وله وجه، قوله في الاستفهام: ثم قالوا تحبها، ولم يقل: أتحبها؟ قال ثعلب: وقال ابن الأعرابي: قوله بهرًا، بهركم الله! أتظنون أني ليس كذا.
قال: وقال غيره: عجبًا لكم كيف تظنون بي غير هذا! وأخبرني الصولي قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل قال: حدثنا التوزي عن أبي عمر الأسدي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية، ما أخذ عليه شيء إلا قوله: ثم قالوا: تحبها، وله فيه عذر إن أراد الخبر لا الاستفهام [كأنه قال]: أنت تحبها، على وجه الإخبار، فوكد هو إخبارها بقوله، فهذا حسن.
[ ١ / ٣٧ ]
وبهرًا يجوز أن يكون أراد: نعم حبًا بهرني بهرًا، ويكون بمعنى عقرًا وتعسًا، دعاء عليهم إذ جهلوا من حبه لها ما لا يجهل مثله، وأنشد أبو عمرو:
لحا الله قومي إذ يبيعون مهجتي بجارية بهرًا لهم بعدها بهرًا
قال أبو عمرو: ويكون بهرًا بمعنى حبًا ظاهرًا، من قولهم: قمر باهو.
وحدثني علي بن عبد الرحمن قال: أخبرني يحيى بن علي بن المنجم عن أبيه عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية، وما تعلق عليه إلا بهذا الحرف الواحد، قال أبو عمرو: وله وجه إن كان أراد الخبر، ولم يرد الاستفهام، لأنه إن كان أراد الاستفهام فكان ينبغي أن يقول: أتحبها؟ قال علي بن يحيى، وقال إسحاق الموصلي: بهرًا، أي: عقرًا وتعسًا، دعاء عليهم. وقال الأصمعي: بهرًا، أي: ظاهرًا، من قولهم: القمر الباهر، وأخبرني محمد بن يحيى قال: سئل ثعلب عن بهرًا فقال: بهرًا، أي: عجبًا، وقال غيره: بهركم الله، وقال بعضهم: هو من الانبهار، والانبهار أن تقول: فعلت بفلانة، ولم تفعل. هذا كلام المرزباني، ونقله برمته الشريف المرتضى في «أماليه».
والبيت من قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا، نقلها جماعة منهم محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون، أوردها في كتابه «منتهى الطلب من أشعار العرب» عندما أورد المختار من شعره، ومنهم الزبير بن بكار أنشدها في كتابه «أناب قريش»
[ ١ / ٣٨ ]
وقال: كتب بها إلى الثريا بنت عبد الله بن الحارث العبشمية لما صرمته، ومنهم صاحب «الأغاني»: ومنهم السيد المرتضى ذكرها في «أماليه»: وأورد منها المبرد، في «الكامل» أحد عشر بيتًا، وهي:
قال لي صاحبي ليعلم ما بي أتحب القتول أخت الرباب
قلت وجدي بها كوجدك بالما إذا ما منعت برد الشراب
من رسولي إلى الثريا فإني ضقت ذرعًا بهجرها والكتاب
سلبتني مجاجة المسك عقلي فسلوها بما يحل اغتصابي
أزهقت أم نوفل إذ دعتها مهجتي ما لقاتلي من متاب
حين قالت لها أجيبي فقالت من دعاني قالت أبو الخطاب
فاستجابت عند الدعاء كما لبى رجال يرجون حسن الثواب
أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب
وهي ممكورة تحير منها في أديم الخدين ماء الشباب
ثم قالوا تحبها قلت بهرًا عدد النجم والحصى والتراب
دمية عند راهب ذي اجتهاد صوروها فيب جانب المحراب
قوله: أتحب القتول: هي صفة مشبهة، أي: التي شأنها قتل العشاق، وزعم السيوطي أن قتول علم امرأة منقول من الوصف، يقال: امرأة قتول،
[ ١ / ٣٩ ]
أي: قاتلة، قال شارح «المغني» ابن الملا: وهذا إنما يتم ها إذا ثبت أن لها علمين: الثريا والقتول، و«أل» على هذا للمح الوصف، قال المبرد: قوله: قلت وجدي بها البيت معنى صحيحو وقد اعتوره الحكماء وكلهم أجاد فيه، وقوله: إذا منعت برد الشراب، يريد: عند وقت الحاجة إليه، وبذلك صح المعنى. ويروى عن علي بن أبي طا لب رضي الله تعالى عنه أن سائلا سأله فقال: كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ. وقال آخر:
لئن كان برد الماء حران صاديًا إلي حبيبًا إنها لحبيب
وقال القطامي:
فهن ينبذن من قولٍ يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وقوله: ضقت ذرعًا .. الخ، أي: صبرًا وطاقة، وأصل الذرع بسط اليد، وهو تمييز محول عن الفاعل، وقوله: والكتاب، الواو: للقسم، والكتاب: القرآن الكريم، وقوله: سلبتني مجاجة المسك: فاعل سلبتني، وعقلي مفعوله، وروي بدله «لبي» لمعناه، وقوله: بما يحل، ما: استفهامية، وثبت ألفها، والكثير حذفه، وقوله: أزهقت .. الخ، أي: أبطلت وأذهبت، ومهجتي: تنازعه أزهقت الطالب للمفعول، ودعتها الطالب للفاعل، والمتاب: التوبة، والمصدر إذا كان بزيادة الميم من فعل يفعل من باب نصر، فهو على مفعل، قال تعالى: ﴿فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ [الفرقان/٧١].
[ ١ / ٤٠ ]
وأبو الخطاب: كنية عمر ابن أبي ربيعة، وقوله: أبرزوها مثل المهاة، هي البقرة في هذا الموضع، وتشبه بالبقرة الوحشية لحسن عينيها ولمشيها، وتكون المهاة البلورة في غير هذا الموضع، قاله المبرد. وتهادى: أصله تتهادى بتاءين من التهادي، وهو التمايل في المشية، وقال المبرد: قوله تهادى: يهدي بعضها بعضًا في مشيتها، ومشية البقرة تستحسن، وقوله: بين خمس، صوابه: بين ست، لأن بعده:
بين أسماء والخلوب وريا وسليمى وزينب والرباب
وقوله: الكواعب جمع كاعب، وهي التي قد كعب ثديها للنهود، والأتراب: المستويات في السن والولادة، جمع ترب، بكسر أوله، وقوله: وهي ممكورة، قال المبرد: هي المكتنزة، وروى بعضهم: «وهي مكنونة» أي: مستترة في الخباء ونحوه، وتحير: اجتمع مترددًا، وأديم الخدين: جلدهما، والمراد بماء الشباب: نضارته ورونقه، وقوله: عدد النجم: منصوب بـ «أحبها» المقدر، أو صفة لبهرًا على أنه مصدر مؤكد لبهوني، قال المبرد: فيه قولان، أحدهما: أنه أراد بالنجم النجوم، فوضع الواحد في موضع الجمع، لأنه للجنس، كما تقول: أهلك الناس الدرهم والدينار، والوجه الآخر: أن يكون النجم ما نجم من النبتو وهو ما لم يقم على ساق، واليقطين: ما انتشر على وجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن /٦] وقوله: دمية، أي: هي كدمية – بضم الدال – الصورة من العاج، وقوله: في جانب المحراب، هو صدر المجلس، وأشرف موضع فيه، وروى الجاحظ في كتاب «المحاسن والأضداد»: في «مذبح المحراب». والمذبح، بالذال المعجمة بعدها باء موحدة فحاء مهملة كجعفر، قال صاحب «الصحاح»: المذابح: المحاريب،
[ ١ / ٤١ ]
سميت بذلك للقرابين، قال السيوطي: فإضافته بيانية، وفي «القاموس»:
المذابح: المحاريب والمقاصير وبيوت كتب النصارى.
قال السيد المرتضى في «أماليه»: الثويا هذه التي عناها عمر أموية، وقد اختلف في نسبها فقيل: إنها الثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر ابن عبد شمس، وقيل: إنها بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وذكر الزبير بن بكار أنها بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وأنها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبي جراب العبلي.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني بسنده إلى مؤمن بن عمر بن أفلح قال: أخبرني بلال بن أبي عتيق في حديث طويل لعمر ابن أبي ربيعة مع الثريا، اختصرناه وأوردنا بعضه قال: لما سمع ابن أبي عتيق قول عمر: «من رسولي إلى الثريا» قال: إياي أراد وبي نوه، لا جرم، والله لا أذوق أكالًا حتى أشخص إليه لأصلح بينهما، فاكترى راحلتين من بني الديل وأغلى لهم، فقلت له: استوضعهم شيئا أو دعني أماكسهم، فقد اشتطوا! فقال لي: ويحك! أما علمت أن المكاس ليس من خلق الكرام، وركب إحداهما، وركبت الأخرى، فسار سيرًا شديدًا فقلت له: ارفق على نفسك فإن ما تريد لا يفوتك، فقال: ويحك «أبادر حبل الود أن يتقضبا» وما ملح الدنيا إلا أن يتم الصدع بين عمر والثريا، فأتينا مكة ليلًا غير محرمين، فدق على عمر بابه، فخرج إليه فسلم عليه، فما نزل ابن أبي عتيق عن راحلته، وقال لعمر: اركب أصلح بينك وبين الثريا، فأنا رسولك الذي سألت عنه. فركب معه فقدمنا الطائف، فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جشمني السفر من المدينة، فجئتك به معترفًا بذنب لم يجنه، معتذرًا من إساءتك إليه، فدعيني من التعداد والترداد، فإنه من الشعراء الذين يقولون
[ ١ / ٤٢ ]
ما لا يفعلون، فصالحته أحسن صلح، وكررنا راجعين إلى المدينة، ولم يقم ابن أبي عتيق بمكة ساعة واحدة.
وفي الثريا يقول عمر أيضًا لما تزوجها سهيل بن عبد الرحمن المكتني بأبي الأبيض، وقيل: بل تزوجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان:
أيها المنكح الثريا سهيلًا عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يمان
انتهى كلام الشريف المرتضى، قدس الله تعالى روحهز
وقد أورد الجاحظ هذه الحكاية في كتاب «المحاسن والأضداد» وصاحب كتاب «الأغاني» على غير هذا الأسلوب، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الإنشاد السادس.
وأورد بعده، وهو الإنشاد التاسع:
(٩) أحياو أيسر ما قاسيت ما قتلا والبين جار على ضعفي وما عدلا
وقال أحيا: فعل مضارع، والأصل: أأحيا، فحذف همزة الاستفهام، والواو للحال. تقدير الهمزة في هذا البيت لم يذهب إليه أحد غير ابن الحاجب قال في «أماليه»: يجوز أن يكون أحيا فعلًا مضارعًا حذف منه همزة الاستفهام للإنكار، وتقديره: أأحيا وأيسر ما قاسيت ما قتل؟ ! أي: كيف أحيا وهذه حالي! فيكون قوله: وأيسر ما قاسيت، جملة في موضع الحال، أو جملة معطوفة
[ ١ / ٤٣ ]
قرر بها الجهة التي من أجلها أنكر الحياة ونفاها، لأنه إذا كان أيسر ما لاقاه قائلا كان غير حي. انتهى.
والمصنف وإن وافقه في تقدير همزة الاستفهام، لكنه خالفه في جعل الاستفهام للتعجب، ولهذا قال: والمعنى التعجب من حياته مع تحمله لأعباء الهوى، وصبره على النوى مع شدة جوره عليه، ولم يجعله للإنكار، لأن الاستفهام الإنكاري في معنى النفي، ومع نفي الحياة لا يلتئم قوله: «والبين جار على ضعفي وما عدلا».
ولا جوز ابن الحاجب تقدير الهمزة في «أحيا»، وجوز أن يكون «أحيا» أفعل التفضيل، ورأى أن المصراع الثاني لا يناسب الإنكار قال: قوله والبين جار على ضعفي يقوي الوجه الثاني، لأن الوجه الأول الذي أنكر فيه كونه حيًا لا يحسن أن يذكر بعده أن البين جار على ضعفه، وبالتقدير الثاني لا يلزم ذلك، لأنه لم يتعرض إلا لشدة ما قاساه، وأن غيره يهلك بأقله، لا أنه هلك، وإنما أشار فيه إلى صبره وقوته على ما لقيه. انتهى.
وغالب شراح شعر المتنبي حملوا أحيا على أنه خبر لا إنشاء، وهو الأجود، قال الواحدي: أخبر عن نفسه بالحياة مع أن أقل ما يقاسيه من شدائد الهوى قاتل، يقول: أقل وأهون ما قاسيت قاتل، وأنا مع ذلك أحيا! والفراق جار على ضعفي حين فرق بيني وبين أحبتي، وكنت ضعيفًا بمقاساة الهوى، ولم يعدل حين ابتلاني ببعدهم. انتهى كلامه.
وقال ابن الشجري في «أماليه» أحيا: فعل متكلم، والجملة التي هي أيسر وخبره في موضع نصب على الحال من المضر في «أحيا»، أي: أعيش، وأقل ما قاسيت، وأهون ما قاسيت ما قتل غيري، أخبر بحياته في هذه الحال كالمتعجب، وحقيقة المعنى: كيف أعيش وأهون الأشياء التي قاسيتها في الهوى الشيء الذي قتل المحبين؟ ! انتهى كلامه، فأفاد رحمه الله تعالى أن المراد من الجملة الخبرية هنا التعجب، فإن الجمل الخبرية قد وردت كثيرًا لأغراض سوى
[ ١ / ٤٤ ]
الإخبار، كإظهار التحزن وإظهار التحسر، قال الصفوي في «شرح الفوائد الغيائية»: وقال الأبهري: وقد يكون للتعجب والتعجيب والاستعطاف، أو للمجازاة بالسوء، إلى أن قال: وحيث لم يرد به الإخبار، فصرح العلامة بأنه مجاز، وسنحققه إن شاء الله تعالى. وأراد بالعلامة: سعد الدين التفتازاني.
وجوز ابن الحاجب أن يكون أحيا أفعل التفضيل، قال: ويجوز أن يكون أحيا من باب أفعل التفضيل، حذف المضاف إليه استغناء عنه بما عطف عليه مما شرك بينه وبينه فيه، كأنه قال: أحيا ما قاسيت وأيسر ما قاسيت، فحذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني، أو حذف المضاف إليه من الثاني استغناء عنه بالأول، ثم أخر ليعتمد الثاني عليه من حيث اللفظ، كما في قولك: نصف وربع درهم، ويكون مبتدأ خبره «ما قتل» إن كانت «ما» في: ما قاسيت، بمعنى الذي، على القول بأن أفعل التفضيل يكتسب تعريفًا بالإضافة، وعلى القول بأن المعرفة تتعين بتقدمها للابتداء وإن كانت مشتقة، أو يكون خبرًا مقدمًا على القول بأن المشتق يتعين للخبر وإن كان معرفة ومقدمًا، فإن كانت ما بمعنى شيء، فخبر مبتدأ باتفاق. وأما أحيا باعتبار المعنى، فيجوز أن يكون مأخوذًا من حي الشيء: إذا كانت فيه حياة، كأنه قال: أظهر شيء فيه حياة مما قاسيته يقتل، ويجوز أن يكون مبنيًا من: أحييته إذا جعلته حيًا، كأنه قال: أظهر شيء يحيا قاسيته يقتل، والمقصود يحصل من المعنيين جميعًا، هذا كلامه برمته، وتكلفه ظاهر، ولهذا قال شيخنا الشهاب الخفاجي: وأما كونه اسمًا تفضيليًا فركيك.
ونقل ابن الملا في شرحه عن ابن الحاجب ما لم يقله قال: وعن ابن الحاجب في «أماليه» وجهان آخران، أحدهما: أن يكون الكلام خبرًا، أي: أعيش والحال أن أيسر ما قاسيت أمات غيري، كأنه يشير بذلك إلى تجلده وصبره على شدائد الحب بالنسبة إلى غيره، وثانيهما: أن يكون أحيا أفعل التفضيل، وفي الكلام تقديم وتأخير وحذف مضاف إليه، والأصل: ما قتل أحيا ما قاسيت وأيسر ما قاسيت، ولا يخفى ما في هذا الثاني من التكلف، والتزام أن يوجه قوله:
[ ١ / ٤٥ ]
ما قتل غيره أحيا ما قاساه، أي: أشد حياة، كما أنه أيسره وأسهله يجعل الحياة مجازًا عن لازمها الذي هو كون صاحبها مألوفًا لا ينفر عنه، فيرجع أحيا ما قاساه وأيسره إلى ما هو المألوف منه جدًا له، وما هو السهل منه جدًا عليه، نعم، إن جعل أحيا أفعل تفضيل من الإحياء على الشذوذ، حتى يكون المعنى: ما قتل غيري من الهوى أشدما قاسيته إحياء لي وأيسره علي، هان الخطب. انتهى كلامه، ومن خطه نقلت، أما الأول فلم يذكره ابن الحاجب، وأما الثاني فلم يقف على كلامه حتى يفهم مراده.
تتمة: قال ابن الشجري: إن قيل: كيف كرر المعنى في قوله: والبين جار على ضعفي وما عدلا، لأنه أثبت للبين الجور، وفى عنه العدل، والمعنى فيهما واحد؟ فالجواب: إن الجائر في وقت قد يعدل في وقت آخر، فيوصف بالجور إذا جار، وبالعدل إذا عدل، وشبيه بذلك في التنزيل قوله تعالى في وصف الأوثان: ﴿أموات غير أحياء﴾ [النحل/٢١] فوصفها بأموات قد دل على أنها غير أحياء، والمعنى: أنها أموات لا تحيى في مستقبل الأزمان، كما يحيى الناس عند قيام الساعة، انتهى. أقول: يحتمل أنه من العدول، أي: جار علي ولم يفارقني.
وهذا البيت مطلع قصيدة للمتبني قالها أول صباه، وهو من الشعراء المحدثين الذين لا يصح الاستشهاد بكلامهم، وإنما أورده المصنف لزيادة إفادة، ولأن العلماء قد بحثوا فيه فاقتدى بهم، وبحث معهم، وكذا الحال في سائر ما أورده في هذا الكتاب من شعره.
والمتبني هو: أبو الطيب أحمد بن الحسين الكوفي الكندي، ولد بالكوفة في سنة ثلاث وثلاثمائة إلى محلة تعرف بكندة، فيها ثلاثة آلاف بيت من بين رواء ونساج، واختلف إلى كتاب فيه أولاد أشراف الكوفة، فكان يتعلم دروس العاوية شعرًا ولغة وإعرابًا، وقال الشعر في صباه، واشتهر صيته في الآفاق،
[ ١ / ٤٦ ]
ورزق السعادة في شعره، ومات مقتولًا في الطريق في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد العاشر:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد
هذا صدر بيت وعجزه:
إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
على أن همزة الاستفهام دخلت على لا النافية للجنس، والاصطبار: افتعال من الصبر، وقوله لسلمى: خبر لا النافية، وروي بدله «لليلى» والجلد بفتحتين: الجلادة، وهو التثبت عند المصيبة. وأم هنا: متصلة، وكان الظاهر أن يقول: أم لا، لكنه تفنن، وإذا: ظرف لجلد، لا لاصطبار، لأنه كان ينون، وأراد بالذي لاقاه أمثاله: الموت، وأراد بأمثاله: العشاق، يقول: أتحزن علي سلمى إذا مت أم لا؟ وكنى عن الموت ولم يصرح به حذرًا من تألمها.
وهذا البيت استشهد به جميع شراح الألفية وغيرهم، وقد أعاده المصنف في بحث «ألا» بالفتح والتخفيف.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الحادي عشر:
(١١) ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
على أن الهمزة فيه للإنكار الإبطالي، فإن كان ما بعدها نفيًا كما هنا لزم ثبوته، لأن نفي النفي إثبات، وبهذا صار البيت مدحًا. قال ابن الشجري في المجلس الرابع والثلاثين في «أماليه»: معناه: أنتم خير من ركب المطايا، فذلك قال عبد الملك حين أنشده هذا البيت: نحن كذلك. ولو قال: جرير عرى جهة
[ ١ / ٤٧ ]
الاستخبار لم يكن مدحًا، وكيف يكون هذا استفهامًا وقد جعل الرواة لهذا البيت مكانًا عليًا، حتى قال بعضهم: هو أمدح بيت! انتهى.
وهو من قصيدة مدح بها عبد الملك بن مروان مطلعها:
أتصحو بل فؤادك غير صاح عشية هم صحبك بالرواح
إلى أن قال بعد ستة أبيات:
تعزت أم حزرة ثم قالت رأيت الموردين ذوي لقاح
تعلل وهي ساغبة بنيها بأنفاس من الشبم القراح
سأمتاح البحور فجنبيني أذاة اللوم وانتظري امتياحي
ثقي بالله ليس له شريك ومن عند الخليفة بالنجاح
أغثني يا فداك أبي وأمي بسيب منك إنك ذو ارتياح
فإني قد رأيت علي حقًا زيارتي الخليفة وامتداحي
سأشكر إن رددت على ريشي وأثبت القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
وقوم قد سموت لهم فدانوا بدهم في ململمة رداح
أبحت حمى تهامة بعد نجدٍ وما شيء حميت بمستباح
وبقي بعد هذا ستة أبيات، قال جامع شعر جرير محمد بن حبيب عن محمد ابن زياد الأعرابي عن عمارة بن بلال بن جرير: كان جرير عند الحجاج بالعراق،
[ ١ / ٤٨ ]
وكان قد آمنه بعدما أخافه، فأوجهه الحجاج، وملأ بمدحه الأرض، وبلغ أهل الشام وأمير المؤمنين ورواة الناس، ثم إن الحجاج أوفده مع ابنه محمد عاشر عشرة من وجوه أهل العراق، وذلك بعدما أجازه بعشرة من الرقيق وأموال كثيرة، قال: فقدمنا على عبد الملك، فلما حضرنا الباب دخل محمد على عبد الملك، فخطب بين يديه، ثم أجله على سرير عند رجليه، ثم دعانا رجلًا رجلًا، وكلنا له خطبة، فجعل كلما تكلم رجل قطع خطبته، وتكلم جرير فقطع خطبته، وقال: من هذا يا محمد؟ فقال: هو جرير بن الخطفى، قال أمادح الحجاج؟ قلت: نعم، ومادحك يا أمير المؤمنين، فأذن لي أنشدك، أبقاك الله تعالى، وقال: بل هات بالحجاج، فاندفعت في قولي:
إذا سعر الخليفة نار حربٍ رأى الحجاج أثقبها شهابا
قال صدقت، هو كذا. قال: ووراني الأخطل جالسًا في الحلقة لا أراه، ثم قال: هات للحجاج، فأنشدته:
طر بت لعهدٍ هيجته المنازل وكيف تصا بي المرء والشيب شامل
قال: فما نزعت عنيا حتى خيل لي في وجه الخليفة الغضب، ثم قال: هات للحجاج فأنشدته:
من سد مطلع النفاق عليهم أم من يصول كصولة الحجاج
[ ١ / ٤٩ ]
أم من يغار على النساء حفيظة إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
قال: فتكلم الأخطل، وقال: فأين أمير المؤمنين يا ابن المراعة؟ ! قال: فعرفت أنه الأخطل، فقلت له: اخسأ، ومضيت فيها حتى أنشدته كلها، فقال عبد الملك: اجلس، فجلست، وقال: قم يا أخطل هات مديح أمير المؤمنين، فقام حذائي فأنشد، فقال: أجدت، أنت مادحنًا وأنت شاعرنا! اركبه، قال: فرمى بردائه وكشف قميصه عن منكبيه، ووضع يده على عنقي، فقلت: يا أمير المؤمنين النصراني الكافر لا يظهر على المسلم ولا يركبه! فقال أهل المجلس: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: دعه. وانتفض المجلس وخرجنا، فدخل الوفد عليه ثمانية أيام مع محمد، وفي كلهن أحجب ولا أدخل، ثم دخلوا في اليوم التاسع فأخذوا جوائزهم، ثم تهيؤوا اليوم العاشر للدخول، وتجهزوا للرحيل، فقال محمد: يا أبا حزرة! مالي لا أراك تجهز؟ قلت: كيف والخليقة علي ساخط؟ ما أنا ببارح أو يرضى عني! قال: فلما دخل بودعه قال: يا أمير المؤمنين إن ابن الخطفى مادحك وشاعرك، ومادح الحجاج سيفك ويمينك، وقد لزمتنا منه ذمام، فإن رأيت، وقد أبى أن يخرج معنا وأنت عليه ساخط - أن تأذن له أن يودعك ويخرج معنا فعلت، فأن له، فلما سلمت عليه ودعوت له قال: إنما أنت للحجاج قال: قلت: ولك يا أمير المؤمنين، وإنما الحجاج سيفك ويمينك، فأذن، فسكت ولم يأذن، فاندفعت فقلت:
أتصحو بل فؤادك غير صاح
حتى فرغت منها، وعرفت أني إن لم أخرج بجائزة منه كان إسقاطي أبدًا، قال: فقال: بل فؤادك! قال: ومضيت فيها حتى بلغت للشكوى لأم حزرة وبينها، وأتيت على قولي:
[ ١ / ٥٠ ]
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
قال: فضحك وجعل يقول: كذاك نحن، قال: فردها علي، فرددتها عليه، فقال: ويحك أتراها ترويها مائة من الإبل؟ قال: قلت: نعم إن كانت نم نعم كلب، قال: وقد رأيت خمسمائة فريضة من نعم كلب مخضبة ذراها ثنيًا وجذعًا تهيأ للخول، فقال: أخرجوها من الفرائض التي جاءت من نعم كلب مائة من عرض ولا ترذلوها، قال: فشكرت له وفديته، وتشكر له أصحابي ومن شهدني من العرب، ثم قلت: يا أمير المؤمنين إنما نحن أسياخ من أهل العراق، وليس في واحد منا فضل عن راحلته، وإنما الإبل أباق، قال: فنجعل لك أثمانها؟ قال: قلت: لا، ولكن الرعاء يا أمير المؤمنين، قال: فنظر إلى جنبتيه، وقال لجلسائه: كم يجزئ لمائة من الإبل؟ فتكلموا على قدر الركاب والظهر، فقالوا: ثمانية، فأمر لي بها، أربعة صقالبة، وأربعة نوبة.
قال: وإذا بعض الدهاقين قد أهدى إليه ثلاث صحفات فضة، فهن بين يديه يقرعهن بخيزرانة، قال: قلت: المحلب يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! قال: فدفع إلي إحداهن فقال: خذها، لا نفعتك، قلت: بلى، كل ما نلت منك نافع أبقاك الله، ونصرفنا وودعنا.
وقد كتب محمد يوم ودعنا، وأبرد إلى أبيه بالحديث كله، فلما قدمنا على الحجاج قال: أما والله يا ابن الخطفى، لولا أن يبلغ أمير المؤمنين فيجد علي في نفسه لأعطيتك مثلها، ولكن هذه خمسون وأعمالها حنطة تأتي بها أهلك وتميرهم ما عليها، فشكرت له ودعوت، وأمر بأقتابها وأحبالها وأحلاسها وجواليقها من العباء القطواني، وهو مما ينتفع به أهل البادية، قال: فخرجت من الغد محملة كما أمر بها إلى الحي، فإلى هذا يشير قوله:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرف
[ ١ / ٥١ ]
انتهى. وقوله: أتصحو الخ، هذا تجريد خاطب به نفسه بالاستفهام، ثم أضرب عن الاستفهام فقال: بل فؤادك غير قابل للصحو، وأراد بالعشية هنا، مطلق الزمان، وهو ظرف لصاح، وقوله: تعزت أم حزرة، أي: تصبرت على قلة اللقاح، وأم حزرة، بفتح الحاء المهملة وسكون الزاء المعجمة بعدها راء مهملة: امرأة جرير، وافقت كنيتها كنيته، واللقاح: جمع لقحه، بكسر لامهما، وهي الناقة ذات اللبن، وقال ثعلب: اللقاح جمع لقحة، وإن شئت لقوح، وهي التي نسجت، فهي لقوح سهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون بعد ذلك، والموردون: الذين يوردون إبلهم الماء، وتعلل: تلهى، وساغبة: جائعة، والأنفاس: جمع نفس بفتحتين، وهو من الماء ما كان مرويًا كافيًا، والشم بكسر الموحدة: البارد، يقال: شم الماء، من باب فرح، إذا برد، والقراح بالفتح: الماء الخالص الذي لم يخلط به لبن ولا غيره. وقوله: سأمتاح البحور، أي سأستسقي، وهو مثل، والبحور كناية عن الملوك، وقال ابن حبيب: الميح: العطاء، يقال: ماحه يميحه ميحًا، وامتحت فلانًا واستمحته بمعنى واحد، وقوله: يا فداك أبي، المنادى محذوف، أي: يا أمير المؤمنين، وجملة: فداك أبي، دعاء له، والسيب: العطاء، والارتياح: الخفة للعطاء. وقوله: فإني قد رأيت علي حقًا أي: رأيت من الحق علي أن أزور الخليفة، وأمتدحه، والقوادم: العشر الريشات في الجناح، وما فوق ذلك الحوافي، شبه نفسه مجردة من الأموال بطائر تساقط ريشه، فهو يعجز عن بلوغ مراده، وشبه الإنعام عليه بالمال بإراشة ذلك الطائر، وقد كنى بذلك عن إصلاح حاله، والمطايا: جمع مطية، وهي الناقة السريعة من مطا يمطو، إذا جد في السير وأسرع، والراح جمع راحة: الكف، وأندى:
[ ١ / ٥٢ ]
أجود، أفعل تفضيل من الندى، قال صاحب «المفتاح»: الندى أصل المطر، وهو مقصور يطلق لمعان، ويقال: أصابه ندى من طل، ومن عرق، وندى الخير، وندى الشر، وندى الصوت .. إلى أن قال: وفلان أندى من فلان، أي: أكثر فضلا وخيرًا، وبطون راح: تمييز من فاعل أندى محول عن الفاعلية، ونسبة الندى إلى البطون، لأن العطاء كثيرًا ما يكون بها، والخطاب في قوله: ألستم، لعبد الملك وآبائه، ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم المخاطب الواحد، خلافًا للرضي والتفتازاني في منعهما ذلك. وقوله: وقوم قد سموت .. الخ، أي: ورب قوم، وسموت: علوت، ودانوا: أطاعوا من الدين وهو الإطاعة، والدهم بفتح الدال: الجيش الكثير، والململمة: الكثيرة المجتمعة، والرداح بالفتح: الضخمة، وقوله: أبحت حمى تهامة، يريد: عبد الله بن الزبير وقتله إياه، وغلبته على ما في يديه، ويأتي، إن شاء الله تعالى، شرحه في الباب الرابع.
وجرير من الطبقة الأولى من شعراء الإسلام، وهو جرير بن عطية بن الخطفى – بفتحات – سمي الخطفى بشعر قاله، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وإليه المنتهى وإلى الفرزدق في حسن النظم، قال محمد بن سلام: ذاكرت مروان بن أبي حفصة فيهما فقال:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنما حلو القريض ومره لجرير
ومات جرير بعد الفرزدق بشهر من السنة العاشرة بعد المائة، وقد بسطت ترجمته في أول شرح شواهد الرضي.
[ ١ / ٥٣ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني عشر، وهو من شواهد سيبويه:
(١٢) أطربا وأنت قنسري والدهر بالإنسان دواري
استشهد به سيبويه، قال ابن خلف في «شرح شواهد سيبويه»: الشاهد فيه انتصاب قوله: أطربًا، بفعل مضمر دل عليه الاستفهام. لأنه بالفعل أولى، والتقدير: أتطرب طربًا؟ وإنما ذكر المصدر دون الفعل لأنه أعم وأبلغ في المراد، قال أبو ..: همزة الاستفهام فيه للإثبات والتقرير والتوبيخ، ومن ههنا عودل بها أم، لأن أم يثبت بها الشيء مبهمًا، فلما تشابها من باب الإثبات وقعا معًا موقع أي، قال: لا يعادل أم سوى الألف، فيكون معه بمنزلة أيهما، وإنما جاز ذلك في الألف، ولم يجز في هل، لأن الألف قد تقع حيث يراد الإثبات والتقرير، ولا يراد التفهم والاستعلام، كمال قال تعالى: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾ [الزمر /٣٦] يريد التقرير، فلما كانت في الاستفهام بالألف وأم مدعيًا لأحد الشيئين أو الأشياء مثبتًا له، لم يجز أني قع بما سوى الألف لذا المعنى، بخلاف هل، لأنك لا تقرر بها إنما تستقبل بالاستفهام، فلو قلت: هل طوبًا، لم يجز، فأما قوله تعالى: لآهل يسمعونكم إذ تدعون﴾ [الشعراء /٧٢] فإنما هو إرشاد لا تقرير، ليكون ذلك داعية إلى النظر، ولو كان بالألف لجاز أن يظن بهم السماع والمتابعة على ذلك، وإن مخرج الكلام على التقرير والإنكار فقط، ومثل الآية قوله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ [الفجر/٥]. وزعم الفراء أن هل استعملت في الإثبات، واحتج بقول الله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم﴾ و﴿هل أتى على الإنسان
[ ١ / ٥٤ ]
حين﴾ [الإنسان /١] وهذا إرشاد وتنبيه، لينظروا. وكذلك إظهار التشكك في قصة إبراهيم ﵇، وإنما هو تنبيه وإرشاد، لا تقرير، ليكون ذلك داعية إلى النظر، قال سيبويه: إنما أراد أتطرب، أي: أنت في حال طرب، ولم يرد أن يخبر عما مضى، ولا عما يستقبل. والطرب: خفة تصيب الإنسان عند الفرح أو الجزع، وهو هنا في الجزع، لأن قبله:
بكيت والمحتزن البكي وإنما يأتي الصبا الصبي
قال أبو الحسن: يقال للسن: فنسري، ولم يسمع به إلا في شعر العجاج، وقوله: دواري أراد به: دوار، وأدخل عليه ياء النسب، والدوار: الذي يدور بالناس من حالة إلى حالة، انتهى كلام ابن خلف.
وقوله: إنما أراد أتطرب الخ، أشار إلى أن الفعل المقدر زمنه حالي، وقوله: أي أنت في حال طرب، أشار إلى أنه متلبس بالطرب، وهذا مما يوبخ عليه إذ حقه أن لا يستفزه الحزن، لأن من حنكته التجارب ينبغي أن يكون متثبتًا لدى الشدائد.
واستشهد به ابن مالك على وجوب حذف عامل المصدر الواقع في توبيخ، وقال الدماميني: طربا إما مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: أتطرب؟ أو مفعول به، أي: أتأتي، انتهى. وهذا كما يقال: أتيت معصية، أي: أحدثتها وفعلتها، ونقل السيوطي عن أبي حيان أنه حكى عن بعضهم أنه قال: طربًا حال مؤكدة، أي: أتطرب في حال طرب، وفيه نظر، فإن مجيء المصدر حالًا سماعي لا يذهب إليه إلا عند عدم صحة غير الحال من الوجوه، وحينئذ يؤول باسم الفاعل أو اسم المفعول بحسب المراد، وينظر ما معنى ذلك التقدير، وجملة:
[ ١ / ٥٥ ]
وأنت قنسري: حال من ضمير تطرب المحذوف، والقنسري: المشهور أنه بكسر القاف وتشديد النون، وجوز فيها الفتح والكسر، قال الدماميني: ويحتمل أن يكون بقاف مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة والسين مفتوحة، وقد حكاه صاحب «القاموس» قال: القيسر كجعفر وجعفري، وجردل: الكبير المن أو القديم، وقول ابن خلف: وأدخل عليه ياء النسب، أي: لتأكيد النسبة كقولهم: أحمري وخارجي وأعجمي، والمحتزن: من الحزن، وهو الهم، والبكي: فعيل من البكاء، وهو الكثير البكاء، والصبا: التصابي والميل إلى الجهل، والصبي: فعيل من الصبورة، وهي الميل.
وهذا من أرجوزة العجاج.
والأرجوزة: أفعولة من الرجز، وهو أحد بحور الشعر الخمسة عشر، وقد تطلق على ما شبهه من مشطور السريع، بيانه أن بحر الرجز من مستفعلن ست مرات فإذا شطر خف، ومعناه: حذف شطره، بقي «مستفعلن» ثلاث مرات، وبحر السريع من ستة أجزاء وهي: «مستفعلن مستفعلن مفعولات» مرتين، فإذا شطر بقي «مستفعلن مستفعلن مفعولات» مرة واحدة، وأما مشابهة السريع للرجز فمن وجهين، أحدهما: أن كل واحد منهما يشطر، ولا يقع الشطر في غيرهما من البحور، وثانيهما: أن مشطور كل واحد منهما قريب جدًا من مشطور الآخر، وإنما اختلفنا في الجزء الثالث، ثم إن أحدهما قريب من الآخر، فإن مستفعلن سببان خفيفان فوتد مجموع، ومفعولات سببان خفيفان فوتد مفروق، وهذا أشد ما يكون من المشابهة بين هذين البحرين، إذا لم يختلفا إلا في شيء يسير من بعض الأجزاء، ولذلك لا يكاد يفرق بينهما إلا الماهر بالعروض. قال ابن رشيق في «العمدة»: ومن المقصد ما ليس برجز، وهم يسمونه رجز التصريع،
[ ١ / ٥٦ ]
وذلك مشطور السريع، انتهى. وإنما لم نحمل شعر العجاج على أنه من مشطور السريع لأنه قد اشتهر هو وابنه في الرجز، ويقال لكل منهما راجز.
والعجاج اسمه: عبد الله، ولقب بالعجاج ببيت قاله، وهو:
حتى يعج عندها من عجعجا
وينتهي نسبه إلى زيد مناة بن تميم، وهو راجز مجيد عده الجمحي في الطبقة التاسعة من الشعراء الإسلاميين، وقال المرزباني: ولد في الجاهلية، ومات في أيام الوليد ابن عبد الملك، وقد أفلج وأقعد، وهو أول من رفع الرجز وشبهه بالقصد وجعل له أوائل، قال ابن رشيق: تسمى الأرجوزة قصيدة، طالت أبيانها أو قصرت، ولا تسمى القصيدة أرجوزة إلا أن تكون من أنواع الرجز، ولو كانت مصرعة الشطور، فالقصيدة تطلق على كل الرجز لا العكس.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث عشر.
(١٣) إن هند المليحة الحسناء وأي من أضمرت لخل وفاء
قد تكفل شرح هذا البيت ابن الشجري في «أماليه» وابن السيد البطليوسي في «شرح أبيات المعاياة» وقد لخص المصنف شرحه من «أمالي ابن الشجري» في المجلس الثامن والثلاثين منها، وزاد عليه في توجيه نصب الحسناء قوله: وإما بتقدير أمدح، وإما نعت لمفعول به محذوف، أي: عدي يا هند
[ ١ / ٥٧ ]
الخلة الحسناء، والخلة كالخصلة وزنًا ومعنى. وأما ابن السيد فقد اقتصر على هذا الأخير، لكنه قدر الموصوف غير ما قدره المصنف، ولم يذكر ضم النعت الأول على التبعية للفظ هند، وإنما ذكر النعتين بالنصب، وروى «الجميلة» بدل المليحة، قال: والجميلة الحسناء على اختلاف وجهين، إن شئت جعلت الجميلة وصفًا لهند على الموضع، والحسناء نصب بـ «عدي»، أي: عدي يا هند المرأة الحسناء، فيكون قد حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، وإن شئت أن تجعل الجميلة صفة لمحذوف هو المفعول به، كان التقدير: عدي يا هند المرأة الجميلة، فتكون الجملة صفة للمرأة على هذا لا لهند، والحسناء صفة للجميلة، صفة بعد صفة، ولو جعلت الجميلة الحسناء صفتين لهند على الموضع، ولم توقع الوعد على شيء، وجعلته مطلقًا، كان ذلك جائزًا، كما تقول: اضربي يا هند الكريمة الجليلة، فلا تذكر مضروبًا بعينه، وليس هذا في جودة الوجهين الأولين، انتهى كلامه. وكذا قال أبو الحسن ابن راشد في كتاب «الإفصاح عن الأبيات المشكلة في الإيضاح» وهي ألغاز نحوية، ورده الدماميني في «المزج» قال: وفي بعض نسخ «المغني»: المرأة الحسناء، يعني بدل: الخلة الحسناء. وليست بشئ، لأنه ليس المقصود أمرها بأن تعد المرأة، إذ لا يتعلق بذلك غرض للشاعر، وإنما غرضه أن تعد خلة حسنة وأمرًا جميلًا من مواصلة وملاطفة ونحو ذلك، انتهى.
أقول: يشهد لهذا قوله في البيت الثاني، وهو:
فعسى أن يكون يحسن من قد كان من قبل ذا لنا قد أساء
قال ابن القطاع: وهذا البيتان لأبي يعقوب بن يوسف الدباغ الصقلي، من كبار نحاة المغرب، ولم يعز البيت أحد غيره إلى قائله غير ابن القطاع، وإنما قال ابن الشجري: هذا البيت من الأبيات المصنوعة لرياضة المبتدئين، لا يزال يتداولها ألن الممتحنين.
[ ١ / ٥٨ ]
قال السيوطي في «معجم النحويين»: يوسف بن الدباغ النحوي الصقلي أبو يعقوب، قال ابن القطاع: حافظ لكتب المتقدمين، ومنه لأسرار المؤلفين، تقدم في زمانه على أشكاله وأقرانه، وله مع ذلك شعر صالح أكثره في مسائل النحو، فمنه قوله: «إن هند المليحة ..» إلى آخر البيتين.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع عشر:
(١٤) لتقر عن علي السن ذا ندم إذا تذكرت يومًا بعض أخلاقي
وأورده ابن السيد في شرح اللغز المذكور كما هنا، وهو آخر بيت من قصيدة في «المفضليات» قال ابن الأنباري في شرحه: ويروى:
إذا تذكرت مني بعض أخلاقي
أي: تجدين فقدي وتذكرين جميل معاشرتي، وإنما يقرع سنه الحزين على شيء قد فاته، لا يمكنه استدراكه، انتهى.
واللام في لتقرعن جواب قسم محذوف، وهذا خطاب لعاذلته على إتلاف ماله، وقبله:
عاذلتي إن بعض اللوم معنفة وهل متاع وإن أبقيته باق
إني زعيم لئن لم تتركوا عذلي أن يسأل الحي عني أهل آفاق
أن يسأل القوم عني أهل معرفة فلا يخبرهم عن ثابت لاقي
يقول: ملامتك إياي عنف منك بي، والزعيم: الكفيل، يقول: لئن لم
[ ١ / ٥٩ ]
تتركوا عذلي لأفارقنكم، حتى تسألوا عن أهل الآفاق، فلا يعطيكم أحد خبري.
وقوله: أن يسأل القوم عني .. البيت، بدل من قوله: أن يسأل الحي عني، وثابت: اسمه. ويعجبني قوله من هذه القصيدة:
سدد خلالك من مال تجمعه حتى تلاقي ما كل امرئ لاقي
يقول: سد بمالك ثم فقوك وفرجه حتى تلاقي الموت.
وتأبط شرًا: شاعر جاهلي أحد لصوص العرب، كان يسبق الخيل بعدوه، واسمه ثابت بن جابر، وينتهي نسبه إلى قيس عيلان بن مضر، ولقب بتأبط شرًا لأنه تأبط سيفًا وخرج، فقيل لأمه: أين هو؟ قالت: لا أدري، تأبط شرًا وخرج، وقيل غير هذا، وقد رجمناه بأبسط من هذا في شرح الشاهد الخامس عشر من شواهد شرح الكافية للرضي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس عشر:
(١٥) يا حكم الوارث عند عبد الملك
أورده ابن السيد في شرح اللغز المتقدم لما ذكره هنا، وبعده:
ميراث أحساب وجود منسفك
وهما من أرجوزة لرؤبة قال الأصمعي في شرح ديوانه: يمدح بها الحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان، ونقل السيوطي عن «تاريخ ابن عساكر» أن حكمًا هذا هو ابن عبد الملك ابن مروان ولا عقب له، انتهى. وأخذه ابن الملا الحلبي وابن وحي، وكتبه كل منهما في شرحه، ولعل ابن بشر قد سقط من الناسخ، أو اشتباه، فإن عبد الملك بن مروان ليس له ولد اسمه الحكم، وإنما هو ابن ابن أخيه بشر بشر بن مروان،
[ ١ / ٦٠ ]
فبشر أخو عبد الملك بن مروان، وله ابن سماه عبد الملك باسم أخيه، والحكم إنما هو ابن عبد الملك بن بشر بن مروان، نعم في ذرية عبد الملك بن مروان من اسمه الحكم، لكنه غير مقصود هنا، قال ابن قتيبة في كتاب «المعارف»: ولد الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان: الحكم وعثمان، ويقال لهما الجملان، وكان أبوهما بايع لهما، فقتلا مع أبيهما، انتهى.
وقوله: يا حكم الوارث، قال الأصمعي: يريد بحكم: حكم بن عبد الملك ابن بشير بن مروان، وقوله: ميراث: منصوب بالوارث مفعوله، وبه يسقط ما قدره ابن الملا الحلبي، أي: نحو المجد والسؤود، قال: فحذف المفعول لئلا يتوهم قصره على ما يستفاد من المذكور، انتهى. وعذره أنه لم يقف على ما بعده، وقوله: مشفك، قال الأصمعي: أي: منصب واسع.
وقد وصفه بعد هذا بأبيات ستة، ثم ذكر المقصود بالنداء فقال:
إليك أشكو عض دهر منتهك بالمنكبين والجران مبترك
من السنين والهلاك المهتلك منجرد الحارك محصوص الورك
وقد علمنا ذاك علما غير شك أنك بعد الله إن لم تترك
مفتاح حاجات أنخناهن بك فالذخر منها عندنا والشكر لك
قال الأصمعي: قوله: منتهك، من النهك في العقوبة، أي: بالغ في عقوبته.
وقوله: بالمنكبين والجران، يعني أنه طحنه بمنكبيه وجرانه طحنًا شديدًا، والجران: الصدر، وقوله: مبترك، أي: ابترك عليه بكلكله، أي: اعتمد عليه، والسنة: القحط وعدم النبات، والمهتلك: المتساقط، وذو هلاك يتهالك
[ ١ / ٦١ ]
على الناس، أي: يتساقط عليهم، ومعنى قوله: منجرد الحارك .. الخ، يقول: زمان أبتر قد ذهب شعر «وانجاب، وهذا مثل ضربه، ويقال: زمن أحص وسنه حصاء، أي: لا خير فيها.
وقوله: وقد علمنا .. الخ، يقول: قد علمنا علمًا يقينًا غير شك إن لم تترك أنك مفتاح حاجتنا، وأنخناهن: أنزلناهن، وقوله: فالذخر منها .. الخ، أي: فالشكر عندنا نمدحك عليها وأنت مأجور في فعلك.
والأبيات التي أوردها السيوطي عن ابن عساكر ليست على ترتيب الأرجوزة، وإنما هي ملفقة من مواضع منها.
ورؤبة بن العجاج عده الجمحي في الطبقة التاسعة من شعراء الإسلام، وكنيته: أبو الجحاف، بفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة، وشعره كله رجز كأبيه، وليس له من غير الرجز غير هذين البيتين:
أيها الشامت المعير بالشـ ـب أقلن بالشباب افتخارا
قد لبست الشباب غضا طريا فوجدت الشباب ثوبًا معارًا
ولما ظير بنو العباس خاف الفتنة، فرب إلى البادية، فمات بها في سنة خمس وأربعين ومائة.
قال ابن عساكر هو مخضرم سمع أباه وأبا هريرة ودغفل بن حنظلة، وروى عنه ابنه عبد الله وأبو عبيدة معمر بن المثنى، ويحيى بن سعيد القطان، والنضر ابن شميل، وأبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر، وعثمان بن الهيثم، ووفد على الوليد، وسليمان ابني عبد الملك بن مروان.
[ ١ / ٦٢ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس عشر:
(١٦) يعود الفضل منك على قريش وتفرج عنهم الكرب الشدادا
فما كعب بن مامة وابن سعدى بأجود منك يا عمر الجوادا
أوردهما ابن الشجري في شرح اللغز المتقدم لما ذكره المصنف هنا، والبيت الأول بعد الثاني، وهما من قصيدة لجرير يمدح بها عمر بن عبد العزيز المرواني، وهذه أبيات منها:
إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى ومروان الذي رفع العمادا
تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا
فما كعب بن مامة وابن سعدى بأجود منك يا عمر الجوادا
هنيئًا للمدينة إذ أهلت بأهل الملك أبدأ ثم عادا
يعود الحلم منك على قريش وتفرج عنهم الكرب الشدادا
وقد لينت وحشهم برفقٍ وتعي الناس وحشك أن تصادا
وتبني المجد يا عمر ابن ليلى وتكفي الممحل السنة الجمادا
وتدعوا الله مجتهدًا ليرضى وتذكر في رعيتك المعادا
وتدعو الله مجتهدًا ليرضى وتذكر في رعيتك المعادا
ليلى: جدة عمر أم أبيه عبد العزيز بنت الأصيغ بن زبان الكلبي، وأم عمر أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، كذا قال جامع
[ ١ / ٦٣ ]
«ديوان جرير» محمد بن زياد الأعرابي، وقال السيوطي: ويقال: إن أمه أيضًا اسمها ليلى، وهي أم عاصم.
وقوله: تزود مثل زاد أبيك .. البيت، يأتي شرحه، إن شاء الله تعالى، في الباب الرابع. وقوله: فما كعب بن مامة .. البيت، نفي أفعل التفضيل يقتضي بحسب العرف نفي الأفضل والمساوي، كقولهم: ليس في البلد أعلم من فلان، ***: هو أبو كعب، قال صاحب «جمهرة النسب» وتبعه ياقوت الحموي في اختصارها: كعب بن مامة بن عمرو بن ثعلبة بن سلول بن كنانة بن شبابة الإيادي: الجواد الذي يضرب به المثل، وأبوه مامة كان ملك إباد، انتهى.
وإباد: هو ابن نزار بن معد بن عدنان.
وكان من حديث جود ك عب بن مامة ما رواه الإمام الواحدي في كتاب «الوسيط في الأمثال» حكى أنه خرج في ركب. وفيهم رجل من النمر بن قاسط، في شهر ناجر – والنجر بالنون والجيم: العطش – فضلوا، فتصافنوا الماء بالمقلة، فقد أصحاب كعب لشرب الماء، فلما دار القعب إلى كعب أبصر النمري يجرد النظر إليه، فأثره كعب وقال للساقي: اسق أخاك النمري يصطبح، فذهبت مثلًا، فشرب النمري نصيب كعب، ثم نزلوا من الغد منزلًا آخر، فتصافنوا بقية مائهم، فنظر النمري إلى كعب كنظره بالأمس، فأثره كعب بالماء، وارتحل القوم وقالوا: يا كعب كنظره بالأمس، فآثره كعب بالماء، وارتحل القوم وقالوا: يا كعب ارتحل، فلم يكن به قوة النهوض، وكانوا قد قربوا من الماء فقالوا: رد كعب إنك وراد، فعجز عن الإجابة، فلما أيسوا منه خيلوا عليه بثوب يمنعه من السباع، وتركوه مكانه فمات، فقال أبوه مامة يرثيه:
أوفى على الماء كعب ثم قيل له رد كعب إنك وراد فما وردا
[ ١ / ٦٤ ]
ما كان من سوقة أسقى على ظمأٍ خمرًا بماء إذا ناجودها بردا
من ابن مامة كعب ثم عي به زو الحوادث إلا حرة وقدى
الناجوه: الإناء، وروي «زو المنية» أي: قدرها، أي: عيت به الأحداث إلا أن تقتله عطشًا.
وقد أنشد المبرد في «الكامل» البيت الأول لأبي دؤاد الإيادي، وتبعه الأعلم وابن هشام اللخمي في «شرح أبيات الجمل» ولم يصيبوا في ذلك، وكتب مغلطاي في هامش «الكامل» ومن خطه نقلت: هذا البيت لم أره في «ديوان أبي دؤاد»: بنسختي التي بخط ابن أبي طاهر وأنشده المرزباني عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي لأبيه مامة بن عمرو، كما أنشده يعقوب.
واختلف في اسم الرجل من النمر بن قلسط، فقيل: اسمه شمر بن مالك النمري، ذكره يعقوب في أمثاله قال: وكان ذلك بالدهناء، وحكى ابن السيد في «شرح سقط الزند» عن كراع أنه حنيف، وقيل: هنب بن قاسط.
والتصافن: أن يطرح في الإناء حجر ثم يصب فيه من الماء ما يغمره، لئلا يتغابنوا، وكذلك كل شيء وقف على كيله أو وزنه، واسم ذلك الحجر المقلة، بفتح الميم وسكون القاف. وكان من جوده أيضًا أنه إذا مات جار له أدى ديته إلى أهله، وإن هلك لجاره بعير أو شاة أخلقه عليه، فجاوره أبو دؤاد الإيادي فعامله بذلك، فصارت العرب إذا حمدت مستجارًا به لحسن جواره قالوا: كجار أبي دؤاد، ومنه قول قيس بن زهير العبسي:
[ ١ / ٦٥ ]
سأفعل ما بدا لي ثم آوي إلى جار كجار أبي دؤاد
وأما ابن سعدى، وسعدى أمه، فهو كما قال المبرد في «الكامل»:
أوس بن حارثة بن لأم الطائي، وكان سيدًا مقدمًا، فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو ابن هند وأبوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء، فدعا أوسًا فقال: أأنت أفضل أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن، لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي، لوهبنا في غداة واحدة! ثم دعا حاتمًا فقال: أأنت أفضل أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن، إنما ذكرت بأوس، ولأحد ولده أفضل مني! وكان النعمان ابن المنذر دعا مجلة وعنده وفود العرب من كل حي، فقال: احضروا في غد، فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم. فحضر القوم جميعًا إلا أوسًا، فقيل له: لم تتخلف؟ فقال: إن كا ن المراد غيري فأجمل الأشياء أن لا أكون حاضرًا، وإن كنت المراد فأطلب ويعرف مكاني. فلما جلس النعمان لم ير أوسًا، فقال: اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمنًا مما خفت، فحضر فألبس الحلة، فحسده قوم من أهله، فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال الحطيئة: كيف أهججو رجلًا لا أرى في بيتي أثاثًا ولا مالًا إلا من عنده؟ ! ثم قال:
كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
فقال لهم بشر بن أبي خازم أحد بني أسد بن خزيمة: أنا أهجوه لكم، فأخذ الإبل وفعل، فأغار أوس عليها فاكنسحها،’ فجعل لا يستحير حيًا إلا قال: قد أجرتك إلا من أوس، وكان في هجائه قد ذكر أمه، فأتي به، فدخل أوس على أمه فقال: قد أتينا ببشر الهاجي لك ولي، قالت: أو تطيعني؟ قال:
[ ١ / ٦٦ ]
نعم، قالت: أرى أن ترد عليه ماله وتعفو عنه، وتحبوه، وأفعل مثل ذلك، فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه، فخرج فقال: إن أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا وكذا، فقال: لا جرم! والله لا مدحت حتى أموت أحدًا غيرك! ففيه يقول:
إلى أوس بن حارثة بن لام ليقضي حاجتي في من قضاها
فما وطئ الثرى مثل ابن سعدى ولا لبس النعال ولا احتذاها
انتهى كلام المبرد.
وقوله: هنيئًا للمدينة إذ أهلت .. قال جامع ديوانه: أهلت أظهرت ذلك، يقال: أهل الهلال إذا بدا وأبدأ، وتفرج: بالبناء للمفعول، والخطاب، والراء مضمومة، والممحل: الذي أصابه المحل والجدب، يقال: أمحل القوم، أي: أجدبوا، وسنة جماد: لا مطر فيها، وأرض جماد: لم يصبها المطر.
وأنشد في «أيا» وهو الانشاد السابع عشر:
(١٧) أيا جبلي نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها
قال الدماميني: إن قصد المصنف بإنشاد هذا البيت الاستشهاد به على أن «أيا» ترد لنداء البعيد، فقريب، وإن قصد به الرد على الجوهري، وهو الذي يعطيه *** كلامه، فلا وجه له، لأن نداء البعيد في هذا البيت بأيا - على
[ ١ / ٦٧ ]
أنها لا تكون لنداء القريب - لا يدل بوجه من الدلالات، انتهى. وصاحب «القاموس» أيضًا ممن رد على الجوهري قال: أيا حرف لنداء البعيد لا القريب، ووهم الجوهري.
وأقول: الجوهري فيما قاله تابع لسيبويه في «الكتاب» قال في باب «الحروف التي تنبه بها المدعو»:
[فأما الاسم غير المندوب] فينبه بخمسة أشياء: بيا وأيا وهيا وأي وبالألف، إلا أن الأربعة غير الألف قد يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخي عنهم، والإنسان المعرض عنهم الذي يرون أنه لا يقبل عليهم إلا بالاجتهاد والنائم المستثقل، وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف ولا يستعملون [الألف] في هذه المواضع التي يمدون فيها، وقد يجوز لك أن تستعمل هذه الخمسة إذا كان صاحبك قريبًا منك مقبلًا عليك توكيدًا. هذا كلامه برمته، ونقله ابن السراج في أصوله بتمامه، ولم يتكلم السيرافي على هذا شيئًا.
وقال أبو علي الفارسي في تعليقته على «كتاب سيبويه»: قوله: وقد يستعملون هذه التي للمد في في موضع الألف، قال أبو علي: إذا ناديت المقبل عليك بما تنادي به المتراخي البعيد نحو: يا، وهيا، كان بمنزلة قولك: يا أبا فلان للمقبل عليك توكيدًا في استعطافه، وإن كنت قد استغنيت عن دعائه بإقباله عليك، انتهى.
وقال ابن وحيي في شرحه: ونقل الأندلسي في «شرح المفصل» عن سيبويه
[ ١ / ٦٨ ]
جواز استعمال أيا للقريب، فلا يتوجه المنع على الجوهري، انتهى. وقال ابن عصفور في «المقرب»: الهمزة لا تكون إلا في نداء القريب، وما عدا ذلك من الحروف يكون في نداء القريب والبعيد، انتهى.
ونقل ابن مالك وأبو حيان وغيرهما أن سيبويه أخبر رواية عن العرب، أن الهمزة للقريب، وما سواه للبعيد، ولا أدري من أي باب نقلوه، ثم أن المصنف إنما أتى بالبيت شاهدًا لنداء البعيد لا للرد على الجوهري.
وأما البيت فهو من شعر اختلف في قائله، قال الشريف ضياء الدين هبة الله علي ابن محمد بن حمزة الحسيني في «حماسته»: روى المرزبان بإسناده أن المجنون خرج في أصحاب له ليتماروا من وادي القرى، فمروا بجبلي نعمان، فقالوا له: هذان جبلا نعمان، وقد كانت ليلى تنزلهما، قال: فأي ريح تجري من نحو أرضها إلى هذا المكان؟ قالوا: الصبا، فقال: والله لا أبرح حتى تهب الصبا، فأقام في ناحية من الجبلين، ومضى أصحابه فامتاروا لهم وله، ثم أتوه فحبسهم ثلاثًا، حتى إذا هبت الصبا ترحل معهم، وفي ذلك يقول:
أيا جبلي نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارة على كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت على نفس مهموم تجلت همومها
ويا ريح مري بالديار فخبري أباقية أم قد تعفت رسومها
ألا إن أدوائي بليلى قديمة وأقتل أدواء الرجال قديمها
وكذا قال الأصفهاني في كتاب «الأغاني» وأنشد الأبيات الثلاثة الأول
[ ١ / ٦٩ ]
فقط. وقال القالي في أواخر «أماليه»: حدثني أبو يعقوب وراق أبي بكر ابن دريد، وكان من أهل العلم قال: أخبرني مسيح بن حاتم قال: أخبرنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: تزوج رجل من أهل تهامة امرأة من أهل نجد، فأخرجها إلى تهامة، فلما أصلبها حرها قالت: ما فعلت ريح كانت تأتينا ونحن بنجد يقال لها: الصبا؟ فقال لها: يحجبها عنك هذان الجبلان فقالت:
أيا جبلي نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارة على كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت على نفس مهموم تجلت همومها
انتهى. والظاهر عندي أنها تمثلت بهذا الشعر وليس لها.
ونعمان بفتح النون: فعلان، من نعمة العيش وهو غضارته وحسنه، وهو نعمان الأراك، وهو واد ينتبه ويصب إلى ودان، بلد غزاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهي بين مكة والطائف، وقيل: واد لهذيل على ليلتين من عرفات، وقال الأصمعي: نعمان: واد يسكنه بنو عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، بين أدناه ومكة نصف ليلة، به جبل يقال له المدراء، وبنعمان [من] بلاد هذيل وأجبالها الأصدار، وهي صدور الوادي يجيء منها العسل إلى مكة، وقول بعض الأعراب فيه دليل على أنه واد:
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا علينا فقد أضحى هوانا يمانيا
[ ١ / ٧٠ ]
نسائلكم هل سال نعمان بعدكم وحب إلينا بطن نعمان واديًا
عهدنا به صيدًا كثيرًا ومشربًا به ينقع القلب الذي كان صاديا
هذا ما قاله ياقوت الحموي في «معجم البلدان» وقال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: نعمان وادي عرفة دونها إلى منى، وهو كثير الأراك، انتهى. قال الدماميني: إن قلت: على ماذا يعود الضمير في قوله: نسيمها؟ قلت: يحتمل أن يعود على النسيم الأول، وهو المضاف إلى الصبا، ويختلف حينئذ المراد بها، فيراد بالنسيم الأول ريح الصبا والإضافة للبيان، ويراد بالنسيم الثاني نفس الريح الضعيف، قال في «المحكم»: والنسيم نفس الريح إذا كان ضعيفا، ويحتمل أن يعود الضمير على محبوبته، سواء جرى ذكرها [قبل] أو لم يجر، أما إن جرى فواضح، وأما أن لم يجر لها ذكر، فلتنزيلها منزلة المذكور المعلوم، لأنها حاضرة عنده لا تغيب عنه ولا يفتر عن ذكرها بحسب الادعاء. انتهى.
أقول: إن لم يجر ذكرها في هذا الشعر فقد جرى ذكرها في منشئه.
وقال السيوطي: ويحتمل أن يكون النسيم الثاني عين الأول، من إقامة الظاهر مقام الضمير، والضمير للصبا، انتهى.
فيكون نكتته التلذذ بذكر لفظ النسيم كما يتلذذ بهبوبها، ويجوز أن يكون
[ ١ / ٧١ ]
الثاني مصدرا، وهو أوفق بقوله: فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت. قال صاحب «القاموس»: النسيم: الريح إذا كان ضعيفًا، والنسيم أيضًا: مصدر نسمت الريح تنسم نسمًا ونسيمًا ونسمانًا، وبه فسر قول امرئ القيس:
نسيم الصبا جاءت بريًا القرنفل
وروى العيني في «شواهده» تبعًا لغيره: «طريق الصبا» وهو واضح لا إشكال فيه، والصبا كما قال الجوهري: ريح ومهبها المستوي: أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وقام الإمام الواحدي في «تفسير الوسيط» عند قوله تعالى: ﴿إني لأحد ريح يوسف﴾ [سورة يوسف/ ٩٤] إن ريح الصبا استأذنت ربها أن تأتي يعقوب بريح يوسف ﵉ قبل أن يأتيه البشير بالقميص، فأذن لها فأتته بذلك، فلهذا يستروح كل محزون بريح الصبا، وهي من المشرق، إذا هبت على الأبدان نعمتها، وهيجت الأسواق إلى الأوطان والأحباب، وأنشد البيتين من شعر المجنون المتقدم.
قال الصفدي في «تاريخه» بعد نقل هذا: الظاهر أن نسيم الصبا يختلف مزاجه وتأثيره باختلاف الأرض والبقاع التي تمر عليها، والفصول أيضًا، فهي في الربيع تكون ألطف منها في غيره، لأنا نشاهد بالحس أن الريح التي تهب بدمشق وغيرها مما يقاربها ريح يابسة المزاج تجفف الرطوبات وتقحل الأجسام وتحرق الثمار والزروع، وهي في الديار المصرية أشد منها في الشام، وهي التي يسمونها المريسي، على أن أشعار العرب ملأى من الاسترواح بها، ووصفها باللطف
[ ١ / ٧٢ ]
وتنفيس الكرب، ولعلها في بلاد الحجاز وما أشبهها تكون بهذه الصفة، انتهى كلامه.
أقول: إن الريح التي تسمى بمصر: المريسي، بفتح الميم، نسبة إلى مربس، وهو جنس من السودان من بلاد النوبة يسمونها المريس، لإتيانها من تلك الجهة، قاله ابن خلكان في «تاريخه» وهي تهب في الشتاء باردة وفي الصيف حارة، لكنها تبرد الماء، والنوبة في جهة الجنوب، فكيف تكون ريح الصبا! فتأمل.
وقوله: يخلص، أي: يصل، من الخلوص، وهو الوصول على وجه الكمال، جزم في جواب الأمر. وقوله: أجد بردها، بدل من يخلص، وعطف تشف بأو على منع الخلو لا الجمع. وصميم الشيء: خالصه. وقوله: فإن الصبا، الفاء: تعليلية، وجمع الأدواء جمع داء، وهو المرض، باعتبار الأنواع، وقوله: وأقتل: أي، أسدها قتلًا.
وقائل الشعر: مجنون بني عامر، واسمه قيس بن الملوح بن مزاحم العامري، وصاحبته ليلى بنت مهدي العامرية وشعره كثير في الطبقة العليا في الحسن والرقة، وله حكايات وأحوال أوردها الأصبهاني في «الأغاني» وترجمة ترجمة طويلة وهام بحبها في الفلوات وأنس الوحوش، فكان لا يأكل إلا مما تنبت الأرض من البقول، ولا يشرب إلا مع الظباء، وطال شعره وألفته الوحوش، وكان يهيم حتى يبلغ حدود الشام، فإذا ثاب عقله سأل عن نجد فيقال: وأين نجد، أنت في موضع كذا! فيدلونه على الطريق فيتوجه نحوه، وكان أهله يأتونه بالطعام والشراب، فربما أكل منه، ففي بعض الأيام أتوه بالطعام فلم يجدوه، فانطلق أهله يفتشون البراري، فرأوه ملقى بين الأحجار ميتًا، فاحتملوه إلى الحي، فغلوه وكفنوه ودفنوه، وكثر بكاء النساء والثياب عليه. وكان معاصرًا
[ ١ / ٧٣ ]
لقيس بن ذريح صاحب لبتى، وكأنا في إمرة الزبير. كذا في «تاريخ الإسلام» للذهبي، أورد ترجمته في سنة سبعين للهجرة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثامن عشر:
(١٨) فأصاخ يرجو أن يكون حيًا ويقول من فرح هيا ربا
قال القالي في «أماليه»: قرأت في «نوادر ابن الأعرابي» على أبي عمر المطرز الأعرابي:
وحديثها كالقطر يسمعه راعي السنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيًا ويقول من طمع هيا ربا
وكذا أنشدها الجاحظ في كتاب «البيان» لبعضهم، والقطر: قطر المطر، وجملة يسمعه: صفة لقطر، لأن اللام فيه للجنس، والهاء ضميره، وفيه مضاف محذوف، أي: يسمع صوت نزوله، وراعي: فاعل يسمع، وهو مضاف للسنين بتقدير في، وكان الظاهر أن يقول: سمعه، لكنه أتى بالمضارع لحكاية الحال، قال السيوطي: وأورده ثعلب في «أماليه» بلفظ: «وحديثها كالقطر مر
[ ١ / ٧٤ ]
به». وجملة: تتابعت، صفة للسنين، واللام فيها للجنس أيضا: بدليل أن غير القالي رواه «سنين» بلالام، وزعم ابن وحيي في شرحه أن قوله راع بالتنوين، وسنين ظرفه، وتتابعت: بالموحدة قبل العين، وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على «أمالي القالي» وسماه «اللآلي في شرح الأمالي»: ورواه غيره «تتابعت» بالياء المثناة التحتية، وهي رواية جيدة، لأن التتابع أخص بالشر، انتهى. قال في «القاموس»: والتتابع ركوب الأمر والتهافت، ولإسراع في الشر واللجاجة، والسنين: الأعوام، وجدبًا: تمييز محول عن الفاعل، والأصل: تتابع جدب السنين عليه، والجدب بفتح الجيم وسكون الدال المهملة: المحل وزنًا ومعنى، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض، وقوله: فأصاخ، الفاء: لمحض السببية، وأضاخ بالصاد المهملة والخاء المعجمة: أمال أذنه للاستماع، وجملة يرجو حال من ضمير أصاخ، واسم يكون ضمير القطر، وخبرها حيًا، والحيا: بفتح الحاء المهملة والقصر، قال صاحب «القاموس»: الحيا: الخصب والمطر، ويمد، انتهى. والخصب بالكسر:
خلاف الجدب، وعلى كلا المعنيين لابد من تقدير مضاف، أي: سبب خصب أو مقدمة مطر، وإن قدرت تكون بمعنى تصير فلا حذف، وكذا إن قرت تكون تامة، وحيًا فاعلها، أي: يحصل الخصب والمطر، وقال المطرزي في فضل معنى المقامة من مقدمة «شرحه للمقامات الحريرية»: الحيا: اسم للمطر، لأنه يحيي البلاد والعباد، ثم سموا النبات حيًا، لأنه يكون بالمطر، ثم اتسعوا فسموا الثحم والسمن حيًا، لأنهما يكونان من النبات، وهو الذي أراده الراعي في قوله:
[ ١ / ٧٥ ]
فقلت لرب الناب خذها ثنية وناب علينا مثل نابك في الحيا
وجملة يقول: معطوف على جملة يرجو، وقوله: من طمع، رواية الكثيرين «من فرح» ومن تعليلية، ويجوز أن تكون ابتدائية، وهيا ربا: مقول القول، وربا: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفًا، والمقصود بالنداء محذوف لظهوره.
شبه محبوبته في شدة رغبة مجيئها إليه بقطر قد اشتدت حاجة راعي الماشية إليه، لتوالي أعوام المحل عليه، فلما سمع صوت قطرات المطر أمال أذنه ليسمعه، ويتحقق نزوله راجيًا أن يكون خصبًا مربعًا، أو غنيًا سريعًا، وقائلًا من شدة فرحه:
يا رب حقق رجائي:
ولقد أجاد الدماميني في قوله: والمعنى رجا أن يكون ما سمعه من وقع ذلك القطر اليسير مقدمة مطر عظيم. وابن الملا الحلبي أطال وما أجاد، وهذا كلامه: الحيا بالقصر المطر، وبالمد الاستحياء، وجملة: يسمعه مستأنفة لبيان وجه التشبيه، وضميره عائد على الحديث أو على القطر، والجملة صفة له، لأن تعريفه جنسي، وعطف أصاخ على يسمعه، لأنه في معنى يصيخ، والعدول إلى الماضي للدلالة على التحقق، واسم يكون ضمير عائد إلى حديثها المسموع إن كانت ناقصة، أو الحيا مرفوعها إن كانت تامة، والواو من: ويقول، استئنافية، والفعل بعدها مرفوع، لا عاطفة، وهو منصوب، لأو رجاء القول غير مراد، والمعنى: أن حديث هذه المحبوبة كالقطر إذ به حياة النفوس، كما أن بذاك حياة البقاع، فهو إذا سمعه راعي الماشية، في سنين توالي جدبها، ظنه غيثًا، فألقى إليه سمعه راجيًا أن يكون غيثًا على التحقيق، وأخذ يقول: يا رب حقق ذلك، أو أن حديثها كالقطر المسموع للراعي المذكور، وعليه فرجاء كونه حيًا، أو وجدانه مع أنه مسموع له، لأنه مقدمته، والتشبيه على الأول تشبيه مفرد بمفرد، وعلى الثاني تشبيه مفرد بمركب، ويمكن أن يدعي أن هذا الراعي لما توالت عليه سنو
[ ١ / ٧٦ ]
الجدب نسي المطر، فلما سمع القطر لم يتحقق كونه من المطر، لما عنده من اليأس منه، فرجاه وأكد رجاءه بالدعاء، انتهى. ومن خطه نقلت.
قال القالي في «أماليه»: أنشدنا بعض أصحابنا في حسن الحديث:
فبتنا على رغم الحسود وبيننا حديث كمثل المسك شيبت به الخمر
حديث لو أن الميت نودي ببعضه لأصبح حيًا بعدما ضمه القبر
وأحسن في هذا المعنى علي بن العباس الرومي، أنشدنا الناجم قال: أنشدنا ابن الرومي لنفسه:
وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ود المحدث أنها لم توجز
شرك النفوس ونزهة ما مثلها للمطمئن وعقلة المستوفز
أقول: هذا نهاية ما قيل في هذا المعنى، وقد أخذ قوله: «ود المحدث أنها لم توجز» من مجنون ليلى، وهو قيس بن الملوح العامري، وهو قوله:
من الحفرات البيض ود جليسها إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
ومن جيده قول بشار بن برد:
[ ١ / ٧٧ ]
وكأن رفض حديثها قطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانها هاروت ينفث فيه سحرا
وأنشد في «إذن» وهو الانشاد التاسع عشر:
(١٩) لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنني منها إذن لا أقيلها
على أن «إذن» وقعت في جملة جواب الشرط لـ «إن» الملفوظة، واعترضه الدماميني بأنه مخالف للقاعدة المشهورة، وهي أن القسم والشرط متى اجتمعا فالجواب للسابق منهما، واللام مصاحبة لقسم مذكور في بيت قبلها، وهو:
حلفت برب الراقصات إلى منى يغول الفيافي نصها وذميلها
فالجواب للقسم السابق لا للشرط اللاحق، ولهذا لم يجزم الفعل، وإلا فلو كان للشرط لجزم، انتهى.
أقول: إنما لم يجزم لكون الشرط ماضيًا، قالوا: إن كان الجواب مضارعًا والشرط ماضيًا فالجزم مختار، والرفع كثير حسن، وقال ابن وحيي في شرحه يرد عليه: إن عدم الجزم للضرورة على طريقة:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
وهذا غير جيد منه، فإن التخريج على الضرورة إنما يضطر إليه إذا لم يمكن
[ ١ / ٧٨ ]
التخريج على جه راجح. وأجاب الشمني بجوابين:
أولهما: إنا لا نسلم أن المصنف مثل بهذا البيت بناء على المشهور، وإنما مثل به تبعًا لبدو الدين ابن مالك، على ما ذهب إليه الفراء وابن مالك من جواز جعل الجواب للشرط المتأخر. أقول: قاله في شرح «الألفية» قال: وأما إذن فحرف جواب يختص بجملة واقعة جوابًا لشرط مقدر، وقد يكون مذكورًا كقوله: لئن عاد لي عبد العزيز .. البيت. ويرد عليه ما ورد على المصنف، ويجاب عنه أيضًا بما أجبنا، وأما والده فقد قال في «التسهيل»: وإن توالى قسم وحرف شرط استغني بجواب سابقهما، وربما استغني بجواب الشرط، قال أبو حيان في شرحه: مثال الاستغناء نحو: والله إن يقم زيد يقم بكر، وهذا الذي ذهب إليه مذهب بعض الكوفيين، منم الفراء، وأما البصريون فلا يجوز عندهم، بل الحكم للسابق، انتهى.
وأما ثاني جوابي الشمني فهو قوله: سلمنا أنه مثل به على المشهور، لكن لما كان الجواب المحذوف للشرط كالجواب المذكور للقسم، صح التمثيل بالبيت، لوقوع إذن في جواب إن الملفوظة. غاية ما في الباب أن ذلك الجواب محذوف هذا كلامه، وتعسفه ظاهر، وإنما أهملت «إذن» في البيت، ولم تنصب لتوسطها وعدم صدارتها، فإنها وقعت بين ذي جواب وجواب، وأغرب من جميع ما تقدم قول العيني: لا أقيلها: في موضع جزم على جواب الشرط، وعملت في الموضع دون اللفظ.
[ ١ / ٧٩ ]
تتمة: قال أبو علي في «البغداديات»: ذكر سيبويه: لئن أتيتني لأفعلن، ونحوه: ﴿ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا﴾ [الروم/٥٨] فزعم أن الذي يعتمد عليه اليمين اللام الثانية، فاعتل أبو إسحق لذلك في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ [البقرة/١٠٢] بأن قال: اللام الثانية هي لام القسم في الحقيقة، لأنك إنما حلفت على فعلك لا على فعل غيرك في قولك: والله لئن جئتني لأكرمنك، وهذا الذي اعتل به فاسد جدًا ضعيف، وذلك أنه لو قال: والله لئن جئتني ليقومن عمرو، فإن الحالف إنما حلف على فعل غيره، فهذا بين الفساد، ولكن مما يدل [على أن الاعتماد على اللام الثانية، أو ما يقوم مقامها مما يتلقى به القسم] قول كثير:
لئن عاد لي عبد العزيز البيت
فلو كان الاعتماد على اللام في لئن دون لا أقيلها، لوجب أن ينجزم الفعل بعد «لا» بالجزاء، فلما ارتفع الفعل علمت أن معتمد اليمين إنما هو على اللام الثانية، انتهى.
ولا يخفى أنه يرد عليه أيضًا أنه إنما لم ينجزم الفعل لكون الشرط ماضيًا كما ذكرناه في جواب الدماميني.
والبيتان من أبيات لكثيرة عزة ألحقيا بقصيدة مدح بها عبد العزيز بن مروان أخا عبد الملك بن مروان، وقبلهما:
عجبت لتركي خطة الرشد بعدما بدا لي من عبد العزيز قبولهما
وبعدهما:
فهل أنت إن راجعتك القول مرة بأحسن منها عائد فمقيلها
وكان عبد العزيز أعجبه قوله في القصيدة التي مدحه فيها هذا البيت:
[ ١ / ٨٠ ]
إذا ابتدر الناس المكارم بزهم عراضة أخلاق ابن ليلى وطولها
فقال له: حكمك يا أبا صخر، قال: اجعلني مكان ابن رمانة، وهو كاتبه وصاحب أمره، فقال عبد العزيز: ما أردت ويلك! ولا علم لك بخراج ولا كتابة! اخرج عني، فخرج كثير نامًا، ثم لم يزل يتلطف حتى دخل عليه، فأنشده الأبيات المتقدمة، فلما قال:
فهل أنت إن راجعتك القول مرة البيت ..
قال له عبد العزيز: أما الآن فلا، ولكن قد أمرنا لك بعشرين ألف درهم. وعبد العزيز هو أبو عمر بن عبد العزيز أمير مصر، وولي العهد بعد أخيه من أبيهما مروان بن الحكم، وقول الدماميني: هو أحد الخلفاء الأمويين، زلة قلم، ولما ملك مروان الشام سار إلى مصر وغلب عليها، واستخلف عليها ولده عبد العزيز، فبقي أميرها إلى أن مات في سنة خمس وثمانين عند الأكثر.
وقوله: عجبت لتركي خطة الرشد، الخطة بالضم: الأمر والقصة، وأراد بخطة الرشد: تحكيم عبد العزيز إياه فيما يطلب، وقوله: لئن عاد لي .. الخ يمثلها، أي: بمقالة مثلها، وهو قوله: حكمك يا أبا صخر.
وقوله: لا أقيلها، أي: أطلب منه ما لا اعتراض علي فيه ولا قدح، هكذا فسره العلماء، والإقالة: الرد، ومنه الإقالة الشرعية، فإن من أقالك، فقد رد عليك ما لم تطب نفسك بمسامحته. وروى جماعة من شرح «المفصل»: «لا أفيلها» بالفاء، أي: لا أفيل رأيه فيها، يقال: قال يفيل فلولة، إذا ترك الرأي الجيد، وفعل ما لا ينبغي للعاقل أن يفعله، فالفيلولة: ضعف الرأي، وهي رواية مناسبة.
وما قال ابن سيده أن عبد العزيز كان أعطاه جارية، فأبى كثير قبولها، ثم ندم بعد ذلك، غلط وقياس منه، ولم يذكر الجاحظ في كتاب «البيان»
[ ١ / ٨١ ]
إلا الأول، قال فيه: ومن الحمقى كثير عزة، ومن حمقه أنه دخل على عبد العزيز فمدحه بمديح استجاده، فقال له: سلني حائجك، قال: تجعلني في مكان ابن رمانة، قال: ويلك، ذاك رجل كاتب وأنت شاعر، فلما خرج ولم ينل شيئًا، قال في ذلك: عجبت لرتبي خطة الرشد الأبيات المتقدمة.
وقوله: حلفت برب الراقصات، الرقص: ضرب من الخبب في العدو.
وتقول البلاد: تقطعها، وأصل الغول الإهلاك، والنص والذميل: ضربان من العدو، وقد بسطنا الكلام بأكثر من هذا في شرح الشاهد الواحد والخمسين بعد الستمائة من أبيات «شرح الكافية» للعلامة المحقق نجم الأئمة الرضي.
وكثير: بصيغة مصغر كثير، وهو كثير بن عبد الرحمن الخزاعي، وهو شاعر حجازي من شعراء الدولة الأموية، ويكنى أبا صخر، واشتهر بكثير عزة بالإضافة إلى عزة، وغالب شعره نسيب بها.
وعزة: بفتح العين المهملة وتشديد الزاء المعجمة، وهي في اللغة بنت الظبية، وهي عزة بنت حميل - بضم المهملة - من بني صاحب بن غفار الضمري. ومات كثير في مدة يزيد بن عبد الملك بالمدينة المنورة، على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى السلامز
قال جويرية ابن أسماء: مات كثير وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد، فقال الناس: اليوم مات أفقه الناس وأشعر الناس، ولم يتخلف رجل ولا امرأة عن جنازتيهما، وذلك في سنة خمس أو سبع ومائة، وقد أطنب صاحب «الأغاني» بترجمته، ولخصنا بعضه في الشاهد الثالث والسبعين بعد الثلاثمائة من ذلك الكتاب.
[ ١ / ٨٢ ]
وانشد بعده، وهو الانشاد العشرون:
(٢٠) لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثةٍ لانا
على أن قوله: «إذن لقام» بدل من لم تستبح، وبدل الجواب جواب، وهذا كلام ابن جني، قال في إعراب «الحماسة» قوله: إذن لقام .. إلخ، هو جواب قوله: لو كنت من مازن، فإن قلت: فقد أجاب لو هذه بقوله: لم تستبح إبلي، قيل: قوله إذن لقام .. إلخ، بدل من قوله: لم تستبح إبلي، وهذا كقولك: لو زرتني لأكرمتك إذن لم يضع عندي حق زيارتك، انتهى.
وتبعه جماعة منهم ابن يعيش في «شرح المفصل» قال: فإذن جواب لقوله: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي على سبيل البدل من قوله: لم تستبح إبلي، وجزاء على فعل المستبيح، انتهى.
وقال الإمام المرزوقي: اللام في لقام جواب يمين مضمر، والتقدير: إذن والله لقام بنصري، [فإن قيل: فأين جواب لو كنت؟ قلت: هو لم تستبح إبلي]، وفائدة إذًا: هو أن هذا البيت الثاني أخرج مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذًا لقام بنصري، [قال سيبويه: إذن جواب وجزاء] وإذا كان كذلك فهذا البيت جواب لهذا السائل، وجزاء على فعل المستبيح. ويجوز أيضًا أن يكون إذًا لقام
[ ١ / ٨٣ ]
جواب لو، كأنه أجيب بجوابين، وهذا كما تقول: لو كنت حرًا لاستقبحت ما يفعله العبيد، إذن لاستحسنت ما يفعله الأحرار، انتهى.
والمحقق الرضي لم يرتض هذا المسلك، واختار وجهًا غير ما ذكرنا قال: إن «إذن» متضمنة لمعنى الشرط، وحققه ثم قال: وإذا كانت بمعنى الشرط الماضي جاز إجراؤها مجرى «لو» في إدخال اللام في جوابها كما في البيت، فجملة لقام .. إلخ: جواب إذن، كأنه قيل: ولو استباحوا إبلي مع كوني من بني مازن لقام بنصري .. إلخ.
واستشهد بالبيت الأول على أن «بنين» لتغير مفرده في الجمع، أشبه جمع المكسر، فجاز تأنيث الفعل المسند إليه كما يجوز في الأبناء الذي هو جمع مكسر، كما أسند في البيت لم تستبح بناء التأنيث في أوله إلى «بنو» وهو ظاهر.
واستشهد بالبيت الثاني أيضًا على أن إذن تدخل على الماضي.
والبيتان أول أبيات ثمانية هي أول كاب «الحماسة» لأبي تمام الطائي لقريط ابن أنيف العنبري، وقد شرحناها جميعًا في الشاهد السادس والخمسين بعد الخمسمائة، وفي الشاهد السادس والأربعين بعد الستمائة من أبيات «شرح الكافية» للمحقق الرضي.
قال أبو عبيدة: أغار ناس من بني شيبان على رجل من بني العنبر يقال له: قريط بن أنيف، فأخذوا له ثلاثين بعيرًا، فاستنجد قومه فلم ينجدوه، فأتى مازن تميم، فركب معه نفر فأطردوا لبني شيبان مائة بعير فدفعوها إليه، فقال هذه الأبيات. ومازن هنا هو ابن مالك بن عمرو بن تميم بن أخي العنبر بن عمرو بن تميم، وإذا كان كذلك فمدح هذا الشاعر لهم يجري مجرى الافتخار بهم.
[ ١ / ٨٤ ]
قال المرزوقي: قصد الشاعر في هذه الأبيات إلى بعث قومه على الانتقام له من أعدائه لا إلى ذمهم، وكيف يذمهم ووبال الذم راجع إليه، لكنه سلك طريقة كبشة أخت عمرو بن معدي كرب في قولها:
ودع عنك عمروا إن عمروا مسالم وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
فإنها لا تهجو أخاها، وعمرو هو الذي كان يعد بألف فارس، ولكن مرادها تهيبجه.
والاستباحة: الإباحة، وقيل: الإباحة: التخلية بين الشيء وطالبه، والاستباحة: اتخاذ الشيء مباحًا، ولا مناسبة للقيطة هنا لأنها فزارية لا اتصال لها بذهل بن شيبان، والصواب بنو الشقيقة، وأول من شرح على اللقيطة أبو عبد الله النمري أول شارح «للحماسة» واتبعه من جاء ببعده من شراحها، قال النمري: اللقيطة: نبز نبزهم الشاعر به وليس بنسب لهم، جعل أمهم ملقوطة وأخرجها مخرج النطيحة والرمية، هذا كلامه، ورد عليه الأسود أبو محمد الأعرابي الغندجاني فيما كتبه على ذلك الشرح قال: هذا موضع المثل «أول الدن دردي» هذا أول بيت من «الحماسة» جهل جهة الصواب في صحة منته، واستواء نظامه فاشتغل بوزن اللقيطة وذكر النطيحة، والصواب إن شاء الله تعالى ما أنشدناه أبو الندى، وذكر أنه لقريط بن أنيف العنبري:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو الشقيقة من ذهل بن شيبانا
قال: الشقيقة: هي بنت عباد بن زيد بن عوف بن ذهل بن شيبان، وهي أم سيار وسمير وعبد الله وعمر، وأولاد سعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان،
[ ١ / ٨٥ ]
وهم سيارة مردة ليس يأتون على شيء إلا أفدوه، قال: وأما اللقيطة وليس هذا موضعها، فهي أم حصن بن حذيفة وإخوته، وهم خمسة واسمها: نضيرة بنت عصيم بن مروان بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة، وإنما ألحق بها هذا الاسم، أن أباها لم يكن له ولد غيرها، والعرب ذاك الدهر تئد الجواري، فلما رآها انتشرت نفسه عليها، ورق لها، وقال لأمها: استرضعيها وأخفيها من الناس، فكان أول من فطن لها حمل بن بدر، فقال لأخيه حذيفة - وتحته العذرية، ليس له ولد إلا منها، وهو مسهر، وبه كان يكنى -:
ما لك لا تتزوج ونجمع النساء، نرزق منك عضدًا؟ قال: ومن لي بالنساء التي تشبهني وتلائمني؟ قد علمت ما لقيت في العذرية! قال: قد التقطت لك امرأة ترضاها وتشبهك، قال: من هي؟ قال: بنت لعصيم بن مروان بن وهب، قال: وإن له لبنتًا؟ قال: نعم، قال: فما لي لم أسمع بها؟ ! قال: كانت مخفاة، وقد خبرت خبرها، قال: فأنت رسولي إلى عصيم فيها، قال: فأتاه فزوجه إياها، وبهذا سميت اللقيطة، وهي أم حصن ومالك ومعاوية وورد وشريك بن حذيفة، وإياهم عنى زبان بن سيار بقوله:
أعددتها لبني اللقيطة فوقها رمح وسيف صارم وسليل
هذا آخر كلام الأسود، وقال السكري في شرح «ديوان حسان بن ثابت»: اللقيطة أم حصن بن حذيفة كانت سقطت منها في نجعة وهي صغيرة، فأخذت وسميت اللقيطة، وكذا قال ياقوت الحموي في «أنساب العرب» قال: وحصن بن حذيفة هو ابن اللقيطة، لأن قومها انتجعوا فسقطت وهي طفل، فالتقطها قوم فردوها عليهم، انتهى، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٨٦ ]
وقوله: لقام بنصري، من قام بالأمر، إذا تكفل به، والمعشر: اسم لجماعة أمرهم واحد، وخشن بضمتين: جمع خشن، بفتح فكسر، وقيل: جمع أخشن، وضمة الشين للإتباع، والحفيظة: الغضب في الشيء الذي يجب عليك حفظه، واللوثة بضم اللام: الضعف، وهي الرواية الصحيحة، وبالفتح: القوة والشدة، والأول أسد، لأن مراده التعريض بقومه ليغضبوا ويهتاجوا لنصرته. قال ابن جني: إن قلت أين جواب قوله: إن ذو لوثة لانا؟ قيل: محذوف دل عليه قوله: خشن، أي: إن لان ذو لوثة خشنوا.
وقريط بن أنيف العنبري كلاهما بصيغة المصغر، قال الخطيب التبريزي في «شرح الحماسة»: هو شاعر إسلامي، وقد تتبعت كتب الشعراء وتراجمهم فلم أظفر له بترجمة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الواحد والعشرون:
(٢١) لا تتركني فيهم شطيرا إني إذن أهلك أو أطيرا
على أنه مؤول على حذف خبر إن، أي: إني لا أقدر على ذلك، ثم استأنف ما بعده.
وهذا أحد تخاريج السيرافي قاله في شرح «الكتاب»: هذا البيت شاذ لا يحتج به، لأن قائله مجهول لا يحتج بقوله، فإن صح فإما أن يقال: إنه لغة حمل فيها إذن على لن، وهي لا تلغى بحال، أو تقول: خبر إن مقدر، أي: إني لا أقدر على ذلك، وجملة: إذن أهلك، مستأنفة، وإذن فيها مصدرة، انتهى. فهذه تخاريج ثلاثة، وسلك نحوه ابن يعيش في «شرح المفصل» وخرجه
[ ١ / ٨٧ ]
المحقق الرضي بوجه غير هذا، قال: إن الخبر هو مجموع إذن أهلك، لا أهلك وحده، فتكون إذن مصدرة، ورده الدماميني بأن مقتضاه: جواز قولك: زيد إذن بقوم، بالنصب على جعل الخبر هو المجموع إذ الاعتماد المانع منتف إذ هو ثابت للمجموع وصريح كلامهم يأباه. وأجيب عنه بأن تخريجه إنما هو لبيان وجه ارتكاب الشذوذ في هذا المسموع، فلا يكون مقتضاه جواز النصب في كل ما سواه مما لم يتحقق فيه شذوذ.
ونقل ابن الحاجب في «شرح المفصل» تخريجًا خامسًا قال: وقد أول: إني إذن أهلك، على معنى إني أقول، والقول يحذف كثيرًا، واعترضه الحديثي في «شرح الكافية» ببقاء الإشكال، فإن أهلك معتمد على أقول، لكونه جزء معموله الذي هو إذن أهلك، ويرد عليه أيضًا ما ورد على تخريج الرضي. هذا وقد نقل الفراء عن العرب في تفسيره أن النصب في مثل البيت لغة، قال عند قوله تعالى: ﴿أم لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا﴾ [النساء/٥٣] إذا وقعت إذًا على يفعل وقبله اسم، بطلت فلم تنصب، فقلت: أنا إذًا أضربك، وإذا كانت في أول الكلام «إن» نصبت «يفعل» ورفعت، فقلت: إني إذًا أوذيك، والرفع جائز، أنشدني بعض العرب:
لا تتركني فيهم شطيرا إني إذن أهلك أو أطيرا
وقال أيضا عند قوله تعالى: ﴿وإذًا لا تمنعون﴾ من سورة الأحزاب [الآية ١٦]: وقد تنصب العرب «إذن» وهي بين الاسم وخبره في «إن» وحدها، فيقولون: إني إذن أضربك، قال الشاعر:
لا تتركني فيهم شطيرا البيت
[ ١ / ٨٨ ]
والرفع جائز، وإنما جاز في إن ولم يجز في المبتدأ بغير إن، لأن الفعل لا يكون مقدمًا في إن، وقد يكون مقدمًا لو سقطت، انتهى كلامه.
وأنت ترى أنه إمام ثقة، وقد نقل عن أهل اللسان، فينبغي جواز النصب في الفعل الواقع خبرًا لاسم إن فقط حسبما نقل، وأفاد أن البيت حجة يصح الاستدلال به لقوله: أنشدني بعض العرب، فيكون جواز النصب والرفع فيه مع «إن» مثل ما إذا اقترن الفعل بعاطف في جوز الوجهين.
وقوله: لا تتركني .. الخ، الترك يستعمل بمعنى التخلية، ويتعدى لمفعول واحد، وبمعنى التصيير، فيتعدى لاثنين أصلهما المبتدأ والخبر، وكلاهما هنا جائز، فشطيرًا على الأول حال من «الياء» وعلى الثاني هو المفعول الثاني، و«فيهم» عليهما متعلق بالترك، أو هو المفعول الثاني، وشطيرًا: حال من ضمير الظرف، ويجوز أن يكون مفعول آخر مكررًا كما قيل في قوله تعالى: ﴿وتركتهم في ظلمات لا يبصرون﴾ [البقرة /١٧]، أن «في ظلمات» مفعول ثان، وجملة لا يبصرون: مفعول آخر مكرر، وأهلك بكسر اللام، وماضيه هلك بفتحها، والشطير: البعيد والغريب، ونقل السيوطي أن السخاوي ذكر في «شرح المفصل» أن سيبويه أنشد بلفظ:
لا تتركني فيهم أسيرا
وأقول: إن هذا الشعر غير مذكور في «كتاب سيبويه» البتة، ولم أقف على قائله، والله تعالى أعلم.
وأنشد في «إن» المكسورة الخفيفة، وهو الانشاد الثاني والعشرون:
(٢٢) شلت يمينك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد
[ ١ / ٨٩ ]
هو من أبيات لعاتكة ابنة زيد ترثي بها زوجها الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما، وهي:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشًا رعض الجنان ولا اليد
شلت يمينك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد
إن الزبير لذو بلاء صادق سمح سجيته كريم المشهد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه عنها طرادك يا ابن فقع القردد
فاذهب فما ظفرت يداك بمثله فيما مضى أو من يروح ويغتدي
قال عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب «المغازي»: لما رجع الزبير من وقعة الجمل مر ببني تميم، فأجاره النعر بن زمام المجاشعي، وسار معه، حتى إذا كان بوادي السباع، لحقه عمرو بن جرموز أخو بني ربيعة بن كعب، فقال له: أجيرك؟ قال: لا، فسار معه، ثم وضع ابن جرموز درعه على منسج فرسه، وقال للزبير: لو وضعت درعك فإنها تثقلك، ولم يزل به حتى نزعها ووضعها على منسج فرسه، وجعل يتخلف، فيناديه الزبير: ألا تلحقني! ثم تغشت الزبير نعسة، وألقى ابن جرموز رمحه وتخلف كأنه يأخذه، حتى إذا مضى وهو يخفق، حمل عليه فوضع الرمح بين كتفيه حتى خرج من بين ثدييه، ثم رجع برأسه إلى علي
[ ١ / ٩٠ ]
فقال: من ذا؟ فقال: قاتل الزبير، قال: قاتل الزبير في النار، فقالت عاتكة بنت زيد ترثيه بهذه الأبيات، انتهى.
وقوله: يخفق، أي: يميل برأسه من غلبة النعاس. وأخرج السيوطي هذه القصة عن ابن سعد في «طبقاته» بأبسط مما تقدم.
والبهمة، بضم الموحدة وسكون الهاء، قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: هنا بمعنى الجيش، ويكون في غير ذلك: الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه، انتهى. واللقاء: الحرب لأنه تتلاقى فيها الأبطال، واسم كان ضمير الفارس، والمعرد: اسم فاعل من عرد تعريدًا بمهملات، إذا فر وهرب، وطاش يطيش: إذا خف عقله من دهشة وخوف، ورعش بكسر العين: وصف من رعش - كفرح ومنع - رعشًا ورعشانًا: أخذته الرعدة، والجنان بفتح الجيم: القلب، وروي بدله «اللسان» و«البنان» وشلت يمينك: دعاء عليه. في «فصيح ثعلب» في باب: فعلت بكسر العين، ومضارعه مفتوحها، وقد شلت يده تشل، وينشد:
فلا تشلل يد فتكت بعمرو
وقال شارحه أبو سهل الهروي: شلت: يبست، وقيل: استرخت، ويروى بدله: «هبلتك أمك» في «القاموس»: هبلته أمه من باب فرح: ثكلته.
وروى بدله صدر الأفاضل: «بالله ربك» بالموحدة، وإن: مخففة من الثقيلة مهملة، ومسلمًا: مفعول قتلت، واللام هي اللام الفارقة فرقتها عن إن النافية، فإن اللام لا تصحبها، وعند الكوفيين: هي إن النافية، واللام بمعنى إلا، وهذه الجملة في موضع التعليل للدعاء عليه، وحلت عليك: دعاء عليه أيضًا بمعنى: نزلت، من الحلول.
[ ١ / ٩١ ]
وأغرب العيني يجعل هذه الجملة جواب شرط محذوف، قال: التقدير: إنك إن قتلت مسلمًا وجبت عليك عقوبة المتعمد، هذا كلامه.
قال الكرماني في «شرح أبيات التوشيح» وهو شرح «الكافية» الحاجبية أشارت بقولها: عقوبة المتعمد، إلى قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾ [النساء/٩٣] وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات «المفصل»: وعقوبة المتعمد: أن يقتل قصاصًا، كأن المخاطب قتل إنسانًا عمدًا، فوجب عليه القصاص، وهذا وإن كان بيانًا للواقع تسهيل للقصاص على المخاطب، انتهى. وعذره أنه لم يقف على الأبيات ولا منشئها ولا قائلها.
وقولها: لذو بلاء، والبلاء: اسم من أبلى فلان في الحرب إبلاء، إذا بالغ في المقاتلة، وصادق بالجر: صفته، والصدق بمعنى التحقق يوصف به الفعل والقول.
وسمح: خبر آخر بمعنى سهل، وسجيته: فاعل سمح، صفة جرت على غير من هي له، والسجية: الطبيعة والغريزة، والمشهد: الحضور، وكم هنا لإنشاء التكثير، والغمرة بالفتح: الشدة، وخاضها: مشى فيها، ولم يثنه: لم يصرفه، مضارع ثناه عن أمره إذا صرفه عنه، وطرادك: مطاردتك، وفقع القردد: مثل للذليل، والفقع بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف: نوع أبيض من رديء الكمأة، والقردد كجعفر: الأرض المستوية المرتفعة، ويقال أيضًا: هو فقع قرقرة، وهي الأرض الملساء، أي أنه بمنزلة الكمء النابت في السهل تدوسه الأرجل وتشدخه، وروي «القدفد» وهي الأرض المستوية بدل «القردد».
وعاتكة صاحبة الشعر من الصاحبيات المبايعات المهاجرات، وأبوها الذي
[ ١ / ٩٢ ]
تحنف في الجاهلية ومات قبل بعثة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بخمس سنين، وأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه في الجنة، وأنه يأتي يوم القيامة أمة وحده، وأخوها سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة.
قال الزبير بن بكار في «أنساب قريش»: حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه، وأحمد بن عبيد الله عن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير، يزيد أحدهما على صاحبه، قال: تزوج عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت حسناء جميلة ذات خلق بارع، فشغلته عن مغازيه، فأمره أبوه بطلاقها، وقال: قد شغلتك عن مغازيك، فقال:
يقولون طلقها وخيم مكانها مقيمًا عليك الهم أحلام نائم
وإن فراقي أهل بيت جمعتهم على كثرة مني لإحدى العظائم
ثم طلقها، فمر به أبوه وهو يقول:
فلم أرد مثلي طلق اليوم مثلها ولا مثلها في غير جرم تطلق
لها خلق جزل ورأي ومنصب وخلق سوي في الحياة ومصدق
فرق له أبوه، وأمره فراجعها، ثم شهد مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غزوة الطائف، فأصابه سهم، فمات منه بعد بالمدينة، فقالت عاتكة تبكيه:
رزيت بخير الناس بعد نبيهم وبعد أبي بكر وما كان قصرا
[ ١ / ٩٣ ]
فآليت لا تنفك عيني حزينةً عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا
ثم تزوجها عمر بن الخطاب، فأولم عليها، فكان فيمن دعا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال له علي: دعني أكلم عاتكة، فقال: كلمها يا أبا حسن، فأخذ علي بجانب الخدر، ثم قال يا عدية نفسها:
فآليت لا تنفك عيني حزينةً عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فبكت، فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا حسن؟ ! كل النساء يفعل هذا.
ثم قتل عنها عمر رضي الله تعالى عنه، فقالت تبكيه:
عين جودي بعبرةٍ ونحيب لا تملي على الجواد النجيب
فجعتني المنون بالفارس المعـ ـلم يوم الهياج والتثويب
قل لأهل الضراء والبأس موتوا قد سقته المنون كأس شعوب
ثم تزوجها الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، فكانت تخرج إلى المسجد ليلا، وكان يكره خروجها ويحرج من منعها، فخرجت ليلة إلى المسجد، وخرج الزبير فسبقها إلى مكان مظلم من طريقها، فلما موت وضع يده على بعض جسدها، فرجعت تبكي، ثم لم تخرج بعدها، فقال لها الزبير: مالك لا تخرجين إلى المسجد كما كنت تفعلين؟ قفالت: قد فسد الناس، فقال: أنا فعلت ذلك، فقالت: أليس يقدر غيرك أن يفعل مثله؟ فلم تخرج حتى قتل عنها الزبير، فقالت ترثيه:
[ ١ / ٩٤ ]
غدر ابن جرموز بفارس بهمة الأبيات المتقدمة
وحدثني محمد بن الضحاك قال: لما قتل الزبير بن العوام خطبها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فأرسلت إليه تقول: إني لأضن بابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن القتلو رضي الله تعالى عنها، انتهى.
وأخرج السيوطي عن ابن سعد في «طبقاته» في قصة قتل الزبير أن أهل المدينة كانوا يقولون: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة بنت زيد، وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فقتل عنها، ثم كانت عند زيد بن الخطاب فقتل عنها باليمامة، ثم كانت تحت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقتل عنها، ثم كانت عند الزبير رضي الله تعالى عنه فقتل عنها.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والعشرون:
(٢٣) ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
هو من قصيدة للنابغة الذبياني، وقبله:
فلا لعمر الذي قد زرته حججًا وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
[ ١ / ٩٥ ]
إذن فعاقبني ربي معاقبةً قرت بها عين من يأتيك بالحسد
هذا لأبرأ من قولٍ قذفت به طارت نوافده حرًا على كبدي
وهذا من قصيدة مدح بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وتتصل بها عما قذفوه به حتى خافه، وهرب منه إلى بني جفنة ملوك الشام، وهي من القصائد الاعتذاريات، ولحسنها ألحقها أبو جعفر النحاس والخطيب التبريزي وغيرهما بالمعلقات البيع ..
وكان النابغة من خواص النعمان بن المنذر وندمائه وأهل أنه، فرأى المتجردة زوجة النعمان يومًا، وغشيها أمر، سقط نصيفها، وهو ما تغطي به رأسها، فاستترت بيدها وذراعها، فذكرها في قصيدة ووصفها، وذكر فيها أمورًا عجيبة منها في صفة فرجها، ثم أنشدها النابغة مرة بن سعيد القريعي، فأنشدها مرة النعمان، فامتلأ غضبًا وأوعد النابغة وتهدده، فهرب منه إلى ملوك غسان بالشام، وهم بنو جفنة. وقيل: إن الذي من أجله هرب النابغة أنه كان هو والمنخل اليشكري نديمين للنعمان، وكان النعمان دميمًا قبيح المنظر، وكان المنخل من أجمل العرب، وكان يرمى بالمتجردة، وتكلمت العرب أن ابني النعمان منها كانا منه، فقال النعمان للنابغة: يا أبا أمامة: صف المتجردة في شعرك، فقال تلك القصيدة، وصف فيها بطنها وفرجها وأردافها، فلحقت المنخل من ذلك غيرة، فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من جرب! فوقر ذلك في نفس النعمان، فبلغ النابغة فخافه، فهرب إلى ملوك غسان، ونزل بعمرو ابن الحارث الأصفر، فمدحه ومدح أخاه، ولم يزل مقيمًا عنده حتى مات، وملك أخوه النعمان بن الحارث فصار معه إلى أن استعطف النعمان بن المنذر فعاد إليه.
[ ١ / ٩٦ ]
والنابغة: اسمه زياد بن معاوية، وينتهي نسبه إلى سعد بن ذبيان، وكنيته أبو أمامة، وهو أحد شعراء الجاهلية وأحد فحولهم، وسمي النابغة لقوه:
فقد نبغت لنا منهم شؤون
وقيل: لأنه لم يقل الشعر حتى صار رجلًا، قال ابن قتيبة في «تراجم الشعراء»: ونبغ بالشعر بعدما احتنك، وهلك قبل أن يهتر. وهو أحد الأشراف الذين غض الشهر منهم، وهو أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتًا، كأن شعره كلام ليس فيه تكلف، ومات في الجاهلية في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يبعث.
ومما قاله في ملوك غسان ما أنشده ابن قتيبة عن الشعبي أنه قال: دخلت على عبد الملك وعنده رجل لا أعرفه، فالتقت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس؟ قال: أنا، فأظلم ما بيني وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتعجب عبد الملك من عجلتي، فقال: هذا الأخطل، فقلت: أشعر منه الذي يقول:
هذا غلام حسن وجهه مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث الـ أصغر والأعرج خير الأنام
[ ١ / ٩٧ ]
ثم لهند ولهند وقد ينجع في الروضات ماء الغمام
ستة آباء هم ما هم هم خير من يشرب صفو المدام
فقال الأخطل: صدق يا أمير المؤمنين، النابغة أشعر مني، فقال لي عبد الملك: ما تقول في النابغة؟ قلت: قد فضله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على الشعراء غير مرة، خرج وببابه وفد غطفان فقال: أي شعرائكم الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراء الله للمرء مطلب
قالوا: النابغة، قال: فأي شعرائكم الذي يقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.
وله القصائد الاعتذاريات المشهورة إلى النعمان بن المنذر، لم يقل أحد مثلها، منها قوله:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأر من الأسد
وتمثل به الحجاج بن يوسف حين سخط عليه عبد الملك، ومما يتمثل من شعره:
فلو كفى اليمين بغتك خونًا لأفردت اليمين من الشمال
أخذه المثقب العبدي فقال:
[ ١ / ٩٨ ]
فلو أني تخالفني شمالي خلافك ما وصلت بها يميني
وقوله:
فحملتني ذنب امرئ وتركته
كذي العر يكوى غيره وهو راتع
أخذه الكميت فقال:
ولا أكوي الصحاح براتعاتٍ بهن العر قبلي ما كوينا
قال الآمدي في «المؤتلف والمختلف»: من يقال له النابغة ثمانية، أولهم هذا، والثاني: النابغة الجعدي الصحابي، والثالث: نابغة بني الديان الحارثي، والرابع: النابغة الشيباني، والخامس: النابغة الغنوي، والسادس: النابغة العدواني، والسابع: النابغة الذبياني أيضًا، وهو نابغة بني قتال بن يربوع، والثامن: النابغة التغلبي واسمه الحارث، انتهىز
قوله: فلا لعمر الذي .. إلخ، لا الداخلة على جملة القسم نافية، ومنفيها محذوف، أي: ليس الأمر كما زعموا، أولا لما زعموا صحة. وقيل زائدة زيدت توطئة لنفي جواب القسم، وعمر: مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا تقديره قسمي، والعمر بالفتح:
[ ١ / ٩٩ ]
البقاء، والحجج: جمع حجة بكسر المهملة وهي السنة، والذي: صفة موصوفها محذوف، أي: لعمر البيت الذي، أقسم ببقاء البيت الذي زاره سنين متعددة، وهو البيت الحرام، وروي أيضًا:
فلا لغمر الذي مسحت كعبته
فيكون القسم ببقاء الله تعالى. وقوله: وما هريق على الأنصاب من جسد، هربق: هو أريق، والهاء بدل من الهمزة، والأنصاب: حجارة كانت العرب في الجاهلية تنصبها وتذبح عندها، والجسد بفتح الجيم والسين المهملة: هو الدم، وهو بيان لـ «ما» المعطوفة على الذي.
وقوله: والمؤمن العائذات الطير .. الخ، أقسم ببقاء الله تعالى أيضًا، فهو معطوف على الذي أيضًا، وزعم من لم يلاحظ البيت الذي قبله أن هذه الواو للقسم، قال ثعلب: أراد بالعائذات الحمام، جمع عائد، من عذت بالشيء، أي: لجأت إليه، والطير بالجر: بدل منه، وبالنصب إن كان العائذات منصوبًا بالكسرة على أنه مفعول به للمؤمن، والمؤمن هو الله سبحانه، وهو اسم فاعل من آمنه كما قال تعالى: ﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾.
وقد جمعنا ما للعلماء في هذا البيت من الكلام في الشاهد السابع والأربعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
والطير: جمع طائر، وقد يقع على الواحد، والركبان: جمع راكب، وجملة «يمسحها ركبان مكة»: حال من الطير، والسند بفتحتين: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح. وروى أبو عبيدة: «الغيل» بكسر الغين المعجمة، وقال: هي والسند أجمتان كانتا بين مكة والمدينة، وأنكرها الأصمعي وقال: إنما الغيل بالفتح وهو ماء، وإنما يعني النابغة ماء كان يخرج من أبي قبيس، كذا
[ ١ / ١٠٠ ]
في «شرح ديوان النابغة»، ولم يذكر هذا أبو عبيد في «معجم ما استعجم».
وقوله: ما إن أتيت بشيء .. الخ، هذه الجملة جواب القسم الذي هو قوله: «لعمر الذي قد زرته حججًا» وما: نافية، وإن: زائدة للتأكيد، وروي بدله:
ما قلت من سيء مما أتيت به
وقوله: إذن فلا رفعت، استشهد به مع البيت الذي بعده المحقق الرضي على أن «إذن» إذا كانت للشرط في المستقبل، جاز دخول الفاء في جوابها، كأنه قال: إن أتيت بشيء تكرهه فلا رفعت، فجملة: فلا رفعت دعائية وقعت جزاءً، واقترنت بما يقترن به جزاء الشرط لما في إذن من معنى الشرط، وكذا الحال في البيت الذي يليه، ومعناه: شلت يدي حتى لا تقدر على أخذ شيء خف كالسوط، وهذا دعاء على نفسه على تقدير ثبوت ما نفاه.
وقد تداول الشعراء هذا المعنى حتى جعلوه مثلًا، أخذه برمته أنس بن زنيم الصحابي، وكان قبل إسلامه يحرض المشركين على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فأهدر دمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح، فأتاه وأسلم، ومدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقصيدة منها:
ونبي رسول الله أني هجوته فلا رفعت سوطي إلى إذن يدي
وقال حسان بن ثابت:
[ ١ / ١٠١ ]
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم فلا رفعت سوطي إلى أناملي
وقال توبة بن مضرس:
فإن لم أفرق منهم بين إخوة فلا رفعت سوطي إلى بناني
وقوله: إذن فعاقبني ربي .. الخ، هذا دعاء آخر على نفسه، وجملة: قرت: صفة معاقبة، من قرت العين قرورًا وقرة، أي: بردت سرورًا، والمعاقبة: العذاب.
وقوله: هذا لأبرأ، أي: هذا القسم لأجل أن أتبرأ مما اتهمت به، والنوافد: تمثيل من قولهم: جرح نافذ، أي: قالوا قولًا صار حره على كبدي، وشقيت به. وقصائد النابغة الاعتذاريات ثلاثة، وقد شرحناها في مواضع متفرقة نم شرح شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع والعشرون:
(٢٤) وما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا
وهو من أبيات لفروة بن مسك المرادي الصحابي، رواها له أهل السير كابن هشام والكلاعي وغيرهما، وهي:
[ ١ / ١٠٢ ]
فإن نغلب فغلابون قدمًا وإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال تكر صروفه حينًا فحينا
فبينا ما نسر به ونرضى ولو لبست غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرات دهرٍ فألفيت الألى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدهر منهم يجد ريب الزمان له خؤونا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا ولو بقي الكرام إذن بقينا
فأفنى ذلكم سروات قومي كما أفنى القرون الأولينا
وفروة بن مسيك أسلم عام الفتح، وفد على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين افتتح مكة، قدم إلى المدينة وكان ممن له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه، ثم غدا على رسول الله صلى تعالى عليه وسلم وهو جالس في المجلس، فسلم عليه ثم قال: يا رسول الله أنا لمن ورائي من قومي، قال: أين نزلت يا فروة؟ قال: على سعد بن عبادة، قال: بارك الله على سعد، وكان يحضر مجلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام، وكان بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة أصابت فيها همدان من مراد، وكان يقال لذلك اليوم: يوم الردم، فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم؟» قال: يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي لا يسوؤه؟ فقال ﷺ: «أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام
[ ١ / ١٠٣ ]
إلا خيرًا» وفي ذلك اليوم قال فروة هذه الأبيات. واستعمله رسول الله تعالى عليه وسلم على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه خالد بن العاصي على الصدقة، وكتب فيها كتابًا لا يعدوه إلى غيره، وكان خالد معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كذا في «سيرة ابن هشام» والكلاعي، وذكر الواقدي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استعمله أيضًا على صدقات مذحج، وذكر غيره أنه انتقل إلى الكوفة فسكنها.
وأخرج ابن سعد أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أجاز فروة بن مسيك باثنتي عشرة أوقية، وحمله على بعير نجيب وأعطاه حلة من نسج عمان. وفروة: بفتح الفاء وسكون الراء بعدها واو، ومسيك: بضم الميم وفتح السين وسكون الياء، ومراد: قبيلة باليمن.
قوله: فإن نغلب البناء للفاعل، وقدمًا بالكسر، أي: قديمًا، والمغلب: المغلوب مرارًا، وقوله: وما إن طبنا جبن .. قال الأعلم في شرح أبيات سيبويه: «إن» كافة لما عن العمل، كما كفت «ما» إن عن العمل، والطب: بالكسر هنا، بمعنى العلة والسبب، أي: لم يكن سبب قتلنا الجبن، وإنما كان ما جرى به القدر من حضور المنية وانتقال الحال عنا والدولة، وقال في «الصحاح»: وتقول: ما دلك بطبي، أي: دهري وعادتي، وأنشد هذا البيت للكميت، وهذه النسبة غير صحيحة، والجبن: ضد الشجاعة، والمنايا: جمع منية وهي الموت، مأخوذة من المنا، بوزن العصا، وهو القدر، يقال: مني له، أي: قدر بالبناء للمفعول فهما، والدولة، بالفتح: الغلبة في الحرب، وبالضم يكون في المال، وقيل: هما بمعنى، لقولك: تداول القوم الشيء، وهو حصوله في يد هذا تارة، وفي يد ذاك أخرى.
[ ١ / ١٠٤ ]
وهذا البيت مع كونه من شواهد ابن الناظم، وشرحه المصنف في جملة شرح أبياته، لم يورده العيني في «شرح الشواهد» سهوًا.
والسجال بالكسر: مصدر ساجل يساجل بمعنى ناوب يناوب، قال الميداني: المساجلة أن تصنع مثل صنيع صاحبك من جري أو سقي، وأصله من السجل، وهو: الدلو فيها ماء قل أو كثر، وحقيقة السجال المغالبة بالسقي بالسجل، ومنه معنى المباراة والمفاخرة والمعارضة.
وتكر: ترجع، والصروف: الحوادث، والغضارة بالفتح: الخير والخصب، وألفيت: وجدت، وغبطوا بالبناء للمفعول: من الغبطة، من غبطته – من باب ضرب – إذا تمنيت مثل ما ناله من غير أن تريد زواله، وريب الدهر: ما يحدث منه، والخؤون: مبالغة الخائن. وقوله: فأفتى ذلكم: الإشارة لكرات الدهر وحوادثه، والسروات: جمع سراة بفتح السين، وهو مفرد بمعنى الرئيس والشريف.
وشرح يوم الردم قد ذكرناه في شرح الشاهد السبعين بعد المائتين من شواهد الرضي، ونقل السيوطي من الحماسة أن ما قبل البيت الشاهد هذا:
إذا ما الدهر جر على أناسٍ كلاكله أناخ بآخر ينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
[ ١ / ١٠٥ ]
كذلك الدهر دولته سجال تكر صروفه حينًا فحينا
وما إن طبنا جبن .. البيت
ومن يغرر بريب الدهر يومًا يجد ريب الزمان له خؤونا
والكلاكل: جمع كلكل كجعفر، وهو الصدر، ولا أدري من أي الحماسات نقل، فإني راجعت «حماسة» أبي تمام، وأعدت النظر فيها، فلم أجد فيها شيئًا من هذا.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس والعشرون:
(٢٥) بني غدانة ما إن أنتم ذهب ولا صريف ولكن أنتم حزف
ويروى: «ذهبًا ولا ولا صريفًا» قال المصنف في «شرح الشواهد»:
النصب رواية يعقوب بن السكيت، والرفع رواية الجمهور على أن «إن» كافة
[ ١ / ١٠٦ ]
لما عن العمل، قال: وزعم الكوفيون على رواية النصب أن «إن» نافية مؤكدة لا كافة، وغدانة بضم الغين المعجمة: حي من يربوع من بني تميم، والصريف قال ابن السكيت: هو الفضة، وأنشد البيت، والخزف بفتحتين، قال ثعلب في «أماليه»: هو ما عمل من طين وشبوي بالنار حتى يكون فخارًا، وأنشد أيضًا البيت.
ولم أر من نسب هذا البيت إلى قائله مع كثرة الاستشهاد به في كتب النحو واللغة، والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس والعشرون:
(٢٦) يرجى المرء ما إن لا يراه ويعرض دون أدناه الخطوب
هو أحد أبيات ثلاثة، أوردها أبو زيد الأنصاري في «نوادره» وقال: هي لجابر بن رألان الطائي الجاهلي وهي:
فإن أمسك فإن العيش حلو إلي كأنه عسل مشوب
يرجي العبد ما إن لا يراه وتعرض دون أبعده خطوب
وما يدري الحريص على م يلقي شراشره أيخطئ أم يصيب
قوله: إلي، في معنى عندي، والشراشر: الثقل، ثقل النفس، انتهى ما في
[ ١ / ١٠٧ ]
«النوادر»، والتي نقلت منها نسخة صحيحة مضبوطة ضبط إتقان حسنة الخط واضحة الشكل، كتبها علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب، وعليها خطوط جلة من العلماء، منها زيد بن الحسن بن زيد الكندي، وهي رواية أبي على الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي عن أبي بكر محمد بن السري ابن السراج النحوي عن الرياشي. وأبي حاتم السجستاني وأبي عمر الجرمي، وأبي عثمان المازني عن أبي زيد بن سعيد بن أوس الأنصاري رحمهم الله تعالى، وهي نسخة قديمة جدًا يزيد تاريخ كتابتها على سبعمائة سنة، وعندي نسختان أخريان منها، إحداهما بخط محمد بن مكرم صاحب «لسان العرب» وخطه جيد مضبوط، والأخرى صحيحة أيضًا بخط قديم، وكلاهما من رواية أبي الحسن الأخفش تلميذ المبرد، وقد حشاها بفوائد، ووقع فيهما «يلاقي» بدل «يراه» قال هنا: وروى أبو حاتم: «ما لا إن يلاقي» قال أبو الحسن: قوله: «يرجي العبد ما إن لا يلاقي» غلط، والصواب: «ما أن لا يلاقي» وأن زائدة، وهي تزاد في الإيجاب مفتوحة، وفي النفي مكسورة، تقول: لما أن جاءني زيد أعطيته، قال الله تعالى: ﴿فلما أن جاء البشير﴾ [يوسف /٩٦]، وتقول في النفي: ما زيد منطلقًا، فإذا زدت «إن» قلت: ما إن زيد منطلق، «فإن» كافة لما عن العمل، ونظير هذا قولك: إن زيدًا منطلق، ثم تقول: إنما زيد منطلق، فكفت ما الزائدة إن كما كفت إن ما النافية. وهذا تمثيل الخليل، فلما قال: «ما إن لا يلاقي» فنظر إلى «ما» الذي روى هذه الرواية، ظنها النافية، وهو بمعنى الذي، فلا تكون «أن» بعدها إلا مفتوحة، ورواية أبي حاتم: «مالا إن يلاقي» صحيحة، لأن «لا» في النفي بمنزلة ما، وإن كانت إن ليست تكاد تزاد بعد لا، انتهى كلامه.
[ ١ / ١٠٨ ]
اعلم أن رواية إن بالكسر هنا ثابتة صحيحة، وهي تزاد بعد ما الموصولة وغيرها، كما تزاد بعد ما النافية، وهو في تغليظه غالط، فقد قال صاحب «الكشاف» والبيضاوي عند قوله تعالى: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ [الأحقاف /٢٦]، إن «إن» صلة، ونظروا الآية الشريفة بهذا البيت، وقال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: ومن زيادة إن المكسورة الهمزة في الضرورة قول الشاعر، وأنشده سيبويه:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته .. البيت
فزاد إن بعد ما المصدرية، وليست بنافية تشبيها لها بما النافية، ألا ترى أن المعنى: ورج الفتى للخير مدة رؤيتك إياه لا يزال يزيد خيرًا على السن، لكن لما كان لفظها كلفظ ما النافية، زادها بعدها كما تزاد في ما النافية في نحو قولك: ما إن قام زيد، وقول الآخر، أنشده أبو زيد:
يرجى المرء ما إن لا يلاقي .. البيت
فزاد إن بعد ما لشبهها باللفظ بما النافية، وقول النابغة في إحدى الروايتين:
إلا الأواري لا إن ما أبينها .. البيت
فزاد إن بعد لا لشبهها بما من حيث كانتا المنفي، وزعم الفراء أن لا وإن وما حروف نفي، وأن النابغة جمع بينها على طريق التأكيد، انتهى كلامه.
وتقييده زيادة إن في هذه المواضع بالضرورة يرده الآية الشريفة، وهو مذهب لم يذهب إليه غيره.
[ ١ / ١٠٩ ]
والرواية التي نسبها الأخفش إلى أبي حاتم نسبها المحقق الرضي إلى الخليل، نقل أن الخليل قال: أصل «لن»: لا أن، كما جاءت على أصلها في قوله:
يرجي المرء مالا إن يلاقي .. البيت
وقوله: فإن أمسك، يريد: عن الحرب ونحوها، فإنه يقال: أمسكت عن الأمر، إذا كففت عنه، يقول: إن امتنعت عن إلقاء نفسي في المهالك والمتاعب فلا عجب، فإن المعيشة لذيذة عندي كالعسل المشوب بالماء، وإنما قيد العسل بالمشوب، لأن العسل لشدة حلاوته له سورة وحدة تؤذي، فإذا مزج بالماء اعتدلت حلاوته ولذ شربه، ويقال: شابه، أي: خلطه، مثل شوب اللبن بالماء، وقوله: يرجي المرء، في النسخ الثلاث: «يرجي العبد» وهو عبد الخلقة.
وهذا البيت تعليل لإمساكه عن المشتاق، فإن الإنسان وإن اجتهد بكل حيلة لم ينل جميع ما يرومه «ما كل ما يتمنى المرء يدركه» ويرجي: مبالغة يرجو، أي: يأمل، وقد حذف العائد إلى ما الموصولة من قوله: لا يلاقي، على رواية الأخفش، والأصل: لا يلاقيه، وما واقعة على الأمور التي تطلبها النفس، وتعرض، أي: تحول، من عرضت له بسوء أي تعرضت، من باب ضرب، وباب تعب لغة، تقول: سرت فعرض لي في الطريق من جبل ونحوه، أي: حائل ومانع يمنع من المضي، ويجوز أن يكون من عرض له أمر، أي: ظهر، من باب ضرب أيضًا، ويجوز أن يكون: تعرض بضم الراء، من عرض الشيء بالضم عرضًا – كعنب – وعراضة بالفتح: اتسع عرضه وتباعد حاشيتاه، ودون هنا: بمعنى أمام، وأدناه: أقربه، من الدنو وهو القرب، والخطوب:
[ ١ / ١١٠ ]
جمع خطب، وهو الأمر والشأن عظم أو صغر والمراد هنا الأمر العظيم الشديد.
يعني: إذا كان أقرب ما يتمناه الإنسان تحول الأمور الشاقة عن الوصول إليه، فما ظنك بأبعدها!
وفي النسخ الثلاث: «وتعرض دون أبعده الخطوب» ومعناه هو الذي ذكرناه، فإن دون بمعنى قبل، وقبل الأبعد هو الأقرب.
وقوله: وما يدري الحريص .. الخ، ما: نافية، وعلى متعلقة بيلقى، وما الاستفهامية لما جرت بعلى حذف ألفها، والإلقاء: الرمي، وفي «تهذيب الأزهري» عن الأصمعي: الشراشر: النفس والمحبة جميعًا، يقال: ألقى عليه شراشره، أي: ألقى نفسه عليه محبة له. ثعلب عن ابن الأعرابي: الشراشر: النفس، ويقال: المحبة، وأنشدك
وما يدري الحريص على م يلقي شراشره أيخطئ أم يصيب
انتهى.
وقائل الأبيات: جابر بن رألان الطائي، بالراء المهملة بعدها همزة ساكنة، وهو جاهلي كما تقدم. ونقل السيوطي هذه الأبيات من «نوادر ابن الأعرابي» وقال: قال: هي لجابر بن رألان الطائي ويقال: لإياس بن الأرث، وإياس بكسر الهمزة بعدها مثناة تحتية، الأرث: بالمثناة، قال صاحب «الصحاح»: الرتة بالضم: العجمة في الكلام، ورجل أرت: بين الرتت.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع والعشرون:
(٢٧) ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيرًا لا يزال يزيد
[ ١ / ١١١ ]
رج: فعل أمر من الترجية، والفتى مفعوله، والسن: مقدار العمر، أي: على زيادة السن، ويزيد يكون لازمًا كقولك: زاد المال، ويكون متعديًا لمفعولين، فإن اعتبر هنا لازمًا، كان خيرًا تمييزًا مقدمًا للضرورة، وإن اعتبر متعديًا، كان مفعوله الأول محذوفًا، وخيرًا مفعوله الثاني، والتقدير: لا يزال يزيد خيره خيرًا.
وقد وقع في خط بعض الفضلاء: زاد متعديًا لمفعولين، فكتب بعض حساده: زاد فعل لازم، كقولك: زاد المال، وتعديته إلى مفعولين لا يوجد في اللغة، فلما اطلع عليه كتب تحته: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾ [البقرة / ١٠].
وإن بعد ما زائدة، قال سيبويه: وقد تلغى «إن» مع ما، إذا كانت اسمًا وكانت حينًا، وقال الشاعر:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته البيت
قال أبو علي في تعليقته على كتاب سيبويه: قوله: ما إن رأيته، إن: لغو: وما مع الفعل بمنزلة المصدر، فهو في تقدير: وجه رؤيتك إياه، أي: وقت رؤيتك إياه، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فهذا عندي مثل: مقدم الحاجو وخفوق النجم، وغيرها من المصادر المقامة مقام الظروف الزمانية. فأما زيادة إن معها، وهي بمعنى المصدر، فقليل جدًا، إنما تزاد مع ما إذا كانت للنفي، نحو ما إن زيد منطلق، فكأن هذا الشاعر شبه التي مع الفعل بمعنى المصدر بالنافية لاتفاقهما في اللفظ، انتهى.
ومثله للسيرافي، قال: وقد تدخل إن المكسورة على ما إذا استعملت اسمًا في معنى الحين، وذلك أنك تقول: انتظرني ما جلس القاضي، تريد: زمان
[ ١ / ١١٢ ]
جلوسه، كأنه قال: انتظرنا جلوس القاضي، أي: حين جلوسه، ويجوز أن تدخل على هذا إن فتقول: انتظرني ما إن جلس القاضي، قال الشاعر المعلوط ابن بدل القريعي:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته عن السن خيرًا لا يزال يزيد
يريد: على السن والكبر، كما تقول: فلان يزداد خيرًا على السن، واستعمل عن في معنى على، انتهى.
وقال شارح شواهده الأعلم: الشاهد فيه زيادة إن بعد ما للتوكيد، وما هاهنا مؤدية عن معنى الزمان، فموضعها نصب على الظرف، وأكثر ما تزاد إن بعد ما النافية لتأكيد النفي، ونصب خيرًا على التمييز، والعامل فيه يزيد، وقدمه ضرورة، والتقدير فيه: لا يزال يزيد خيره، فأضمر الفاعل ونصب خيرًا كما تقول: طبت نفسًا، أي طابت نفسي، ويجوز أن يكون مفعولًا بمعنى يزيد خيرًا إلى خيره، فلا يكون فيه ضرورة، والمعنى وجه للخير ما رأيته يزيد خيره بزيادة سنه ويكف عن صباه وجهله، انتهى كلامه.
وقال الدماميني في «الهندية»: لا يتعين في هذا البيت زيادة إن، بل يحتمل أن تكون شرطية، وما زائدة داخلة على الجملة الفعلية، كما الثانية في قول الأعشى:
إما ترينا حفاةً لا نعال لنا إنا كذلك ما نحفى وننتعل
هذا كلامه.
[ ١ / ١١٣ ]
وأقول: ليس الخلاف في جواز زيادة ما حتى يحتاج إلى شاهد، وإنما الكلام بتعيين الزيادة عند اجتماع ما وإن، فيجب أن يكون الزائد المتأخر، لأنه هستغنى عنه دون المتقدم، لأنه جاء في مركزه من الصدارة، ولأن الزائد مؤكد، ورتبه المؤكد مؤخر عن رتبة المؤكد، فإن تأخرت «إن» عن «ما» حكم زيادتها وتأكيده لما، كما في البيت الشاهد، وإن تأخرت ما عند إن حكم بزيادتها وتأكيدها لإن، كبيت الأعشى، فإن «إما» أصله: إن ما، فأدغمت، وكذا الحكم في كل كلمتين بمعنى واحد من نوع واحد، بخلاف قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى /١١] فإن الكاف صلة لا مثل، لأن زيادة الحرف معهودة بخلاف الاسم، قال المصنف في بحث الكاف: والقول بزيادة الحرف أولى من القول بزيادة الاسم، بل زيادة الاسم لم تثبت، انتهى.
وصاحب البيت: المعلوط بن بدل القريعي، بالعين والطاء المهملتين على وزن مضروب، وبدل بفتحتين، والقريعي نسبة إلى قريع بالتصغير، وهو قريع ابن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، نسبه إليه ابن بري في «أماليه» على «صحاح الجوهري» في مادة أن المشددة النون.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثامن والعشرون:
٢٨) ألا إن سرى ليلي فبت كئيبًا أحاذر أن تنأى النوى بغضوبا
على أن «إن» بعد «ألا» زائدة وهذا نادر كندرة زيادتها بعد لا الدعائية
[ ١ / ١١٤ ]
قال أبوة حيان في «تذكرته»: أنشد شيث في زيادة إن بعد لا التي للدعاء قول الشاعر:
يا طائر البين لا إن زلت ذا وجلٍ من المقنص والقناص محجوبا
وفي «شرح التسهيل» لناظر الجيش عند الكلام على إن المخففة، قال سيبويه: وأما قولهم: أما إن جزاك الله خيرًا، فإنهم إنما أجازوه لأنه دعاء، ولا يصلون هنا إلى قد والسين، ولو قلت: أما إن يغفر الله لك، جاز، لأنه دعاء، ويجوز عندي أن تكون أما في الموضعين بمعنى ألا، وتكون إن المكسورة زائدة، كما زادها الشاعر في قوله: ألا إن سرى ليلي فبت كئيبًا .. البيت. ويجوز أن تكون في هذا البيت المخففة، ويكون الأصل: ألا إنه سرى ليلي، انتهى.
قال أبو حيان: شيث: هو أبو الحسن شيث بن إبراهيم بن محمد القوصي القاضي، له كتاب في النحو سماه: «المعتصر من المختصر» قال فيه: طرق الباب رجل على المبرد، فقال للخادم: من دق؟ فسألته فقال: حمدان، فأخبرت مولاها، ففكر وقال: قولي له: حمدان لا ينصرف في المعرفة، وأنت نكرة فانصرف.
وفيه أيضًا: تكون «لا» بمعنى غير فتكون اسمًا نحو: جئت بلا زاد، وغضب من لا شيء، انتهى.
[ ١ / ١١٥ ]
قال الدماميني: سرى بمعنى سار، وإسناده إلى الليل مجاز. وقال ابن وحيي: أي ذهب ليلي بالألم والمحنة، ولا حاجة إلى إخراج سرى من حقيقته، وهو الذهاب بالليل، لأن الليل لا يذهب بالنهار، وهو ظاهر. انتهى.
والكثيب: المنكسر من الحزن، وتنأى: تبعد، والنوى: الوجه الذي ينوبه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير، كذا في «الصحاح» وغضوب كصبور: اسم امرأة، ولذا لم يصرفه. والباء للتعدية، أي: لمخافة أن تجعلها النوى نائية عني. وقال أبو بكر محمد بن القاسم بن باشر الشهير بابن الأنباري في كتاب «الأضداد» قال الفراء: «إن» في هذا البيت بمعنى قد، وقال: لا تكون إن بمعنى قد حتى تدخل معها اللام، أو ألا، فإذا قالت العرب: إن قام لعبد الله، و: ألا إن قام لعبد الله، فمعناه: قد قام عبد الله، قال الشاعر:
ألا إن سرى ليلي فبت كئيبا البيت
معناه: قد سرى همي. وقال الآخرك
ألا إن بليلٍ بان مني حبائبي وفيهن ملهى لو أردن للاعب
معناه: قد بان مني حبائبي بليل، وقال في إدخال اللام:
هبلتك أمك إن قتلت لمسلما وجبت عليك عقوبة المتعمد
معناه: قد قتلت لمسلمًا، انتهى كلامه.
[ ١ / ١١٦ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع والعشرون:
(٢٩) أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا جهارًا ولم تغضب لقتل ابن خازم
على أنه محمول على إقامة السبب مقام المسبب، والأصل: أتغضب إن افتخر مفتخر بسبب حزه أذني قتيبة، إذ الافتخار بذلك مسبب عن الحز، أو على معنى التبين، أي: أتغضب إن تبين في المستقبل أنا أذني قتيبة حزتا فيما مضى، الأول هو تأويل السيرافي، وتبعه ابن السيد، قال فيما كتبه على «كامل المبرد»: ومن روى إن بكسر الهمزة، وهو رأي سيبويه، فوجهه أنه وضع السبب في موضع المسبب، كأنه قال: أتغضب إن افتخر مفتخر بجز أذني قتيبة، كما قال الآخرك
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن البيت
المعنى: إن افتخروا بقتلك الذي هو سبب ذلك، انتهى. والتأويل الثاني مشهور مذكور في «الكشاف» وغيره كما يأتي في البيت الذي بعد هذا. وقال ابن الحاجب في «شرح المفصل»: التقدير: إن ثبت حز أذنيه، ليكون الشرط مستقبلا، قال المحقق الرضي: وليس بشيء، لأن الفرض أن ذلك ثابت، فلم يفرض ثبوت الثابت، وإنما جاء هذا على قلة، فإنه قد يستعمل الماضي في الشرط متحقق الوقوع، وإن كان بغير لفظ كان، لكنه قليل. انتهى.
وفي «المسائل القصرية» لأبي علي: اعترض أبو العباس المبرد على إنشاد هذا البيت بالكسر، فقال: قتل قتيبة قد مضى، وإن للجزاء، والجزاء يكون لما يأتي، فلا يستقيم أن تقول: إن قمت قمت، وقد مضى قيامه. قال أبو علي: إنما يريد: أفتغضب كلما وقع هذا الفعل، أي: مثل هذا الفعل، وإذا كان
[ ١ / ١١٧ ]
التأويل على هذا صح الكسر، انتهى. وأراد بتقدير المثل، ليكون الفعل مستقبلًا، ولا يخفى أن غضبهم إنما هو منه لا من وقوع مثله، فالإشكال باق.
وقول المصنف: وقال الخليل إنما هو منه لا من وقوع مثله، فالإشكال باق.
وقول المصنف: وقال الخليل والمبرد: الصواب: أن أذنا، بفتح الهمزة،! أي: لأن أذنا. ما نسبه إلى المبرد صحيح كما تقدم عن الفارسي، فهو يوجب فتح إن في البيت، وبه يرد على ابن السيد في قوله: وأجاز أبو العباس فتح ان في هذا البيت، وجعلها أن المخففة وأضمر اسمها، كأنه قال: أنه أذنا قتيبة حزتا، انتهى. فإنه يوجب الفتح ولا يجيز الكسر.
وما نسبه إلى الخليل غير صحيح فإنه يوجب كسر إن، وما رد به على الخليل هو تعليل الخليل، لعدم جواز فتحها، كما يظهر لك من نقل سيبويه لكلامه، قال في باب من أبواب «أن» التي تكون والفعل بمنزلة مصدره ما نصه: وسألته رحمه الله تعالى عن معنى: أريد لأن تفعل؟ فقال: إنما تريد أن تقول: إرادتي لهذا، قال جل ثناؤه:؟ وأمرت لأن أكون أول المسلمين؟ [الزمر/١٢] إنما هو: أمرت لهذا. وسألت الخليل، رحمه الله تعالى، عن قول الفرزدق:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا البيت
فقال: إنه قبيح أن تفصل بين أن والفعل، كما قبح أن تفصل بين كي والفغل، فلما قبح ذلك ولم يجز، حملوه على إن، لأنه قد يقدم فيها الأسماء قبل الأفعال، انتهى كلام سيبويه، وأوضحه السيرافي فقال: وأما قوله: «أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا» فإن الخليل يختار: إن أذنا قتيبة، بكسر إن، ولم يخالفه سيبويه، لأن العرب لم تفصل بين أن المفتوحة الناصبة للفعل وبين الفعل، ولم يأت ذلك في كلام ولا شعر، فعدل عن المفتوحة إلى المكسورة.
[ ١ / ١١٨ ]
وقد أتى الفصل في المكسورة، قال تعالى: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ [التوبة/٦] وقد رده أبو العباس المبرد. وتوهم أبو بكر مبرمان أنه إذا كسر فلا يجوز أن يكون أذنا قتيبة محزوزتين، لأن «إن» توجب الاستقبال، وقد أحاط العلم أن الفرزدق قال هذا الشعر بعد قتل قتيبة وحز أذنيه. وليس الأمر على ما ظناه، وذلك أن العرب قد نعادل ** وتفاضل بين الفعلين الماضيين في الموافقة، فتستقبل الكلام بهما كقول الله تعالى: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم﴾ [الرعد /٥] وقول الشاعر:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن البيت
وقال الآخر:
إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب
والمخاطبان مقتولان، والقتل واقع بهما، وقد كسر إن، وقد قال الله ﷿: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله﴾ [البقرة /٩١] وقد علم أن قتلهم قد مضى قبل هذا الخطاب، وهذا ونحوه يحمل على فعل غير الظاهر، كأنهم افتخروا بقتله، فقال: إن يفخروا بقتلك فإن الأمر كذا وكذا، وقوله ﷿: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله﴾ وافقهم على جهة التوبيخ لهم، كما يقول القائل لمن يعنقه بما سلف من فعله فيقول: ويحك لم تكذب؟ لم تبغض نفسك إلى الناس؟ وبخهم بقتلهم الأنبياء والفعل لغيرهم، لأنهم تولوهم على ذلك ورضوا به، فنسب إليهم.
[ ١ / ١١٩ ]
وذهب أبو العباس إلى أن «أن أذنا قتيبة» بمعنى إن المشددة، ومعنى أتغضب، يعني: أتغضب قيس من قتل قتيبة بن مسلم، ولم تغضب لقتل عبد الله بن خازم السلمي! وهما جميعًا من قيس، وقاتلاهما من بني تميم، وإنما يريد الفرزدق بهذا علو بني تميم على قيس، والوضع من قيس في العجز على الانتصار وطلب الثأر، انتهى كلام السيرافي.
وقال أبو علي في «المسائل المنثورة»: يجوز أن يكون أراد: أتغضب إن حزتا، فتكون إن للشرط، ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، كأنه أراد: أتغضب إنه أذنا قتيبة، ولا يجوز أن تكون أن التي تنصب الفعل، لأنك قد حلت بينها وبين ما عملت فيه، انتهى.
وكونها مخففة من الثقيلة فيه نظر، فإن «إن» المكسورة المخففة مهملة لا يقدر لها ضمير شأن، ولو كانت مخففة اقتضى فتحها، لوقوعها بعد غضب.
وقول المصنف: وزعم الكوفيون أنها تكون بمعنى «إذ» قال إمامهم الفراء في تفسيره من سورة الزخرف عند قوله تعالى: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحًا أن كنتم﴾ [الزخرف/٥]: قرأ الأعمش بالكسر وقرأ عاصم والحسن بفتح إن، كأنهم أرادوا شيئا ماضيًا، وأنت تقول في الكلام: أأسبك أن حرمتني! تريد: إذ حرمتني، وتكسر إذا أردت: أأسبك إن تحرمني.
ومثله: ﴿لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم﴾ [المائدة/٢] تكسر إن وتفتح، والعرب تنشد قول الفرزدق:
أتجزع إن أذنا قتيبة حزتا
وأنشدوني:
أتجزع إن بان الخليط المودع وحبل الصفا من عزة المتقطع
[ ١ / ١٢٠ ]
وفي كل واحد من البيتين الكسر والفتح، انتهى كلامه.
وقال أبو علي في «الحجة»: إن قلت: كيف صح الجزاء منا والصد ماض؟ لأنه إنما هو ما كان من المشركين ومن صدهم المسلمين عن البيت في الحديبية، والجزاء إنما يكون بما لم يأت، فأما ما كان ماضيًا فلا يكون فيه الجزاء، فالقول فيه: إن الماضي قد يقع في الجزاء ليس على أن المراد بالماضي الجزاء، ولكن المراد ما كان مثل هذا الفعل، فيكون اللفظ على ما مضى، والمعنى على مثله، كأنه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل يقع منكم كذا، وعلى هذا حمل الخليل وسيبويه قول الفرزدق: أتغضب إن أذنا قتيبة .. البيت، وعلى ذلك قول الشاعر:
إذا ما انتسبنا لم تلدني البيت
فانتفاء الولادة أمر ماض، وقد جعله جزاء، والجزاء إنما يكون بالمستقبل، فكأن المعنى: إن ننتسب لا تجدني مولود لئيم، وجواب «إن» قد أغنى عنه ما تقدم من قوله: ﴿لا يجرمنكم﴾ المعنى: إن صدوكم عن المسجد الحرام فلا تكتسبوا عدوانًا.
وأما قول من فتح فبين، وهو أنه مفعول له، التقدير: ولا يجرمنكم شنآن قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، فأن الثانية في موضع نصب بأنه المفعول الثاني، والأول منصوب لأنه مفعول له، هذا آخر كلامه.
والبيت من قصيدة طويلة للفرزدق مدح بها سليمان بن عبد الملك وهجا جريرا وقبله:
[ ١ / ١٢١ ]
فإن تك قيس في قتيبة أغضبت فلا عطست إلا بأجدع راغم
وهل كان إلا باهليًا مجدعا طغى فسقيناه بكاس ابن خازم
لقد شهدت قيس فما كان نصرها قتيبة إلا عضها بالأباهم
فإن تقعدوا تقعد لئام أذلة وإن عدتم عدنا بأبيض صارم
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
فما منهم إلا بعثنا برأسه إلى الشام فوق الشاحجات الرواسم
وما أنت من قيس فتنبح دونها ولا من تميم في الرؤوس الأعاظم
قيس: أبو قبيلة، وهو قيس بن عيلان بن مضر، وباهلة: فخذ من قيس، ولجرير خؤولة في قيس، وقتيبة: هو ابن مسلم الباهلي، وأغضبت بالبناء للمفعول. وقوله: فلا عطست .. الخ، جملة دعائية وقعت جزاء للشرط، فلذا قرنت بالفاء، وأجدع، أي: أنف أجدع، أي مقطوع، والراغم: الذليل، وهو على النسبة، أي: ذي الرغام، وهو التراب، يقال: أرغم الله أنفه، أي: ألصقه بالتراب، وهو كناية عن الإذلال، وقوله: وهل كان إلا باهليًا، اسم كان ضمير قتيبة، ومجدعًا: يدعى عليه بالجدع، وهو قطع الأنف، وباهلة: قبيلة منحطة بين العرب، ولذا قيل:
وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهله
والأباهم: جمع إبهام، والأصل أباهيم حذفت ياؤه للضرورة، والعاجز عن الانتقام بعض إبهامه من غيظه.
وقوله: أتغضب إن أذنا .. الخ، فاعل تغضب ضمير قيس، وأنث الفعل لأنه أراد به القبيلة، والاستفهام للتعجب والتوبيخ، ويجوز أن يكون فاعله
[ ١ / ١٢٢ ]
أنث المستتر فيه، وهو خطاب مع جرير بدليل ما بعده، والحز: بالحاء المهملة والزاي المشددة: القطع، وحز الأذنين كناية عن القتل، لأن القتيل قد تقطع أذنه للتشويه، وجهارًا، أي: حزًا جهارًا، أو غضبًا جهارًا، وابن خازم: بالخاء والزاي المعجمتين، يريد أن قيسًا غضبت من أمر يسير ولم تغضب لأمر عظيم، وقد أنكر منها هذا على سبيل الاستهزاء، والشاحجات بتقديم المهملة على الجيم: البغال، والشحيج صوتها، يريد بغال البريد، والرسيم: نوع من السير.
وقتل قتيبة في خراسان سنة ست وتسعين من الهجرة، وسبب قتله أنه كان واليًا على خرسان من قبل عبد الملك وابنه الوليد بن المهلب، فخلع سليمان ودعا الناس إلى خلعه، فلم يجبه أحد، فغضب وسبهم طائفة طائفة وقبيلة قبيلة، فغضب الناس واجتمعوا على خلع قتيبة، وكان أول من تكلم في ذلك الأزد، فأتوا حصين بن المنذر فقالوا: إن هذا قد خلع الخليفة، وفيه فساد الدين والدنيا، وقد شتمنا فما ترى؟ فأشار أن يأتوا وكيع بن حسان الغداني ثم التميمي، وكان وكيع مقدمًا لرباسته على تميمو وكان قتيبة قد عزله فحقد عليه وكيع، فلما أتوه وسألوه أن يلي أمرهم فعل، فبلغ أمره قتيبة فأرسل إليه يدعوه، فلبس وكيع سلاحه ونادى في الناس، فأتوه فركب وخرج، واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواص أصحابه، فكبروا وهاجوا، فقتل عبد الرحمن أخو قتيبة، وجاء الناس حتى بلغوا فسطاط قتيبة فقطعوا أطنابه، وجرح قتيبة جراحات كثيرة، ثم نزل سعد وشق القسطاط، واحتز رأس قتيبة. وقتل معه من أهله وإخوته أحد عشر رجلًا، فأرسل وكيع رؤوسهم إلى سليمان.
وأما ابن خازم، فهو عبد الله بن خازم السلمي، كان أمير خراسان من قبل ابن الزبير، ولما قتل مصعب بن الزبير كان ابن خازم يقاتل يجير بن ورقاء التميمي بنيسابور، فكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة، ويطعمه خراسان سبع سنين،
[ ١ / ١٢٣ ]
فامتنع وأطعم كتابه لرسوله، وكتب عبد الملك إلى بكير بن وساج، وكان خليفة ابن خازم على مرو، وتعهده على خراسان ووعده ومناه، فخلع بكير ابن خازم ودعا إلى عبد الملك، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم فخاف أن يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور، فترك بجيرًا وأقبل إلى مرو، فاتبعه بجير فلحقه على قرية على ثمانية فرساخ من مرو، فقاتله ابن خازم، وكان الذي قتله وكيع بن عمرو القربعي، وأقبل بكير في أهل مرو، فوافاهم حين قتل ابن خازم، فبعث برأسه إلى عبد الملك، وكان ذلك في سنة اثنتين وسبعين من الهجرة.
وترجمة الفرزدق تقدمت في الشاهد الثاني.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثلاثون:
(٣٠) إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ولم تجدي من أن تقري به بدًا
أورده صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿كلا سنكتب ما يقول﴾ من سورة مريم ﴿آية /٧٩]، قال: فإن قلت: كيف قيل: سنكتب بين التسويف، وهو كما قاله: كتب، من غير تأخير، قال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق/١٨] قلت: فيه وجهان، أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله، على طريقة قوله: «إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة» أي: تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة. انتهى. وكذا قال القاضي، وسبقهما الفراء، قال في تفسيره من سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ [الآية / ٩٠] يقول القائل: إنما تقتلون
[ ١ / ١٢٤ ]
للمستقبل، فكيف قال: من قبل؟ ونحن لا نجيز في الكلام: أنا أضربك أمس، وذلك جائز إذا أردت بتفعلون الماضي، ألا ترى أنك تعنف الرجل بما سلف من فعله، فتقول: ويحك لم تكذب؟ لم تبغض نفسك إلى الناس؟ ! ومثله قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشيطان على ملك سليمان﴾ [البقرة/١٠٢] ولم يقل: ما نلت [الشياطين] وذلك عربي كثير في الكلام، أنشدني بعض العرب:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ولم تجدي من أن تقري بها بدا
فالجزاء للمستقبل، والولادة [كلها] قد مضت، وذلك أن المعنى معروف ومثله في الكلام: إذا نظرت في سيرة عمر لم يسئ، المعنى: لم تجده أساء، فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه، لم يقع في الوهم أنه مستقبل، فلذلك صلحت (من قبل) مع قوله: (فلم تقتلون) وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة، إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا، فتولوهم على ذلك ورضوا به، فنسب القتل إليهم. انتهى كلامه، ونقلنا كلامه برمته تبركًا به.
والبيت ثاني بيتين لزائد بن صعصعة الفقعسي، وكانت له امرأة طمحت عليه وأمها سرية، وأولهما:
رمتني عن قوس العدو وباعدت عبيدة زاد الله ما بيننا بعدا
قوله: رمتني عن قوس العدو، يريد: قذفتني بما يحبه أعدائي، وهو كناية عن قول السوء، وعبيدة بالتصغير: زوجته وكانت تبغضه، والطامخ من النساء: التي تبغض زوجها وتنظر إلى غيره، وما: مفعول أول لزاد، عبارة عن البعد الحاصل من مباعدتها، وبعدًا: المفعول الثاني.
[ ١ / ١٢٥ ]
وقوله: إذا ما انتسبنا، الانتساب: رفع النسب، واللؤم: دناءة الأصل، يقول: إذا انتسبنا معًا تبين لك أني كريم من نسل كريم، أطلق الفعل، وأريد به ظهوره والعلم به اللازم له، إما مجازًا أو كناية، فإن لم تلدني: جواب إذا، وهو مستقبل، وعدم الولادة ماض لوقوعه قبل انتسابه، أي: إذا انتسبنا علمت يا فلانة وتبينت أني لست بابن لئيمة، وإنما خص الأم لأنه إذا كان كريم الأم فمن باب أولى أن يكون كريم الأب، لأن العرب لا يزوجون من دونهم، وقد يتزوجون من دونهم، أو خصها لمكان التعريض بلوم المخاطبة، والبد: الفراق والخلاص، ومن متعلقة به، والضمير في به راجع إلى القول المتقدم، أي: لم تجدي خلاصًا من إقرارك بما قلته من أني لم تلدني بئيمة، وفي قوله: إذا ما انتسبنا، التفات من الغيبة إلى التكلم، وفي قوله: ولم نجدي، التفات من التكلم إلى الخطاب.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الواحد والثلاثون:
(٣١) إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارًا عليك ورب قتل عار
هو من قصيدة لثابت قطنة، رثى بها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، أورد منها أربعة أبيات الشريف الحسيني في «حماسته» وبعده:
شهدتك من يمن عصائب ضيعت ونأى الذين بهم يصاب الثار
ولقد بسطت لهم يمينك بالندى مثل الفرات تمده الأنهار
حتى إذا شرق القنا وجعلتهم تحت الأسنة أسلموك وطاروا
[ ١ / ١٢٦ ]
شرق القنا، أي: أحمرت الرماح بالدم، وأسلموك: خذلوك، وذلك أن يزيد بن المهلب خلع يزيد بن عبد الملك، ورام الخلافة لنفسه في البصرة، فتجهز يزيد بن عبد الملك لقتاله أخاه مسلمة بن عبد الملك، وخرج يزيد بن المهلب واستخلف على البصرة ولده معاوية بن زيد وسار حتى نزل العقر، وهي عقر بابل عند الكوفة بالقرب من كربلاء، ثم أقبل مسلمة حتى نزل على يزيد بن المهلب، فاصطفوا فشد أهل البصرة على أهل الشام فكشفوهم، ثم إن أهل الشام كثروا عليهم وكشفوهم، وما زال الحرب بينهم ثمانية أيام حتى كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من صفر الخير، سنة اثنتين ومائة، وشرع أصحاب ابن المهلب يتسللون من حوله، وبقيت معه جماعة، فقاتل حتى قتل هو وأخوه محمد بن المهلب وجماعة من أهل بيته.
وثابت فطنة: هو ثابت بن كعب، وقيل: ابن عبد الرحمن بن كعب أخو بني أسد بن الحارث بن العتيك، وقيل: بل هو مولى لهم، ولقب قطنة، لأنها سهمًا أصاب إحدى عينيه، فذهب بها في بعض حروب الترك، فكان يحشوها قطنة. وهو شاعر فارس شجاع، من شعراء الدولة الأموية، وكان من أصحاب يزيد من المهلب، وكان يوليه أعمالًا من أعمال الثغور، فيحمد فيها مكانه، لكفايته وشجاعته، وقد بسطنا الكلام على هذا المحل في الشاهد الثامن والتسعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وقال السيوطي: ثم رأيت في «شرح التسهيل» لأبي حيان ما نصه: أنشد المبرد لأبي حدرة الخارجي يرثي زيد بن علي:
[ ١ / ١٢٧ ]
يا با حسين لو رأيت عصابةً شهدوا كأن ورودهم إصدار
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارًا عليك ورب قتلٍ عار
يا با حسين والحياة لذيذة أولاد درزة أسلموك وطاروا
قال الرباشي: أولاد درزة: خياطون كانوا مع زيد رحمه الله تعالى، هذا آخر ما نقله السيوطي. والأبيات كما ترى مختلة، وقد رجعت في بحث رب من «شرح التسهيل» لأبي حيان فلم أجد ما نقله، ولعله مذكور في موضع آخر منه، والله تعالى أعلم.
وأنشد في «أن» المفتوحة الساكنة النون:
لا يقرأن بالسور
هو قطعة من بيت يأتي في الباء الموحدة وهو:
تلك الحرائر لاربات أحمرةٍ سود المحاجر لا يقرأن بالسور
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني والثلاثون:
(٣٢) إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب
هو لامرئ القيس، وقبله:
خرجنا نريغ الوحش بين ثعالة وبين رحيات إلى فج أخرب
أنشدهما ياقوت الحموي في مادة «أخرب» من «معجم البلدان» وقال: أخرب بفتح الراء، ويروى بضمها فيكون أيضًا جمعًا للخرب، وهو موضع في أرض بني عامر بن صعصعة، وفيه كانت وقعة بني نهد ببني عامر، وأنشد البيتين، ثم قال: ثعالة بضم المثلثة على وزن اسم الثعلب: موضع في شعر امرئ
[ ١ / ١٢٨ ]
القيس، وأنشد البيت ثم قال: رحيات بضم الراء وفتح الحاء المهملتين وتشديد المثناة التحتية: هو موضع في قول امرئ القيس: خرجنا نريغ الوحش .. البيت.
ونريغ بالغين المعجمة: مضارع أرغت الوحش إراغة، أي: طلبته وأردته، والفج: الطريق الواضح، وغدونا: ذهبنا غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، والولدان بالكسر: جمع وليد، وهو الصبي، ونحطب: جزم في جواب الأمر، وهو: تعالوا، وكسر للقافية.
والشاهد: جزم يأتنا بأن المفتوحة، وأصله يأتينا، فسقطت الياء للجزم.
وقال أبو علي الفارسي في «المسائل البصرية»: أنشد الفراء هذا البيت:
إذا ما خرجنا قال ولدان أهلنا تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب
وأنشده أبو بكر عن الأصمعي أحسب:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
وإنشاد الفراء خطأ فاحش، لأنه جزم بأن، انتهى. وكذا نقل عن الفارسي ابن السيد في «شرح أبيات المعاني» وقال السيوطي: هذا البيت من قصيدة لامرئ القيس، وأولها:
خليلي مرا بي على أم جندب لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
ثم ذكر منها أبياتًا، ولم يضم إلى البيت الشاهد ما قبله أو ما بعده، بل لم يورده في الأبيات التي أوردها، ثم شرح الأبيات التي أوردها، وقد رجعت إلى هذه القصيدة في عدة كتب، منها «مختار شعر الشعراء الفحول الست» فلم أره فيها، والله أعلم. وقد تبعه من الشراح ابن الملا الحلبي وابن وحيي الرومي.
[ ١ / ١٢٩ ]
ومعنى البيت أنهم وثقوا بصيد هذا الفرس، فهم يهيئون لمجيء صيده الحطب، قال ابن رشيق في باب السرقات من «العمدة» نقله ابن مقبل إلى القدح، أي: السهم، فقال:
إذا امتنحته من معدٍ عصابة غدا ربه قبل الإفاضة يقدح
ونقله ابن المعتز إلى البازي، فقال:
قد وثق القوم له بما طلب فهو إذا عري لصيد واضطرب
عروا سكاكينهم من القرب
ونقلته أنا إلى قوس البندق فقلت:
طير أبابيل جاءتنا فما برحت إلا وأقواسنا الطير الأبابيل
يرمينها بحصى طين مسومةٍ كأن معدنها للرمي سجيل
نغدو على ثقةٍ منا بأطيبها والنار تقدح والطنجير مغسول
وقول المصنف: عن بعض بني صباح من ضبة، صباح: بضم الصاد، وخفة الموحدة، هذا هو الموجود في كتب اللغة وأنساب العرب، وأما صباح، بفتح الصاد وتشديد الموحدة، فليس بموجود في أسماء البطون والقبائل، ولم يصب الدماميني في تشديد الموحدة، وقد تبعه سائر الشراح. وصباح: بطن من ضبة، وفيهم شرف وعدد، وهوصباح بن ظريف بن زيد بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضبة، وضبة: هو أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن معد بن عدنان، كذا في «جمهرة الأنساب» لابن الكلبي، قال ابن السكيت في «شرح ديوان أوس بن حجر» عند قوله:
[ ١ / ١٣٠ ]
فلاقى عليه من صباح مدمرًا لناموسه من الصفيح سقائف
صباح: بطن من ضبة، وصباح بن عبد القيس، وصباح من عنزة، ومدمرًا:
مهلكًا. وناموسه: موضعه الذي يكون فيه، والصفيح: كل حجر رقيق مصفح فهو صفيح، والسقائف: جمع سقيفة. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والثلاثون:
(٣٣) أحاذر أن تعلم بها فتردها فتتركها ثقلًا على كماهيا
قال أبو حيان في «شرح التسهيل» عند قول المصنف: ولا يجزم بها، أي: بأن، خلافًا لبعض الكوفيين ما نصه: قال الرؤاسي: فصحاء العرب ينصبون بأن وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها، قال ابن المصنف: ومستند الرؤاسي في ذلك ما جاء في الشعر من قوله:
أحاذر أن تعلم بها فتردها فتتركها ثقلًا علي كماهيا
قال: ولا حجة فيه، لجواز كونه سكون وقف للضرورة، لا سكون إعراب. انتهى. وما ذكره من أنه لا حجة في الاستدلال بهذا البيت صحيح، للاحتمال الذي ذكره، لكنه يبعد أن يكون مستند الرؤاسي في ذلك هذا البيت، لأنه قال: ودونهم قوم يجزمون بها، فهذه حكاية لغة قوم، لا استنباط من بيت شعر.
وقد حكى الجزم بها أيضًا اللحيانى، وذكر أن الجزم بها لغة بني صباح، وحكى الجزم بها أيضًا أبو عبيدة، وقد أنشدوا شاهدًا على الجزم قول الشاعر:
[ ١ / ١٣١ ]
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا البيت
وقال آخر:
وإن بنات الدارعين وأن ترع حذارا لتلك العين أهنا وأجمل
وإذا كان قد حكى الجزم بها الكوفيون، ومن البصريين اللحياني وأبو عبيدة، كان الأصح جواز ذلك، لكنه قليل، انتهى كلام أبي حيان.
قال ابن النديم في كتاب «الفهرست»: اسم الرؤاسي: محمد بن أبي سارة، ويكنى أبا جعفر، وسمي الرؤاسي لكبر رأسه، وكان ينزل النيل فسمي النيلي، وهو أول من وضع من الكوفيين كتابًا في النحو، وهو أستاذ الكسائي والفراء، وقال الرؤاسي: بعث إلي الخليل يطلب كتابي، فبعثته إليه فقرأه ووضع كتابه، وحيث قال سيبويه: قال الكوفي: يعني به الرؤاسي، وله من الكتب كتاب «الفيصل، كتاب التصغير، كتاب معاني القرآن، كتاب الوقف والابتداء الصغير والكبير» انتهى.
واللحياني بالكسر: نسبة إلى لحيان من بني هذيل، أخذ عن الكسائي، وأخذ عنه القاسم بن سلام، وله «النوادر» المشهورة، واسمه علي بن المبارك، كذا قال السيوطي.
والبيت من قصيدة لجميل العذري، هي في أوائل ديوانه، لكنه برواية لا شاهد فيه، قال جامع ديوانه محمد بن السائب الكلبي عن اليزيدي: لما زوجت بثنية تنبيهًا أسف جميل، وجزع جزعًا شديدًا، فقطع زيارة بثينة وطالت المدة، ثم قال لابني عمه وكانا له صفيين: قد طال هجري لبثينة وتجلدي، وإن ذلك لقاض علي ودافعي منها على ما أرى إلى ما يسخن عيني فيها، فقالا: فأبق على
[ ١ / ١٣٢ ]
نفسك إن كنت لا تطيق الساو عنها، واصبر على بعض ما تكره، وألمم بها إلمامة، فلعلك تستريح إليها، فأجمع على ذلك ومضى معهما فلقي جارية لها حبشية، فلم يكلمها، ولا أعلمها أنه قصد بثينة، ولكنه جلس مع ابني عمه مستظلًا بشجرة، ومطاياهم معقولة كأنهم يريدون أن يريجوا، فبادرت الأمة إلى بثينة فأخبرتها، فجاءت وأم الحسين وليلى وأم منظور، فلما رأينه سلمن عليه وعلى صاحبيه، وجلسن إليه، فقالت له أم منظور: أين كنت بعدنا، وأين كانت غيبتك؟ فقد طال شوقنا إليك! فقال: اغتربت عنكن في أهلي، وافترقنا، فرأيت التباعد مع ما حدث أجمل! فبكت بثينة وقالت: ما تباعدنا عنك، وما زادتنا الليالي إلا شوقًا إليك وتجديدًا لمودتك، وتحدثا بقية يومهما وليلتهما وتشاكيا، فقال جميل في ذلك:
ألا طال كتماني بثينة حاجةً من الحاج ما تدري بثينة ماهيا
أخاف إذا أنبأتها أن تضيعها فتتركها ثقلًا علي كما هيا
أغرك أني لا بخيل عليكم ولا مفحش فيما لديك التقاضيا
أعد الليالي ليلة بعد ليلةٍ وقعد عشت دهرًا لا أعد اللياليا
ذكرتك بالديرين يومًا فأشرقت بنات الهوى حتى بلغن التراقيا
إذا اكتحلت عيني بعينك لم أزل بخير وجلت غمرةً عن فؤاديا
فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي وإن شئت بعد الله أنعمت باليا
إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤها دواء حبيبٍ كنت أنت المداويا
[ ١ / ١٣٣ ]
وأنت التي ما من صديق ولا أخ يرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا
وإني لتثنيني الحفيظة كلما لقيتك يومًا أن أبثك ما بيا
وإني لأستحييك أن أذكر الصبا إليك فأنسى القلب ما ليس ناسيا
وبقي منها بيان.
وجميل: هو ابن عبد الله بن معمر، وقيل: معمر بن عبد الله العذري الحجازي الشاعر، صاحب بثينة العذرية، ذكره الجمحي في الطبقة السادسة من الإسلاميين، وحدث عن أنس بن مالك، قال الخطابي: وليس له إلا حديث واحد، وهو: «إن من الشعر حكمة» ومات بمصر في سنة اثنين وثمانين، ودخل عليه العباس بن سهل الساعدي وهو يجود بنفسه، فقال له جميل: ما تقول في رجل لم يقتل نفسًا ولم يزن قط، ولم يشرب خمرًا قط، أترجو له الجنة؟ قال العباس: إي والله! فمن هو؟ قال جميل: إني أرجو أن أكون ذلك الرجل، قال العباس: فقلت: سبحان الله، وأنت تتبع بثينة منذ ثلاثين سنة؟ فقال: يا عباس إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط، فما بوحنا حتى مات.
وبثينة صاحبته بنت الأسود، وقيل: بنت مالك، ولما بلغها وفاته جزعت وصاحت وأغمي عليها ساعة، ثم أفاقت وقالت ترثيه:
وإن سلوي عن جميل لساعة من الدهر لا حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر إذا مت بأساء الحياة ولينها
ولم ير أكثر باكيًا وباكية من يومئذ.
[ ١ / ١٣٤ ]
قال المبرد: دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان، فأحد النظر إليها ثم قال: يا بثينة! ما رأى فيك جميل حتى قال فيك ما قال!؟ قالت: وما رأى الناس منك حتى ولوك الخلافة؟ فضحك، وقضى حاجتها.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع والثلاثون:
(٣٤) أن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام وأن لا تشعرا أحدا
على أن «أن» فيه، أن الناصبة للمضارع، أهملت حملًا على أختها «ما» عند البصريين، خلافًا للكوفيين في زعمهم أنها المخففة من الثقيلة. أقول: هكذا اشتهروا، والصواب العكس، فإن القول بأنها هي المخففة قول البصريين، والقول بأنها الناصبة الخفيفة وقد أهملت، قول الكوفيين، قال ابن جني في «الخصائص»: سألت أبا علي، رحمه الله تعالى، عنه فقال: هي مخففة من الثقيلة، كأنه قال: أنكما تقرآن، إلا أنه خفف من غير تعويض. وحدثنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى، قال: شبه أن بما فلم يعملها كما لا يعمل ما. انتهى.
وأحمد بن يحيى هو ثعلب أحد أئمة الكوفيين، والمحدث هو ابن السراج شيخ أبي علي الفارسي، وزاد في «سر الصناعة»: وهذا مذهب البغداديين، وفي هذا بعد، وذلك أن أن لا تقع إذا وصلت حالًا أبدًا، إنما هي للمضي أو للاستقبال، نحو: سرني أن قام، ويسرني أن تقوم غدًا، ولا تقول: يسرني أن يقوم، وهو في حال القيام، وما إذا وصلت بالفعل وكانت مصدرًا فهي للحال أبدًا، نحو قولك: ما تقوم حسن، أي: قيامك الذي أنت عليه حسن، فيبعد تشبيه
[ ١ / ١٣٥ ]
واحدة منهما بالأخرى، وكل واحدة منهما لا تقع موقع صاحبتها، قال أبو علي: وأولي، أن المخففة من الثقيلة، الفعل بلا عوض ضرورة، وهذا على كل حال، وإن كان فيه بعض الضعف، أسهل مما ارتكبه الكوفيون. انتهى. وكذلك قال في «شرح تصريف المازني» قال: سألت أبا علي عن ثبات النون في تقرآن بعد «أن» فقال: «أن» مخففة من الثقيلة، وأولاها الفعل بلا فصل للضرورة، فهذا أيضًا من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعًا، إلا أن الاستعمال إذا ورد بشيء أخذ به وترك القياس، لأن السماع يبطل القياس. قال أبو علي: لأن الغرض فيما ندونه من هذه الدواوين، ونقننه من هذه القوانين إنما هو ليلحق من ليس من أهل اللغة بأهلها، ويستوي من ليس بفصيح ومن هو فصيح، فإذا ورد السماع بشيء لم يبق غرض مطلوب، وعدل عن القياس إلى السماع. انتهى.
وقال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: ومنه مباشرة الفعل المضارع لأن المخففة من الثقيلة، وحذف الفصل نحو قول الشاعر، أنشده الفراء عن القاسم ابن معن قاضي الكوفة:
إني زعيم يا نويـ ـقة إن سلمت من الرزاح
أن تهبطين بلاد قو م يرتعون من الطلاح
[ ١ / ١٣٦ ]
وقول الآخر:
أن تقرآن على أسماء ويحكما البيت
وقول الآخر:
إذا كان أمر الناس عند عجوزهم فلابد أن يلقون كل يباب
وقول ابن الدمينة:
ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبدا ليست بذات قروح
أبى الناس ويح الناس أن يشترونها ومن يشتري ذا علةٍ بصحيح
وقول الآخر:
وإني لأختار القرى طاوي الحشى محاذوة من أن يقال لئيم
قال أبو بكر ابن الأنباري: رواه الكسائي والفراء عن بعض العرب برفع يقال، ولا يحسن شيء من ذلك في سعة الكلام حتى يفصل بين أن والفعل بالسين أو بسوف، أو قد في الإيجاب وبلا في النفي، فإن جاء شيء منه في الكلام حفظ ولم يقس عليه، نحو قراءة ابن مجاهد: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة/٢٣٣]. برفع يتم. ومن النحويين من زعم أن أن في جميع ذلك هي الناصبة للفعل، إلا أنها أهملت حملًا على ما المصدرية، فلم تعمل لمشابهتها لها في أنهار تقدر مع ما بعدها بالمصدر، وما ذكرته قبل من أنها مخففة أولى، وهو مذهب الفارسي وابن جني، لأنها هي التي استقر في كلامهم ارتفاع الفعل المضارع بعدها. انتهى.
وقال ابن يعيش في «شرح المفصل» عند قوله: وبعض العرب يرفع الفعل
[ ١ / ١٣٧ ]
بعد أن، ما نصه: هذا رأي البغداديين، ولا يراه البصريون، وصحة محمل البيت عندهم على أنها المخففة من الثقيلة، أي: أنكما تقرآن [وأن وما بعدها: في موضع البدل من قوله حاجه، لأن حاجته قراءة السلام عليها]، وقد استبعدوا تشبيه أن بما، لأن ما مصدر معناه الحال، وأن وما بعدها مصدر إما ماض وإما مستقبل على حسب الفعل الواقع بعدها، فلذلك لا يصح إحداهما بمعنى الأخرى، انتهى. وقبل البيت بيتان وهما:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما وحيثما كنتما لاقيتما رشدا
أن تحملا حاجة لي خف محملها وتصنعا نعمة عندي بها ويدا
وقوله: أن تحملا: مفعول، فعله محذوف تقديره: أسألكما أن تحملا، وأن تقرأن: في موضع البدل من حاجة، وقد بسطنا الكلام هنا بأكثر مما ذكرنا في شرح الشاهد الثاني والأربعين بعد الستمائة من شواهد الرضي.
وهذه الأبيات مع شهرتها لم يعرف قائلها، والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس والثلاثون:
(٣٥) ولا تدفنني في الفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
على أن أن مخففة، لوقوعها بعد الخوف بمعنى العلم، واسمها ضمير الشأن المحذوف، وجملة لا أذوقها في محل خبرها، وقوله: ليس من ذلك كما زعم بعضهم ..
[ ١ / ١٣٨ ]
الخ، أي: ليس من أن الناصبة للمضارع، وأشار بهذا للرد على المبرد، فإنه قال في «المقتضب»: وزعم سيبوية أنه يجوز: خفت أن لا تقوم يا فتى، إذا خاف شيئًا كالمستقر، وهذا بعيد، قال ابن الشجري في «أماليه»: أقول: إن استبعاد أبي العباس لما أجازه سيبويه من إيقاع المخففة بعد الخوف على المعنى الذي عناه سيبويه استبعاد غير واقع موقعه، لأن الشعر القديم قد ورد بما أنكره أبو العباس، وذلك قول أبي محجن الثقفي:
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف في الشعر وفي القرآن، ومجيء الثقيلة أشد، فالشعر قوله:
وما خفت يا سلام أنك قاطعي
والقرآن قوله تعالى: ﴿ولا تخافون أنكم أشركتم بالله﴾ [الأنعام/٨١] انتهى كلامه، وقبله:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ تروي عظامي بعد موتي عروقها
وأصل الخوف الفزع وانقياض النفس عن احتمال ضرر، وإذا اشتد الخوف التحق باليقين كما قاله الرضي، وقال ابن خطيب الدهشة في «التقريب في علم الغريب»: يقال: خاف الشيء: علمه وتيقنه: انتهى. وذلك أن الإنسان لا يخاف شيئًا حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من التعبير بالمسبب عن السبب،
[ ١ / ١٣٩ ]
وليس إطلاقه عليه لأنه من لوازم اليقين كما قال الشمني، فكم من يقين لا خوف معه، قال المصنف: الخوف في هذا البيت يقين، إنما حمل الخوف هنا على اليقين، لأن الظاهر الذي لا ريب فيه، أنه لا يذوقها بعد الموت، ولهذه الحسرة أمر وصيه أن يدفنه إلى جنب كرمة، كما في المثل المشهور «من حسرة العنب يتوسد جدار الحديقة» وقال الدماميني: قد يقال: لا يلزم من تعقل العقلاء أنه لا يذوقها بعد الموت، حمل الخوف على اليقين عند هذا الشاعر، لأن استهتاره بشربها ومغالاته في محبتها أمر مشهور، فلعل ذلك حمله على أنه خاف ولم يقطع يما تيقنه غيره، ولذلك أمر بدفنه إلى جنب الكرمة رجاء أن ينال منها بعد الموت، ومن ثم قيل: إن هذا أحمق بيت قالته العرب. انتهى كلامه.
قال الحلبي: هذا مبني كما قال شيخنا على أنه كان إذ داك مترددًا بين ذوقها بعد الموت، بتقدير دفنه إلى جنب الكرمة، أو: لا، بتقدير دفنه في الفلاة، فلا علم ولا ظن، قال: وهذا احتمال، لأن التعليل بقوله: «فإنني أخاف أن ..» كان لمجموع الأمر والنهي، على معنى: فإنني أخاف الآن أن لا أذوقها غدًا، فلا علم ولا ظن، فهي الناصبة أهملت، ففي «شرح الكافية» للحديثي أن الخفيفة بعد فعل الخوف والرجاء ناصبة، لأنه يحتمل أن يقع وأن لا يقع، وبعد الظن يحتملها والمخففة، نظرًا إلى الرجحان وعدمه، أو على معنى: فإنني أخاف الآن – بتقدير: أن لا تدفنني إلى جنبها، بل في الفلاة – أن لا أذوقها إذا ما مت، أو: فإنني أخاف إذا ما مت بهذا التقدير أن لا أذوقها، فالخوف هنا علم ويقين فهي المخففة، وكذا إن جعل تعليلًا للنهي وحده، لأن الذي قارنه في هذا البيت على معنى: فإنني أخاف الآن أو إذا ما مت، بتقدير أن تدفنني في الفلاة لا إلى جنبها أن لا أذوقها. انتهى.
[ ١ / ١٤٠ ]
وههنا بحث، وهو أن الشاعر وإن كان من المغرمين المنهمكين بها، لكنه من ذوي العقول الكاملة، فكيف يظن به أنه غير قاطع بما يتيقنه غيره من عدم الذوق بعد الموت! بل هو أمر مركوز في الأذهان، غني عن البيان، وإنما جرى في كلامه هذا على مذهب الشعراء في تخيلاتهم، ورام سلوك جادة تمويهاتهم، فإنهم سحرة الكلام، ومخترعوا صور الإبهام، فأمر أولًا بدفنه بعد الموت بجانب كرمة، وأبدى عذره في ذلك بوصفها بقوله: تروي عظامي بعد موتي عروقها، ليستفاد من ذلك علة الأمر بالدفن المذكور، إشارة إلى أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وإذا تعذرت التروية الحقيقية، فلا أقل من حصول التروية المجازية، ثم نهى ثانيًا تأكيدًا للأمر الأول عن دفنه لا بجانب كرمة، وعلل ذلك بأنه يتيقن أنه لا يذوقها إذا مات، فلا يتروى بها حقيقة، فدفنه لا إلى جانبها أيضًا مفوت للتروية المجازية، ولمزيد شغفه بها آثر التعبير عن هذا اليقين بالخوف إبهامًا، لأنه مع ذلك لا يقطع بعدم الذوق، وجعل رفع الفعل بعد أن معه دليلًا على ما قصده معنى، وإنما قلنا: إن تروية العظام مجازية، لأن الري حقيقة لذوات الأكباد عن عطش، وليست العظام منها، على أنه لا عطش بعد الموت، أو لما له قوة نامية، ومنه قولهم: روي النبات من الماء، والعظام جماد، انتهى كلامه، ومن خطه نقلت. وروى البيت ابن السكيت كذا:
ولا تدفنني في الفلاة فإنني يقينًا إذا ما مت لست أذوقها
والبيتان مطلعا قصيدة لأبي محجن الثقفي رواها ابن الأعرابي وابن السكيت في ديوانه، وبعدهما:
أبا كرها عند الشروق وتارةً يعاجلني عند المساء غبوقها
[ ١ / ١٤١ ]
وللكأس والصهباء حق معظم فمن حقها أن لا تضاع حقوقها
وعندي على شرب المدام حفيظة إذا ما نساء الحي ضاقت حلوقها
وأعجلن عن شد المآزر ولها مفجعة الأصوات قد جف ريقها
وأمنع جار البيت مما ينوبه وأكرم أضيافًا قراها طروقها
قال ابن السكيت: قوله: إذا مت فادفني، هذا خطاب مع ابنه يأمره بذلك، وفيه مبالغة على حبه للخمر وتعطشه إليه، إذ أظهر الرغبة إليها وهو ميت، وقوله: ولا تدفنني في الفلاة .. الخ، قال ابن السكيت: الفلاة: الأرض المهلكة التي لا علم بها ولا ماء، والمعنى: أن الفلاة لا يعرش فيها كرم، فلا تدفنني إلا بمكان ينبت فيه العنب، حتى أكون قريبًا منه فألتذ بذلك.
وقوله: أبا كرها عند الشروق، قال ابن السكيت، أي: إنني أصبحها عند شروق الشمس، ومرة أشربها عشاء، إلا أنني أقدم شربها على العشي فيعاجلني الغبوق، والصبوح: شرب الغدو، والغبوق: شرب آخر النهار، وأبا كرها: أبادر إليها في بكرة النهار.
وقوله: وللكأس والصهباء، قال ابن السكيت: حقها، كونها تسر القلب، وتذهب الهم، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، إلى غير ذلك من فعلها، وهذا حق لها، وإذا كان هذا دأبها، فمن حقها أن تعظم ولا تضيع حقوقها. انتهى.
وقال ابن الملا الحلبي: فإن قلت: حق الكلام أن يقول: ومن حقهما أن لا تضاع حقوقهما، لا دعائه أن الحق المعظم للكأس والصهباء، قلت: نعم، إلا أنه ذهب إلى أنهما وإن كانا شيئين فهما بمثابة الشيء الواحد، واستملح ذلك من قول القائل:
رق الزجاج وراقت الخمر وتشاكلا فتشابه الأمر
[ ١ / ١٤٢ ]
فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر
انتهى. وفيه: أن هذين البيتين لأبي إسحق إبراهيم الصابي، وهو متأخر عن أبي محجن بأكثر من ثلاثمائة سنة، وكان ينبغي أن يعكس.
وقوله: وعندي على شرب .. الخ، قال ابن السكيت: الحفيظة: كل شيء يغضب لأجله، يعني: وإن كنت سكران، لا أهمل الحفاظ إذا استغاثت بي نساء الحي، وصحن لنازلة نزلت بهن. وقوله: وأعجلن عن شد .. الخ، قال ابن السكيت: أي دهمن من البلاء من أعجلهن عن شد المآزر في أوساطهن وولها: مفعول من أجله، أي: للوله الذي نزل بهن، والواله: الذاهب العقل، والمفجعة: التي نزل بها ما أخافها وأفزعها، وجف ريقها، أي: يبس. انتهى.
والصواب أن ولهًا حال، لا مفعول من أجله.
وقوله: أمنع جار البيت .. الخ، قال ابن السكيت: قراها: أطعمها، يقول: إذا طرقتنا الضيفان ليلًا أعجلنا لها القرى، فكأن طروقها هو الذي قراها. انتهى.
وأبو محجن: شاعر صحابي أسلم حين أسلمت ثقيف، قال الذهبي في «التجريد»: أبو محجن الثقفي: عمر بن حبيب، وقيل: مالك بن حبيب، وقيل: عبد الله، كان فارسًا شاعرًا من الأبطال، لكن جلده عمر رضي الله تعالى عنه في الخمر مرات، ونفاه إلى جزيرة في البحر، فهرب ولحق بسعد وهو يحارب الفرس، فحبسه، وله أخبار وروى عنه أبو سعد البقال. انتهى. ورواية أبي سعد
[ ١ / ١٤٣ ]
البقال عن أبي محجن بتدليس، لأنه لم يدرك عصره، وقد ذكروه في الضعفاء، وقيل: إن اسمه أبو محجن، وهي كنيته أيضًا، وهو بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وتفح الجيم، والسيوطي هنا أثبت له رواية فقط ولم يذكر أن له سماعًا، ونفاها أيضًا الذهبي في «تاريخ الإسلام» وأثبتها له ابن عبد البر في «الاستيعاب» ثم إن الله تعالى وفقه لأن تاب عنها توبة نصوحًا، فلم يعد إليها رضي الله تعالى عنه، وقد استوعينا ترجمته في الشاهد الأربعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس والثلاثون:
(٣٦) زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول سلامةٍ يا مربع
على أن «أن» فيه مخففة من الثقيلة، قال ابن الشجري في «أماليه» في الفرق بين «أن» فيه مخففة من الثقيلة، قال ابن الشجري في «أماليه» في الفرق بين «أن» الخفيفة و«أن» المخففة: إن كل واحدة منهما مختصة بنوع من الفعل، ولهما اشتراك في نوع منه، فالمخففة من الثقيلة تقع بعد الأفعال الثابتة المستقرة في النفوس، نحو: أيقنت وعلمت، ورأيت في معنى علمت، فحكمها في ذلك حكم الثقيلة، وقد عرفت أن الثقيلة موضوعة للتوكيد، فهي ملائمة في المعنى لما ثبت واستقر من الأفعال، لأن التوكيد لا يقع بما لا يثبت في النفوس.
والناصبة للفعل ليست من التوكيد في شيء، وهي مع ذلك تصرف الفعل إلى الاستقبال الذي لا ينحصر وقته، فهي بهذا ملائمة للفعل الذي ليس بثابت، نحو الطمع والرجاء [والخوف] والتمني والإشفاق والاشتهاء.
[ ١ / ١٤٤ ]
وأما ما اشتركا فيه من الفعل، فالظن والحسبان والزعم والخيلان، فهذا النحو لا يمتنع وقوع كل واحدة منهما بعده، وإنما حسن هذا لأنه شيء استقر في ظنك كما استقر في علمك، وعلى والوجهين قرأ القراء: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ [المائدة /٧١] فرفع تكون أبو عمرو وحمزة والكسائي، وفتحها ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر. ومثل ذلك قولك فيما استقر في زعمك: زعمت أن ستنطلق، قال:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا البيت
وتقول فيما ليس بثابت عندك: أزعم أن تخرج يا فتى. انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لجرير عدتها واحد ومائة وعشرون بيتًا، هجا بها الفرزدق، مذكورة في «النقائض» وفي «منتهى الطلب من أشعار العرب».
قال الدماميني في «المزج» استعمل الزعم هنا في القول الباطل، أي: دعواه أنه سيقتل مربعًا دعوى كاذبة لا يمكنه الوفاء بتحقيقها، انتهى.
ومربع – بكسر الميم – رواية شعر جرير، كان توعده الفرزدق ونذر دمه، وفي «مختصر جمهرة الأنساب»: وهو مربع بن وعوعة بن سعية بن قرط بن عبيد ابن كلاب، قال صاحب كتاب «النقائض»: كان سبب قوله: زعم الفرزدق .. البيت، أن غضوب أخت بني ربيعة كانت ناكحًا في بني عوف ابن سبيع، فتزوج عليها زوجها منهم، فأولعت بهم تهجوهم، فقالت:
[ ١ / ١٤٥ ]
بنو سبيع زمع الكلاب ليسوا إلى سعدٍ ولا الرباب
ولا إلى القبائل الرغاب كم فيهم من طفلة كعاب
وكعاء ذات ركب قبقاب تتبع كل عزب وثاب
فأوعدها رجال منهم مربع، فقالت:
يا مربعًا يا مربع الضلال يا مربعا هل خاب من إقبال
فضربها مربع، وضربها الآخرون الذين هجتهم، فقال مربع في ذلك شعرًا، وقال جرير:
بني العبد لو كنتم صريحًا لما لك لورعتم دون الضغائن مربعا
فأظن أن الفرزدق ذكر أنه يقتل مربعًا، فقال جرير ينقض عليه بهذا البيت من القصيدة، انتهى كلامه.
وفي البيت معنى بديع، وهو أنه جعل وعيده بشارة بطول سلامته من توعده، على نهج قوله تعالى: ﴿فبشرناهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران /٢١].
وأخذه شيخنا الشهاب الخفاجي فقال:
أبرق في وعيده وأرعدا فدم لصارم الوعيد جردا
[ ١ / ١٤٦ ]
كأنما وعيده بقتل من عاداه تبشير بعمر خلدا
بشره بطول عمر سره ورغد العيش إذا ما هددا
وضرب الموعود في أعدائه ضرب الحساب زاد فيهم عددا
ومن هذه القصيدة بيت استشهد به سيبويه وغيره:
لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع
وقد شرحناه في الشاهد السابع والثمانين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع والثلاثون:
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق
على أن ثبوت اسم «أن» المخففة قليل شاذ، وفيه شذوذ آخر، وهو كون الضمير غير ضمير الشأن. قال سيبويه لما أنشد قول الأعشى:
في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل
[ ١ / ١٤٧ ]
يريد معنى الهاء، ولا تخفف أن إلا عليه. انتهى. يريد بالهاء ضمير الشأن، وعد مثل هذا ابن عصفور في آخر كتاب «الضرائر» من الضرورة، وقول المصنف: إن الكوفيين زعموا أنها لا تعمل شيئا قد قال الفراء بخلافه، وهو أدرى بمذهب أصحابه، قال في «تفسيره» من سورة الحجر: وقد خففت العرب النون من أن الناصبة، ثم أنقذوا لها عملها، قال الشاعر:
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صدق
فما رد تزويج عليه شهادة ولا رد من بعد الحرار عتيق
وقال الآخر:
وقد علم الضيف والمرملون إذا اغبر أفق وهبت شمالا
بأنك الربيع وغيث مريع وقدما هناك تكون الثمالا
انتهى، وظاهره أنها تعمل مطلقا كالمثقلة. ونقل ابن المستوفي عنه في «شرح أبيات المفصل» أنه لم يسمع من العرب تخفيف أن وإعمالها إلا مع المكني، لأنه لا يتبين فيه الإعراب، فأما مع الظاهر فلا، ولكن إذا خففوها رفعوا، انتهى.
وعلى هذا فلا فرق في الإعمال والشرط عند البصريين والكوفيين.
والبيت خطاب لزوجته في طلبها الطلاق، ويريد بيوم الرخاء: قبل إحكام عقد النكاح، بدليل البيت الثاني، و«في» متعلقة بـ «سألتني» وسأل يتعدى إلى مفعولين، والياء هنا المفعول الأول، وطلاقك المفعول الثاني، «ولم أبخل»: جواب لو، وجملة «سألتني طلاقك»: خبر أن المخففة، وجملة: «وأنت صديق»: حال من ضير أبخل، فإن قلت: كان الواجب أن يقول: وأنت
[ ١ / ١٤٨ ]
صديقة، قلت: الرضي في «شرح الشافية»: قد جاء شيء من فعيل بمعنى فاعل مستويًا فيه المذكر والمؤنث، حملًا على فعيل بمعنى مفعول، والحرار بفتح الحاء والراءين المهملات: مصدر حر يحر، من باب تعب، أي: صار حرًا، ولم أطلع على قائل البيتين، والله تعالى أعلم به. ولما لم يقف الدماميني على البيت الثاني قال: إن الشاعر خاطب امرأته واصفًا نفسه بالجود، وقوله: في يوم الرخاء من التتميم، وكذا قوله: وأنت صديق، لوقوع كل منهما في كلام لا يوهم خلاف المقصود، مفيدًا لنكتة وهي المبالغة في الاتصاف بالجود، ويحتمل أن يكون مراده وصف نفسه بمحبة هذه المرأة، وأنه قد يؤثر ما تختاره هي على ما يختاره هو، حرصًا على رضاها وحصول مرادها، هذا كلامه. وأخذه العيني وسائر شراح هذا الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثامن والثلاثون:
(٣٨) بأنك ربيع وغيث مريع وأنك هناك تكون الثمالا
على أنه قد جاء خبر اسم المخففة المذكور اسمها تارة مفردًا، وهو: ربيع، وتارة جملة وهو: تكون الثمالا، ومجيء اسم أن المخففة في هذا البيت والذي قبله غير ضمير شأن ضرورة، وجوزه جماعة منهم ابن مالك، قال: إذا أمكن جعل الضمير المحذوف ضمير حاضر، أو ضمير غائب غير الشأن فهو أولى. ومنهم أبو حيان لا يلزم أن يكون ضمير الشأن كما زعم بعض أصحابنا، بل إذا أمكن تقديره بغيره قدر، قال سيبويه في: ﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت﴾
[ ١ / ١٤٩ ]
[الصافات /١٠٤] بأنك قد صدقت، وفي قولهم: أرسل إليه أن ما أنت وذا، أي: بأنك ما أنت وذا. انتهى. وقد روى البيت أبو حنيفة الدينوري في «كتاب النبات» وإبراهيم الحصري في «زهر الآداب»: والشريف الحسيني في «حماسته» هكذا:
بأنك كنت الربيع المغيث لمن يعتريك وكنت الثمالا
وعلى هذا لا شاهد فيه.
وهو من قصيدة عدتها عشرون بيتًا لعمرة بنت عجلان الكاهلية ترثي بها أخاها عمرًا ابن العجلان الملقب بذي الكلب، قاله السكري نقلًا عن أبي عمرو بن العلاء، وقال غيره: هي لأخته جنوب، وقد شرحناها شرحًا مفصلًا في الشاهد التاسع والستين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي، وتقتصر هنا منها على بيتين، هذا وما قبله وهو:
وقد علم الضيف والمرملون إذا اغبر أفق وهبت شمالا
الضيف في الأصل: مصدر، ولهذا يطلق على الواحد والجمع، والمرمل: من أرمل القوم إذا نفد زادهم، وروى بدله السكري: «والمجتدون» وقال: هم الطالبون الجدا بفتح الجيم والقصر، وهي العطية، وفاعل «هبت» ضمير الريح، وإن لم يجر لها ذكر، لفهمها من قولها: إذا اغبر أفق، فإن اغبراره إنما يكون
[ ١ / ١٥٠ ]
في الشتاء لكثرة الأمطار واختلاف الرياح، والشمال بالفتح، وتكسر: ريح تهب من ناحية القطب، وهو حال، وإنما خصت هذا الوقت بالذكر لأنه وقت تقل فيه الأرزاق، وتنقطع السبل ويثقل فيه الضيف، فالجود فيه غاية لا تدرك.
وزاد أبو حنيفة الدينوري بعده بيتًا وهو:
وخلت عن أولادها المرضعات ولم تر عين لمزن بلالا
وقال: إنما خلت أولادها من الإعواز لم يجدن قوتًا، واغبرار الأفق من الجدب، وأراد: هبت الريح شمالًا، وهي تضمر، وإن لم تذكر لكثرة ما تذكر، انتهى. والمزن: السحاب، والبلال بالكسر: البلل.
وقولها: بأنك ربيع .. الخ، الربيع هنا: ربيع الزمان، قال ابن قتيبة في باب: ما يضعه الناس [في] غير موضعه، من «أدب الكاتب»: ومن ذلك الربيع، يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء، ويأتي فيه الورد والنور، ولا يعرفون الربيع غيره، والعرب تختلف في ذلك، فمنهم من يجعل الربيع الفصل الذي تدرك فيه الثمار، وهو الخريف، وفصل الشتاء بعده، ثم فصل الصيف بعد الشتاء، وهو الوقت الذي تدعوه العامة الربيع، ثم فصل القيظ بعده، وهو [الوقت] الذي تدعوه العامة الصيف، ومن العرب من يسمى الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول، ويسمى الفصل الذي يتلوه الشتاء ويأتي فيه الكمأة والنور: الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على
[ ١ / ١٥١ ]
أن الخريف هو الربيع، انتهى. قال شارحه ابن السيد: مذهب العامة في الربيع هو مذهب المتقدمين، لأنهم كانوا يجعلون حلول الشمس برأس الحمل أول الزمان وشبابه، وأما العرب فإنهم جعلوا حلول الشمس برأس الميزان أول فصول السنة الأربعة، وسموه الربيع، وأما حلول الشمس برأس الحمل، فكان منهم من يجعله ربيعًا ثانيًا، فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان، وكان منهم من لا يجعله ريبعًا ثانيًا، فيكون في السنة على مذهبهم ربيع واحد، وأما الربيعان من الشهور فلا خلاف بينهم [في] أنهما اثنان: ربيع الأول، وربيع الآخر، انتهى.
والغيث: المطر والكلأ ينبت بماء السماء، والمراد به هذا لوصفه بالمربع، وهو: الخصيب، بفتح الميم وضمها، في «القاموس»: مرع الوادي – مثلثة الرداء – مراعة: أكلأ كأمرع، والثمال بكسر المثلثة، قال الدينوري: هو الذخر، وقال غيره: هو الغياث.
وعمرة صاحب الشعر، بفتح العين مؤنث عمرو، وجنوب: بفتح الجيم وضم النون، وأخوها عمرو جاهلي كأخيته، وهو ابن العجلان بن عامر بن برد بن منبه أحد بني كاهل بن لحيان بن هذيل، وسمي ذا الكلب، لأنه لا يفارقه كلب، قاله ابن الأعرابي، وقال أبو عبيدة: لم يكن له كلب لا يفارقه، وإنما خرج غازيًا ومعه كلب يصطاد به، فقال له أصحابه: يا ذا الكلب، فثبتت عليه، ومن الناس من يقول له: عمرو الكب بغير ذو، والله تعالى أعلم. وقيل: إن جنوب هي عمرة لا أنهما ثنتان، وله أخت أخرى اسمها ريطة، وهي شاعرة أيضًا، وقد رثته بقصيدة ذكرناها هناك.
[ ١ / ١٥٢ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع والثلاثون:
(٣٩) فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لكم يوم من الشر مظلم
على أن «أن» الواقعة بين «لو» وفعل القسم زائدة عن سيبويه، وهو خلاف ما قاله سيبويه، وهذا نصه: وسألته - يعني الخليل - عن قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ [آل عمران / ٨١] فقال: «ما» هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على «إن» حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن، فاللام [التي] في ما كهذه التي في إن، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل [هنا] ومثل هذه اللام الأولى «أن» إذا قلت: والله أن لو فعلت لفعلت، وقال:
فأقسم أن لو التقينا .. .. البيت
فإن في لو بمنزلة اللام في ما، فأوقعت هنا لامين، لام للأول، ولام للجواب، ولام الجواب [هي] التي يعتمد عليها القسم، فكذلك اللامان في قول الله تعالى: ﴿لما آتيتكم .. الآية﴾ لام للأول، وأخرى للجواب، انتهى كلامه.
وقد تتبع ابن عصفور سيبويه في «شرح الإيضاح» فقال: وإذا توسطت «لو»
[ ١ / ١٥٣ ]
وترك أن في مثله أكثر من ذكرها، ونقضه الدماميني في «المزج» باللام الداخلة على جواب المنفي، كقوله:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ولكن لا خيار مع الليالي
قال: فإنها حرف رابط، والأكثر تركها نحو: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ [الأنعام/١١٢] انتهى. وأقول: إن دخول اللام على حرف النفي في الجواب شاذ، وهي إنما تدخل على الجواب المثبت، وبالشاذ لا يرد النقض، وذهب ابن مالك إلى عكس مذهب سيبويه، فجعل الجواب للو، سواء اقترنت بأن أم لا، وجعل جواب القسم محذوفًا مدلولًا بجواب لوم، والصحيح مذهب سيبويه عملًا بقاعدة اجتماع القسم والشرط، وروي:
وأقسم لو أنا التقينا وأنتم
فلا شاهد فيه. وهمزة «التقينا» بالوصل نقل كسرتها إلى واو «لو» فيبقى الجزء مفاعلن.
وفيه من ضرائر الشعر العطف على ضمير الرفع المتصل من غير تأكيده بضمير رفع منفصل، قال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: كان الوجه أن يقال: التقينا نحن وأنتم، إلا أن ضرورة الوزن أوجبت حذف الضمير المؤكد. انتهى. وقوله: لكان لكم .. الخ: جواب القسم، وهو دليل جواب لو المحذوف، وعند ابن مالك بالعكس، وعند ابن عصفور على ما قاله في «شرح الجمل»: هو جواب للو، ولو مع جوابها جواب القسم ولا حذف.
ومعنى البيت: لو التقينا متحاربين لأظلم نهاركم فصرتم منه في مثل الليل.
وكان: تامة، أو ناقصة، ولكن خبرها.
والبيت من أبيات للمسيب بن علس يخاطب بها بني عامر بن ذهل بن ثعلبة، وعامر هو أخو شيبان بن ذهل، في شيء صنعوه بحلفائهم، وقبله:
[ ١ / ١٥٤ ]
أو «لولا» بين القسم والفعل الواقع جوابًا له، لزم أن يكون الفعل الواقع جوابًا ماضيًا، لأنه مغن عن جواب لو ولولا المحذوف ودال عليه، وجواب لو ولولا لا يكون إلا ماضيًا، فوجب أن يكون الدال عليه كذلك، وقد يدخلون «أن» على «لو» توطئة لجعل الفعل الواقع بعدها جوابًا للقسم، كما يدخلون اللام على إن الشرطية، انتهى.
وكذلك تبعه المحقق الرضي في «شرح الكافية». وكذا يكون الجواب للقسم عند فقدها نحو: والله لو قمت لأكرمتك، وعليه خرج المحقق الرضي قول امرئ القيس، وهو:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجدلك مدفعًا
وقال: الجواب المحذوف هو جواب القسم: وتقديره: لدفعناه.
وذهب ابن عصفور في «شرح الجمل» إلى خلاف مذهب سيبويه، فإنه لما أنهى كلامه على روابط الجملة الواقعة جواب قسم قال: إلا أن يكون جواب القسم لو وجوابها، فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو «أن» نحو: والله [أن] لو قام زيد لقام عمرو، ولا يجوز الإتيان باللام كراهة الجمع بين لامين، فلا يجوز: والله لو قام زيد قام عمرو. انتهى. وأورد عليه ناظر الجيش في «شرح التسهيل» وتبعه المصنف هنا أن «أن» لو كانت للربط لوجب ذكرها، ولا شبهة في جواز قولنا: والله لو قام زيد لقام عمرو،
[ ١ / ١٥٥ ]
لعمري لئن جدت عداوة بيننا لينتحين مني على الوخم ميسم
وبعده:
رأوا نعمًا سودًا فهموا بأخذه إذا التف من دون الجميع المزنم
ومن دونه طعن كأن رشاشه عزا لى مزادٍ والأسنة ترذذم
ألا تتقون الله يا آل عامر وهل يتقي الله الأبل المصمم
وقوله: لينتحين، أي: ليملين عليه ويتعمده، من انتحى عليه – بالمهملة – إذا تعمده، وميسم: فاعله، يعني أنه يهجوه هجوًا يسمه به لا يفارقه عاره، وأراد بالوخم: عامر بن ذهل، والنعم: الإبل الراعية، قال الفراء: هو مذكر لا يؤنث، يقال: هذا نعم وارد، والمزنم من الناس: المستحلق بقوم ليس منهم، ومن الإبل: الذي يقطع شيء من أذنه ويترك معلقًا، وإنما يفعل ذلك بالكرائم منها: والعزالى: جمع عزلاء، كصحارى: جمع صحراء، والعزلاء بالعين المهملة والزاء المعجمة: فم المزادة الأسفل، والمزادة: دلو البئر الكبير يجر بالثور، وترذم بالذال المعجمة: تسيل وتقطر.
والأبل بالموحدة وتشديد اللام. قال صاحب «العباب»: هو الخلاف الظلوم، وذكر أبو عبيدة أنه الفاجر، وأنشد البيت، وقال الكسائي: هو الذي لا يدرك ما عنده من اللؤم، والمصمم: من أصمه الله تعالى فصم، ويقال: أصمته: وجدته أصم.
والمسيب بن علس: خال الأعشى ميمون، وهو أحد الشعراء الثلاثة المقلين الذين فضلوا في الجاهلية، قال المرزباني في «الموشح»: قال أحمد بن أبي طاهر:
[ ١ / ١٥٦ ]
كان الأعشى راوية المسيب بن علس والمسيب خاله، وكان يطرد شعره ويأخذ منه.
والمسيب: اسم فاعل لقب به لأنه كان يرعى إبل أبيه فسيبها، فقال له أبوه: أحق أسمائك المسيب، فغلب عليه. وقال ابن دريد: في كتاب «الاشتقاق» إن اسمه زهير، وإنه لقب بالمسيب لقوله:
فإن سركم أن لا تؤوب لقاحكم غزارا فقولوا للمسيب يلحق
وهو جاهلي لم يدرك الإسلام. وعلس بفتح العين واللام: منقول من اسم القراد.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الأربعون:
(٤٠) أما والله أن لو كنت حرًا وما بالحر أنت ولا العتيق
ومحل الشاهد فيه واضح، وكذا أنشده الفراء في «تفسيره» من سورة الجن، وروي أيضًا:
لو أنك يا حسين خلقت حرًا
وعلى هذا لا شاهد فيه. واستشهد به الرضي على جواز تقديم الخبر المنصوب إذ الباء لا تدخل إلا على الخبر المنصوب، وعلى هذا بنى أبو علي والزمخشري امتناع دخولها على «ما» التميمية، وأجازه الأخفش، قال أبو علي في «إيضاح الشعر»: أما ما أنشده بعض البغداديين:
[ ١ / ١٥٧ ]
أما والله عالم كل غيبٍ ورب الحجر والبيت العتيق
لو أنك يا حسين خلقت حرًا وما بالحر أنت ولا الخليق
فإنه يكون شاهدًا على ما حكاه أبو عمرو في نصب خبر «ما» مقدمًا، ومن دفع ذلك أمكن ان يقول: إن الباء دخلت على المبتدأ، وحمل ما على أنها ما التميمية، ويقوي أن «ما» حجازية أن «أنت» أخص من الحر، فهو أولى بأن يكون الاسم، ويكون الحر الخبر. انتهى.
وأقول: من يدفع ذلك يقول: إن الباء زيدت في خبر ما التميمية، ولا يذهب أن مدخولها مبتدأ، والصحيح أنها تزاد في خبر ما على اللغتين، وهو ظاهر كلام سيبويه في باب الاستثناء في مسألة: ما زيد بشيء إلا شيء لا يعبأ به. وجواب القسم محذوف، أي: لقاومتك، أو هو في بيت بعده. وقوله في رواية أبي علي: «لو انك» بنقل فتحة الألف إلى واو لو، والحر من الرجال: الكريم الأصل والفعل، والخليق: الجدير واللائق، أي: ولا أنت جدير بأن تكون حرًا. والعتيق: الكريم الأصيل والذي خلص من الرق عتيق أيضًا، ولذكره بجنب الحر حسن موقع.
والبيتان لم أعرف قائلهما، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الواحد والأربعون:
(٤١) ويومًا توافينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
على أن «أن» زائدة بين الكاف ومجرورها، وهو ظبية، وهو نادر، وعد ابن عصفور هذا من الضرورات الشعرية.
[ ١ / ١٥٨ ]
وروي برفع ظبية ونصبها أيضًا، أما الرفع فعلى خبر كأن المخففة، وجملة تعطو صفتها، واسمها محذوف وهو ضمير المرأة، وهو ظاهر كلام سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه رفع ظبية على الخبر، وحذف الاسم، والتقدير: كأنها ظبية، وكذا قال ابن الشجري وابن يعيش وغيرهم.
قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: وفيه شذوذ لكون الخبر مفردًا مع حذف الاسم، وقيل: يحتمل أن تكون ظبية مبتدأ، وجملة تعطو خبره، والجملة خبر كأن، واسمها ضمير شأن محذوف. وأما نصبها فعلى أنها اسم كأن المخففة، وجملة تعطو صفتها، ولا يجوز أن تكون خبرها كما جوزه العيني، واقتصر عليه السيوطي هنا، وإن جاز الإخبار عن النكرة في باب أن، لأنه ليس مراد الشاعر الإخبار عن الظبية بأنها تعطو، وإنما مراده تشبيه المرأة بالظبية، فالخبر محذوف قدره ابن الناظم ظرفًا، قال: والتقدير: كأن مكانها ظبية.
وقدره الأعلم وابن الشجري وابن السيد في «أبيات المعاني» وابن يعيش وغيرهم ضميرها أو اسم إشارتها، والتقدير: كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم هي، أو هذه المرأة، قال المصنف: وهذا إنما يصح على جعل المشبه مشبهًا به، وبالعكس لقصد المبالغة. ولا يخفى أن إعمال كأن المخففة هذا الإعمال خاص بضرورة الشعر، نص عليه سيبويه في قول الراجز:
كأن وريدية رشاءا خلب
وهذا البيت اختلف في قائله فعند سيبويه: هو لابن صريم اليشكري، وكذا
[ ١ / ١٥٩ ]
قال النحاس والأعلم. وقال القالي في «أماليه»: هو لأرقم اليشكري، وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على «أماليه»: هو لراشد بن شهاب اليشكري، ولم يرو المفضل هذا البيت في قصيدته.
أقول: رأيت القصيدة التي أشار إليها لراشد، وليس فيها هذا البيت ولا الأبيات الآتية. وقال ابن المستوفي في «شرح أبيات المفصل»: هو لابن أصرم اليشكري، ووجدته لعلباء بن أرقم اليشكري، وقال ابن بري في حاشية «صحاح الجوهري»: هو لباغت بن صريم اليشكري، ويقال: لعلباء بن أرقم اليشكري قاله في امرأته وهو الصحيح، وبعده:
ويومًا تريد ما لنا مع ما لها فإن لم ننلها لم تنمنا ولم تنم
نظل كأنا في خصوم عرامةً تسمع جيراني المآلي والقسم
فقلت لها إلا تناهي فإنني
أخو الشر حتى تقرعي السن من ندم
انتهى ما أورده ابن بري. وضبط المصنف «باغتًا» في شرح أبيات ابن الناظم، فقال: هو منقول من بغته بالأمر إذا فاجأه به، ونقله العيني عنه ولم يزد عليه، ونسب ابن الملا الحلبي إليه شيئًا لم يقله، قال: وقال العيني: هو بالثاء المثلثة.
[ ١ / ١٦٠ ]
وقوله ويومًا توافينا .. الخ، يومًا: ظرف متعلق بتوافينا، ولا يجوز أن يجر يجعل الواو واو رب، لأنه لم يرد إنشاء التكثير أو التقليل، وإنما أخبر عن أحوالها في الأيام. ولم يتنبه العيني، وله العذر، لأنه لم يقف على ما بعده، فقال: وأنشده بعض شراح «المفصل» بالجر، وقال: الواو فيه واو رب، وتوافينا: تأتينا، يقال: وافيته موافاة إذا أتيته، وقال ابن الملا: توافينا: إما بلفظ الغيبة، أو بلفظ الخطاب للمرأة على ما صرح به العيني، فيكون التقدير في حذف الاسم على الاحتمالين: كأنها، أو: كأنك، هذا كلامه.
وما نقله عن العيني غير موجود، وإنما قال: توافينا: فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه، وهو الضمير الراجع إلى المرأة التي يمدحها. انتهى. وقوله: أو بلفظ الخطاب للمرأة، هذا إنما يصح لو قال: توافيننا، بنونين. وقال العيني، وتبعه السيوطي: الموافاة: هي المقابلة بالإحسان والخير والمجازاة الحسنة، وفاعل توافينا ضمير المرأة التي يمدحها، والباء في قوله: بوجه، بمعنى مع. انتهى.
والمقسم: المحسن، قال الأعلم: وأصله من القسيمات، وهي مجاري الدموع وأعالي الوجه، ويقال لها أيضًا: التناصف، لأنها في منتصف الوجه إذا قسم، وهي أحسن ما في الوجه وأنوره، فينسب إليها الحسن فيقال: له: القسام، الظهوره هناك وتبينه. انتهى. وقال المبرد في «الكامل»: زعم أبو عبيدة أن القسمات مجاري الدموع، واحدتها: قسمة، بكسر السين فيهما، وقال الأصمعي: القسمات: أعالي الوجوه، ولم يبينه بأكثر من هذا، وقول أبي عبيدة مشروح، ويقال من هذا: رجل قسيم، ورجل مقدم، ووجه قسيم ومقسم، وأنشد البيت.
[ ١ / ١٦١ ]
وقال القالي في «أماليه»: يقولون: قسيم وسيم، فالقسيم: الحسن الجميل، والقسام: الحسن والجمال، وأنشد يعقوب بن السكيت:
يسن على مراغمها القسام
وقال العجاج:
ورب هذا البلد المقسم
أي: المحسن، وقال أرقم اليشكري: وأنشد البيت مع البيت الذي بعده فقط، ثم قال: والوسيم: الحسن الجميل أيضًا، والميسم: الحسن والجمال. انتهى.
وفرق بينهما الثعالبي في «فقه اللغة» فقال: إن المرأة إذا كان حسنها فائقًا كأنه قد وسم، فهي وسيمة، فإذا قسم لها حظ وافر [من الحسن] فهي قسيمة. انتهى.
وتعطو: فسره المبرد قال: تعطو: تناول، يقال عطا يعطو إذا تناول، وأعطيته: ناولته. انتهى. وعليه لابد من تضمنه معنى تميل، لتعديه بإلى، وفي «القاموس»: العطو: التناول ورفع الرأس واليدين، وظبي عطو - مثلثلة - وكعدو: يتطاول إلى الشجر ليتناول منه. انتهى. وعليه فلا تضمين.
ووارق: لغة في مورق، فإنه يقال: ورق الشجر يرق، وأورق يورق، وورق توريقًا إذا خرج ورقه. وروي بدله: «إلى ناضر السلم» من النظارة،
[ ١ / ١٦٢ ]
وهي الحسن، وأراد به خصرته. والسلم بفتحتين: من شجر البادية يعظم وله شوك واحدته سلمة، وقال المبرد: السلم: شجر بعينه كثير الشوك فإذا أرادوا أن يحطبوه، شدوه ثم قطعوه، ومن ذلك قول الحجاج: والله لأحزمنكم حزم السلمة.
وقوله: ويومًا تريد مالنا .. الخ، ما: موصولة في الموضعين واللام مفتوحة فيهما، أي: تطلب ما في أيدينا من المال مع ما في يدها من المال، فإن لم نعطها مطلوبها آذتنا وكلمتنا بكلام يمنعنا النوم، ولم تنم هي لتحزننا. قال ابن السيرافي: يريد أنه يستمتع مجسنها يومًا، وتشغله يومًا بطلب ماله، فإن منعها آذته وكلمته بكلام يمنعه من النوم. والخضوم: جمع خصم، وهو مصدر، أي: في مخاصمات، وهو منون، وعرامة بالنصب: مصدر عرم يعرم، من بايي نصر وضرب، عرامة بالفتح، وهي الشراسة وسوء الخلق. والمآلي: جمع مثلاة قال صاحب «الصحاح»: والمئلاة بالهمزة على وزن المعلاة: الخرقة التي تمسكها المرأة عند النوح وتشير بها، والجمع المآلي.
ورأيت في كتاب «النساء الناشزات» تأليف أبي الحسن المدائني قال: كانت امرأة علباء بن أرقم اليشكري قد فر كنته، فقال:
ألا تلكم عرسي تصد بوجهها وتزعم في جاراتها أن من ظلم
أيونا ولم أظلم بشيء علمته سوى ما ترون في القذال من القدم
نظل كأنا في خضوم غرامةً تسمع جيراني التألي والقسم
فيومًا تريد ما لنا مع ما لها إلى آخر الأبيات.
وكذا رأيت فيما كتبه ابن السيد البطليوسي على «كامل المبرد». والغرامة
[ ١ / ١٦٣ ]
على هذه الرواية بالغين المعجمة، والتألي: تفعل من الالية، وهي اليمين.
وجميع من نسب إليهم هذا الشعر كلهم شعراء جاهليون.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني والأربعون:
(٤٢) فأمهله حتى إذا أن كأنه معاطي يدٍ في لجةِ الماء غامر
هو من قصيدة من شعر أوس بن حجر، لكنه من قصيدة فائية وفيه تحريف، وصحيحه:
معاطي يد من جمة الماء غارف
والضمائر للصيد، وفاعل أمهله ضمير الصياد، ولابد من شرح أبيات حتى يتضح المعنى، ومطلع القصيدة هذا:
تنكر بعدي من أميمة صائف فبرك فأعلى تولبٍ فالمخالف
فقوقرهبى فالسليل فعاذب مطافيل عوذ الوحش فيها عواص
يقول: تنكر علي بعد أهله فما كدت أعرفه، وهذه أماكن في بلاد تميم.
وبرك: بكسر الموحدة وسكون الراء المهملة، وتولب كجعفر، ويأتي أيضًا بمعنى الحمار، والمخالف: بفتح الميم بعدها خاء معجمة، وقوقرهي بفتح القاف وتشديد الواو، وقرهي: بفتح القاف والراء وسكون الهاء بعدها باء موحدة فألف مقصورة، والليل بفتح السين: واد، وعاذب: بالعين المهملة والذال المعجمة، والمطافيل: التي معها أولادها، جمع مطفل اسم فاعل من أطفلت، والعوذ، بضم العين المهملة والذال المعجمة: الحديثات العهد بالنتاج، جمع عائذ، والعواطف: جمع عاطف، أي: هي ثانية عنقها على ولدها نائمة، يريد أنهن آمنات.
[ ١ / ١٦٤ ]
كأن جيد الأرض يبليك عنهم تقي اليمين بعد عهدك حالف
بها العين والآرام تزجي سخالها فطيم ودان للفطام وناصف
جديد الأرض: ما ليس به أثر ولم يدمن، أي: لم يجعل دمنة من بعر الآرام وبولها. ويبليك: يحلف لك ما كان ههنا أحد من شدة ما درس الأثر وانمحى، من الإبلاء وهو الحلف، يقال: أبلني يمينًا، أي: احلف. وقال: تقي اليمين، لأنهم يقولون: يمين فاجرة، يريد: هذه يمين لا إثم فيها.
والعين: بقر الوحش جمع عيناء، وهي الواسعة العين. والآرام: الظباء الخاصة البياض جمع ريم للذكر والأنثى، وتزجي سخالها: تسوق أولادها.
والناصف: الذي قد سعى، أي: بعضها فظيم، وبعضها دان وبعضها ناصف.
وقد سألت عني الوشاة فخبرت وقد نشرت منها لدي الصحائف
فاعل سألت ضمير أميمة، والواشي: الذي يزين الكذب ويحسنه، أخذ من وشي الثوب. وقوله: فخبرت بالبناء للمجهول، أي: أخبرها الوشاة خبري، وقوله: وقد نشرت بالمجهول أيضًا، أي: ونشر الوشاة صحائفها عندي فأخبرني بخبرها.
ثم بعد أن تغزل بثلاثة أبيات أخر، قال:
وأدماء مثل الفحل يومًا عرضتها لرحلي فيها جرأة وتقاذف
وروي: «فيها هزة وتقاذف» والهزة: الحركة السريعة، ومعنى فيها تقاذف: أنها تعدو براكبها، وقوله: عرضتها، أي: جعلتها عرضة لرحلي، يقال: فلاتة عرضة للزوج، أي: قد بلغت وقويت عليه، والرحل: مركب للبعير يتخذ من جلود لا خشب فيه يتخذ للركض الشديد، ورحل البعير كمنع للبعير يتخذ من جلود لا خشب فيه يتخذ للركض الشديد، ورحل البعير كمنع، وارتحله: وضع عليه الرحل.
ثم بعد أن نعتها بالسرعة والنجابة وكمال الخلقة في ستة عشر بيتًا قال:
[ ١ / ١٦٥ ]
كأني كسوت الرحل أحقب قاربًا له بجنوب الشيطين مساوف
يقول: كأني جعلت رحلي على أحقب، وهو حمار الوحش، سمي أحقب لبياض في موضع الحقيبة منه، وقيل: الذي في موضع البطن منه بياض. والقارب: الذي قرب من الماء. وجنوب بالضم: جمع جنب، والشيطان فيعلان، بكسر العين: اسم مكان. ومساوف: جمع مسوف وهو مكان السوف، أي: الشم. يقول: قد بالت الحمر فيه فهو يشمها. وقال غير الأصمعي: أراد بالمساوف هنا مراعي، قال: وأصل السوف الشم، شبه ناقته بالحمار الوحشي، وهو في الجلادة والسرعة والقوة والصبر مثل، ووصف الأحقب بالقارب لأنه أشد لسرعته وعدوه، لأن الحيوان إذا قرب من الماء وهو عطشان اشتد حرصه للشرب، فيكون سعيه إليه حثيثًا وشده شديدًا، ووصفه بالمصراع الثاني، لأنه إذا كان قريبًا من المرعى وهو جائع يجهد نفسه إليه، فالشاعر شبه ناقته بحمار الوحش الذي هذه صفته، وإذا كان بهذه الصفة فلا شيء أسرع منه.
يقلب قيدودًا كأن سراتها صفا مدهن قد زلقته الزحالف
يصرف حقباء العجيزة سمحجًا لها ندب من زره ومناسف
يقلب، أي: يصرف هذا الحمار، والقيدود بالقاف: الأتان الطويله، والسراة بالفتح: الظهر، والصفا: الحجارة المساء، والمدهن بضم الميم والهاء:
نقرة تكون في الجبل يستنقه فيها الماء، والجمع مداهن، والزحالف: جمع زحاوفة، وهي آثار أراجيح الصبيان على الميدان.
والحقباء: مؤنث الأحقب، وهي الأتان التي في موضع الحقيبة منها بياض، والسمحسج بتقديم المهملة على الجيم كجعفر: الطويلة على وجه الأرض، والندب
[ ١ / ١٦٦ ]
بفتحتين: كل أثر نا ت، والزر بفتح الزاء المعجمة وتشديد الراء: العص، يقال: زره بمقدم فيه، أي: عضه، ومناسف جمع منسف، وهو موضع النسف وهو العض.
وأخلفه من كل وقطٍ ومدهنٍ نطاف فمشروب يباب وناشف
يعني: أن الحمار لم يجده كما ظن، والوقط بالواو المفتوحة والقاف الساكنة بعدها طاء مهملة: المكان الصلب يحبس الماء فيه، والمدهن تقدم، واليباب: القفر، والناشف: اليابس، والنطاف: جمع نطفة، وهي القليل من الماء.
ثم بعد أن وصفه بسبعة أبيات قال:
إذا استقبلته الشمس صد بوجهه كما صد عن نار المهول حالف
تذكر عينا من غمازة ماؤها له حدب تستن فيه الزخارف
صد بوجهه: أعرض عنها لشدة عطشه، ونار المهول، أي: الرجل يهول على الرجل اليمين يحلفه عند نار إذا اتهم بدم أو غيره، يصد عنها مخافة العقوبة.
تذكر، أي: الحمار، وغمازة بضم الغين المعجمة والزاء معجمة أيضًا: اسم عين دون هجر، والحدب بفتح الحاء والدال المهملتين: جمع حدبة، وهو الارتفاع، وتستن: تجري، والزخارف: جمع زخرف، وهو شيء يشبه الوشي يكون فوق الماء إذا طردته الريح.
فأوردها التقريب والشد منهلًا قطاه معيد كرة الورد عاطف
أي: أورد الحمار أتانه العين تقريبًا وشدًا، أي: سيرًا شديدًا، والمنهل:
[ ١ / ١٦٧ ]
المشرب، وقطاه: مبتدأ مضاف إلى ضمير المنهل، ومعيد بالتنوين: ضمير بالمبتدأ، وكرة الورد: مفعوله، وعاطف: خبر ثان، يقول: فأورد أتانه منهلًا لا يخلو من الماء يعود قطاه إليه، والقطا تشرب، ولا تجوز بالشربة الأولى لبعد المكان حتى تعود فتشرب مرة ثانية.
فلاقى عليه من صباح مدمرا لناموسه من الصفيح سقائف
صد غاثر العينين خبب لحمه سهامة قيظ فهو أسود شاسف
يعني أن الحمار لما ورد إلى الماء مع أتانه لقي عليه صيادًا من بني صباح بضم الصاد وخفة الباء، وهو بطن من ضبة، وبطن من عبد القيس، وبطن من عنزة. ومدمرًا: مهلكًا، وناموس الصياد: موضعه الذي يستتر فيه من الوحش، وقوله: من الصفيح سقائف، يعني أن الصياد الذي كان فيه: ابن صياد، ورث الناموس من أبيه، لأن سقف الناموس إذا كان من خبث لم يلبث، وكل حجر رقيق مصلح فهو صفيح. ثم وصف الصياد فقال: صد، أي: هو عطشان لبعده عن أهله وعن المنهل، لقعوده في طريق الوحش ينتظرها. وخبب لحمه – بالخاء المعجمة – أي: سقفه وقطعه، وجعل فيه طرائق، وسهامة القيظ، أي: شدة حر الصيف، يقال: وجه ساهم، أي متغير أترث فيه الشمس، والشاسف: الضامر اليابس.
أخو قتراتٍ قد تيقن أنه إذا لم يجد لحما من الصيد خاسف
معاود قتل الهاديات شواؤه من اللحم قصرى رخصة وطفاطف
القترات: جمع قترة، وهو موضع الصياد، والخاسف: الخميص البطن الذي قد اضطربت خاصرتاه وانخسف بطنه وهزل، والهاديات: أوائل الوحش، ويروى: «معاود تأكال القنيص» يعني أنه معتاد لأكل الصيد، وشواؤه مبتدأ، وقصرى خبره، والقصرى بوزن جلى: الضلع القصيرة، ورخصة صفتها، بمعنى
[ ١ / ١٦٨ ]
هشة، والطفطفة: بكسر الطائين وسكون الفاء الأولى: الجلدة التي تلي الخاصرة مما يلي الجنب، يعني أنه قانع بالقليل.
قصي مبيت الليل للصيد مطعم لأسهمه بار وغار وراصف
يقول: لا ينام عند أهله، هو أبدًا يريد صيد الوحش، وقوله: لأسهمه بار، هو يبري سهامه ويغروها بالغراء، وبشد الرصفة على صدر السهم، والرصفة بالتحريك:
العقب الذي يلي فوق الرغظ – بالضم – وهو مدخل رأس النصل من السهم.
فأمهله حتى إذا أن كأنه معاطي يدٍ من جمة الماء غارف
فاعل أمهل ضمير الصياد، والهاء: ضمير الأحقب الذي هو حمار الوحش، وحتى: ابتدائية غاية لما قبلها، وإذا ظرفية، وفعلها محذوف يفهم من المقام تقديره: حتى إذا صار من الماء في القرب مثل الرجل الذي يتناول بيده غرفًا، وجمة الماء بفتح الجيم: مجتمعه، ومن متعلق بغارف، ومعاطي يد، أي: معاطي في يد، والمعاطي: المتناول، فالإضافة ظرفية، وأن بعد إذا زائدة.
فيسر سهما راشه بمناكب ظهار لؤام فهو أعجف شارف
فيسر معطوف على أمهل، وفاعله ضمير الصياد، ويسر بمعنى هيأ. وراشه: جعل له ريشًا، وقوله: بمناكب، أي: بريش كان على أطراف مناكب الطير، وريش المناكب: أربع ريشات تكون على طرف المنكب، قال ابن السكيت: إذا كان القدح ثقيلًا شوحطًا ريش به، واللؤام بضم اللام بعدها همزة: أن يلتئم الريش، فيكون بطن قذة إلى ظهر الريشة، وقوله: فهو أعجف، أي: براه حتى أعجفه، والشارف: القديم، أراد أنه قد قتل به صيدًا كثيرًا.
فأرسله مستيقن الظن أنه مخالط ما تحت الشراسيف جائف
[ ١ / ١٦٩ ]
فاعل أرسله ضمير الصياد، ومستيقن الظن: حال منه: وأصله: مستيقنًا ظنه، أي: عادا ظنه يقينًا في أنه، أي: في أن السهم يشك قلبه، وهو معنى قوله: مخالط ما تحت الشراسيف، جمع شرسوف، وهو مقط الضلع، وهو الطرف المشرع على البطن، وجائف: واصل إلى جوفه، قال ابن السكيت: قوله: مستيقن الظن، أي: غير شاك، واستشهد البيضاوي بهذا البيت عند قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ من سورة البقرة ﴿آية ٤٦]، قال: أي: يتوقعون لقاء الله تعالى، أو يتيقنون، وكأن الظن لما شابه العلم في الرجحان أطلق عليه كتضمين معنى التوقع، قال أوس بن حجر: فأرسله مستيقن الظن اليت.
فمر النضي بالذراع ونحره وللحين أحيانًا عن النفس صارف
النضي: القدح بلا ريش ولا نصل، وأراد السهم، وسمي نضيًا لأن صانعه نضاه نضوًا، أي: براه بريًا حتى صار رفيعًا، يقول: أخطأ السهم ولم يصب المقتل، وإنما مر بذراعه ونحره، والحين: الهلاك، واللام وعن متعلقتان بصارف، وصارف: خبر مبتدأ محذوف معلوم من المقام تقديره: والله صارف للحين عن النفس في بعض الأحيان.
فعض بإبهام اليمين ندامةً ولهف سرًا أمه وهو لاهف
يقول: عض الصياد إبهام يمينه ندامة على خطأ سهمه، قال ابن السكيت:
قوله: ولهف سرًا أمه وهو لاهف: وذلك إذا قال: يا لهفاه، يا لهف أماه.
ولاهف: ملهوف مكروب، ولهف سرًا لئلا يسمع الوحش.
وجال ولم يعكم وشيع إلفه بمنقطع الغضراء شد موالف
يعني: جال الحمار ولم يعكم، أي: لم يرجع ولم ينصرف إلى الماء، وإلفه:
[ ١ / ١٧٠ ]
أتانه التي معه، وشيعها: قواها وأعانها، والغضراء بمعجمتين: طينة حرة، والشد الموالف: المتتابع، فاعل شيع، والشد: الجري والعدو، ومنقطع: مكان الانقطاع.
فما زال يبري الشد حتى كأنما قوائمه في جانبيه رعانف
قال ابن السكين: يبري يسرع في مره، يقول: كأنه يطير بأجنحة، وكأن قوائمه فضول زعانف، والزعانف: أكارع الأديم وأطرافه.
تواهق رجلاها يديه ورأسه له نشز فوق الحقيبة رادف
هذا آخر القصيدة، قال ابن السكيت: المواهقة: المسايرة، وهي المباراة، وقوله: له نشز، أي: له ارتفاع، وكل ناشز مرتفع، قال الله ﷿: ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ [المجادلة/١١] وقوله: فوق الحقيبة، الحقيبة: كناية عن الكفل، وقوله: رادف، أي: كما يردف الرجل حقيبته. انتهى.
وهذا البيت من شواهد سيبويه وأنشده: «نواهق رجلاها يداها» برفعهما على أن اليدين مضافة إلى ضمير مؤنث، وهو ضمير الأتان.
والشاهد فيه أنه رفع يداها بإضمار فعل، ولم يجعلهما مفعولين، فكأنه قال بعد قوله: تواهق رجلاها: تواهقهما يداها، محمول على المعنى، لأنه إذا واهقت الرجلان اليدين، فقد واهقت اليدان الرجلين، قال ابن خلف في «شرح شواهده»: احتج سيبويه بما سمع من إنشاد بعض العرب بالرفع فيهما، وإذا أنشد العربي الذي يحتج بشعره وكلامه بيتًا على ضرب ولفظ غير الضرب المشهور، فقول العربي الراوي حجة، كما أن قول الشاعر الذي قال الشعر في الأصل حجة، وفي شعره اليدان
[ ١ / ١٧١ ]
منصوبة بتواهق، وإنشاده: «تواهق رجلاها يديه» والمعنى يوجب أن تكون اليدان مضافة إلى ضمير مذكر، وهو ضمير الحمار، وذلك أن المواهقة هي المسايرة، وهي المواعدة، والحمار يقدم أتانه بين يديه ثم يسير خلفها، يعني أن يديه تعملان كعمل رجلي الأتان، ورأسه فوق عجز الأتان كالقتب الذي يكون على ظهر البعير، والحقيبة: كناية عن الكفل فيما زعموا، والحقيبة: ما يحمله الإنسان خلفه إذا كان راكبًا على عجز المركوب، والرادف: الذي يكون في الموضع الذي يكون فيه الردف. انتهى كلام ابن خلف.
وأوس بن حجر: بفتح الحاء المهملة والجيم، من شعراء تميم في الجاهلية، قال ابن قتيبة في كتاب «الشعراء»: كان أوس فحل مضر، حتى نشأ النابغة وزهير فأحملاه، وقيل لعمرو بن معاذ وكان بصيرًا بالشعر: من أشعر الناس؟ فقال: أوس، قيل ثم من؟ قال: أبو ذؤيب، وكان أوس عاقلًا في شعره كثير الوصف لمكارم الأخلاق، وهو من أوصفهم للحمير والسلاح، ولا سيما للقوس، وسبق إلى دقيق المعاني وإلى أمثال كثيرة. انتهى. وكان أبو دليحة فضالة بن كلدة محسنًا إليه مدحه بقصائد، ولما مات رثاه بقصائد أيضًا، ومما رثاه به قوله من قصيدة:
أيتها النفس أجملي جزعًا فإن ما تحذرين قد وقعا
إن الذي يجمع السماحة والنـ نجدة والبر والتقى جمعا
ألالمعي الذي يظن لك الظـ ـظن كأن قد رأى وقد سمعها
إلى أن قال، وهو خبر اسم إن:
[ ١ / ١٧٢ ]
أودى فلا تنفع الإشاحة من أمرٍ لمن قد يحاول البدعا
أودى: هلك، والإشاحة: الحذر، يقول: من حاذر حوادث الدهر وحاول ذلك فهو بدعة. ومن شعره آخر قصيدة:
وليس أخوك الدائم العهد بالذي يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك النأي ما كنت آمنا وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
النأي: البعد، أطلق المصدر على الصفة، وأعضل الأمر: اشتد.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والأربعون:
(٤٣) أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ فإن قومي لم يأكلهم الضبع
على أن قول الكوفيين: إن المفتوحة شرطية، راجح لأمور، منها مجيء الفاء بعدها كثيرًا كهذا البيت، وكذا استدل المحقق الرضي في «شرح الكافية» وهذا من توارد الخاطر، كما يقال: «قد يقع الحافر موضع الحافر» وقال أبو علي في «البغداديات»: قال سيبويه: سألته - يعني: الخليل - عن قوله: أما أنت منطلقًا أنطلق معك، فرفع، وهو قول أبي عمرو حدثنا به يونس، يريد أنه رفع: أنطلق، ولم يجزمه على أنه جزاء. وحكى أبو عمر الجرمي عن الأصمعي - فيما أظن - المجازاة بأما المفتوحة الهمزة، وزعم أنه لم يحكه غيره، وهذا الذي حكاه أبو عمر يقويه قوله: أبا خراشة أما أنت ذا نفر .. البيت، لأنه
[ ١ / ١٧٣ ]
ليس فيه ما يحمل عليه أن فيتعلق به، كما أنها في قولهم: أما أنت منطلقًا أنطلق معك، متعلق بأنطلق معك، فإن قلت: يكون متعلقًا بعفل مضمر يفسره ما بعده، فإن جواب ما يكون تفسيرًا لا يعطف به على المفسر، ألا ترى أنك تقول: إن زيدًا ضربته، ولا يجوز: إن زيدًا فضربته، فإذا لم يجز، كانت الفاء في: فإن قومي، جواب شرط، وأنت مرتفع بفعل مضمر. فإن قلت: قد تزاد الفاء كما حكى أبو الحسن: «أخوك فوجد» فأحملها في البيت على هذا ليصح إضمار الفعل المفسر، وفي حمل البيت عليه تقوية لما ذهب إليه سيبويه من أن «أما» في البيت إنما هو أن الناصبة، ضمت إليها ما، فالجواب أن القول بزيادتها ليس من مذهبه. انتهى كلامه. فيكون أبو علي قد سبق المحقق الرضي والمصنف. وقال ابن خلف في «شرح شواهد سيبويه»: قال علي بن عبد الرحمن: عندي فيه وجه، وهو أن تجعل الفاء جوابًا لما دل عليه حرف النداء المقدر من التنبيه والإيقاظ، كأنه قال: تنبه وتيقظ فإن قومي لم تأكلهم الضبع.
والبيت من أبيات للعباس بن مرداس السلمي، ومنها:
السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
قوله: أبا خراشة، بضم الخاء المعجمة: منادى بحرف النداء المقدر.
وأبو خراشة: اسمه خفاف بن ندبة، بضم الخاء المعجمة، وخفة الفاء، وندبة بفتح النون وسكون الدال، بعدها موحدة، وهي اسم أمه اشتهر بها. وأبو خراشة: صحابي شهد فتح مكة مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعه لواء بني سليم، وشهد حنين والطائف أيضًا، وهو ممن ثبت على إسلامه في الردة، وهو أحد فرسان قيس وشعرائها، وكان أسود حالكًا، وهو ابن عم الخنساء الصحابية،
[ ١ / ١٧٤ ]
وكان بينه وبين العباس بن مرداس مهاجاة في الجاهلية.
وأما: أصله: «أن ما» فأدغم، فأن المفتوحة على ما اختاره أبو علي والرضي والمصنف: شرطية فعلها فقط محذوف عوض عنه ما، وهو كان، وأنت: اسمها، وأصله: أن كنت، فلما حذفت كان، وعوض عنها ما، انفصل الضمير، وذا نفر خبرها، وجملة: فإن قومي .. الخ: جواب الشرط، وعند ابن جني هما معمولان لما الواقعة عوضًا عن كان، ومصلحة للفظ، ليزول مباشرة «أن» الاسم، قال في «الخصائص»: فإن قلت: بم ارتفع وانتصب: أنت منطلقًا؟ قيل: بما، لأنها عاقبت الفعل الرافع الناصب، فعملت عمله من الرفع والنصب، وهذه طريقة أبي علي، وجملة أصحابنا من قبل أن الشيء إذا عاقب الشيء، ولي من الأمر ما كان المحذوف يليه، من ذلك الظرف إذا تعلق بالمحذوف، فإنه يتضمن الضمير الذي كان فيه، ويعمل ما كان يعمله من نصبه الحال والظرف، وعلى ذلك صار قوله: فاه إلى في، من قوله: «كلمته فاه إلى في» ضمانًا [للضمير] الذي كان في «جاعلًا» لما عاقبه. انتهى.
وعلى هذا يلغز ويقال: هل تعرف في كلام العرب «ما» رافعة للاسم وناصبة للخبر وليست بالنافية التي يعملها أهل الحجاز، بل هي موجبة لا نافية.
وروى أبو حنيفة الدينوري في كتاب «النبات» وابن دريد في «الجمهرة»:
[ ١ / ١٧٥ ]
أبا خراشة أما كنت ذا نفر .. فلا شاهد فيه، وما تكون زائدة.
قال الفراء: نفر الرجل: رهطه، ويقال لعدة من الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وهذا هو المشهور، والضبع: قال حمزة الأصبهاني في «أمثاله» التي على وزن أفعل عند قوله: «أفسد من الضبع»: إنها إذا وقعت في الغنم عاثت ولم تكتف بما يكتفي به الذئب، ومن إفسادها وإسرافها فيه استعارب العرب اسمها للسنة المجدبة، فقالوا: أكلتنا الضبع، وقال ابن الأعرابي: ليس يريدون بالضبع السنة، وإنما هو أن الناس إذا أجدبوا ضعفوا عن الانتصار، وسقطت قواهم، فعائت فيهم الضباع والذئاب، وإذا اجتمع الذئب والضبع في الغنم سلمت، ومنه قولهم: «اللهم ذئبًا وضبعًا»، أي: اجمعهما في الغنم، لأن كلًا منهما يمنع صاحبه.
انتهى. فيكون قوله: فإن قومي .. الخ كناية عن قوتهم، قال الدماميني: الضبع السنة المجدبة، فيه توربة، لأنه أوهم أنه يريد الحيوان المعروف، ورشح له بقوله تأكلهم وهو مجاز عن الشدة التي تحصل من جدب السنة، شبهها بالآكل، فهو استعارة تبعية. انتهى.
والتورية: إيراد لفظ له معنيان أحدهما قريب، ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، ويراد البعيد، فيورى عنه بالقريب، فإن جامعت شيئًا مما يلائم المعنى القريب المورى به عن البعيد المراد، سميت مرشحة، وإلا فمجردة، وعلى هذا فلا استعارة في الضبع بخلاف ما تقدم، فتكون السنة المجدبة مستعارة من اسم الحيوان الضبع، لأنها نهاية في الفساد، كما أن الأكل المراد به الإهلاك استعارة أيضًا، كقوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله﴾ [البقرة/٢٧] حيث استعير فيه العهد للحبل، والنقض للإبطال، إلا أن الأكل لا يلائم السنة المجدبة، بخلاف النقض، فإنه ملائم للحبل، إلا أن يكون الأكل مستعارًا للمحق والإتلاف، وقال بعضهم: وقد جعل الأكل ترشيحًا للاستعارة
[ ١ / ١٧٦ ]
لا استعارة تبعية، كما في حديث: «أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا».
وقوله: السلم تأخذ منها .. البيت، استشهد به البيضاوي عند قوله تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ [البقرة /٢٠٨] على أن السلم تؤنث كالحرب.
قال صحاب «الصحاح»: السلم: الصلح، تفتح وتكسر وتذكر وتؤنث، وكذلك استشهد به ابن السكيت في «إصلاح المنطق» قال التبريزي في «إيضاح الإصلاح»: الجرع: جمع جرعة، وهي ملء الفم. يخبره أن السلم هو فيها وداع ينال من مطالبه، يريد فإذا جاءت الحرب قطعته عن لذاته وشغلته بنفسه، انتهى. وفيه تعرض بأنه لا يقدر على تحمل مشاق الحرب. وأبيات العباس جواب لشعر أتاه من خفاف بن ندبة أبي خراشة، وهو قوله:
قومي خفاف بن عوفٍ إن سألت بهم
لا يفشلون ولا يزري بهم طبع
شم مساعير في الهيجا لحربهم إذا تخلف عنها الأعزل الورع
تسعى لشعب حبيب كي تندده وسوف إن همرتك الحرب تنقمع
أقصر إليك ابن مرداس بداهية تلقى الدواهي منها ثم تختشع
لالفينك وبرا حين تبصرنا أسد الغياطل أرماح لنا شرع
والحرب كاشرة أنيابها عصلا فينا وما لك في إشعالها طمع
جلمود بصر إذا المناقر صاب به فل المشرجع منه كل ما يقع
[ ١ / ١٧٧ ]
احذر صواعق مني كلما صقعت تشقى بها منكم الأكتاف والضلع
وأي أكل إذا ما شئت آكله أنت الذليل وأنت الخائف القنع
قوله: قومي خفاف بن عوف .. الخ، بنو خفاف: بطن من بني سليم، وهو خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وخفاف بن ندبة أحدهم، وقوله: لألفينك وبرًا، بفتح الواو وسكون الموحدة: دابة على قدر السنور غبراء حسنة العين شديدة الحياء، يطلق على الإنسان تحقيرًا له. والغياطل: جمع غيطل وهو السنور، والشرع بضمتين: جمع شارع، يقال: رمح شارع: منصوب نحو العدو للطعن، والعصل بضمتين: جمع أعصل، وهو الناب الأعوج، والضمة الثانية للإتباع، قال جامع ديوانه: أي: كل ما يقع فيه. بصر: حجارة صم، أي: بكسر الموحدة وسكون الصاد المهملة، والمشرجع: المعول، سماه بذلك لأنه، مطول. انتهى. والمنقار: حديدة كالفأس ينقر بها، وصاب به: نزل به في «القاموس»: الصوب: المجيء من عل، وفل: ثلم، والقنع بفتح القاف والنون: البائس.
وقائل البيتين صحابي، وهو العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عباس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم، وأسلم قبل فتح مكة بيسير، وأمه الخنساء الصحابية، قاله صاحب «الأغاني» تبعًا لأبي عبيدة، وقال الكلبي: الخنساء أم ولد مرداس جميعًا إلا العباس فإنها ليست أمه، والعباس ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع والأربعون:
[ ١ / ١٧٨ ]
(٤٤) إما أقمت وأما أنت مرتحلًا فالله يكلأ ما تأتي وما تذر
على أن الرواية بكسر الأولى وفتح الثانية، فلو كان المفتوحة مصدرية لزم عطف المفرد على الجملة، وهذا إن لم يكن تأويل أحدهما إلى الآخر يجعلهما جملتين أو مفردين امتنع العطف، وإذا امتنع العطف ظهر أن المفتوحة شرطية كالمكسورة، ونقل أبو منصور الأزهري في آخر «تهذيب اللغة» عن المبرد أنه قال: إذا أتيت بأما وإما فافتحها مع الأسماء واكسرها مع الأفعال، وأنشد:
إما أقمت وأما أن ذا سفرٍ فالله يحفظ ما تأتي وما تذر
كسرت إما قمت مع الفعل، وفتحت أما أنت لأنها وليت الاسم، وقال:
أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ
المعنى: إذ أنت ذا نفر، قاله ابن كيسان.
وقال البصريون: أما هي: «أن» المفتوحة، ضمت إليها «ما» عوضًا من الفعل، وهي بمنزلة إذ، وينشدون:
أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ
قالوا: فإن ولي هذه الفعل كسرت، وأنشدوا:
إما أقمت وأما أنت مرتحلا
فكسر الأولى وفتح الثانية. انتهى كلام «التهذيب» وهذا لا يحصل لهو وما نقله المصنف عن ابن الحاجب قاله في «الإيضاح» شرح «المفصل» وهذه عبارته: وقد روي قوله:
[ ١ / ١٧٩ ]
إما أقمت وأما أنت مرتحلًا البيت
بكسر الأول وفتح الثاني، أما كسر الأول فلأنه شرط، فوجب كسره ودخول ما عليه، كدخولها في قولك: إما تكرمني أكرمك. وفتح الثاني واجب، لأنه مثل قولك: أما أنت منطلقًا وقد تقدم ذكره.
وقوله فالله يكلأ .. الخ، فجواب الشرط معلل بقوله: أما أنت مرتحلًا، وصح أن يكون لهما جميعًا من حيث كان الشرط والعلة في معنى واحد، ألا ترى أن قولك: إن أتيتني أكرمتك، بمعنى قولك: أكرمتك لأجل إتيانك، فإذا ثبت أن الشرط والتعليل بمعنى واحد صح أن يعطف أحدهما على الآخر، ويجعل الجواب لهما جميعًا، فصار مثل قولك إن أكرمتني وأحسنت إلي أكرمتك، إلا أنه وضع موضع: أحسنت إلي، لفظ التعليل، فصار كأنك قلت: إن أكرمتني فلأجل إتيانك، فأنا أكرمك، وذلك سائغ، انتهى كلامه.
ويكلأ: يحفظ، ومصدره الكلاءة بالفتح والمد، و«ما» موصولة، والعائد محذوف، أي: ما تأتيه وما تذره، وتذر بمعنى تترك، وقد أمانوا ماضيه ومصدره واسم فاعله واسم مفعوله. وقيل: ما مصدرية ظرفية، أي: مدة إتيانك، أي فعلك وتركك، والإتيان بمعنى الفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿كان وعده مأتيا﴾ [مريم/٦١]، أي: مفعولا، وقوله تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة] [الأعراف/٨٠]، أي: أتفعلونها.
وفي البيت المطابقة بين أقمت ومرتحلا وبين تأتي وتذر.
والبيت مع شهرته في كتب النحو وغيرها لم أظفر بقائله ولا بتتمته، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١٨٠ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس والأربعون:
(٤٥) نزلتم منزل الأضياف منا فعجلنا القرى أن تشتمونا
لما ذكره. قال ابن الشجري في «أماليه»: اختلف النحويون في مواضع من كتاب الله تعالى منها قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء /١٧] ومنها: ﴿يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير﴾ [المائدة/١٩] ومنها: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل/١٥] ومنها: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ [الممتحنة/١] وأضافوا إلى ذلك قول عمرو بن كلثوم: «نزلتم منزل الأضياف منا» فقال الكسائي والفراء: يبين الله لكم لئلا تضلوا، وقال المبرد: بل المعنى: كراهة أن تضلوا، وكذلك في الجميع.
وقال علي بن عيسى الرماني: إن التقديرين في قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ واقعان موقعهما، لأن البيان لا يكون طريقًا إلى الضلال، فمن حذف «لا» فحذفها للدلالة عليها، كما حذفت للدلالة عليها من جواب القسم في نحو: والله أقوم، إلا أن المبرد حمل الحذف على الأكثر، لأن حذف المضاف لإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف لا، وأقول: ليس يجري حذف «لا» في نحو الآية مجرى حذفها من جواب القسم لأن الدلالة عليها إذا حذفت قائمة، لأنك إذا قلت: والله أقوم، لو لم ترد «لا» لجئت باللام والنون فقلت: لأقومن. انتهى كلام ابن الشجري.
والبيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي وقبله:
[ ١ / ١٨١ ]
ألا أبلغ بني الطماح عنا ودعميًا فكيف وجد تمونا
وبعده:
قريناكم فعجلنا قراكم قبيل الصبح مرادةً طحونا
قال التبريزي: قال ابن الأنباري: الطماح ودعمي حيان من إياد، وقال ابن السكيت: بنو الطماح من بني وائل، وهم من بني نمارة بضم النون، ودعمي ابن جديلة من إياد، الأول بفتح الطاء وتشديد الميم وآخره حاء مهملة، والثاني بضم الدال وآخره ياء مشددة. وقوله: فكيف وجدتمونا، الفاء عاطفة على أبلغ، والمعطوف محذوف تقديره: فقل، وكيف منصوبة المحل يوجد.
وقوله: نزلتم منزل الأضياف، أي: جئتم لحربنا، فضرب الضيافة والقرى مثلًا، أي: جعلنا ما يقوم مقام القرى الحرب، كما قال تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة/٣٤] قاله أبو جعفر النحوي. وقال التبريزي: أي: نزلتم حيث ينزل الأضياف، أي: جئتم للقتال فعاجلنا كم بالحرب، ولم ننتظركم أن تشتمونا. ويقال: معناه: عاجلناكم بالقتال قبل أن توقعوا بنا، فتكونوا سببًا لشتم الناس إيانا. ومعنى: أن تشتمونا على مذهب الكوفيين: لئلا تشتمونا، ثم حذف لا، ولا يجوز عند البصريين حذف «لا» لأن المعنى ينقلب، والتقدير على مذهبهم: فعجلنا الحرب مخافة أن تشتمونا، فحذف مخافة، وأقيم أن تشتمونا مقامها. انتهى كلامه. قال ابن الملا الحلبي: لم يقدر المصنف مخافة في الآية لامتناعها، لكنه لو قدر «كراهة» في البيت أيضًا كان أولى، لأن تعجيل القرى إذا كان لإكرام الضيوف فهو من شأن الكرام، بخلاف ما إذا كان لمخافة الشتم، فهو أسوأ حالًا
[ ١ / ١٨٢ ]
مما إذا كان لكراهته كما لا يخفى. قال شيخنا الخفاجي: أقول: هذا خطأ منه، فإنه حمل القرى في البيت على قرى الضيف، وليس معناه هذا، فإنه استعارة تهكمية، والمراد به قتلهم. انتهى. والعجب من ابن الملا، فإنه قال قبل ذلك: ثم اعلم أن قوله: نزلتم منزل الأضياف، ليس على ظاهره، فإنه إنما يريد أنهم جاؤوا محاربين لهم، فنزلهم منزلة الأضياف تهكمًا بهم، فليس القرى المعجل لهم قرى الضيوف، بل قرى الأسنة والسيوف، فهو استعارة تحقيقية، قرنت بلا يلائم المستعار منه وهو التعجيل ترشيحًا، كالتبعية في قوله:
نقريهم لهذميات نقد بها ما كان خاط عليهم كل زراد
أي: طعنات منسوبة إلى لهذم، وهو القاطع من الأسنة. انتهى. وقوله: مرادة، هي صخرة عظيمة تطحن ما مرت به، شبه الكتيبة بها فقال: جعلنا قراكم الحرب لما نزلتم بنا، ولقيناكم بكتيبة تطحنكم طحن الرحى، قال التبريزي.
ومرادة منصوب بنزع الخافض وهو الباء، قاله بعض شراح المعلقة، وهو أحمد بن الفقيه محمد بن أبي بكر محمد. وقال ابن الملا: نصب على الحال من قراكم.
وغالب أبيات هذه القصيدة قد شرح في مواضع متفرقة من شواهد «شرح الكافية» للمحقق الرضي.
وقائلها عمرو بن كلثوم، شاعر فارس جاهلي قد تقصينا ترجمته مع شرح أول معلقته في الشاهد الثامن والثمانين بعد المائة.
وأنشد في إن المكسورة المشددة، وهو الانشاد السادس والأربعون:
(٤٦) إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافًا إن حراسنا أسدا
[ ١ / ١٨٣ ]
قال الحقاف الإسبيلي في «شرح الجمل الزجاجية»: زعم بعض النحويين أنها – أي: الحروف المشبهة بالفعل – يجوز فيها أن تنصب الاسم والخبر معًا، وممن ذهب إلى ذلك ابن سلام في «طبقات الشعراء» وزعم أنها لغة، واستدل على ذلك بقول عمر ابن أبي ربيعة: إذا اسود جنح الليل فلتأت .. البيت، فنصب الحراس والأسد بإن، وكذلك قول الآخر:
إن العجوز جنة جروزا تأكل كل ليلة قفيزا
فنصب بإن العجوز، وجنة جروزًا، وكذلك قول أبي نخيله العماني
كأن أذنيه إذ تشوفا قادمة أو قلما محرفا
وزعم الفراء أن ذلك لا يجوز إلا في «ليت» واستدل على ذلك بقوله:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
فنصب أيام الصبا ورواجعا بليت، ولا حجة في شيء من ذلك عندنا.
أما قوله: إن حراسنا أسدا، فالخبر محذوف، والتقدير: تجدهم أسدًا، أو تلقاهم أسدًا، وكذلك قوله:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
كأنه قال: أقبلت رواجعًا، وخبر هذه الحروف يجوز حذفه إذا فهم المعنى،
[ ١ / ١٨٤ ]
وأما قول العماني فإن الأصمعي وأبا عمرو بحضرة الرشيد ولولا أنه غير فصيح لما جاز لهما ذلك، وأما قول الآخر:
إن العجوز جنة جروزا
فانتصب جنة وجروزا على الذم، والخبر تأكل. انتهى.
وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الشاهد السادس. والجنح بضم الجيم وكسرها: طائفة من الليل، وقوله: فلتأت، جاء على الأصل كقراءة ﴿فلتفرحوا﴾ [يونس/٥٨] بالتاء الفوقية، والقياس: فأت، و: فافرحوا، وليس من هذا قوله: ولتكن، لأنه مسند إلى خطاك - بضم الخاء - وهو جمع خطوة، بضم الخاء وفتحها، وخفافًا: جمع خفيفة، والحراس: جمع حارس.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع والأربعون:
(٤٧) إن من يدخل الكنيسة يومًا يلق فيها جاذرا وظباء
يريد: إنه من يدخل الكنيسة يومًا، فحذف ضمير الشأن ضرورة، كما قاله الأعلم في «شرح أبيات الجمل»، وابن عصفور في كتاب «الضرائر» قال السيوطي تبعًا لابن السيد في «شرح أبيات الجمل»: البيت للأخطل، وبعده:
ما لت النفس نحوها إذ رأتها فهي ريح وصار جسمي هباء
[ ١ / ١٨٥ ]
وقال ابن هشام اللخمي في «شرح أبيات الجمل»: لم أجده في ديوان الأخطل، أقول: وأنا أيضًا فتشت ديوان الأخطل من رواية السكري فلم أجده فيه، والشعر أيضًا ليس من نمط شعره، قال الأعلم في «شرح أبيات الجمل»: هذا البيت نسبه بعضهم إلى الأخطل، وحمله على ذلك تشبيه بالنصرانيات، لأنه كان نصرانيًا، وليس كذلك، لأنه محال أن يتغزل بنسائه في متعبده وموضع تنسكه، والأصح أن يكون غير مسلمًا.
والجآذر: جمع جؤذر، وهو ولد البقرة من الوحش، والظباء: جمع ظبية، والمعنى أنه يشبه أولاد النصارى ونساءهم، ودل عليه ذكر الكنيسة، فشبه أولادهم بالجآدر ونساءهم بالظباء في سعة العيون وطول الأعناق وحسنها. انتهى كلامه.
وقال اللخمي: ويحتمل أن يريد الصور التي يصورونها فيها، لأن كنائس الروم قل أن تخلو من الصور.
والأخطل اسم أربعة من الشعراء، أحدهم: الأخطل النصراني التغلبي، الشاعر المشهور من الأراقم، واسمه غياث بن غوث، وقيل: اسمه غويث، ويكنى أبا مالك، قال صاحب الأغاني: إن السبب في تلقييه بالأخطل أن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب في وقته، وكان لا يلزم برهط منهم إلا أكرموه وأعطوه، فنزل على رهط الأخطل فأكرم وجمعوا له غنمًا وحظروا عليها حظيرة، فجاء الأخطل فأخرجها من الحظيرة وفرقها، فخرج كعب وشتمه، واستعان بقوم من تغلب فجمعوها له وردوها إلى الخطيرة، فارتقب الأخطل غفلته ففرقها ثانية، فغضب كعب وقال: كفوا عني هذا الغلام وإلا هجوتكم، فقال له الأخطل: إن هجوتنا هجوناك، وكان الأخطل يومئذ يفرزم – والفرزمة: أن يقول الشعر
[ ١ / ١٨٦ ]
في أول أمره قبل أن يستحكم طبعه وتقوى قريحته – فقال كعب: ومن يهجوني؟ فقال: أنا، فقال:
ويل لهذا الوجه غب الجمه
فقال الأخطل:
فناك كعب بن جعيل أمه
فقال كعب: إن غلامكم هذا لأخطل، ولج الهجاء بينهما، فقال الأخطل:
سميت كعبًا بشر العظام وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائل مكان القراد من است الجمل
ففزع كعب منه، وقال ابن السيد في «شرح أدب الكاتب»: لقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه، وذلك أن ابني جعيل احتكما إليه مع أمهما فقال:
لعمرك إنني وابني جعيلٍ وأمهما لإستار لئيم
فقيل له: إنه لأخطل، فلزمه هذا اللقب، والإستار: معرب جهار، وهو أربعة من العدد بالفارسية. وعمر دهرًا طويلًا ومات على النصرانية، وكان مقدمًا عند خلفاء بني أمية، لمدحه إياهم وانقطاعه إليهم، ومدح معاوية وابنه يزيد، وهجا الأنصار رضي الله تعالى عنهم بسببه، فلعنه الله تعالى وأخزاه.
والثاني: الأخطل الضبعي، كان شاعرًا وادعى النبوة، وكان يقول: لمضر صدر النبوة ولنا عجزها، فأخذه ابن هبيرة في دولة الأمويين، فقال: ألست القائل:
[ ١ / ١٨٧ ]
لنا شطر هذا الأمر قسمة عادل متى جعل الله الرسالة ترتبا
أي: راتبة دائمة في واحد؟ فقال: وأنا القائل:
ومن عجب الأيام أنك حاكم علي وأني في يديك أسير
فأمر به فضربت عنقه.
والثالث: الأخطل المجاشعي، وهو الأخطل بن غالب أخو الفرزدق، وكان شاعرًا وإنما كسفه الفزدق فذهب شعره.
والرابع: الأخطل ابن حماد بن الأخطل بن ربيعة بن النمر بن تولب. هكذا ذكر الأربعة الآمدي في «المؤتلف والمختلف» فيحتمل أن يكون ذلك الشعر لأحد الثلاثة المتأخرة، والله سبحانه أعلم.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثامن والأربعون:
(٤٨) ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه
على أن «إن» فيه بمعنى نعم، قال سيبويه في «باب ما تلحقه الهاء لتتبين الحركة»: ومثل ما ذكرت لك قول العرب: إنه، وهم يريدون: إن، ومعناها: أجل، وأنشد هذا البيت، قال الأعلم: الشاهد فيه تبيين حركة النون بهاء
[ ١ / ١٨٨ ]
السكت، لأنها حركة بناء لا تغير لإعراب، فكرهوا تسكينها لأنها حركة مبني لازمة، ومعنى إن هنا: نعم، انتهىز
وقال أبو علي في «البغداديات» بعد نقل كلام سيبويه: وكان أبو بكر أجاز فيه مرة أن تكون إن المحذوفة الخبر، كأنه قال: إن الشيب قد علاني، فأضمره فجرى بذلك ذكره، وحذف خبره للدلالة عليه، قال: وحذف الخبر في هذا أحسن لأن عنايته بإثبات الشيب نفسه كما أنه يحذف معها الخبر لما كان عرضة، ووكده كإثبات المحل في قوله:
إن محلًا وإن مرتحلًا
قال: وهذا أحد ما تشبه فيه إن «لا» النافية العاملة النصب.
وزعم أبو عبيدة أن إن بمعنى نعم غير موجودة، وهي في البيت مؤكدة، الهاء اسمها، وخبرها محذوف، أي: إنه قد كان كما يقلن، وقال الجوهري: قال أبو عبيد: وهذا اختصار من كلام العرب يكتفي منه بالضمير، لأنه قد علم معناه، وأما قول الأخفش: إنه بمعنى نعم، فإنما يريد تأويله، ليس أنه موضوع في أصل اللغة لذلك. انتهى.
قال ابن الشجري في «أماليه» بعد نقل هذا الكلام عن أبي عبيد: والهاء في تفسير أبي عبيدة للشأن، ولم يتعقبه بشيء، ولا يخفى أن ضمير الشأن لا يجوز حذف خبره، بل يجب التصريح يجزأي الجملة من خبره، وأيضًا لا يجوز الحكم على ضمير بأنه ضمير الشأن إلا إذا لم يمكن أن يكون له مرجع، وقول المصنف: إن التقدير: إنه كذلك، ليس الضمير فيه للشأن، لأن شرط خبره أن يكون في الأصل جملة مستقبلة، وكذلك ليس جملة، بل الضمير فيه راجع إلى القول
[ ١ / ١٨٩ ]
المفهوم من يقلن، أي: إن قولهن كذلك، وظن ابن الملا الحلبي أن الضمير للشأن، وأتى بكلام لا طائل له أعرضنا عنه.
وقد جاءت إن لتصديق الخبر المنفي في قول ساعدة الهذلي، وهو:
ولا أقيم بدار الذل إن ولا آتي إلى الغدر أخشى دونه الخمجا
قاقل السكري في شرحه: إن هنا بمعنى نعم، والخمج بفتح الخاء المعجمة والميم بعدها جيم: سوء الذكر، وجاءت لتصديق الخبر المثبت أيضًا فيما أنشده ابن الشجري، وهو:
قالوا غدرت فقلت إن وربما نال النى وشفى الغليل الغادر
ومنه خبر ابن الزبير
وجاءت بعد الاستفهام أيضًا فيما أنشده المصنف في أواخر الباب الخامس، وهو:
قالوا أخفت فقلت إن وخيفتي ما إن تزال منوطةً برجائي
ونقل ابن الملا عن أبي حيان أن «إن» في هذه المواضع هي المؤكدة، حذف معمولاها، فإنه قال: كلام ابن الزبير لا ينتهض دليلًا لابن مالك على أن إن فيه بمعنى نعم، لأنه مما حذف فيه الاسم والخبر، ولا يجوز حذفهما معًا إلا
[ ١ / ١٩٠ ]
مع إن، وقد حذفت العرب الجملة إلا حرفًا منها كما في قولهم: قاربت المدينة ولما، وقوله: «وإن كان فقيرًا معدمًا قالت وإن» فإن التقدير: ولما أدخلها، وإن كان فقيرًا معدمًا قبلته، هذا كلامه.
ولا يخفى أن المنصوص في إن وأخواتها جواز حذف أحد معموليها فقط، ولم يجز أحد حذفهما معًا مع بقاء إن، نعم يجوز أن يحذف معمولاها معها، والفرق بينها وبين لما وإن ظاهر، فإن إن لتأكيد نسبة الكلام، فجيء لمزيد الاعتناء به، فلا يجوز حذفه لئلا يبطل الغرض.
والبيت من جملة أبيات أوردها صاحب «الأغاني» لعبيد الله بن قيس الرقيات، وهي:
بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه
لابد من شيبٍ فدعـ ن ولا تطلن ملامكنه
ولقد عصيت الناهيا ت الناشرات جيوبهنه
حتى أرعويت إلى الرشا دوما ارعويت لنهيهنه
وروري «الصبوح» بدل الصباح، وهو ما يشرب في وقت الصباح، وبكر: جاء بكرة، هذا أصله، ثم استعمل في كل وقت، والعواذل: جمع عاذلة، ورواه صاحب «الصحاح»:
[ ١ / ١٩١ ]
بكرت على عواذلي يلحينني وألومهنه
قال ابن السيرافي: يلحيني: يلمنني على اللهو والغزل، وألومهن على لومهن لي، ويقلن: قد شبت وكبرت، فقلت: نعم، يريد أنه يأتي على علم منه بأمر نفسه، والجيوب: جمع جيب، وهو طوق القميص، والارعواء: النزوع عن الجهل وحسن الرجوع عنه، وكبرت بكسر الباء: بمعنى صرت كبيرًا، والهاء في القوافي للسكتز
وابن قيس الرقيات اسمه عبيد الله بالتصغير، وهو شاعر قرشي، وكان زبيري الهوى، خرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك بن مروان، فقاتل معه إلى أن قتل مصعب، فخرج هاربًا إلى أن جاء إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو يعشي أصحابه، وقال: جئت عائذًا بك، فكتب ابن جعفر إلى زوجة الوليد بن عبد الملك لتشفع لها فشفعها.
قال حماد الرواية: إذا أردت أن تقول الشعر، فارو شعر ابن قيس الرقيات، فإنه أرق الناس حواشي شعر. وسئل بعضهم في التميز بينه وبين عمر ابن أبي ربيعة فأجاب بأن ابن أبي ربيعة أشهر بالغزل، وابن قيس الرقيات أكثر أفانين شعرز
قال أبو عبيد في «النسب»: عبيد الله بن قيس سمي بالرقيات، لأنه كان يشبب بامرأتين كل منهما تسمى رقية. انتهى. وقيل الرقيات لقب قيس والده. وقد تكلمنا عليه، وجمعنا ما للعلماء فيه من الأقوال بما لا مزيد عليه في الشواهد الثالث والثلاثين بعد الخمسمائة من شواد الرضي وذكرنا ترجمته هناك مستوفاة بتوفيق الله تعالى.
[ ١ / ١٩٢ ]
وأنشد بعده:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيرًا لا يزال يزيد
وتقدم شرحه في الشواهد السابع والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع والأربعون:
(٤٩) قد بلغا في المجد غايتاها
قبله:
إن أباها وأبا أباها
وكان الظاهر أن يقول: قد بلغا في المجد غايتيه بضمير المذكر الراجع إلى المجد، لكنه أنث الضمير لتأويل المجد بالأصالة، والمراد بالغيتين: الطرفان من شرف الأبوين، كما يقال: أصيل الطرفين.
وهذان البيتان نسبهما ابن السيد البطليوسي في كتاب «أبيات المعاني» إلى رجل من بني الحارث، وقال العيني، وتبعه السيوطي: نسبهما الجوهري إلى أبي النجم وأنشد قبلهما:
واها لريا ثم واها واها هي المنى لو أتنا نلناها
يا ليت عينيها لنا وفاها بثمنٍ نرضي به أباها
إن أباها .. إلى آخر البيتين. وقد رجعت إلى «الصحاح» فلم أجد به إلا: واهًا لربا .. إلى: نلناها .. البيتين، وقال العيني أيضًا، وتبعه السيوطي:
[ ١ / ١٩٣ ]
أنشد أبو زيد في «نوادره» عن المفضل قال: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:
أي قلوص راكبٍ تراها شالوا علاهن فشل علاها
وأشدد بمثنى حقب حقواها ناجيةً وناجيا أباها
إن أباها الخ
وقد رجعت إلى هذه «النواد» أيضًا من ثلاث نسخ صحيحة، فلم أجد فيها الأبيات الأربعة من قوله: وناجيًا أباها، وأوردها في موضعين من «النوادر» وقد أوردها الرضي في باب الظروف، وشرحناها في الشاهد الثامن عشر بعد الخمسمائة.
وأنشد في «أم»، وهو الانشاد الخمسون:
(٥٠) وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
وبعده:
فإن قالوا النساء مخبات فحق لكل محصنة هداء
فإما أن تقول بنو مصادٍ إليكم إننا قوم براء
وإما أن يقولوا قد وفينا بذمتنا وعادتنا الوفاء
[ ١ / ١٩٤ ]
وإما أن يقولوا قد أبينا وشر مواطن الذمم الإباء
وإن الحق مقطعه ثلاث يمين أونفار أو جلاء
فذالكم مقاطع كل حق ثلاث كلهن لكم شقاء
فلا مستكرهون لما منعتم ولا تعطون إلا أن تشاوؤا
جوار شاهد عدل عليكم وسيان الكفالة والتلاء
بأي الجيرتين أجرتموه فلم يصلح لكمإلا الأداء
ولم أر معشرًا أسروا هديًا ولم أر جار بيتٍ يستباء
وجار البيت والرجل المنادي أمام الحي عقدهما سواء
من قصيدة لزهير بن أبي سلمى هجا بها قومًا من بني عليم من غير إساءة إليه، فلما ظهر له ذلك ندم، وحلف أن لا يهجو أهل بيت أبدًا، وكان يقول: ما خرجت بليل إلا خفت أن يرميني الله تعالى من السماء بداهية لهجائي قومًا لا ذنب لهم عندي، وكان سبب الهجو أن رجلًا من بني عبد الله بن غطفان رحل إلى بني عليم، وهم حي من كلب. فنزل بهم فأكرموه وأحسنوا جواره، وكان رجلصا مولعها بالقمار، فنهوه عنه فأبى، فقمر مرة فردوا عليه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر ثالثة فلم يردوا عليه، فرحل من عندهم إلى قومه، فزعم أنهم أغاروا عليه، وكان زهير نازلًا في غطفان، فهاجم وذكر صنيعهم به، ويقال: إن ذلك الرجل لما خلع من ماله رجا أن يجوز الخصل، فرهن امرأته وابنه فكان الفوز عليه، قال الأصمعي: فلما بلغهم قول زهير بعثوا إليه بالإبل، وأرسلوا يخبرونه خبر صاحبه ويعتذرون إليه، ولاموه على ما فرط منه، فأرسل
[ ١ / ١٩٥ ]
إليهم زهير: والله لقد فعلت وعجلت، وايم الله لا أهجو أهل بيت من العرب أبدًا.
وقوله: وما أدري .. الخ، أصله: وما أدري أقوم آل حصن أم نساء. وجملة: أقوم .. الخ: معلقة عن أدري بهمزة الاستفهام، واعترض بينهما بجملة: وسوف أدري، واعترض بين سوف وبين أدري بجملة إدخال، بمعنى أظن، فهذا اعتراض في أثناء اعتراض، وإخال ملغاة لا عمل لها في جملة الاستفهام لا لفظًا ولا محلًا، وفي قوله: وسوف أدري مبالغة، يقول: لشدة شبههم بالنساء لا يمكن الآن معرفتهم، ويمكن أن أعرفهم في المستقبل بمزاولة فكر. وفي قوله: إخال مبالغة أخرى، فإن القدرة على معرفتهم في المستقبل أمر ظني قد يتخلف، وهذا من باب التشكك، وهو من ملح الشعر وظرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما للغلو والإغراق، وفائدته الدلالة على قرب الشبهين، حتى لم يفرق بينهما ولا ميز أحدهما من الآخر، فقد أظهر أنه لم يعلم أهم رجال أم نساء؟ وهذا أملح من أن يقول: هم نساء، وأقرب إلى الصدق، وهو من أمض الهجاء.
قال الأعلم في «شرح الأشعار السنة»: يهزأ بهم ويتوعدهم، ويريد: إن كانوا رجالا فسيوفون بعهدهم، ويبقون على أعراضهم، وإن كانوا نساء فمن عادة النساء الغدر وقلة الوفاء.
وفي البيت دليل على أن القوم مختص بالرجال كما قال الجوهري، وقال: وربما دخل النساء فيه على طريق التبع، لأن قوم كل نبي رجال ونساء. وفي «القاموس»: القوم: الجماعة من الرجال والنساء معًا، أو الرجال خاصة، أو يدخله النساء على التبعية. انتهى. ولكون الأول هو الراجح عنده قدمه، وهو الظاهر، لأن المرأة أيضًا قيمة بينها، وإليه ذهب أبو عبد الله حمزة بن الحسن في كتاب «التثنية على حدوث التصحيف» قال: ادعى قوم من أهل اللغة
[ ١ / ١٩٦ ]
أن القوم اسم يقع على الرجال دون النساء، قالوا: وذلك أن الرجال قوامون بالأمور دون النساء، واحتجوا برواية بيت لزهير ينقضها رواية أخرى، وكتاب الله تعالى يرد عليهم، لأن قوم كل نبي كانوا رجالًا ونساء، والأصمعي رواه رواية موافقة للتنزيل، وهي: «رجال آل حصن أم نساء» انتهى. وعليه تكون الهمزة مقدرة قبل رجال.
وقوله: فإن قالوا النساء مخبآت، قال الأعلم: أي: إن قال آل حصن نحن النساء، ونصب مخبآت على الحال المؤكد بها، لأنه إذ ذكر النساء فقد دل على التخبئة، إذ كان ذلك من شأنهن، ثم أكده بذكر الحال، أي: إن قالوا نحن النساء اللواني يختبئن في الخدور والحجال، فيبنغي أن يزوجن الرجال ويهدين إلى أزواجهن، والهداء بالكسر: زفاف العروس إلى زوجها، وحق بالبناء للمجهول، والمحصنة: ذات الزوج، وهي أيضًا البكر لأن الإحصان يكون بها، فتوصف بما يؤول إليه أمرها. انتهى كلامه.
وقوله: فإما أن تقول بنو مصاد، بفتح الميم: من بني حصن، وقوله: إليكم، أي: تنحوا عني فلا سبيل لكم علينا، فإنا براء مما وسمتمونا من الغدر ومنع الحق، وبرآء: جمع بريء، ومن ضم الباء فأصله برآء، ثم ترك الهمزة، ويجوز فتح الباء على أنه مصدر وصف به. وقوله: وإما أن يقولوا: قد وفينا، يقول: إما أن يقولوا: نحن نساء: وإما أن يقولوا نحن برآء مما اتهمنا به، وإما أن يقولوا: نفي بما عندنا، وإما أن يقولوا: نأبى ذلك ونمنعه، وهذا كله توعد منه واستخفاف، قوله: قد أبينا، أي: أبينا أن نخلي الأسارى الذين في أيدينا. وقوله: وشر مواطن .. الخ. روي: «الحب» بدل
[ ١ / ١٩٧ ]
الذمم، يقول: للحسب موطن عطية، وموطن حلم، وشر مواطنه وخصاله، أن يسأل صاحبه خيرًا فيأبى أن يفعله، أو حقًا فيأبى أن يعطيه.
وقوله: وإن الحق مقطعه ثلاث .. الخ، الحق: خلاف الباطل، ومقطعه: الأمر الذي ينقطع به ثلاث، أي أحد خصال ثلاث ينفذ بكل واحدة منها، وقوله: يمين .. الخ، بدل مفصل من مجمل، واليمين يكون على المنكر إذا لم يكن للمدعي شهود، ونفار، أي: تنافر إلى رجل حاكم يتبين حجج الخصوم، ويحكم بينهم، والجلاء، بفتح الجيم: الأمر الجلي، يريد به بيانًا بإقرار أو شهادة، وهذه أحكام الإسلام.
وقوله: فذلكم مقاطع .. الخ، الإشارة راجعة إلى قوله: مقطعه ثلاث، أي: فذلك المقطع الذي هو الثلاث مقاطع كل حق، وجعل تبيين الحق شفاء من الالتباس والشك فيه.
وقوله: فلا مستكرهون .. الخ، أي: فلا أنتم مستكرهون على ما صنعتم من الوفاءوالجوار وتأدية مال هذا الرجل، إنما تعطون إن أعطيتم عن طيب نفس، فلين لهم القول بعد توعده لهم ليستنزلهم بذلك.
وقوله: جوار شاهد، يقول: كان هذا الرجل جارًا لكم، وجواره بين مشهور، فهو شاهد عليكم أنكم أصحابه، وقوله: وسيان، أي: مثلان أن يتكفل للرجل أويتلى له بذمة، والتلاء بالفتح: الحوالة، أي: من كفل لك كفالة، ومن جعل لك حوالة في ذمة، فقد وجب حق هذين جميعًا.
وقوله: بأي الجيرتين، يقول: الكفالة جوار، والتلاء جوار، فأي الأمرين كان، فلا يصلح لكم إلا أداء ذمته والوفاء به.
وقوله: أسروا هديًا، الهدي بوزن كريم: الرجل ذو الحرمة، وهو المستجير بالقوم ما لم يأخذ عهدًا، فإذا أخذ العهد وأجير فهو حينئذ جار، وسمي هديًا على معنى أنه له
[ ١ / ١٩٨ ]
حرمة مثل حرمة الهدي الذي يهدى إلى البيت الحرام، وقوله: يستباء، أي: تؤخذ امرأته، وكان هذا الرجل قد قامر على أهله وماله فقمر، وأخذت منه امرأته وماله، فيقول: لم أر قومًا أسروا رجلًا له حرمة، وأخذوا امرأته فاتخذوها للنكاح، ويستباء: من الباءة وهي النكاح.
وقوله: والرجل المنادي، أي: الرجل المجالس في الندي والنادي، وهما المجلس، يقال: ندوت الرجل وناديته إذا جالسته، وقوله: أمام الحي، إنما قال هذا لأن مجالسهم كانت أمام الحي، لئلا يسمع النساء كلامهم ويطلعن على تدبيرهم، يقول: من جاور قومًا وم نجالسهم فحقهما وذمتهما واحدة، أي: إن لم يكن هذا الرجل جاركم فله حرمة بمجالسته إياكم، فحقه واجب عليكم كوجوب حق الجارز
ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى على محل الشاهد من البيت بعد شاهدين.
وزهير بن أبي سلمى - بضم السين - واسمه ربيعة بن رباح المزني، وكانت محلتهم في بلاد غطفان، فيظن الناس أنهم من غطفان، وهو غلط وزهير أحد الشعراء الثلاثة الفحول: امرئ القيس وزهير والنابغة الذبياني. وكان زهير ينظم القصيدة في شهر، وينقحها ويهذبها في سنة، وكانت قصائد تسمى حوليات زهير.
وقد تتبعنا ما يتعلق بترجمته في حواشينا على «شرح قصيدة بانت سعاد» وذكرنا طرفًا منها في الشاهد الثامن والثلاثين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الواحد والخمسون:
(٥١) ولست أبالي بعد فقدي مالكًا أموتي ناء أم هو الآن واقع
[ ١ / ١٩٩ ]
قال الدماميني: الذي يظهر لي أن الجملة الواقعة بعدها في محل نصب والفعل معلق، قال الجوهري: وقولهم: لا أباليه، أي: لا أكثرت به، فهو فعل متعد بنفسه ويقرب من معنى الفعل القلبي، لأن معنى لا أكثرت به: لا أفكر فيه ازدراء به، والتعليق من هذه الجملة، انتهى كلامه. وهو تارة يتعدى بالباء، قال النووي في «تهذيبه»: إن بعض المحدثين من أهل العصر زعم أن تعديته بالباء لحن، والصواب: أباليه، ولم يسمع من العرب إلا هكذا، وهذا غلط منه بخبر بجهالته وقلة بضاعته، والصحيح أنه يتعدى بالياء، وهو المسموع عن العرب، وفي الحديث «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ومن لم يبال به لم يفقهه» وفي الصحيحين: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يبالي بتأخير العشاء» هكذا روي «بتأخير» بالباء، وفي البخاري عن أبي هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حرام أم حلال» انتهى.
ومثله في «المصباح» قال: قولهم: لا أباليه ولا أبالي به، أي: لا أهتم به ولا أكثرت له، ولم أبال ولم أبل للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بالة. والأصل بالية، مثل عافاه معافاة وعافية، قالوا: ولا يستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تبالى القوم: إذا تبادروا إلى الماء القليل فاستقوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالًا له، وقال أبو زيد: ما باليت به مبالاة، والاسم البلاء وزان كتاب، وهو الهم الذي تحدث به نفسك. انتهى.
وقال ابن فارس في «المجمل»: اشتبه علي اشتقاق أبالي، حتى رأيت في شعر ليلى الأخيلية:
[ ١ / ٢٠٠ ]
تبالي رواياهم هبالة بعدما وردن وجول الماء بالجم يرتمي
قالوا في تفسيره: التبالي: المبادرة بالاستقاء، يقال: تبالى القوم: إذا تبادروا الماء فاستقوه عند قلة الماء، وقال بعضهم: تبالى القوم: إذا قل الماء فاستقى هذا والآخر ينتظر حتى يجري الماء فيستقي، فأصل قولهم: لا أبالي به: لا أبادر إلى اقتنائه وانتظاري به، بل أنبذه ولا أعتد به. انتهى.
فجملة الاستفهام تكون باعتبار تعديه بنفسه في موضع الصريح، وباعتبار تعديه بالباء في موضع المفعول المقيد بحرف الجر.
وفقدته فقدًا من باب ضرب، وفقدانًا: عدمته، والنائي: البعيد. ومالك: هو مالك بن نويرة.
والبيت من شعر لمتمم بن نويرة اليربوعي، رثى به أخاه مالك بن نويرة، قال ابن السيد في شرح «كامل» المبرد: قولهم: «فتى ولا كمالك» هو مالك ابن نويرة سيد بني يربوع، قتله خالد بن الوليد. انتهى. وكان سبب قتله فيما يقال أنه ارتد في من ارتد من العرب، فلما بلغ أبا بكر رضي الله تعالى عنه خبره بعث إليه خالد بن الوليد فحاربهو فمسكه فقتله، ورثاه أخوه متمم بأشعار كثيرة، ويأتي إن شاء الله تعالى بعضها في هذا الكتاب.
وهو من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أورده أبو عمر بن عبد البر في كتابه «الاستيعاب» قال: متمم بن نويرة بن جمرة اليربوعي التميمي الشاعر.
[ ١ / ٢٠١ ]
قال الطبري: مالك بن نويرة بن جمرة التميمي، بعثه النبيى صلى الله تعالى عليه وسلم على صدقة بني يربوع، وكان قد أسلم هو وأخوه مالك، أما مالك فقتله خالد بن الوليد، واختلف فيه: هل قتله مرتدًا أو مسلمًا؟ وأما متمم فلم يختلف في إسلامه، وكان شاعرًا محسنًا، ليس لأحد في المرائي كأشعاره يرئي أخاه مالكًا. انتهى. وقد ذكرناه قصة قتله في الشاهد السادس والثمانين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني والخمسون:
(٥٢) فقمت للطيف مرتاعًا وأرقني فقلت أهي سرت أم عادني حلم
هو من قصيدة طويلة للمرار بن منقذ، أوردها أبو تمام لجودتها بطولها في «الحماسة» وقبله:
زارت رويقة شعثًا بعدها هجعوا لدى نواحل في أرساغها الخدم
فقمت للطيف مرتاعها فأرقني فقلت أهي سرت أم عادني حلم
[ ١ / ٢٠٢ ]
وكان عهدي بها والمشي يبهضها من القريب ومنها النوم والسأم
وبالتكاليف تأتي بيت جارتها تمشي الهوينى وما يبدو لها قدم
سود ذوائبها بيض ترائبها درم مرافقتها في خلقها عمم
ريوق إني ومن حج الحجيج له وما أهل بجنبي نخلة الحرم
لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم عيش سلوت به عنكم ولا قدم
ولم يشاركك عندي بعد غانية لا والذي أصبحت عندي له نعم
وأول هذه القصيدة في ذم صنعاء ومدح بلده وقومه، ويأتي شرح أوائلها إن شاء الله تعالى في بحث «على».
قوله: زارت رويقة الخ، يقول: زار خيال رويقة قومًا شعثًا، أي: غبرًا بعدما ناموا عند إبل ضوامر، شدت في أرساغها سيور القد، لشدة سيرها وتأثير الكلال فيها، والخدم بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة: سيور القد جمع خدمة، والرسغ بالضم: الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل، وقوله: فقمت للطيف، هو الخيال الطائف في النوم، مخفف طيف بالتشديد، وروري: «فقمت للزور» وهو مصدر معنى الزائر يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث. والمرتاع: الخائف الفزغ، وأرقني: سهرني، وقوله: أهي سرت: بسكون الهاء بعد همزة الاستفهام. وبه استشهد المحقق الرضي في هذا البيت تبعًا لصاحب «المفصل» قال ابن مالك في شرح «تسهيله»: إنه لم يجئ إلا في الشعر، ولابن جني كلام عليه نقلناه في شرح هذا البيت في الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وعادني، أي: جاءني بعد إعراضه، وقيل: اعتادني، وقيل: زارني،
[ ١ / ٢٠٣ ]
من عيادة المريض، لأن العاشق مريض العشق دائمًا. والحلم بضمتين ويسكن: الرؤبا.
قال ابن الحاجب في «أمالي المفصل»: يريد أني قمت من أجل الطيف مذعورًا للقائه، وأرقني لما لم يحصل اجتماع محقق، ثم ارتبت لعدم الاجتماع، هل كان على التحقيق أو كان ذلك في المنام! ويجوز أن يريد: فقمت للطيق وأنا في النوم إجلالًا، في حال كوني مذعورًا لاستعظامها، وأرقني ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئًا محققًا، ثم من فرط صبابته شك! أهي في التحقيق سرت أم كان ذلك حلمًا؟ ! على عادتهم في مبالغتهم، كقوله: «آأنت أم أم سالم» انتهى.
وقال الدماميني بعد نقل كلام ابن الحاجب، حاصله احتمال كون القيام في اليقظة وفي المنام، وأما الشك في الاجتماع هل كان في اليقظة أو في المنام! فئابت على كلا الاحتمالين.
وقوله: وكان عهدي بها، في «المصباح»: وعهدته بمال، أي: عرفته به، والأمر كما عهدت، أي: كما عرفت. وهو قريب العهد بكذا، أي: قريب العمل والحال، وعهدته بمكان كذا، أي: لقيته، وعهدي به قريب، أي: لقائي. وقوله: «يهضها» كذا في النسخة التي نقلت منها من «الحماسة» بالضاد قال صاحب «القاموس»: بهضني الأمر كمنع، وأبهضني، أي: فدحني
[ ١ / ٢٠٤ ]
وبالظاء أكثر. وقال في بهظ: بهظه بالأمر كمنعه: غلبه، وثقل عليه وبلغ به مشقة، قال التبريزي: جملة: والمشي يبهضها، خبر كان، والواو في قوله: وكان عهدي بها، واو الحال من قوله: سرت، انتهى، وقوله: من القريب أي: من المكان القريب، وقوله: ومنها النوم والسأم، هذه الجملة معطوفة على جملة: والمشي يبهضها.
والهوينى: منصوب على المصدر، أي: مشيًا هونًا. وقوله: وما يبدو لها قدم، أي: لطول أذيالها فهي تجرها على الأرض.
وقوله: بيض ترائبها: جمع تربيه كقرينة، وهو أعالي الصدر، ومرفق أدرم: إذا لم يكن له حجم لاكتنازه باللحم، والخلق بالفتح: الخلقة، والعمم: بفتح العين المهملة: الطول.
وقوله: رويق: منادى مرخم رويقة، ونخلة: موضع قرب مكة، قال أبو عبيد البكري: نخلة على لفظ واحدة النخل: موضع على ليلة من مكة، وهي التي نسب إليها بطن نخلة، وهي التي ورد فيها الحديث ليلة الجن انتهى. وزعم التبريزي، وتبعه العيني أنه موضع قرب المدينة. وحرم بضمتين: جمع حرام كسحب جمع سحاب بمعنى المحرم، وروي أيضًا: «وما حج الجميع له».
قال ابن جني في «إعراب الحماسة»: ما هنا: تحتمل أن تكون عبارة عن الله تعالى، وأراد في «ما» الثانية تقدير له، ويجوز أن تكون مصدرية، فتكون الهاء في «له» لله تعالى وإن لم يجر له ذكر لأنه قد جرى ذكر الحج،
[ ١ / ٢٠٥ ]
فدلت الطاعة على المطاع، سبحانه، فكأنه قال: إني وحج الحجيج لله تعالى، ويؤكد ذلك أنه لم يعد مع الثانية له، لأنه غير محتاج إليها من حيث كان مصدرًا. ويجوز أن تكون عبارة عن البيت فأقسم به، فحينئذ تحتمل الهاء في «له» أن تكون للبيت، على أن اللام بمعنى إلى، وأن تكون لله تعالى، أي: والبيت الذي حجه الحجيج لطاعة الله تعالى انتهى.
وقوله: لم ينسني، هو مضارع أنساه، وذكركم: مفعول مقدم، وعيش: فاعل مؤخر، وقدم: بكسر القاف معطوف على عيش. قال ابن جني: هذا البيت جواب القسم، وأجاب بلم، وحرفنا الجواب في الني أنهما ما ولا، ولكن اضطر فشبه لم بما، كما اضطر إلى ذلك الأعشى في قوله:
أجد لم تغتمض ليلة
فاعرف ذلك فإنه لطيف. انتهى.
وبعد: مبنية على الضم، لحذف المضاف إليه، أي: بعدك، وغانية: فاعل يشاركك، والغانية: المرأة الحسناء التي استغنت بحسنها عن الزبنة. وقوله: لا والذي، لا: زائدة جاءت لتأكيد النفي السابق، والذي مقسم به، فإن قلت: أين جواب القسم؟ قلت محذوف دل عليه لم يشاركك .. الخ، كقولك: ما فعلت والله، والنعم بكسر النون: جمع نعمة.
والمرار: شاعر إسلامي في الدولة الأموية من معاصري الفرزدق وجرير، وهو بفتح الميم وتشديد الراء، قال ابن قتيبة في كتاب «الشعراء»: المرار العدوي هو ابن منقد من صدي بن مالك بن حنظله، وأم صدي بالتصغير من
[ ١ / ٢٠٦ ]
جل بن عدي، فيقال لولده: بنو العدوية انتهى.
واسم المرار هذا: زياد بن منقذ، قاله الحصري في «زهر الآداب» قال: أنشد أبو عبيدة هذا الشعر لزياد ابن منقذ الحنظلي، وهو المرار العدوي نسب إلى أمه العدوية وهي فكيهة بنت تميم بن الديل بن جبلة بن عدي بن عبد مناة بن تميم بن أد بن طابخة، فولدت لماك بن حنظلة عديًا ويربوعًا، فهؤلاء من ولده، يقال لهم: بنو العدوية، وكان زياد نزل بصنعاء فاجتواها، ومنزله في نجد، فقال في ذلك قصيدة يقول فيها، وذكر قومه. وإلى اسمه نسب الشعر في «الحماسة» قال شراح «الحماسة»: هولزياد بن منقذ، وهو أحد بني العدوية من تميم ولم يقل غير هذه القصيدة، ولم يقل أحد مثلها، وكان قد أتى اليمن فنزع إلى وطنه ببطن الرمة. قال أبو العلاء: الرمة: واد بنجد ويقال بتشديد الميم وتخفيفها. انتهى. وصحفه بعضهم، وتبيعه العيني فقال: ببطن الرمث، بالمثلثلة.
وزعم بعضهم أن هذه القصيدة لزياد بن حمل بن سعيد بن عميرة بن حريث، ولم يصب أبو عبيد البكري في زعمه أن زياد بن حمل هو المرار العدوي. وزعم صاحب «الأغاني» [في الأغاني] والخالديان في [شرح] «ديوان مسلم بن الوليد» أنهما للمرار بن سعيد الفقعسي، قال ياقوت الحموي في «معجم البلدان»: والصواب أنها لزياد بن منفذ العدوي، لقوله في القصيدة:
[ ١ / ٢٠٧ ]
بل ليت شعري متى أغدو تعارضني جرداء سابحة أو سابح قدم
نحو الأميلح من سمنان مبتكرًا بفتيةٍ فيهم المرار والحكم
والمرار والحكم أخواه.
وذكر الآمدي في «المؤتلف والمختلف» أن من يقال له المرار ستة: أولهم: المرار الفقعسي، وثانيهم: هذا المترجم، وثالثهم: المرار بن سلامة العجلي، وهو إسلامي أيضًا، ورابعهم: المرار بن بشير السدوسي، وخامسهم: المرار الكلبي، وسادسهم: المرار بن معاذ الجرشي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والخمسون:
(٥٣) لعمرك ما أدري وإن كنت داريا شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر
على أن الهمزة المقدرة مع «أم» لطلب التعيين، وليست الهمزة فيه التسوية، وإن تقدم عليها ما أدري، وأن المعنى: ما أدري أي النسبين هو الصحيح.
وعلى هذا لأخير بني كلام ابن الشجري، وقد أخذ كلامه من «شرح الكافيه» لابن مالك، وهذه عبارته فيها: و«أم» سميت متصلة، لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى أحدهما عن الآخر، وشرط ذلك أن يقرن ما يعطف بها عليه بهمزة التسوية، أو بهمزة يطلب بها وبأم ما يطلب بأي، وعلامة ذلك صلاحية الاستغناء بها عنها، فمن لوازم ذلك كون الناطق «بأم» المذكورة مدعيًا العلم بنسبة الحكم إلى أحد المذكورين دون تعيين، وقد يكون مصحوباهما اسمين نحو: أزيد عندك
[ ١ / ٢٠٨ ]
أو عمرو، أو فعلين الفاعل واحد في المعنى، نحو: أقام زيد أم قعد، أو فعلين لفاعلين متباينين، كقول الشاعر:
ما أبالي أنب بالحزن تيس أم جفاني بظهر غيبٍ لئيم
ولا يمنع كونهما جملتين اسميتين إذا كان معنى الكلام معنى أي، ومنه قول الشاعر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا
شعيث ابن سهمٍ أم شعيث ابن منقر
أراد: ما أدري أشعيث ابن سهم، أم شعيث ابن منقر، لأن المعنى معنى أي، كأنه قال: ما أدري أي النسبين هو الصحيح.
وابن سهم وابن منقر خبران لا صفتان، وحذف التنوين من شعيث على حد حذفه من عمرو في قول القالئل:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه
ففي هذا حجة على وقوع أم المتصلة بين جلمتين ابتدائيتين، ومنه قول الآخر:
ولست أبالي بعد فقدي مالكًا أمو تي ناء أم هو الآن واقع إلى هنا كلام «شرح الكافية» وفيه أمران:
أولهما: أنه جعل الهمزة الصالح موضعها لأي قسيمة لهمزة التسوية، مع أنه
[ ١ / ٢٠٩ ]
في «التسهيل» وشرحه جعل الهمزة الصالح موضعها لأي شاملة لكلا الهمزتين، وأقره عليه من شراحه أبو حيان والمرادي وابن عقيل، وهذا هو الموافق لصريح كلام سيبويه كما يأتي نصه.
وثانيهما: أنه جعل الهمزة بعد ما أبالي، وبعد لا أدري لغير التسوية، وهو الاستفهام الحقيقي، لصلاحية «أي» موضع الهمزة وأم ومدخولهما، ولهذا قال: لأن المعنى معنى أي، ومدار الاستفهام مع أم عنده صحة حاول أي محلهما، سواء كان قبلهما ما أدري أم لا أبالي، أم ليت شعري، أم سواء أم لا، وحينئذ لم يبق لهمزة التسوية موضع يخصها، فإن في هذه المواضع الأربعة يصح حاول أي موضع الهمزة وأم، فلا وجه حينئذ لجعل همزة التسوية عديلة لهمزة الاستفهام الحقيقي، وهذا مخالف لكلام النحويين، فإنهم قالوا: إن همزة التسوية هي المسوقة بسواء، أو ما أبالي، أو ما أدري، أو ليست شعري ونحوهن، وجعلوها قسيمة لهمزة الاستفهام الحقيقي.
قال سيبويه في باب «أم إذا كانالكلام بها بمنزلة أيهما وأيهم» وذلك [قولك]: أزيد عندك أم عمرو، وأزيدًا لقبيت أم بشرا؟ فأنت الآن مدع أن عنده أحدهما، لأنك إذا قلت: أيهما عندك؟ أو: أيهما لقيت؟ فأنت مدع أن المسؤول قد لقي أحدهما، أو أن أحدهما عنده إلا أن علمك استوي فيهما، لا تدري أيهما هو، إلى أن قال: ومن هذا الباب قوله: ما أبالي لزيدًا لقيت أم عمرًا، وسواء على أزيدًا كلمت أم عمرًا، وإنما جاز حرف الاستفهام هنا لأنك سويت الأمر [ين] عليك كما استويا حين قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجرى هذا على حرف الاستفهام، كما جرى على حرف النداء قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة،
[ ١ / ٢١٠ ]
وإنما لزمت أم هنا لأنك تريد معنى أيهما، ألا ترى أنك تقول: ما أبالي أي ذلك كان، وسواء على أي ذلك كان، والمعنى واحد. وأي ههنا تحسن وتجوز كما جازت في المسألة، ومثل ذلك: ما أدري أزيد ثم أم عمرو، وليت شعري، أزيد ثم أم عمرو، فأوقعت أم ههنا كما أوقعته في الذي قبله، لأن هذا يجري على حرف الاستفهام حيث استوى علمك كما جرى الأول، ألا ترى أنك تقول ليت شعري أيهما ثم، وما أدري أيهما، فيجوز أي ويحسن، كما جاز في قولك: أيهما ثم. هذا كله كلام سيبويه.
فأنت ترى كيف أشرك الهمزتين في أي، وفصل الكلام على همزة التسوية الواقعة بعد تلك الكلمات الأربع عن همزة الاستفهام الحقيقي بقوله: ومن هذا الباب، ومثل لهمزة التسوية بأمثلة وقعت أم فيها بين مفردي جملة واحدة، وأقره عليه السيرافي وأبو علي الفارسي في تعليقته على «الكتاب».
قال السيرافي بعدما قرر كلام سيبويه وشرحه: وقد اتسعت العرب في ذلك، أي: في الاستفهام، فاستعماوه في غير الاستفهام في مواضع مختلفة إلى أن قال: ومنه: م أدري أزيد في الدار أم عمرو؟ فهذه حال السائل. فإذا سأل وهذه حاله قال: أزيد في الدار أم عمرو، ومنه قول القائل: ليت شعري أزيد في الدار أم عمرو، وتمنى أن يعلم ما يسأل عنه السائل إذا قال: أزيد في الدار أم عمرو، ومنه: ما أبالي أزيد جاءك أم عمرو، سويت بين الأمرين في منزلتهما عندك، وهو أنهما عليك سواء، ومنه: سواء علي أقمت أم قعدت، ومعناه: قيامك وقعودك علي مستويان، وإنما جاز الاستفهام وأم في هذه الأشياء، وإن لم تكن استفهامًا، لما فيها من التسوية والمعادلة، فشبهت من الاستفهام بما فيها من التسوية والمعادلة، لاجتماعهما في التسوية والمعادلة، لا في حرف الاستفهام، كما جرى
[ ١ / ٢١١ ]
حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، ولست تناديه، وإنما تخصه فتجريه على حرف النداء، لأن النداء فيه اختصاص، فيشبه به الاختصاص لا لأنه منادى. انتهى.
ولما رأى ناظر الجيش المخالفة بين كلامي ابن مالك، حاول التوفيق بينهما، فقال في «شرح التسهيل»: لأا شك أن المسألة تحتاج إلى تحقيق، ويظهر أن يقال: إن «ما أبالي» يمكن أن يقال لإرادة معنى التسوية بالكلام الي هي فيه، بمعنى أن الأمرين المذكورين بعدهما مستويان عند المتكلم بهما، ويمكن أن يقال: لإرادة عدم المبالاة، أي: لا أبالي فعلك، وكذا لا أدري يمكن أن يراد بهما استواء الأمرين عند المتكلم بها، بمعنى أنهما استويا عنده في عدم العلم، ويمكن أن يراد بها عدم الالتفات، والمعنى حينئذ يرجع إلى معنى عدم المبالاة، وإذا كان كذلك، كان لكل من الكلمتين اعتباران فيحسن الاستشهاد بهما لمعنى التسوية، وللمعنى الآخر.
هذا كلامه. فعلى ما ذكرنا، كيف يجوز تغليط ابن الشجري مع إمامته، وهو في ذلك تابع لكلام سيبويه وأصحابه! وعلى فرض أنه لم يوجد لسيبويه نص ينزل على نحو ما ذكره ناظر الجيش، وما قاله ابن الشجري في بيت زهير أورده في موضعين من «أماليه» أولهما في المجلس الرابع والثلاثين في بحث همزة الاستفهام وثانيهما في المجلس السابع والسبعين في بحث «أم».
وقول المصنف: وأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب لأنه خبر .. الخ، منقوض بصور وقعت فيها أم متصلة بعد همزة ليست للتسوية ولا للاستفهام الحقيقي بل للإنكار أو التعجب، وقد ذكره المصنف في قوله تعالى: ﴿أمن هو قانت﴾ [الزمر/٩] وأم المقدرة فيه متصلة وتقديرها: أمن هوقانت خير أم هذا الكافر،
[ ١ / ٢١٢ ]
والهمزة لغير الاستفهام الحقيقي كما صرح به، وليست أم منقطعة، لأن حرف الإضراب لا يقدر لعدم الدال عليه.
وأجاب الدماميني بأن المراد بقوله: الاستفهام معها على حقيقته ليس كونه كذلك دائمًا، وإنما المراد في الجملة، فوجه الفرق أن «أم» في التسوية لا استفهام معها البتة، لأنه خبر محض دائمًا، والواقعة بعد غيرها يوجد معها الاستفهام الحقيقي في الجملة في بعض الصور، ثم قال: إنه يأباه قوله بعده: إن الهمزة إذا كانت للإنكار كانت بمزلة النفي، والمتصلة لا تقع بعده، وهذا يقدح في هذا الجواب، فالإشكال باق على حاله.
قال شيخنا الخفاجي: الجواب المذكور لا يدفع الإشكال، فإنه إذا ثبت ما يخالفه ولو في صورة واحدة، لم يحصل الفرق، فالإشكال باق مجاله، وإن تبعه جميع الشراح فيما قال. انتهى.
وقول المصنف في أم بعد همزة التسوية: لا تقع إلا بين جملتين، لم أره بالحصر لأحد إلا لناظر الجيش، فإنه قال في «شرح التسهيل»: إن كانت الهمزة للتسوية فلا يكون مصحوباهما إلا جملتين، والجملتان في تأويل مفردين، ويكونان فعليتين واسميتين ومختلفتين، ومثل بما مثل به المصنف، وهو مخالف لما مثل به سيبويه في كلامه الذي نقلناه من وقوع أم بين مفردي جملة، ومن شواهده بيت زهير المذكور، وقول بثينة ترثي جميلًا:
سواء علينا يا جميل بن معمرٍ إذا مت بأساء الحياة ولينها
وقول الآخر:
سواء إذا ما أصلح الله أمرهم علي أوفر ما لهم أم أصارم
[ ١ / ٢١٣ ]
وقال أبو حيان في «شرح التسهيل»: ومما عودل فيه بين الجملة وبين المفرد قوله:
سواء عليك النفر أم بت ليلة بأرض القنان من نمير وعامر
وكذا قال في «الارتشاف» وقول المصنف: إن أم الأخرى تقع بين جملتين ليستا في تأويل المفرد، هذا القيد لم أره في كلام أحد، بل رأيت ابن الناظم صرح بخلافه في شرح الألفية، قال: وتقع أم بعد هذه الهمزة بين مفردين نحو: أزيد في الدار أم عمرو، وبين جملتين في تأويل المفردين، وقد يكونان فعليتين أو ابتدائيتين، أو إحداهما فعلية والأخرى ابتدائية، ومثل بالأبيات التي مثل بها المصنف. ولأبي حيان مثله، قال في «شرح التسهيل»: ويأتي بعد أم هذه المفرد والجملة في تقدير المفرد أو في معناه، فالجملة في تقدير المفرد، نحو قوله:
أمخدج اليدين أم أتمت
فأتم في تقدير المفرد، وتقديره: أمخدج اليدين أم متمًا، والجملة في معنى المفرد: أقام زيد أم قعد، تريد: أي الفعلين كان، والمعنى: أكان من زيد قيام أم قعود. انتهى. وكذا في «الارتشاف» وهذا هو الصواب، لأن الجمل التي بعد: ليت شعري، وما أبالي وما أدري، وقعت معلقة بالاستفهام عن العامل، وهو طالب للعمل في محلها.
والقاعدة: أن كل جملة لها محل من الإعراب لابد أن تكون حالة محل المفرد، وأبو حيان حكم لها بالإفراد حتى في الجمل المستأنفة التي لم يطلبها عامل، كما رأيت في كلامه. وقول المصنف: ومثله بيت زهير السابق، أراد أن معنى بين زهير: ما أدري أي الفريقين آل حسن. كما قال في بيت شعيث، والمعنى:
[ ١ / ٢١٤ ]
ما أدري أي النسبين هو الصحيح، لأن بيت زهير على معنى أي، كبيت شعيث، وأي لا تكون خلفًا عن همزة التسوية، وأم عنده وعند ابن مالك في أحد قوله، فصحة حاول أي موضعها دل على أن الهمزة ليست للتسوية، وقد قدمنا ما يرده، وهو أن سيبويه وأصحابه وابن مالك في «التسهيل» وشرحه يجوز عندهم أن تخلف أي همزة التسوية وأم، وليس المثلية في بيت زهير لبيت شعيث أن يجعل ما بعد أم جملة اسمية بتقدير مبتدأ، والتقدير: أم نساء هم، وأم هم نساء، لأن المصنف عنده أن الهمزة في بيت زهير لغير تسوية، و«أم» الواقعة بعد همزة غير التسوية تقع بين مفردين كما قرره المصنف، فكيف يقدر ما هو مستغنى عنه!؟ ولم يفهم الدماميني غير هذا، وتبعه من جاء بعده من الشراح، قال: يريد أن بيت زهير مثل بيت شعيث بن سهم من حيث وقوع أم فيه بين جملتين وهو معترض بحسب الظاهر، إنما وقعت بين جملة اسمية ومفرد، فإن قلت: التقدير أم هم نساء، قلت: هو ممكن لكن يبقى النظر في تفريقه بين الآية الشريعة، وهو قوله تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقًا أم السماء﴾ [النازعات/٢٧] وبين بيت زهير، فتقدير جزء تتم به الجملة في البيت دون الآية تحكم، انتهى كلامه.
وقول المصنف إن ابن الشجري توهم أن معنى الاستفهام فيه غير مقصود، أقول: قائل البيت، وهو زهير، يعلم قطعًا أن آل حسن من أي الفريقين، وإنما أورده بصورة الاستفهام لغرض التجاهل والتهكم، فكيف يكون استفهامًا يطلب بالهمزة وأم التعيين! وما ذكره من قوله: علمت أزيد في الدار أم عمرو، حققه السيرافي فقال: وقد اتسعت العرب في ذلك فاستعملوه في غير الاستفهام
[ ١ / ٢١٥ ]
في مواضع مختلفة، فمن ذلك قول القائل: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، فهذا ليس باستفهام، والمتكلم فيه بمنزلة المسؤول، والمخاطب يصير بمنزلة السائل، لأن الذي يقول: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، قد عرفه بعينه، فهو بمنزلة المسؤول الذي يقال له: أزيد في الدار أم عمرو؟ ولأنه يعرفه بعينه، والمخاطب إذا قال له القال: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، يعتقد من قول المتكلم له أن أحدهما في الدار ولا يعرفه بعينه، فهو بمنزلة السائل في الأول. انتهى كلامه.
ومن هنا نرجع إلى شرح البيت فنقول: قوله: لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا .. تقدم الكلام عليه في شرح الشاهد السادس، وقوله: شعيث ابن سهم .. الخ، قال الأعلم: المعنى: ما أدري أشعيث من بني سهم أم هم من بني منقر؟ وشعيث: حي من تميم من بني منقر، فجعلهم أدعياء وشك في كونهم منهم أو من بني سهم. وسهم هنا حي من قيس. انتهى. وكذا في شرح السيرافي، قال يهجو هذه القبيلة، فيقول: لم تستقر على أب لأن بعضها يعزوها إلى منقر، وبعضها يعزوها إلى سهم. انتهى.
وشعيث: بضم الشين وفتح العين المهملة وآخره ثاء مثلثة قال العسكري في كتاب «التصحيف» والأعلم: ومن رواه بالباء الموحدة فقد صحفه، ومنقر بكسر الميم وفتح القاف: بطن من تميم وهو منقر بن عبيد – بالتصغير – ابن مقاعس ابن عمرو بن كعب بن زيد مناة بن تميم، كذا في «جمهرة الأنساب» وقوله: وسهم حي من قيس، أي: من قيس عيلان، وهو سهم بن عمرو بن ثعلبة بن غنم بن قتيبة بن باهلة، وينتهي نسبه إلى غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وفي قريش أيضًا سهم أبو حي، وهو سهم بن عمرو بن هصيص – بالتصغير –
[ ١ / ٢١٦ ]
ابن عمرو بن جمح - بضم الجيم وفتح الميم - ابن كعب بن لؤي، ومنهم قيس بن عدي بن سعد بن سهم.
وشعيث المذكور لم أر له ذكرًا في «جمهرة الأنساب» ولا في «الصحاح» ولا في «تهذيب الأزهري» وفي «القاموس»: شعيث كزبير: ابن محرز.
والبيت أنشده سيبويه للأسود بن يعفر، وقال السيرافي: وفي نسخة عتيقة من «الكتاب»: قال أوس بن حجر، بدل الأسود بن يعفر. انتهى.
وأنشده المبرد في موضعين من «الكامل» للشعين المنقري والله تعالى أعلم.
ونقل أبو الوليد الوقشي فيما كتبه على «كامل المبرد» عن «البيان» للجاحظ أنه قال: ذكروا أن شعيث بن سهم بن محرز بن حزن أغير على إبله، فأتى أوس بن حجر يستنجده، فقال أوس: أوخير من ذلك! احضض لك قيس بن عاصم، وكان يقول: إن حزن بن الحارث هو حزن بن منقر، فقال:
سائل بها مولاك قيس بن عاصم فمولاك مولى السوء إن لم يعير
لعمري ما أدري أمن حزن محرز شعيث ابن سهم أم الحزن ابن منقر
وكتب الوقشي على الموضع الثاني من «الكامل» بعد إنشاد البيت الثاني: قال الجاحظ: كان يقال: إن حزن بن الحارث يكون أبا جد شعيث بن سهم بن محرز بن حزن بن الحارث أحد بني العتبر بن عمرو بن تميم، وهو حزن بن منقر،
[ ١ / ٢١٧ ]
ولشعيث بن سهم وقول أوس هذا فيه خبر أثبته الجاحظ في «البيان». انتهى.
فظهر مما ذكرنا أن شعيثًا ليس بأبي قبيلة، وظهر قول من قال: إن تنوينه حذف للضرورة، ولا يتأتى دعوى منع الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة، وإنما اعتبر منونًا حذف تنوينه للضرورة لأنه أخبر عنه بابن، والعلم المنون إنما يحذف تنوينه إذا وصف بابن، ومن ثم يكتب ألف ابن أيضًا وإن كان واقعًا بين علمين.
وقول المصنف: والأصل: أشعيث بالهمزة في أول، والتنوين في آخره، فحذفهما للضرورة. انتهى. مذكور في غالب كتب النحو المبسوطة، كشروح «التسهيل» وغيرها، وحكمه هنا بأن حذف الهمزة ضرورة يخالف ما قدمه في بحث الهمزة من إطلاق جواز حذفها، سواء تقدمت على أم، أم لا.
وقائل البيت: هو أبو الجراح الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل ابن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم.
قال صاحب «الصحاح»: والأسود ابن يعفر الشاعر إذا قلته بفتح الياء لم تصرفه، لأنه مثل يقتل، وقال يونس: سمعت رؤبة يقول: أسود بن يعفر بضم الياء، وهذا ينصرف لأنه قد زال عنه شبه الفعل. انتهى.
وذكره الآمدي في «المؤتلف والمختلف» فيمن لقب بالأعشى، فقال: ومنهم أعشى بن نهشل، وهو الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن حارثة بن جندل بن نهشل بن دارم، الشاعر المشهور. انتهى. قال السيوطي: وجعله محمد بن سلام الجمحي في الطبقة الثانية مع خداش بن زهير والمخبل السعدي والنمر بن تولب.
[ ١ / ٢١٨ ]
وهو شاعر مقدم من شعراء الجاهلية، وكان ممن يهجو قومه وليس بمكثر، وله القصيدة المشهورة التي أولها:
نام الخلي وما أحس رقادي والهم محتضر لدي وسادي
وفيها أبيات شواهد تأني في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وكان ينادم النعمان بن المنذر، ولما أسن كف بصره فكان يقاد. وابنه الجراح وأخوه حطائط شاعران، ومن شعر حطائط يقول لأمه وقد عاتبته على جوده:
أرني جوادًا مات هزلًا لعلني أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدا
ذريني أكن للمال ربا ولا يكن لي المال ربا تحمدي غبه غدا
ذريني يكن ما لي لعرضي واقيةً يقي المال عرضي قبل أن يتبددا
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع والخمسون:
(٥٤)
تقول عجوز مدرجي متروحًا على بابها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومةٍ أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها لا إن أهلي لجيرة لأكثبة الدهنا جميعًا وماليا
[ ١ / ٢١٩ ]
وما كنت مذ أبصرتني في خصومةٍ أراجع فيها يا ابنة العم قاضيا
على أن قوله: «لا» ليس جوابًا لسؤالها، بل رد لما توهمته من وقوع أحد الأمرين: كونه ذا زوجة، وكونه ذا خصومة، ولهذا لم يكتف بقوله: لا، إذ كان رد ما لم يلفظ به إنما يكون بالكلام التام، فلهذا قال: إن أهلي جيرة .. البيت، وما كنت مذ أبصرتني .. البيت. قال الدماميني: وهذا السؤال والجواب مسطوران في «شرح الجمل» لابن عصفور، ومذكوران فيما وجد له من «شرح الجزولية» ولعل المصنف وقع له ذلك على سبيل المواردة ولاتفاق، ولم يطلق على كلامه. انتهى. قال شيخنا الشهاب الخفاجي: قلت: لا وجه لما ذكره من أن المصنف توارد فيه مع غيره، وأي مانع من أخذه من كلام غيره! وليس هذا بأحسن من عدم وقوفه على كتب من قبله. انتهى.
وهذه عبارة ابن عصفور: إن قال قائل: فكيف قال ذو الرمة: تقول عجوز .. الأبيات الأربعة؟ فأجاب «أم» من قوله:
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة
بقوله: «لا» وهي متصلة، ألا ترى أنها تقدمنها الهمزة وما بعدها مفرد، فالجواب أن قوله: «لا» جواب لاعتقادها، وذلك أنها لم تسأل بأم المتصلة إلا بعدما قطعت في ظنها بأنه إما ذو زوجة وإما ذو خصومة، فأجابها عن ذلك بلا، كأنه قال: لست ذا زوجة ولا ذا خصومة. ولو كان سؤالها بأم سؤالًا صحيحًا، لم يكن الجواب إلا بأن يقول: ذو زوجة، أو: ذو خصومة، فإن قال قائل: فلعل أم هذه منفصلة، ويكون ذوخصومة خبر ابتداء مضمر، كأنه قيل: أم أنت ذو خصومة، فيكون ما بعدها جملة، ولذلك أجاب بلا، فالجواب أن أم المنقطعة إنما يجاب ما بعدها خاصة، لأن ما قبلها مضرب عنه، فلا يحتاج إلى جواب،
[ ١ / ٢٢٠ ]
وهو ههنا قد أجاب عن قولها: أذو زوجة، وعن قولها: أم ذو خصومة، فنفى أن يكون ذا زوجة بالمصر بقوله: إن أهلي جيرة .. البيت. ونفى أن يكون ذا خصومة بقوله: وما كنت مذ أبصرتني في خصومة ..، فلم يبق إلا أن يكون محمولًا على ما ذكرنا. انتهى كلامه.
وأخذ الجواب أبو حيان أيضًا فقال في «شرح التسهيل»: لما رأته يتردد على بابها رواحًا وغدوًا، توهمت أنه ذو زوجة أو ذو خصومة: فأجابها بلا، أي: لست واحدًا من هذين، وأعلمها أنما توهمته لم يكن فتسألي عن تعيين ما توهمت أني متلبس به. انتهى.
وأخذه الخفاف أيضًا برمته، وأورده في «شرح الجمل» ولم يعزه إليه، وأخذه التاج التبريزي أيضًا وأورده في «شرح الكافية الحاجبية» بمقدار ما أورده المصنف، ثم قال: وقال مولانا عز الدين: إنما جاء بلا لأنه جعلها منقطعة، كأنها قالت: أذو زوجة بالمصر بل أنت ذو خصومة. انتهى كلامه. ولم يتعقبه بشيء، وهو مردود بما قاله ابن عصفور. ونقل ناظر الجيش كلام ابن عصفور برمته في «شرح التسهيل» وعزاه إليه. وأخذه الصفار أيضًا، وأورده في شرح «كتاب سيبويه» ولم يعزه إليه. ونقله عن الدماميني في «المزج» وعقبه بقوله: قلت: وظاهر كلامهم أن «لا» في كلام ذي الرمة هي الجوابية أخت «نعم» ولو قيل بأنها الناهية، والمعنى: لا تظني ما ذكرت من أني متصف بأحد ذينك الأمرين، وحذف الفعل المنهي عنه لقرينة قوله: إن أهلي جيرة .. الخ، لكان حسنًا، واندفع السؤال بذلك لابتنائه على أن «لا» هو الجوابية، وقد منعناه فتأمله.
[ ١ / ٢٢١ ]
أقول: تأملناه فوجدناه غير جائز، فإنه لم يسمع حذف جملة المنهي عنه مع بقاء حرفه.
قال المرزباني في «الموشح» أخبرني الصولي قال: حدثني القاسم بن إسماعيل قال: حدثني أبو عمر الجرمي قال: قدم ذو الرمة على بلال بن أبي بردة، فجعل يتردد إليه، وأراد أن يبتدئ قصيدة فيه فعي، فقالت له عجوز مر بها – وكان جميلا –: قد طال تردادك أفإلى زوجة سعدت بها، أم إلى خصومة شقيت بها؟ ! فقال لراويته: جاء والله ما أريد، ثم قال: تقول عجوز مرجي متروحًا .. البيتين. ثم مر في القصيدة. انتهى. وهذه الأبيات من قصيدة مدح بها بلال بن أبي بردة، وذكر في أول القصيدة ديارمي، ثم نسب بها في أبيات أكثر من عشرين بيتًا، ثم قال:
تقول عجوز مدرجي متروحًا على بابها من عند رحلي وغاديا
وقد عرفت وجهي مع اسم مشهر على أننا كنا نطيل التنائيا
أذو زوجة بالمصر .. إلى آخر الأبيات الثلاثة.
وبعدها:
ولكنني أقبلت من جانبي قسا أزور امرءا محضًا نجيبًا يمانيا
من ال أبي موسى ترى الناس حوله كأنهم الكروان أبصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابة تفادى الأسود الغلب منه تفاديا
[ ١ / ٢٢٢ ]
فما يغربون الضحك إلا تبسما ولا ينسبون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بهيبةٍ كما يبهر البدر النجوم السواريا
فلا الفحش منه يرهبون ولا الخنا عليهم ولكن هيبة هي ماهيا
فتى السن كهل الحلم ت سمع قوله يوازن أدناه الجبال الرواسيا
وهي طويلة عدتها تسعة وخمسون بيتًا. وقوله: مدرجي متروحًا على بابها، مدرجي: بفتح الميم: مصدر درج الرجل بمعنى مشى.
ومتروح: اسم فاعل، قال صاحب «المصباح»: راح يروح رواحة، وتروج مثله، يكون بمعنى الغدو، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ [سبأ /١٢] أي: ذهابها ورجوعها. وقد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار، قاله الأزهري. انتهى. وهو في البيت بمعنى الرجوع لمقابلته بغاديًا من الغدو، وهو الذهاب في الغدوة، قال صاحب «المصباح»: غدا غدوًا، من باب قعد: ذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان. انتهى.
والرحل: بالحاء المهملة، قال صاحب «المصباح»: ورحل الشخص: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر، لأنها هناك مأواه. انتهى. ووقع في «المغني» وغيره: «أهلي» بدله، والأول أولى. ومدرجي مبتدأ، ومتروحًا حال من ياء المتكلم، وصح مجيء الحال من المضاف إليه، لأن المضاف مصدر عامل في صاحب الحال والحال، وغاديا معطوف على متروحًا. قال الدماميني في
[ ١ / ٢٢٣ ]
«المزج»: وقد يستكشل عطف قوله: غاديًا، مع أنه من معمولات المصدر المخبر عنه بقوله: على بابها، أو بقوله: من عند أهلي، ففيه الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته وهوممتنع، ويجاب بمنع أن يكون «على بابها» أو «من عند أهلي» خبرًا، بل الكل من معمولات المصدر، والخبر محذوف: أي حاصل. انتهى. وجملة المبتدأ والخبر صفة عجوز.
وقد أورد المبرد في «الكامل»: المقدار الذي أوردناه من شعر ذي الرمة وتكلم عليها. قال: قوله: مدرجي، يقول: ممري، فأما قولهم في المثل: خير من دب ودرج، فمعناه: من حيي ومن مات، يريدون: دب على وجه الأرض، ومن درج عنها فذهب. انتهى.
وقوله: وقد عرفت وجهي .. الخ، يقول: عرفت وجهي لكثرة ترددي على بابها لشهرة اسمي على أنني قد كنت أطيل الغيبة أحيانًا عن المصر.
وقوله: أذو زوجة بالمضر .. الخ، ذو: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أذو زوجة بالمصر أنت، وقوله: بالمصر: ظرف في موضع الصفة لزوجة، والمصر: المدينة، وأوراد به البصرة، وثاويًا: حال من الكاف إن كانت الرؤبة بصرية، ومفعول ثان إن كانت الرؤية علمية.
والثاوي: المقيم، قال المبرد: يقال: ثوى الرجل فهو ثاو يا فتى: إذا أقام، وهي أكثر، ويقال: أثوى فهو مثو يا فتى، وهي أقل، ومن ذلك قول الأعشى:
أثوى وقصر ليلة ليزودا ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
انتهى.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وفي البيت رد على من زعم أنه لا يقال زوجة.
قال المرزباني في «التوشيح»: أخبرني محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: حدثنا عبد الله بن محمد التوري قال: سمعت الأصمعي يقول: ما أقل ما تقول العرب الفصحاء: فلانة زوجة فلان، إنما يقولون: زوج فلان، فقال له السدري: أليس قد قال ذو الرمة: أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة .. البيت!؟ فقال: إن ذا الرمة قد أكل البقل والمماوح في حوانيت البقالين حتى يشم! انتهى.
وكذا نقل ابن جني في «الخصائص» عن أبي حاتم عن الأصمعي.
وقد أجاد أبو القاسم علي بن حمزة اللغوي البصري في الرد على الأصمعي، قال في الجزء الرابع من «التنبيهات على أغلاط الرواة» وهو الجزء الذي رد فيه على أبي عبيد في «الغريب المصنف» قال أبو عبيد قال الأصمعي: حنة الرجل: امرأته، وهي طلته وعرسه وقعيدته وربضه وظعينته وزوجته، ولا تكاد العرب تقول زوجته. قال أبو عبيد: هذا الحرف بلغني عنه، قال أبو القاسم: هذا صحيح من قول الأصمعي، وقد أساء فيه، وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى، وإنما ننبه على أغلاط الأصمعي في جملة مما ننبه عليه من كتب المصنفين، لأنها ليست له في كتاب مصنف يشمله التنبيه، وإنما جاءت في روايتهم عنه، فمتى مر منها شيء في كتبهم نبهنا عليه، ونسبنا الغلط في ذلك إليه، ولا شيء على الراوي إلا عيب التقصير في أن لم ينبه على غلطه قبلنا، والرواية ناقل، والمصنف ثاقد، وكذلك نفعل فيمن حاله حال الأصمعي ممن أغلاطه في كتب المصنفين موجودة.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقول الأصمعي: لا تكاد العرب تعرف زوجته، غلط، وفصحاء العرب يقولون: زوج وزوجة، فمن قال في ذلك لقمان بن عاد، رواه عنه أهل الضبط الثقات، فقالوا: قال لقمان في خبر له:
يا ذا النجاد الحلكه والزوجة المشتركه
ليست لمن ليس لكه
ومنهم الفرزدق، وهو الذي يقول:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ومنهم العجاج، وهو الذي يقول:
لا تسأل الزوجة ريح العطر
ومنهم الشماخ حيث يقول:
قد أصبحت زوجة شماخ بشر فما أنال اليوم منها من خبر
ومنهم عمرة الخثعمية حيث تقول في مرثية ابنيها:
لقد ساءني أن عنست زوجتاهما وأن عريت بعد الوجا فرساهما
وقالت أخرى:
[ ١ / ٢٢٦ ]
ترى زوجة الشيخ مغمومةً وتمسي الصحبته قاليه
وروى الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: سمعت عليًا ﵇ ينشد، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسمع:
أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي معه ربيت وسبطاه هما ولدي
جدي وجد رسول الله منفرد وفاطم زوجتي لا قول ذي فند
وأنشد ابن الأعرابي:
قد ثبت قبل الشيب من لداتي وذاك ما ألقى من الأذاة
من زوجة كثيرة السنبات
قال: أراد سوء الخلق وسرعة الغضب، وهي السنبة. رجل سنوب، أي: غضوب. وقال البحراني:
من منزلي قد أخبرجتني زوجتي تهر في وجهي هرير الكلبة
زوجتها فقيرة من حرفتي
ومنهم ذو الرمة:
أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة .. البيت
وأنشد أبو عمرو:
وزوجةٍ كثيرة السنبات
وأنشد غيره لأخي المرار بن منقذ العدوي:
[ ١ / ٢٢٧ ]
تحب زوجات أقوام حليلته إذا الأنوف امترى مكنونها الشم
وقال آخر:
تحب زوجات أآقوام حليلته إذا الدخان يغشي الأشمط البر ما
وأنشد ابن الأعرابي عن أبي زياد الكلابي.
وكانت من الزوجات يومن غيبها وترتاد فيها العين منتجعا حمدا
والزوجات: جمع زوجة، فأما جمع زوج فأزواج، قال ﷿: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك﴾ [التحريم/١] فهذا قول فصحاء العرب، ولكن الأصمعي ينسى فيشترط، فيفسد عليه شرطه حفظ غيره، ولو ترك الشرط نجا من كثير مما غلط فيه. انتهى كلام علي بن حمزة البصري، ونقلناه برمته.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وقوله: فقلت لها لا .. الخ، أي: فقلت للعجوز إني لا زوجة لي ههنا، ولم أجئ في خصومة، إن أهلي. ومالي لأكثبة الدهنا، أي: ثم منزلي ومالي، قاله شارح الديوان. وجيرة: جمع جار، واللام للتأكيد تأتي في خبر إن، وأكثبة: جمع كثيب وهو التل من الرمل. قال المبرد: أكثبة جمع كثيب وهو أقل العدد، والكثير كثب وكثبان. انتهى. والدهنا قال المبرد: من بلاد بني تميم، ولم أسمع فيها إلا القصر من أهل العلم والعرب، وسمعت بعد من يروي مدها، ولا أعرفه. انتهى وقال صاحب «القاموس»: والدهناء: الفلاة، وموضع لتميم بنجد ويقصر. انتهى. فيجعل المد أكثر.
وقال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: الدهنا بفتح أوله يمد ويقصر، قال ابن حبيب: الدهنا: رمال في طريق اليمامة إلى مكة لا يعرف طولها، وأما عرضها فثلاث ليال، وهي على أربعة أميال من هجر، ويقال في المثل: «أوسع من الدهنا». وعلم الدهنا هو قسًا، وأورد للمقصور والمدود يتبين. ومالي معطوف على جيرة، والألف للإطلاق، وقوله: وما كنت مذ أبصرتني بكسر التاء: خطاب للعجوز، وقاضيًا: مفعول أراجع، وقوله: يا ابنة العم، جعلها بنت عمه تلطفًا في خطابها، وفي ديوانه: «يا ابنة القرم» بفتح القاف وسكون الراء، قال شارحه: والقرم: الفحل، وفي رواية المبرد: «يا ابنة الخير» وهو مخفف خير بالتشديد، وجملة أراجع: خبر كنت.
وقوله: ولكنني أقبلت من جانبي قسًا، هو بفتح القاف والسين المهملة وألف مقصورة، قال المبرد: هو موضع من بلاد بني تميم، وقال أبو عبيد البكري:
[ ١ / ٢٢٩ ]
هو مقصور [على وزن فعل] يكتب بالألف: على بالدهنا، جبيل صغير لبني ضة، وهذا خلاف المشهور. وجبيل – بالتصغير – تفسير لقوله: علم. وعبر عنه صاحب «القاموس» بقوله: قارة لتميم، ويمد. والمحض: الكريم الخالص.
وقوله: ترى القوم حوله، قال المبرد: كانت المخاطبة أولًا لامرأة ألا تراه يقول: وما كنت مذ أبصرتني .. البيت، ثم حول المخاطبة إلى رجل، والعرب تفعل ذلك، قال الله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس/٢٢]. انتهى. يريد أنه من باب الالتفات. وقوله: كأنهم الكروان، هو بكسر الكاف وسكون الراء جمع كروان بفتحهما، كما يجمع ورشان على ورشان بكسر الواو وسكون الراء. وقال المبرد: الكروان: جماعة كروان، وهو طائر معروف، وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله، ولكنه على حذف الزيادة وتقديره كرًا وكروان، كما تقول: أخ وإخوان، وو رل وورلان، وبرق وبرقان، والبرق أعجمي ولكنه قد أعرب وجمع كما تجمع العربية. واستعمل الكروان جمعًا على حذف الزيادة، واستعمل في الواحد، تقول العرب في أمثالها:
أطرق كرا أطرق كرا إن النعام في القرى
[ ١ / ٢٣٠ ]
يريدون الكروان انتهى.
ورأيت بخط الحافظ مغلطاي في هامشه على هذا البيت: يشبه أن يكون هذا من قول مكي بن سواد البرجمي صاحب أبي عبيدة في خالد بن صفوان، أو مكي أخذه من ذي الرمة لكونهما في عصر واحد:
عليم بترتيب الكلام ملقن ذكور لما سداه أول أولا
يبذ خطيب القوم في كل مشهدٍ وإن كان سحبان الخطيب ودغفلا
ترى خطباء القوم يوم ارتجاله كأنهم الكروان أبصرن أجدلا
انتهى. والأجدل: الصقر. وقوله: مرمين .. الخو قال شارح الديوان: قوله: مرمين، أي: مطرقين من هيبته، يقال: أرم الرجل إرمامًا، والغلب: الغلاظ الأرقاب جمع أغلب، والأنثى: غلباء، وتفادى الأسود، أي: يتقي بعضها ببعض، أي يشهي ذا أن يقدم ذا. انتهى. وقال المبرد: مرمين، يريد: سكوتًا مطرقين، يقال: أرم إذا أطرق ساكتًا، وقوله: تفادى الأسود، معناه: تفتدي منه بعضها ببعض. انتهى. وقوله: فما يغربون الضحك .. البيت. قال شارح ديوانه: يقال: أغرب في الضحك إذا أكثر، فيقول: من هيبته إنما يتبسمون عنده، ويقال: ما نيس بكلمة، أي: ما تكلم بكلمة، وقوله: إلا تناجيًا، أي: إلا إسرارًا من هيبته. انتهى.
[ ١ / ٢٣١ ]
وقوله: لدى ملك .. البيت. لدى: ظرف، تنازعه يغربون وينسبون، ويجوز أن يتعلق بنتاجيًا. قال شارح ديوانه: لدى ملك، أي: عند ملك، وقوله: كما يبهر البدر النجوم، يقلو: يلعو الرجال بضوئه، كما يغلب ضوء البدر النجوم السواري، وهي التي تسري بالليل، انتهى. والمبرد لم يورد هذين البيتين.
وقوله: فلا الفحش منه يرهبون .. البيت. قال شارحه: أراد: لا يرهبون فحشه ولا خناه، قد أمنوا ذلك. وهيبة هي ماهيه: تعجب من عظمها، انتهى. وروى المبرد: «وما الخرق منه يرهبون» والخرق: بضم الخاء المعجمة: العنف، وقال: إذا رفعت هيبة، فالمعنى: ولكن أمره هيبة، كما قال تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ﴾ [الأحقاف/٣٥] أي: ذلك بلاغ. ومن نصب هيبة أراد المصدر، أي: ولكن يهاب هيبة.
وأحسن ما قيل في هذا المعنى:
يغضي حياء ويغضي من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
وقال الفرزدق يعني يزيد بن الملهب:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار
[ ١ / ٢٣٢ ]
انتهى. وقوله: فتى السن .. البيت، قال شارحه: يريد هو كهل في حلمه، وفتى في سنه، وقوله: يوازن، أي: يحاذي أدناه الجبال الثابتة، وأراد: أدنى قوله يوازن الجبال، انتهى.
وذو الرمة: اسمه غيلان – بالعمعجمة – ابن عقبة من بني صعب بن مالك بن عدي، ولقب ذا الرمة لقوله:
أشعث باقي رمة التقليد
والرمة بضم الراء وتشديد الميم: قطعة من الحبل الخلق، وقيل لغير ذلك. قال: حماد الرواية: امرؤ القيس أحسن الجاهلية تشبيهًا، وذو الرمة أحسن الإسلام تشبيهًا، وما أخر القوم ذكره إلا لحداثة سنه، وأنهم حسدوه، وكان الفرزدق وجرير مجسدانه على شعره، وقال أبو المطرف: لم يكن أحد من القوم في زمانه أبلغ منه ولا أحسن جوابًا، ولقد عارضه رجل بسوق الإبل في البصرة يهزأ به، فقال: يا أعرابي أنشهد بما لا ترى؟ قال: نعم، أشهد أن أباك تاك أمك.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ختم الشعر بذي الرمة، والرجز برؤبة، ومات بالبادية، ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم، أي: ابن الأربعين، وقال السيوطي: مات ذو الرمة بأصبهان سنة سبع عشرة ومائة عن أربعين سنة، وقال الأصمعي: مات ذو الرمة عطشان، وأني بالماءوما به رمق فلم ينتفع به، وكان آخر ما تكلم به قوله:
يا مخرج الروح من نفسي إذا احتضرت
وفارج الكرب زحزحني من النار
[ ١ / ٢٣٣ ]
أخرجه ابن عساكر. انتهى. وقد بسطنا ترجمته في الشاهد الثامن من أوائل شرح شواهد شرح الكافية للمحقق الرضي.
وبلال الممدوح هو بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري. قال ابن حجر في «التهذيب»: هو من الطبقة الخامسة من التابعين، مات سنة نيف وعشرين ومائة، وقال في «تهذيب التهذيب»: هو أمير البصرة وقاضيها وروى عن أنس فيما قيل، وعن أبيه وعمه، روى له الترمذي حديثًا واحدًا، وذكره البخاري في «الأحكام» وذكره الصقلي في كتاب «الضعفاء» قال: خليفة الخياط ولاه خالد القسري القضاء سنة تسع ومائة. وحكي عن مالك بن دينار أنه قال لما ولي بلال القضاء: يا لك أمة هلكت ضياعًا. فلم يزل قاضيًا حتى قد يوسف بن عمر سنة عشرين ومائة، فعزله وروى المبرد أن أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال، وكان يقول: إن الرجلين ليختصمان إلي، فأجد أحدهما أخف على قلبي فأقضي له. وروى ابن الأنباري أنه مات في حبس يوسف بن عمر، وأنه قتله دهاؤه، قال للسجان: اعلم يوسف أني قدمت ولك مني ما يغنيك، فأعلمه، فقال يوسف: أحب أن أراه ميتًا، فرجع إليه السجان فألقى عليه شيئًا فغمه حتى مات، ثم أراه يوسف.
وقال جويرية ابن أسماء: لما ولي عمر بن عبد العزيز وفد إليه بلال فهنأه، ثم لزم المسجد يصلي، ويقرأ ليله ونهاره، فدس عمر إليه ثقله له، فقال له: إن عملت لك ولاية العراق
[ ١ / ٢٣٤ ]
ما تعطينى؟ فضمن له مالا جزيلًا، فأخبر بذلكعمر فنفاه وأخرجه، وكتب إلى عامله على الكوفة: إن بلالًا غرنا بالله فكدنا نغتر به، ثم سبكناه فوجدناه كله خبثًا.
وأنشد بعده:
دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها
على أنه حذف منه أم مع معطوفها، تقديره: أم غي. وفيه بحث كما تقدم توجيهه وما يرد عليه في الشاهد الخامس.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس والخمسون:
(٥٤) كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
على أن أبا عبيدة زعم أن «أم» تأتي بمعنى الاستفهام المجرد، وقال: إن المعنى في هذا البيت: هل رأيت؟
والذي رأيته في «شروح التسهيل» لأبي حيان وناظر الجيش والمرادي وغيرهم أن أبا عبيدة ذهب إلى أن أم بمعنى ألف الاستفهام، قال: ومنه قوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم﴾ [البقرة /١٠٨] وقال حذاق النحويين: لا تأتي بمعنى الألف، لو كان ذلك لوقعت في أول الكلام كالألف، ولا يجوز ذلك فيها، وأما: ﴿أم تريدون﴾ فهي المنقطعة، بتقدير بل والهمزة، أي: بل أتريدون، وكأنه أشار المصنف إلى أن الاستفهام الذي قاله أبو عبيدة في البيت
[ ١ / ٢٣٥ ]
للتصديق بمعنى هل، وهو السؤال عن إدراك النسبة، لا الاستفهام التصوري الذي هو سؤال عن إدراك غير النسبة.
ونقل سيبويه عن الخليل أن أم في هذا البيت منقطعة، وجوز أن تكون متصلة بتقدير الهمزة.
قال الأعلم: الشاهد فيه إتيانه بأم منقطعة بعد الخبر، حملًا على قولهم إنها لإبل أم شاء. ويجوز أن تحذف ألف الاستفهام ضرورة لدلالة أم عليها، والتقدير: أكذبتك علينك أم رأيت؟ ونظير إضرابه عن الخبر الأول وتكذيبه لنفسه بقوله: أم رأيت بواسط، قول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم بلى وغيرها الأرواح والديم
فقال: لم يعفها القدم [ثم أكذب نفسه فقال]: بلىوغيرها الأرواح، فكذلك قال: كذبتك عينك فيما تخيل [لك] ثم [رجع عن ذلك فقال]: أم رأيت بواسط خيالًا، والمعنى [بل] هل رأيته ولم تشك فيه. انتهى.
وقال ابن الحنبلي: إن جعل الخليل التقدير في المثال: بل أهي شاء، كان مراد الأخطل: كذبتك عينك في رؤية الرباب نفسها، بل لم تر خيالًا منها فضلًا عن أن تراها نفسها، على أن أم بمعنى بل وهمزة الإنكار. وإن جعله: بل هي شاء، كان مراده: كذبتك عينك فلم تكن رأيتها، بل رأيت خيالًا منها. انتهى. ولا يخفى أن الشق الثاني لم يقل به، وإما أم المنقطعة عنده معناها بل والهمزة جميعًا، كما نقله المصنف وغيره.
والبيت مطلع قصيدة للأخطل النصراني التغلبي هجا بها جريرًا وبعده:
[ ١ / ٢٣٦ ]
وتعرضت لك بالأبالخ بعدما قطعت بأبرق خلة ووصالا
وتغولت لتروعنا جنية والغانيات يرينك الأهوالا
يمددن من هفواتهن إلى الصبا سببًا يصدن به الغواة طوالا
ما إن رأيت كمكر هن إذا جرى فينا ولا كحبالهن حبالا
المهديات لمن هو ين مسبة والمحسنات لمن قلين مقالا
يرعين عهدك ما رأينك شاهدا وإذا مذلت يصرن عنك مذالا
وإذا وعدنك نائلًا أخلفنه ووجدت عند عداتهن مطالا
وإذا دعوتك عمهن فإنه نسب يزيدك عندهن خبالا
وإذا وزنت حلومهن إلى الصبا رجح الصبا بحلومهن فمالا
إلى أن قال بعد أربعة أبيات:
أبيني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
ومن أبيات الهجو:
فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك الملوك وفككا الأغلالا
ومن أبيات الهجو:
فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا
منتك نفسك أن تسامي دارمًا أو أن توازن حاجبًا وعقالا
قال ابن الأعرابي في «نوادره»: روي عن جرير أنه قال: ما غلبني الأخطل إلا في هذه القصيدة، ولقد قلت بيتًا في القصيدة التي عارضت قصيدته بها، لو أن أحدهم نهشته أفعى في استه ما حكها، وهو:
والتغلبي إذا تنحنح للقرى حك استه وتمثل الأمثالا
[ ١ / ٢٣٧ ]
وقوله: كذبتك عينك، قال ابن الأثير في «النهاية»: قد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ، قال الأخطل: كذبتك عينك، ومنه حديث عروة، قيل له: إن ابن عباس يقول: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لبث بمكة بضع عشرة سنة، فقال: كذب، أي: أخطأ. وقد تكرر في الحديث انتهى. يعني: أن عينه أخطأت في دعواها أنها رأت الرباب في المنام، بل إنما رأت في المنام خيالها لا نفسها.
وواسط هنا: موضع بجزيرة ابن عمر في الموصل، وهو من منازل بني تغلب التي ينزلون بها، قال ياقوت في «معجم البلدان»: واسط: قرية بالخابور قرب قرقيا، وإياها على الأخطل فيما أحسب، لأن الجزيرة منازل تغلب، وقال ابن السيرافي في «شرح شواهد سيبويه»: واسط في هذا البيت موضع بنواحي الشام، وغلطه الأسود أبو محمد الأعرابي في «فرحة الأديب» فقال: واسط في هذا البيت هو واسط الجزيرة، وقال الدماميني: واسط بلد في العراق، اختطها الحجاج في سنتين، وتبعه سائر الشراح، ولا يخفى أن هذا الشعر قبل أن ينبي الحجاج واسط، والأخطل لم يفارق بلاده وإنما كان يتردد إلى دار الخلافة بالشام، وهو من شعراء معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان وغيرهم، فإنه عمر عمرًا طويلًا.
وغلس الظلام منصوب على ظرف الزمان، يريد: ريأت خبالها في آخر الليل في النوم، والغلس بفتحتين: آخر الليل، والرباب بفتح الراء: اسم امرأة، والخيال أراد به الطيف الذي يراه النائم بخيل إليه أنه عين الذي رآه. وقوله: وتعرضت لك بالأبالح، قال ياقوت في «معجم البلدان»: الأبالح بفتح
[ ١ / ٢٣٨ ]
الهمزة بعدها موحدة وآخره معجمة: جمع بليخ على غير قياس، والبليخ: نهر بالرقة يسقي قرى ومزارع وبساتين، والرقة بفتح الراء وتشديد القاف: مدينة مشهورة على ضفة شرقي الفرات بالجزيرة، وأبرق: موضع أيضًا، والخلة بالضم: الصداقة، يقول: تعرضت لك بالأبالخ بعدما قطعت صداقتك ووصلك في أبرق وهجرتك.
وتغولت: تاونت، وتروعنا: تخوفنا، والغانية: الحسناء التي استغنت بحسنها عن الزينة. وهفواتهن: جهلهن، والسبب: الحبل، وطوالا صفته، وهو بالضم بمعنى الطويل، والغواة: جمع غاوٍ، بمعنى الراغب والمائل إليهن.
وشاهدًا: حاضرًا، ومذلت نفسه بالشيء - مثلثة العين - سمحت به، ومذال - بالكسر - جمع مذلىو كعطاش جمع عطشى، من مذلت من كلامه بمعنى قلقت وضجرت، أو من مذل بسره: أفشاه، وحلومهن: عقولهن، ولقد أجاد في وصفهن بالغدر وقلة الوفاء.
وقوله: أبني كليب .. البيت، قد شرحناه في الشاهد الثالث والعشرين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
وقوله: فانعق بطأنك .. البيت، استشاهد به صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾ [البقرة/١٧١] على أن النعيق التصويت، يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بغنمه ينعق، من باب منع وضرب، نعقًا ونعيقًا: صاح بها وزجرها، ونعق الغراب: صاح، والمعنى: أنك من رعاة الغنم لا من الأِراف، وما منتك نفسك به في الخلاء أنك من العظماء، فضلال باطل لا تقدر على إظهاره في الملأ، وهم الأشراف.
وحاجب وعقال: من أشراف قوم الفرزدق، وهم من قبيلة دارم، يفضل الفرزدق عليه.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وترجمة الأخطل تقدمت في الشاهد السابع والأربعين.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس والخمسون:
(٥٦)
أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به رثمان أنفٍ إذا ما ضن باللبن
على أن «أم» هنا بمعنى «بل» فقط مجردة من الاستفهام، لدخولها على أداة استفهام، وهذا مذهب أبي علي الفارسي، قال في «المسائل المنثورة» بعد إنشاد هذا البيت: هذه المسألة فيها إشكال، وهو أن «أم» للاستفهام، كما أنك إذا قلت ما جاءني زيد ولكن عمرو، فالواو فيه عاطفة، وخرجت لكن من معنى العطف لدخول الواو، فكذا إذا قيل: «أم هل» تخرج هل من معنى الاستفهام لدخول أم، فكذلك تخرج أم من معنى الاستفهام إلى العطف. انتهى كلامه، فعنده أم المنقطعة عاطفة، وعند الجمهور غير عاطفة، سواء تضمنت معنى الاستفهام أو لا، وتبعه ابن جني، فقال في «الخصائص» فإن تقول: فما تقول في قوله: أم كيف
[ ١ / ٢٤٠ ]
ينقع .. البيت، وجمعه بين أم وكيف؟ فالقول إنهما ليسا المعنى واحد، وذلك أن أم جردت لمعنى الترك والتحول، وجردت من معنى الاستفهام، وأفيد ذلك من كيف، لامنها، فإن قيل: فهلا وكدت إحداهما بالأخرى، كتوكيد اللام لمعنى الإضافة وباءي النسب لمعنى الصفة، قيل: يمنع من ذلك أن كيف لما بنيت، واقتصر بها على الاستفهام البتة، جرت مجرى الحرف البتة، وليس في الكلام اجتماع حرفين لمعنى واحد، لأن في ذلك تفضًا لما اعتزم عليه من الاختصار في استعمال الحرف، وليس كذلك: «يا بؤس للحرب» واحمري، وذلك أن هنا إنما انضم الحرف إلى اسم، فهما مختلفان فجاز أن يترادفا في موضعهما لاختلاف جنسهما، فإن قلت: فقد قال: «وما إن طبنا جبن» فجمع بن ما وإن، وكلاهما بمعنى النفي، وهما كما ترى حرفان، قيل: ليست إن حرف نفي، وإنما هي حرف يؤكد به بمنزلة ما ولا والباء ومن، وغير ذلك، وأما قوله:
طعامهم لئن أكلوا معد وما إن لا تخال لهم ثياب
فإن «ما» وحدها للنفي، و«إن ولا» جميعًا للتوكيد، ولا ينكر اجتماع حرفين للتوكيد لجملة الكلام. انتهى كلامه باختصار.
فعلم مما نقلناه أن ما نقل ابن الشجري من إجماع البصريين ليس بصحيح،
[ ١ / ٢٤١ ]
ودعوى ابن جني عدم اجتماع حرفين لمعنى واحد محمولة على غير ما وقع في الشعر من نحو قوله:
ولا للما بهم أبدًا دواء
وقوله:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به
وقوله:
أجل جير إن كانت رواء أسافله
والبيتان آخر أبيات تسعة لأفنون التغلبي أوردها لو أبو عمرو الشيباني في «أشعار تغلب» والمفضل في «المفضليات» وهي:
أبلغ حبيبًا وخلل في سراتهم أن الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاروا على مهلٍ من ولد آدم ما لم يخلفعوا رسني
قالوا علي ولم أملك فيالتهم حتى انتحيت على الأرساع والثنن
لو أنني كنت من عادٍ ومن إرمٍ ربيت فيهم ولقمان ومن حدن
لما فدوا بأخيهم من مهولةٍ أخا السكون ولا جازوا على السنن
سألت قومي وقد سدت أباعرهم ما بين رحبة ذات العيص والعدن
إذا قربوا لابن سوار أباعرهم لله در عطاء كان ذا غبن
[ ١ / ٢٤٢ ]
أنى جزوا عامرًا .. إلى آخر البيتين
قوله: أبلغ حبيبا بضم الحاء المهملة، وفتح الموحدة الأولى: قبيلة أفنون، وهو حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. وخلل، أي: اجعل بلاغك يتخللهم، والسراة: جمع سري وهو الشريف، وقوله: أن الفؤاد، بالفتح: مفعول بلغ، يريد أنه قد تألم منهم لما طلب منهم أباعر فخيبوا أمله، ولم يتحملوا عنه ديات من قتلهم.
وقوله: قد كنت أسبق .. البيت، على متعلقة بأسبق، ومن: بيان لمن وما مصدرية ظرفية، أي: كنت أسبق من فاخرهم وطلب مغالبتهم على مهل مني ما لم يتخلوا عني، وجعل خلع الرسن مثلًا، كأنهم تبرؤوا منه لكثرة جرائره.
وقوله: قالوا علي .. الخ، بالفاء: من الفيلولة، وهي ضعف الرأي، والفيالة الاسم، أي: أخطؤوا علي في رأيهم. وقوله: حتى انتحيت .. الخ، حتى بمعنى إلى، وانتحيت: اعتمدت، والأرساغ: جمع رسغ، وهو الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف، والثنن: جمع ثنة – بضم المثلثة وتشديد النون – وهو الشعر في مؤخر الرسغ، وضربهما مثلًا لأسافل الناس، يقول: لما أخطؤوا في أمري وأصروا، قصدت أراذل الناس. وقوله: لو أنني كنت من عاد .. الخو جملة ربيت حال من الضمير المستقر في الظرف الواقع خبرًا لكنت، وهو قوله: من عاد. وربيت، أي: نشأت فيهم، وإرم – بكسر ففتح – قبيلة مشهورة بالقوة وعظم الأبدان، وعاد: اسم أبيهم، ولقمان، أي: ومن نسل لقمان صاحب النسور، وهو منسوب إلى عاد، كما قال الشاعر:
تراه يطوف الآفاق حرصًا ليأكل رأس لقمان بن عاد
وجدن، بفتح الجيم: قيل من أقيال اليمن، والمشهور فيه ذو جدن، أي: ومن نسل ذي جدن.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقوله: لما فدوا .. الخ، اللام في جواب لو، ودخولها على حرف النفي نادر، والسكون بفتح السين: قبيلة من كندة من قبائل اليمن، وأخا السكون: مفعول فدا، وهو رجل من السكون وكان أسيرًا عند قوم أفنون، وأراد بأخيهم نفسه، والباء للبدل، ومن مهولة: من أجل مصيبة هائلة، ولا جازورا: من المجازاة، والسنن: جمع سنة، وهي السيرة، بالغ في ذكر تبريهم منه وجفائهم له.
وقوله: سألت قومي، السؤال هنا: الاستعطاء، وجملة: وقد سدت، حالية، والرحبة: الفضاء، وقال أبو عبيد البكري: رحبة: بضم أوله وإسكان ثانيه بعده باء معجمة، وهي من بلاد عذرة، وأنشد هذا البيت.
وقوله: إذا قربوا، متعلق بألت. وقوله: لله در .. الخ، تهكم في صورة المدح، والغبين بفتحتين: ضعف الرأي، يتهكم برأيهم الضعيف حيث منعوه الإعطاء مع السؤال، وهو منهم، وأعطوا الأجنبي ولم يسألهم.
وقوله: أنى جزوا عامرًا: استفهام تعجبي، وأنى بمعنى كيف، والواو ضمير عشيرته، وعامر: هو عامر بن صعصعة، وهو أبو قبيلة، والمراد هنا القبيلة، وصرفه باعتبار الحي، والباء للمقابلة، والهاء والميم ضمير عامرز
والسوأى: فعلى، نقيض الحسنى، وهما مؤنث الأسوأ والأحسن، ولأجل القافية قابل السوأى بالحسن، وروري: «السوؤ» وهو اسم من ساءه يسوؤه تسوءًا ومساءة نقيض سره، يقول: أتعجب لقومي كيف عاملوا بني عامر بالسوء في مقابلة فعلهم الجميل! وقوله: أم كيف يجزونني، أم للإضراب عن الأول، يقول: بل أتعجب من قومي كيف يعاملونني بالسوء حال كونه بدلًا من الفعل الحسن والصنيع الجميل، وأضرب عن الأول للإشارة إلى أن إساءتهم لبني عامر سهل بالنسبة إلى إساءتهم إليه، بادعاء أنه ربما كان لهم عذر في الإساءة لأولئك، وأما في الإساءة إليه
[ ١ / ٢٤٤ ]
فلا عذر لهم أصلًا، ولما تخيل أنهم ربما غالطوا واعتذروا ترقى بقوله: أم كيف ينقع .. البيت، كأنه يقول: هو ظاهر لا يساعده باطن، وقال: لا يصدقه حال.
قووله: أم كيف ينقع .. الخ، أم هذه أيضًا للإضراب، وكيف للاستفهام الإنكاري، والرثمان بكسر الراء والهمز: مصدر رثمت الناقة ولدها، من باب فرح، إذا أحبته وعطفت عليه، وفي الأمثال: «لا أحب رثمان أنف وأمنع الضرغ»، يضرب لمن يظهر الشفقة ويمنع خيره، كذا في «أمثال الزمخشري» وقوله: إذا ما ضن، بالبناء للمجهول، أي: حصل الضن، وهو البخل والشح، قال ابن جني في «المحتسب»: ألحق الباء في به لما كان «تعطي» في معنى تسمح به، ألا تراه قال في آخر البيت: إذا ما ضن باللبن، فالضن: نقيض السماحة والبذل، انتهى. والهاء في «به» راجعة إلى ما، ولولا التضمين لقيل: تعطيه، و«ما» وإن كانت في اللفظ فاعل ينفع، فهي في المعنى مفعول، وهو الشيء المعطى، وهو اسم موصول واقع على الرثمان كما يأتي بيانه.
وقول المصنف: العلوق بتفح العين المهملة، إلى آخر قوله: وهذا البيت ينشد لمن يعد بالجميل .. الخ، قال الزجاجي في «أماليه الصغرى»: هذا البيت مثل يضرب لكل من يعد بلسانه كل جميل، ولا يفعل منه، لأن قلبه منطو على ضده، كأنه قيل: كيف ينفعني قولك الجميل، إذا كنت لا تفي به؟ ! وأصله أن العلوق هي الناقة التي تفقد ولدها بنحر أو موت، فيسلخ جلده ويحشى تبنًا أو حشيشًا، ويقدم إليها لترأمه، أي: لتعطف عليه ويدر لينها فينتفع به،
[ ١ / ٢٤٥ ]
فهي تشمه بأنفها وينكره قلبها، فتعطف عليه ولا ترسل اللبن، فشبه ذاك بهذا انتهى.
وقال المبرد في «الكامل»: الناقة إذا ألقت سقبها أو نحر، فخيف انقطاع لبنها، أخذوا جلد حوار فحشوه تبنًا، ولطخوه بشيء من سلاها، ثم حشوا أنفها، فتجد لذلك كربًا، ويقال للخرقة التي تجعل في أنفها غمامة، ثم تسل تلك الخرقة من أنفها، فتجد روحًا، وترى ذلك البو تحتها، وهو جلد الحوار المحشو، فترأمه، فإن درت عليه قيل: ناقة درور، وترأمه: تشمه. ويقال في هذا المعنى: ناقة ظؤور، فينتفع بلبنها، ويقال: ناقة راثم ورؤوم، إذا كانت ترأم ولدها أبو بوها، فإن رثمته ولم تدر عليه، فتلك العلوق، ولا خير عندها، انتهى كلامه.
وقال ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على «الكامل»: قال أبو الحسن الأخفش: يقال: للناقة إذا مات ولدها أو ذبح: سلوب، فإن عطفت على غير ولدها فرثمته، فهي رثام، وإن لم ترأمه ولم تدر عليه فهي علوق، ويقال: العلوق التي قد علقت فذهب لبنها. انتهى. وعلقت بمعنى حبلت.
وقال ابن الشجري في «أماليه»: العلوق من النوق: التي تأبى أن ترأم ولدها أو بوها، والبو جلد الحوار يحشى ثمامًا أو حشيشًا ويقدم إليها لترأمه فتدر عليه فتحلب، فهي ترأمه بأنفها وينكره قلبها، فرأمها له أن تشمه فقط، ولا ترسل لبنها، وهذا يضرب مثلًا لمن يعد بكل جميل ولا يفعل منه شيئًا.
وقوله: وقد أنشد الكسائي في مجلس الرشيد .. الخ، هذه الحكاية حكاها الزجاكي في «أماليه» قال: أخبرنا أحمد بن الحسين المعروف بابن شقير النحوي
[ ١ / ٢٤٦ ]
وعلي بن سليمان، قالا: أخبرنا يحيى ثعلب قال: اجتمع الكسائي والأصمعي بحضرة الرشيد، وكانا ملازمين له يقيمان بإقامته، ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي:
أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم .. إلى آخر البيتين
فقال الأصمعي: إنما هو رثمان أنف بالنصب، فقال له الكسائي: أسكت ما أنت وهذا! يجوز بالرفع والنصب والخفض، أما الرفع فعلى الرد على ما، لأنها في موضع رفم بينفع، فيصير التقدير: أم كيف ينفع رثمان أنف، والنصب بتعطي، والخفض على الرد على الهاء التي في به، قال: فسكت الأصمعي، ولم يكن له علم بالعربية، كان صاحب لغة، ولم يكن صاحب إعراب. انتهى كلام الزجاكي.
ومثله حكى ابن الشجري في المجلس السادس من أماليه، ونقل السيوطي هذه الحكاية في «الأشباه والنظائر» نم «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، وهي: قال أبو عبد الله بن مقلة: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: اجتمع الكسائي والأصمعي عند الرشيد، وكانا يقيمان بمقامه، ويظعنان بظعنه، فقال الكسائي:
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به .. البيت
فقال الأصمعي: «رثمان» بالرفع، فقال الكسائي: اسكت ما أنت وهذا! يجوز رثمان ورثمان ورثمان. ولم يك الأصمعي عربية، فسألت أبا العباس:
[ ١ / ٢٤٧ ]
كيف جاز ذلك؟ فقال: إذا رفع رفع بينفع، أي: أم كيف ينفع رثمان أنف؟ وإذا نصب نصب بتعطي، وإذا جر جر برده على الهاء في به، قال: والمعنى ما ينفعني إذا وعدتني بلسانك، ثم لم تصدقه بفعلك، يقال ذلك للذي يبر ولا يكون منه تقع، كهذه الناقة التي تشم بأنفها وتمنع درتها.
وقول المصنف: ووجهه أن الرفع على الإبدال من ما، وهو المعبر عنه عند الكوفيين بالردو وهو بدل كل من كل، ويجوز رفعه أيضًا على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو رثمان.
وقد جوز هذين الوجهين أبو علي الفارسي في «البغداديات» قال فيها: حكي لنا أن أبا العباس محمدًا وأبا العباس أحمد كانا يلقين هذا البيت، ويسألان عن وجه الإعراب فيه، ورثمان بالرفع والنصب والجر، والمعنى: وما ينفع عطفها عليه، إذا لم يدر لبنها.
وأقول: إن الرفع في رثمان يجوز فيه من وجهين، فأحدهما: أن تبدل رثمان من الموصول فتجعله إياه في المعنى، ألا ترى أن رثمان أنف هو ما تعطيه العلوق. والآخر: أن تجعله خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قال: أم كيف ينفع ما تعطي العلوق، قيل له: وما تعطي العلوق؟ فقال: رثمان أنف، أي: هو كقوله تعالى: ﴿قل: أفأنبكئكم بشر من ذلكم النار﴾ [الحج/٧٣] أي: هي. انتهى.
وقول المصنف: والصنب بتعطي، قال أبو علي بعد ذاك: وأما نصب رثمان فعلى ثلاث جهات:
أحدها: على معنى: أم كيف ينفع ما تعطيه من رثمان، فحذف الحرف وأوصل الفعل.
[ ١ / ٢٤٨ ]
ثانيها: أن يكون من باب (صنع الله) و(وعد الله)، كأنه لما قيل: تعطي العلوق، دل على ترأم، لأن إعطاءها رثمان، فنصبه على هذا الحد لما دل عليه تعطي.
ثالثها: أن ينتصب على الحال، مثل: جاء ركضًا، على قياس إجازة أبي العباس في هذا الباب، ويجعل تعطي بمنزلة تعطف، كأنه قيل: أم كيف ينفع ما تعطف به العلوق رثمان، أي: كيف ينفع تعطفها راثمة مع منعها لبنها! فهذه ثلاثة أوجه في النصب. انتهى كلامه.
وأشار في الوجه الثالث إلى أن ما مصدرية، وعليه يكون ضمير به عائدًا على البو المفهوم من المقام، وإذا ضم هذه الثلاثة إلىما قاله الكسائي وثعلب وابن الشجري والمصنف، وهو نصب رثمان بتعطي، يصير وجوه النصب أربعة.
ولم يذكر أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب «المعاياة» إلا النصب بتعطي، قال: نصب الرثمان وذلك أن الناقة تعطف على غير ولدها فترأمه، ولا تدر عليه وتمنعه اللبن، فقال: كيف ينفعه رثمان أنف إذا ما ضن عليه باللبن، والرثمان: مصدر، والعلوق: التي تعلق غير ولدها.
انتهى كلامه. ونصب رثمان بتعطي هو الوجه الظاهر من وجوه النصب.
وقول المصنف: وصوب ابن الشجري إنكار الأصمعي .. الخ، وهذه عبارة ابن الشجري: وقوله: ما تعطي العلوق به رثمان أنف، ما: خبرية بمعنى الذي،
[ ١ / ٢٤٩ ]
وهي واقعة على البو، وانتصاب الرثمان، هو الوجه الذي يصح به المعنى والإعراب، وإنكار الأصمعي لرفعه إنكار في موضعه، لأن رثمان العلوق للبو بأنفها هو عطيتها، ليس لها عطية غيره، فإذا أنت رفعته لم يبق لها عطية في البيت لفظًا ولا تقديرًا، ورفعه على البدل من «ما» لأنها فاعل ينفع، وهو بدل الاشتمال، ويحتاج إلى تقدير ضمير يعود منه على المبدل منه، كأنك قلت: رثمان أنفها إياه، وتقدير مثل هذا الضمير قد ورد في كلام العرب، ولكن في رفعه ما ذكرت لك من إخلاه تعطي من مفعول في اللفظ والتقدير، وجر رثمان على البدل أقرب إلى الصحيح قليلا، وإعطاء الكلام حقه من المعنى والإعراب إنما هو نصب الرثمان. ولنحاة الكوفيين في أكثر كلامهم تهاويل فارغة من حقيقة. انتهى كلامه.
أقول: لو حمل «ما» على الرثمان لم يرد شيء من هذا، ولقد أجاد الدماميني في الاعتراض على ابن الشجري بقوله: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضمير من به عائدًا على «ما» لا على البو؟ وبه يتعلق بتعطي على أنه مضمن معنى تجود، فلا يكون تعطي مخلى من مفعول مع رفع رثمان، ثم قال الدماميني: وما استند إليه ابن الشجري في إنكار الرفع قد يلتزم ولا محذور فيه، لأن الفعل المتعدي قد يكون الغرض من ذكره إثباته لفاعله أو نفيه عنه فقط، فينزل منزلة اللازم، ولا يقدر له مفعول لأن ذلك يخل بالغرض، واعتبار هذا المعنى في البيت ممكن.
ورد عليه ابن الخبلي بأن اعتبار هذا المعنى ممكن في نفسه، وأما في البيت فلا، لأنه مخل بالغرض إذ الغرض إثبات عطية لها، لا وصفها بالإعطاء فقط. على أنا تقول: المتعدي وإن نزل منزلة اللازم لا يتحقق مضمونه إلا بمفعول في نفس
[ ١ / ٢٥٠ ]
الأمر، فإذا لم يكن لها عطية إلا الرثمان، وقد صار معطى به لإبداله من ما أو ضميرها، لم يتحقق الإعطاء فضلًا عن أن ينزل فعله منزلة اللازم، إلا أن يقال: هو ممكن إذا فرض مفعول تعطي اللبن لتحقق سبب إعطائها إياه، وإن لم تعتبر هي ذلك السبب حتى ضنت بهو كم توفرت لديه دواعي الكرم فلم يلتفت إليها وبقي على بخله، فلما ضنت به ظهر أن عطيتها لم تكن في الحقيقة إلا الرثمان. انتهى. وهذا كله ناش من حمل «ما» على البومع أنه غير مذكور في الكلام، ولهذا لم يحمل عليه أحد من المتقدمين الذين جعل الله تعالى أفكارهم صائبة وأذهانهم ثاقبة.
وأغرب من هذا قول ابن الحنبلي أيضًا: مفعول يعطي رثمان آخر مقدر، إن رفع المذكور بالبدلية من ما الواقعة على البو، ويكون المعنى: أم كيف ينفع بو تعطي العلوق بسببه الرثمان رثمانه. وتكلفه ظاهر.
وما أحسن صنيع ابن جني في دعوى التضمي في تعطي بتجود، فإنه سالم من هذا ومن دعوى حذف المفعول الأول وهو البسو، كما قدره الدماميني، وإليه ذهب السيد قال في حاشية «المطول»: رثمان يروى مرفوعًا بدلًا من ما، ومجرورًا بدلًا من الضمير في به، ومنصوبًا على أنه مفعول تعطي، وعلى الأولين ضمن تعطي معنى تسمح، انتهى.
وقال الفتاوي أيضًا في حاشية «المطول»: وفيما ذكره ابن الشجري نظر، لجواز أن يقال من طرف الكسائي: إن الباء في «به» زائدة في المفعول، والتقدير: ما تعطيه العلوق، أو يضمن تعطي معنى تجود، فحينئذ يكون العطية نفس الرثمان كما في صورة النصب، أو يقال: نزل تعطي منزلة اللازم، انتهى. وقول ابن الشجري: وهو بدل الاشتمال، ويحتاج إلى تقدير ضمير، أقول: إذا جر على البدلية من الهاء يكون أيضًا محتاج إلى الضمير، قال الشمني:
[ ١ / ٢٥١ ]
الضمير المجرور عائد إلى ما، فما يحتاج إليه الرئمان من الربط على تقدير الإبدال من ما، يحتاج إليه على تقدير الإبدال من الضمير، انتهى. وقول الدماميني: لا يتعين بدل الاشتمال، بل هو بدل كل، فلا يحتاج إلى ضمير: لا يصح، لأن ما عند ابن الشجري عبارة عن البو وإنما يصح على جعل ما واقعة على الرئمان.
ووجه كون الجر أقرب إلى الصواب عند ابن الشجري أنه لصيرورة الرئمان الذي هو عطيتها معمولًا لتعطي بواسطة إبداله من الضمير الذي هو معموله بواسطة حرف الجر، قاله الشمني. وقيل: لأنه غير محتاج إلى تقدير محذوف بخلاف الرفع، فإنه عنده يفتقر إلى تقدير الرابط، قال الدمامينيو وفيه أنه لابد منه كما ذكرنا.
وقول ابن الشجري: وإعطاء الكلام حقه من المعنى والإعراب إنما هو نصب الرئمان، أما حق الإعراب فلأن تعطي لا يبقى بلا مفعول، وأما حق المعنى فلتحقق العطية.
ولقد تحامل ابن وحيي في قوله: وعلى تقدير التسليم لهذا الكلام لا يستحق الكسائي الرد عليه برفعه رئمان، وهو ظاهر، بل هو أقرب معنى عند من له فوق سليم، ثم انتصاب رئمان على أنه مفعول لتعطي بعيد عن الصواب وإن ذهبوا إليه، والأقرب أن يكون بدلًا من محل الضمير المجرور لكونه مفعولًا لتعطي فمآل كونه بدلًا من ما ومن الضمير المجرور ومن محله المنصوب واحد، وأما إذا كان مفعولًا لتعطي يلزم أن لا يكون فاعلًا للنفع، فيفوت المقصود من الكلام، لأنه سبق لعدم نفع رئمان أنف من الموصول، يكون تقدير الكلام: أم كيف ينفع الشيء الذي تعطيه العلوق البو، وهو رثمان أنف؟ فتحقق العطية، وهو رئمان أنف، وهو الذي سلب عنه النفع في ضمن الاستفهام، ثم زبدت الباء
[ ١ / ٢٥٢ ]
في المفعول الثاني لتعطي، وقدر المفعول الأول وهو البو بقرينة العاوق. هذا برمته كلامه. وقول المصنف: وزعم أن من متعلقة بكلمة البدل م حذوفة، هذا قول ابن الشجري وهذه عبارته، ومن الحسن: متعلقة مجال محذوفة، والتقدير: كيف يجزونني السوأى بدلًا من الجسن، ومثله في التنزيل ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [التوبة/٣٨]، أي: بدلًا من الآخرة، وقول المصنف: والضمير في «بفعلهم» لعامر، لأن المراد به القبيلة، تبع فيه ابن الشجري، وكان الأولى – كما قال الدماميني – الحي، لأن عامرًا في البيت مصروف، ولو أراد القبيلة لمنعه من الصرف.
وأقنون: شاعر جاهلي، يروى بضم الهمزة وفتحها وسكون الفاء ونونين، قال أبو عمرو الشيباني: أفنون: لقب له لقوله من قطعة:
منتنا الود يا مضنون مضنونا أيامنا إن للشبان أفنونا
واسمه كما قال أبو عمرو في «أشعار تغلب» وابن الأنباري في شرح «المفضليات» وابن دريد في «المجتبى» وابن قتيبة في كتاب «الشعراء»: صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن مالك بن حبيب، وتقدم رفع نسب حبيب. وقالوا: كان من خبره أنه لقي كاهنًا فسأله عن موته فقال: تموت بمكان اسمه إلاهة – بكسر الهمزة – فمكث ما شاء الله تعالى، ثم سار إلى الشام في تجارة ثم رجع في ركب من بني تغلب، فضاوا الطريق، فلقوا إنسانًا فاستخبروه،
[ ١ / ٢٥٣ ]
فنعت لهم، وقال في نعته: إذا رأيتم إلاهة، حيي لكم الطرق - وإلاهة قارة - فلما أتوها نزل أصحابه وقالوا له: انزل، فقال أفنون: لا والله لا أنزل! فجعلت ناقته ترتعي عرفجًا فلدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت باقة والحية متعلقة بمشفرها، فلدغته في ساقه، فقال لأخ معه: احفر لي قبرًا فإني ميت! ثم رفع صوته بأبيات منها:
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي إذا هو لم يجعل له الله واقيا
كفى حزنًا أن يرحل الحي غدوة وأصبح في أعلى إلاهة ثاويا
وقال الآمدي في «المؤتلف والمختلف»: ظالم بن معشر، وهو أفنون التغلبي من شعراء بني تغلب المشهوري، وهو القائل:
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي .. البيتين
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع والخمسون:
(٥٧) ما تنقم الحرب العوان مني بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
[ ١ / ٢٥٤ ]
نقل هذه الحكاية ياقوت الحموي في ترجمة أبي العباس أحمد بن يحيى بن سيار الشهير بثعلب إمام الكوفيين من كتابه «معجم الأدباء» قال: قرأت بخط ابن أبي سالم الحسن بن علي قال: نقلت من خط الحسن بن علي بن مقلة، قال أبو العباس أحمد بن يحيى: ابتدأت النظر في العربية والشعر واللغة في سنة ست عشرة، ومولدي في سنة مائتين في السنة الثانية من خلاف المأمون، وحذفت العربية، وحفظت كتب الفن كلها حتى لم ييذ عني حرف منها، ولي خمس وعشرون سنة، وكنت أعنى بالنحو أكثر من عنايتي بغيره، فلما أتقنته أكببت على الشعر والمعاني والغريب، ولزمت أبا عبد الله ابن الأعرابي بضع عشرة سنة، إلى أن قال: وقال أبو العباس: كنت أسير إلى الرياشي لأسمع عنه، وكان تقي العلم، فقال لي يومًا وقد فرئ عليه:
ما تنقم الحرب العوان مني .. الأبيات الثلاثة
كيف تقول: بازل أو بازل أو بازل؟ فقلت: أتقول لي هذا في العربية إنما أقصدك لغير هذا! قال: يروى بازل بالرفع على الائتناف، وبازل بالخفض على الإتباع، وبازل بالنصب على الحال، فاستحيى وأمسك. انتهى.
ومنها يعلم أن المصنف نقل هذا الكلام بالمعنى، فأخل بقوله: إنما أصير إليك لهذه المقطعات والخرافات والمنقول، إنما هو قوله: إنما أقصدك لغير هذا، يعني: لأخذ شعر العرب ولغاتها وأيامها.
ومات ثعلب لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومائتين، في خلافة المكتفي بن المعتضد، وقد بلغ تسعين سنة وأشهرًا، كذا قال ياقوت.
والرياشي: قال السيرافي: هو أبو الفضل عباس بن الفرج مولى محمد بن
[ ١ / ٢٥٥ ]
سليمان بن علي الهاشمي، ورياش رجل من جذام، كان أبو عباس عبدًا له، فبقي نسبه إليه، وكان عالمًا باللغة والشعر، كثير الرواية عن الأصمعي، وروى أيضًا عن غيره، وقد أخذ عنه المبرد وابن دريد. مات سنة سبع وخمسين ومائتين بالبصرة، قتله الزنج، كذا في «تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب» للإمام السيوطي ومن خطه نقلت. وهذه الأبيات الثلاثة أوردها ابن هشام في غزوة بدر الكبرى من «السيرة» عن ابن إسحق لأبي جهل لعنه الله تعالى، قال: وأقبل أبو جهل يؤمئذ يرتجز وهو يقاتل، قال ويقول:
ما تنقم الحرب العوان مني .. الأبيات الثلاثة
وروى ابن هشام بسنده إلى ابن عباس، وعبد الله بن أبي بكر أنهما قالا: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: جعلت أبا جهل من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أظنت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذنتي وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتىطرحتها. قال ابن إسحق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان، ثم مر بأبي جهلو وهو عقير، معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يلتمس في القتلى، قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه، ثم قتلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني، أعار على رجل قتلتموه؟ ! أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله. قال: ثم احترزت رأسه، ثم جئت به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وقوله: ما تنقم، ما: استفهامية إنكارية منصوبة المحل بتنقم، وتنقم بمعنى تكره، قال صاحب «المصباح»: نقمت عليه أمره، ونقمت منه نقمًا، من باب ضرب ونقومًا، ونقمت أنقم من باب تعب لغة: إذا عبته وكرهته أشد الكراهة لسوء فعله، وفي التنزيل: (وما تنقم منا) [الأعراف/١٢٦] على اللغة الأولى، أي: وما تطعن فينا وتقدح، انتهى. والمعنى: أي شيء تكره الحرب مني؟ أي: ما تكره مني شيئًا لما أني موف لها حقها. كذا قالوا، والجيد أن يكون من نقمت منه من باب ضرب بمعنى: انتقمت وعاقبت، والمعنى: لم تؤثر الحرب في، ولم تقدر على الانتقام مني فإني جلد كامل القوى، فهذا الكلام أليق بمن يثق بنفسه ويفتخر بكمال شجاعته.
وقيد الحرب بالعوان مبالغة بشجاعته وإظهارًا لوفور بصيرته بالحرب، فإن من حارب ابتداء، ولم يكن سبق منه مقاتلة، يكون غرًا غير متبصر بأحوال الحرب، فإذا حارب ثانيًا كان ذا دربة وبصيرة بها، فلا يهابها ويخاتل قرنه بالطعان والدفاع. والعوان: المحاربة الثانية، قال صاحب «الصحاح»: العوان من الحروب: التي قوتل فيها مرة، كأنهم جعلوا الأولى بكرًا.
وقال ابن الأثير في «النهاية»: ومنه حديث علي بن أبي طالب: بازل عامين حديث سني. والبازل من الإبل: الذي تم له ثماني سينين ودخل في التاسعة، وحينئذ يطلع نابه وتكمل قوته، ثم يقال له بعد ذلك: بازل عام وبازل عامين، يقول: أنا مستجمع الشباب مستكمل القوة. انتهى. ومعنى بازل عامين: مر عليه بعد بزوله عامان، فهو متناهي القوة.
وروى ابن دريد في «الجمهرة»: «مخلف» بدل بازل، قال: يقال للجمل بعد بزوله بعام أو عامين: مخلف، قال أبو جهل:
[ ١ / ٢٥٧ ]
ما تنقم الحرب العوان مني مخلف عامين حديث سني
انتهى. وقال الأزهري في «التهذيب»: والإخلاف: أن يأتي على البعير البازل سنة بعد بزوله، فيقال: بغير مخلف ومخلف عامين، وكذلك ما زاد. انتهى. والسن: العمر، وحداثة السن: الشباب وأول العمر.
وقول المصنف: يروى البيت بالرفع على الاستئناف، يريد أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنا بازل، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًا واستئنافًا بيانيًا. وقوله: وبالخفض على الإتباع، أي: بإبداله من ياء المتكلم في مني، وهذا إنما يتمشى على مذهب الأخفش، بخلاف الجمهور، فإنهم يشترطون للإبدال من ضمير الحاضر بدل كل، الإحاطة والشمول، كقوله تعالى: ﴿تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا﴾ [المائدة/١١٤] وقوله: وبالنصب على الحال، أي: من ياء المتكلم أيضًا.
وهذه الوجوه تجري أيضًا في قوله: حديث سني. وكذلك تجري في مخلف بدل بازل. وإذا نون «حديث» يكون سني مضافًا للياء فاعلًا لحديث، لاعتماده على المبتدأ المقدر، ويكون حديث خبرًا بعد خبر. وقولهك لمثل هذا، أي: القتال والحراب، ولدتني أمي، يريد: لما كان مآل أمري إلى هذا فكأنها ولدته له، كقوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنا﴾ [القصص/٨]، وقال الزمخشري في «الفائق»: قال سعد بن أبي وقاص: رأيت عليًا كرم الله تعالى وجهه يوم بدر وهو يقول:
بازل عامين حديث سني سنحنح الليل كأني جني
لمثل هذا ولدتني أمي
وقال السيوطي: أخرج ابن عساكر في «تاريخه» من طريق مصعب بن سعد
[ ١ / ٢٥٨ ]
عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بارزًا يوم بدر، فجعل يحمحم كما يحمحم الفرس ويقول:
بازل عامين حديث سني سنحنح الليل كأني جني
لمثل هذا ولدتني أمي
فما رجع حتى خضب بسيفه دمًا. ففي بازل على هذه الرواية لا تجري الوجوه المذكورة، قال ابن الحنبلي: إلا أن يكون علي قال ذلك على أنه لغيره، وأن قبله:
ما تنقم الحرب العوان مني
إلا أنه تركه وحكى ما بعده كما هو، والظاهر – إن صحت الروايتان – أنه من التوارد.
ورأيت في ديوان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه نسق الأبيات هكذا:
قد عرف الحرب العوان أني بازل عامين حديث سني
سنحنح الليل كأني جني أستقبل الحرب لكل فن
معي سلاحي ومعي مجني وصارم يذهب كل ضغن
أقصي به كل عدو عني لمثل هذا ولدتني أمي
ونقل شارحه الفاضل المدقق حسين الميبدي عن الحافظ إسماعيل أن هذه الأبيات قالها الإمام يوم بدر.
والسنحنح، بفتح السين وفتح النونين وسكون الحاء الأولى: السهران، قال ابن الأثير في حديث علي:
[ ١ / ٢٥٩ ]
سنحنح الليل كأني جني
أي: لا أنام الليل فأنا متيقظ أبدًا، وروي «سمعمع» أي: سريع خفيف، وهو في وصف الذئب أشهر، وإضافتها إلى الليل للملابسة والتأكيد، وقد أوضح المراد منه بقوله: كأني جني، على ما جرت عليه عادة العرب من زعمهم أن الجن إنما تسرح ليلًا، ولأنه يفترس ما يراه، ومن يراه ينخلع قلبه ويدهش من شدة الخوف.
وأورد الحسن السكري في أواخر شعر هذيل مثل هذا الرجز قال: خرجت بنو صاهلة من الليل، فأدركهم الطلب وفيهم رجل من بني ظفر يقال له كليب، فقال:
أنا كليب ومعي مجني بازل عامين حديث سني
أضرب رأس البطل المعن حتى يميطوا في الخلاء عني
لمثل هذا ولدتني أمي
وقال: المعن، بكسر الميم وفتح العين المهملة وتشديد النون: الذي يعترض للبلاء والشر والبغي، ويميطوا، يتنحوا في خلاء الأرض. انتهى. فإن كان قائل هذا جاهليًا فهو السابق، وإن كان إسلاميًا فهو متبع.
[ ١ / ٢٦٠ ]
ورأيت في «ربيع الأبرار» للزمخشري: تزوج رجل امرأة، فلما دخل عليها أخذ يقبلها ويلاعبها، فقالت:
ليس لهذا ولدتني أمي والله لا تمسكني بضمي
ولا بتقبيلي ولا بشمي إلا بزعزاع يسلي همي
لمثل هذا ولدتني أمي
وقول المصنف: إنما أصير إليك لهذه المقطعات والخرافات، أي: لسماع هذه المقطعات وروايتها عنك، لا لأخذ وجوه إعرابها.
والمقطعات: جمع مقعطة – بصيغة اسم المفعول – من التقطيع، قال صاحب
[ ١ / ٢٦١ ]
«القاموس»: المقطعات من الشعر: قصاره وأراجيزه، وقال الدماميني: المقطعة: ما نقص من عشرة، ويقال لها أيضًا: المقطوع. انتهى.
وفي شرح ديباجة «الألفية» للشاطبي حكى القاضي ابن الطيب عن الفراء بسند يرفعه إليه أن العرب تسمي البيت الواحد يتيمًا، ومن ذلك الدرة اليتيمة لانفرادها، فإذا بلغ الاثنين والثلاثة فهي نتفة بضم النون، والعشرة تسمى قطعة، فإذا بلغ العشرين استحق أن يسمى قصيدًا. انتهى.
والخرافات: أراد به الأشعار والأخبار التي تكون بمنزلة ما يتفكه به من الثمار، وحملها هنا على الأباطيل وما لا أصل له غير جيد، قيل: أصل الخرافة: ما اخترف، أي: اجتني من الفواكه من الشجر، ثم جعل لما يتلهى به من الأحاديث، وقيل: خرافة: رجل من خزاعة استهوته الجن، وكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا: حديث خرافة. وفي «النهاية» لابن الأثير في حديث عائشة قال لها: حدثيني، قالت: ما أحدثك حديث خرافة، خرافة: اسم رجل من عذرة استهوته الجن، فكان يحدث بما رأى: فكذبوه وقالوا: حديث خرافة، وأجروه على كل ما يكذبونه من الأحاديث، وعلى ما يستملح ويتعجب منه، ويروى عن النبيى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «خرافة حق» انتهى.
قال ابن المعالي عن عائشة قالت: حدث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة نساءه حديثًا، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله هذا حديث خرافة، قال: «أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة من عذرة أسرته الجن، فمكث فيهم دهرًا، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس:
[ ١ / ٢٦٢ ]
أحاديث خرافة» وعوام الناس يرون أن قول القائل: هذا خرافة، إنما معناه أنه حديث لا حقيقة له، وإنما هو مما يجري في السمر، وينتظم في الأعاجيب وطرف الأخبار، واشتقاقه من اخترف الثمرة إذا اجتناها، وهي خرفة، ولذا سمي الفصل خريفًا لاختراف الفواكه فيه، فكانت هذه الأحاديث بمنزلة ما يتفكه به من الثمار للتلهي بها، وأرى أن قولهم: خرف، إذا تغير عقله من هذا، لأنه يتكلم بما يضحك ويتعجب منه، ومن ههنا قيل: فكهت من كذا، أي: عجبت منه، وقيل للمزاح فكاهة لما فيه من المسرة والاستمتاع به. وقال الزمخشري في «ربيع الأبرار»: سمعت العرب يشددون الراء من خرافة، ويسمون الأباطيل الخراريف.
وهذه الأبيات الثلاثة تحتمل أن تكون من مشطور السريع كما قال الدماميني: وتحتمل أن تكون من الرجز المقطوع المخبون كما قاله غيره، وقد أورد المصنف هذا الرجز في الباب الثامن، وحكم أن فيه من عيوب القافية الإكفاء، وهو: اختلاف حرف الروي بما يقاربه في المخرج، والروي في الأولين نون وفي الثالث ميم، وهو أحد أقوال ثلاثة تبع فيه الزمخشري فإنه قال في «الفائق» في الموضع الذي أورده فيه: خالف بين حرفي الروي لتقارب النون والميم، وهذا يسمى الإكفاء
[ ١ / ٢٦٣ ]
في علم القوافي. انتهى. وقد منع الدماميني هنا وهناك الإكفاء، وحكم أن الروي الياء، فتكون الرواية: حديث سني بالياء، وهذا قول آخر.
وقد حكى الأقوال الثلاثة عبد اللطيف البغدادي في شرح «نقد الشعر»: لقدامة، قال: وفي الحديث أن سعدًا قال رأيت عليًا كرم الله تعالى وجهه يوم بدر وهو يقول:
بازل عامين حديث سني سنحنح الليل كأني جني
لمثل هذا ولدتني أمي
فأما قول أبي جهل:
ما تنقم الحرب العوان مني بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
فقد روينا عن علي – كرم الله تعالى وجهه – نحوه، ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: أن يكون إكفاء، وما قبل الياء هو الروي، والثاني: أن يكون أراد أن يطلق بالألف، فيقول: منيا وسنيا وأميا، فحذف، والثالث: أن يكون الياء حرف الروي، ويكون مقيدا، وهذا هو الأصح. انتهى كلامه.
وأبو جهل – لعنه الله تعالى – اسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وكان عمرو بن هشام
[ ١ / ٢٦٤ ]
يكنى أبا الحكم، فكناه رسول الله صلى الله تعالى وسلم أبا جهل، وقتل يوم بدر على كفره كما تقدم، وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثامن والخمسون:
(٥٨) أحاد أم سداس في أحاد لييلتنا المنوطة بالتنادي
على أن «أم» فيه محتملة لأن تكون متصلة بتقدير الهمزة، ومحتملة لأن تكون منقطعة بتقدير مبتدأ بعدها، وقول المصنف: أم ست اجتمعت في واحدة، أشار إلى أن معنى قوله: سداس في أحاد، أن طول ست ليال اجتمع في ليلة واحدة، وهو قول ابن جني ومن تبعه من شراح شعر المتبني.
وأغرب أبو القاسم عبيد الله بن عبد الرحيم الأصفهاني فيما كتبه على شرح ابن جني في قوله: وإنما معنى البيت إن ذهبت به مذهب العدد، فأضفت الواحد إلى الستة، والمراد إلى الأسبوع، فتكون استطالته الليلة الواحدة كاستطالته ليالي الأسبوع، ووقف عند هذا الحد كقول بعض الرجاز:
إني إذا ما الليل كان ليلين ولجلج الحادي لسانين اثنين
فهذا جعل واحدة ثنيتن، وأوس بن حجر جعل الليلة ليالي، فقال:
ولقد أبيت بليلةٍ كليالي وكأن تحت الجنب شوك سيال
والمتنبي جعل الليلة الواحدة ليالي الأسبوع طولًا ووقف عندها. وإن ذهبت
[ ١ / ٢٦٥ ]
مذهب الضرب ففيه معنى لطيف، لأنك إذا ضربت الواحد في الستة رجع إلى وراء، فيكون المعنى أن هذا الليل إلى الوراء فلا يتصرم آخره، كما قال الشاعر:
تطاول هذا الليل حتى كأنما إذا ما انقضى تثنى عليه أوائله
وقال أبو اليمن الكندي: أجود ما قيل فيه أن يكون أراد: واحدة أم ست في واحدة، على أن تكون في ظرفًا للست، فتصير سبع ليال، ولا يريد بها ضرب الحساب وخص هذا العدد لأنه أراد ليالي الدهر كله، لدوران الأسابيع فيه متتابعة إلى يوم القيامة، أي: أهذه الليلة واحدة، أم ليالي الدهر كلها جمعت في هذه الليلة الواحدة حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة؟ هذا كلامه.
وأبو القاسم هذا كان عصري المتنبي، وابن جني ألف كتابه هذا باسم بهاء الدولة بن بويه، قال في ديباجته: وكان بعض أكنفاء خدمته، واغدياء نعمته، التمس من عثمان بن جني استخلاص أبيات المعاني من ديوان شعر المتنبي، وتجريدها ليقرب تناولها، فأجابه إلى ما طلب، وفعل بقدر إمكانه، ثم قرأه على أحد من تصرف في جلائل الأمور وسياسة الجمهور، فوقعت منه على صواب وخطأ، فأملت فيه كتابًا ترجمته بالواضح في مشكلات شعر المتنبي. انتهى المراد منه.
وتبعه فيما قاله المبارك بن أحمد المستوفي الإربلي في كتاب «النظام» وزاده توضيحًا فقال: وست في واحدة – إذا جعلتها فيها كالشيء الظرف، ولم يرد الضرب الحاسبي – سبع، وخص هذا العدد لأنه أراد ليالي الأسبوع، وجعلها اسمًا لليالي
[ ١ / ٢٦٦ ]
الدهر، لأن كل أسبوع بعده أسبوع آخر إلى آخر الدهر، يقول: هذه الليلة واحدة، أم ليالي الدهر كلها جمعت في هذه الواحدة حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة؟ ويريد بالتنادي يوم القيامة، والله تعالى سمى يوم القيامة يوم التناد، لأن النداء يكثر في ذلك اليوم، ويكون هذا كقوله:
كأن أول يوم الحشر آخره
وقال ابن جني: يريد تنادي أصحابه بما يهم به، ألا ترى إلى قوله بعده:
أفكر في معاقرة المنايا وقود الخيل مشرفة الهوادي
وعلى هذا استطال الليلة التي عزم فيها على الحرب شوقًا إلى ما عزم عليه. انتهى.
وإنما خص الليل بالطول دون الأيام، لأنهم يستطليلون ليالي السهر والفكر، وتتضاعف فيه الغموم والهواجس، وكذلك عند الأطباء أن الأمراض تشتد ليلًا، لأن طبعه الضم والقبض والخثورة والجمود، وبالنهاء تنفش البخارات عن البدن، وتنحل أجزاء العلل، وليس بين الشعراء وبين الأيام ت علق في أمر ما يسهر، بل يقولون: إن المحزون والمغنم ينشرح صدره ويخف ما به لمحادثة الناس وملاقاة الأشخاص، كما قال ابن الدمينة:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم بالليل جامع
وقال الطرماح:
على أن للعينين في الصبح راحة لرميهما طرفيهما كل مطرح
[ ١ / ٢٦٧ ]
وقال النابغة:
طليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذي يتلو النجوم بآيب
وأما إذا ذكروا اليوم، فإنهم يذهبون به قصد الممدوح وطول نهاره على الأعداء، كقول الكميت:
وإذا اليوم كان كالأيام
وقال أبو تمام:
ورب يوم كأيام تركت بها متن القناة ومتن القرن منقصفا
قال ابن جني: واختيار الست دون غيرها من العدد، لأنها الغاية التي فرغ الله تعالى من جميع أحوال الدنيا. انتهى. ولا يخفى أن هذا لا تعلق له بقول المتنبي، فإنه إنما ذكر الليل دون اليوم. وقال ابن المستوفي: قال أبو العلاء: وحكي عن أبي الفتح أنه كان يحتج لتخصيص أبي الطيب سداس عن غيره بما هو أكثره بأن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، يريد أن هذه الليلة طويلة كأنها الأيام الستة التي خلقت فيها السموات والأرض، إذ كان كل يوم من أيام الله سبحانه كألف سنة مما يعده بنو آدم، وهذا قول حسن ومما يجوز أن يقال في هذا المعنى. أن الحديث جاء فيه: إذا حانت القيامة، وقضى الله أن
[ ١ / ٢٦٨ ]
تطلع الشمس من مغربها، أخر طلوعها ثلاثة أيام، فينكر الناس ذلك، ويفزعون إلى المساجد، ثم تطلع بعد ثلاث سوداء» والثلاثة الأيام التي لم تطلع فيها الشمس صارت كثلاث ليال، فهي حينئذ ست، ويقوي هذا القول: ليلتنا المنوطة بالتنادي، لأن طلوع الشمس من مغربها يتصل بالقيامة. انتهى. ولم يرض بهذا السيد المرتضى، فقال في «أماليه» بعدما ذكر كلام ابن جني: وهذا من جملة الزلل والخلل، ولا علة لقوله سداس، واختصاصه هذا العدد دون غيره من الأعداد، لأن غرضه لما طالت عليه ليلته أن يقول: أليلة هي أم ليال؟ وكل عدد متجاوز للواحد يقوم في هذا الغرض مقام صاحبه، فما سداس إلا كخماس وسباع، والتعليل بأن هذا العدد فيه فرغ من خلق الخلق مضحك، وأي تعلق لأيام خلق الخلق بما قصد إليه من الاستطالة! حتى كأن الله تعالى خلق السماء والأرض في أطول مدة تتصور، وليس الأمر على هذا، بل الأيام المضروبة لخلق السماء والأرض للمصلحة لا لغير ذلك من العلل، ولا يظن مثل هذا متأمل. وأما لفظة التناد، فلا شبهة أن المراد بها القيامة، والتنادي بقيام الأموات من قبورهم، كما قال الله تعالى: ﴿يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد﴾ [غافر/٣٢] أي: يوم المبعث، وأي مدخل للتنادي بالرحيل في المعنى الذي قصده الشاعر من استطالة ليلته حتى قال: هي ليلة أم ست ليال؟ وإنما يليق ذلك بأن يقول: هذه الليلة الطويلة منوطة بيوم القيامة. واستدلال أبي الفتح على هذا الغرض الفاسد بقوله من بعد: أفكر في معاقرة المنايا .. البيت لا يدل على ما ظنه، لأن هذا كلام استأنفه، وقد مضى ما استطاله من ليله وعدل إلى غرض آخر. انتهى كلامه. واعترض عليه ابن المستوفي بأن قوله: هذا كلام استأنفه آخر آخره،
[ ١ / ٢٦٩ ]
لا يصح له به الرد على أبي الفتح، لأن أبا الطيب ما استطال ليلته إلا لهذا، ولم يعدل إلى غرض آخر مما يخالف غرضه، وكل الأبيات إلى المخلص تؤدي معنى واحدًا بني عليه القصيدة، والذي يجب أن يقال: إن المتنبي استعمل من الأعداد المعدولة ما لم يجمع على استعماله، وإن كان قد حكي عنهم أن هذا العدد جاء إلى عشار، فكان ينبغي أن يقول: أحاد أم عشار في أحاد، فينتهي من هذا العدد إلى غايته، فتكون الليلة أطول عليه، فاختصاصه بداس لا معنى له دون غيره من الأعداد المعدولة، وهو قادر على أن يضع موضعه ما هو أكثر منه عددًا، وكان يؤخذ عليه في عشار ما أخذ عليه في سداس ويزيد الليلة طوالًا. هذا كلامه. وقول المصنف: ويكون تقديم الخبر، وهو أحاد .. الخ. إن قلت: لم لا يجوز أن يكون أحاد مبتدأ لتخصصه بالاستفهام؟ قلت: الغرض الإخبار به لا عنه، وقول المصنف: إذ شرط الهمزة المعادلة لأن أن يليها أحد الأمرين ..
الخ، هذا مذهب ابن الحاجب ومن حذا حذوه، وقد أخذ المصنف كلامه هذا من «أماليه» فإنه قد تكلم على هذا البيت فيها.
وقد أجاز سيبويه خلافه، قال في «الكتاب» بعد أن مثل بقوله: أزيد عندك أم عموو؟ وأزيدًا لقيت أم بشرًا؟ واعلم أنك إذا أردت هذا المعنى فتقدير الاسم أحسن، لأنك لا تسأل عن اللقاء، وإنما تسأل عن أحد الاسمين لا تدري أيهما هو، فبدأت بالاسم لأنك تقصد قصد أنيبين لك أي الاسمين في هذا الحال، وجعلت الاسم الآخر عديلًا للأول، فصار الذي لا تسأل عنه بينهما، ولو قال: ألقيت زيدًا أم عمرًا؟ كان جائزًا حسنًا، أو قلت: أعندك زيد أم عمرو؟ كان كذلك، إلى آخر ما ذكره.
وقال السيرافي: الاختيار في هذا الباب أن يكون الشيء الذي يسأل عنه هو الذي يلي الألف وأم، وما لا يسأل عنه متوسط، كقولك: أزيد عندك أم عمرو؟
[ ١ / ٢٧٠ ]
والسؤال في زيد وعمرو، لأن السائل يلتتمس تعيين واحد منهما، ولا سؤال عن عندك، لأنه قد عرف أن أحدهما عنده، وإذا قيل: أعندك زيد أم عمرو؟ وصار الذي يلي الألف «عند» وليس بعديل عمرو الذي ولي «أم» وهو وإن كان حسنًا جائزًا لاستواء: ألقيت زيدًا، وأزيدًا لقيت؟ فليس كحسن: أزيدًا لقيت أم بشرًا. لأنه مع صحة المبنى أعدل لفظًا، وهو مما تختار العرب. انتهى.
وقول المصنف: وأظهر الوجهين الاتصال .. الخ، هذا زائد على ما في «أمالي» ابن الحاجب، وهو من تصرفه. وقوله: واعلم أن هذا البيت اشتمل على لحنات .. الخ، أخذ هذا من «درة الغواص» للحريري، قال فيها: ونسب إلى أنه وهم في أربعة مواضع في هذا البيت، أحدها: أنه أقام أحاد مقام واحد، وسداس مقام ستة. والموضع الثاني: أنه عدل بلفظة ست إلى سداس، وهو مردود عند أكثر أهل اللغة. والثالث: أنه صغر ليلة على لييلة، والمسموع في تصغير لييليلة. والرابع: أنه ناقض كلامه، لأنه كنى بتصغير الليلة عن قصرها، ثم عقب تصغيرها بأن وصفها بالامتداد إلى يوم التناد. انتهى.
وقوله: وهم، مضارعه يوهم وهمًا، مثل غلط غلطًا وزنًا ومعنى، واللحن: مصدر لحن في كلامه لحنًا من باب تقع: أخطأ في العربية. ولا يخفى أن هذا تحامل عليه، وليس كل واحد من هذه الأربعة خطأ، إلا استعمال سداس في معنى ست، ويأتي ما فيه.
وأول من أشاع الطعن فيه الصاحب بن عباد في جملة ما عده له من السقطات، وتتبع عواره من الهفوات، لا سيما والبيت مطلع القصيدة وهو مما ينبغي التأنق فيه، فقد نقل أن الأستاذ الرئيس ذكر الشعر يومًا فقال: إن أول
[ ١ / ٢٧١ ]
ما يحتاج فيه إلى حسن المطلع، وماذلك إلا أنه أول ما يقرع به الأسماع، فقال: ومن عيون قصائده التي تحير الأفهام وتفوت الأوهام، وتجمع من الحساب ما لا يدرك بالارتماطيقى، وبالأعداد الموضوعة للموسيقى: أحاد أم سداس في أحاد .. البيت، وهذا كلام الحكل ورطانه الزط، وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه، فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة! أي هزة تبقى هناك، وأي أريجية تثبت! هذا وقد خطأه في المعنى واللفظ كثير من أهل اللغة وأصحاب المعاني، حتى احتيج في الاعتذار له، والتفصي عنه إلى كلام لا يستأهله هذا البيت، ولا يتسع له هذا الباب، انتهى.
وقول المصنف: استعمال أحاد وسداس بمعنى واحدة وست، أما أحاد فقد قال ابن بري فيما كتبه على «درة الغواص»: إنه قد ورد في كلام العرب بمعنى واحد كقوله:
منت لك أن تلاقينا المنايا أحاد أحاد في الشهر الحلال
وأما سداس بمعنى ست فقد حكى صاحب «القاموس»: إزار سديس وسداسي: طوله ستة أذرع، فلولا أن سداس ثابت في كلامهم ما نسبوا إليه، وإن كان استعماله قليلا، على أنه ما المانع من أن يكون أحاد وسداس في البيت بمعنى واحدة واحدة، وست ست، باحتمال أن المتنبني قصد التقسيم، والمعنى الإخبار عن ليلة فراقه للأحبة بأنها منقسمة إلى واحدة واحدة، أي: أن كل
[ ١ / ٢٧٢ ]
جزء منها بمثابة ليلة واحدة، ثم رأى أنها أطول من ذلك، فأضرب واستفهم: هل هي باعتبار الأجزاء منقسمة إلى ست ست في كل واحد واحد من أجزاء الليلة؟ هذا إن جعلت أم منقطعة، وإن كانت متصلة فالمعنى طلب التعيين لأحد هذين الأمرين، فلم يخرج العدد المعدول عن استعماله في معناه كما قاله الدماميني، ومع هذين التوجهين لا لحن ولا خطأ. وقوله: واستعمال وأكثرهم يأباها، مفهومه أن الكثير لا يأباها. قال الدماميني: ومثل هذا لا يعد لحنًا، لأنه ليس بخارج عن كلام العرب قطعًا، لوجود النقل من كثيرين أنه من كلامه، ولو كانت مخالفة الأكثرين لحنًا لزم أن يلحن كثير من العلماء الذاهبين إلى ما لم يقل به غير القليل، وهذا عن الإنصاف بمراحل. انتهى.
على أنه قد حكى الشيباني وأبو حاتم وابن السكيت سماع المعدول من واحد إلى عشرة على فعال ومفعل، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
وقوله: وتصغير ليلة على لييلة .. الخ، هذا هو القياس، ومثله مما رآه بعض النحويين جائزًا، على أن منهم من ذهب إلى أن لييلية ليس مصغر ليلة، وإنما هو مصغر ليلاة، وعليه جمع ليالٍ، ومثل هذا لا يعد لحنًا.
وقوله: ومما قد يستشكل فيه أنه جمع بين متنافيين، هذا أيضًا ليس بشيء، لأن التصغير قد جاء للتكثير والتعظيم، قال ابن سيدة صاحب «المحكم» في شرح «ديوان المتنبي» عند الكلام على هذا البيت: وصغر الليلة تصغير التعظيم، كقول أوس بن حجر:
[ ١ / ٢٧٣ ]
فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن لتبلغه حتى تكل وتعملا
فقال: جبيل، والجبل الذي هذه حاله ليس بجبيل إنما هو جبل، وإنما وجه تصغير التعظيم أن الشيء قد يعظم في نفوسهم حتى ينتهي الغاية، فإذا انتهاها عكسوه إلى ضده لعدم الزيادة في تلك الغاية، وهذا مشهور من رأي القدمات والفلاسفة الحكماء، أن الشيء إذا انتهى انعكس إلى ضده، ولذلك جعل سيبويه الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل وهي نهاية التعدي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول، قال: لأنه لما انتهى فلم يتعد صار بمنزلة ما لا يتعدى، وهذا منه طريف جدًا. انتهى كلامه. وقد مثل ابن جني أيضًا لتصغير التعظيم بذلك البيت، واعترضه أبو القاسم الأصفهاني فقال: وأما استشهاد أبي الفتح ببيت أوس بن حجر، وهو: فويق جبيل .. فهو مختلف فيه، فبعضهم ذهب إلى أن كل شامخ له نادر يندر منه ويشخص، فهو الجبيل، ومنهم من وافق أبا الفتح، والقاطع في تصغير التعظيم قول لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل
وصفرة الأنامل من الموت، وليس في الدواهي أعظم منه. انتهى.
وترجمة المتنبي تقدمت في الشاهد التاسع.
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع والخمسون:
(٥٩) أيا شجر الخابور ما لك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف
على أنه من تجاهل العارف، وسماه السكاكي: سوق المعاوم مساق غيره،
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقال: لا أحب تسميته بالتجاهل لوروده في كلام الله تعالى، والتجاهل إنما يكون لنكتة كالتوبيخ هنا، وفي قولها: مالك مورقًا! توبيخ، من أورق الشجر: صار ذا ورق، قال السعد: وهي تعلم أن الشجر لم يجزع على ابن طريف، لكنها تجاهلت فاستعملت لفظ كأن الدال على الشك. وبهذا يعلم أنه ليس يجب في «كأن» أن تكون للتشبيه، بل قد تستعمل في مقام الشك في الحكم. وقال صاحب «عروس الأفراح»: الاستفهام في قولها: ما للتوبيخ، وهو تجاهل مع معرفتها أن الشجر لا يتأثر بموت من مات. ولقائل أن يقول: ليست النكتة هنا توبيخ الشجر، بل النكتة إرادة إبهام أن الحزن على المذكور من الأمور العامة حتى لا يختص بها إنسان عن شجر، فهو تجاهل، فأتى في ظاهر اللفظ بالتوبيخ لنكتة المبالغة في المدح على جهة الغلو بالوجه المستحيل، كقوله:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق
وإنما أفردت ضمير الشجر رعاية للفظه لا لمعناه، وإلا أنثت. انتهى.
والخابور هنا: نهر عظيم بأرض الجزيرة، ومخرجه من عيون في رأس عين، وينضاف إليه بعض مياه نصيبين، يسقي كورة كبيرة ذات بلدان كثيرة، وقرى منها قرقيساء، وعرابان والمجدل وما كسين وغير ذلك، ثم يصب ي الفرات عند قرقيساء. وفي شرقي دجلة بالموصل أيضًا نهر مخرجه من الجبال، يجتمع أيضًا فيسقي كورة يقال له: خابور الحسنية أيضًا، كذا في «المشترك وضعا المفترق صقعًا» لياقوت الحموي وفي «القاموس»: الخابور: نهر بين رأس عين والفرات، وآخر شرقي دجلة الموصل وواد. انتهى. وقول السيد في «شرح المفتاح» والسعد فيه،
[ ١ / ٢٧٥ ]
وفي «المطول» إنه موضع من نواحي ديار بكر ليس بجيد، وفي كتاب «الأمكنة» للزخشري: الخابور: نهر بالشام، وهو من قول الجوهري في «الصحاح»: الخابور موضع بالشام، ولعله كذلك، لكنه ليس المناسب هنا، فإن ابن طريف الخارجي خرج بالجزيرة في سنة ثمان وسبعين ومائة، ففتك يإبراهيم ابن خازم بنصبين عامل الرشيد، وقويت شوكته حتى سير إليه الرشيد يزيد بن مزيد ابن زائدة، وهو ابن أخي معن بن زائدة الشيباني، فقال الوليد:
ستعلم يا يزيد إذا التقينا بشط الزاب أي فتى تكون
ثم التقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا، فقتل الوليد، فقال بعض الشعراء:
وائل بعضهم يقتل بعضًا لا يقل الحديد إلا الحديد
ولما قتل الوليد صحبتهم أخته ليلى بنت طريف مستعدة عليها الدرع، فجعلت تحمل على الناس فعرفت، فقال يزيد: دعوها، وخرج إليها فضرب قطاة فرسها بالرمح، ثم قال: اغربي فقد فضحت العشيرة، فاستحيت وانصرفت، ورثته بأشعار منها القصيدة التي منها هذا البيت، كذا في «تاريخ النويري» بن طارق بن سيحان بن عمرو بن فدو كس الشيباني الشاري، أحد الشجعان الطغاة الأبطال، وكان بنصبين والخابور وتلك النواحي، وخرج في خلافة هارون الرشيد، وبغى وحشد جموعًا كثيرة، فأرسل إليه هارون جبيشًا كثيفًا مقدمه أبو خالد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، فجعل يخاتله وبما كره، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد، فأغروا به الرشيد، وقالوا: إنه يراعيه لأجل الرحم وإلا فشوكة الوليد يسيرة، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب وقال: لو وجهت أحد الخدم لقام
[ ١ / ٢٧٦ ]
بأكثر مما تقوم به، ولكنك مداهن متعصب، وأمير المؤمنين يقسم بالله: لئن أخرت مناجزة الوليد ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين، فلقي الوليد فظهر عليه [فقتله] وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة، عشية [أول] خميس في شهر رمضان، وهي وقعة مشهورة تضمنها التواريخ، وكان للوليد أخت تسمى القارعة، وقيل: فاطمة تجيد الشعر وتلك سبيل الخنساء في مرائيها لأخيها صخر، فرثت القارعة أخاها الوليد بقصيدة أجادت فيها، وهي قليلة الوجود لم أجد في مجاميع كتب الأدب إلا بعضها، حتى إن أبا علي القالي لم يذكر منها في «أماليه» سوى أربعة أبيات، فاتفق أني ظفرت بها كاملة، فأثبتها لغرابتها مع حسنها، وهي هذه:
تبكي بناتي رسم قبر كأنه على جبل فوق الجبال منيف
تضمن مجدًا عذمليا وسؤددا وهمة مقدام ورأي حصيف
فيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم معاودة للكر بين صفوف
كأنك لم تشهد هناك ولم تقم مقاما على الأعداء غير خفيف
[ ١ / ٢٧٧ ]
ولم تستلم يومًا لو رد كريهة من السرد في خضراء ذات رفيف
ولم تسمع يوم الحرب والحرب لاقح وسمر القنا ينهرنها بأنوف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى
فإن مات لا يرضى الندى بحلييف
فقدناك فقدان الشباب وليتنا فديناك من فتياننا بحليف
فقدناك فقدان الشباب وليتنا فديناك من فتياننا بألوف
وما زال حتى أزهق الموت نفسه شجًا لعدو أولحًا لضعيف
ألا يا لقومي للحمام وللبلا وللأرض همت بعده بر جوف
ألا يا لقومي للنوائب والردى ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب قد هوى
وللشمس لما أزمعت بكسوف
ولليت كل الليث إذ يحملونه إلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيف
ألا قاتل الله الجثي حيث أضمرت فتى كان للمعروف غير عيوف
فإن يك أرداه يز يد بن مزيدٍ فرب زحوف لفها بزحوف
عليك سلام الله وقفًا فإنني أرى الموت وقاعًا بكل شريف
قولها: تبكي بناتي، أمر لبناتها بالبكاء عليه والرثاء، والعذملي بضم العين المهملة والميم وسكون الذال المعجمة بينهما: كل مسن قديم، والحصيف بالحاء والصاد المهملتين: وصف من حصف ككرم، إذا استحكم عقله، والجرداء بالجيم: مؤنث الأجرد، وهو الفرس القصير الشعر، وهذا لا يكون إلا في العتاق من الخيل، بخلاف البراذين فإن شعرها طويل، والصلدم بكسر الصاد المهملة والدال
[ ١ / ٢٧٨ ]
وسكون اللام بينهما: القوي الشديد من الحافر، والأنثى صادمة، كذا في «تهذيب الأزهري» وفي «القاموس»: الصلدم كجعفر: الأسد، والصلب والشديد الحافر، وهي صلدمة، وهذا البيت يرد عليهما، فإن صلدمًا فيه صفة لجرداء، ولو كان مخصوصًا بالمذكر لقيل: صلدمة، ولما لم يؤنث بالتاء علم أنه مشترك بين المذكر والمؤنث، وقول صاحب «القاموس»: الشديد الحافر، أحسن من قول الأزهري، فإنه هنا وقع وصفًا للفرس لا للحافر، وقولهك لم تستلم، أصله: تستلثم، فحذفت الهمزة بعد اللام ضرورة، ومعناه: تلبس اللأمة – بفتح اللام وسكون الهمزة – وهي الدرع، وسميت لأمة لإحكامها وجودة حلقها، لأنها ملتئمة، والكريهة: الحرب، والسرد كما في «القاموس»: اسم جامع للدروع وسائر الحلق ونسج الدروع، وقولها: في خضراء، أي: في لأمة خضراء، والرفيف: البريق، وقولها: والحرب لاقح، أي: حبلى بالمنايا، وقولها: ينهونها بالراء المهملة، أي: يوسعنها، من أنهره إذا وسعه، تريد أن الرماح تولد الحرب المنايا بجريان الدم من الأنوف، وحليف: صاحب ملازم، والندى: الجود، وقولها يا لقومي الخ، اللام في لقومي مفتوحة: لام المستغاث، واللام في للحمام مكسورة: لام المستغاث من أجله، والحمام بالكسر: الموت، والبلاء بالفتح: الليلة، تريد يا قوم احضروا لدفع هذه الأشياء، وقولها: ألا قاتل الله الجثا: جمع جثوة، بضم الجيم فيهما، وهي التراب المجتمع، تريد به تراب القبر، قال طرفة:
ترى جثوتين من ترابٍ عليهما صفائح صم من صفحيح مصمد
[ ١ / ٢٧٩ ]
والعيوف: الكاره، والزحف: الجيش يزحف إلى العدو، ووقفًا: حبسًا. ووصف ابن طريف بالشاري، وهو اسم فاعل من شرى يشري، والخوارج يقال لهم الشراة - بالضم - جمع شارٍ، كقضاة جمع قاضٍ، سموا أنفسهم بذلك لقولهم: إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله تعالى، أي: بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة، قاله ابن خلكان تبعًا للجوهري وغيره، ورده صاحب «القاموس» فإنه قال: وشري زيد: غضب ولج كاستشرى، ومنه الشراة للخوارج، لا من شربنا أنفسنا بالطاعة، ووهم الجوهري.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الستون:
(٦٠) في كل يوم ما وكل ليلاه
قال ابن جني في باب «الاستغناء بالشيء عن الشيء» من كتاب «الخصائص»: ومن ذلك استغناؤهم بليلة عن ليلاة، وعليها جاءت ليال، وعلى أن ابن الأعرابي أنشد:
في كل يوم ما وكل ليلاه حتى يقول كل راء إذا راه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة، وقال في «المحتسب» أيضًا: فأما
[ ١ / ٢٨٠ ]
أهال فكقولهم: ليال، واحدهما أهلاة وليلاة، وقد مر بنا تصديقا لقول سيبويه، فإن واحده في التقدير ليلاه، ما أنشده ابن الأعرابي:
في كل يوم ما وكل ليلاه حتى يقول من رآه إذ راه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
انتهى. وقال الأزهري في «التهذيب»: وتصغير ليلة لييلية، أخرجوا الياء الآخرة من مخرجها في الليالي، يقول بعضهم: إنما كان أصل تأسيس بنائها ليلاة فقصرت. وقال الفراء: ليلة كانت في الأصل ليلية، ولذلك صغرت لييلية، ومثلها الكيكة للبيضة، كانت في الأصل كيكية وجمعها الكياكي. انتهىز
وقوله: إذا راه، بحذف عين الفعل وهي الهمزة.
وانشد بعده، وهو الانشاد الواحد والستون:
(٦١) دويهية تصفر منها الأنامل
صدره:
وكل أناس سوف تدخل بينهم
وتصغير دويهة للتعظيم، فإنه أراد بها الموت، ولا داهية أعظم منها، والدليل على أنه أراد بها الموت قوله: تصقر منها الأنامل «فإن صفرتها لا تكون إلا بالموت، قال الطوسي في «شرح ديوان لبيد» إذا مات الرجل أو قتل اصفرت
[ ١ / ٢٨١ ]
أنامله، واسودت أظافره، ولم يرتضه المحقق الرضي في «شرح الشافية» فإنه قال: قيل: يجيء التصغير للتعظيم، فيكون من باب الكناية، يكنى بالصغر عن بلوغ الغاية [في العظم]، لأن الشيء إذا جاوز حده جانس ضده، وقريب منه قول الشاعر: وكل أناس سوف تدخل بينهم .. البيت. ورد بأن تصغيرها على حسب احتقار الناس لها، وتهاونهم بها، إذ المراد بها الموت، أي: يجيئتهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل، واستدل [أيضًا] بقوله:
فويق جبيل سامق الرأس لم تكن لتبلغه حتى تكل وتعملا
ورد بتجويز كون المراد دقة الجبل وإن كان طويلًا، وإذا كان كذا فهو أشد لصعوده. انتهى. ورده الجاريردي أيضًا، ووجهه بوجهين، أحدهما: أن التصغير فيه لتقليل المدة، وثانيها: أن المراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظائم، فحتف النفوس قد يكون بالأمر الصغير الذي لا يؤبه به. انتهى. والداهية: مصيبة الدهر، مشتقة من الدهي – بفتح الدال وسكون الهاء – وهو النكر، فإن كل أحد ينكرها ولا يقبلها، ودهاه الأمر يدهاه إذا أصابه بمكروه، ورواه
[ ١ / ٢٨٢ ]
ابن دريد في «الجمهرة»: «خويخية تصفر منها الأنامل» وقال: الخويجية: الداهية، وهي بخائين معجمتين، مصغر الخوخة بالفتح، وهي الباب الصغير، ورواها الطوسي في البيت أيضًا عن أبي عمرو وقال: يقول: ينفتح عليهم باب يدخل عليهم منه الشر، وسوف للتحقيق والتأكيد.
والبيت من قصيدة للبيد الصحابي، ويأتي إن شاء الله تعالى أبيات من أولها في بحث «خلا وما».
ولبيد بن ربيعة العامري الصحابي: قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في وفد بني كلاب، فأسلم وحسن إسلامه، وسكن بالكوفة، ومات بها في سنة إحدى وأربعين من الهجرة، يقال: عاش مائة وخمسين سنة، وقيل مائة وأربعين سنة، وقيل غير ذلك، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وكان قد اعزل الفتن ولم يقل بعد إسلامه شعرًا سوى بيت واحد، وهو:
ما عاتب الحر الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح
وقال ابن قتيبة: إنما قال بعد إسلامه:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسبت من الإسلام سر بالا
وقد ترجمناه ترجمة مبسوطة في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني والستون:
[ ١ / ٢٨٣ ]
(٦٢) يا ليت شعري ولا منجى من الهرم أم هل على العيش بعد الشيب من ندم
على أن «أم» فيه زائدة، وكذا قال في البيت أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب «المعاباة». وهو مطلع قصيدة لساعدة بن جؤية الهذلي رثى بها قومًا أصيبوا يوم معيط - بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح المثناة التحتية بعدها طاء مهملة - قال أبو عبيد البكري: هو ماء لمزبنة في قفا «ثافل» جبل مزينة، وكانت في معيط وقعة على هذيل، قال أبو الفتح: معيط: مفعل، من لفظ عيطاء، وكان قياسه الإعلال: معاط، إلا أنه شذ: كمريم ومزيد، ولا يحمل معيط على فعيل، لأنه مثال لم يأت. انتهى. قال السكري: ويروي:
يا للرجال ألا منجى من الهرم
وقوله: أم هل على العيش .. الخ، قال السكري: يقول: هل يندم أحد على أن لا يعيش بعد أن يشيب، يريد: هل على فوت العيش من ندم، ومثله/ «المال يزري بأقوام ..» يريد: فقد المال. انتهى. ففي كلامه إشارة إلى أن أم زائدة، وإلى أن مضافًا محذوف بعد على، وجملة: ولا منجى من الهرم،
[ ١ / ٢٨٤ ]
معترضة، وجملة هل على العيش .. الخ، في محل نصب بشعري علقت بالاستفهام، وخبر ليت محذوف تقديره: ليت علمي بما يسأل عنه بهذا الاستفهام حاصل، قاله الرضي. وقال ابن الحاجب: هذا الاستفهام قائم مقام الخبر كالجار والمجرور في نحو: ليتك في الدار. وقال ابن يعيش: الاستفهام ساد مسد الخبر، كسد جواب لولا مسد الخبر الذي بعده. وقال ابن الملا تبعًا للسيوطي: قال السكري: يروى: «ألا منجى» أي: هل ينجو أحد من الهرم، وعليه فلا تكون أم زائدة بل للإضراب. انتهى. أقول: الذي في نسختي: ويروى: «يا للرجال ألا منجى من الهرم» كما تقدم وهي نسخة صحيحة قرأها الإمام أحمد بن فارس صاحب كتاب «المجمل» في اللغة على الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد، وكتب على ظهر أولها سنده إلى السكري، وعلى نسختي أيضًا تكون أم للإضراب. وبعده:
أم هل ترى أصلات العيش نافعةً أم في الخلود ولا بالله من عشم
إن الشباب رداء من يزن تره يكسى الجمال ويفند غير محتشم
والشيب داء نجيس لا شفاء له للمرء كان صحيحًا صائب القحم
قوله: أم هل ترى .. الخ، قال السكري: أصلات جمع أصلة ووصلة، وهو اتصال العيش، وعشم: طمع. انتهى. وأقول: أم للإضراب في الموضعين،
[ ١ / ٢٨٥ ]
والخلود: طول البقاء، وعشم بفتحتين، ومن زائدة بعد النفي، وبالله متعلق بأقسم محذوفًا، فالباء للقسم، يقول: بل هل في اتصال العيش نفع، واتصاله هو الخلود، ثم أضرب عنه وقال: بل والله لا طمع في الخلود واتصال العيش، وقوله: إن الشباب رداء .. الخ، قال السكري: قوله: من يزن من زانه يزينه، يقول: من زانه الشباب كسي الجمال، يقال: قد أفند الرجل إذا خرف فخلط في كلامه. انتهى. والاحتشام: الانقباض والحياء، يقول: إن الشاب إذا تكلم بالقبيح وخلط في كلامه من غير انقباض لا يتعجب منه، لأنه مظنة لمثله، بخلاف الشيخ فإنه ينكر عليه.
وقوله: والشيب داء نجيس .. الخ، قال السكري: يقال: داء ناجس ونجيس وعقام: لا دواء له، وقوله: صائب القحم، يقول: كان إذا انقحم في الأمر قصد له، يقال: صاب يصوب صوبًا إذا قصد، وصائب القحم: الأمور يركبها الرجل من خير أو شر، إذا تقحم في الأمر لم يطش، ويقال: القحم الوثب. انتهى كلامه. ونجيس بالنون والجيم والسين المهملة، والقحم بضم القاف وفتح الحاء المهملة. وبعد خمسة أبيات من هنا قوله:
تالله يبقى على الأيام ذو حيد
ويأتي إن شاء الله تعالى شرحه في «اللام»، وفيها أيضًا بيت أنشده المصنف في بحث «مهما»، وفيها أيضًا بيت آخر أورده المصنف في الباب الثالث، وإن شاء الله تعالى نشرحها هناك في مواضعها. وترجمة الشاعر تقدمت في الإنشاد الثالث.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والسنون:
ذاك خليلي وذو يواصلني يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
على أن «لام التعريف» تبدل ميما في لغة طيئ وحمير، قال الرضي في «شرح الشافية»: هذا الإبدال ضعيف، وقال ابن جني في «سر الصناعة»: هذا الإبدال شاذ لا يسوغ القياس عليه. وفيهما نظر، فإنه لغة قوم بأعيانهم، قال صاحب «الصحاح»: هي لغة لحمير، وقال الرضي في «شرح الكافية» هي لغة حمير ونفر من طيئ، وقال الزمخشري في «المفصل»: وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم، ومنه: «ليس من ام بر صيام في ام سفر».
وقال:
يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
ولا يجوز الحكم على لغة قوم بالضعف ولا بالشذوذ، نعم لا يجوز القياس بإبدال كل لام ميمًا، ولكن يتبع إن سمع، ورواه الجوهري في مادة (سلم):
ذاك خليلي وذو يعاتبني يرمي ورائي بالسهم وامسلمه
وقال: يريد: السلمة، وكذا رواه صدر الأفاضل، وقال: الرواية بالسهم
[ ١ / ٢٨٧ ]
بتشديد السين على اللغة المشهورة، وامسلمه: بالميم الساكن بعد الواو على اللغة اليمانية. انتهى. وهذا مخالف لقول المصنف: الشاهد له حديث: «ليس من ام بر ..» وغير منوي أيضًا إلا إن حركت الألف بعد الواو، وتحريكها لحن، وقد تابع الناس الجوهري في ذكر المصراع الأول، قال المصنف في «شرح أبيات ابن الناظم: روى الجوهري: «يعاتبني» بدل «يواصلني» وزعم أن الواو زائدة، وكأن ذلك لأنه رأى أن قوله: يرمي، محط الفائدة، فقدره خبرًا، وقدر خليلي تابعًا للإشارة، وذو صفة لخليلي، فلا يعطف عليه، وتبعية خليلي للإشارة بأنه بدل منها لا نعت، بل ولا بيان، لأن البيان بالجامد كالنعت بالمشتق، ونعت الإشارة بما ليست فيه أل ممتنعة، وبهذا أبطل أبو الفتح كون بعلي، فيمن رفع «شيخًا» بيانًا، ولك أن تعرب خليلي خبرًا وذو عطفًا عليه، ويرمى حالًا منه، وإن توقف المعنى عليه، مثل: (وهذا بعلي شيخًا) [هود/٧٢] انتهى كلامه.
أقول: ليس في كلام الجوهري ما يدل على زيادة الواو، ولعل القائل غيره، أو تكون نسخة شراح أبيات ابن الناظم زعم بعضهم أن الواو وذو زائدة، كما نقل ابن الملا عنه هكذا، على أن المصراع الأول ليست روايته كما ذكر، وإنما الشعر كما رواه الآمدي في «المؤتلف المختلف» ليجير بن غنمة الطائي أحد بني بولان ابن عمرو بن الغوث بن طي، قال: وأراه أخا خالد بن غنمة الشاعر الجاهلي الطائي ويجير القائل في أبيات:
[ ١ / ٢٨٨ ]
وإن مولاي ذو يعاتبني لا إحنة عنده ولا جرمه
ينصرني منك غير معتذرٍ يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
انتهى. وكذا روى هذا الشعر ابن بري في «أماليه» على «الصحاح» وقال: هذه الرواية هي الصواب. والمولى: ابن العم، والناصر والحليف، والمعتق والعتيق. والظاهر أن المراد هنا أحد الثلاثة الأول.
وذو: كلمة طائية بمعنى الذي محلها الرفع خبر إن، ويعاتبني: صلتها، والمعاتبة: مخاطبة الإدلال، والاسم العتاب، قال الشاعر:
ويبقى الود ما بقي العتاب
وقوله: لا إحنة: مبتدأ، وعنده الخبر، والجملة حال من فاعل يعاتبني، ويجوز أن يكون خبرًا ثانيًا لإن، والجيد أن يكون «ذو» صفة لمولاي، وإحنة خبره، وجرمة معطوف على إحنة – بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة بعدها نون – وهي الضغينة والحقد، والجرمة، بفتح الجيم وكسر الراء: الجرم والذنب. ووراء بالمد: من الأضداء بمعنى قدام وخلف، ويحتمل المعنيين هنا.
وقال الصفدي في «فض الختام عن التورية والاستخدام»: وقد جاء وراء بمعنى قدام، قال تعالى: (وكان وراءهم ملك يأخذ) [الكهف /٧٩] أي: أمامهم. وقال تعالى: (وإني خفت الموالي من ورائي) [مريم /٥] أي: من أمامي، وقال الشاعر:
ذاك خليلي وذو يواصلني .. البيت
يريد: أمامي. انتهى كلامه. والرمي وراء: كناية عن الذب والمدافعة.
[ ١ / ٢٨٩ ]
والمعنى: هذا الرجل يعاتبني، ويسلك طريق بقاء الود، يدافع عنه مرة بالسهام ومرة بالسلام. وورائي: بالمد وفتح الياء، وقوله: بامسهم، بكسر الميم دون تنوين، لأنه معرف باللام، لكن الكسرة مشبعة للوزن. وقوله: يا مسلمه: بباء الجر بعد الواو، وبها يتزن الشعر، والسلمة: بفتح السين وكسر اللام: الحجارة.
ويجير: بضم الموحدة وفتح الجيم بعدها ياء ساكنة فراء مهملة، وعنمة: بفتح العين المعملة والنون بعدها ميم، وبولان: بفتح الموحدة وسكون الواو.
وأنشد في (أل) وهو الانشاد الرابع والستون:
(٦٤) من لا يزال شاكرًا على المعه فهو حرٍ بعيشةٍ ذات سعه
أي: على الذي معه. ومن: موصولة بمعنى الذي، وضمن معنى الشرط، ولذا جاء في خبره الفاء، وهو جملة قوله: فهو حر، وحر: صفة مشبهة من: حري يحرى حرى، مثل: عمي يعمى عمى، والوصف حر كعم بحذف الياء للتنوين، ومعناه: لائق. وسعة بفتح السين: خلاف الضيق، وهو مصدر وسعه.
قال الدماميني: يحتمل أن يكون هذا بيتًا واحدًا من تمام الرجز مقفى، أو بيتين من مشطورة، ويعرف تعيين أحد الأمرين بالوقوف على بقية الشعر.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس والستون:
(٦٥) من القوم الرسول الله منهم لهم دانت رقاب بني معد
قال أبوحيان: يريد: الذين رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، منهم.
ومن النحويين من جعل أل زائدة في قوله: الرسول، لا موصولة، ولا يعلم ورود أل داخلة على الجملة الاسمية إلا في البيت، انتهى.
وقد منع الدماميني الزيادة، قال في «المزج»: لا يقال: يحتمل كون أل هنا زائدة، فتكون الجملة في محل جر صفة للقوم، لأن أل فيه جنسية، فمدخولها نكرة في المعنى، أو في محل نصب على الخال نظرًا إلى صورة التعريف، لأنا تقول: القوم الذين رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، منهم معينون معهودون، فالظاهر فيه إرادة العهد، والأصل عدم الزيادة، فالظاهر أنها موصولة كما قال المصنف. انتهى.
وقال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: وأما الألف واللام في قول الآخر:
من القوم الرسول الله منهم البيت
يريد: الذين رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، منهم، فالأظهر أن تكون مبقاة من الذين، لأنه وصلها بالجملة الاسمية، ولم يدخلها على اسم الفاعل ولا على ما أشبهه. انتهى. وأراد بالقوم هنا: بني هاشم أو قريشًا، ودانت: خضعت وأطاعت، ومعد: أبو العرب، وهو ابن عدنان. والعرب جميعًا فرقتان، إحداهما: فحطان، وهو أبو عرب اليمن. وثانيهما: عدنان وهو أبو عرب الحجاز وما والاها، وهم غير عرب اليمن.
ورأيت البيت في كتاب «مسائل الخلاف» لابن الأنباري كذا:
بل القوم الرسول الله منهم هم أهل الحكومة من قصي
[ ١ / ٢٩١ ]
وقصي: أحد أجداد النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس والسنون:
صوت الحمار اليجدع
هو قطعة من بيت وهو:
يقول: الخنى وأبغض العجم ناطقًا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
أراد الذي يجدع، قال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: ومن النحويين من ذهب إلى أن هذه الألف واللام الداخلة على الفعل ليست الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول، بل هي مبقاة من الذي، وهو باطل، بدليل أنها لو كانت مبقاة منه، لجاز أن يقع في صلتها الفعل الماضي كما يقع في صلة الذي، فلما لم تدخل إلا على الفعل المشبه لاسم الفاعل، وهو المضارع، دل ذلك على أنها الداخلة على اسم الفاعل في الكلام. انتهى. وزعم أبو علي في «المسائل العسكرية» أن دخول أل على الفعل لم يوجد إلا في اليجدع، والينقصع، وكلمتين أخريين. أقول: هو أكثر من ذلك قال الفرزدق:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصل ولا ذي الرأي والجدل
وقال آخر:
وليس البري للخل مثل الذي يرى له الخل أهلًا أن يعد خليلا
وقال آخر:
[ ١ / ٢٩٢ ]
ما كاليروح ويغدو لاهيًا فرحًا مشمرًا يستديم الحزم ذو رشد
وقال آخر:
لا تبعثن الحرب إني لك الـ ينذر من نيرانها فاتق
وقال آخر:
فذو المال يؤتي ماله دون عرضه لما نابه والطارق اليتعمل
وقال آخرك
أحين اصطباني أن سكت وإنني لفي شغلٍ عن دخلي اليتتبع
والبيت من سبعة أبيات، أوردها أبوزيد في «نوادره» لذي الخرق الطهوي، وقبله وهو أولها:
أتاني كلام الثعلبي ابن ديسقٍ ففي أي هذا ويحه يتترع
وبعده:
فهلا تمناها إذ الحرب لاقح وذو النبوان قبره يتصدع
يأتك حيا دارم وهما معلًا ويأتك ألف من طهية أقرع
فيستخرج اليربوع من نافقائه ومن جحره بالشيحة اليتقصع
وبقي بعد هذه الخمسة بيتان. وقوله: أتاني كلام الثعلبي، هو بالثاء المثلثة والعين المهملة كما في «نوادر أبي زيد» في نسخ ثلاث قديمات صحاح، ورفع نسبه أبو محمد الأعرابي فيما كتبه على «نوادر ابن الأعرابي» وأبو علي القالي في «ذيل أماليه»: فقالا: وهو أبو مذعور طارق بن ديسق بن عوف بن عاصم بن عبيد
[ ١ / ٢٩٣ ]
ابن ثعلبة بن يربوع. انتهى. فهو منسوب إلى جده الأعلى الذي هو بطن من يربوع. وهو شاعر إسلام كما يأتي بيانه. وصحفة العيني وتبعه ابن الملا فقال: نسبه إلى تغلب، بالمثناة من فوق والغين المعجمة.
وديسق كجعفر: علم منقول، قال الصاغاني في «العباب»: قال الليث: الديسق: خوان من فضة، والطريق المستعمل، والحوض اللآن، والشيخ، والنور، وكل حلي من فضة بيضاء صافية، ووعاء من أوعيتهم، مأخوذ من الدسق – بفتحتين – وهو امتلاء الحوض، يقال: ملأت الحوض حتى دسق، أي، ساح ماؤه، وقيل: هو بياض الحوض وبريقه. انتهى.
وقوله: يتترع، هو من الترع، بفتحتي التاء المثناة فوق والراء، قال صاحب «العباب»: ترع الرجل كفرح، إذا اقتحم الأمور مرحًا ونشاطًا، وقيل: ترع: سارع إلى النشر والغضب، وتترع إليه بالشر: تسرع، وكأنه توعده بأمور، وقوله: يقول الخنى .. البيت، قال الجوهري، وتبعه الصاغاني: هذا البيت من أبيات الكتاب، وهذا لا أصل له، وقد تصفحت شواهد سيبويه في عدة نسخ، فلم أجده فيها.
والخنى، بالخاء المعجمة والنون: الكلام القبيح، وألفه منقلبة من ياء، ولهذا يكتب بالألف، وقد خني عليه بالكسر – وأخنى عليه في منطقه، إذا أفحش، وهو منصوب لأنه مصدر نوعي، أي: يقول القول الخنى، والجملة تفسير لقوله: كلام الثعلبي. وأبغض: أفعل تفضيل، من بغض الشيء – بالضم – بغاضة، صار بغيضًا. وإلى ربنا: متعلق بأبغض. وروى ابن جني في «سر الصناعة: «إلى ربه» فالضمير لابن ديسق، وإلى بمعنى عند، والعجم: جمع أعجم وعجماء، وهو الحيوان الذي لا ينطق، والأعجم أيضًا: الإنسان الذي في
[ ١ / ٢٩٤ ]
لسانه عجمة، وإن كان بدويًا لشبهه بالحيوان. وناطقًا: تمييز للنسبة، وأصله: وأبغض نطق العجم، أي: تصويتها فلما حذف نطق، صارت نسبة البغض إلى العجم مبهمة، ففسرت بالتمييز، ولابد من هذا المحذوف ليصح الإخبار بصوت. قال الراغب: النطق في التعارف: الأصوات المنقطعة التي يظهرها اللسان، وتعيها الآذان، ولا يقال للحيوانات نطاق، إلا مقيدًا، أو على طريق التشبيه، كقول الشاعر:
عجبت لها أنى يكون غناؤها فصيحًا ولم تفغر بمنطقها فما
انتهى. وهو هنا مجاز عن الصوت، وفي «العباب» وغيره: حمار مجدع: مقطوع الأذنين. انتهى. والحمار إذا كان مقطوع الأذنين يكون صوته أقبح وقد ورد تمثيل الصوت المرتفع بصوت الحمار في وصية لقمان لابنه، قال تعالى حكاية عنه: (واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) [لقمان/١٩] أي: أوحش الأصوات وأقبحها. وجزم الدماميني أنه من: جدعت الحمار: سجنته، قال: لأن الحمار إذا حبس كثر تصويته، وإذا جعل من الجدع الذي هو قطع الأذن، لم يظهر له معنى، قال السيوطي: وليس كما قال،
[ ١ / ٢٩٥ ]
لأن صوت الحمار حالة قطع أذنيه أكثر وأقبح، وكأنه ظن أن المراد صوته بعد التجديع، وليس كذلك، بل المراد وقت التجديع، وفيه نظر، فإنه لا يصوت عند قطع أذنه أصلًا. وقوله: فهلا تمناها، الضمير المؤنث راجع إلى معهود بينهما، أو إلى شيء في بيت لم يذكر هنا. ولاقح: حبلى بمنايا الرجال، ومقارعة الأبطال. وفي شرح «نوادر أبي زيد» ذو النبوان: لم يعرفه أبو زيد، وأقول: قال ياقوت في «معجم البلدان»: النبوان بفتح النون والباء الموحدة: اسم ماء بنجد لبني أسد، وقيل: لبني السيد، فالمراد بذي النبوان: رجل، وهو إما صاحب هذه الماء، أو لأنه دفن في أرضها، وفي «القاموس»: وذو النبوان، محركة: وديعة بن مزيد، والنبوان: ماء. انتهى. والتصدع: التشقق، وفي «القاموس»: تصدع: تفرق، وتصدعت الأرض بفلان، إذا تغيب فيها، وقوله: يأتك حيًا دارم: فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، أي: إن حاربتنا يأتك حيًا دارم، في «الصحاح»: درمت الأرنب وغيرها تدرم – بالكسر – إذا قاربت الخطى، ومنه سمي دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم، وكان يسمى مجرًا، وذلك أن أباه لما أتاه قوم في حمالة، فقال له: يا بحر اثنتي بخريطة، وكان فيها مال، فجاء يحملها، وهو يدرم تحتها من ثقلها. انتهى. وبنو دارم: حي من بني تميم فيه بيتها وشرفها.
وطهية بالتصغر: حي من تميم، سموا باسم أمهم، وهي طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وهي أم أبي سود وعوف ابني مالك بن حنظلة، والنسبة إليها: طهوي بسكون الهاء، وبعضهم يفتحها على القياس.
ومالك: أخو دارم. وأقرع بالقاف: تام، يقال: ألف أقرع، ودرهم أقرع، ومائة قرعاء.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وقوله: فيستخرج اليربوع .. الخو الفاء للسببية، ويستخرج: منصوب بأن مضمرة، وهو مبني للمفعول، ويجوز بالبناء للفاعل مسندًا إلى الألف. واليربوع: دويبة تحفر الأرض، والياء زائدة، لأنه ليس في كلام العرب «فعلول» سوى «صفعوق» على ما فيه، وله جحران، أحدهما: القاصعاء، وهو الذي يدخل فيه، والآخر: النافقاء، وهو الجحر الذي يكتمه ويظهر غيره، وهو موضع يرفقه، فإذا أني من قبل القاصعاء، ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي: خرج، وجمعها: قواصع ونوافق. ونافق اليربوع: أخذ في نافقائه، ومنه المنافق، شبه باليربوع لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه، وقيل: لأنه يستر كفره، فشبه بالذي يدخل النفق، وهو السرب. والجحر – بضم الجيم – يكون للضب واليربوع والحية، والجمع جحرة، كعنبة، وانجحر الضب – على انفعل – آوى إلى جحره.
وقوله: بالشيحة: رواه أبو عمرو الزاهد وغيره تبعًا لابن الأعرابي: «ذي الشيحة» وقال: لكل يربوع شيحة عند جحره، ورد أبو محمد الأعرابي على ابن الأعرابي في «ضالة الأديب» وقال: ما أكثر ما يصحف في أبيات المتقدمين، وذلك أنه توهم أن الشيحة موضع ينبت الشيح، وإنما الصحيح: ومن جحره بالشيخة – بالخاء المعجمة – وهي رملة بيضاء في بلاد بني أسد وحنظلة. وكذا رواه الجرمي أيضًا، وفي «القاموس» أيضًا. والشيخة: رملة بيضاء ببلاد أسد وحنظلة، ومنه قول ذي الخرق الطهوي:
ومن جحره بالشيخة اليتقصع
انتهى. واستفدنا منه أنه بفتح الشين، لأنه قال بعده: وبكسر الشين بنية لبياضها. وقال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: الشيحة بكسر
[ ١ / ٢٩٧ ]
أوله وبالحاء المهملة: رملة إذا طلعت فيها طلعت في نجفةٍ، وهي نجفة مليحة، ثم طلعت في حزن بني يربوع. ومليحة – بضم الميم وفتح اللام وسكون الياء بعدها حاء مهملة – بين الحزن والشيحة، وهي من منازل بني يربوع. انتهى. والحاصل أن هذه الكلمة اختلفوا في ضبطها، والله أعلم بها.
وقوله: اليتقصع، رواه أبو محمد الخوارزمي عن الرباشي بالبناء للمفعول، يقال: تقصع اليربوع دخل في قاصعائه فيكون صفة للجحر، وصلته محذوفة، أي: من جحره الذي يتقصع فيه، كما قدره ابن جني في «سر الصناعة» وروي بالبناء للفاعل، فيكون صفة لليربوع ولا حذف. ورواه أبو زيد «المتقصع» بصيغة اسم المفعول، المنفعل من القاصعاء، فيكون صفة اليربوع أيضًا، لكن فيه حذف الصلة.
والمعنى: إنكم إن حاربتمونا، جئناكم بقبائلنا يحيطون بكم، ولا نجاة لكم، ولو احتلتم بكل حيلة، كاليربوع الذي يجعل النافقاء حيلة لخلاصه من الحارش، فإذا كثر عليه الحارش، أخذوا عليه من نافقائه ومن قاصعائه، فلا يبقى له مهرب البتة.
وقد تكلمنا على هذه الأبيات بأبسط مما هنا في شرح أول شاهد من شواهد الرضي. وقد أنشد أبو زيد في «نوادره» هذه الأبيات لذي الخرق الطهوي وقال: إنه جاهلي، وفيه نظر، فإن له ولطارق بن ديسق أشعارًا في قصة نحر غالب، والد الفرزدق، إبله عام المجاعة بالكوفة في خلافة علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، تدل على أنهما إسلاميان، قال أبو علي القالي في كتاب «ذيل أماليه»: قرأنا على أبي الحسن، قال أبو محلم: حدثني جماعة من بني تميم عن آبائهم عن أجدادهم قالوا: أسنت بنو تميم زمن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فانتجعوا أرضًا من أرض كلب من ظرف السماوة، يقال لها: صوار، من الكوفة
[ ١ / ٢٩٨ ]
مسافة يوم وليلة، فضع غالب بن صعصعة طعامًا، ونحر نحائر، وجفن جفانًا، وجعل يقسمها على أهل المزايا، وهم أهل القدر، فأتت جفنة منها سحيم بن وثيل الرباحي الشاعر، فكفأها وضرب الخادم التي أتته بها، فتألم غالب من ذلك، فعاتب سحيمًا، وكثر الكلام بينهما حتى تداعيا إلى المعاقرة، وكاان سحيم رجلا فيهسوء خلق وأذية للناس، وكانت إبله خوامس، قد أغبت خمسًا لم ترد، ووردت إبل غالب، فطفق غالب يعقرها، وطافت الوغدان والفتيان بالإبل، فجعلت تحوزها من أطرافها، ومع الفرزدق هراوة يوردها على أبيه، فيقول غالب: رد أي بني، فيقول الفرزدق: إعقر أبه: حتى نحر مائتين، فقال طارق بن دبسق بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وكان يهاجي سحيمًا:
أبلغ سحيمًا إن عرضت وجحدرا أن المخازي لا ينام قرادها
إلى آخر أبيات أربعة، وأبيات لغيره. وقال طارق بن دبسق يعير سحيمًا:
لعمري وما عمري علي بهينٍ لقد ساء ما جازيت يا ابن وثيل
مددت بذي باعٍ عن المجد جيدر وسيف عن الكوم الخيار كليل
وقال ذو الخرق الطهوي يتعصب لغالب، لأنه من بني مالك بن حنظلة:
أبلغ رياحًا على نأيها ورهط المحل شفاة الكلب
فلا تبعثوا منكم فارطًا عظيم الرشاء كبير الغرب
يعارض بالدلو فيض الفرا ت تصك أواذيه بالخشب
فما كان ذنب بني مالكٍ بأن سب منهم غلام فسب
[ ١ / ٢٩٩ ]
عراقيب كوم طوال الذرى تخر بوائكها للركب
بأبيض يهتز في كفه يقط العظام ويبري العصب
تسامى قروم بني مالكٍ فاسمى بهم غالب إذا غلب
فأبقى سحيم على ماله وهاب السؤال وخاف الحرب
وأقبلت إبل سحيم حتى وردت عليه، فأوردها كناسة الكوفة، فجعل يعقرها، فقال علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه: لا تأكلوا منها، فإنه مما أهل به لغير الله، وأمر فطرد الناس عنها. انتهى ما أورده القالي باختصار قليل. ومعلوم أن غالبًا وسحيمًا من أشراف التابعين، وجميع العرب كانوا حينئذ مسلمين.
وقد رفع الآمدي في «المؤتلف والمختلف» نسب ذي الخرق فقال: ذو الخرق الطهوي، واسمهك قرط، ويقال: ذو الخرق بن قرط أخو بني سعيدة بن عوف بن مالك بن حنظلة بن طهية بنت عبد شمس بن سعيد بن زيد مناة بن تميم، شاعر فارس وهو القائل:
فما كان ذنب بني مالكٍ بأن سب منهم غلام فسب
وفي «ضالة الأديب» أيضًا ما يقتضي أن طارق بن ديسق إسلامي، فإنه جرت قصة في دفع إبل الصدقة، فتهاجى بسيبها ابن ديسق والأخوص الرياحي - بالخاء المعجمة - فإن ابن ديسق هجا بني رياح بن يربوع بقصيدة أولها:
[ ١ / ٣٠٠ ]
نهيتكم عن جندل القاع بعدما مضى الليل نوكى أرسلت والمجاهل
فقال الأخوص يرد على طارق:
أفي كل عام أنت مهدٍ قصيدةً يمزق مذعور بها والنعابل
كأنك خنزير يدوس بأنفه كناسة ما بين الزقاقين هابل
فإن تك فاتتك العلى يا ابن ديسقٍ فدعها ولكن لا تفتك الأسافل
ومذعور: هو ابن طارق بن ديسق، والنعابل، بفتح النون والعين المهملة وكسر الموحدة: رهط طارق، وفي طهية أيضًا شاعران كل منهما يقال له ذو الخرق، أوردهما الآمدي في «المؤتلف والمختلف» أحدهما: خليفة بن حمل بن عامر ابن حميري بنوقدان بن سبيع بن عوف بن مالك بن حنظلة، ولقب ذا الخرق بقوله:
ما بال أم حبيشٍ لا تكلمنا لما افتقرنا وقد تثري فنتفق
تقطع الطرف دوني وهي عابسة كما تشاوس فيك الغائر الحنق
لما رأت إبلي جاءت حمولتها غرثى عجافًا عليها الريش والخرق
قالت ألا تبتغي مالًا تعيش به عما تلاقي وشر العيشة الرمق
فيئي إليك فإنا معشر صبر في الجدب لا خفة فينا ولا ملق
إنا إذا حطمة حتت لنا ورقًا نمارس العيش حتى ينبت الورق
ثانيهما: شمير بن عبد الله بن هلال بن قرط بن سعيدة. ولما شرحت هذه الأبيات في أول شاهد من شواهد المحقق الرضي، لم يظهر لي تعيين قائلها من
[ ١ / ٣٠١ ]
هؤلاء الثلاثة لعدم اطلاعي على ذينك الموضعين م «ذيل القالي» ومن «ضالة الأديب» والحمد لله على ذلك، وقال السيوطي: في «المؤتلف» للأمدي إن اسمه قرط شاعر جاهلي، وسمي بذلك لقولهك
جاءت عجافًا عليها الريش والخرق
وفيه نظر من وجهين: الأول: أن الآمدي لم يقيد قرطًا بأنه جاهلي.
الثاني: أن هذا الشعر إنما أورده الآمدي لخليفة بن حمل كما تقدم، مع أن الرواية «غرثى عجافًا» وقال العيني: اسمه دينار بن هلال، ولا أدري من أين أخذه، والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع والستون:
(٦٧) باعد أم العمرو من أسيرها حراس أبوابٍ على قصورها
على أن أل دخلت على عمرو لضرورة الشعر، وقد فات هذا - أعني دخول أل على العلم - ابن عصفور، فلم يذكره في كتاب «الضرائر» والبيت من شواهد «المفصل» أورده الزمخشري في باب العلم وقال: إنه لأبي النجم، وأورده لما حكاه المصنف بقوله: وقيل إن ألف في اليزيد والعمرو للتعريف .. إلى آخره، قال شارح أبياته المبارك ابن المستوفي: وبعده:
وغيرة شنعاء من غيورها فالسحر لا يفضي إلى مسحورها
وباعد وبعد واحد، وعنى بأسيرها نفسه، لأن حبها أسره. والحراس: جمع حارس، ككتاب جمع كاتب. قال: وموضع «على قصورها» الجر صفة
[ ١ / ٣٠٢ ]
أبواب، أو الرفع صفة حراس، والأول أولى. وهذا البيت أنشده الخليل بن أحمد في كتاب «العين» انتهى.
وقال السيوطي: [والحراس]: جمع حرسي، نسبة إلى الحرس، وهم حرس السلطان. وفي هذا وصف لها بالعزة والتمنع. وقوله: وغيرة، معطوف على حراس، مصدر غار الرجل على أهله. والشنعاء: القبيحة المفرطة، وأراد بالغيور: زوجها، وأراد بالسحر: كلامها الحلو اللذيذ، الذي يستميل القاوب كما تستمال بالسحر. والإفضاء: الوصول، وأراد بالمسحور نفسه.
وأبو النجم: من بني عجل، واسمه الفضل بن قدامة، وينتهي نسبه إلى عجل ابن لجيم بن صعب بن بكر بن وائل، وهو أحد رجاز الإسلام المتقدمين في الطبقة الأولى. قال أبو عمرو بن العلاء: هو أبلغ من العجاج في النعت. وقال ابن قتيبة: كان أبو النجم ينزل سواد الكوفة، وراجز العجاج، فخرج إليه العجاج على ناقة وعليه ثياب حسان، وخرج أبو النجم على جمل مهنوء، وعليه عباءة، فأنشد العجاج:
قد جبر الدين الإله فجبر
وأنشد أبو النجم:
تذكر القلب وجهلًا ما ذكر
إلى أن قال:
[ ١ / ٣٠٣ ]
إني وكل شاعرٍ من البشر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
فما رآني شاعر إلا استسر فعل نجوم الليل عاين القمر
فبينا ينشد مننها، حمل جمله على ناقة العجاج، فضحك الناس، وانصرفوا يقولون:
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
انتهى. وقال له هشام بن عبد الملك يومًا: يا أبا النجم، حدثني، قال: عني أو عن غيري؟ قال: بل عنك، قال: إني لما كبرت عرض لي البول، فوضعت عند رجلي شيئًا أبول فيه، فقمت من الليل أبول، فخرج مني صوت، فشددت ثم عدت، فخرج مني صوت آخرو فآويت إلى فراشي فقلت: يا أم الخيار! هل سمعت شيئًا؟ قالت: لا، ولا واحدة منهما، فضحك هشام وأحسن إليه بصلة، وله معه نوادر ومضحكات مذكورة في كتاب «الأغاني».
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثامن والستون:
(٦٨) رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدًا بأعباء الخلافة كاهله
على أن «أل» في اليزيد زائدة لضرورة الشعر. وهو من قصيدة لابن ميادة مدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وقبله:
[ ١ / ٣٠٤ ]
هممن بقولٍ صادقٍ أن أقوله وإني على رغم العدو لقائله
وبعده:
أضاء سراج الملك فوق جبينه غداة تناجى بالنجاح قوابله
وقوله: هممت، من هم بالأمر، إذا قصده وعزم عليه. وأن أقوله: بدل اشتمال من قول، أي: هممت بقول كلام صادق، وفسره بقوله: رأيت الوليد .. البيت.
وقوله: رأيت الوليد .. البيت. فيه عدة شواهد:
أحدها: ما ذكرنا من زيادة أل في العلم.
ثانيها: دخول أل على العلم للمح أصله كما في الوليد، وقد نبه عليه المصنف.
ثالثها: صرف غير المنصرف بدخول أل عليه مع كونها زائدة، كما في اليزيد، وقد استشهد به المصنف في «الأوضح».
رابعها: نصب رأيت بمعنى علمت مفعولين.
خامسها: تعدد المفعول الثاني لأفعال القلوب بلا عاطف، كما في الخبر، وهو هنا مباركًا وشديدًا.
سادسها: إعمال فعيل في الظاهر، لاعتماده على ذي خبر بحسب الأصل.
سابعها: جواز الفصل بينه وبين معموله بالمجرور.
وإن كان رأيت بصرية فمباركًا وشديدًا حالان من مفعولها وهو الوليد، إحداهما جارية على من هي له، والأخرى جارية على غير من هي له. ووري
[ ١ / ٣٠٥ ]
«وجدت» بدل «رأيت» فإن كانت وجد بمعنى علمو فهي متعدية لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وإن كانت بمعنى أصاب أو صادف، فمتعدية إلى واحد وهو الوليد، والمنصوبان بعده حالان. والأعباء: جمع عبء، بكسر المهملة وسكون الموحدة بعدها همزة، وهو الحمل وزنًا ومعنى. وروي بدله «بأحناء» جمع حنور، بكسر المهملة وسكون النون، قال الأزهري في «التهذيب»: قال الليث: الحنو كل شيء فيه اعوجاج والجميع الأحناء، تقول: حنو الحجاج، وهو عظم الحاجب، وحنو الأضلاع، وكذلك في الإكاف والقتب والسرج والجبال والأودية، وكل منفرج واعوجاج حنو. وأحناء الأمور: أطرافها ونواحيها، قال الكميت:
وآلوا الأمور وأحناءها فلم يبهلوها ولم يهملوا
أي: ساسوها ولم يضيعوها، وأحناء الأمور: مشتبهاتها، قال النابغة:
يقسم أحناء الأمور فهارب وشاصٍ عن الحرب العوان ودائن
قال الدماميني: وأعباء الخلافة: أحمالها، وهذه استعارة تحقيقة، شبه أمور الخلافة وما يحتاج إليه فيها من سداد النظر، وحسن السياسة، والقيام بمصالح الأمور، بالأحمال الثقيلة التي لا ينال الغرض منها إلا بعد نقلها من المحل التي هي مطروحة فيه. والكاهل: ما بين الكتفين، ويقال له الحارك. وشدته بحيث يحمل تلك الأعباء كناية عن كفاية الممدوح للإمامة العظمى. وأهليته لها. انتهى.
قال ابن الملا: هذا ظاهر تفسير الأعباء بالأحمال، وأما إذا فسرت بالأثقال
[ ١ / ٣٠٦ ]
من كل شيء فقد يقال: لا استعارة، لأن الثقل كما يكون بالأشياء المحسوسة يكون بالأمور المعقولة. وأما قول السيوطي: يصح أن تكون استعارة بالكناية، بأن شبه أمور الخلافة الشاقة بالجسم الذي يثقل حمله، وإضافتها إلى الخلافة ترشيح، وذكر الكاهل تخييل، ففاسد، لأن شرط الاستعارة المذكورة أن لا يذكر معها لفظ المشبه به، وههنا قد ذكر بلفظ العبء وأن الترشيح ذكرما يلائم المشبه به، وليست إضافته الأعباء إلى الخلافة من ذلك، وأن التخييل إثبات ما يلازم المشبه به للمشبه، والكاهل ههنا إنما أثبت لذي الخلافة، وليس هو المشبه به، على أنا نمنع أن يكون الكاهل مما يلازم الجسم الذي يثقل حمله مطلقًا، وإلا لكان الحجر العظيم ذا كاهل. والكاهل: الحارك، أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق، وهو الثالث الأعلى وفيه ست فقر، أو ما بين الكتفين، أو موصل العتق في الصلب، كذا في «القاموس»: وشدته بحيث يقوى لحمل تلك الأعباء، كناية عن كفاية الممدوح للإمامة العظمى، لأن شدة الرجل في العادة باعتباره. هذا كلامه، ومن خطه نقلت.
وقوله: أضاء سراج الملك .. الخ، أراد به وضوح استحقاقه ولياقت بالمك، والجبينان: حرفان يكتنفان الجبهة من جانبيها، لإيما بين الحاجبين مصعدًا إلى قصاص الشعر، أو حروف الجبهة ما بين الصدغين متصلًا بحذاء الناصية، كله جبين، كذا في «القاموس». وغداة: ظرف أضيف إلى جملة تناجى قوابه، وتناجى: مضارع ناجاه إذا ساره، وأصله: تتناجى، فهو على حكاية الحال الماضية، وقبلت القابلة الولد، من باب تعب: تلقته عند خروجه، قبالة بالكسر، والجمع قوابل، فهو جمع قابل لا غير، كامرأة حائض، يقول بأن استحقاقه حين وضعت أمه وتناجت القوابل بنجابته، كقول الآخر:
[ ١ / ٣٠٧ ]
في المهد ينطق عن سعادة جده أثر النجابة ساطع البرهان
والوليد بن يزيد هو فاسق بني أمية، ولد في سنة تسعين، أو اثنتين وتسعين، وولي الخلافة بعد عمه هشام، وكان من أجمل الناس وأشعرهم، ولما مقته الناس لفسقه، وتأثموا من السكوت عنه، خرجوا عليه، وقلدوا أمرهم ابن عمه يزيد ابن الوليد بن عبد الملك الملقب بالناقص، ولما قتل وأتي برأسه إلى يزيد، نظر إليه أخوهسليمان بن يزيد فقال: أشهدأنه كان شروبًا للخمر، ماجنًا فاسقًا، ولقدراودني عن نفسي، وكانقتله في سنة ست وعشرين ومائة.
وابن ميادة: اسمه الرماح - بفتح الراء المهملة، وتشديد الميم - ابن يزيد وهو من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وميادة: اسم أمه، وهي أم ولد بربربة، وقيل: صقليية، وكان هو يزعم انها فارسية. وهو شاعر فصيح مقدم مكثر، لكنه كان متعرضًا للشر ومهاجاة الناس والشعراء، وله مع الحكم الحضرمي مهاجاة ومتناقضات كثيرة، وأراجيز طويلة، وقد أدرك الدولتين، كان في أيام هشام بن عبد الملك، وبقي إلى زمن المنصور، وتوفي في صدر خلافته في حدود الست والثلاثين بعد المائة. وقد ترجمناه بأبسط مما هنا في الشاهد التاسع عشر من أوائل شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع والستون:
(٦٩) علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان
[ ١ / ٣٠٨ ]
على أن العلم ينكر ثم يضاف. قال ابن جني في «سر الصناعة»: واعلم أن قولك: جاءني الزيدان ليس تثنية زيد هذا العلم المعروف، وذلك أن المعرفة لا يصح تثنيتها، فلا تصح إلا في النكرات، لإلم تثن زيدًا حتى سلبته تعريفه، فجرى مجرى رجل وفرس، وحينئذ لم يستنكر دخول لام المعروفة، وقد جاء في الشعر منه، قال ابن ميادة: وجدنا الوليد بن اليزيد .. البيت. يريد: يزيد، ومما يؤكد جواز خلع التعريف قوله:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم .. البيت
فإضافة الاسم ندل على أنه قد كان خلع عنه ما كان فيه من تعرفه، وكساه التعريف بإضافته إياه إلى الضمير، فجرى في تعرفه مجرى: أخيك وصاحبك وليس بمنزلة زيد إذا أردت العلم. وعلى هذا لو سألت عن زيد عمرو في قول من قال: رأيت زيد عمرو، لما جازت الحكاية، ولكان بالرفع لا غير. انتهى ملخصًا. وقال ابن عقيل في «شرح الألفية»: هذه الإضافة من قبيل إضافة الموصوف إلى القائم مقام الصفة، أي: علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم، فحذف الصفتان وجعل الموصوف خلفًا عنهما في الإَافة. انتهى. قال ابن الحنبلي: هذا تكلف عكس المشهور من جعل الصفة خلفًا عن الموصوف في الإضافة وغيرها، وخلاف المشهور أيضًا من حذف الصفة بدون جعل موصوفها خلفًا عنها في شيء. انتهى.
والنقا بالكسر: الكثيب من الرمل، والتعريف للعهد، وأراد باليوم: الوقعة والحرب التي كانت عند النقا، وهذا معنى قولهم: أيام العرب. والأبيض: السيف. والماضي: النافذ بالقطع. والشفرة بفتح الشين: حد السيف، وثناه باعتبار وجهيه. وروى المبرد في «الكامل» هذا البيت بتغيير بعض ألفاظه مع
[ ١ / ٣٠٩ ]
بيت آخر، وأوردهما في أول الثالث الثالث منه، في باب ترجمته: «باب نجمع فيه طرائف من حسن الكلام، وجيد الشعر، وسائر الأمثال، ومأثور الأخبار» ثم قال: وقال رجل من طيئ، وكان رجل منهم يقال له: عروة بن زيد الخيل، قتل رجلًا من بني أسد يقال له زيد، ثم أقيد به بعد:
علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم بأبيض مشحوذ الغرار يمان
فإن تقتلوا زيدًا بزيد فإنما أقادكم السلطان بعد زمان
انتهى. وكذا رواهما الحصري في كتابه «زهر الآداب» وظهر من قولهما أنه شعر إسلامي، فإن زيد الخيل من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم.
والمشحوذ: من شحذت: شفرة السيف، وقوله: أقادكم السلطان، أي: مكنكم من قتله قودًا يقال: أقاد السلطان القاتل بالقتيل، أي: قتله به قودًا.
والمعنى: إن تفتخروا بقتل زيدنا بزيدكم، فلا فخر، لأن ذلك إنما جرى بحكم السلطان، وقوة الحاكم، وكان ذلك بعد مدة، فلا يكون مثل قتل من قوة البأس والشجاعة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السبعون:
(٧٠) ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلًا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
[ ١ / ٣١٠ ]
على أن أل فيه زائدة. قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب «النبات» وقد أنشد هذا البيت: واحدها ابن أوبر، وهو معرفة، يقال: هذا ابن أوبر مطروحًا. انتهى. وقال ابن جني في «الخصائص» قال أبو عثمان: سألت الأصمعي عن هذا البيت فقال: الألف واللام في الأوبر زائدة، وقال السيرافي في شرح أبيات «الغريب المصنف»: والذي يستعمل في الكلام بنات أوبر، ولكن الشاعر احتاج فنكره، ثم أدخل عليه الألف واللام، كما قال:
باعد أم العمرو من أسيرها
انتهى. وقال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: بنات أوبر: كمأة صغار على لون التراب، يضرب بها المثل في الرداءة وقلة الخير، فيقال: إن بني فلان بنات أوبر، أي: يظن بهم الخير، فلا يوجد وهو علم جنس ممنوع الصرف للعملية والوزن، كابن آوى، فالألف واللام فيه زائدة إذ لا يجتمع تعريفا العلمية وأل، وهذا قول سيبويه والأصمعي، وعليه بنى الناظم والشارح. وزعم المبرد أنه اسم جنس، بمنزلة ابن لبون، لإهو مصروف، وأل فيه للتعريف.
ويرده أنهلم يسمع بالألف واللام إلا في الشعر، وقول الآخر:
ومن جنى الأرض ما تأتي الرعاء به من ابن أوبر والمفرود والفقعه
[ ١ / ٣١١ ]
وهذه الثلاثة أنواع من الكمأة، فمنعه من الصرف. وأيضًا فليس من نظم الكلام أن يأتي بأحدها نكرة، وبالآخرين معرفة، مع تمكنه من أن يقول: من ابن الاوبر، بالنقل. وزعم ابن خروف أن أل في بنات الأوبر للمح الصفة، مثلها في الحسن، لأن أوبر صفة في الأصل، ويرده ما قدمناه من أن ذلك لم يستعمل في النثر. انتهى.
وهذا البيت قلما خلا عنه كتاب لغة أو نحو، ومع هذه الشهرة لم يعرف له قائل.
ولقد جنيتك، قال ابن السيرافي: معنى جنيتك: جنيت لك، أي: لقطت الكمأة وحبيتك بها، وبنات أوبر: شر الكمأة. وإنما يريد أنه جاءه بخيارها، ونهاه عن أكل رديئها وما لا خير فيه. انتهىز
وقال الميداني في «مجمع الامثال» عند قولهم: «جانيك من يجني عليك» يريد: الذي يدني لك الخير، هو الذي يجني عليك الشر. فقولهم: جانيك، معناه: الجاني لك، يقال: جنيت له، ثم تحذف اللام فيقال: [جنيته، كما يقال: كلت له، ووزنت له، ثم تحذف اللام، فيقال]: كلته ووزنته.
قال تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم) [المطففين/٣] أي: كالوا لهم، قال الشاعر: ولقد جنيتك أكمؤًا .. البيت، أي: جنيت لك. انتهى.
وكذلك أورده البيضاوي عند تفسير آية التطفيف، وقال: إن اللام خذفت توسعًا. وتبعه المصنف في شرح أبيات ابن الناظم وقال: أي تناولت لك،
[ ١ / ٣١٢ ]
ونظره بآية التطفيف، وآية يس: (والقمر قدرناه منازل) [الآية/٣٩] أي: قدرنا له.
والأكمؤ: جمع كمء، كأفلس جمع فلس، والكمء: واحد الكمأة، على العكس من باب تمر وتمرة. هذا قول المنتجع بن نبهان، وعكس ذلك أو خيرة، فتحا كما إلى العجاج، فقضى لمنتجع.
والعساقل: ضرب من الكمأة أيضًا، وأصلها: عساقيل، لأن واحدها عسقول، كعصفور، فحذف المدة للضرورة. انتهى.
وفي كتاب «النبات» لأبي حنيفة الدينوري باب في وصف الكمأة وأنواعها، أجاد فيه الكلام، أحببت نقله هنا باختصار، وقال: الكمأة: جمع واحده كمء، وهو من نادر الكلام، لأن بناء الكلام على أن تكون الواحدة بهاء، والجمع بطرح الهاء. وحكي عن أبي زيد أن الكمأة تكون واحدة وجمعًا. وحكى غيره: كمأة واحدة، وكمأتان وكمآت، على القياس، ويقال: هذا كمء، وهذان كمآن، وهؤلاء أكمؤ ثلاثة، فإذا كثرت فهي الكمأة. وقال ابن الأعرابي: الواحدة كمء، والجميع كمأة، وقال أبو زياد الكلابي الأعرابي: الكمأة والجباة والبداة، والعراجين والأفاتيخ، والضغابيس والذأانين، والطراثيث وبنات أوبر، هذه تدعى فقوعًا، لأن الأرض تفقع عنها من غير أصل ولا بقل ولا ثمرة، وخيرها الكمأة. قال: والأفاتيخ وبنات أوبر: تخرج أول الفقوع، فيحسبها الناس كمأة، حتى يستخرجوها فيعرفونها. قال: والعراجين: تفقع عنها الأرض وتطول حتى تكون شبرًا ودون ذلك، وقد تؤكل. والضغابيس: تفقع من تحت الأرض فيخضر ما ظهر منها وما في الأرض منها خير من ذلك، وهو أبيض يأكله الناس أخضره وأبيضه. والذأانين: تخرج من تحت الأرض كأنها عمد ضخام، ولا يأكلها شيء، إلا أنها تعلفها الإبل في الجدب، وتأكلها المعزى
[ ١ / ٣١٣ ]
وتسمن عليها، وهي تتخذ للأدوية، ولا يأكلها إلا الجائع لمرارتها. والجباة: هنة كأنها كمء، ولا ينتفع بها. قال: والبدأة مثلها، إلا أن البدأة سوداء، والجبأة بيضا. وقال ابن الأعرابي: الجبأة خيار الكمأة، والفقة شرها وأردؤها، وهي الفطر، قال: والعساقيل وبنات أوبر: صغارها ورديئها، وقال أبوزياد: كمأة السهل بيضاء رخوة، وكمأة الآكام سود جيدة، وقال ابن الأعرابي: واحد الكمأة كمء، وكذلك واحد الجبأة جبء، وثلاثة أجبؤ، وكذلك الفقعة، واحدها: فقع، وثلاثة أفقع. قال: وهي شرها وأرؤها، وهي الفطر، قال: ومنها جنس يقال له: العساقيل وبنات أوبر، وهي صغارها ورديئها، وأنشد: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا .. البيت. وقال غيره: الجبء هو الكمء الأحمر، والجميع أجبؤ وجبأة. وقال ابن الأعرابي: الطرثوت: نبات على طول الذراع لا ورق له، كأنه من جنس الكمأة، وقال غيره: الفقع: الكمء الأبيض، وهو أردأ الكمأة طعمًا وأسرعه فسادًا، وقال أبو زيد: بنات أوبر: هي المرغبة، وقال زكريا الأحمر: الكمأة: هي التي إلى الغبرة والسواد، والجبأة: التي إلى الحمرة، والفقعة: البيض، وبنات أوبر: الصغار. وأنشد: ولقد جنيبتك أكمؤًا وعساقلًا .. البيت. وقال أبو عمرو: الكمأة الصغار: مفاريد، والواحد مفرود، وقال غيره: العساقيل: واحدها عسقل، وهو أكبر من الفقع وأشد بياضًا واسترخاء، والفطر من جنسها، وهو الفعيل، وقال بعض الرواة: العساقيل: الكمأة البيض، والجبء السود، فلم يجمع بالهاء، كأن الواحد جبأة. وقال بعض الرواة: العسقول: ضرب من الجبأة، وهي كمأة بين البياض والحمرة، وأنشد: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا .. البيت. وقال: الفعيل: ضرب من الكمأة، ينبت مستطيلًا كأنه عود ليس له رأس، فإذا يبس تطاير، وقال: العرجون: ضرب من الكمأة قدر شبر، وهو طيب ما دام غضًا. والضغابيس: شبه العراجين ينبت بالغور في أصول الثمام، طوال حمر رخصه تؤكل، ويضرب
[ ١ / ٣١٤ ]
الضغبوس مثلًا للرجل الضعيف. وأخبرني بعض العرب قال: الضغابيس: ينبث نبات الهليون سواء، وهو ضعيف، فإذا جف حتته الرياح فطيرته. وقال: الذؤنون: ضرب واحد حاو، وهو شبيه بالطرثوث، والذونون أخضر، وإذا جف أبيض، وقال: الضجع مثل الضغابيس إلا أنه أغلظ، وهما جميعًا في خلقة الهليون. ويقال للكمء الأبيض: أقرح، والجمع قرحان. وقال أبو خيرة العدوي: الكمأة جمع، والواحد: الكمء، وكذلكا لجبء، والجميع الجبأة، قال: والجبأة أكبره وأطيبه، وهي هناة حمر، والعساقيل منها بين الحمرة والبياض، وهي أطيبها بعد الجبأة. قال: ومنها الفقع، والواحدة: فقعة، وهي هناة بيض، وهي أرؤدها طعمًا وأسرعها ظهورًا. قال: ومنها بنات أوبر، والواحد ابن أوبر، وهي أمثال الحصى صغار، وهي رديئة الطعم، وهي أول الكمأة. قال: وما يدخل فيها وليس منها العراجين، وهي طوال بيض طيبة ما دامت غضة. قال: والدمالق: أصغر من العرجون وأقصر يكون في الروص وهو طيب، وقال غيره: القرحان: ضرب من الكمأة أبيض صغار ذوات رؤوس كرؤوس الفطر، الواحدة قرحانة، وقال أبو عمرو: بنات أوبر: شيء مثل الكمأة وليس بكمأة، وهي صغار، ويقال: إن بني فلان مثل بنات أوبر، يظن أن فيهم خيرًا، واحدها ابن أوبر. انتهى كلام الدينوري، وما أخذته مقدار عشره.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الواحد والسبعون:
(٧٠) وابن اللبون إذا مالز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
[ ١ / ٣١٥ ]
على أن ابن لبون نكرة فعرف باللام.
قال سيبويه في باب المعرفة: ومنه أبو جخادب، وهو ضرب من الجنادب، كما أن بنات أوبر ضرب من الكمأة، وهي معرفة، ومن ذلك ابن فترة، وهو ضرب من الحيات، فكأنهم إذا قالوا: هذا ابن قترة، فقد قالوا: هذا الحية الذي من أمره كذا، وإذا قالوا: بنات أوبر، فكأنهم قالوا: هذا الضرب الذي من أمره كذا من الكمأة، وإذا قالوا: أبو جخادب، كأنهم قالوا: هذا الضرب الذي سمعت به من الجنادب أو رأيته، ومثل ذلك: ابن آوى، كأنه قال: هذا الضرب الذي سمعت به أو رأيته من السباع، فهو ضرب من السباع، كما أن ابن أوبر ضرب من الكمأة، ويدلك على أنه معرفة أن آوى غير مصروف، وليس بصفة إلى أن قال: وأما ابن لبون وابن مخاض فنكرة، لأنها تدخلها الألف واللام، وكذلك ابن ماء، قال جرير، فيما دخل فيه الألف واللام:
وابن اللبون إذا ما لز في قرنٍ .. البيت
وقال الفرزدق:
وجدنا نهشلًا فضلت فقيمًا كفضل ابن المخاض على الفصيل
فإذا أخرجت الألف واللام صار الاسم نكرة. انتهى.
قال الأعلم: الشاهد فيه إدخال الألف واللام في اللبون ليعرف الأول به،
[ ١ / ٣١٦ ]
لأنه اسم جنس نكرة بمنزلة ابن رجل، ولم يجعل علمًا بمنزلة ابن آوى وغيره، فلذلك خالفه في دخول الألف واللام على ما أضيف إليه. ضرب هذا مثلًا لنفسه، ولمن رام مقاومته في الشعر والفخر، لأن ابن اللبون – وهو الفصيل الذي نتجت أمه غيره فصارت لبونًا – إذا لزم، أي: شد، في قرن، وهو الحبل، ببازل من الجمال قوي، لم يستطع صولته ولا مقاومته في سيره. والقناعيس: الشداد، واحدها قنعاس. انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لجرير، هجا بها بني تيم، رهط عمر بن لجأ التيمي، وهذه الأبيات منها:
إني إذا الشاعر المغرور حربني جار لقبر على مران مرموس
قد كان أشوس أباء فأورثنا شغبًا على الناس في أبنائه الشوس
نحمي ونغتصب الجبار نجنبه في محصد من حبال القد مخموس
لا يستطيع امتناعًا فقع قرقرةٍ بين الطريقين بالبيد الأماليس
وابن اللبون إذا ما لز في قرنٍ البيت
قوله: إني إذا الشاعر المغرور، هذا تعريض بعدي بن الرقاع العاملي، ووجهه – كما قال الأصفهاني في «الأغاني» -: أن جريرًا دخل على الوليد بن عبد الملك، وعنده عدي بن الرقاع العاملي، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال الوليدك هذا عدي بن الرقاع، فقال جرير: شر الثياب الرقاع! ممن هو؟ قال: العاملي، فقال جرير: الذي يقول الله تعالى: (عاملة ناصبة * تصلى نار حامية) [الغاشية/٣] ثم قال:
[ ١ / ٣١٧ ]
يقصر باع العاملي عن العلى ولكن أير العاملي طويل
فقال له عدي:
أأمك كانت أخبرتك بطوله أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول
فقال: لا، بل لم أدر كيف أقول، فوثب العاملي إلى رجل الوليد يقبلها وقال: أجرني منه، فقال الوليد لجرير: لئن شتمته لأسرجنك وألجمنك حتى يركبك، فيعيرك بذلك الشعراء. فكنى جرير عن اسمه فقال: إني إذا الشاعر المغرور حر بني .. إلى آخر الأبيات الخمسة، وفيها قبل البيت الشاهد:
أقصر فإن نزارًا لن يفاخرهم فرع لئيم وأصل غير مغروس
وقال ابن السيد البطليوسي في «شرح أبيات الجمل الزجاجية»: كان سبب قوله أنه دخل على الوليد بن عبد الملك، وعدي بن الرقاع العاملي ينشد قصيدته التي أولها:
عرف الديار توهمًا فاعتادها من بعد ما شمل البيلى أبلادها
فلما فرغ من إنشاد القصيدة قال: كيف تسمع يا ابن الخطفى؟ قال: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: عدي بن الرقاع [العاملي]، فقال له جرير: الذين قال الله تعالى فيهم: (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة * تصلى نار حامية) [الغاشية/ ٣،٤] فقال له الوليد: لا أم لك! أتقول هذا لمن يمدح أحياءنا، ويؤبن موتانا؟ ! فقال جرير:
يقصر باع العاملي عن العلى .. البيت
فقال العاملي:
أأمك كانت أخبرتك بطوله أم أنت امرؤلم تدر كيف تقول
[ ١ / ٣١٨ ]
فغضب جرير: فقال عدي: يا أمير المؤمنين أجرني من لسانه، فقال الوليد لجرير: والله لئن ذكرته لأسرجنك، وليركبنك حتى يعيرك الشعراء. فلم يذكره جرير، ولكن عرض به في قصيدته التي يقول فيها:
إني إذا الشاعر المغرور حريني .. إلى آخر الأبيات
انتهى. وقوله: إذا الشاعر المغرور حر بني: إذا شرطية، وشرطها محذوف يفسره حربني. وقوله: جار، جواب إذا بتقدير مبتدأ، والتقدير: فهو جار، والجملة الشرطية خبر إن. وحربني بالحاء المهملة، أي: أغضبني: يقال منه: حرب الرجل يحرب حربًا – من باب فرح – إذا غضب، وأحربني: أغضبني. وقوله: لقبر، فيه محذوف، أي: لذي قبر، فإنه قال: مرموس، بمعنى مدفون، فإن القبر لا يكون مرموسًا. وعلى: بمعنى في، متعلقة بمرموس. ومران بفتح الميم: موضع على أربع مراحل من مكة إلى البصر دون بلاد تميم، وفيه قبر تميم بن مر. يقول من أغضبني يصير جارًا لتميم بن مر، أي: يموت، فيصير جارًا له. وشارح ديوان جرير لم يحمل هذه الأبيات على التعريض بعدي بن الرقاع، بل قال: يفخر به على ابن لجأ.
وقوله: قد كانأشوس، الشوس بفتحتين: التكبر والنظر بمؤخر العين.
زعم جرير أن تميمًا كان أشوس سيء الخلق، فأورثنا شغبًا ونحن شوس. والأباء: الكثير التأبي من الظلم. والشغب: تهييج الشر.
وقوله: نحمي ونغتصب .. الخ، أي: نحمي الجاني. والجبار. الرجل المتجبر، ونجنيه: نقوده أسيرًا في محصد، أي: في جبل محصد، اسم مفعول من: أحصدت الحبل، أي: قتلته وأحكمته ومخموس الحبل: الذي قتل بخمس طاقات. والقد: الجلد. وقوله: فقع قرقرة، مثل للذليل. والفقع:
[ ١ / ٣١٩ ]
الكمأة البيضاء لا تؤكل. والقرقرة: الأرض المستوية. يقول: إنه ذليل كالفقع يداس بالأرجل ولا حامي له ولاناصر. والأماليس: جمع إمليس، وهو البلد الواسع، وقال ابن السيد: الأرض التي لا نبات فيها. والبيد: جمع بيداء، وهي المفازة.
وقوله: وابن اللبون .. الخ، هو من ولد الناقة الذي استكمل السنة الثانية، ودخل في الثالثة، والأنثى بنت لبون، سمي بذلك لأن أمه ولدت غيره، فصار لها لبن. واللبون: الناقة، والشاة ذات اللبن. وقوله: إذا ما لز، ما: زائدة، ولز بالبناء للمجهول، أي: شد. قال ابن دريد في «الجمهرة»: لز الشيء بالشيء، إذا قرن به لزًا، ومنه قولهم: قد لززت بي يا فلان، وكل شيء دانيت بينه أو قرنته، فقد لززته، وأنشد البيت. قال: وأجاز قوم: لززت الشيء بالشيء وألززته به، ولم يجزها البصريون، وأجاز الأصمعي: لاززته ملازة ولزازًا، إذا قرنته. انتهى. والقرن، بفتح القاف والراء المهملة: الحبل الذي يشد به البعيران ونحوهما، فيقرنان معًا. والصولة: الحملة. والبزل: جمع بازل، وهو البعير الذي دخل في السنة التاسعة، وبزل نابه، أي: خرج والقناعيس: جمع قنعاس – بالكسر – وهو الجمل العظيم الجسم الشديد القوة.
وهذا البيت ضربه مثلًا لمنيعارضه ويهاجيه، يقول: من رام إدراكي، كان بمنزلة ابن اللبون إذا قرن في قرن مع البازل القنعاس، إن صال عليه لم يقدر على دفع صولته ومقاومته، وإن رام النهوض معه قصر عن عدوته.
ونظير هذا البيت في معناه قول سحيم بن وثيل الرباحي وقد أدركه جرير:
عذرت البزل إن هي خاطرتني فما بالي ابن اللبون
[ ١ / ٣٢٠ ]
روى المرزباني في «الموشح» قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم قال: سألت الأصمعي عن الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة: أفحل هو؟ قال: لا، ليس بفحل، قلت له: ما معنى الفحل؟ قال: نريد أنه له مزية على غيره، كمزية الفحل على الحقاق. وبيت جرير يدلك على ذلك، وأنشد:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن .. البيت
انتهى.
ونظيره في الخيل قول أعرابي:
ألا قالت الخنساء يوم لقيتها كبيرت ولم تجزع من الشيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة تقنع منها رأسه ما تقنعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلما يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالة من الجذع المرخى وأبد منزعا
والقارح من ذي الحافر: بمنزلة البازل من الإبل. واليعبوب: الفرس السريع والبعيد القدر في الجري. والعلالة: بضم العين المهملة: بقية جري الفرس. والجذع بفتحتين: الفرس الداخلة في السنة الثالثة.
[ ١ / ٣٢١ ]
ومن آخر هذه القصيدة:
قد نكتسي بزة الجبار نجنبه والبيض نضر به فوق القوانيس
تدعوك تيم وتيم في قرى سبأٍ قد عض أعناقهم جلدًا لجواميس
والتيم ألام من يمشي وألا مهم أولاد ذهلٍ بنو السود المدانيس
بزة الجبارو بكسر الموحدة: سلاحه. والقوانيس: جمع قونس، كجعفر، زاد الياء اضرورة، وأراد به أعلى الهامة. وقوله: تدعوك تيم، استشهد صاحب «الكشاف» بهذا البيت على صرف سبأٍ، على أنه اسم للحي أو للأب الأكبر. وقوله: قد عض أعناقهم .. الخ، يريد: أن تيمًا قد غلت أيديهم إلى أعناقهم بالقد من جلد الجاموس. والمدانيس: جمع مدناس، وهو الكثير الدنس، وهو الوسخ في الثوب والعرض.
قال شارح الديوان: قوله: تدعوك تيم .. البيت، هذا يوم منة لبني سعد على الرباب وذلك فيما ذكروا، أن الرباب قبل أن تكثر بنو تميم في أول الزمان، انطلقوا إلى أهل اليمن، فحالفوهم ونزلوا في ديارهم، وحالفوا منهم الحارث بن كعب، وهو يومئذ من سادة اليمن وملوكهم، فكانوا فيهم زمانًا، ثم إنهم جعلوا يشتقون عليهم، ورأوا أمورًا رابتهم، فقال الرباب بعضهم لبعض: ما يقعدنا هاهنا، وقومنا بنو تميم أكثر الناس وأعزهم؟ ! فتحملت ضبة وعدي بن عبد مناة، فرجعوا إلى تميم، وأقامت
[ ١ / ٣٢٢ ]
عكل والتيم فلبثوا زمانًا. ثم إن ركبًا نزلوا بهم فلم يقروهم، وكانوا قد وفدوا على الملك، فأخبروه بصنيع عكل والتيم، فأخذهم وجدع خمسة وعشرين من سراة التيم، وخصى خمسة وعشرين من سراة عكل، ثم أقصاهم وأهانهم، وجعلوا ينكحون فيهم ولا ينكحونهم، فلما رأوا ما لقوا، ظعنت عكل بعد الخصاء، فلحقت ببني تميم، وبقيت التيم، وكانوا أهل شاء وحمير، فلم يستطيعوا براحًا، فأقاموا وأقروا بالذل. ثم إن رجلًا من أهل اليمن ابن أخت لهم غضب لهم مما يصنع بهم، فكتب إلى تميم بشعر له، وهو:
أبلغ الأضبط بن قريعٍ ومن مثله من تميم
إن تيمًا لمنكم هل لتيم من نصار وحميم
وكان الأضبط سيد بني تميم، فلما قرأ الكتاب، ندب بني حنظلة وبني سعد وقال: لا ينبغي إلا إباء هذا، فأغار على بني الحارث بن كعب أعز ما كانوا، فقتلهم، وأخذ ما سراتهم مائة رجل ورجلين، وسبى ذراريهم، وأقام بأرضهم سنة يغير على قراهم يمينًا وشمالًا، وأمير الخيل يومئذ مرة بن عبيد بن الحارث بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم. وبنى الأضبط أطمًا، فبنت الملوك حول ذلك الأطم مدينة صنعاء، فهي اليوم قصبتها. وأقبل التيم مع ما أصاب من السبي والغنائم. فهذه يد بني سعد على تيم التي يفخر بها عليهم جرير.
[ ١ / ٣٢٣ ]
ومن أوائل القصيدة:
لما تذكرت بالديرين أرقني صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
الديران: موضع قرب دمشق.
وهذا البيت استشهد به أبو علي في «الإيضاح» تبعًا لأهل اللغة، على أن الدجاج يقع على المذكر والمؤنث، لأنه إنما أراد هنا صوت الديكة خاصةز
يقول: أرقني في منزل الديرين انتظاري صوت الديوك والنواقيس، وإنما يكون ذاك عند الصباح.
وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الحدي عشر.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني والسبعون:
(٧٢)
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن وإن تخرقي يا هند فالخرق اشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمةً ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها أن كنت غير رفيقةٍ وما لامرئ بعد الثلاث مقدم
لم أقف على قائل هذه الأبيات. والرفق: الملاءمة والملاطفة، ضد العنف. والخرق، وفعله من باب قتل، وخرق يخرق خرقًا، من باب فرح: إذا عمل شيئًا فلم يرفق به، فهو أخرق، وهي خرقاء، والاسم الخرق بالضم. وأيمن: وصف بمعنى ذي يمنٍ وبركة، لا أنه أفعل تفضيل، وكذلك الأشأم، معناه: ذو شآمة ونحوسة، وصرفهما للضرورة، وفيه المطابقة بين ترفقي وتخرقي، وبين أيمن وأشأم.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وقوله: فأنت طلاق، قد أورد ابن يعيش في شرح «خطبة المفصل» هذه الأبيات الثلاثة، وشرحها فيها، وأوردها مع أشياء تشتد فاقه الفقيه إلى معرفة العربية لأجلها، قال: ومن ذلك مسائل الطلاق إذا قال: أنت طالق، طلقت منه، وإن لم ينو. ولم أتى بلفظ المصدر فقال: أنت طلاق، لم يقع الطلاق إلا بنية، لأنه ليس بصريح، إنما هو كناية عن إرادة إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل [على حد ماء غور أي غائر]. ومنهم من يجعله صريحًا يقع به الطلاق من غير نية، كاسم الفاعل، لكثرة إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل، وكثرة استعماله في الطلاق حتى صار ظاهرًا فيه، قال الشعر: فإن ترفقي يا هند .. إلى آخر الأبيات الثلاثة. فأوقع الطلاق موقع طالق، ويجوز أن يكون على حذف [مضاف] أي: ذات طلاق، كما يقال: صلى المسجد، أي: أهل المسجد، واسأل القرية، أي: أهلها، وهو كثير. انتهى.
والعزيمة: بمعنى المعزوم عليه، أي: الذي وقع التصيم، فكان واقعًا قطعًا، قال الكرماني: هي في الأصل عقد القلب على الشيء، استعمل لكل أمر محتوم، وفي الاصطلاح: ضد الرخصة، وأعق: أفعل تفضيل من العقوق ضد البر. وقوله: ومن يخرق، قال ابن يعيش: قد حذف الفاء من جواب الشرط والمبتدأ، وتقديره: ومن يخرق فهو أعق وأظلم، وهذا من ضرورات الشعر المستقبحة.
ورده الدماميني بأن هذا ليس بمتعين، لجواز أن تكون من موصولة، وتسكين القاف للضرورة كقراءة أبي عمرو: (وما يشعركم) [الأنعام/١٠٩] بإسكان الراء. وأعق: خبر من، فلا حذف ولا ضرورة ولا قبح. انتهى.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وفيه: أن وجه الإسكان في الآية كما قال الجعبري طلب التخفيف عند اجتماع ثلاث حركات ثقال من نوع واحد، أو من نوعين، ويخرق ليس منهما. وقوله: فبيني بها .. الخ: أمر من البينونة، وهي الفراق، وضمير بها للثلاث، أي: كوني ذات طلاق بائن بهذه التطليقات الثلاث، لكونك غير رفيقة. فأن مفتوحة الهمزة مقدر قبلها لام العلة، ومقدم: مصدر ميمي، أي: ليس لأحد تقدم إلى العشرة والإلفة بعد إيقاع الثلاث، كذا قال الدماميني، وأجاز غيره أن يكون «مقدم» بمعنى: مهر مقدم، أي: ليس له بعد الثلاث مهر يقدمه لمطلقة ثلاثًا إلا بعد زوج آخر، فيكون اسم مفعول. هذا كلامه.
وقول المصنف: كتب الرشيد ليلة إلى القاضي أبي يوسف .. الخ، هذه الحكاية نقلها المصنف من كتاب «غرائب مجالس اللغويين الزائدة على تصنيف المصنفين» ونقلها السيوطي في «الأشباه الزجاجي، وهذا نص الحكاية من ذلك الكتاب: مجلس أبي يوسف مع الكسائي: حدث أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثني سلمة عن الفراء قال، كتب الرشيد في ليلة من الليالي إلى أبي يوسف صاحب أبي حنيفة: أفتنا – أحاطك الله – في هذه الأبيات: فإن ترفقي يا هند .. الأبيات الثلاثة، فقد أنشد البيت «عزيمة ثلاث» و«عزيمة ثلاثًا» بالنصب، فكم تطلق بالرفع، وكم تطلق بالنصب؟ قال أبو يوسف: فقلت في نفسي: هذه مسألة فقهية نحوية، إن قلت فيها بظني لم آمن الخطأ، وإن قلت: لا أعلم، قيل
[ ١ / ٣٢٦ ]
لي: كيف تكون قاضي القضاة، وأنت لا تعرف مقل هذا؟ ! ثم ذكرت أن أبا الحسن علي بن حمزة الكسائي معي في الشارع، فقلت: ليكن رسول أمير المؤمنين بحيث يكرم، وقلت للجارية: خذي الشمعة بين يدي، ودخلت إلى الكسائي في فراشه، فأقرأته الرقعة، فقال لي: خذ الدواة واكتب: أما من أنشد البيت بالرفع فقال: «عزيمة ثلاث» فإنما طلقها بواحدة، وأنبأها أن الطلاق لا يكون إلا بثلاثة، ولا شيء عليه، وأما من أنشد «عزيمة ثلاثًا» فقد طلقها وأبانها، كأنه قال: أنتِ طالق ثلاثًا، وأفدت الجواب، فحملت إلي في آخر الليل جوائز وصلات، فوجهت بالجميع إلى الكسائي. انتهى كلامه.
وروى أبو علي الفارسي هذه الحكاية على خلاف ما تقدم، قال في «المسائل القصيرة»: حدثنا الشيخ أبو الحسن الكرخي عن يحيى الرقي قال: أرسلني الكسائي إلى محمد بن الحسن أسأله عن الجواب في هذه الأبيات، قال: فأتيت محمد ابن الحسن بالأبيات، فقال: إن نصب الثلاث فهي ثلاث تطليقات، وإن رفع الثلاث فهي واحدة، كأنه أراد أن يخبر أن عزيمة الطلاق ثلاث، قال: فرجعت إلى الكسائي فأخبرته يقول محمد، فتعجب من فطنته. انتهى.
وهذا هو المسطور في كتب الحنفية «كالمبسوط» و«شرح الكنز» للزيلعي. وقال صاحب «النهاية في شرح الهداية»: وذكر ابن سماعة أن الكسائي بعث إلى محمد بفتوى، فدفعها إلي فقرأتها عليه، فقال: ما قول قاضي القضاة الإمام فيمن يقول لامرأته: فإن ترفقي يا هند .. الأبيات؟ فكتب في جوابه: إن قال: «ثلاث» مرفوعًا، تقع واحدة، وإن قال: «ثلاثًا» منصوبًا، يقع ثلاثًا، لأنه إذا ذكره مرفوعًا كان ابتداء، فيبقى قوله: فأنت طلاق، فيقع واحدة، وإذا قال:
[ ١ / ٣٢٧ ]
«ثلاثًا» كان منصوبًا على البدل أو التفسير، فقع به ثلاث، والمثنى بمعزل منهما، أي: من الفردية والجنسية. انتهى. وكذا نقل ابن الهمام عن «المبسوط».
وقول المصنف: قال أبو يوسف: فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية، ولا آمن من الخطأ.
قال ابن الهمام: هذا القول بعد كونه غلطًا، بعيد عن معرفة مقام الاجتهادو فإن من شرطه معرفة العربية وأساليبها، لأن الاجتهاد يقع في الأدلة السمعية، والذي نقله أهل التحقيق أن المرسل بالفتوى الكسائي إلى محمد بن الحسن، ولا دخل لأبي يوسف أصلًا ولا للرشيد، ومقام أبي يوسف أجل من أن يحتاج إلى غيره في مثل هذه التراكيب، مع إمامته واجتهاده، وبراعته في التصرفات من مقتضيات الألفاظ. انتهى.
قال ابن يعيش قوله: والطلاق عزيمة ثلاث، روي على ثلاثة أوجه: برفع عزيمة ونصب ثلاث، وبالعكس، وبرفعهما. فإذا نصب الثلاث فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا، فيقع الثلاث، ويكون قوله: والطلاق عزيمة، مبتدأ وخبرًا، فكأنه قال: والطلاق مني جد غير لغو، وإذا رفعهما كانت الثلاث خبرًا ثانيًا، أي: الطلاق الذي يقع بمثله الطلاق هو الثلاث، أو يكون موضحًا للعزيمة على سبيل البدل، وتقع واحدة لا غير. ويجوز أن يكون المراد: وأنت طالق ثلاثًا، ثم فسر ذلك بقوله: والطلاق عزيمة ثلاث، كأنه قال: والطلاق الذي ذكرته ونوبته عزيمة ثلاث، فسره بهذا الدليل، هذا إذا نوى الثلاث، ودليل ذلك قوله: فبينى بها، فهذا يدل على إرادة الثلاث والبينونة. وأما إذا نصب عزيمة مع رفع الثلاث، فعلى إضمار فعل، كأنه قال: والطلاق ثلاث، أعزم عليك عزيمة.
ويجوز أن يكون التقدير: والطلاق إذا كان عزيمة ثلاث، كما تقول: عبد الله راكبًا أحسن منه ماشيًا، والمراد: إذا كان ماشيًا، كما تقول: هذا بسرًا أطيب
[ ١ / ٣٢٨ ]
منه رطبًا إذا كان رطبًا، أي: هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا. انتهى.
وقول المصنف: وعلى الجنسية تقع واحدة، كما قاله الكسائي. قال الفناري في حاشية «المطول»: قد انتصر جدنا شمس الدين الفناري للكسائي وأبي يوسف حيث قال: ولقائل أن يقول: إنما يم يعتبر الكسائي وأبو يوسف حين ارتفاع الثلاث كون اللام للعهد، لأن ثلاث وعزيمة لا يصح أن يكونا خبرين عن الطلاق المعهود، فإن الطلاق رخصة وليس بعزيمة، وكذا حين انتصاب الثلاث، لا يصلح أن يكون ثلاثًا حالًا عن ضمير عزيمة لما قلنا، فلم يتعين أيضًا، قال: اللهم إلا أن تحمل العزيمة على المعنى اللغوي، والعرف أملك. وفيه بحث، أما أولًا: فلأنه لا دخل في لزوم المحذور المذكور، لجعل اللام للعهد إذ منشؤه عدم اجتماع الثلاث والعزيمة، وهذا الاجتماع لازم على تقدير الحمل على مجاز الجنس. اللهم إلا أن يراد الحمل على الجنس المطلق ويجعل الإخبار بالعزيمة والثلاث بالنظر إلى أنواع الطلاق. وأما ثانيًا: فالأملك في مثله هو العرف العام، فالظاهر أن المعنى: الطلاق الذي ذكرت ليس بلغو ولا لعب، بل هو معزوم عليه. نعم، الكلام على تقدير جعل ثلاثًا حالًا عن المستتر في عزيمة محتمل لوقوع الثلاث، بأن يكون المعنى: والطلاق الذي ذكرته إذ كان ثلاثًا، فتأمل. انتهى.
وقول المصنف: ولأن يكون حالًا من الضمير المستتر في عزيمة، وحينئذ فلا يلزموقوع الثلاث .. الخ، قال الدماميني: فيه نظر، أما أولًا: *** الكلام محتمل لوقوع الثلاث على التقدير الذي ذكره بأن تجل «أل» للعهد الذكري، كما تقدم له في أحد وجهي الرفع، كأنه قال: والطلاق الذي ذكرته
[ ١ / ٣٢٩ ]
ليس بلغو ولا لعب، بل هو معزوم عليه حالة كونه ثلاثًا. وأما ثانيًا: فلأنه لا يظهر داع إلى الإتيان بقوله، إذا كان مع جعله ثلاثًا حالًا من الضمير في غزيمة، إلا أن يكون غرضه بيان أن الحال في معنى الظرف، كما تقول: معنى جاء زيد قائمًا، جاء في حال كونه قائمًا، والأمر قريب فيه. فإن قلت: وفيه نظر من وجه آخر، وهو قوله: إن في عزيمة ضميرًا مستترًا، إذ هي، مصدر، والمصدر لا يضمر فيه، قلت: إنما ذلك إذا لم يؤول، وهنا مؤول، فتحمل الضمير، كما في: زيد عدل. فإن قلت: لو تحمله لأنث وثنى وجمع على نحو: هند صوم، والزيدون عدل، قلت: روعي فيه جهتان: جهة المشتق الذي أول به، فتحمل وجهة أصله، فلم يغير. انتهى كلامه.
وقد ألف السيد معين الدين جد السيد عيسى الصفوي الإيجي رسالة ضمنها هذه الأبيات، وأخذ كلام المصنف، واستنبط احتمالات أخر، قال فيها: العشر يحتمل اثني عشر وجهًا، لأن اللام إما للجنس وإما للعهد، وعزيمة إما مرفوع وإما منصوب. وثلاث إما مرفوع وإما منصوب على الحال، أو على المفعول المطلق، فخرج من ضرب أربعة في ثلاث اثنا عشر. لكن أربعة منها تركيب باطل. أما الثمانية، فعلى تقدير أن اللام للجنس، إما أن يكون عزيمة وثلاث مرفوعين، فيلزمه على ما قال ابن هشام واحدة، والظاهر أنه يلزمه ثلاث، إذ ليس الطلاق عنده إلا عزيمة ثلاث، وطلاقه فرد مما ادعاه. وإما أن يكون عزيمة منصوبًا، وثلاث مرفوعًا، فيلزمه واحدة، وهو أحد وجهي الإمام محمد، وفيه أن ذا الحال مبتدأ.
وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا وثلاث حالًا من المستتر في عزيمة يلزم واحدة، وهو وجه ثان لابن هشام وللإمام، لكن في كلام الإمام إبهام، لأنه يحتمل أن يكون ثلاث مفعولًا مطلقًا، وحينئذ يلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا،
[ ١ / ٣٣٠ ]
وثلاث مفعولًا مطلقًا، فيلزمه ثلاث، وهو ثالث وجوه ابن هشام، فهذه وجوه أربعة. وعلى تقدير أن اللام للعهد، إما أن يكون عزيمة وثلاث مرفوعين، كأنه قال: فأنت طلاق، وهذا الطلاق عزيمة ثلاث، فيلزمه ثلاث، وهو رابع وجوه ابن هشام، وإما أن يكون عزيمة منصوبًا، وثلاث مرفوعًا، فيلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا، وثلاث منصوبًا حالًا من المستتر، فيلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا، وثلاث مفعولًا مطلقًا، فيلزمه ثلاث، فهذه أربعة أخرى، فتكون ثمانية.
وأما الأربعة التي فسدت لأجل الإعراب: فهي بتقدير أن اللام للجنس، إما أن يكون عزيمة منصوبًا، وثلاث حالًا من المستتر، أو مفعولًا مطلقًا. وبتقدير أن اللام للعبد، إما أن يكون عزيمة منصوبًا، وثلاث حالًا من المستتر، أو مفعولًا مطلقًا. وعلى الوجهين وهو أنه حال، يلزمه واحدة، وعلى الوجهين الآخرين يلزمه ثلاث، هذا كلامه.
وقد كتب ابن قاسم العبادي على مواضع من هذه الرسالة، فكتب عند قوله: «الشعر يحتمل اثني عشر وجهًا»: لابد على سائر التقادير في وقوع أصل الطلاق عند الشافعية من النية. كما هو ظاهر، لأن أنت طلاق من الكنايات عندهم. وكتب عند قوله: «والظاهر أنه يلزمه ثلاث»: قد يمنع من هذا الظاهر عند الشافعية أن: أنت طلاق، كناية عندهم، وشرط تأثير الكناية في أصل الوقوع والعدد النية، ولا يقوم مقام النية ما اقترن بالكناية، مما يدل على الوقوع أو العدة من القرائن، ولهذا صرحوا بعدم الوقوع بقوله: أنت بائن بينونة محرمة، لا تحلين لي أبدًا إذا لم ينو، فإن نوى الطلاق الثلاث وقع الثلاث، وإن نوى أصل الطلاق فقط، فالقياس وقوع واحدة. وقوله: والطلاق عزيمة
[ ١ / ٣٣١ ]
ثلاث، على تقدير رفع عزيمة وثلاث، وكون أل في الطلاق للجنس لا يصلح لتقييد الطلاق الذي أوقعه بالثلاث، لأنه إن أراد جنس الطلاق ليس إلا الثلاث، فهو غير صحيح، إذ الجنس موجود في الواحدة والثنتين أيضًا: وإن أراد الجنس قد يكون في الثلاث، فهذا لا يقتضي تقييد هذا الطلاق الواقع بالثلاث، فليتأمل، وما ذكرناه لا ينافي قول «الروض» فإن قال: أنت بائن ثلاثًا، ونوى الطلاق الثلاث، وقعن، أي: الثلاث. انتهى، لأنه قيد للبينونة التي نوى بها الطلاق بالثلاث، وما ذكر لا تقييد فيه، ولا ارتباط فيه للثلاث بالطلاق الذي أوقعه، فليتأمل.
وكتب عند قوله: «وطلاقه فرد مما ادعاه»: قد يقال: ما ادعاه ليس بصحيح بظاهره، إذ جنس الطلاق لا ينحصر في الثلاث، فلا يلزم أن يكون طلاقه فردًا من جنس الثلاث، نعم إن قصد ذلك، بأن قصد طلاقًا من أفراد الثلاث، فمسلم، فليتأمل.
وكتب عند قوله: «وفيه أن ذا الحال مبتدأ»: قد يقال: هذا لا يرد لأن المراد أن هذا التقدير والحمل يقتضي هذا الحكم، وأما أن هذا التقدير ضعيف، فشيء آخر لا ينافي ذلك. وكتب عند قوله: «وحينئذ يلزمه ثلاث»: هذا ظاهر إن أريد المفعول المطلق من طالق لا من الطلاق. انتهى.
وكتب شيخنا الشهاب الخفاجي عند بيانه للأربعة التي فسدت لأجل الإعراب: وما ادعاه من بطلان الوجوه الأربعة إذا رفع الطلاق، ونصب عزيمة، وثلاث على الحالية، أو المفعولية غير مسلم، لأنه يجوز أن يكون خبر مبتدأ مقدر، أي: وهذا الطلاق، وباب التقدير واسع. انتهى.
هذا ما وقفت عليه مما كتب على هذا الشعر، وكلامهم دائر على أن ثلاثًا إما مفعول مطلق لطلاق المنكر، أو المعرف، وإما حال من الضمير المستتر.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ومنع الجميع أبو علي في «المسائل القصرية» ومع كونه تمييزًا أيضًا، وعين أن يكون ثلاثًا مفعولًا مطلقًا إما لعزيمة. أو لطلقت محذوفًا، وإما ظرف لعزيمة. وحقق أن مفاد البيت الطلاق الثلاث لا غير، وهذا كلامه. قوله: فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاث: لا يخلو إذا نصبت ثلاثًا أن تكون متعلقة بطلاق أو غيره، فلا يجوز أن يكون متعلقًا بطلاق، ولأنه إن كان متعلقًا به، لم يخل من أن يكون طلاق الأول أو الثاني، فلا يجوز أن يكون متعلقًا بطلاق الأول لأن الطلاق مصدر، فلا يجوز أن يتعلق به شيء بعد العطف عليه، ولا يجوز أن ينصب ثلاث بطلاق الثاني، لأنه قد أخبر عنه للفصل، فإذا بطل الوجهان جميعًا ثبت أنه متعلق بغيره، فيجوز أن يكون متعلقًا بعزيمة أي: أعزم ثلاثًا، ولم يحتج إلى ذكر الفاعل، لأن ما تقدم من قوله: فأنت طلاق، قد دل على الفاعل، ألا ترى أن معناه: أنت ذات طلاق، أي: ذات طلاقي، أي: طلقتك، فلا فصل بين: أنت ذات طلاقي، وبين: قد طلقتك، لما أضفت المصدر إلى الفاعل، استغنيت عن إظهار المفعول لجري ذكره في الكلام، فحذفته، كما استغنيت من ذكر المفعول في قوله: (والحافظين فروجهم والحافظات) [الأحزاب/٣٥] فلم يحتج إلى ذكر الفاعل في عزيمة. إذ كان مصدرًا كالنذير والنكير، وكما لم يحتج إليه في قوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيمًا) [البلد/١٤] لتقدم ذكره، فكذلك لم يحتج إلى ذكر الفاعل في عزيمة، فصار كأنه قال: أنت طلاق، والطلاق عزيمتي ثلاثًا، أي: أعزمه ثلاثًا، فيكون ثلاثًا المنصوب متعلقًا بعزيمة، أو يكون تعلقه به على جهة الظرف، كأنه قال: أعزم ثلاث مرار، أو ثلاث تطليقات، فإذا كان كذلك، وقع ثلاث تطليقات، لتعلق الثلاث بما ذكرناه، ولا يجوز أن يكون أقل من ذلك، لتعلقه بالعزيمة والأشبه فيمن نصب ثلاث، أن يكون الطلاق الثاني المعرف باللام يراد به الطلاق المنكور الذي تقدم ذكره، أي: ذلك الطلاق عزمته، أو عزمت
[ ١ / ٣٣٣ ]
عليه ثلاثًا، فإذا كان كذلك لم يتجه إلا إلى الإيقاع للثلاث.
وأما إذا رفع ثلاثًا أمكن أن يكون المراد: الطلاق عزيمة ثلاث، أي: جنس الطلاق ذو عزيمة ثلاث، وأمكن أن يكون طلاقي ذو عزيمة ثلاث، فإذا أمكن أن يكون المراد به طلاقه خاصة، وأمكن أن يكون غير طلاقه، ولكن جنس الطلاق، ولم يوقع به شيئًا يتيقن ذلك بإقرار من المطلق أنه أراد ذلك، فأما إذا لم يقترن إلى هذا اللفظ الذي يحتمل الطلاق الخاص والطلاق العام شيء يدل به أنه يريد به طلاقك خاصة، لم يوقعه، والأشبه في قولهم واحدة واثنتان وثلاث في الطلاق، وإيصالهم إياه بهن أن يكون مرارًا، فينتصب على أنه ظرف من الزمان، يقوي ذلك قوله تعالى: (الطلاق مرتان) [البقرة/٢٢٩] والمعنى: الطلاق في مرتني، إلا انه اتسع فيه فأقيم مقام الخبر، كما أقيم ظرف الزمان مقام الفاعل في قولهم: سير عليه طوران، وسير عليه مرتان وشهران، فكذلك قوله: مرتان، وإذا كان كذلك، كان قولهم: أنت طالق واحدة، كأنك قلت: أنت طالق مرة، وأنت طالق ثنتين، أي: مرتين، وكذلك ثلاثًا، فيكون ذلك ظرفًا من الزمان.
ويجوز فيمن نصب ثلاثًا في البيت أن لا يجعله على عزيمة، ولكن يحمله على فعل مضمر، كأنه لما لم يجز أن يحمله على طلاق الأول، ولا على طلاق الثاني، وكان المعنى والمراد أن يكون الثلاث محمولًا على الطلاق، أضمر طلقت، ودل عليه ما تقدم من ذكر الطلاق، فكأنه قال: طلقتك ثلاثًا. فأما حمل الثلاث على التفسير في قولهم: أنت طالق ثلاثًا، فليس ذلك من مواضع التفسير، ألا ترى أن التفسير جميع ما كان منتصبًا منه، فقد نص النحويون على جواز إدخال «من» فيه، وأن منه ما يرده إلى الجميع، ومنه ما يقره على الواحد، كقولهم: عشرون من الدراهم، ولله دره من رجل، ولا يجوز ذلك في هذا، ألا ترى أنه لا يستقيم: أنت طالق من واحد، ولا من العدد، ولا ما أشبه ذلك، فإذا كان كذلك لم
[ ١ / ٣٣٤ ]
يكن تفسيرًا. وأيضًا فإن التفسير لا يجوز أن يكون معرفًا، والتعريف في هذا غير ممتنع، تقول: أنت طالق الثلاث، وأنت طالق الثنتين، أو التطليقتين.
فإذا كان كذلك كان ظرفًا، والظرف يكون تارة معرفة وتارة نكرة. وقد تقول: أنت طالق من ثلاث ما شئت، فيكون ما شئت معرفة، كأنك قلت: الذي شئته، فيكون معرفة، ولو كان تفسيرًا لم تقع المعرفة في هذا الموضع، ولا يجوز أن ينتصب على أنه حال، لأنه لو كان حالًا لم يجز أن يقع خبرًا للابتداء في قوله: (الطلاق مرتان) [البقرة/٢٢٩] كما لا يكون الحال خبرًا للمبتدأ، ولو قلت: قمت خلفك، فنصبت خلفك على تقدير الحال، أي: قمت ثابتًا فيه، لم يجز الإخبار عنه، لأن الحال لا يكون خبر مبتدأ، فإن قلت: يكون قوله: والطلاق عزيمة، اعتراضًا بين الصلة والموصول، وتحمل ثلاثًا على الطلاق الأول، قيل: لا يجوز أن تحمله على الاعتراض، كما أن قوله: (وأقرضوا الله قرضًا حسنًا) [الحديد/١٨] في قولنا اعتراض، ألا ترى أن ذلك اعتراض بين الخبر والمخبر عنه، وكذلك قوله: (قل إن الهدى هدى الله) [آل عمران/٧٣] اعتراض بين المفعول الذي هو: (أن يؤتى أحد) ولا يعترض بين الطلاق وثلاث، لأنه لا مثل له يشبه به. هذا كله كلام أبي علي، وقد حذفنا منه ما يستغني عنه.
وفي منعه الاعتراض رد على من قال به كالمحقق الرضي وغيره، حيث جعلوا الجملة معترضة، فإن الرضي روى البيت: «فأنت طلاق والطلاق ألية ثلاثًا ..» الخ وقال: الواو اعتراضية، وقد وقع في أكثر نسخ شرح الرضي المصراع الأول فقط اعتمادًا على شهرة الشعر، وقد نقل التفتازاني كلامه في بحث الجملة الحالية من «المطول» وقال الفناري في «حاشيته» قوله:
فأنت طلاق والطلاق ألية
آخره:
بها المرء ينجو من شباك الطوامث
[ ١ / ٣٣٥ ]
والشباك: الحبائل، والطوامث: الحيض، من طمثت المرأة: حاضت. وفي وقوع هذه الجملة متوسطة بين أجزاء كلام واحد، كما هو الظاهر من كلامه، نوع خفاء، إذ الظاهر أن قوله: بها المرء ينجو .. الخ، كلام مستقل. وقيل: آخر المصراع المذكور:
ثلاثًا ومن يخرق أعق وأظلم
لكن الرواية في هذا البيت «عزيمة» مكان «ألية» ولعل فيه رواية أخرى لم أطلع عليها. انتهى.
وقال بعضهم: هذا الاعتراض على مذهب الزمخشري فإن الاعتراض عنده: ما يساق لكتة سوى دفع الإبهام، ويكون لا محل لهاز
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والسبعون:
(٧٣) بدأت ببسم الله في النظم أولا
على أن أبا شامة قال: «أل» في النظم خلف عن ياء المتكلم، وهذه عبارته: واللام في النظم للعهد المعلوم من جهة القرينةو وهي قائمة مقام الإضافة، أي: في نظمي، نزله منزلة المعروف المشهور تفاؤلًا له بذلك، أو أراد: في هذا النظم، نزله منزلة الموجود الحاضر، فأشار إليه. انتهى.
قال السمين في شرحهك أما كون «أل» يقوم مقام الإضافة، فعبارة غريبة، وإنما مسألة الخلاف: هل يقوم مقام الضمير أم لا؟ فمذهب الكوفيين: نعم، نحو: (جنات عدنٍ مفتحة لهم الأبواب) [ص/٥٠] أي: أبوابها، وقوله تعالى: (فإن الجنة هي المأوى) [النازعات/٤٠] أي: مأواه و: (في أدنى الأرض) [الروم/١] أي: أرضهم. والبصريون يمنعون ذلك، وفيه بحث طويل، ويحتمل أن تكون
[ ١ / ٣٣٦ ]
للجنس، وليس المعنى: بدأت في كل نظم، وإنما المراد: في هذا النظم. انتهى.
والمصراع الثاني:
تبارك رحمانًا رحيمصا وموئلا
والبيت أول قصيدة الإمام الشاطبي في القراءات السبع. وقوله: ببسم الله، الباء الأولى للتعدية، متعلقة ببدأت. والثانية هي الداخلة في البسملة، فهي مع مجرورها في محل جر، وإنما أتى باللفظ محكيًا، كأنه قال: بدأت بهذا اللفظ المشتمل على بسم الله، ولولا ذلك لما ساغ دخول حرف الجر على مثله، إذ لا يجوز ذلك إلا في مثل هذا، أو يكون قد أعيد الحرف توكيدًا، وهو شاذ أو ضرورة.
وأول: صفة مصدر، أو ظرف بدأت، والتقدير: بدأت بسم الله في نظمي نظمًا أول لم يسبق إلى أسلوبه، أو أول نظمي. وتبارك: تفاعل من البركة، والبركة: كثرة الخير وزيادته، ومعنى تبارك الله: تزايد خيره وإحسانه على خلقه. وتبارك: فعل لا ينصرف، بل يلزم المضي، ولا يسند لغير الله تعالى، وجيء به على بناء المفاعلة، نحو: تعالى، مبالغة في ذلك، وقيل: معنى تبارك: ثبت ودام، ومنه مبرك البعير، قاله السمين. ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على نصب رحمان ورحيم في الباب الرابع، فإن المصنف أنشد المصراع الثاني هناك. والموثل: مفعل، من وأل إليه إذا رجع ولجأ، فمعنى قوله موئلًا: مرجوعًا إليه، وملتجأ إليه. أو من «وأل من»: إذا نجا وخلص. والله تعالى ملتجأ العباد، ومنجى لهم، وفي الحديث: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك»
[ ١ / ٣٣٧ ]
وهذا اللفظ، وإن لم يرد إطلاقه على الله تعالى في كتاب ولا سنة، فإن معناه ثابت له تعالى، نحو: (إليه المصير)، (إليه مرجعكم)، وأتى بلفظ: الرحمن الرحيم، من غير عاطف، قصدًا لإرادة البسملة، ولما كان موئلًا إنما أتي به تنميمًا للبيت، عطفه عليها، وهذا زاد دخول الواو حسنًا، كذا في «شرح السمين».
قال الجعبري في ديباجة شرحه في ترجمة الشاطبي: هو ولي الله، أبو القاسم ابن فيرة بن خلف بن أحمد، الرعيني، الشاطبي، نسبة إلى شاطبة، قرية بجزيرة الأندلس، كان رحمه الله تعالى إمامًا في علوم القرآن، متقنًا لأصول العربية، رجلة في الحديث، يضبط نسخ الصحيحين من لفظه، غاية في الذكاء، حاذقًا في تعبير الرؤبا، مجيدًا في النظم، متواضعًا لله، قدوة في الصلاح ذا بصيرة صافية تاوح من الكرامات، وكان محفوظ اللسان، يمنع جلساءه من فضول الكلام، لا يجلس للإفراء إلا متطهرًا خاشعًا، له تصانيف حسنة. ولد آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بمصر بعد عصر الأحد آخر جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، ودفن يوم الاثنين بمقبرة البيساني، عرفت الناحية بسارية. انتهى ملخصًا. وأبو شامة: هو عبد الرحمن بن إسماعيل، شهاب الدين الدمشقي الشافعي، المشهور بأبي شامة، لشامة كبيرة كانت من حاجبه الأيسر، ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة بدمشق، وقرأ القراءات على علم الدين السخاوي، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية، وتوفي سنة خمس وستين وستمائة، وله شرح جيد على الشاطبية.
وأنشد في «أما» بالتخفيف، وهو الانشاد الرابع والسبعون:
(٧٤) أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر
[ ١ / ٣٣٨ ]
هو من قصيدة لأبي صخر الهذلي، أورد بعضها أبو تمام في باب النسيب من «الحماسة» وكذلك الأصبهاني أورد بعضها في «الأغاني» ورواها تمامًا أبو علي القالي في «أماليه» عن ابن الأنباري وابن دريد، وهي:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها وأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنهما ملآن لم يتغيرا وقد مر للدارين من عهدنا عصر
وقفت بربعيها فعي جوابها فقلت وعيني دمعها سرب همر
ألا أيها الركب المخبون هل لكم بساكن أجراع الحمى بعدنا خبر
فقالوا طوينا ذاك ليلًا، وإن يكن به بعض من تهوى فما شعر السفر
أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها بتاتًا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت لا عرف لدي ولا نكر
وأنسى الذي قد كنت فيها هجرتها كما قد تنسي لب شاربها الخمر
وما تركت لي من شذى أهتدي به ولا ضلع إلا وفي عظمها كسر
وقد تركتني أغبط الوحش أنأرى قرينين منها لم يفزعهما الذعر
ويمنعني من بعض إنكار ظلمها إذا ظلمت يوما وإن كان لي عذر
مخافة أني قد علمت لئن بدا لي الهجر منها ما على هجر ها صبر
[ ١ / ٣٣٩ ]
وأني لا أدري إذا النفس أشرفت على هجرها وما يبلغن بي الهجر
أبى القلب إلاحبها عامرية لها كنية عمرو وليس لها عمرو
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها وينبت في أطرافها الورق الخضر
وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وبقي بعد هذا أكثر مما كتباه.
وذات الجيش: بقتح الجيم وسكون الثمناة التحتية بعدها شين معجمة، قال أبو عبيد البكري: ذات الجيش: ذكر العتبي أن ذات الجيش من المدينة على بريد، روى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: قلت لسالم بن عبد الله: ما أشد ما رأيت ابن عمر أخر المغرب في السفر؟ قال: غربت له الشمس بذات الجيش، فصلاها بالعقيق. قال يحيى بن يحيى: بين ذات الجيش والعقيق ميلان. وفي «تفسير ابن المواز» عن ابن وهب أن بينهما خمسة أميال، وقال عيسى عن ابن القاسم: بينهما عشرة أميال، وذكر مطرف أن العقيق من المدينة على ثلاثة أميال، وإذا نظرت هذا ونظرت قول العتبي، صح قول ابن القاسم. قال مطرف: وبين سرف ومكة سبعة أميال. وبخط عبد الله بن إبراهيم في عرض
[ ١ / ٣٤٠ ]
كتابه: بين ذات الجيش والعقيق سبعة أميال. قال ابن عمر: قد بلغني أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غربت له الشمس بسرف، وصلى المغرب بمكة وبينهما سبعة أميال. انتهى.
وذات البين: بفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية بعدها نون، قال ياقوت: هو واد قرب المدينة المنورة. وقوله: كأنها ملآن، واصله: من الآن.
وقوله: أما والذي أبكى .. الخ استشهد به صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: (ألا إنهم هم المفسدون) من سورة البقرة [الآية/١٢]، على أن «أما» أخت «ألا» وهي من مقدمات القسم وطلائعه، وكذا أورده في «المفصل» قال ابن يعيش في «شرحه»: إدخاله «أما» على حرف القسم، كأنه ينبه المخاطب على سماع قسمه، وتحقق المقسم عليه. وقال ابن جني في «إعراب الحماسة» المحلوف به سبحانه واحد، وإما أراد عطف بعض الصلة على بعض، فلامتزاج الموصول بصلته أعاده معها، وإن كان غرضه إياها نفسها، فكأنه قال: أما والذي أبكى وأضحك، وأمات وأحيا. انتهى. وقال المرزوقي: تكريره «الذي» ليس لتكثير الأقسام، لأن اليمين يمين واحدة، بدليل أن لها جوابًا واحدًا، ولو كانت أيمانًا مختلفة لوجب أن يكون لها أجوبة مختلفة، وفائدة التكرير التفخيم والتهويل. انتهى. يريد أن الواو للعطف لا للقسم. وقوله:
[ ١ / ٣٤١ ]
أمره الأمر، أراد أمره الأمر الذي لا مراد له. وقوله: لقد كنت آتيها .. الخ، هذا جواب القسم، وآتيها فعل مضارع. وقوله: وفي النفس هجرها، في متعلق بمحذوف خبر مقدم، وهجرها: مبتدأ مؤخر، والتقدير: وهجرها مضمر في نفسي، والجملة: حال من فاعل آتيها ضمير المتكلم. وبتاتًا: مصدر مؤكد للهجر، أي: قطعًا لا وصل معه، وقوله: لأخرى الدهر، أي: إلى آخر الدهر، وقوله: ما طلع الفجر، ما: مصدرية دوامية، أي: مدة دوام طلوع الفجر، وهذا تأبيد إلى يوم القيامة، أو تأبيد إلى آخر حياته، والتقدير: ما طلع الفجر وأنا في الحياة. ووقع جواب القسم في رواية أبي تمام:
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى أليفين منها لا يروعهما الذعر
تركتني: بمعنى صيرتني، يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، والياء المفعول لأول. وجملة أحسد الوحوش: في موضع المفعول الثاني. وقال شراح «الحماسة»: تركتني: خلتني، يتعدى لواحد. وجملة «أحد»: حال من الياء، وأن أرى: في تأويل مصدر مجرور بالباء أو اللام، ولا يجوز تقدير «على» خلافًا للدماميني. وقال شراح «الحماسة» المرزوقي والتبريزي والطبرسي: أن أرى: بدل من الوحش، وفيه نظر، لاقتضائه أن يحسد رؤية أليفين، وليس الحسد رؤيتهما، وإنما يحسد المرئي. وأليفين: مفعول أرى البصرية، ومنها: صفة لأليفين، وكذلك جملة: لا يروعهما الذعر، ويروع بالتخفيف من الروع، يقال: راعني الشيء يروعني روعًا، أي: أفزعني، والذعر بضم الذال وسكون العين، في «المصباح»: ذعرته ذعرًا، من باب نفع: أفزعته. والذعر بالضم: اسم منه. قال المرزوقي: معناه: إني إذا تأملت الوحوش وهي تأتلف في مراعيها ومنصرفاتها اثنين اثنين، لا يفزعهما رقيب، ولا يدخل بنيهما تنفير، حسلتها وتمنيت
[ ١ / ٣٤٢ ]
أن تكون حالتي مع صاحبني كحالها في ألافها. انتهى.
وقوله: فما هو إلا أن أراها فجاءة .. الخ. جاء في شعر عروة بن حزام العذري، وفي شعر كثيرة عزة البيت هكذا:
وما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وهذا من شواهد سيبويه، قال في «الكتاب»: وسألت الخليل، رحمه الله تعالى عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها .. البيت، فقال: أنت في «أبهت» بالخيار، إن شئت حملتها على أن، وإن شئت لم تحملها عليه فرفعت، كأنك قلت: ما هو إلا الرأي فأبهت. انتهى.
يريد: إن روي بنصب أبهت، فالفاء عاطفة أبهت على أراها، وهو عطف مفرد على مفرد، وهما في تأويل المصدر، والتقدير: إلا الرأي فالبهت. وإن روي بالرفع، فالفاء استئنافية، وجملة أبهت خبر مبتدأ محذوف، أي: فأنا أبهت، بفتح الهمزة وضم الهاء وفتحها، لأنه جاء من بابي قرب وتعب، بمعنى أدهش وأنحير، وهو لازم. وأما أبهت بالبناء للمفعول، فغير مراد هنا، يقال: بهته يبهته من باب نفع، أي: قذفه بالباطل والاسم البهتان، فهو متعد. وقوله: وما هو إلا، هذا الضمير يفسره ما بعده كقوله تعالى: (إن هي إلا حياتنا الدنيا) [الأنعام/٢٩، والمؤمنون /٣٧] قال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه، وأصله: إن الحياة (إلا حياتنا لدنيا) ثم وضع (هي) موضع الحياة، لأن الخبر يدل عليها وبينها. انتهى. وأراها بفتح الهمزة من
[ ١ / ٣٤٣ ]
رؤية العين، تتعدى إلى مفعول واحد، وهو ضمير الحبيبة. والفجاءة: البغتة، مفعول مطلق، أي: رؤبة فجاءة، وحتى ابتدائية، ومعناها الغاية. ومفعول أجيب محذوف، أي: ما أاد أجيبها إن كلمتني. وقوله: لا عرف لدي ولا نكر، العرف بالضم: كل ما تعرفه النفس من الخير، وتطمئن إليه. والنكر بالضم خلافه، وقوله: وما تركت لي من شذى، بفتح الشين والذال المعجمتين: بقية القوة.
وقوله: إذا قلت هذا حين أسلو .. البيت. يأتي إن شاء الله تعالى شرحه في الباب الرابع.
وقوله: وإني لتعروني لذكراك .. البيت. استشهد به المصنف في «شرح الألفية» على أن المفعول له يجر باللام إذا فقد بعض شروطه، فإن قوله: لذكراك، مفعول له جر باللام لأن فاعله غير فاعل الفعل المعلل، وهو قوله: لتعروني، فإن فاعله هزة، وفاعل ذكراك المتكلم، فإنه مصدر مضاف لمفعوله، وفاعله محذوف، أي: لذكري إياك.
واستشهد به الرضي على أن الأخفش والكوفيين استدلوا به على أنه لم تجب قد مع الماضي المثبت الواقع حالًا، فإن جملة «بلله القطر» حال من العصفور. وتعروني: مضارع عراه الشيء، أي: أصابه، والهزة بفتح الهاء: الحركة. وأراد بها الرعدة، قال ابن جابر الأندلسي في شرح «بديعة العميان» في
[ ١ / ٣٤٤ ]
البيت من البديع: الاحتباك، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ويحذف من الثاني ما أثبت نظيره في الأول، فإن التقدير فيه: وإني لتعروني لذكراك فترة وانتفاضة، كفترة العصفور وانتفاضته. فحذف من الأول الانتفاض، لدلالة الثاني عليه، وحذف من الثاني الفترة، لدلالة الأول عليه. انتهى. وقد شرحنا هذا البيت بأكثر مما هنا في الشاهد الخامس بعد المائتين، وبسطنا ترجمة أبي صخر الهذلي.
وقوله:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها .. البيت
قال المرزوقي: يجوز أن يريد به سرعة تقضي أوقات الوصال بينهما، وأنه لما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون والبطء، وهذا على عادتهم في استقصار أيام السرور واللهو، واستطالة أيام الفراق والهجر، ويجوز أن يريد بسعي الدهر سعاية أهله، وإيقادهم نار الشر بينهما بالنمائم والوشايات، وأنه لما فترت أشواقهم بالتهاجر الواقع بينهما، وحصل مرادهم فيما طلبوه من الفساد بينهما، سكنوا. وكما أراد بسعي الدهر سعي أهله كذلك، أراد بسكون الدهر سكون أهله. انتهى. ولا يخفى أن المتبادر من السياق إلى الفهم إنما هو المعنى الثاني.
وأبو صخر: اسمه عبد الله بن سالم السهمي الهذلي، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، كان متعصبًا لبني مروان ومواليًا لهم، وله في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز مدائح كثيرة.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس والسبعون:
(٧٥) أحقًا أن جيرتنا استقلوا
تمامه:
فنيتنا ونيتهم فريق
على أن «حقًا» منصوب عند سيبويه على الظرف. وهذا نصه: قال في «باب من أبواب أن تكون أن فيه مبنية على ما قبلها» وذلك قولك: أحقًا أنك ذاهب؟ وكذلك أكثر ظنك أنك ذاهب وأجهد رأيك أنك ذاهب، وكذلك هما في الخبر. وسألت الخليل فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقًا إنك ذاهب، على القلب، كأنك قلت: إنك ذاهب حقًا؟ فقال: لأن إن لا تبدأ في كل موضع، ولو جاز هذا، لجاز: يوم الجمعة إنك ذاهب، يريد: إنك ذاهب يوم الجمعة، ولقلت أيضًا: لا محالة إنك ذاهب، تريد: إنك لا محالة ذاهب، وصارت أن مبنية عليها، كما صار الرحيل مبنيًا على غد إذا قلت: غدًا الرحيل، والدليل على ذلك إنشاد العرب [هذا البيت] كما أخبرتك. زعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر:
أحقًا بني أبناء سلمى بن جندل تهددكم إياي وسط المجالس
فزعم الخليل أن التهدد هنا بمنزلة الرحيل بعد غد، وأن «أن» بمنزلته، وموضعه ولموضعه ونظير: أحقًا أنك ذاهب من أشعار العرب قول العبدي:
أحقًا أن جيرتنا استقلوا فنيتنا ونيتهم فريق
وقال عمر ابن أبي ربيعة:
[ ١ / ٣٤٦ ]
أألحق أن دار الرباب تباعدت أو انبت حبل أن قلبك طائر
وقال النابغة الجعدي:
ألا أبلغ بني خلف رسولًا أحقًا أن أخطلكم هجاني
وكل هذه البيوت سمعناها من أهل الثقة هكذا، والرفع في جميع هذا جيد قوي، وذلك أنك إن شئت قلت: أحق أنك ذاهب، وأكبر ظني أنك منطلق، تجعل الآخر هو الأول. انتهى كلام سيبويه. قال السيرافي: إذا قلت: أحقًا أنك ذاهب، ففيه الرفع والنصب: فالرفع على الابتداء والخبر، فإذا قلت: أحق أنك ذاهب، فتقديره: أحق ذهابك، وأكبرظني ذهابك، وجهد رأبي ذهابك. والنصب على تقدير هذه الأشياء ظروفًا. ورفع أنك بالابتداء، وذلك أنك إذا قدمت هذه الأشياء ونصبتها فلا وجه لنصبها غير الرظف، ورفع أن، ويكون التقدير فيها: أفي زمن حق أنك ذاهب، ثم حذف زمن، كما قيل: سير عليه مقدم الحاج، يريد: زمن مقدم الحاج، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد تبين من كلام العرب أنها في مذهب الظرف بدخول في عليها، قال أبو زبيد:
أفي حق مواتاتي أخاكم بما لي ثم يظلمني الشر يس
وتبين أن أن في موضع رفع بقوله:
أحقًا بني أبناء سلمى بن جندل تهددكم إياي وسط المجالس
فرفع تهددكم. انتهى كلامه. قال الأعلم: ومعنى استقلوا: نهضوا مرتفعين مرتحلين. والنية: الجهة التي ينوونها، يصف افتراقهم عند انقضاء المرتبع،
[ ١ / ٣٤٧ ]
ورجوعهم إلى محاضرهم. والفريق يقع للواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، ونظيره صديق وعد. انتهى. والجيرة: جمع جار. وقال السيرافي: لم يثن الفزيق، لأنه قد يستعمل على لفظ في الواحد والاثنين والجمع، كصديق وقعيد وروى غير سيبويه:
ألم تر أن جيرتنا استقلوا
وعليه لا شاهد فيه. وقال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم بعدما نقل كلام الأعلم: إنما فريق هنا بمعنى متفرقة. انتهى. وبعد هذا البيت:
فدمعي لؤلؤ سلس عراه يخر على المهاوي ما يليق
على الربلات إذ شحت سليمى وأن بذكرها طرب مشوق
فودعها وإن كانت أناة مبتلة لها خلق أنيق
وسلس بفتح فكسر: سهل لين. والعرى بالضم: جمع عروة. والمهاوي: جمع مهواة، وهو المسقط. وقال المصنف: عراه حروفه، والمهاوي: جمع مهواة، ما بعد العين إلى الصدر. انتهى. ويرده قوله: إلى الربلات. ويليق من لاق الشيء بغيره، إذا لزق به يريد أن دموعه جاريةت لا تقف ولا تنقطع. والربلات: جمع ربلة، بفتح الموحدة وسكونها، وهي كل لحمة غليظة، أو هي باطن الفخذ، أو ما حول الضرع، والحياء. والأناة: بفتح الهمزة، وهي من النساء التي فيها فتور عند القيام وتأن، وهو مدح فيها، قال في «القاموس»: والمبتلة – كمعظمة – الجميلة، كأنها بتل حسنها على أعضائها، أي: قطع، والتي لم يركب بعض لحمها بعضًا، وفي أعضائها استرسال، ولا يوصف به الرجل.
وهذه الأبيات من قصيدة، قال صاحب «مختار أشعار الجاهلية والمخضرمين»:
[ ١ / ٣٤٨ ]
ذكرت العرب أن منصفات أشعار العرب ثلاثة أشعار، فأولها: قصيدة عامر بن معشر بن أسحم بن عدي بن شيبان بن سواد بن عذرة بن منبه بن لكيز بن أفصى ابن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بنأسد بن ربيعة بن نزار وهي:
ألم تر أن جيرتنا استقلوا فنيتنا ونيتهم فريق
فداء خالتي لبني لكيزٍ خصوصًا يوم كس القوم روق
تلاقينا بسبسب ذي طريقٍ وبعضهم على بعضٍ حنيق
كأن النبل بينهم جراد تصفقه شآمية خريق
كأن هزيزنا لما التقينا هزير أباءة فيها حريق
بكل قرارةٍ منا ومنهم بنان فتى وجمجمة فليق
فكم من سيد فينا وفيهم بذي الطرفاء منطقه شهيق
فأشعبنا السباع وأشبعوها فراحت كلها تئق يفوق
وأبكينا نساءهم وأبكوا نساء ما يجف لهن موق
يجاوبن النباح بكل فجر فقد بحت من النوح الحلوق
تركنا الأبيض الوضاح منهم كأن سواد قلته العذوق
تعاوره رماح بني لكيز فخر كأنه سيف ذليق
وقد قتلوا به منا غلامًا كريمًا لم تأشبه العروق
وأفلتنا ابن قران جريحًا تمر به مساعفة مروق
[ ١ / ٣٤٩ ]
فلما استيقنوا بالصبر منا تذكرت الأياصر والحقوق
فأبقينا ولو شئنا تركنا لجيمًا لا تقود ولا تسوق
وروى صاحب «الحماسة البصرية» أيضًا هذه القصيدة، إلا أنه أسقط البيت الثاني، وزاد بعد قوله:
تلاقينا بسب ذي طريف .. البيت، بيتًا، وهو:
فجاؤوا عارضًا بردًا وجئنا كمثل السيل أن به الطريق
وقوله: «يوم كس القوم روق» كس بالضم: جمع أكس، وصف من الكسس - بفتحتين - وهو قصر الأسنان، والروق: جمع أرواق، وصف من الروق - بفتحتين - وهو قصر الأسنان، والروق: جمع أروق، وصف من الروق - بفتحتين - وهو أن تطول الثنايا العليا السلفى، يريد أنهم لما يقتلون فتنكلح شفاهم، فتظهر الأسنان القصيرة كالطويلة. قال الطوسي في شرح «ديوان لبيد» عند قوله:
تكلح الأروق منهم والأيل
الأروق: الطويل الأسنان، والأيل: اللازق الأسنان باللثة، يقول: تقصر شفاههم مما يلقون، فتظهر أسنان الأروق والأيل، وإنما يفعلون ذلك إذا كلحوا، فبدت أسنانهم، وأنشد للمفضل العبدي:
[ ١ / ٣٥٠ ]
فداء خالتي لبني لسكيز خصوصا يوم كس القوم روق
انتهى. قال صاحب «مختار الأشعار الجاهلية»: قوله: «يوم كس القوم روق» مثله قول عنترة:
ولقد حفظت وصاة عمي في الضحى إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وقال آخر:
وتقلصت شفتاه عند نزالهم فكأنه يوم الوغى متبسم
ولمقاس العائذي:
لما رآني في مجال ضنك والخيل تردى بالأسود المعك
أبدى الثنايا آيسًا من تركي كأنه يضحك وهو يبكي
وللربع بن زياد العبسي:
عطفنا وراءك أفراسنا وقد أسلم الشفتان الفما
ومثله للعجاج:
ونحن أهل البأس والتقدم إذا السيوف أخرجت أقصى الفم
[ ١ / ٣٥١ ]
انتهى. وقوله: تلاقينا بسبب ذي طريف، السبب: المفازة. وقيل: الأرض المستوية. قال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: طريف بضم أوله: موضع، قال الشاعر:
تلاقينا بغينة ذي طريفٍ وبعضهم على بعض حنيق
والغنية: الأجمة. انتهى. والخنيق: من الحنق – بفتحتين – وهو الغيظ.
وقوله: فجاؤوا عارضًا بردًا، العارض: السحاب، والبرد بفتحتين: شيء ينزل من السحاب يشبه الحصا، ويسمى: حب الغمام وحب المزن. وأنك من الأنين، شبه صوت جري السيل بأنين المريض من شدة الوجع. وقوله: كأن النيل .. الخ، شبه السهام بالجراد في الكثرة، ومرورها في الهواء. وتصفقه: تميله من ناحية إلى ناحية، وأصل التصفيق: تحويل الشراب من إناء إلى إناء، وشامية، أي: ريح شآمية، وهي التي تهب من ناحية الشام. والخريق بالخاء المعجمة: الريح الباردة الشديدة الهبوب.
وقوله: كأن هزيزنا .. الخ، الهزيز بزائين معجمتين: الصوت، ودوي الريح. والأباءة كعباءة: القصب. وقوله: بكل قرارة .. الخ، القرارة بفتح القاف: المطئن من الأرض. والبنان: رؤوس الأصابعز والجمجمة: عظم الرأس. والفليق: المفلوقة. وقوله: بذي الطرفاء: موضع، وقد راجعت كتب الأماكن واللغة فلم أجده في شيء منها. والمنطق: النطق، وشهيق: مدصر شهق الرجل، من باب نفع وضرب: ردد نفسه مع سماع صوته من حلقه.
وقوله: فراحت كلها تثق يفوق، بفتح المثناة الفوقية وكسر الاهمزة: اللآن،
[ ١ / ٣٥٢ ]
من تثق السقاء، إذا امتلأ. ويفوق: يموت من التخمة، قال الأزهري في «التهذيب»: أبو عبيد عن الكسائي: هو يفوق بنفسه فؤوقًا، وهو يسوق نفسه. ثعلب عن ابن الأعرابي: الفوق نفس الموت. انتهى. والموق: طرف العين من ناحية الأنف.
وقوله: تركنا الأبيض الوضاح .. الخ. الأبيض: السيد، والوضاح: المعروف. والقلة بضم القاف: أعلى الرأس، وأراد بسوادها: شعر الرأس. والعذوق: جمع عذق – بالكسر – وهو قنو النخلة، والعنقود من العنب، وقيل: إذا أكل ما عليه، كذا في «القاموس». وروي «لمسته» بدل: قلته – بكسر اللام – وهو الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن. وتعاوره: تناوبه بالطعن، وذليق: محدد الطرف. وقوله: لم تأسبه العروق: مضارع أشبته تأشيبًا، أي: خالطته، يقال: هو مؤتشب، أي: غير صريح في نسبه.
وقوله: وأفلتنا ابن قران .. الخ. هذا البيت ليس من رواية «الحماسة البصرية» وأفلتنا، أي: هرب منا ونجا. في «القاموس»: وأفلتني الشيء، وتفلت مني: انفلت. ومساعفة، أي: فرس مساعفة، من ساعفه، أي: ساعده. ومروق بفتح الميم: وصف من مرق السهم، إذا خرج ونفذ. وقوله: تذكرت الأياصر والحقوق، بالبناء للمجهول. والأواصر: جمع آصرة كفاعلة، وهي الرحم والقرابة. وقوله: فأبقينا ولو شئنا .. الخ، من أبقى عليه، إذا رحمه وأشفق عليه.
ولجيم: بضم اللام وفتح الجيم، هو أبو قبيلة بني حنيفة، وهو لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وأراد به هنا القبيلة، لكنه نونه للضرورة. وقد ذكرنا نسب الشاعر عن صاحب «مختار الأشعار الجاهلية» وقال صاحب «الحماسة البصرية»: هو عامر بن أسحم بن عدي البكري، جاهلي، وقيل: شيباني. انتهى.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وقال محمد بن سلام الجمحي: اسمه المفضل بن معشر البكري، وسمي مفضلًا لهذه القصيدة، فإنه فضل بها على غيره. انتهى. وقال العسكري في كتاب «التصحيف»: وفي الشعراء ثلاثة يسمون المفضل وليسوا من المفضل ابن محمد الضبي في شيء، منهم المفضل بن عامر، وقيل: المفضل بن معشر العبدي من عبد القيس، صاحب القصيدة المنصفة التي أولها:
أحقا أن جيرتنا استقلوا .. البيت
وفي طي المفضل الشاعر، وهو المفضل بن قيس بن الغوب من طيء، وهو أول من قال الشعر بعد طيء، ومن شعره:
أعيا الذي بي علم كل طبيب
انتهى. ولم يورد الآمدي هذا في كتابه «المؤتلف والمختلف» مع أنه من شرطه، ثم إن كلام محمد بن سلام يدل على أنه إنما سمي المفضل بعد قوله هذه القصيدة.
ولا يخفى أن نسبه الذي رفعه صاحب «المختار» بعضه يحتاج إلى ضبط، فنقول: لكيز: بضم اللام، وآخره زاء معجمة، وأفصى: بفتح الألف وسكون الفاء، وآخره ألف تكتب ياء. ودعمي: بضم الدال، وسكون العين المهملة، وكسر الميم، وتشديد الياء في آخره. وجديلة: بفتح الجيم. ونزار: هو ابن معد ابن عدنان، وعبد القيس إذا نسب إليه، فتارة يقال في النسبة: عبدي، وتارة يقال: عبقسي.
تتمة: قال صاحب «مختار أشعار الجاهلية، والمخضرمين»: المنصفة الثانية
[ ١ / ٣٥٤ ]
لعبد الله بن عبد العزيز الجهني:
ألا حييت عنا يا ردينا نحييها وإن كرمت علينا
ورسوا فارسًا منهم عشاء فلم نغدر بفارسهم لدينا
فجاؤوا عارضًا بردًا وجئنا كمثل السيل يركب دار عينا
فلما أن تواقفنا قليلا أنخنا للكلاكل وارتمينا
ولما لم ندع سهمًا ورمحًا مشينا نحوهم ومشوا إلينا
فمن يرنا يقل سيل غريف نكر عليهم وهم علينا
شددنا شدة فقتلت منهم ثلاثة فتية وأسرت قينا
وشدوا شدة أخرى فجروا بأرجل مثلهم ورموا سنينا
وكان أخي سنين ذا حفاظ وكان القتل للفتيان زينا
فأبوا بالرماح مكسرات وأبنا بالسيوف قد انحنينا
وباتوا بالصعيد لها أحاح ولو خفت لنا الكالمى سرينا
والمنصفة الثالثة أولها:
لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا وأقفر منها رحاحان فراكسا
[ ١ / ٣٥٥ ]
انتهى. وفي هذه الثالثة بيت أورده المصنف في الباب الخامس وهو:
أكر وأحمى للحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف القوانسا
وهناك نورد القصيدة إن شاء الله تعالى، ونشرحها بتوفيق الله تعالى.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس والسبعون:
(٧٦) أفي الحق أني مغرم بك هائم
تمامه:
وأنك لاخل هواك ولا خمر
وقبهل:
هل الوجد إلا إن قلبة لو دنا من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
وبعده:
فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا وإن كنت مسحورًا فلا برأ السحر
هكذا أورد هذه النتفة أبو تمام والأعلم الشنتمري في «حماستيهما»، وقوله: هل الوجد، أي: ما الوجد، في «نهاية ابن الأثير»: وجدت بفلانة وجدًا، إذا أحببتها حبًا شديدًا، ودنا: من الدنو، والقيد بكسر القاف: المقدار من المسافة، يقال: بينهما قيد رمح أي: قدر رمح، يقول: ليس الوجد إلا هذا الذي بي، وهو
[ ١ / ٣٥٦ ]
أن قلبي لو قرب من الجمر حتى لا يكون بينهما مقدار رمح، لغلب ناره نار الجمر، فكان الجمر يحترق.
وقوله: أفي الحق: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ومغرم: من أغرم بالشيء، بالبناء للمفعول، أي: أولع به، والاسم: الغرام، وفي «القاموس»: الغرام: الولوع، والشر الدائم، والهلاك والعذاب، والمغرم أسير الحب، والدين، والمولع بالشيء. والهائم: من هام يهيم، إذا خرج على وجهه لا يدري أين يتوجه. والكاف في المواضع مكسورة، خطاب مع مؤنث. والهوى: الميل والمحبة.
قال شراح «الحماسة»: يقال: ما هو بخل ولا خمر، أي: ليس بشيء يخلص ويتبين. يقول: لا يدخل في الحق ووجوهه أن يكون حبي لك غرامًا، وحبك لا يرجع إلى معلوم. وفي «مجمع الأمثال» للميداني: «ما أنت بخل ولا خمر» قال أبو عمرو: بعض يجعل الخمر للذتها خيرًا، والخل لحموضته شرًا، وأنه لا يقدر على شربه. وبعضهم يجعل الخمر شرًا، والخل خيرًا. ويقولون: لست من هذا الأمر في خل ولا خمر، أي: لست منه في خير ولا شر.
والعجب من الزمخشري، فإنه قال في «مستقصى الأمثال»: ما عنده خل ولا خمر، قال:
أفي الحق أني مغرم بك هائم .. البيت
ولم يزد على البيت، فكأنه أحال معنى المثل على البيت.
قوله: فإن كنت مطبوبًا، قال شراح «الحماسة»: المطبوب: المسحور، والطب: السحر والعلم جميعًا، يقول: إن كان الذي بي داء معلومًا يعرف
[ ١ / ٣٥٧ ]
دواؤه، فلا فارقني، فإني ألتذ به. وإن كنت مسحورًا، أي: وإن كان الذي بي لا يعلم ما هو، فلا فارقني أيضًا. فلا يجوز أن يكون معنى مطبوبًا مسحورًا ههنا، لأنه يصير الصدر والعجز بمعنى واحد. انتهى.
ولم يذكر أحد من شرح «الحماسة» قائل هذه الأبيات والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع والسبعون:
(٧٧) ما ترى الدهر قد أباد معدًا وأباد السراة من عدنان
على أن أصله: أما ترى؟ فحذفت ألف أما. وهذا قول ابن السيد البطليوسي في كتابه «إصلاح الخلل الواقع في كتاب الجمل» كما نقله المرادي عنه في «الجنى الداني».
وأما قول الدماميني أنشده ابن السيد في كتابه المسمى بـ (إصلاح الخلل في شرح أبيات الجمل» فصوابه ما قلناه، وأما شرح أبياته فاسمه: «كتاب الحلل في شرح أبيات الجمل» وهذا التأليف متأخر عن ذاك، فإنه قال في كتاب «شرح الأبيات»: لما فرغت من الكلام في إصلاح الخلل الواقع في كتاب الجمل، أردت أن أتبع ذلك الكلام في إعرابه أبياته ومعانيها .. إلى آخر ما ذكرهز
وروى عجزه ابن مالك:
وأباد القرون من قوم عاد
قال في كتاب «التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح»: ومنها أن الحسن أو الحين، أخذ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله
[ ١ / ٣٥٨ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخرجها من فيه، وقال: «أما علمت» وفي بعض النسخ: «ما علمت» قلت: لا إشكال في هذا الحديث إلا في رواية من روى: «ما علمت» فإن أما هذه مركبة من همزة الاستفهام، وما النافية، وأفاد تركيبها التقرير والتثبيت، فكأن قائل: أما فعلت، قائل: قد فعلت. وأكثر ما يستعمل في هذا المعنى ألم، ومن روى «ما علمت» فأصله «أما علمت» فحذفت همزة الاستفهام، لأن المعنى لا يستقيم إلا بتقديرها. وقد كثر حذف الهمزة إذا كان معنى ما حذفت منه لا يستقيم إلا بتقديرها، ومن حذف الهمزة قبل ما النافية عند قصد التقرير ما أنشد البطليوسي:
ما ترى الدهر قد أباد معدًا وأباد القرون من قوم عاد
انتهى كلامه ملخصًا. قال الدماميني: ويمكن أن «ما» في البيت نافية، ولا همزة محذوفة، والكلام خبر محض خوطب به من يعلمه، ولكن عنده غفلة ولنهاك في اللذة، تنزيلًا له منزلة الجاهل، لمخالفته مقتضى العلم، من حيث أن علمه بهلاك هؤلاء يقتضي التيقظ والتحفظ من الاسترسال في الغفلة، وحيث خالف هذا المقتضى، كان كالجاهل الذي لا علم عنده. انتهى.
مراده: تنزيل رؤيته منزلة العلم، لغفلته وانهماكه في اللذات، فنزل العالم به منزلة الجاهل، وهو بمعنى تنزيل وجود علمه بمنزلة عدمه، ولا فرق بينهما، فلا حاجة للفرق بينهما بما لا طائل تحته، كما أطال ابن الملا الكلام.
وترى: تعلم، والدهر: مفعوله الأول، وجملة «قد أباد معدًا»: في موضع المفعول الثاني. وأباد: أهلك وأفنى. ومعد: ابن عدنان، أبو عرب الحجاز وما يليه، ويطلق على القبيلة، ويجوز أن يراد كل منهما هنا. وإسناد أباد إلى
[ ١ / ٣٥٩ ]
الدهر حقيقي إن كان قائل البيت جاهليًا، ومجازي إن كان إسلاميًا. والسراة بالفتح: الأشراف والأخيار. قال المحقق الرضي في «شرح الشافية»: وقالوا في سري سراة، والظاهر أنه اسم الجمع لا جمع. انتهى. ويؤيده قول السهيلي في «الروض الأنف»: لا ينبغي أن يقال في سراة القوم أنه جمع سري، لا على القياس، ولا على غير القياس، وإنما هو مثل: كاهل القوم، وسنامهم، والعجب كيف خفي هذا على النحويين، حتى قلد الخلف منهم السلف، فقالوا: سراة جمع سري، ويا سبحان الله: كيف يكون جمعًا له، وهم يقولون: جمع سراة: سروات. مثل: قطاة، وقطوات؟ يقالك هؤلاء من سروات الناس، كما يقال: من رؤوسهم، ولو كان السراة جمعًا ما جمع، لأنه على وزن الفعلة، ومثل هذا البناء في الجموع لا يجمع، وإنما سري فعيل من السرو، وهو الشرف، فإن جمع على لفظه قيل: سري وأسرياء، كغني وأغنياء، ولكنه قليل وجوده، وقلة وجوده لا تدفع القياس فيه، وقد حكاه سيبويه. انتهى كلامه. وروي «قحطان» بدل «عدنان» وفحطان: أبو عرب اليمن، وعلى هذه الرواية يجوز أن يراد بالسراة أزد السراة، وهي قبيلة عظيمة من قبائل قحطان.
ولم أقف على قائل البيت والله تعالى أعلم به.
وأنشد بعده في «أما» بالتشديد، وهو الانشاد الثامن والسبعون:
(٧٨) رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت فيضحى وأيما بالعشي فيخصر
رواه أبو العباس المبرد في «الكامل» في ثلاثة مواضع منه بثلاثة أوجه،
[ ١ / ٣٦٠ ]
رواه في أوائله: «أيما» بالإبدال في الموضعين من البيت، ورواه في أول الثلث الثالث بالإبدال في الموضع الأول فقط، ورواه في آخر الثلث الأول: «أما» بالتشديد، على الأصل في الموضعين. أورد في أوائله بعض أبيات لجميل بن معمر منها في صفة القوس:
على نبعة زوراء أيما خطامها فمتن وأيما عودها فعتيق
وقال: قوله: أيما، يريد: أما: واستثقل التضعيف، فأبدل الياء من أحد الميمن. وينشد بيت ابن أبي ربيعة:
رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت فيضحى وأيما بالعشي فيخصر
وهذا يقع، وإنما بابه أن يكون قبل المضاعف كسرة فيما يكون على فعال، فيكرهون التضعيف والكسرة، فيبدلوا من المضعف الأول ياء للكسرة، وذلك قولهم: دينار وقيراط وديوان، وما أشبه ذلك، فإن زالت الكسرة، وانفصل أحد الحرفين من الآخر، رجع التضعيف فقلت: دنانير وقراريط ودواوين، وكذلك إن صغرت فقلت: قريريط ودنينير. انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لعمر ابن أبي ربيعة عدتها ثمانون بيتًا، ومطلعها يخاطب نفسه:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غدٍ أو رائح فمهجر
إلى أن قال بعد ستة أبيات:
ألكني إليها بالسلام فإنه يشهر إلمامي بها فينكر
على أنها قالت غداة لقيتها بمدفع أكنانٍ أهذا المشهر
[ ١ / ٣٦١ ]
قفي فانظري يا اسم هل تعرفينه أهذا المغيري الذي كان يذكر
أهذا الذي أطريت نعتًا فلم أكد وعيشك أنساه إلى يوم أقبر
لئن كان إياه لقد حال بعدنا عن العهد والإنسان قد يتغير
فقالت نعم لا شك غير لونه سرى الليل يحيي نصه والتهجر
رأت رجلًا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصر
أخا سفر جواب أرض تقاذفت به فلوات فهو أشعث أغبر
قليل على ظهر المطية ظله سوى ما نفى عنه الرداء المحبر
وفي أواخرها:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا كما يحسبوا أن الهوى حيث تبصر
وأورده المصنف في بحث الكاف، وهناك نشرحه، إن شاء الله تعالى مع أبيات أخر.
وقوله: أمن آل نعم: الهمزة للاستفهام التصديقي، ومن: تعليلية، يقول: أمن أجلها عزمت على السفر حتى تراها؟ ونعم بضم النون: امرأة من قريش تكنى أم بكر، قال صاحب «الأغاني». وآل نعم هنا نفس نعم، وفي «صحيح البخاري» عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل على آل فلان» فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» قال شارحه العلامة ابن حجر: قوله: «على آل أبي أوفى» يريد: أبا أوفى نفسه، لأن الآل يطلق على ذات الشيء كقوله في قصة أبي موسى: «لقد أوتي مزمارًا
[ ١ / ٣٦٢ ]
من مزامير آل داود». انتهى المراد منه.
وظن ابن وحيي أن الآل هنا بمعنى الأهل، فقال: وفي هذا حجة على الشمني حيث ادعى عدم جواز إضافة آل إلى المؤنث، ذكره في أول شرح هذا الكتاب. وقد أشرنا إلى ما هو الحق هناك.
أقول: الذي أورده هناك أبيات أربعة من شعر زهير بن أبي سلمى من هذا النمط المذكور في هذا البيت.
وغاد: من غدا غدوًا، أي: ذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان، والمراد هنا: ما بعد طلوع الشمس، لقوله: غداة غدٍ، فإن الغداة بمعنى الضحوة. ومبكر: مسرع قال في «القاموس»: وكل من بادر إلى شيء فقد أبكر إليه في أي وقت كان. ورائح: ذاهب في الرواح، وهو العشي، أو من الزوال إلى الليل، ورحنا رواحًا وتروحنا: سرنا فيه. كذا في «القاموس» والمهجر: الذاهب في الهجير، وهو نصف النهار في القيظ خاصة، وهجر تهجيرًا: سار في الهاجرة، كذا في «المصباح» وقوله: ألكني إليها بالسلام، يخاطب صاحبه، ويقول له: ألكني، أي: كن رسولي بالسلام إليها في «القاموس»: الملأك والمألكة: الرسالة، وألكني إلى فلان، أي: أبلغه عني، وأصله: ألئكني، حذفت الهمزة، وألقيت حركتها على ما قبلها، والملأك: الملك، لأنه يبلغ عن الله تعالى، وزنه مفعل، والعين محذوفة ألزمت التخفيف إلا شاذًا انتهى. وإلمامي: مصدر ألم الرجل بالقوم، إذا أتأهم فنزل بهم. وينكر: مبالغة ينكر بالتخفيف.
وقوله: بمدفع أكنان، قال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»:
[ ١ / ٣٦٣ ]
أكنان: واد قريب من مكة، وأنشد هذا البيت، ولم يذكره ياقوت في «معجم البلدان» وقال السيوطي: أكنان: جمع كن، وهو السترة، ومشى عليه ابن الملا وابن وحيي في شرحيهما، وهو ليس بشيء.
وقوله: قفي فانظري يا أسم، الآمرة نعم، وأسم: مرخم أسماء رفيقة نعم، وهذا على طريقته، فإنه كثيرًا ما ينسب بنفسه، زعمًا من أن المخدرات يعشقنه لحسنه وجماله، وقد عيب عليه. والهاء في تعرفينه: ضمير الشاعر، وهو عمر، كما أن المغيري عبارة عنه، وهو منسوب إلى جده المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
وقوله: وعيشك أنساه، الواو للقسم، وجملة أنساه بتقدير لا النافية: جواب القسم، فإن لا النافية يجوز حذفها من جواب القسم، كقوله تعالى: (تالله تفتؤ) [يوسف/٨٥] أي: لا تفتأ.
وقوله: يحيى نصه والتهجر، النص: السير الشديد، والتهجر: معطوف على سرى الليل.
وقوله: لئن كان إياه البيت. استشهد به المصنف في «شرح الألفية» في الفصل فيما إذا اجتمع ضميران في باب كان، كالمحقق الرضي، لأن الثاني خبر، والأصل في الخبر الانفصال. واللام من لئن: موطئة للقسم، واسم كان ضمير المغيري، وإياه: خبرها. وجملة: «لقد حال»: جواب القسم المقدر، وقد سد مسد جواب الشرط. وحال: تغيير وبعدنا: متعلق بحال. وكذلك قوله: عن العهد، أي: عما عهدنا من شبابه وجماله. وقوله: رأت رجلا،
[ ١ / ٣٦٤ ]
فاعل رأت ضمير نعم، وجملة «أيما إذ الشمس عارضت»: صفة لقوله: رجلا. والمعنى: رأت رجلًا يضحى وقت معارضة الشمس إياه، وبخصر بالعشي، فهو أخو سفر، يصلى الحر والبرد بلا ساتر، فجيء بأيما للتفصيل. وإذا: ظرف ليضحى، قدم عليه لوجوب الفصل بين أما والفاء. والشمس: فاعل فعل محذوف يفسره ما بعدها، وعارضت: قابلت، والمفعول محذوف، أي: عارضته، ومعارضة الشمس ارتفاعها حتى تصير في حيال الرأس قال صاحب «الصحاح»: وضحيت بالكسر ضحى: عرقت، وضحيت أيضًا للشمس ضحاء بالمد، إذا برزت، وضحيت بالفتح مثله، والمستقبل أضحى في اللغتين جميعًا. انتهى. وحاصله أنه جاء من بابي فرح ومنع. وقال المبرد: يضحى: يظهر للشمس، وقوله: وبخصر، يقول في البردين، وإذا ذكر العشي فقد دل على عقيب العشي، قال تعالى: (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) [طه/١١٩] انتهى. وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: (ولا تضحى): لا تصيبك شمس مؤذية. وفي بعض التفسير: (ولا تضحى): لا تعرق، والأول أشبه بالصواب، قال الشاعر:
رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت .. البيت
فقد بين. وقوله: وأيما بالعشي فيخصر، الظرف متعلق بما بعده، قدم عليه وجوبًا للفصل بين أما والفاء. والعشي والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة، كذا في «الصحاح» ويقابله الغداة، ويقال لهما: البردان والأبردان.
وإذا برد الرجل في العشي، فمن الضرورة أن يبرد بالغداة، فهو يريدهما لاستلزام أحدهما للآخر، كما أشار إليه المبرد. ويخصر بالخاء المعجمة والصاد المهملة، قال
[ ١ / ٣٦٥ ]
صاحب «الصحاح»: الخصر بالتحريك: البرد، يقال: قد خصر الرجل إذا آلمه البرد في أطرافه، يقالك خصرت يدي، وخصر يومنا: اشتد برده، وماء خصر: بارد. انتهى.
وكأن الدماميني لم يقف على الأبيات، فإنه قال في «المزج»: يقول: رأت رجلًا فقيرًا لاثياب له، فهو إذا ارتفعت الشمس، يبرز لها ليدفا، وإذا جاء العشاء آله البرد. هذا كلامه، وهو خلاف المقصود. وأتعجب من شيخنا الخفاجي لنقله هذا الكلام وإقراره، ولم ينتقده بتأمل السياق والسباق من القصيدة. وقوله: أخا سفر، هو صفة أخرى لقوله: رجلًا. ولاجواب: صيغة مباتغة، من جاب الأرض يجوبها جوبًا، إذا قطعها بالسير، والتقاذف: الترامي. والفلاة: الأرض التي لا ماء فيها، والأشعث: وصف من شعث الشعر شعثًا فهو شعث، من باب تعب، أي: تغير وتلبد للقلة تعهده بالدهن، ورجل أشعث، وأمرة شعثاء: والشعث أيضًا: الوسخ، ورجل شعث: وسخ الجسد، وشعث الرأس أيضًا، وهو أشعث أغبر، أي: من غير استحداد ولا تنظف.
وقوله: قليلا على ظهر المطية .. الخ، هذا وصف آخر للرجل. والراداء: ما يلبس على النصف الأعلى، والإزار: ما يلبس في النصف الأسفل، وهما إذا كانا من جنس واحد حلة والمحبر بالحاء المهملة: المزين والمنقش، يقال: حبرت الشيء حبرًا، من باب قتل: إذا زينته وحبرته، بالتشديد مبالغة.
قال المبرد في «الكامل»: ومما يستظرف في النحاقة قول ابن أبي ربيعة:
رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت .. إلى قوله. الرداء المحبر .. الأبيات الثلاثة.
ومن أعجب ما قيل في النحافة قول مجنون بني عامر:
ألا إنما غادرت يا أم ما لك صدى أين ما تذهب به الريح يذهب
[ ١ / ٣٦٦ ]
ومن الإفراط فيه قول آخر:
فلو أن ما أبقيت مني معلق بعود ثمام ما تأود عودها
انتهى. والنحافة التي ذكرها إنما هي في البيت الثالث، وبيانها أن العرب تستعمل القلة بمعنى الحقارة، فيقولون لكل شيء حقير: قليل، ويجعلون القلة أيضًا بمعنى النفي، فيقولون: قل رجل يقول ذلك إلا زيد، ويقال لشخص كل شيء: ظل، فالمعنى أنه لا شخص له من النحافة، إلا أن رداءه المحبر يعظم جسمه، فينفي عنه بعض النحافة، وهو مثل قول الآخر:
فانظر إلى جسمي الذي موهته للناظرين بكثرة الأثواب
وهذا مثل قول المتنبي:
روح تردد في مثل الخلا إذا أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
وقد يجوز أيضًا أن يريد الظل بعينه، أي: لولا ظل ثوبه لم يكن لظل جسمه ظل يرى، وقيل: معنى ظله: استطلاله، أي: لا يأوي إلى ظل، فلا ينفي عنه حر الشمس إلا ما كان من ردائه.
وهذه القصيدة مع طولها أوردها القالي في «أماليه» ومحمد بن المبارك بن محمد بن ميمون في «منتهى الطلب من أشعار العرب» ونحن قد سقناها بتمامها في الشاهد التسعين بعد الثلاثمائة من شواهد المحقق الرضي. قال المبرد في «الكامل»
[ ١ / ٣٦٧ ]
يروى من غير وجه أن ابن الازرق أتى ابن عباس رضي الله تعالى عنه يومًا، فجعل يسأله حتى أمله، فجعل ابن عباس يظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة على ابن عباس وهو يومئذ غلام، فسلم وجلس، فقال له ابن عباس: ألا تنشدنا شيئًا من شعرك؟ فأنشده:
أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر غداة غدٍ أم رائح فمهجر
حتى أتمها، وهي ثمانون بيتًا، فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس: أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش، فينشدك سفهًا فتسمعه؟ ! فقال: تالله ما سمعت سفهًا، فقال ابن الأزرق: أما أنشدك:
رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت فيخزى وأما بالعشي فيحسر
فقال: ما هكذا قال، إنما قال: فيضحى وأما بالعشي فيخصر. قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه؟ ولو شئت أن أردها لرددتها، قال: فارددها، فأنشده إياها. وروى الزبيريون أن نافعًا قال له: ما رأيت أروى منك قط، فقال ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من علي. انتهى كلام المبرد. وأورد الأصبهاني في «الأغاني» هذه القصة من طرق، وفي بعضها أن ابن عباس أنشدها من أولها إلى آخرها، ثم أنشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة، وما سمعها قط إلا تلك المرة. قال له بعضهم: ما رأينا أذكى منك، فقال: ما سمعت شيئًا قط فنسيته، وإني لأسمع صوت النائحة، فأسد أذني كراهة أن أحفظ ما تقول. انتهى. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الشاهد السادس.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع والسبعون:
(٧٩) فأما القتال لاقتال لديكم
على أن الفاء الرابطة للجواب بالشرط قد حذفت لضرورة الشعر، والأصل: فلا قتال لديكم. وتمامه:
ولكن سيرًا في عراض المواكب
وقبله:
فضحتم قريشًا بالفرار وأنتم قمدون سودان عظام المواكب
وسيرًا: اسم لكن، والخبر محذوف، والتقدير: ولكن لكم سيرًا، ويجوز أن يكون الأصل: ولكنكم تسيرون سيرًا. وفي متعلقة يسيرًا، أو بتسيرون المحذوف. وعراض بكسر أوله: جمع عرض، بضمه وسكون الراء بمعنى الناحية. والموكب: الجماعة ركبانًا أو مشاة، وقيل: ركاب الإبل، من وكب يكب وكوبًا: مشى في درجان.
وهذا البيت أورده ابن إباز في «شرح الفصول» مستشهدًا به على الاكتفاء بالعموم عن الرابط، قال: فالقتال مبتدأ، ولا قتال لديكم خبره، وليس فيه
[ ١ / ٣٦٩ ]
ضمير راجع، لكن لما كانت لا لنفي الجنس، دخل تحتها المذكور وغيره. قال: وصرح ابن خروف وغيره بأنه لا يجوز غير هذا. انتهىز
والقمد بضم القاف والميم وتشديد الدال: الطويل، وقيل: الطويل العنق الضخمه، من القمد – بفتحتين – وهو الطول، وقيل: ضخامة العنق في طول، والوصف: أقمد وقمد، والأنثى قمداء وقمدة. وأراد بالسودان الأشراف، وهو جمع سود، وسود جمع أسود، أفعل تفضيل من السادة. قال الأصبهاني في «الأغاني»: وهذان البيتان مما هجي بهما قديمًا بنو أسد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس. وقال ابن خلف في شرح بيت «الكتاب» لابن ميادة:
ألا ليت شعري هل إلى أم معمرٍ سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا
هما للحارث بن خالد المخزومي، وهو الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. قال الزبير بن بكار في «أنساب قريش»: كان الحارث شاعرًا كثير الشعر، وهو الذي يقول:
من كان يسأل عنا أين منزلنا فالأقحوانة منا منزل قمن
إذ نلبس العيش غضًا لا يكدره خوف الوشاة ولا ينبو بنا الزمن
والأقحوانة: ما بين بئر ميمون إلى بشر ابن هشام. وكان يزيد استعمله على مكة، وابن الزبير يؤمئذ بها، فمنعه ابن الزبير، فلم يزل في داره معتزلًا لابن الزبير، حتى ولي عبد الملك بن مروان، فولاه مكة، ثم عزله، فقدم عليه دمشق، فلم ير له عنده ما يحب، فانصرف عنه وقال:
[ ١ / ٣٧٠ ]
عطفت عليك النفس حتى كأنما بكفيك بؤسي أو لديك نعيمها
فما بي إن أقصيتني من ضراعةٍ ولا افتقرت نفسي إلى من يضيمها
انتهى. ومن شعره:
أظليم إن مصابكم رجلًا أهدى السلام تحية ظلم
وأورده المصنف في الباب الخامس، ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثمانون:
(٨٠) من يفعل الحسنات الله يشكرها
تمامه:
والشر بالشر عند الله مثلان
على أن حذف الفاء الرابطة للضرورة كالبيت الذي قبله، والأصل: فالله يشكرها. هذا مذهب سيبويه، قال في «الكتاب»: وسألته رحمه الله تعالى - يعني الخليل - عن قوله: إن تأتني إنا كريم. قال: لا يكون هذا إلا أن يضطر شاعر، كقوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان
وقال الأعم في شرح البيت: الشاهد فيه: حذف الفاء ضرورة، وزعم
[ ١ / ٣٧١ ]
الأصمعي أن النحويين غيروه، وأن الرواية: «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» وأورده ابن عصفور في «الضرائر» قال: ومنه حذف الفاء من جواب الشرط إذا كانت جملة اسمية، أو فعلًا مرفوعًا، لأنه إذ ذاك في تقدير جملة اسمية، نحو قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
وقوله:
أأبي لا تبعد فليس بخالدٍ حي ومن تصب المنون بعيد
يريد: فهو بعيد. وقوله:
إنك إن يصرع أخوك تصرع
يريد: فأنت تصرع. وقوله:
فقلت تحمل فوق طوقك إنها مطبعة من يأتها لا يضيرها
يريد: فهو لا يضيرها. انتهى. وقال النحاس في «شرح شواهد سيبوية» عند هذا البيت: أبو العباس المبرد يجيز حذف الفاء في الشعر، وقال أبو الحسن: هو عندي جائز في الكلام إذا علم، ومنه قول الله ﷿: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) [الشورى/٣٠] وقرئ: (بما كسبت) فاستدل بهذا على أن الفاء محذوفة، ومنه قوله تعالى: (إن ترك خيرًا الوصية للوالدين) [البقرة/١٨٠].
قال أبو الحسن: حدثني محمد بن يزيد قال: حدثني المازني أن الأصمعي قال:
[ ١ / ٣٧٢ ]
هذا البيت غيره النحويون، والرواية: «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» انتهى كلامه.
وأبو الحسن قال هذا فيما كتبه على «نوادر أبي زيد» قال: أخبرنا أبو العباس عن المازني عن الأصمعي أنه أنشدهم: فالرحمن يشكره، قال: فسألته عن الرواية الأولى، فذكر أن النحويين صنعوها، ولهذا نظائر ليس هذا موضع شرحها. انتهى.
وهذا مردود، لأنه طعن في الرواة العدول، لا سيما سيبويه، فإنه ذكره في كتابه. وأغرب منه ما نقله ابن المستوفي قال: وجدت في بعض نسخ «الكتاب» في أصله: قال أبو عثمان المازني: خبر الأصمعي عن يونس قال: نحن عملنا هذا البيت، وقال الكرماني في شرح أبيات «الموشح»: قال المازني في كتاب «علل النحو»: سمعناهم ينشدون البيت: «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» قال: وقال الأصمعي: قال يونس: نحن صنعنا هذا البيت الذي نسب إلى كعب، سألنا الأعراب عنه فأنشدونا كما صنعناه، قال الأصمعي: فقلت له: كيف كنتم تنشدونه؟ فقال: «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» انتهىز
وقد تبع ابن مالك أبا الحسن في جواز حذف الفاء في الكلام، قال في «شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح»: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لسعد رضي الله تعالى عنه: «إنك إن تركت ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة» وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بن كعب: «فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها» وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لهلال بن أمية: «البينة وإلا حد في ظهرك» قلت: تضمن الحديث الأول حذف الفاء والمبتدأ معًا من جواب الشرط، فإن الأصل: فهو خير. وهو مما زعم النحويون أنه مخصوص بالضرورة، وليس مخصوصًا بها، بل يكثر استعماله في الشعر، ويقل في غيره. ومن خص هذا الحذف بالشعر حاد عن التحقيق، وضيق حيث لا تضيق، بل هو
[ ١ / ٣٧٣ ]
في غير الشعر قليل، وهو فيه كثير، وإذا حذفت الفاء والمبتدأ معًا، ولم يخص ذلك بالشعر، فحذف الفاء وحدها أولى بالجواز، وأن لا يخص بالشعر، فلو قال في الكلام: إن استغنيت أنت معان، لم أمنعه، إلا أنه لم أجده مستعملًا، والمبتدأ مذكور إلا في شعر قليل، كقول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
وتضمن الحديث الثاني حذف جواب إن الأولى، وحذف شرط إن الثانية، وحذف الفاء من جوابها، فإن الأصل: فإن جاء صاحبها أخذها، وإن لايجئ فاستمتع بها، وتضمن الحديث الثالث حذف فعل ناصب للبينة، وحذف فعل الشرط بعد إن لا، وحذف فاء الجواب والمبتدأ معًا، فإن الأصل: أحضر البينة، وإن لا نحضرها، فجزاؤك حد في ظهرك. والنحويون لا يعترفون بمثل هذا الحذف في غير الشعر، أعني: حذف فاء الجواب، إذا كان جملة اسمية، أو جملة طلبية، وقد ثبت ذلك في هذين الحديثين، فبطل تخصيصه بالشعر، لكن الشعر أولى به، فإذا جاز حذف الفاء والمبتدأ معًا، فحذفها والمبتدأ غير محذوف أولى بالجواز ومن ورود الجواب طلبًا عاريًا من الفاء قول الشاعر:
إن تدع للخير كن إياه متبعيًا ومن دعاك له احمده بما فعلا
هذا كلامه. وقد اعترض عليه بعضهم بأن الكلام في حذفها وحدها، أما بتبعية الجملة أو بعض أجزائها، فليس محل الخلاف، إذ رب شيء يغتفر تبعًا، ولا يغتفر استقلالا. ثم قال ابن مالك: ومنها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أما بعد، ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله» وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أما موسى، كأني أنظر إليه إذ ينحدر من الوادي»
[ ١ / ٣٧٤ ]
وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، طافوا طوافًا واحدًا. وقول البراء بن عازب: أما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لم بول حينئذ. قلت: «أما» حرف قائم مقام أداة شرط والفعل الذي يليلها، فلذلك يقدرها النحويون بمهما يكن من شيء، وحق المتصل بالمتصل بها أن تصحبه الفاء نحو: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق) [فصلت/١٥] ولا تحذف هذه الفاء غالبًا إلا في شعر، أو مع قول أغنى عنه مقوله، نحو: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم) [آل عمران/١٠٦] أي: فيقال لهم: أكفرتم، ومن حذفتها في الشعر قول الشاعر:
فأما القتال لا قتال لديكم ولكن سيرًا في عراض الكتائب
أراد: فلا قتال لديكم، فحذف الفاء لإقامة الوزن، وقد خولفت القاعدة في هذه الأحاديث، فعلم بتحقيق عدم التضييق، وأن من خصه بالشعر أو بالضرورة المغنية عن النثر مقصر في فتواه، وعاجز عن نصرة دعواه. انتهى كلامه.
وتبعه الدماميني فقال في «المزج»: لقائل أن يمنع كونه ضرورة لاستعماله في السعة، فقد ثبت أنه ﵊ قال: «أما بعد، ما بال رجال ..» الحديث، وقال أيضًا: «أما موسى كأني أنظر إليه» وقال أيضًا: «أما بعد، أسيروا علي في أناس ابنوا أهلي» وقال أيضًا في حديث الفتح يخاطب الأنصار: «أما الرجل قد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريبة» وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أما بعد، يا أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر. وقالت عائشة، رضي الله تعالى عنها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، طافوا طوافًا واحدًا. وقال البراء بن عازب: أما رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يول يومئذ. انتهى.
[ ١ / ٣٧٥ ]
رجعنا إلى البيت. قوله: يشكرها، أي: يقبلها ويضاعفها، كأنه قصد معنى قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. ومن جاء بالسية فلا يجزى إلا مثلها) [الأنعام/١٦٠] وقوله: والشر بالشر عند الله مثلان: فيه حذف معطوف، والتقدير: والشر والمكافأة بالشر مثلان. وبهذا التقدير صح وقوع المثنى خبرًا، والباء متعلقة بالمحذوف، وعند متعلقة بمثلان. والمعنى: إن الله تعالى لا يجزي بالشر إلا شرًا مثله من غير زيادة، وأما الخير، فيضاعفه ما شاء فضلًا وكرمًا.
ويروى: «سيان» بدل مثلان، أي: متساويان، مثنى سي، وهو المثل المساوي. وقال ابن الملا: والشر: مبتدأ، خبره: بالشر، والباء فيه للمقابلة والعوض، ومثلان: خبر مبتدأ محذوف، أي: هما مثلان، والجملة مستأنفة لتحقيق معنى العوض. وذهب المراغي في شرح شواهد «المفصل» إلى أن الشر مبتدأ، ومثلان خبره، والتقدير: والشر في مقابلة الشر مثلان متساويان عند الله تعالى، فأشكل عليه متعلق الباء، فوقع في حيص بيص، فقالك وأما الباء ففي متعلقه نظر، لا يكون حالًا من الشر، لأنه مبتدأ، والمبتدأ لا ينشأ عنه الحال، ولا بيان لأنه خبر عنهما يجب تأخره، فكأنه متعلق بما في الكلام من معنى الفعل، كأنه قال: فعل الشر الثاني في مقابلة الشر الأول مجازاة، يتساويان عنده، ومعنى التساوي فيه أن الشر جزاؤه واحد، وأما الحسنة فلا يحصى جزاؤها. انتهىز ومع ما فيه من التكلف، يلزمه الإخبار عن المفرد بالمثنى، ولا ينفعه التأويل، المذكور. هذا آخر كلام ابن الملا.
وقبل هذا البيت بيتان وهما:
إن يسلم المرء من قتل ومن هرمٍ للذة العيش أفناه الجديدان
فإنما هذه الدنيا وزينتها كالزاد لابد يومًا أنه فاني
[ ١ / ٣٧٦ ]
وقد اختلف في قائل هذا الشعر، فقال جماعة: إنه لعبد الرحمن بن حسان ابن ثابت الأنصاري الشاعر ابن الشاعر، قيل: ولد في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. قال ابن قتيبة في كتاب «المعارف»: ولد لحسان بن ثابت عبد الرحمن من أخت مارية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت تسمى سيرين، وكان عبد الرحمن شاعرًا، وابنه سعيد بن عبد الرحمن شاعرًا، وانقرض ولده فلم يبق منهم أحد. انتهى.
ونسبه جماعة إلى كعب بن مالك الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان مجودًا مطبوعًا، قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر وعرف به، ثم أسلم وشهد العقبة، ولم يشهد بدرًا، وشهد أحدًا والمشاهد كلها إلا تبوك، فإنه تخلف عنها.
وأنشد بعده:
أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ فإن قومي لم تأكلهم الضبع
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والأربعين.
وأنشد بعده في «إما» بالكسر والتشديد، وهو الانشاد الواحد والثمانون:
(٨١) سقته الرواعد من صيفٍ وإن من خريف فلن يعدما
على أن «إما» عند سيبويه مركبة من «إن» و«ما» وقد حذفت ما هنا، والأصل إما من صيف، وإما من خريف، فحذف لضرورة الشعر «إما» الأولى، و«ما» من إما الثانية، ولما حذفت ما، رجعت النون المنقلبة ميمًا للإدغام
[ ١ / ٣٧٧ ]
إلى أصلها. وهذا نص سيبويه من «كتابه» قال في باب «ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف»: وأما قول الشاعر:
لقد كذبتك نفسك فاكذبنها فإن جزعا وإن إجمال صبر
فهذا على إما، وليس على إن الجزاء كقولك: إن حقًا، وإن كذبًا، فهذا على إما محمول، ألا ترى أنك تدخل الفاء، ولو كانت على إن الجزاء، وقد استقبلت الكلام، لاحتجت إلى الجواب، فليس قوله: فإن جزعًا، كقوله: إن حقًا، وإن كذبًا، ولكنه على قوله تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء) [محمد/٤] وإن قلت: فإن جزع وإن إجمال صبر، كان جائزًا، كأنك قلت: فإما أمري جزع، وإما إجمال صبر، لأنك لو صححتها فقلت: إما، جاز ذلك، ولا يجوز طرح ما من إما إلا في الشعر، قال النمر بن تولب:
سقته الرواعد من صيفٍ وإن من خريف فلن يعدما
وإنما يريد: وإما من خريف. ومن أجاز ذلك في الكلام دخل عليه أن يقول: مررت برجل إن صالح، وإن طالح، يريد: إما. وإن أراد إن الجزاء، فهو جائز، لأنه يضمر فيها الفعل. انتهى كلامه.
قال السيرافي: لو جعلنا إن هنا للجزاء لاحتجنا إلى جواب، وذلك أن جواب إن فيما بعدها، وقد يكون ما قبلها مغنيًا عن الجواب إذا لم يكن عليها شيء من حروف العطف، كقولك: أكرمك إن جئتني، فإن أدخلت عليها فاء أو ثم
[ ١ / ٣٧٨ ]
بطل أن يكون ما قبلها مغنيًا عن الجواب. لا يجوز أن تقول: أكرمك، فإن جئتني. ولا: أكرمك، ثم إن جئتني، حتى تأتي بالجواب، فتقول: أكرمك، فإن جئتني زدت في الإكرام. فلذلك بطل أن يكون: فإن جزعًا على معنى المجازاة، وصارت بمعنى إما، لأنها تحسن في هذا الموضع، وحذف ما للضرورة، قال الله ﷿: (فشدوا الوثاق فإما منا وإما فداء) [محمد/٤] فلم يأت بجواب بعد إما، ولا يجوز طرح ما من إما إلا في الشعر، قال النمر ابن تولب:
سقته الرواد من صيف .. البيت
وإنما يريد: وإما من خريف، وقد أنكر الأصمعي هذا، وزعم أن «إن» في بيت النمر للجزاء، وإنما أراد: وإن سقته من خريف فلن يعدم الري، ولم يحتج إلى ذكر سقته لذكره في أول البيت، وإنما يصف وعلًا. وقبله:
فلو أن من حتفه ناجيًا لكان هو الصدع الأعصما
يصف أنه وإن كان في الجبل، لا يعدم معاشًا يعيش به. والوجه قول سيبويه، وذلك أنه لا ذكر للري، وإنما المعنى: سقته الرواعد في الصيف، وإما في الخريف فلن يعدم السقي أيضًا، أي: هو يسقى من الصيف ومن الخريف. والبيت الأول قد دل دلالة واضحة على أن معنى إن معنى إما، وأنه لا يجوز أن تكون بمعنى التي للمجازاة، ومع ذلك فلا يحذف ما من إما إلا في الشعر. انتهى كلام السيرافيز
وقد كتب الفارسي في شرحه على ما يتعلق بالبيت الأول، ولم يكتب شيئًا على بيت النمر بن تولب، وسورد ما قاله في «البغداديات» واعترض على سيبويه
[ ١ / ٣٧٩ ]
محمد بن يزيد المبرد فقال: «ما» لا يجوز إلقاؤها من إن إلا في غاية الضرورة، وإما يلزمها أن تكون مكررة، وإنما جاءت هنا مرة واحدة، ولا ينبغي أن تحمل الكلام على الضرورة، وأنت تجد إلى غيرها سبيلا، والوجه في ذلك ما قاله الأصمعي، قال: هي إن الجزاء، وإنما أراد: وإن سقته من خريف، فلن يعدم الري. ولم يحتج إلى ذكر سقته، لقوله: سقته الرواعد من صيف.
قال أحمد بن محمد بن ولاد: هذا الوجه الذي حكاه المبرد عن الأصمعي قد أجازه سيببويه بعقب البيت، وذلك قوله في إثره: وإن أراد إن الجزاء فهو جائز، لأنه يضمر فيها الفعل، إلا أنه أخره، لأنه لم يكن الوجه عنده، ولا مراد الشاعر عليه، ألا تراه قال في تفسير البيت: وإنما يريد: وإما من خريف، فحمل معنى البيت على إرادة الشاعر، وذلك أن الشاعر ذكر وعلا يرد هذا الماء متى شاء، فقال:
إذا شاء طالع مسجورة يرى حولها النبع والساسما
سقته الرواعد من صيف .. البيت
فقال: مسجورة، أي: مملوءة من صيف أو من خريف، فلن يعدم الوعل ريًا على كل حاال، فأعلم أن ذلك ثابت له، وليس للجزاء في البيت معنى يحسن في الشعر ويليق بمراد الشاعر، لأنه إذا حملها على معنى الجزاء، فإنما يريد: إن سقته لم يعدم الري، وإن لم تسقه عدم، فلا فائدة في هذا يحسن معها الشعر،
[ ١ / ٣٨٠ ]
ولا يشبه قوله: إذا شاء طالع مسجورة، فقد جعل ذلك له متى شاء، وجعلها مماوءة، فلهذا أخر سيبويه معنى الجزاء، ولم يرد أن الجزاء مراد الشاعر، وإنما أراد أن مل هذا لو وقع في كلام غير هذا البيت، لجاز فيه هذا التأويل، لا أنه مراد الشاعر. وأما قوله: لايجوز إلقاء ما من إما إلا في غاية الضرورة، فكذا قال سيبويه: إنه لا يجوز إلا في الشعر للضرورة، وقد وافقه على ذلك، وليس بين القولين فرق غير زيادته: «غاية»، ومع هذا فالعرب تحذف من نفس الكلمة للضرورة مع زوال اللبس، فما بالها لا تحذف الزوائد للضرورة مع زواله، وما هنا زائدة في إما، وقد دال على صحة ذلك وجوازه في الشعر بالبيت الذي قبله، وهو:
فإن جزعًا وإن إجمال صبر
وأما قوله: إن التكرار يلزمها، فليس الأمر على ذلك، لأن الأولى إنما هي زائدة ليبادر المخاطب إلى أن الكلام مبني على الشك أو التخييل، والعمل على الثانية، والأولى زائدة، وليست توجب في الكلام معنى غير معنى الثانية، وسبيلها في ذلك سبيل لا إذا قلت: ما قام لا زيد ولا عمرو، فإن شئت أكدت النفي، وزدت لا، وإن شئت حذفتها، إلا أن الحذف في الأولى أكثر في كلامهم منه في إما، ولا أعلم أحدًا من النحويين المتقدمين يمنع من إجازة حذفها في قولك: خذ الدرهم وإما الدينار، وجالس زيدًا وإما عمرًا. فقياسها ما ذكرت لك في لا، والكلام لا يلتبس بطرحها، ومعناه بنقصانها كمعناه بزيادتها، فما الذي منع مع هذا كله من تجويز طرحها؟ وقد يطرح من الكلام ما هو أولى بالإثبات منها. انتهى كلامه.
ولا يخفى أن حذفها خاص بالشعر. وجواز حذفها في الكلام لا قائل به، وأما قوله: لا أعلم أحدًا من النحويين المتقدمين .. الخ، فالمنقول عنهم خلاف
[ ١ / ٣٨١ ]
فالأولى تعليل حذفها بالضرورة أيضًا: ومحصل كلامه أن عديل «إن» حذف الأول، فالمحذوف، إما نقدره «إما» وإما نقدره «إن» فيكون التقدير: إن من صيف وإن من خريف، فحذفت إن الأولى لدلالة الثلانية عليها، وأصلهما: إما، فحذفت منها «ما» كما في قوله: فإن جزعًا وإن إجمال صبر. وقال النحارس بعد نقل كلام المبر: ولم يحتج أبو الحسن لسيبويه في هذا بشيء، وكأن القول عنده ما قال الأصمعي على سيبويه في اللغة وقال: هذا أعلم باللغة، وهذا أعلم بالنحو، يعني سيبويه. وأن أستاذ سيبويه الخليل قد أخذ عن الأصمعي شيئًا من اللغة، ولم يكن أبو إسحاق الزجاج يميل إلى شيء من هذا، وقال من نظر إلى «كتاب» سيبويه، وما ذكر فيه من الأبنية، وقف على تقدمه على الجماعة في اللغة، قال: والقول ما قاله سيبويه، لأنه وصفها بالخصب، وأنها لاتعدم الري ما سقتها الرواعد إما من صيف وإما من خريف، فلن تعدم الري.
وعلى مذهب الأصمعي والمبرد أنه إن لم يسقها الخريف عدمته، لأنه قال: وإن سقتها لن تعدم الري، وإن أراد أنها لا تعدم الري البتة، فهذا قول سيبويه، ألا ترى أن قبله: إذا شاء طالع مسجورة .. البيت. انتهى.
وقال الفارسي في «البغداديات» أقول: إن الشاعر قال هذا البيت في أبيات يصف فيها وعلًا، وقبله:
إذا شاء طالع مسجورة يرى حولها النبع والساسما
تكون لأعدائه مجهلًا مضلًا وكانت له معلما
سقتها الرواعد من صيف .. البيت
وقوله: مسجورة، يريد: عينًا كثيرة الماء، أي: إذا شاء هذا الوعل طالع مسجورة، فقوله: تكون، صفة لمسجورة، وكذلك: سقتها، يكون
[ ١ / ٣٨٢ ]
صفة لمسجورة، وكذلك رواه ثعلب عن سعدان عن الأصمعي، وفي كتابنا «كتاب» سيبويه: سقته، فيجوز أن يكون رجع إلى الوعل، أو حمله على المعنى، والوجه أن يكون للعين، فيكون المعنى: سقت الرواعد من السحاب هذه المسجورة، إما من صيف وإما من خريف، أي: فهي على كل أحوالها لا تعدم السقي إما صيفًا، وإما خريفًا، وذلك في صفة هذه العين أرخى ليال هذا الوعل. وفاعل: يعدم، على هذا: العين. انتهى كلامه. أقول: إذا كان فاعل يعدم، العين المسجورة، يجب أن يكون: تعدم، بالمثناة الفوقية، إنما هو بالمثناة التحتية. وظهر من تقريره، ومن تقرير ابن ولاد، أن وصف الوعل بالري دائمًا إنما هو لأن عنده عينًا يشرب منها متى شاء، وتلك العين يمدها سحائب الصيف والخريف.
ولما لم يقف الفاضل الدماميني على الأبيات وعلى كلاهما، ظن أنه ليس المراد ريه، وإنما المعنى ما قاله الأصمعي من تلك السحائب، فقال: لا نسلم أن المقصود وصف هذا الوعل بالري على كل حال، وإنما الغرض وصف حاله بحسب الواقع، فأخبر أولًا بما وقع من سقي سحائب الصيف له، وذلك مقتض لربه منها، ثم أخبر بأن سحائب الخريف إن سقته بعد ذلك حصل له الري المستمر، ولو سلم أن المقصود ما ذكر من وصفه بالري دائمًا، فمع الإتيان بإما التي هي لأحد الشيئين، لا يلزم ذلك. انتهى.
ورد عليه ابن الملا بوجوه:
أحدها: كيف لا يكون الغرض ذلك، وهو بصدد بيان نجاته من الحتف، إذ المراد أنه لو نجا حيوان من الموت، لنجا هذا الوعل الذي تكفل له ربه برزقه، وأسكنه أخصب أرضه، فهو في ري لا ينقطع، وطيب عيش مستمر من غير حيلة منه. ولو كان وصف حاله بحسب الواقع، لم يكن في تخصيصه بالذكر فائدة، إذ كل مخلوق شأنه من اللطف الإلهي مثل ذلك.
[ ١ / ٣٨٣ ]
ثانيها: أنه لا يلزم من إخباره بأن سحائب الخريف إن سقته بعد ذلك، حصول الري المستمر له، وإنما يلزم حصول الري المستمر أن لو أخبر أن سحائب الخريف إذا سقته بعد ذلك يروى.
ثالثها: أن دعواه أن الإتيان بإما التي لأحد الشيئين، لا يتأتى معه الوصف بالري على الدوام، محصلها دعوى المنافاة بين دوام الري والسقي من أحد الشيئين، وهي ممنوعة لصحة قولنا: دائمًا الري حاصل، إما من سقي سحائب الصيف، وإما من سقي سحائب الخريف. فالقضية، وإن كانت حملية، لكنها شبيهة بمنفصلة مانعة الخلو، فهي في حكمها، وقيد الدوام عندهم سور الإيجاب الكلي في باب المنفصلات. وأما الجواب بمنع لمجرد أحد الشيئن، بل هي لتفصيل المسقي منه، وحينئذ مع الإتيان بها يلزم الري دائمًا، ففيه أن المختار فيها، وفي «أو» أنهما لأحد الشيئين أو الأشياء. هذا كلامه، ومن خطه نقلت.
وقد جوز الفارسي أن تكون إن شرطية، والألف في يعدمان ضمير المثنى، فقال في «البغداديات» بعدما نقلناه عنه: ويحتمل أن يكون المعنى: سقت الرواعد من السحاب هذه العين، أو هذا الوعل، وإن سقت العين أو الوعل من الخريف، فلن تعم العين السقي، والوعل الري. ودفع بعضهم هذا وقال: لا معنى له. وليس كذلك، لأنه غير ممتنع، إلا أن التأويل الأول أسهل في المعنى، وأدخل فيما يعترضه الشاعر، وإن اعترض في لفظه حذف «إما» الأولى، لأن الثانية تدل عليها. والفاء في «فلن» على هذا التأويل جواب الجزاء، وفي التأويل الأول عاطفة جملة على جملة. انتهى كلامه. ولعل هذا الكلام شرح لقول الأصمعي: أن «إن» شرطية وتكون الألف في بعدما عنده ضمير المثنى. وقول المصنف: وقال أبو عبيدة «إن» في البيت زائدة نقله عنه الفارسي في كتاب «الشعر» قال: وزعم أبو عبيدة «إن» زائدة وجاءت زيادتها هنا كما جاءت زيادتها في نحو: ما إن فعلت. وهذا كقولك: ضرب القوم زيدًا من داخل ومن
[ ١ / ٣٨٤ ]
خارج. انتهى. وفي هذا المثال نظر، ولا يخفى أن زيادة «إن» بعد العاطف غير موجود، وإن كان بتقدير زيادتها يستفاد اتصال الري. والبيت من قصيدة للنمر ابن تولب الصحابي فيها عدة أبيات شواهد فلا بأس بإيرادها وشرحها وهي هذه:
سلا عن تذكره تكتما وكان رهينا بها مغرما
وأقصر عنها وآياتها يذكرنه داءه الأقدما
فأوصي الفتى بابتناء العلاء وأن لا يخون ولا يأثما
ويلبس للدهر أجلاله فلن يبتني الناس ما هدما
وإن أنت لاقيت في نجدةٍ فلا تتهيبك أن تقدما
فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما
وإن تتخطاك أسبابها فإن قصاراك أن تهرما
فأحبب حبيبك حبًا رويدًا فليس يعولك أن تصر ما
فتظلم بالود منوصله رقيق فتسقه أو تندما
وأبغض بغيضك بغضًا رويدًا إذا أنت حاولت أن تحكما
ولو أن من حتفه ناجيًا لألفيته الصدع الأعصما
بإسبيل ألقت به أمه على رأس ذي حبك أيهما
إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والساسما
تكون لأعدائه مجهلًا مضلًا وكانت له معلما
[ ١ / ٣٨٥ ]
سقتها رواعد من صيفٍ وإن من خر يف فلن يعدما
أتاح له الدهر ذا وفضةٍ يقلب في كفه أسهما
فأرسل سهمًا على غرةٍ وما كان يرهب أن يكلما
وأخرج سهمًا له أهزعًا فشك نواهقه والفما
فظل يشب كأن الولو ع كان بصحبته مغرما
فأدركه ما أتى تبعًا وأبرهة الملك الأعظما
لقيم بن لقمان من أخته فكان ابن أختٍ له وابنما
ليالي حمق فاستحصنت إليه فغر بها مظلما
فأحبلها رجل نابه فجاءت به رجلًا محكمًا
هذه القصيدة بتمامها من رواية محمد ابن حبيب، ولم يكتب على البيتين الأولين شيئًا سوى قوله: الآيات: الآثار والعلامات، وقوله: «سلا» فعل ماض من السلو، بدليل عطف مثل عليه، وهو: وأقصر عنها، وأيضًا تذكره بالداء الأقدام مناسب للسلو، لا أنه أمر لاثنين من السؤال كما ظن. وفاعله معلوم من المقام، أي: سلا قلبي، وإليه تعود الهاء في تذكره، وعن متعلقة بلا، وتذكره: مصدر مضاف إلى فاعله، ومفعوله تكتم، بمثناتين فوقيتين، أولاهما
[ ١ / ٣٨٦ ]
مضمومة، والثانية مفتوحة: علم امرأة. والرهين: المرتهن، والمغرم: اسم مفعول من أغرم بالشيء، أي: أولع به، كذا في «الصحاح».
وأقصر عن الشيء: كف عنه، ونزع مع القدرة عليه، فإن عجز عنه قيل: قصر عنه، كذا فيه أيضًا. والداء الأقدم، أي: القديم، هو الحب، أو هو أقدم من كل داء.
وقوله: فأوصي: هو فعل مضارع من الإيصاء، والعلاء، بالفتح والمد: الشرف والرفعة وأن لا يخون: معطوف على «ابتناء» وقوله: ويلبس للدهر أجلاله، أي: ثيابه جمع جل بالضم، وهو كقوله بهيس الفزاري:
إلبس لكل حالةٍ لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها
وقوله: فلن يبني الناس ما هدما. يقول: إذا ضيع الفتى مجده لم يبنه له الناس.
وقوله: وإن أنت لاقيت في نجدة. قال ابن حبيب: النجدة: القتال. وقوله: لا تتهيبك، معنا: لا تتهيبها. انتهى. يريد أن فيه قلبًا. وقد أورده المصنف في الباب الثامن، ونذكر هناك ما يتعلق به إن شاء الله تعالى.
وقوله: فإن المنية من يلقها .. الخ، هو من شواهد «الجمل الزجاجية» على أن في «أينما» اكتفاء. وأينما: ظرف مضمن لمعنى الشرط، وحذف شرطه وجوابه، أي: أينما توجه تصادفه. ومن يلقها: بدل اشتمال من المنية، وسوف للتأكيد. وقيل إنما أتى بها لإخراج الكلام على مقتضى طبع النفس في إذعانها للموت مع أمل اطول الحياة. وقوله: وإن تتخطاك أسبابها .. الخ، التخطي: التجاوز، وأسباب المنية: ما يؤدي إليها من مرض وغيره. وقصاراك، بضم القاف: غايتك. والهرم: انحطاط القوى من طول العمر يقول: إن تتجاوزك أسباب
[ ١ / ٣٨٧ ]
المنية، فإن غايتك الهرم، وتبديل وجود بالعدم. وقوله: فليس يعولك أن تصرما، قال ابن حبيب: يعولك: يشق عليك، وعالني الأمر: شق علي، والعول: المصدر. قالت الخنساء:
يحمله القوم ما عالهم
ورفيق، أي: غير محكم، وتسفه: تجهل وتظلم، أي: تضع الود في غير موضعه. وتحكما، أي: تكون حكيما.
قال السيوطي قوله: أجب حبيبك .. إلى آخر البيتين، مأخوذ من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أجب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أنيكون حبيبك يومًا ما» أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وابن عدي من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وكأن النمر سمعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فعقده، إلا أني لم أقف عليه من حديثه. انتهى.
وقال شيخنا الشهاب الخفاجي: الظاهر أنه من موافقاته إن كان قاله قبل إسلامه، وليس نظمًا لمعنى الحديث الذي يسميه علماء البديع عقدًا. انتهى.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وقوله: ولو أن من حتفه ناجيًا، الحتف: الموت، ومن: متعلقة بناجيًا، وهو اسم إن، وخبرها محذوف، أي: لأو أن أحدًا ناجيًا من حتفه موجود، لكان ذلك الناجي هو الصدع. و«هو»: ضمير الفصل، وألفيته: وجدته، والصدع، بفتح الصاد والدال والعين المهملات، قال ابن حبيب: هو الوعل بين الجسيم والضئيل، وهو الوسط من كل شيء، يقال: رجل صدع، وفرس صدع. والعصمة بالضم: بياض في يده. انتهى. والوعل: تيس الجبل. وقوله: بإسبيل ألفت به أمه .. الخ. إسبيل كقنديل، قال ابن حبيب: هو بلد، وأنشد لبعض اليمانين:
لا أرض إلا إسبيل وكل أرضٍ تضليل
والأيهم: أعمى الطريق لا يهتدى طريقه، ولا يعرفه أحد. انتهى. وفي «معجم البلدان» لياقوت: إسبيل حصن بأقصى اليمن، وقيل: هو وراء البحر، وقيل: جبل في مخلاف ذمار. انتهى. وفي «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري: إسبيل كإكليل: بلد باليمن، وقال أبو عبيدة: جبل باليمن وأنشد هذا البيتز
والباء في «به» زائدة في المفعول، كقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [البقرة/١٩٥] والحبك، بضم الحاء المهملة، والباء الموحدة: الطرائق. يقول: ولدته أمه في جبل ذي طرق لا يهتدى إليها من أرض إسبيل، وذي حبك: صفة لموصوف محذوف، وهو جبل.
وقوله: إذا شاء طالع مسجورة .. الخ، في «الصحاح»: طالعت الشيء،
[ ١ / ٣٨٩ ]
أي: اطلعت عليه، والاطلاع على الشيء: الإشراف عليه. ونقل السيوطي عن شارح القصيدة: طالع: أتى، يقال: فلان يطالع قرينه، أي: يأتيه. ومسجورة: بالسين المهملة والجيم، قال ابن حبيب: أي مملوءة. وقال أبو حنيفة الدينوري: المسجورة: العين المماوءة، وأنشد هذا البيت. ويرى بالتحتية: فاعله ضمير الصدع، ويروى بالفوقية، أي: أنت. والنبع: شجر يتخذ منه القوس. والساسم، بسينين مهملتين. قال ابن حبيب: يقال: إنه الآبنوس. وقال الدينوري: زعموا أن القوس تتخذ من الساسم، ومنابته الشواهق حيث منابت النبع. وقد وصفه حميد في شعره باللين. وزعم قوم أن الساسم الشيز، ولا أعلم ما في الشيز ما يدعو إلى اتخاذ القسي منه. انتهى. والشيز: الآبنوس. وقوله: «تكون لأعدائه» أي: تكون تلك العين المسجورة لأعداء الصدع مجهلًا، بفتح الجيم وهوأرض بجهل سالكها الطريق ويضيع فيها. وأعداؤه: الصيادون. ومضل، بفتح الميم: أرض يهتدي فيها سالكها بعلاماتها.
وقوله: سقتها الرواعد. «ها»: ضمير مسجورة، كذا رواه ابن حبيب وغيره كما مر عن أبي علي. والرواعد: جمع راعدة، وهي السحابة الماطرة، وفيها صوت الرعد غالبًا. والصيف، بتشديد الياء المكسورة: المطر الذي يجيء في الصيف، والخريف: الفصل المشهور إلا أنه أراد مطره، كما أطلق الربيع وأريد به مطره، وقرنه مع الصيف في قوله:
سقى الله نجدًا من ربيع وصيف
وقوله: أتاح له الدهر .. الخ. قال ابن حبيب: أتاح: قدر، والوفضة:
[ ١ / ٣٩٠ ]
الكنانة التي تكون فيها السهام. انتهى. والدهر: فاعل أتاح، ومفعوله: ذا وفصة، وأراد به الصياد. وقوله: فأرسل سهمًا .. الخ، أي: رماه ذو الوفضة بسهم على غرة – بكسر الغين المعجمة – وهي الغفلة، وفاعل «يرهب» ضمير الصدع، ويكلم، بالبناء للمفعول، أي: يجرح.
وقوله: وأخرج سهما له أهزعًا. قال ابن حبيب: الأهزع: آخر سهم يبقى في الكنانة، يقال: ما في كنانته أهزع، أي: سهم واحد. قال ابن السكيت: هذا مما لا يتكلم به إلا مع الجحد، وقد أتى النمر به من غير جحد. انتهى. وفي «القاموس»: وما في الجفنة إلا سهم هزاع ككتاب، أي: وحده، والأهزع: آخر سهم في الكنانة رديئًا كان أو جيدًا، وهو أفضل سهامها، لأنه يدخر لشديدة. والنواهق: جمع ناهق، في «القاموس» الناهقان: غظمان شاخصان من ذي الحافر في مجرى الدم، ويقال لهما: النواهق، والناهق، مخرج النهاق من حلقه، والجمع نواهف. وقوله: يشب، بكسر الشين. قال ابن حبيب: يشب: يرفع يديه حين أصابه السهم. والولوع، بفتح الواو: القدر والحين. انتهىز
وقوله: فأدركه ما أتى تبعًا، أي: أدرك الصدع ما أتى تبعًا، وهو الموت.
وتبع: ملك اليمن، وأبرهة الأشرم: ملك الحبشة.
وقوله: لقيم بن لقمان من أخته، ترك ما كان فيه وسلك طريقًا أخرى بلا مناسبة، وهو المسمى في البديع بالاقتضاب. وهذا البيت من شواهد ابن الناظم.
قال ابن حبيب: ذكروا أن أخت لقمان كانت عند رجل، فكانت تلد له أولادًا ضعافًا، فقالت لامرأة لقمان: هل لك أن أجعل لك جعلًا، وتأذني لي أن آني لقمان الليلة؟ فأسكرته واندست له أخته، فوقع عليها لقمان، فلما
[ ١ / ٣٩١ ]
كانت الليلة القابلة أتته امرأته فوقع عليه، فقال: هذا حر معروف وكأنه استنكره. انتهىز
وقال الجاحظ في «البيان»: كانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد الأكبر والأصغر لقيم بن لقمان في النباهة والقدر، وفي العلم، وفي الحكم، وفي اللسان، وفي الحلم، وهذان غير لقمان المذكور في القرآن على ما يقول المفسرون، ولارتفاع قدره وعظم شأنه، قال النمر بن تولب، وأنشد هذه الأبيات الثلاثة. وقال: وذلك أن أخت لقمان، قالت لامرأة لقمان: إني امرأة محمقة ولقمان رجل محكم منجب، وأنا في ليلة طهري فهبي لي ليلتك، ففعلت، فباتت في بيت امرأة لقمان، فوقع عليها فأحبلها بلقيم، فلذلك قال النمر بن تولب ما قال. والمرأة إذا ولدت الحمقى فهي محمقة، ولا يعلم ذلك حتى يرى ولد زوجها من غيرها أكياسًا. انتهىز
وقال العيني: ويروى أن لقمان كان لا يولد له، فقالت امرأته لأخته: أما ترين لقمان في قوته وعظم خلقه لا يولد له، قالت: فما الحيلة؟ قالت امرأته لأخته: تلبسين ثيابي حتى يقع عليك في الظلمة، ففعلت فواقعها فولدت منه، وسمي لقيمًا، بضم اللام وفتح القاف، وكان من أحزم الناس.
ولقيم: مبتدأ. وقوله من أخته: خبره. وفي قوله: «فكان ابن أخت له وابنما» دليل على جواز تعاطف الخبرين المستقل كل منهما بنفسه. وابن: هو ابن زيدت فيه الميم. وقوله: ليالي حمق .. الخ، بضم الحاء وتشديد الميم، قال ابن حبيب: أي: اسكر حتى ذهب عقله. انتهى. ورواه المفضل «حمق» بفتحتين، وزعم أنه يقال: حمق إذا شرب الخمر، والخمر يقال لها: الحمق.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وقوله: «استحصنت» بالبناء للفاعل. قال ابن حبيب أي: أتته وكأنها حصان كما تأتي المرأة زوجها. وقوله «فغر بها» غر، بضم الغين من الغرة بالكسر: وهي الغفلة. وقوله «مظلمًا» بكسر اللام، أي: في ظلمة، وقوله «فأحبلها رجل نابه» من النباهة وهو ارتفاع الذكر، وهو لقمان، فجاءت، أي: أخته به، أي: يلقيم محكما، بفتح الكاف، أي: حكيما.
والنمر بن تولب: صحابي يعد من المخضرمين، ونسبه مذكور في «الاستيعاب» وغيره وهو عكلي منسوب إلى عكل – بضم العين المهملة، وسكون الكاف وهي أمة، كان تزوجها عوف بن قيس بن وائل بن عوف بن عبد مناة بن أد ابن طابخة فولدت له ثلاث بنين، ثم مات فحضنتهم عكل، فنسبوا إليها. والنمر شاعر جواد واسع العطاء، كثير القرى، وهاب لماله، وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيس لجودة شعره، وكثرة أمثاله، ويشبه شعره بشعر حاتم الطائي. وقال أبو عبيدة: كان النمر شاعر الرباب في الجاهلية، ولم يمدح أحدًا ولا
وفد على النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، مسلمًا وهو كبير.
قال أبو حاتم السجستاني في كتاب «المعمرين»: عاش النمر بن تولب مائتي سنة، وخرف، وألقي على لسانه: انحروا للضيف أعطوا السائل. اصبحوا الراكب، أي: اسقوه الصبوح.
وقال ابن قتيبة في كتاب «الشعراء»: وألقى بعض البطالين على لسانه نيكوا الراكب، فكان يقولها. ومن شعره:
[ ١ / ٣٩٣ ]
لا تغضبن على امرئ في ماله وعلى كرائم صلب ما لك فاغضب
وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى وإلى الذي يعطي الرغائب فارغب
وقال صاحب «الأغاني»: النمر: شاعر مقل، أدرك الإسلام، وأسلم فحسن إسلامه، ووفد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكتب له كتابًا. وروى عنه حديثًا وكان أحد أجواد العرب المذكورين وفرسانهم. انتهى.
قال ابن الملا: قد تقدم، أي: في بحث «أل» في كلام المصنف أنه لم يرو سوى حديث: «ليس من امبر امصيام في امسفر» انتهى. قال السيوطي في حاشية «المغني»: هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده، والطبراني في «معجمه» من حديث كعب بن عاصم الأِعري، وسنده صحيح.
وأما قول المصنف: رواه النمر بن تولب فكذا ذكره ابن يعيش والسخاوي كلاهما في شرح «المفصل» وصاحب «البسيط». زاد ابن يعيش: ويقال: إن التمر لم يرو عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا هذا الحديث، وكلهم تواردوا على ما لا أصل له، فإن هذا الحديث لا يعرف من رواية التمر، والحديث الذي رواه النمر عند من أثبت صحبته غير هذا الحديث. قال أبونعيم في «معرفة الصحابة»: النمر بن تولب كتب له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كتابًا، وروي من طريق مطرف عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ١ / ٣٩٤ ]
يقول: «من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر». انتهى.
* * *
تم الجزء الأول من الكتاب ويليه - إن شاء الله تعالى الجزء الثاني ويبدأ في الانشاد الثاني والثمانين
[ ١ / ٣٩٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون:
(٨٢) يا ليتما أمَّنا شالت نعامتها أيما إلى جنَّة أيما إلى نار
على أنَّ أمَّا الثانية قد تكون بغير واو العطف، كما نقل الدماميني عن المصنف في حواشيه على "التسهيل" عند قوله: وربَّما استغني عن واو أما، لا أحفظ ذلك إلا مع تخفيف كلمة أمّا بالبدل، نحو:
لا تفسدوا آبالنا أيما لنا أيما لكم
يا ليتما أمَّنا شالت نعامتها . . . . البيت
انتهى وقول المصنف: وفيه شاهد ثان، وهو فتح الهمزة، قال الرّضي في شرح "الكافية" ويرى: "أيما إلى جنّة" وهي لغة في أمّا. وقال ابن جني في "إعراب الحماسة": قوله: أيما إلى جنة، يدل على أنّ إبدال الراء والنون ياءين في "قيراط" و"دينار" ليس للكسرة، إنّما هو للإدغام، ألا ترى أنّ "أيما" قد أبدل فيها من ميم أمّا، ولا كسرة قبلها؟ انتهى. وكأن ابن بري لم يبلغه فتح الهمزة من "إمّا" المكسورة فاعترض على صاحب "الصحاح" في ذكره الفتح والكسر في "أيما"، فقال: صوابه "إيما" بالكسر، لأنّ الأصل "إمّا" فأمّا "أيما" فالأصل فيها "أمّا" وذلك في مثل قولك: أما زيد فمنطلق، بخلاف "إمّا" التي في العطف، فإنها مكسورة لا غير. انتهى. وإنكاره مردود بنقل الثِّقات.
[ ٢ / ٣ ]
فتلخَّص لنا في هذه الكلمة أن "أيما" بالفتح أصلها "أمّا" المفتوحة، وهي لغة في المكسورة، ووقع البدل في كل منهما، لكن كثر استعمال "أيما" بالفتح.
وقول المصنف: وثالث وهو الإبدال. قال الدماميني في "المزج" عند قول المصنف: وقد يبدل ميما الأولى ياءً، أي: مع فتح الهمزة وكسرها كما نص عليه غير واحد، لكنهم فيما رأيت لم يستشهدوا على الإبدال إلاّ مع فتح الهمزة انتهى. وفيه أن المراديَّ قال في شرح "التسهيل" حكي الإبدال مع كسر الهمزة وفتحها، فمثاله مع الكسر قوله:
يا ليتما أمنّا شالت نعامتها . . . . . البيت
ومع الفتح قول أبي القمقام:
تنفِّحها أيما شمال عريَّة وأيما صبًا جنح الظَّلام هبوب
رواه الفراء بالياء وفتح الهمزة. انتهى. وروى صاحب "الصحاح" البيت الشاهد بالفتح والكسر.
والبيت أوّل أبيات ثلاثة رواها المرزباني في كتاب "النساء والشواعر" قال: حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني قال: [كانت] امرأة من عبد القيس بالبصرة، لما ابن يلقَّب النحيف من بني جذيمة، وكان شرّيرًا ضعيفًا، وكان بها عاقًا، فقال يهجوها:
يا ليتما أمَّنا شالت نعامتها أيما إلى جنَّة أيما إلى نار
تلتهم الوسق مشدودًا أشظَّته كأنّما وجهها قد سفع بالقار
خرقاء بالخير لا تهدى لوجهته وهي صناع الأذى في الأهل والجار
[ ٢ / ٤ ]
وكانت تعظه فلا يتَّعظ، فقالت:
حذار بنيَّ البغي لا تقربَّنه حذار فإنَّ البغي وخم مراتعه
وعرضك لا تمذل بعرضك إنَّني وجدت مضيع العرض تلحى طبائعه
وكم قدر رأينا الدهر غادر باغيًا بمنزله ضاقت عليه مطالعه
فلم يزل به شرُّه حتى وثب على ابن عمّ له، فحطأ به ابن عمه الأرض فدقَّ عنقه فمات. فقالت كالشامتة:
مازال ذو البغي شديدًا هبصه يطلب من يقهره ويهصه
ظلمًا وبغيًا والبلاء ينشصه حتى أتاه قرنه فيقصه
فقاد عنه خاله وعرصه
انتهى ما أورده المرزباني. ونسب السيوطيُّ ما نقلناه عن المرزباني إلى ثعلب في "أماليه" وقد راجعتها مرارًا فلم أجد شيئًا من ذلك فيها مع أن نسختي "أمالي ثعلب" نسخته وعليها خطُّه بالملكيَّة وغيرها، والله تعالى أعلم.
وقد روى أبو تمَّام هذه الأبيات الثلاثة في "حماسته" مع قطعة جيدة من شعر أمَّه تأمره بترك طلاق زوجته، وصبره على جورها حتى يقضي الله تعالى بموتها، وكانت قبل أن يتزوجها نهته عنها فغضب، وهجاها بتلك الأبيات. وذكر اسم النحيف قال: هو سعد بن قرط أحد بن جذيمة، وكأبي تمام صنع الأعلم في "حماسته" وقد نقلت ما أورده أبو تمام وشرحته في الشاهد التسعمائة من شواهد المحقق الرضي، وهنا اقتصرنا على رواية المرزباني.
[ ٢ / ٥ ]
وقوله: يا ليتما أمنا الخ. يا: حرف تنبيه، وأمنا: اسم ليتّ، وجملة: "شالت نعامتها" في محل [رفع] خبرها. وشالت: ارتفعت، قال ابن الأنباري: في شرح "المفضليات": النعامة: الشخص، وشخص كل شيء نعامته، انتهى، وهذا كناية عن الموت، ويقال أيضًا: شالت نعامتهم بمعنى: ذهب عزُّهم، واختلفت كلمتهم، وتفرق أمرهم، قال ذو الإصبع:
أزرى بنا أنَّنا شالت نعامتنا فخالني دونه وخلته دوني
وقال السهيليّ في "الرَّوض الأنف": العرب تضرب "زوال النعامة" مثلًا في الفرار، وتقول: شالت نعامة القوم: إذا فرُّوا أو هلكوا، قال الشاعر:
يا ليتما أمنا شالت نعامتها البيت.
وقال أمية:
اشرب هنيئًا فقد شالت نعامتهم
والنعامة في اللغة: باطن القدم، ومن مات فقد شالت رجله، أي: ارتفعت وظهرت نعامته، والنعامة أيضًا: الظُّلمة، فيجوز أن يكون قوله: زالت نعامتهم منه، كما يقال: زال سواده، وضحا ظله: إذا مات، وجائز أن يكون: ضرب النعامة مثلًا، والعرب تقول: أشرد من نعامة وأنفر من نعامة، فمعناه: نفرت نفسه التي هي كالنعامة في شرودها، هذا كلامه.
[ ٢ / ٦ ]
وقوله: تلتهم الوسق الخ، التهمه: ابتلعه بمرة، والوسق: حمل بعير، والأشظة: جمع شظاظ بالكسر، وهو حشبة عقفاء تجعل في عروق الجو القين، وسفع: بالبناء للمجهول، لكنه سكَّن الفاء ضرورة، من سفع السَّموم أو النار وجهة: إذا أصابه فغيره إلى السواد، وسفعه: ضربه. والقار: الزِّفت. والخرقاء: المرأة التي لا تحسن عمل شيء، والصناع، بفتح الصاد: المراة الحاذقة بعمل اليدين.
وقولها: حذار: اسم فعل أمر بمعنى احذر، والوخم: الثقيل الذي لا يهضم، وعرضك: منصوب بالعطف على اسم "إن" ولا تمذل، من باب نصر: لا تسمح، وكان القياس أن تقول: لا تمذل به، لكن جاءت به ظاهرًا تفخيمًا، وتلحى: تلام، وحطا، بمهملتين، أي: صرعه. والهبص: مصدر هبص، من باب فرح،: عجل وهبص على الشيء بأكله فقلق لذلك، ويهصه: مضارع وهصه وهصًا، وهو شدة كسر الشيء الرَّخو، وشدة الوطء، والرَّمي العنيف، والشَّدخ، وينشصه: مضارع نشصه: إذا طعنه، من باب كتب، ويقصه مضارع وقصه وقصًا، أي: دقَّ عنقه، والقرن، بالكسر: المثل في الخصومة والحرب. فقاد عنه خاله، أي: اقتصَّ خاله من القاتل بالقود نيابة عنه، وقولها: وعرصه، لم أفهم معناها. وقال السيوطي: العرص بالتحريك: النشاط.
قال التبريزي: والنُّحيف: مصغر ترخيم نحيف، واسمه سعد بن قرط، بضم القاف وسكون الراء وآخره طاء مهملة، أحد بني جذيمة، وصحف ابن الملا ثلاثة أسماء، فقال: سعد بن قرظ – بفتحتين ومعجمتين بينهما مهملة – الملقب بالتُّحيت الخدري. انتهى، ومن خطه نقلت.
[ ٢ / ٧ ]
وأنشد بعده وهو، الإنشاد الثالث والثمانون:
(٨٣) قد قيل ما قيل إن حقًّا وإن كذبا
تمامه:
فما اعتذارك من قول إذا قيلا
على أن كان بعد إن محذوفة، والتقدير: إن كان حقًا وإن كان كذبًا، واسم كان ضمير يرجع إلى ذلك، والمشار إليه بذلك البرص الذي في استه.
وهذا البيت من قطعة للنعمان وهي:
شرِّد برحلك عنيّ حيث شئت ولا تكثر عليَّ ودع عنك الأقاويلا
فقد رميت بداء لست غاسله ما جاور السَّيل أهل الشَّام والنِّيلا
فما انتفاؤك منه بعد ما قطعت هوج المطيّ به أكناف شمليلا
قد قيل ذلك إن صدقا وإن كذبا فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعةً وانشر بها الطَّرف إن عرضًا وإن طولا
قوله: شرد، أي: فرق وأبعد، والرحل: المأوى قال في "المصباح": رحل الشخص: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر، لأن هناك مأواه، وقوله: فقد رميت، أي: قذفت، وأراد بالداء، كما يأتي بيانه. وروي بدله: "فقد ذكرت به والركب حامله" والهاء في: به، وحامله، للبرص أيضًا، وقوله: ما جاور السيل إلخ "ما" ظرفية دوامية، وجاور. روي بالراء والزاء المعجمية، والسيل: هو الماء الجاري بدفع شديد من الأمطار، وهو فاعل، وأهل الشام مفعوله، وقوله: والنيلا، أي: وأهل النيل، وهو نيل مصر، فلما حذف المضاف قام المضاف إليه مقامه. والهوج: جمع هوجاء، وهي الناقة الشديدة السريعة، كأن بها هوجًا، وهو الطيش والحمق والسرعة، والمطي: جمع مطية، فعيلة بمعنى مفعولة، وهي من الإبل ما يركب مطاه، والمطا: الظهر، وشمليل، كقنديل،
[ ٢ / ٨ ]
هو كما قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استجم": اسم بلد: وأنشد هذا البيت. ولم يصب العيني في قوله: هي الناقة الخفيفة، وقلده السيوطي فقال مثله.
وسبب هذه الأبيات ما رواه السيد المرتضى في أماليه المسماة بـ "غرر الفرائد ودرر القلائد": أن عمارة وأنسًا وقيسًا والربيع، بني زياد العبسي، وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد عليه العامريون بنو أم البنين، وعليهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو ملاعب الأسنة، وكان العامريون ثلاثين رجلًا، وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو يومئذ غلام له ذوائبة، وكان الربيع بن زياد العبسي ينادم النعمان، ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه، وكان يدعى الكامل لشطاطه وبياضه وكماله، فضرب النعمان قبة على أبي براء، وأجرى عليه وعلى من كان معه النزل، وكانوا يحضروا النعمان لحاجتهم فافتخروا يومًا بحضرته، فكاد العبسيون يغلبون العامريين. وكان الربيع إذا خلا بالنعمان، طعن فيهم وذكر معايبهم، ففعل ذلك مرارًا لعداوته لبني جعفر، لأنهم كانوا أسروه، فصد النعمان عنهم حتى نزع القبة عن أبي براء وقطع النزل، ودخلوا عليه يومًا فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم، ويقدم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضابًا وهموا بالانصراف، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدوا بإبلهم فيرعاهم، فإذا أمسى انصرف بها.
فأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: ما لكم تتناجون، فكتموه وقالوا له: إليك عنا، فقال: أخبروني، فلعل لكم عندي فرجًا فزجروه، فقال: والله لا أحفظ لكم [متاعًا] ولا أسرح لكم بعيرًا أو تخبروني. وكانت أم لبيد عبسية في حجر الربيع، فقالوا له: إن خالك قد غلبنا على الملك وصدَّ عنا وجهه، فقال لهم: هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه غدًا حين يقعد الملك، فأرجز به رجزًا ممضًا مؤلمًا لا يلتفت
[ ٢ / ٩ ]
إليه النعمان بعده أبدًا؟ قالوا له: وهل عندك ذاك؟ قال: نعم. قالوا: فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة، وقدّامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى: التَّربة فاقتلعها من الأرض، وأخذها بيده، وقال: هذه البقلة الترَّبة التفلة الرذلة التي لا تذكي نارًا ولا تسر جارًا، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل، بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر البقول فرعًا، وأخبثها مرعى، وأشدها قلعًا، فحربًا لجارها وجدعًا! ألقوا بي أخا عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس.
فقالوا: نصبح ونرى فيك رأينا، فقال لهم عامر: انظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائمًا، فليس أمره بشيء وإنما تكلم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهرًا، فهو صاحبكم؛ فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلًا يكدم واسطته حتى أصبح، فلما أصبحوا قالوا: أنت والله صاحبه، فحلقوا رأسه، وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلة، وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغدى ومعه الربيع ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة بالوفد، فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين، فدخلوا عليه والربيع إلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترضهم الربيع في كلامهم، فقام لبيد، وقد دهن إحدى شقي رأسه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلًا واحدة، وكذلك كانت الشعراء تفعل في الجاهلية إذا أرادت الهجاء، فمثل بين يديه ثم قال:
يا ربَّ هيجاهي خير من دعه إذ لا تزال هامتي مقزَّعه
نحن بنو أمِّ البنين الأربعة ونحن خير عامر بن صعصعه
[ ٢ / ١٠ ]
المطعمون الجفنة المدعدعه والضَّاربون الهام تحت الخيضعه
مهلًا أبيت الَّلعن لا تأكل معه إنَّ أسته من برص ملمَّعه
وإنَّه يدخل فيها إصبعه يدخلها حتّى يواري أشجعه
كأنَّما يطلب شيئًا ضيَّعه
فلما فرغ لبيد التفت النعمان إلى الربيع يرمقه شزرًا قال: أكذاك أنت؟ قال: كذب والله ابن الحمق اللئيم، فقال النعمان: أفٍّ لهذا الطعام، لقد خبث علي طعامي، فقال الربيع: أبيت اللعن! أما إني قد فعلت بأمه، لا يكني، وكانت في حجره، فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أما إنها من نسوة غير فعل، وأنت المرء قال هذا في يتيمته. وفي رواية أخرى: إنها من نسوة فعل، وإنما قال ذلك لأنها كانت من قوم الربيع، فنسبها إلى القبيح، وصدقه عليها تهجينًا له ولقومه.
فأمر الملك بهم جميعًا، فأخرجوا، وأعاد على أبي براء القبة، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله، فكتب إليه: إني قد تخوفت أن يكون قد وقع في صدرك ما قال لبيد، ولست برائم حتى تبعث من يجردني ليعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال، فأرسل إليه: إنك لست صانعًا بانتفائك مما قال لبيد شيئًا، ولا قادرًا على ردِّ ما زلَّت به الألسن، فالحق بأهلك؛ ثم كتب إليه النعمان في جملة ما كتبه، أبياتًا جوابًا عن أبيات كتبها إليه الربيع مشهورة:
شمِّر برحلك عني حيث شئت ولا تكثر عليَّ ودع عنك الأقاويلا
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا فما اعتذارك من شيءٍ إذا قيلا
وقد جاءنا هذا الخبر من عدة طرق، وفي كل زيادة على الآخر، ولم نأت بجميع الخبر على وجهه، بل أسقطنا منه ما لم نحتج إليه. انتهى كلام المرتضى،
[ ٢ / ١١ ]
رضي الله تعالى عنه. وقد شرحنا رجز لبيد في الشاهد السادس والتسعين بعد السبعمائة من شواهد المحقق الرضي.
والربيع بن زياد العبسي مع إخوته يضرب بهم المثل في النجابة. قال الزمخشري في "مستقصى الأمثال": أنجب من بنت الخرشب، هي فاطمة الأنمارية، ولدت لزياد العبسي الكملة ربيعًا الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس الفوارس، وقيل لها: أي بنيك أفضل؟ فقالت ربيع، بل عمارة، بل قيس، بل أنس، ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل؛ والله إنهم كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها.
والنعمان بن المنذر: وهو آخر ملوك الحيرة، وهو صاحب الذبياني.
وأنشد بغده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون:
(٨٤) فإمَّا أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثيّ من سمييني
وإلاَّ فاطَّرحني واتَّخذني عدوّا أتَّقيك وتتَّقيني
على أنه قد يستغنى عن "إما" الثانية بذكر ما يغني عنها، وهو قوله هنا: "وإلا"، وهي "إن" الشرطية المدغمة "بلا" النافية، والأصل: وإما أن تطرحني، وتتخذني عدوًا. وقد يغني عنها "أو" كقوله:
فقلن لهنَّ امشين إمَّا نلاقه كما قال أو نشف الصُّدور فنعذرا
[ ٢ / ١٢ ]
وكقول آخر:
يعيش الفتى في النَّاس إما مشيَّعًا على الهمَّ أو هلباجة متنعِّما
والبيتان من قصيدة طويلة، عدتها أربعة وأربعون بيتًا للمثقَّب العبدي، أوردها المفضل في "المفضليات" وبعدها:
وما أدري إذا يمَّمت أمرًا أريد الخير أيهما يليني
أالخير الذَّي أنا أبتغيه أم الشَّر الذي هو يبتغيني
وهذا آخر القصيدة، ولم يذكر فيها المخاطب بهما من هو، وكأنه محذوف منها.
وقوله: فإما أن تكون، في تأويل مصدر مرفوع خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: إما شأنك كونك أخًا بحق، وإما كونك عدوًا ظاهرًا، أو يجوز أن يكون في تأويل مصدر منصوب مفعولًا لفعل محذوف، والتقدير: اختر إما كونك أخًا، وإما كونك عدوًا، كما قال الآخر:
تخيَّر فإمَّا أن تزور ابن ضابئٍ عميرًا وإمَّا أن تزور المهلَّبا
وقوله "بحق" نائب عن المفعول المطلق، أي: إما أن تكون أخي كونًا ملتبسًا بحق. وقال العيني: هو صفة لأخي، وهو غلط في المسألة. وقوله: فأعرف بالنصب: معطوف على تكون، ومنك: في موضع الحال
[ ٢ / ١٣ ]
المقدمة من المفعول، واستعير الغث للغش، والسمين للنصح. ومن الثانية للتمييز متعلقة بأعرف. والمروي في المفضليات "غثي أو سميني" والغث، بالفتح: وصف من غث اللحم إذا صار مهزولًا. وقوله: وإلا فاطرحني، بتشديد الطاء المفتوحة من الطرح، أراد به الترك. وقوله: عدوًا أتقيك إلخ، كان الظاهر أن يقول: عدوًا تتقيه وأتقيك، لكنه راعى المعنى، وقوله: وما أدري إذا يممت إلخ، ما: نافية، وأدري: أعلم، ويممت: قصدت وجملة "أيهما يليني" في موضع المفعول لأدري، لأنه معلق عن العمل باسم الاستفهام. وإذا: ظرف لأدري. وأنشده الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ ) [آل عمران/ ١١٣]، قال: ذكر أمة، ولم يذكر بعدها أخرى، والكلام مبني على أخرى، لأن "سواء" لابد لها من اثنين فما زاد، كأنك قلت: لا تستوي أمة صالحة وأخرى كافرة، وقد تستجيز العرب إضمار أحد الشيئين إذا كان في الكلام دليل عليه، ثم أنشد هذين البيتين، وكذا أنشدهما عند قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ) [يس/ ٨]، قال: كنيّ عن هي، وهي للأيمان ولم تذكر، وذلك أن الغل لا يكون إلا في اليمين، والعنق جامعًا لليمين والعنق، فيكفي ذكر أحدهما من صاحبه، ثم أنشدهما فقال: كنى عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده، وذلك أن الشر يذكر مع الخير. انتهى كلامه.
وكأنه يريد أن التقدير: أريد الخير لا الشر، ولا يجوز أن يكون التقدير أريد الخير والشر، لأنه غير مراد له بدليل ما بعده، فيكون من حذف المعطوف بلا النافية وهو غريب. وقوله: أألخير الذي إلخ، هو من شواهد "شرح الشافية" للرضي، والشر: بدل من "أي" ولهذا قرن بحرف الاستفهام،
[ ٢ / ١٤ ]
والألف الثانية من "أالخير" وصل دخلت عليها ألف الاستفهام وكان القياس أن تحذف، لكنها خففت بتسهيلها بين بين، إذ لولا ذلك لم يتزن البيت، ولا سبيل إلى دعوى تحقيقها، لأنه لا قائل به، وهمزة بين بين عند البصريين متحركة بحركة ضعيفة ينحى بها نحو السكون، ولذلك لا تقع إلا حيث يقع الساكن غالبًا، ولا تقع في أول الكلام بحال. وفيه رد على الكوفيين في دعوى سكونها، لأنها في مقابلة ثاني أحرف وتد مجموع وهو لن يكون ساكنًا، ولأنها لو كانت ساكنة لزم التقاء الساكنين على غير حده، وروي:
أم الشرُّ الذي لا يأتليني
قال ابن الأنباري: أي: لا يألو في طلبي، أي: لا يقصِّر.
والمثقِّب العبدي: شاعر جاهلي قديم كان في زمن عمرو بن هند، قاله ابن قتيبة في كتاب الشعراء. وقال: اسمه محصن بن ثعلبة – بكسر الميم، وفتح الصاد – وسمي المثقب لقوله في هذه القصيدة:
رددن تحيَّة وكففن أخرى وثقَّبن الوصاوص للعيون
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لو كان الشعر كله على وزن هذه القصيدة لوجب على الناس أن يتعلموه. انتهى.
وقال ابن الأنباري اسمه عائذ بن محصن بن ثعلبة وأنهى، نسبه إلى عبد القيس ابن أفصى بن دعمي بن أسد بن جديلة بن ربيعة بن نزار، والمثقب: اسم فاعل من ثقب تثقيبًا بالثاء المثلثة، وصحفه الدماميني بالنون، وهو لقب له لقوله ذلك البيت، والعبدي: نسبة إلى عبد القيس، ويقال في النسبة إليه عبقسي أيضًا.
[ ٢ / ١٥ ]
وقوله: رددن تحية .. إلخ، قال ابن الأنباري: أي أظهرن السلام، ورددنه، وكتمن، أي: سترن وهو ما يرد من السلام بعين أو بيد، وروي "ظهرن بكلة وسدلن أخرى" والكلة: ما يرى على الهودج، وهو شبيه بالسور، والوصاوص: البراقع الصغار أراد أنهن حديثات الأسنان، فبراقعهن صغار.
ومن لطائف الدماميني، أورده في "المزج" أنه قال لشريف أنشد هذه القصيدة:
يا أيُّها السَّيِّد أنشدتنا قصيدة العبديّ كالعقد
فقلت للقوم اسمعوا واعجبوا لسيّد يروي عن العبد
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون:
(٨٥) تلمُّ بدار قد تقادم عهدها وإمّا بأموات ألم خيالها
على أن إما الأولى محذوفة، والتقدير: تلم إما بدار، وإما بأموات، وكذا قدره أبو علي في "كتاب الشعر" وخص ابن عصفور تبعًا لأبي علي حذفها بالشعر، وقول المصنف: والفراء يقيسه الخ، أقول: الفراء يجعل "إما" الثانية نائبة عن أو، ولا يقول: إنها محذوفة من أول الكلام، وهذا كلامه عند تفسير قوله تعالى: (إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) [الأعراف ١١٥] قال: أدخل "أن" في "إما" لأنها في موضع أمر بالاختيار، فهي في موضع نصب، كقول القائل: اختر ذا أو ذا، فإن قلت: إن أو في المعنى بمنزله "إما [وإما] فهل يجوز أن تقول: يا زيد أن تقوم أو تقعد، تريد: اختر أن تقوم أو تقعد؟ قلت: لا يجوز ذلك لأن أول الاسمين في "أو" يكون خبرًا يجوز السكوت عليه، ثم
[ ٢ / ١٦ ]
تستدرك الشَّكُّ في الاسم الآخر، فتمضي الكلام على الخبر، ألا ترى أنك تقول: قام أخوك، وتسكت. وإن بدا لك قلت: أو أبوك؛ فأدخلت الشَّكُّ، والاسم الأول مكتف يصلح السكوت عليه، وليس يجوز أن تقول: ضربت إما عبد الله. وتسكت. فلما آذنت إما بالتخيير من أول الكلام، أحدثت لها أن. ولو وقعت إمّا وإمَّا مع فعلين قد وصلا باسم معرفة أو نكرة ولم يصلح الأمر بالتخيير في موقع إمَّا؛ لم يحدث فيها "أن" كقوله تعالى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) [التوبة/ ١٠٦].
ولو جعلت أن في مذهب كي وصيرتها وصلة لمرجؤون تريد: أرجئوا لأن يعذبوا أو يتاب عليهم؛ صلح ذلك في كل فعل تام، ولا يصلح في كان وأخواتها ولا في ظننت وأخواتها من ذلك أن تقول: آتيك إما أن تعطي، وإما أن تمنع، وخطأ أن تقول: أظنك إما أن تعطي، وإما أن تمنع، ولا أصبحت إما أن تعطي، وإما أن تمنع. ولا تدخل أو على إما ولا إما على أو، وربما فعلت العرب ذلك لتآخيهما في المعنى على التوهم. فيقولون: عبد الله إما جالس أو ناقض، ويقولون: عبد الله يقوم، وإما يقعد، وفي قراءة أبي: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ) [سبأ/ ٢٤]. فوضع "أو" في موضع إما. وقال الشاعر:
فقلت لهنَّ امشين إمَّا نلاقه كما قال أو نشف الصُّدور فنعذرا
وقال آخر:
فكيف بنفس كلما قلت أشرفت على البرء من دهماء هيض اندمالها
تهاض بدار قد تقادم عهدها وإمَّا بأموات ألمَّ خيالها
[ ٢ / ١٧ ]
فوضع "إما" في موضع "أو" وهو على التوهم إذا طالت الكلمة بعض الطول، أو فرقت بينهما بشيء، هنالك يجوز التوهم كما تقول: أنت ضارب زيد ظالمًا وأخاه، حين فرقت بينهما بظالم جاز نصب الأخ، وما قبله مخفوض. انتهى كلام الفراء.
فجعل إما نائبة عن "أو" لا أن مثلها محذوف من أول الكلام، ونقله المرادي في "الجنى الداني" فقال: وأجاز الفراء أن لا تكرر وأن تجري مجرى "أو". قال الدماميني في "المزج": ظاهره أنه لا يحتاج إلى تقدير إما قبل المعطوف، وظاهر قول المصنف: والفراء يقيسه؛ يأباه، إذ ضمير "يقيسه" عائد على الاستغناء عنها لفظًا، والفراء يرى أنها مستغنى عنها لفظًا وتقديرًا. انتهى.
والبيتان اللذان أنشدهما قد أوردهما أبو علي في كتاب "الشعر" ونسبهما إلى الفرزدق وكذا ابن يعيش في "شرح المفصل" وهو الصحيح، وقال العيني تبعًا للمرادي في "شرح التسهيل": هما لذي الرمة، ولم أرهما في ديوانه.
وقوله: فكيف بنفس، أي: كيف نأمل بصحة نفس هذه صفتها، وقال ابن الملا: "كيف" في محل رفع خبر مقدم، وبنفس مبتدأ مؤخر، والباء زائدة، وأشرفت: أقبلت، والبرء بالضم: الخلاص من المرض. وقوله: "من دهماء" أي: من حبها، أو من تعليلة، دهماء: اسم امرأة، وروي بدله "حوصاء" وهيض: مجهول هاض العظم يهيضه هيضًا؛ إذا كسره بعد الجبر، وقوله: اندمالها،
[ ٢ / ١٨ ]
أي اندمال جرحها، والضمير للنفس، والاندمال: تراجع الجرح إلى البرء، يريد: كلما قارب الجرح إلى الالتحام، أصيب بشيء فدمي، فصار جرحًا كالأول.
وقوله: تهاض - بالمثناة الفوقية، والضمير للنفس - أي: يتجدد جرحها. والباء في الموضعين سببية: وجعلها العيني ظرفية، وقدر لمجرورها صفة، وقال: أي في دار تخرب، وهذا لا حاجة إليه، وجملة "قد تقادم" صفة دار، والعهد: الزمان، وقال صاحب "المصباح": وهو قريب العهد بكذا، أي: قريب العلم والحال، والأمر كما عهدت، أي: كما عرفت، وقوله: وإما بأموات، قال العيني: أي بموت أموات، وليس المعنى عليه كما لا يخفى. وفي الصحاح: الإلمام: النزول، وقد ألم به، أي: نزل، فيكون التقدير: ألم خيالها بنا، والجملة صفة أموات، والمشهور تلم بدار، وهذا البيت بيان لسبب عدم برء النفس. وترجمة الفرزدق تقدمت في الشاهد الثاني.
وأنشد في "أو" وهو الإنشاد السادس والثمانون:
[أو]
(٨٦) نحن أو أنتم الألى ألفوا الحقَّ فبعدًا للمبطلين وسحقا
على أن أو فيه للإبهام، كذا أورده أبو حيان في شرح "التسهيل" مع الآية. وقوله: نحن أو أنتم؛ قائل البيت يعلم أن فريقه على الحق، وأن المخاطبين على الباطل، لكنهم أبهم على السامع بالكلام المنصف المسكت للخصم المعاند، ونظيره قول حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بكفء فشرُّكما لخير كما الفداء
[ ٢ / ١٩ ]
وكل من يسمع هذا الكلام يقول للمخاطّب به: قد أنصفك خصمك، إذ لولا إيراد الكلام بهذه الصورة ما أمكنه أن يقول: "فبعدًا للمبطلين" خطابًا له، إذا كان ذا جاه وصولة. والألى بضم الهمزة والقصر: اسم موصول بمعنى الذين. ولم يرسم هذا بالواو كما رسم "أولي" اسم الإشارة، لأن الواو رسمت بهذه لتميزها عن "إلى" الجارّة، وأما اسم الموصول فهو مميز بالألف واللام. وألفت الشيء من باب علم: أنست به وأحببته، والحق خلاف الباطل. قال الراغب: أصل الحق المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقِّه، لدورانه على الاستقامة، والحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله تعالى كله حق، نحو الموت والبعث حق، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في البعث حق، وللفعل والقول الواقع بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: فعلك حق، وقولك حق، ويقال: أحققت ذا، أي: أثبته حقًا، أو حكمت بكونه حقًا. انتهى. والبعد هنا الهلاك، وهو اسم من بعد يبعد بعدًا، من باب فرح. والمبطل: اسم فاعل من أبطل، إذا صار ذا باطل، كأحق: إذا صار ذا حق، والباطل: ضد الحق، وهو ما لا ثبات له من المقال والفعال عند الفحص عنه. والسُّحق بالضم: التقطع والتمزق: من أسحق الثوب إسحاقًا: إذا بلي وتمزق.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون:
(٨٧) وقد زعمت ليلى بأنِّي فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها.
على أن "أو" فيه للجمع المطلق كالواو، قال ابن الشجري في "أماليه":
[ ٢ / ٢٠ ]
"أو" بمعنى واو العطف من أقوال الكوفيين، ولهم فيه احتجاجات من القرآن ومن الشعر القديم، فما احتجوا به من القرآن قوله تعالى: (لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه/ ٤٤] و(عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) [المرسلات/ ٦] و(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) [طه/ ١٣٣] ومن الشعر قول توبة: وقد زعمت ليلى البيت، وقول جرير:
أثعلبة الفوارس أو رياحًا عدلت بهم طهيَّة والخشابا
أي: عدلت هاتين القبيلتين بهاتين القبيلتين. وقول جرير:
نال الخلافة أو كانت له البيت.
وقول الآخر:
قفا نسأل منازل من لبيني خلاءً بين قردة أو عرادا
وقول ابن أحمر:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث إلى ذا كما ما غيَّبتني غيابيا
أراد: ونصف ثالث، لأن لبثّ نصف الثالث لا يكون إلا بعد لبث الشهرين، وقول لبيد:
[ ٢ / ٢١ ]
تمنَّى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلاَّ من ربيعة أو مضر
قالوا: أو هنا بمعنى الواو لأنه لا يشك في نسبه حتى أنه لا يدري أمن ربيعة هو أم من مضر، ولكنه أراد بربيعة أباه الذي ولده، لأنه لبيد بن ربيعة، ثم قال: أو مضر، ريد: ومضر، يعني مضر بن نزار. واحتجوا بقول متمم بن نويرة:
فلو أنَّ البكاء يردُّ شيئًا بكيت على بجير أو عفاق
على المرأين إذ هلكا جميعًا لشأنهما بشجو واشتياق
قال: على المرأين، لأنه أراد على بجير وعفاق، فأبدل اثنين من اثنين. واحتجوا بقول الراجز:
خلِّ الطريق واجتنب أرماما إنَّ بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما
قالوا: أراد: أكتل ورزامًا، فلذلك قال: خويربين، ولو كانت "أو" على بابها لقال: خويربًا. كما تقول زيد في الدار وعمرو جالس، ولا تقول: جالسان، انتهى ما أورده ابن الشجري. وجملة ما أورده من الشعر ثمانية شواهد، والمصنف أورد ستة، فيها ثلاثة لم يوردها ابن الشجري، وإنما أوردها ابن مالك في شرح "الكافية" مستدلًا بها.
قال أبو حيان في شرح "التسهيل": ولا حجة في شيء من ذلك:
أما (عذرًا أو نذرًا) "فأو" فيه للتفصيل، لأنها فصّلت الذكر إلى ما هو
[ ٢ / ٢٢ ]
عذر، وإلى ما هو نذر، أي: تخويف. وأما (لعلَّه يتذكَّر أو يخشى) و(لعلهَّم يتَّقون أو يحدث لهم ذكرًا) "فأو" فيهما للإباحة، لأن المترجي طالب وقوع أحد الأمرين: التذكر، وهو التوبة، أو الخشية والاتقاء، لما في كل واحد منهما من الانكفاف عن الكفر، أو مجموعهما، لأن ذلك أبلغ في الانكفاف، والترجي في الآيتين مصروف إلى البشر.
وأما "أو رياحًا" فالمعنى: على أحد القبيلتين، وأما "أو عفاق" فأو فيه لإثبات أحد الشيئين في وقت دون وقت، وكأنه قال: بكيت على بجير مرة وعلى عفاق أخرى.
وأجاب النحاس عن بيت ابن أحمر بأن معناه: أو شهرين ونصف، وفيه تكلف، إذ فيه حذف معطوف وحرف عطف. وأما "أو عليها فجورها" فأو فيه للإبهام، لأنه قد علم ما حاله أهو تقي أم فاجر. هذا كلامه، وهو في الأصل جواب ابن عصفور، كما نقله تلميذه ناظر الجيش. ويأتي بقية الأجوبة واحدًا بعد واحد.
والبيت من قصيدة لتوبة بن الحميَّر وأولها:
نأتك بليلى دارها لا تزورها وشطَّت نواها واستمرَّ مريرها
يقول رجال لا يضيرك نأيها بلى كلُّ ما شفَّ النُّفوس يضيرها
أليس يضير العين أن تكثر البكا ويمنع منها نومها وسرورها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
[ ٢ / ٢٣ ]
وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها
وقد زعمت ليلى بأنِّي فاجر . . . . البيت
وقوله: نأتك بليلى دارها: الباء للتعدية، أي: جعلت الدار ليلى نائبة عنك، وهذا من المقلوب؛ والأصل: نأت عنك ليلى بدارها، وشطت: بعدت، والنوى: النية التي ينويها المسافر، والمرير: المرارة، وضاره ضيرًا؛ من باب باع: أضرّ به، وسّفه الهم، هزله. ورابني: أوقعني في الريبة، وهي الظنة والتهمة، والسفور: مصدر سفرت المرأة: إذا كشفت عن وجهها، والبسور: تقليب الوجه والتعبيس.
وليلى: هي ليلى الأخيلية بنت عبد الله بن الرَّحّالة بن كعب بن معاوية، ومعاوية: هو الأخيل بن عبادة.
روى المرزباني في كتاب "النساء الشواعر" أن الحجاج قال لها: يا ليلى: أنشديني بعض شعر توبة، قالت: وأي شعره أحب إليك؟ قال: لها قوله:
نأتك بليلى دارها لا تزورها
فأنشدته القصيدة، فقال لها: ما الذي رابه من صدودك يا ليلى؟ قالت: أصلح الله الأمير! إنه لم يرني قط إلا مبرقعة، فأرسل إلي رسولًا أنه ملمّ بنا، وفطن الحي برسوله، فلما رأيته سفرت، فلما رأى ذلك انصرف، قال: قاتلك الله يا ليلى! فهل كان بينكما ريبة قط؟ فقالت: أصلح الله الأمير! لا، إلا أنه قال مرة قولًا عرفت أنه خضع لبعض الأمر، فقلت له:
وذي حاجة قلنا له لاتبح بها فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا نبتغي أن نخونه وأنت لأخرى صاحب وخليل
قال: فما كان بعد ذلك؟ قالت قال: لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاهتف به:
[ ٢ / ٢٤ ]
عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلة من الدَّهر لا يسري إليَّ خيالها
فناديت:
وعنه عفا ربّي وأصلح باله فعزَّ علينا حاجة لا ينالها
انتهى. وتوبة بن الحمير: بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو بعدها موحدة، والحميَّر: على لفظ مصغر الحمار، والحمير بن سفيان بن كعب بن خفاجة، وينتهي نسبه إلى عامر بن صعصعة، وهو شاعر إسلامي؛ قتل في حدود سنة ست وسبعين من الهجرة قال صاحب "الأغاني": كانت توبة يتعشق ليلى الأخيلية، وإنه خطبها إلى أبيها، فأبى وزوجها غيره. وقال ابن قتيبة: هو من بني عقيل ابن كعب بن ربيعة بن عامر، خافجي من بني خفاجة، وكان شاعرًا لصًا، وأحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وقتله بنو عوف؛ وذلك أنه كان يشنُّ الغارة على بني الحارث بن كعب وهمدان، وكانت بين أرض بن عقيل وبين مهرة مفازة، وكان يحمل معه الماء إذا أغار، فغزاهم وأخوه عبد الله وابن عم له، فنذروا بهم، فانصرف مخفقًا، فمر بجيران لبني عوف، فأطرد إبلهم، وقتل رجلًا من بني عوف، فطلبوه فقتلوه، وضربوا رجل أخيه فأعرجوه، واستنقذوا الإبل وانصرفوا، وتركوا عند عبد الله سقاء من ماء، فتحامل حتى أتى قومه، فعيَّروه وقالوا: فررت عن أخيك! فقال:
يلوم على القتال بنو عقيل وكيف قتال أعرج لا يقوم
[ ٢ / ٢٥ ]
ورثته ليلى الأخيلية بمراث جيدة، ومن ذلك:
فإن تكن القتلى بواءً فإنَّكم فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامر
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييَّةٍ وأشجع من ليث بخفقَّان خادر
فتى لا تخطّاء الرِّفاق ولا يرى لقدر عيالًا غير جار مجاور
فتىً كان للمولى سناءً ورفعةً وللطارق السَّاري قرىً غير باسر
فنعم الفتى إن كان توبة فاجرًا وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
وفي "الشعراء": توبة بن مضرس، وهو شاعر إسلامي أيضًا، ومعاصر لتوبة بن الحمير، وينتهي نسبه إلى سعد بن زيد مناة بن تميم، ذكره الآمدي في "المؤتلف والمختلف".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون:
(٨٨) جاء الخلافة أو كانت له قدرًا كما أتى ربَّه موسى على قدر
على أن "أو" فيه أيضًا بمعنى الواو، قال أبو حيان، أجيب بأن أو فيه للشك، كأنه قال: نال الخلافة لما رآها لاستحقاقه لها، أو قدرت له من غير إرادة لها ولا طلب، اعتناء من الله تعالى به، على أن الرواية المشهورة: "إذ كانت" وقال المصنف في "شرح بانت سعاد" عند قوله: "أو لو أنّ النُّصح مقبول"
[ ٢ / ٢٦ ]
أما البيت الأول فمعناه: لنفسي تقاها إن كنت متقيًا، أو عليها فجورها إن كنت فاجرًا، فأو فيه لأحد الشيئين، وليست بمعنى الواو. وأما البيت الثاني فالذي وقفت عليه في إنشاده في كتب الشعر والأدب "إذ كانت" فلعل الذال تصحفت بالواو، وهو تصحيف قريب. انتهى.
وأنا أقول: عندي نسختان صحيحتان قديمتان من ديوان جرير، وفي كليهما "إذ" لا "أو" ولكن في إحداهما: "جاء الخلافة إذ كانت له قدرًا" وفي الثانية "نال الخلافة إذ كانت له قدرًا" وقال جامع ديوانه وهو محمد بن حبيب: ويروى: "عز الخلافة إذ كانت له قدرًا" وكأن هذه الرواية اشتهرت، وتلك الرواية تركت، ولا تؤثر هذه الرواية طعنًا في ما رواه الجماعة، لأنهم ثقات، والله تعالى أعلم.
والبيت من قصيدة لجرير، مدح بها عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الأموي. وروى صاحب "الأغاني" وغيره أن عمر لما استخلف وفد الشعراء إليه، وأقاموا ببابه أيامًا لا يؤذن لهم، فبيناهم كذلك وقد أزمعوا على الرحيل، إذ مر بهم عدي بن أرطاة، فقال له جرير:
يا أيُّها الرَّجل المرخي عمامته هذا زمانك إنِّي قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه أنِّي لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لقيِّت مغفرة قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
فدخل عدي على عمر، فقال: الشعراء ببابك، وسهامهم مسنونة، وأقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي! مالي وللشعراء؟ قال: أعز الله أمير المؤمنين،
[ ٢ / ٢٧ ]
إن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم؛ قد امتدح وأعطى، ولك في رسول الله، صلى الله تعالى عليه، أسوة. قال: من بالباب منهم؟ قال: عمر ابن أبي ربيعة، والفرزدق، والأخطل، والأحوص، وجميل. قال: أليس هذا قائل كذا، وهذا قائل كذا؟ وذكر لكل واحد منهم أبياتًا تشعر بعدم ديانته. والله لا يدخل علي أحد منهم! فهل سوى من ذكرت؟ قال: نعم جرير، قال: أما إنه الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان ولابد فهو، فأذن لجرير فدخل وهو يقول:
إنَّ الذي بعث النَّبيَّ محمَّدًا جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه حتى أرعوى وأقام ميل المائل
إنِّي لأرجو منك خيرًا عاجلًا والنَّفس مولعة بحبِّ العاجل
والله أنزل في الكتاب فريضةً لابن السَّبيل وللفقير العائل
فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير! اتق الله تعالى ولا تقل إلا حقًا، فأنشأ جرير يقول:
[ ٢ / ٢٨ ]
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت أم قد كفاني ما بلِّغت من خبري
كم باليمامة من شعثاء أرملةٍ ومن يتيم ضعيف الصَّوت والنَّظر
يدعوك دعوة ملهوف كأنَّ به خبلًا من الجنِّ أو مسًّا من البشر
إلى أن قال:
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرًا كما أتى ربَّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضَّيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذَّكر
فقال: يا جرير، ما أرى لك فيما ها هنا حقًا! قال: بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن السبيل ومنقطع بي، فأعطاه من صلب ماله مائة درهم، وقال: ويحك يا جرير! لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية. فأخذها وقال: والله إنها لأحب ما اكتسبت إليّ، وإني عنه لراض، وأنشأ يقول:
رأيت رقى الشَّيطان لا تستفزُّه وقد كان شيطاني من الجن راقيا
انتهى ما أورده الأصفهاني. وقوله: إذ مر بهم عدي بن أرطاة، رأيت في ديوانه في موضعين: وقال: لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
يا أيُّها القارئ المرخي عمامته إلى آخر الأبيات الثلاثة
وقوله:
إنَّ الذي بعث النَّبيَّ محمدًا إلخ
[ ٢ / ٢٩ ]
رأيت في ديوانه بعد هذا البيت:
ولقد نفعت بما منعت تحرُّجًا مكس العشور على جسور السَّاحل
قد نال عد لك من أقام بأرضنا فإليك حاجة كلِّ وفد راحل
إني لآمل منك خيرًا البيت. والله أنزل في الكتاب البيت.
قال جامع ديوانه: كان أول شيء أظهره عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، منع شتم علي، رضي الله تعالى عنه، وطرح العشور. انتهى. وقوله: المرخي عمامته، كان شعار القراء في ذلك الزمان إرخاء طرف العمامة، والمصفود: المقيد، والقرن بفتحتين: الحبل، والجهد: المشقة، وجهد البلاء: الحالة التي يختار عليها الموت، أو كثرة العيال والفقر، والشعثاء: السيئة الحال، والأرملة: المرأة التي لا زوج لها والمحتاجة، ورجل أرمل: محتاج، والخبل بفتح الخاء المعجمة وسكون الموحدة: المجنون، وكذا المس. والقدر بفتحتين: المقدَّر، وفي "تفسير السمين": القدر ما سبق به القضاء، والكتابة في اللوح المحفوظ، والمقدور: ما يحدث حالًا فحالًا. وقوله: كما أتى، الكاف للتشبيه، وما مصدرية، وموسى: هو ابن عمران النبي، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون:
(٨٩) وكان سيَّان أن يسرحوا نعمًا أو يسرحوه بها واعبرَّت السُّوح
[ ٢ / ٣٠ ]
على أن "أو" فيه بمعنى الواو، لأن سواء وسيّين يطلبان شيئين، فلو جعلت أو لأحد الشيئين لكان المعنى: سيّان أحدهما، وهذا كلام مستحيل، قال أبو علي في كتاب "الشعر": والذي حسن ذلك للشاعر أنه يرى "جالس الحسن أو ابن سيرين" فيستقيم له أن يجالسهما جميعًا، و"كل الخبز أو التمر" فيجوز له أن يجمعهما في الأكل، فلما صارت مجرى الواو في هذه المواضع، استجاز أن يستعملها بعد سي، ولم نعلم ذلك جاء في سواء، وقياسه سيان. انتهى. وأوضحه في كتاب "الحجة" في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: (سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة/ ٦] التسوية لا تكون إلا بين شيئين فصاعدًا، فإن قلت: فقد قال أبو عمرو: إن الأصمعي أنشد [هم] لرجل من هذيل:
وكان سيَّان أن يسرحوا نعمًا أو يسرحوه بها واعبرَّت السوح
فأنشدهموه بأو، وسيان مثل سواء، ألا ترى أنه لا يستقيم: زيد أو عمرو سيان، كذلك لا يستقيم مع سواء، ولا تكون أو بمنزلة الواو، فالقول في ذلك أن هذا على ظاهر الاستحالة، وإنما استجاز هذا الكلام بأو لأنه يراه يقول: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ فيجوز له أن يجالسهما ويسمع (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان/ ٢٤] فلا يطيعهما، كما أنه إذا قيل له ذلك بالواو كان كذلك. فلما رآها تجري مجرى "الواو" في نحو هذه المواضع أجراها مجراها مع "سواء" و"سيان" فهذا كلام حقيقته ما ذكرنا، والذي سوغه عند قائله ما وصفنا، وكذلك قول المحدث:
سيَّان كسر رغيفه أو كسر عظم من عظامه
انتهى كلامه.
وكتب أبو اليمن الكندي في هامشه: هذا البيت لأبي محمد
[ ٢ / ٣١ ]
اليزيدي صاحب أبي عمرو ابن العلاء.
وأخذه ابن جني فوضعه في كتاب "الخصائص" وسماه تدريج اللغة، فقال: وذلك، أي: تدريح اللغة أن يشبه شيء شيئًا من موضع، فيمضي حكمه على حكم الأول، ثم يرَّقى منه إلى غيره، فمن ذلك قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، فلو جالسهما جميعًا، لكان مصيبًا مطيعًا لا مخالفًا، وإن كانت [أو] إنما هي في أصل وضعها لأحد الشيئين، وإنما جاز ذلك في هذا الموضع لا لشيء رجع إلى نفس "أو" بل لقرينة انضمت من جهة المعنى إلى "أو" وذلك لأنه قد عرف أنه إنما رغب في مجالسة الحسن، لما لمجالسة في ذلك من الحظ، وهذه الحال موجودة في مجالسة ابن سيرين أيضًا، فكأنه قال: جالس هذا الضرب من الناس، وعلى ذلك جرى النهي في هذا الطرز من القول في قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان/ ٢٤] فكأنه – والله تعالى أعلم – قال: لا تطع هذا الضرب من الناس. ثم إنه لما رأى "أو" في هذا الموضع قد جرت مجرى الواو، تدرَّج من ذلك إلى غيره، فأجراها مجرى الواو في موضع عار من هذه القرينة التي سوَّغت استعمال "أو" في معنى الواو، ألا تراه كيف قال:
فكان سيَّان أن لا يسرحوا نعمًا .. البيت
[ ٢ / ٣٢ ]
وسواء وسيَّان لا يستعمل إلا بالواو. انتهى.
وسيّان مثنى "سيّ" بالكسر، بمعنى مثل، وأصله سوي، لأنه من السواء والسوية، فقلب وأدغيم عملًا بالقاعدة. وقول المصنف: وإنما قدرنا "كان" شأنية، لئلا يلزم الإخبار عن النكرة بالمعرفة كان ينبغي له أن يترك هذا، ويعلله بقولنا: لئلا يلزم الإخبار بخلاف المقصود فإن المقصود الإخبار عن السرح وعدمه بأنهما سيان في عدم النفع، وليس المراد الإخبار عن سيين بأنهما السرح وعدمه، وأما الإخبار عن النكرة بالمعرفة. فجائز في باب النواسخ كقوله:
يكون مزاجها عسل وماء
وإن كان عند المصنف من قبيل الضرورة، وعند ابن مالك والرضي وغيرهما جائز في النواسخ نظمًا ونثرًا.
قال أبو علي في كتاب "الشعر": إما أن يكون أضمر في "كان" الحديث أو الأمر، فيكون "سيّان" خبر الاسمين اللذين هما: أن لا يسرحوا نعمًا أو يسرحوه، أو يكون جعل "سيّان" المبتدأ، وإن كان نكرة، وأدخل كان على "سيان" والوجه الأول أشبه. انتهى. وكذا قال ابن يسعون في "شرح أبيات الجمل". وفي "المصباح": سرحت الإبل سرحًا – من باب نفع – وسروحًا أيضًا: وعت بنفسها، وسرحتها؛ يتعدى ولا يتعدى، وهو هنا متعد.
والنَّعم: المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: النعم الإبل
[ ٢ / ٣٣ ]
خاصة، والأنعام ذوات الخف والظلف، وهي الإبل والبقر والغنم، وقيل: تطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت البقر والغنم لم تسم نعمًا، كذا في "المصباح".
وضمير "بها" قال ابن يسعون: للسنة المجدبة التي دلّت الحال عليها، ويحتمل أن يريد البقعة التي وصفها بالجدب. والباء بمعنى "في" وغبرت: اسودت في عين من يراها، أو كثر فيها الغبار لعدم الأمطار، وروي بدله "وابيضت" والسُّوح: جمع ساحة، وهي فضاء يكون بين دور الحي، والواو للحال و"قد" مقدرة. انتهى.
قال أبو علي في "الحجة": وفي كتاب "الشعر": زعم أبو عمرو أن الأصمعي أنشدهم هذا البيت لرجل من هذيل، وأقول: جميع النحويين رووا هذا البيت كذا، وقد رأيته ملفقًا من بيتين في قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي وهما:
وقال راعيهم سيَّان سيركم وأن تقيموا به واغبرَّت السُّوح
وكان مثلين أن لا يسرحوا نعمًا حيث استرادت مواشيهم وتسريح
وعلى هذا لا شاهد فيه.
والقصيدة مرثية رثى بها أبو ذؤيب صديقًا له قتل في وقعة، وهذه أبيات من مطلعها:
نام الخليُّ وبتُّ اللَّيل مشتجرا كأنَّ عيني فيها الصَّاب مذبوح
لمّا ذكرت أخا العمقى تأوَّبني همِّي وأفرد ظهري الأغلب الشِّيح
[ ٢ / ٣٤ ]
المانح الأُّدم كالمرو الصِّلاب إذا ما حارد الخور واجتث المجاليح
وزفَّت الشَّول من برد العشيِّ كما زفتَّ النَّعام إلى حفَّانه الرُّوح
وقال ماشيهم سيَّان سيركم . . . . البيتين
واعصوصبت بكرًا من حرجف ولها وسط الدِّيار رذيَّات مرازيح
أما ألات الذُّرى منها فعاصبة تجول بين مناقيها الأقاديح
لا يكرمون كريمات المخاض وأنـ ـساهم عقائلها جوع وترزيح
قوله: نام الخلي إلخ. قال السكري في "أشعار هذيل": الخلي الذي لا هم له، والمشتجر الذي قد وضع يده على حنكه أو فمه عند الهم، والصاب: نبت إذا شقَّ يخرج من ورقه كاللبن يحرق العين، ومذبوح: مشقوق، وقوله: لما ذكرت .. إلخ، العمقى، بضم العين المهملة وكسرها، وبالقصر، أرض قتل بها هذا الرجل المرثي. وتأوَّبني: أتاني ليلًا، وأفرد ظهري، أي: كان يمنع ظهري من العدو، والأغلب: الأسد الغليظ الرقبة، ورجل شيخ بالكسر، ومشيح، اسم فاعل من أشاح بالحاء المهملة: إذا كان جلدًا، يقول: خلاَّني
[ ٢ / ٣٥ ]
للأعداء. وقوله: المانح الأدم إلخ، قال السكري: المانح: هو أن يعطي الأدم كالعارية يشرب لبنها سنة، كالمرؤ في صلابتها، والمرو: الحجارة البيض والخور: الغزار الرقاق، وليست بسمان، وحارد: ذهب ألبانها، وهي من المحاردة، والمجاليح: اللواتي يدررن في القرة والجهد، والواحدة مجالح، بضم الميم وكسر اللام.
وقال الدينوري في كتاب "النبات" وقد أورد هذه الأبيات، من بيت المجاليح إلى آخر ما أوردناه: مما وصف به المحل قول أبي ذؤيب، ومدح رجلًا ببذله ماله فيه، والمحاردة: انقطاع اللبن، والمجاليح: الصُّبر من النوق على الجدب، الباقية الألبان عليه، الواحدة المجالحة، فاحتثت لتدر ولا در بها. وقوله: وزفت الشول إلخ، الزفيف: مشي سريع في تقارب الخطو، والشول: التي نقصت ألبانها، وخفت بطونها من أولادها، وأتى على نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. والحفان، بفتح الحاء المهملة، وتشديد الفاء: صغار النعام والروح: نعت النعام، جمع أروح وروحاء، وصف من الروح – بفتحتين – وهو سعة في الرجلين، والأروح تتباعد صدور قدميه وتتدانى عقباه. يقول: زفت الشول إلى أن تأتي مكانًا تستتر فيه، وإنما خص الشول لقلة صبرها على البرد، لخفة بطونها.
وقوله: وقال راعيهم سيان إلخ. روى السكري: "وقال ماشيهم" أيضًا، وقال: يريد: اغبرت ساحات ما حولهم من الجدب، وماشيهم: يريد ماشي الحي، والممشي صاحبها، قال الباهلي: زعموا أن ماشيهم في معنى مشيهم،
[ ٢ / ٣٦ ]
أي: صاحب الماشية، يقال: أمشى الرجل، يقول: سواء سيركم إن سرتم، وإن أقمتم، فأنتم في جدب. وروى الدينوري: "وقال رائدهم سيان سيركم".
وقوله: وكان مثلين .. إلخ، هذا على القياس، قال السكري: أراد أن لا يسرحوا أو تسريح، سواء، ومعنى أن لا يسرحوا: أن لا يراعوا، واسترادت مواشيهم، أي: ترود وتطلب المرعى، أي: فهو جدب رعوا أم لم يرعوا. وقوله: واعصوصبت بكرًا إلخ، قال الدينوري: اعصوصبت: اجتمعت من البرد يتقي بعضها ببعض. والبكر بفتحتين: جمع بكرة، وهي الناقة الشابة، والحرجف بتقديم المهملة المفتوحة على الجيم: الريح الباردة اليابسة، والرذيلة: الهزيلة الساقطة، وكذلك المرازيح، وهي التي رزحت فلا حركة لها، ولم يقل السكري في هذا البيت شيئًا. وقوله: ألات الذرى، قال السكري: هي ذوات الأسنمة. فعاصبة، أي: قد عصبت واستدارت لا تبرح، والأقاديح: جمع قداح، أي: تجول القداح بين مناقبها، وهو أن يضرب عليها بالقداح. يقول: يختار منقياتها، أي: سمانها للعقر. وقوله: لا يكرمون إلخ، قال السكري: يقول: ينحرون كريمات المخاض - وهي الحوامل - فهي أنفس عندهم إذا نحروها، وعقائلها: كرائمها، أي: أنساهم الجوع، والترزيح: وهي الرازح: التي قد قامت من الهزال وسقطت. انتهى. وترجمة أبي ذؤيب تقدمت في الإنشاد الخامس.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون:
(٩٠) إنَّ بها أكتل أو رزاما خويربين ينقفان الهاما
[ ٢ / ٣٧ ]
على أن الكوفيين ومن تبعهم قالوا: "أو" فيه بمعنى "الواو"، لأن الشاعر أراد: أكتل ورزامًا، فلذلك قال: خويربين، ونصبه على الحال منهما، ولو كانت على بابها، لقال: خويربًا ونصبه على الحال من أحدهما.
وأجاب الخليل على أن "أو" على بابها لأحد الشيئين، "وخويربين" منصوب على الذم لا على الحال من أكتل ورزام، وهذا نص سيبويه: وسألت الخليل، رحمه الله تعالى، عن قوله، وهو لرجل من بني أسد:
إنَّ بها أكتل أو رزاما
فزعم أن خويربين انتصبا على الشتم، ولو كان على "إن" لقال: خويربًا، ولكنه انتصب على الشتم، كما انتصب (حمّالة الحطب) انتهى كلامه.
قال أبو جعفر النحاس في شرح شواهده: يعني أنك إذا قلت: إن زيدًا منطلق أو عمرًا؛ فإنما أوجبت لواحد منهما، فلا يجوز أن تجمعهما في النعت ولا الحال، فقوله: "بها" خبر "إن" انتهى.
وقال الأعلم أيضًا: الشاهد في نصب "خويربين" على الذم، ولا يجوز أن يكون حالًا من "أكتل" ورزام، لأن الخبر عن أحدهما لاعتراض "أو" بينهما، ولو كان حالًا لأفرده، كما تقول: إن في الدار زيدًا أو عمرًا جالسًا، لأنك توجب الجلوس لأحدهما، فلما لم يمكن فيه الحال لما بينا؛ نصب على الذم. انتهى. ولا يتصور أن يكون خويربين نعتًا لهما، لتخالفهما بالتعريف والتنكير، فقول المصنف: لا نعت تابع، سهو قلم.
وأورد المبرد هذين البيتين في "الكامل" وقال: نصب خويربين على
[ ٢ / ٣٨ ]
أعني، لا يكون غير ذلك؛ لأنه إنما أثبت أحدهما بقوله: "أو" انتهى.
وأنشد السيرافي الشعر كذا:
ائت الطريق واجتنب أرماما إنَّ بها أكتل أو رزاما
لم يدعا لسارح مقاما خويربين ينقفان الهاما
أكتل ورزام: لصان كانا يقطعان الطريق بأرمام، ينقفان هام من مرَّ بهما. انتهى.
ورواه أبو القاسم علي بن حمزة البصري اللغوي في كتاب "التنبيهات على أغلاط الرواة" كتبه في أغلاط أبي عمرو الشيباني في "نوادره" كذا:
ائت الطريق واجتنب أرماما إنَّ بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما لم يتركا لمسلم طعاما
ورواه ابن الشجري في "أماليه":
خلِّ الطّريق واجتنب أرماما
والباقي كرواية السيرافي، إلا أنه أخر البيت "لم يدعا" عن بيت "خويربين".
وقوله: ائت الطريق إلخ، أي: اسلك أي طريق تريد، فإنه يأمن سالكه، واجتنب طريق أرمام، فإن بها قاطع طريق، ومن روى: "خل الطريق" فالمراد: طريق أرمام. "وأتى" يتعدى كما هنا، ويقال للطريق الذي يسلكه الناس كثيرًا مئتاء، على مفعال، ويأتي لازمًا كقولك: أتى زيد. وأرمام: بفتح الألف، وسكون الراء المهملة بعدها ميمان بينهما ألف، قال الحازمي في
[ ٢ / ٣٩ ]
كتاب "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن": هو جبل في ديار باهلة. وقيل: واد يصب على الثلبوت من ديار بني أسد، وواد بين حاجر وفيد، وكذا قال ياقوت في "معجم البلدان" وزاد عليه: ويوم أرمام من أيام العرب. وأما أبو عبيد البكري فإنه قال في "معجم ما استعجم": أرمام، بكسر الهمزة وبيمين، كأنه مصدر أرم إرمامًا: موضع في ديار طي أو ما يليها، وأنشد له أبياتًا. والمناسب هنا أن يكون الوادي الذي يصب في الثلبوت، فإن قائل الشعر من بني أسد كما قال سيبويه.
وأكتل: أفعل، بفتح الألف وسكون الكاف وفتح المثناة الفوقية بعدها لام، ورزام: بكسر الراء المهملة بعدها زاي معجمة؛ وهما لصان، ولم يصب الليث في قوله: الأكتل من أسماء الشديدة من شدائد الدهر، واشتقاقه من الكتال، وهو سوء العيش وضيقه، وأنشد:
إنَّ بها أكتل أو رزاما خويربان ينقفان الهاما
قال: ورزام: اسم للشديدة. قال الأزهري في "التهذيب" بعدما نقلنا: قلت: خلط الليث في تفسير "أكتل ورزام" معًا، وليسا من أسماء الشدائد، إنما هما اسما لصين من لصوص البادية، ألا تراه يقول: هما خويربان، يقال: لص خارب، ويصغر فيقال: خويرب. وروى سلمة عن الفراء أنه أنشده:
إنَّ بها أكتل أو رزاما خويربان ينققان الهاما
[ ٢ / ٤٠ ]
قال الفراء: "أو" هنا بمعنى واو العطف، أراد: إن بها أكتل ورزاما، وهما خاربان. انتهى. وتصغير خويرب للتعظيم، والخارب: بالخاء المعجمة والراء المهملة، قال الأعلم: والخارب: اللص، ويقال: هو سارق الإبل خاصة، والصحيح أن كل لص خارب، لقوله بعد هذا:
لم يتركا لمسلم طعاما
ولقول آخر:
والخارب اللِّص يحبُّ الخاربا
فجعله شائعًا لكل لص. ومعنى ينقفان الهام: يستخرجان دماغها، وهذا مثل ضربه لعلمهما بالسرقة، واستخراجهما لأخفى الأشياء وأبعدها قرارًا. انتهى كلامه. وتبع في تفسير الخارب أنه مطلق اللص أبا جعفر النحاس، ويأتي تفسير علي بن حمزة البصري للخرابة، وجواب ما استدلا به. وفي "الصحاح": والخارب: اللص، قال الأصمعي: هو سارق البعران خاصة، والجمع الخراب، يقول منه: خرب فلان إبل فلان يخرب خرابة، مثل: كتب كتابة. انتهى.
وفي "كامل" المبرد: وكان أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس ابن شبث بن ربعي الرياحي من بني رياح بن يربوع، قد غلب عليه الشراب على كرم منصبه وشرف أسرته حتى كاد يبطله. وكان عجيب الجواب، فجلس إليه رجل مرة يعرف ببرزين المناقير، وكان أبوه صلب في خرابة – والخرابة عندهم: سرق الإبل خاصة – فأقبل يعرض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في است أبيه!
[ ٢ / ٤١ ]
وفي الخرابة يقول الراجز:
والخارب اللِّص يحبُّ الخاربا وتلك قربى مثل أن تناسبا
أن تشبه الضَّرائب الضَّرائبا
وقال آخر:
ائت الطَّريق واجتنب أرماما إنَّ بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما
ومرَّ نصر بن سيار الليثي بأبي الهندي وهو يميل سكرًا، فقال: أفسدت شرفك يا أبا الهندي! فقال: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان! انتهى.
وقال العسكري في كتاب "التصحيف" وسمعت ابن دريد يقول: الخرابة سرقة الإبل خاصة، وقد استعير لغير الإبل قال الشاعر:
ألا قتلت مذحج ربَّها وكانت خرابتها في مراد
وصحفه الأصمعي، فقال: "خزايتها" بالزاي والياء المثناة التحتية. انتهى. وقال الأزهري في "التهذيب": قال الليث: والخارب اللص، يقال: ما رأينا من فلان خربة وخربًا مذ جاورنا، أي: فسادًا في دينه أو تثينًا، قال: ويقال: الخارب من شدائد الدهر، وأنشد:
إنَّ بها أكتل أو رزاما خويربان ينقفان الهام
[ ٢ / ٤٢ ]
قال: الأكتل والكتال: هما شدة العيش، والرزام: الهزال. قلت: أكتل ورزام بكسر الراء: اسما رجلين كانا خاربين لصين، وقوله: خويربان، أراد: هما خاربان فصغرهما، وهما أكتل ورزام. والذي قاله الليث في تفسير الخارب، وأكتل، ورزام كلا شيء، وفسر ابن الأعرابي وغيره هذا الرجز على ما بينه. انتهى. والليث يظن رزامًا بضم الراء.
وقد أطنب أبو القاسم علي بن حمزة البصري، وحرر الكلام على الخرابة، فلا بأس بنقل كلامه، قال: وقال أبو عمرو الشيباني: اللص يقال له الخارب، وأنشد:
ولا خارب إن فاته زاد صاحب يعضُّ على إبهامه يتفكَّن
أي: يتندم، قال أبو القاسم: هذا غلط، الخارب الذي يسرق الإبل خاصة، قال أبو زياد: الخارب: الذي يسرق الإبل، ولا نسميه لصًا، هو عندنا أجل من اللص، وقال أبو العباس ثعلب، في قول العجاج:
خرابةً ولم تكن مهورًا
الخرابة: سرقة الإبل خاصة؛ وكذلك قال أبو نصر في قول ذي الرمة:
فجاءت كذود الخاربين يسلُّها
[ ٢ / ٤٣ ]
وقال أبو زياد أيضًا: الخارب: الذي يأخذ النعم من الشام، فيستاقها، ثم يبيعها باليمن، ويأخذها من اليمن، فيبيعها بالشام، وهو الطراد، لا ندعوه لصًا، هو أرفع عندنا من اللص، واللص عندنا: السارق الذي يسرق من البيت، والطريق، ومتاع الناس.
وهذا الذي قاله أبو زياد غير صحيح، لأن أبا رياش قال: الخارب: الذي يسرق الإبل، واللص لا يقال له خارب، وهذا هو القول الصحيح لا قول أبي عمرو، وأبي زياد، لأن الراجز يقول:
والخارب اللصُّ يحبُّ الخاربا وتلك قربى مثل أن تناسبا
أن تشبه الضرائب الضرائبا
فأما قول الآخر:
ائت الطريق واجتنب أرماما إنّ بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما لم يتركا لمسلم طعاما
فإنما وصفهما مع سرقتهما الإبل بالنهم، لأنهما يسرقان طعام الناس، والعرب تعد أكل مخ الرأس من النهم، ولذلك يقول شاعرهم:
ولا يسرق الكلب السَّروق نعالنا ولا ينتقي المخَّ الَّذي في الجماجم
ومما يدلك على صحة قول شيخنا أبي رياش، وفساد قول الشيخين، ﵏، قول قسام بن رواحة السنبسي:
[ ٢ / ٤٤ ]
لبئس نصيب القوم من أخويهم طراد الحواشي واستراق الَّنواضح
وقول أبي محمد الحذلمي:
يمنعها من شرِّ خرَّاب وسل وطائف الحوَّاض أو من مهتبل
مخافة البيض وأطراف الأسل
وقال ابن الأعرابي: السل: السرقة، يقال: في فلان سلة، أي: سرقة، ومن أمثالهم: "الخلة تورث السلة" قال: والخراب: الذين يسرقون الإبل خاصة انتهى. كلامه
وقد ذكره ياقوت في "معجم الأدباء" وأثنى عليه قال: علي بن حمزة البصري اللغوي أوحد الأئمة الأعلام في الأدب وأعيان أهل اللغة الفضلاء المعروفين.
له ردود على جماعة من أئمة اللغة، وله الرد على ابن ولاد في "المقصور والممدود" والرد على الجاحظ في "الحيوان"، والرد على "فصيح ثعلب" وعلى "الجمهرة" وعلى كتاب "النبات" للدينوري، وعلى ابن السكيت وغير ذلك، وعنده نزل المتنبي لما ورد بغداد، مات سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. انتهى.
وله أيضًا الرد على "كامل" المبرد والرد، على كتاب "المجاز" لأبي عبيدة، والذي عندي له أغلاط أبي زياد الكلابي في "نوادره" وأغلاط أبي عمرو الشيباني في "نوادره" وأغلاط أبي حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" وأغلاط "الغريب المصنف" لأبي عبيد، وأغلاط "إصلاح المنطق" وأرجو من الله تعالى أن يطلعني على بقية تصانيفه.
وينقفان، بضم القاف؛ لأنه من باب نصر، قال في "القاموس": النقف: كسر الهامة عن الدماغ، أو ضربها أشد الضرب برمح أو عصًا. انتهى.
[ ٢ / ٤٥ ]
والهامة: الرأس، والجمع هام.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون:
(٩١) قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد
فحسَّبوه فألفوه كما ذكرت تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد
على أن الكوفيين قالوا: أو فيه بمعنى الواو، ويقويه أنه روي: "ونصفه" قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأما قول النابغة فـ"أو" فيه للشك، والتقدير: أو هذا الحمام ونصفه، فحذف المعطوف عليه وحرف العطف، وهو الواو، ولا يبعد شك النابغة فيما قالت فتاة الحي، ولا يقدح في هذا التأويل رواية من رواه بالواو، لاحتمال أن يكون شاكًا، إلا أنه أخبر بما غلب على ظنه في هذه الرواية، وصرح بشكه في الرواية الأخرى. انتهى.
وفي هذا الجواب نظر، فإنها لم تتمن أحدهما وإنما تمنت الحمام الطائر، مع مثل نصفه، وبه تتم العدة تسعًا وتسعين، فكيف يشك النابغة مع تصريحه بالعدة! وقد أخذ أبو حيان هذا الجواب من كتاب "الانتصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني، خاطب بها النعمان بن المنذر، وعاتبه بها، واعتذر إليه مما اتهم به عنده، وتقدم شرح أبيات من أواخرها، وذكر سببها مع ترجمته في الإنشاد الثالث والعشرين. وقبله:
[ ٢ / ٤٦ ]
فاحكم كحكم فتاة الحيِّ إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثَّمد
يحفُّه جانبا نيق وتتبعه مثل الزُّجاجة لم تكحل من الرَّمد
قالت ألا ليتما . . . . . . إلى آخر البيتين
فكَّملت مائةً فيها حمامتها وأسرعت حسبةً في ذلك العدد
قوله: فاحكم كحكم فتاة الحي، أي: كن حكيمًا كهذه الفتاة أي: أصب في أمري كإصابتها في حدسها بالنظر الصحيح، ولا تسمع كلام مفترٍ، وسعاية واشٍ في حقي. وهو من الحكم الذي يراد به الحكمة لا القضاء، وكلاهما من باب نصر. وأراد بفتاة الحي: زرقاء اليمامة، واليمامة اسمها، وسميت البلدة باسمها، وقيل: اسمها عنز، وفي الأمثال: "أبصر من زرقاء اليمامة" قال الزمخشري: هي من بنات لقمان بن عاد، ملكة اليمامة، وهي إحدى الزرق الثلاث أعينها، والزباء والبسوس، وكانت جديسية، وحين قتلت جديس طسمًا استجاس قبيلة طسم حسان بن تبع، فلما صاروا من جر - وهي اليمامة على - مسيرة ثلاث ليال، صعدت الأطم، فنظرت إليهم، وقد استتر كل بشجرة تلبيسًا عليها، فارتجزت بقولها:
أقسم بالله لقد دبَّ الشَّجر أو حمير قد أخذت شيئًا تجر
فكذبها قومها، فما تأهبوا حتى صبحهم الجيش، ولما ظفر حسان بها قال: ما كان طعامك؟ قالت: درمكة في كل يوم بمخ، قال: فبم كنت تكتحلين؟ قالت: بالإثمد، وشق عينها فرأى عروقًا سودًا من الإثمد، وهي أول من اكتحل بالإثمد من العرب، انتهى المقصود منه.
[ ٢ / ٤٧ ]
والحمام قال ابن قتيبة في "أدب الكاتب": يذهب الناس إلى أنها الدواجن التي تستفرخ في البيوت، وذلك غلط، إنما الحمام ذوات الأطواق وما أشبهها مثل الفواخت والقماري والقطا، قال ذلك الأصمعي، ووافقه عليه الكسائي، قال حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشَّوق إلاَّ حمامة دعت ساق حرّ ترحة وترنّما
فالحمامة هنا القمّرية، وقال النابغة:
واحكم كحكم فتاة الحيّ .. البيت.
قال الأصمعي: هذه زرقاء اليمامة نظرت إلى قطًا قال: وأما الدواجن في البيوت، فإنها وما شاكلها من طير الصحراء اليمام. انتهى.
قال ابن السيد في شرحه: ليس في بيت النابغة من الدليل على أنه أراد بالحمام القطا، مثل ما في بيت حميد من الدليل على أنه أراد بالحمامة القمرية، وإنما علم ذلك بالخبر المروي عن زرقاء اليمامة أنها نظرت إلى قطا، فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ومثل نصفه معه
إلى قطاة أهلنا إذن لنا قطًا ميه
وقد روي أنها قالت:
ليت الحمام ليه إني حمامتيه
ونصفه قديه تمَّ الحمام ميه
[ ٢ / ٤٨ ]
ثم قال: وكان الأصمعي يروي "شراع" بالشين المكسورة معجمة، يريد: التي شرعت في الماء، وروى غيره: "سراع" بالسين غير معجمة، وهما جمع شارعة وسريعة، والرواية الثانية أجود للتأسيس، ولما كان الحمام اسم جنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، جاز أن يعتبر جمعًا ومفردًا، كما هنا، فباعتبار الجمعية قال: سراع، وباعتبار الإفراد قال: وارد، والورود: الوصول إلى الماء، سواء دخل فيه أم لا، والثمد، بفتحتين: الماء القليل.
وهذا البيت من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه إضافة وارد إلى الثمد على نية التنوين والنصب، ولذلك نعت به النكرة مع إضافته إلى المعرفة، إذ كانت إضافته غير محضة انتهى.
وقوله: يحفُّه جانبًا نيق إلخ، حفه: أحاط به، و"الهاء" ضمير الحمام، وجانبا: مثنى جانب مضاف إلى النيق، بكسر النون، قال ابن قتيبة في "أبيات المعاني": النيق: الجبل، يقول: كان الحمام في موضع ضيق قد ركب بعضه بعضًا، فهو أشدّ لعدّه، وقوله: وتتبعه، المستتر ضمير الفتاة، والهاء للحمام، ومثل: مفعوله، صفة لموصوف مقدر، قال ابن قتيبة: أي: تتبعه عينًا مثل الزجاجة، لم تكحل تلك الفتاة من الرمد، أي: لم يكن بها رمد فتكحل منه، مثل قول الآخر:
[ ٢ / ٤٩ ]
على لاحب لا يهتدي لمناره
وقوله: قالت ألا ليتما هذا الحمام .. هذا البيت من شواهد سيبويه، على أن ليت إذا اتصل بها "ما" جاز إعمالها وإلغاؤها. ويجيء الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - في بحث "ليت" وفي بحث "ما". و"لنا" خبر ليت، و"إلى حمامتنا" في موضع الحال من ضمير الظرف. وقوله: أو نصفه، يجوز فيه الرفع مع نصب الحمام، قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": وذلك بالعطف على الضمير المستتر في "لنا" لوجود الفصل، و"قد" بمعنى حسب: مبتدأ خبره محذوف، أي: فقدي ذلك، قاله المصنف. قال ابن الملا: وفيه إشارة إلى أن "فقدي" بياء المتكلم، كما هو في قول الزرقاء، إلا أن الفاء دخلت تحسينًا للفظ وإرشادًا إلى أن ضميري حمامتنا ولنا، ليسا للمتكلم مع الغير، بل أريد بهما ما أريد بضميري قولها: ليه، وحمامتيه.
وأما رسم "فقد" بدون ياء المتكلم، فكرسم قوله تعالى: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة/ ١٨٦] وقد روي مرسومًا فقدي. واستشهد به ابن الجشري في "أماليه" على جواز ترك نون الوقاية مع قدي وإن كان الأكثر قدني.
وقوله: فحسبوه بتشديد السين: بمعنى حسبوه بالتخفيف، أي: عدوه والهاء في الموضعين ضمير الحمام، وألفوه: وجدوه. قال ابن قتيبة: نظرت هذه
[ ٢ / ٥٠ ]
المرأة إلى حمام مرَّ بها بين جبلين، وكان ستًا وستين، فقالت: ليت لي هذا الحمام ونصفه، وهو ثلاث وثلاثون، إلى حمامتي، فيتم لي مائة، فنظروا فإذا هو كما قالت.
قال حمزة الأصفهاني في "أمثاله" التي على أفعل التفضيل: قال بعض أصحاب المعاني: إن النابغة لما أراد مدح هذه الحكيمة الحاسبة بسرعة إصابتها شدَّد الأمر وضيقه، ليكون أحسن له إذا أضاقه، فجعله حرز طير، إذ كان الطير أخف ما يتحرك، ثم جعله حمامًا، إذ كان الحمام أسرع الطير، ثم كثَّر العدد إذ كانت المسابقة والمنافسة، ثم ذكر أنها صارت بين نيقين، لأن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع طيرانًا منه إذا اتسع عليه الفضاء، ثم جعلها واردة للماء، لأن الحمام إذا وردت الماء أعانها الحرص للماء على سرعة الطيران. انتهى. قال الدماميني بعد ذكر هذا: قلت: وكون الماء قليلًا مما يقتضي شدة الازدحام عليه، وكونه لا ماد له أشد في الحرص على النيل منه. انتهى.
وقد بسطنا الكلام على هذا الشاهد بأكثر مما هنا في الشاهد الخامس والأربعين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون:
(٩٢) قوم إذا سمعوا الصَّريخ رأيتهم ما بين ملجم مهره أو سافع
على أن "أو" فيه بمعنى الواو، لأن "بين" تقتضي الإضافة إلى متعدد، فلو أبقيت "أو" على كونها لأحد الشيئين لزم إضافة "بين" إلى شيء لا تعدد فيه، وهو محال.
كذا استشهد به ابن مالك في شرخ "التسهيل" وفي شرح "الكافية"
[ ٢ / ٥١ ]
قال الدماميني: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: بين فريق ملجم مهره، أو فريق سافع، وكل واحد من الفريقين ذو تعدد، فهو كقولك: جلست بين العلماء أو الزهاد "فأو" لأحد الأمرين، ولا إشكال؟ انتهى كلامه. فتكون "أو" فيه للتفصيل، واعترض عليه ابن الملا بأن معناه ينحط عما كان يستفاد منه على تقدير أن "أو" بمعنى الواو، لأن الغرض وصفهم بسرعة إجابة مسصرخهم رجاء نصرة، فهم بين هاتين الحالتين المشعرتين بتمام المبادرة لانتهاز الفرصة، مع ما يلوِّح إلى ما لهم من كمال الفروسية، وقوة الشجاعة، حيث لم تتوقف إجابتهم الصارخ على أن يكونوا على تمام الأهبة، ولا يفي بهذا الغرض إلا أن يقال: رأيتهم بين كذا وكذا، دون أن يقال: رأيتهم بين فريق كذا أو فريق كذا. هذا كلامه.
ولا أرى فرقًا كما زعم؛ لأن المعنى رأيتهم إما بين فريق ملجم مهره، وإما بين فريق سافع مهره، والمبادرة المذكورة مفهومة أيضًا. والصريخ: صوت المستصرخ والصارخ أيضًا، والمناسب هنا الأول، لأن السماع يتعلق بالأصوات.
ووقع في "الكشاف":
قوم إذا نقع الصَّريخ رأيتهم
قال الطيبي: النقيع الصراخ، ونقع الصوت واستنقع، أي: ارتفع،
[ ٢ / ٥٢ ]
أي: إذا صوَّت المصوت، ويروى: "إذا فزعوا الصريخ" والفزع: النصرة، والصريخ: الصارخ المستغيث. يصف القوم بأنهم يغيثون المستغيث بسرعة وينصرونه، وبعضهم يلجمون الخيل، وبعضهم يأخذون ناصية الخيل ولا يلجمون. انتهى كلامه.
و"ما" زائدة، ووقع موضعها "من". قال الدماميني: هي إما زائدة على رأي الأخفش والكوفيين، أي: رايتهم بين هذين القسمين لا يخرجون عنهما، وإما للابتداء متعلقة بفعل الرؤية، أي: إن رؤيتك إياهم ابتدأت من بين هذين القسمين، والملجم: اسم فاعل من ألجم فرسه، أي: أدخل اللجام في فمه، وإضافة ملجم لفظية أفادت التخفيف. والمهر بالضم: ولد الخيل، والأنثى مهرة، ويجوز هنا أن يكون مذكرًا مضافًا إلى ضمير الغيبة راجع إلى موصوف ملجم، أي: رجل ملجم مهره، أو فريق ملجم مهره، ويجوز أن يكون مهرة، بالتأنيث. والسافع: الممسك برأس فرسه ليركبه بسرعة من غير لجام، ومعموله محذوف، أي: بناصية فرسه. قال صاحب "الصحاح": صفعت بناصيته، أي: أخذت، قال الشاعر:
من بين ملجم مهره أو سافع
ومنه قوله تعالى: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) [العلق/ ١٥] انتهى. ورجعت إلى "أمالي ابن بري" عليه، فوجدته قال: صدره:
قوم إذا سمعوا الصَّريخ رأيتهم
ولم يتعرض لقائله، وإنما قال: والبيت الذي بعده لحميد بن ثور الهلالي الصحابي. وكأن العيني وقعت عينه عليه، فظن أن البيت الشاهد لحميد بن ثور فنسبه إليه، ولقده السيوطي، وتبعه ابن الملا وغيره، واستشهد به صاحب "الكشاف" وغيره عند تفسير تلك الآية، فقال شارح أبياته: البيت نسبه
[ ٢ / ٥٣ ]
أرباب الحواشي لعمرو بن معدي كرب، ونسبه العيني والسيوطي إلى حميد بن ثور، والصاغاني، رحمه الله تعالى، قد التزم في "العباب" بذكر قائل الأبيات، وتكميل ما اختصره الجوهري، فرجعت إلى "العباب" فوجدته قد أورد البيت كاملًا، ولم يذكر اسم قائله، فرجعت إلى "تهذيب اللغة" للأزهري، فوجدته "كالعباب" وأنشد ابن فارس عجزه في "مجمل اللغة" ثم فتشت الحماسات، فلم أجده فيها، ثم رجعت إلى ديوان عمرو بن معدي كرب، وديوان حميد بن ثور، فلم أجده فيهما.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون:
(٩٣)
ماذا ترى في عيال قد برمت بهم لم أحص عدَّتهم إلاَّ بعدَّاد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية لولا رجاؤك قد قتَّلت أولادي
على أن "أو" فيه بمعنى "بل" للإضراب الانتقالي، وقيل: للشك، كأن كثرتهم أوجبت الشك في عدتهم، ومن ثم احتاج في عدتهم إلى عداد، وقال الكوفيون: "أو" هنا بمعنى الواو.
والبيتان آخر قصيدة لجرير، أوردهما بعد المديح من غير مناسبة، مدح بها معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ذكر فيها هروب عباد الجحافي الخارجي باليمن إلى أن قتله يوسف بن عمر الثقفي، قال بعد أن ذكر منازل الحبيبة على وجه الاقتضاب:
الله دمَّر عبَّادًا وشيعته عادات ربِّك في أمثال عبَّاد
قد كان قال أمير المؤمنين لهم ما يعلم الله من صدق وإجهاد
[ ٢ / ٥٤ ]
من يهده الله يهتد لا مضلَّ له ومن أضلَّ فما يهديه من هاد
لقد تبَّين إذ غبَّت أمورهم قوم الجحافيّ أمرا غبُّه باد
لاقوا بعوث أمير المؤمنين لهم كالرِّيح إذ بعثت نحسًا على عاد
فيهم ملائكة الرحمن مالهم سوى التوكُّل والتسبيح من زاد
أنصار حقٍّ على بلق مسوَّمة إمداد ربِّك كانوا خير إمداد
إلى أن قال مخاطبًا للممدوح:
إنّ العدوَّ إذا راموا قناتكم يلقون منها صميمًا غير مناد
إنّ الكرام إذا عدُّوا مساعيكم قدمًا فضلت بآباء وأجداد
بالأعظمين إذا ما خاطروا خطرًا والمطعمين إذا هبَّت بصرَّاد
ما البحر مغلولبًا تسموغوا ربه يعلو السَّفين بآذيٍّ وإزباد
يومًا بأوسع سيبًا من سجالكم عند العناة وعند المعتفي الجادي
إلى معاوية المنصور إنَّ له دينًا وثيقًا وقلبًا غير حيَّاد
من آل مروان ما ارتدَّت بصائرهم من خوف قوم ولا همُّوا بإلحاد
حتّى أتتك ملوك الرُّوم صاغرةً مقرَّنين بأغلال وأصفاد
يوم أذلَّ رقاب الرُّوم وقعته بشرى لمن كان في غور وأنجاد
يا ربما ارتادكم ركب لرغبتهم فأحمدوا الغيث وانقادوا لروَّاد
سيروا فإنَّ المؤمنين لكم غيث مغيث بنبت غير مجحاد
ماذا ترى في عيال قد برمت بهم .. إلى آخر البيتين
[ ٢ / ٥٥ ]
ومعاوية بن هشام كان جوادًا ممدحًا ولي غزو الصائفة في زمن أبيه غير مرة، وكان البطال على طلائعه، وقد افتتح عدة حصون، ومات في سنة تسع عشرة ومائة، وهو والد عبد الرحمن بن معاوية الداخل إلى الأندلس عند غلبة بني العباس على الخلافة. كذا في "تاريخ الذهبي".
والصائفة غزوة الروم، لأنهم يغزون صيفًا لمكان البرد والثلج. وقوله: إن العدو إذا راموا، العدو: يكون مفردًا ويكون جمعًا كما هنا، بدليل رجوع ضمير الجمع إليه، والمنآد: المعوج، وزنه منفعل من الأود، مصدر أود كفرح: إذا اعوج، وقوله: إذا هبت بصراد، أي: هبت الريح، فأضمر لدلالة هبت عليه، وصراد جمع صارد من صرد من باب فرح: إذا وجد البرد سريعًا، وهذا كناية عن الجدب والقحط في الشتاء، والغوارب جمع غارب: وهو أعالي الموج، والسفين جمع سفينة، والآذي: الموج، والإزباد، مصدر أزبد البحر، والسيب: العطاء والعرف. والسجال: جمع سجل، بفتح السين وسكون الجيم: الدلو العظيمة، والعناة: جمع عان، كقضاة جمع قاض، وهو الأسير والذليل، والمعتفي والعافي: طالب الإحسان، والجادي والمجتدي: طالب الجدوى، أي: العطية والنفع، وحياد: من حاد يحيد، يريد أنه شجاع لا يحيد عن العدو. والإلحاد: ما لا يعرف في الدين، وأصله أن يعوج عن الإسلام، والأصفاد: القيود، جمع صفد بفتحتين، وأنجاد: جمع نجد، وهو المكان المرتفع، وضده الغور. وقوله: وانقادوا لرواد: أراد: انقاد الناس خلف الرواد إليكم. ومجحاد: بكسر الميم وسكون الجيم بعدها حاء مهملة: قليل الخير. وقوله: ماذا ترى، هو من الرأي في الأمر، يتعدى إلى واحد، والعيال: جمع عيل – كسيد – وهم الأتباع الذين تلزم نفقتهم، وبرمت: ضجرت وسئمت، من باب فرح، وجملة "قد برمت بهم" في موضع الصفة لعيال، وكذا جملة "لم أحص عدتهم إلخ"
[ ٢ / ٥٦ ]
وقيل: هي حال من فاعل برمت، أو من ضمير بهم، والاستثناء مفرغ، وقيل: هذه الجملة مستأنفة لبيان وجه الضجر من حيث إن فيها إشارة إلى كثرتهم جدًا، بحيث لا يحص عدتهم بنفسه ولا بعاد، بل بعداد، وكذا جملتا "كانوا" و"لولا رجاؤك" مستأنفتان، والتضعيف في قتلت للتكثير في المفعول، ويلزمه التكثير في الفعل. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون:
(٩٤) كما النَّاس مجروم عليه وجارم
وصدره:
وتنصر مولانا ونعلم أنَّه
على أن الواو فيه للتقسيم، واستعمالها في التقسيم أجود من غيرها، وسيأتي أيضًا في بحث "ما" وفي بحث "الكاف" وفي بحث "الواو".
والبيت من قصيدة لعمرو بن براقة الهمداني، أوردها القالي في "أماليه" ومحمد بن المبارك في "منتهى الطلب من أشعار العرب" والأعلم في "حماسته". قال القالي: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبي قال: أغار رجل من مراد، يقال له "حريم" على إبل عمرو بن براقة الهمداني وخيل له، فذهب بها، فأغار عمرو فاستاق كل شيء لحريم،
[ ٢ / ٥٧ ]
فأتى حريم بعد ذلك يطلب إلى عمرو أن يرد عليه بعض ما أخذ منه، فامتنع وقال هذه القصيدة، ومنها:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها مراغمة ما دام للسَّيف قائم
أفاليوم أدعى للهوادة بعدما أجيل على الحيَّ المذاكي الصَّلادم
فإنَّ حريمًا إذ رجى أن أردَّها ويذهب ما لي يا ابنة القيل حالم
متى تجمع القلب الذَّكيَّ وصارمًا وأنفًا حميًا تجتنبك المظالم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم
فلا صلح حتَّى تقدع الخيل بالقنا وتضرب بالبيض الرِّقاق الجماجم
إلى أن قال: وهو آخر القصيدة:
إذا جرَّ مولانا علينا جريرةً صبرنا لها إنَّا كرام دعائم
وننصر مولانا البيت
والمراغمة: المغاضبة، مصدر راغم فلان قومه: إذا نابذهم وخرج عنهم، وقائم السيف: مقبضه، والهمزة للاستفهام الإنكاري، واليوم: متعلق بأدعى، بالبناء للمفعول، والهوادة، بالفتح: الصلح والميل، والمهاودة: المصالحة، والمذاكي جمع مذكي، بتشديد الكاف المكسورة: وهي الخيل التي أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، والقروح: مصدر قرح ذو الحافر، إذا انتهت أسنانه، وإنما ينتهي في خمس سنين. والصلادم: جمع صلدم بكسر الأول والثالث: الصلب الشديد من الخيل. وحريم: ضبطه أبو عبيد البكري في "شرح أمالي القالي" بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين، وهو حريم بن مالك بن رألان الهمداني، قال: ومن
[ ٢ / ٥٨ ]
ضبطه على غير هذا، فقد صحفه. والقيل بالفتح: من له قول يسمع بعد الملك. ويال همدان، أصله: يا آل همدان، فحذف الهمزة الممدودة لضرورة الشعر. ونقدع بالبناء للمفعول والدال مهملة: من تقادعوا بالرماح؛ أي: تطاعنوا، وجر عليهم جريرة، أي: جنى جناية، والمولى: ابن العم والناصر، والجار، والحليف.
وقوله: كما الناس إلخ، روي بجر الناس على أن "ما" زائدة، وروي برفعه، فتكون "ما" كافة أو مصدرية، ومجروم عليه على الوجهين: خبر مبتدأ محذوف، أي: بعضه مجروم عليه، وبعضه جارم، وهما من الجرم وهو الذنب، وفعله "جرم" من باب: نصر وأجرم أيضًا، ويأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - في بحث "الكاف" و"ما".
وعمرو بن براقة: شاعر مخضرم، قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": عمرو بن برّاقة الهمداني، ثم النهمي، وبراقة أمه فيما أحسب، وهو عمرو بن منبه بن شهر بن نهم، وينتهي نسبه إلى همدان: شجاع فاتك. انتهى.
وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "أمالي القالي": هو شاعر جاهلي إسلامي، وكذلك حريم بن مالك بن رألان الهمداني وبراقة: بتشديد الراء وبالقاف، ومنبه: على وزن اسم الفاعل من التنبيه، وشهر: على لفظ أحد الشهور، ونهم: بفتح النون وسكون الهاء، وهمدان، بفتح الهاء وسكون الميم: قبيلة من قبائل اليمن.
وأما ابن براق - بلا هاء -، لهو ثماليّ، وكان حليفًا في هذيل، وكان ممن يغزو راجلًا، ويفوت الخيل إذا طلبته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون:
(٩٥) فقالوا لنا ثنتان لابدَّ منهما صدور رماح أشرعت أو سلاسل
على أن "أو" فيه للتقسيم.
[ ٢ / ٥٩ ]
وشرحه ابن جني في "إعراب الحماسة" فقال: لك في "منهما" وجهان: إن شئت كان على حذف المضاف، أي: لابد من أحدهما، ألا تراه قال: أو سلاسل. "أو" إنما توجب أحد الشيئين. وإن شئت كان على ظاهره لابد منها جميعًا، فصدور الرماح لمن يقتل، والسلاسل لمن يؤسر، أي: يكون بعضنا كذا، وبعضنا كذا، فإن قيل: فهذا يوجب صدور رماح وسلاسل؛ قيل: لما جعلهم صنفين مقتولًا ومأسورًا، كان لكل واحد منهما هذا أو هذا، فمن هنا دخله معنى "أو" فهو إذن كلام محمول على معناه. انتهى.
والبيت من أبيات ستة لجعفر بن علبة الحارثي، أوردها أبو تمام في أول "الحماسة" وهي
الهفي بقرَّى سحبل حين أحلبت علينا الولايا والعدوُّ المباسل
فقالوا لنا ثنتان لابدَّ منهما صدور رماح أشرعت أو سلاسل
فقلنا لهم تلكم إذن بعد كرَّة تغادر صرعى نوؤها متخاذل
ولم ندر إن جضنا من الموت جيضةً كم العمر باق والمدى متطاول
إذا ما ابتدرنا مأزقًا فرَّجت لنا بأيماننا بيض جلتها الصَّياقل
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل ولي منه ما ضمَّت عليه الأنامل
قوله: ألهفي؛ قال أمين الدين أبو علي الطبرسي في شرح "الحماسة": يجوز أن يكون منادى مفردًا، والألف زيدت للندبة لامتداد الصوت، ليكون أدل على التحسر، ويجوز أن يكون مضافًا، كأنه فرّ عن الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت
[ ٢ / ٦٠ ]
ألفًا كقولهم: يا غلامًا أقبل، واللهف: الأسف على الشيء بعد الإشراف عليه. انتهى.
وفي الشق الأول نظر، فإن المندوب لا يندب بألف النداء وإنما يندب مع "يا" أو "وا" لا غير.
وقال المرزوقي والتبريزي: يحتمل أن يكون مفردًا أو مضافًا، قلبت ياؤه ألفًا انتهى. يريد في الوجه الأول أنه منادى منون لكونه شبيهًا بالمضاف لتعلق الظرف به.
واقتصر ابن جني في "إعراب الحماسة" على الوجه الثاني وقال: لك، في "الباء" و"حين" أوجه من القياس: يجوز أن تعلقهما جميعًا بنفس لهفي، فلا يكون حينئذ في واحد منهما ضمير، لتعلقهما بنفس الظاهر حتى كأنه قال: أتلهف في هذا الموضع في هذا الوقت.
ويجوز أن تجعل الباء حالًا من لهفي، فإذا جعلت ذلك كذلك، علقت حين بنفس قوله: "بقرى" وذلك أن الظرف وحرف الجر إذا جرى واحد منهما صلة أو صفة أو حالًا أو خبرًا تعلق بالمحذوف وضمن الضمير، فجاز حينئذ أن يتعلق به الحال، وكل واحد من الظرفين. ويجوز أن تجعل "حين" حالًا أخرى من لهفي، فتضمنه حينئذ الضمير لتعلق بالمحذوف، فيكون للهفي حالان، كما يكون للمبتدأ خبران، ولا يجوز أن تجعل "حين" من صلة لهفى، وقد جعلت بقرَّى حالًا منه، وذلك أن الحال إذا جرت على صاحبها آذنت بتمامه وانقضائه، فلا يجوز من بعد أن تعلق به شيئًا، لأن في ذلك انتكاثًا وتراجعًا عما حكمت به من التمام، ويدل على أن الحال إذا جرت على صاحبها آذنت بتمامه؛ أن فيها شبهين يتجاذبانها، وهما الخبر والصفة، وكل واحد منهما إذا جرى على صاحبه لم يكن ذاك إلا عن وفائه وتناهي أجزائه، وهذا واضح.
ويجوز أيضًا إذا جعلت بقرى حالًا من لهفى أن تجعل حين حالًا من الضمير
[ ٢ / ٦١ ]
في بقرى، وذلك أن ضمير الشيء هو الشيء في المعنى، وكما جاز أن يجري "حين" حالًا من نفس لهفى، كذلك يجوز أيضًا أن يجري "حين" حالًا من ضميره. ولا يجوز أن تجعل بقرى ولا "حين" صفة للهفى من حيث كان الظرف نكرة ولهفى معرفة، ولا يجوز أيضًا أن يكون حين حالًا من نفس قرى على قولك: زيد في الدار مجددة؛ لأن "قرى" جثة "وحين" ظرف زمان، فكما لا يجوز لظروف الزمان أن تكون أخبارًا عن الجثث، كذلك لا يجوز أن تكون صلات لها، ولا صفات، ولا أحوالًا، ويجوز أن تجعل بقرى حالًا من الألف في لهفى، وذلك أنها ياء ضمير المتكلم، فإنما أراد: يا لهفي، فأبدل الياء ألفًا تخفيفًا، كقولك: يا غلاما، وأنت تريد يا غلامي، فيكون معنى هذا: تلهفت وأنا بقرى، أي: كائنًا هناك، وحاصلًا هناك.
كما أن معنى الأول لو أنثته: يا لهفتي كائنة في ذلك الموضع، فيكون بقرى في هذا الأخير حالًا من المنادى المضاف، كقوله:
يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
أي يا بؤس الجهل أدعوه ضرارًا.
ومثله بيت النابغة:
يا دار ميّة بالعلياء فالسَّند
أي أدعوها عالية كائنة في هذا الموضع.
وإذا جعلت بقرى حالًا من الياء التي انقلبت ألفًا، كان العامل نفس اللهف انتهى كلامه، ولفوائده نقلناه برمته.
[ ٢ / ٦٢ ]
وقرى: بضم القاف وتشديد الراء وألف مقصورة، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": هو موضع ببلاد بني الحارث، وقال أبو حنيفة: هي ماءة قريبة من تبالة، وقد أضافه [جعفر بن] علبة الحارثي إلى سحبل، فدل أنهما متصلان، قال: ألهفى بقرى سحبل البيت، ثم قال:
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل البيت
انتهى. وسحبل بفتح السين، وسكون الحاء المهملتين، وفتح الموحدة بعدها لام، قال ياقوت في "معجم البلدان": هو موضع في ديار بني الحارث بن كعب، كان جعفر بن علبة الحارثي يزور نساء بني عقيل، فنذر به القوم، فقبضوه، وكشفوا دبر قميصه وربطوه إلى جمته، وجعلوا يضربونه بالسياط، ويقبلون ويدبرون به على النساء اللواتي كان يتحدث إليهن حتى فضحوه، وهو يستعفيهم ويقول: يا قوم القتل خير مما تصنعون! فلما بلغوا منه مرادهم أطلقوه.
فمضت أيام، وأخذ جعفر أربعة رجال من قومه، ورصد العقيلين حتى ظفر برجل ممن كان صنع به ذلك، فقبضوا عليه، وفعلوا به شرًا مما فعل بجعفر، ثم أطلقوه، فرجع إلى الحي فأنذر بهم، فتبعهم سبعة عشر فارسًا من بني عقيل حتى لحقوا بهم بواد يقال له "سحبل"، فقاتلهم جعفر، فيقال: إنه قتل فيهم حتى لم يبق من العقليين إلا ثلاثة نفر، وعمد إلى القتلى، فشدهم على الجمال وأنفدهم مع الثلاثة إلى قومهم، فمضى العقيليون إلى والي مكة إبراهيم بن هشام المخزومي، وقيل: السري ابن عبد الله الهاشمي، فطلب جعفرًا ومن كان معه يومئذ، حتى ظفر بهم وحبسهم، فذلك قول جعفر بن علبة في محبسه:
ألا لا أبالي بعد يوم بسحبل إذا لم أعذَّب أن يجيء حماميا
تركت بأعلى سحبل وبضيقه مراق دم لا يبرح الدّهر ثاويا
[ ٢ / ٦٣ ]
ولما أخرج ليقتل انقطع شئع نعله، فوقف فأصلحه، فقال له رجل: أما يشغلك ما أنت فيه! فقال:
أشدُّ قبال نعلي أن يراني عدوِّي للحوادث مستكينا
وقال أبوه إلى كل ناقة وشاة له، فنحر أولادها وألقاها بين أيديها، وقال: إبكين معنا على جعفر! فجعلت النوق ترغو، والشاء تثغو، والنساء يصحن ويبكين، وأبوه يبكي معهم، فما روي أن يومًا كان أفجع ولا أفظع من يومئذ. انتهى كلام ياقوت.
وقوله: حين أحلبت؛ روي بالحاء المهملة وبالجيم، أما الأول فقد قال المزروقي والتبريزي وغيرهما: أحلبت: أعانت، وأصله الإعانة في الحلب، ثم استعير لمطلق الإعانة.
وأما الثاني، فقد قال الطبرسي: أصل الجلبة رفع الصوت، وفي "القاموس": الجلب والجلبة – بالتحريك -: اختلاط الصوت، جلبوا وأجلبوا وقالوا: الولايا: جمع ولية، وهي البرذعة، وهي هنا كناية عن النساء، أو الضعفاء الذين لا غناء عندهم. وقيل: الولايا: العشائر والقبائل، فكأن ولية تأنيث ولي، وهو القريب.
ومعنى البيت: أنه يتلهف على ما نزل بهم حين أعان الأعداء عليهم كون الحرم معهم، لما وجب عليهم من الذب عنهم.
والمباسل: من البسالة، وهي الشجاعة، وأجراه على لفظ العدو لا معناه، والمراد بالعدو الجنس. انتهى.
قال الطبرسي: ومن روى الموالي فهم أبناء العم، وإنما خصهم بالذكر لأن الجفاء منهم أشد تأثيرًا في النفس، ألا ترى أن من كان بنو عمه عليه فهو كمن قوتل بسلاحه!
[ ٢ / ٦٤ ]
وقال شارح آخر نزل الاشتغال بحمايتهم – لما فيه من الفتور عن مقاومة الأعداء ومصادمة الأحزان – منزلة إعانة الأعداء، فسماه إعانة. انتهى. وأقول: المعنى الذي ذكروه ليس معنى البيت ولا يؤخذ منه ولا يطمئن به الطبع السليم، والله تعالى أعلم بحقيقته.
وقوله: لنا تنتان إلخ، يريد أن الأعداء، لما رأوني هناك مع رجال قليلة طمعوا فيّ وقالوا: نخيرك بين شيئين: إما أن تستأمر فتسلم من القتل، وإما أن تحارب فتقتل. وقوله: لنا ثنتان، أي: لنا حالتان ثنتان، يريد: عندنا لك حالتان، وثنتان: مبتدأ، ولنا: خبر، والجملة مقولة القول، وصدور رماح وسلاسل: بدل منهما، وهذا المعنى ظاهر من السياق، لكن يخالفه قول ابن جني فيما سبق، أي: يكون بعضنا كذا وبعضنا كذا، فإنه يقتضي أن تكون هاتان الحالتان صفتين للمتكلم، ويكون مدح قومه بأنهم لا يفرون، بل بعضهم يقتل وبعضهم يؤسر، وهذا خلاف السياق.
وقد تبعه التبريزي والطبرسي فقالا: والمراد بقوله: لابد منهما، على سبيل التعاقب، لا على سبيل الجمع بينهما، وإلا سقط التخيير الذي أفاده، أو فمعناه: لا بد من أحدهما، وإن شئت كان على ظاهره لابد منهما جميعًا بصدور الرماح لمن يقتل، والساسل لن يؤسر، أي: يكون بعضنا كذا، وبعضنا كذا. ولمّا جعله صنفين، كان لكل واحد واحد؛ هذا أو هذا، فمن هنا دخله معنى "أو". انتهى.
ومحصل أول كلامه أن "أو" فيه للتخيير، ومعنى "لا بد منهما" أنه لابد منهما على سبيل التعاقب لا على سبيل الجمع، أي: لابد من أحدهما. فإن قلت: أين الطلب حتى يسوغ التخيير؟ قلت: سبق الخلاف فيه من نقل المصنف على أنه يحتمل أن يكون قوله: لنا ثنتان، في معنى الطلب، أي: ابذلوا لنا
[ ٢ / ٦٥ ]
إحدى الخصلتين، وعليه يكون المشار إليه التخييرة، وذلك التحكم.
وقال ابن الملا: لا يخفى أن مدار كون البيت من تقسيم الكل على أن المراد بقوله: "لابد منهما"، معًا، ليكون "صدور رماح أو سلاسل" بدلًا من "ثنتان" أو استئنافًا بتقديرهما، كأن سائلًا قال: ما هما؟ فقيل: هما كذا وكذا، ولا إشكال بوقوع أو على التقديرين، وإن كان المراد في تقسيم الكل أنه مجموع الجزءين أو الأجزاء، لأنا نجعل "أو" حينئذ بمعنى الواو، وقد أورد الحديثي البيت مثالًا لمجيء أو بمعنى الواو، ثم قال: هذا إذا لم يكن تقدير البيت لابد من أحدهما. انتهى كلامه.
وصدر الشيء: أوله، وصدر الرمح والسهم: من نصفه إلى السنان والنصل، وأشرعت، بالبناء للمفعول، أي: وجهت للطعن، ويقدر في المعطوف صفة تعادل أشرعت، أي: سلاسل وضعت في الأعناق، وكنّي بالأول عن القتل، وبالثاني عن الأسر، وقوله: فقلنا، معطوف على قالوا، والنوء: النهوض.
قال التبريزي: قوله: تلكم إذن بعد كرّة، أي: تلكم التخييرة تكون بعد عطفة، تترك بيننا قومًا مصرعين يخذلهم النهوض. و[اختار أن يقول]: متخاذل [لأن] هذا البناء [يختص] بما يحدث شيئًا بعد شيء، ومنه: تداعى البناء، كأن أجزاء النهوض يخذل بعضها بعضًا، ولا يجوز أن تكون الإشارة إلى واحدة من هاتين الخصلتين، لأنه لا اختيار فيهما لمختار، إلا أن يكون على طريق التهكم. انتهى.
وفيه وجه آخر ذكره المرزوقي، وهو أن يكون الحكم والتخيير بقولهم: لنا ثنثان بين الحرب والاستئسار، فاختاروا المحاربة، ويكون الإشارة بتلكم
[ ٢ / ٦٦ ]
إلى ما دل عليه قوله: "أو سلاسل" من الأسر، كأنه يقول: الخصلة الثانية تكون بعد الأولى التي تترك قومًا منكم صرعى.
وقوله: إن جضنا من الموت، هو بالجيم والضاد المعجمة، من جاض عنه يحيض، أي: حاد وعدل عنه، وروي بالمهملتين، من حاص عنه يحيص حيصًا وحيصة: إذا حاد وعدل عنه. قال التبريزي: قوله: كم العمر باق، كم في موضع الظرف، أي: كم يومًا العمر باق، وجملة: "والمدى متطاول" حالية، والتقدير: ولم ندر – إن جضنا ومدانا متطاول – كم العمر باق، أي: مدى رجائنا، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، كأنه قال: لم نعلم كم العمر باق، [و] كم المدى متطاول إن جضنا، بكسر الهمزة. وفتح الهمزة أبو العلاء المعري، وكأنه ذهب إلى أن إن بالكسر لما يستقبل، وأن بفتحها لما مضى، والشاعر ذكر قصة مضت. والمأزق: مضيق الحرب، وهو مفعل من الأزق، وهو الضيق. وقوله: ولي منه ما ضمت، قال التبريزي: يروى "ضمت" بفتح الضاد، ومعناه: قبضته الأنامل، ويروى بضمها، ومعناه: قبضت عليه الأنامل، وقد ذكر هذا الشاعر هذا المعنى في بيت آخر، قال:
تقاسمهم أسيافنا شرَّ قسمة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وأراد بغواشيها أغمادها، وأخذه المتنبي فقال:
فكنت السيف قائمه إليهم وفي الأعداء حدُّك والغرار
وأخذه آخر فقال:
منا برهنَّ بطون الأكفِّ وأغمادهنَّ رؤوس الملوك
[ ٢ / ٦٧ ]
وجعفر بن علبة: بضم العين المهملة، وسكون اللام، بعدها موحدة، ينتهي نسبه إلى كعب بن الحارث، والحارث: قبيلة باليمن، وهو شاعر غزل، فارس مذكور في قومه، وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، قتل في خلافة أبي جعفر المنصور، كذا في "الأغاني" وقال الأسود الغندجاني فيما كتبه على "شرح الحماسة" للنمري: جعفر بن علبة: أحد ذؤبان العرب، ومخيفي السبيل، فأخذ في سرق ودم في زمن هشام بن عبد الملك، فحبس بمكة وهناك قتل. انتهى. فيكون مكث في الحبس إلى أيام المنصور.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون:
(٩٦) وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما
على أن "أو" فيه بمعنى "إّلا" الاستثنائية، ونصب المضارع بعدها بإضمار "أن" قال سيبويه في باب: "أو" اعلم أن ما انتصب بعد أو، فإنه ينتصب على إضمار أن، كما انتصب في الفاء والواو على إضمارها، ولا يستعمل إظهارها كما يستعمل في الفاء والواو، والتمثيل ههنا مثله، ثم نقول: إذا قال: لألزمنك أو تعطيني، واعلم أن معنى ما انتصب بعد أو على "إلا أن" قال امرؤ القيس:
فقلت له لا تبك عينك إنّما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
والقوافي منصوبة، والمعنى: إّلا أن نموت فنعذرا، ولو رفعت لكان عربيًا جائزًا على وجهين، على أن تشرك بين الأول والآخر، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعًا من
[ ٢ / ٦٨ ]
الأول نحو: أو نحن ممن يموت. وتقول: الزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم. وقال زياد الأعجم: وكنت إذا غمزت .. البيت. معناه: إلا أن تستقيم. وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء، لأنه لا سبيل إلى الإشراك. انتهى المراد منه. و"أو" عنده عاطفة مصدرًا على مصدر متوهم، وهي على أصلها لأحد الشيئين.
قال السيرافي: "أصل "أو" العطف حيث كانت، والفعل المنصوب بعدها على وجهين:
أحدهما: أن يتقدم فعل منصوب بناصب من الحروف، ثم تعطف عليه بأو، ومعناها أحد الشيئين، كما تعطف بها مرفوعًا على مرفوع، ومجزومًا على مجزوم، والآخر: أن يخالف ما بعدها ما قبلها، ويكون معناها مع ما بعدها معنى "إلا أن" والفصل بين هذا وبين الأول أن الأول لا تعلق له بين ما قبل "أو" وبين ما بعدها، وإنما هو دلالة على أحد الأمرين، وليس بين الأمرين ملابسة.
والوجه الثاني: الفعل الأول فيه قبل "أو" كالعام في كل زمان، والثاني كالمخرج من عمومه، ولذلك صير معناه "إلا أن"، واجتمع أو وإلا في هذا المعنى للشبه الذي بينهما في العدول عما أوجبه اللفظ الأول، وذلك أنا إذا قلنا: جاء القوم إلا زيدًا، فاللفظ الأول قد أوجب دخول زيد في القوم، لأنه منهم، فإذا قلت: "إلا" فقد أبطلت ما أوجبه الأول، وإذا قلت: جاء زيد أو عمرو، فقد وجب المجيء لزيد في اللفظ قبل دخول "أو" فلما دخلت، بطل ذلك الوجوب ولهذا المعنى احتيج إلى تقدير الفعل الأول مصدرًا، وعطف الثاني عليه بذلك التقدير على ما مضى في الفاء. انتهى.
قال في "الفاء" في نحو: "ما تأتيني فتحدثني" بالنصب: لما لم يكن عطفه على ظاهر لفظه، لئلا يبطل المعنى المقصود به، ردوه في التقدير إلى ما لا يبطل معناه، فجعلوا الأول في تقدير مصدر، وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر الظاهر، وجعلوا الثاني مقدرًا
[ ٢ / ٦٩ ]
بمصدر ليس بظاهر، فلذلك قدرت "أن" فعملت ولم تظهر، وكان هذا التقدير والتغيير والعدول عن الظاهر دلالة على المعنى المقصود، ولو أظهرت أن لكان المصدر قد ظهر، ولم يظهر في المعطوف عليه، وجعل التغيير لهما كالمشاكلة بينهما، فاكتفى بذلك. ويقوي هذا ما ذكره سيبويه من تقدير ما لا يتكلم به من قولك: أتاني القوم ليس زيدًا، والتقدير: ليس بعضهم زيدًا، ولا يتكلم بهذا. انتهى. وقال هناك: ويجوز الرفع فيه، فيقال: أو تستقيم، في غير هذه القصيدة، لأن "كسرت" في موضع رفع، لأنه جواب إذا، وجوابها بالفعل المستقبل رفع.
وقال أبو جعفر النحاس في شرح شواهده: يجوز رفع تستقيم بقطعه من الأول، قال سيبويه: لأنه لا سبيل إلى الإشراك، قال المبرد: الإشراك هنا جيد على الموضع في إذ، لأن الماضي معناه الاستقبال، لأن فيه معنى الشرط، قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ) ثم قال: (وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا) [الفرقان/ ١٠] قال أبو جعفر: الحجة لسيبويه أنه لم يرد الموضع، وإنما أراد أن يريك أنه لا يعطف المستقبل على الماضي. انتهى.
واعلم أن بعضهم أبقى كلام سيبويه على ظاهره، وقال إنه استثناء مفرغ من أعم الأوقات. منهم من جعلها تارة بمعنى إلى أو حتى أو كي، ولما رآه بعضهم بعيدًا، لأنه لم يعدها أحد من النحويين من أدوات الاستثناء، ولا من حروف الجر؛ أوله بما قاله الرضي وغيره من المحققين، بأن ما قاله سيبويه بيان معنى لا توجيه إعراب. وقد نقلنا كلامه وكلام شارحه السيرافي.
والبيت نسبه سيبويه وخدمته إلى زياد الأعجم، وهو من أبيات ثمانية هجابها المغيرة بن حبناء الحنظلي التميمي، رواها صاحب "الأغاني" في ترجمة المغيرة، وهي:
[ ٢ / ٧٠ ]
ألم تر أنني أوترت قوسي لأبقع من كلاب بني تميم
عوى فرميته بسهام موت كذاك يردُّ ذو الحمق اللَّئيم
وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيم
هم الحشو القليل لكلِّ حيٍّ وهم تبع كزائدة الظَّليم
فلست بسابقي هربًا ولمَّا تمرُّ على نواجذك القدوم
فحاول كيف تنجو من وقاعي فإنَّك بعد ثالثة رميم
سراتكم الكلاب البقع فيكم للؤمكم وليس لكم كريم
فقد قدمت عبودتكم ودمتم على الفحشاء والطّبع اللئيم
كذا رويت هذه الأبيات بالإقواء، وهو اختلاف القوافي بالرفع والجر، وسيبويه أنشد البيت الشاهد منها بالنصب، وتبعه من جاء بعده من النحويين.
نقل السيوطي عن الزمخشري أنه قال في شرح أبيات "الكتاب": أبيات القصيدة غير منصوبة، وإنما أنشده سيبويه منصوبًا، لأنه سمعه كذلك، ممن يستشهد بقوله: وإنشاد الأبيات على الوقف مذهب لبعض العرب، فإن أنشد بيت واحد منهما؛ أنشد على حقه من الإعراب، وإن أنشد جميعها أنشد على الوقف. انتهى. ونقله ابن الملا في شرحه، قال شيخنا الشهاب الخفاجي: هذا كلام لا وجه له، فإن الشعر إذا أنشد بتمامه كيف يلتزم الوقف فيه؟ ! وقد يكون ذلك بكسر وزنه. انتهى.
وأقول: وعلى تسليم ذلك، فأي مدخل في إنشاد البيت منصوبًا؟ فإنه
[ ٢ / ٧١ ]
ليست الأبيات منصوبة القوافي! وإنما يكفي قوله لأنه سمعه كذلك ممن يستشهد بقوله، فإنه وقع له نظيره في البيت المنسوب لعقيبة الأسدي، وهو:
معاوي إنَّنا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فإنهم قالوا: إنه قد سمعه منصوبًا ممن أنشده، ولم تحفظ الأبيات التي قبله وبعده إلى مخفوضة وبعده:
أكلتم أرضنا فجرزتموها فهل من قائم أو من حصيد
وقد حققناه في الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وقوله: ألم تر أنني إلخ، خطاب لمن يسمع، وأوترت القوس ركبت الوتر عليها، وروي أيضًا: "وترت" بالتشديد، والأبقع: وصف من البقع بفتحتين، قال صاحب "القاموس": هو في الطير والكلاب كالبلق في الدواب، وفعله من باب فرح.
وقافية هذا البيت مجرورة، وكذلك قافية البيت الرابع والثامن، وقوافي ما عداها مرفوعة. وقوله: كذاك يرد بالبناء للمفعول، وذو: نائب الفاعل، واللئيم: صفته، والحمق بضمتين: الحماقة. ورواه ابن بري في "أماليه" على "الصحاح":
عوى فرميته بسهام موت تردُّ عواء ذي الحمق اللئيم
ففاعل "ترد" ضمير السهام، وعواء: مفعوله. وعواء الكلب، بالضم والمدّ: وهو أن يمدَّ صوته ولا يفصح، وعليها فهذه القافية مجرورة أيضًا. واللئيم: الذي جمع إلى سح النفس دناءة الآباء.
وقوله: وكنت إذا غمزت إلخ، قال الجوهري: غمزت الشيء بيدي، وأنشد هذا البيت. قال ابن بري في "أماليه" عليها: ومعنى غمزت: ليَّنت، وهذا
[ ٢ / ٧٢ ]
مثل، والمعنى: إذا اشتد علي جانب قوي، رمت تليينه أو يستقيم. وليس معنى الغمز ما ذكره، وإنما هو ضم الأصابع على الرمح ونحوه، وتحريكها وهزُّها، قال الأزهري في "التهذيب": الغمز: العصر باليد. وليس معناه المقصود هنا أيضًا ما نقله ابن الملا عن "القاموس" وهو: غمزه بيده يغمزه، شبيه نخسه، والنَّخس على ما قال: الغرز بعود ونحوه. انتهى. والقناة: الرمح، وتطلق على مجرى الماء.
وما أحسن قول شيخنا الخفاجي:
تخال رماح الخطِّ قتالهم قنا قد جرى فيهنَّ ذوب عقيق
وقال: إنهم يكنون بالقنا عن الحال، فيقال لانت قناته: إذا تغيرت حاله. وقال المرزوقي: القناة تستعار للإباء والشتدُّد كقوله:
كانت قناتي لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء
ومثله لشارح "ديوان عمرو بن كلثوم" قال في شرح معلقته عند قوله:
فإنَّ قناتنا يا عمرو أعيت على الأعداء قبلك أن تلينا
قناتهم: يعني عزهم وصلابتهم. وقال صاحب "الموعب": معنى البيت: من لم يستقم له بالملاينة، تناوله بالمخاشنة فأهلكه، إلا أن يستقيم.
وقال الدماميني: فيه استعارة تمثيلية، شبَّه حاله إذا أخذ في إصلاح قوم – إذا اتصفوا بالفساد، ولم يكفوا عما ينشأ عنه فسادهم إلا بما يحصل عنه صلاحهم –
[ ٢ / ٧٣ ]
بحال من غمز قناةً معوجة هزًا شديدًا حتى كادت تنكسر، ولم يكف عنها حتى استقامت.
والكعب: العقدة الناشزة في طرف الأنبوب من القصب، والأنبوب: ما بين الكعبين، وكسرت: أي أردت كسرها، إلا أن تستقيم من عوجها.
وزياد: هو أبو أمامة، زياد بن سلمى، مولى عبد القيس، أحد بني عامر، كان ينزل اصطخر، وكانت فيه لكنة، فلذلك قيل له: الأعجم. وفي "تاريخ الذهبي" أنه شهد فتح اصطخر مع أبي موسى الأشعري، وطال عمره، وحدَّث عنه وعن ابن عمر، وحدث عنه طاووس وغيره، وله وفادة على هشام بن عبد الملك، وامتدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومدح الملهب بن أبي صفرة، ورثاه أيضًا بعد موته.
والمغيرة ابن حبناء: بفتح الحاء المهملة، وسكون الموحدة بعدها نون فألف ممدودة: وهو فارس وشاعر في الدولة الأموية، وحبناء: لقب أمه، واسم أبيه: حبين، بضم المهلة، وفتح الموحدة بعدها مثناة تحتية فنون.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون:
(٩٧) لأستسهلنَّ الصَّعب أو أدرك المنى
تمامه:
فما انقادت الآمال إّلا لصابر
على أن "أو" فيه بمعنى "إلى" واللام في جواب قسم مقدر. واستسهل الشيء: عده سهلًا. والصعب: الأمر الشاق، والإدراك، اللحوق، والمنى: جمع منية، وهي اسم ما يتمناه الإنسان، وأراد إدراكها بالصبر،
[ ٢ / ٧٤ ]
بقرينة المصراع الثاني، وأراد بمناه: الأمور الممكنة، لأنّ المستحيل لا يدرك، ولا ينقاد لأحد، وأراد بالانقياد: وجدانها موافقة لمراده، وكان الظاهر أن يقول: فما انقادت إلا لصابر، بإسناد الفعل إلى ضمير المنى، لكنه أتى بالظاهر المرادف، إذ الآمال هي المنى.
[ألا]
أنشد بعده في "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام، وهو الإنشاد الثامن والتسعون:
(٩٨) أما والَّذي لا يعلم الغيب غيره
تمامه:
ومن هو يحيي العظم وهو رميم
على أن "أما" مثل "ألا" من مقدمات اليمين، وجواب القسم قوله بعده:
لقد كنت أطوي البطن والزَّاد يشتهي محافظةً من أن يقال لئيم
وإنِّي لأستحيي رفيقي ودونه ودون يدي داجي الظَّلام بهيم
كما أنشدها القالي في "أماليه" عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي أنه سمعها من أعرابي. ورواها بهذا السند أيضًا أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني في ترجمة الأصمعي من كتاب "طبقات النحويين" عن ابن مطرف عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي لأعرابي.
واليمني هذا: أديب نحوي، كان مقيمًا بمصر، وصنف "أخبار النحويين" و"مضاهاة كليلة ودمنة" ومات في سنة أربعمائة.
[ ٢ / ٧٥ ]
وقال السيوطي: ما بعد المصراع:
ويحيي العظام البيض وهي رميم
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا محاذرة من أن يقال لئيم
قال: وهما لحاتم الطائي، ولقد صدق، فإن مثل هذا الشعر لا يليق بغيره من الأعراب، وإنما هذا الشعر من لهجته، الدالة على كرم طبعه وبهجته.
والغيب كما في "المصباح: " كل ما غاب عنك، والرميم: البالي، من رمَّ العظم يرمُّ من باب ضرب: إذا بلي. وفي الرواية الثانية: "ويحيي العظام البيض" أي: التي فني لحمها، وظهر بياض العظم، وهذا كقوله تعالى: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس/ ٨٧] ووجهه أن فعيلًا وفعولًا قد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع، نحو: صديق وظهير وعدوّ ورسول، وعليه الجوهري. وهذا كلام يدل على أن قائله ممن يؤمن بالحشر من أهل الجاهلية.
وقوله: لقد كنت أطوي البطن، أي لم آكل شيئًا، وهو من باب طوى. يطوي طيًا، من باب رمى إذا ترك الأكل وتعمد الجوع، وأما طوي يطوي طوى من باب فرح، فمعناه جاع جوعًا، كذا في "الصحاح" وقوله: والزاد يشتهي، بالبناء للمفعول، والأصل: يشتهيه الناس، وذلك عند الجدب والقحط. والزاد: ما يؤكل. وفي الرواية الثانية: "أختار القرى طاوي الحشا" والقرى: إكرام الضيف بالطعام، وطاوي: حال من فاعل اختار، وهو من باب رمى، أي: مجيع البطن، قال صاحب "النهاية": ومنه الحديث: "يبيت شبعان وجاره طاوٍ" والحديث الآخر "يطوي بطنه عن جاره" أي: يجيع نفسه،
[ ٢ / ٧٦ ]
ويؤثر جاره بطعامه. انتهى. والحشا كما في "المصباح": هو المعا، والجمع أحشاء وأمعاء. ومحافظة: علة لأطوي، ومحاذرة: علة لطاوي، و"من" في الأولى متعلقة بمحافظة، وفي الثانية بمحاذرة، والمعنى: لأجل المحافظة لنفسي، والمحاذرة لها من أن يقال في حقي: هو لئيم، وفي الدنيء الأصل الشحيح النفس.
وقوله: لأستحيي رفيقي، في "المصباح": واستحيا منه، وهو الانقباض والانزواء، قال الأخفش: يتعدى بنفسه وبالحرف فيقال: استحييت منه واستحييته. انتهى. يقول: إذا أكلت مع ضيفي في زمن الجدب استحيي منه، فأدع الأكل وأوثره بالطعام حتى يشبع وأوهمه أني آكل معه، والحال أن ظلام الليل مانع من أن يرى كل منا يد الآخر، فجملة "ودونه" إلى آخر البيت: حال من الفاعل والمفعول معًا. وقوله: ودونه، أي: دون يده، بقرينة: ودون يدي. وداجي الظلام: من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، والداجي: الساتر، قال الأصمعي: دجا الليل إنما هو ألبس كل شيء وليس هو من الظلمة، ومنه داجيته، أي: داريته، كأنك ساترته العداوة. والبهيم، قال الأزهري في "التهذيب": هو الذي لا يخلط لونه لون سواه من سواد كان أو غيره.
وحاتم الطائي: هو حاتم بن عبد الله الطائي الجواد المشهور المضروب بجوده المثل، أدرك مولد النبي ﷺ، ومات قبل مبعثه. ونقل ابن وحيي عن "تاريخ القدس الشريف" أنه مات سنة ثمان من الهجرة فعليه يكون أدرك البعثة، والله تعالى أعلم. وابنه عدي بن حاتم صحابي جليل مشهور. روى ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" أن امرأته النوار قالت: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، وضنت المراضع على أولادها، فوالله إني لفي ليلة شديدة البرد، بعيدة ما بين طرفيها، إذ تضاغى أولادنا عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين، وقمت إلى الصبية، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأةٍ من الليل، ثم ناموا ونمت
[ ٢ / ٧٧ ]
إنا معه، فأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت وما يأتيني نوم، فقال: ما لها، أنامت؟ فسكت، فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال: ما هذا؟ قالت جاريتك فلانة، قال: ما لك؟ قالت: الشر، أتيتك من عند صبية يتعاوون تعاوي الذئاب من الجوع، قال: أعجليهم. فهببت إليه فقلت: ماذا صنعت؟ فوالله لقد تضاغى صبيتك من الجوع فما أصبت ما تعللهم به! فقال: اسكتي، وأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي جانبها أربعة، فقام إلى فرسه فنحره، وكشط عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة ثم قال: سوأةً تأكلون دون أهل الصِّرم! ثم جعل يأتي بيتًا بيتًا ويقول: دونكم النار، فاجتمعوا، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، والله ما ذاق منها مزعة، وإنه لأحوجهم، وأصبحنا وما على الأرض إلا عظم أو حافر، فعذلته على ذلك فقال:
مهلًا نوار أقلِّي اللَّوم والعذلا ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
وروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، أنه قال يومًا: سبحان الله، ما أزهد كثيرًا من الناس في خيرٍ! عجبًا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة، فلا يرى نفسه للخير أهلًا! فلو كان لا يرجو ثوابًا، ولا يخاف عقابًا، لكان ينبغي أن يسارع إلى مكارم الأخلاق، فإنها تدلّ على سبيل النجاح! فقام إليه
[ ٢ / ٧٨ ]
رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أسمعته من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال: نعم لما أتي بسبايا طيّ، وقفت جارية عيطاء لعناء، فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت لأطلبنّها من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما تكلمت أنسيت جمالها بصفاحتها، فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنةً سيّد قومي، وإنَّ أبي كان يفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويفشو السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي! فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "يا جارية! هذه صفة المؤمن، ولو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق".
وأخرج الديملي في "مسند الفردوس" عن علي هذه الحكاية من قوله: لما جيء بسبايا طيَّ إلى آخرها بألفاظ متقاربة.
وأخرج ابن حنبل عن عدي بسنده أنه قال: قلت لرسول الله، صلى تعالى عليه وسلم: يا رسول الله، إنّ ربي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، فقال: "إن أباك أراد أمرًا فأدركه" يعني: الذكر.
وأخرج ابن عساكر عن أبي عبيدة قال: لما بلغ حاتم طي قول المتلمس.
قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد
وحفظ المال خير من فناه وعسف في البلاد بغير زاد
قال: قطع الله لسانه: حمل الناس على البخل، فهلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل فنائه ولا البخل في مال الشحيح يزيد
[ ٢ / ٧٩ ]
فلا تلتمس مالًا بعيش مقتر لكلِّ غد رزق يعود جديد
قال ابن قتيبة: وما سبق إليه فأخذ منه قوله:
إذا كان بعض المال ربًّا لأهله فما لي بحمد الله مال معبَّد
أخذه حطائط بن يعفر فقال:
ذريني أكن للمال ربًّا ولا يكن لي المال ربًّا تحمدي غبَّه غدا
أريني جوادًا مات هزلًا لعلّني أرى ما ترين أو بخيلًا مخلَّدا
وأنشد بعده:
أما والَّذي أبكى وأضحك والَّذي أمات وأحيا والَّذي أمره الأمر
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الرابع والسبعين.
وأنشد بعده وهو الإنشاد التاسع والتسعون:
(٩٩) ألا طعان ألا فرسان عاديةً إلاَّ تجشُّؤكم حول التَّنانير
على أن "ألا" فيه للتوبيخ والإنكار، وهي مركبة من الهمزة للاستفهام، ولا النافية للجنس مع بقاء عملها، قال سيبويه: واعلم أن "لا" في الاستفهام تعمل فيما بعدها
[ ٢ / ٨٠ ]
كما تعمل فيه إذا كانت في الخبر فمن ذلك قول حسان بن ثابت:
ألا طعان ألا فرسان .. البيت
وزعم الزَّجاي في "الجمل" أن ألا في هذا البيت للتمني، وليس كذلك، لأن البيت من الهجو، ولو كان تمنيًا لما كان ذمًا.
قال الخفاف في شرح "الجمل": ألا: هي لا النافية دخلت عليها همزة الاستفهام الدالة على التقريع والتوبيخ، وأبو القاسم الزجاجي استشهد به على أن لا هذه للتمني، وهو وهم منه وغلط. فإنه ليس في قوله: "ألا طعان ولا فرسان" تمنّ، وإنما هو توبيخ وتقريع، ونفي أن يكون لهم هذان الوصفان. وعادية: نعت لفرسان، ويمكن أن يكون فيه التمني على وجه بعيد، وهو أن يكون الهاجي تمنى أن يكون لهم طعان وفرسان، ويدلّ تمني ذلك لهم على عدمه عندهم، لأن المتمنَّي معدوم، وهو بعيد من جهة أنّ الهاجي لا يتمنى للمهجو خيرًا. انتهى.
وزعم ابن هشام اللخمي أن ألا في البيت عند سيبويه للتقرير، وعند أبي القاسم للتمني، وهو غلط، لأن التمني يفسد المعنى، وإنما قرّرهم على ما علم من أمرهم. وقال الأعلم في شرح أبيات "الجمل": قد رأيت بعضهم يقول: ألا في هذا البيت ليست للتمني، لأنه هجو، والتمني يزيل معنى الهجو، لأنه غير حقيقي، قال: وإنما هي لا النافية، دخل عليها ألف التقرير، واحتج بقول سيبويه: لا إذا دخل عليها ألف الاستفهام على معنيين، أحدهما: أن يكون
[ ٢ / ٨١ ]
دخولها كخروجها. والثاني: أن يكون تمنيًا، وهذا عندي حسن، وكذا قال في شرح شواهد "سيبويه" إن الهمزة للتقرير.
وعندي نسختان جليلتان من "كتاب سيبويه" وفيهما: كذا: "ألا طعان ولا فرسان" بواو العطف، وكذا رأيته في شروح شواهده، وفي شروح شواهد "الجمل الزجَّاجية" وهي أكثر من عشرة شروح، ولم أر: "ألا طعان ألا فرسان" بتكرير "ألا" إّلا في نسخ "المغني" وشروحه. قال الأعلم في شرح أبيات "الجمل": ولا فرسان معطوف على: ألا طعان، وخبر ألا محذوف وتقديره: ألا طعان لكم، ولا فرسان فيكم. والطعان: مصدر طاعن بالرمح، وفرسان: جمع فارس. وقال اللخمي: عادية: نعت للفرسان على اللفظ، ومن روى بالرفع كانت نعتًا على الموضع. انتهى.
وأجاز غيره في نصبه أن يكون حالًا، وفي رفعه أن يكون خبرًا، قال الخفاف: روي "عادية" بالعين غير المعجمة، وبالغين المعجمة، فمن رواه بغير معجمة، احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون من العدو الذي هو شدة الجري، فكأنه قال: ألا فرسان عندكم تسرع إلى الغارات والحرب. ويحتمل أن يكون من العدوان الذي هو عبارة عن الظلم، لأنهم كانوا يفخرون بالظلم لأن ذلك مما يدل على العزّ، فنفى عنهم ذلك، أي: لا فرسان عندكم تقدر على ظلم أحد، ويكون في المعنى مثل قول الآخر:
قبيِّلة لا يخفرون بذمَّة ولا يظلمون الناس حبَّة خردل
ومن رواه بغين معجمة، كان معناه من الغدوِّ، أي: ليس عندكم فرسان تبكر للغارات. انتهى.
قال النحاس: وعند أبي الحسن الأول هو الأحسن، لأن العادية تكون بالغداة وغيرها، وكذا قال اللخَّميُّ.
[ ٢ / ٨٢ ]
وقوله: إلا تجشؤكم. قال اللخمي: نصب على الاستثناء المنقطع، ويجوز رفعه على البدل من موضع "ألا طعان" على مذهب بني تميم. انتهى. واقتصر عليه ابن السيد فقال: وتجشؤكم مرفوع على البدل من موضع "ألا طعان ولا فرسان". والتجشؤ: خروج صوت من الفم ينشأ من امتلاء المعدة، مصدر تجشأ، والاسم: الجشاءة، بضم الجيم وفتح الشين، ويقال الجشاء أيضًا كالسعال والعطاس. قال اللخمي والخفاف: ويروي: "تحشؤكم" بالحاء المهملة، مأخوذ من المحشاء، وهو الكساء الغليظ الذي يشتمل به، فمعناه على هذا: أنكم تشبعون وتلتفون في الأكسية، وتنامون عند التنانير. انتهى. والمحشاء على وزن مفعال، والجمع: المحاشئ بالهمز على مفاعل. والتنانير: جمع تنُّور، وهو ما يخبز فيه الخبز. وقال الخفاف: التنور هنا: وعاء يطبخ فيه الطعام، ويكون في غير هذا الموضع: وجه الأرض، وقد فسِّر به قوله تعالى: (وَفَارَ التَّنُّورُ) [هود/ ٤٠]. انتهى. قال اللخمي: جعلهم أهل أكل وشرب لا أهل غارة وحرب، يقول: ألا خيل تعدون بها على الأقران، ولا طعان لكم في نحور الشجعان إّلا الأكل والجشاء عند التنانير، فليس لكم رغبة في طلب المعالي، وإنما فعلكم فعل البهائم، كما قال الآخر:
إنِّي رأيت من المكارم حسبكم أن تلبسوا حرَّ الثِّياب وتشبعوا
وإذا تذوكرت المكارم مرَّة في مجلس أنتم به فتقَّنعوا
وكما قال الحطيئة.
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنَّك أنت الطَّاعم الكاسي
[ ٢ / ٨٣ ]
انتهى. وهذا البيت قد اختلف في قائله، فقال سيبويه: هو لحسان بن ثابت، وكذا قال جميع خدمة "الجمل الزجاجية" وقال السيرافيُّ في شرح "الكتاب" وأما البيت المنسوب في "الكتاب" إلى حسان بن ثابت الذي أوله: "ألا طعان ولا فرسان عادية" فذكر الجرميّ أن البيت لعصام الزِّماني. انتهى. وقال يوسف بن السيرافي في "شرح شواهد سيبويه" وتبعه الأسود الغندجاني في كتاب "فرحة الأديب" وهو تعقُّبات على ابن السيرافي فيما أخطأ في شرح تلك الشواهد، وتبعه الزمخشري أيضًا في "شرح شواهد الكتاب": إنه من قصيدة لخداش ابن زهير. أما من قال بالأوَّل، فمنهم ابن السِّيد البطليوسيّ قال: هو آخر أبيات حسان، هجا بها بني الحارث بن كعب، وهم بنو عبد المدان بن الديان وهي:
حاربن كعب ألا أحلام تزجركم عنّا وأنتم من الجوف الجماخير
لا عيب بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير
كأنَّهم قصب جوف مكاسره مثقَّب فيه أرواح الأعاصير
دعوا التَّخاجؤ وامشوا مشية سجحًا إن الرِّجال ألو عصب وتذكير
لا ينفع الطُّول من نوك القلوب ولا يهدي الإله سبيل المعشر البور
إنِّي سأنصر عرضي من سراتكم إنِّ الحماس نسيٌّ غير مذكور
ألفى أباه وألفى جدَّه حبسا بمعزل عن مساعي المجد والخير
ألا طعان ولا فرسان عادية إلا تجشُّؤكم حو التَّنانير
وأما اللخمي فقد أورده بعد قوله: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم البيت.
[ ٢ / ٨٤ ]
وكان السبب في هجو حسان إياهم أن النجاشي، وهو من رهط الحارث بن كعب، هجا بني النجار من الأنصار بشر يقول فيه:
لستم بني النَّجَّار أكفاء مثلنا فأبعد بكم عنّا هنالك أبعد
فإن شئتم نافرتكم عن أبيكم إلى من أردتم من تهام ومنجد
ألم يك فيكم ينفخ الكير باسته كأنّ بشدقيه نفاضة إثمد
روى السكري عن ابن حبيب قال: ذكروا أن الأنصار اجتمعوا في مجلس، فتذاكروا هجاء النجاشي إياهم، فقالوا: من له؟ فقال الحارث بن معاذ بن عفراء: حسان له، فأعظم ذلك القوم، وقالوا: نأتي حسان، وإن طعامه ليغلبه من ضعف حنكه! نعرضه للنجاشي فلعله يغلبه، ولم يغلبه أخد قط!؟ لا نفعل. قال: والله لا أنزع عني قميصي حتى آتيه، فأذكر له. فتوجّه نحوه، والقوم كلهم معظم لذلك، فلما دخل عليه كلمّه فقال: أين أنتم عن عبد الرحمن؟ ! قال: إياك أردنا، قد قاوله عبد الرحمن فلم يصنع شيئًا، فوثب وقال: كن وراء الباب واحفظ ما ألقي، فضربته زافرة الباب فثجته على حاجبه، فقال: بسم الله، اللهم اخلف فيَّ رسولك، صلى الله تعالى عليه وسلم اليوم. فقال الحارث: فعرفت حين قالها ليغلبنَّه، فدخل وهو يقول:
أبني الحماس أليس منكم ماجد إنَّ المروءة في الحماس قليل
وهي أبيات ستة ثم مكث طويلًا في الباب يقول: والله ما أبحرت، أي: لم أبلغ ما أريد، ثم ألقى عليه فقال:
حار بن كعب ألا أحلام تزجركم إلى آخر الأبيات التي تقدمت
[ ٢ / ٨٥ ]
وقد راجعت ديوان حسان الذي عندي، وهو مجلد ضخم قديم تاريخ خطه شهر ربيع الأول من سنة أربع وثلاثين وثلمائة، فلم أجد البيت الشاهد فيه، لا في آخر تلك الأبيات ولا في أثنائها، ولا في موضع آخر من ديوانه، والله تعالى أعلم.
ثم قال حسان: اكتبوها صكوكًا إلى غلمان الكتاب، قال الحارث: ففعلت، فما مر بنا بضع وخمسون ليلة حتى طرق بنو عبد المدان حسان بالنجاشي موثقًا معهم، وقالوا: هذا صاحبنا قد جئناك به وحكمناك فيه، فقال حسان: نادوا في الناس، فانجفل الناس إلى أطم حسان ومعهم السلاح، ووضع لحسان منبر، فقعد عليه وبيده مخصرة، وأتي بالنجاشي وأقعد بين يديه، واعتذر القوم ثم نظر إلى النجاشي ساعة، فقال حسان لابنته: هاتي البقية التي بقيت من جائزة معاوية، فأتته بمائة دينار إلا دينارين، ثم قال: حلوا عنه وثائقه فحلوه، فقال له: دونك هذه يا ابن أخي، وحمله على بغلة ابنه عبد الرحمن، فشكروه على عفوه وكرمه، فقال له ابن الديان: كنا نفتحر على الناس بالعظم والطول، فأفسدته علينا! قال: كلا، أليس أنا الذي أقول:
وقد كنّا نقول إذا رأينا لذي جسم يعدُّ وذي بيان
كأنَّك أيُّها المعطى بيانًا وجسمًا من بني عبد المدان
وعبد المدان: هو ابن الديان، من بني الحارث بن كعب، وبنو الديان سادات الحارث بن كعب، وكان بنو الحارث إحدى جمرات العرب. وقال السيوطي هنا: البيت الشاهد من قصيدة لحسان بن ثابت، يهجو الحارث بن كعب المجاشعي من بني عبد المدان، لأنه كان هجا بني النجار من الأنصار،
[ ٢ / ٨٦ ]
فشكو ذلك، إلى حسان، فقال هذه القصيدة، فبلغ ذلك بني عبد المدان فأوثقوا الحارث، وأتوا به إلى حسان.
وتبع السيوطي في هذا الكلام ابن الملا وابن وحيي، وهو كلام مضطرب، فإن الهاجي للأنصار إنما هو النجاشي، والحارث بن كعب قبيلة، وبنو عبد المدان منهم لا العكس، والحارث بن كعب أزدي لا مجاشعي، والذي أوثقوه وجاؤوا به موثقًا إنما هو النجاشي كما ذكرنا، وما نقلناه مسطور في جميع شروح أبيات "الجمل" وشروح شواهد سيبويه.
وقوله: حار بن كعب، هو مرخم حارث، وبه استشهد الزجاجي في "جمله" قال الخفاف في شرحه: وشاهده ترخيم حارث على لغة من ينوي المحذوف، ويجوز فيه البناء على الضم والفتح إتباعًا لحركة النون من ابن في لغة من يضم، كقولهم: يا زيد بن عمرو. والهمزة للاستفهام لفظًا، وللتقرير والتقريع معنىّ. "ولا" للنفي، والأحلام: جمع حلم بالكسر، وهو العقل. ومعنى تزجركم: تنهاكم، والجوف: جمع أجوف، وهو العظيم الجوف بالجيم، يريد أنهم فارغون من العقل، والجماخير: جمع جمخور، بضم الجيم والخاء المعجمة وسكون الميم بينهما، وهو العظيم الجسم، وحذف حرف النداء ورخم، فكان الأصل: يا حارث بن كعب. انتهى. وزاد ابن السيد في تفسير الجمخور: الخوار، وفسره النحاس بالضعيف. وقال الأعلم في شرح أبيات "الجمل": وقبله:
ألا طعان ولا فرسان عاديةً .. البيت
وبعده:
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم .. البيت ..
[ ٢ / ٨٧ ]
فعنده شاهدنا أول أبيات حسان. وقوله: لا عيب بالقوم .. إلخ، روي أيضًا لا بأس بالقوم، يريد: أن أجسامهم لا تعاب، هي طويلة عظيمة، ولكنها كأجسام البغال لا عقول لها، ورواه صاحب "الكشاف": جسم الجمال، وأورده عند تفسير قوله تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) [الأعراف/ ٤٠] على أن الجمل مثل في عظم الجرم. والبيت مثل قول آخر:
وقد عظم البعير بغير لبِّ فلم يستغن بالعظم البعير
وقول آخر:
فأحلامهم حلم العصافير دقَّة وأجسامهم جسم الجمائل أو أجفى
وهذان البيتان، على أن قائله رفع الجسم والأحلام على إضمار المبتدأ لما أراد من تفسير أحوالهم، دون القصد إلى الذم، والتقدير: أجسامهم أجسام البغال، وأحلامهم أحلام العصافير عظمًا وحقارةً، ويجوز، أن يريد لا أحلام لهم، كما أن العصفور لا حلم له. ولو قصد به الذم فنصبه بإضمار فعل لجاز، قال ابن خلف: ذكر سيبويه هذا الشعر بعد أبيات أنشدها، وذكر فيها أسماءً قد نصبت على طريق الشتم والتحقير، ورفع قوله: جسم البغال وأحلام العصافير. وقوله: ولم يرد أن يجعله شتمًا؛ يريد أنه لم يجعه شتمًا من طريق اللفظ إنما هو شتم من طريق المعنى، وهو أغلظ من كثير من الشتم، وأفرد الجسم وهو يريد الجمع ضرورة كقوله:
في حلقكم عظم وقد شجينا
[ ٢ / ٨٨ ]
وقوله: كأنهم قصب .. إلخ، هو جمع قصبة، والجوف: جمع أجوف، كما مرَّ، ومكاسره: مبتدأ، جمع مكسر، أي: موضع الكسر، ومثقب خبره، والأرواح جمع ريح. والتخاجؤ، بتقديم الخاء المعجمة على الجيم، وبعد الجيم همزة: هو مشي فيه تبختر، والمشية السجح، بضم السين والجيم بعدها حاء مهملة: السهلة الحسنة، وألو: بمعنى أصحاب. والعصب: شدة الخلقة، يقال: رجل معصوب الخلق، أي: مدمجه. والتذكير: كونهم على خلقة الذكور، والنوا بضم النون: الحماقة، والبور: جمع بائر، وهو الهالك، والحماس، بكسر الحاء المهملة بعدها ميم: فرقة من بني الحارث بن كعب، والنسي: المنسي الخامل الذكر، وقوله: حبسا، بالبناء للمفعول من الحبس، والمجد: الرفعة، والخير بكسر المعجمة: الكرم.
والنجاشي: اسمه قيس بن عمرو، وكان فيما روي ضعيف الدين، ذكر أنه شرب الخمر في رمضان، وثبت خبره عند أمير المؤمنين علي، رضي الله تعالى عنه، فبعث إليه، وجلده مائة جلدة، فلما رأى قد زاد في جلده على الثمانين، صاح به: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ ! فقال علي، رضي الله تعالى عنه: لجرأتك على الله في رمضان! والعلاوة: الشيء الزائد على حمل الدابة.
وحسان: هو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري من بني النجار، وأمه الفريعة – بضم الفاء بالتصغير وآخره عين مهملة – وهي بنت خنيس من بني الخزرج.
قال ابن قتيبة: حسان متقدم الإسلام إلا أنه لم يشهد مع رسول الله ﷺ، مشهدًا لأنه كان جبانًا، وكان له ناصية يسدلها بين عينيه، وكان حسان يضرب
[ ٢ / ٨٩ ]
بلسانه روثة أنفه من طوله ويقول: والله لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه. وعاش في الجاهلية ستين سنة، وعاش مثلها في الإسلام فهو من المخضرمين، ومات في زمن معاوية، وكفَّ بصره في آخر عمره، ومات في سنة أربع وخمسين.
وأما من قال: إن البيت الشاهد لخداش، فهو من قصيدة خاطب بها قومًا من بني تيم الأدرم من أجل مسابقة كانت بين بني العرقة من تيم الأدرم، وبين كرز بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وهو من رهط خداش بن زهير.
قال الأسود الأعرابي أبو محمد الغندجاني: وكان من قصة هذا الشعر أنه كان أول ما هاج بين قريش وبين بني عامر بن صعصعة أن كرز بن ربيعة راهن أسيدًا وعمرًا وعبد الله بن العرقة من بني تيم بن غالب، وهم تيم الأدرم، على فرس لهم يقال له: البرق، والسبق ثلاثون ناقة، وجعلوا المدى والمضمار إلى كرز فجعل المدى ما بين السجسج إلى ذات الفلج، وجعل المضمار البياض، فأرسلوا الفرسين، فجاء فرس كرز سابقًا، وهلك البرق، فأخذ السبق، فناشدوه في رده فأبى، فلبثوا قريبًا من سنتين، ثم ركب بنو العرقة، فلقوا أسيد بن مالك، وعمرو بن مالك، وعثمان بن أسيد من بني عامر بن ربيعة بأسفل العقيق في إبل لهم، فيها بكرة يقال لها: العنب، عشراء، فطردوا الإبل، فاستقبلها عثمان بن أسيد ينفَّر بها بثوبه، وبعث الأمة نحو أبيه وعمه مغوِّثًا، فركب أبوه فرسًا كبيرة، وركب عمه بنتها فرسًا صعبة، فلما لحق بالقوم قال عمرو بن مالك: أعلمونا من أنتم؟ قالوا: قريش، قالوا: وأيهم؟ قالوا: بنو العرقة. قالوا: فهل كان من حدث؟ قالوا: لا إلا يوم البرق، فقال لهم: احبسوا العنب، احبسوا اللقحة لقحة من لا يغدر! فقال لهم عمرو: لا والله لا ترضع منها قادمًا ولا آخرًا! قال: إنا لا نرضع الإبل ولكن نحتلبها،
[ ٢ / ٩٠ ]
وحمل عليه فقتله، وحمل أسيد بن مالك على أسيد بن العرقة فقتلة، فقال في ذلك:
إنِّي كذاك أضرب الكميّ ولم يكن يشقى بي السَّميّ
فذلك يوم العنب، وقال خداش بن زهير في ذلك:
نكبُّ الكماة لأذقانها إذا كان يوم طويل الذَّنب
كذاك الزَّمان وتصريفه وتلك فوارس يوم العنب
ثم وقع بينهم بعد ذلك التغاور والقتال، فقال في ذلك خداش بن زهير:
أبلغ أبا كنف إمَّا عرضت به والأبجرين ووهبًا وابن منظور
ألا طعان ولا فرسان عادية إلَّا تجشُّؤكم عند التَّنانير
ثمَّ احضرونا إذا ما احمرَّ أعيننا في كلِّ يوم يزيل الهام مذكور
تلقوا فوارس لا ميلًا ولا عزلًا ولا هلابيج روَّاثين في الدُّور
تلقوا أسيدًا وعمرًا وابن عمّهما ورقاء في النَّفر الشُّعث المغاوير
من آل كرز غداة الرَّوع قد عرفوا عند القتال إلى ركن ومحبور
يجدون أقرانهم في كلِّ معترك ضربًا وطعنًا كشقّ بالمناشير
وبقي من هذه القصيدة أربعة عشر بيتًا.
وخداش بن زهير: أورده ابن حجر في "الإصابة" في قسم المخضرمين الذين أدركوا زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يجتمعوا به. قال: خداش بن زهير العامري: شهد حنينًا مع المشركين، وله في ذلك شعر، يقول فيه:
[ ٢ / ٩١ ]
يا شدَّةً ما شددنا غير كاذبةٍ على سخينة لولا اللَّيل والحرم
ثم أسلم خداش بعد ذلك بزمان، ووفد ولده سعساع على عبد الملك يتنازعون في العرافة، فنظر إليه عبد الملك فقال: قد وليتك العرافة! فقام قومه وهم يقولون: فلج ابن خداش؛ فسمعهم عبد الملك فقال: كلا والله، لا يهجونا أبوك في الجاهلية، ونسوِّدك في الإسلام! وذكر البيت المتقدم. والمراد بسخينة: قريش. وذكر المرزباني أنه جاهلي، وأن البيت الذي قاله في قريش كان في حرب الفجار، وهذا أصوب. انتهى كلام ابن حجر ..
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي مائة:
(١٠٠) ألا ارعواء لمن ولَّت شبيبته وآذنت بمشيب بعده هرم
على أن ألا فيه أيضًا للتوبيخ والإنكار. قال الأزهري في "التهذيب": قال الليث: يقال: ارعوى فلان عن الجهل ارعواءً حسنًا، ورعوى حسنةً، وهو نزوعه وحسن رجوعه. وقوله: لمن: خبر ألا، وولت: ذهبت وأدبرت، والشبيبة: الشباب، وآذنت بمد الهمزة: أعلمت. قال الأصمعي: المشيب: دخول الإنسان في حد الشيب، والشيب: بياض الشعر، والهرم: أقصى الكبر، وجملة "بعده هرم": صفة المشيب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد المائة:
(١٠١) ألا عمر ولَّى مستطاع رجوعه فيرأب ما أثات يد الغفلات
[ ٢ / ٩٢ ]
على أن "ألا" للتمني. قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": وقول قوم منهم الشارح: أن المفيد للتمني "الهمزة" سهو، ويلزم منه كون المتمنى جملة النفي، فيكون معنى قولك "ألا ماء": أتمنى عدم الماء، وهو عكس المراد. وعمر: اسم ألا، ووّلى: صفته، ومستطاع رجوعه: اسمية قدم خبرها، والاسمية كالفعلية في الوصفية، وموضعهما النصب. فإن قلت: أيجوز أن تكون الفعلية محلها الرفع على الخبرية لـ"ألا" أو كون الاسمية خبرًا، أو كون مستطاع صفةً لاسمها على الموضع، أو خبرًا، ورجوعه [مرفوع] به على الوجهين؟ قلت: أما عند سيبويه فلا، لأنه لا يجيز مراعاة محل اسمها، إجراءً لها مجرى ليت، وليس لها عنده [خبر] لا لفظًا ولا تقديرًا، وأن نحو "ألا ماء" كلام تام محمول على معناه، وهو: أتمنى ماءً، وعلى هذا فهو كلام مركب من اسم وحرف، كما في: يا زيد، عند أبي علي، وأما عند المازني والمبرد؛ فيجوز لأنهما يجريانها مجرى التي للإنكار والتوبيخ سواء.
وقوله: فيرأب: منصوب في جواب التمني، يقال: رأبه يرأبه، بالفتح فيهما والهمز: إذا أصلحه، وأصله من رأبت الإناء: إذا شعبته، والمحفوص في البيت: "يرأب" مبنيًا للفاعل، ويحسن بناؤه للمفعول. وأثأت بالمثلثة والهمز: أفسدت، منقول بالهمز من ثئي - بالكسر - يثأى - بالفتح: فسد. واستعار للغفلات يدأ كما استعارها زهير:
إذ أصبحت بيد الشَّمال زمامها
هذا آخر كلام المصنف، والصواب لبيد بدل زهير.
وأنشد بعده:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد إذا ألاقي الّذي لاقاه أمثالي
[ ٢ / ٩٣ ]
وتقدم في الإنشاد العاشر:
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد المائة:
(١٠٢) ألا رجلًا جزاه الله خيرًا يدلُّ على محصِّلة تبيت
على أن "ألا" فيه عند الخليل للتحضيض، وهو طلب بحثّ، والفعل الذي يليها محذوف تقديره: ألا ترونني رجلًا، وهو بضم التاء، من الإراءة لا بفتحها من الرؤية. قال سيبويه: وسألت الخليل، رحمه الله تعالى، عن قوله:
ألا رجلًا جزاه الله خيرًا .. البيت
فزعم أنه ليس على التمني، ولكنه بمنزلة قول الرجل: فهلا خيرًا من ذلك كأنه قال ألا ترونني رجلًا جزاه الله خيرًا، وأما يونس فزعم أنه نون مضطرًا. انتهى. ولم يتكلم عليه السير في بشيء أصلًا، وقال أبو جعفر النحاس: قال أبو الحسن: هذا قول جميل لأنه حذف لعلم السامع، وقول يونس: إنه نون مضطرًا ليس المعنى عليه، لأن المتمني لا يتمنى أن يروه رجلًا هذه صفته. هذا كلامه.
وقال الأعلم: الشاهد فيه نصب رجل، وتنوينه، لأنه حمله على إضمار فعل، وجعل "ألا" حرف تحضيض، والتقدير: ألا ترونني رجلًا. ولو جعلها ألا التي للتمني؛ لنصب ما بعدها بغير تنوين. هذا تقرير الخليل، وسيبويه. ويونس يرى أنه منصوب بالتمني، ونون ضرورة. والأولى أولى، لأنه لا ضرورة فيه، وحروف التحضيض مما يحسن إضمار الفعل بعدها. انتهى.
وقدر بعضهم الفعل: ألا أجد رجلًا. وقدره الصاغاني في "العباب": ألا هات رجلًا. والأولى عندي أن يكون من باب الاشتغال، فيكون "رجلًا" منصوبًا بجزى مقدرًا يفسره المذكور، وعليه تكون "ألا" للتنبيه.
[ ٢ / ٩٤ ]
ورواه الأزهري في "التهذيب" والجوهري في "الصحاح": "ألا رجل" بالرفع. قال ابن بري في "أماليه" على "الصحاح": رجل: فاعل بإضمار فعل يفسره "يدل" تقديره: ألا يدل رجل على محصلة. انتهى. وقال العيني، وتبعه السيوطي: رجل: مبتدأ وتخصص بالاستفهام، ويدل: خبره. ورده ابن الملا بأنه لو كان استفهام؛ لكان عن رجل يدل، لا عن عدم رجل يدل، كما لا يخفى. انتهى. ورواه الصاغاني منصوبًا ومجرورًا، وقال: في الجر، هو بتقدير: ألا من رجل. انتهى. وقال بعضهم في رواية الجر: هو على تقدير مضاف، تقديره: ألا دلالة رجل، أي: ألا تحصلون لي دلالة رجل؟ ويدل على هذا المحذوف في البيت "يدل" لا على إضمار من، لما يلزمه من إعمال الجار محذوفًا مع كونه زائدًا. انتهى.
والمحلة بتشديد الصاد؛ قال النحاس: هي التي تحصل الذهب، فتميزه من تراب المعدن، وأراد: تبيت عنده للزنا، والله تعالى أعلم، وقال الأعلم: وأراد بالمحصلة: امرأة تحصل الذهب من تراب المعدن، وتخلصه منه، وتطلبها للمبيت، إما للتحصيل، أو للفاحشة. انتهى. وهما في هذا الحمل قد قلدا ابن الأعرابي، قال في "نوادره" بعد أن أورد البيت الشاهد وحده: المحصلة: تحصل الذهب من التراب الذي يخرج من المعدن، وتبيت للفجور. انتهى. وأورده أبو الحسن الأخفش، سعيد بن مسعدة في كتاب "المعاياة" وقال: قوله محصلة، موضع يجمع الناس يحصلم. هذا كلامه. ولا معنى له هنا وقال الجوهري، وابن فارس في "المجمل" وتبعهما صاحب "العباب" و"القاموس" وغيرهما: هي المرأة التي تحصل تراب المعدن، وأنشدوا هذا البيت
وتبيت: مضارع بات، قال الأزهري: قال ابن الأعرابي: يقال: بات الرجل يبيت بيتًا؛ إذا تزوج. انتهى. وهذا هو المناسب هنا. وقيل: تبيت فعل
[ ٢ / ٩٥ ]
ناقص، مضارع بات، اسمها ضمير المحصلة. وجملة "ترجل لمتي" في بيت بعده: خبرها، وفيه عيب التضمين، وهو توقف بيت على آخر. وقال ابن الملا: وروى الأزهري: "تبيت" على أنه بضم أوله، من أبات، أي: تجعل لي بيتًا، أي: امرأة بنكاح، وعليه فلا تضمين.
أقول: هذا غير موجود في "تهذيب اللغة" للأزهري، ولا في غيره من كتب اللغة. وزعم الأعلم والنحاس: أنه فعل تام، كما نقلناه، قال السيوطي، وتبعه ابن الملا: يرد قول الأعلم قول الأزهري: إن هذا البيت لأعرابي أراد أن يتزوج امرأة بمتعة. انتهى.
أقول: ليس في "تهذيب الأزهري" شيء من هذا، وإنما قال: الحاصل: ما خلص من الفضة من حجارة المعدن، ويقال للذي يخلصه، محصل، وأنشد البيت، ولم يذكر قائله، ولا شيئًا يتعلق به. ونقل العيني عن ابن هشام اللخمي أنه قال في "شرح أبيات الجمل": هو "تبيث" بثاء مثلثة، والعرب تقول: بثت الشيء بوثًا. وبثته بيثًا: إذا استخرجته، فأراد: امرأة تعينه على استخراج الذهب، وتحصيله من تراب المعدن. انتهى.
وأقول: لم يقع هذا البيت في الجمل ولم أر له كلامًا يتعلق بهذا البيت في ذلك الكتاب، وإنما قال هذا الكلام الباهلي في كتاب "معاني الشعر" ونسب المصنف هذا القول، في شرح أبيات المصنف، إلى السيرافي، وتبعه السيوطي. وأقول: لم يتكلم السيرافي على شيء من هذا البيت، وإنما قال: ويروى: "مخلِّصة". ولم يزد على هذا شيئًا.
[ ٢ / ٩٦ ]
وأورد ابن بري وغيره بعد هذا البيت بيتًا آخر، وهو:
ترجِّل جمَّتي وتقمُّ بيتي وأعطيها الإتاوة أن رضيت
وهو استئناف بياني، كأنه قيل له: ما تصنع لك؟ فأجاب به. والترجيل: تسريح الشعر والجملة، بضم الجيم، وتشديد الميم: مجتمع شعر الرأس: وروي بدله "لمّتي" واللمة بالكسر: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، وقم البيت. قمًّا، من باب قتل: كنسه، والقمامة، بالضم: الزبالة التي تكنس من البيت. والإتاوة، بالكسر، قال الأزهري: هي الخراج، وأنشد الأصمعي:
أفي كلِّ أسواق العراق إتاوة وفي كلِّ ما باع امرؤ مكس درهم
انتهى. فيكون المراد بالخراج هنا: كسوتها، ونفقتها. وينبغي أن يقرأ قوله: أن رضيت، بفتح الهمزة، أي: لرضاي عنها.
وقال السيوطي: قال الزمخشري في "شرح أبيات الكتاب": البيت الشاهد من قصيدة طويلة لعمرو بن قعاس المرادي أولها:
ألا يا بيت بالعلياء بيت ولولا حبُّ أهلك ما أتيت
ألا يا بيت أهلك أوعدوني كأنِّي كلَّ ذنبهم جنيت
ألا بكر العواذل فاستميت وهل من راشد إمّا غويت
إذا ما فاتني لحم غريض ضربت ذراع بكري فاشتويت
وكنت متى أرى رقًا مريضا يصاح على جنازته بكيت
[ ٢ / ٩٧ ]
أمشِّي في سراة بني عطيف إذا ما ساءني ظلم أبيت
أرجِّل لمَّتي وأجرُّ ذيلي وتحمل بزَّتي أفق كميت
وبيت ليس من شعر وصوف على ظهر المطَّية قد بنيت
ألا رجلًا جزاه الله خيرًا .. إلى آخر البيتين
وعلى هذا، يكون بين البيتين وتلك الأبيات مخالفة في حركة الروي بالفتح والكسر، وهو العيب المسمى بالسناد.
والبيت الأول من شواهد سيبويه، أنشده في باب النداء، ونسبه إلى عمرو ابن قعاس. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع البيت، لأنه قصده بعينه، ولم يصفه بالمجرور بعده فينصبه، لأنه أراد: لي بالعلياء بيت، ولكني أوثرك عليه لمحبتي في أهلك. انتهى.
واستشهد به أبو علي أيضًا على أن العلياء اسم لا وصف، والعلياء: موضع بعينه، أبدلت لامه ياءً على غير القياس، والعلياء أيضًا: رأس كل جبل، لكنه استعمل استعمال الأسماء، ومثله في الشذوذ: داهية دهياء، والأصل: دهواء، بدليل قولهم: داهية دهويَّة، وزعم الفراء: أن علياء مبنية على عليت، ورده أبو علي بأن علياء اسم، وعليت فعل: فلا معنى لحمله عليه، كذا قال شارح شواهده. وقوله: كأني كل ذنبهم جنيت. قال النحاس: قال المازني: معناه: كأنني كل ذنب أتاه إليهم آت أنا أتيته. وقوله فاستميت، أي: علوت عن سماع عذلهن، ووزنه "افتعلت" من السمو، يقول: أنا أعلى من أن ألام على شيء، وهل من راشد لي إن غويت؟ أي: أنا أرشد الغواة، فكيف أحتاج
[ ٢ / ٩٨ ]
إلى راشد!؟ واللحم الغريض، بمعجمتين: الطري لا القديد، وقوله: ضربت ذراع بكري، أي: فصدته بذراعه، وشويت ما خرج منه من الدم، وقنعت بذلك بدلًا من اللحم. والبكر، بالفتح: الجمل الشاب. وصف نفسه بالقناعة والعفة.
وقوله: وكنت متى أرى رقًا، هو بكسر الراء، مفعول لأجله لبكيت. وصف نفسه برقة القلب. وأمشِّي، بتشديد الشين: لغة في تخفيفها، وغطيف، بالتصغير جده الأعلى. والبزة، بكسر الباء وتشديد الزاء المعجمة: السلاح. وروي بدله "شكتي" بكسر الشين المعجمة، وهي السلاح أيضًا. والأفق، بضم الألف والفاء: الفرس الرائع، للذكر والأنثى، قاله صاحب "العباب" وأنشد هذا البيت. والكميت من الخيل: بين الأسود والأحمر، قال أبو عبيد: ويفرق بينه وبين الأشقر بالعرف والذنب، فإن كانا أحمرين فهو أشقر، وإن كانا أسودين فهو الكميت. وقوله: وبيت ليس من شعر .. إلخ، يقول: جعلت لي ظهر المطية بدلًا من البيت.
وعمرو بن قعاس المرادي المذحجي: شاعر جاهلي، وهو بكسر القاف، ويقال ابن قنعاس أيضًا، بزيادة النون، قاله صاحب "العباب". ومن ولد عمرو بن قعاس: هانئ بن عروة بن نمران بن عمرو بن قعاس، قتله عبيد الله ابن زياد في الكوفة مع مسلم بن عقيل بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم.
[إّلا]
وأنشد في "إلا" بالكسر والتشديد، وهو الإنشاد الثالث بعد المائة:
[ ٢ / ٩٩ ]
(١٠٣) أنيخت فألقت بلدةً فوق بلدةٍ قليل بها الأصوات إّلا بغامها
على أن "إلا" صفة للأصوات، وهي لتعريفها بلام الجنس شبيهة بالمنكر، ولما كانت إلا الوصفية في صورة الحرف الاستثنائي؛ نقل إعرابها الذي تستحقه إلى ما بعدها، كأل الموصولة لما كانت في صورة حرف التعريف؛ نقل إعرابها أيضًا إلى صلتها، وهو الوصف، فرفع "بغامها" إنما هو بطريق النقل من "إّلا" إليه، والمعنى: إن صوتًا غير بغام الناقة قليل في تلك البلدة، وأما بغامها فهو كثير.
قال سيبويه في "باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفًا بمنزلة غير" ومثل ذلك: لو كان معنا رجل غلا زيد لغلبنا، والدليل على أنه وصل: أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا، وأنت تريد الاستثناء؛ لكنت قد أحلت. ونظير ذلك قوله ﷿: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء/ ٢٢] ونظير ذلك من الشعر قول ذي الرمة: أنيخت فألقت بلدة البيت، كأنه قال: قليل بها الأصوات غير بغامها، إذا كانت غير استثناء. انتهى. قال السيرافي: فيه وجهان:
أحدهما: ما قاله سيبويه، وإذا كان على ما قاله فقد أثبت بها أصواتًا قليلة، وجعل "إلا بغامها" نعتًا للأصوات.
والوجه الثاني: أن يكون "قليل" بمعنى النفي، فيكون بمعنى: ما بها أصوات إلا بغامها، وهو استثناء وبدل، كما تقول: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد. انتهى. وكذا جوز الرضي الوجهين في شرح "الكافية": والمعنى على
[ ٢ / ١٠٠ ]
الاستثناء: ما في تلك البلدة من جنس الأصوات إلا بغامها، بخلاف الوصفية، فإنه يقتضي أن يكون فيها صوت غير البغام، لكنه قليل. وكذا جوز الأعلم قال: يجوز أن يكون البغام بدلًا من الأصوات على أن يكون بمعنى النفي، وكأنه قال: ليس بها صوت إلا بغامها. انتهى.
وقليل: خبر مقدم. والأصوات: مبتدأ مؤخر. والجملة: صفة لبلدة. ويجوز جر قليل على أنه صفة لبلدة، والأصوات فاعل قليل لاعتماده على الموصوف.
والبيت من قصيدة لذي الرمة، وقبله:
إلا خيَّلت ميٌّ وقد نام صحبتي فما نفَّر التَّهويم إّلا سلامها
طروقًا وجلب الرَّحل مشدودة به سفينة برٍّ تحت خدّي زمامها
أنيخت فألمقت بلدةً فوق بلدة قليل بها الأصوات إّلا بغامها
يمانية في وثبها عجرفَّية إذا انضمَّ إطلالها وأودى سنامها.
قوله: ألا خيلت مي، أي: أرسلت إلي خيالها في النوم. ومي: اسم محبوبته، وجملة: "قد نام صحبتي": حال، والصحبة: مصدرصحبته، وأريد به هنا: الأصحاب. ونفر: بالتشديد، والتهويم: مفعوله، مصدر هوم الرجل: إذا هز رأسه من النعاس، وسلامها: فاعل نفر، يقول: نفر نومنا حين سلم الخيال علينا.
وقوله: طروقًا وجلب إلخ، الطروق: مصدر طرق، أي: أتى ليلًا، يريد خيلت. وجلب الرحل، بكسر الجيم وضمها: عيدانه وخشبه، وهو مبتدأ: ومشدودة: خبره. وسفينة، نائب الفاعل لمشدودة، وبه، أي: بالجلب، وأراد بسفينة البر: ناقته: وزمامها: مبتدأ، وتحت خدي: خبره، والجملة: صفة سفينة. يريد أنه كان نزل على ناقته آخر الليل، ووضع زمامها تحت خده، ونام.
[ ٢ / ١٠١ ]
وقوله: أنيخت إلخ، مجهول أنختها، أي: أبركتها، والبلدة الأولى: الصدر، والثانية: الأرض، والضمير في أنيخت، وألقت، وبغامها؛ راجع إلى سفينة بر، المراد بها الناقة، والبغام - بضم الموحدة بعدها غبن معجمة - قال الجوهري: بغام الظبية صوتها، وكذلك بغام الناقة: صوت لا تفصح به، وقد بغمت تبغم بالكسر.
وقوله: يمانية إلخ، أي: هذه الناقة منسوبة إلى اليمن. والوثب: النهوض بسرعة: والعجرفية: سرعة الحركة، في "القاموس": العجرفة: جفوة في الكلام، وخرق في العمل، والإقدام في هوج، ويكون الجمل عجرفي المشي، وفيه تعجرف، وعجرفة، وعجرفية: قلة مبالاة لسرعته. وإطلالها: خاصرتاها، مثنى إطل، بكسر الهمزة وسكون الطاء المهملة. وأودى: ذهب وتلف. يقول: هي في ضمرها هكذا شديدة، فكيف تكون قبل الضمر! وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد المائة:
(١٠٤) لو كان غيري سليمي الدَّهر غيَّره وقع الحوادث إّلا الصَّارم الذَّكر
على أن "إّلا الصارم الذكر" صفة لغيري، قال سيبويه: كأنه قال: لو كان غيري غير الصارم الذكر، لغيره وقع الحوادث، إذا جعلت غير الآخرة صفة للأولى، والمعنى: أراد أن يخبر أن الصارم الذكر لا يغيره شيء. انتهى. قال السيرافي: قائل هذا الشعر كأنه نابتة شدة فصبر لها، وثبت عندها، ولم تضعضعه، ولم تغيره، فقال: لو كان غيري في هذه الشدة لضعضعته،
[ ٢ / ١٠٢ ]
وغيرته، إلا أن يكون غيري الذي يقع في هذه الشدة الصارم الذكر، فإنه مثلي لا تغيّره هذه الشدة. والشدة التي مثلتها هي "وقع الحوادث" الذي في البيت، وتقديره الذي يقر به من الفهم: لو كان غيري المخالف للصارم الذكر، لغيره وقع الحوادث. وضده: لو كان غيري المجانس للصارم الذكر لم يغيره وقع الحوادث، كما لم يغيرني. انتهى. وقال أبو علي في "المسائل المنثورة": إذا قلت: جاءني القوم إلا زيد، تجعل إلا وزيدًا صفة للقوم، وكان وحده أن يكون نصبًا، ولكنك لما حملت غيرًا على إلا فاستثنيت بها؛ جاز أن تجعل إلا صفة، فتشبهها بغير من حيث شبهت غيرًا بها، ولا يجوز أن تجعلها نعتًا إلا إذا كان في الكلام معنى الاستثناء، وأما قول الشاعر:
لو كان غيري سليمي اليوم غيَّره البيت
فرفع إلا الصارم الذكر، لأنه صفة لغير، وكأنه أراد: لو كان غيري وغير الصارم الذكر، غيَّره وقع الحوادث، لأنه إذا قال: غيري، فكأنه أشار إلى أنه مثله، واختصها واختص الصارم الذكر، فجاز ذلك. انتهى. و"كان" يجوز أن تكون تامة، وغيري: فاعلها، والدهر: منصوب على الظرفية بـ"كان"، ويجوز أن تكون ناقصة، وخبرها محذوف، والدهر مفعوله، تقديره: يقاسي الدهر ويكابده. وجوز بعضهم أن يكون الدهر خبرها، قال: وصح الإخبار به عن الجثة، كما في: نحن في يوم طيب. وسليمي: منادى، وحرف النداء محذوف.
وجملة "غيره وقع الحوادث": جواب له. ونقل السيوطي عن الزمخشري: أنه قال في شرح أبيات الكتاب": إن جملة "غيره وقع" خبر كان. وهذا النقل لا يصح من مثل الزمخشري! وأجزم أنه من تحريف الناسخ.
[ ٢ / ١٠٣ ]
ووقع الحوادث: سقوطها. والحوادث: جمع حادثة، وهي ما يحدث من مصائب الدهر ونوائبه. والصارم: السيف القاطع، والذكر: أنفس الحديد وأجوده، وهو الفولاذ الذي له ماء ورونق، والحديد الرديء يقال له: الأنيث.
وقال الزمخشري في معناه: إنه لو كان غيره من الأشياء في موضعه لغيرته الحوادث إلا السيف، فإنه لا يتغير، فأنا مثل السيف في أني لا أتغير. ويجوز أن يريد: لو كان غيري من الأشياء لتغيّر كتغيُّري إلا السيف، يريد أن كل شيء يتغير بمرور الأوقات عليه إلا السيف الصارم. انتهى.
والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة العامري الصحابي وقبله:
قالت غداة انتجينا عند جارتها أنت الذي كنت لولا الشَّيب والكبر
فقلت ليس بياض الرأس عن كبر لو تعلمين وعند العالم الخبر
وانتجينا بالجيم بمعنى: تساررنا، من النجوى، وقوله: أنت الذي كنت إلخ، تريد: أنت كبرت وشبت؛ فأجابها: بأن الشيب ليس من كبر السن، وإنما هو من ترادف المصائب! وما أحسن قول بعضهم:
سألت من الأطَّبا ذات يوم خبيرًا: ممَّ شيبي؟ قال: بلغم
فقلت له وما استحييت منه: لقد أخطأت فيما قلت، بل غمّْ
و"لو" هنا، للتعليق في الماضي، وإن كان شرطها مضارعًا، إذ القصد إلى مجرد فرضه، والعلم هنا منزَّل منزلة القاصر، أي: لو كنت من أهل العلم والدراية. وجملة "وعند العالم الخبر" من إرسال المثل، ومن التذييل، وهو تعقيب الجملة بجملة مشتملة على معناها للتوكيد.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وترجمة لبيد تقدمت في الإنشاد الواحد والستون.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد المائة:
(١٠٥) وكلُّ أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إَّلا الفرقدان
على أنه من قبيل الشاذ عند ابن الحاجب، فإنه شرط في وقوع "إلا" صفة أن يتعذر الاستثناء، وفي البيت وقعت "إلا" صفة، مع أنه يجوز نصب الفرقدين على الاستثناء، وعنده فيه أيضًا شذوذان آخران، أحدهما: وصف المضاف، والمشهور وصف المضاف إليه، وثانيهما: الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر، وهو قليل. وكذا صاحب "اللب". ولا شذوذ في الأولين عند سيبويه قال: كأنه قال: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، إذا وصفت به كلا؛ كما قال الشماخ:
وكلُّ خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارز
انتهى. وقال السيرافي: تقديره: وكل أخ إلا الفرقدان مفارقه أخوه. و"إلا": صفة لكل، ومفارقه: خبر، ولو كان صفة للأخ لقال: إلا
[ ٢ / ١٠٥ ]
الفرقدين؛ لأن ما بعد "إلا" يعرب بإعراب غير الذي يقع موقعه، فالمرفوع: نعت كل، والمخفوض: نعت أخ. انتهى.
وقال صاحب "المقتبس": وفي البيت تخريج يتراءى لي غير بعيد عن الصواب، وهو أن يجعل قوله: مفارقه أخوه: صفة لكل، وساغ ذلك لكونه نكرة إذ إضافته لفظية، ثم يجعل إلا الفرقدان، خبرًا للمبتدأ الموصوف، ولا يخرج جعلها خبرًا عن الوصفية؛ لأن الخبر أيضًا صفة حقيقية، فتكون "إلا" في قوله تعالى: (إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء/ ٢٢] صفة نحوية، وفي البيت صفة معنوية، وبهذا الوجه يخرج الكلام عن تخلل الخبر بين الصفة والموصوف، وتقدير البيت على ما ذكرت: وكل أخ مفارق أخاه مغائر للفرقدين، أي: ليس على صفتهما، لأنهما لا يفترقان منذ كانا.
ورده السيد عبد الله في "شرح اللب" بقوله: ولا يجوز أن يجعل مفارقه: صفة، وإلا الفرقدان: خبرًا؛ حتى يتخلص من هذه الفسادات، كما يقيل: لفساد المعنى. انتهى. ووجهه أن المراد: الحكم على كل أخ بأنه مفارق أخاه في الدنيا سوى الفرقدين، فإنهما لا يفترقان إلا عند فناء الدنيا، وليس المعنى على ما ذكره، فإنه يقتضي بمفهومه: بأن كل أخ لا يفارق أخاه، مثل الفرقدين في اجتماع الشمل، وليس في الدنيا أخوان لا يفترقان؛ فتأمل.
[ ٢ / ١٠٦ ]
ورأيت في هامش "شرح اللب" عند قوله: لفساد المعنى، أي: لعدم صحة المعنى، لأنه هو الإخبار بأن كل أخ مع أخيه سيفترق وصلهما إلا الفرقدان، فإنهما لا يفترق أحدهما عن الآخر، لا الإخبار بأن كل أخ مع أخيه المفارق منه مغائر للفرقدين. ولا شك أن المغايرة معلومة لا فائدة في الإخبار بها، لأن الخبر كالوصف في حق المعنى، فلا يخلو حينئذ عن الضعف. هذا ما رأيته، وهو ليس بشيء، إذ لا فساد في المعنى.
وفي البيت تخاريج غير ما ذكر سيبويه أوردتها في شرح الشاهد الأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي، وقد كنت ذكرت هناك تخريجًا ظننت أني غير مسبوق به، وهو أن تكون "إلا" للاستثناء، والفرقدان منصوب بعد تمام الكلام الموجب، لكنه منصوب بفتحة مقدرة على الألف على لغة من يلزم المثنى الألف في الأحوال الثلاثة، وهي لغة بني الحارث بن كعب، ثم رأيته الآن مذكورًا في شرح ابن وحيي، نقله عن تعليقة الدمامبيني، وفي آخر كلامه: وهذا إنما يتأتى إذا كان الشاعر من أهل تلك اللغة، فحمدت الله تعالى.
قال الغالي في "شرح اللباب": البيت يحتمل وجوهًا من الإعراب:
أحدها: أن يكون "كل": مبتدأ، و"مفارقه": خبره، و"أخوه": فاعل مفارقه.
[ ٢ / ١٠٧ ]
الثاني: أن يكون "كل" مبتدأ، و"ومفارقه": مبتدأ ثانيًا، و"وأخوه": خبره، والجملة خبر الأول.
الثالث: أن يكون "كل" مبتدأ، و"وأخوه": مبتدأ ثانيًا، و"ومفارقه": خبره، والجملة خبر الأول.
الرابع: أن يكون "كل": مبتدأ، و"مفارقه": بدلًا منه، و"أخوه": خبر كل، أي: مفارق كل أخ أخوه.
الخامس: أن يكون "مفارقه" بدلًا من "كل" و"أخوه" مبتدأ و"كل أخ مفارقه": خبر مقدم. انتهى.
وقوله: لعمر أبيك: مبتدأ خبره محذوف، تقديره: قسمي، والجملة معترضة، واللام للتأكيد.
والبيت نسبه سيبويه، والجاحظ في "البيان" والمبرد في "الكامل"، وغيرهم، إلى عمرو بن معدي كرب الصحابي، ولم أره في ديوانه. ونسبه غير هؤلاء إلى حضرمي بن عامر الأسدي الصحابي أيضًا.
قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": حضرمي بن عامر: شاعر فارس. سيد من بني أسد، وله في كتاب بني أسد أشعار وأخبار حسان، وهو القائل:
ألا عجبت عميرة أمس لمَّا رأت شيب الذُّؤابة قد علاني
تقول أرى أبي قد شاب بعدي وأقصر عن مطالبة الغواني
وكلُّ قرينة قرنت بأخرى ولو ضنَّت بها ستفرَّقان
وكلُّ أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إَّلا الفرقدان
ونقل السيوطي من غير روايته أكثر من هذه الأبيات. والذؤابة: الخصلة.
[ ٢ / ١٠٨ ]
من الشعر، وقوله: وكل قرينة، أي: كل نفس مقرونة بأخرى ستفارقها، ولو ضنت بها، أي: وإن بخلت بها. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب.
وعمرو بن معدي كرب الزَّبيدي: هو الفارس المشهور صاحب الغارات والوقائع في الجاهلية والإسلام، أسلم مع وفد زبيد في سنة تسع، ومات في سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وعمره مائة وعشرون، وقيل مائة وخمسون، وقد ترجمناه بأبسط مما هنا في الشاهد الرابع والخمسين بعد المائة.
وكذا بسطنا الكلام في ترجمة حضرمي بن عامر الأسدي الصحابي في الشاهد الأربعين بعد المائتين من شرح شواهد المحقق الرضي. وحضرمي، بفتح الحاء، وسكون الضاد المعجمة، وبعد الراء ميم بعدها ياء مشددة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد المائة:
(١٠٦) حراجيج ما تنفكُّ إلَّا مناخةً على الخسف أو يرمى بها بلدًا قفرا
على أن "إلا" فيه زائدة عند الأصمعي، وابن جني، قال السيرافي: الأصمعي وأبو عمر الجرمي ومن تبعهما، كانوا يقولون: أخطأ ذو الرمة، لأنه لا يقال: لا يزال زيد إلا قائمًا، كما لا يقال: يزاد زيد قائمًا، لأن ذلك لا يستعمل إلا بلفظ الجحد، وإذا استثنينا، صار الجحد إيجابًا؛ فلذلك لم يجز الاستثناء منه، ولا ينفك، بمعنى: لا يزال. انتهى.
ونقل ابن يعيش في شرح "المفصل" أن المازني خرجه على زيادة "إلا" والمازني قد روى من الأصمعي، وابن جني تابع لشيخه أبي علي، فإنه قال في
[ ٢ / ١٠٩ ]
"القصريات": إلا، ههنا، زائدة، لولا ذلك لم يجز هذا البيت، لأن تنفك في معنى تزال، "ولا يزال" لا يتكلم به إلا منفيًا عنه.
وقول المصنف: فقيل غلط منه، والمنبه على غلطه أبو عمرو بن العلاء. قال المرزباني في "الموشح": أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: حدثنا بكر بن محمد المازني، قال: حدثني الأصمعي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أخطأ ذو الرمة في قوله:
حراجيج ما تنفكُّ إلّا مناخةً البيت
وقول المصنف: وقيل: من الرواة، وأن الرواية "آلًا" [بالتنوين] فيكون آلًا خبر تنفك، ومناخة: صفة، وأنث الصفة: لأن الشخص مما يؤنث ويذكر، وقال ابن الملا: مناخة: خبر ثان لا نعت. انتهى. ويرد هذا القول: أنّ ذا الرمة لما قرأ البيت عند ابن العلاء غلطه فيه، وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": إن ذا الرمة لما عيب عليه قوله: حراجيج ما تنفك إلا مناخة فطن له: فقال: إنما قلت: آلًا مناخة، أي: شخصًا.
ونقل المرزباني عن الصولي أنه قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصم، وأحمد بن يزيد، قالا: حدثنا يزيد المهلبي عن إسحاق الموصلي: أنه كان ينشد هذا البيت لذي الرمة:
حراجيج ما تنفكُّ آلًا مناخة
والآل: الشخص، ويحتج ببيته الذي ذكر فيه الآل في غير هذه القصيدة، وهو قوله:
[ ٢ / ١١٠ ]
فلم نهبط على سفوان حتّى طرحن سخالهنَّ وصرن آلا
انتهى. وقال ابن الأنباري في كتاب "الإنصاف" الآل: الشخص، يقال: هذا آل قد بدا، أي: شخص، وبه سمي الآل؛ لأنه يرفع الشخوص أول النهار وآخره. وتوقف ابن الملا في تفسير الآل بالشخص، بأن صاحب "القاموس" مع تبحره لم يذكره بهذا المعنى، وقول المصنف: وقيل: تنفك تامة، بمعنى: ما تنفصل .. إلخ، فيكون تنفك مطاوع فكه، إذا خلصه أو فصله.
وهذا القول نسبه ابن الأنباري في كتاب "الإنصاف" إلى الكسائي، قال: رواه عنه هشام، وتبعه تلميذه الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ) [البينة/ ١] قال: قد يكون الانفكاك على جهة "يزال" ويكون الانفكاك الذي تعرفه، فإذا كانت على جهة "يزال" فلابد لها من فعل، وأن يكون معها جحد، فتقول: ما انفككت أذكرك، فإذا كانت على غير معنى يزال قلت: قد انفككت منك، وانفك الشيء من الشيء، فيكون بلا جحد، وبلا فعل، وقد قال ذو الرمة:
قلائص لا تنفكُّ إلا مناخة البيت
فلم يدخل فيها "إلا" إلا وهو ينوي بها التمام وخلاف يزال، لأنك لا تقول: ما زلت إلا قائمًا. انتهى.
[ ٢ / ١١١ ]
وبه قال الزمخشري في حواشي "المفصل" قال: وفي تصحيح البيت وجيه، وهو أن يريد: لا تنفك عن أوطانها، أي لا تنفصل عنها إلا ولها بعد الانفصال هاتان الحالتان، إما الإناخة على الخسف في المراحل، أو السير في البلد القفر. انتهى.
وقول المصنف: وقال جماعة كثيرة: هي ناقصة، والخبر على الخسف .. إلخ. أقول: أول من ذهب إلى هذا أبو الحسن الأخفش، سعيد بن مسعدة المجاشعي، قال في كتاب "المعاياة": أراد: لا تنفك على الخسف أو يرمى بها بلدًا قفرًا إلا وهي مناخة، لأنه لا يجوز لا تنفك إلا مناخة كما لا تقول: لا تزول إلى مناخة. انتهى.
وقد تبعه جماعة منهم السيرافي قال: ولقول ذي الرمة: وجهان صحيحان:
أحدهما: أن يكون من انفك الشيء من الشيء: إذا انفصل عنه، وفي هذا الوجه يجوز دخول الاستثناء، لأنه فعل تام.
والوجه الثاني: أن يكون على الخسف خبر "تنفك" وإلا مناخة استثناء مقدم، فكأنا قلنا: لا تنفك مجهودة، كما تقول: لا تزال مجهودة إلا في حال إناختها، فإنها تستريح إذا أنيخت، انتهى.
ومنهم الزجاج، قال ابن جني في بعض أجزائه: وقد قال فيه بعض أصحابنا قولًا، أراه أبا إسحاق، ورأيت أبا علي قد أخذ به؛ وهو أن يجعل خبر ما تنفك الظرف، كأنه قال: ما تنفك على الخسف، ومناخة نصب على الحال، وقدم "إلا" عن موضعها، وقد جاء في القرآن والشعر نقل "إلا" عن موضعها. انتهى.
ومنهم أبو البقاء، قال: يجوز أن تكون "تنفك" الناقصة، يكون "على الخسف" الخبر، أي: ما تنفك على الخسف إلا إذا أنيخت، وعليه المعنى. انتهى. وقد رده جماعة، منهم صاحب"اللباب" وهو محمد بن محمد
[ ٢ / ١١٢ ]
وقال المحقق الرضي: جعل الخسف كالأرض التي يناخ عليها كقوله:
تحيَّة بينهم ضرب وجيع
يريد أن الإناخة إنما تكون على العلف، فجعل الخسف بدلًا منه، كما جعل الضرب الوجيع بدلًا من التحية، ونرمي: بالنون مع البناء للمعلوم، وروي: "يرمى" بالمثناة التحتية مع البناء للمجهول، وبها: نائب الفاعل، وبلدًا: ظرف للرمي، وهو بمعنى الأرض، والمكان.
والبيت من قصيدة لذي الرمة يقال لها: أحجيَّة العرب، ومطلعها:
لقد جشأت نفسي عشيَّة مشرف ويوم لوى حزوى فقلت لها صبرا
تحنُّ إلى ميٍّ كما حنَّ نازع دعاه الهوى فارتاد من قيده قصرا
جشأت: نهضت، ومشرف وحزوى: موضعان، واللوى: منقطع الرمل، واصبري صبرًا. والنازع: البعير الذي يحن إلى وطنه. فارتاد من قيده قصرًا، أي: طلب السعة، فوجده مقصورًا، ويقال: ارتاد جدبًا، وارتاد خيرًا، أي: طلب الخصب، فوقع على جدب، إلى أن قال:
فيا ميُّ ما أدراك أين مناخنا معرَّفة الألحي يمانيةً سجرا
[ ٢ / ١١٣ ]
والآخر، وعلى أن يكون مقطوعًا من الأول، قال تعالى: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح/ ١٦] إن شئت على الإشراك، وإن شئت كان على: أو وهم يسلمون. وقال ذو الرمة:
حراجيج ما تنفكُّ إلّا مناخةً .. البيت
فإن شئت كان على: لا تنفك نرمي بها، أو على الابتداء. انتهى. يريد بالأول: العطف على خبر تنفك، وبالثاني: القطع.
قال النحّاس: سألت عنه عليًا – يعني: الأخفش الصغير – فقال: لك أن تجعل "نرمي" معطوفًا، ولك أن تقطعه، ولك أن تقدر "أو" بمعنى إلى أن، وتسكن الياء في موضع نصب. انتهى.
وقال السيرافي: وقوله: أو نرمي بها بلدًا قفرًا، فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفًا على خبر تنفك، وهو على الخسف. كأنك قلت: لا تزال على الخسف، ولا تزال نرمي بها بلدًا قفرًا، ويجوز أن يكون على الابتداء، أي: ونحن نرمي بها بلدًا قفرًا، وكذا قال الأعلم، قال: الشاهد فيه رفع نرمي على القطع. ويجوز حمله على خبر تنفك، والتقدير: ما تنفك تستقر على الخسف أو نرمي بها القفر. انتهى.
والحراجيج: جمع حرجوج – كعصفور -: الناقة الضامرة، قاله أبو زيد، وروي بدله: "قلائص" جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. وقوله: ما تنفك إلا مناخة، يريد أنها تناخ معدَّة للسير عليها، فلا ترسل من أجل ذلك في المرعى، والخسف بفتح الخاء المعجمة النقيصة، يقال: رضي بالخسف، أي: بالنقيصة، وبات على الخسف، أي: جائعًا، وربطت الدابة على الخسف، أي: على غير علف. وعلى بمعنى الباء.
[ ٢ / ١١٤ ]
وقال المحقق الرضي: جعل الخسف كالأرض التي يناخ عليها كقوله:
تحيَّة بينهم ضرب وجيع
يريد أن الإناخة إنما تكون على العلف، فجعل الخسف بدلًا منه، كما جعل الضرب الوجيع بدلًا من التحية. ونرمي: بالنون مع البناء للمعلوم، وروي: "يرمى" بالمثناة التحتية مع البناء للمجهول، وبها: نائب الفاعل، وبلدًا: ظرف للرمي، وهو بمعنى الأرض، والمكان.
والبيت من قصيدة طويلة لذي الرمة يقال لها: أحجيّة العرب، ومطلعها:
لقد جشأت نفسي عشيَّة مشرف ويوم لوى حزوى فقلت لها صبرا
تحنُّ إلى ميٍّ كما حنَّ نازع دعاه الهوى فارتاد من قيده قصرا
جشأت: نهضت، ومشرف وحزوى: موضعان، واللوى: منقطع الرمل، واصبري صبرًا. والنازع: البعير الذي يحن إلى وطنه. فارتاد من قيده قصرًا، أي: طلب السعة، فوجده مقصورًا، ويقال: ارتاد جدبًا، وارتاد خيرًا، أي: طلب الخصب، فوقع على جدب، إلى أن قال:
فيا ميُّ ما أدراك أين مناخنا معرَّقة الألحي يمانيةً سجرا
[ ٢ / ١١٥ ]
قد اكتفلت بالحزن واعوجَّ دونها ضوارب من خفَّان مجتابة سدرا
حراجيج ما تنفكُّ البيت
أنخن لتعريس قليل فصارف يغنّي بنابيه مطلحةً صعرا
معرقة الألحي: قليلة لحم الألحي، جمع لحي، وإذا كثر لحم لحيها فهو عيب. يقال: ناقة سجراء تضرب إلى الحمرة، وقوله: قد اكتفلت بالحزن. أي: صيرت الناقة الحزن خلفها، كالرجل الذي يركب الكفل، فإنما يركب على أقصى الكفل، كما تقول: اكتفلت الناقة، أي: ركبت موضع الكفل من الناقة. والحزن: ما غلظ من الأرض، والضارب: منخفض كالوادي، وخفان: موضع، ومجتابة سدرًا، أي: لابسة سدرًا، واعوج: يعني الضوارب ليست على جهة الناقة، والحراجيج: الضمَّر، والخسف: الجوع، وهو أ، تبيت على غير علف، والتعريس: النزول في آخر الليل، وصارف، أي: فبعضها صارف يصرف بنابيه من الضجر والجهد، ومطلَّحة: معييةً، وصعر: فيها ميل من الجهد والهزال.
واقتصرت في شرح هذه الأبيات على كلام شارح ديوانه. وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد المائة:
(١٠٧) أرى الدَّهر إلّا منجنونًا بأهله
تمامه:
وما صاحب الحاجات إلّا معذَّبا
[ ٢ / ١١٦ ]
على أن ابن مالك حمل "لا" فيه على الزيادة كبيت ذي الرمة، قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنها زيادة إلا في قوله
أرى الدَّهر إلّا منجنونًا بأهله البيت
هكذا رواه المازني: يريد أرى الدهر منجنونًا، وكذلك جعلها في قول الآخر:
ما زال مذ وجفت في كلِّ هاجرة بالأشعث الورد إلّا وهو مهموم
يريد: هو مهموم، فزاد "إلا" و"الواو" في خبر زال، وفي قول الآخر:
وكلُّهم حاشاك إلّا وجدته كعين الكذوب جهدها واحتفالها
يريد: وكلهم حاشاك وجدته. وقول ذي الرمة:
حراجيج ما تنفكُّ إلّا مناخة . . . . . . البيت.
يريد: ما تنفك مناخة، ويحتمل أن تجعل زال وتنفك تامتين، وتكون "إلا" داخلة على الحال؛ وكذلك تجعل إلا في قوله:
وكلُّهم حاشاك إلَّا وجدته
إيجابًا للنفي الذي يعطيه معنى الكلام، أي: ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته، وعليه حمله الفراء، وأما: "أرى الدهر إلا منجنونًا" فلا تكون "إلا" فيه إلا زائدة. انتهى.
ومنه تعلم أن ابن مالك في هذا التخريج، تابع للمازني لا مخترع، وقد
[ ٢ / ١١٧ ]
استدل بهذا البيت يونس على إعمال "ما" مسع انتقاض نفيها بإلا، وأجيب بأن المضاف محذوف من الأول، أي: دوران منجنون، ومعذبًا: مصدر، كقوله تعالى: (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) [سبأ/ ١٩] يريد: أن الأول أصله: وما الدهر إلا يدور دوران منجنون، ويدور: خبر المبتدأ، فحذف هو والمصدر، وأقيم منجنون مقام المصدر، وأن الثاني أصله: وما صاحب الحاجات إلا يعذب معذبًا، أي: تعذيبًا، فيعذب: خبر المبتدأ، فحذف وبقي مصدره؛ فلا عمل لـ"ما" في الموضعين.
وخرجه صاحب "اللب" على أنه بتقدير: وما الدهر إلا يشبه منجنونًا، وما صاحب الحاجات إلا يشبه معذبًا؛ فهما منصوبان بالفعل الواقع خبرًا، ومعذب، على هذا: اسم مفعول، وهذا أقل كلفة، وقال شارحه السيد عبد الله: ويجور أن يكون – أي: منجنونًا – منصوبًا على الحال، والخبر محذوف، أي: وما الدهر موجودًا إلا مثل المنجنون لا يستقر في حاله، وعلى هذا تكون عاملة قبل انتقاض النفي، وكذا يكون التقدير في الثاني، أي: وما صاحب الحاجات موجودًا إلا معذبًا. ولا تقدر هنا "مثل" لأن الثاني هو الأول. وقال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": وجوز ابن بابشاذ؛ أن يكون الأصل: إلا كمنجنون، ثم حذف الجار فانتصب المجرور، ومن زعم أن كاف التشبيه لا يتعلق بشيء فهذا التخريج عنده باطل؛ إذ كان حقه أن يرفع المجرور بعد حذفها، لأنه
[ ٢ / ١١٨ ]
كان في محل رفع على الخبرية، لا في موضع نصب باستقرار مقدر، فإذا ذهب الجار ظهر ما كان للمحل. انتهى. وعندي أن يكون من قبيل تأويل من قرأ: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) [يوسف/ ٨] بالنصب، أي: نرى عصبةً، والظاهر أن هذا أسهل.
وروى ابن جني في "المحتسب" عند قراءة ابن مسعود: في (وَإِنَّ كُلًا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) من سورة هود [الآية/ ١١١] كذا:
أرى الدهّر إلّا منجنونا بأهله وما طالب الحاجات إلّا معلَّلا
قال: معنى هذه القراءة: ما كل إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه، أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ثان، وهو أن تكون إن مخففة من الثقيلة، ونجعل إلازائدة، وقد جاء عنهم ذلك، قال: "أرى الدهر إلا منجنونًا بأهله البيت" أي: أرى الدهر منجنونًا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. انتهى.
والمنجنون: الدولاب الذي يستقى عليه، قال ابن جني في كتاب "القد" وهو كتاب جمعه من كلام شيخه أبي علي: هذا البيت لبعض العرب.
[ألّا]
وأنشد في "ألا" بالفتح والتشديد، وهو الإنشاد الثامن بعد المائة:
(١٠٨) ونبِّئت ليلى أرسلت بشفاعة إليَّ فهلاَّ نفس ليلى شفيعها
[ ٢ / ١١٩ ]
على أن كان الشأنية بعد هلاّ محذوفة، وقيل: نفس: فاعل لفعل محذوف يفسره شفيعها، والتقدير: فهلا شفعت نفس ليلى، ويكون شفيعها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي شفيعها. قال أبو حيان في شرح "التسهيل": ظاهر هذا البيت أنه وليها الجملة الاسمية، وهي قوله: نفس ليلى شفيعها، وقد تأوَّل أصحابنا هذا البيت على أن نفسًا فاعل بفعل محذوف، وتأوله أبو بكر بن طاهر على إضمار كان التي فيها ضمير الأمر والشأن، وتكون في موضع خبرها، وذهب بعض النحويين إلى جواز مجيء الابتداء بعد هذه الحروف مستدلًا بهذا البيت، ذكر ذلك شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبَّدي. انتهى.
وحكم المحقق الرضي بشذوذه تبعًا لابن جني، فإنه قال في "إعراب الحماسة": هلا من حروف التحضيض، وبابه الفعل، إلا أنه في هذا الموضع استعمل الجملة المركبة من المبتدأ والخبر في موضع المركبة من الفعل والفاعل، وهذا في نحو هذا الموضع عزيز جدًا. انتهى. وهذا البيت أورده أبو تمام في أول باب النسيب من "الحماسة" مع بيت ثان، وهو:
أأكرم من ليلى عليَّ فتبتغي به الجاه أم كنت امرءًا لا أطيعها
ونبئ: يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل؛ المفعول الأول: وهو التاء، صار نائب
[ ٢ / ١٢٠ ]
الفاعل، وليلى: المفعول الثاني، وجملة: أرسلت .. إلخ، في موضع المفعول الثالث، وقوله: بشفاعة، قال المرزوقي والتبريزي والطبرسي: أي: خبرت أن ليلى أرسلت إلي ذا شفاعة في بابها، تطلب به جاهًا عندي، مستكفية من ذكرها في الشعر، وعن إتيانها، أو ما يجري مجراه، ثم قال: هلا جعلت نفسها شفيعها، فقوله بشفاعة: فيه حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. انتهى. يريد بالمضاف المحذوف "ذو"، أي: بذي شفاعة، وذو الشفاعة: هو الشفيع، وهو تعسف. والجيد تقدير مفعول لأرسلت، أي: أرسلت رجلًا بشفاعة، وهو الشفيع، فإن أرسل يتعدى بنفسه إلى المرسل، وبالباء إلى ما يصحب المرسل كالخبر والهدية، كقوله تعالى: (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى) [الفتح/ ٢٨].
وقوله: أأكرم من ليلى: الاستفهام إنكار وتقريع، أنكر منها استعانتها عليه بالغير، وقوله: فتبتغي، منصوب في جواب الاستفهام، لكنه سكّنه ضرورة، و"أم" متصلة. يقول: أيُّ هذين توهمت؟ أطلب إنسان أكرم علي منها، أم اتهامها لطاعتي لها؟ وخبر أكرم محذوف، والتقدير: أأكرم من ليلى موجود، أو في الدنيا. قال ابن الشجري في "أماليه": في البيت إعادة الضمير من أطيعها ضمير متكلم وفاقًا لكنت، ولم يعد ضمير غائب وفاقًا لامرئ، على حد قوله تعالى: (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [النمل/٥٥]. والبيتان للصمة بن عبد الله القشيري، قال أبو رياش: كان من خبر هذه الأبيات أن الصمة بن عبد الله كان يهوى ابنة عم له تسمى ريا، فخطبها إلى عمه، فزوجه على خمسين من الإبل، فجاء إلى أبيه فسأله فساق عنه تسعًا وأربعين، فقال أكملها. فقال: هو عمك، وما يناظرك بناقة ناقصة، فساق الإبل إلى عمه، فقال: إنما ههنا تسع وأربعون! فقال: سألت أبي إكمالها، فقال: هو عمك،
[ ٢ / ١٢١ ]
وما يناظرك في ناقة. فقال: والله ما قال هذا إلا استخفافًا بابنتي، والله لا أقبلها إلا كمّلا! فلج عمه، ولج أبوه، فقال: والله ما رأيت ألأم منكماّ وأنا ألأم منكما إن قمت معكما! فرحل إلى الشام، واستتبع رفيقين له من بني قشير، فنزولا منزلًا بالشام، فبينا هو مؤتزر بثوبه يعجن لأصحابه إذ مر الخليفة في موكبه، فوثب إليه وهو على حاله تلك، فكلمه فأعجب به، ففرض له فرضًا، وألحقه بالفرسان، وكان يتشوق إلى نجد، وقال هذا الشعر. انتهى.
والصمة بن عبد الله القشيري: شاعر إسلامي بدوي، من شعراء الدولة الأموية، ولجده قرة بن هبيرة صحبة بالنبي ﷺ. قال ابن دأب: أخبرني جماعة من بني قشير أن الصمة خرج في غزي للمسلمين إلى الديلم، فمات بطبرستان، كذا في "الأغاني" للأصبهاني ومن شعره:
إذا ما أتتنا الرِّيح من نحو أرضكم أتتنا برياَّكم وطاب هبوبها
[ ٢ / ١٢٢ ]
أتتنا بريح المسك خالط عنبرًا وريح الخزامى باكرتها جنوبها
[إلى]
وأنشد في "إلى" وهو الإنشاد التاسع بعد المائة:
(١٠٩) فلا تتركنِّي بالوعيد كأنَّني إلى النَّاس مطليٌّ به القار أجرب
على أن "إلى" فيه بمعنى في، رده ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قال، بعد أن أورد أبياتًا وقع فيها بعض حروف الجر موقع بعضها: هذه الأبيات وأمثالها فيها خلاف بين النحويين، فأهل الكوفة يحملونها على ما يعطيه الظاهر من وضع الحرف موضع غيره، وأهل البصرة يبقون الحرف على معناه الذي عهد فيه، إما بتأويل يقبله اللفظ، أو بأن يجعلوا العامل مضمنًا معنى ما يعمل في ذلك الحرف إن أمكن. ويرون أن التصرف في الأفعال بالتضمين أولى من التصرف في الحروف بجعل بعضها موضع بعض، لأن الحروف بابها أن لا يتصرف فيها، وأيضًا فإن الفعل إذا عدّي تعدي غيره بالتضمين الذي ذكرناه، كان لذلك سبب، وهو كون الفعلين يؤولان إلى معنى واحد، وإذا قدر أن أحد الحرفين وضع موضع الآخر من غير تضمين للعامل فيه معنى ما يتعدى بذلك الحرف؛ كان وضعه موضعه لغير سبب. فإن لم يمكن التأويل، ولا التضمين، اعتقدوا إذ ذاك أن أحد الطرفين موضوع موضع الآخر، ثم بيَّن التأويل والتضمين في الأبيات التي ذكرها، إلى أن قال: وقول النابغة:
إلى الناس مطليٌّ به القار أجرب
إنما وقعت فيه إلى موقع في، لأنه إذا كان بمنزلة البعير الأجرب المطلي بالقطران الذي يخاف عدواه، فيطرد عن الإبل، إذا أراد الدخول بينها؛ كان مبغضًا إلى الناس، فعومل مطلي كذلك معاملة مبغض. انتهى.
[ ٢ / ١٢٣ ]
وقال أبو حيان في شرح "التسهيل": قال بعض شيوخنا: هل لانتهاء الغاية، كأنه قال: إنني أشبه الجمل المطلي، إذا أخذت مضافًا إلى الناس، ولا اشبه في غير تلك الحالة، فإلى متعلقة بمضاف، وحذف لدلالة الكلام عليه، بمنزلة قوله تعالى: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) [النمل/ ١٢] ويكون المضاف المحذوف منصوبًا على الحال، والعامل ما في "كأن" من معنى التشبيه انتهى. وترك: له استعمالان، أحدهما: أن يكون متعديًا إلى مفعول واحد، يقال: تركه، إذا خلاه. وثانيهما: أن يكون متعديًا إلى مفعولين؛ بمعنى جعل، وكلاهما جائز هنا، فإن كان المراد الأول، فالباء في قوله: بالوعيد، للملابسة، "وجملة كأنني إلى آخر البيت": جملة مستأنفة لبيان وجه النهي، وإن كان المراد الثاني فالباء للسببية، وجملة كأنني إلخ: في موضع المفعول الثاني، والمعنى: لا تجعلني بسبب الوعيد مشبهًا للأجرب المطلي بالقار. قال الأزهري في "التهذيب": أخبرني المنذري عن أبي العباس أنه قال: القار والقير: كل شيء يطلى به، مسموع من العرب. قال: وكل ما طلي بشيء فقد قيِّر به. انتهى. والمراد به هنا القطران، لأنه دواء الأجرب، لا الزفت، لأنه ليس دواءً له. والأجرب يصح حمله على الناس، وعلى الإبل، وقصره على الثاني تقصير، وإلى: متعلقة بمطليّ لتأويله بمبغض، وهو خبر كأنّ، بتقدير موصوف، أي: رجل مطلي، وضمير "به" يعود إلى الموصوف المقدر، والقار: نائب الفاعل لمطلي، وأجرب: بدل كل من مطلي، ولو نصب مطليًا وقال: مطليًا به القار أجرب؛ لكان جائزًا، لأنه يقدر أنه كان في الأصل صفة لأجرب، فلما قدّم عليه صار حالًا منه، وفيه قلب، لأنه يقال: طليته بالقطران، مثلان، فالمطلي هو الرجل لا القار، فكان الأصل: رجل مطلي بالقار. والوعيد: التهديد.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر اللخمي في
[ ٢ / ١٢٤ ]
شيء اتهم به عنده، فهرب منه إلى ملوك الشام، بني جفنة الغسانيين، كما تقدم بيانه في الإنشاد الثالث والعشرين، وأولها:
أتاني أبيت اللَّعن أنَّك لمتني وتلك الَّتي اهتمُّ منها وأنصب
إلى أن قال:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بلِّغت عنّي جناية لمبلغك الواشي أغشُّ وأكذب
ولكنَّني كنت امرءًا لي جانب من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم أحكَّم في أموالهم وأقرَّب
كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فلا تتركنّي بالوعيد كأنَّنّي إلى النّاس مطليٌّ به القار أجرب
ألم تر أنَّ الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنَّك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهنَّ كوكب
فلست بمستبقٍ أخًا لا تلمُّه على شعث أيُّ الرِّجال المهذَّب
فإن أك مظلومًا فعبد ظلمته وإن تك غضبانًا فمثلك يعتب
وقوله: "أبيت اللعن": جملة دعائية اعترض بها بين الفعل وفاعله، قال ابن
[ ٢ / ١٢٥ ]
الأنباري في "شرح المفضليات" معناه: أبيت أن تأتي من الأخلاق المذمومة ما تلعن عليه، وكانت هذه تحية ملوك لخم وجذام، وكانت منازلهم الحيرة وما يليها، وتحية ملوك غسان: "يا خير الفتيان" وكانت منازلهم الشام، وتلك: إشارة إلى اللوم المفهوم من "لمتني" وأهتم: أصير ذا هم، وأنصب: من نصب نصبًا، كفرح فرحًا، إذا تعب، وحلفت قسم، وجوابه قوله: لمبلغك الواشي أغش. وقوله: لئن كنت إلخ، اللام موطئة للقسم، وتسمى المؤذنة، لأنها تؤذن أن الجواب الآتي بعدها مبني على قسم قبلها مذكور، أو محذوف، لا للشرط، ولم يصب ابن الملا في قوله: لئن كنت، جواب القسم.
وقوله: فلم أترك: جملة معترضة، صدرها بالفاء التي من شأنها أن يعقب ما بعدها ما قبلها، لأن انتفاء الريب من شأنه أن يكون بالحلف، والريبة بالكسر: كالريب، بالفتح، وهو الشك والشبهة. وقوله: وليس وراء الله إلخ، جملة مؤكدة لمضمون ما قبلها، فإنه إذا لم يكن لأحد مطلب وراء الله، لم يحلف بأعظم منه.
وبلغت: بالبناء للمجهول والخطاب، والجناية: الذنب والجرم، ومبلغك: مبتدأ، والواشي صفته، وأغش: خبره، والجملة: جواب حلفت، والواشي: النمام الذي يزوّق الكلام، وأغش: من غشه، إذا خانه بأن لم يمحضه النصح، ومعناه: غاشٌّ وكاذب؛ ليس فيه تفضيل.
وقوله: ولكنني كنت امرًا، استدراك من معنى البيت السابق، لأنه يدل على أنه لا ذنب له أصلًا، استدرك وقال: لو كان هذا ذنبًا لكنت مذنبًا. وأراد بالجانب: الشام، وجملة "لي جانب": صفة امرئ، وكان القياس: له جانب، إلا أنه أراد موافقة ضمير كنت. وجملة "فيه مستراد": صفة
[ ٢ / ١٢٦ ]
جانب، والمستراد: الموضع الذي يتردد فيه لطلب الرزق، من راد الكلأ وارتاده، إذا طلبه، ومذهب: موضع الذهاب.
وقوله: ملوك وإخوان .. إلخ، أي: في ذلك الجانب ملوك وإخوان. وقوله: أحكم في أموالهم .. إلخ، أي: يجعلني الإخوان محكمًا في أموالهم، أتصرف بها كيف أشاء، والملوك مقربًا رفيع المنزلة عندهم.
وقوله: كفعلك، أي: كما أنت تفعل ذلك في قوم اصطفيتهم، وأحسنت إليهم فمدحوك، أي: لا تلمني على مدح آل جفنة وقد أحسنوا إلي، كما لا تلوم قومًا مدحوك وقد أحسنت إليهم، فكما أن مدح أولئك القوم لا يعد ذنبًا، كذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبًا.
وهذه الأبيات الخمسة أوردها علماء البيان شاهدًا للمذهب الكلامي، قال ابن السبكي في "عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح": من البديع ما يسمى المذهب الكلامي، والجاحظ أول من ذكره وأنكر وروده في القرآن، وهو أن يورد المتكلم حجة للمطلوب لما يدعيه على طريق أهل الكلام، وينقسم إلى: قياس اقتراني، واستثنائي، واستقراء، وتمثيل، وهو القياس المذكور في الأصول. وإنما لم يسموه المنطقي لأن هذا المذهب، كما ذكره ابن مالك، عبارة عن نصب حجة صحيحة، إما قطعية الاستلزام فهو منطقي، أو ظنية فهي جدلية، غير أنه قد يقال: أهل الكلام أيضًا مطالبهم قطعية، فتكون الحجة ظنية كلامية، وجوابه: أنهم ربما يذكرون الحجة الظنية ليحصل من مجموعها القطع، كقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء/ ٢٢] فإن هذه مقدمة استثنائية ذكر فيها المقدمة
[ ٢ / ١٢٧ ]
الشرطية، وتقديره: لكنهما لم يفسدا، فلم يكن فيهما آلهة، فالمقدمة الثانية استثناء نقيض التالي، فلازمه نقيض المقدم، ومنه قول النابغة يعتذر إلى النعمان: حلفت فلم أترك .. إلى آخر الأبيات الخمسة. يقول: أحسنت لقوم فمدحوك، وأنا أحسن إليّ قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبًا، فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبًا، فقوله: "كفعلك": هو الإلزام، وهذه الحجة تسمى تمثيلًا، وهو القياس المذكور في الأصول، وهو يرجع إلى الاقتراني أو الاستثنائي، إلا أن بعض مقدماته ظنية، وإن كان الاستلزام قطعيًا.
وفي هذه الأبيات إشكال على النابغة من وجهين:
الأول: ادعى أنه مدح أقوامًا فأحسنوا إليه، كما أن أقوامًا أحسن إليهم فمدحوه، وهذا عكس ما فعله هو، وإنما يحصل الإلزام أن لو قال: ملوك حكموني في أمولاهم فمدحتهم، وإلا فهو قد جعل مدحه لهؤلاء الملوك سابقًا على إحسانهم، فلا يحصل الإلزام؛ إذ لم يكن له داع إلى الابتداء بمدحهم.
الثاني: في قوله: "فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا" وهل أحد يرى أن مادحه مذنب، وإنما كان ينبغي أن يقول: فلم يرهم غيرك بمذنبين بمدحهم لك، فلأي شيء تراني أنت مذنبًا بمدحي لغيرك؟ !
وقد يكون المذهب الكلامي بقياس اقتراني، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم/ ٢٧] أي: الإعادة أهون من الابتداء، والأهون أدخل في الإمكان؛ وهو المطلوب.
ولك أن تقول: هذا النوع كله ليس من البديع، لأنه ليس في هذا تحسين لمعنى الكلام المقصود، بل المعنى المقصود هو منطوق اللفظ؛ فالإتيان بهذا الدليل هو المقصود، فهو تطبيق على مقتضى الحال، فيكون من المعاني لا من البديع. انتهى كلامه.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وقوله: الم تر أن الله إلخ، السورة بالضم: المنزلة الرفيعة والشرف، وبهذا البيت استشهد البيضاوي لمعنى السورة، وملك، بسكون اللام، لغة في كسرها، ويتذبذب: يضطرب، وقوله: فإنك شمس إلخ شبهة بالمشمس، وسائر الملوك بالكواكب تسليةً له عما حصل له من الغيظ من مدحه لآل جفنة، ثم كرَّ معتذرًا عن زلته فقال: ولست بمستبق أخًا إلخ، الشعث: انتشار الأمر، والمهذب: النقي من العيوب. وهذا البيت أورده علماء البيان شاهدًا للتذييل، وهو تعقيب الكلام بجملة على معناها، للتوكيد وتلمُّه: تصلحه، وتصلح ما تشعث من أمره وفسد.
وقوله: فإن أك مظلومًا، أي: باستمرار غضبك علي - جعل غضبه ظلمًا لأنه عن غير موجب - فإنما أنت ظلمت عبدًا من عبيدك، وليس لأحد اعتراض عليك. وقوله: وإن تك غضبانًا، نوَّنه لضرورة الشعر، وروي أيضًا: "وإن تك ذا عتبى فمثلك يُعتب" بالبناء للمفعول، أي: يرجع له إلى ما يحب، ويقال: لك العتبى - أي: الرجوع: إلى ما تحب. وقيل: يعتب، بالبناء للفاعل، أي: يعطي العتبى، يقال: أعتبه، إذا أعطاه الرضى، وهو العتبى.
وترجمة النابغي الذبياني تقدمت في الإنشاد الثالث والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد المائة:
(١١٠) تقول وقد عاليت بالكور فوقها أيسقى فلا يروى إليَّ ابن أحمرا
[ ٢ / ١٢٩ ]
على أن "إلى" فيه بمعنى من الابتدائية، أي: فلا يروى مني، لأن هذا الفعل يتعدى بمن، يقال: روي زيد من الماء يروى، بكسر الواو في الماضي، وفتحها في المضارع. قال ابن عصفور: وقول ابن أحمر:
أيسقى فلا يروى إليَّ ابن أحمرا
فهو على ظاهره من وقوع إلى فيه موضع من، والذي سهل ذلك أن الري ضد الظمأ، والظمأ يتعدى بإلى، يقال: ظمئت إلى الماء، فعدى يروى بإلى حملًا على ضدها، وهو يظمأ، لأن العرب كثيرًا ما تجري الشيء مجرى ضده. انتهى.
وقال أبو حيان في شرح "التسهيل": وخرجه ابن عصفور على أنه أراد: فلا يروى ظمؤه إلي، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه، فاستتر في الفعل، والعامل في إلى "ظمأ" المحذوف، وهو مصدر محذوف، وذلك يجوز في الضرورة. انتهى.
والبيت من قصيدة طويلة لعمرو بن أحمر، قالها حين هرب من يزيد بن معاوية، وكان اتصل به عنه أنه هجاه، فطلبه ففر، وقبله:
فلمَّا غسى ليلي وأيقنت أنَّها هي الأربى جاءت بأمِّ حبوكرا
فزعت إلى القصواء وهي معدَّة لأمثالها عندي إذا كنت أوجرا
كثور العذاب الفرد يضربه النَّدى تعلَّى النَّدى في متنه وتحدَّرا
تقول وقد عاليت بالكور فوقها البيت
وغسى، بالغين المعجمة: أظلم، والأربى، بضم الهمزة، وفتح الراء المهملة والموحدة، بعدها ألف مقصورة: الداهية، وأم حبوكر؛ ويقال أيضًا: أم حبوكرى بالقصر، كنية الداهية، وهي بفتح الحاء المهملة والموحدة، وسكون الواو وفتح الكاف. وفزعت، من باب فرح: لجأت، والمفزع: الملجأ.
[ ٢ / ١٣٠ ]
والقصواء، بفتح القاف والمد: اسم ناقته. والقصواء من الإبل: المقطوعة طرف الأذن، ومعدة: مهيأة؛ اسم مفعول من أعددته إذا هيأته، والأوجر، وكذا الأوجل: الخائف، يقال: وجرت منه ووجلت، كلاهما بالجيم، من باب تعب: إذا خفّت.
وقوله: كثور العداب: شبه ناقته القصواء بثور وحشي في نشاطها وقوتها وسرعتها، والعداب، بفتح العين والدال المهملتين: منقطع الرمل حيث يذهب معظمه ويفضي إلى الجدد، وخصّه لأن بقر الوحش تألفه لخصبه، وخوفًا من القانص، فإذا جاءها القانص امتنعت بركوب الرمل، فلا تقدر الكلاب عليها.
وقد أورد ابن قتيبة هذا البيت في باب المطر من أوائل "أدب الكاتب" قال: والعرب تسمي النبت ندى، لأنه بالمطر يكون، وتسمي الشحم ندى، لأنه بالنبت يكون، وأنشد البيت. وقال: فالندى الأول: المطر، والندى الثاني: الشحم. انتهى. قال شارحه ابن السِّيد البطليوسي: وقوله: يضر به الندى، يريد أنه في سلوة من العيش وخصب، فهو أقوى له، ويحتمل أنه يريد أنه بات والمطر يضربه. وقوله: تعلى الندى إلخ، يقول: سمن أعلاه وأسفله، والندى ههنا: الشحم، سمي ندى لأنه عن الندى يكون، وهذا يسمى: التدريج، ومعناه: أن يدرج الشيء من حال إلى حال، فيسمى الشيء باسم ما هو سبب له، فمنه ما يسمى بالسبب الأقرب، ومنه ما يسمى بالسبب الأبعد، فمما سمي بالسبب الأقرب قولهم للقوة: طرق، لأنها تكون عن الطرق – بالكسر فيهما – وهو الشحم، ومما سمي بالسبب الأبعد قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ) [الأعراف/ ٢٦] ولم ينزل الله اللباس بعينه، وإنما أنزل المطر فأنبت النبات ثم رعته
[ ٢ / ١٣١ ]
البهائم، ثم صار صوفًا وشعرًا عليها. ثم غزل الصوف، ونسج الشعر، فاتخذ منهما اللباس. فالمطر سبب للباس، ولكنه سبب بعيد منه، لأن بينه وبين اللباس مراتب كثيرة. ونحوه قول الراجز:
الحمد لله العزيز المنَّان صار الثَّريد في رؤوس العيدان
يعني: السنبل، وبينه وبين الثريد مراتب كثيرة.
والكاف في قوله: كثور العداب، يجوز أن يكون في موضع رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هي كثور العداب، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من القصواء ومن ضميرها. وقوله: يضر به الندى، وقوله: تعلّى الندى: جملتان في موضع نصب على الحال من الثور، والعامل فيها معنى التشبيه. انتهى كلامه.
وقوله: "تقول وقد عاليت بالكور البيت" واستشهد به أيضًا ابن قتيبة في باب "حروف الخفض ينوب بعضها عن بعض" كما أورده المصنف. قال شارحه ابن السيد: وصف أنه أتعب ناقته بطول السفر، حتى إنها لو كانت ممني تكلم لقالت هذه المقالة، والتقدير: يسقى ابن أحمر فلا يروى مني، فقدم وأخَّر، واستعمل "إلى" في موضع "من" وضرب السقي والري مثلين لما يناله بها من المآرب، ويدرك بالسفر عليها من المطالب. انتهى.
وقال الجواليقي شارحه أيضًا: عاليت، أي: أعليت، والكور بالضم: الرحل بأداته، أي: تقول هذه الناقة وقد وضعت الكور عليها: إن ابن الأحمر
[ ٢ / ١٣٢ ]
لا يروى مني من سفر، ولا يعدل عني إلى غيري إنما يركبني دون إبله. وضرب السقي مثلًا لركوبه إياها. انتهى.
وقال الدماميني: والمراد أن ناقة هذا الشاعر تشكو منه، حيث جعل الكور عليها، قائلة بلسان الحال: أتركبني ولا تترك ركوبي ولا تمل منه؟ ! على طريق الاستعارة التمثيلية؛ شبهت حاله في ذلك بحال من يسقى بشيء فلا يروى منه. انتهى. ومن هذه القصيدة:
وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةً بها جرب عدَّت عليَّ بزوبرا
وينطقها غيري وأكلف جربها فهذا قضاء حقُّه أن يغيَّرا
والبيت الأول من شواهد "المفصل". قال الزمخشري في باب العلم منه: وقد أجروا المعاني في ذلك مجرى الأعيان، فسموا التسبيح بسبحان، والمنيّة بشعوب، إلى أن قال: والكلية بزوبر، قال: عدّت علي بزوبرا. انتهى. يعني أن زوبر علم جنس، معناه تمام الشيء، ولهذا جاء في البيت غير منصرف. وقال الجوهري: قال أبو زيد: أخذت الشيء بزوبره، إذا أخذته كلَّه ولم تدع منه شيئًا. وأراد بالجرب: العيب والفساد. والمعنى: إذا قال ضال من هذه القبيلة قصيدة فيها عيب، نسبت إلي بكمالها وكليتها، قال ابن السيد فيما كتبه على "نوادر القالي" وسماه: "قرة النواظر بشرح النوادر" عند هذين البيتين من النوادر: قال الأصمعي: إن ابن الأحمر قال:
أبا خالد هذِّب خميلك لن ترى بعينيك وفدًا آخر الدَّهر جائيا
[ ٢ / ١٣٣ ]
ولا طاعةً حتَّى تشاجر بالقنا قنا ورجالًا عاقدين النَّواصيا
يهجو يزيد بن معاوية، وكنيته: أبو خالد، وقوله: هذب خميلك، يقول: أصلح ثوبك وتزيَّن، فليس عندك غير ذلك، فطلب فاعتذر بهذا الشعر، وزوبر: اسم معرفة مؤنث في الأصل، وقع علمًا بمعناه فلم يصرف. عدت علي بزوبرا، أي: بكليتها، كما جعل "سبحان" علمًا لمعنى البراءة، فلما اجتمع فيهما التأنيث والتعريف لم يصرفا. انتهى كلامه.
وقال في شرحه "لأدب الكاتب": عمرو بن أحمر بن فرَّاص الباهلي، وهو أحد العور الخمسة من شعراء قيس، فيما ذكره ابن دريد. انتهى.
وقال الجمحي في "طبقات الشعراء": عمرو بن أحمر مقدم في الشعر على سحيم بن وثيم، وسحيم أشرف منه، وكان صحيح الكلام كثير الغريب، له أشعار كثيرة. انتهى.
وقال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو عمرو بن أحمر بن فراص بن معن بن أعصر، وكان رماه رجل اسمه مخشي فذهبت عينه، فقال:
شلَّت أنامل مخشيّ فلا جبرت ولا استعان بضاحي كفِّه أبدا
وعمِّر تسعين سنة، وسقي بطنه فمات، وفي ذلك يقول:
إليك إله الخلق أرفع حاجتي عياذًا وخوفًا أن تطيل ضمانيا
[ ٢ / ١٣٤ ]
وإن كان برءًا فاجعل البرء راحةً وإن كان موتًا فاقض ما أنت قاضيا
لقاؤك خير من ضمان وفتنة وقد عشت أيّامًا وعشت لياليا
أرجِّي شبابًا مطرهّما وصحَّةً وكيف رجاء المرء ما ليس لاقيا
وكيف وقد عمِّرت تسعين حجةً وضمَّ قوامي نوطة هي ماهيا
الضمان: المرض، والمطرهم: المعتدل، والنوطة: سلعة تخرج بالإنسان.
قال أبو عمرو: كان ابن أحمر في أفصح بقعة في الأرض أهلًا: ببن يذبل والقعقع، يعني مولده قبل أن ينزل الجزيرة.
وأتى ابن أحمر بأربعة ألفاظ لا تعرفها العرب، سمى النار "ماموسة" في بيت، وسمى حوار الناقة "بابوسا" في بيت. وزعم أن "الأرثنة" ما لف على الرأس، ولا تعرف العرب، ذلك. وأخذت العلماء عليه قوله:
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها
واليرندج: جلد أسود، فظن أنه ينسج. انتهى.
وأورد الآمدي في "المؤتلف والمختلف" أربعة من الشعراء يقال لكل: ابن أحمر، قال:
منهم عمرو بن أحمر الباهلي، قال ابن حبيب: هو عمرو بن أحمر بن العمرد ابن عامر بن عبد شمس بن عبد قدام بن فراص بن معن، الشاعر الفصيح، كان يتقدم شعراء أهل زمانه، وهو القائل:
إذا ضيّعت أوَّل كلِّ أمر أبت أعجازه إّلا التواء
[ ٢ / ١٣٥ ]
وقد ذكرت حاله وأشعاره مع الشعراء المشهورين.
ومنهم: ابن أحمر البجلي ثم العتكي، وهذا إسلامي قديم، وشاعر مجيد وصّاف للحيات، واسمه مالك بن سعد.
ومنهم: ابن أحمر الكناني، وهو هنيء بن أحمر من بني الحارث بن مرة
ومنهم: ابن أحمر الإيادي، ولم يقع إلي من شعره كبير شيء.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد المائة:
(١١١) أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إليَّ من الرَّحيق السَّلسل
على أن "إلى" فيه بمعنى عند، وخرّج على التضمين بمعنى أقرب إلي اشتهاءً، قاله أبو حيان في شرح "التسهيل". وقال الدماميني في "المزج": وهنا سؤالان:
أحدهما: أن معنى أشهى إلي: أحب إلي، وقد عرف أن "إلى" المتعلق بما يفهم حبًا أو بغضًا من فعل تعجب أو اسم تفضيل معناها التبيين، فعلى هذا هي في البيت على بابها مبنية لفاعلية مجرورها، وليست قسمًا آخر، ولا يحضرني جواب عنه.
الثاني: أن جعل إلى بمعنى عند يفضي إلى كونها اسمًا. وجوابه: أن هذا الإطلاق مجازي، وذلك لأن بين عندي وإلي، إذا أريد بها معنى الحضور، تعلقًا باعتبار الدلالة على أصل المعنى، لكن دلالة "عند" عليه باعتبار نفسه، ودلالة "إلى" عليه باعتبار النظر إلى غيرها، وهو المجرور بها، فلما كان بينهما هذا التعلق،
[ ٢ / ١٣٦ ]
قيل: إن إلى بمعنى عند على طريق التجوز. وقد قال صاحب "المفتاح": المراد بمتعلقات معاني الحروف ما يعبر به عنها عند تفسير معانيها، مثل قولنا: "من": معناها ابتداء الغاية، و"في". معناها الظرفية، و"كي": معناها العرض، وهذه ليست معاني الحروف، وإلا لما كانت حروفًا بل أسماء، لأن الاسمية والحرفية إنما هي باعتبار المعنى؛ وإنما هي متعلقات معانيها، أي: إذا أفادت هذه الحروف معاني، رجعت تلك المعاني إلى هذه المتعلقات بنوع استلزام. انتهى.
والعجب من الشمسّني في اعتراضه على الشق الأول بأن إلى التي للتبيين متعلقة بفعل تعجب، أو اسم تفضيل من نفس الحب والبغض، أو من لفظ موضوع لمعنى أحدهما، و"إلى" في البيت ليست كذلك. بل متعلقة باسم تفضيل من الشهوة. هذا كلامه. وأنت خبير بأن أشهى يفيد معنى الحب، وإنكاره مكابرة! فكيف يسوغ قوله: وإليّ في البيت ليست كذلك؟ . إلخ.
والبيت من قصيدة لأبي كبير الهذلي، وقبله وهو مطلعها:
أزهير هل عن شيبة من معدل أم لا سبيل إلى الشَّباب الأوَّل
وبعده:
ذهب الشباب وفات منِّي ما مضى ونضا زهير كريهتي وتبطُّلي
وصحوت عن ذكر الغواني وانتهى عمري وأنكرني الغداة تقتُّلي
أزهير إن يشب القذال فإنَّه رب هيضل مرس لففت بهيضل
ويأتي في الباب الرابع بعض أبيات من هذه القصيدة إن شاء الله تعالى.
وقوله: أزهير .. إلخ. الهمزة: حرف نداء، وزهير: مرخم زهيرة، وهي بنته، قاله السكري وأبو سعيد، ومنهم من قال: هي امرأة، ومنهم من يقول
[ ٢ / ١٣٧ ]
رجل، ويردهما قوله الآتي في الرائية. والمعدل: مصدر ميمي بمعنى العدول، وأم للإضراب، والشباب الأول: الصغر، وقوله: أم لا سبيل إلخ، أم للإضراب أيضًا عما قبلها، وأراد بالشباب هنا كمال القوة من العشرين إلى الأربعين مثلًا وذكره: مبتدأ، وأشهى: خبره، والرحيق الخمر، وقيل: السهل، والسلسل: العذب السهل الدخول في الحلق، ونضا: بالنون والضاد المعجمة: انسلخ، والكريهة: الحرب، والتبطل: الأخذ في الباطل، والغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بحسنها عن الزينة. والتقتل: التلين والتكسر والتثني. وقيل: التضرع لهن، والقذال: ما بين النقرة وأعلى الأذن، وهو أبطأ الرأس شيبًا. ورب: بضم الراء وفتح الموحدة الخفيفة؛ لغة في تشديدها. وقد استشهد به الفارسي والمحقق الرضي، وقد تكلمنا عليه في الشاهد الرابع والتسعين بعد السبعمائة من شواهده. والهيضل بفتح الهاء والضاد المعجمة: جمع هيضلة، وهي الجماعة، وقوله: لففت بهيضل، يريد: جمعت بينهما في القتال، ومرس بفتح فكسر: الشديد، من المراسة، وهي الشدة. وروي بدله "لجب" بفتح اللام وكسر الجيم، في "الصحاح": وجيش لجب: عرمرم، أي ذو جلبة وكثرة، واللجب بفتحتين: الصوت والجلبة.
قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": أبو كبير الهذلي: هو عامر بن حليس، وله أربع قصائد، أولها كلها شيء واحد، ولا يعرف أحد من الشعراء فعل ذلك. انتهى. أقول: ثانيتها:
أزهير هل عن شيبة من مقصر أم لا سبيل إلى الشباب المدبر
فقد الشَّباب أبوك إلَّا ذكره فأعجب لذلك فعل دهر واهكر
[ ٢ / ١٣٨ ]
وهذا الصراع خطاب لنفسه، قال السكري: الهكر: من أشد العجب.
وأبو كبير: شاعر صحابي اشتهر بكنيته، واسمه عامر بن الحليس أحد بني سعد بن هذيل، والحليس: بضم الحاء المهملة وفتح اللام وآخره سين مهملة، وأبو كبير: على وزن خلاف الصغير.
قال ابن حجر في "الإصابة" أبو كبير - بالموحدة - الهذلي، ذكره أبو موسى وقال: ذكر عن أبي اليقظان أنه أسلم، ثم أتى النبي، ﷺ، فقال له: أحلّ لي الزناّ فقال: "أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ " قال: لا! قال: "فارض لأخيك ما ترضى لنفسك" قال: فادع الله أن يذهب عني. انتهى.
[أي]
وأنشد في "أي" بالفتح والسكون، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد المائة:
(١١٢) ألم تسمعي أي عبد في رونق الضُّحى بكاء حمامات لهنَّ هدير
على أن "أي" فيه حرف نداء، قال الشراح: ليس فيه ما يدل على حال المنادى من قرب أو بعد أو توسط، وقال ابن الملا: وظاهر النداء في البيت أنه للقريب، كما يشهد به الذوق السليم، لا كما قال الشارح: إنه ليس في البيت ما يعيّن حال المنادى من قرب أو بعد أو توسط، لأن مخاطبات أرباب الهوى للحبائب، إن لم يستدع تمام القرب؛ فلا أقل من تخيّل البعيد قريبًا. هذا كلامه.
والبيت من شواهد "الجمل الزجاجية" وبعده:
بكين فهيَّجن اشتياقي ولوعتي وقد مرَّ من عهد اللِّقاء دهور
[ ٢ / ١٣٩ ]
قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": هذا الشعر لا أعلم قائله، وزعم قوم أنه لكثير عزة. وقال ابن هشام اللخمي: هو لكثير عزة فيما ذكره بعض الرواة، ولم أجده في ديوان شعره.
وعبد: مرخم عبدة: اسم امرأة، ويسمى به أيضًا الرجل، قالوا عبدة بن الطبيب، وهو شاعر مخضرم أدرك الإسلام وأسلم، وأما علقمة بن عبدة؛ فهو بفتح الباء، لأنه منقول من العبدة، وهي صلاية الطيب، وهو شاعر جاهلي.
ورونق الضحى: إشراقه وضياؤه، وقيل: اعتداله وانبساطه وحسنه وروي أيضًا: "في ريق الضحى" بتشديد المثناة التحتية، وهو أوله، و"في" متعلقة بتسمعي، ولا يجوز أن يتعلق بالبكاء، لأنك لا تقدم الصلة على الموصول. وقال اللخمي: وقيل: ظرف للبكاء، وهو الأشبه. والحمامة تطلق على الذكر والأنثى من ذوات الأطواق، كالفواخت والقماري ونحوهما. وجملة "لهن هدير": صفة لحمامات. قال ابن السيد: والهدير بالراء واللام: صوت الحمام يقال: هدر يهدر هديرًا، وهدل يهدل هديلًا، وكذا في "تهذيب الأزهري" و"القاموس" وليس مستعارًا من هدير الجمل، كما زعمه بعضهم، فإنه مشترك بينهما. واللوعة: حرقة القلب، والعهد: الزمن والعصر.
قال ابن السيد: والعرب تختلف في صوت الحمام، فمنهم من يجعله بكاء، ويزعم أنها تبكي على فرخ لها هلك في عهد نوح، ﵇، ويسمونه الهديل، ولذلك قال الكميت:
وما من تهتفين به لنصر بأسرع جابةً لك من هديل
[ ٢ / ١٤٠ ]
ومنهم من يجعله غناء، كما قال الآخر.
ألا قاتل الله الحمامة غدوةً على الغصن ماذا هيَّجت حين غنَّت
وأظهر أبو العلاء المعري التشكك في ذلك، فقال:
أبكت تلكم الحمامة أم غنَّت على فرع غصنها الميَّاد
انتهى. وترجمة كثير عزة تقدمت في الإنشاد التاسع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد المائة:
(١١٣) وترمينني بالطَّرف أي أنت مذنب وتقلينني لكنَّ إيَّاك لا أقلي
على أن "أي" فيه تفسير للجملة قبله، قال ابن يعيش في "شرح المفصل": قوله: أي أنت مذنب؛ تفسير لقوله: وترمينني بالطرف؛ إذ كان معناه: تنظر إلي نظر مغضب، ولا يكون ذلك إلا عن ذنب. انتهى.
وقال صاحب "التخمير": الرمي بالطرف: عبارة عن النظر، يقال: رماه بطرفه: إذا نظر إليه، كأنه قال: رميها بالطرف إياي، أي: أنت مذنب، أي: أشارت إلي بطرفها إشارة دلت على أنني مذنب في حقها. هذا كلامه. والجيد هو الأول.
[ ٢ / ١٤١ ]
وفسر الدماميني والسيوطي ترمينني بتشرين إلي، وتعقبه ابن الحنبلي وقال: الطرف نظر العين، أي: وترمينني بالطرف كأنه سهم، فكثيرًا ما يستعار السهم لطرف العين، كما قال الشافعي:
خذوا بدمي هذا الغزال فإنَّه رماني بسهمي مقلتيه على عمد
وقال: أي: أنت مذنب، على التفسير، لأن الرمي بالشيء قد يكون عن عمد، وقد لا يكون عنه، والمراد الأول، لكون المرمي ذا ذنب، ولو في ظن الرامي، والإشارة، وإن كانت، قد تكون بالطرف كما قال:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة محزون ولم تتكلَّم
وقلنا: إن الرمي به بهذا المعنى يستلزم الإشارة به، فالأولى أن لا تكون الإشارة مقصودة للشاعر منه، وإن لبست معنى ترمينني وحده، ولا لازمه، بل لازم مجموع ترمينني بالطرف. هذا ما قرره.
والحاصل: أن "أي" تفسر الجملة وغيرها، وهي أعم من "أن" لأنه يفسر بها المفرد والجملة، والقول الصريح وغيره. تقول: رأيت غضنفرًا أي: أسدًا، وأمرت زيدًا؛ أي: اضرب، وقلت له قولًا؛ أي: عبد الله منطلق، وخرج زيد بسيفه، أي: خرج وسيفه معه.
وإنما يحتاج إلى التفسير إذا كان في الكلام غرابة أو إبهام، أو حذف شيء، أو ما بعدها عطف بيان على ما قبلها، أو بدل منه، وهذا إنما هو في تفسير المفرد. وأما إذا فسرت جملة كما في البيت؛ فلا.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنها حرف عطف إذا فسرت مفردًا. ورد عليهم بأنها تفسر الضمير المرفوع المتصل بلا تأكيد ولا فصل، وتفسر الضمير المجرور بلا إعادة الجار، ولو كان ما بعدها معطوفًا بها، لم يستقم الأول بدون تأكيد أو فاصل، ولا الثاني بدون إعادة الجار.
وقال أبو حيان في "الارتشاف": والصحيح أنها حرف تفسير، يتبع بعدها الأجلى للأخفى عطف بيان، يوافق في التعريف والتنكير ما قبله. انتهى.
وقوله: وترمينني خطاب لامرأة، والياء الأولى ضمير خطاب فاعل ترمي، والياء الثانية: ضمير المتكلم مفعول، والنون الأولى علامة الرفع لا تحذف إلا في الجزم والنصب، والنون الثانية: نون الوقاية قال الزمخشري في "الأسا": رماه بالطرف والفاحشة.
والطرف: العين، ولا يجمع، لأنه في الأصل مصدر، وقيل: هو اسم جامع للبصر، لا يثنى ولا يجمع. وقيل: هو نظر العين.
وقوله. وتقلينني. هو من القلى، قال ابن الشجري في "أماليه": القلى .. البغض، مكسور مقصور، وقد صرفت العرب منه مثالين: قلاه يقليه، مثل: رماه يرميه، وقليه يقلاه، مثل: رضيه يرضاه، وهو من الياء، بدليل يقلي، ولو كان من الواو كان يقلو. وأنشدرا في يقلي: وترميني بالطرف .. البيت، وفي التنزيل: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) [الضحى/ ٣] وروى أبو الفتح لغة ثالثة: قلاه يقلوه قلاء، مثل: رجاه يرجوه رجاء:
إن تقل بعد الودِّ أمُّ محلِّم فسيَّان عندي ودُّها وقلاؤها
انتهى. وفي "القاموس": قلاه، كرماه ورضيه، قلىِّ وقلاءً ومقليةً.
[ ٢ / ١٤٣ ]
أبغضه وكرهه غاية الكراهة، فتركه. أو: قلاه في الهجر، وقليه في البغض. انتهى.
وقوله: لكن إياك، فيه أقوال:
أحدها للفراء: قال في تفسير قوله تعالى: (لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) [الكهف/ ٣٨] معناه: لكن أنا هو الله ربي، ترك همز الألف من أنا، وكثر بها الكلام فأدغمت النون من "أنا" مع النون من "لكن" ومن العرب من يقول: أنا قلت، بتمام الألف، فقرئت لكنا على تلك اللغة، وأثبتوا الألف في اللغتين في المصحف، ويجوز الوقف بغير ألف في غير القرآن في أنا، [و] من العرب من يقول: إذا وقفل: "أنه" وهي لغة جيدة، وهي في عليا تميم وسفلى قيس. أنشدني أبو ثروان: وترمينني بالطرف .. البيت، يربد: لكن أنا إياك لا أقلي، فترك الهمز، فصار كالحرف الواحد. وزعم الكسائي أنه سمع بعض العرب يقول: إنّ قائم، فترك الهمز وأدغم، وهي نظيرة للكن .. انتهى كلامه. وقد تبعه صاحب "الكشاف" وأبو حيان في "تذكرته" وغيرهما.
ثانيها: أن تكون من أخوات إن، واسمها ضمير شأن محذوف، والجملة بعدها خبرها، وعليه اقتصر ابن يعيش، وصاحب "اللباب" وشراحه. ونقل ابن المستوفى عن الزمخشري في "مناهيه" على "المفصل" أنه قال: وجهه أن يكون الأصل. لكنه إياك لا أقلي، الضمير ضمير الشأن، ثم حذفه كما حذف من قال:
إنَّ من لام في بني بنت حسَّا ن ألمه وأعصه في الخطوب
ولو روي "لكنِّ" بكسر للنون، اجتزاء من الياء بالكسرة؛ فكان وجهًا سديدًا. انتهى.
[ ٢ / ١٤٤ ]
ثالثها: أن اسمها ضمير متكلم محذوف لضرورة الشعر، والأصل: ولكني، كما حذف اسمها في قول الآخر:
ولكنّ زنجيٌّ عظيم المشافر
أي: ولكنك زنجي، وهو قول الخوارزمي، نقله عن ابن المستوفى. فإن قلت: "إياك" ضمير نصب، فهل يجوز أن يكون اسم لكن؟ قلت: لا يجوز لأنه لو كان اسمها لوجب أن يقال: ولكنك، فإنه متى أمكن اتصال الضمير لا يعدل إلى انفصاله، اللهم إلا أن يدعى فصله لضرورة الشعر، قال الأندلسي في شرح "المفصل": ولو قلت: أجعل الضمير المنفصل اسمًا، "ولا أقلي" خبرًا، وأرتكب إجراء المنفصل مجرى المتضل، وأحذف الراجع إلى اسم لكن، والأصل: لكنك لا أقليك؛ لكنت لعمري متعسفًا. انتهى.
فإن قلت: حيث امتنع في الفصيح جعل إياك اسم لكن، ما وجه فصله عن عامله، وتقديمه عليه؟ قلت: وجيه الحصر، فإن تقديم ما حقه التأخير يفيد ذلك؛ فأفاد أنها هي التي لا تقلى، بخلاف غيرها، فإنه يقلى.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وهذا البيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله، مع أنه مشهور، وقلما خلا عنه كتاب نحوي، والله تعالى أعلم.
[أيّ]
وأنشد في "أيّ" بالتشديد، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد المائة:
(١١٤) تنظَّرت نصرًا والسِّماكين أيهما عليَّ من الغيث استهلَّت مواطره
على أن "أي" الاستفهامية قد تخفف كما في البيت.
قال ابن جني في "المحتسب" عند قراءة الحسن: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ) [القصص/ ٢٨] خفيفة: في تخفيف هذه الياء طريقان يكادان يعذران:
أحدهما: تضعيف الحرف، وقد امتد عنهم حذف أحد المثلين إذا تجاورا، نحو: أحست ومست وظلت، وحكى ابن الأعرابي: ظنت في ظننت.
والآخر: أن الياء حرف ثقيل منفردةً، فكيف بها إذا ضعّفت؛ غير أن في واجب الصنعة شيئًا أذكره لك، وذلك أن "أيًّا" عندنا مما عينه واو ولامه ياء، وهذا من باب أويت، هكذا موجب القياس والاشتقاق جميعًا:
أما القياس؛ فلأن ما عينه واو ولامه ياء أضعاف ما لامه وعينه ياءان، ألا ترى إلى كثرة باب: لويت، وشويت، وطويت؟ وإلى قلة باب: عييت وحييت؟ فأصل "أي" على هذا: أوي، فاجتمع الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون، فقلبت ياء، وأدغمت في الباء، فصارت أي.
وأما الاشتقاق؛ فلأن "أيًا" أين وقعت غير متبلغ بها، فإنها بعض
[ ٢ / ١٤٦ ]
من كل، كقولنا: أي الناس عندك؟ وأيهم قام قمت معه، وأيهم يقوم زيد وبعض الشيء آوٍ إلى جميعه، ألا ترى إلى قول العجلي:
يأوي إلى ملط له وكلكل
أي: يتساند إليها، ويعتمد عليها. فإذا حذفت الياء تخفيفًا فإنها الثانية، وإذا زالت الثانية أوجب القياس أن تعود الأولى إلى أصلها، وهي الواو، فيقال: أو ما الأجلين قضيت. والذي حسَّن عندي إظهار العين هنا ياء، مع زوال الياء الغالبة لها من بعدها، أنها إنما حذفت اللام تخفيفًا، وهي منوية مرادة، فأقرت العين مقلوبة ياء، دلالة على إرادة الياء التي هي لام، كما صحت الواو الثانية في قوله:
وكحَّل العينين بالعواور
دلالة على إرادة الياء في عواوير، وأنها إنما حذفت استحسانًا وتخفيفًا. وأنشدنا أبو علي للفرزدق:
تنظّرت نصرًا والسِّماكين أيهما البيت
فهذا كقراءة الحسن (أيما الأجلين) سواء. انتهى.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وأورده أيضًا في أوائل سورة البقرة، عند قراءة ابن محيصن: (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ) [الآية/ ١٢٦] بإدغام الضاد في الطاء. قال: أراد: أيهما، فاضطر إلى تخفيف الحرف، فحذف الياء الثانية، وكان ينبغي أن يرد الياء الأولى إلى الواو، لأن أصلها الواو، وأن يكون قياسًا واشتقاقًا جميعًا أولى، ولم يقل: "أو هما" فيرد الواود الأصلية، لأنه لم يبن الكلمة على حذف الياء البتة، لأنه إنما اضطر إلى التخفيف، وهو ينوي الحرف المحذوف كما ينوي الملفوظ به. وقد ذكرنا أخوات لهذا أكثر من عشر في كتاب "الخصائص" انتهى.
وأورده صاحب "الكشاف" والقاضي أيضًا عند قراءة الحسن: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) [القصص/ ٢٨] قال شارح شواهدهما خضر الموصلي: قال أبو حيان: هو من قصيدة للفرزدق وبعده:
إذا ما أتى نصر أتى الناس كلُّهم وقد عزَّ من نصر لدى الخوف ناصره
هو الملك المهديُّ والسابق الذي له أوّل المجد التّليد وآخره
ولو أنّ مجدًا في السَّماء وعندها إذن لسما نصر إليه يساوره
والتنظر: الانتظار وقصد به استعجال نصر بالعطاء، ونصر بالصاد المهملة: هو الممدوح، قال ابن الملا: هو نصر بن سيار، أمير خراسان لمروان بن محمد، الملقب بالحمار، آخر الأمويين، لا ملك العراقين، كما قال الشمني، فإن أمير العراقين إذ ذاك كان يزيد بن عمرو بن هبيرة الفزاري. وتوفي
[ ٢ / ١٤٨ ]
نصر فارًا من عسكر أبي مسلم الخراساني، صاحب دعوة بني العباس بساوة قريبًا من همدان، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة إحدى وثلاثين ومائة. انتهى.
والفرزدق توفي في أول السنة العاشرة بعد المائة.
ورواه ابن مالك "نسرًا" بالنون والسين المهملة، وكذا رأيته في "القاموس" في نسختين، قال: أي: حرف استفهام، عما يعقل و[ما] لا يعقل مبنية، وقد يخفف كقوله:
تنظّرت نسرًا والسماكين أيهما . . . . . البيت
انتهى. وأراد بقوله حرف: أداة، أو كلمة. وقال ابن مالك في شرح "الكافية" في باب المعرف باللام: وربما حذفت الألف واللام دون نداء ولا إضافة، قال الشاعر:
تنظّرت نسرًا والسّماكين أيهما . . . . . البيت
انتهى. وفي هذه الرواية نظر من وجوه:
أحدها: أنها لا تلائم الأبيات المذكورة، فإنها تقتضي أن يكون "نصرًا" بالصاد.
وثانيها: يقتضي أن يكون النسر بأل علمًا بالغلبة على النجم المعروف، وهو اثنان، يقال لأحدهما: الواقع، وللآخر الطائر. قال ابن قتيبة: النسر الواقع ثلاثة أنجم كأنها أثافي، وبإزائه النسر الطائر، وهو ثلاثة أنجم مصطفة، وإنما قيل للأول: الواقع، لأنهم يجعلون اثنين منه جناحيه، ويقولون: قد
[ ٢ / ١٤٩ ]
ضمهما إليه كأنه طائر وقع، وقيل للآخر: طائر، لأنهم يجعلون اثنين منه جناحيه، ويقولون: قد بسطهما كأنه طائر. والعامة تسميهما: الميزان. انتهى.
وثالثها: يقتضي أن يكون النسر مما له نوء ومطر، وليس كذلك، وإنما النوء يختص بمنازل القمر الثمانية والعشرين، وليس النسر منها.
وأراد بالسماكين أحدهما، وهو السماك الأعزل، وهو الذي له النوء، وأما السماك الرامح فلا نوء له. قال ابن قتيبة: السماك الرامح سمي رامحًا بكوكب يقدمه، يقولون: هو رمحه. والسماك الأعزل: حد ما بين الكواكب اليمانية والشامية، سمي أعزل كأنه لا سلاح معه، كما كان للآخر. انتهى.
قال الزجاج في كتاب "الأنواء": نوء السماك لثلاث يمضين من نيسان، يسقط السماك في الغرب غدوة مذ طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ويطلع الحوت من المشرق غدوة في هذا الوقت، وتنزل الشمس البطين، وهو نوء غزير المطر قلما يخلف، وفيه أول حصاد الشعير، ومطره من مطر الربيع، قال ذو الرمة:
ولا زال من نوء السِّماك عليكما ونوء الثُّريَّا قبله متبطِّح
وصفة السماك الأعزل: هو كوكب أزهر إحدى ساقي الأسد، والسماك الرامح الساق الأخرى، ومع السماك الرامح كوكب قدامه، يقال: هو رمحه، وسمي الأعزل أعزل لأنه لا كوكب معه، كما يقال: رجل أعزل، إذا لم يكن معه رمح، وقد قيل: الأعزل من الرجال: الذي لا سلاح معه، وقيل: سمي السماك الأعزل، لأن القمر لا ينزل به، وإنما سمي سماكًا لأنه سمك، أي: ارتفع، كذا قال سيبويه. انتهى. وقال قبله: والذي اختار، وهو مذهب الخليل، أن النوء اسم المطر الذي يكون مع سقوط النجم، فاسم مطر الكوكب الساقط: النوء. انتهى.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وقوله: أيهما: ضمير الاثنين، راجع على نصر وعلى السماكين إجراءً لهما مجرى الواحد، لأنه المراد، ولهذا وحد الضمير في "مواطره". ونقل ابن الملاعن ابن القاص أنه إنما يقال: نوء السماك، وقد غلط ابن مقبل في نسبة المطر إلى السماكين حيث قال:
وغيث مغبٍّ لم يجدّع نباته ولته أهاليل السِّماكين معشب
وذلك أن العرب لا تنسب النوء والمطر إلى غير منازل القمر، ألا ترى قول قائلهم:
أولئك معشري كبنات نعش خوالف لا تنوء مع النجوم
يقول: لا نفع عندهم، كبنات نعش لا نوء لها، والخالفة: من لا خير عنده، لأن بنات نعش ليس من منازل القمر. انتهى. وهذا تهور منه، وحكمة التثنية تحقيق الماطر منها، ونظيره قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) [الرحمن/ ٢٢] وإنما يخرجان من أحدهما، وهو البحر الملح دون العذب. وقوله: "علي" متعلق باستهلت، والاستهلال: كثرة الانصباب، والمواطر: جمع ماطرة. أراد: السحب المواطر، والغيث: المطر، وقد بالغ في ممدوحه بجعله معادلًا للمطر في النفع العام. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني.
[ ٢ / ١٥١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد المائة:
(١١٥) إذا ما لقيت بني مالك فسلِّم على أيِّهم أفضل
على أن "أيًا" الموصولة فيه مبنية على الضم، وروي بالجر أيضًا، كما يأتي في بحث الصلة من الباب الثاني. وصدر الصلة محذوف، تقديره: على أيهم هو أفضل، وبه استدل الرضي وشراح الألفية. وإذا: شرطية، وما: زائدة، وجملة "فسلم" جواب الشرط.
وهذا البيت حجة على ثعلب في زعمه أن أيًا لا تكون موصولة، قال ابن الأنباري في "مسائل الخلاف": حكاه أبو عمرو الشيباني بضم أيهم عن غسان، وهو أحد من تؤخذ عنه اللغة من العرب. انتهى. ونسبه العيني فقال: قائله غسان بن علة بن مرة أحد بني مرة بن عبَّاد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد المائة:
(١١٦) أيَّ يوم سررتني بوصال لم ترعني ثلاثة بصدود
على أن أيًا فيه - وهو للمتنبي - ليست موصولة، لأن الموصولة لا تضاف إلا إلى المعرفة، وإنما هي للاستفهام الإنكاري.
وقد أورد ابن الشجري هذا البيت في المجلس الثاني عشر من "أماليه" وقال: إنما أذكر من شعره ما أهمله مفسروه، فأنبه على معنى أو إعراب أغفاؤه. وهذا البيت لبعده من التكلف، وخلوه من التعسف، وسرعة انصبابه إلى السمع، وتولجه
[ ٢ / ١٥٢ ]
في القلب؛ أهملوا تأمله، فخفي عنهم ما فيه، والذي يتوجه فيه من السؤال أن يقال: ما وجه تعلق عجزه بصدره؟ وهل للجملة الأخيرة موضع من الإعراب؟ فإن قيل: نعم؛ قيل: ما هو، وكم وجهًا من وجوه الإعراب تحتمل؟ وهل يجوز أن تكون أي فيه شرطية؛ لتعلق الجملة بالجملة تعلق الجزاء بالشرط، كقولك: أي يوم لقيني زيد لم أعرض عنه، تريد: أي يوم لقيني أقبلت عليه. والجواب عن هذا السؤال: أنه لا يصح حمل أي على معنى الشرط، لأن في ذلك مناقضة للمعنى الذي أراده الشاعر، فكأنه قال: إن سررتني يومًا بوصالك؛ آمنتني ثلاثة أيام من صدودك. وهذا عكس مراده في البيت! وإنما "أي" استفهام خرج مخرج النفي، كقولك لمن يدعي أنه أكرمك: أي يوم أكرمتني؟ ! تريد: ما أكرمتني قط. قال الهذلي:
فاذهب فأيُّ فتى في الناس أحرزه من حتفه ظلم دعج ولا جبل
ذهب بأي مذهب النفي، فأدخل "لا" مع حرف العطف، كما تقول: ما قام زيد ولا عمرو.
فمعنى البيت: ما سررتني يومًا بوصالك، إلا رعتني ثلاثة أيام بصدودك. فإن قلت: أجعل كل جملة واحدة من الجملتين قائمة بنفسها، لا علقة لها بالأخرى، فلا أحكم للجملة الأخيرة بموضع من الإعراب، فإن في ذلك أيضًا فسادًا للمعنى المراد، لأن قولك: أي يوم سررتني بوصال؟ يفيد معنى: ما سررتني قط بوصال، ثم قولك مستأنفًا: لم ترعني ثلاثة بصدود، يفيد معنى: أنت تصدُّ عني
[ ٢ / ١٥٣ ]
يومين، وتصلني في الثالث، فما ينتظم صدودك ثلاثة أيام. وفي هذا تناقض يبطل المعنى المقصود، فقد ثبت بما قلته أنه لابد من علقة بين الكلامين، والعلقة بينهما تصح من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تجري الجملة وصفًا لوصال، والعائد منها إلى الموصوف مقدر، وتقديره: أي يوم سررتني بوصال، لم ترعني بعده ثلاثة أيام بصدود؟ فالهاء عائدة على وصال، فكأنك قلت: ما سررتني يومًا بوصال مأمون بعده صدودك ثلاثة أيام. وإذا ثبت صحة هذا المعنى بهذا التقدير، فإن شئت قدرت أنك حذفت الظرف أولًا، فبقي لم ترعنيه، ثم حذفت الهاء ثانيًا، وإن شئت قدرت أنك حذفت الظرف والعائد معًا، فهذا أحد الأوجه الثلاثة.
والوجه الثاني: أنك تقدر بالجملة العطف، وتضمر العاطف، فكأنك قلت: أي يوم سررتني بوصال، فلم ترعني ثلاثة بصدود! والعرب تضمر الفاء والواو العاطفتين، فمما جاء فيه إضمار الفاء قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ) [البقرة/ ٦٧] فأضمر الفاء في "قالوا" لتمام كلام موسى، ﵇، ثم أضمر الفاء في "قال" لتمام كلام قومه، وهذا كثير في القرآن. ومما أضمرت فيه الواو قول الحطيئة:
إنَّ امرءًا رهطه بالشام منزله برمل يبرين جارًا أشدَّ ما اغتربا
أراد: ومنزله برمل يبرين، وليس للجملة في هذا الوجه موضع من الإعراب، لأنها في التقدير معطوفة على جملة لا موضع لها.
والثالث: أن تجعل الجملة حالًا من التاء في "سررتني" والعائد على التاء من حالها: هو الضمير المستتر في "ترعني" فكأنك قلت: أي يوم سررتني غير
[ ٢ / ١٥٤ ]
رائع لي، وهي حال مقدرة. وفي التنزيل: (فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر/ ٧٣] أي: مقدرين الخلود، وكذلك المراد: أي يوم سررتني بوصالك، غير مقدر أنك تروعين ثلاثة أيام بصدودك؟ فهذه ثلاثة أقوال جارية في مضمار كلام العرب.
ومن روى: "لم ترعني ثلاثة" برفع ثلاثة، على إسناد الفعل إليها، كانت العلقة بين الجملتين بتقدير الوصف أو العطف وبطل أن تكون الجملة حالًا، لخلو ترعني من ضمير يعود على ذي الحال. انتهى كلام ابن الشجري.
ومنه تعلم أن المصنف أخذه برمته، وقوله: كما قيل؛ أراد به ابن الشجري. وقوله: وفيه بعد؛ قد بين وجه البعد الدماميني في شروحه الثلاثة. وقول المصنف: لخلو ترعني من ضمير الحال؛ قال الدماميني: يجوز أن يكون التقدير: لم ترعني منذ ثلاثة بصدود، فيحصل الربط باعتبار المحذوف. وأجاب الشمني: إن كلام المصنف إنما هو بناء على ما هو الأصل من عدم التقدير. انتهى. ولا وجه لهذا العذر، لأن تقدير الرابط في الجمل المحتاجة إليها كثير، فهو من الأصول المقررة عندهم، ومنه قول المصنف في بحث الروابط من أواخر الباب الرابع: وقد تخلو الجملة الحالية منهما، أي: من الواو والضمير لفظًا، فيقدر أحدهما.
وأي: منصوب على الظرف، والخطاب في: سررتني، وترعني، لمذكر وهو الساقي، لأن قبله:
كل شيء من الدِّماء حرام شربه ما خلا دم العنقود
فاسقنيها فدىً لعينيك نفسي من غزال وطار في وتليدي
شيب رأسي وذلَّتي ونحولي ودموعي على هواك شهودي
أيَّ يوم سررتني بوصال البيت
[ ٢ / ١٥٥ ]
وهذه الأبيات من قصيدة قالها في صباه، يمدح نفسه فيها ويفتخر. وترجمته تقدمت في الإنشاد التاسع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد المائة:
(١١٧) أرأيت أيُّ سوالف وخدود برزت لنا بين اللِّوى فزرود
على أن أبا علي قال: ليست "أيّ" فيه موصولة، لإضافتها إلى نكرة وإنما هي للاستفهام، ولذا علقت فعل الرؤية، وارتفعت بالابتداء، والخبر جملة برزت.
والبيت مطلع قصيدة لأبي تمام الطائي، مدح بها أحمد بن أبي دؤاد، واستشفع بخالد بن يزيد الشيباني، قال شارح ديوانه الإمام أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: أي: للتعجب، يتعجب من جوارٍ عرضت له ذوات سوالف وخدود، يقول: أعلمت أي جوار عرضت لنا بين هذين المكانين، فبدت لنا خدودها وأعناقها؟ انتهى. وفي الديوان: وفي الشرح: عنت: بمعنى عرضت بدل برزت. والظاهر أن أيًا فيه دالة على معنى الكمال. والهمزة في أرأيت للاستهام، والتاء خطاب، إما لنفسه على جهة التجريد. وإما لصاحبه. والسوالف: جمع سالفة، قال صاحب "القاموس": هي ناحية مقدم العنق، من لدن معلق القرط إلى قلت الترقوة. انتهى. والقلت بفتح القاف وسكون اللام بعدها مثناة فوقية: النقرة، بضم النون، والترقوة: وزنها فعلوة، بفتح الفاء وضم اللام، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين، والجمع التراقي. قال بعضهم: ولا تكون الترقوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان خاصة، كذا في "المصباح". وفسر السالفة بعضهم بقوله: هي صفحة العنق، وهذا أوضح وأخصر من تفسير صاحب "القاموس". والخدود: جمع خد، وهو صفحة الوجه. وقوله: بين
[ ٢ / ١٥٦ ]
اللوى فزرود، أراد: بين أماكن اللوى فأماكن زرود، كما قيل في قول امرئ القيس: " بين الدخول فحومل" لأن بينًا لا تضاف إلا لمتعدد، واللوى هنا موضع، قال التوَّزي: اللوى: من أرض بني تميم، موضع معروف. انتهى. وهو في اللغة: الرمل الملتوي، وزرود بفتح الزاي: موضع ذو رمل بطريق الحاج من الكوفة، قال ياقوت في "معجم البلدان": وفي زرود بركة وقصر وحوض. وروي أن الرشيد حج في بعض الأعوام، فلما أشرف على الحجاز تمثل بقول القائل:
اقول وقد جزنا زرود عشية وراحت مطايانا تؤمُّ بنا نجدا
على أهل بغداد السلام فإنَّني أريد بسيري عن بلادهم بعدا
وأبو تمام: هو حبيب بن أوس الطائي، ولد في جاسم – بالجيم والسين المهملة، وهي قرية من قرى الجيدور بفتح الجيم – وهو إقليم من دمشق – في آخر خلافة الرشيد سنة تسعين ومائة، ونشأ بمصر، واشتغل إلى أن صار واحد عصره، وكان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب، غير القصائد والمقاطيع، وله كتاب "الحماسة" وكتاب "مختار أشعار القبائل" وهو مقدار نصف "الحماسة" وكتاب "فحول الشعراء" ومات سنة اثنتين وثلاثين بعد المائتين بالموصل وكان
[ ٢ / ١٥٧ ]
في عنفوان شبابه حائكًا، وقيل سقاء، ثم قال الشعر فعلا ذكره وانتشر أمره.
قال المبرد: جيد شعره أحسن من شعر البحتري، والبحتري أحسن منه استواء. وكان أبو حيان يتعصب له، فإذا عيب عليه شيء قال: أنا لا أسمع لومًا في حبيب. وكان شعره غير مرتب، فرتبه الصولي على الحروف، ثم رتبه علي بن حمزة الأصبهاني على أنواع الشعر. وعندي من شروحه شرح الإمام المرزوقي، وشرح الإمام محمد الصولي، وشرح أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وشرح المبارك بن المستوفى الإربلي المسمى "بالنظام". وشرحه المعري، وسمى شرحه "ذكرى حبيب" وفسر غريبه القالي، وليسا عندي، وأرجو من الله تعالى تيسيرهما لي بمنه وكرمه.
[إذ]
وأنشد في "إذ"، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد المائة:
(١١٨) فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
على أن "إذ" في الموضعين للتعليل. واستشهد سيبويه بالبيت على أن بعض الناس ينصب مثلهم خبرًا لما، وبشر اسمها. قال: وهذا لا يكاد يعزف، كما أن (لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) [ص/٣] كذلك، ورب شيء كذا. قال السيرافي: يعني أن نصب مثلهم على تقدير الخبر قليل، كما أن (لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) بالرفع لا يكاد يعرف. انتهى.
[ ٢ / ١٥٨ ]
وقد رد المبرد على سيبويه بأن الفرزدق تميمي، وهم يرفعون الخبر مؤخرًا فكيف ينصبونه مقدمًا؟ !
قال النحاس: سألت أبا إسحاق عما قهل المبرد فقال: إنه لعمري من بني تميم، ولكنه مسلم قد قرأ القرآن، وقرأ فيه: (مَا هَذَا بَشَرًا) [يوسف/ ٣١] وقرأ (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) [المجادلة/ ٢] فرجع إلى لغة من ينصب؛ فلا معنى للتشنيع بأنه من بني تميمي. انتهى.
وأقول: من ينصب الخبر لا ينصبه مع تقدمه، فلا يصح هذا جوابًا. وقيل: أراد الفرزدق أن يتكلم بلغة الحجاز فغلط، وهذا كما قيل: الخارج عن لغته لحان. وأجيب بأن الغربي لا يغلط في اللفظ، وإنما يجوز أن يغلط في المعنى.
ورد ابن ولاد على المبرد بأن الرواة قد تغير البيت على لغتها، وترويه على مذهبها، ولذلك كثرت الروايات في البيت الواحد، ألا ترى أن سيبويه قد يستشهد ببيت واحد لوجوه شتى؟ ! وإنما ذلك على حسب ما غيرته الرواة بلغاتها، لأن لغة الراوي من العرب شاهد، كما أن قول الشاعر شاهد إذا كانا فصيحين، فمن ذلك ما أنشده سيبويه:
بدا لي أنِّي لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
ورواه أيضًا: "ولا سابقًا" في موضع آخر. انتهى. وأقول: بيت الفرزدق ليس على لغة الحجاز، ولا على لغة تميم وغيرها، فكيف يكون من قبيل لغة الراوي.
وقال بعضهم: مثلهم ليس خبرًا لما، وإنما هو خبر للمبتدأ مرفوع، لكنه بني على الفتح لإضافته إلى مبني، فإن المضاف إذا كان مبهمًا كغير، ومثل، ودون، وأضيف إلى مبني، بني كقوله تعالى: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات/ ٢٣]
[ ٢ / ١٥٩ ]
فيمن فتح مثلًا، وكقراءة بعضهم (أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ) [هود/ ٨٩] بالفتح، وهذا أقرب الأقوال. وقيل غير ما ذكرنا، وقد بسطنا القول في هذا في الشاهد الرابع والسبعين بعد المائتين من شواهد الرضي:
والبيت من قصيدة للفرزدق، مدح بها عمر بن عبد العزيز لما كان واليًا بالمدينة المنورة، وقبله:
سيروا فإنَّ ابن ليلى عن أمامكم وبادروه فإنّ العرف يبتدر
إلى أن قال مخاطبًا له:
وما أعيد لهم حتّى أتيتهم أزمان مروان إذ في وحشها غرر
فأصبحوا قد أعاد الله دولتهم البيت
ابن ليلى: هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وليلى أمه، وهي بنت عاصم بن عمر ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
والمبادرة: المسارعة، والعرف بالضم: المعروف، وأزمان: نائب فاعل أعيد، وضمير وحشها: للمدينة المنورة. والغرر: جمع غرة – بكسرهما – وهي الغفلة، يريد: أن وحشها لا يذعرها أحد، فهي في غرة من عيشها، قال: هو في غرة من العيش؛ إذا كان في عيش لا كدر فيه ولا خوف. يقول: ما أعيد لأهل المدينة، ولمن بها من قريش، أزمان مثل أزمان جدك مروان في الخصب والسعة، حتى وليت أنت عليهم، فعاد عليهم مثل ما كانوا فيه من الخير حين كان مروان واليًا عليهم، فأصبحوا، بولايتك عليهم، قد أعاد الله نعمتهم عليهم. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد المائة:
(١١٩) إنًّ محلًا وإنَّ مرتحلًا وإنَّ في السَّفر إذا مضوا مهلا
على أن "إذ" فيه أيضًا للتعليل. ورواه سيبويه "وإن في السفر ما مضى مهلًا" فلا شاهد فيه، قال سيبويه في "باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة" لإضمار ما يكون مستقرًا لها .. إلى أن قال: وذلك إن مالًا، وإن ولدًا، وإن عددًا، أي: إن لهم مالًا، فالذي أضمرت "لهم" ويقول الرجل للرجل: هل لكم أحد؟ إن الناس [ألب] عليكم! فيقول: إن زيدًا، وإن عمرًا، أي: إن لنا، قال الأعشى:
إنَّ محلًا وإنَّ مرتحلًا وإنَّ في السَّفر ما مضى مهلا
انتهى. وفي نسخة أخرى: "إذ مضى مهلا" والأولى نسخة الأعلم، والثانية نسخة السيرافي. قال السيرافي: ويروي "مضوا" ومعناه: إن لنا محلًا، يعني: في الدنيا إذا عشنا، وإن لنا مرتحلًا إلى الآخرة إذا فنينا، ويقال: إن في الدنيا محلًا ومرتحلًا إلى الآخرة، والسفر: المسافرون، يعني به من مات. قال أبو عمر: مهلًا: مهلة لمن بقي بعدهم، أي: يستعد ويصلح من شأنه، قال أبو عبيدة.
إنَّ مقيمًا وإنّ مسافرًا وإنّ في السفر إذا مضى مهلا
قال: ذهابًا لا يرجعون، وقيل: وإن للسفر، يريد: من قدم لآخرته فاز وظفر، والمهل: السبق. انتهى. وقال الأعلم: وأراد بالسفر: من رحل من
[ ٢ / ١٦١ ]
الدنيا، يقول: في رحيل من رحل ومضى مهل، أي: لا يرجع، ويروى "مثلًا" أي: فيمن مضى مثل لمن بقي، أي: سيفنى كما فني. انتهى.
وتقدير الخبر مقدمًا في البيت إنما هو لكونه أولى، وليس بواجب لتنكير الاسم، لأن الإخبار عن النكرة في باب إن جائز مع تأخير الخبر كما قاله ابن مالك والرضي. وزعم ابن الملاك أن الخبر إنما قدر مقدمًا وجوبًا لتنكير الاسم، و"ما" في رواية سيبويه مصدرية، والمصدر المؤول بدل اشتمال من السفر، والضمير المستتر في مضى راجع للسفر على أنه اسم جمع لمسافر، واسم الجمع يجوز أن يعود عليه ضمير المفرد وضمير الجمع، وعليه الرواية الأخرى: "ما مضوا" أو أنه جمع سافر حقيقة، قال الجوهري: يقال: سفرت أسفر سفورًا: خرجت إلى السفر، فأنا سافر، وقوم سفر، مثل: صاحب، وصحب، وسفَّار: مثل راكب وركاب إلى أن قال: وسافرت إلى بلد كذا مسافرة وسفارًا. انتهى. وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" عن الأصمعي: السفر: جمع سافر، كما يقال: شارب وشرب، ويقال: سافر وسفر أيضًا. وغفل صاحب "القاموس" فقال: السافر: المسافر، ولا فعل له، وتبعه ابن الملا.
وقول المصنف: أي إن لنا حلولًا في الدنيا، وإن لنا عنها ارتحالًا إلى الآخرة، أشار به إلى أن "محلًا" و"مرتحلًا" مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال، وأن متعلقهما وخبر إن في الموضعين – محذوفان. وقول المصنف: وإن في الجماعة الذين ماتوا قبلنا إمهالًا لنا .. إلخ، أشار إلى أن المراد بالسفر: الذين ماتوا، وأن متعلق مهلًا محذوف، وأن مهلًا اسم مصدر بمعنى إمهال.
وهذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب قال في "أماليه": بمعناه: إنهم يقولون: إن لنا محلًا في الدنيا، وارتحالًا بالموت، وإن فيمن مضى قبلنا – يعني: موت من يموت – مهلة لنا، لأنا نبقى بعدهم، وهو معنى الإمهال. انتهى.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وهذا غير موجود في كتب اللغة، فإن المهل – بالتحريك – لازم والإمهال متعد، والجيد أن يكون المهل – بالتحريك – بمعنى المهل – بسون الهاء – وهو البطء. قال الأزهري في "التهذيب" عن الليث: تقول مهلًا يا فلان، أي: رفقًا وسكونًا لا تعجل، ونحو ذلك كذلك، ويجوز التثقيل، وأنشد:
فيا ابن آدم ما أعددت في مهل لله درُّك ما تأتي وما تذر
انتهى. وإلى هذا أشار السيرافي في كلامه السابق. ويأتي المهل – بالتحريك – بمعنى التقدم، وهو مناسب هنا، وإليه أشار أبو عبيدة، كما نقل عنه السيرافي. وقول المصنف: لأنهم مضوا، إشارة إلى معنى "إذ" التعليلية، والجيد أن تبقى على ظرفيتها، ويكون "إذ مضوا" بدل اشتمال من السفر، كما قيل به في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ) [مريم/ ١٦] أن "إذ انتبذت" بدل اشتمال من مريم، وفي كلام ابن الحاجب إشارة إلى البدلية فتأمله.
والبيت مطلع قصيدة للأعشى مدح بها سلامة ذا فائش الحميري، وبعده:
استأثر الله بالوفاء وبالـ ـعدل وولَّى الملامة الرَّجلا
والأرض حمَّالة لما حمل الله وما إن يردُّ ما فعلا
يومًا تراها كشبه أردةي الـ ـعصب ويمًا أديمها نغلا
إلى أن قال:
يسير من يقطع المفاوز والـ ـبعد إلى من يثيبه الإبلا
والهيكل النَّهد والوليدة والـ ـعبد ويعطي مطافلًا عطلا
أصبح ذو فائش سلامة ذو الـ ـتَّفضال هشًّا فؤاده جذلا
[ ٢ / ١٦٣ ]
أبلج لا يرهب الهزال ولا ينقض عهدًا ولا يخون إلا
يا خير من يركب المطيَّ ولا يشرب كأسًا بكفِّ من بخلا
قلَّدتك الشِّعر لا سلامة ذا التَّفضال والشِّعر حيثما جعلا
والشِّعر يستنزل الكريم كما اسـ ـتنزل رعد السَّحابة السَّبلا
لو كنت ماءً عدّا جممت إذا ما نزل القوم لم تكن وشلا
قد علمت فارس وحمير والـ أعراب بالدست أيّكم نزلا
ليث لدى الحرب أو تدوخ له فسرًا وبذَّ الملوك ما فعلا
روى صاحب "الأغاني" بسنده إلى سماك بن حرب أن الأعشى قال: أتيت سلامة ذا فائش. وأطلت المقام ببابه، حتى وصلت إليه بعد مدة، وأنشدته هذه القصيدة، قال: صدقت! الشعر حيث ما جعل. وأمر لي بمائة من الإبل، وكساني حللًا، وأعطاني كرشًا مدبوغًا مملوءة عنبرًا، فبعتها بالحيرة بثلاثمائة ناقة حمراء.
وقوله: استأثر الله بالوفاء وبالعدل، أي: اختص بهما، وولاه: جعله واليًا. وروي "وأولى" وقوله: يومًا تراها كشبه إلخ، استشهد به أبو علي الفارسي على أنه يجوز للشاعر أن يأتي بمثل: هذا ضارب زيد اليوم، وغدًا عمرا؛ على قبحه في غير الشعر، للفصل بالظرف بين حرف العطف وما عطف به قال: لأن هذه الحروف تنزلت منزلة ما هو من نفس الحرف المعطوف بها، بدلالة قولهم: وهو وهي، وقد أقيم مقام العامل، فينبغي أن يكون أقل تصرفًا، والظروف التي أقيمت مقام الأفعال أقل تصرفًا. فأما قراءة من قرأ: (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق/ ١٢] فنصب مثلهن، فإنه أراد الفعل، فحذفه وهو يريده، كما حذف كلًا
[ ٢ / ١٦٤ ]
في قوله:
أكلَّ امرئ تحسبين امرًا ونار توقَّد بالليل نارا
قال ابن بري في شرح أبيات "الإيضاح": وهذا الذي منعه أبو علي فيه نظر، لأنه أمر لابد منه لأمثاله، ولا انفكاك لنظائره عنه، ألا ترى أنك تقول: أعطيت زيدًا درهمًا وعمرًا دينارًا، فقد عطفت اسمين على اسمين، ولابد أن يكون أحد الاسمين فاصلًا بين الواو وما عطف بها، لاسيما والفصل بالظرف أقرب إلى الجواز، لاتساعهم فيه، وقد جاء في شعر النابغة:
تطلِّقه حينًا وحينًا تراجع
انتهى. والكاف زائدة، وأردية جمع رداء، والعصب بمهملتين، كفلس: برد يصبغ غزله، ثم ينسج، ولا يثنى ولا يجمع، وإنما يقال: بردا عصب، وبرود عصب. ويجوز أن يجعل وصفًا فيقال: ضربت بردًا عصبًا، وقال السهيلي: العصب: صبغ لا ينبت إلا باليمن، كذا في "المصباح". وقال شارح شواهد أبي علي: العصب ضرب من برود اليمن يعصب غزله، أي: يدرج ثم يحاك، وهو في الأصل مصدر سمي به كما سمي المخلوق بالخلق. لأنه معصوب، أي: مشدود مدرج، شبه به الأرض إذا أخصبت، وبالأديم النغل إذا أجدبت، والنغل: بفتح النون وكسر الغين المعجمة: وصف من نغل الأديم نغلًا، من باب تعب: فسد فهو نغل – بالكسر – وقد يسكن للتخفيف، ومنه قيل لولد الزنية: نغل، لفساد نسبه، وجارية نغلة، كذلك، وقيل: زانية. ويثيبه: مضارع أثابه، أي: جزاه.
والهيكل: الفرس الطويل، والنهد: المرتفع، والوليدة: الجارية، ومطافل:
[ ٢ / ١٦٥ ]
جمع مطفل، كمحسن؛ وهي ذات الطفل من الإنس والوحش، وعطل بضمتين: واحد الأعطال، وهي من الخيل والإبل التي لا قلائد عليها، ولا أرسان لها، والتي لا سمة عليها.
وفؤاده: فاعل هشًا، من هش الرجل هشاشة: إذا تبسم وارتاح. والأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وهو من صفات السادة الكرام. والهزال بالضم: نقيض السمن، يريد: هزال أولاد الأمهات التي يهبها أو ينحرها. وقوله: ولا يخون إلاَّ بكسر الهمزة: مخفف "إلّ" بالتشديد، وهو العهد. والسبل بفتحتين: اسم من أسبلت السحابة، وهو المطر، والعد بالكسر: الماء الذي لا انقطاع له مثل ماء العين، وماء البئر. وقال أبو عبيد. العد بلغة تميم هو الكثير، وبلغة بكر بن وائل هو القليل، كذا في "المصباح" وجم الشيء جمًا: كثر، والوشل: الماء القليل. أراد: لو كنت من الماء عدًا جممت ولم تبرح، والدست بالسين المهملة: الأرض المستوية الصحراء، معرب دسَّت بالفارسية، بالمعجمة.
يقول: قد علمت الفرس وحمير والأعراب أيكم غلب على الصحراء ونزل بها، وأشار بهذا إلى الحرب التي كانت بين حمير والحبشة، وكان سيف بن ذي يزن الحميري قدم على كسرى، فاستمده على الحبشة، فبعث معه وهزر الفارسي.
وقوله: ليث لدى الحرب .. إلخ، أو: بمعنى إلى، وتدوخ: مضارع داخ، أي: ذل، وفاعله ضمير الملوك، والقسر: القهر، وبذَّهم غلبهم: وما: فاعل بذّ، والملوك تنازعه تدوخ وبذ، فالأول يطلبه فاعلًا، والثاني يطلبه مفعولًا، فأعمل الثاني، وأضمر في الأول.
والأعشى: اسمه ميمون، وكنيته: أبو بصير بن قيس بن جندل، وينتهي
[ ٢ / ١٦٦ ]
نسبه إلى بكر بن وائل، وكان أبوه قيس يدعى قتيل الجوع، وذلك أنه كان في جبل فدخل غارًا، فوقعت صخرة من الجبل، فسدت فم الغار فمات فيه جوعًا، وكان الأعشى من فحول شعراء الجاهلية، سلك في شعره كل مسلك، وقال في أكثر أعاريض العرب، وليس فيمن تقدم من فحول الشعراء أكثر شعرًا منه، قالوا: وكانت العرب لا تعد الشاعر فحلًا حتى يأتي ببعض الحكمة في شعره. وسئل ابن أبي حفصة: من أشعر العرب؟ قال: شيخا وائل: الأعشى في الجاهلية، والأخطل في الإسلام. وسئل يونس النحوي: من أشعر الناس؟ قال: لا أومئ إلى رجل بعينه، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا وهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.
وهو أول من سأل بشعره، وكانوا يسمونه صناجة العرب لجودة شعره، وقيل: لأنه أول من ذكر الصنج في شعره، وهو ممن أقر بالملكين الكاتبين في شعره، وقد كانت العرب ممن أقام على دين إسماعيل إذا حلفت تقول: وحق الملكين، وكان الأعشى ممن أقام على دين إسماعيل، والقوم بالأنبياء ﵈. قالوا: والأعشى ممن اعتزل وقال بالعدل في الجاهلية، من ذلك قوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعدل البيت
ومدح نبينا ﷺ، بقصيدة دالية، وقصده من اليمامة ليسلم، ولما كان بمكة صدَّه مشركوا قريش، فرجع، فلما كان بناحية اليمامة ألقاه بعيره فوقصه، ومات على كفره. وسيأتي شرح هذه القصيدة، وذكر صدهم إياه في حرف اللام إن شاء الله تعالى.
قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": وكان الأعشى يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسية في شعره. انتهى.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وعدد من اسمه الأعشى من الشعراء سبعة عشر، ذكرهم الآمدي في "المؤتلف والمختلف". والأعشى في اللغة، الذي لا يبصر بالليل، والضعيف البصر، وصار هذا الأعشى في آخر عمره أعمى، وكان له قائد يقوده.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد المائة:
(١٢٠) استقدر الله خيرًا وارضينَّ به فبينما العسر إذ دارت مياسير
على أن "إذ" للمفاجأة. وهذا البيت من مقطوعة لحريث بن جبلة العذري: أوردها أبو حاتم السجستاني في كتاب "المعمرين" قال: قالوا: عاش عبيد بن شرية الجمرهمي ثلاثمائة سنة، وقال بعضهم مائتين وعشرين سنة، إلا أنا نظن أنه عاشها في الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم، وقدم على معاوية، فبلغنا أن معاوية قال له: أخبرني كم أتى عليك؟ قال: مائتان وعشرون سنة. إلى أن قال: قال معاوية: فأخبرني عن أعجب شيء رأيته، قال: أعجب شيء رأيته أني نزلت بحي من قضاعة، فخرجوا بجنازة رجل من عذرة، يقال له: حريث بن جبلة، فخرجت معهم، حتى إذا واروه، انتبذت جانبًا عن القوم وعيناي تذرفان، ثم تمثلت شعرًا كنت رويته قبل ذلك:
يا قلب إنّك في أسماء مغرور أذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحبِّ ما تخفيه من أحدٍ حتى جرت بك أطلاقًا محاضير
[ ٢ / ١٦٨ ]
تبغي أمورًا فما تدري أعاجلها خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرًا وارضينَّ به فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط إذ صار في الرِّمس تعفوه الأعاصير
حتى كأن لم يكن إلاّ تذكُّره والدَّهر أيَّتما حال دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحيِّ مسرور
وذاك آخر عهد من أخيك إذا ما المرء ضمَّنه اللحد الخناسير
والخناسير: جمع خنسير، ويقال: الخناسرة، وهم الذين شيعوا الجنازة. فقال رجل إلى جانبي يستمع ما أقول: يا عبد الله من قائل هذه الأبيات؟ قلت: ما أدري، إلا أني قد رويتها منذ زمان. قال: قائله الذي دفناه، وإن هذا ذو قرابته، أسرُّ الناس بموته، وإنك الغريب الذي وصف تبكي عليهّ فعجبت لما ذكره في شعره والذي صار إليه في قوله، كأنه كان ينظر إلى موضع قبره! فقلت: "إن البلاء موكل بالمنطق". انتهى كلام السجستاني باختصار.
وأورد الحريري هذه الحكاية في كتاب "درة الغواص في أوهام الخواص" عن أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: روى بإسناده إلى هشام بن الكلبي، قال: عاش عبيد بن شرية الجرهمي ثلاثمائة سنة، فأسلم ودخل على معاوية بالشام وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت بدار قوم يدفنون ميتًا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر: يا قلب إنك من أسماء مغرور .. الأبيات المذكورة إلا البيت الأخير. قال: فقال لي رجل: تعرف من بقول هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: إن قائله هذا الذي
[ ٢ / ١٦٩ ]
دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي يبكي عليه ولست تعرفه! وهذا الذي خرج من قبره أمسُّ الناس رحمًا به، وأسرهم بموته! فقال له معاوية: لقد رأيت عجبًا، فمن الميت؟ قال: عثير بن لبيد العذري. انتهى.
وأورد أبو علي القالي في أواخر "أماليه" ستة أبيات منها عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي مبتورة، ولم يذكر حكايتها ولا حاكيها ولا قائلها.
وقوله: يا قلب إنك في أسماء، أي: حبها، وباح بالشيء: إذا أفشاه، وما: نافية، وأخفيته منه: سترته منه، ومن متعلقة بتخفيه، وحتى: غائية بمعنى إلى، وجرت بك، أي: بإفشائك الحب وبخبرك، والجري هنا: العدو، وأطلاقًا: ظرف، جمع طلق – بفتحتين – وهو الشوط، وقال ابن خلف وغيره: جمع طلق – بضمتين – وهي التي لا تُعقل ولا تُقيّد، وهذا غير مناسب هنا، والمحاضير: الخيل السراع، جمع محضير، مأخوذ من الحضر، بالضم، وهو شدة العدو، ومحاضير: فاعل جرت، يريد: إن حبك لأسماء قد شاع ووصل إلى البلدان والبقاع. وقوله: فاستقدر الله خيرًا، أي: اطلب منه تعالى أن يقدر لك خيرًا، والعسر: مبتدأ خبره محذوف، وهو موجود. ومياسير: فاعل دارت، أي: حدثت وحلت في موضع العسر، يقال لأحوال الدنيا المختلفة: هي تدور، لأن بعضها يأتي في إثر بعض، وهو جمع ميسور بمعنى اليسر.
وهذا البيت من شواهد سيبويه، أورده في باب من أبواب مباحث نون التوكيد، قال: اعلم أن الياء التي هي لام، والواو التي بمنزلتها، إذا حذفتها في الجزم، ثم ألحقت الخفيفة أو الثقيلة أخرجتها كما تخرجها إذا جئت بالألف للاثنين، لأن الحرف يبنى عليها كما يبنى على تلك الألف، وما قبلها مفتوح كما يفتح ما قبل الألف، وذلك قولك:
[ ٢ / ١٧٠ ]
ارمينَّ زيدًا، وأخشينَّ زيدًا، واغزون: قال الشاعر:
استقدر الله خيرًا البيت
وقوله: وبينما المرء إلخ، الأحياء: جمع حي، خلاف الميت، ويجوز أن يكون بمعنى القبيلة، والمغتبط: اسم فاعل من الاغتباط، وهو التبجح بالحال الحسنة، والرمس: القبر، ويعفوه: يدرسه ويمحو أثره، والضمير للرمس. والأعاصير: جمع عصار، وهي الريح التي تهب بشدة.
وهذا البيت والذي قبله أوردهما ابن جني في بحث الفاء من "سر الصناعة" على أن "إذ" و"إذا" فيهما بمنزلة الفاء الرابطة للجواب، فإنه قال بعد تقرير الفاء الرابطة: هذا كله يؤكد لك أن جواب الشرط سبيله أن يكون كلامًا لا يحسن الابتداء به، ولهذا أيضًا ما جاز أن يجازى بإذا التي للمفاجأة، نحو قوله تعالى: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم/ ٣٦] فقوله: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) في موضع قنطوا، وإنما جاز لإذا هذه أن يجاب بها الشرط، لما فيها من المعنى المطابق للجواب، وذلك أن معناها المفاجأة، ولابد هناك من عملين، كما لابد للشرط وجوابه من فعلين، حتى إذا صادفه ووافقه؛ كانت المفاجأة مسببة بينهما، حادثة عنهما، وذلك قولك: خرجت فإذا زيد، فتقدير إعرابه: خرجت فبالحضرة زيد، فإذا التي هي ظرف في معنى قولنا: بالحضرة زيد، فزيد: مرفوع بالابتداء، والظرف قبله خبر عنه، فهذا تقدير الإعراب. وأما تفسير المعنى فهو: خرجت ففاجأت زيدًا، وإن شئت: ففاجأني زيد، لأن فاعلت في أكثر أحوالها إنما تكون من اثنين، فلما ذكرت لك من حال إذا هذه، وأن معناها المفاجأة والموافقة، ووقوع الأمر مسببًا من غيره؛ ما جاز أن يجازى بها.
[ ٢ / ١٧١ ]
ويزيد حالها في ذلك وضوحًا ما أنشدناه أبو علي عن أبي بكر، عن أبي العباس، عن أبي عثمان، عن الأصمعي، عن أبي عمرو: أن شيخًا من أهل نجد أنشده:
استقدر الله خيرًا وارضينّ به إلى آخر البيتين
فهذا كقولك: بينما المرء في الأحياء مغتبط؛ عفته الأعاصير فوقوع الفعل في موضع إذا يؤكد عندك جواز وقوعًا جوابًا للشرط، لأن أصل الجواب أن يكون بالفعل، ليعادل به الفعل الذي قبله، إذ كان مسببًا عنه، والعلل بيننا والأسباب لا تتعلق بالجواهر، إنما تتعلق بالأعراض والأفعال، فلما كانت عبرة إذ في هذا البيت وفي غيره، ما يطول الكتاب بذكره، عبرة الفعل، فكذلك قوله تعالى: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) أيضًا عبرته: قنطوا؛ فافهم ذلك. انتهى كلام ابن جني.
وقوله: حتى كأن لم يكن إلا تذكره إلخ، قال ابن خلف: "يكن" من كان التامة، كأنه قال: حتى كأن الإنسان لم يوجد في الدنيا، ولم يحدث إلا تذكره، وفي يكن ضمير المرء. وكأن: يريد: كأنه، وأصل الكلام: حتى كأنه لم يكن إلا تذكره، ويكون تذكره بدلًا من الضمير في يكن، على طريق الاستثناء، وحذف الضمير من كأنه وخففه. ويجوز أن يكون "تذكره" رفعًا بيكن، ولا يكون فيه ضمير، يقول: إن الإنسان قصير العمر، وما مضى من عمره، إذا مات، كأنه لم يوجد. وأينما: حال نصب على الظرف من الزمان، والعامل فيه ما في دهارير من معنى الشدة، والدهر: مبتدأ، ودهارير: خبره، وهي الدواهي، كأنه قال: والدهر دهارير في كل
[ ٢ / ١٧٢ ]
حال. وحكي عن محمد بن يزيد: في واحد الدهارير "دهرور". وقال أبو الحسن: يجوز أن يكون واحده "دهرار" مثل: أسطار، واحد الأساطير. وقيل: واحد الدهارير: دهر، على غير قياس، كما قالوا: دكر ومذاكير، وسبه ومشابه، كأنهما جمع مذكار ومشبه. انتهى كلامه.
وهذا البيت أنشده سيبويه في "باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره" وقال: فإنما هو بمنزلة قولك: والدهر دهارير كل حين وكل مرة، أي: في كل حال، وفي كل مرة فانتصب لأنه ظرف، كما تقول: القتال كل مرة. انتهى.
قال الأعلم: الشاهد فيه نصب أيتما على الظرف، والعامل فيه الدهارير، وهي الدواهي، واحدها: دهور أو دهرار، ويقال: الدهارير أول الدهر، والمعنى: والدهر متجددًا أبدًا على ما عهد منه لا يبلى. ويقال: [الدهارير] جمع دهر على غير قياس. والمعنى على هذا: والدهر متقلب من حال إلى حال، ومتصرف بخير وشر، فكأنه قال: دهور، لاختلافه. وقبل هذا البيت:
وبينما المرء في الأحياء مغتبط البيت
روي أن الفرزدق شهد دفن رجل، فأنشد منشد هذا الشعر، فقال الفرزدق: ما تدرون من اقائل هذا الشعر؟ فقالوا: لا، فقال: الموضوع في حفرته. انتهى.
[ ٢ / ١٧٣ ]
ولقد أخطأ في نسبة هذه الحكاية إلى الفرزدق، وإنما حصل له اشتباه بحكاية أخرى للفرزدق مع الحسن البصري.
وقوله: وذو قرابته في الحي مسرور، قال الحريري في "درة الغواص": يقولون هو: قرابتي، والصواب أن يقال: هو ذو قرابتي، كما قال الشاعر، وأنشد هذا البيت، وأورد تلك الحكاية والأبيات بهذه المناسبة. وما أنكره صحيح فصيح، وقد ورد في حديث صحيح: "هل بقي أحد من قرابتها" قال ابن الأثير في "النهاية" أي: أقاربها، فسموا بالمصدر كالصحابة، وإطلاق المصدر على الوصف مطرد مقيس للمبالغة التي فيه. وفي "تهذيب اللغة" للأزهري: ويقال: فلان ذو قرابتي، وجائز أن تقول: فلان قرابتي بهذا المعنى. وفي "الأساس" للزمخشري: وهو قريبي وقرابتي، وهم أقربائي وقرابتي. والعجب من صاحب "القاموس" فإنه تبع الحريري، وقال: لا تقل: هو قرابتي.
وقوله: إذا ما المرء ضمنه إلخ، ما: زائدة، والمرء: هو الميت، واللحد: مفعول ثان لضمن، والخناسير: فاعل ضمن، وقد فسره أبو حاتم، وليس ما ذكره موجودًا في "التهذيب" للأزهري، وفي "القاموس".
وقائل الشعر جاهلي، واسمه في رواية أبي حاتم: حريث – مصغر حارث – ابن جبلة – بفتح الجيم والموحدة – العذري، نسبة إلى عذرة؛ قبيلة باليمن. وعلى رواية ابن الأنباري: اسمه عثير بن لبيد العذري، بكسر العين المهملة، وسكون
[ ٢ / ١٧٤ ]
المثلثة، وفتح المثناة التحتية. ولبيد: بفتح اللام وكسر الموحدة. وحكاها ابن خلف قال: الشعر لحريث بن جبلة، ويقال: عثير بن لبيد العذري.
وراوي الحكاية والأبيات: هو عبيد – بالتصغير – ابن شرية، بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، بعدها مثناة تحتية، كذا رأيته مضبوطًا فيهما بالقلم في نسخ متعددة صحيحة، لكن شيخنا الخفاجي قال فيما كتبه على "درة الغواص": شرية كعطية، ولا أدري من أين هذا الضبط، والصواب الأول، وهو منقول من اسم الحنظل، نقل الأزهري في "تهذيب اللغة" عن أبي عبيد عن الأصمعي أنه قال: الشري بفتح فسكون: الحنظل، والواحدة شرية، وهو منسوب إلى جرهم، قبيلة باليمن وعبيد بن شرية: صحابي أورده ابن حجر في "الإصابة" وعاش إلى مدة عبد الملك بن مروان.
ونظير حكاية الشعر ما ذكره ابن خلكان في "الوفيات" في ترجمة الشريف الرضي الموسوي، واسمه محمد، قال: ولقد أخبرني بعض الفضلاء في مجموع، أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي بسر من رأى، وهو لا يعرفها، وقد أخنى الزمان عليها، وذهبت بهجتها، وأخلقت ديباجتها، وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة، وحسن الإشارة، فوقف عليها متعجبًا من صروف الزمان، وتمثل بقول الشريف الرضي، رحمه الله تعالى:
ولقد وقفت على ربوعهم وطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضجَّ من لغب نضوي ولجَّ بعذلي الرَّكب
وتلفَّتت عيني فمذ خفيت عنَّي الطُّلول تلفَّت القلب
[ ٢ / ١٧٥ ]
فمر شخص سمعه وهو ينشد هذه الأبيات، فقال له: أتعرف هذه الأبيات لمن هي؟ فقال: لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الأبيات، وهو الشريف الرضي، فتعجبا من حسن الاتفاق. انتهى.
وفي معنى الشعر الشاهد قول الشريف الرضي أيضًا:
غيري أضلَّكم فلم أنا أناشد وسواي أفقدكم فلم أنا واجد
عجبًا لكم يأبى البكاء أقارب منكم ويشرق بالدّموع أباعد
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد المائة:
(١٢١) هل ترجعينَّ ليال قد مضين لنا والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
على أن الجملة المضاف إليها "إذ" قد حذف عجزها، التقدير: إذ ذاك كذلك، وهو أول أبيات ثلاثة أنشدها أبو زيد في "كتاب الهمز" وفي "النوادر" وقال في كتاب "الهمز": وأنشدني شيخ أعرابي من بني تميم لنفسه:
هل ترجعينَّ ليال قد مضين لنا والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
إذ نحن في غرَّة الدنيا وبهجتها والدار جامعة أزمان أزمانا
لمّا استمرَّ بها شيحان مبتجح بالبين عنك بما يرآك شنآنا
[ ٢ / ١٧٦ ]
وقال في "النوادر" بعد هذه الأبيات: الشيحان: الغيور، والمبتجح: المفتخر، والذي يعرف. انتهى. ومراد الشاعر من هذا الاستفهام عود لياليه الماضية، قال الدماميني: الأفنان: إما جمع فنن، وهو الغصن الملتف، أو جمع فن، وهو الحال والنوع، ونصبه على الحال من ليال، وإن كانت نكرة؛ لتخصصها، وعامل إذ "منقلب" واسم الإشارة يرجع إلى العيش باعتبار حاله. والثاني المحذوف المجرور بالكاف، يرجع إلى حال الأفنان، والجملة المقترنة بالواو حال من ضمير مضين، والمعنى: هل ترجع ليالينا، حال كونها مثل الأغصان الملتفة في نضارتها وحسنها، أو حال كونها ذات فنون من الحسن، وضروب شتى من اللذة؟ وهذه الليالي اللاتي مضين في حال أن عيشنا منقلب من طور إلى طور، إذ حال ذلك العيش مثل حال تلك الأغصان في الرونق والبهجة، أو مثل حال تلك الفنون المختلفة في الحسن. انتهى.
وكون أفنان حالًا من ليال بعيد، والقريب أن يكون حالًا من ضمير منقلب، وأقرب منه أن يكون خبرًا له، بناء على أنه من أخوات صار، وفي إرجاع الإشارتين لما ذكر، كما قال ابن الحنبلي؛ تعسف؛ قال: وإنما قيد العيش بقوله: "باعتبار حاله" ليتم له أمر التشبيه بين المشار إليه أولًا، والمشار إليه ثانيًا مع أنه لا يتم، ولهذا اضطر آخرًا إلى تشبيه حاله بحالها، قال: وجعل اسم الإشارة الأول لنفس العيش، وهو للمتوسط للتفخيم. والثاني لنفس الأفنان، وإن كانت جمعًا، وهو للمفرد بتأويل المذكور، مرادًا بها الليالي، أو ما شبهت به أحسن، ووجه الشبه حسن الحال فيهما. وأحسن منه أن يكون اسم الإشارة المذكور لانقلاب العيش ذي الأفنان، والمقدر للانقلاب الثابت لليالي الماضية، إذ كانت أنواعًا مختلفة. انتهى.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وقوله: إذ نحن إلخ، هو بدل من قوله: إذ ذاك، والغرة بكسر الغين المعجمة: الغفلة عن الشر، وفعل قبيح، والبهجة: الحسن والرونق واللطافة. وجملة: "والدار جامعة": حال من الضمير المستقر في الظرف، وأزمان: اسم امرأة مفعول الجامعة، وهو غير منصرف، وفيه معطوف محذوف، أي: جامعة أزمان وإياي، وأزمانا: ظرف لجامعة.
وقوله: لما استمر بها، أي: بالدار، وشيحان، بالشين المعجمة والحاء المهملة: الغيور السيئ الخلق، والمبتجح روي بالرفع، صفة شيحان، وبالنصب: حال منه، اسم فاعل من ابتجح بالشيء: افتعل، قال الأزهري في "التهذيب": فلان يتبجح بفلان، ويتمجح، بالميم بدل الباء: إذا كان يهذي به إعجابًا، وقال اللحياني، أي: يفتخر ويباهي به. انتهى. وقول أبي زيد في تفسيره: "والذي يعرف" لم أره في "التهذيب" و"القاموس" وغيرهما، وكلامه حجة. والباء متعلقة بمبتجح. والبين: البعد، وعن: متعلقة به، قال أبو حاتم: الكاف في الموضعين خطاب لمذكر، والباء في "بما" سببية، وما: مصدرية، وروى الأزهري هذا البيت في مادة "شيحان" عن المفضل:
بالبين عنك بها يرآك شنآنا
بضمير الغائبة العائدة إلى أزمان، فيكون "بها" الأولى كذلك لأزمان، ويكون يرآك جواب لمَّا على الشذوذ، لأنه مضارع. وشنآن، بسكون النون: البغض، وكذلك بفتح النون، وفيه مضاف محذوف، أي: يراك رؤية بغض. ونقل الأزهري عن الفراء أنه قال في قوله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) [المائدة/ ٢ و٨]، قال أبو عبيدة: يقال: الشنآن، بتحريك النون والهمزة،
[ ٢ / ١٧٨ ]
والشنآن، بإسكان النون: البغضة. وروى سلمة عن الفراء: من قرأ شنآن قوم - بالتحريك - فمعناه: بغض قوم، ومن قرأ بسكون النون، فهو اسم، ومعناه: لا يحملنكم بغيض قوم. انتهى. فيكون على هذا وصفًا كعطشان وغضبان، فيكون التقدير هنا: يراك رؤية مبغض. ويرآك هنا جاء على الأصل، على زنة يرعاك، قال أبو زيد في كتاب "الهمز": وعامة كلام العرب في يرى، ونرى، وترى، وأرى، ونحوه على التخفيف، وبعضهم يحققه، وهو قليل في كلام العرب، كقولك: زيد يرآى وأيًا حسنًا، نحو يرعى رعيًا حسنًا، قال سراقة البارقي:
أري عينيَّ ما لم ترأياه كلانا عالم بالتُّرَّهات
وقال الأعلم بن جرادة السعدي؛ أدرك الإسلام:
ألم تر ما لاقيت والدَّهر أعصر ومن يتملَّ العيش يرء ويسمع
ثم أنشد هذه الأبيات التي شرحناها.
وأنشد بعده للأخطل، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد المائة:
(١٢٢) كانت منازل ألَّاف عهدتهم إذ نحن إذ ذاك دون النَّاس إخوانا
على أن خبر المبتدأين بعد "إذ" في الموضعين محذوف، تقديره: إذ نحن متألفون، إذ ذاك كائن.
[ ٢ / ١٧٩ ]
والكلام على هذا البيت أصله لأبي علي، قال في كتاب "الشعر": لا يجوز أن يكون إذ ذاك خبر نحن، كما لا يجوز: زيد أمس، ولكن "إذ" الأولى ظرف لعهدتهم، كأنه قال: عهدتهم إخوانًا، إذ نحن متآخون، أو متألفون إذ ذاك، أي: إذ ذاك كائن. ويحتمل أن يكون "دون الناس" متعلقًا بالخبر المضمر، ويحتمل أن يكون: إخوانًا دون الناس، فإذا قدم الصفة، صار نصبًا على الحال، انتهى كلامه.
وأخذه ابن الشجري كالمصنف، فقال في المجلس الثلاثين من "أماليه" تعريب بيت للأخطل: "كانت منازل ألاف": خبر المبتدأين اللذين هما: نحن وذاك؛ محذوفان، أراد: عهدتهم إخوانًا إذ نحن متألفون أو متأخرون، يدل على التقدير الأول ذكر الألاف، وعلى الثاني ذكر الإخوان. وأراد: إذ ذاك كائن، ولا يجوز أن يكون "إذ ذاك" خبر نحن، لأن ظروف الزمان لا يصح الإخبار بها عن الأعيان، فلو قلت: زيد أمس؛ لم يحصل بذلك فائدة، و"إذ" الأولى ظرف لعدتهم. وأما الثانية، فيعمل فيها الخبر المقدر الذي هو: متألفون، أو متآخون. وأما قوله: دون الناس، فيحتمل أن يكون العامل فيه: عهدتهم، ويحتمل أن تعلقه بالخبر المضمر، كأنك قلت: متألفون دون الناس، ويجوز أن تعلقه بمحذوف غير الخبر المقدر، على أن يكون في الأصل صفة لإخوان، كأنه قال: عهدتهم إخوانًا دون الناس، أي: متصافين دون الناس، فلما قدم على الموصوف صار حالًا، وجاز أن تجعله وصفًا لعين، وحالًا منه، لأنه ظرف مكاني. فإن قيل: إلام توجهت الإشارة بذاك؟ فالجواب: إلى التجاور الذي دل عليه ذكر المنازل. انتهى كلامه.
وقال أبو حيان في "تذكرته": أنشد أبو علي:
[ ٢ / ١٨٠ ]
بينا كذاك رأيتني متعلِّقًا بالبرد فوق جلالة سرداح
الكاف: زائدة، وذاك: مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: بينا ذاك شأني. انتهى. ومنازل بالنصب: خبر كان، واسمها ضمير الديار.
والبيت نسبه أبو علي وغيره للأخطل، وقد فتشت ديوانه من رواية السكري فلم أجده، ولعله ثابت في ديوانه من رواية أخرى، والله تعالى أعلم.
وترجمة الأخطل تقدمت في الإنشاد السابع والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد المائة:
(١٢٣) لميَّة موحشًا طلل
تمامه:
يلوح كأنَّه خلل
على أن موحشًا حال من طلل، وكان في الأصل صفة لطلل، فلما قدم عليه، صار حالًا منه. وأورده سيبويه في "باب ما ينتصب، لأنه يقبح أن يوصف بما بعده، أو يبنى على ما قبله" وذلك قولك: هذا قائمًا رجل [وفيها قائمًا رجل]؛ لما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم، وقبح أن تقول: فيها قائم؛ فتضع الصفة موضع الاسم، كما قبح: مررت بقائم، وأتاني قائم؛ جعلت القائم حالًا، وكان المبني على الكلام الأول ما بعده. ولو حسن أن تقول: فيها قائم؛ لجاز: فيها قائم رجل، لا على الصفة، ولكنه [كأنه] لما قال: فيها
[ ٢ / ١٨١ ]
قائم؛ قيل له: من هو، وما هو؟ فقال: رجل، أو عبد الله، وقد يجوز على ضعفه. وحمل هذا النصب على جواز: فيها رجل قائمًا، وصار حين أِّخر وجه الكلام فرارًا من القبح، ثم أنشد هذا البيت لكثير مع بيتين. وقال: وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام. انتهى. قال السيرافي: جملة هذا الباب: أن يكون اسم منكور له صفة تجري عليه، ويجوز نصب صفته على الحال، والعامل في الحال شيء متقدم لذلك المنكور، ثم تتقدم صفة ذلك المنكور عليه، لضرورة عرضت لشاعر إلى تقديم تلك الصفة، فيكون الاختيار في لفظ تلك الصفة أن تحمل على الحال، مثال ذلك: هذا رجل قائم، وفي الدار رجل قائم؛ هذا: مبتدأ، ورجل: خبره، وقائم: نعت رجل، وفي الدار: خبر مقدم، ورجل: مبتدأ، وقائم: نعت رجل. ويجوز نصب قائم في المسألتين جميعًا؛ أما في الأول، فالعامل فيه التنبيه، أو الإشارة، وأما في الثاني، فالعامل فيه الظرف، والاختيار الصفة، والأصل في بيت كثير: لعزة طلل قديم موحش، على الصفة، وكان يجوز: موحشًا، على الحال، والعامل فيه لعزة، فلما قدمت نصبته على الحال. وقوله: هذا كلام أكثر ما يكون في الشعر إلخ، يعني: أن طلب وزن الشاعر ربما اضطر الشاعر إلى تقديم، فيحوج إلى تقديم الصفة التي ذكرنا على الموصوف. انتهى باختصار. وظاهره: أن النكرة صاحب الحال.
قال ابن الحاجب في "أماليه": يجوز أن يكون "موحشًا" حالًا من الضمير في لغزة، فجعل الحال من المعرفة، أولى من جعلها من النكرة متقدمة
[ ٢ / ١٨٢ ]
عليها، لأن هذا هو الكثير الشائع، وذاك قليل، فكان أولى. انتهى. وقال السخاوي في "سفر السعادة": قال النحاة: انتصب موحشًا على الحال من طلل، والعامل: الجار والمجرور. وهذا كلام فيه نظر، لأن الجار والمجرور إما أن يقال فيه ما قال سيبويه، أو ما قال الأخفش. وإن قلنا بقول الأخفش، فارتفاع [طلل] على أنه فاعل، والرافع له الجار والمجرور، فيكون العامل في الحال هو العامل في ذيها، والذي ينبغي أن يقال: العامل في الحال الجار والمجرور، وصاحب الحال الضمير الذي في الجار والمجرور. انتهى.
[ ٢ / ١٨٣ ]
وقد وقع هذا المصراع في نسخة من "كتاب سيبويه" كما أنشده المصنف، وهي نسخة الأعلم، قال: وتمام البيت:
يلوح كأنه خلل
أي: تلوح آثاره، وتتبين تبين الوشي في خلل السيوف، وهي أغشية الأغماد، واحدتها: خلة. انتهى. وهو بكسر الخاء المعجمة في المفرد والجمع، قال الجوهري: الخلة بالكسر: خلل السيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف، منقوشة بالذهب وغيره. انتهى. وصحفه الدماميني بالجيم المفتوحة، وقال: والجلل: من الأضداد، يطلق على العظيم وعلى الحقير، والمراد هنا الثاني، وهذا كما ترى لا معنى لتشبيه الطلل بالحقي، والطلل بفتحتين: ما شخص من آثار الدار، كالجدار الصغير والأثفية ونحوهما، والرسم: ما لا شخص له من أثر الدار. ويلوح: يلمع، والموحش: القفر الذي لا أنيس به.
ووقع في نسخة أخرى من "كتاب سيبويه":
لعزَّة موحشًا طلل قديم
وهي نسخة السيرافي، وتمامه:
عفاه كلُّ أسحم مستديم
وفي النسختين منسوب إلى كثير. وأنشده الرضي:
لميَّة موحشًا طلل قديم
ومية: اسم امرأة كان يهواها ذو الرمة، وعزة. اسم امرأة كان يحبها
[ ٢ / ١٨٤ ]
كثير، وبها اشتهر، ولا يبعد أنه كنى بمية عن عزة، تمويهًا وتصنعًا. وعفاه: غير آثاره ودرسه، والأسحم: الأسود، والمراد به هنا السحاب، لأنه إذا كان ذا ماء يرى أسود لامتلائه. والمستديم: صفة كل، وهو السحاب الممطر مطر الديمة، والديمة: مطرة أقلها ثلث النهار وثلث الليل.
وترجمة كثير عزة تقدمت في الإنشاد التاسع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد المائة:
(١٢٤) كأن لم يكونوا حمىً يتَّقى إذ النَّاس إذ ذاك من عزَّ برَّا
على أن "إذ" الأولى متعلقة بيكونوا، أو بحمى، أو بيتقي. والثانية: متعلقة ببز، وذاك: مبتدأ خبره محذوف، تقديره كائن.
وإعراب هذا البيت جميعه من كلام أبي علي، قال في كتاب "الإيضاح الشعري": قولها: إذ ذاك، لا يجوز أن يكون خبرًا للناس، لأنك لا تقول: الناس أمس، ولكن التقدير: إذ الناس من عزّ منهم بز إذ ذاك، فيرجع الذكر الذي تقدره محذوفًا إلى الناس، مثل: السمن منوان بدرهم، ويكون قوله: إذ ذك متعلقًا ببز، ومن بمعنى الذي، ولا يكون بمعنى الجزاء لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله عندهم. ومن أجاز من البغداديين أن يعمل جزاء الشرط فيما تقدمه؛ جاز على قياس قوله أن يكون من شرطًا، وبز جوابه، وإذ منتصب الموضع به. وقوله: "إذ ذاك" ذاك: مرتفع بالابتداء، وخبره محذوف، لأن إذ لا تضاف إلا إلى جملة، والتقدير: إذ ذاك كائن أو موجود. انتهى كلامه.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وزاد في "التذكرة القصرية": ويجوز أن تكون "إذ" الأولى متعلقة بحمى أو بيتقى، ويريد: بذاك الحمى المتقى.
وقال في نسخة أخرى منها: لا تتعلق إذ الثانية بمحذوف بعد الناس، لأن ظرف الزمان لا يتضمن الجثة، ولا بما من عزّ بزَّ، لأن الشرط لا يعمل فيما قبله، وإذا كان كذلك؛ كان متعلقًا بما يدل عليه قوله: من عزَّ بزَّا، كأنه قال: إذ الناس إذ ذاك يتغالبون ونحوه، ولا يجوز أن تكون بدلًا من إذ الأولى، لأن الجملة المضافة إليها إذ الأولى لم تتم، فإن قلت: فأضمر للناس خبرًا كأنه مغالبون، وأبدلها من الأولى، وأضمر لذاك خبرًا أيضًا؛ قلت: ما ذكرت غير ممتنع. انتهى.
وأخذه ابن الشجري أيضًا: فقال في المجلس الثاني والثلاثين من "أماليه": من في البيت بمعنى الذي، وموضعها مع عزَّ رفع بالابتداء، وبزَّ: خبرها، والجملة التي هي المبتدأ وخبره: خبر عن المبتدأ الأول الذي هو الناس، والعائد إلى الناس محذوف، كما حذفوه من قولهم: السمن منوان بدرهم، يريدون: منوان منه، وكذلك التقدير: من عزَّ بزَّ منهم، ولا يجوز أن يكون "إذ ذاك" خبرًا عن الناس، لما ذكرته لك من امتناع الإخبار بظروف الزمان عن الأشخاص. وإذا بطل أن يكون "إذ ذاك" خبرًا عن الناس؛ بقي أن يتعلق بـ "بز"، ولا يجوز أن تكون من شرطية، لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله بإجماع البصريين، كما لا يتقدم على الاستفهام ما يكون في حيزه. وأجاز قوم من البغداديين أن يعمل جواب الشرط فيما تقدم عليه، لمفارقته الاستفهام بكونه خبرًا، فعلى قوم هؤلاء يحتمل "من" أن تكون شرطًا، فأما ذاك فموضعه رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: ذاك كائن أو موجود، ولا يجوز أن يكون موضع ذاك على انفراده خفضًا، لأن "إذ" لا تضاف إلا إلى جملة، فموضع الجملة التي هي ذاك وخبره جر. انتهى كلامه.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وقولهم: جملة "من عزَّ بزَّ" خبر للناس بتقدير العائد؛ خدشه ابن الحنبلي بأن قولها: من عزَّ بزَّ، مثل سائر، واللائق أن يكون محكيًا، وأن لا يكون خبرًا عن الناس بتقدير: من عز منهم، بل بتقدير: مقول في حقهم: من عزَّ بز، كما قال أبو الدرداء: "وجدت الناس اخبر تقله" ويروى: "اخبرهم تقله" أي: تبغض، والهاء للسكت، ولو كانت ضميرًا لقيل: تقلهم، فإن تقديره: مقولًا في حقهم كذا، وإن اشتهر أن تقدير القول فيه، لأن الجملة الواقعة مفعولًا ثانيًا لوجدت غير خبرية، لا لكونها مثلًا محكيًا. انتهى.
والبيت من قصيدة للخنساء، قال جامع ديوانها الأخفش: وقالت تبكي إخوتها وزوجها:
تعرَّقني الدهر نهسًا وحزَّا وأوجعني الدّهر قرعًا وغمزا
وافنى رجالي فبادروا معًا فغودر قلبي بهم مستفزّا
لذكر الذين هم في الهيا ج للمستضيف إذا خاف عزَّا
وهم في القديم سراة الأديم والكائنون من الخوف حرزا
وكانوا سراة بني مالك وزين العشيرة فخرا وعزَّا
كأن لم يكونوا حمىً يتَّقى إذ النَّاس إذ ذاك من عزَّ بزَّا
هم منعوا جارهم واللُّجا ة يحفز أجوافها الموت حفزا
غداة لقوهم بملومة رداح تغادر للأرض ركزا
ببيض الصِّفاح وسمر الرِّماح فبالبيض ضربا وبالسُّمر وخزا
وخيل تكدَّس بالدَّارعين تحت العجاجة يجمزن جمزا
[ ٢ / ١٨٧ ]
جززنا نواصي فرسانها وكانت تظنُّ بأن لا تجزَّا
ومن ظنَّ مَّمن يلاقي الحرو ب بأن لا يصاب فقد ظنَّ عجزا
نضيف ونعرف حقَّ القرى ونتِّخذ الحمد والمجد كنزا
ونلبس في الحرب نسج الحديد وفي الحيِّ نلبس خزّا وقزَّا
وقد أورد المبرد هذه القصيدة في آخر باب اختصار الخطب، والتحميد والمواعظ، من آخر "الكامل" وذكر شيئًا كثيرًا من مراثيها لأخويها معاوية وصخر، وذكر سبب قتلهما. وأورد هذه القصيدة ابن الشحري أيضًا في المجلس المذكور من "أماليه" وشرحها. ونحن نورد هنا ما يتعلق بها من كلام شارح ديوانها الأخفش، ومن كلام ابن الشجري وغيرهما تكميلًا للفائدة. قال ابن الشجري: العرق بالفتح: العظم بما عليه من اللحم وجمعه عراق – بالضم – يقال: عرقت العظم وتعرقته؛ إذا أخذت ما عليه من اللحم، ويقال للعظم الذي أخذ لحمه: العراق أيضًا، والنهس بالسين المهملة: القبض على اللحم بالأسنان ونتره، ومثله النهش بالمعجمة. والحزُّ: قطع غير نافذ، ومثله القرض، ويكون نافذًا لقولهم: حزَّة من بطيخ: وحزة من كبد، والقرع: مصدر قرعته بالعصا وبالسيف، والغمز: غمزك الشيء اللين بيدك كالتين ونحوه. وأرادت: أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها. وانتصاب نهسًا وحزًا بتقدير: نهسني نهسًا، وحزني حزًا، وإضمار ناصب المصدر المأخوذ من لفظه [كثير] الاستعمال كقولهم: ما أنت إلا نومًا، ويجوز أن يكون انتصابها على الحال، ووقوع المصدر في موضع اسم الفاعل، وموضع اسم المفعول حالًا مما اتسع استعماله. ويجوز أن يكون بنزع الخافض، أي: تعرقني بنهس وحز، ويجوز على التمييز؛ لأن التعرق لما
[ ٢ / ١٨٨ ]
احتمل أكثر من وجه، فجاز أن يكون بالنهس وبالحز، أو الكشط أو غير ذلك؛ ذكر كل واحد منهما تبيينًا، ويحتمل الأوجه الأربعة قرعًا وغمزًا. وكررت الدهر فلم تضمره تعظيمًا للأمر. وقولها:
فأفنى رجالي فبادوا معًا البيت
يأتي شرحه إن شاء الله تعالى، في بحث "مع" وقولها: لذكر الذين: اللام متعلقة بمستقر، قال الأخفش: الهياج: القتال، والمستضيف: المستغيث، يقال: أضافه أمر كذا؛ إذا أشفق منه، والمضوفة: الشديدة التي يشفق منها. والعزُّ: الغلبة، يقال: عزّه أمر كذا؛ إذا غلبه، يعزُّه. وهذا البيت انفرد بروايته الأخفش. وقولها: وهم في القديم سراة الأديم؛ قال ابن الشجري: سراة الشيء: ظاهره، وقال الأخفش: سراة كل شيء: أعلاه. والحرز: الحصن، ويروي: "وهم في القديم صحاح الأديم" أي: هم صحيح نسبهم، ليس مخلوطًا، وهو ذوو منعة لمن استجار بهم. انتهى.
وقولها: وكانوا سراة بني مالك، هذا البيت ساقط من رواية الأخفش، قال ابن الشجري: سراة القوم، سادتهم ذوو السخاء والمروءة، واحدهم سري، وانتصاب فخرًا وعزًا على التمييز، والعامل زين.
وقولها: كأن لم يكونوا حمى إلخ، قال ابن الشجري: الحمى: نقيض المباح، وعز ههنا معناه: غلب، وبز، معناه: سلب، تقول: بززت الرجل إذا سلبته سلاحه، ويقال للسلاح المسلوب: هذا بز فلان. انتهى. وقال الأخفش: الحمى: الشيء الممنوع، وزعمت أنهم كانوا حمى يتقيه الناس، ولا يدنون منه لعزهم. من عز بز، أي: من غلب سلب. انتهى. وفي "المقصور والممدود" لأبي علي القالي: الحمى: مقصور يكتب بالياء، وهو الموضع الذي
[ ٢ / ١٨٩ ]
يمنع منه أن يقرب، يقال: جعل فلان أرضه حمى: إذا منعها من أن تقرب، ويقال: حماها يحميها، إذا منع منها من أن تقرب، وأحماها يحميها إحماء؛ إذا جعلها حمى لا تقرب. وللعرب حميان معروفان: حمى الرّبذة، وحمى ضريّة. انتهى.
وقال أبو طالب: المفضل بن سلمة الضبي في كتاب "الفاخر": قولهم: من عزَّ بزَّ، قال الأصمعي: يقال: عزه يعزه؛ إذا غلبه. يعني: من باب نصر، وبز: سلب، يقال: بززته ثيابه، أي: سلبته، فمعنى الكلام: من غلب سلب، قالت الخنساء:
كأن لم يكونوا حمىً يتقى البيت
والبزة: الثياب والسلاح، ومنه قولهم: فلان حسن البزة، أي: حسن اللباس والثياب وأول من قال: من عز بز، رجل من طي، يقال له: جابر بن رألان، أحد بن ثعل، وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن ماء السماء يوم يركب فيه، فلا يلقى أحدًا إلا قتله، فلقي في ذلك جابرًا وصاحبيه، فأخذتهم الخيل بالثويَّية، فأتي بهم المنذر، فقال: اقترعوا، فأيكم قرع خلَّيت سبيله، وقتلت الباقين، فاقترعوا، فقرعهم جابر، فخلى سبيله وقتل صاحبيه، فلما رآها يقادان ليقتلا قال: من عز بز، وقال في ذلك شعرًا تركناه.
وقولها: هم منعوا جارهم إلخ، قال الأخفش: اللجاة: الذين يلجؤون إليهم. ويحفز: يدفع، حفزًا: دفعًا. انتهى. ورواه المبرد وابن الشجري كذا:
وهم منعوا جارهم والنساء يحفز أحشاؤها الخوف حفزا
روي برفع أحشاء، ونصب الخوف، وبالعكس.
وقولها: غداة لقوهم بملومة إلى آخر البيتين، وهما ساقطان من رواية
[ ٢ / ١٩٠ ]
الأخفش، قال ابن الشجري: بملومة، أي: بكتيبة ملومة، وهي التي كثر عددها، واجتمع فيها المقنب إلى المقنب. والرداج: الكثيرة الفرسان، وامرأة رداح: قيلة الأوراك. والركز: الصوت الخفي، وجمعها بين الصفاح والرماح، كجمعها بين القديم والإديم في حسن الترصيع، يقال لكل سيف عريض: صفيحة، وقياس جمعها صفائح. وأما وصفهم الرماح بالسمرة، إذا بالغوا في مدحها؛ فإن القنا إذا بقي في منابته حتى يسمر، دل ذلك على نضجه وشدته. انتهى كلامه. والباء متعلقة بحال من المضمر في "تغادر" أي: تغادر الملومة للأرض ركزًا ملتبسة ببيض الصفاح. والباء من قولها: فبالبيض، متعلقة بالفعل الناصب للمصدر، أي: فيضربون بالبيض ضربًا. وكذلك: وبالسمر وخزًا، تقديره: ويخزون بالسمر وخزًا. والوخز: الطعن بالرمح وغيره، ولا يكون نافذًا.
وقولها: وخيل تكدس.، إلخ، الواو: واو رب، وتكدس، مضارع أصله تتكدس، قال ابن النجري: التكدس: مشي الفرس مثقلًا، والجمز من السير: أشد من العنق، ومنه قيل للبعير: جماز. انتهى. وقال الأخفش: تكدس: تدفع بعضها بعضًا، والدارعين: فرسانها الذين لبسوا الدروع، والعجاجة: غبار الحرب، والجمز: فوق المشي ودون الوثب. انتهى.
وقولها: جززنا نواصي إلخ، قال الأخفش: كانوا إذا أسروا أسيرًا منَّ ملوك العرب وساداتهم؛ جزوا ناصيته وجعلوها في كنائنهم يفتخرون بها، فيقول الرجل: عندي ناصية فلان، وإذا رؤي الأسير مجزوز الناصية، علم أنه قد من عليه. انتهى. ولم يكتب فيه ابن الشجري شيئًا.
وقولها: ومن ظن ممن إلخ، قال ابن الشجري: الباء في قولها: بأن لا يصاب: زائدة، ويجوز في يصاب الرفع على أن تكون "أن" مخففة من الثقيلة، والنصب على أن تكون المصدرية التي وضعت خفيفة. انتهى كلام ابن
[ ٢ / ١٩١ ]
الشجري، وحذفنا منه ما لا تعلق له بكلامها. وقولها: فقد ظن عجزًا، قال ابن الدهان في "الغرة" وهو شرح "اللمع" لابن جني: وفيه وجهان، أحدهما: أن عجزًا صفة مصدر محذوف، أي: ظنًا عجزًا، والثاني: أن يكون حالًا، أي: فقد ظن عاجزًا.
وقولها: نضيف ونعرف حق القرى، رواه المبرد وابن الشجري:
نعفُّ ونعرف حقّ القرى ونتَّخذ الحمد ذخرًا وكنزا
قال الأخفش: القرى: الإطعام، وأصله الجمع، يقال: قد قرى الماء في حوضه. وقولها: ونلبس في الحرب إلخ، هذا البيت ساقط من رواية ابن الشجري، ورواه المبرد كذا:
ونلبس طورًا ثياب الوغى ونلس طورًا بياضا وبزَّا
والخنساء: هي بنت عمرو بن الثَّريد: وينتهي نسبها إلى سليم، واسمها تماضر. والخنساء: مؤنث الأخنس، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه، مع ارتفاع قليل في الأرنبة، ويقال لها: خناس أيضًا، بضم الخاء. وهي صحابية، رضي الله تعالى عنها، قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، مع قومها بني سليم، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يعجبه شعرها، ويستنشدها ويقول:
[ ٢ / ١٩٢ ]
"هيه يا خناس" واتفق أهل العلم بالشعر أنه لم يكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها.
وقيل لجرير: من أشعر الناس؟ فقال: أنا، لولا الخنساء! قيل: بم فضلتك؟ قال بقولها:
إنَّ الزمان وما يفنى له عجب أبقى لنا ذنبًا واستؤصل الرَّاس
إنَّ الجديدين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفسد النَّاس
وقد بسطنا ترجمتها في الشاهد السبعين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد المائة:
(١٢٥) نحن الألى فاجمع جمو عك ثمَّ جهِّزهم إلينا
على أن صلة الموصول محذوفة، تقديرها: نحن الألى عرفوا، وقدرها بعضهم: عرفتهم، فحذفت الصلة لادعاء شهرتها. قال ابن الشجري في المجلس الخامس من "أماليه" بيت للسيد الرضي، من قصيدة مدح بها الطائع:
قد كان جدُّك عصمة العرب الأُّلى فاليوم أنت لهم من الإعدام
قوله: الألى، يحتمل وجهين:
[ ٢ / ١٩٣ ]
أحدهما: أن يكون اسمًا ناقصًا بمعنى: الذين، أراد: الذين سلفوا، فحذف الصلة للعلم بها، كما حذفها عبيد بن الأبرص في قوله:
نحن الألى فاجمع جمو عك ثمّ وجِّههم إلينا
أراد: نحن الألى عرفتهم.
والوجه الثاني: أن يكون أراد: الأولى، فحذف الواو التي هي عين "الفعلى" كما حذفها الأسود بن يعفر في قوله:
واتبعت أخراهم طريق ألاهم كما قيل نجم قد خوى متتابع
قيل: إنه أراد: هجوت آخرهم كما هجوت أولهم، أي: ألحقت آخرهم بأولهم في الهجاء، ويدلك على أنه أراد ذلك أمران، أحدهما: معادلتها لأخراهم، ومثله قول أمية بن أبي الصلت.
وقد علمنا لو أنَّ العلم ينفعنا أن سوف تلحق أخرانا بأولانا
ومثله في التنزيل: (قَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ) [الأعراف/ ٣٩] والثاني: أنها لا تخلو من أن يكون المراد بها ما ذكرته، أو تكون ألى المبهمة التي في قول الأعشى:
[ ٢ / ١٩٤ ]
هاؤلى ثمّ هاؤلى كلاّ أعطيت نعالًا محذوَّةً بنعال
أو تكون التي بمعنى الذين، كقول بشر بن أبي خازم:
ونحن ألى ضربنا رأس حجر بأسياف مهنَّدة رقاق
فلا يجوز أن تكون المبهمة، ولا الموصولة، لأن تينك لا تضافان، فثبت أن المراد بها أولاهم، وإنما استجازوا مثل هذا الحذف في المعتل الأصلي تشبيهًا له بالزائد. انتهى باختصار. وكذا قال في المجلس الثاني والستين.
وقال أبو علي في "كتاب الشعر": "ألى": اسم موصول بمنزلة اللائي، والألف اللام زائدة، فإن جعلتها غير زائدة لم يستقم، لأنه يلزم من ذلك أن يجتمع في الاسم تعريفان، أحدهما: من جهة الألف واللام، والآخر: من اتصال الصلة بها، ويدل على زيادتها سقوطها فيما سقط منه من قول بشر:
ونحن ألى ضربنا رأس حجر البيت
انتهى. والبيت من قصيدة لعبيد بن الأبرص الأسدي، قال الأصبهاني في "الأغاني": لما قتل بنو أسد حجر بن الحارث، أبا امرئ القيس، اجتمعوا إلى امرئ القيس، فعرضوا عليه الصلح بأن يعطوه ألف بعير دية أبيه، أو يقيدوه بأي رجل شاء من بني أسد، أو يمهلهم حولًا. فقال أما الدية؛ فما ظننتكم تعرضونها على مثلي! وأما القود؛ فلو قيد لي ألف رجل من بني أسد ما رضيتم، ولا رأيتهم أكفاء لأبي! وأما النَّظرة؛ فلكم، وستعرفونني في فرسان قحطان أحكّم فيكم ظبا السيوف،
[ ٢ / ١٩٥ ]
وشبا الأسنة، حتى أشفي نفسي، وأنال ثأري، فقال عبيد بن الأبرص في ذلك:
ياذا المخوِّفنا بقتل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنّك قد قتلت سراتنا كذبًا ومينا
هلاَّ على حجر بن أمِّ قطام تبكي لا علينا
إنَّا إذا عضَّ الثِّقا ف برأس صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا
هلا سألت جموع كندة يوم ولَّوا أين أينا
نحن الألى فاجمع جمو عك ثمّ وجِّههم إلينا
واعلم بأنَّ جيادنا آلين لا يقضين دينا
ولقد أبحنا ما حميت ولا مبيح لما حمينا
لا يبلغ الباني ولو رفع الدَّعائم ما بنينا
كم من رئيس قد قتلناه ومن ضيم أبينا
ولربَّ سيِّد معشر ضخم الدَّسيعة قد رمينا
عقبانه بظلال عقبان تيمِّمم ما نوينا
حتى تركنا شلوه جزر السِّباع وقد مضينا
[ ٢ / ١٩٦ ]
وأوانس مثل الدُّمى حور العيون قد استبينا
إنَّا لعمرك ما يضا م حليفنا أبدا لدينا
قوله: ياذا المخوفنا، استشهد به على إضافة الوصف المقرون بأل إلى الضمير، وإذلالًا: مفعول ثان، وهو مصدر: أذله الله، والحين، بالفتح: الهلاك، والمين: الكذب، وحجر، بضم الحاء المهملة وسكون الجيم: هو أبو امرئ القيس، نسبه إلى أمه، ولم ينسبه إلى أبيه تحقيرًا له. والثقاف، بكسر المثلة، ما يسوى به الرماح، والصعدة: بالفتح: القناة المستوية، تنبث كذلك لا تحتاج إلى تثقيف، وقيل: الرمح القصير، ولوينا: من لواه، ثناه وأماله، ومفعوله محذوف، وهو ضمير الثقاف، والحقيقة: ما يحق على الرجل أن يحميه، كالأهل والولد والجار. قال الجوهري: هذا الشيء بين بين، أي: بين الجيد والرديء، وأنشد هذا البيت، وقال: أي: يتساقط ضعيفًا غير معتد به، وألف "بين" الثاني إشباع، وبنيا لتضمنهما لواو العطف.
واستشهد به المصنف في شرح "الشذور" على تركيب الظرف وبنائه. وكندة: قبيلة امرئ القيس، من قبائل اليمن، والبواتر: جمع باتر، وهو السيف القاطع، وآلين: بمعنى حلفن من الألية، وهي اليمين، والدسيعة: العطية الجزيلة، والعقبان: جمع عقاب، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": العقاب: العلم الضخم، واللواء الذي يعقد للولاة، شبه بالعقاب الطائر والشلو بالكسر: العضو، وجزر السباع بفتحتين: مأكلة السباع. وأوانس جمع آنسة طيبة الأنس، والدمى جمع دمية: الصورة المنقوشة. استباه: كسباه سبيًا.
وعبيد بن الأبرص: بفتح العين وكسر الموحدة، ينتهي نسبه إلى أسد بن
[ ٢ / ١٩٧ ]
خزيمة، وهو من فحول شعراء الجاهلية، وجعله ابن سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقرن به طرفة وعلقمة بن عبدة، قال أبو حاتم السجستاني في كتاب "المعمرين" عاش عبيد مائتي سنة وعشرين سنة، ويقال: بل ثلاثمائة سنة وقال ابن قتيبة: عاش أكثر من ثلاثمائة، قال محمد بن حبيب في كتاب "من قتل من الشعراء": ومنهم عبيد بن الأبرص الأسدي وكان المنذر ابن امرئ القيس اللخمي له يوم بؤس ويوم نعيم، وكان يقتل أول من رأى في يوم بؤسه، فرآه في يوم بؤسه، فقتله. وقد بسطنا ترجمته في شرح الشاهد السادس عشر بعد المائة من شواهد الرضى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد المائة:
(١٢٦) نهيتك عن طلابك أمَّ عمرو بعاقبة وأنت إذ صحيح
على أن الأخفش قال: الأصل "حينئذ" فحذف حين المضاف، وبقي الجر، وقد سها السيوطي فقال: البيت استشهد به الأخفش على أن "إذ" معربة لعدم إضافة زمان إليها، وقد كسرت. وأجيب بأن الأصل: وأنت حينئذ، ثم حذف المضاف وبقي الجر. انتهى. قال ابن جني في "سر الصناعة": من وجوه التنوين أن يلحق عوضًا من الإضافة نحو: يومئذ، وليتئذ، وساعتئذ، وحينئذ، وكذلك قول
[ ٢ / ١٩٨ ]
الشاعر: "وأنت إذ صحيح" وإنما أصل هذا أن يكون، "إذ" مضافة إلى الجملة، نحو: جئتك إذ زيد أمير، وقمت إذ قام زيد، فلما اقتطع المضاف إليه [إذ] عوض منه التنوين، فدخل وهو ساكن على الذال وهي ساكنة، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين [فقيل: يومئذ]، وليست الكسرة كسرة إعراب، وإن كانت إذ في موضع جر بإضافة ما قبلها إليها [وإنما الكسرة فيها لسكونها وسكون التنوين بعدها] ويدل على أن الكسرة في ذال "إذ" إنما هي لالتقاء الساكنين قول الشاعر: "وأنت إذ صحيح" ألا ترى أن "إذ" ليس قبلها شيء.
فأما قول أبي الحسن: إنه جر إذ لأنه أراد قبلها حين، ثم حذفها وبقي الجر؛ فساقط، ألا ترى أن الجماعة قد اجتمعت على أن إذ، وكم، ومن، من الأسماء المبنية على الوقف.
وقد قال أبو الحسن نفسه في بعض التعاليق عنه في حاشية "الكتاب": بعد "كم" و"إذ" من التمكن أن الإعراب لم يدخلها قط، فهذا تصريح منه ببناء "إذ" وهو اللائق به والأشبه باعتقاده، وذلك القول الذي حكيناه عن شيء قاله في كتابه الموسوم بـ"معاني القرآن" وإنما هو شبيه بالسهو منه، على أن أبا علي قد اعتذر له منه بما يكاد يكون عذرًا.
قلت: أورد هذا العذر في آخر إعراب "الحماسة" قال: سألت أبا علي عن قوله: "وأنت إذ صحيح" فقتل: قد قال أبو الحسن أنه أراد: حينئذ؛ فهذا تفسير المعنى أم تقدير الإعراب على أن تكون إذ مجرورة بجين المرادة المحذوفة؟ فقال: لا، بل إنما فسر المعنى، ولا يريد أن إذ مجرورة بجين المرادة، والذي قاله أبو علي أجرى على مقاييس مذاهب أصحابنا، غير أن كلام أبي الحسن ظاهره هناك أنه يريد ما عدل عنه أبو علي.
[ ٢ / ١٩٩ ]
ثم رجعنا إلى بقية كلام ابن جني في "سر الصناعة". قال ويؤيد ما ذكرته من بناء "إذ" أنها إذا أضيفت مبنية. نحو قوله تعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) [غافر/ ٧١] (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) [البقرة/ ١٢٧] فإذ في هذا ونحوه مضافة إلى الجمل [بعدها]، وموضعها نصب، وهي كما ترى مبنية، فإذا كانت في حال إضافتها إلى الجمل مبنية، من حيث كانت الإضافة إلى الجمل كلا إضافة لأن من حق الإضافة أن تقع على الأفراد، فهي إذ لم تضف في اللفظ أصلًا أجدر باستحقاق البناء، ويزيدك وضوحًا قراءة الكسائي (مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ) [المعارج/ ١١] فبنى "يوم" على الفتح لما اضافه إلى مبنى غير متمكن. انتهى المقصود منه.
واعلم أنه قد روي أيضًا: "وأنت إذًا صحيح" فتكون إذًا الجوابية والجزائية، قال المرزوقي في "شرح الهذليين": رواه الباهلي "وأنت، إذًا صحيح" وتكون إذًا للحال، كأنه يحكي ما كان، والمراد: وأنت في تلك الحال صحيح. انتهى. وقال ابن جني عند قول الحماسي:
فإنَّك إن ترى عرصات جمل بعاقبة فأنت إذًا سعيد
[ ٢ / ٢٠٠ ]
قال سيبويه: إن إذًا جواب وجزاء، وإذا كان كذلك ففي الفاء مع ما بعدها الجزاء، فما معنى "إذًا" فإن ذلك عندي لتوكيد الجزاء، كما أن الياء في قوله:
والدَّهر بالإنسان دوَّاريُّ
لتوكيد الصفة. انتهى. وعند الرضي التنوين اللاحق لـ"إذًا" عوض عن الجملة المضافة أيضًا. قال: ويكون الأصل: إذ نهيتك، كما قاله في قوله تعالى (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء/ ٢٠] وقد بسطنا الكلام بأكثر من هذا في شرح الشاهد الثالث والتسعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
وهذه فائدة في ضبط الكلمات التي تضاف إلى "إذ" قد وجد بخط صاحب "القاموس" أنه كتب: لا يضاف إلى إذ من الظروف في كلام العرب غير سبعة ألفاظ، وهي: يومئذ، وحينئذ، وساعتئذ، وليتئذ، وغداتئذ، وعشيتئذ، وعاقبتئذ. انتهى.
قيل: مقتضاه أنه لا يقال: وقتئذ ولا شهرئذ، ولاسنتئذ، أقول: وقد ورد أوانئذ في شعر الداخل بن حرام الهذلي. قال:
دلفت لها أوانئذ بسهم حليف لم تخوَّنه الشروج
والدليف: سير فيه إبطاء، وحليف: حديد، وتخونه: تنقصه، والشروج: الشقوق والصدوع.
[ ٢ / ٢٠١ ]
والبيت الشاهد من مقطوعة تسعة أبيات لأبي ذؤيب الهذلي أولها.
جمالك أيُّها القلب القريح ستلقى من تحبُّ فتستريح
نهيتك عن طلابك أمَّ عمرو بعاقبة وأنت إذ صحيح
وقلت تجنَّبن سخط ابن عمِّ ومطلب شلَّة وهي الطَّروح
قال الإمام المرزوقي في شرحه: يجوز أن يكون المراد: الزم جمالك الذي عرف منك وعهد فيما تدفع إليه وتمتحن به، أي صبرك المألوف المشهور، ويجوز أن يكون المعنى: تصبر وافعل ما يكون حسنًا بك، والمصادر يؤمر بها توسعًا مضافة ومفردة، وهذا الكلام بعث على ملازمته الحسنى، وتحضيض ووعد بالنجاح في العقبى وتقريب.
وقوله: نهيتك عن طلابك إلخ. يذكر قلبه بما كان من وعظه له في ابتداء الأمر، وزجره من قبل استحكام الحب، فيقول: دفعتك، عن طلب هذه المرأة بعاقبة، أي: بآخر ما وصيتك به، وهذا كما تقول لمن تعتب عليه فيما لم يقبله: كان آخر كلامي معك تحذيرك ما تقاسيه الساعة، ولست تريد أن تلك الوصاة كانت مؤخرة عن غيرها، ومردفة سواها، مما هو أهم منها، ولكنك تنبه على أن الكلام كان مقصورًا عليها أولًا وآخرًا.
ويجوز أن يكون المعنى: نهيتك عن طلبها بذكري ما يفضي أمرك إليه، وتدور عاقبتك عليه، وأنت بعد سليم تقدر على التملُّس منها، وتملك أمرك وشأنك في حبها، وكأنه كان رأى لتلك الحالة عواقب مذمومة، تحصل على واحدة على طريق البدل من صاحبها، وكان ذكرها كلها، فلذلك نكر العاقبة.
ويجوز أن يريد: نهيتك بعقب ما طلبتها، أي: كما طلبتها زجرتك عن قريب، لأن مبادئ الأمور تكون ضعيفة، فيسهل فيها كثير مما يصعب من بعد، وهذا أقرب الوجوه في نفسي، والعرب تقول: تغير فلان بعاقبة، أي: عن قريب بعقب ما عهد عليه قبل. انتهى.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
فظهر من هذا أن "عاقبة" بالقاف والموحدة، وكذا هي في رواية أبي بكر القاري، شارح "أشعار الهذليين" قبل الإمام المرزوقي، وهي عندي بخطه، وعليها خطوط علماء العربية منهم أحمد بن فارس صاحب "المجمل" في اللغة، وفسرها القاري بقوله: آخر الشأن. والباء على المعاني الثلاث متعلقة بنهيتك، وجملة: "وأنت صحيح" حال من الكاف في نهيتك.
وصحفها الدماميني في "الحاشية الهندية" بالفاء والمثناة التحتية، وجعل الباء متعلقة بمحذوف على أنه حال من إحدى الكافين كالجملة الاسمية، وجوّز أيضًا أن تكون الباء متعلقة بنهيتك، وقال: أي: نهيتك عن حال عافية، والاسمية حال من التاء.
أول: لا يصح كونها حالًا من التاء، لأنها صفة للمخاطب لا للمتكلم.
وقوله: وقلت تجنبن إلخ، قال المرزوقي: روي لنا عن الدريدي عن أبي يزيد وعن الزيادي: "شلّة" بضم الشيم، قال: وكذا قرأته بخط ذي الرمة، وكذا رواه الباهلي أيضًا. وروي "شلة" بفتح الشين، وهما جميعًا من الشل: الطرد، كأنه يعدد ما كان يحذره منه، ويعرّفه أن نتائجه كان عالمًا بها، فلها ما كان ينفره، والمعنى: أن طلبك لها يجلب عليك مراغمة أبناء عمك، ويسوقك إلى التعب فيما يبعد عنك، ولا يجدي عليك. والطروح: البعيدة، وروى بعضهم: "ونوح طروح" أي: تطرح أهلها في أقاصي الأرض، وكأنه أراد: ونوى طروح ذاك، لأن القوافي مرفوعة. انتهى كلامه. وترجمة
[ ٢ / ٢٠٣ ]
أبي ذؤيب تقدمت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد المائة:
(١٢٧) أمن ازديارك في الدُّجى الرُّقباء إذ حيث كنت من الظَّلام ضياء
على أن "إذ" فيه تحتمل الظرفية والتعليلية. وشرح هذا البيت جميعه من "أمالي ابن الحاجب".
وقوله: وفي متعلقة به لا بأمن إلخ، قال ابن الحاجب: وفي الدجى: متعلق بازديارك لا بأمن، لأنه لو تعلق بأمن لكان المعنى تقييد الأمن بزمان الظلام، وهم آمنون في كل وقت من زيارتها في الظلام، وإذا تعلق بازديارك قيد الزيارة المأمونة بأنها في الظلام، وهو المقصود، ولا يقال: إنه يفهم منه أن زيارتها في غير الظلام غير مأمونة، فإنه يجاب عنه أن ذلك كالمعلوم من باب الأولى. انتهى.
وقوله: أن تزوري في الدجى، أشار إلى أن ازديارك مصدر مضاف إلى فاعله، وكان أوضح منه للمراد لو قال: أن تزوريني، كما قال لواحدي، وفيه رد على ابن الحاجب في فهمه أنه مصدر مضاف إلى مفعوله، فإنه قال: معناه أن الرقباء حكموا بانتفاء ما يخافونه من حصول زيارتك في الدجى، لما اشتملت عليه من النور الذي يظهر زوارك لو زاروك، فهم يمتنعون من زيارتك لذلك، كما يمتنعون من زيارتك في النهار، فأمنوا لذلك. انتهى.
وقوله: "وإذ" إما تعليل، أي: لقوله: أمن، وهذا هو الظاهر عند ابن
[ ٢ / ٢٠٤ ]
الحاجب. وقوله: أو ظرف مبدل من محل "في الدجى"، لأن موضع الجار والمجرور النصب على الظرفية، ولم يجعله بدلًا من الدجى والمجرور، لأن "إذ" من الظروف غير المتصرفة. واقتصر الواحدي على التعليل، وهو الظاهر.
وقوله: وضياء: مبتدأ خبره حيث وأجاز ابن الحاجب العكس أيضًا، قال: ويجوز أن يكون حيث مبتدأ، وضياء: خبره، أي: إذ المكان الذي تحلين فيه ضياء، أو على تأويل: ذو ضياء. انتهى. وكلا الوجهين مبني عى تصرف حيث، وهو خروجها من الظرفية إلى الفاعلية والمفعولية ونحوهما، وقد خرجت إلى المفعولية في قوله تعالى: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام/ ١٢٤] وعند ابن مالك تصرفها نادر. وصحح أبو حيان عدم تصرفها، وهو مذهب الواحدي، ولهذا جعل ضياء مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره عنده، حيث كنت من الظلام ضياء هناك. وقوله: لتقدم خبرها عليها؛ هذا المسوّغ هو المشهور عند النحويين، وقد أنكره في الباب الرابع في مسوغات الابتداء بالنكرة، ذكره في المسوغ الرابع.
وقوله: ومن للبدل متعلقة بمحذوف إلخ، قال في بحث "من": وأنكر قوم مجيء من للبدل فقالوا: التقدير: أرضيتم بالحياة الدنيا بدلًا من الآخرة فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف، وأما هي فللابتداء، انتهى.
وجوز ابن الحاجب وجوهًا أخر، قال: ومن الظلام، يجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف متعلق بحيث لبيان الجنس، أي: إذا المواضع التي تحلين فيها التي هي مواضع الظلام، فيقدر حذف مضاف، أو يجعل الظلام كأنه للموضع، أو تجعل الأمكنة كأنها ظلام. ومثل
[ ٢ / ٢٠٥ ]
هذا الجار متعلقة صفة لما هو بيان له، أي: إذ الأمكنة التي تحلين بها الحاصلة من موضع الظلام. ويجوز أن يكون متعلقًا بكنت، لأنها كانت التامة، أي: إذ حيث حللت من مواضع الظلام ضياء. ويجوز أن يكون من الظلام على تقدير أن يكون "إذ" بدلًا من قوله: في الدجى، لبيان إذ، أي: في الزمان الذي هو الظلام الذي حيث حللت فيه ضياء. هذا كلامه، ولا يخفى تكلفه ونعسفه.
ونعم ما فعل المصنف من اقتصاره على معنى البدلية كالواحدي، والمقدار الذي أخذه من كلام ابن الحاجب في شرح البيت أصله من كلام الواحدي. قال الواحدي: ولم يفسر أحد من إعراب هذا البيت ما فسرت، وكان هذا البيت بكرًا إلى هذا الوقت، والمعنى: أنها لكونها نورًا وضياء لا تخرج ليلًا، لأن الرقباء يشعرون بخروجها حين يرون الظلام ضياء. انتهى.
قال أبو اليمن الكندي في شرحه: تكلم الناس في إعراب هذا البيت كثيرًا، وأصح ما قيل فيه كلام الواحدي. وروي المصراع الثاني كذا أيضًا:
إذ حيث أنت من الظلام ضياء
وبها صدر الواحدي شرحه، قال: يقول: أمن رقباؤك أن تزوريني ليلًا إذ حيث أنت ضياء بدلًا من الظلام، يعني في الليل. وأنت: مبتدأ، وضياء: خبره، وهما جملة أضيفت حيث إليها، و"من" ههنا للبدل، لأن الضياء لا يكون من جنس الظلام، ويروى: "إذ حيث كنت" وعلى هذا ضياء مبتدأ، وخبره
[ ٢ / ٢٠٦ ]
محذوف، على تقدير: حيث كنت من الظلام ضياء هناك، وكان لا يحتاج إلى خبر، لأنه في معنى حصلت ووقعت، وإذ: ظرف لأمن، يقول: أمنوا إذ أنت حيث كنت بهذه الصفة، ولم يفسر أحد من إعراب هذا البيت، ما نقلناه منه. وتقدمت ترجمة المتنبي في الإنشاد التاسع.
[إذا]
وأنشد في "إذا" وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد المائة:
(١٢٨) والنَّفس راغبة إذا رغَّبتها وإذا تردُّ إلى قليل تقنع
على أن إذا الظرفية تدخل على الماضي والمضارع كما في البيت، وليس المراد بدخولها عليهما إضافتها إلى جملتها، كما قاله السيوطي لما يأتي في كلام المصنف في مسألة ناصب إذا، من الفصل الثاني. وإذا الأولى شرطية بدليل إذا الثانية، فيكون جوابها محذوفًا يدل عليه ما قبلها وجملة إذا الثانية معطوفة على خبر المبتدأ وهو راغبة، والمعطوف على الخبر خبر، ولا يجوز أن تكون معطوفة على جملة إذا الأولى لفساد المعنى.
والبيت من قصيدة طويلة لأبي ذؤيب الهذلي، مذكورة في أول أشعار الهذليين وفي آخر المفضليات، رثى بها أولاده، وكان له خمسة بنين هاجروا إلى مصر فهلكوا في عام واحد بالطاعون، قاله الإمام المرزوقي في شرحه، وابن الأنباري في "شرح المفضليات" وهذا مطلع القصيدة:
أمن المنون وريبها تتوَّجع والدّهر ليس بمعتب من يجزع
[ ٢ / ٢٠٧ ]
قالت أميمة ما لجسمك شاحبًا منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع
أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا إلا أقضَّ عليك ذاك المضجع
فأجبتها أمَّا لجسمي أنَّه أودى بنيَّ من البلاد فودَّعوا
أودى بنيَّ وأعقبوني حسرةً بعد الرُّقاد وعبرةً ما ترجع
فالعين بعدهم كأنَّ حداقها سملت بشوك فهي عور تدمع
سبقوا هوىَّ وأعنقوا لهواهم فتخرِّموا ولكلِّ جنب مصرع
فغبرت بعدهم بعيش ناصب وإخال أنِي لاحق متتبِّع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم فإذا المنيَّة أقبلت لا تدفع
وإذا المنيَّة أنشبت أظفارها ألفيت كلَّ تميمة لا تنفع
حتَّى كأنِّي للحوادث مروة بصفا المشرَّق كلَّ يوم تقرع
وتجلُّدي للشَّامتين أريهم أنِّي لريب الدّهر لا أتضعضع
والنفس راغبة إذا رغَّبتها وإذا تردُّ إلى قليل تقنع
كم من جميع الشَّمل ملتئم الهوى كانوا بعيش ناعم فتصدَّعوا
قوله: أمن المنون إلخ، قال الإمام المرزوقي: الهمزة للاستفهام الإنكاري. يخاطب نفسه ويقول: أتتوجع من المنون، والدهر كذا! والمعنى: لا تتوجع منه فذلك غير نافع مع الدهر. والمنون: قد يراد به الدهر، فإذا أريد به ذلك فالرواية "وريبه" لأنه حينئذ مذكر، وكأنه فعول من المنِّ: القطع، ومنه: حبل منين، أي: مقطوع وقد يراد به المنية أيضًا، وحينئذ يؤنث، فيروى: "وريبها" وقد يخبر
[ ٢ / ٢٠٨ ]
عنها بضمير الجمع، لأنه يقصد بها إلى أنواع المنايا، قال عدي:
من رأيت المنون عرَّين أم من ذا عليه من أن يضام خفير
فإن قيل: وجه الكلام أن يقال: والمنون ليس بمعتب، قلت: إن أريد بالمنون الدهر، فإنما اختلف اللفظان والمعنى واحد، وإن أريد المنية، فإنه لما كانت الأحداث كلها كانوا ينسبونها إلى الدهر، والمنية بعضها، فكأنها من مسببات الدهر وأفعاله، وإذا كان كذلك فالدهر إذًا يجب أن يرجع ويكف من فعله لا غيره. والإعتاب: الرجوع، وريبها: نزولها. وحكي عن أبي عبيدة: راب عليه الدهر، أي: نزل، ويجوز أن يكون مصدر رابني الشيء، والمراد به حدثان الدهر وصروفه الرائبة. انتهى. وقال ابن الأنباري في شرحه: المنون: الدهر، سمي منونًا لأنه يبلي ويضعف، ويذهب بمنَّة الأشياء، والمنة: القوة والضعف أيضًا. والمنون أيضًا تكون المنية، وتكون واحدًا وجمعًا. وقوله: والدهر ليس بمعتب، أي: ليس الدهر بمراجع من جزع منه بما يجب، والعتبى: المراجعة، ومنه قولهم: لك العتبى، أي: الرجوع إلى ما تحب، ومنه قولهم: أعتب فلان فلانًا. انتهى.
وقوله: قالت أميمة البيت، قال المرزوقي: قال أبو نصر: أرى أن أميمة امرأته، استنكرت شحوب لونه، وهزال بدنه، متصورة أن ذلك لتوليه أسباب بنفسه، وتبذله في إصلاح ضيعته، وإمساكه عن بذل المال مع اتساعه، لاستعانة من يعتنق أموره دونه، ويكفيه مهمّه، ألا ترى أنها قالت: ما لجسمك يشحب، ومثل مالك ينفع!؟: كان يجب أن لا يكون ذلك مع هذه الحال، وأن أبا ذؤيب أبطل ما تصورته، وبين العلة فيما أنكرته بقوله: فأجبتها أما ،
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وانتصاب شاحبًا على الحال، مما دلَّ عليه: ما لجسمك، كأنه قال: لم حصلت شاحبًا. وروى الأصمعي بدله "سائيًا" أي: يسوء من أبصره. وقوله: منذ ابتذلت، أي: منذ أصبت بولدك، فامتهنت نفسك لذهاب من كان يكفيك، وتركت التصون والتودع، وباشرت السفر والتعب، والمعنى: كيف صرت كذلك، وفي مالك ما يمكن معه اشتراء الخدم، والاعتماد على من ينوب عنك في الاعمال والتصرف. انتهى.
وقوله: أم ما لجنبك البيت، أم: منقطعة، كأنها استأنفت السؤال عن سهره، وإقضاض المضجع لديه بعد السؤال عن حاله في نفسه، والشحوب البادي عليه، فإن قيل: المضجع من حكمه أن لا يوافق الجنب، فلم جعله مفعولًا، وجعل الجنب فاعلًا؟ قلت: إنه لما كان في خروج المضجع عن موافقة الجنب مخالفة. الجنب أيضًا للمضجع؛ جاز أن يجعل الفعل لما أريد منهما. ويقال: قض المضجع، وأقض: إذا خشن، وصار فيه مثل القضض، وهي الحصى الصغار، والقضيض: الكبار. ومعنى البيت: بل أي شيء لجنبك لا يستوفق مضجعًا إلا صار فيه مثل القضض، حتى نبا عنه وسهرت له. انتهى.
وقوله: فأجبتها أما لجسمي البيت، قال المرزوقي: يجوز أن يكون أصل أمَّا: أن ما، فأدغم، وأن تكون مخففة من الثقيلة. وما بمعنى الذي، ولجسمي صلته. وقوله: أنه أودى، إن جعلت أن عاملة على ما دخله من الحذف، لأن الفعل قد يعمل مع تسلط الحذف عليه، نحو: لم يك زيد منطلقًا، ولأن "أن" إنما أعمل في الأصل مثقلة، لمشابهته للفعل، فنقول: حمله مخففة عليه سائغ أيضًا؛ كان موضعه رفعًا بخبر أن، والتقدير: أجبتها بأن الذي بجسمي، أنه أودى بنيَّ؛ إيداء بني، لأن أن مع ما بعده في تقدير المصدر. والمعنى: تأثير إيداء بني وهلاكهم، لأن ما كان بجسمه من الهزال وسوء الحال لم يكن الإيداء، وإنما كان أثره ومسببه، ويكون موضع أن الأولى نصبًا بأجبتها، أي: أجبتها بهذا. وإن جعلت أن غير عاملة، كما في قوله:
[ ٢ / ٢١٠ ]
أن هالك كلُّ من يحفى وينتعل
يكون "ما لجسمي" في موضع الابتداء، و"أنه أودى بني" في موضع الخبر، والتقدير: أجبتها بأن الأمر والحديث الذي لجسمي إيداء بني وتودعيهم. ويجوز أن يكون أما تفصيلًا لخبر مجمل، وجوابًا، ويكون لجسمي متناولًا من كلام السائلة، وقد رد عليها ما قالت بلفظها، كقولك: قال لي فلان: ما لك؟ فقلت: ما لي أنني هذه حالي، ويكون أنه في موضع الابتداء، فإن قيل: حصل السؤال عن شيئين، لابد فيه من العطف عليه وتكرير أما، وأبو ذؤيب لم يكرر أما؛ قلت: إن السؤال وإن كان صورته شيئين: الجسم والجنب؛ فإن طريق جوابه طريق واحد، لوروده ما هو سؤال عن أمر واحد، ولما كان السبب في كل واحد بما سألت عنه هو والسبب الذي في الآخر، اكتفى بالجواب عن أحدهما.
وقوله: من البلاد، أي: من أهل البلاد. وقوله: فودعوا، يجوز أن يكون من ودعت، مخففًا، أي: تركت، وتضعيف العين للتكثير، ويجوز أن يكون من الوداع، وحينئذ يثقل لا غير، وإن كان المعنى يرجع إلى الترك أيضًا، ويكون على وجهين:
أحدهما: ما تعارفه الناس من أن اليائس من نفسه في علته أو نكبته يودع الأهل والمعارف، حضروا أو غابوا، توجعًا من حاله، أو يأسًا من سلامته، فيقول: كان ذلك آخر عهدهم.
والثاني: أن يكون كناية عن الموت. انتهى.
وقوله: أودى بني البيت، قال المرزوقي: يقول: ماتوا، وجعلوا عقباي حسرة لا تنقطع، ودمعة لا ترقا. وقوله: بعد الرقاد، أي: بعد وقت الرقاد، أي: ليلًا، والمعنى: أسهر وأتحسر بعد وقت النوم، وطول الليل.
[ ٢ / ٢١١ ]
ويجوز أن يريد: بعد نوم الناس، وخص الليل بالذكر، وإن كان لم يخل مما مني به فيهم في النهار أيضًا، لأن الليل أجمع للهمّ، ولأن الإنسان في نهاره يشتغل عن البثّ بما يعرض ويتفق في أمره، وبالليل لا يخلو إلا بفكره. وقوله: لا ترجع، أي: لا تكفُّ عن السيلان. وروي: "وزفرة لا تقلع" ويعني به امتداد تنفس الصعداء، وقلة انقطاعه. انتهى.
واستشهد المصنف بهذا البيت في "الأوضح" على قلب واو الجمع ياء، وإدغامها في ياء المتكلم.
وقوله: فالعين بعدهم البيت، قال المرزوقي: ذكر عينًا، وأراد العينين، ومتى اجتمع شيئان في أمر لا يفترقان، اجتزئ بذكر أحدهما عن الآخر. وقوله: كأن حداقها، إنما جمع لأنه لما كان المراد بالعين العينين، ولكل واحدة حدقة، حصل اثنتان، فأجرى على عادتهم في استعارة الجمع له. وقيل: جمع على حد قولهم: رجل ضخم المناكب، كأنهم أرادوا الشيء بما حوله. وقوله: سملت، قال أبو عبيدة: سمرت عينه وسملتها؛ إذا فقأتها بحديدة محماة، أو غيرها، وإن فقأتها بيدك لم يكن سملًا. وقوله: فهي عور، مردود على الحداق، أي: كأنها مسمولة، فهي عور دامعة، ومعنى عور: فاسدة ذاهبة. انتهى.
واستشهد بهذا البيت أبو علي في "الإيضاح" على أن المعرف بلام الجنس قد يعامل معاملة الجمع، فلذا قال: كأن حداقها، وقال: عور. وقال الزجاج: جعل كل قطعة منها حدقة، كما يقال: بعير ذو عثانين، وإنما له عثنون. وقوله: عور، مردود على الحداق، ورده أبو علي بأن كل خصلة تكون عثنونًا، وليس كل جزء من الحدقة حدقة.
وقوله: سبقوا هوي البيت. قال المرزوقي: هويّ: لغتهم في هواي، كأنهم لما كان ياء الإضافة ينكسر له الحرف الذي قبله، وكانت الألف لا تتحرك فتكسر؛ أبدلوا منها الياء، وأدغموها في ياء الإضافة، والمعنى: ماتوا قبلي،
[ ٢ / ٢١٢ ]
فلم يلبثوا لهواي، وكنت أحب أن أسبقهم بالموت فيبقوا بعدي، وإنما كنى عن موتهم بهواهم، لما كان في مقابلة قوله: هوي، فرام المطابقة بين اللفظين، كما قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة/ ١٩٤] فسمي جزاء الاعتداء اعتداء.
وأعنقوا: أسرعوا، ويجوز أن يكون المعنى: كنت أهوى أن أتقدمهم، لئلا أرى سوءًا فيهم، وهووا لبرِّهم بي ومحبتهم لي، أن لا يقاسوا فقدي، فتركوا هواي في بقائهم، وسارعوا لهواهم في التفادي من يوم موتي. ومعنى: تخرِّموا: أخذوا واحدًا بعد واحد.
وقال بعضهم: إنما قال: أعنقوا لهواهم، لأنهم أرادوا الهجرة والجهاد، فهاجروا إلى مصر وكان هواه أن يقيموا معه. وعلى هذا التفسير يكون معنى قوله: ولكل جنب مصرع، أي: موضع يصرع فيه فيموت، كما يقال: لكل إنسان تربة. وعلى ما تقدم؛ يجوز هذا، ويجوز أن يكون المصرع مصدرًا والمعنى: كل إنسان يموت، ويكون هذا الكلام بعد قوله: فتخرموا، تأسيًا وتسلّيًا. انتهى.
واستشهد النحويون بهذا البيت على قلب ألف المقصور ياء عند الإضافة إلى ياء المتكلم في لغة هذيل.
وقوله: فغبرت بعدهم البيت. أي: بقيت بعدهم بعيش ذي نصب، وأظن أن الغم قد تناهى، وقد استتبعت في اللحوق بهم. وأول البيت تألم، وآخره إظهار يأس. ويأتي شرحه إن شاء الله تعالى مستوفى في بحث "اللام".
وقوله: ولقد حرصت: البيت. قال المرزوقي: يقول على طريق التفجع: ولقد كان مني حرص بسبب المدافعة عنهم، ففاجأت المنية مقبلة غير مدفوعة، فإذا للمفاجأة،
[ ٢ / ٢١٣ ]
وجملة "لا تدفع": حال، ويجوز أن يكون المعنى: حرصت على مدافعة كل شيء، دونهم، فإذا أقبل القدر المحتوم، فإنه لا يغالب. فإذا: شرطية، والمنية: فاعل فعل مضمر يفسره أقبلت، ولا يدفع: جواب إذا، كأنه أراد: ولقد حرصت للمدافعة، فاستسلمت للموت. انتهى.
وقوله: وإذا المنية، قال المرزوقي: هذا البيت على ما بدأنا به في تفسير البيت الأول يترتب، وبهما يتم الكلام، ويكمل، ألا ترى أنه يكون المعنى: لقد انتصبت للدفاع عنهم بحرص شديد، ففاجأت المنية غير مدفوعة، وإذا علق الموت مخلبه في شيء، لم تغن معاذة دونه، ولا نفعت حيلة في الخلاص منه. وهذا كلام من التكرير سالم، وللمعنى على حده مستوف، وعلى الوجه الثاني، يصير المعنى الواحد مكررًا في البيتين جميعًا، لأن فائدة قوله: إذا أقبلت المنية لا تدفع، مثل فائدة قوله: إذا أنشبت المنية ظفرها لم يتخلص منه. وهذا بأدنى تأمل يبين للناظر فيه. انتهى.
والبيت من شواهد علماء البيان. يوردونه للاستعارة المكنية والتخيلية. وقوله: حتى كأني للحوادث البيت، قال المرزوقي: إلى هذا الموضع دخل في جواب المرأة، لأنه ابتدأ فقال: غيرني تتابع المحن، فأصابني كذا وكذا، إلى أن صرت كأني للحوادث بمنزلة هذا.
وقد اختلف في رواية البيت وتفسيره، وأنا ذاكر جميع ما قيل فيه:
حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه أنشد: "بصفا المشقّر" فأنكر وقال: المشقر بالبحرين، فما لأبي ذؤيب والبحرين؟ ! إنما هو المشرَّق. وقال الأصمعي: المشرق: المصلَّى، ومسجد الخيف: هو المشرَّق.
وقال شعبة بن الحجاج: خرجت أقود سماك بن حرب في يوم عيد، فقال:
[ ٢ / ٢١٤ ]
امض بنا إلى المشرّق، يعني: المصلّى، وقيل: يعني مسجد العيدين. وقال أبو عبيدة: المشرَّق: سوق الطائف، والمعنى: كأنما أنا للمصائب التي تنزل بي مروة في مجتمع الناس، السوق أو المصلى، لا يزال يقرعها مرور الناس ووطء الأقدام. وحكي: قرعت مروة فلان؛ إذا أصابته مصيبة شاقة، وهذا تشبيه لجلده وصبره إذا أثرت الفجائع فيه، كما قيل: نحت أثلته، وقد قيل: قرعت صفاته أيضًا. وأنشد لابن الرقيات:
إنّ الحوادث بالمدينة قد أوجعنني وقرعن مروتيه
وقال أبو نصر: كان الرجل يأتي سوق عكاظ، فيقصد مروة ضخمة، فيقرعها بعصاه يعدّد أيامه وفعاله ليشهرها، فيقول: كأني تلك المروة أقرع كل حين.
وحكى بعضهم قال: سمعت أعرابيًا قال: حدثني جنبة بن عكابة، وكان شيخًا من علماء غنيّ، قال: كنت بالمشرق، ومعي شيخ من أهل مكة فأخذ بيدي حتى أقامني على مروة بيضاء مثل الشاة الضخمة، فقال لي: هل تعلم أي مكان ذا؟ قال: قلت: لا والله ما أدريّ قال: هذه والله المروة التي ذكرها أبو ذؤيب في شعره، وكان عندها ثلاثة أصنام، وكانت نساء مكة إذا مرض لهن مريض أخذن قدومًا أو معولًا، فنحتن منها، ثم صبت عليه الماء فسقت المريض، فيجد راحة، وإن نساء مكة ليتبركن بها حتى اليوم. انتهى.
وقال ابن الأنباري: المروة: حجارة بيض يقدح منها النار. وقوله: وتجلدي للشامتين البيت، قال المرزوقي: عاد من هنا إلى ما يريد إنكاره الذي صدر القصيدة به، فاحتفل بما بقي من الجلد والصبر، وتأسى ما شاء، وتسلى ما شاهد
[ ٢ / ٢١٥ ]
من غير الدهر. وقوله: أريهم: في موضع الحال، أبان أنه يتصبر للأعداء، وإن كان مفجوعًا بالأبناء مظهرًا لهم أنه لا يخضع لما نابه.
وحكي أن الحسن بن علي، ﵉، عاد بعضهم، فلما طلب الإذن له عليه، أمر بأن ينصب في فراشه، وأخذ ينشد عند دخوله: وتجلدي للشامتين .. البيت، فلم يلبث الحسن أن قام وأخذ ينشد:
وإذا المنية أنشبت أظفارها البيت
فاستحسن ذلك لكونهما من قصيدة واحدة. انتهى.
وقوله: والنفس راغبة البيت، قال المرزوقي: حكى الباهلي عن الأصمعي أنه قال: هذا أبرع بيت، وأبدع بيت قالته العرب. والمعنى: أن النفس إنما ترغب بحسب بسطك من رجائها، فأما إذا وقفتها على النزر اليسير، ورددتها إلى التافه القليل، فإنها ترضى به وتعف، وتكتفي بنيله وتكف، وهذا غاية الرضى بالمقسوم، ونهاية التسلي عن المرتجع المسلوب. انتهى.
وقوله: كم من جميع الشمل البيت، قال المرزوقي: هذا البيت لم يعرفه الأصمعي وغيره من البصريين.
وترجمة أبي ذويب الهذلي تقدمت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد المائة:
(١٢٩) إذا باهليُّ تحته حنظلية له ولد منها فذاك المذرَّع
على أن التقدير: إذا كان باهلي، وكان تامة.
والبيت من قصيدة للفرزدق، وبعده:
ذراع بها لؤم وأخرى كريمة وما يصنع الأقوام ما الله واضع
[ ٢ / ٢١٦ ]
غلام أتاه اللؤم من شطر عمّه له مسمع واف واخر أجدع
الباهلي: منسوب إلى باهلة، قال الصاغاني في "العباب": وباهلة: قبيلة من قيس عيلان، وهي في الأصل امرأة من همدان، كانت تحت معن بن أعصر ابن سعد بن قيس عيلان، فنسب ولده إليها.
وقولهم: باهلة بن أعصر، إنما هو كقولهم: تميم بنت مر؛ فالتذكير للحي، والتأنيث للقبيلة، سواء كان الاسم في الأصل لرجل أو امرأة. وقال ابن الكلبي: ولد مالك بن أعصر سعد مناة، أمه باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة من مذحج، ومعنًا، وأمه هند بنت شباب بن عبد الله بن غطفان، فولد معن أودًا وجئاوة – قال عباس: جاوة، بغير همز، وجعاوة – وأمها باهلة، خلف عليها باهلة بعد أبيه، وشيبان وهو فرّاص وزيدًا، وهو لحيان، وواثلًا والحارث، وهو ليل، وحربًا ووهيبة وعمرا، وأمهم أرنب بنت شمخ بن فزارة، وقتيبة وقعنبًا وأمهما سودة بنت عمرو بن تميم، فحضنتهم كلهم باهلة، فغلبت عليهم. انتهى كلام "العباب".
وقبيلة باهلة وضيعة بين العرب، مذموم من ينتسب إليها، قد اشتهرت بالدناءة والضعة، كما اشتهرت قريش بالأصالة والمجد والشرف، حتى ضرب بها المثل، قال بعضهم:
وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النّفس من باهله
وقال رجل من عبد القيس:
ولو قيل للكلب يا باهليُّ عوى الكلب من لؤم هذا النَّسب
وقال آخر:
فما سأل الله عبد له فخاب ولو كان من باهله
[ ٢ / ٢١٧ ]
ومنها قتيبة بن مسلم الباهلي، تولى الإمارة في زمن عبد الملك، وفتح الفتوحات العظيمة، وعبر ما وراء النهر مرارًا، وجاهد في الكفار، وكان شجاعًا جوادًا حسن الأخلاق، ولم يكن يعاب إلا بأنه باهلي، وكان أصحابه يمازحونه بذلك ويحتمل. حكى أبو عبيدة قال: قدم رجل من بني سلول على قتيبة بن مسلم بكتاب عامله على الري، وهو يعلى المحاربي، فرآه على الباب قدامة بن جعفر، وكان كثير الإدلال عليه، فدخل على قتيبة فقال: ببابك ألام العربّ! فقال: ومن هو؟ قال: سلولي، رسول محاربي إلى باهلي، فتبسم قتيبة تبسم غضب، والتفت إلى مرداس الأسدي، فقال: أنشدني شعر الأقيشر، ففهم مرداس، فأنشده، وفيه تعريض بقدامة:
قلت قم صلِّ فصلَّى قاعدا تتغشّاه سمادير السَّكر
فتغير وجه قدامة، فقال قتيبة: هذه بتلك، والبادئ أظلم.
وروي أن قتيبة مازح أعرابيًا جافيًا، فقال: أيسرك أن تكون باهليًا أميرًا؟ فقال: لا واللهّ قال: فتكون باهليًا خليفة؟ فقال: لا والله! ولو أن لي ما طلعت عليه الشمس، قال: فيسرك أن تكون باهليًا، وتكون في الجنة مع ذلك؟ فأطرق، ثم قال: بشرط أن يعلم أهل الجنة أني باهلي، فضحك قتيبة من قوله.
ومنها الأصمعي: صاحب الأخبار والنوادر والمعرفة بلغات العرب وأيامها وأشعارها، حكى عن نفسه قال: لقيت صبيًا من الأعراب ما أظنه ناهز عشرين
[ ٢ / ٢١٨ ]
سنة، وإذا هو من أفصح الناس، فقلت متعنتًا: هل تقول الشعر؟ فقال: وأبيك إني لأقوله وأنا دون الفطام، فأخرجت درهمًا، وقلت: امدحني وخذه، فقال: من أي العرب أنت؟ فقلت: من باهلة، وهي معروفة بالخسة، فقال: واسوأة أبي! أمدح باهليًا؟ فقلت: فاهجني وخذه، فقال: والله إني لمحتاج إليه، ولكن كلفتني شططًا فزدني معرفة، فقلت: أنا الأصمعي، فقال:
ألا قل لباغي اللُّؤم حيث لقيته عليك عليك الباهليَّ ابن أصمعا
متى تلق يومًا أصمعّيًا تجد له من اللُّؤم سربالًا قديمًا وبرقعا
ثم قال: اقذف الدرهم، لا آخذه من يد لئيم، فقذفته فأخذه.
وهجا اليزيدي الأصمعي بأبيات منها:
وما أنت هل أنت إلَّا امرؤ إذا صحَّ أصلك من باهله
وحنظلية: منسوبة إلى حنظلة، قال الصاغاني في "العباب": حنظلة أكرم قبيلة في تميم، يقال لهم: حنظلة الأكرمون، وأبوهم حنظلة بن مالك بن عمرو ابن تميم. انتهى.
ومنها الفرزدق، فإنه ابن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن حنظلة.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وتحته ظرف متعلق بمحذوف صفة لباهلي، أي: مستقر تحته، أو استقر تحته وحنظلية: فاعل الظرف، وجملة: له ولد منها، صفة لباهلي، قيل: ويجوز أن تكون صفة لحنظلية، وفيه: لو كان كذلك لكان السياق لها ولد منه. ولقد أغرب السيوطي، وأبعد في تجويزه أن تكون الجملة حالية، وذاك إشارة إلى الولد الحاصل منها. والمذرع، بالذال المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": قال أبو الهيثم: المذرع من الناس: الذي أمه أشرف من أبيه، قال: والهجين: الذي أبوه عربي وأمه أمة، وأنشد:
إذا باهليٌّ تحته حنظلية البيت
وإنما سمي مذرعًا تشبيهًا بالبغل، لأن في ذراعيه رقمتين كرقمتي ذراع الحمار نزع بها إلى الحمار في الشبه، وأم البغل أكرم من أبيه. انتهى. قال هدبة بن خشرم:
ورثت رقاش اللُّؤم عن آبائها كتوارث الحمران رقم الأذرع
وقد صحفه الدماميني فقال: والمدرع: الذي يلبس الدرع، بالدال المهملة، وجعل البيت من قبيل المدح بناء على تصحيفه، فقال: يعني أنه إذا ولد للرجل الباهلي من زوجة حنظلية ولد، فذلك الولد هو النجيب الشجاع الذي يتأهل للبس الدرع لشرف أبويه. هذا كلامه، ولا يليق بمثله. والمذرع يقال له: المقرف. قال ابن قتيبة في "أدب الكاتب": إذا كان الأب عتيقًا، والأم ليست كذلك، كان الولد هجينًا، والإقراف من قبل الأب، فإذا كانت الأم من العتاق والأب ليس كذلك، كان الولد مقرفًا. وأنشد أبو عبيدة لهند بن النعمان بن بشير في روح بن زنباع:
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وهل عند الاَّ مهرة عربيَّة سلسلة أفراس تجلّلها نغل
فإن نتجت مهرًا كريمًا فبالحرى وإن يك إقراف فجاء به الفحل
وتجللها: علاها، ونغل، بفتح النون وسكون الغين المعجمة: الدنيء والخسيس، والحرى بفتحتين: اللائق، مصدر يوصف به الواحد وغيره. وقال المبرد في "الكامل" أنشدني الرياشي:
إنَّ أولاد السَّراري كثروا يا ربِّ فينا
ربِّ أدخلني بلادا لا أرى فيها هجينا
والهجين عند العرب: الذي أبوه شريف، وأمه وضيعة، والأصل في ذلك أن تكون أمة. وإنما قيل: هجين من أجل البياض، كأنهم قصدوا قصد الروم والصقالبة ومن أشبههم، والدليل على ذلك أن الهجين الأبيض، أن العرب تقول: ما يخفى ذلك على الأسود والأحمر، أي: العربي والعجمي، ويسمون الموالي وسائر العجم الحمراء، ولذلك قال زيد الخيل:
وأيقن أنّنا صهب السِّبال
أي: كهؤلاء [العدو] من العجم، فقيل: هجين من ههنا. وإذا كانت
[ ٢ / ٢٢١ ]
الأم كريمة، والأب خسيسًا قيل له: المذرع، قال الفرزدق:
إذا باهليٌّ تحته حنظلّية البيت
وقال الآخر:
إنَّ المذرَّع لا تغني خؤولته كالبغل يعجز عن شوط المحاضير
وإنما سمي المذرع للرقمتين في ذراع البغل، وإنما صارتا فيه من ناحية الحمار، قال هدبة:
ورثت رقاش اللُّؤم عن آبائها كتوارث الحمرات رقم الأذرع
وقال عبد الله بن العباس في كلام يجيب به ابن الزبير: والله إنه لمصلوب قريش، ومتى كان عوام ابن عوام يطمع في صفية بنت عبد المطلب! من أبوك يا بغل؟ فقال: خالي الفرس! . انتهى. وقول الفرزدق: له مسمع واف وآخر أجدع؛ المسمع: موضع السماع، وهو الأذن، والوافي: التام، والجدع: قطع الأذن والأنف. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد المائة:
(١٣٠) استغن ما أغناك ربُّك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتجمَّل
[ ٢ / ٢٢٢ ]
على أن "إذا" لا تجزم إلا في الشعر كما في البيت. وفيه رد على ابن مالك في "التسهيل" فإنه قال: قد يجزم بإذا الاستقبالية حملًا على متى، فإنه لم يخص جزمها بالشعر، ويفهم منه جواز جزمها في الكلام بقلة. وصرح به في "التوضيح" فقال: هو في النثر نادر، وفي الشعر كثير، وجعل منه قوله، ﵊، لعلي وفاطمة، رضي الله تعالى عنهما: "إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعًا وثلاثين " الحديث.
والبيت من قصيدة لعبد قيس بن خفاف مثبتة في أواخر "المفضليات" مشتملة على نصائح ومواعظ وهي ثمانية عشر بيتًا وهي:
أجبيل إنَّ أباك كارب يومه فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح طبن بريت الدَّهر غير مغفَّل
الله فاتَّقه وأوف بنذره وإذا حلفت مماريًا فتحلَّل
والضَّيف أكرمه فإنَّ مبيته حقٌّ ولا تك لعنة للنزَّل
واعلم بأنَّ الضَّيف مخبر أهله بمبيت ليلته وإن لم يسأل
ودع القوارص للصَّديق وغيره كيلا يروك من اللِّئام العزَّل
وصل المواصل ما صفا لك ودُّه واحذر حبال الخائن المتبدِّل
واترك محلَّ السَّوء لا تحلل به وإذا نبا بك منزل فتحوَّل
[ ٢ / ٢٢٣ ]
دار الهوان لمن رآها داره .. أفاراحل عنها كمن لم يرحل
وإذا هممت بأمر شرٍّ فاتَّئد وإذا هممت بأمر خير فافعل
وإذا أتتك من العدوِّ قوارص فاقرص كذاك ولا تقل لم أفعل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشِّعًا ترجو الفواضل عند غير المفضل
وإذا لقيت القوم فاضرب فيهم حتى يروك طلاء أجرب مهمل
واستغن ما أغناك ربُّك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتجمَّل
واستأن حلمك في أمورك كلِّها وإذا عززت على الهوى فتوكَّل
وإذا تشاجر في فؤادك مرَّة أمران فاعمد للأعفِّ الأجمل
وإذا لقيت الباهشين إلى النَّدى غبرًا أكفُّهم بقاع ممحل
فأعنهم وايسر بما يسروا به وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
قوله: أجبيل؛ الهمزة للنداء، وجبيل بضم الجيم وفتح الموحدة: ابن الشاعر، قال ابن الأنباري: روى أحمد عن الحرمازي: "إلى المكارم" وقال الضبي: كارب، من كرب: إذا قرب ودنا. انتهى. وكارب: مضاف إلى قومه، وأصله، كارب يومه بالتنوين، أي: قريب يوم وفاته. واستشهد به المصنف في "الأوضح" على مجيء اسم الفاعل من كرب الناقصة، ثم قال: والصواب أن كاربًا اسم فاعل من كرب التامة في نحو قولهم: كرب الشتاء، إذا قرب، وبهذا جزم الجوهري. انتهى.
وقوله: أوصيك البيت. الطبن الحاذق، يقول: أنا ناصح لك، وبصير بالدهر وما يريب منه، لست في غفلة عن ذاك.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وقوله: الله فاتقه البيت. الله: منصوب بفعل يفسره ما بعده، وأرف، بفتح الهمزة: أمر من أوفى، لغة في وفى، ومماريًا: عارضًا ومجادلًا، وتحلل: أمر من تحلة القسم، وهو الاستثاء، وهو قولك: إن شاء الله تعالى. ولعنة، بضم اللام وسكون العين: من يلعنه الناس، وبفتح العين: من يلعن الناس، ومثله ضحكة وهزأة، والقوارص: الكلمات المؤذية، من القرص وهو الأخذ بالأظافر، والعزّل جمع عُزُل: بضمتين، وهو المنفرد المنقطع، والمتبدل: بكسر الدال المهملة.
وقوله: وإذا نبا بك إلخ، استشهد به المصنف في شرح البيت الأول من "شرح بانت سعاد" ونبا المكان به: إذا لم يوافقه.
وقوله: دار الهوان لمن رآها البيت، قال ابن الأنباري: يقول: من أقام في دار الهوان فهي داره، وليس من لم يقم فيها وأنف، كمن احتمل الضيم وأقام. وائتد: تأن وتمهل.
وقوله: وإذا لقيت القوم، هو من اللقاء في الحرب، قال الضبي: يقوم: حتى يتقوك ويتحاموك، كما قال عنترة:
لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
أي: أحرّمك على نفسي فلا أقربك، وأتحاماك كما يتحامى الأجرب المهمل المتروك، حذرًا أن يعدي غيره، ولا شيء أغلظ عند العرب من الجرب لأنه يعدي.
وقوله: واستغن ما أغناك ربك البيت، ما: مصدرية ظرفية، وبالغنى: يحتمل أن يتنازعه الفعلان، ويحتمل تعليقه بالأول فقط. والخصاصة: الفقر والحاجة،
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وتجمل: إما بالجيم، أي: أظهر الجمال وعدم الحاجة، أو: كل الجميل، وهو الشحم المذاب تعففًا؛ وإما بالحاء المهملة، أي: تكلف حمل هذه المشقة، قاله الدماميني، واستأن: من الأناة، والهوى: هوى النفس والمطلوب.
وقوله: وإذا بقيت الباهشين البيت، قال الضبي: الباهش: الفرح، يقول: الذين يأتونك يلتمسون نائلك، وقيل: إن الباهش المتناول، يقال: بهش يبهش؛ إذا تناول، والقاع: الموضع الصلب الحر الطين، الواسع يمسك الماء، والممحل: المجدب، والندى: الإحسان، وغبرة الكف: كناية عن خلّوها من مال، وليس عليها غير الغبار.
وقوله: فأعنهم وايسر بما يسروا به، قال الضبي: أسرع إلى إجابتهم، والضنك: الضيق، أي: آسهم في ضيقهم. وقوله: وايسر بما يسروا به مثل:
لو ييسرون بخيل قد يسرت بها وكلُّ ما يسر الأقوام مغروم
يقول: لو ضربت العرب بالقداح على الخيل، لفعلت بفرسي ذلك. وروي "فابشر بما بشروا به" من البشارة.
وقد وقع البيت الشاهد مع بعض أبيات هذه القصيدة في شعر للحارثة بن بدر الغداني، أورده الشريف السيد الأجل المرتضى، علم الهدى، ذي المجدين، أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي، تغمدهم الله برحمته في كتابه "غرر الفرائد ودرر القلائد" المشهور "بأمالي الشريف المرتضى" قال: ومن مستحسن قول حارثة:
ولقد وليت إمارة فرجعتها في المال سالمة ولم أتموَّل
ولقد منعت النُّصح من متقبِّل ولقد رفدت النصح من لم يقبل
فبأيَّ لمسة لامس لم ألتمس وبأيِّ حيلة حائل لم أحتل
يا طالب الحاجات يرجو نجحها ليس النجاح مع الأخفِّ الأعجل
فاصدق إذا حدَّثت تكتب صادقًا وإذا حلفت مماريًا فتحلَّل
[ ٢ / ٢٢٦ ]
معنى تكتب صادقًا، أي: تكون عند الله صادقًا، وقوله فتحلل: أي: استثن.
وإذا رأيت الباهشين إلى العلى غبرًا أكفُّهم بريث فاعجل
معنى الباهشين: المادين أيديهم إلى الشيء المبتهشين له.
واحذر مكان السَّوء لا تنزل به وإذا نبا بك منزل فتحوَّل
وإذا ابن عمِّك لجَّ بعض لحاجة فانظر به عدة ولا تستعجل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشِّعًا ترجو الفواضل عند غير المفضل
استغن ما أغناك ربُّك بالغنى وإذا تكون خصاصة فتجمَّل
انتهى. وعلى هذه الرواية لا شاهد في البيت.
وعبد قيس بن خفاف – بضم الخاء المعجمة وخفة الفاء – هو من بني عمرو ابن حنظلة من البراجم، وهم خمسة من أولاد حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم، وهو شاعر جاهلي، معاصر لحاتم الطائي، جاء إليه في دماء تحملها عن قومه فعجز عنها، فأعطاه حاتم أكثر من ثلاثمائة بعير، وقال السيوطي: عبد قيس أدرك الإسلام.
والحارثة بن بدر الغداني، نسبة إلى غدانة، بضم الغين المعجمة: أبو قبيلة من تميم، وهو من فرسان بني تميم وساداتها وأجوادها، أورده ابن حجر في قسم المخضرمين من "الإصابة" قال الأصبهاني في "الأغاني" أحسبه أدرك
[ ٢ / ٢٢٧ ]
النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في حال الصبا، وهو من لدات الأحنف بن قيس، وليس بمعدود في الفحول، ولكن كان يعارض نظراءه في الشعر، وكان من الدهاة العقلاء، وكان زياد بن أبيه يأنس به ويكرمه، ويقبل رأيه، ويحتمله على ما يعلم منه من تناول للشراب، ومعاقرته لها.
قال السيد المرتضى: ولحارثة بن بدر يخاطب عبيد الله بن زياد لما تغير عليه بعد اختصاصه كان بأبيه:
أهان وأقصى ثمَّ تنتصحونني وأيُّ امرئ يعطي نصيحته قسرا
رأيت أكفَّ المصلتين عليكم ملاءً وكفِّي من عطائكم صفرا
وإنِّي مع السَّاعي إليكم بسيفه إذا أحدث الأعداء في عظمكم كسرا
متى تسألوني ما عليَّ وتمنعوا الَّذي لي لم أسطع على ذلكم صبرا
فولاه "رام هرمز" "وسرّق" فلما شيعه الناس، قال أنس بن أبي أنيس، وقيل: ابن أناس الديملي:
أحار بن بدر قد وليت ولايةً فكن جرذًا فيها تخون وتسرق
فإنَّ جميع الناس إمّا مكذِّب يقول بما يهوى وإمَّا مصدِّق
يقولون أقوالًا ولا يعلمونها فإن قيل هاتوا حقِّقوا لم يحقِّقوا
وهذه الأبيات تروى لأبي الأسود الدؤلي، وأنه كتب بها إلى حارثة لما ردت
[ ٢ / ٢٢٨ ]
إليه سرق، ويقال: إن حارثة بن بدر أجاب عن هذه الأبيات بقوله:
جزاك إله الناس خير جزائه فقد قلت معروفًا وأوصيت كافيا
أشرت بأمر لو أشرت بغيره لألفيتني فيه لغيرك ماضيا
وفي "كامل المبرد" أنه غرق في ولاية عبد الله بن الحارث على العراق، وذلك في سنة أربع وستين، وذلك أنه أمر على قتال الخوارج، فهزموه بنهر تيرى، فلما أرهقوه دخل سفينة بمن معه، فأتاه رجل من أصحابه، فصاح: يا حارثة، ليس مثلي يضيع! فقال للملاح: قرب، فطفر الرجل بسلاحه في السفينة، فساخت بحارثة ومن معه، فغرقوا جميعًا. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد المائة:
(١٣١) وقبل غد يا لهف نفسي من غد إذا راح أصحابي ولست برائح
على أنهم قالوا: إن "إذا" في موضع جر بدلًا من غد، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": حديث إذا في هذا البيت طريف، وذلك أنها وقعت هنا موقعًا غريبًا، لأنها عندنا بدل من غد، وفي موضع جر، فكأنه قال: يا لهف نفسي من إذا راح أصحابي، إلا أن هذا بغير توسط المبدل منه يقبح، لأن إذا قلما تباشر الجار. على أن أبا الحسن قد ذهب في نحو قولنا: "حتى إذا كان كذا
[ ٢ / ٢٢٩ ]
جرى كذا" إلى أن إذا مجرورة الموضع بحتى، وهذا البيت يؤكد الاعتداد بالمبدل منه، وأنه ليس في حكم الساقط البتة، ويجوز أن تكون إذا بدلًا من قوله: من غد، فتكون إذا على هذا منصوبة المحل نصب المفعول به، أي: أتلهف من هذا، كقولك: أتظلم من زيد، وأرغب في جعفر، ألا ترى أن عبرة أتظلم من زيد: أشكو زيدًا، كما أن عبرة مررت بزيد: جزت زيدًا. وقد أجاز أبو العباس أن تقول: إذا يقوم زيد إذا يقوم جعفر، على أن تكون الأولى مرفوعة بالابتداء، والثانية مرفوعة لكونها خبرًا عن الأولى، حتى كأنه قال: وقت يقوم زيد وقت يقوم عمرو، فإذا جاز رفعهما من هذين الوجهين، كان نصبهما على مذهب المفعول به أقرب مأخذًا. ولا يجوز أن تكون إذا ظرفًا للهف، لانقلاب المعنى، ألا ترى أنه لا يريد أن يتلهف وقت رواح أصحابه وتأخره عنهم، وإنما يريد: أتلهف الآن لغد، ومن أجله وأجل ما يحدث فيه. انتهى كلام ابن جني.
وقد يقال: لم لا يجوز أن يريد أنه يتلهف إذا دفن، وراحوا في اليوم الذي يموت فيه لغد ذلك اليوم الذي لا يعودون إليه فيه، وإن عادوا راحوا ثانيًا كما راحوا أولًا. فإن قيل: كيف يتلهف من دفن؟ قلنا: هو إنما نسب التلهف إلى نفسه، مريدًا بها الروح، كما في حديث: "إن الميت يتبع بصره نفسه" لا الحقيقة والذات، فتأمل. وكذا قال المرزوقي والتبريزي والطبرسي في شروحهم.
ولم يلتفت ابن الشجري كالمصنف لما قاله شراح "الحماسة" وجعل إذا ظرفًا،
[ ٢ / ٢٣٠ ]
ولم يجعلها مجرورة ولا مفعولة، فإنه قال في المجلس السابع والثلاثين من "أماليه" في جواب السؤال السابع من الأسئلة الثمانية التي وردت إليه من الموصل ما نصه: العامل في الظرف المصدر الذي هو اللهف، وإن جعلت "من" زائدة، على ما كان يراه أبو الحسن الأخفش من زيادتها في الواجب؛ فالتقدير في هذا القول: يا لهف نفسي غدًا، فإذا قدرت هذا جعلت إذا بدلًا من غد، فهذان وجهان واضحان، ولك وجه ثالث، وهو أن تعمل في إذا معنى الكلام، وذلك أن قوله: يا لهف نفسي، لفظه لفظ النداء، ومعناه التوجع، فإذا حملته على هذا؛ فالتقدير: أتأسف وأتوجع وقت رواح أصحابي وتخلفي عنهم. هذا كلامه. ولا يخفى أنه لا يظهر الفرق من الأول والثالث، وإنما هما شيء واحد.
وقبل هذا البيت:
ألا علِّلاني قبل نوح النَّوائح وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانح
وهذان البيتان أوردهما أبو تمام. والأعلم الشنتمري في باب النسيب من "حماستيهما" لأبي الطمحان القيني، وزاد صاحب "الأغاني" وابن عبد ربه في "العقد الفريد" بعدهما:
إذا راح أصحابي تفيض دموعهم وغودرت في لحد عليَّ صفائحي
يقولون هل أصلحتم لأخيكم وما الرَّمس في الأرض القواء بصالح
أورد صاحب "العقد" هذه الأبيات الأربعة في فصل "من رثى نفسه، ووصف قبره، وما يكتب على القبر".
قوله: ألا عللاني إلخ، علله بكذا: أشغله وألهاه به. والنوح: رفع
[ ٢ / ٢٣١ ]
الصوت بالبكاء، والنوائح: جمع نائحة، وروي: "قبل صدح النوائح" قال المرزوقي وغيره، الصدح: شدة الصوت، للديك والغراب ونحوهما. والجوانح: الضلوع، جمع جانحة. وارتقاء النفس فوقها: بلوغها التراقي.
وقوله: وقبل غد، أي: قبل موتي في غد، والتلهف: التحسر. ووقع في بعض النسخ: "وبعد غد" قال الدماميني: ظرف لمحذوف، أي: يروحون، أو لتلهف. انتهى. والرواية هي الأولى. وقوله: على غد، أي: على نفسي إذا مت في غد، ويروى: "من غد" وهو أبين، وإذا الثانية بدل من إذا الأولى، أو مؤكدة لها. وتفيض دموعهم، أي: تسيل بكثرة ودفع. وغودرت: تركت، والصفائح: حجارة عراض رقاق، أراد بها ما يجعل غطاء على اللحد يحول بين الميت والتراب، وجملة "علي صفائحي": حال، والرمس: القبر، والقواء بالكسر: القفر.
وأبو الطمحان القيني، بفتح الطاء والميم بعدها حاء مهملة؛ وهو شاعر إسلامي، اسمه حنظلة بن الشرقي، وكان فاسقًا، قيل له: ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدير، نزلت بدير نصرانية، فأكلت عندها طفيشلًا بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كأسها. قال الآمدي: كذا وجدت اسمه في كتاب بني القين بن جسر، وهو شاعر محسن، وهو القائل:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظَّم الجزع ثاقبه
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وهو من المعمرين، عاش مائتي سنة، وقال في ذلك:
حنتني حانيات الدَّهر حتَّى كأنِّي خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ولست مقيَّدًا أنِّي بقيد
وأورده ابن حجر في قسم المخضرمين، قال أبو عبيد البكري: إنه كان نديمًا للزبير بن عبد المطلب في الجاهلية، وأدرك الإسلام.
وهدبة بن خشرم، بضم الهاء وسكون الدال بعدها موحدة، وخشرم بفتح الخاء المعجمة وسكون الشين المعجمة، وينتهي نسبه إلى قضاعة، وهدبة شاعر فصيح متقدم من بادية الحجاز، وكان شاعرًا راوية لشعر الحطيئة، وكان جميل راوية شعره، وهو أول من قنل قصاصًا بالمدينة المنورة، وسببه أن زيادة بن بدر جاء مع هدبة من الشام في ركب من قومهما، فكانا يتعاقبان السوق بالإبل، ومع هدبة أخته فاطمة، فنزل زيادة، فارتجز فقال:
عوجي علينا واربعي يا فاطما
فغضب هدبة، فنزل، فرجز بأخت زيادة، وكانت تدعى أم خازم، وقيل: أم قاسم، فقال:
متى تقول القلص الرَّواسما يبلغن أمَّ خازم وخازما
فتشاتما طويلًا، فتحاجز بينهما القوم، ولما رجعا إلى عشائرهما جعلا يتهاديان الأشعار، ولم يزل هدبة يطلب غرة زيادة حتى أصابها، فقتله وهرب، وعلى المدينة يومئذ سعيد بن العاص، فأرسل إلى عم هدبة وأهله فحبسهم، فلما بلغ هدبة
[ ٢ / ٢٣٣ ]
أقبل حتى أمكن من نفسه، وكره سعيد الحكم بينه وبين عبد الرحمن أخي زيادة، فحملهما إلى معاوية، فقال لعبد الرحمن: هل لزيادة ولد؟ قال: نعم؟ المسور، وهو غلام لم يبلغ، وأنا عمه وولي دم أبيه، فقال: إنك لا تؤمن على أخذ الدية، وقتل الرجل بغير حق، والمسور أحق بدم أبيه، فرده إلى المدينة، فحبس ثلاث سنين حتى بلغ المسور، فعرض عليه أكابر قريش سبع ديات، وقيل: عشر، وكان ممن عرض عليه الديات الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، فأبى قبول الدية، فأمكنه سعيد منه فضرب عنقه، ولما علم أنه يقتل غدًا؛ ناح على نفسه بتلك الأبيات الأربعة، وحكايته في "الأغاني" طويلة جدًا. وقد ذكرت طرفًا منها في الشاهد الخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد المائة:
(١٣٢) وندمان يزيد الكأس طيبا سقيت إذا تغوَّرت النُّجوم
على أن "إذا" فيه للماضي، لأن عامله ماض، وهو سقيت. وعارضه ابن الصائغ، وهو أول من كتب بعض أشياء على هذا الكتاب، وتبعه الدماميني بأنه يجوز أن لا تكون إذا هنا للماضي بأن يكون سقيت بمعنى أسقى، وهو دليل
[ ٢ / ٢٣٤ ]
جواب إذا، أي: إذا غربت النجوم أسقيه، انتهى. وابن الصائغ مسبوق بأبي حيان، فإنه قال في شرح "التسهيل": سقيت هنا بمعنى أسقي، مستقبل المعنى، وهو ليس بشيء، ويرده البيت الثالث، وهو قوله:
فلمّا أن تنشَّى قام خرق
وهذا إخبار من الشاعر عما صدر منه سابقًا، وقال أبو الطيب عبد الواحد اللغوي في كتاب "الأضداد": "إذا" من الأضداد، ومن مجيئها للماضي قوله: إذا تغورت النجوم، وهو مطلع أبيات عدتها أربعة عشر بيتًا، للبرج بن مسهر الطائي، أوردها أبو تمام له في باب النسيب، وبعده:
رفعت برأسه وكشفت عنه بمعرقة ملامة من يلوم
فلّما أن تنشَّى قام خرق من الفتيان مختلق هضوم
إلى وجناء ناوية فكاست وهي العرقوب منها والصَّميم
فأشبع شربه وجرى عليهم بإبريقين كأسهما رذوم
ترنِّح شربها حتّى تراهم كأنَّ القوم تنزفهم كلوم
ويأتي بقيتها، إن شاء الله تعالى، في الباب الخامس.
قوله: وندمان، الواو: نائبة عن رب، وندمان: مجرور بها في محل نصب بسقيت مفعوله، لأن رب حرف جر لا يتعلق بشيء. وقول ابن وحي: مفعول سقيت محذوف، تقديره: سقيته؛ غفلة عما قرره المصنف في مجرور رب، قال الدينوري في كتاب "النبات": التنادم: الاجتماع على الكأس، وهو الندام،
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وهم الندماء، والواحد نديم وندمان، والجمع ندامى وندماء، قال الشاعر:
وفيهم ميسر وندام
وقال في الندمان:
وندمان يزيد الكأس طيبًا سقيت وقد تغوَّرت النجوم
وقد وقع في شعر آخر:
وندمان يزيد الكأس طيبًا سقيت الجاشريَّة أو سقاني
يقال لشرب السحر: الجاشرية، وذلك إذا جشر الصبح. انتهى. وقال الجواليقي في شرح "أدب الكاتب" في أوائل خطبة الكتاب: الندمان: النديم، كما يقال: رحمان ورحيم، وهو واحد، وأصله المنادم على الشراب، ثم كثر حتى صار النديم الصاحب والمجالس على غير شراب، وفعلان من أبنية المبالغة، ولم يجيء من فعل فعلان وفعيل وفاعل، إلا قولهم: ندم فهو ندمان ونديم ونادم، وسلم فهو سالم وسليم وسلمان، ورحم فهو راحم ورحيم ورحمان، ذكره المفضل ابن سلمة. وجمع الندمان ندامى، مثل: سكران وسكارى، وجمع النديم ندماء، مثل: ظريف وظرفاء، قال الشاعر في الندمان:
إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلِّم
وقال البرج بن مسهر: وندمان يزيد الكأس البيت.
وأخبرت عن عبد الله بن مسلم أنه قال: إنما قيل لشارب الخمر: نديم، من الندامة، لأن معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه، وفعل ما يندم عليه،
[ ٢ / ٢٣٦ ]
فقيل لمن شاربه: نادمه، لأنه فعل مثل فعله، ثم اشتق من ذلك نديم. انتهى. وقال صاحب "الأغاني": أخبرني ابن دريد، حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: كان البرج بن مسهر الطائي خليلًا للحصين بن الحمام المري، ونديمه على الشراب، وفيه يقول البرج:
وندمان يزيد الكأس طيبًا الأبيات
وقال أبو محمد الأعرابي فيما كتبه على شرح "الحماسة" للنمري: أراد البرج بهذا الندمان الحصين بن الحمام المري، وكان خلا لبرج ونديمه، ويقال: إن الحصين خرج طالب حاجة، فأغار برج على الحرقة جيران الحصين، فأخذ منهم ثلاث نسوة؛ أم عروة وأختيها بنات كاهل، فأتى الصريخ الحصين، فتبع الأثر، فأدركهم بقارة الرماح، ولحقه سمير بن طرفة، أحد بني صرمة بن مرة، وكان من فرسان بني مرة، فأدركاهم قائلين في يوم ذي أوار، فقال الحصين: ويلك يا برج! ما صبّك على جيراني!؟ وأسره الحصين، ثم منَّ عليه، وقال في ذلك:
برج يؤثِّمني ويكفر نعمتي صمِّيّ لما قال الكفيل صمام
انتهى. وزاد: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: الكأس، وثانيهما: طيبًا، يريد أن النديم بحسن عشرته يزيد الخمر طيبًا في شربها، قال الجواليقي: الكأس: القدح فيها الخمر، فإن لم يكن فيها الخمر فهي قدح، والكأس مهموزة مؤنثة، وجمعها كؤوس، قال الأزهري: وأحسب اشتقاقها من قولهم: كاص فلان
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الطعام والشراب؛ إذا أكثر منه، لأن السين والصاد يتعاقبان في حروف كثيرة لقرب مخرجيهما. وذكر قوم أن الكأس الشراب بعينه. انتهى. وتغورت: غارت وغربت. وروي بدله "تعرضت". قال التبريزي: أبدت عرضها للمغيب – بالضم – يقال: تعرضت الجبل، إذا أخذت يمينًا وشمالًا فيه، ولم تستقم في الصعود. انتهى.
قال الطبرسي: وروي: "وقد تغورت النجوم" فلا شاهد فيه.
وقوله: رفعت برأسه .. إلخ، يريد: نبهته من نومه في السحر للاصطباح، والأصل: رفعته بتحريك رأسه. وملامة: مفعول كشفت، يقول: أزلت عنه ما كان تداخله من الغم بلوم اللائمين إياه على معاطاة الشراب بأن سقيته. معرقة، بضم الميم، وسكون العين، وفتح الراء المهملتين بعدها قاف، أي: صرفًا من الخمر، وقيل: هي القليلة المزاج، وقيل: كريمة العرق، من كرمة يجود شرّابها.
وقوله: فلما أن تنشّى .. إلخ، أي: حصلت له النشوة، وهي أول السكر، والخرق، بكسر الخاء المعجمة: الكريم الذي يتخرَّق في طرق المعروف، وأراد به نفسه. والمختلق، بفتح اللام: التام الخلقة، وبكسرها: الكريم الأخلاق. والهضوم: المنفاق في الشتاء، وهو زمان القحط، كأنه يخرج من ماله أكثر من الواجب فيه، فهو يهضمه، والهضم: الظلم.
وقوله: إلى وجناء .. إلخ، متعلق مقام، وهي الناقة عظيمة الوجنتين، وقيل: صلبة؛ من الوجين، وهي الأرض الصلبة. والناوية: السمينة، من نوت الناقة تنوي نيّأ – بالفتح – إذا سمنت. وقوله: فكاست، أي: فعقرها فكاست، فالفاء فصيحة، والكوس: المشي على ثلاث قوائم. وقوله: وهي
[ ٢ / ٢٣٨ ]
العرقوب، هذا علة الكوس، ووهى: ضعف، وقالوا هنا: الوهي: الشق، والعرقوب: عقب مؤتر خلف الكعبين فوق العقب من الإنسان، وبين مفصل الوظيف والساق من ذوات الأربع. وأراد بالصميم: العضو الذي به القوام، قاله التبريزي.
وقوله: فأشبع شربه، جمع شارب، والرذوم: الممتثلة الطافحة، وأراد بالكأس القدح.
وقوله ترنح شربها، أي: تميل بهم سكرًا، فلا تدعهم يستقيمون، يقول: لشدتها تزول قوامهم، فكأنهم أسارى نزفت دماؤهم.
والبرج بن مسهر: بضم الموحدة وسكون الراء بعدها جيم، ومسهر: بضم الميم وسكون السين وكسر الهاء، وجده، الجلاس؛ بضم الجيم وخفة اللام. قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": البرج بن مسهر بن الجلاس: أحد بني جديلة، ثم أحد بني طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة، وهو جديلة بن طي، شاعر، وهو القائل:
وندمان يزيد الكأس طيبًا الأبيات
وقال الحسن بن عبد الله العسكري في باب ما يشكل ويصحف من أسماء الشعراء من كتاب "التصحيف": وفي شعراء طي البرج بن مسهر؛ الباء تحتها نقطة وبعد الراء جيم، وهو أحد المعمرين، وفد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو الذي يقول، ويعد من فرسانهم: وندمان يزيد الكأس طيبًا .. البيت.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وقد رجعت إلى كتاب "المعمرين" لأبي حاتم السجستاني، وإلى فصل المعمرين من "أمالي" السيد المرتضى فلم أجده فيهما.
وقال السيوطي بعد أن نقل كلام العسكري: ولم أر أحدًا ممن صنف في الصحابة ذكر البرج هذا، حتى ولا شيخ الإسلام ابن حجر، مع تتبعه وذكره كل من ذكر ولو على سبيل الوهم، أو كان مخضرمًا، وقد فاته هذا وهو على شرطه لا محالة. انتهى.
وقد رأيت ذكره في "نهج البلاغة" الذي جمعه الشريف الرضي من كلام سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال فيه: ومن كلام له، ﵇، للبرج بن مسهر الطائي، وقد قال بحيث يسمعه: لا حكم إلا لله، وكان من الخوارج: اسكت قبحك الله يا أثرم، فوالله لقد ظهر الحق، فكنت فيه ضئيلًا شخصك، خفيًا صوتك، حتى إذا تنعر الباطل، نجمت نجوم قرن الماعز؟ ! انتهى.
قال شارحه عز الدين عبد الحميد، الشهير بابن أبي الحديد المدائني المعتزلي: كان البرج شاعرًا مشهورًا من شعراء الخوارج، نادى بأشعارهم بحيث يسمعه، ﵇، فزجره وقبحه، ودعاه بآفته، إهانة له وانتقاصًا، كما هي العادة في إهانة ذوي العاهات بذكر آفاتهم، وكنى بضؤولة شخصه عند ظهور الحق، عن حقارته في زمن العدل بين الجماعة، وخمول ذكره، وظهور الحق في زمان قوة الإسلام، وقبل ظهور الفتن، وقوة الباطل، وبخفاء صوته عن عدم الالتفات إلى أقواله وحقارته. واستعار لفظ النعر، لظهور الباطل، محاولة لشبهه في قوته بظهوره بالرجل الصائل الصائح بكلامه عن حرارة وشجاعة، وشبهه بظهوره بين الناس،
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وارتفاع ذكره عند ظهور الباطل وقوته، بظهور قرن الماعز في السرعة بغتة، أي طلعت بلا شرف، ولا شجاعة، ولا قدم، بل على غفلة كنبات قرن الماعز. ومن البلاغة تشبيه من يراد إهانته بالمهين الحقير، وتشبيه من يراد تعظيمه بالعظيم الخطير. وقبحه الله: نحاه عن الخير، والأثرم: الساقط الثنية، والضئيل: الصغير الحقير النحيف، ونعر: صاح، ونجم: طلع. انتهى كلامه.
ولو كان صحابيًا لذكره ونبَّه عليه، فإن الرجل شديد الفحص عن مثل هذه الأمور، معظمًا للصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ورأيت ترجمته في كتاب "مجمع الآداب في معجم الألقاب" تأليف أبي الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أبي المعالي الشيباني الفوطي قال: هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسين، هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين ابن أبي الحديد المدائني، الحكيم الأصولي، كان من أعيان العلماء الأفاضل، وأكابر الصدور الأماثل، وكان حكيمًا فاضلًا، كاتبًا كاملًا، عارفًا بأصول الكلام، يذهب مذهب المعتزلة، وخدم في الولايات الديوانية. وكان مولده في غرة ذي الحجة، سنة ست وثمانين وخمسمائة، واشتغل وحصل وألف، فمن تصانيفه شرح "نهج البلاغة" عشرون مجلدًا، وقد احتوى هذا الشرح على ما لم يحتو عليه كتاب، ومن تصانيفه كتاب: "العبقري الحسان" وهو كتاب غريب الوضع، قد اختار فيه قطعة وافرة من الكلام والتواريخ والأشعار، وأودعه أشياء من إنشائه وترسلاته ومنظوماته، ومن تصانيفه كتاب: "الفلك الدائر على المثل السائر" لابن الأثير الجزري، ومنها "شرح المحصل" للإمام فخر الدين، وهو يجري مجرى النقض له، ومنها كتاب: "نقض المحصول" للإمام فخر الدين أيضًا، ومنها كتاب "الوشاح الذهبي في العلم الأدبي" ومنها انتقاد "المستصفى" للغزالي في أصول الفقه، ومنها الحواشي على كتاب "المفصل" في النحو للزمخشري. وله تآليف أخر. قال الشيخ كمال الدين: ولما أخذت بغداد، كان ممن تخلص من
[ ٢ / ٢٤١ ]
القتل، وحضر بين يدي المولى السعيد الخواجا نصر الدين الطوسي، وفوض إليه أمر خزائن الكتب ببغداد مع أخيه موفق الدين، ولم تطل أيامه، وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة من سنة ست وخمسين وستمائة، ومدة عمره سبعون سنة وستة أشهر. انتهى كلامه باختصار.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد المائة:
(١٣٣) بدا لي أنِّي لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
على إبطال قول من قال: إن ناصب إذا ما في جوابها من فعل وشبهه، لأن تقدير الجواب في البيت: إذا كان جائيًا فلا أسبقه، ولا يصح أن يقال: لا أسبق شيئًا وقت مجيئه إلى آخر ما ذكره، قال ابن وحيي: قال الفاضل الهندي في بحث الاستثناء من شرح "الحاجبية": مطابقة الواقع وعدمها ليست من وظائف النحو، ألا ترى أنه يجوز: لقيت العنقاء، والأرض فوقنا، وإن لم يطابق الواقع؟ وقد اعترف به المصنف حيث قال في حرف الميم: وإنما العرب محميون عن الخطأ في الألفاظ دون المعاني، فينبغي أن لا يلتفت إلى مثل هذه التدقيقات، مع أنه يمكن تصحيحه بالتأويل بالإرادة أو التقدير، مثل أن يقال: لا أسبق شيئًا وقت إرادة مجيئه أو تقدير مجيئه، أو قرب مجيئه، وهو مجاز شائع ويمكن أن يقال: إن النفي فيه راجع إلى القيد، فيؤول المعنى: لا أسبق شيئًا وقت مجيئه، بل أسبقه عند عدم مجيئه، ولا غبار فيه، ورجوع القيد إلى النفي أمر شائع لا تردد فيه. وقال الدماميني: لا مانع من أن يجعل السابق في البيت بمعنى الفائت، ويتجه فيه حينئذ مذهب الجمهور، إذ المعنى: إني لا أدرك الماضي، ولا أفوت المستقبل الجائي إلي، بل سيدركني، فهي شرطية، والتقدير
[ ٢ / ٢٤٢ ]
إذا كان شيئًا جائيًا إلي لا أفوته، وانتفاء الفوت حاصل في وقت المجيء، فاستقام، وكذا يستقيم جعلها معمولة لما قبلها على أنها غير شرطية، فتأمل. انتهى.
وقد استشهد سيبويه وغيره بهذا البيت على جر "سابق" بالعطف على مدرك، على توهم الباء فيه، فإنه يجوز زيادة الباء في خبر ليس، ويأتي إن شاء الله تعالى بيانه في الباب الرابع. والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى مطلعها:
ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
بدا لي أنَّ الناس تفنى نفوسهم وأموالهم ولا أرى الدهَّر فانيا
وأنِّي متى أهبط من الأرض تلعةً أجد أثرًا قبلي جديدًا وعافيا
أراني إذا ما بتُّ بتُّ على هوى .. فثمَّ إذا أصبحت أصبحت غاديا
إلى حفرة أهوي إليها ميقمة يحثُّ إليها سائق من ورائيا
كأنِّي وقد خلَّفت تسعين حجَّة خلعت بها عن منكبَّي ردائيا
بدا لي أنِّي عشت تسعين حجَّةً تباعًا وعشرًا عشتها وثمانيا
بدا لي أنَّ الله حقٌّ فزادني من الحقِّ تقوى الله ما قد بدا ليا
بدا لي أنِّي لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
أراني إذا ما شئت لاقيت آيةً تذكّرني بعض الذي كنت ناسيا
وما إن أرى نفسي تقيها كريمتي وما إن تقي نفسي كريمة ماليا
ألا لا أرى على الحوادث باقيا ولا خالدًا إلَّا الجبال الرَّواسيا
وإلَّا السَّماء والبلاد وربَّنا وأياَّمنا معدودةً واللَّياليا
[ ٢ / ٢٤٣ ]
ألم تر أنَّ الله أهلك تبَّعا وأهلك لقمان بن عاد وعاديا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى وفرعون أردى كيده والنَّجاشيا
إذا أعجبتك الدَّهر حال من امرئ فدعه وواكل حاله واللَّياليا
ألا لا أرى ذا إمَّة أصبحت به فتتركه الأيام وهي كما هيا
وبعد هذا أحد عشر بيتًا ذكر فيها النعمان بن المنذر. وهذه القصيدة مثبتة في "ديوان زهير" وشرحه لصعوداء والأعلم له، قال الأصمعي: ليست هذه القصيدة لزهير لأنها لا تشبه شعره.
ووقع البيت الشاهد في مواضع متعددة من "كتاب سيبويه" كما يأتي – إن شاء الله تعالى – بيانه في الباب الرابع، منسوبًا تارة إلى زهير المذكور، وتارة إلى صرمة الأنصاري.
قال الزمخشري وابن خلف: كونه لصرمة هو الصحيح، وقيل: لابن رواحة. ولا يلزم من كون البيت لأحدهما أن تكون القصيدة له، وقائلها جاهلي لا يرى فناء العالم، ويجوز أن يكون أراد بفناء النفوس هلاك الذوات الإنسانية، وأن يكون أراد بها النفوس الناطقة والأرواح، إذ الجاهل، وإن قال ببقاء العالم، يقول بفناء الروح، وقال صعوداء: يقال: إن الدهر هو الله جل ثناؤه، وإنما يراد بذلك أن الذي يحدثه الدهر إنما هو من تقدير الله تعالى، فلا يجوز أن يسب الدهر لأنه يرجع إلى سب ما قدر الله تعالى له، وقوله: وإني متى أهبط إلخ، قال الأعلم في "شرح مختار شعر زهير": التلعة: مجرى الماء إلى الروضة، وتكون
[ ٢ / ٢٤٤ ]
فيما علا عن السبيل، وفيما سفل عنه، ودون التلعة الشعبة. والعافي: الدارس، يقول: حيثما صار الإنسان من الأرض فلا يخلو من أن يجد فيه أثرًا قديمًا أو حديثًا.
وقوله: أراني إذا ما بت البيت يأتي شرحه إن شاء الله تعالى في بحث "ثم".
وقوله: إلى حفرة: متعلق بأهوى، وأراد بها القبر، ووصف الحفرة بمقيمة، إما على معتقد الجاهلية مع أنه لا فناء للعالم ولا بعث، وإما على إرادة المدة الطويلة، وأراد بالسائق الزمان، فإنه المفني المبيد عندهم.
وقوله: بدا لي أني لست البيت، قال الأعلم: يقول: اعتبرت حال الزمان، فبدا لي أني لست أدرك ما فات منه، ولا أسبق ما لم يجيء بعد فيه قبل وقته. والمعنى: إن الإنسان مدبَّر، لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا. وقال أيضًا في "شرح شواهد الجمل الزجاجية": يقول: إني اعتبرت الدنيا وما فيها، فظهر لي أن الكل يذهبه الفناء، فما مضى لا أدركه أبدًا، وما يأتي لا أقدر أن أسبقه، فلا أستطيع دفع ما هو مقدر علي من موت وغيره.
وقوله: أراني إذا ما شئت إلخ، قال الأعلم: أي: إذا غفلت عن حوادث الدهر من موت وغيره، ونسيتها؛ رأيت آية مما تصيب غيري فتذكرني ما كنت نسيت، والآية: العلامة.
وقوله: وما إن أرى إلخ، قال صعوداء: كريمة ماله: أهله وخاصته، وروى الأعلم: "كريهتي" وقال: لاتقي نفسي من الموت شدتي وجرأتي، ولاتقيها كرائم مالي. وقوله: وعاديا، هو أبو السموءل بن عاديا، وكان له حصن بتيماء، وهو الذي استودعه امرؤ القيس أدراعه. والإمة، بكسر الألف: النعمة والحالة الحسنة، أي: من كان ذا نعمة، فالأيام لا تتركه ونعمته كما عهدت، أي: لابد من أن تغيرها الأيام بموته أو فقره.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وترجمة زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد المائة:
(١٣٤) متى تردن يومًا سفار تجد بها أديهم يرمي المستجيز المعوَّرا
لما ذكره. وجميع ما ذكره المصنف من بحث العامل في إذا إلى هنا عبارة أبي حيان في "شرح التسهيل" ونقلها تلميذه ناظر الجيش في شرحه.
وأما بيت الفرزدق، فلم ينشده سيبويه في "كتابه" ولا السيرافي في شرحه، وإنما أنشده ابن عصفور في "شرح الجمل" فإن هذا الكلام جميعه أخذه أبو حيان منه، ومنه أخذ المصنف.
وقوله: متى تردن يومًا؛ متى ويومًا منصوبان على الظرفية، وعاملهما ترد، وجاز تعددهما من غير إتباع، لأن متى زمان عام يشمل اليوم وغيره، فإن قلت: لا يجوز تقدم معمول للفعل المؤكد بالنون، قلت: "متى" لتضمنه حرف الشرط صار له الصدارة، وهو مقدم على عامله أبدًا فنون التوكيد إنما لحقت عامله بعد اعتبار تقدمه عليه، على أن الرواية كما في "صحاح الجوهري" وغيره: "متى ما ترد يومًا". والورود: الإتيان إلى الماء، وسفار، بفتح السين المهملة بعدها فاء وآخره راء مهملة، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": هو ماءة لبني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وزاد ياقوت: هو بوزن قطام،
[ ٢ / ٢٤٦ ]
اسم معدول عن سافر؛ منهل قبل ذي قار بن البصرة والمدينة، وفي كتاب ابن الفقيه: سفار: بلد بالبحرين. انتهى. وهو مبني على الكسر باتفاق تميم وأهل الحجاز، لأن آخره راء. وقوله: تجد بها، أي: بقربها، وأديهم: على وزن مصغر أدهم، قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": ومنهم أديهم بن مرداس: أخو عتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة، أحد بني كعب بن عمرو بن تميم، وكان أديهم شاعرًا خبيثًا، وفيه يقول الفرزدق:
متى ما ترد يومًا سفار تجد بها البيت
والمستجيز: الذي يأتي القوم يستسقيهم ماء أو لبنًا، وسفار: ماء لهم. وكان يهاجي اللعين المنقري، وفيه يقول:
يذكِّرني سبالك أسكتيها وأنفك بظر أمِّك يا لعين
انتهى. والمستجيز بالجيم والزاء المعجمة، قال الجوهري: الجواز: السقي، والجوزة: السقية، واستجزت فلانًا فأجازني: إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك، والمعور، بالعين والراء المهملتين وتشديد الواو المفتوحة: من عورته عن الأمر تعويرًا، إذا صرفته عنه. قال الجوهري: يقال للمستجيز الذي يطلب الماء إذا لم يسقه: قد عوَّرت شربه، وأنشد البيت.
وهو مطلع قصيدة، قال جامع ديوانه ابن حبيب: أراد أديهم بن مرداس أخا عتيبة بن مرداس، وعتيبة هو ابن فسوة. والمعور: المطرود الممنوع حاجته.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وروي "المغور" بالغين معجمة، وهو الذي أورد إبله في الهاجرة فأقام ليبرد، والمستجيز: المستسقي، وبعده:
يظلُّ إلى أن تغرب الشَّمس قائمًا تشمُّس حرباء الصُّوى حين أظهرا
يطرِّد عنها الجائزين كأنَّه غراب على أنباثها غير أعورا
الأنباث: جمع نبيثة، وهو ما أخرج من تراب البئر والنهر إذا حفر.
أأسقيتها والعود يهتزّ في الندَّى كأنَّ بجنبيه زرابيَّ عبقرا
يقول: أسقيتها في الربيع في وقت استغنائها عن الماء، والرياض مزهرة كأنها زرابي، وهي الطنافس الرقاق.
فلما رجعنا للَّذي قلت قائظًا أبيت وكانت علَّة وتعذُّرا
يقول: وعدت جوازها في القيظ، فلما أتيناك للموعد، تعذرت واعتللت.
فلما احتضرنا للجواز وقوَّمت على الحوض راموها من الشِّرب منكرا
فقالوا ألا قبر الهذيل مجازها فقلت لهم لم تصدروا الأمر مصدرا
مجازها: مسقاها.
أتشرب أسلاب امرئ كان وجهه إذا أظلمت سيما امرئ السَّوء أسفرا
مدح هذيلا وقال: إذا أظلم وجه الرجل السوء كان وجهه مشرقا.
كذبتم وآيات الهدى لا تذوقه لبوني وإن أمست خوامس ضمَّرا
أقسم بأن إبله لا تذوق ماء من البئر التي هي قبر الهيل.
أنفت له بالسَّيف لمَّا رأيتها تدكُّ بأيديها الرَّكيَّ المعوَّرا
[ ٢ / ٢٤٨ ]
يقول: أنفت لقبر الهذيل أن تدوسه إبل، فذدتها عنه بالسيف.
يفضُّ عراقيب اللِّقاح كأنَّه شهاب غضا شيَّعته فتسعَّرا
مدحه بأن يعقر اللقاح للضيوف، وهي أكرم إبل عند العرب، لأنها ذات ألبان، وتشييع النار: أن يلقى عليها من دق الحطب فتلتهب، وصفه بسرعة عقرها، كأنه نار ملتهبة.
أليس امرًا ضيفًا وقد غاب رهطه ولو سيم حيًّا مثل هذا لأنكرا
جعل الهذيل ضيفًا، لأنه دفن في غير دار قومه، يقول: لوسيم وهو حي خسفًا لأنكره، فأنا أذود عن قبره الضيم.
أجادت به من تغلب ابنة وائل حصان لقرم من ربيعة أزهرا
فمن مبلغ فتيان تغلب أنني عقرت على قبر الهذيل ليذكرا
وبقي منها ستة عشر بيتًا. قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": كان الهذيل التغلبي قد أغار على إبل نعيم بن ثعلب الرياحي، فمر يوم وردها بسفار، فتقارّ أهلها من بني مازن، وجعل أعوان الهذيل يوردون تلك الإبل قطعة قطعة، والهذيل قاعد على سفير البئر، فلما تشاغل من معه، رأى منه حباشة المازني غرة، فاستدبره بسهم فأقصده، وخر في الركية، فهالوا عليه إلى اليوم. وقال عتبة بن مرداس أحد بني كعب بن عمرو بن تميم:
فمن مبلغ فتيان تغلب أنَّه خلا للهذيل من سفار قليب
إذا طرَّب الأصداء طرَّب وسطها صدى تغلبيٍّ في القبور غريب
[ ٢ / ٢٤٩ ]
انتهى. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب "أيام العرب": لما تنبأت سجاح، واتبعها بشر كثير من بني تغلب، والنمر، وبني تميم، وكان الهذيل ممن تبعها، فلما هزمتها الرباب يوم النباح، وهرب الهذيل، كر على نعم لبني يربوع، فمر بها قبل أرض بني تغلب، فمر بسفار، وعليها أهلها من بني مازن، فنفرت طائفة منهم، وبقيت طائفة على الماء، فجعل أعوان الهذيل يوردون تلك الإبل قطعة قطعة حياض سفار فتشرب، ثم تصدر وترد أخرى، والهذيل قاعد على سفير سفار، فلما تشاغل من معه، ورأى منه حباشة غرة، استدبره بسهم فأقصده، وخر في الركية، وهالوا عليه إلى اليوم. وقال الفرزدق:
متى تردن يومًا سفار تجد بها
وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
تمامه:
والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله مثلان
وتقدم شرحه في الإنشاد الثمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد المائة:
(١٣٥) ونحن عن فضلك ما استغنينا
على أن "عن" متعلقة باستغنينا لضرورة الشعر، لأن ما النافية لا يعمل
[ ٢ / ٢٥٠ ]
ما بعدها فيما قبلها، لأن لها الصدر كإن النافية دون لا ولم ولن.
وهذا البيت من رجز لعامر بن الأكوع الصحابي، روى البخاري في غزة خيبر من "صحيحه" عن سلمة بن الأكوع، رضي الله تعالى عنه، قال: خرجنا مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، إلى خيبر فسرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من هنيَّاتك، وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول:
اللهمَّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا
فاغفر فداءً لك ما أبقينا وثبِّت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينةً علينا إنَّا إذا صيح لنا أتينا
وبالصِّاح عوَّلوا علينا
قال ابن حجر في شرحه: ووقع في رواية إياس بن سلمة عن أبيه عند أحمد في هذا الرجز من الزيادة:
إنَّ الَّذين قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنةً أبينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا
وهذا القسم الأخير عند مسلم أيضًا.
وقوله: اللهم لولا أنت؛ فيه زحاف الخزم – بمعجمتين – وهو زيادة سبب
[ ٢ / ٢٥١ ]
خفيف في أوله.
وأكثر هذا الرجز قد تقدم في الجهاد من حديث البراء بن عازب، وأنه من شعر عبد الله بن رواحة، فيحتمل أن يكون هو وعامر تواردا على ما تواردا منه، بدليل ما وقع لكل منهما مما ليس عند الآخر، أو استعان عامر ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة.
وقوله: فداء لك ما أبقينا، استشكل هذا الكلام لأنه لا يقال في حق الله تعالى، إذ معنى فداء لك: نفيدك بأنفسنا، وحذف متعلق الفداء للشهرة، وإنما يتصور الفداء لمن يجوز عليه الفناء، وأجيب عن ذلك بأنها كلمة لا يراد ظاهرها، بل المراد بها المحبة والتعظيم، مع قطع النظر عن ظاهر اللفظ. وقيل: المخاطب بهذا الشعر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فالمعنى لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حقك ونصرك، وعلى هذا فقوله: اللهم، لم يقصد بها الدعاء، وإنما افتتح بها الكلام، والمخاطب بقوله: أنت، النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ويعكر عليه قوله بعد ذلك:
فأنزلن سكينةً علينا وثبِّت الأقدام إن لاقينا
فإنه دعاء لله تعالى، ويحتمل أن يكون المعنى: فاسأل ربك أن ينزل ويثبت، والله أعلم.
وأما قوله: ما أبقينا؛ معناه: ما تركنا من الأوامر، و"ما" ظرفية.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وللأصيلي والنسفي: أبقينا، أي: خلفنا وراءنا مما اكتسبناه من الآثام، أو ما أبقينا وراءنا من الذنوب، فلم نتب منه. وللقابسي ما لقينا، والمعنى: ما وجدنا من المناهي، وروي: "ما اقتفينا" أي: تبعنا من الخطايا، من قفوت الأمر: إذا تبعته، وكذا لمسلم.
وقوله: إنا إذا صيح بنا أتينا، أي: جئنا إذا دعينا للقول، أو إلى الحق، وروي بالموحدة، فالمعنى: إذا دعينا إلى غير الحق امتنعنا. وقوله: وبالصياح عولوا علينا، أي: قصدونا بالدعاء بالصوت العالي، واستعانوا علينا، تقول: عولت على فلان، وعولت بفلان، بمعنى استعنت به، وقال الخطابي: المعنى: أجلبوا علينا بالصوت، وهو من العويل. انتهى كلام ابن حجر.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وقد جاء هذا الرجز في غزوة الخندق أيضًا منسوبًا إلى عبد الله بن رواحة، ويأتي - إن شاء الله تعالى - بقية الكلام عليه في حرف النون من هذا الكتاب، فإنه قد استشهد فيه بقوله:
وأنزلن سكينةً علينا
تبعًا لسيبويه وغيره. وعامر بن الأكوع: هو عم سلمة بن الأكوع، واسم الأكوع سنان، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عامر بن سنان الأنصاري، عم سلمة بن الأكوع، وسنان هو الأكوع، استشهد عامر بن سنان يوم خيبر، وعن عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع قال: أخبرني أبي، قال: لما خرج عمي عامر بن سنان إلى خيبر مع رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، جعل يرتجز بأصحاب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وفيهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فجعل يسوق الركاب وهو يقول:
تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدَّقنا ولا صلّينا
إنَّ الَّذين قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
ونحن من فضلك ما استغنينا فثِّبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينةً علينا
فقال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم: من هذا؟ قالوا: عامر يا رسول الله، قال: غفر لك ربك. قال: وما استغفر لإنسان قط، يخصه بالاستغفار، إلا استشهد، قال: فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: يا رسول الله، لو متعتنا بعامر! فاستشهد يوم خيبر.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قال سلمة: وبارز عمي يومئذ مرحبًا اليهودي، فقال مرحب:
قد علمت خيبر أنِّي مرحب شاكي السِّلاح بطل مجرّب
إذا الحروب أقبلت تلهَّب
فقال عمي:
قد علمت خيبر أنِّي عامر شاكي السِّلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، ورجع سيفه على ساقه، فقطع أكحله، فكانت منها نفسه. قال سلمة: فلقيت ناسًا من أصحاب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: بطل عمل عامر، قتل نفسه! قال سلمة: فجئت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر! فقال: "من قال ذلك"؟ قلت: ناس من أصحابك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين" انتهى.
وغزوة خيبر كانت في سنة سبع من الهجرة.
وترجمة عبد الله بن رواحة تأتي إن شاء الله تعالى في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد المائة:
(١٣٦) ألا إنَّ قرطا على آلة ألا إنَّني كيده لا أكيد
على أن "لا" النافية لا صدارة لها، ولهذا تقدم مفعول الفعل الذي بعدها عليها.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
قال الدماميني في "المزج": والظاهر أن اختلافهم في صدارة لا النافية إنما هو في غير الناسخة، أما لا الناسخة فلا يختلفون في أن لها الصدر، وحرّر النقل في هذه المسألة، فلست على وثوق منها الآن. انتهى.
والبيت أول أبيات سبعة أوردها أبو تمام في أواسط باب الحماسة من كتاب "الحماسة" للأخزم السنبسي ووقع في روايته:
ألا أنَّني كيده ما أكيد
بـ"ما" دون "لا"، ولم يذكر شراحه رواية لا، وإنما روى "لا أكيد" كالمصنف الأعلم الشنتمري في "حماسته".
والسيوطي غفل عن رواية المصنف، وعن وجه الاستشهاد، وتبع روايته الجماعة، فقال: وما زائدة لا نافية، لأن ما في حيزها لا يعمل فيما قبلها، ولا موصولة، ولا مصدرية، لئلا يتقدم الصلة على الموصول، والمعنى: إني كيده أكيد، أي: أفعل مثل فعله. قال التبريزي: ويجوز كونها نافية، أي: ما أكيد كيده كما يكيدني لأكون خيرًا منه. انتهى كلام السيوطي.
وغفل ثانيًا عن مقتضى كلام التبريزي من فوات صدارة "ما" مع أن المعمول المتقدم مفعول، وهذا لا يجيزه أحد، وتخرج هذه الرواية على أن "ما" زائدة، أي: إنني أقابل كيده بكيد مثل كيده، يريد: إنني لا أبتدئه بمساءته، ولا أباديه بمكر وخيانة، بل أقتدي به فيما عاملني به، وأجازيه صاعًا بصاع. وأما على رواية "لا"، فالمعنى: لا أكيده كما كادني، لأكون خيرًا منه.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
والآلة: الحالة، قال الطبرسي: يقال: فلان لي على آلة وعلى حالة: إذا تنكر وتغير عما كان عليه من قبل، وهذا يجري مجرى الكنايات. ويقال أيضًا، حصل فلان لنا على لون، يراد على لون مذموم، يقول: إن هذا الرجل تغير عما كان يجري عليه معي إلى أمر أنكره ولا أعرفه، إلا أنني أكيد كيده، أي: أقابل كيده لي بكيد مثله، و"ما" زائدة. انتهى. فجعل ما زائدة، ولم يتعرض لكونها نافية. ولله دره في ذلك.
وبعد البيت:
بعيد الولاء بعيد المحـ ـلِّ من ينأ عنك فذاك السعيد
وعزُّ المحلِّ لنا بائن بناه الإله ومجد تليد
ومأثره المجد كانت لنا وأورثناها أبونا لبيد
لنا باحة ضبس نابها يهون على حامييها الوعيد
بها قضب هندوانَّية وغيض تزاءر فيها الأسود
ثمانون ألفًا ولم أحصهم وقد بلغت رجمها أو يزيد
قوله: بعيد الولاء إلخ، قال المرزوقي: يذم قرطًا ويقول: هو بعيد النصرة والموالاة، أي: بطيئها، بعيد الدار والمسكن، ثم قال: من بعد عنك فقد سعد جدُّه، نقل اللام عن الإخبار إلى الخطاب على عادتهم في افتنانهم، وكأنه التفت إليه يريد الزهادة في مجاورته، والاستغناء عن معاونته. انتهى، أشار إلى أن الولاء مصدر المولى، وهو الذي يتولاك وينصرك.
وقوله: وعز المحل لنا إلخ، افتخر بأن بلادهم حصينة ومحلهم عزيز،
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فقال: عز المحل لنا بائن، أي: ظاهر للناس غير خاف، بناه الله تعالى وآثرنا به، وذلك أن بلاد طي اكتنفها جبلاهم: أجا وسلمى؛ فلا يهجم عليهم الآفات ولنا مجد تليد، أي: قديم متوارث، والمأثرة: مفعلة، من أثرت الحديث: إذا رفعته، أراد أن العز اجتمع بهم مكتسبًا وموروثًا، وتالدًا وطريفًا، فلهم بذلك صيت في الناس يؤثر، وثناء يتصل كما كان لأبيهم.
وقوله: لنا باحة إلخ، الباحة: الساحة، والضبس: الشديد، وهو يفتح الضاد المعجمة، وكسر الموحدة، وثالثه سين مهملة. وناب القوم: سيدهم وأراد بالحاميين جبلي طي، والضمير يعود إلى الباحة، ويجوز أن يريد بالناب واحد الأنياب، وجعله مثلًا للشدة، وذكر الباحة والمراد أهلها. وقوله: بها قضب إلخ، جمع قضيب، وهو السيف، يريد أن ديارهم تحوي العُدد والعَدد، فسلاحهم السيوف الهندوانية، ورجالهم أسود. وغيض: جمع غيضة، وهي الأحمة، وتكون مأسدة، وتزاءر: تفاعل، من الزئير، وهو صوت الأسد، وأصله: تتزاءر، فحذف إحدى التائين. والغيض: الأصل، ومنبت كرائم الأشجار الملتفة.
وثمانون: تبيين لكمية ما أشار إليه، يقول: هم ثمانون ألفًا، ولست أقول: هذا عن إحصاء وعد، ولكنه رجم مني وحدس، فهم يبلغون رجمي لها فأضاف المصدر إلى المفعول، ويزيدون عليه. وأصل الرجم: الرمي بالقول وغيره، وأو بمعنى بل.
والأخزم السنبسي الطائي بمعجمتين، والسنبسي، بكسر السين والموحدة
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وسكون النون بينهما: نسبة إلى سنبس بن معاوية بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث ابن طي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد المائة:
(١٣٧) آليت حبَّ العراق الدَّهر أطعمه
تمامه:
والحبُّ يأكله في القرية السُّوس
على أن سيبويه جعل انتصاب "حب" على نزع الخافض، وهو "على" إلى آخر ما ذكره، وأورده سيبويه في أول كتابه في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين أورده فيه، وقال: يربد: على حب العراق. وكذا أورده ابن السراج في "الأصول" وحكاه عنه وقال: قد خولف في ذلك، قال محمد بن يزيد: إنما معناه: آليت أطعم حب العراق، أي: لا أطعم. انتهى. يريد المبرد أنه من باب الاشتغال، لا من باب الحذف والإيصال، وقال ابن خلف: الشاهد فيه حذف حرف الجر من حب العراق، وهو في الأصل: آليت على حب العراق، وهذا كما تقول: أقسم زيد على طعامه أنه لا يأكله أحد، قال محمد بن يزيد: وهذا خطأ، وإنما هو آليت أطعم حب العراق، أي: لا أطعم، كما تقول: والله أبرح من هنا، أي: لا أبرح، قال أحمد بن محمد بن الوليد: آليت، وحلفت، وأقسمت: أفعال تتعدى إلى المحلوف عليه بحرف الجر، فتقول: حلفت على زيد لا أكلمه، وإن شئت قلت: حلفت على زيد، ولم تأت بجواب، لأن "حلفت" جملة مكتفى بها، فإذا قلت: حلفت لا أفعل، فهو كقولك: والله لا أفعل، إلا أنك إذا قلت: والله، فلابد من جواب القسم، وإلا لم يكن كلامًا. انتهى.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وأورده أبو حيان في أول تذكرته، وقال: أورده سيبويه على أنه مما حذف منه حرف الجر، وأن تقديره: على حب العراق، وخطأه الجرمي والمبرد، فزعما أن حب العراق منصوب بإضمار فعل، وهو من باب الاشتغال يفسره أطعمه، أي: لا أطعم حب العراق الدهر لا أطعمه، وإنما ذلك على مذهب من أجاز أن يعمل ما بعد لا فيما قبلها على الإطلاق، والصحيح التفصيل بين أن تقع "لا" جوابًا للقسم، فيمنع إجراؤها مجرى ما يتلقى به القسم، أو لا تقع جوابًا له، فيجوز ذلك، ومن النحويين من منع ذلك مطلقًا، فما بعد "لا" لا يعمل فيما قبلها. وزعم بعضهم أن تقدير سيبويه: "على حب العراق" تقدير معنى، وإنما تقدير اللفظ: آليت في حب العراق، وإنما أحتاج إلى هذا لأن آليت فيك أكثر من آليت عليك، وهذا غير لازم، بل جاء السماع بهما، فذكر أحدهما، وليس تقديره بتقدير معنى. انتهى.
وأورد ابن عصفور مثل هذا في "الضرائر" قال: ومنه حذف حرف الخفض من المعمول، ووصول العامل إليه بنفسه للضرورة، تشبيهًا له بالعامل الذي يصل بنفسه. انتهى.
وقوله: آليت، بفتح التاء: خطاب لعمرو بن هند ملك الحيرة، وآليت: حلفت وأقسمت، وأراد بالحب: الحنطة والقمح، وأطعمه. آكله، ولا النافية مقدرة، كقوله تعالى: (تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف/ ٨٥] أي: لا تفتأ، والحب: مبتدأ، وجملة "يأكله" خبر المبتدأ. وأراد بالقرية: الشام، والسوس: قمل الحنطة، يقول: إن حلفت على أني لا آكل حنطة العراق، ومنعتني من المقام به، فأنا لا أبالي بذلك، فالحب في الشام كثير، ومن كثرته يأكله السوس، وأنا مقيم هناك، ولا حاجة لي إلى حب العراق والإقامة فيه.
والبيت من قصيدة للمتلمس، وكان هجا – مع ابن أخته طرفة ابن العبد – ملك
[ ٢ / ٢٦٠ ]
الحيرة عمرو بن هند، فكره قتلهما عنده لمكان قومهما، وبعد مدة كتب لهما إلى عامله بالبحرين يأمره بإعطاء جائزة لكل منهما، وكان أمره فيما كتب لهما بقتلهما، وأوهمها أنه كتب لهما بجائزة، ولما كان في الطريق، اقرأ المتلمس ورقته، فإذا فيها الأمر بقتله، فمزقها ورماها بنهر الحيرة، وهرب إلى الشام، وأبى طرفة أن يفتح ورقة الملك، وقال للمتلمس: إن كان اجترأ عليك، فلن يجترئ علي. وذهب إلى عامله، فقتل هناك، وبقي المتلمس في الشام مدة، وكلموا الملك في رجوع المتلمس إلى العراق والعفو عنه، فقال الملك: واللات لا يذوق حب العراق ما حييت! فبلغه ذلك، فقال هذه القصيدة وهو بمكة، يحرض بكرًا على عمرو، ومطلعها:
يا آل بكر ألا لله أمُّكم طال الثَّواء وثوب العجز ملبوس
أغنيت شأني لأغنوا اليوم شأنكم واستحمقوا في ذكاء الحرب أو كيسوا
إلى أن قال:
حنَّت قلوصي بها والَّليل مطَّرق بعد الهدوِّ وشاقتها النَّواقيس
يقول: حنت ناقتي إلى الشام، لأن بها غسان، وكانوا نصارى، وكان يمدحهم، فلذلك قال: وشاقتها النواقيس.
وقد أضاء سهيل بعد ما هجعوا كأنَّه ضرب بالكفِّ مقبوس
إلى أن قال يخاطبها:
أمِّي شاميَّة إذ لا عراق لنا قومًا نودُّهم إذ قومنا شوس
أمّي: اقصدي الشام، وشوس: أعداء، والأشوس: الذي ينظر إلى صاحبه شزرًا، كأنه يريد أن يبطش به من البغضاء.
[ ٢ / ٢٦١ ]
لن تسلكي سبل النُّوباز منجدة ما عاش عمرو وما عمِّرت قابوس
النوباز: أرض معروفة نحو نجد، وعمرو وقابوس: ابنا المنذر بن ماء السماء، وقابوس: منادى، تقديره: يا قابوس.
آليت حبَّ العراق الدهر آكله والحبُّ يأكله في القرية السُّوس
لم تدر بصري بما آليت من قسم ولا دمشق إذا ديس الكداديس
هذا كله خطاب له، وبصرى: قرية بدمشق، والكداديس: جمع كدس، وهو ما يكدس من الحنطة فيكوم. قال جامع "ديوان المتلمس" أبو الحسن الأثرم: قال أبو عبيدة: كان سبب هجاء المتلمس – واسمه جرير بن عبد المسيح، أخو بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وكان في أخواله بني يشكر، ولد عندهم، ومكث فيهم حتى كادوا يغلبون على نسبه – أن عمرو بن هند سأل يومًا الحارث ابن التوأم اليشكري عن نسب المتلمس، فقال: يزعم أنه من بني ضبيعة أضجم، قال عمرو: ما هو إلا كالساقط بين الفراشين، فبلغ ذلك المتلمس فقال:
يعيِّرني أمِّي رجال ولا أرى أخا كرم إلا بأن يتكرَّما
ومن كان ذا عرض كريم فلم يصن له حسبًا كان اللئيم المذَّمما
[ ٢ / ٢٦٢ ]
أحارث إنَّا لو تساط دماؤنا تزايلن حتى ما يمسّ دم دما
أمنتقلًا من آل بهثة خلتني ألا إنَّني منهم وإن كنت أينما
وبهثة: ابن حرب بن وهب بن جلّي بن أحمس بن ضبيعة.
ألا إنَّني منهم وعرضي عرضهم كذي الأنف يحمي أنفه أن يهشَّما
وإنَّ نصابي إن سألت وأسرتي من الناس حتَّى يقتنون المزنَّما
وكنا إذا الجبّار صعَّر خدَّه أقمنا له من صعره فتقوَّما
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علِّم الإنسان إلَّا ليعلما
ولو غير أخوا لي أرادوا نقيصتي جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وهل لي أمٌّ غيرها إن تركتها أبى الله إلاّ أن أكون لها ابنما
مع أبيات تركناها. ثم إن المتلمس انقبض عن عمرو، وشكاه فأطرده، أي: حمله وألجأه إلى الانطراد، وقال المتلمس يهجوه:
[ ٢ / ٢٦٣ ]
أطردتني حذر الهجاء ولا واللات والأنصاب ما تئل
ورهنتني هندًا وعرضك في صحف تلوح كأنَّها الخلل
مع أبيات أخر، فبلغت عمرًا، فكتمها في نفسه، فقرنه إلى طرفة وكتب لهما. وأما طرفة فإنه بعث إليه عمرو بن هند، فقال له: ما لك لا تلزمني؟ فقال: إني ترعية في إبلي - أي: لازم لها - وأخاف عليها الإغارة! فقال لأخيه قابوس، ولخال أبيه قيس من بني النمر بن قاسط ممم وقال لطرفة: أنا جار من أجارا، فأقام معه، فانقضَّ ذؤبان من أهل اليمن، فذهبوا بها جميعًا، وفيها معبد بن العبد أخو طرفة، فبلغ طرفة الخبر، فقال له: أبيت اللعن! إن أبلي أني دونها في حبلك، فجعل يسوفه حتى فاتت، وخرج طرفة بعلة طلب إبله، فلما أيس منها ومن الثواب عليها؛ قال يهجو عمرًا:
ملك يلاعب أمَّه وقطينها رخو المفاصل أيره كالمرود
والقطين: وكذلك العطين: الفرج، وكان طرفة قد هجا عبد عمرو ابن مرثد ابن عمه بقوله:
يا عجبًا من عبد عمرو وبغيه لقد رام شتمي عبد عمرو فأنعما
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ولا خير فيه غير أنَّ له غنىً وأنَّ له كشحًا إذا قام أهضما
ثم إن عبد عمرو وفد على عمرو، وقد فارقه طرفة، فأصابتهم سماء في ربيع، فخرج في غبها، فلما حجبت الشمس قال لحبائه، وهو أكرم أصحابه عليه، ولعبد عمرو: ضعوا ثيابكم، وانقعوا في الماء، فلما نظر إلى عبد عمرو، ورأى خلقًا عجيبًا فقال: قاتل الله طرفة! لقد أصاب الوصف حيث قال:
تظلُّ نساء الحيِّ يعكفن حوله يقلن عسيب من سرارة ملهما
فقال عبد عمرو: أبيت اللعن، ما قال فيك أشد من هذا! ثم ندم فجحد مقالته لأنه ابن عمه، فأبى أن يدعه، فاستعهده ثم أنشده:
ملك يلاعب أمَّه بقطينها
فأضمرها عمرو في نفسه، وأراغ طرفة، فلم يزل يطمعه في رفده حتى أتاه، فأراد قتله، فراقب فيه قومه بني ثعلبة بن عكابة، وكانوا جنده، فكتب له وللمتلمس إلى أحد أخوال أبيه من النمر بن قاسط، وكان عامله على جباية ما كان للعرب في البحرين؛ أن يقطع أيديهما ويقتلهما، وقال لهما: إني كتبت لكما
[ ٢ / ٢٦٥ ]
بالحباء والكرامة. فلما بلغا محلمًا، وهو خليج بين الصفا والمشقر، ألقيا ثيابهما في سفينة وانحدرا، وكان المتلمس أسن من طرفة، فقال: ويحك يا طرفة، قد أنكرت نفسي أمر هذا الرجل، أما كان عنده ما يحبونا به حتى رمى بنا ما بين الحيرة وهجر؟ ! إنه ليريبني أمره! فأطعني، وفض خاتم كتابك وكتابي، ونعطيهما بعض الحاضرة، فإن يك فيهما ما نحب، وإلا ألقيناهما. فأبى طرفة أن يفعل، وأبى المتلمس إلا ارتيابًا له، وكان داهية، فمر به فتى، فقال له المتلمس: أتقرأ الكتب؟ قال: نعم، فدفع كتابه إليه، فإذا فيه ما يتخوف المتلمس، فقال لطرفة: ويلك أعطه كتابك يقرأه، فإن فيه مثل ما في كتابي، قال طرفة: ما حالي والله مثل حالك، لأن بني ثعلبة ليسوا كبني ضبيعة، فأخذ المتلمس كتابه فرمى به في الخليج وقال:
ألقيتها بالثِّني من جنب كافر كذلك أقنو كلَّ قطٍّ مضلَّل
الثني: منثنى النهر، وهو جانبه، والكافر هنا: النهر. ونجا المتلمس، فمضى هاربًا، وقال في ذلك:
من مبلغ الشعراء عن أخويهم نبًا فيصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذي علق الصحيفة منهما ونجا حذار حبائه المتلمِّس
ألقى صحيفته ونجَّت كوره وجناء ليِّنة المفاصل عرمس
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ثكلتك يا ابن العبد أمُّك سادرًا أبساحة الملك الهمام تمرَّس
ألق الصحيفة لا أبالك إنَّه يخشى عليك من الحباء النِّقرس
الكور بالضم: أداة الرحل، والعرمس: الصخرة، والحباء: العطية، والنقرس: داء يأخذ في الرِّجل، وهو هنا المكر والداهية. قال: ومضى طرفة حتى دخل بكتابه على صاحبه، فلما قرأ النمري كتابه قال: أتدري ما فيه؟ قال: نعم، فيه الحباء والكرامة لي، فحبسه، وكتب إلى عمرو: أبيت اللعن، جعلتني بهذا الموضع لأقتل لك بكر بن وائل؛ فاضممني إليك وابعث إلى موضعي من أحببت، فبعث عمرو رجلًا من بني تغلب، وأمره أن يقتل طرفه. فلما قدم التغلبي قال له طرفة: لي إليك حاجة؛ اسقني خمرًا حتى ترنحني الكأس، ثم تقطع رواهشي، ففعل به ذلك. فقبره بهجر يأتيه الفتيان فيطيفون به حتى الآن، ويشربون عنده حتى ينتهي إليه الكأس فيصبوها على قبره.
فغبر المتلمس زمينًا، فكلّم فيه عمرو، فقال: واللات لا يذوق حب العراق ما حييت، فبلغه ذلك، فقال وهو بمكة يحض بكرًا على عمرو:
يا آل بكر ألا لله أمُّكم
القصيدة؛ فلحق المتلمس بالشام يختلف بين دمشق ومصر، وتغنّى الركبان بقوله:
طال الثَّواء وثوب العجز ملبوس
والمتلمس: شاعر مشهور جاهلي مفلق مقل، ذكره ابن سلام في الطبقة السابعة من شعراء الجاهلية مع سلامة بن جندل، والحصين بن الحمام، والمسيب ابن علس. وقد اتفق علماء الشعر على أن هؤلاء الثلاثة أشعر المقلين في الجاهلية، وأن المتلمس أشعرهم. ولقب بالمتلمس لقوله من قصيدة:
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وذاك أوان العرض حيَّ ذبابه زنابيره والأزرق المتلمِّس
والعرض: بالكسر: واد باليمامة، والأزرق: الذباب الأخضر الضخم في الروضة، ولا يكون إلا في زمن الخصب. والمتلمس الذي يتلمس الشيء، أي: يطلبه.
وصحيفته يضرب بها المثل، يقال: كصحيفة المتلمس، لما ظاهره خير، وباطنه شر. وما أحسن قوله آخر أبيات:
وأعلم علم حقِّ غير ظنٍّ لتقوى الله من خير العتاد
وحفظ المال أيسر من بغاه وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ولا يبقى الكثير على الفساد
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد المائة:
(١٣٨) فقال فريق القوم لمَّا نشدتهم نعم وفريق ليمن الله ما ندري
على أنقوله: ليمن الله، يرد على الكوفيين في زعمهم أن ألف أيمن ألف قطع. قال سيبويه: وزعم يونس أن ألف أيم موصولة، وكذلك تفعل بها العرب، وفتحوا الألف كما فتحوا الألف التي في الرجل، وكذلك أيمن، قال الشاعر:
وقال فريق القوم لمّا نشدتهم البيت
سمعناه هكذا من العرب. انتهى. وقال قبله بسطرين: تقول: لعمر الله
[ ٢ / ٢٦٨ ]
لأفعلنّ، وأيم الله لأفعلن، وبعض العرب يقول: أيمن الكعبة لأفعلن، فكأنه قال: لعمر الله المقسم به، وكذلك أيم وأيمن، إلا أن ذا أكثر في كلامهم، فحذفوه كما حذفوا غيره، وهو أكثر من أن أصفه لك. انتهى.
قال أبو علي في تعليقته على "كتاب سيبويه" قولهم: ليمن الله يدل على أن الألف ألف وصل سقطت لما اتصل بما قبله، أعني باللام التي تدخل على المبتدأ كما تسقط ألف ابن في قولك: لابن زيد ظريف، ولو قال قائل: إن أيمن جمع يمين، لكان مخطئًا، لأنه لو كان كذلك لثبتت في الدرج ولم تسقط، لأن ألف أفعل ليست بألف وصل، فهذا بيّن جدًا أنه ليس بجمع يمين. فإن قيل: إن الهمزة من قوله: "ليمن" مخففة، فلذلك حذفت، قيل: لو كانت مخففة لوجب أن تثبت مخففة؛ لأن ما قبلها متحرك، وإنما تحذف الهمزة في التخفيف إذا كان ما قبلها ساكنًا، كقولك: جيل في: جيال، واضرب باك، فإذا كان ما قبلها متحركًا، وكانت هي نفسها متحركة، أو ساكنة، لم تحذف، تقول في تخفيف سأل: سال، وفي تخفيف رأس راس، فلا تحذف الهمزة البتة، فعلى هذا لو كان أيمن جمعًا، لكان لايمن إذا خفف. انتهى كلامه.
وقول المصنف: ويلزمه الرفع بالابتداء، حققه أبو علي في "التعليقة" فقال: "لعمر الله": اسم مبتدأ، وخبره محذوف، واللام في لعمر الله لام الابتداء، ولذلك قالوا: إن المحذوف من هذه الجملة هو الخبر دون الابتداء، لأن لام الابتداء إنما تدخل على المبتدأ، ولا تدخل على الخبر إلا في ضرورة شعر، نحو:
أمُّ الحليس لعجوز شهر به
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وإنما أقسم بالجملة التي هي من المبتدأ والخبر، كما أقسم بالجملة التي هي من الفعل والفاعل، لأن الجمل هذان قسماها، وحذف من كلا الجملتين لدلالة ما بقي منها على ما حذف، فأما التي من الفاعل والفعل فحذفت بأسرها، وأما التي من المبتدأ فحذف بعضها، لأن الذي أبقي منها دال على ما حذف منها. انتهى كلامه.
وهذا الحكم مطرد في ليمن، وبه يرد على ابن عصفور في تجويز كونه خبرًا لمبتدأ محذوف. وقول المصنف: ولابن مالك في إجازة إضافته إلى الكعبة، أي: وخلافًا لابن مالك في تجويزه ذلك، ويرده قول سيبويه: وبعض العرب يقول: أيمن الكعبة لأفعلن هذا.
وفي البيت رواية أخرى مشهورة عند علماء البلاغة وهي:
فقال فريق القوم لا وفريقهم نعم وفريق قال ويحك ما ندري
وكذا رواه لامصنف في شرح أول البيت الثالث من قصيدة بانت ساد، وقال: قد استوفى ما يذكر في جواب الأسئلة. وقال ابن رشيق في "العمدة": ومن التقسيم الجيد قول نصيب، لم يبق جواب سائل إلا أتى به، فاستوفى جميع الأقسام، وزعم قوم أنه أفضل بيت وقع فيه تقسيم. وقال عبد اللطيف البغدادي في "شرح نقد الشعر" لقدامة: هذه قسمة من نفس الأمر وطبيعته، ولو أراد إنسان أن يتحيل قسمًا رابعًا لما أمكنه، ويقال لهذا في علم البديع: صحة التقسيم.
وعرفه ابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير" بقوله: هو عبارة عن استيفاء
[ ٢ / ٢٧٠ ]
المتكلم أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه بحيث لا يغادر شيئًا، ومثل بآيات وأبيات. والبيت من قصيدة لنصيب، أنشد بعضها القالي في "أماليه" ورواها أبو محمد الأعرابي في "فرحة الأديب" وهي:
ألا يا عقاب الوكر وكر ضرَّية سقيت الغوادي من عقاب على وكر
أبيني لنا لا زال ريشك ناعمًا ولا زلت من طير مخضَّبة الظُّفر
رأيتك في طير تروقين فوقها بمنعرج الوادي المحقَّف ذي السِّدر
تمرُّ الليالي ما مررن ولا أرى مرور الليالي منسياتي ابنة النَّضر
تقول صلنِّي واهجرِّني وقد ترى إذا هجرت أن لا وصال مع الهجر
فلم أرض ما قالت ولم أبد سخطةً وضاق بها جمجمت من حبِّها صدري
فهل أنا إلَّا مثل سيِّقة العدى إن استقدمت نحر وإن جبأت عقر
ظللت بذي دوران أنشد ناقتي ومالي عليه من قلوص ولا بكر
وما أنشد الرُّعيان إلاَّ تعلَّةً بواضحة الأنياب طيِّبة النَّشر
فقال لي الرُّعيان لم تلتبس بنا فقلت بلى قد كنت منها على ذكر
وقد ذكرت لي بالكثيب موالفًا قلاص سليم أو قلاص بني وبر
فقال فريق لا وقال فريقهم نعم وفريق قال ويحك ما ندري
[ ٢ / ٢٧١ ]
أما والَّذي حجَّ الملُّبون بيته وعظَّم آيات الذَّبائح والنَّحر
لقد زادني للجفر حبًّا وأهله ليالٍ أقامتهنَّ ليلى على الجفر
فهل يؤثمنِّي الله في أن ذكرتها وعلّلت أصحابي بها ليلة النَّفر
وطرت وما بين من سأم ومن كرى وما بالمطايا من كلال ومن فتر
وضرَّية: موضع قرب المدينة يضاف إليه الحمى فيقال: حمى ضرية، والمنعرج: اسم مفعول من انعرج الشيء، أي: انعطف، ومنعرج الوادي، منعطفه يمنة ويسرة، والمحقّق: الذي فيه حقق الرمل، وهو تلة، وجمجم الرجل - بجيمين - وتجمجم: إذا لم يبين كلامه، والسيّقة: هي الدابة التي تهب وتساق كالناقة، والنحر: الذبح، وجبأت، بالجيم والموحدة والهمز، في "الصحاح": جبأت عن الرجل جبءًا وجبوءًا: خنست عنه، وأنشد البيت. وعقر البعير بالسيف عقرًا: ضرب قوائمه به، لا يطلق العقر في غير القوائم، ودوران، بضم الدال المهملة، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": دوران على بناء فعلان، قال ابن حبيب: دوران: ما بين قديد والجحفة، وأنشد هذا البيت، وبيت مالك ابن خالد الخناعي وهو قوله:
كأنِّي بذي دوران والجزع حوله إلى طرف المقراة راغية السَّقب
وبيتًا آخر لكثير، وفي "القاموس": وذو دوران، كحوران: موضع بين قدد والجحفة، فصاحب "القاموس" ضبطه بفتح الدال، وأبو عبيد بضمها،
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وكذلك خالف الحازمي في "المؤتلف والمختلف من أسماء الأماكن" قال: دوران، بعد المفتوحة واو ساكنة بعدها راء: موضع بين قديد والجحفة، وذو دوران: موضع في شعر ابن قيس الرقيات:
نادتك والعيس سراع بنا مهبط ذي دوران فالقاع
ودوران بضمها: موضع عند الكوفة، كان به قصر لإسماعيل القسري أخي خالد القسري. انتهى.
والمراد هنا ما قاله أبو عبيد، وصاحب "القاموس" وإن كان بينهما مخالفة في الضم والفتح، وأرجع الضمير من "عليه" إليه مذكرًا باعتبار الموضع، وفي رواية "عليها" بالتأنيث باعتبار البقعة، والقلوص: الناقة الشابة، والبكر: الشاب من الإبل، والرعيان: جمع راعٍ، وأنشد في الموضعين: من نشدت الضلة نشدًا، إذا طلبتها وسألت عنها، والتعلة: التلهي بالشيء. والباء من قوله: بواضحة، متعلقة به، ولم تلتبس: لم تختلط ناقتك بإبلنا، والنشر: الرائحة، والذكر بالكسر: يعني ذكر لي أنها مع إبلكم، والكثيب: موضع، وموالفًا بفتح الميم: جمع مولفة، كمواخر جمع موخرة الرحل، ومولفة: اسم فاعل من آلفت الظباء الرمل؛ إذا ألفته، قال ذو الرمة:
من المولفات الرَّمل أدماء حرَّة شعاع الضُّحى في متنها يتوضَّح
وقوله: نعم، أي: قد عرفنا صحة ما تقول، وهي في الموضع الذي ذكرته،
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وقوله: ما ندري، أي: ما عندنا خبر. ذكر أنه تعرض لزيارة حبيبته، فجعل ينشد ناقة ضلت له مخافة أن ينكر عليه مجيئه.
ومعنى الأبيات: جعلت حاجتي بذي دوران كأني أطلب قلوصًا ضاعت مني، وما لي هناك من قلوص ولا بكر، وإنما جعلت ذلك تعلة لطلب معشوقتي، والإتيان إلى أرضها، فورَّى عنها بالقلوص والبكر، وهو يريدها، فلما أحست الرعيان به قالوا له: ما لك؟ فقال لهم: إن قلوصي ضاعت، فهل لكم بها خبر؟ فقال له الرعيان: لم تختلط قلوصك بإبلنا، فقال لهم: بلى، قد ذكرت لي أنها بالكثيب ترعى مع قلاص بني سليم، أو بني وبر، فمن الرعيان من شك بعد الجحد، فقال: نعم هي هناك، ومنهم من قال: ما ندري أذلك صحيح أم لا.
والجفر، بفتح الجيم وسكون الفاء، قال ياقوت في "معجم البلدان": هو موضع بناحية ضرية من نواحي المدينة، كان به ضيعة لأبي عبد الجبار سعيد بن سليمان، كان يكثر الخروج إليها فسمي الجفري.
وقوله: فهل يؤثمني الله، يقال: آثمته - بالمد -: إذا أوقعته في الإثم، وروي: "فهل يأثمني الله" من أثمته أثمًا، من بابي ضرب وقتل: إذا جعلته آثمًا. وعللت: ألهيت، وليلة النفر: هي الليلة التي ينفر الحاج من منى في صباحها، أي: يدفعون منها، والكرى: النعاس، والجنوح: الميل والتكاسل من شدة السير، والفتر: هو الفتور، ضد النشاط.
ونصيب: بضم النون وفتح الصاد، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء":
[ ٢ / ٢٧٤ ]
هو مولى بني كعب بن ضمرة من كنانة، وقال آخرون: هو من بليّ من قضاعة، وكان حبشيًا وأمه سوداء، ويقال: إن سيدها وقع عليها فأولدها نصيبًا، فوثب عليه عمه بعد موت أبيه، فاستعبده وباعه عبد العزيز بن مروان.
وقال صاحب "الأغاني": كان نصيب شاعرًا فحلًا فصيحًا مقدمًا في النسيب والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء. وقال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": هو نصيب بن رباح الأكبر، وكان عبدًا أسود لرجل من أهل القرى، فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان، فمدحه فوصله عبد العزيز، وأدى عنه ما كاتب به، فصار له ولاؤه.
وروى القالي في "أماليه" عن الأصمعي قال: دخل نصيب على عبد الملك ابن مروان، فعاتبه على قلة زيارته، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا عبد أسود، ولست من معاشري الملوك، فدعاه إلى النبيذ، فقال: يا أمير المؤمنين: أنا أسود البشرة، قبيح النظرة، وإنما وصلت إلى مجلس أمير المؤمنين بعقلي، فإن رأى أن لا يدخل عليه ما يزيله فعل! فأعفاه ووصله.
وسمي نصيبًا لأنه لما ولد قال سيده: ائتونا بمولودنا ننظر إليه، فلما أتي به قال: إنه لمنصَّب الخلق، فسمي نصيبًا. وكان شاعرًا إسلاميًا حجازيًا من شعراء بني مروان، وكان عفيفًا، يقال: إنه لم ينسب قط إلا بامرأته. وقيل: كان من أهل ودّان، عبدًا لرجل من كنانة، ونصيب هذا هو الأكبر، ولهم نصيب الأصغر، وهو شاعر، مولى المهدي بن منصور.
روي أن الفرزدق دخل على سليمان بن عبد الملك، وعنده نصيب الأسود،
[ ٢ / ٢٧٥ ]
فقال: أنشدنا يا أبا فراس، وأحب أن ينشده بعض ما امتدحه به، فأنشده:
وركب كأنَّ الرِّيح تطلب منهم لها ترةً من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الريح وهي تلفُّهم إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا استوضحوا نارًا يقولون ليتها وقد خصرت أيديهم نار غالب
فغضب سليمان، وقال لنصيب: أنشد مولاك يا نصيب، فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم قفا ذات أو شال ومولاك قارب
قفوا خبِّروني عن سليمان إنَّني لمعروفه من أهل ودَّان طالب
فعاجوا فأنثنوا بالَّذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال سليمان للفرزدق: كيف تراه؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته، فقال سليمان: وأهل جلدتك، فخرج الفرزدق، وهو يقول:
وخير الشِّعر أشرفه رجالًا وشرُّ الشِّعر ما قال العبيد
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وهذا البيت رأيته آخر قصيدة طويلة للنابغة الشيباني:
حرف الباء المفردة
أنشد فيه، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد المائة:
(١٣٩) وبات على النّار النّدى والمحلَّق
على أن المراد بالاستعلاء هنا الاستعلاء المجازي، لأن الندى والمحلق لم يمسا النار، وإنما هما بمكان قريب منها. وأورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) [طه/ ١٠] على أن معنى الاستعلاء فيها أن أهل النار يستعملون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في: مررت بزيد، أنه لصوق في مكان يقرب من زيد، ولأن المصطلين بها إذا تكنفوها قيامًا وقعودًا، كانوا مشرفين عليها. انتهى. ومنه أخذ المصنف كلامه، والمصراع من قصيدة للأعشى ميمون البكري، وقبله وهو أول المديح:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوءٍ نارٍ في يفاعٍ تحرَّق
تشبُّ لمقرورين يصطليانها وبات على النار النَّدى والمحلَّق
رضيعي لبان ثدي أمٍّ تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرَّق
ترى الجود يجري ظاهرًا فوق وجهه كما زان متن الهنداونِّي رونق
يداه يدا صدق فكفٌّ مبيدة وكفٌّ إذا ما ضنَّ بالمال تنفق
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وأمَّا إذا ما المحل سرَّح مالهم ولاح لهم وجه العشيَّات سملق
نفى الذَّمَّ عن آل المحلَّق جفنة كجابية الشَّيخ العراقيِّ تفهق
ترى القوم فيها شارعين ودونهم من القوم ولدان من النَّسل دردق
يروح فتى صدق ويغدو عليهم بملء جفان من سديف تدفَّق
طويل اليدين رهطه غير ثنية أشمُّ كريم جاره لا يرهَّق
وهذا آخر القصيدة. ومن أول القصيدة إلى أول المديح أكثر من أربعين بيتًا.
روى شارح ديوانه، وصاحب "الأغاني" والرياشي وغيرهم: أن الأعشى كان يوافي سوق عكاظ في كل سنة، وكان المحلق – واسمه عبد العزى بن حنتم بن شداد من بني عامر بن صعصعة -، مئناثًا مملقًا، فقالت له امرأته: يا أبا كلاب! هذا يمنعك من التعرض لهذا الشاعر؟ فما رأيت أحدًا مدحه إلا رفعه! ولا هجا أحدًا إلا وضعه! هو رجل مفوَّه مجدود الشعر، وأنت رجل، كما علمت، خامل الذكر ذو بنات، فإن سبقت الناس إليه فدعوته إلى الضيافة، رجوت لك حسن العاقبة! قال: ويحك، ما عندنا إلا ناقة نعيش بها! قالت: إن الله يخلفها عليك، قال: لابد له من شارب، قالت: إن عندي ذخيرة لي، ولعلي أجمعها، فتلقَّه قبل أن تسبق إليه. ففعل، وخرج إلى الأعشى، فوجد ابنه يقود ناقته، فأخذ زمامها منه، فقال الأعشى: من هذا الذي غلبنا على خطام ناقتنا؟ قيل: المحلق، قال: شريف كريم، وقال لابنه: خلِّه يقتادها، فاقتادها إلى منزله، فنحر له ناقته، وكشف له عن سنامها وكبدها، ووجد امرأته قد خبزت خبزًا، وأخرجت نحي سمن، وجاءت بوطب لبن، فلما أكل الأعشى وأصحابه، وكان في عصابة قيسية، قدم إليه الشراب،
[ ٢ / ٢٧٨ ]
واشتوى له من كبد الناقة، وأطعمه من أطائبها. فلما أخذه الشراب سأله عن حاله وعياله، فعرف البؤس في كلامه، وأحاطت به بناته يغمزنه ويمسحنه، فقال: ما هذه الجواري حوالي؟ قال: بنات أخيك، وهن ثمان. قال: أما والله لئن بقيت لهن لأدعن شريدتهن قليلةّ وخرج ولم يقل فيه شيئًا. ووافى المحلق عكاظ، فإذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها، وإذا الأعشى يقول:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة
إلى آخر القصيدة. فسلم عليه المحلق، فقال: مرحبًا بسيد قومه، ونادى يا معاشر العرب! هل فيكم مذكر يزوج ابنه ببنات هذا الشريف الكريم؟ فما قام من مقعده حتى خطبت بناته جميعًا.
قوله: لقد لاحت: نظرت وتشوفت إلى هذي النار، واليفاع: بالفتح: الموضع العالي، وجعلها في يفاع لأنه أشهرها؛ لأنها تصيبها الرياح فتشتعل. وهذه النار نار الضيافة، كانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة؛ لتكون أشهر وربما يوقدونها بالمندلي الرطب، وهو عطر ينسب إلى مندل، وهو بلد من بلاد الهند، ونحوه مما يتبخر به، ليهتدي إليها العميان، وأشعارهم ناطقة بذلك.
ونيران العرب على ما في كتاب "الأوائل" لإسماعيل الموصلي اثنا عشر نارًا:
أحدها: هذه، وهي نار القرى توقد لاستدلال الأضياف بها على المنزل. وأول من أوقد النار بالمزدلقة حتى يراها من دفع من عرفة قصي بن كلاب.
الثانية: نار الاستمطار، كانت العرب في الجاهلية إذا احتبس عنهم المطر يجمعون البقر ويعقدون في أذنابها وعراقيبها السِّلع والعشر، ويصعدون بها في
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الجبل الوعر، ويشعلون فيها النار ويزعمون أن ذلك من أسباب المطر، ويأتي إن شاء الله تعالى شرحه مستوفى في بحث ما الزائدة.
الثالثة: نار التحالف، كانوا إذا أرادوا الحلف أوقدوا نارًا وعقدوا حلفهم عندها، ودعوا بالحرمان والمنع من خيرها على من ينقض العهد، ويحل العقد.
الرابعة: نار الطرد، كانوا يوقدونها خلف من يمضي ولا يشتهون رجوعه.
الخامسة: نار الأهبة للحرب، كانوا إذا أرادوا حربًا، أو توقعوا جيشًا، أوقدوا نارًا على جبلهم، ليبلغ الخبر فيأتونهم.
السادسة: نار الصيد، وهي نار توقد للظباء لتعشى إذا نظرت إليها، ويطلب بها أيضًا بيض النِّعام.
السابعة: نار الأسد، يوقدونها إذا خافوه، وهو إذا رأى النار استهالها، فشغلته عن السابلة. وقال بعضهم: إذا رأى الأسد النار حدث له فكر يصده عن إرادته. والضفدع إذا رأى النار تحيّر وترك النقيق.
الثامنة: نار السليم توقد للملدوغ إذا سهر، وللمجروح إذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضه الكلب الكليب، لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر، ويؤدي للهلاك.
التاسعة: نار الفداء، وذلك أن الملوك إذا سبوا القبيلة خرجت السادة للفداء، فكرهوا أن يعرضوا النساء نهارًا فيفتضحن، وفي الظلمة يخفى قدر ما يحبسون لأنفسهم من الصَّفيّ. [فيوقدون النار لعرضهن].
العاشرة: نار الوسم، وهو الكي للدابة، ويأتي شرحه إن شاء الله تعالى قريبًا بعد أبيات.
الحادية عشرة: نار الحرّتين، كانت في بلاد عبس، فإذا كان الليل فهي نار
[ ٢ / ٢٨٠ ]
تسطع، وفي النهار دخان يرتفع وربما ندر منها عنق فأحرق من مر بها، فحفر لها خالد بن سنان فدفنها، فكانت معجزة له.
الثانية عشرة: نار السعالي، وهي شيء يقع للمتغرب والمتقفر. قال أبو المطراب عبيد بن أيوب:
ولله درُّ الغسول أيُّ رفيقة لصاحب دوٍّ خائف متقفِّر
أرنَّت بلحن بعد لحن وأوقدت حواليَّ نيرانًا تبوخ وتزهر
وأما نار الحباحب: فكل نار لا أصل لها، مثل ما ينقدح من نعال الدواب
[ ٢ / ٢٨١ ]
وغيرها. وأما نار اليراعة: فهي طائر صغير إذا طار بالليل حسبته شهابًا، وضرب من الفراش إذا طار بالليل حسبته شرارًا.
وأول من أورى نارها أبو حباحب بن كلب بن وبرة، فقالوا: نار أبي حباحب، ومن حديثه ما ذكر عن ابن الكلبي قال: كان أبو حباحب رجلًا من العرب في سالف الدهر بخيلًا، لا توقد له نار بليل مخافة أن يقتبس منها، فإن أوقدها ثم أبصرها مستضيء، أطفأها، فضربت العرب به المثل في البخل والخلف، فقالوا: أخلف من نار أبي حباحب. هذا ما ذكره الموصلي تبعًا للعسكري، وقال ابن الشجري في "أماليه": حباحب: رجل كان لا ينتفع بناره لبخله، فنسب إليه كل نار لا ينتفع بها، فقيل لما تقدحه حوافر الخيل على الصفا: نار الحباحب. قال النابغة في وصف السيوف:
ويوقدون بالصُّفَّاح نار الحباحب
وقال القطامي:
ألا إنَّما نيران قيس إذا شتوا لطارق ليل مثل نار الحباحب
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وجعل الكميت اسمه كنية للضرورة في قوله:
يرى الرّاؤون بالشّفرات منها كنار أبي الحباحب والظُّبينا
انتهى. وهذا هو التحقيق، وزاد الصفدي في شرح "لامية العجم" نار الغدر، قال: كانوا إذا غدر الرجل بجاره أوقدوا له نارًا بمنى أيام الحج، ثم صاحوا: هذه غدرة فلان، وعد نار المزدلفة التي أول من أوقدها قصيّ، قسمًا مستقلًا، وجعل عدة النيران أربعة عشر نارًا.
وقوله: تحرق؛ روي بالبناء للمفعول وبالبناء للمعلوم، والمفعول محذوف وهو الحطب.
وقوله: تشب لمقرورين، أي: توقد، والمقرور: الذي أصابه القر، وهو البرد، والاصطلاء: افتعال من صلي النار وصلي بها، من باب تعب: إذا وجد حرها، والصلاء ككتاب: حر النار.
وقوله: وبات على النار إلخ، بات: له معنيان، أشهرهما ما قاله الفراء: بات الرجل: إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية، وهو المراد هنا، والثاني: بمعنى صار، يقال: بات بموضع كذا، أي: صار به، سواء كان في ليل أو نهار، والندى: الجود والكرم.
والمحلق: هو الممدوح، واسمه عبد العزى من بني عامر بن صعصعة كما تقدم، وهو جاهلي، وقال العسكري في "التصحيف": المحلق الذي مدحه الأعشى مفتوح
[ ٢ / ٢٨٣ ]
اللام، هو اسمه، وهو المحلق بن جزء، من بني عامر بن صعصعة. وقد خالف الجمهور في قوله أن المحلق اسمه، فإنهم قالوا: اسمه عبد العزى بن حنتم بن شداد بن ربيعة بن عبد الله بن عبيد، وهو أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وسمي محلقًا لأن فرسه عضه، فصار موضع عضه كالحلقة، فقيل له: المحلق. وقال ابن السيد البطليوسي في "شرح أبيات الجمل": وسمي المحلق لأن بعيرًا عضه في وجهه، فصار فيه كالحلقة، وقيل: بل كوى نفسه بكية شبه الحلقة، وزاد اللخمي: لأنه كان يأتي موضع الحلاق بمنى. وحكى الموصلي أنه أصابه داء فاكتوى على حلقه، فسمي المحلق. وروى أبو عبيدة: المحلق بكسر اللام، وروى الأصبهاني بفتحها.
أقول: الذي رواه الصاغاني في "العباب" عن أبي عبيدة فتح اللام، وقال: لقّب المحلق لأن حصانًا له عضه في خده، فكانت العضة مثل الحلقة. وقال غيره: بل كان أصابه سهم غرب، فكوي بحلقة مقراض، فبقي أثرها في وجهه. انتهى.
وقوله: كان يأتي موضع الحلاق، ذلك الموضع يقال له المحلق، بفتح اللام أيضًا، قال الفرزدق:
بمنزلة بين الصَّفا كنتما بها وزمزم والمسعى وعند المحلَّق
وقال آخر:
كلاَّ وربِّ البيت والمحلَّق
قال ابن السيد: لما كان من شأن المتحالفين أن يتحالفوا على النار، جعل الندى
[ ٢ / ٢٨٤ ]
والمحلق كمتحالفين اجتمعا على نار، وذكر المقرورين لأن المقرور يعظم النار ويشعلها لشدة حاجته. وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى وأوضحه فقال في مدحه الحسن ابن وهب:
قد أثقب الحسن بن وهب في النَّدى نارًا جلت إنسان عين المجتلي
موسومة للمهتدي مأدومة للمجتدي مظلومة للمصطلي
ما أنت حين تعدُّ نارًا مثلها إلاّ كتالي سورة لم تنزل
انتهى. وقال اللخمي: كان الناس يستحسنون هذا البيت للأعشى حتى قال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
فسقط بيت الأعشى. وقال الدماميني في "المزج" وما أحسن قول شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني مضمنًا:
وأهيف فاق الورد حسنًا بوجنة أنزّه طرفي في رياض جنانها
[ ٢ / ٢٨٥ ]
كأنّ بها من حول خاليه جمرة تشبُّ لمقرورين يصطليانها
وقوله: رضيعي لبان، منصوب على المدح، مثنى رضيع بمعنى مراضع واللبان بالكسر: لبن المرأة خاصة، واللبن عامة، وثدي بالجر: بدل من لبان، وتقاسما: تحالفا، أي: أقسم كل منهما لا يفارق صاحبه أبدًا، وعوض: ظرف مبني على الضم بمعنى أبدًا، واختلف في تفسير الأسحم هنا على سبعة أقوال: منها أنه الليل، وداج: مظلم. ويأتي إن شاء الله تعالى، شرح هذا البيت وما قيل فيه مفصلًا في بحث "عوض".
وأخذ الكميت معنى هذا البيت وبسطه في مدح مخلد بن يزيد، وقال:
ترى النَّدى ومخلدًا حليفين كانا معًا في مهده رضيعين
تنازعا فيه لبان الثَّديين
وقوله: وأما إذا ما المحل الخ، المحل: انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ. وسرح مالهم، أي: أطلقها وفرقها، والمال عند العرب: الإبل والبقر والغنم، والسملق كجعفر: القاع الصفصف، وقوله: نفى الذم إلخ، هو جواب إذا، والجفنة بالفتح، قصعة الطعام؛ فاعل نفى، والجابية بالجيم، قال الجوهري: هي الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل، وأنشد البيت.
قال المبرد في أول "الكامل": تفهق من قولهم: فهق الغدير؛ إذا امتلأ ماء، فلم يكن فيه موضع مزيد كما قال الأعشى: نفى الذم البيت. هكذا ينشده أهل البصرة، وتأويله عندهم: أن العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته، لأنه حضري، فلا يعرف مواضع الماء ولا محالّه. وسمعت أعرابيًا ينشد:
[ ٢ / ٢٨٦ ]
"كحابية السَّيح" بإهمال الطرفين، تريد النهر الذي يجري على جابيته، فماؤها لا ينقطع، لأن النهر يمده. انتهى.
وقيل: أراد بالشيخ العراقي كسرى، وحكاه أبو عبيد في كلام ذكره عن الأصمعي في شرح الحديث، وخص بالشيخ على تأويل المبرد، لأنه قد جرب الأمور، وقاسى الخير والشر، وهو يأخذ بالحزم في أحواله. ودردق، بدالين بينهما راء: الأطفال، يقال: ولدان دردق ودرادق، كذا في "العباب". والسديف: شحم السنام، وتدفق: أصله تتدفق بتائين. وقوله: طويل اليدين .. إلخ، اليدين: كناية عن كثرة معروفه، والثنية، بكسر المثلثة وسكون النون: يريد أنه سيد غير ثنيان، والثنيان: دون السيد وقريب منه.
وقد شرحنا هذه الأبيات بأبسط مما هنا في الشاهد الواحد والعشرين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي، وقد شرحنا أبياتًا أخر من هذه القصيدة في الشاهد الرابع بعد المائتين، وفي الشاهد السابع والثمانين بعد الثلاثمائة. وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده وهو الإنشاد الأربعون بعد المائة:
(١٤٠) ولقد أمرُّ على اللَّئيم يسبُّني
تمامه:
فمضيت ثمَّت قلت لا يعنيني
[ ٢ / ٢٨٧ ]
على أن المرور يتعدى بعلى أيضًا كما يتعدى بالباء. وأورده المصنف في الباب الثاني وفي الباب الخامس من أن اللئيم لتعرفه بأل الجنسية في معنى النكرة، فيجوز أن يكون جملة يسبني صفة له أو حالًا عنه.
وأنشده سيبويه على أن "أمرّ" قد وضع موضع مررت، وجاز أمرُّ في معنى مررت، لأنه لم يرد ماضيًا منقطعًا، وإنما أراد أن هذا أمره ودأبه، فجعله كالفعل الدائم. وقيل: معنى: ولقد أمر: ربما أمرّ، فالفعل على هذا في موضعه.
وأورده أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [النحل/ ٤٠] ألا ترى أن قوله ﷿: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران/ ٥٩] لا يستقيم هذا المذهب فيه، أي: عطف "يكون" المنصوب على "نقول" المنصوب بأن في الآية السابقة، لأن قال ماض، ويكون مضارع، فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما.
فإن قلت: فلم لا يجوز عطف المضارع على الماضي، كما جاز عطف الماضي على المضارع في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني. البيت؟ ألا ترى أنه مضارع، ومضيت ماض، فكما جاز عطف الماضي على المضارع، كذا يجوز عطف "فيكون" على "خلقه".
قيل: لا يكون هذا بمنزلة البيت، لأن المضارع فيه في معنى المضي، والمراد به: ولقد مررت فمضيت، فجاز عطف الماضي على المضارع من حيث أريد بالمضارع المضي، وليس المراد بقوله: "فيكون" في الآية المضي، فيعطف فيه على الماضي. انتهى.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وقوله: ثمت، قلت: هي ثم العاطفة، وإذا كانت مع التاء اختصت بعطف الجمل، كذا قيل. وقوله: لا يعنيني، أي: لا يهمني، أو بمعنى لا يقصدني، وروي بدل هذا المصراع:
وأعفُّ ثمَّ أقول ما يعنيني
من عفَّ عن الشيء، من باب ضرب: إذا امتنع. ورواه المبرد في "الكامل" كذا:
فأجوز ثم أقول لا يعنيني
وهو أول بيتين لرجل من بني سلول، ثانيهما:
غضبان ممتلئًا عليَّ إهابه أنِّي وحقِّك سخطه يرضيني
وروى الأصمعي بيتين في هذا المعنى، وهما:
لا يغضب الحرُّ على سفلة والحرُّ لا يغضبه النَّذل
إذا لئيم سبَني جهده أقول زدني فلي الفضل
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد المائة:
(١٤١) تمرُّون الدِّيار ولم تعوجوا
تمامه:
كلامكم عليَّ إذًا حرام
على أن حرف الجر من الديار قد حذف، وانتصب الديار بالفعل قبله،
[ ٢ / ٢٨٩ ]
فإذا قدرناه بعلي يكون على مذهب الأخفش، أو بالباء يكون على مذهب غيره. قال أبو حيان في شرح "التسهيل": أي: عن الديار، وليس المعنى بالديار، لقوله: ولم تعوجوا. انتهى.
وهذا الحذف والإيصال عده ابن عصفور من الضرائر الشعرية، وقال الرضي: والأخفش الأصغر يجيز حذف الجار مع غير أن وأنّ أيضًا قياسًا إذا تعيّن الجار.
والأخفش الأصغر هو أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، وهو تلميذ المبرد. وما نقله عنه مقيد بما إذا كان الفعل متعديًا بنفسه إلى واحد وإلى آخر بحرف جر، فحينئذ يجوز حذفه. وهذا كلامه فيما كتبه على "كامل المبرد" قال: فأما قوله:
وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
فإنما يريد: لقضى علي الموت، كما قال الله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) [سبأ/ ١٤] فالموت في النية؛ وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، ومثله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف/ ١٥٥] وكذلك قوله تعالى: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) [المطففين/ ٣] والمعنى: إذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم، أي: كالوا لهم الشيء ووزنوه لهم، والمكيل والموزون معلوم بمنزلة ما ذكر في اللفظ، ولا يجوز: مررت زيدًا، وأنت تريد: بزيد، لأنه لا يتعدى إلا بحرف، وذلك أنه فعل الفاعل في نفسه، وليس فيه دليل على مفعول، وليس هذا بمنزلة ما يتعدى إلى مفعولين فيتعدى إلى أحدهما بحرف الجر، وإلى الآخر بنفسه، لأن قولك: اخترت الرجال زيدًا، قد علم بذكرك زيدًا أن حر الجر محذوف من الأول، فأما قول جرير، وإنشاد أهل الكوفة له، وهو قوله:
تمرُّون الدِّيار ولم تعوجوا كلامكم عليَّ إذًا حرام
[ ٢ / ٢٩٠ ]
ورواية بعضهم له:
أتمضون الدِّيّار ولم تحيا
فليستا بشيء، لما ذكرت لك، والسماع الصحيح والقياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الشاذة؛ أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
مررتم بالدِّيار ولم تعوجوا
فهذا يدلك على أن الرواية مغيَّرة. انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل وهذا مطلعها:
متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيَّتها الخيام
إلى أن قال بعد ثلاثة أبيات:
أقول لصحبتي لمّا ارتحلنا ودمع العين منهمر سجام
أتمضون الرُّسوم ولا تحيَّى كلامكم عليَّ إذًا حرام
أقيموا إنَّما يوم كيوم ولكنَّ الرَّفيق له ذمام
بنفسي من تجنُّبه عزيز عليَّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ويطرقني إذا هجع النِّيام
أليس إذا طلبت فدتك نفسي قضاء أو لحاجتي انصرام قضاء أو لحاجتي انصرام
أتنسى إذ تودِّعنا سليمي بفرع بشامةٍ سقي البشام
[ ٢ / ٢٩١ ]
إلى أن قال:
وتغلب لا يصاهرهم كريم ولا أخوال من ولدوا كرام
على أست التغلبَّية حين تجنى صليبهم وفي حرها الجذام
يسمَّون الفليس ولا يسمَّى لهم عبد المليك ولا هشام
لقد ولد الأخيطل أمُّ سوء على باب أستها صلب وشام
أهان الله جلدة حاجبيها وما وارى من القذر اللِّثام
قوله: متى كان الخيام، يأتي إن شاء الله تعالى شرحه في بحث الواو.
وقوله: أقول لصحبتي .. إلخ، الصحبة: مصدر أراد به الأصحاب، والمنهمر: المنسكب، والسجام بالكسر: مصدر سجم الدمع: إذا سال، وقوله: أتمضون الرسوم البيت، هكذا في ديوانه من رواية ابن حبيب، قال: أتمضون، أي: أتتركون، يقال: مضيت فلانًا: إذا جاوزته، ولم تسلم عليه، وكذلك: مضيت المنزل. انتهى. وكلامكم: مبتدأ، مصدر مضاف إلى مفعول، أي: كلامي إياكم، وحرام: خبر المبتدأ، وعلى متعلق بحرام، وتعوجوا: تعطفوا، يقال: عاج رأس بعيره: إذا عطفه بالزمام، وقوله: أقيموا إنما يوم إلخ، قال: يقول: أقيموا يومكم هذا، فإنكم تدركون في غد ما تطلبون في يومكم، فاقضوا ذمامي بالمقام. وقوله: ومن زيارته لمام، قال: يريد خيالها، واللمام: المرة في الحين.
وقوله: أتنسى إذ تودعنا إلخ، قال السيد المرتضى في "أماليه": دعا للبشام، وهو شجر، بالسقيا، لأنها ودعته عنده فسر بتوديعها. انتهى. وفي هامش نسخته، وهي نسخة قديمة: الصحيح أنها أشارت إليه بقضيب بشام مودعة، فدعا للبشام، لأن الوداع كان عنده.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وقوله: يسمون الفليس، قال: أراد: يسمون أولادهم فلس وفليس، ولا يسمون أسماء الخلفاء. وقوله: لقد ولد الأخيطل إلخ، أورده صاحب "الكشاف" شاهدًا لقراءة إبراهيم النخعي: (وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ) [الأنعام/ ١٠١] على أنه لم يؤنث الفعل المسند إلى المؤنث الحقيقي للفصل. والأخيطل: مصغر الأخطل، صغره تحقيرًا له، والصلب: جميع صليب، وشام: جمع شامة، وهي العلامة، يريد أن أمه فعلت فعل الموشمات، نقشت صورة الصليب في ذلك الموضع. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد المائة:
(١٤٢) رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينًا لهم حتَّى إذا أنبت البقل
على أن أنبت فيه بمعنى نبت، قال الفراء في "تفسيره" عند قوله تعالى: (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون/ ٢٠] وقرأ الحسن: (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ)، وهما لغتان، يقال. نبت وأنبت، كقول زهير:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم البيت.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وهو كقولك: مطرت السماء وأمطرت، وقد قرأ أهل الحجاز: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) [هود/ ٨] [موصولة] من: سريت، وقراءتنا: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) من أسريت، وقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الإسراء/ ١] وفي قراءة عبد الله (تخرج الدُّهن) انتهى كلامه. ونقله عنه الجوهري، وكذا في كتاب "فعلت وأفعلت" للزجاج، قال: نبت البقل نباتًا إذا رفعته، وأنبت إنباتًا. وقال الأزهري في "تهذيب اللغة": ونبت الشيء ينبت نباتًا، وأجاز بعضهم: أنبت بمعنى نبت، وأنكره الأصمعي، وأجازه أبو عبيدة. واحتج بقول زهير: حتى إذا أنبت البقل، أي: نبت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحضرمي (تنبت) بضم التاء وكسر الباء، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: (تنبت بالدهن) بفتح التاء، وقال الفراء: هما لغتان، وأنشد بيت زهير. انتهى. وقال أبو علي في "الحجة": أما من قرأ: (تنبت بالدهن) احتمل وجهين، أحدهما: أن يجعل الجار زائدًا، يريد: تنبت الدهن، كقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة/ ١٩٥] وقد زيدت الباء مع الفاعل كما زيدت مع المفعول، وزيادتها مع المفعول به أكثر، وقد زيدت مع هذه الكلمة بعينها، قال:
[ ٢ / ٢٩٤ ]
بوادٍ يمانٍ ينبت الشَّثَّ حوله وأسفله بالمرخ والشَّبهان
حملوه على ينبت أسفله المرخ، وقد يجوز أن يكون الباء متعلقًا بغير هذا الفعل الظاهر. ويقدر مفعول محذوف تقديره: تنبت جناها أو ثمرتها وفيها دهن وصبغ، كما تقول: خرج بثيابه، وركب بسلاحه، ومن قرأ: (تنبت بالدهن) جاز أن يكون الجار فيه للتعدي: أنبته، ونبت به، ويجوز أن تكون الباء في موضع حال كما في الوجه الأول، ولا يكون للتعدي، وقد قالوا: أنبت في معنى نبت، فكأن الهمزة في أنبت مرة للتعدي ومرة لغيرها، والأصمعي ينكر أنبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها: "حتى إذا أنبت البقل" متهمة، وإذا جاء الشيء مجيئًا كان للقياس فيه مسلك فروته الرواة؛ لم يكن بعد ذلك فيه مطعن. انتهى كلام أبي علي. وراد تلميذه ابن جني في "المحتسب": فأما من ذهب إلى زيادة الباء، أي: تنبت الدهن، فمضعوف المذهب، وزادوا حرفًا لا حاجة به إلى اعتقاد زيادته مع ما ذكرناه من صحة القول عليه، أي: من تقدير المفعول، وكذلك قول عنترة:
شربت بماء الدُّحرضين
ليس عندنا على زيادة الباء وإنما هو على شربت في هذا الموضع ماء، فحذف
[ ٢ / ٢٩٥ ]
المفعول، وما أكثر وأعذب وأعرب حذف المفعول وأدلَّه على قوة الناطق به! هذا كلامه. وفيه تعسف.
وقال الحريري في "درة الغواص": أنبت في الآية بمعنى نبت كما في بيت زهير، وقيل: زائدة، فيكون تقدير الكلام: تنبت الدهن، أي: تخرج الدهن بعد إنبات الثمر الذي يخرج الدهن منه، فلما كان الفعل في المعنى قد تعاق بمفعولين يكونان في حال بعد حال، وهما الثمرة والدهن؛ احتيج إلى تقويته في التعدية بالباء. انتهى. قال شيخنا الشهاب الخفاجي في شرحها: قيل: هذا أحسن الأقوال.
وروى صعوداء في "شرح ديوان زهير" والأعلم الشنتمري في "شرح الأشعار الستة": حتى إذا نبت البقل، نبت بدون ألف على اللغة الشائعة، فلا شاهد فيه لمجيء أنبت بمعنى نبت.
والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، مدح بن سنان ابن أبي حارثة المري، وقبله:
إذا السَّنة الشَّهباء بالناس أجحفت ونال كرام المال في الحجرة الأكل
السنة الشهباء: البيضاء من الجدب، لا يرى فيها خضرة. وقال الأعلم: الشهباء: البيضاء من الجدب لكثرة الثلج وعدم النبات. وروى صعوداء: "إذا السنة الحمراء" وقال: هي التي يحمر فيها آفاق السماء من شدة الجدب. وأجحفت
[ ٢ / ٢٩٦ ]
بتقديم الجيم على الحاء المهملة، أي: أضرت بهم، والجحرة، بفتح الجيم وسكون المهملة: السنة الشديدة البرد التي تجحر الناس في البيوت. وقوله: ونال كرام المال إلخ، يعني أن أصحابها ينحرونها ويأكلونها.
وقوله: رأيت ذوي الحاجات، نص أكثرهم على فتح التاء للخطاب، ويجوز ضمها. والحاجة: الفقر، والقطين: جمع القاطن، وهو الساكن في الدار، يعني أن الفقراء يلزمون بيوت هؤلاء القوم يعيشون في أموالهم حتى يخصب الناس وينبت البقل، وهو كل نبات اخضرت به الأرض، قال ابن فارس: وأبقلت الأرض: أنبتت البقل، وقال ابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني" بعد إنشاده هذا البيت: القطين: الحشم والأهل، يقول: يلزمونهم حتى يسمنون، وجمع القطين: قطن، وقال جرير يهجو رهط الأخطل:
هذا ابن عمّي في دمشق خليفة لو شئت ساقكم إليَّ قطينا
فقيل: يا أبا حزرة، ما وجدت في تميم مفخرًا تفخر به عليهم حتى فخرت بالخلافة! لا والله ما صنعت شيئًا في هجائهم. والقطين فيه: العبيد، والقطين في مكان آخر: السكان، قال الأخطل:
خفَّ القطين فراحوا منك أو بكروا
والقطان: المقيمون، واحدهم قاطن. انتهى كلام ابن قتيبة.
و"إذا" هنا مجردة عن الظرفية، قال أبو البقاء في "شرح الإيضاح"
[ ٢ / ٢٩٧ ]
لأبي علي: "حتى" هنا بمعنى إلى، و"إذا" خرجت عن الظرف، ويدل على أنها ليست ظرفًا أنه لا جواب لها، بل حتى هنا متعلقة بقوله: قطينًا، إلى زمن نبات البقل. انتهى. وفي دليله نظر، فإنه إنما يدل على كونها غير شرطية، ويجوز أن تكون شرطية بتقدير جواب يعلم من قرينه الحال، وهو: ارتحلوا، أو استغنوا. وتكون حتى ابتدائية غاية لقطين. وبعدهما:
هنالك إن يستخلبوا المال يخبلوا وإن يسأوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
هنالك، أي: في تلك الشدة يتفضلون ويتكرمون، والاستخبال: أن يستعير الرجل من الرجل الإبل فيشرب ألبانها، وينتفع بأوبارها. والإخبال المنيحة من الإبل؛ أن يعطيه ناقة أو شاة، وييسروا: من اليسر، يقول: إذا قامروا بالميسر يأخذون سمان الجزر فيقامرون عليها. ولا ينحرون إلا غالية.
وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل
المقامات: المجالس، سميت بذلك لأن الرجل يقوم في المجلس، فيحض على الخير ويصلح بين الناس. وأراد بالمقامات أهلها، ولذلك قال: حسان وجوههم. والأندية: جمع ندي، وهو المجلس والمتحدث. وقوله: ينتابها القول، أي: يقال فيها الجميل من القول، ويعمل به. والانتياب: القصد إلى الموضع والحلول به، وهو من: ناب ينوب.
على مكثريهم حقُّ من يعتريهم وعند المقلِّين السَّماحة والبذل
يقول: على أغنيائهم القيام بمن اعتراهم، أي: قصدهم وطلب معروفهم، والمقل: القليل المال؛ وصف فقراءهم بأنهم يسمحون ويبذلون بمقدار طاقتهم.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
يقول: هم أهل عقول وآراء صائبة، فمن شاهد مجالسهم تحلم وإن كان جاهلًا، ويبينون بآرائهم ما أشكل من الأمور، وجهل وجه الرأي فيه.
وإن قام فيهم حامل قال قاعد رشدت فلا غرم عليه ولا خذل
يقول: إن تحمل أحدهم حمالة، أي: دية، لم يرد عليه فعله، ولا سفه رأيه بل يقول له القاعد، وهو الذي لم يحمل الحمالة: رشدت وأصبت الرأي: فلا نخذلك، وليس عليك غرام، أي: لا ندع تغرم شيئًا في الحمالة.
سعى بعدهم قوم لكي يذركوهم فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا
يقول: تقدم هؤلاء في المجد والشرف، وسعى على آثارهم قوم آخرون لكي يدركوهم وينالوا منزلتهم، فلم ينالوا ذلك ولم يليموا، أي: لم يأتوا بما يلامون عليه حين لم يبلغوا منزلة هؤلاء؛ لأنها أعلى من أن تبلغ، فهم معذورون في التقصير عنها، وهم مع ذلك لم يألوا، أي: لم يقصروا في السعي.
فما يك من خير أتوه فإنَّما ثوارته آباء آبائهم قبل
يقول: مجدهم قديم متوارث، ورثوه كابرًا عن كابر.
وهل ينبت الخطِّيَّ إلّا وشيجه وتغرس إلاَّ في منابتها النَّخل
الخطي: الرمح، نسبة إلى الخط، وهي جزيرة بالبحرين ترفأ إليها سفن الرماح. والوشيج: القنا الملتف في منبته، واحدته وشيجة. يقول: لا ينبت القناة إلا القناة، أي: لا ينبت الشيء إلا جنسه، ولا يغرس النخل إلا بحيث تنبت وتصلح، وكذلك لا يولد الكرام إلا في موضع كريم، يريد: لا يلد الكريم إلا
[ ٢ / ٢٩٩ ]
كريم، ولا يتربى إلا في موضع كريم، كما لا ينبت القناة إلا القناة، ولا ينبت النخل في غير مغارسه، فضرب ذلك مثلًا لأنهم كرماء أولاد كرماء، وهو غاية في البلاغة. وترجمة زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد المائة:
(١٤٣) قد سقيت آبالهم بالنَّار
تمامه:
والنَّار قد تشفي من الأوار
على أن اباء للسببية. والمراد بالنار في الموضعين: الوسم، وهو الداغ والكيّ، وهو من كان له من السادات إبل وغيرها، جعل له سمة وعلامة، وتصنع له من حديد، وتحمى في النار حتى تحمر، فتكوى بها الدابة حتى تؤثر في لحمها، وتبقى معروفة بعلامة أصحابها. يقول: إن أصحاب هذه الإبل كانوا سادة في العرب، وكان لإبلهم وسم معروف، فإذا وردت الماء، عرف الناس ذلك الوسم فأفرجوا لها حتى تشرب إكرامًا لأربابها، فكانت التي تصنع بها ذلك الوسم فيها سببًا لتمكينها من الماء، وهذا معنى قوله: قد سقيت آبالهم بالنار.
وقوله: والنار قد تشفي من الأوار؛ يعني أن ذلك الوسم قد شفى الإبل. من حرارة العطش، والأوار، بضم الهمزة: حرارة العطش، قال العسكري: وإسماعيل الموصلي في "أوائلهما": قرب بعض اللصوص إبلًا لبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان أغار عليها من كل وجه، وإنما سئل عن ذلك لأنهم يعرفون ميسم كل يوم، وكرم إبلهم من لؤمها، فقال:
تسألني الباعة أين نارها إذ زعزعتها فسمت أبصارها
[ ٢ / ٣٠٠ ]
كل نجار إبل نجارها وكلُّ لأناس دارها
وكلُّ نار العالمين نارها
انتهى. وقال الصاغاني في "العباب": النار أيضًا: السمة، يقال: ما نار هذه الناقة، أي: ما سمتها. وفي المثل: "نجارها نارها" أي: إذا رأيت نارها عرفت نجارها، أي: أصلها، قال:
لا تنسبوها وانظروا ما نارها
وقال آخر:
قد سقيت آبالهم بالنّار والنار قد تشفي من الأوار
ويروى:
وقد سقوا آبالهم بالنّار
أي: لما رأى أصحاب الماء سماتها، علموا أنها لمن هي، فسقوها لعزّهم ومنعتهم؛ يضرب في شواهد الأمور الظاهرة التي تدل على علم باطنها.
وسرق أعرابي إبلًا فأدخلها السوق، فقالوا له: من أين لك هذه الإبل: فقال:
تسألني الباعة أين دارها إذ زعزعوها فسمت أبصارها
فقلت رجلي ويدي قرارها كلُّ نجار إبل نجارها
وكلُّ نار العالمين نارها
انتهى. يقول: اختلف سماتها لأن أربابها من قبائل شتى، فأغير على سرح كل قبيلة، واجتمعت عند من أغار عليها، فعليها سمات تلك القبائل كلها. والنجار، بكسر النون بعدها جيم: الأصل.
[ ٢ / ٣٠١ ]
وروى البيت الأزهري في "التهذيب":
حتَّى سقوا آبالهم بالنّار
وكلهم لم يذكر قائله، والمبرد أيضًا أورده في "الكامل" ولم ينسبه إلى أحد، والله أعلم. وذكر في موضع آخر ما يضاهيه، قال: والملاغم: العوارض، قال الفرزدق:
سقتها خروق في المسامع لم تكن علاطًا ولا مخبوطةً في الملاغم
يقول: علم أرباب الماء لمن هي، فسقاها ما سمعوه من ذكر أصحابها لعزهم ومنعتهم، ولم تحتج إلى أن تكون بها سمة، والعلاط: وسم في العنق، والخباط في الوجه، وأصل الملاغم: ما حول الفم مما يدركه اللسان. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد المائة:
(١٤٤) فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا شدُّوا الإغارة فرسانًا وركبانا
على أن الباء فيه للبدل، وكان الأصل: فليت لي قومًا بهم، أي: يدلهم، على الوصفية، فلم قدم الظرف على الموصوف صار حالًا منه، ولي: خبر ليت مقدم، وجملة "إذا ركبوا" مع جوابها صفة لقوم، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": ليست الإغارة هنا مفعولًا به، ولا انتصابها على ذلك، لكن انتصابها انتصاب المفعول له، أي: شدوا للإغارة، كقولهم: حملوا للإغارة فرسانًا وركبانًا، أي: في هذه الحال، فهو كقول الآخر:
شددنا شدَّة فقتلت منهم
[ ٢ / ٣٠٢ ]
أي: حملنا حملة، وشددت هذه غير متعدية، وإذا أريد تعديها وصلت بعلى قال:
أشدُّ على الكتيبة لا أبالي احتفي كان فيها أم سواها
انتهى. وأراد بالتعدي التعدي بحرف الجر، لا التعدي بنفسه، قال الأزهري في "التهذيب": قال ابن المظفر: الشد: الحمل، تقول: شد عليه في القتال، وشددت الشيء أشده شدًا: إذا أوثقته. انتهى. ويجوز أن يكون ما في البيت من المتعدي بنفسه، ويكون الإغارة مفعولًا به، كما يكون الإعراب كذا في رواية "شنوا الإغارة" قال "الأزهري": شن عليهم الغارة، أي: فرقها، وقد شن الماء على شرابه، أي: فرقه عليه. انتهى. والمراد بالغارة: الخيل المغيرة على العدو من هنا ومن هنا، قال صاحب "المصباح": وأغار الفرس إغارة، والاسم: الغارة، مثل: أطاع إطاعة، والاسم الطاعة؛ إذا أسرع في العدو، وأغار القوم إغارة: أسرعوا في السير، ثم أطلقت الغارة على الخيل المغيرة، وشنوا الغارة، أي: فرقوا الخيل. انتهى.
والبيت آخر أبيات ثمانية أوردها أبو تمام في أول "حماسته" لقريط بن أنيف العنبري، تقدم بيتان منها في الإنشاد العشرين، وهو شكاية من قومه لتقاعدهم عن نصرته، وتخليص إبله ممن أغار عليها من ذهل بن شيبان وقبله:
لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشرِّ في شيءٍ وإن هانا
[ ٢ / ٣٠٣ ]
يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغفرةً ومن إساءة أهل السُّوء إحسانا
كأنَّ ربَّك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوما . . . . . البيت
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد المائة:
(١٤٥) أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه لقد خاب من بالت عليه الثَّعالب
على أن الباء بمعنى على، بديل المصراع الثاني، قال ابن قتيبة في "أدب الكاتب": الثعلبان: أي: بضم المثلثة واللام: ذكر الثعالب، قال الشاعر:
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه لقد ذلَّ من بالت عليه الثعالب
انتهى. وتوفي في سنة ست وسبعين ومائتين من الهجرة، وقال شارحه أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الشهير بالجواليقي: هذا البيت يضرب مثلًا للذليل الضعيف، وهو فيما أخبرت عن الحسن بن علي، عن محمد بن العباس عن أحمد بن معروف، عن الحارث بن أبي سلمة، عن محمد بن سعد لراشد بن عبد ربه، وهو أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يوم فتح مكة من بني سليم فأسلموا، وأعطاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رهاط، وفيها عين يقال لها: عين الرسول، وكان راشد يسدن صنمًا لبني سليم، فرأى يومًا ثعلبانًا يبول عليه، فقال:
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه البيت
[ ٢ / ٣٠٤ ]
ثم شد عليه فكسره، ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: "ما اسمك؟ " فقال: غاوي بن عبد العزى، فقال: "أنت راشد بن عبد ربه" فأسلم وحسن إسلامه، وشهد الفتح مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال رسول الله ﷺ: "خير قرىً عربيةٍ خيبر، وخير بني سليم راشد" وعقد له على قومه. انتهى كلامه. وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ببغداد.
وقال شارحه الآخر أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي: البيت لغاوي بن ظالم السلمي، ويروى لأبي ذو الغفاري، ويروى للعباس بن مرداس السلمي، ورواه جمهور اللغويين كما روى ابن قتيبة. انتهى. وتوفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
وكابن قتيبة كتب الجوهري – ومات في سنة ست وثمانين وثلاثمائة – وكتب ابن بري في "أماليه" عليه نسبة البيت إلى أحد الثلاثة الذين ذكرهم ابن السيد، ولم يزد على ذلك، وتوفي بمصر في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكتب ياقوت بن عبد الله الكاتب في هامش "صحاح الجوهري": قائل البيت عادي بن ظالم السلمي، ويروى لأبي ذو الغفاري، ويروى لعباس بن مرداس بن عبد يغوث الظفري، خرج هو ونفر من قومه إلى صنم كانوا يعظمونه، واسم الصنم: سواع، وكان بالعلاة برهاط، فذبحوا عنده شاة لهم وأقاموا، ثم غفلوا غفلة، فأتى ثعلبان فرمّ موضع الذبيحة، ثم صعد الصخرة فبال عليها، فرأى ذلك ظالم، ففكر فيه ثم قال:
ما عذر من أمسى يدين لصخرة ظنون لها فرع منيف وجانب
يؤمِّلها جهلًا ويرجو نجاحها وهل في السِّلام الصُّم ما أنت طالب
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه البيت
[ ٢ / ٣٠٥ ]
فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وافدًا، فدعاه إلى الإسلام فأجابه، وقال: يا رسول الله، معي في جفيري هذا خمسون سهمًا كلها مسموم، فإن لقيت عدوك رجوت أن أقتل بكل سهم رجلًا، فسأله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن اسمه، فقال: أنا ظالم بن عبد يغوث، فقال: "بل راشد بن عبد ربه" فقال: يا رسول الله، أقطعني ماء برهاط، فأقطعه إلى بلد العين التي برهاط، وهو ماء يخرج من أصل جبل، لهم عليه نخيل وزروع، وهو في يد ولده إلى اليوم. انتهى كلامه.
وقال ابن الأثير في مادة "عصل" من "النهاية": كان لرجل صنم كان يأتي بالخبز والزبد، فيضعه على رأسه ويقول: اطعم، فجاء ثعلبان فأكل الخبز والزبد، ثم عصل، على رأس الصنم، أي: بال، والثعلبان: ذكر الثعالب. انتهى. وعصل بفتح العين والصاد المهملتين. ولقد تحامل صاحب "القاموس" على الجوهري في قوله: [واستشهاد الجوهري بقوله البيت] هو غلط صريح [و] هو مسبوق فيه. والصواب في البيت فتح الثاء. [لأنه مثنى]. كان غاوي بن عبد العزَّى ساندنًا لصنم لبني سليم، فبينا هو عنده إذ أقبل ثعلبان يشدان حتى تسنماه، فبالا عليه، فقال البيت، ثم قال: يا معشر سليم، لا والله لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع! فكسره ولحق بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: "ما اسمك؟ " قال: غاوي بن عبد العزى، فقال بل: "أنت راشد بن عبد ربه" انتهى كلامه وهو منقول عن أبي حاتم الرازي، نقله عنه جماعة، منهم ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" وقال ابن الأثير في "النهاية"
[ ٢ / ٣٠٦ ]
بعد كلامه السابق: وفي كتاب الهروي: فحاء ثعلبان، فأكلا الخبز والزبد، ثم عصلا. أراد تثنية ثعلب. انتهى. قال الدميري في "حياة الحيوان": قال الحافظ ابن ناصر: أخطأ الهروي في تفسيره، وصحف في روايته، وإنما الحديث: فجاء ثعلبان، وهو الذكر من الثعالب، اسم له معروف لا يثنى، فأكل الخبز والزبد، ثم عصل على رأس الصنم، فقام الرجل فضرب الصنم فكسره ثم جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبره بذلك وقال:
لقد خاب قومٌ أمَّلوك لشدّةٍ أرادوا نزالًا أن تكون تحارب
فلا أنت تغني عن أمور تواترت ولا أنت دفَّاع إذا حلَّ نائب
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه البيت
قال: والحديث مذكور في "معجم البغوي" وابن شاهين وغيرهما، والرجل راشد بن عبد ربه، وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق فيما بين الذكر والأنثى، كما قالوا: الأفعوان لذكر الأفاعي،
[ ٢ / ٣٠٧ ]
والعقربان لذكر العقارب. انتهى.
واعلم أن ابن دريد في "الجمهرة" والأزهري في "تهذيب اللغة" والصاغاني في "العباب" لم يستشهدوا بهذا البيت، فاستراحوا من نقل الخلاف.
وقال الميداني في "مجمع الأمثال" قيل: أصله أن رجلًا من العرب كان يعبد صنمًا، فنظر يومًا إلى ثعلب جاء حتى بال عليه، فقال:
أربّ يبول الثعلبان برأسه البيت
ولم يزد على هذا شيئًا. وأصله تفسير أبي عبيدة، نقله عنه أبو عبيد القاسم بن سلام في "أمثاله" قال: قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الذليل: "لقد ذل من بالت عليه الثعالب" قال أبو عبيدة: وأصل هذا إلى آخر ما نقله الميداني. والزمخشري ما أورده في "مستقصى الأمثال"، وحمزة الأصبهاني أورده في أمثاله التي على وزن أفعل التفضيل، لكنه لم يعرج على معنى البيت، قال: وأما قولهم: "أذل من بال عليه ثعلب" فإنه يضرب مثلًا لكل شيء يستذل، ويقال في الشر يقع بين القوم وقد كانوا على صلح: بال بينهم الثعلب، وفسا بينهم ظربان، وكسر بينهم رمح، ويبس بينهم الثرى. هذا كلامه.
ونقل السيوطي هنا عن أبي نعيم في "دلائل النبوة" حديثًا طويلًا وفيه: قال راشد: فألفيت سواعًا وقت الفجر، وثعلبين يلحسان ما حوله، ويأكلان ما نهدي له، ثم يعرجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد: أرب يبول
[ ٢ / ٣٠٨ ]
الثعلبان برأسه البيت. ثم قال السيوطي: وضبط الحافظ شرف الدين الدمياطي الثعلبان في البيت بضم المثلثة واللام، وقال: هو ذكر الثعالب، وهو ما ذكره الكسائي وجماعة. ونقل عن المرزباني في "معجم الشعراء" أن اسمه كان غويًا فسماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم راشدًا، وقال أيضًا: وأخرجه ابن أبي حاتم بسند له بلفظ: إنه كان عند الصنم يومًا إذا أقبل ثعلبان، فرفع أحدهما رجله فبال على الصنم.
والحاصل أن الاختلاف كثير، فجماعة روته بإفراده، وفرقة نقلته بالتثنية. واختلف أيضًا في اسمه قبل إسلامه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد المائة:
(١٤٦) شربن بماء البحر ثمَّ ترفَّعت
تمامه:
متى لجج خضر لهنَّ نئيج
على أن الباء فيه للتبعيض بمعنى من، وقال الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (يَشْرَبُ بِهَا) من سورة الدهر: [الآية/ ٦] يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها وينقع، وأما يشربونها فبيّن، وقد أنشدني بعضهم: شربن بماء البحر البيت. ومثله: إنه يتكلم بكلام حسن ويتكلم كلامًا حسنًا. انتهى. فأشار إلى أن الباء زائدة أو أنها على بابها، وشربن مضمن معنى روين. وجزم بزيادتها ابن جني في "سر الصناعة" قال: الباء فيه زائدة، إنما معناه: شربن ماء البحر، هذا هو الظاهر من الحال، والعدول عنه تعسف وقال بعضهم: معناه: شربن من ماء البحر، فأوقع الباء موقع من. انتهى. وحكى في "المحتسب"
[ ٢ / ٣٠٩ ]
قول من زعم أنها بمعنى في، قال فيه: الباء زائدة، أي: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى في، والمفعول محذوف معناه: شربن الماء في جملة ماء البحر، وفي هذا التأول ضرب من الإطالة والبعد. انتهى. أورده عند قوله تعالى: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) [النور/ ٤٣] قال: قرأ أبو جعفر يزيد "يذهب" بضم الياء، والباء زائدة، ثم قال: واعلم أن هذه الباء إنما تزاد في هذا النحو لتوكيد معنى التعدي كما زيدت اللام لتوكيد معنى الإضافة كقوله:
يا بؤس للجهل [ضرَّارًا لأقوام]
وكما زيدت الياءان لتوكيد معنى الصفة في نحو: أشقريّ، وكما زيدت التاء لتأكيد معنى التأنيث في فرسة وعجوزة، فاعرف ذلك. ولا ترين الباء [في: (يذهب بالأبصار)] مزيدة زيادة ساذجة، وإن شئت حملته على المعنى حتى كأنه قال: يكاد سنا برقه يلوي بالأبصار، أو يستأثر بالأبصار. انتهى.
وقوله: متى لجج، أي: من لجج، أو وسط لحجج، ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى عليه في بحث "متى" وهذا على ما اشتهر في كتب النحو.
ورواه القاري:
[ ٢ / ٣١٠ ]
تروَّت بماء البحر ثم تنصَّبت على حبيشّيات لهنّ نئيجُ
قال القاري: تزوت يعني الحناتم، وتنصبت: ارتفعت، وعلى حبشيات: على سحائب سود، ونثيج: مَر سريع، ويروي: شربن بماء البحر ثم ترفعت .. الخ.
وقبله:
سَقَي أم عَمرو كل آخر ليلةٍ حناتمُ سود ماؤهنَّ ثجيجُ
وهما مطلع قصيدة عدتها تسعة وعشرون بيتًا لأبي ذؤيب الهذلي في رواية أبي بكر القاري وأبي حنيفة الدينوري في كتاب "النبات".
قال القاري: الحناتم: السحاب في سواده، والحنتمة: الجرة الخضراء، شبه السحاب بها، والحناتم: الجرار الخضر، وثجيج: سائل. انتهي. وقال ابن السيد: الحناتم: سحاب سود واحدها حنتم، وأصل الحناتم جرار خضر، ولكن العرب تجعل كل أخضر أسود، وإنما يفعلون ذلك الخضرة إذا اشتدت صارت سوادًا، ولذلك قالوا لليل: قال ذو الرمة:
في ظلِّ أخضرَ يدعو هامه البومُ
وأم عمرو: مفعول مقدم، وحناتم: فاعل مؤخر، وكل آخر ليلة: ظروف، قال
[ ٢ / ٣١١ ]
الأصمعي: يريد أبدًا، ومثله: لا أكلمك آخر الليالي، أي: لا أكلمك ما بقي علي من الزمن ليلة، والثج والثجيج: السيل الشديد، فيجوز أن يكون معني ثجيج بمعني ثاج، ويجوز أن يكون أراد ذو ثجيج، فحذف المضاف، ويجوز أن يكون أوقع المصدر موقع اسم الفاعل مبالغة في المعني، قاله ابن السيد.
وقوله: شرين بماء البحر، النون ضمير الحناتم، قال ابن السيد: هذيل كلها تصف أن السحاب تسقي من البحر، ثم تصعد في الجو. وهذا ما عليه الحكماء من أن السحاب ينعقد من البخار، أعني الأجزاء الهوائية المائية المتحللة بالحرارة من الأشياء الرطبة، وذلك أن البخار المذكور إذا تصاعد ولم يتلطف بتحليل الحرارة أجزاؤه المائية حتى يصير هواه؛ فإنه إذا بلغ الطبقة الزمهريرية، تكاثف فاجتمع سحابًا وقاطر مطرًا إن لم يكن البرد شديدًا.
واللجج: جمع لجة، وهو معظم الماء، ونتيج، فعيل مهموز العين: المر السريع بصوت، من نأجت الريح تنأج نتيجًا، تحركت فهي نؤوج، وللريح نئيج، أي: مر سريع، وجملة "لهن نئيج" في موضع الحال من فاعل ترفعت العائد على حناتم، وأثبت العيني أول القصيدة، وتبعة السيوطي هذا البيت:
صبا قلبُهُ بل لجَّ وهو لجوج وزالت له بالأنعمين حدوج
مع ستة أبيات أخر إلى البيت الشاهد، وليست تلك الأبيات من القصيدة، ولا أعلم من أين أتي بها، فإن النسخة التي هي نسخة ابن فارس صاحب
[ ٢ / ٣١٢ ]
"المجمل في اللغة" وعليها خطة وخطوط العلماء قراءة وإجازة .. والأنعمان: موضع، وحدوج: جمع حدج بالكسر، وهو مركب من مراكب النساء.
وترجمة أبي ذؤيب تقلعت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد المائة:
(١٤٧) فلثمت فاها آخذًا بقرونها شرب النزيف ببردماء الحشرج
لما تقدم قبله، وقيل: الباء زائدة، وأنشده الجوهري في "لثم" الجميل. قال: واللثم أيضًا القبلة، وقد لثمت فاها، بالكسر: إذا قبلتها، وربما جاء بالتفح قال ابن كيسان: سمعت المبرد ينشد قول جميل:
فلثمت فاها آخذًا بقرونها .. البيت
بالفتح. وأنشده في الحشرج أيضًا لعمر ابن أبي ربيعة، قال: الحشرج: الحسي يكون في حصي، قال عمر ابن أبي ربيعة: فلثمت فاها .. البيت. وكتب ابن بري في أماليه على "الصحاح" على هذا الموضع قال: وذكر في فصل "حشرج" بيتًا شاهدًا على الحشرج للحسي، ونسب البيت لعمر ابن أبي ربيعة، وهو:
[ ٢ / ٣١٣ ]
فلثمت فاها .. قال الشيخ: البيت لجميل بن معمر، وليس لعمر. والنزيف: المحموم الذي منع من الماء، ولثمت فاها: قبلته، ونصب شرب على المصدر المشبه به، لأنه لما قبلها امتص ريقها، فكأنه قال: شربت ريقها كشرب النزيف للماء البارد، وقبله:
قالت وعيشِ أبي وحرمة إخوتي لأنبِّهَّن الحي إن لم تخرجِ
فخرجتُ خيفةَ قولها فتبسَّمَت فعلمت أن يمينها لم تحرجِ
انتهي. وأورد المبرد في "الكامل" البيت الشاهد مع أبيات آخر غفلًا، أي: غير منسوبة لأحد، قال: وأنشدني أبو العالية:
ما زلت أبغي الحي أتبع ظلَّهم حتى دُفِعتُ إلى ربيبة هودجِ
قالت وعيشِ أبي وأكبر إخوتي لأنبئن الحي إن لم تخرجِ
فخرجت خيفة قولها فتبسمت فعلمت أن يمينها لم تحرجِ
فلثمت فاها .. البيت. وزاد فيها الجاحظ عمرو بن بحر:
وتَناوَلَت رِأسي لتعرف مسه بمخضبِ الأطراف غير مشنجِ
تقول العرب: هودج، وبنو سعد بن زيد مناة ومن وليهم يقولون: فودج.
وقوله: فعلمت أن يمينها لم تحرج، يقول: لم تضق عليها، يقال: حرج يحرج – أي: من باب فرح – إذا دخل في مضيق، والحرجة: الشجر الملتف المتضانق ما بينه، قال الله تعالي: (فلا يكن في صدرك حرج منه) [الأعراف /٢] وقوله: ببرد ماء الحشرج، فهو الماء الجاري على الحجارة، انتهي كلام المبرد.
وكتب الحافظ مغلطاي في هامشه عند الأبيات: هذا الشعر لجميل بن معمر،
[ ٢ / ٣١٤ ]
أوردها أبو طاهر في "الكتاب المسلسل" وابن بري في "الإفصاح" وأنكر على الجوهري كونه عزاء لعمر، وأنشدها التوزي في "شرح شعر أبي نخيلة" لابن أبي ربيعة، وكذا أنشدها أبو الفرج الأصبهاني في "الأغاني" لابن أبي ربيعة، وأنشدها الجاحظ في كتاب "الحيوان" لعبيد بن أوس الطائي في أخت عدي.
انتهي. ورأيت الأبيات في ديوان جميل بن معمر هكذا:
فدونوت محتقيًا أضرّ ببينها حتى ولجت بها خَفِي المولجِ
فتناولَت رأسِي لتعرفَ مسَّه بمخضَّب الأطراف غير مُشّنج
قالت وعيش أخي ونعمة والدي لأنبَّهِّن الحيَّ إن لم تخرجُ
فخرجت خيفة أهلها فتبسمَّمت فعرفت أنَّ يمينها لم تلحجِ
فلثمتُ فاها قابضًا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
ومحتقيًا: من الحقو بالفتح، وهو الإزاز، محتقيًا: مؤتزرًا. قال الأزهري في "التهذيب": الحقو الإزاز والخاصرة، وغير مشنج، أي: ناعمة طرية، وقوله: لم تلحج، بفتح الحاء المهملة، وتكسر في الماضي، قال الأزهري: لحج الشيء: إذا ضاق، والقرون: جمع قرن بالفتح، وهو الضفيرة من شعر الرأس، وقال الأزهري: يقال للرجل الذي عطش حتى جفت عروقه ولسانه: نزيف ومنزوف، ومنه قوله: شرب النزيف ببرد ماء الحشرج، قال أبو عمرو: النزيف: السكران، والنزيف: المحموم، وقال أبو العباس: الحشرج: النقرة في الجيل يجتمع فيها الماء فيصفو، انتهي. وقوله: ببرد ماء الحشرج، أي: بماء الحشرج البارد، فهو من قبيل إضافة إلى الموصوف، قال الأزهري:
[ ٢ / ٣١٥ ]
الحشرج: الماء العذب من ماء الحسي، قلت: الحشرج الماء الذي تحت الأرض، لا يفطن له في أباطح الأرض، فإذا حفر عنه وجه الأرض قدر ذراعين جاش بالماء الرواء، وتسميها العرب الأحساء، ومنه قوله: فلثمت فاها آخذًا بقرونها .. البيت، وقيل: هو الحسي الحصب، وروي أبو عمرو عن أبي العباس أنه قال: الحشرج: النقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو، قال: وقال المبرد: الحشرج في هذا البيت: الكوز الرقيق الحاري، والنزيف: السكران، ويكون المحموم، انتهي كلامه. وهذا خلاف ما نقلناه من "كامل المبرد" والحاريّ، بالحاء المهملة وتشديد الياء: نسبة إلى الحيرة بالكسر، وهي بلد قرب الكوفة، وقال صاحب "الأغاني" بسند له إلى أبي بكر القرشي أنه قال: كان عمر جالسًا بمني على فناء مضربه، وغلمانه حوله، إذا أقبلت امرأة عليها أثر النعمة، فسلمت فرد السلام عليها، فقالت له: أنت ابن أبي ربيعة؟ قال: نعم، قالت: هل لك في محادثة أحسن الناس وجهًا، وأتمهن خلقًا، وأكملهن أدبًا، وأشرفهن حسبًا؟ قال: ما أحبّ إليّ ذلك! قالت: على شرط أن تمكنني أن أربط عينيك وأقودك، حتى إذا توسطتُ المحل الذي أريد حللت عنك، ثم أفعل ذلك عند إخراجك، قال: شأنك، ففعلت، فلما كشفت عن وجهي، فإذا أنا بامرأة على كرسي لم أر مثلها جمالًا، فسلمت وجلست، فقالت: أنت عمر ابن أبي ربيعة؟ قلت: نعم، قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك، جعلني الله فداك؟ ! قالت: بقولك:
قَلت وعيشِ أخي وحرمةِ والدي إلى آخر الأبيات الأربعة
قم فاخرج، فقامت المرأة، فشدت على عيني ثم أخرجتي حتى انته إلى مضربي وتركتني وانصرفت، ودخلني من الكآبة والحزن ما الله عالم به، وبت ليلتي، فلما أصبح إذا أنا بها، فقالت: هل لك في العود؟ قلت: شأنك،
[ ٢ / ٣١٦ ]
ففعلت مثل ما فعلت بالأمس حتى انتهت بي إلى ذلك الموضع، وإذا بتلك الفتاة على الكرسي، فقالت: إيه يا فضاح الحرائر، قلت: بماذا جعلني الله فداك؟ قالت: بقولك:
وناهدةِ الثَّديينِ قلت لها أتّكِى على الَّرملِ من جنباته لم توسَّد
فقالت على أسمِ الله أمرك طاعةُ وإن كنتُ قد كُلِّفت ما لم أعوَّدِ
فلمَّا دَنا الإصباحُ قالت فضحتَنِني فقم غير مطرود وإن شئت فازددِ
فبتنا دُوَين الحيِّ يضر بنا الهوي نَلَذُّ كما شئنا وإن لم نُجَرَّدِ
وقامت كمثل الغصن يهتز رِدفها وتَلقطُ شيئًا من جُمانٍ مُبَدَّدِ
قَدِ أزددتُ منها وأتَّشَحتُ بمرطهَا وأشفيتُ نفسي من رضاب مُبرَّدِ
قم فاخرج عنا، فخرجت، ثم رددت فقالت: لولا خوف الرحيل، ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك لأقصيتك، هات الآن فحدثني وأنشدني، فكلمت أدب الناس وأعلمهم بكل شيء، ثم نهضت وأبطأت العجوز، وخلا البيت، فإذا أنا بتور فيه خلق، فأخذته وخبأته في ردني، ثم جاءت العجوز فشدت علي عيني، وجعلت تقودين حتى إذا صرت على باب المضرب، أخرجتُ يدي فضربت بها على باب المضرب ثم صرت على مضر بي فدعوت غلماني وقلت: أيكم يقف لي على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كف فهو حر، وله خمسمائة درهم، فلم ألبث أن جاءني بعضهم فقال: قم، فنهضت معه، فإذا أنا بالكف طرية، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت بن الملك بن مروان، فأخذت في أهبة السفر، فلما نفرت
[ ٢ / ٣١٧ ]
نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك فقيل لها: عمر، فساءها ذلك، وقالت للعجوز: قولي له: ناشدتك الله والرحم أن تفضحني، ويحك! ما شأنك؟، وما تريد؟ انصرف ولا تفضحني ونشيط بدمكّ! فقلت: ما أنا بمنصرف، أو توجّهَ إلى بقميصها الذي على جدلك، ففعلت فزادني بها سغفًا، ولم أزل أتبعهم ولا أخالطهم حتى [إذا] صاروا على أميال من دمشق، انصرف عمر وقال:
ضاق الغداة بحاجتي صدري ويئستُ بعدَ تقرب الأمرِ
وذكَرتُ فاطمة التي عُلِّقتَها عرضًا فيا لحوادث الدَّهر
هي أبيات تزيد على عشرة هذا ما أورده الأصبهاني، وقد روي الجاحظ هذه الحكاية، وفيها مخالفة لما تقدم في عدة أحببت إيرادها هنا، وإن كان فيها طول؛ قال في كتاب "المحاسن والأضداد" عن الكلبي: وقال عمر أبن أبي ربيعة: بينا أنا خارج محرم إذا أتتني جارية كأنها دمية في صفاء اللجين، في ثوبي قصب كقضيب على كئيب، فسلمت على وقالت: عمر ابن أبي ربيعة فتي قريش وشاعرها؟ قلت: أنا والله ذاك، قالت: فهل لك أن أريك أحسن الناس وجهًا؟ قلت: ومن لي بذلك؟ قالت: أنا والله لك بذلك، على شريطة، قلت: وما هي؟ قالت: أعصِّبك وأربط عينيك، وأقودك ليلًا، قلت: لك ذلك، قال: فاستخرجت معجرًا من قصب عجرتني به، وقادتني حتى أتت بي مضربًا، فلما توسطته فتحت العصابة من عيني، فإذا أنات بمضرب ديباج أبيض مدثر
[ ٢ / ٣١٨ ]
بحمرة، مفروض بوشي كوفي، وفي المضرب ستارة مضروبة من الديباح الأحمر عليها تماثيل ذهب، ومن ورائها وجه لم أحسب أن الشمس وقعتعلى مثله حسنًا وجمالًا، فقامت كالخجلة، وقعدت قبالتي وسلمت علي، فخيل لي أن الشمس تطلع من جبينها، وتغرب في شقائق خدها، قالت: أنت عمر ابن ابي ربيعة، فتي قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ذلك، قالت: أنت القائل:
بينمَا يَبغينني أبصرنني دون قيد الميل يعدو بي اأغر
قالت الكبريَ: أما تعرفن ذا قالت الوسطي بلي هذا عمر
قالت الصغري وقد تّيمتُها قد عرفناهُ وهل يخفَي القَمَر
قلت: أنا والله قائلها يا سيدتي، قالت: ومن هؤلاء؟ قلت: يا سيدتي، والله ما هو عن قصد مني ولا في جارية بعينها، ولكني رجل شاعر أحب الغزل وأقول من النساء، قالت: يا عدو الله، يا فاضح الحرائر، قد فشما شعرك بالحجاز، وأنشده الخليفة والأمراء، ولم يكن في جارية بعينها؟ ! يا جواري أخرجنه، فخرجن إلى الوصائف فأخرجنني، ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني وقادتني إلى مضربي فبت بليلة كانت أطول من سنة، فلما أصبحت بقيت بها هائمًا لا أعقل ما أصنع، فما زلت أرقب الوقت، فلما حان وقت المساء جاءتني الجارية، فسلمت علي وقالت: يا عمر، هل رأيت ذلك الوجه؟ قلت: أي واله، قالت: أفتحب أن أريكة ثانية؟ قلت: إذا تكرمت تكونين أعظم الناس منه علي، فقالت: على الشريطة، فاستخرجت المعجر فعجرتني، وقادتني، فلما توسطت المضرب فتحت العصابة عن وجهي، فإذا أنا بمضرب ديباج أحمر مدنر ببياض مفروش بأرمني، فقعدت على نمرقة من تلك النمارق، فإذا أنا بالشمس الضاحية، قد أقبلت من وراء الستر تتمايل من غير سكر، فقعدت كالخجلة، فسألتني وسلمت علي
[ ٢ / ٣١٩ ]
فقالت: أنت عمر أبن أبي ربعية فتي قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ذلك، قالت أنت القائل:
وناهدة الثَّديين قلت لها أتَّكي على الرَّمل في ديمومةٍ لم تُوسَّدِ
فقالت على اسم اللهِ البيت
فما زلتُ في ليلٍ طويل ملثمًا لَذيذَ رُضابِ المسك كالُمتشِّهدِ
فلما دتا الإصباح .. البيت
فما ازددت منها واتَّشحتُ بمرطها وقلت لعينيَّ اسفحا الدمع من غدِ
فقامت تُعّفِّي بالرِّداءِ مكانها وتطلبُ شذرًا من جمانِ مُبددَّ
قلت: أنا قائلها، قالت: فمن الناهدة الثديين؟ قلت: يا سيدتي، قد سبق في الليلة الأولى، والله ما هو مني قصد ولا في جارية بعينها، قالت: يا عدو الله! أنت قد فشا شعرك، ورواه الخليفة، وتزعم أنه لم يكن في جارية بعينها! يا جواري ادفعنه، فأخرجنني ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني وقادتني إلى مضربي، فبت في ليلة كانت أطول من الليلة الأولى، فلما أصبحت أمرت بخلوق فضرب لي، وبقيت أرقب الوقت هائمًا، فلما كان في وقت المساء جاءتني الجارية، فسلمت على وقالت: يا عمر، هل رأيت ذلك الوجه؟ قلت: أي والله، قالت: أفتحب أن أريكة الثالثة؟ قلت: إذن تكونين أعظم الناس منه علي، قالت: على الشريطة، قلت: نعم، فاستخرجت المعجر وعجرتني به، وقادتني حتى أتت بي إلى المضرب، فلما توسطته، فتحت العصابة عن عيني، فإذا أنا بمضرب ديباج أخضر مدنر بحمرة مفروش بخز أحمر، وإذا أنا بالشمس الضاحية قد أقبلت من وراء الستر كحور الجنان،
[ ٢ / ٣٢٠ ]
فسلمت علي وقالت: أنت عمر فتي قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ذاك، قالت: أنت القائل:
نعبَ الغُرابُ يبين ذات الدملجِ ليتَ الغُرابَ ببينها لم يَشحجِ
ما زلت أتبعُهُم وأتبعُ عيسهمُ حتى دفعتُ إلى ربيبة هودج
قالت وعيش أخي وحمرة والدي .. إلى آخر الأبيات التي تقدمت
قلت: أنا قائلها، قالت: يا عدو الله! يا جواري أخرجنه، فوثبت إلى الوصائف، فأخرجنني ودفعنني إلى الجارية فعجرتني وقادتني إلى مضربي، وقد كنت عند خروجي ودفعنني إلى الجارية فعجرتني وقادتني إلى مضربي، وقد كنت عند خروجي من مضربي ضربت يدي بالخلوق، وأسدلت عليها ردائي، فلما صرت إلى باب مضربها أخرجت يدي ووضعتها على جانب المضرب وضعًا بينًا، فلما أصبحت صحت بغلماني وعبيدي، ولي ألف عبد: من أتاني بخبر المضرب الذي ضرب فيه بكذا وكذا فهو حر لوجه الله تعالي، فلما كان في وقت الماء أتتني وليدة سوداء فقالت: قد عرفت المضرب، وهو لرملة أخت عبد الملك بن مروان، فأعتقتها وأمرت لها بمائتي دينار، وأمرت بمضربي يقلع ثم يضرب بحذاء مضربها، وكتب بالخبر إلى عبد الملك، فكتب إليها بالرحيل، فركبت هودجها، وركبت وكتب بالخبر إلى عبد الملك، فكتب إليها بالرحيل، فركبت هودجها، وركبت فرسي فزاحمتها على بعض الطريق، وأشرفت علي من هودجها فقالت: إليك عني أيها الرجل، قلت: خاتم أو قميص أذكرك به، فقالت لبعض جواريها: ألقي إليه قميصًا من قمصي، فأخذته وأنا أقول:
فلا وأبيكِ مَا صَوتَ الغواني ولاشرب التي هي كالفصوص
اردتُ برحلتي وأريدُ حَظًّا ولا أكل الدَّجاج ولا الخبيصِ
[ ٢ / ٣٢١ ]
قميص ما يفارقني حياتي .. أنيسي في المقام وفي الشخوص
وجعلت أنزل بنزولها وأركب بركوبها، حتى كنا من الشام على ثلاث وجعلت أنزل بنزولها وأركب بركوبها، حتى كنا من الشام على ثلاث مراحل، فاستقبلنا عبد الملك مع خاصته، فدخل إليها ثم قال لها: يا رمله، ألم أنهك أن لا تطوفي إلا ليلًا يحفك الجواري، ويحف الجواري الخدم، ويحف الخدم الوكلاء، لئلا يراك عمر أبن أبي ربيعة! قالت: والله، وحياة أمير المؤمنين ما رآني ساعة واحدة قط، فخرج من عندها، فبصر بمضربي [ف] قال: لمن هذا المضرب؟ قيل: لعمر أبن أبي ربيعة، قال: علي به، فأتيته بلا رداء ولا حذاء، فدخلت عليه وسلمت عليه فقال: يا عمر، ما حملك على الخروج من الحاجز من غير إذني؟ قلت: سوقًا إليك يا أمير المؤمنين، وصبابة إلى رؤيتك، فأطرق مليًا ينكث في الأرض بيده، ثم رفع رأسه فقال: يا عمر هل لك في واحدة؟ قلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رملة أزوجكها، قلت يا أمير المؤمنين، وإن هذا لكائن؟ ! قال: إي ورب السماء، ثم قال: قد زوجتكما، فادخل عليها من غير أن تعلم، فدخلت عليها فقالت: من أنت هبلتك أمك؟ قلت:
يا سيدتي أنا المعذب في الثلاث، فارتحلت وأنا عديلها، ثم أنشأت أقول:
لعمري لقد نلتُ الذي كنتُ أرتجي وأصبحتُ لا أخفي الذي كنت أُحذرُ
فليس كمثلي اليوم كسري وهرمز ولا الملكُ النعمان مثلي وقيصر
فلم أزل معها بأحسن عيش وغبطة. هذا آخر ما حكاه الجاحظ
وترجمة عمر تقدمت في الإنشاد السادس من أول الكتاب.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد المائة:
(١٤٨) كنواحِ ريشِ حمامةٍ نجديَّةٍ
على أن فيه قلبًا، والأصل: ومسحت اللثتين بعصف الإثمد: قال ابن خلف: وقوله: ومسحت باللثتين .. الخ، أراد: مسحت اللثتين بعصف الإثمد فقلب، لأن الكلام لا يدخله لبس، ومثله في القلب لعروة بن الورد:
فَديَتُ بنفسه نفسي ومالي ومَا ألوكَ إلاَّ ما أُطيقُ
وإنما هو: فديت نفسه بنفسي، ومثله للقطامي
فلّما أن جري سمن عليها كما بطَّنت بالفدن السيَّاعا
وإنما هو: كما بطنت الفدن بالسياع، والفدن: القصر، والسياع: الطين، وقال الشاعر:
كانت فريضة ما أتيت كما كان الزّناء فريضة الرَّجمِ
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فقلب، وإنما الوجه أن يقول: كما كان الرجم فريضة الزناء، ولكن جاز هذا لما كان الشاعر يعلم أن مفهوم، ومثله قول الشاعر:
لقد خفت حتى ما تزيد مخافتي على وعلٍ في ذي المطارة عاقل
والمعني: حتى ما تزيد مخافة وعل علي مخافتي، وكذا قول الآخر:
حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا كأنَّنا رعن قُفٍّ يرفعُ ألآلا
أي: يرفعه الآل، فقلب على أصل ما ذكرنا، ومثله قول الآخر:
ويكسو المجنَّ الرخو خصرًا كأنّه
إهان ذوي عن صفرةٍ فهو أخلق
وكان الوجه أن يقول: ويكسو الخصر مجنًا على ما ذكرنا، وكما قال أبو النجم:
قبل دُنوِّ الأفق من جوازائه
وإنما تدنو الجوزاء إلى الأفق. وقال آخر:
ولا تهَّيبني المواماة أركبها إذا تجاوبت الأصداء بالسحر
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وإنما هو: ولا أتهيب الموماة، وقال آخر:
فصبَّحته كلابُ الغوث يوسدها مستوضحون يرون العين كالأثرِ
والوجه: يرون الإثر كالعين، وكذا قول الآخر:
يرون الجمر مثل ترابها
أي: يرون ترابها مثل الجمر، وقال الفرزدق:
غداة أحلَّت لابن أصرم طعنةَ حصينٍ عبيطات السَّدائف والخمر
فنصب الطعنة وهي الفاعلة، ورفع عبيطات وهي مفعولة، وقال آخر:
فلا تكسروا أرماحهم في صدروكم فتغشمكم إن الرماح من الغشم
ومثله: ﴿خلق الإنسان من عجلٍ﴾ [الأنبياء/٣٧] المعني، والله أعلم: خلق العجل من الإنسان، وقال المبرد: معناه: خلق منه العجلة، وقال أبو عمرو: خلق الإنسان من عجل، أي: من طين، والعجل من أسماء الطين، وقول العرب: أعرض الناقة على الحوض، وإنما الحوض يعرض على الناقة، هل تختار الشرب منه أو لا، ولا معني لعرض الناقة عليه، لأنه لا خبرة له في ذلك، فكان عرض الحوض على الناقة هو الأصل، ومثله: أدخلت الخف في رجلي، والخاتم في إصبعي، والقلنسوة في رأسي، ومثل ذلك أنتقول: أدخل فوه الحجر، فيكون المعني: إن الفم أدخل في الحجر، وإنما حقيقته أن الحجر
[ ٢ / ٣٢٥ ]
أدخل في الفم، وكذلك قول الشاعر:
تري الثَّور فيها مدخل الظّلِّ رأسه وسائره بادٍ إلى الشمس راجعُ
فجعل الظل يدخل الراس، وإنما يجوز أن يقال: يدخل رأسه الظلّ، فقلب لأنه لا يشكل، وقد أجازوا في الكلام فضلًا عن الشعر، أجازوا: أعطي الدرهم زيدًا، فجعلوا الدرهم آخذًا لزيد، والوجه أعطي زيد الدرهم، لأنه القابض له، ولكن هذا لا يشكل، وقال الشاعر.
فإنّ بني شراحيل بن عمروِ تماروا والفجور من التَّماري
وإنما هو: والتماري من الفجور، وقوله:
فدعا دعوة المحنِّق والتلَّبيبُ منهُ في عاملٍ مقصود
وإنما العامل في التلبيب، وكذلك قوله:
أسلموهَا في دمشق كما أسلمت وحشيَّية وهقا
والوهق يسلم الوحشية، فلما كان أحدهما يسلم الآخر جاز، وقوله:
ولما رأيت الهون والعير ممسك على رغمه ما أمسك الحبل حافره
وقوله:
وتركبُ خيل لا هواده بينها وتشقي الرماح بالضَّيا طرة الحمرة
[ ٢ / ٣٢٦ ]
أي: يشقي هؤلاء بهذه الرماح، وقوله:
وإذا تعاورت الأكفُّ رجاجها نفحت فنال رياحها المزكوم
والرياح تنال شامها، فإذا نالته نالها، وقوله:
أقبُّ طمرُّ كسيد الغضا إذا ما الخبارُ انتحاهُ وثب
والفرس ينتحي الخبار، وقوله:
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت نجرانُ أو بلغت سوآتهم هجرُ
وقوله:
متاليفُ يسَّارون والليلُ مسدف إذا الليلُ بالعوج الهدان تحيرا
ومعناه: أن العوج الهدان بالليل تحير، وقوله:
ما كنت في الحرب العوان مغمرًا إذا شب حر وقودها أجزالها
والأجزال تشب النار، وقوله:
يا طول ليلي وعادني سهري ما تلتقي مقلتي على شفري
[ ٢ / ٣٢٧ ]
والشفران يلتقيان على المقلة، ونحو: ﴿لتنوء بالعصبة﴾ [القصص/٧٦] فلما كانت العصبة تنوء بالحمل، والحمل ينوء بها، لم تبل أيهما تقول، ومثلها: إنها تنوء بعجيزتها، ومثله: ﴿كماء أنزلناهُ من السماء فاختلف به نبات الأرض﴾ [الكهف/ ٤٥] وإنما الماء يختلط بالنبات، إلى هناك كلام ابن خلف. وكأنه أراد استقصاء أمثله القلب، شكر الله صنيعه، وإنما هذا الذي ساقه المشهور منه.
والبيت من شواهد سيبوية، وهو ثاني بيت من أبياته أورده في أول كتابه في باب ما يحتمل الشعر، قال: أعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما ينصرف من الأسماء، وحذف ما لا يحذف، يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفًا، كقول العجاج:
قواطنًا مكّة من ورق الحمي
يريد: الحمام، وقال خفاف بن ندبة: كنوح ريش حمامة .. البيت قال أبوجعفر النحاس: قال علي بن كيسان: إنما كان حقه أن يكون: كنواحي ريش، لأن هذه الياء إنما يحذفها التنوين، ولكنه اجترأ على حذفها إذا كان مضافًا إلى اسم ظاهر، بناه على أن يصل إلى الوقف عليه، قال محمد بن يزيد: جعلها بمنزلة الياءات التي تحذف في الوقف في الفواصل والقوافي، انتهي.
وقال الأعلم: أراد كنواحي ريش، فحذف الياء في الإضافة ضرورة، تشبيهًا لها بما في حال الإفراد والتنوين وحال الوقف، وصف في البيت شفتي المرأة، فشبهها بنواحي ريش الحمامة في رقتها وإطافتها وحوَّنها، واراد أن لثانها تضرب إلى السمرة، فكأنها مسحت بالإثمد.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وعصف الإثمد: ما سحق منه، وهو من عصفت الريح: إذا هبت بشدة، فسحت ما مرت به وكسرته، وهو مصدر وصف به المفعول، كما قيل: الخلق بمعني المخلوق، والرواية الصحيحة: "ومسحت" بكسر التاء، وعليه التفسير، ويروي: "مسحت" بضم التاء، ومعناه: قبلتها فمسحت عصف الإثمد في لثتها، وكانت العرب تفعل ذلك، تغرز المرأة لثاتها بالإبرة، ثم تمر عليها الإثمد والنؤوو، وهو دخان الشحم المحرق حتى يثبت باللثات، فتشتد وتستمر، ويتبين بياض الثغر، ويكون المعني: باشرت من سمرتها مثل عصف الإثمد، وإنما خص الحمامة النجدية، لأن الحمام عند العرب كل مطوق كالقطا وغيره، وإنما قصده إلى الحمام الورق المعروفة، وهي تألف الجبال والحزون - والنجد: ما ارتفع من الأرض - ولا تألف الفيافي والسهول كالقطا وغيره، انتهي كلام الأعلم، وقال ابن خلف: الشاهد فيه حذف الياء من نواحي، وحذف الياء في الإضافة ردئ وحذفها في غير الإضافة أسهل، ونواحي: جمع ناحية، مثل: سارية وسواري، والعصف: ورق الزرع، والإثمد: هذا الكحل المعروف، والكحل: حجر يؤخذ من معدن من المعادن، وليس بشيء ينبت فيكون له ورقن، ولم يكن الإثمد من الأشياء التي ببلاد العرب، وهم لا يقفون على حقيقته إلا ممن عرفه، وقيل: العصف: الغبار، وهذا لا إشكال فيه.
وظن أن الكحل من النبات كالنِلج، كما ظن أبو نخيله أن الفستق من البقول، فقال:
جارية لم تأكل المرقَّقا لم تذق من البقول الفستقا
وكقول الشاعر:
والشيخ عثمان أبو عَفّانا
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وظن أن عثمان يكني أبا عفان، وإنما هو أبو عمرو، كقول الآخر:
مثل النصاري قتلوا المسيحا
وإنما اليهود على ما قالت اليهود والنصاري قتلوا المسيح، وقد أكذبهم الله تعالي بقوله: ﴿وما قتلوهُ وما صلبُوهُ ولكن شُبهَّ لهم﴾ [النساء/ ١٥٧] وموضع الإنكار على الشاعر أن الذين اعتقدوا قتله، اعتقدوا أن الذين قتلوه هم اليهود، غير أنه ظن أنه لما كانت اليهود والنصارى مخالفين لمله الإسلام، وجاحدين لمحمد (صلي الله عليه وسلم)؛ أنهم جميعًا مشتركون في سائر ما ينكرونه من الأنبياء، انتهي، وقد كشف عن العصف في "التهذيب" و"العباب" و"القاموس" فلم أر ما يناسب هذا الموضع، فثبت قول ابن خلف أن الشاعر ظن أن الإثمد من النبات، وأما قوله: إن العصف بمعني الغبار، فلم أره بهذا المعني، والله تعالي أعلم.
والبيت نسبه سيبويه وغيره إلى خفاف بن ندبة، وقد فتشت ديوانه فلم أجده فيه، وقال ابن خلف: هو لخفاف بن ندبة، وليس في ديوانه، وقال أبو العلاء المعري في شرح "شرح ديوان البحتري" عند قوله:
يا صقيل الشِّعر المقلَّد بالذي يختارُ من قلعيِّه ويما به
القليعة: ضرب من السيوف، وقوله: بيمانه، يجب أن يكون على حذف الياء، أراد: ويمانيه، وذلك رديء جدًا، لأن هذه الياء تثبت في الإضافة، وحذفها قليل في هذا الموضع، صنعه ابن المقفع، والبيت: كنواح ريش حمامة البيت، وحذف الياء في المضاف إلى الظاهر أحسن منه في المضاف إلى المضمر، لأن الظاهر منفصل، والمضمر يجري مجري ما هو من الأمم، فقوله: ويمانه، أقبح من قول القائل: كنواح ريش، ونواح ريش، أقبح من قول
[ ٢ / ٣٣٠ ]
الآخر.
فطرتُ بمنصلي في يعملاتٍ دوامي الأيد يخبطن السَّريحا
لأن الألف واللام قد سوغها حذف الياء حتى قيل: [إنها] لغة للعرب، وقد قرأ بها القراء، انتهي كلامه.
وقال الزمخشري في "شرح شواهد سيبويه": البيت عزاه قوم لابن المقفع، وليس كما قالوا، هذا كلامه.
واللثه: بكسر اللام، وثاء مثلثة مخففة: ما حول الأسنان من اللحم، وأصلها: لشيء، والهاء عوض من الياء.
وخفاف ابن ندبة شاعر فارسي صحابي، وهو بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، وهي في اللغة بمعني الخفيف، وندبة، بفتح النون وضمها، وسكون الدال بعدها موحدة، قال ابن خلف: خفاف: أخو خفيف في الوصف، يقال: شيء خفيف وخفاف، ومثله سريع وسراع، وشجيع وشجاع، وطويل وطوال، وكبير وكبار، وعريض وعراض، وندبة، من قولهم: رجل ندب، إذا كان سريع النهوض في الأمور، وندب الميت، أي: بكي عليه وعدد محسانه، يندبه ندبًا، والاسم الندبة، بالضم، وندبة: أم خفاف، وهي سوداء بنت شيطان بن قنان من بني الحارث بن كعب، وأبو خفاف: عمير بن الحارث بن الشريد، وكنية خفاف: أبو خراسة، وإياه عني أبو العباس بن مرداس بقوله:
أبا خراشة أمَّا أنت ذا نفر البيت
وهو ابن عم الخنساء وصخر ومعاوية، وخفاف هذا فارس مشهور، وشاعر
[ ٢ / ٣٣١ ]
مجيد أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، قال الأصمعي: شهد خفاف حنينًا، وقال غيره: شهد مع النبي (صلي الله تعالي عليه وسلم)، فتح مكة، ومعه لواء بني سليم، وشهد حنينًا والطائف.
قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": لخفاف بن ندبة حديث واحد، لا أعلم له غيره، قال: أتيت رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أين تأمرني أن أنزل، أعلى قرشي، أم علي أنصاري، أم أسلم أم غفار؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يا خفاف! ابتغ الرفيق قبل الطريق، فإن عرض لك أمر نصرك، وإن احتجت إليه رفد".
وكان خفاف أسود حالكًا، وهو القائل:
كلانا يسوِّده قومه على ذلك النسَّبِ المظلم
قال أبو عبيدة: وهو أحد الأغربة الثلاثة في الجاهلية، وإنما سموا أغربة، لأن أمهاتهم سود: عنترة بن شداد العبسي، وأمه زبيبة، وخفاف بن عمير الشريدي من بني سليم، وأمة ندبة، وإليها ينسب، والسليك بن السلكة السعدي، انتهي.
تتمة مما له تعلق بالبيت المتقدم: قول النابغة الذبياني:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ بردًا أسفَّ لثاته بالإثمدِ
كالأقحوان غداة غبِّ سمائه جفت أعاليه وأسفله ندي
[ ٢ / ٣٣٢ ]
قال الخالديان في "شرح ديوان مسلم بن الوليد": شبه شفتيها واللمي الذي فيها بقادمتي حمامة، والقوادم أشد سودًا من الخوافي، فلذلك خص القوادم.
وأسف: ذرَّ، والثة: اللحم الذي في الأسنان، هذا قول الأصمعي، وقال ابن الأعرابي: إنما عني أصبعيها، وشبهها بقادمتي حمامة وأن أطرافها مخضبة، فذكر أنها تستاك بإصبعين كقادمتي الحمامة، وأخذ هذا المعني الأعشي فقال:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ بردًا أسفَّ لثاته بسواد
ذكر أنها حماء الشفتين، وهي الليمياء، والعرب إذا وصفت بياض الثغر خلطت بذلك سواد اللثة، وأول من اخترع ذلك امرؤ القيس بقوله:
منابته مثل السَّدوس ولونه كشوك السَّيال وهو عذب يفيص
السدوس: النيلج، فأراد أن منابته تضرب إلى السواد، والسيال: نبت له شوك أبيض أصوله مثل الثنايا، وقد أخذ الأعشي قول امرئ القيس فقال:
باكرتها الأغراب في سنة النَّو م فتجري خلال شوك السَّيال
وما أحسن ما أخذه أبو تمام بقوله:
كان شوك السَّيال حسنًا فأمسي دونه للبعاد شوك القتاد
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وأخذ الأخوص معني النابغة فقال:
تجلو بقادمتي قمرَّية بردًا غرًّا تري في مجاري ظلمة أشرًا
وقد ذكر الصولي في بعض كتبه بيتي النابغة، وفسره تفسيرًا أضافه إلى نفسه، وذكر الصولي في بعض كتبه بيتي النابغة، وفسره تفسيرًا أضافه إلى نفسه، وذكر أن أ؛ دًا من العلماء لم يشركه فيه، ونحن نذكر تفسيره قال: أول من وصف الثغر وأحسن النابغة بقوله:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة البيتين
هذه صفات وشروط لم يهذبها النابغة، ولكنه بالغ في الوصف، ويحتاج إلى تفسير، وما أعلم أن أحدًا من العلماء الذين عملوا شعر النابغة فسره على حقيقته، قوله: بقادمتي، يريد يجلو شفتاها ثغرها إذا ضحكت وتكلمت، وشبهه شفتيها بريش قادمتي حمامة، يريد في الرقة واللين، بردًا، يريد ثغرًا كالبرد، أسف
[ ٢ / ٣٣٤ ]
لثاته: جمع لثة، بالإثمد كحل، وكانوا يجعلون الكحل في أصول الأسنان حتى يشرق بياض الأسنان بسواد الكحل، وهم يصفون اللثة بالحمرة لتخالف لون الثغر، قال: هذا الثغر كالأقحوان، شبه به لبياض الأقحوان وطيبة، جفت أعاليه وأسفله ندي: هذا موضع حذق النابعة في وصفه، لأن الأقحوان إذا روي بالمطر ولم تطلع عليه الشمس كان ملتفًا مجتمعًا، وكذا كل الأنوار، فلو شبه الثغر به في هذه الحال كان قبيحًا لأنه يركب بعضه بعضًا، فقال: جفت أعاليه، يريد: الورق الأبيض المشبه بالثغر إذا تبسط، ثم قال: وأسفله ندي، فاحترس من أن يكون جافًا من الريق، لأن الجاف الريق أبدًا متغير النكهة، والكثير الريق أبدًا طيبها، هذا قول الصولي قد أوردناه بلفظه، وهو وجه حسن.
والذي عندنا في قوله: جفت أعاليه وأسفله ندي؛ أنه يريد قرب عهده بالمطر، وقد صقل ورقة فحسن عند ذلك، ولم يطل عبده بالمطر فيتغير، ويدل عليه قوله: وأسفله ندي، وبنداوته أيضًا يشرق ويحسن، لأنه إذا عطش تغير وقبح منظره، أنتهي.
وقد أخذ البيت الأول القتال الكلابي وغير قافيته فقال:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ بدرًا أسفَّ لثاته مثبلوج
وأراد بمثلوج: برد ريقها.
وأخذه أيضًا سنان بن عميرة الباهلي فقال:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ بردًا منا بته لثات سود
وهو من شعر أورده أبو تمام في كتاب "مختار أشعار القبائل".
وقال أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات": والعرب يستحسنون أن يكون في لثة المرأة وشفتيها حوة، وهي حمرة إلى سواد يسير، وإذا كانت
[ ٢ / ٣٣٥ ]
كذلك فهي اللعساء واللمياء، وتلك الحمرة لعس ولمي، قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوَّة لعس وفي اللِّثات وفي أنيا بها شنبُ
وكانت المرأة إذا لم تكن لعساء تكلفت ذلك بالنؤور، قال النابغة في وصف شفتي جارية بارقة واللعس:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ البيت
وقال آخر في مثله:
كنواح ريش حمامةٍ نجديةٍ ومسحت بالشفتين عصف الإثمد
انتهي. وهذه رواية أخرى "بالشفتين" بدل "اللثتين" وفي كتاب في نقد الشعر، ولا أعرف مؤلفه، وذكر بيتي النابغة: شبه شفتيها، واللمي الذي فيها، بقادمتي الحمامة، وهذا الريش الذي في القوادم أشد سوادًا من الخوافي، فلذلك خص القوادم بالتشبيه، وذكر الأصمعي أنه عني بالسواد لحم الأسنان، وذلك أنهم كانوا يدمون اللثة، ويذرون عليها الكحل لتسود، ويكون سوادها مع بياض الأسنان حسنًا، انتهي.
وقد ضمن بعضهم البيت الثاني من بيتي النابغة في هجو، فجعله آبدة من الأوابد، فقال:
يا سائلي عن جعفر علمي به رطب العجان وكفه كالجلمد
[ ٢ / ٣٣٦ ]
كالأقحوان غداة غبِّ سمائه جفَّت أعاليه وأسفلهُ ندي
ومن شعر طرفه في هذا المعني:
وتبمس عن ألمي كأنّ منورِّرًا تخلَّل حرَّ الرَّمل دعص له ندي
سقته إياه الشمس إلاَّ لثاته أسفَّ ولم تكدم عليه بإثمد
أي: تضحك عن ثغر ألمي اللثات، أي: أسمر اللثات، وقوله: كأن منورًا، أي: كأن به منورًا، فأضمر الخبر لأنه مفهوم، واراد بالمنور أقحوانًا قد ظهر نوره، فشبه بياض الثغر ببياض نور الأقحوان، وقوله: تخلل حر الرمل، أي، توسطه ونبت بينه، وذلك أنعم لنبته ونوره، وحر الرمل: أكرمه وأحسنه لونًا، والدعص: كثيب من الرمل ليس بكبير، وقوله: له أي: للمنور، والندي: الذي في أسفله الماء، وإذا كان كذلك تنعم الأقحوان وصفًا لونه، وإياه الشمس: ضوؤها وشعاعها، وقوله: أسف، أي: ذر على لثاته الإثمد، واراد: أسف بإثمد، ولم تكدم عظمًا فيؤثر في ثغرها ويذهب أشره، أي: تحديده، والكدم: العض، وقوله: سقته، أي: سقت الثغر، والمعني: أحسنته وبيضته، وهذا مثل، وإنما أراد أن ثغرها أبيض براق، ولثانها سمر، فاشتد لسمرتها بياض الثغر، ومن شعر طرفة أيضًا:
وإذا تضحك تبدي حببًا كرضاب المسك بالماء الخصر
[ ٢ / ٣٣٧ ]
بدّلتهُ الشمسُ من منبته بدرًا أبيض مصقول الأشر
روي عن الشعبي أنه كان يسأل جلساءه عن هذا البت ومعناه فلا يجيبون، ثم فسره لهم فقال: إن الغلام والجارية من غلمان العرب إذا سقطت سنة يقف بحذاء الشمس فيحذف بها، ويقول: كأنه يخاطب الشمس: أبدليني بها سنًا أحسن منها، فهذا معني قول طرفة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد المائة:
(١٤٩) كفي الشَّيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا
وصدره:
عُميرة ودِّع إن تجهَّزت غاديًا
على أنه جاء فاعل كفي مجردًا عن الباء.
وأورده سيبويه في باب "عدة ما يكون عليه الكلم" قال: وقد تكون باء الإضافة بمنزلتها، أي: بمنزلة "من" في التوكيد، وذلك قولك: ما زيد بمنطلق، ولست بذاهب، أراد أن يكون مؤكدًا حيث نفي الانطلاق والذهاب، وكذلك كفي بالشيب واعظًا، لو ألغي الباء لاستقام الكلام قال عبد بني الحسحاس:
كفي الشيب والإسلام للمرء ناهيا
انتهي. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع الشيب بكفي بعد إسقاط حرف الجر المستعمل في مثله للتوكيد، إذا قالوا: كفي الشيب، وكما قال عز ذكره: ﴿وكفي بالله شهيدًا﴾ [النساء/٧٩] أي: كفي الله من شهيد: وقوله: عميرة ودع، أي: ودعها وداع تارك للصبا، متعظ بما شمله من الشيب، وأحاط
[ ٢ / ٣٣٨ ]
به من حرمة الإسلام وتحجيره للصبا ونهيه عن القبيح، انتهي.
وجعل أبو علي في كتاب "إعراب الشعر" زيادة الباء في نحو هذا من القليل، قال: ما أسند الفعل إليه من الفاعلين، وقد جر بحرف جر، فهوفي موضعين؛ أحدهما: أن يكون إيجابًا، وهو قليل، والآخر: أن يكون غير إيجاب؛ فالإيجاب كقولك: كفي بالله، وفي التنزيل: (كفي بالله شهيدًا) وتقول: كفي الله، فلا تلحق الحرف، قال: عميرة ودع البيت. انتهي.
وقد كتبنا في "حاشية بانت سعاد" في شرح قوله:
أكرم بها خلّةً لو أّنها صدقت البيت
مما يتعلق بزيادة الباء في فاعل كفي ما فيه غنية عن غيره، وعميرة بالتصغير.
مفعول مقدم لودع، والتوديع هنا الترك، وتجهزت: تهيأت وتحملت، وغاديًا: ذاهبًا في الغداة، وهو حال من التاء، وكفي: مفعول محذوف، أي: كفاك الشيب، والبيت خطاب لنفسه، وناهيًا: يحتمل أن يكون تمييزًا، وأن يكون حالًا من أحدهما، وحال الآخر محذوفة، وإلا لقال: ناهيين.
ولم يصب العيني في قوله: ناهيًا: مفعول كفي.
وقال ابن جني في "الخصائص" في باب " اللفظ يرد محتملًا للأمرين أحدهما أقوي من صاحبه" ناهيًا في البيت: أسم فاعل من نهيت، وقد يجوز مع هذا أن يكون مصدرًا كالباطل، كأنه قال: كفي الشيب والإسلام للمرء نهيًا وردعًا، أي: ذا نهي، فحذف المضاف، وعلقت للمرء بما يدل عليه الكلام، ولا يكون على هذا معلقًا بنفس الناهي لأن المصدر لا يتقدم شيء من صلته عليه، [فهذا] وإن كان عسفًا، فإن جائز، لأن العرب قد حملت عليه فيما لا يشك فيه، فإذا أنت أجزته هنا، فلم تجز إلا جائزًا مثله، ولم تأت إلا ما أتوا
[ ٢ / ٣٣٩ ]
نحوه. انتهي. وهذا شيء يتعجب منه.
والبيت من قصيدة طويلة تزيد على ستين بيتًا لحيم عبد بني الحسحاس، كلها نسيب وغزل بعميرة بنت سيدة، وغيرها من النساء، وسحيم: مصغر أسحم وكان عبدًا أسود من المخضرمين أدرك الجاهلية والإسلام، قال اللخمي: كان مولي حسيم جندل بن معبد من بني الحسحاس، وكان أعدمي اللسان، ينشد الشعر ويقول: أهشند والله، يريد: أحسنت والله، وكان عبد الله بن أبي ربيعة قد اشتراه، وكتب إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالي عنه: إني قد ابتعت لك غلامًا شاعرًا حبشيًا، فكتب إليه عثمان: لا حاجة لي به فاردده، فإنما قصارى أهل العبد الشاعر إن سبع أن ينسب بنسائهم، وإن جاع أن يهجوهم! فرده عبد الله، فاشتراه أبو معبد، فكان كما قال عثمان رضي الله تعالي، شبب ببنته عميرة، وفحش بها وشهرها، فقتله سيده، ومما قال منها في هذه القصيدة:
توسِّدني كفا وتثني بمعصم عليَّ وتحوي رجلها من ورائيا
فما زال بردي طيّبًا من ثيابها إلى الحول حتى أنهج البرد باليا
والحسحاس بمهملات: هو ابن نفاثة بن سعد، وينتهي إلى أسد بن خزيمة.
وفي "كامل" المبرد: ان عبد بني الحسحاس يرتضخُ لكنه حبشية، فلما أنشد عمر ابن الخطاب، (رضي الله تعالي عنه) هذا المطلع قال له عمر: لو كنت قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، أي: لأعطيتك شيئًا، فقال سحيم: ما سعرت،
[ ٢ / ٣٤٠ ]
يريد. ما شعرت. وروي المرزباني في ترجمته عن الحسن البصري أن رسول الله (صلي الله عليه سلم)، قال: "كفي الإسلام والشيب للمرء ناهيًا" فقال له أبو بكر (رضي الله تعالي عنه): إنما قال الشاعر: كفي الشيب والإسلام للمرء ناهيًا، فأعادها النبي (صلي الله تعالي وسلم، كالأول، فقال أبو بكر: أشهد أنك لرسول الله (وما علمناهُ الشعر وما ينبغي له).
وقال ابن حبيب في كتاب "من قتل من الشعراء": أنشد رسول الله، (صلي الله تعالي عليه وسلم)، قول سحيم، عبد بن الحسحاس:
الحمدُ لله حمدًا لا انقطاع له فليس إحسانُه عنَّا بمقطوع
فقال: "أحسن وصدق، وإن الله ليشكر مثل هذا، ولئن سدد وقارب إنه لمن أهل الجنة".
وكان سحيم صاحب غزل، فاتهمه مولاه بابنته، فجلس له في مكان إذا رعي.
سحيم قال فيه، فلما اضطجع تنفس الصعداء، ثم قال:
يا ذكرةً مالك في الحاضر تذكرها وأنت في الصَّادر
من كلّ بيضاء لها كعثب مثل سنام الرُّبع المائر
فقال له سيده، وظهر من موضعه الذي كان كمن فيه،: [مالك؟]
[ ٢ / ٣٤١ ]
فلجلج في منطقة، فلما رجع أجمع على قتله، وخرجت إليه صاحبته، فحدثته وأخبرته بما يراد به، فقام ينفض برده ويعفي أثره، فلما أنطلق به ليقتل، ضحكت امرأة كان بينها ونبيه شيء، فقال:
إن تضحكي مني فيا رب ليلةٍ تركت فيها كالقباء المفرَّج
فلما قدم ليقتل قال:
شُدُّوا وثاق العبد لا يفلتكم إنَّ الحياة من الممات قريب
فقلد تحدَّر من جبين فتاتكم عرق على ظهر الفراش وطيبُ
فقتل. انتهي، وكذا رأيت في ديوانه، وفيه زيادة، وقال ابن حجر في "الإصابة" يقال: إن سبب قتله أن امرأة من بني الحسحاس أسرها بعض اليهود، واستخصها لنفسه، وجعلها في حضن له، فبلغ ذلك سحيمًا، فأخذته الغيرة، فما زال يتحيل له حتى تسور على اليهودي حصنه، فقتله وخلص المرأة، فأوصلها إلى قومها، فلقيته يومًا فقال له: يا سحيم والله لوددت أني أقدر على مكافأتك على تخليصي من اليهودي! فقال لها: والله إنك لقادرة على ذلك، وعرض لها بنفسها، فاستحيت وذهبت، ثم لقبته مرة أخرى، فعرض لها بذلك فأطعاته، فهويها وطفق يتغزل بها، ففطنوا له فقتلوه خشية العار. انتهي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد المائة:
(١٥٠) قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقالُ لهُ قليلُ
[ ٢ / ٣٤٢ ]
على أنه كفي التي بمعني أجزأ وأغني متعدية كما في البيت.
وهو لأبي نصر أحمد بن علي الميكالي، كذا قال عبد الرحيم العباسي في"معاهد التنصيص" وليس كذلك، بل هو لغيره، وقد أورده محمد بن عبد الجبار العتبي في ترجمة أبي نصر المذكور من تاريخه اليمني بعد رسالة كتبها إلى شمس المعالي قابوس بن وشمكير جوابًا عن رقعة كان أرسلها إليه، وهي رسالة ضمنها السحر الحلال، والعذب الزلال، وهي تحكي بما حوته من لطف العبارة، وحسن الاستعارة، ومعسول الإشارة والشارة، رياض ميثاء إلى قراره، وهذه نتفة منها: فأما ما أهل الأمير العبد لله من شريف كتابه، ولطيف خطابه، ورقّاه إليه من درجة العيادة أولًا، ومنزلة التهنئة ثانيًا، وإنفاذ القاصد إليه ثالثًا، فإن ذلك من نتائج همته العالية، ودواعي شيمته الزاكية التي تحنوه على أوليائه وخدمه، وتعطفه على أغذياء نعمه، فليس له في مقابلة ما أولاه، ومعارضة ما كاه إلى الشكر يديمه، والنشر يقيمه، والرغبة إلى الله تعالي يخلصها في إطالة عزة بقائه، وإدامة مجده وعلائه، وإنهاضه بمواجب خدمته، ومعرفة قدر نعمته
[ ٢ / ٣٤٣ ]
بمنه ورحمنته، هذا ولوملك العبد في مقابلة هذه النعمة على جلاله قدرها، ونباهة خطرها، غير بذل المهجة في الطاعة، واستنفاذ الوسع والطاقة، غاية، لبلغها تقربًا إلى حقوقه بما يقضتيها، ويؤدي شرط العبودية فيها، وحكم على نفسه بالعجز والتقصير معها، وإذا قد حرم المراد فما يتمسك إلى بالرغبة إلى الله تعالي في أن يتولي بمكافأته ما لا يسمح به إلا يده، ولا يفي [به] إلا مجده؛ فهذا هو الكلام الذي ليس به عثار، ولا عليه غبار، قد ولي الفضل تحبيره، وملك العقل رسمه وتصويره، والقليل منه على الكثير دليل، وكلام الجليل كقدره جليل [كما قيل]:
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل
قال العتبي: وأبو نصر هذا، كان صنيعة السلطان يمين الدولة، وشيخ مملكته، وجمال جملته فضلًا موفورًا وأدبًا مشهورًا، وعزًا معقودًا، ومالًا ممدودًا، ورأيًا كالأري مشارًا، وحزمًا كالمواثر مغارًا، ودهاء يسلخ الليل البهيم نهارًا، ونظرًا يستشف أستار المصائر، ويستكشف أسرار الضمائر، وشعرًا نقي السنخ والجوهر، رضي المورد والمصدر، فمنه قوله:
باني العلي والمجد والإحسان والفضل والمعروف أكرم بان
[ ٢ / ٣٤٤ ]
ليس البناء مشَّيدًا لك شيده مثل البناءِ يشادُ بالإحسانِ
البرُّ أكرمُ ما حوتهُ حقيبة والشكرُ أكرمُ ما حوتهُ يدانِ
وإذا الكريم مضي وولي عمره كفل الثَّناءُ له بعمر ثان
والبيت مأخوذ من قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وهو:
هل إلى نظرةِ إليك سبيلُ يرو منها الصَّدي ويشف الغليل
إنَّ ما قلَّ منك يكثرُ عندي وكثير ممَّن تحبُّ القليلُ
والأصل مأخوذ من قول يزيد بن الطثرية، وهو:
أليس قليلًا نظرة إن نظرتها إليك وكلاّ ليس منك قليلُ
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد المائة:
(١٥١) كفي ثعلًا فخرًا بأنَّك منهمُ ودهر لأن أمسيت من أهله أهلُ
على أنه وقع زيادة الباء هنا في فاعل كفي المتعدية لواحد. ولم يتنبه له أحد من شراحه إما لهو عن شرط الزيادة الخ.
أقول: شرط زيادة الباء في فاعل كفي عنده أن يكون كفي بمعني اكتف، وهو فعل لازم يتعدي بالباء، فكفي هذه يخص فاعلها بزيادة الباء، فإن لم يكن كفي بمعني اكتف، فهو إما متعد إلى واحد أو إلى اثنين، وكلاهما لا يجوز زيادة الباء في فاعلهما، فيكون كفي عند المصنف ثلاثة أقسام.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
و"كفي" الأولى قيل إنها اسم فعل، وقيل إنها فعل، حكاهما السمين في إعرابه عند قوله تعالي: ﴿وكفي بالله حسيبًا﴾ [النساء/ ٦].
وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": قال أستاذنا أبو جعفر بن الزبير: لا تزاد الباء في فاعل كفي إلا إذا كانت بمعني حسب، وأما إذا كانت بمعني وقي، فلا تزداد، نحو قوله تعالي: ﴿وكفي اللهُ المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب/٢٥] انتهي. وقال في تفسيره " البحر" عند قوله تعالي: ﴿وكفي بالله وليًا وكفي بالله نصيرًا) من سورة النساء [الآية/٤٥]: الباء في بالله زائدة، ويجوز حذفها كما قال سحيم:
كفي الشَّيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا
وزيادتها في فاعل كفي، وفاعل يكفي مطردة، كما قال تعالي: ﴿أو لم يكف بربك أنه كل شيء شهيد﴾ [فصلت/٥٣] وقال الزجاج: دخلت الباء في الفاعل لأن معني الكلام الأمر، أي: اكتفوا بالله، وكلام الزجاج مشعر أن الباء ليست بزائدة، ولا يصح ما قال من المعني، لأن الأمر يقضتي أن يكون فاعله هم المخاطبون، ويكون بالله متعلقًا به، وكون الباء دخلت في الفاعل يقضتي أن يكون الفاعل هو الله تعالي لا المخاطبون، فتناقض قوله.
وقال ابن السراج: معناه كفي، الاكتفاء بالله تعالي، وهذا أيضًا يدل على أن الباء ليست زائدة إذا تتعلق بالاكتفاء، فالاكتفاء هو الفاعل لكفي، وهذا أيضًا لا يصح، لأن فيه حذف المصدر وهو موصول، وإبقاء معمولة، وهو لا يجوز إلا في الشعر، نحو قوله:
هل تذكرنَّ إلى الدَّيرين هجرتكم ومسحكم صلبكم رحمن قربانا
[ ٢ / ٣٤٦ ]
التقدير: وقولكم: يا رحمن قربانا، وقال ابن عطية: يا الله، في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض، وفائدة زيادته تبيين معني الأمر في صورة الخبر، أي: اكتفوا بالله، فالباء تدل على المراد من ذلك، وهذا الذي قاله ابن عطية ملفق بعضه من كلام الزجاج، وهو أفسد من قول الزجاج، لأنه زاد على تناقض اختلاف الفاعل تناقض اختلاف معني الحرف [إذا]، بالنسبة لكون الله فاعلًا هو زائد، وبالنسبة إلى أن معناه: اكتفوا بالله، هو غير زاد، وقال ابن عيسي: إنما دخلت الباء في "كفي بالله" لأنه كان يتصل اتصال الفاعل، وبدخول الباء اتصل اتصال المضاف، واتصال الفاعل، لأن الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره، فضوعف لفظها لمضاعفة معناها. انتهي. وهو كلام يحتاج إلى تأويل، وقد تقدم الكلام علي (كفي بالله) في قوله: ﴿فاشهدوا عليهم وكفي بالله حسيبًا) [النساء/٦] لكن تكرر هنا لم تضمن من مزيد نقول ورد بعضها.
انتهي كلام أبي حيان.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وقد نقل ابن الشجري في المجلس الثلاثين من "آماليه" قولي الزجاج وابن عيسي، ولم يتعقبهما بشيء، وقد تبع الزجاج مكي وابن عطية وأبو البقاء.
وأقول: كلام الزجاج توجيه معني لا توجيه إعراب، يدل عليه كلامه، قال في تفسير الآية: معناه: وكفي الله شهيدًا، والباء دخلت مؤكدة لمعني اكتفوا بالله في شهادته، انتهي، فالباء عنده من جهة الإعراب زائدة، والفاعل هو الله، وهذا هو الملحظ الأصلي، ويلزم من كون الله كافيًا في الشهادة أمر الاكتفاء بالله تعالي في شهادته، فذكر الباء أكد هذا المعني اللزومي، فالباء ليست زائدة محضة، بل لها فائدة بالنسبة إلى هذا المعني، وإن كانت زائدة من جهة الإعراب، وغضه التحاشي عن إطلاق الزائد الذي لا معني له على شيء من كلام الله تعالي، ولهذا ينكرون الزائد، ويقولون في مثله مؤكد.
وهذا اعتبار حسن جار على القواعد، فلا يرد ما توهمه أبو حيان في الرد عليه، ولا ما توهمه المصنف من أن كفي هذه قسم آخر، فكفي عند الزجاج وغيره قسمان لا غير: إما متعدية لواحد، ويجوز زيادة الباء في فاعلها، وإما متعدية لاثنين، ولا يجوز زيادة الباء في فاعلها، فلا سهو في شرط زيادة الباء.
وعلى القسمين في "كفي" جري كلام ابن الشجري في "أماليه" فإنه أورد بيت المتنبي في آخر ذلك المجلس، وقال: الكفاية: بلوغ الغاية في الشيء، فقلوهم: كفاك به رجلًا، وهو كافيك من رجل، معناه، قد بلغ الغاية في خصال المدح، وفلان
[ ٢ / ٣٤٨ ]
كاف. إذا قام بالأمر، وانتهي إلى الغاية في التدبير، ويكفي ويجزئ ويغني بمعني واحد، فهذا يتعدي إلى مفعول واحد، كقولك: يكفيني درهم، وكفاني قرص، أي: أجزأني وأغناني عن أكل قرص آخر.
وأما كفي المتعدي إلى مفعولين في نحو: كفيت فلانًا شر فلان، فمعناه: منعته منه، وحلت بينه وبينه، وفي التنزيل: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ [البقرة/١٣٧] فهما مختلفان معني وعملًا، فمن الضرب الأول قوله: كفي ثعلًا فثعلًا: مفعول به، وفخرًا: تمييز، والفاعل: أن وصلتها، والباء مزيدة كما زيدت في (كفي بالله) انتهي.
وقول المصنف: و"دهر" مرفوع عند ابن جني الخ .. قال ابن الشجري: وقد روي في دهر الرفع والنصب، فالرفع رواية ابن جني والربعي، والنصب رواية الشامين، وعليه اعتمد المعري. انتهي.
وقول المصنف: ودهر مرفوع، عند ابن جني، وهذه عبارته: ارتفع أهل لأنه وصف الدهر، وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل ههنا، انتهي.
وقول المصنف: وأهل صفة، قال ابن الشجري: وأهل هنا معناه مستأهل ومستحق، فلذلك علق به "لأن أمسيت من أهله" لأنه بمنزله اسم الفاعل المقوي
[ ٢ / ٣٤٩ ]
باللام في وصوله إلى المفعول، وإن كان فعله متعديًا بنفسه، كقولك: ظلم فلان فلانًا، وهو ظالم، وكذلك استحق فلان هذا الصنع واستأهله، وهو مستحق له ومستأهل له، ولو قلت: مستحقه ومستأهله وهو ظالم، ولم يكن إيصاله بنفسه في الحسن كإيصاله باللام، فلذلك جاء في التنزيل: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ [فاطر/ ٣٢] ومما جاء فيه "أهل" في معني مستأهل قوله تعالي: ﴿وكانوا أحق بها وأهلها) [الفتح/ ٢٦] أي: ومستأهلها. انتهي.
وقول المصنف: أحدها أن يكون مبتدأ حذف خبرة؛ عبارة ابن الشجري: وإن رفعته بالابتداء، وأضمرت له خبرًا مدلولًا عليه بأول الكلام، فليس بضعيف، وإن كان نكرة لأنه متخصص بالصفة، والتقدير: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله فاخر بك، وأما قول أبي الفتح: إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه؛ فقول من لم يمعن النظر، وقنع بأول لمحة. انتهي.
وقول المصنف: أي: إنهم فخروا بكونه منهم، قال الشمني: هذا الكلام يشعر بتعلق الباء ب "فخرًا"، وهي زائدة، فلا تتعلق بشيء أصلًا بل المقصود بيان محصل المعين، فالأولي أن يقال: إنهم أجزأهم من جهة الفخر كونه منهم، وزمانه الذي هو فيه، انتهي. وهذا الإشعار جاء من سوء الاختصار، قال ابن الشجري: ويجوز عطف [دهر] على فاعل كفي، وهو المصدر المقدر: لأن "أن" مع خبرها هنا بمعني الكون؛ لتعلق "منهم" باسم الفاعل المقدر الذي هو كائن، فالتقدير: كفي ثعلًا فخرًا كونك منهم، ودهر مستحق لأن أمسيت من أهله، أي: وكفاهم فخرًا دهر أنت فيه، فأراد: أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام:
كأنَّ أيَّامهم من حسنها جمع
[ ٢ / ٣٥٠ ]
والعادة جارية في الكلام والشعر بمدح زمان الممدوح، وذم زمان المذموم، وعطف دهر، وهو اسم حدث، على الكون المقدر، وهو اسم حدث، ودهر موصوف بصفة فيها ضمير عائد على اسم "أن" وهو التاء من "أمسيت" فهذا وجه في الرفع صحيح المعني ليس فيه تقدير محذوف. انتهي. ونقل الواحدي هذا الوجه عن ابن فورجة قال: وللرفع في دهر وجه آخر، وهو العطف على فاعل كفاهم دهرك فخرًا لهم. انتهي. وقول المصنف: والثالث أنتجره .. الخ. قال ابن الشجري: وبقي عندي في إعراب البيت وجه لم يذهب إليه من تقدم، كما لم يذهبوا إلى عطف دهر على فاعل كفي، وهو أنك ترفع الفخر بإسناد كفي إليه، وتخرج الباء عن كونها زائدة؛ فتجعها معدية متعلقة بالفخر، وتجر الدهر بالعطف على مجرور الباء، وترفع الأهل بتقدير المبتدأ الذي تقدم ذكره، فيصير اللفظ: كفي ثعلًا فخر بكونك منهم، وبدهر هو أهل لأن أمسيت من أهله، والمعني: أنهما كتفوا بفرخهم به، وبزمانه، عن الفخر بغيرهما. انتهي.
وقول المصنف: وزعم لمعري .. الخ، قال ابن الشجري والمعري أسقط حكم الرفع، وذلك أنه قال: وبعض الناس يرفع دهرًا ولا ينبغي أن يلتفت
[ ٢ / ٣٥١ ]
إليه، وعطف دهرًا على ثعلًا، ورفع "أهل" بتقدير: هو أهل، وحكاية اللفظ الذي قدره للنصب: كفي ثعلًا فخرًا أنك منهم، وكفي دهرًا هو أهل لأن أمسيت من أهله أنه أهل لكونك من أهله، وهذا قول فيه إسهاب، كما تري، وتكلف شاق، والرفع، وإن كان فيه تكلف إضمار فعل، أقرب متناولًا، وأصح معني، وأكثر فائدة، انتهي.
ونقل الواحدي هذه الرواية عن ابن فورجة، قال: وروي ابن فورجة: ودهرًا، عطفًا على ثعلًا، وأهل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أهل لأن أمسيت من أهله.
وقول المصنف: ثم حذف المرفوع المعطوف .. الخ، هو قولنا المقدر: أنه أهل لكونك من أهله، وهو مؤول بمصدر مرفوع بالعطف على فاعل كفي، والمعطوف على الفاعل فاعل، والفاعل لا يحذف، وليس هذا من المواضع التي يحذف فيها الفاعل.
وقول المصنف: وزعم الربعي الخ، وقال ابن الشجري: وحمل الربعي نصب دهر على أنه معطوف على اسم أن، وأهل: خبر عنه، أي: كفي ثعلًا فخرًا أنك منهم، وأن دهرًا أهل لأن أمسيت من أهله، وهذا القول بعيد من حصول فائدة، ثم قال: والرفع أجود علي: وليفخر دهر، وهو روايتي، والنصب رواية سامية ذكرتها لتعرف. انتهي.
وقول المصنف: ولا معني للبيت على تقديره، فيه نظر، لأن الدهر إذا تأهل لوجود الممدوح فيه كان ذلك شرفًا للدهر، ولا شك أن الممدوح من ثعل، فحصل الفخر للقبيلة بأن واحدًا منها تشرف به الدهر، بأن أصبح أهلًا لوجوده فيه، قاله الدماميني، وهو وجه حسن.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
والبيت من آخر قصيدة للمتنبي، مدح بها شجاع بن محمد المنبجي، وقبله:
وما تنقم الأيَّام مَّمن وجوهها لأخمصه فيكلِّ نائبةٍ نعلُ
وما عزَّهُ فيها مراد أرادهُ وإن عزَّ إلا أن يكون له مثل
وبعده:
وويل لنفس حاولت منك غرَّةً وطوبي لعينٍ ساعة منك لا تخلو
فما بفقيرٍ شام برقك فاقة ولا في بلادٍ أنت صيِّبها محل
وهذا آخر القصيدة، وترجمة المتنبي تقدمت في الإنشاد التاسع.
وأنشد بعدـ، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد المائة:
(١٥٢) ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
على أن قوله "بما" فاعل "يأتيك" وزيادة الباء في الفاعل في غير تينك الصورتين للضرورة، قال ابن عصفور في "كتاب الضرورة" ومنها زيادة حرف الجر في المواضع التي لا تزاد فيها في سعة الكلام، نحو: ألم يأتيك .. البيت.
فزاد الباء في فاعل يأتي، وزيادتها لا تنقاس في سعة الكلام إلا خبر "ما"
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وخبر "ليس" وفاعل: كفي" ومفعوله، وفاعل "أفعل" بمعني: ما أفعله، وما عدا هذه المواضع لا تزداد فيها الباء إلا في ضرورة، أوشاذ من الكلام يحفظ ولا يقاس عليه، انتهي، وزعم الأعلم وابن الشجري: أن زيادة الباء فيه ليست للضرورة، قالا: إن الباء زائدة بمنزلتها في: ﴿كفي بالله شهيدًا﴾ [الرعد/٤٣ والإسراء/٩٦] وحسن دخولها في "ما" أنها مبهمة مبنية كالحرف، فأدخل عليها حرف الجر إسعارًا بأنها اسم، وقيل: إن الباء غير زائدة، ويأتي، وتنمي، تنازعًا قوله: "بما" الأول يطلبه للفاعلية، والثاني للمفعولية، فأعمل الثاني على المختار، وأضمر الفاعل في الأول، وهو ضمير "ما لاقت" بتقدير مضاف، أي: خبر ما لاقت، وسيذكر المصنف في بحث الجملة المعترضة من الباب الثاني: أنه مرجوح، وقيل: لبون: فاعل يأتي، على تقدير مضاف، أي: ألم يأتيك خبر لبونهم؟ ويكون في "لقت" ضمير يعود إلى بنون لأن لبونًا في نية التقديم، فتكون الباء متعلقة بـ "يأتي"، وفيه التنازع مع إعمال الأول على خلاف المختار، وفيه تغسف، لتقدير المضاف في الأول، وعدمه في الثاني، وقيل: فاعل "يأتي" مضمر، والباء متعلقة به، والتقدير: ألم يأتيك النبأ بما لاقت؟ ودل على النبأ قوله: والأنباء تنمي وقال ابن جني في "المجتسب": زاد الباء في "بما لاقت" لما كان معناه: ألم تسمع بما لاقت لبونهم انتهي.
يريد: أنه من قبيل التضمين.
وفي البيت شاهد ثان، وهو الاعتراض بجملة "والأنباء تنمي" بين الفعل والفاعل، وأورده المصنف في بحث "الجملة المعترضة" وشاهد ثالث، وهو أن حرف العلة قد لا يحذف مع الجازم ضرورة، وأورده سيبويه في موضعين من كتابه، على أنه أثبت الياء في حال الجزم ضرورة؛ لأنه إذا اضطر ضمها في حال.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
الرفع تشبيهًا بالصحيح، قال الأعلم: وهي لغة ضعيفة، فاستعلمها عند الضرورة، وهذا قول الزجاجي في "الجمل" وتبعه الأعلم، قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل، وقوله: إنه لغة، خطأ ومثله للصفار في "شرح الكتاب" قال: إثبات حروف العلة في المجزوم ضرورة، نحو: ألم يأتيك ، وقيل: إنه لغة، يعرب بحركات مقدرة، والصحيح أنه ليس لغة، ولا أعلم من قاله غير الزجاجي، ولا سند له فيه، ومما يدل علي أنه غير معرب بحركات مقدرة أنهم لا يقولون: لم تخشي؛ لأنه لا يظهر يه حركة بوجه، بخلاف الياء، فإنق لت: إنه سمع في قوله تعالي: ﴿لا تخف دركًا ولا تخشي﴾ [طه/٧٧] وقوله:
إذا العجوزُ غضبت فطلًّق ولا ترَّضاها ولا تملَّق
قلت: لا دليل فيه كما زعمت، لأن الأول مقطوع، أي: وأنت لا تخشي، أي: في هذه الحال، وكذا ولا ترضاها، أي: طلقها، وأنت لا تترضاها، ثم قال: ولا تملق، فلا دليل فيه، انتهي.
وقال ابن خلف: هذا البيت، أنشده سيبويه في باب الضرورات، وليس يجب أن يكون منها؛ لأنه لو أنشد بحذف الياء لم ينكسر، وإنما موضع الضرورة ما لا يجد الشاعر منه بدًا في إثباته، ولا يقدر على خلافه؛ لئلا ينكسر الشعر، وهذا يسمي في عروض الوافر المنقوص، أعني: إذا حذف الياء، من قوله: "ألم يأتيك" هذا كلامه، ولا يخفي أن ما فسر به الضرورة مذهب مرجوح مردود،
[ ٢ / ٣٥٥ ]
والتحقيق: أنها ما وقع في الشعر، سواء كان للشاعر منه مندوحة أم لا، وقال ابن جني في "سر الصناعة": رواه بعض أصحابنا: "ألم يأنك"على ظاهر الجزم. وأنشده أبو العباس عن أبي عثمان عز الأصمعي: "أل هل أتاك والأنباء تنمي". انتهي. فالأول فيه الكف، والثاني فيه نقل حركة الهمزة من أتاك إلى لام هل، وحذفها، ورواه بعضهم: "ألم يبلغك والأنباء تنمي" فلا شاهد فيه على الروايات الثلاث.
والكاف في "يأتيك" لمخاطب غير معين، بل لمن يصلح للخطاب، والأنباء: جمع نبأ، وهو خبر له شأن، قال أبو زيد: اللبون من الإبل والشاه ذات اللبن، غريزة كانت أم بكيئة، فإذا قصدوا قصد الغريزة قالوا لبنة، وقال ابن السيد، وابن حلف: اللبون؛ الإبل ذوات اللبن، وهو اسم مفرد أراد به الجنس.
وبنو زياد: هم الكملة؛ الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد أبن سفيان بن عبد الله العبسي، وأمهم فاطمة بنت الخرسب الأنمارية، والمراد إبل الربيع بن زياد، فإن القصة معه فقط، كما يأتي بيانها.
والبيت أول أبيات لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي، وكان سيد قوه، وحدثت بينه وبين الربيع بن زياد شحناء في شأن درع سلومه فيها، فلما نظر
[ ٢ / ٣٥٦ ]
إليها، وهو على ظهر فرسه، وضعها على القربوس، ثم ركض بها، فلم يردها عليه؛ فاعترض قيس بن زهير أم الربيع، فاطمة بنت الخرسب المذكورة، في ظعائن من بني عبس، فاتقاد جملها يريد أن يرتهنها بدرعة، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل! أين ضل حلمك يا قيس؟ ! أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبدًا وقد أخذت أمهم؟ فذهبت بها يمينًا وشمالًا! فقال الناس في ذلك ما شاؤوا أن يقولوا "وحسبك من شر سماعه" فأرسلتها مثلًا فعرف قيس ما قالت، فخلي سبيلها، ثم أطرد إبلًا له، وقيل: إبله وإبل إخوته، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان التيمي معارضة بأدراع وسيوف، ثم جاور ربيعة بن قرط ابن سلمة بن قشير، وهو ربيعة الخير، ويكني أبا هلال.
وفاطمة الأنمارية: هي إحدى المنجيات، وسئلت عن بنيها أيهم أفضل؟ فقالت: الربيع، لا بل عمارة، لا بل قيس، لا بل أنس: ثكلتهم إن كنت أدري أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة، لا يدري أين طرفاها! وكانت امرأة لها ضيافة وسؤودد، والبيت أول أبيات بعدها:
ومحبسها على القرشيِّ تشري بأدراعٍ وأسيافٍ حداد
كما لاقيت من حمل بن بدرٍ وإخوته على ذات الإصاد
هم فخروا عليَّ بغير فخرٍ وردُّوا دون غايته جوادي
وكنت إذا منيت بخصم سوءٍ دلفت له بداهيةٍ نئاد
بداهيةٍ تدقُّ الصُّلبَ منهم بقسمٍ أو تجوبُ عن الفؤاد
[ ٢ / ٣٥٧ ]
أطوِّفُ ما أطوِّف ثُمَّ آوي إلى جارٍ كجار أبي دؤاد
منيع وسط عكرمة بن قيسٍ وهوبٍ للطَّريف وللتِّلاد
تظلُّل جيادُ يعسلن حولي بذات الرِّمث كالحدا العوادي
كفاني ما أخاف أبو هلالٍ ربيعةُ فانتهت عني الأيادي
كأنِّي إذا أنختُ إلى ابن قرطٍ أنختُ إلى يلملم أو نضاد
قوله: ومحبسها، بالرفع، معطوف على فاعل "يأتيك" وهو مصدر ميمي، والقرشي هنا: عبد الله بن جدعان، بضم لجيم، وسكون الدال، ابن عمرو ابن كعب بن سعد بن تميم بن مرة القرشي، وابن جدعان من أجواد قريش في الجاهلية، وشذ ابن السيد في قوله: إن قيسًا لما قدم مكة بإبل الربيع باعها لحرب بن أمية، وهشام بن المغيرة، بخيل وسلاح.
وتشري، بالبناء للمفعول؛ الجملة: حال من ضمير المؤنث في محبسها، وقالوا: بمعني تباع، ويجوز أن يكون المعني: يشتريها القرشي، وهذا البيت بيان لما لاقته لبون بن زياد، وافتخار وبتجج بما فعله من أخذ إبله وبيعها بمكة، وقوله: "كما لاقيت" قال ابن الشجري: العامل فيه محذوف تقديره: لاقيت منهم كما لاقيت من جمل بن بدر، وذات الإصاد: [مكان].
وهذا البيت مع البيت الذي بعده إشارة إلى حرب داحس والغبراء، وهذا إجمالها من كتاب "الفاخر" للمفضل بن سلمه، قال: داحس: فرس قيس بن زهير العبسي، والغبراء فرس حذيفة بن بدر الفزاري، وكان منحديثهما أن رجلًا من بني عبس يقال له: قرواش بن هني ماري حمل بن بدر أخا حذيفة في
[ ٢ / ٣٥٨ ]
داحس والغبراء، فقال حمل: الغبراء أجود، وقال قرواش: داحس أجود؛ فتراهنا عليهما عشرة في عشرة، فأتي قرواش إلى قيس بن زهير فأخبره، فقال له قيس: راهن من أحببت وجنبني بني بدر، فإنهم قوم يظلمون قدرتهم على الناس في أنفسهم، وأنا نكد أباء، فقال قرواش: إني قد أوجبت الرهان، فقال قيس: ويلك! ما أردت إلى أسأم أهل بيت! والله لتنغلن علينا شرًا، ثم إن قيسًا أتي حمل بن بدر فقال: إني أتيتك أواضعك الرهان عن صاحي، قال حمل: لا أواضعك أو تجيء بالعشر، فإن أخذتها أخذت سبقي، وإن تركتها تركت حقًا؛ فأحفظ قيسًا فقال: هي عشرون، قال حمل: ثلاثون، فتزدايدا حتى بلغ به قيس مائة، وجعل الغاية مائة غلوة- بفتح المعجمة، وسكون اللام: مقدار رمية سهم- فضمروهما أربعين يومًا، ثم استقبل الذي ذرع الغاية من ذات الإصاد، وهي ردهة في ديار عبس، وسط هضب القليب –قال الأصمعي: هضب القليب بنجد.: جبال صغر، والقليب في وسط هذا الموضع، يقال له: ذات الإصاد، وهو اسم من أسمائها، والردهة: نقيرة في حجر يجتمع فيها الماء- فانتهي الذرع إلى مكان ليس له أسم، فقادوا الفرسين إلى الغاية، وقد عطشوهما، وجعلوا السابق الذي يرد ذات الإصاد، وهي ملأي من الماء، ولم يكن ثمة قصبة، ووضع حمل حيسمًا في دلاء، وجعله في شعب من شعاب هضب القليب على طريق الفرسين، وكمن معه فتيانًا، وأمرهم إن جاء داحس سابقًا أن يرد وجهه عن الغاية، وأرسلوهما من منتهي الذرع، فلما دنوا وقد برز داحس، وثب الفتية فلطموا وجه داحس فردوه عن الغاية، فقال قيس: يا حذيفة أعطني سبقي، وقال الذي وضع عنده السبق: إن قيسًا قد سبق، وإنما أردت أن يقال: سبق حذيفة، وقد قيل، فأمره أن يدفعه لقيس، ثم إن حذيفة ندِّمه الناس، فبعث
[ ٢ / ٣٥٩ ]
ابنه بأخذ السبق، فقتله قيس، فاجتمع الناس، فاحتملوا ديته مائة عشراء، فقبضها حذيفة، وسكن الناس، ثم إن حذيفة استفرد أخًا قيس، وهو مالك بن زهير فقتله، وكان الربيع بن زياد، يومئذ، مجاور بن فزارة، عند امرأته، وكان مشاحنًا لقيس بن زهير في درعها لتي اغتصبها من قيس، فلما قتل مالك بن زهير ارتحل الربيع بن زياد، ولحق بقومه، وأتاه قيس بن زهير فصالحه، ونزل معه، ثم دس قيس أمة إلى الربيع تنظر ما يعمل، فأتته امرأته تعرض له، وهي علي طهر فزجرها، وقال:
منع الرقاد فما أغِّمض حار جلل من النَّبأ المهمِّ السَّاري
من كان مسرورًا بمقتل مالكِ فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النِّساء حواسرًا يندبنه يندبن بين عوانسٍ وعذاري
أفبعد مقتل مالك بن زهيرِ ترجو النِّساء عواقب الأطهار
فأخبرته الأمة قيسًا بهذا، فأعتقها، ثم إن بني عبس تجمعوا ورئيسهم الربيع ابن زياد، وتجمع بنو ذبيان ورئيسهم حذيفه بن بدر، وتحاربوا مرارًا، ثم إن الربيع بن زياد أظفره الله تعالي في جفر الهباءة على حذيفة بن بدر وأخويه حمل بن بدر، ومالك بن بدر، فقتلهم، ومثلوا بحذيفة، فقطعوا ذكره، فجعلوه في فيه، وجعلوا لسانه في ديره، وقال الربيع بن زياد يرثي حمل بن بدر:
تعلَّم أنَّ خير الناس طرًّا على جفر الهباءة ما يريم
ولولا ظلمه ما زلت أبكي عليه الدَّهر ما طلع النجومُ
ولكنَّ الفتي حمل بن بدرٍ بغي والبغي مرتعة وخيم
أظنُّ الحلم دلَّ علىَّ قومي وقد يستجهل الرجل الحليم
ألاقي من رجال منكرات فأنكرهُا وما أنا بالظَّلوم
[ ٢ / ٣٦٠ ]
ومارستُ الرِّجال ومارسوني فمعوج عليَّ ومستقيم
ودامت الحرب بينهم أربعين سنة إلى أن ضعف قيس بن زهير، فحالف ربيعة ابن قرط، فنزل قيس مع بني عبس عنده.
وقوله: وكنت إذا منيت، أي: بليت، ودلفت: أسرعت، والنئاد، بهمزة ممدودة، قبلها نون: الشديدة من الدواهي، وتقسم: تكسر، وتجوب، تشق
وقوله: كجار أبي داؤد، الجار هنا: الحليف والناصر، كان أبو داؤاد الإيادي في الجاهلية جاور الحارث بنهمام بن مرة الشيباني، فخرج صبيان الحبي يلعبون في غدير، فغمسوا ابن أبي داؤد، فقتلوه، فقال الحارث بن همام: لا يبق في الحي صبي إلا غرق في الغدير؛ فودي ابن أبي دؤاد تسع ديات أو عشرًا.
ويعسلن: من العسلان، وهو اهتزاز الذي يعدو، والحدًا؛ جمع حدأة، كعنب؛ جمع عنبة: طائر معروف، ويلملم ونضاد: جبلان.
وقول الربيع: من كان مسرورًا .. الخ، يقول: من شمت من الأعداء بمقتل مالك، فليعلم أنا قد أدركنا ثأره، وكانت العرب لا تندب قتلاها حتى تدرك ثأرها، والمراد: فليحضر ساحتنا في أول النهار، ليعلم أن ما كان حرمًا من البكاء قد حل، ويجد النساء مكشوفات الرؤوس يندبنه.
وقيس بن زهير: جاهلي، وكان فارسًا شاعرًا داهية يضرب به المثل؛ فيقال:
"أدهي من قيس".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد المائة:
(١٥٣) مهما لي الليلة مهما ليه أودي بنعليَّ وسر باليه
[ ٢ / ٣٦١ ]
على أن الباء زائدة في الفاعل للضرورة، والأصل أودي نعلاي، قال أبو علي في "كتاب الشعر": يجوز أن تكون الباء زائدة، كأنه قال: أودي نعلاي، فلحقت الباء، كما لحقت في (وكفي بالله) [الأحزاب/٣] فإن قلت: فلم لا تجعل الباء زائدة في المفعول به؟ ويكون الفاعل مضمرًا كأنه قال: أودي مودِ بنعلي، فتضمره للدلالة عليه، كما أضمر في قوله تعالي: ﴿ثم بدالهُم﴾ [يوسف/٣٥] فالقول: إن هذا أضعف؛ لأنه ليس في مود الذي تضمره زيادة على ما استفدته في قوله: أودي، وليس قوله سبحانه: (ثم بدا لهم) كذلك؛ لأن البدا والبداء قد صار بمنزلة المذهب في قولك: ذهب به من ذهب، وسلك به مسلك، فإن قلت: فلم لا تجعل فاعل أودي ذكرًا يعود إلى قوله: مهما لي الليلة؟ فإن ذلك أيضًا ليس بالقوي؛ لأن المعني يصير كأنه أودي شيء بنعلي، فغذا جعلت الباء لاحقة للعامل، كان أشبه، ولا تزيد مع الفاعل من الحروف الجارة غير الباء في قوله سيبويه في الإيجاب، كما لم تزد فيه غير الباء في المبتدأ، انتهي كلام أبي علي.
وذهب ابن الحاجب في "أمالية" إلى أن الباء للتعدية، قال: والباء باء التعدية، يعني: أذهبها، وأظلها عني، يقال: أذهبته، وذهبت به، بمعني واحد هذا كلامه.
واختار المصنف قول ابي علي، لكنه لم يقيده بالضرورة، ويمكن أن تؤخذ من قوله: فالقول إن هذا أضعف، وقول المصنف في توجيه كلام ابن الحاجب: ويصح أن يكون التقدير: أودي هو الخ؛ قد رأيت أن أبا علي قد رده،
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وبين ضعفه، وأودي فعل لازم، يقال: أودي الرجل، إذا هلك، وقال الليث: أودي به المنون، أي: أهلكه، كذا في "تهذيب الأزهري" وغيره، ومهما: بمعني "ما" الاستفهامية، ويأتي الكلام عليها في بحث "مهما" والنعل" ما وقيت به الرجل من الأرض والسربال: القيمص، وقيل: الدرع، وقيل: كل ما لبس على البدن.
والبيت مطلع قصيده لعمرو بن ملقط الطائي، عدتها اثنا عشر بيتًا أوردها أبو زيد، وأبن الأعرابي في نوادريهما، وما بعده على رواية أبي زيد:
إنَّك قد يكفيك بغي الفتي ودرأهُ أن تركضَ العاليه
بطعنةٍ يجري لها عاند كالماء من غائله الجابية
يا أوسُ لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية
ألفيتا عيناك عند القفا أولي فأولي لك ذا واقيه
ذاك سنان مجلب نصره كالجمل الأوطف بالرواية
يا أيها الناصر أخواله أأنت خير أم بنو جاريه
أم أختكم أفضل أم أختنا أم أختنا عن نصرنا وانيه
والخيل قد تجشم أربابها الشِّقَّ وقد تعتسف الداوية
يأبي لي الثَّعلبتان الذي قال ضراط الأمة الرَّاعيه
ظلت بواد تجتني صمغةً واحتلبت لقحتها الآنيه
ثمَّ غدت تنبذُ أحرادها إن متغنَّاةً وإن حاديه
قوله: أن تركض العالية، في تأويل مصدر مرفوع، فاعل يكفيك، بمعني
[ ٢ / ٣٦٣ ]
يقيك ويمنعك، وبغي الفتي: مفعوله الثاني: ودرأه: معطوف على بغي، والبغي: التعدي، والدرء: العوج، يقال: أقمت درء فلان، أي: اعوجاجه، وروي بدله: "وسغبه" والشغب: تهييج الشر، والعاليه، بالعين المهملة، فرس الشاعر، كذا قال أبو زيد، وزعم ابن الأعرابي: أنه أراد عالية الرمح، وغلطه أبو محمد الأعرابي فيما كتبه على نوادره، وهو "ضالة" الأديب".
وقد خاطب الشاعر نفسه في هذا البيت، وأراد بالفتي: أوس بن حارثة بن لأم الطائي، كما يأتي، وقوله: بطعنة .. الخ، متعلق بيكفيك، والعاند، بالمهملة والنون: هو العرق الذي لا يخرج دمه على جهة واحدة، قاله أبو زيد، والغائلة، بالمعجمة: ما غال من الماء وسرق. والجابية، بالجيم: الحوض، كذا قالهما أبو زيد.
وقوله: يا أوس: هو أوس المذكور، وهو جاهلي، ورواه ابن الأعرابي: "يا عمرو" وغلطة أبو محمد الأعرابي، وتهوي، تقع من فوق إلى أسفل: والهاوية المهواة.
وقوله: ألفيتا عيناك الخ، أورده المصنف في حرف الألف، وأولي: كلمة تهديد ووعيد، مبتدأ ولك: خبره، وحذف خبر أولي الثانية، وكرر للتوكيد، والجملة معترضة بين صاحب الحال والحال، وقوله: ذا واقية: حال من الكاف في عيناك، وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لكون المضاف جزءًا منه، والواقية: مصدر بمعني الوقاية، كالكاذبة بمعني الكذب، يصفه بالهروب، يقال: أنت ذو وقاية من عينيك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلتفتك إلى خلفك، حينئذ صارت عيناك كأنهما في قفاك.
وقوله: ذاك سنان .. الخ، قال أبو زيد: سنان، اسم رجل، والمجلب، بضم الميم وكسر اللام: المعين من الإعانة، والأوطف: الكثير شعر الأذنين، وهدب العينين، انتهي، والرواية: البعير أو البغل أو الحمار الذي يستقي عليه.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ونصره: مبتدأ، ومجلب: خبره، ووانية؛ من الوني، وهو الفتور والإبطاء وقوله: الخيل قد تجشم .. الخ، الإجشام، بالجيم: التكليف، وفاعله ضمير الخيل، وأربابها: مفعول الأول، والشق؛ بفتح الشين وكسرها: بمعني المشقة، مفعوله الثاني، والاعتساف: المشي على غير الطريق المسلوكة، وفاعله ضمير الخيل، والداوية: المفازة، وخففت الباء للضرورة.
وقوله: يأبي لي الثعلبتان .. الخ، يأبي من الإباء: يكره، والثعلبتان: فاعل يأبي، قال صاحب "الصحاح": الثعلبان: ثعلبة بن جدعان بن ذهب بن رومان بن جندب بنخارجة بن سعد بن فطرة بن طي، وثعلة بن رومان بن جندب، وأنشد هذا البيت، والذي: مفعول يأبي، وقال: صلة الذي، والعائد محذوف، أي: قاله، وضراط: فاعل قال، وأراد به أوسًا المذكور، سماه به استهانة به، وتحقيرًا له، وروي: "خباج" بدل "صراط" بضم الخاء المعجمة بعدها موحدة ثم جيم، وهو بمعني الصراط.
وقوله ظلت: استمرت، واللقحة، بالكسر، الناقة ذات اللبن، والآنية، قال أبو زيد: هي المبطئة بلبنها، وفسرها بعضهم على هامش "النوادر" بالمدركة، وقوله: تنبذ أحرادها الخ، تنبذ: تطرح، وفاعله ضمير الأمة، والأحراد: جمع حرد، بفتح المهملتين، قال أبو زيد هو الغيظ، والضغب، ورواه ابن الأعرابي:
ثم غدت تنبضُ أحرادها
وقال: تنبض: تضرب، أحرادها: أمعاؤها، قال أبو محمد الأعرابي: الصواب: ثم عدت تنبذ أحرادها، أي: تصرط، يدلك على هذا قوله سابقًا:
[ ٢ / ٣٦٥ ]
ضراط الأمة الراعية، وروي العينة: "تحرد أحرادها"، وما أدري من أين نقلها؟ وقوله: إن متغناة .. الخ، قال أب الحسن في شرح "النوادر" لأبي زيد: أراد: متغنية، يقبولن الياء ألفًا، وحادية من حداء الإبل، وهو سوقها بالغناء، وإن هنا للتقسيم، بمعني: إما المكسورة، ويدل لما قلنا رواية الجرمي وأبي حاتم: "إما مغناة وإن حادية".
وعمرو بن ملقط الطائي شاعر جاهلي، وملقط بكسر الميم وسكون اللام وفتح القاف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد المائة:
(١٥٤) نضرب بالسَّيف ونرجو بالفرج
على أن الباء الثانية زائدة في المفعول به، وعده ابن عصفور من الضرائر، وقال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب": إنما عدي الرجاء بالباء لأنه بمعني الطمع، والطمع يتعدي بالباء، كقولك: طمعت بكذا، قال الشاعر:
طمعتُ بليليأن تجود وإنَّما تقطِّع أعناق الرجال المطامع
انتهي وقال في شرح أبياته: وزاد يعقوب قبله:
نحن بني جعدة أرباب الفلج
ونحن: مبتدأ، وأرباب: خبرة، وبني جعدة: منصوب على الاختصاص، وروي بالرفع أيضًا، والفلج، بفتح الفاء واللام، قال أبو عبيدة، في "معجم
[ ٢ / ٣٦٦ ]
ما استعجم": موضع لبني قيس، وهو في أعلي بلاد قيس، قال الراجز:
نحنُ بنو جعدة أربابُ الفلج نضرب بالبيض ونرجُو بالفرج
وأصله: النهر الصغير، انتهي. والبيض، بالكسر: السيوف، أي: نقاتل بها، وقال ياقوت " في معجم البلدان": الفلج: مدينة بأرض اليمامة لبني جعدة وقشير ابني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، كما أن حجرًا مدينة بني ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، قال الجعدي:
نحنُ بنوُ جعدة أرباب الفلج نحن منعنا سبله حتى اعتلج
والقلج في اللغة: الماء الجاري، يقال عين فلج، وماء فلج، قال أبو عبيدة: الفلج: النهر، انتهي، وقال ابن السيد: الفلج: الجاري من العين، والفلج البئر الكبيرة، عن ابن كناسة، وماء فلج: جار، وقال عبيد:
أو فلج ما ببطن وادٍ للماء من تحته قشيب
انتهي. وتوهم الدماميني: أن الفلج هنا بمعني الظفر، قال: والظاهر أن المراد بالفلج: الظفر والفوز، لكن لم يحك صاحب "الصحاح" غير سكون اللام، فيحتمل أن يكون الشاعر فتحها إتباعًا لفتحة الفاء للضرورة، انتهي كلامه، وتبعه ابن الملا ونقل كلامه وزادعليه: بأن صنيع صاحب القاموس أيضًا يقضتي سكون اللام، وتبعه شيخنا الخفاجي أيضًا في "شرح جرة الغواص" وتعقبه: بأن
[ ٢ / ٣٦٧ ]
فتح اللام لغة أصلية فيه، وتوقفه من عدم الإطلاع، ونقل من "شرح مقامات الزمخشري" له ما يؤكد كونه بالفتح، وهذا كله ناشئ من عدم المراجعة، والمشهور: نحن بنو ضبة وهو من تغيير النساخ، والذي فيه ضبة قافيته لامية، وهو:
نحن بنو ضبّة أصحابُ الجمل
وآخره:
ردُّوا علينا شيخنا ثم بجل
وهو من أبيات المفصل: وهو مما قيل في يوم الجمل، وهو مذكور في "الحماسة" وغيرها، وقائله معلوم مذكور، وقوله "نحن منعنا سبله" هو جمع سبيل، وهو الطريق، واعتلجت الأرض: طال نباتها، وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله تعالي أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد المائة:
(١٥٥) سود المحاجر لا يقرأن بالسور
وصدره:
هُنَّ الحرائر لا ربَّبات أحمرةٍ
[ ٢ / ٣٦٨ ]
على أن الباء زائدة في المفعول به، وقال اب السيد في "شرح أدب الكاتب" وأبو حيان في "شرح التسهيل" خرجه الأستاذ أبو علي على أن الباء للإلصاق، أي: ألزقت قراءتي بالسورة، ونقل المصنف هنا عنا لسهيلي: أن "يقرأن" مضمن معني يرقين، ويتبركن، وفي الباب الثامن: أنه مضمن معني يتقربن، ولا يخفي أن معني الشعر ليس على ما ذكره السهيلي، وإنما معناه: لا يقرأن القرآن، كما في قول جرير:
إنَّ البعيث وعبد آل مقاعسٍ لا يقرآن بسورة الأحبار
وأراد بعبد آل مقاعس: الفرزدق، وبسورة الأحبار: سورة "المائدة" فالتضمين والتبرك غير مناسب فيه، وإنما المعني على الإلصاق، وكذا الحال فيما رواه البخاري في "باب القراءة في المغرب" عن أثم الفضل أنها قالت: لآخر ما سمعت من رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، يقرأ بها في المغرب. وقول زيد: مالك تقرأ بقصار المفصل؟
والبيت جاء في شعرين أحدهما للراعي النميري، والثاني للقتال الكلاني؛ أما الأول، فهو من قصيدة أوردها ابن ميمون في "منتهي الطلب من أشعار العرب" أولها:
يا أهل ما بال هذا الليل في صفر يزداد طولًا وما يزداد في قصر
في إثر من قطعت عنه قرينته يوم الحدالي بأسبابٍ من القدر
كأنما شقَّ قلبي يوم فارقهم قسمين بين أخي نجد ومنحدر
هم الأحبَّة أبكي اليوم إثرهم قد كنت أطرب إثر الجيرة الشُّطر
فقلت والحرَّة الرَّجلاء دونهم وبطن لجَّان لمَّا لمَّا اعتادني ذكري
[ ٢ / ٣٦٩ ]
صلَّي على عزَّة الرّحمن وابنتها ليلي وصلّي على جارتها الآخر
هنّ الحرائز لا ربَّات أحمرة البيت
وهي طويلة تزيد على الخمسين بيتًا. قوله: في صفر، هو اسم الشهر، قالوا: خصة لأن الهم فيه أصابه، وقيل: كان صفر صيفًا، وليل الصيف قصير، فقال: كيف طال عليّ الليل في الصيف؟ وإنما ذلك لما هو فيه من الغم فلذلك طال عليه الليل. كذا قال ابن المستوفي، وقوله: في إثر متعلق بيزداد، وأراد بالقرينة: الحبيبة، وأضافها إلى ضمير الليل لأنها تشبه القمر، والحدالي، بفتح المهملة، والقصر: موضع؛ قال ياقوت في "معجم البلدان": هو موضع بين الشام وبادية بني كلب المعروف بالسماوة، وهي لكلب، وأنشد هذا البيت. والجيرة: جمع جار بالجيم، والشطر: جمع شطير، وهو البعيد، والحرة الرجلاء: بتح الحاء المهملة وشتديد الراء، والحرة: أرض ذات حجارة سود، والرجلاء بالجيم، قال ياقوت: قال ابن الأعرابي: الرجلاء: الصلبة الشديدة، وقال غيره: هي التي أعلاها أسود وأسفلها أبيض، وهي علملحرة في ديار بن القيم ابن جسر، بين المدينة والشام، وأنشد هذه الأبيات جميعها، وقال في موضع آخر: الرجلاء: ما إلى جنب جبل، يقال له: الردة لبني سعيد بن قرط، يسمي: صلب العلم، قال أبو منصور: حرة رجلاء: مستوية الأرض كثيرة الحجارة، وقال أبو الهيثم في قولهم: حرة رجلاء، الحرة: أرض حجارتها سود، والرجلاء: الصلبة الخشنة لا تعمل فيها خيل ولا إبل، ولا يسلكها إلاراجل يمشي. انتهي.
ولجان، بفتح اللام وتشديد الجيم، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": لجان: موضع، وهو واد قبل حرة بني سليم، وأنشد هذا البيت، وقيل: بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة، والصلاة: الرحمة، وعزة، بفتح العين المهملة وتديد الزاي: اسم امرأة.
وقوله: هن الحرائر: القصر إضافي بالنسبة إلى ربات الأحمرة، وقد صرح
[ ٢ / ٣٧٠ ]
بمفهوم القصر للتأكيد، وهو من قصر الصفة على الموصوف، وروي: "تلك الحرائر" وهو كما قلنا فيما قبله، وهو في الروايتين مبتدأ وخبر، ولا: عاطفة، عطفت ربات على المبتدأ، والحرة: الكريمة الأصيلة، ضد الأمة، وربات: صاحبات. قال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب" الأحمرة: جمع حمار، بالحاء المهملة، جمع قلة، والكثير: حمر، وخص الحمير لأنها رذال المال وشره، يقال: شر المال ما لا يزكىّ ولا يذكى. انتهى. وكذا ضبط هذه الكلمة السكري في "شرح أشعار اللصوص" وصحفها الدماميني، بالخاء المعجمة، وقال: والأخمرة: جمع خمار، وهو ما تستر به المرأة رأسها. هذا كلامه. وتبعه من بعده. وسود المحاجر: صفة ربات، لأن إضافة ما بمعنى اسم الفاعل المستمر تخفيفية لا تفيد تعريفًا، كقولهم: ناقة عبر الهواجر، أي: عابرة فيها، وكذلك سود المحاجر، أي: مسودة محاجرها، وهو جمع محجر، كمجلس ومنبر، قال الجواليقي: هو من الوجه حيث يقع عليه النقاب، وما بدا من النقاب محجر أيضًا. انتهى. وأراد بهذا الوصف: الإماء السود، قال السكري: سود المحاجر، من سواد الوجه، وخص المحاجر دون الوجه والبدن كله لأنه أول ما يرى، ومن هذا قول النابغة:
ليست من السود أعقابًا إذا انصرفت
وإنما أراد سواد الجسد كله. وجملة "لا يقرأن": صفة ثانية لربات، قال
[ ٢ / ٣٧١ ]
الجواليقي: يقول: هن خيرات كريمات يتلون القرآن، ولسن بإماء سود ذوات حمر يسقينها. انتهى. ولم يشرح ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" وكأنه غفل عنه.
وأما الشعر الثاني فهو للقتال الكلابي قال السكري، جامع "أشعار اللصوص" وشارحها: أخبرنا أبو سعيد، حدثني أبو زيد، حدثني حميد بن مالك، أنشدني شداد بن عقبة للقتال في ابنه عبد السلام:
عبد السَّلام تأمَّل هل ترى ظعنا إنَّي كبرت وأنت اليوم ذو بصر
لا يبعد الله فتيانًا أقول لهم بالأبلق الفرد لمّا فاتني نظري
يا هل ترون بأعلى عاسمٍ ظعنًا نكَّبن فحلين واستقبلن ذا بقر
صلّى على عمرة الرحمن وابنتها ليلى وصلَّى على جاراتها الأخر
هن الحرائر البيت. وعبد السلام: منادى، وظعن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج، والأبلق الفرد: موضع، وكذلك عاصم، بالمهملتين. وفحلين، بإعراب المثنى، وذو بقر: أسماء مواضع، وأراد بهذه الظعن: نساءه وحريمه.
والقتال الكلابي، بفتح القاف وتشديد المثناة الفوقية: اسمه عبد الله بن مجيب بن المضرجيّ بن عامر بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب، وقيل: اسمه عبادة بن المجيب. وقيل: عبيد بن المجيب، وكنيته: أبو المسيّب، كذا في "كتاب اللصوص". وهو شاعر إسلامي كان في الدولة المروانية في عصر الراعي، والفرزدق، وجرير. ولقب بالقتال لتمرده وفتكه، وكان شجاعًا فارسًا شاعرًا. وكان في دناءة النفس كالحطيئة، وكانت عشيرته تبغضه لكثرة
[ ٢ / ٣٧٢ ]
جناياته، وما يلحقها من أذاه، ولا تمنعه من مكروه، وأورد له السكري جنايات كثيرة، وله فيها أشعار.
والراعي: اسمه عبيد بن حصين، بتصغيرهما، وينتهي نسبه إلى نمير بن عامر بن صعصعة، وكنيته: أبو جندل، ولقب الراعي لكثرة وصفه الإبل والرعاء في شعره، وقيل: لقب به ببيت قاله. وقال ابن قتيبة: اسمه حصين ابن معاوية، وكان يقال لأبيه في الجاهلية: الرئيس، وولده وأهل بيته في البادية سادة أشراف، وهو شاعر فحل من شعراء الإسلام في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين، وكان يقدم الفرزدق على جرير، فاستكفه جرير فأبى، فهجاه بقصيدته التي مطلعها:
أقلِّي اللَّوم عاذل والعتابا
ففضحه بها. وفي "المؤتلف والمختلف" للآمدي: من لقبه الراعي من الشعراء اثنان: أحدهما هذا، والثاني: اسمه خليفة بن بشر بن عمير بن الأحوص من بني عدي ابن جناب.
وأنشد بعده وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد المائة:
(١٥٦) تبلت فؤادك في المنام خر يدة تسقى الضَّجيع ببادرٍ بسَّام
على أن الباء قد زيدت في المفعول الثاني لتسقي، وأراد بالبارد: ريقها
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ووصف الريق البارد بأنه بسام، من باب وصف الشيء بصفة محله، لأن التبسم صفة الثغر، وقال ابن حبيب جامع "ديوان حسان بن ثابت"، أراد: تسقي باردًا، فأقحم الباء. قال يوسف بن الحسن السيرافي في "شرح أبيات الغريب المصنَّف" أراد: تسقي الضجيع باردًا بسامًا، والباء زائدة، وقد جاء مثله:
فسقيت بالماء النَّمير ولم أترك الاطم حمأة الجفر
ومعنى تبلت فؤادك: أصابته بتبل، والتبل: الدخل، والوتر، وأراد بالبارد البسام: ثغرها. انتهى. ومثله في "كامل المبرد". قال: أصل التبل: الترة، يقال: تبلي عند فلان، وأنشد هذا البيت لحسان، وقال: الخريدة: الحيية. قال الدمامييني: والمراد بالضجيع: ضجيع تلك الخريدة، وهو الذي يضع جنبه على الأرض إلى جانبها، ويمكن أن تكون الباء في هذا البيت للاستعانة مثل: سقيته بالقدح، والمراد بالبارد البسام: الثغر، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: تسقي الضجيع ريقها بثغر بارد بسام، وأما على ما قاله المصنف: فتكون الباء زائدة، وفيه نظر، لأن المراد بالبارد: الثغر، بدليل وصله ببسام، وهو لا يسقى، لكن يجوز أن يكون على حذف مضاف، وعليه يكون في البيت زيادة ونقص. انتهى. ويكون التقدير: بربق ثغر بارد بسام، ووصف الثغر بالبارد من باب وصف المحل بصفة الحالّ، واعترض عليه بأنه لا يلزم على قول المصنف أن يكون الثغر مسقيًا حتى يتكلف له بتقدير مضاف، فيجتمع تقدير الزيادة والنقص، لأنا نقول: هو من وصف الشيء بصفة محله، ولكل وجهة، وقد حكم المصنف على زيادة هذه الباء بالقلة. قال المحقق الرضي: وتزاد – أي: الباء – قياسًا في مفعول علمت، وعرفت، وجهلت، وسمعت، وتيقنت، انتهى. وكأن الكلمة الأخيرة، وهي من التيقن، تحرفت في نسخة الدماميني بسقيت، فنقل
[ ٢ / ٣٧٤ ]
كلام الرضي في "المزج" وقال: جعلها قياسًا فيما ادعى المصنف فية القلة بالنسبة إلى سقيت. وروي في البيت: "تشفي" من الشفاء. قال ابن الملا: فالضجيع: المضطجع من مرض المحبة، والباء غير زائدة، بل هي للاستعانة، ويجوز أن يراد بالبارد: الثغر، لأن الشفاء إذا كان بريقه صحت نسبته إليه أيضًا، ولا مجاز في الصفة، وأن يراد به الريق، والمجاز فيها. انتهى.
والبيت من قصيدة لحسان بن ثابت ذكر فيها الحارث بن هشام المخزومي وهزيمته يوم بدر، ثم أسلم وحسن إسلامه، واستشهد بأجنادين، رحمه الله تعالى، وهي قصيدة طويلة أوردها عبد الملك بن هشام في فصل: "ما قيل من الشعر في يوم بدر" قال السهيلي في "الروض الأنف": وفي شعر حسان:
تبلت فؤادك في المنام خريدة
يجوز أن يكون أراد بالمنام: النوم، وموضع النوم، ووقت النوم، لأن مفعلًا يصلح في هذا كله من ذوات الواو، وقد تسمي العين أيضًا منامًا، لأنها موضع النوم، وعليه حمل تأوُّل قوله تعالى:﴾ إذ يريكهم الله في منامك قليلًا ﴿[الأنفال/ ٤٣] أي: في عينك، ويقويه قوله سبحانه:﴾ ويقللكم في أعينهم ﴿[الأنفال/ ٤٤] ولا فرق عند النحويين بين مفعل في هذا الباب، وفعل نحو: مضرب وضرب، ومنام ونوم، وكذلك هما في التعدية سواء، نحو: ضرب زيد عمرًا، ومضرب زيد عمرًا، وأما في حكم البلاغة والعلم بجوهر الكلام فلا سواء، فإن المصدر إذا حددته قلت: ضربة ونومة، ولا تقول: مضربة ولا منامة، فهذا فرق، وفرق آخر، تقول: ما أنت إلا نوم، وإلا سير، إذا قصدت به التوكيد، ولا يجوز: ما أنت إلا منام، وإلا مسير، ومن جهة المصدر: إن الميم لم تزد
[ ٢ / ٣٧٥ ]
إلا لمعنى زائد كالزوائد الأربع في المضارع، وعلى ما قالوه: تكون زائدة لغير معنى، فإن قلت: فما ذلك المعنى الذي تعطيه الميم؟ قلنا: الحدث يتضمن زمانًا ومكانًا وحالًا، فالمذهب عبارة عن الزمان الذي فيه الذهاب، وعن المكان أيضًا؛ فهي تعطي معنى الحدث، وشيء زائد عليه، وكذلك إذا أردت الحدث مقرونًا بالحالة والهيئة التي يقع عليها. قال الله ﷾:﴾ ومن آياته منامكن بالليل والنهار ﴿[الروم /٢٣]. فأحال على التفكر في هذه الحالة المستمرة على البشر، ثم قال في آية أخرى:﴾ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴿[البقرة/ ٢٥٥] ولم يقل منام، لخلو هذا الموطن من تلك الحالة، وتعرّبه من ذلك المعنى الزائد في الآية الأخرى؛ ومن لم يعرف جوهر الكلام، لم يعرف الإعجاز. انتهى كلام السهلي. ولغرابته نقلناه برمته.
وبعد ثمانية أبيات قال:
يا من لعاذلةٍ تلوم سفاهًة ولقد عصيت إلى الهوى لوّامي
بكرت عليَّ بسحرةٍ بعد الكرى وتقاربٍ من حادث الأّيام
زعمت بأنّ المرء يكرب يومه عدم لمعتكرٍ من الأصرام
إن كنت كاذبة الذي حدَّثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبَّة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرّةٍ ولجام
قوله: يا من لعاذلة، اللام متعلقة بمحذوف تقديره: يا من يقوم لعاذلة، فيدفع لومها عني، وإلى: متعلقة بمحذوف تقديره: ولقد عصيت لوّامي مائلًا إلى الهوى والغرام، وقوله: زعمت بأن .. الخ، قال ابن حبيب، يقول: زعمت أن الرجل يقرب أجله الفقر، فأمرتني بالإمساك. والمعتكر: المال
[ ٢ / ٣٧٦ ]
الكثير، يقال لما بين الثلاث من الإبل إلى العشر: ذود، فإذا جاز العشر؛ فهي صرمة، والجمع أصرام. انتهى. وقوله: فنجوت منجى الخ، يريد: فضحك الله تعالى، وأخزاك، فإن فرار المقاتل من قرنه في المعركة لأخزي أشد منه.
فقال الحارث بن هشام يعتذر من قراره، ويقال: لم يقل أحد أحسن منه في هذا الاعتذار.
الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأحمر مزبد
وعلمت أنِّي إن أقاتل واحدًا أقتل ولا يضرر عدوِّي مشهدي
فصدفت عنهم والأحبّة فيهم طمعًا لهم بعقاب يومٍ مفسد
وروي "بأشقر" قال السهيلي: يعني الدم، ومزبد: قد علاه الزبد، وقوله: والأحبة فيهم، يعني: من قتل أو أسر من رهطه وإخوته. انتهى.
وحسان بن ثابت تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد المائة:
(١٥٧) فكفى بنا فضلًا على من غيرنا حبُّ النبيِّ محمَّد إيَّانا
على أن الباء زائدة في مفعول كفى المتعدية لواحد. كذا قال ابن
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الشجري في "أماليه". قال ابن جني في "سر الصناعة:
فكفى بنا فضلًا على من غيرنا البيت
إنما تدخل الباء على الفاعل، وهذا شاذ، يريد أن معناه: كفانا، وقرأت أيضًا عليه:
إذا لاقيت قومًا فاسأليهم كفى قومًا بصاحبهم خبيرا
وهذا من المقلوب، ومعناه: كفى بقوم خبيرًا بصاحبهم، فجعل الباء ي الصاحب، وموضعها أن تكون في قوم، إذ هم الفاعلون في المعنى. انتهى.
وإنما اضطر إلى ادعاء القلب والتعويض، لأن فاعل كفى، وهو قوم، جاء منصوبًا، وخبير مفعوله، وبصاحبهم متعلق بخبير، ونصب الفاعل غير جائز، فادعى أن موضع الباء الفاعل، لأن الباء كثيرًا ما تزاد في فاعل كفى، وزيادتها في مفعوله نادرة، فلما قرنها بالفاعل عوض مجرورها باء أخرى. وفيه رد على من زعم كالمصنف أن كفى المتعدية لواحد لا تزاد الباء في فاعلها، وقوله: إنما هي في البيت زائدة في الفاعل الخ، موافق لما اختاره من: أن الباء إنما تزاد في فاعل كفى القاصرة، والمعنى: حسب محبة النبي إيانا، ومن ينكر ثبوت كفى القاصرة، يقدر المفعول. وتقديره كفينا قومنا فضلًا حب النبي إيانا.
قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأما: فكفى بنا فضلًا البيت، فأكثر أصحابنا خرجوه على زيادة الباء في الفاعل، وجعل حب النبي يدل اشتمال من المجرور بالباء، والتقدير: فكفينا حب النبي. انتهى.
وبين المرادي صاحب هذا القيل، فقال في "الجنى الداني": واختلف في
[ ٢ / ٣٧٨ ]
زيادتها في قوله: فكفى بنا فضلًا على من غيرنا فقيل: هي في البيت زائدة مع المفعول. ورده ابن أبي العافية، وقال: هي داخلة على فاعل كفى، وحب النبي: بدل اشتمال من الضمير على الموضع، وعلى هذا حمل بعضهم قول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولًا البيت. انتهى.
وإنما نقله المصنف بقيل؛ لما قاله الدماميني في "شرح التسهيل" من أنه يلزم عليه الإبدال من ضمير الحاضر، مع أن البدل ليس محيطًا، وهو قليل. انتهى.
واستشهد سيبويه بالبيت: على أن "من" فيه نكرة موصوفة بمفرد، وهو غيرنا. وسيأتي إن شاء الله تعالى في بحث "من". وحب النبي: مصدر مضاف إلى فاعله، وإيانا: مفعوله، ومحمد: معطوف عطف بيان للنبي، وفضلًا: تمييز، وروي بدله "شرفًا" وعلى: متعلقة به، وقبله:
نصروا نبَّيهم بنصر وليِّه فالله عزَّ بنصره سمَّانا
يقول: إن الله ﷿ سماهم الأنصار، لأنهم نصروا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن والاه.
والشعر لكعب بن مالك الأنصاري، وقيل لعبد الله بن رواحة الأنصاري، وقد طلبته في "ديوان حسان" فلم أجده. قلت: وأنا فتشته في "ديوان حسان فلم أجده فيه، وقيل: هو لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، والله تعالى أعلم.
وكعب بن مالك: أحد شعراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين
[ ٢ / ٣٧٩ ]
كانوا يردون الأذى عنه، وكان شاعرًا مجودًا مطبوعًا قد عرف بذلك، ويروى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لكعب بن مالك: أترى الله ينسى لك قولك:
جاءت سخينة كي تغالب ربَّها وليغلبنَّ مغالب الغلاَّب
وهو أحد الثلاثة الذين خلقوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وعمي كعب في آخر عمره، وتوفي في مدة معاوية سنة خمس وخمسين، أو ثلاث وخمسين، وهو ابن سبع وسبعين، وشهد العقبة الثانية، ولم يشهد بدرًا، ثم شهد سائر مشاهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غير غزوة تبوك، ونزلت فيه الآية، وتاب الله تعالى عليه.
وعبد الله بن رواحة: هو من فضلاء أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، شهد العقبة، وكان نقيبًا، ثم شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد إلى يوم مؤته، فقتل بها شهيدًا في سنة ثمان، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وأحد شعراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المحسنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ويردون الأذى عنه، وفيه وفي صاحبيه، حسان وكعب، نزلت:﴾ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا ﴿[الشعراء/ ٢٢٧] وكانت له أمة مشى إليها ليلة، فنال منها، وفطنت له
[ ٢ / ٣٨٠ ]
امرأته فلامته، فجحدها، وكانت قد رأت جماعة لها، فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن، فالجنب لا يقرأ القرآن، فقال:
شهدت بأن وعد الله حقُّ وأنَّ النار مثوى الكافرينا
وأنَّ العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش ربُّ العالمينا
فقالت: صدق الله، وكذبت بصري! وكانت لا تحفظ القرآن، ولا تقرؤه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد المائة:
(١٥٨) كفى بجسمي نحولًا أنَّني رجل لولا مخاطبتي إيَّاك لم ترني
على أن هذا أيضًا الباء زائدة في مفعوله كبيت الأنصاري، وهو قول الواحدي، وغيره ممن نظر في شعر المتنبي.
وأورده ابن الشجري مع البيت المتقدم في المجلس الثالث والثمانين من "أماليه" قال: يتوجه في هذا البيت سؤال عن الفرق في الإعراب بين "كفى بجسمي نحولًا" وبين﴾ كفى بالله وكيلًا ﴿[الأحزاب/ ٣] وسؤال ثان: وهو أن "أنّ" المفتوحة تكون مع خبرها في تأويل مصدر، فبأي مصدر تتقدر في هذا البيت؟ وسؤال ثالث: وهو أن يقال: أن الجملة التي هي: "لولا مخاطبتي إياك لم ترني" وصف لرجل، ورجل: اسم غيبة؛ فكيف عاد إليه ضمير متكلم وكان القياس: لولا مخاطبته إياك؟ الجواب: إن كفى مما غلب عليه زيادة الباء تارة مع فاعله، وتارة مع مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل (كفى بالله) المعنى: كفى الله، ويدلك على أنها مزيدة في "بالله" قول سحيم:
[ ٢ / ٣٨١ ]
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
وأما زيادتها مع المفعول، فمنه ما أوردته آنفًا من قول الأنصاري: "فكفى بنا فضلًا" ومنه:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا
التقدير كفاك داء رؤيتك الموت. ومنه "كفى بجسمي نحولًا" لأن فاعل كفى: أن وما اتصل بها، واسبك لك من ذلك فاعلًا بما دل عليه الكلام من النفي بلم، وامتناع الشيء لوجود غيره بلولا، فالتقدير: كفى بجسمي نحولًا انتفاء رؤيتي، لولا وجود مخاطبتي، وانتصاب "نحولًا" على التفسير، والتفسير في هذا النحو للفاعل دون المفعول. "فوكيلا" تفسير لاسم الله تعالى، ونحولًا تفسير لانتفاء الرؤية، كما كان "فضلًا" في بيت الأنصاري تفسيرًا لحب النبي إياهم. فقد بان لك الفرق في الإعراب بين "كفى بجسمي نحولًا" و(كفى بالله وكيلًا) من حيث كان بالله فاعلًا، وبجسمي مفعولًا. وأما "رجل" من قوله: أنني رجل: فخبر موطئ إلى آخر ما ذكره، وننقله إن شاء الله تعالى في الباب السابع عند ذكر المصنف هذا البيت هناك أيضًا.
وأما ما نقله ابن أبي العافية من أن بعضهم جعل الباء في "بجسمي" زائدة في الفاعل، فوجهه: أنه يجعل "أنني" مجرورًا بلام مقدرة، والتقدير: حسب جسمي نحولًا لأنني رجل الخ، ونقل عن المعري أنه قال في شرح هذا البيت: نحولًا: مفعول ثان لكفى، وهو خطأ، فإنه يقتضي أن يكون كفى بمعنى وقى، وهو مفسد للمعنى.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
والبيت ثالث أبيات قالها المتنبي في صباه، وهي:
أبلى الهوى أسفًا يوم النّوى بدني وفرّق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا أطارت الرِّيح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولًا البيت
قال الإمام الواحدي. يقال: بلي الثوب يبلى بلى، وأبلاه غيره إبلاء، والأسف: شدة الحزن، ومعنى، إبلاء الهوى البدن: إذهاب لحمه وقوته بما يورد عليه من شدائده، وخص يوم النوى؛ لأن برح الهوى إنما يشتد عند الفراق، والهوى عذب مع الوصال، سم مع الفراق، كما قال السري:
وأرى الصَّبابة أريًة ما لم يشب يومًا حلاوتها الفراق بصابه
وانتصب أسفًا على المصدر، ودل على فعله ما تقدمه؛ لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه، كأنه قال: أسفت أسفًا، ويوم النوى: ظرف للإبلاء، ويجوز تعلقه بأسفًا، والمعنى: أدى الهوى بدني إلى الأسف والهزال يوم الفراق، وبدد هجر الحبيب بين جفني والنوم، أي: لم أجد بعده نومًا، وقوله: روح تردد .. الخ، يقول: لي روح تذهب وتجيء في بدن مثل الخلال في النحول والرقة، إذا أطارت الريح عنه الثوب الذي عليه لم يظهر ذلك البدن لرقته، أي: إنما يرى ما عليه من الثوب، وإذا ذهب عنه الثوب لم يظهر، ويجوز أن يكون معنى لم يبن: لم يفارق، أي: أن الريح تذهب بالبدن مع الثوب لخفته، ومثل الخلال: صفة لموصوف محذوف، وتقديره: في بدن مثل الخلال.
وأقرأني أبو الفضل: "في مثل الخيال" قال: أقرأني أبو بكر الشعراني
[ ٢ / ٣٨٣ ]
خادم المتنبي قال: لم أسمع الخلال إلا بالري فما دونه، يدل على صحة هذا أن الوأواء الدمشقي سمع هذا البيت فأخذه، فقال:
وما أبقى الهوى والشوق منِّي سوى روحٍ تردَّد في خيال
خفيت على النوائب أن تراني كأنّ الرُّوح منِّي في محال
وقوله: "كفى بجسمي نحولًا" يقول: صرت من النحول بحيث لو لم أتكلم لم يقع علي البصر، إنما يستدل علي بصوتي، كما قال الصنوبري:
ذبت حتى ما يستدلّ على أنّي حيُّ إلاّ ببعض كلامي
وأخذه عمر بن الفارض، وزاده، وهو قوله:
كهلال الشَّكِّ لولا أنَّه أنَّ عيني عينه لم تتأيّ
أي: لم تتعم عيني ذاته لولا أنينه، وقال في موضع آخر:
كأِّني هلال الشَّكِّ لولا تأوُّهي خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي
وقال في موضع آخر:
خفيت ضنًى حتى لقد ضلَّ عوَّدي وكيف ترى العوَّاد من لا له ظلُّ
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وترجمة المتنبي تقدمت في الإنشاد التاسع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد المائة:
(١٥٩) أليس عجيبًا بأنَّ الفتى يصاب ببعض الذي في يديه
على أن الباء قد زيدت في اسم ليس المؤخر، وهو: "أن الفتى يصاب" فإنه في تأويل مفرد مرفوع، وتقديره: أليس مصاب الفتى ببعض ما في يديه عجيبًا؟ ! وأنشده المبرد في قريب من النصف من "الكامل" لمحمود الوراق مع بيتين بعده، وهما:
فمن بين باكٍ له موجعٍ وبين معزِّ مغذِّ إليه
ويسلبه الشَّيب شرخ الشَّبا ب فليس يعزّيه خلق عليه
وكذا رواهما القالي في أوائل "أماليه"، عن أبي محمد، عبد الله بن جعفر النحوي، عن أبي العباس، محمد بن يزيد المبرد، لمحمود الوراق، وأنشدها الجاحظ أيضًا له في كتاب "البيان" وذكرها السيد المرتضى أيضًا في "أماليه" وقال: وتروى لمحمد بن حازم، يقول: أتعجَّب من أن الرجل يعزى على تلف ماله، ولا يعزى على فقد شبابه. وأنشد المبرد لمحمود الوراق أيضًا:
يا خاضب الشَّيب الذي في كلِّ ثالثة يعود
إنَّ النُّصول إذا بدا فكأنَّه شيب جديد
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وله بديهة لوعةٍ مكروهها أبدًا عتيد
فدع المشيب كما أرا د فلن يعود كما تريد
وقال أيضًا:
يا خاضب الشَّيبة نح فقدها فإنَّما تدرجها في كفن
أما تراها منذ عاينتها تزيد في الرَّأس بنقص البدن
وقال أيضًا:
اغتنم غفلة المنيَّة واعلم أنَّما الشَّيب للمنَّية جسر
كم كبير يوم القيامة يقصى وصغيرٍ له هنالك قدر
هذا ما أورده له المبرد في "كامله".
وقوله فمن بين باك له موجع، بفتح الجيم، أي: متوجع، يعني: أن الناس بعضهم يبكي على فقد ماله ويتوجع له، وبعضهم يعزبه ويغذ إليه، من أغذ إليه، بالغين والذال المعجمتين، أي: أسرع إليه بالتعزية، وشرخ الشباب: أوله المستلزم لطراوته ونعومته، والنصول: ذهاب الخضاب.
وأنشد السيد المرتضى لمحمد بن حازم:
عهد الشباب لقد أبقيت لي حزنًا ما جدَّ ذكرك إلا جدَّ لي ثكل
سقيًا ورعيًا لأيَّام الشباب وإن لم يبق منك له رسم ولا طلل
لا تكذبنَّ فما الدنيا بأجمعها من الشباب بيومٍ واحدٍ بدل
[ ٢ / ٣٨٦ ]
كفاك بالشيب ذنبًا عند غانيةٍ وبالشباب شفيعًا أيُّها الرجل
ومحمود الوراق بن الحسن توفي في خلافة المعتصم في حدود الثلاثين والمئتين، وأكثر شعره في الوعظ، ومن شعره:
ما إن بكيت زمانًا إلاّ بكيت عليه
ولا ذممت صديقًا إلاّ رجعت إليه
قال الخطيب في "تاريخ بغداد": يقال: إنه كان نخاسًا يبيع الرقيق، وطلب المعتصم منه جارية، وأعطاه سبعة آلاف دينار، فامتنع من بيعها، فلما مات اشتراها المعتصم من ميراثه بسبعمائة دينار. فلما دخلت إليه، قال: كيف رأيت؟ تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف بسبعمائة دينار! قالت: أجل إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته المواريث، فإن سبعين دينارًا كثير في ثمني فضلًا عن سبعمائة، فأخجلته. انتهى.
والوراق: معناه الناسخ بالأجرة. قال أحمد بن عبد الله بن الحارث المعروف بأبي هفان: سألت وراقًا – يعني: ناسخًا – عن حاله، فقال: عيني أضيق من محبرة، وجسمي أرق من مسطرة، وجاهي أوهى من الزجاج، وحظي أشد سوادًا من العفص إذا خلط بالزاج، وسوء حالي ألزم بي من الصمغ، وطعامي أمرّ من الصبر، وشرابي أكدر من الحبر، والهم والألم يجريان في علقة قلبي مجرى المداد في شقِّ القلم. فقلت: يا أخي لقد عبرت ببلاء عن بلاء! فأنشد:
المال يستر كلَّ عيبٍ في الفتى والمال يرفع كلَّ وغدٍ ساقط
فعليك بالأموال فاقصد جمعها واضرب بكتب العلم بطن الحائط
[ ٢ / ٣٨٧ ]
ولابن صارة الأندلسي:
أمّا الوراقة فهي أيكة حرفةٍ أغصانها وثمارها الحرمان
شبهت صاحبها بإبرة خائطٍ تكسو العراة وجسمها عريان
وأنشد بعده وهو الإنشاد الستون بعد المائة:
(١٦٠) ومنعكها بشيء يستطاع
وصدره:
فلا تطمع أبيت اللَّعن فيها
على أن الباء قد زيدت في خبر المبتدأ الموجب، والأولى تعليقها بمنعكها. والمعنى: ومنعكها بشيء ما يستطاع، زاد "ما" للإبهام، قال الزمخشري: و"ما" هذه إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامًا، وزادته شياعًا، كقولك: أعطني كتابًا ما، تريد: أي كتاب كان، ويتفرع على الإبهام الحقارة والفخامة والنوعية.
وشرحه ابن جني، وكلام المصنف مأخوذ منه؛ قال في "إعراب الحماسة": الباء في "بشيء" زائدة في خبر المبتدأ، وقد جاء ذلك، ألا ترى إلى قول أبي الحسن في قول الله تعالى:﴾ وجزاء سيئتةٍ بمثلها ﴿[يونس/ ٢٧] أن تقديره: جزاء سيئة سيئة مثلها، اعتبارًا لقوله عز اسمه:﴾ وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها ﴿[الشورى/ ٤٠] فكأنه قال: ومنعكها شيء يستطاع، أي: أمر مطاق غير باهظ ولا معجز، أي: فاله عنها ولا تعلق فكرك بها. ويجوز وجه آخر، وهو أن يريد: ومنعكها بمعنى من المعاني مما يستطاع، وذلك المعنى إما غلبة ومعازَّة
[ ٢ / ٣٨٨ ]
لك، وإما فداء تفديها به منك، أو غير ذلك، فيكون المعنى قريبًا من الأول، إلا أنه ألين جانبًا منه، فالباء على هذا متعلقة بنفس المنع وفي صلته، ويجوز أن تكون معلقة أيضًا بنفس يستطاع بمعنى من المعاني، ويقدر عليه به. انتهى.
ولقد أجاد ابن الملا في الرد على الشمني حيث قال عند قول المصنف: بشيء ما يستطاع؛ أي: ومنعك إياها بشيء أي شيء كان مطاق، فليس الأولى أن لا يأتي بكلمه ما، كما قال المحشّي، أي: الشمني. وعلله بأنها تزاد مع كلمة شيء للدلالة على التقليل والتحقير، وليس المعنى على ذلك، لأن المخاطب ملك، ألا ترى أنه حياه بتحية الملوك؟ بل المعنى على التكثير أو التعظيم، وهو يستفاد منن تنكير شيء، أي: فلا حاجة إلى زيادة ما، بخلاف التقليل أو التحقير، أي: لو كان أحدهما مرادًا. وأنت خبير أن التنكير صالح لإفادة كل من التقليل والتحقير والتكثير والتعظيم، وكون الخطاب مع ملك لا يستلزم كون تنكير شيء للتعظيم لأن الشاعر متحمس على مخاطبه ولو ملكًا. وقد افتتح كلامه بالنهي عن الطمع في هذه الفرس، أي: أنهاك عن الطمع فيها، والحال أن منعك عنها بشيء حقير يستطاع، وإذا كان بالحقير يستطاع، فما الظن بغيره؟ ! ويجوز تعلقها بيستطاع، أي: ومنعك عنها متأت بشيء. انتهى كلام ابن الملا.
والبيت آخر أبيات أربعة أوردها أبو تمام في "الحماسة" لرجل من بني تميم، وطلب منه ملك من الملوك فرسًا يقال لها سكاب، فمنعه إياها:
أبيت اللَّعن إنَّ سكاب علق نفيس لا يعار ولا يباع
مفدّاة مكرَّمة علينا يجاع لها العيال ولا تجاع
سليلة سابقين تناجلاها إذا نسبا يضمَّهما الكراع
فلا تطمع أبيت اللَّعن فيها ومنعكها بشيءٍ يستطاع
[ ٢ / ٣٨٩ ]
قال الطبرسي في شرحه: أبيت اللعن، أي: أبيت الأمر الذي يلعن عليه إذا فعلته، وكان هذا القول تحية الملوك عندهم، قال الشاعر:
ولكلُّ ما نال الفتى قد نلته إلاّ التَّحيَّه
يعني: إلا أن يقال لي: أبيت اللعن، وكأنه قال: نلت كل شيء إلا الملك. وأصل اللعن: الطرد. وسكاب إذا أعربته كان غير منصرف، للتعريف والتأنيث، والشاعر تميمي، وهذا لغة قومه، فإذا بنيته على الكسر فهي لغة أهل الحجاز، والعلق: ما فيه علاقة للقلب لجودته، ومفداة: يقول لها صاحبها: بأبي أنت وأمي، فيفديها بوالديه. وسليلة: من سل: إذا نزع، وألحق الهاء بها، وإن كان فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه جعل اسمًا كالذبيحة، أي: هي مهرة فرسين سابقين. وتناجلاها: كنجلاها، أي: ولداها. وكراع: اسم فحل معروف.
وقوله: فلا نطمع الخ، يقول: ارفع طمعك، ودفعك عنها بوجه ما وبحيلة ما ممكن، يقال: منعته كذا، ومنعته عن كذا.
وظفر الصاغاني باسم قائلها، وزيادة أبيات، قال في "العباب": وقال محمد أبو عبد الله بن زياد الأعرابي عند ذكره خيل عمرو بن تميم: ومن بني تميم عبيدة ابن ربيعة بن قحفان بن ناشرة بن رزام بن مازن، يقال لفرسه: سكاب، وهو فارس سكاب، وقال فيها: أبيت اللعن إن سكاب علق البيت. مفداة مكرمة علينا البيت. سليلة سابقين تناجلاها .. البيت.
وفيها عزَّة من غير نفرٍ نحيِّدها إذا حرَّ القراع
[ ٢ / ٣٩٠ ]
فلا تطمع أبيت اللعن فيها البيت.
وكفِّي تستقلُّ بحمل سيفي وبي ممَّن تهضَّمي امتناع
وحولي من بني قحفان شيب وشبَّان إلى الهيجا سراع
إذا فزعوا فأمرهم جميع وإن لا قوا فأمرهم شعاع
قوله: من بني قحفان، يدل على صحة قول أبي عبد الله بن الأعرابي. انتهى.
وحر: اشتد. والقراع بالكسر: المقارعة، ونهضمه: ظلمه، وسراع: جمع سريع، والفزع: الذعر، وشعاع، بالفتح: متفرق، من قولهم: ذهبوا شعاعًا، أي: متفرقين، وقحفان بضم القاف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد المائة:
(١٦١) فما رجعت بخائبةٍ ركاب حكيم بن المسيِّب منتهاها
على أن الباء قد زيدت في الحال المنفية، وهو ثاني بيت أنشدهما ابن الأعرابي في "نوادره" وقبله:
تنضَّيت القلاص إلى حكيمٍ خوارج من تبالة أو مناها
تنضيت: بالضاد المعجمة، في "الصحاح": أنضى فلان بعيره، أي: هزله، وتنضاه أيضًا. والقلاص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. وتبالة: بفتح المثناة الفوقية، بعدها موحدة. قال الصاغاني: هي بلدة باليمن مخصبة، وفي المثل: "أهون من تبالة على الحجاج" وكان عبد الملك بن مروان ولاه إياها، فلما أتاها استحقرها فلم يدخلها، وقيل: إنه قال للدليل حين قرب منها: أين هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة، فقال: أهون علي بعمل تستره عني الأكمة!
[ ٢ / ٣٩١ ]
ورجع من مكانه. وفي مثل آخر: "ما حللت تبالة لتحرم الأضياف" أي: إن الله تعالى لم يخولك هذه النعمة إلا لتجود على الناس. ويروى: "لم تحلي تبالة لتحرمي" قال لبيد:
فالضيف فالجار الجنيب كأنّما هبطا تبالة مخصبًا أهضامها
انتهى. ومناها: بفتح الميم والنون، أي: أو من مكان قريب منها، قال ابن السكيت: هو منِّي بمنا ميل، أي: بقدر ميل، وحكى الفراء: داري منا داره، أي: بحذائها، نقلها الأزهري. والركاب: الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها، والمراد من الركاب أصحابها. والخيبة: حرمان المطلوب، والأصل: فما رجعت خائبة. ووصف النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا منها، فلما تقدم زيد فيه الباء، وخرجه أبو حيان على أن التقدير: فما رجعت بحاجة خائبة. قال الدماميني في المزج: فالباء للإلصاق أو للمصاحبة، لكن هذا فيه حذف الموصوف من غير دليل، وقد يخرج على جعل رجع من أخوات كان، والباء زائدة في الخبر على حد: "لم أكن بأعجلهم". انتهى. وكذا قال ابن وحيي. وقوله: حكيم بن المسيب منتهاها، أي: غايتها. الجملة في موضع الصفة للركاب. قال الدماميني: وأعرفهم ضبطوا والد سعيد بن المسيب بفتح الياء المشددة وكسرها، وأما والد حكيم هذا فلا أتحقق ضبطه.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
ومعنى البيت: إن الركاب التي منتهاها هذا الرجل لم ترجع خائبة، بل رجعت بالظفر بالمقصود ونيل المطلوب. انتهى.
والبيتان من قصيدة للقحيف العقيلي مدح بها حكيم بن المسيب القشيري ومنها:
إذا رضيت عليَّ بنو قشيرٍ لعمر الله أعجبني رضاها
ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في بحث "على".
والقحيف: شاعر إسلامي، ذكره الجمحي في الطبقة العاشرة من شعراء الإسلام، وهو شاعر مقل، كان يثبب بخرقاء محبوبة ذي الرمة، وهو القحيف ابن خمير بن سليم النَّدى، وينتهي نسبه إلى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر، والقحيف: بضم القاف وفتح الحاء المهملة، وخمير: بضم الخاء المعجمة وفتح الميم، وسليم: بضم السين وفتح اللام، وأضيف إلى الندى لاشتهاره بالكرم.
وقال الصاغاني في "العباب": رأيت بخط محمد بن حبيب في أول ديوان شعر القحيف: البدي؛ بالباء الموحدة وتشديد الياء، وعقيل بالتصغير: هو أخو قشير المنسوب إليه حكيم بن المسيب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد المائة:
(١٦٢) كائن دعيت إلى بأساء داهمةٍ فما انبعثت بمزؤ ودٍ ولا وكل
على أن الباء زائدة في الحال أيضًا، والأصل: فما انبعثت مزؤودًا ولا. ولا كلًا، فزيدت الباء وعطف على مجرورها. وخرجه أبو حيان على تقدير: فما انبعثت بشخص مزؤود، أي: مذعور. ويريد بالمزؤود نفسه، على حد: رأيت منه أسدًا، فيكون من التجريد؛ وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في كمالها فيه، والباء حينئذ للملابسة والمصاحبة، متعلقة بمحذوف تقديره:
فما انبعثت ملتبسًا بمزؤود.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
واعترضه المصنف بأن صفات الذم إذا نفيت لم ينتف أصلها، وصفة الذم هنا المزؤودية والوكلية، وأراد بكونها على سبيل المبالغة ما لوحظ فيها من معنى التجريد الذي مبناه على المبالغة، يرشدك قول المصنف: ولا يقال: لقيت منه أسدًا أو بحرًا إلا عند قصد المبالغة في الوصف بالإقدام والكرم.
قال الدماميني: وينبغي أن لا يتعلق الجار من قوله: على سبيل المبالغة، بنفيت، لأنه ليس المراد نفيها مبالغة فيه، وإنما يتعلق بمحذوف هو حال من ضمير نفيت العائد على الصفات، وهذا الحكم ليس مخصوصًا بصفات الذم، بل هو جار في كل مقيد بقيد إذا دخل عليه النافي، مثل: ما جئت راكبًا، فيرجع النفي إلى القيد فقط، ويثبت أصل الفعل، وهذا هو الأكثر، وقد يقصد نفي الفعل والقيد جمعيًا، بمعنى انتفاء كل من الأمرين. انتهى. ونقل كلام المصنف هذا في "شرح التسهيل" وتعقبه بقوله: قلت: تسليمه لظهور التخريج في البيت الأول غير جيد، لما فيه من حذف الموصوف بدون دليل، وقدحه في تخريج البيت الثاني كذلك، لأن النفي إنما يتسلط على قيد الفعل مع ثبوت أصله، أي: فما انبعثت بشخص مزؤود ولا وكل، يعني نفسه؛ بالغ في اتصافه بالشجاعة والنهضة حتى انتزع من نفسه شخصًا لا ذعر عنده ولا وكل، فكيف يتم ما قال؟ انتهى.
وقوله: كائن دعيت الخ. كائن: بمعنى كم الخبرية لإنشاء التكثير، ودعيت: بالبناء للمفعول، قال الأزهري: قال الليث: البأساء: اسم للحرب والمشقة والضرب، وداهمة: من دهمهم الأمر – من باب تعب، وفي لغة من باب نفع – أي: فاجأهم وأتاهم بغتة. وانبعث: تحرك وثار من موضعه، قال الليث: بعثت البعير فانبعث؛ إذا حللت عقاله وأرسلته، أو كان باركًا
[ ٢ / ٣٩٤ ]
فأثرته وبعثته من نومه فانبعث، نقله الأزهري. والمزؤود: اسم مفعول من زأدته؛ مهموز العين، أي: ذعرته. والوكل، بفتح الواو والكاف: العاجز الذي يكل أمره إلى غيره.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد المائة:
(١٦٣) وليس بذي سيف وليس بنبَّال
وصدره:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني به
على أن نبالًا هنا للنسبة، أي: ليس بذي نبل، كما أن ظلامًا في الآية كذلك، أي: وما ربك بذي ظلم. وليس صيغة فعال فيهما للمبالغة، قال سيبوبه: وقالوا لذي السيف: سياف، والجميع سيافة. قال امرؤ القيس:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبال
يريد: ليس بذي نبل، فهذا وجه ما جاء من الأسماء ولم يكن له فعل، وهذا قول الخليل رحمه الله تعالى. انتهى.
وكذا في "كتاب النبات" لأبي حنيفة الدينوري، قال: وسمي صاحب النبل نبالًا في قوله: وليس بنبال، أي: بذي نبل، وهو مثل: بغال وحمار. انتهى.
وقال السيرافي: الباب عندي فيما كان صنعة ومعالجة أن يجيء على فعال، لأن فعالًا لتكثير الفعل، وصاحب الصنعة مداوم لصنعته، فجعل له البناء الدال على التكثير، كالبزاز والعطار، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
والباب فيما كان ذا شيء وليس بصنعة يعالجها أن يجيء على فاعل، لأنه ليس
[ ٢ / ٣٩٥ ]
فيه تكثير، كقولنا لذي الدرع: دارع، ولذي النبل: نابل، ولذي النشاب: ناشب، ولذي التمر: تامر، ولذي اللبن لابن، وقالوا لذي السلاح: سالح، ولصاحب الفرس: فارس، وقالوا لصاحب النعل: ناعل، ولصاحب الحذاء: حاذ، ولصاحب اللحم: لاحم، ولصاحب الشحم: شاحم، ويقال لمن كان شيء من هذه الأشياء صنعته، ومنها معاشه: لبان، وتمار، ونبال. وقد يستعمل أحدهما في موضع الآخر، قالوا: رجل تراس: معه ترس، ذهبوا إلى أنه ملازم، فأجروه مجرى الصنعة والعلاج، وقد قالوا: نبال في الذي معه النبل، على هذا المعنى، كأنه يلازمه، ولأن عمله به وتعاطيه له صنعة. قال امرؤ القيس: وليس بذي رمح .. البيت. وهو من قصيدة طويلة لامرئ القيس مطلعها:
ألا عم صباحًا أيُّها الطَّلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
شرحنا عشرين بيتًا منها في الشاهد الثالث من شواهد الرضي، وشرحنا أبياتًا أخر منها في مواضع متفرقة منها، وقبل هذا البيت:
أيقتلني والمشر فيُّ مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وفاعل يقتلني: ضمير الرجل الذي ادعى أنه فجر بامرأته، وهي بنت قيصر الروم.
قال ابن الحباب السعدي في كتاب "مساوئ الخمر" إن امرأ القيس لما كان منادمًا لقيصر، رأته ابنته فعشقته، وراسلها فصار إليها، وفيها قال:
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ البيت
[ ٢ / ٣٩٦ ]
مع أبيات أخر، ولم يزل يصير إليها إلى أن أخبر بذلك أصحابه، وفيهم الطماح بين قيس الأسدي، فقال له: ائتنا بأمارة، فأتاه بقارورة من طيب الملك، وذلك بغلبة سكره. وكان أبو أمرئ القيس قد قتل قيسًا أبا الطماح، فتحيل الطماح حتى أخذها، فأنفذ بها إلى قيصر، وأخبره بالحديث، فعرفه وعلم صحته. ثم إن امرأ القيس ندم على إفشاء سره إلى الطماح، ففي ذلك يقول:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيءٍ سواه بخزّان
فلما ذهب امرؤ القيس بالجيش الذي أمده به قيصر أتى الطماح إلى قيصر، وقد تغير على امرئ القيس، فقال: أيها الملك: أهلكت جيشًا بعثته مع المطرود الذي قتل أبوه وأهل بيته، وما تريد إلى نصره؟ ! وكلما قتل بعض العرب بعضًا كان خيرًا لك! قال: فما الرأي؟ قال: أن ترد جيشك، وتبعث إلى امرئ القيس بحلة مسمومة؛ ففعل، فدخل امرؤ القيس الحمام فاطّلى ولبسها، وقد رق جلده لقروح كانت به، فتساقط لحمه، ورد قيصر جيشه، وقدم امرؤ القيس أنقرة، فأقام بها يعالج قروحه إلى أن هلك بها. انتهى.
والهمزة في "أيقتلني" للاستفهام الإنكاري. والمشرفي: منسوب إلى مشارف؛ قال أبو عبيدة: مشارف: قرى من أرض العرب، تدنو من أرض الريف، يقال: سيف مشرفي، ولا يقال: مشارفي، لأن الجمع لا ينسب إليه. انتهى. والواو: واو الحالية. ومضاجعي: أراد به ملازمي. والمسنونة: المحددة، من سن السيف: إذا حدده، وأراد بها نصال النبال، وهذا يدل على اهتمام صاحبها بها،
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وتشبيهها بأنياب الأغوال بناء على توهمهم في أنيابها غاية الحدة، والغرض من هذا التشبيه التهويل، وهذا أمر وهمي، ويطعنني: بضم العين، لأنه يقال: طعنه بالرمح طعنًا، من باب قتل، وأما طعنت فيه بالقول، وطعنت عليه، فقد جاء من باب قتل ومن باب نفع، وأجاز الفراء بطعن في الكل بالفتح، لمكان حرف الحلق، كذا في "المصباح". وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده:
شربن بماء البحر
وتقدم شرحه في السادس والأربعين بعد المائة.
بجل
أنشد فيها، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد المائة:
(١٦٤) ألا بجلي من الشَّراب ألا بجل
على أنه يقال: يجلي، بمعنى حسبي بدون نون وقاية.
قال المرادي في "الجنى الداني": بجل: لفظ مشترك، يكون اسمًا وحرفًا، فأما "بجل" الحرفية فحرف جواب بمعنى نعم، ويكون في الخبر والطلب، ذكرها صاحب "رصف المباني" وأما بجل الاسمية، فلها قسمان، أحدهما: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي، فيلحقها نون الوقاية مع ياء المتكلم، فيقال:
[ ٢ / ٣٩٨ ]
بجلني. والثاني: أن تكون اسمًا بمعنى حسب، فتكون الياء المتصلة بها مجرورة الموضع، ولا يلحقها نون الوقاية، وذكروا أنها تلحقها قليلًا. وكذا قال في باب اسم الفعل من شرح "التسهيل" أخذًا من كلام ابن مالك. وقال الأزهري في "التهذيب" قال أبو عبيد: يقال: بجلك درهم، وقد أبجلني ذاك، أي: كفاني. قال الكميت:
ومن عنده الصَّدر المبجل
وقال لبيد:
بجلي الآن من العيش بجل
وقال الليث: هو مجزوم لاعتماده على حركة الجيم، ولأنه لا يتمكن في التصرف. انتهى. فجعله قسمًا واحدًا، ولم يذكر أنه أتى بمعنى نعم، وكذا صنع الصاغاني في "العباب" قال: بجل بمعنى حسب. قال الأخفش: هي ساكنة أبدًا، يقولون: بجلك، كما يقولون: قطك، إلا أنهم لا يقولون: بجلني كما يقولون: قطني؛ ولكن يقولون: بجلي وبجلي، أي: حسبي. قال لبيد:
بجلي الآن من العيش بجل
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وفي حديث بعض الصحابة: فألقى تمرات كن في يده وقال: بجلي من الدنيا. وقال طرفة:
ألا بجلي من الشراب ألا بجل
وفي حديث علي أنه لما التقى الجمعان يوم الجمل صاح أهل البصرة:
ردُّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
انتهى.
وقال ابن دريد قبلهما في "الجمهرة": بجل في معنى حسب، قال الراجز:
نحن بني ضبَّة أصحاب الجمل ردّوا علينا شيخنا ثّم بجل
انتهى. وقد حقق الرضي في شرح "الكافية" هذه الكلمة، وجعلها اسم فعل فقط. قال: ومنها، أي: من أسماء الأفعال: قدك، وقطك، وبجلك، وكان الأصل قدَّك وقطَّك، أي: اقطع هذا الأمر قطعًا، فهو في الأصل مصدر
[ ٢ / ٤٠٠ ]
مضاف إلى فاعل، فأقيم مقام الفعل، فبني وحذف المدغم فيه تخفيفًا، كما قلنا إن وضع الأسماء على التخفيف، وكذا بجلك، أي: اكتفاءك. يقال: أبجلني، أي: كفاني، إلا أن الضمير قد يحذف من بجل، بخلاف قد وقط، فمعنى قدك: اكتف، ومعنى قدني: لأكتف، ولم يصر حسب، وإن كان قريبًا منها في المعنى اسم فعل، بل هو معرب متصرف يقع مبتدأ وحالًا، ويجب نون الوقاية في قد وقط دون بجل. في الأعراف، لكونهما على حرفين دونه. انتهى كلامه. وهو غاية في الحسن، ومحصله: أن بجل إن اتصل به الكاف كان معناه: اكتف، أمر مخاطب، وإن لحقه الياء كان معناه: لأكتف؛ أمر متكلم نفسه، وكونها دالة على ما ذكره هو المتبادر الظاهر من موارد استعمالها والمطرد في كل موضع أتت فيه، وزعم بعضهم كالمصنف أنها بمعنى يكفي؛ فعلًا مضارعًا غائبًا، وهذا يحتاج إلى فاعل ظاهر، ولا يتيسر في بجلي، ولما رأوه كذلك اضطروا إلى جعله بمعنى حسب، وأثبتوا معنى ثانيًا لها، ولا ضرورة تدعو إليه مع أن حسبًا قريبة لمعنى يكفي، ولهذا لم يذكره الرضي حسمًا للانتشار من غير فائدة.
فإن قلت: إن علماء اللغة المتقدمين كابن دريد والأزهري والجوهري وغيرهم، إنما قالوا بجل بمعنى حسب، ولم يتعرضوا لمجيئها اسم فعل، فما وجهه؟
قلت: هو راجع إليه، وإنما عبروا بحسب لقرب المعنى تيسيرًا للفهم، وهم يتساهلون في تفسير بعض الألفاظ، ولما كان غرض النحويين متعلقًا بأحكام الكلمات دققوا النظر، فبينوا حقيقتها وفسروها بمعنى الفعل، وسموها اسم فعل، ولا يصح أن تكون موضوعة بمعنى حسب، لأن كلًا منهما لا يستعمل استعمال الآخر، أما حسب فإنها اسم معرب متصرف، يقع مبتدأ وخبرًا وحالًا ومجرورًا، وتدخل
[ ٢ / ٤٠١ ]
عليها العوامل اللفظية، وبجل على خلاف هذا، وإثبات هذه الأمور لها دونه خرط القتاد. وأما بجل فإن نون الوقاية تلحقها، وحسب لا تلحقها ولا في الندرة، ولا يجب لحاق نون الوقاية لبجل مع الياء، بل يجوز بمرجوحية، كما قال الرضي والمصنف؛ قال الرضي في "باب المضمر": يجوز إلحاق نون الوقاية في أسماء الأفعال لأدائها معنى الفعل، ويجوز تركها أيضًا لأنها ليست أفعالًا في الأصل، حكى يونس: عليكني، وحكى الفراء: مكانكني. انتهى. وقال الشاطبي في "شرح الألفية": حكى سيبويه في أسماء الأفعال: عليكني، وعليكي. وقد نص ابن مالك في "شرح التسهيل" على جواز إلحاق النون في اسم الفعل مطلقًا. انتهى.
وبما نقلناه يتعجب من قول الدماميني هنا: هذا مشكل، لأنها حيث تكون اسم فعل بمعنى يكفي فالنون واجبة لا نادرة، نعم إذا كانت بمعنى حسب جاز الأمران، إلا أن ترك النون أعرف من إثباتها، فندور: يجلني - بالنون - إنما هو إذا كانت بمعنى حسب لا بمعنى يكفي. هذا كلامه. وقول الرضي: إلا أن الضمير قد يحذف من بجل بخلاف قد وقط؛ يعني: قد تستعمل مجردة من إلحاق ضمير المتكلم والمخاطب كما في البيتين، فإن بجل الثانية تأكيد للأولى، وليس معها الياء، وكقول الآخر.
ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
يريد: بجلكم، أي: كفوا وانتهوا، وقوله: بخلاف قد قط؛ يرد عليه قول النابغة في الأول:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد
[ ٢ / ٤٠٢ ]
إلا أن يدعى أن الرواية: فقدي. ويرد عليه في الثاني قولهم: فقط، إلا أن يقول: تصرِّف فيها بزيادة الفاء.
وزعم العيني في قول طرفة أن بجل الثانية حرف بمعنى نعم، ومع هذا هي تأكيد لبجل الأولى. وفيه: إن بينهما تغاير نوعية، فكيف يؤكد أحدهما الآخر! وشذ ابن جني في إعرابه بجعل "بجل" هذه حرفًا. قال أبو حيان في "تذكرته": بجل بمعنى حسب، وهي اسم، وقال ابن جني في بعض كتبه: إنها حرف، وجرأه على ذلك تعريها من علامات الأسماء قاطبة، وليس في بجلي حجة، لأنك تقول: مني وعني، ويؤيد أنها حرف كونها في معنى حسب، ويليها الضمير مثلها وإن لم تتصرف تصرفها، وأما قول الشاعر:
لمَّا رأت معشرًا قلَّت حمولتهم قالت سعاد أهذا ما لكم بجلا
فيحتمل أن يكون منصوبًا على الحال، كأنه قال: أهذا ما لكم جميعًا، وقطعها عن الإضافة، ويجوز أن يكون حرفًا على رأي ابن جني، وحرك اللام للضرورة. انتهى كلام أبي حيان.
تتمة: قال أبو حيان بعد هذا: حسبك درهمان، الصحيح أنهما مبتدأ وخبر بدليل دخول الناسخ، قال تعالى: ﴿فإنَّ حسبك الله﴾ [الأنفال/ ٦٢] وقال الشاعر:
إني وجدت من المكارم حسبكم أن تلبسوا خزَّ الثِّياب وتشبعوا
وقال قوم: حسبك، مبتدأ، ودرهمان: مرتفع به سد مسد الخبر، كأنه قال: ليكفك درهمان. ومن قال هذا لم يقل: كان حسبك درهمين، لأن
[ ٢ / ٤٠٣ ]
كان لا تعمل في درهمين مع ارتفاعهما بحسبك، وتقول: هذا زيد حسبك من رجل، تنصبه على الحال. ورأيت رجلًا حسب، كأنك قلت: حسبي أو حسبك، كما تقول: جاءني زيد لا غير. انتهى.
والبيت آخر قصيدة عدتها في رواية ابن السكيت أربعة عشر بيتًا، وفي رواية أبي عمرو الشيباني اثنا عشر بيتًا، مطلعها:
لخولة بالأجزاع من إضمٍ طلل وبالسَّفح من قوِّ مقام ومحتمل
ثم ذكر زمن إقامتها به ودعا له بالأمطار، إلى أن قال:
متى تر يومًا عرصًة من ديارها ولو فرط حين تسجم العين أو تهل
وما زادك الشَّكوى إلى متنكِّرٍ تظلُّ به تبكي وليس به مظل
ألا إنَّما أبكي غداة ليقتها بجر ثم صادٍ إنَّ ما بعدها جلل
فقل لخيال الحنظلَّية ينقلب إليها فإنِّي واصل حبل من يصل
وإن جاء ما لابدَّ منه فمرحبا به حين يأتي لا كذاب ولا علل
فلا أعرفنِّي ما نشدتك ذمَّة كداعي هديلٍ لا يجاب ولا يمل
ألا إنَّني شربت أسود حالكًا البيت
قوله: لخولة بالأجزاع الخ. خوله: اسم امرأة، قال يعقوب: إضم: واد لأشجع وجهينة، وقو: واد يناوح البيضة، أي: يقابلها في دار نمير، والبيضة: قف غيظ أبيض. انتهى. وقال أبو عمرو الشيباني: الأجزاع: موضع والأجزاع في غير هذا المكان: الجوانب، وجزع كل شيء جانبه، وأما الجزع
[ ٢ / ٤٠٤ ]
بفتح الجيم، فهو خرز أبيض. والطلل: ما أشرف من آثار الديار، وكل ما رأيت شخصه فهو طلل، وما لم تر شخصه، ورأيت أثره فهو رسم. والأطلال أعلاه. والسفح: يريد سفح الجبل، وقو: موضع، ويقال: أقوت الدار، إذا أقفرت. والمقام هاهنا في البلدة والموضع، والمقامة: المجلس يقيم المقيم فيه، والموضع الذي يقومون فيه فيتكلمون، وإنما يريد الرجال، يقال: هذا مقامة قومه؛ للرجل إذا كان متكلم قومه. انتهى.
وقوله: متى تر يومًا الخ، هذا خطاب لنفسه، قال ابن السكيت: أي يقطر قطرًا لوقعه صوت، أي: ولو تقدم حول مضى. انتهى. وقال الشيباني: فرطه: حين بعد حين، تسجم: تسبق، يقال: سجمت عينه، إذا سألت بمائها، وأهلت عينه: إذا سألت بالماء. انتهى. والعرصة: مثل الساحة والفناء والناحية. وفرط: اسم من الإفراط، نصب على الظرف وأضيف إلى حين، وإنما قال: ولو فرط جين، لأنه إذا امتد الفراق دب السلو في الغالب.
وقوله: فما زادك الشكوى الخ. قال ابن السكيت: أي: أي شيء زادك؟ رسم متنكر، أو طلل متنكر؟ ومظل: موضع مقام. انتهى. وقال الشيباني: تظل به، أي: بالطلل، ومظل: ليس به مقام، أي: ليس بالمقام الذي يقام فيتكلم فيه. انتهى.
وقوله: ألا إنما أبكي الخ، قال يعقوب: ويروى "ليوم لقيته بجرثم قاسٍ" وقاس: من نعت اليوم، أي: صلب، يقول: كل ما بعد اليوم جلل، أي: هين لشدة ما لقيت فيه، وجرثم: موضع. انتهى. وقال الشيباني: يقول: كل ما لقيت بعد تلك الغداة فهو عندي صغير، وصاد: موضع. انتهى.
وقوله: فقل لخيال الحنظلية الخ. الحنظلية: هي خولة المذكورة، يشكرها على بقائها على العهد والوفاء بإرسال خيالها إليه في النوم للتفقد، وبهذا
[ ٢ / ٤٠٥ ]
القدر من الوصال قانع، يقول: أنا باق على العهد كما هي باقية. وروى الشيباني: "انقلب" بدل: "ينقلب" وقال: الخيال هنا: ما يرى في النوم، والخيال أيضا: ما رأيته من مكان بعيد مثل الشخص. والحبل: المودة، يقول: من وصلني وصلته. انتهى. ولم يكتب ابن السكيت هنا شيئًا، وقوله: وإن جاء ما لابد منه الخ. قال ابن السكيت: روى الطوسي: "إذا جاء" ويروى: "به واعترافًا لا كذابًا" أي: مما لابد منه، يعني الموت. انتهى وقال الشيباني: ويروى: "فمرحبًا به حين يأتي لا كذاب ولا علل" والاعتراف ههنا: الإقرار بالأمر، والتسليم للأمر، من قوله تعالى ﴿فاعترفوا بذنبهم﴾ [الملك/ ١١]، أي: أقروا، ويكون الاعتراف أيضًا من الضر. انتهى.
وكذاب: مصدر، وعلل: جمع علة.
وقوله: فلا أعرفني البيت، كذا روياه مقدمًا على البيت الشاهد، وكتب ابن السكيت: الهديل: الفرخ الذي كان على عهد نوح ﵇، وهلك. انتهى. وقال الشيباني: يقول: لا تكلفني إن نشدتك بالذمة ثم لا تجبيني، فيكون مثلي ومثلك كمثل الحمام التي تدعو فلا تجاب، والهديل والهدير واحد، وهو صوت الحمامة، ويقال: الهديل: فرخ الحمامة. انتهى.
وقد نهى طرفة نفسه، والمراد نهي مخاطبه، أي: فلا تجعلني كداعي هديل، فأقام المسبب وهو المعرفة مقام السبب وهو الجعل، وما: مصدرية ظرفية، ونشدتك: سألتك، والذمة هنا العهد، والداعي هنا: الحمامة تدعو هديلًا. زعمت العرب أن الهديل فرخ كان على عهد نوح ﵇، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا: فليس من حمامة إلا وهي تبكي عليه، قال الكميت في هذا المعنى:
وما من تهتفين به لنصرٍ بأقرب جابًة لك من هديل
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وقوله: ولا يمل، أي: ولا يمل الداعي من الدعاء.
وقوله: ألا إنني شربت أسود البيت، قال أبو زيد في "النوادر": يقال: ما سقاني فلان من سويد قطرة، وهو الماء يدعى الأسود، قال الشاعر:
ألا إنّني سقيت أسود حالكًا ألا بجلي من الشراب ألا بجل
يعني بالأسود: الماء، وبجلي: حسبي، ويقال: ما عنده طعام ولا شراب إلا الأسودان، وهما: الماء والتمر. انتهى. وسقيت بالبناء للمفعول. وقال ابن السكيت: ضربه مثلًا لفساد ما بينه وبينها، قال ابن الأعرابي: يعني كأس المنية، وقيل: يقول: كأني سقيت سمًا. وروى أبو عمرو: "ألا بجلي من النبيط ألا بجل" قال: وهي الحياة. انتهى. وروى الشيباني: "ألا بجلي من الحياة ألا بجل" وقال: روى خالد بن كلثوم: "ألا إنني سقيت أسود حالكًا" يعني: السم، وإنما أراد: شربت سمًا أسود حالكًا، ويروى: "ألا بجلي من الشراب ألا بجل" وبجلي: حسبي، قال الشاعر:
ألا ليت شعري هل لك الدّهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
أي: حسبي. انتهى. ولا يخفى أن معنى البيت ليس على ما ذكره أبو زيد، وإنما معناه: إذا جاءني الموت استقبلته بانشراح قلب وطيب نفس، فإنه سهل بالنسبة إلى ما قاسيته في حبها، وجرّعته من سموم هجرها، فلا حاجة لي إلى حياة مع هذه المقاساة.
و"ألا" في الموضعين للاستفتاح، يستفتح بها الكلام الذي له شأن وغرابة، وينبه به السامع حتى يصغي له، ويعرف أن مضمون الجملة بعد "ألا" محقق. وقول العيني إن ألا هنا للتوبيخ والإنكار، كما في:
[ ٢ / ٤٠٧ ]
ألا ارعواء لمن ولَّت شبيبته
كلام من لم تصل يده إلى العنقود.
وطرفة بن العبد: شاعر جاهلي، وطرفة بفتح الطاء والراء، وهو طرفة ابن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل الوائلي، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو أجودهم طويلة، وله شعر حسن، وليس عند الرواة من شعره وشعر عبيد إلا القليل، وكان في حسب من قومه، جرئيًا على هجائهم وهجاء غيرهم، وهجا ملك الحيرة عمرو بن هند، فقتله شابًا، وذكرنا وجه قتله في ترجمة المتلمس في الإنشاد السابع والثلاثين بعد المائة، وقالت أخته ترثيه:
عددنا له خمسًا وعشرين حجَّة فلَّما توّفاها استوى سيِّدًا ضخما
فجعنا به لمّا انتظرنا إيابه على خير حالٍ لا وليدًا ولا قحما
والحجة، بكسر الحاء: السنة، وتوفاها: أكملها، والقحم: الهرم.
* * *
تم الجزء الثاني من الكتاب
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث
ويبدأ بالإنشاد ١٦٥ من شواهد (بل)
[ ٢ / ٤٠٨ ]
بل
أنشد فيها، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد المائة:
(١٦٥) بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه
على أن بل فيه حرف ابتداء داخلة على الجملة، وبلد: مجرور برب المضمرة لا بـ "بل". قال المرادي في "الجنى الداني": ذكر بعضهم لـ "بل" قسمًا آخر وهو أن يكون حر جر خافض للنكرة بمنزلة رب، كقول الراجز:
بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه
ولي ذلك بصحيح، وإنما الجار في البيت ونحوه رب المحذوفة، وحكى ابن مالك وابن عصفور الاتفاق على ذلك، فظهر وهم من جعل بل جارة، قال بعضهم: وبل في ذلك حرف ابتداء. انتهى.
وعدّ ابن عصفور حذف رب وبقاء عملها من ضرائر الشعر.
والبيت من رجز طويل لرؤبة بن العجاج، عدته أربعمائة وخمسة وثلاثون بيتًا، مدح به أبا العباس السفاح أول الخلفاء العباسية، وأوله:
قلت لزيرٍ لم تصله مريمه ضلِّيل أهواء الصِّبا يندِّمه
هل تعرف العهد المحيل أرسمه عفت عوافيه وطال قدمه
ثم وصف العهد بعد هذا بتسعة وعشرين بيتًا، وقال:
بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه لا يشتري كتَّانه وجهرمه
ثم وصف هذا البلد، ووصف الناقة التي توصله إليه بعد هذا بثلاثين بيتًا، وقال:
[ ٣ / ٣ ]
قطعت أمَّا قاصدًا تيمُّمه إلى ابن مجدٍ لم يخرِّق أدمه
ثم وصفه بثلاثة وعشرين بيتًا، وقال:
وقلت مدحًا من طرازي معلمه قوَّمته حتَّى استقام أقومه
لملكٍ في إرث مجدٍ قدمه من آل عبَّاسٍ تسامى أنجمه
قال أبو حاتم في شرح "ديوان رؤبة" يقال: هو زير نساء، وحدث نساء: إذا كان يكثر من زيارتهن ويحدثهن. انتهى.
وجملة "لم تصله مريمه" في موضع جر صفة لزير، ومريم: من أسماء النساء، وأضافها إليه لأنها حبيبته" وضليل: مبالغة ضال، وأهواء: جمع هوى مصدر هويته من باب تعب؛ إذا أحببته وعلقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء ثم استعمل في ميل مذموم، فيقال: اتبع هواه وهو من أهل الأهواء كذا في "المصباح" والصبا، بالكسر والقصر: الصغر، مصدر صبي كرضي أي: فعل فعل الصبيان. يندّمه: يوقعه في الندامة، وضّليل: مبتدأ، وجملة "يندّمه" خبر، والجملة في موضع جر صفة ثانية لزير، والهاء ضمير زير، يقول: يوقعه في الندامة من ضل في أهواء الصبا ويعذله في عشقه إياها، ويقل له: اقطع من قطعك، ولا تطلب وصل من هجرك، وهذا الكلام أشد لإغرائه، كما قيل:
لا تعذليه فإنَّ العذل يولعه .
وقوله: هل تعرف العهد .. الخ: هذا مقول القول، وإنما سأله بعد وصفه.
[ ٣ / ٤ ]
بما ذكر، لأن مثل ذلك العاشق المهجور ليس له شغل غير التردد في منازل الأحباب، والبكاء والتوله عند تذكرها، ومشاهدة آثارها، فهو أعرف من غيره لأطلالها ورسومها.
والعهد هنا: المنزل، في "القاموس": العهد: المنزل المعهود به الشيء، كالمعهد، والمحيل، اسم فاعل من أحال، وهو الذي أتى عليه الحول، وأرسمه: فاعل المحيل، جمع رسم، وهو الأثر بلا شخص، والطلل: ما شخص من أعلام الدار، ووصف المنزل بهذا والذي بعده لإثارة حزنه وتهييج وجده، لخلوه ممن يحب، وتغيُّره بقدم الأيام، واضمحلال رسومه وأطلاله. وقوله: عفت عوافيه .. الخ، يقال: عفى المنزل: درس وذهبت آثاره، وقال أبو حاتم: أي درس ما درس منه، كقولك: خرجت خوارجه، أي: خرج ما كان داخلًا، عوافيه: دوارسه وواحد العوافي: عافية، ومعنى عافية: دارسة. انتهى.
وقوله: بل بلد الخ، بل للإضراب، أضرب عن السؤال عن ذلك العهد، وتركه واستأنف الكلام، وابتدأ بكلام آخر ووصف فيه قطع المفاوز وتحمل المشاق حتى وصل إلى ممدوحه. وبلد: مجرور برب مقدرة، والبلد هنا: القفر، يقول: كثيرًا من المفاوز والقفار سلكتها. والفجاج: جمع فج، وهو الطريق الواسع بين جبلين. والقتم، بفتحتين: الغبار، لغة في القتام. وملء: مبتدأ، وقتمه: خبره، والجملة صفة لـ "بلد"، وكذلك جملة: لا يشتري كتانه.
قال أبو حاتم: يقول: له سبائب من السراب لا يشتري. والجهوم: البساط من الشعر، والجميع جهارم. انتهى. قال الأزهري في "التهذيب": قال أبو عبيد عن أبي عمرو: والسُّبوب: الثياب الرقاق، واحدها سبّ بالكسر، وهي السبائب، واحدها سبيبة، وأنشد:
ونسجت لوامع الحرور سبائبًا كسرق الحرير
[ ٣ / ٥ ]
وقال شمر: السبائب: متاع كتانٍ يجاء بها من ناحية النيل، وهي مشهورة بالكرخ عند التجار، ومنها ما يعمل بمصر، وطولها ثمان في ست. انتهى. وقال أبو القاسم علي بن حمزة البصري فيما كتبه على "نوادر أبي عمرو الشيباني": قال أبو عمرو: غلط رؤبة في قوله: "لا يشتري كتانه وجهرمه". إنما جهرم اسم بلد فظنه ثيابًا، وقال الأصمعي: هذا مثل، يقول: له سبائب تجري عليه من آله وسرابه، وهي لا تشترى، وجهرم: قرية بفارس، فظن أن جهرم ثياب، وإنما أراد رؤبة: كتانه وجرميِّه، فقطع ياءي النسب، كما قال العجاج:
يكاد يدري القيقبان المسرجا
والقيقب: خشب تتخذ منه السروج، وأراد أن ينسب السرج إليه، فيقول: القيقباني، فقطع ياءي النسب. انتهى.
وأوله أبو علي في "المسائل البصرية" بتقدير مضاف، قال: أي: ونسج جهرمه: وقال أيضًا في "الإيضاح": جهرم هنا جمع جهرمي، وأضيف إلى الضمير وقال شارح شواهده: أنشده على أن جهرمه يصلح أن يحمل محمل الأول، وهو كتانه، وأن يكون على حذف المضاف، أي: وبسط جهرم، والجهرمية: بسط شعر تنسب إلى جهرم؛ قرية بفارس، فيكون جهرم جمعًا، ولذلك أضيف. وقال أبو حاتم والزيادي: الجهرم: البساط من الشعر، والجمع جهارم، ولا شاهد فيه على هذا. انتهى. قال أحد شراح "الإيضاح": فأما تسويغه
[ ٣ / ٦ ]
أن يكون على تقدير مضاف محذوف فبيَّن، لأن جهرمًا فيما ذكره الطوسي قرية بفارس ينسب إليها نوع من البسط تتخذ من الشعر، فكأنه قال: وبسط جهرميَّة. وأما تسويغه أن يكون مما جمع بحذف ياءي النسب منه، ففيه إشكال من جهة أن العرب لا تفعل ذلك في المنسوب إلى أسماء الأماكن، ألا ترى أنهم لا يقولون في جمع عراقي وحلبي وبغدادي: عراق، ولا حلب، ولا بغداد، وإنما يفعلون ذلك في المنسوب إلى أسماء الأجناس، نحو: روم وعرب، وإنس وجن. فأما قولهم: هندي، وهند، فإنهم لم ينسبوا إلى هند حتى صيروه اسمًا للجيل، واستدل على ذلك أبو الحسن الأخفش في الكبير له بأنك تقول: هؤلاء هند، قال: وليس ذلك في نية حذف مضاف، إذ لو كان على ذلك لروعي لفظ المثبت، فقيل: هذه هند، كما يقال: هذه القرية فعلت كذا، فلما قالوا: هؤلاء، دل ذلك على أنهم صيروا هندًا اسمًا للجيل، كما أنهم صيروا تميمًا اسمًا للحي، قالوا: هؤلاء تميم، ولو كان على حذف مضاف خاصة لقالوا: هذا تميم، كما يقولون: المسجد صلى، يريدون أهل المسجد. والجواب عن ذلك أن يقال: جهرمي وجهرم، بمنزلة هندي وهند، لأن أبا حاتم والزيادي زعما أن الجهرم أيضًا البساط من الشعر، وجمعه جهارم، فإنما نسب إلى جهرم بعد أن جعلت اسمًا لهذا الصنف من البسط المصنوع بها، كما نسب للهند بعد أن جعلت اسمًا لأهلها، فجاز أن يقال في جمع جهرمي: جهرم، كما جاز أن يقال في جمع هندي: هند.
وذهب ابن يسعون إلى أنه لا يحتاج إلى حمل "جهرمية" على حذف ياءي النسب، أو تقدير مضاف محذوف على ما حكاه أبو حاتم والزيادي، من أن جهرمًا اسم للبساط نفسه، وذلك باطل، لأن المعنى على الجمع، وذلك لا يتصور إلا بتقدير مضاف محذوف يدل على الجمع، أو حذف ياءي النسب، وأما ما ذهب إليه بعضهم
[ ٣ / ٧ ]
من أنه أراد: كتانه وجهرميه، فحذف ياءي النسب وهو يريدهما، فليس بشيء، لأن حذفهما على هذا الوجه ليس بقياس، وإنما هو من قبيل ضرورة الشعر. انتهى كلام شارح أبيات "الإيضاح".
وقوله: قطعت أمّا الخ، هذا جواب رب، وهو العامل في محل بلد، النسب على المفعولية، وقدم عليه وجوبًا لأنه مجرور بحرف واجب التصدّر، لتضمنه لإنشاء التكثير، وإليه أشار المصنف بقوله: بل رب بلد موصوف بهذا الوصف قطعته، وكان ينبغي: قطعت، لكنه سهل، لأنه لم يستحضر البيت. وقطع البلد والأرض: سلوكها بالمشي. قال شارح شواهد "الإيضاح": وأمّا، أي: قصدًا لم أتعرض لغيره، وتيممه قصده. ويروى: "تأسمه" وهو مرتفع بقاصد الذي هو من صفة الأم، وإضافة التأمم إلى الحدث مجاز، وهو يريد صاحبه. انتهى.
وقوله: إلى ابن مجد: جعل الممدوح لعلو شأنه، ورفعة مكانه، ابن مجد، وأدمه: عرضه، أي: لم يطعن في عرضه بشيء. وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس عشر.
وقد حظي الأصمعي عند هارون الرشيد بروايته لهذا الرجز، وروى السيد المرتضى، ﵁ في "أماليه" بسنده إلى الأصمعي أنه قال: تصرفت بي الأسباب على باب الرشيد مؤملًا الظفر به والوصول إليه حتى أني صرت لبعض حرسه خدينًا، فإني في بعض ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد، إذ خرج خادم فقال: أما بالحضرة أحد يحسن الشعر؟ فقلت: الله أكبر! رب قيدٍ مضيِّق قد حلّه التيسير! فقال لي الخادم: ادخل، فلعلها أن تكون ليلة
[ ٣ / ٨ ]
يعرِّس في صاحبها الغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين، فدخلت فواجهت الرشيد في مجلسه، والفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف بي الخادم بحيث يسمع التسليم، فسلمت فرد علي السلام، ثم قال: يا غلام أرحه ليفرح روعه إن كان وجد للروعة حسًا، فدنوت قليلًا، ثم قلت: يا أمير المؤمنين: إضاءة مجدك، وبهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك، فقال: أدن، فدنوت، فقال: أشاعر أم رواية؟ فقلت: رواية لكل ذي جد وهزل بعد أن يكون محسنًا، فقال: تالله ما رأيت ادعاء أعظم من هذا، فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عناني يا أمير المؤمنين، فقال: "قد أنصف القارة من راماها"، ثم قال: ما المعنى في هذه الكلمة؟ فقلت: فيها قولان: القارة هي الحرة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة، والملك إذ ذاك أبو حسان، فواقف عسكره عسكر السُّغد، فخرج فارس من السغد وقد وضع سهمه في كبد قوسه، فقال: أين رماة العرب، فقالت العرب: "قد أنصف القارة من راماها" فقال لي الرشيد: أصبت، ثم قال: أتروي لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئًا؟ فقلت: هما شاهدان لك بالقوافي، وإن غيبًا عن بصرك بالأشخاص. قال: أنشدني:
أرَّقني طارق همِّ أرَّقا
فمضيت فيها مضي الجواد في سنن ميدانه، تهدر به أشداقي، فلما صرت إلى مديحه لبني أمية ثنيت لساني إلى امتداحه لأبي العباس في قوله:
قلت لزيرٍ لم تصله مريمه
[ ٣ / ٩ ]
فلما رآني قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرة أم عن عمد؟ قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به جدك من مجده، فقال الفضل: أحسنت! بارك الله فيك، مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس! فلما أتيت على آخرها قال لي الرشيد: أتروي كلمة عدي بن الرقاع:
عرف الدِّيار توهُّما فاعتادها ؟
قلت: نعم، قال: هات، فمضيت فيها، حتى إذا صرت إلى وصف الجمل، قال لي الفضل: ناشدتك بالله أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر في ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال الرشيد: اسكت، فالإبل هي التي أخرجتك من دارك، واستلبت تاج ملكك، ثم ماتت وعملت جلودها سياطًا، ضربت بها أنت وقومك، فقال الفضل: لقد عوقبت على غير ذنب والحمد لله، فقال الرشيد: أخطأت، الحمد لله على النعم، ولو قلت: أستغفر الله كنت مصيبًا. ثم قال لي: امض في أمرك، فأنشدته، حتى إذا بلغت إلى قوله:
تزجي أغنَّ كأنَّ إبرة روقه ..
استوى جالسًا، ثم قال: أتحفظ في هذا ذكرًا؟ قلت: نعم، ذكرت الرواة أن الفرزدق قال: كنت في المجلس، وجرير إلى جانبي، فلما ابتدأ عدي في قصيدة، قلت لجرير مسرًّا إليه: هلم نسخر من هذا الشامي، فلما ذقنا كلامه يئسنا منه، فلما قال: تزجي أغن كأن إبرة روقة .. وعدي كالمستريح، قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلًا؟ فقال الفرزدق: يا لكع إنه يقول:
قلمٌ أصاب من الدَّواة مدادها
فقال عدي: قلم أصاب من الدواة مدادها.
[ ٣ / ١٠ ]
فقال جرير: أكان سمعك مخبوءًا في صدره؟ ! فقال له: اسكت، شغلني سبك عن جيد الكلام! فلما بلغ إلى قوله:
فلقد أراد الله إذ ولّاكها من أمَّةٍ إصلاحها ورشادها
قال الرشيد: ما تراه قال حين أنشد هذا البيت؟ قلت: قال: كذاك أراد الله، فقال الرشيد: ما كان في جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ما شاء الله، قلت: وكذا جاءت الرواية، فلما أتيت على آخرها قال: أتروي لذي الرمة شيئًا، قلت: الأكثر، قال: فما أراد بقوله:
ممرُّ أمرتَّ فتله أسديَّةٌ ذراعيَّةٌ حلَّالةٌ بالمصانع
قلت: وصف حمار وحش أسمنه بقل روضه تواشجت أصوله، وتشابكت فروعه، من مطر سحابة كانت بنوء الأسد، ثم في الذراع من ذلك، فقال الرشيد: أرح فقد وجدناك ممتعًا، وعرفناك محسنًا، ثم قال: أجد ملالة، ونهض، فأخذ الخادم يصلح عقب النعل في رجله، وكانت عربية، فقال الرشيد: عقرتني يا غلام، فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم، أما إنها لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلمة! فقال الرشيد: هذه نعلي ونعل آبائي، كما نعارض فلا تترك من جواب ممض! ثم قال: يا غلام، يؤمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل في ليلته هذه، ولا يحجب في المستأنف، فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين، ولا يأمر فيه غيره، لأمرت لك بمثل ما أمرت لك، وقد أمرت لك به إلا ألف درهم، فتلق الخادم صباحًا. قال الأصمعي: فما صليت من غد إلا وفي منزلي تسعة وخمسون ألف درهم.
[ ٣ / ١١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد المائة:
(١٦٦) وجهك البدر لا بل لا شمس لو لم يقض للشمس كسفةٌ أو أفول
على أنه يزاد "لا" قبل "بل"، بعد الإيجاب لتوكيد الإضراب، وبل عاطفة عند البصريين خلافًا للكوفيين، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": فإن قلت: الدليل على أن بل يعطف بها بعد الإيجاب، قول الشاعر:
وجهك البدر لا بل الشمس البيت
وقول الآخر:
وكأنّما اشتمل الضّجيع بريطةٍ لا بل تزيد وتارةً وليانا
ألا ترى أن قوله: وجهك البدر، جملة إيجابية، وكذلك: وكأنما اشتمل الضجيع بريطة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عبادٌ مكرمون) [الأنبياء/ ٢٦] فاتخذ الرحمن ولدًا: جملة إيجابية؛ فالجواب: إن لهم، أي: للكوفيين، أن يتأولوا ذلك بأن قول الشاعر: "لا" رد لقوله: وجهك البدر، فكأنه قال: ليس وجهك البدر، وكذلك البيت الثاني، كأنه قال: لم يشتمل بريطة، فإن موضوع "لا" للنفي، وهي رد للإيجاب الذي قبلها. وأما الآية، فلهم أن يقولوا: إن قوله سبحانه تضمن نفي الولد، لأنه تنزيه وبراءة لله تعالى من اتخاذ الولد، فلما كان معناه النفي كأنه قيل: ليس لله ولد جاء، بل عباد مكرمون، وكون الكوفيين، وهم أوسع من البصريين في إتباع شواذ كلام العرب، يذهبون إلى أن بل لا تجيء إلا بعد نفي أو ما جرى مجراه، ولا تجيء بعد إيجاب؛ دليل على عدم سماعه من العرب، أو على قلة سماعه. ونقول على طريقة البصريين: إن وقع بعد بل جملة كانت إضرابًا عما قبلها على جهة الإبطال له، وإثباتًا لما بعدها، كقوله تعالى: ﴿أم يقولون به جنيةٌ، بل جاءهم بالحقِّ﴾ [المؤمنون/ ٧٠] أو على جهة الترك من
[ ٣ / ١٢ ]
غير إبطال، كقوله تعالى: ﴿ولدينا كتابٌ ينطق بالحقِّ وهم لا يظلمون. بل قلوبهم في غمرةٍ من هذا﴾ [المؤمنون/ ٦٢، ٦٣] ولا تكون إذ ذاك عاطفة، لأنك لما أضربت وأثبت، صار المضروب عنه كأنه لم يذكر، وصارت هي أول الكلام المثبت، وإن وقع بعدها مفرد فما قبلها يكون إما موجبًا أو أمرًا، فتضرب بها عنه وتثبته للمعطوف، أو نفيًا أو نهيًا، فتقدر بعد النفي موجبًا، وبعد النهي أمرًا. انتهى كلام ابن حيان.
والبيت من التشبيه المشروط، كقوله:
عزماته مثل النجوم ثواقبًا لو لم يكن للثاقبات أفول
والقضاء هنا: الحتم، والكفة: المرّة من الكسوف، قال الأزهري: يقال: كسفت الشمس، إذا ذهب ضوؤها، وكسف القمر: إذا ذهب ضوؤه، قال صاحب "المصباح": كسفت الشمس من باب ضرب كسوفًا، وكذلك القمر، قاله ابن فارس والأزهري، وقال ابن القوطية: كسف القمر والشمس والوجه: تغيرّن، والأفول: غيبوبة النجم وغيره، قال صاحب "المصباح": أفل الشيء أفلا وأفولًا، من بابي ضرب وقعد: غاب.
وهذا البيت والذي بعده مذكوران في شروح "التسهيل" غفلًا، ولي مدة في
[ ٣ / ١٣ ]
الفحص عن قائلهما وأصلهما بمراجعة دواوين العرب والمحدثين والمجاميع، ولعل الله تعالى يظفرني بالمطلوب.
وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع والستون بعد المائة:
(١٦٧) وما هجرتك لا بل زادني شغفًا هجرٌ وبعدٌ تراخى لا إلى أجل
على أن "لا" تزاد بعد النفي لتوكيد تقرير ما قبلها، وليست بل للعطف هنا باتفاق أهل البصرة والكوفة، لأن ما بعدها جملة، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": ذهب ابن درستويه في "الهداية" أنه يزاد "لا" على بل بعد الإيجاب لا بعد النفي، لأنها حرف نفي، فأغنى عنها تقدم حرف النفي، ففي الإيجاب نحو: جاءني زيد بل عمرو، ويجوز لا بل عمرو، وفي النفي: ما قام زيد بل عمرو، ليس إلا. وذهب الجزولي إلى أنها تزاد بعد الإيجاب والأمر والنفي والنهي، وهي معها في الإيجاب والأمر نفي، وفي النهي والنفي
[ ٣ / ١٤ ]
تأكيد، فإن قلت: كيف تكون نافية للأمر، والأمر لا يدخل عليه أداة نفي؟ فالجواب: إنّ "لا" تكون مثل "لا" النافية إذا قلت: اضرب زيدًا لا بل عمرًا، فكأنك قلت: لا تضربه بل اضرب عمرًا، وجعلها نافية بالنظر إلى المعنى، وإذا قلت: ما قام زيد، لا بل عمرو، تكون تأكيدًا للنفي المتقدم، ولا تكون نافية، لأن نفي النفي بأداة نفي ليس من كلام العرب، وكذا في: لا تضرب زيدًا، لا بل عمرًا، هي تأكيد لمعنى النفي الذي يدل عليه أداة النهي، ولا تكون على غير التأكيد لما تقدم في النفي. قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه من زيادة "لا" على "بل" في النفي والنهي لا ينبغي أن يقال به، إلا أن يشهد له السماع، لأن الجمع بين أداتي نفي على جهة التأكيد قليل في كلام العرب. انتهى. وما ذهب إليه ابن درستويه واستبعده ابن عصفور مسموع من لسان العرب، قال الشاعر في النفي: "وما سلوتك لا بل زادني شغفًا البيت" ومن زيادتها بعد النهي قول الآخر:
لا تملَّنَّ طاعة الله لا بل طاعة الله ما حييت استديما
ومن زيادتها في الموجب البيتان السابقان: وجهك البدر، وقوله: وكأنما اشتمل الضجيع. ويقال في لا بل: نابن، بإبدال اللامين نونًا، و: نابل، و: لابن، بإبدال إحدى اللامين نونًا. انتهى كلام ابن حيان. وقول المصنف: ويزاد قبلها لا، يعني: يزاد قبل "بل" "لا" سواء كانت عاطفة أم لا، فيرجع الضمير إلى بل المطلقة لا المقيدة بالعطف، وإن كان ظاهر كلامه موهمًا. وتمسك به بعض من كتب على هذا الكتاب، وهو الشيخ محمد الحموي، فاعترض على المصنف فقال: أنت خبير بأن بل في هذا البيت غير عاطفة، لدخولها على الجملة، والكلام في زيادة "لا" قبل "بل" العاطفة، لأن الضمير من قول المصنف: وتزاد "لا" قبلها لتوكيد الإضراب بعد الإيجاب، عائد إلى بل العاطفة، وكذلك الضمير من قوله: ولتوكيد تقرير ما قبلها
[ ٣ / ١٥ ]
بعد النفي، عائد إلى بل العاطفة، لأن غير العاطفة لا تقرّر ما قبلها، بل إما أن تفيد إبطاله، وإما أن تقيد الانتقال منه إلى غرض آخر، فليتأمل.
هذا كلامه، وتأملناه فوجدنا قوله: لأن غير العاطفة لا تقرر ما قبلها، ممنوعًا، لأن ما قبلها إن كان موجبًا كالآيتين أبطلت إيجابه، وإن كان منفيًا، نحو: ما قام زيد بل قعد، كانت لتقرير ما قبلها على حاله، فإذا قلت: ما قام زيد لا بل قعد، كانت لتأكيد التقرير، وإن شئت قلت: لتقرير التأكيد.
وهذا البيت أيضًا لم أظفر بقائله وأصله إلى الآن، يسر الله تعالى ذلك.
والكاف من هجرتك، مكسورة. وزاد: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما الياء، وثانيهما شغفًا، وهو مصدر شغفه الحب، كمنعه: أصاب شغافه، والشغاف كسحاب: غلاق القلب أو حجابه أو جنَّته أو سويداؤه. وهجر: فاعل زادني وتراخى: فعل ماض بمعنى تطاول وامتد، وروي بدله: تمادى، بمعناه، والأجل هنا: المدة.
بيد
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد المائة:
(١٦٨) ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب
على أن ابن مالك قال: بيد في ذلك الحديث على حد "غير" في هذا البيت. قال الدماميني في "المزج": هذا البيت عند أهل البديع من تأكيد المدح بما يشبه الذم، ووجهه في الحديث: أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال، فذكر
[ ٣ / ١٦ ]
أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شيء مما قبلها، فإذا وليها صفة مدح، جاء التأكيد لما فيه من المدح والإشعار بأنه لم يجد صفة ذم يثبتها، فاضطر إلى استثناء صفة مدح، وتحويل الاستثناء إلى الانقطاع، ووجهه في البيت من جهتين: إحداهما ما تقدم، والأخرى أنه كدعوى الشيء ببينة، إذ معناه إثبات شيء من العيب للممدوحين على تقدير كون فلول السيف من مضاربة الجيوش عيبًا فعلق نقيض المدَّعى، وهو إثبات شيء من العيب بالمحال، والمعلق بالمحال محال، فعدم العيب متحقق، فالبيت يفارق الحديث في هذه الجهة الأخيرة، ويشاركه في الأولى، وباعتبارها قال على حد قوله. انتهى. وكلام ابن مالك مبسوط في كتابه: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" أورد قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد كلُّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا" وقال: بيد معنى غير، والمشهور استعمالها متلوّةً بأن، كقوله ﷺ: "نحن الآخرون السابقون من قبلها، وأوتيناه من بعدهم" ومنه قول الشاعر:
بيد أن الله قد فضَّلكم فوق من أحكي بصلبٍ وإزار
وقول الراجز:
عمدًا فعلت ذاك بيد أنِّي إخال لو هلكت لم ترنِّي
[ ٣ / ١٧ ]
والأصل في رواية من روى: "بيد كل أمة": بيد أنّ كل أمة، فحذفت أنّ وبطل عملها، وأضيف "بيد" إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي أنّ، وهذا الحذف في أنّ نادر، لكنه غير مستبعد في القياس على حذف أن، فإنهما أختان في المصدرية، وشبيهتان في اللفظ، وقد حمل بعض النحويين على حذف أنّ قول الزبير:
فلولا بنوها حولها لخطبتها
ومما حذف فيه أن واكتفي بصلتها قوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ [الروم/ ٢٤] والأصل: أن يريكم، لأن الموضع موضع مبتدأ خبره: من آياته.
والمختار عندي في "بيد" أن تجعل حرف استثناء، ويكون التقدير: إلا كل أمة أوتوا الكتاب من قبلنا، [على معنى لكن] لأن معنى إلا مفهوم منها، ولا دليل على اسميتها. انتهى كلامه.
وهذا البيت استشهد به سيبويه على أن نصب غير بالاستثناء المنقطع، وشرحه الرضي أحسن شرح، وهو عند علماء البديع قاعدة تأكيد المدح بما يشبه الذم وأورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى ﴿لئّلا يكون للناس عليكم حجَّة إلّا الذين ظلموا منهم﴾ [البقرة/ ١٥٠] على أن الآية أشبه بتأكيد الذم بما يشبه المدح عكس البيت، فإن إطلاق الحجة على الذين ظلموا ذم في صورة مدح.
والفلول: جمع فل، بفتح الفاء، وهو كسر في حد السيف، وسيف أفل بين الفلل، يقال: فلّه فانفل، وفللت الجيش، أي: كسرتهم وهزمتهم، وفلُّ الجيش
[ ٣ / ١٨ ]
بفتح الفاء أيضًا: الهارب منهم قل أو كثر، والقراع: المضاربة، مصدر قارعه، وقرعته بالمقرعة؛ إذا ضربته بها، والكتائب: جمع كتيبة، وهي الطائفة المجتمعة من الجيش.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر من ملوك الشام الغسانيين، ويقال لهم: بنوجفنة، وذلك لما هرب من النعمان بن المنذر اللخمي من ملوك الحيرة، وليس الممدوح بها النعمان بن الحارث، لأن النابغة صرح باسمه بقوله:
عليَّ لعمروٍ نعمةٌ بعد نعمةٍ لوالده ليست بذات عقارب
ومطلع القصيدة:
كليني لهمِّ يا أميمة عازب وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
وشرحناه شرحً مفصلًا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة من شواهد الرضي وبعد خمسة أبيات قال:
حلفت يمينًا غير ذي مثنويَّةٍ ولا علم إلَّا حسن ظنِّ بصاحب
لئن كان للقبرين قبرٍ بجلَّقٍ وقبرٍ بصيداء التي عند حارب
وللحارث الجفنيّ سيِّد قومه ليلتمسن بالجمع أرض المحارب
البيت الأول من شواهد سيبويه، أنشده بنصب ما بعد إلا على الاستثناء المنقطع، لأن حسن الظن ليس من العلم، ورفعه جائز على البدر من موضع العلم، وإقامة الظن مقام العلم اتساعًا، والمثنوية: الاستثناء في اليمين، ولم يذكره
[ ٣ / ١٩ ]
صاحبا "الصحاح" و"القاموس" وذكره الزمخشري في "الأساس" يقول: حلفت غير مستثن في يميني ثقة بفعل هذا الممدوح، وحسن ظن به، وأراد بالصاحب: الممدوح. وروى أبو عبيدة: "وما ذاك إلا حسن ظن بصاحب" فلا شاهد فيه، وجملة المصراع الثاني معترضة بين القسم وجوابه.
وقوله: لئن كان للقبرين .. الخ، اللام: موطئة للقسم، وطأت الجواب الذي بعد الشرط للقسم. وجملة ليلتمسن: هو الجواب، وجواب الشرط محذوف للاستغناء عنه بجواب القسم، واسم كان ضمير عمرو الممدوح. وأراد بالقبرين: المقبورين؛ الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر وهو الجفني الآتي ذكره. يقول: لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين ليمضين أمره، وليلتمسنَّ أرض من حاربه. وجلَّق: الشام، وصيداء: مدينة بالساحل قريبة منها، وحارب جبلٌ.
وقوله: وللحارث الجفني، بفتح الجيم: نسبة إلى جفنة بن عمرو مزيقياء ابن عامر بن ماء السماء، والجمع: جموع العساكر، وبعده:
لهم شيمةٌ لم يعطها الله غيرهم من الناس والأحلام غير عوازب
محلَّتهم ذات الإله ودينهم قويمٌ فما يرجون غير العواقب
وثقت لهم بالنَّصر إذ قيل قد غزا قبائل من غسّان غير أشائب
بنو عمِّه دنيًا وعمرو بن عامرٍ أولئك قومٌ بأسهم غير كاذب
إذا ما غزوا بالجيش حلَّق فوقهم عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
يصانعنهم حتَّى يغرن مغارهم من الضّاريات بالدِّماء الدَّوارب
لهنَّ عليهم عادةٌ قد عرفنها إذا عرِّض الخطِّي فوق الكواثب
[ ٣ / ٢٠ ]
جوانح قد أيقنَّ أنَّ قبيله إذا ما التقى الجيشان أوَّل غالب
تراهنَّ خلف القوم زورًا عيونها جلوس الشُّيوخ في مسوك الأرانب
على عارفاتٍ للطّعان عوابسٍ بهنَّ كلومٌ بين دامٍ وجالب
إذا استنزلوا عنهنّ للطَّعن أر قلوا إلى الموت إر قال الجمال المصاعب
ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم البيت
قوله: والأحلام غير عوازب، أي: لا تعزب ولا تبعد عقولهم عنهم، يعني: لا تغيب عنهم كما تعزب الماشية عن أهلها.
وقوله: محلتهم ذات الإله .. الخ. بالحاء المهملة، أي: مسكنهم، قال الأصمعي: أي منزلتهم بيت المقدس وأرض الشام، ومنازل الأنبياء القدس. وروى أبو عبيدة: "مجلتهم" بالجيم" يريد: كتابهم الإنجيل، وكانوا نصارى، وكل كتاب عند العرب مجلة، لأنه يجل. وروي أيضًا. "مخافتهم"، يريد: يخافون أمر الله تعالى، وذات الإله: كتابه. وقويم: مستقيم فما يرجون، أي: ما يطلبون إلا عواقب أمورهم. وقوله: غير أشائب، أي: كلهم صميم. والأشائب: الأخلاط، أي: مختلطون بغيرهم. وقوله: بنو عمه دنيًا .. الخ، هو من أبيات "أدب الكاتب" قال ابن السيد في شرحه: أراد بقوله دنيًا: الأدنين من القرابة، يروى بكسر الدال وضمها، فمن كسر جاز أن ينوّن، وأن لا ينون، ومن ضمّ لا ينون، لأن ألف فعلى كحبلى لا تكون أبدًا إلا للتأنيث. وقوله: بأسهم غير كاذب، أي: أنهم لا ينكصون عند الحرب، والعرب تستعمل الصدق والكذب في الأفعال كما تستعملونها في الأقوال، فيستعملون الصدق، بمعنى التحقيق والإحكام للشيء، والكذب فيما لا يتحقق ولا يحكم، يقولون: حمل عليه
[ ٣ / ٢١ ]
فصدق، أي: حقق الحملة ولم يرجع، وحمل عليه فكذب: إذا رجع ولم يحقق ولذا قالوا: صدقوهم القتال، ونظر صادق، أي: محقق.
وقوله: حلق فوقهم، أي: ارتفع فوقهم، وأراد بعصائب طيرٍ: العقبان، والنسور وما أشبهها، تأتي القتلى لتأكل منها، الواحدة: عصابة وعصبة، أي، فرقة، وكذلك من الناس. يقول: إذا رأت الطيور- كالنسور- أهبة القتال علمت أن ستكون ملحمةٌ، وهي ترفرف فوق رؤوسهم وتتبعهم، تهتدي بعصائب، أي: يهدي بعضها بعضًا.
وقوله: يصانعنهم الخ، أصل المصانعة الاتباع، والمراد: يطرن قريبًا منهم حتى يغيروا، فتصيب من الدماء والقتلى، والدوارب: المتعوّدات، يقال: درب بذاك الأمر دربة ودرابة: إذا اعتاده. والضاريات: اللواتي ضريت بشرب الدماء وأكل اللحوم. وقوله: إذا عرّض الخطِّي، أي: إذا وضعت الرماح عرضًا فوق الكواثب، جمع كاثبة، وهي من الفرس ما تقدم من قربوس السرج، وهو المنسج أيضًا، ومن البعير الغارب، ومن الرجل الكاهل.
وقوله: جوانح، أي: مائلة في أحد شقيها تجنح للوقوع، وقوله: تراهنّ خلف القوم زورًا عيونها، أي: منتظرات على شرف الأرض، وشبّه الطير وبياض ريشها بالشيوخ في فراءٍ من جلود الأرانب، لأن الشيوخ ألزم للفراء لرقتهم على البرد. والمسوك: جمع مسك، بالفتح، الجلد. وقوله: على عارفات، أي: صابرات، والعارف: الصابر، يقول: على خيل قد عرفت الطعان، قوتل عليها، وعلمت ذاك من طول ما عوّدته وعوابس: كوالح تخاف الطعن والرمي، وإنما تعبس لأنها مجرِّبة. وقوله: بهنّ كلوم، أي: بهذه الخيل جروح بين دام، أي: جرح طري فهو يدمى، وآخر قد يبس وعلته جلبة، بالضم، وهي قشرة تعلو الجرح عند البرء.
[ ٣ / ٢٢ ]
وقوله: إذا استنزلوا .. الخ، قال الأصمعي: يضيق المكان على الدابة، فينزل فيقاتل راجلًا. وقال أيضًا مرة أخرى: إذا ألح عليهم بالطعن وغشوا، نزلوا فأرقلوا بالسيوف، أي: عدوا وركضوا. والمصاعب: مع مصعب، وهو الفحل الذي لم يمسسه حملٌ قط، وإنما يقتني للفحلة، وهو القرم والمقرم أيضًا.
وترجمة النابغة الذبياني تقدمت في الإنشاد الثالث والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد المائة:
(١٦٩) عمدًا فعلت ذاك بيد أنّي أخاف لو هلكت لم ترنِّي
على أن أبا عبيدة قال: بيد فيه بمعنى من أجل. قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابة "غريب الحديث" في حديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم" قال الكسائي: قوله بيد، يعني: أنا أوتينا الكتاب من بعدهم، فمعنى بيد [معنى] غير بعينها، وقال الأموي: بيد معناها: على، وأنشدنا لرجل يخاطب امرأة: عمدًا فعلت ذاك بيد أنِّي أخاف لو هلكت لم ترني
وقال أبو عبيد: من فتح ذاك جعله اسمًا، ومن كسره جعله مخاطبه المؤنث وقوله: ترني، من الرنين، يقول: على أني أخاف ذاك. قال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى "ميد" بالميم، والعرب تفعل هذا، تدخل الميم على الباء، والباء على الميم، كقولهم: أغمطت عليه الحمّى، وأغبطت، وقولهم: سبَّد رأسه وسمّده، وهذا كثير في الكلام. قال أبو عبيد: وأخبرنا بعض الشاميين أن النبي صلى الله
[ ٣ / ٢٣ ]
تعالى عليه وسلم قال: "أنا أفصح العرب ميد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر" وفسر ميد: من أجل. قال أبو عبيد: وبعض المحدثين يحدثه: "بأيد أنا أعطينا الكتاب من بعدهم" يذهب إلى القوة، وليس له ههنا معنى نعرفه. قال أبو عبيد: وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعضها في المعنى في غير وعلى. انتهى كلامه.
وفي "النهاية" لابن الأثير: حديث: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش" بيد: بمعنى غير، ومنه الحديث الآخر: "بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا" وقيل: معناه: على أنهم. وقد جاء في بعض الروايات: "بائد أنهم" ولم أره في اللغة بهذا المعنى، وقال بعضهم: إنها بأيد، أي: بقوة، ومعناه: نحن السابقون إلى الجنة يوم القيامة بقوة أعطاناها الله تعالى وفضلها بها. انتهى.
ونقل الأزهري في "التهذيب" كلام أبي عبيد السابق، ولم يزد عليه شيئًا. وقال ابن السكيت في أول "إصلاح المنطق" وهو "باب فعل وفعل" باختلاف المعنى الأول مفتوح، والثاني مكسور، وبيد في معنى غير، يقال: فلان كثير المال بيد أنه بخيل، أي: غير أنه بخيل. وأنشد الأصمعي: عمدًا فعلت ذاك بيد أني .. الخ، وكذا قال صاحب "الصحاح" في بيد، ولم يذكر الشعر هنا، وأورده في حرف النون، قال: الرنة: الصوت، يقال: رنت المرأة ترن رنينًا، وأرنت: صاحت، وفي كلام أبي زبيد الطائي: شجراؤه مغنَّة، وأطياره مرنة. وأنشد البيت ولم يعين أهو من المجرد أم من المزيد. وكأنه أشار إلى جواز الوجهين فيه، وأشار المصنف إلى أنه من المجرد، وهو أحد الجائزين.
[ ٣ / ٢٤ ]
ولم يصب الدماميني في قوله: أنشد الجوهري هذا البيت شاهدًا على أنه يقال: أرنت بمعنى صاحت، فكان ينبغي للمصنف أن يقول: من الإرنان، لأن الفعل هنا رباعي. هذا كلامه. ولم يكتب ابن بري في "أمياله" ولا الصفدي في حاشيته على "الصحاح" شيئًا.
وقال يوسف بن أبي سعيد السيرافي في شرح أبيات "إصلاح المنطق": أخال: أظن، ويجوز كسر الهمزة في أولها وفتحها. وترني: من الرنين، وهو الصوت، يقال: أرن يرن إرنانًا: إذا صوت، والإرنان: صوت مع توجع، يقول لها: أظن أني إن هلكت لم تبكي علي ولم تتوجعي، يزعم أنها تبغضه. انتهى. وقال التبريزي في "تنقيح إصلاح المنطق" وشرح أبياته في ضمن تنقيحة، وحذف مكرره: أنشد الأصمعي لمنظور بن مرئد الأسدي: عمدًا فعلت ذاك .. الخ، يعني: تعطفها عليه، يقول لها: أظن أني إن هلكت لم تنوحي علي، ونقل كلام ابن السيرافي برمته، وكذا رأيته منسوبًا في هامش نسخة "الصحاح" بخط ياقوت.
وهما بيتان من مشطور السريع لا ضميمة لهما، وبينّ منشأهما الصاغاني، قال في "العباب": سافر رجل، فلما رجع في أصحابه تأخر عنهم ليعلم وجد امرأته به وحاله عندها، فوجدها قد حزنت، فقال: عمدًا فعلت .. الخ. وعلى هذا فالتاء من "فعلت" مضمومة، والكاف من ذاك يجوز فتحها وكسرها، كما قاله أبو عبيد، وكلهم روى: "أخال" بدل "أخاف" وقال الصاغاني في "العباب": منظور ابن حبَّة: راجز من بني أسد، وحبة أمة، واسم أبيه مرئد بن فروة بن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن حجون بن طريف بن عمرو بن قعين. انتهى. وقعين: هو الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.
وأنشد في "بله" وهو الإنشاد السبعون بعد المائة:
(١٧٠) تذر الجماجم ضاحيًا هاماتها بله الأكفُّ كأنَّها لم تخلق
[ ٣ / ٢٥ ]
على أن الأكف قد رويت بالحركات الثلاث.
ومعنى: بله الأكفَّ، على رواية نصب الأكف: إنك ترى الرؤوس بارزة من محالها بضرب السيوف، كأنها لم تخلق على الأبدان، فدع ذكر الأكف، فإن قطعها من الأيدي أهون بالنسبة إلى الرؤوس.
ومعناه على رواية الجر: أنك ترى تطاير الرؤوس عن الأبدان، فتركا لذكر الأكف، أي: فاترك ذكرها تركا، فإنها بالنسبة إلى الرؤوس سهلة، فبله كما قال أبو حيان وغيره: مصدر الترك النائب مناب اترك، وقد فات المصنف هذا القيد.
وروى أبو زيد القلب إذا كان مصدرًا، وهو قولهم: بهل زيد. وإنما قلنا بمصدريته إذا انجر ما بعده لأن اسم الفعل لا يضاف، وإذا انجر ما بعد بله بالإضافة؛ فقال أبو عبيد في "الإيضاح": ومن قال: بله، يريد جعله مصدرًا مضافًا إلى المفعول به كـ "ضرب الرقاب". ونقل عنه أبو حيان أنه مضاف إلى الفاعل ورده، وما أدري في أي كتاب قاله أبو علي، والله تعالى أعلم.
وحكى أبو زيد أن من العرب من يدخل عليه "من" يقول: إن فلانًا لا يقدر أن يحمل الفهر، فمن بله أن يأتي بالصخرة. يريد: فكيف يطيق أن يحمل الصخرة!؟ وهي هنا مصدر، لأن حرف الجر لا يدخل على اسم الفعل. ويدل على أنها تكون مصدرًا أن أبا عمرو الشيباني حكى: ما بلهك كذا، أي: ما لك كذا.
وقال أبو زيد: إن بعض العرب يقول: من بهل أن يحمل الصخرة، فقلب. فدخول من، والقلب والرفع، يدل على أنها مصدر، إذ اسم الفعل لا يدخل عليه عوامل الجر ولا يعرب، فنصبها حال كونها اسم فعل، غير نصبها حين كونها مضافة، فالأول بناء ككيف، والثاني: إعراب كضرب.
[ ٣ / ٢٦ ]
ومعناه على رواية الرفع: إنك ترى الهامات ضاحية عن الأبدان، فكيف الأكف لا تكون ضاحية عن الأيدي! يعني: إذا جعلت السيوف الأبدان بلا رؤوس، فلا عجب أن تترك الأيدي بلا أكف.
وقول المصنف: وإنكار أبي علي أن يرتفع ما بعدها مردود، كذا قال أبو حيان في "الارتشاف" في باب الاستثناء وقال في باب اسم الفعل من شرح "التسهيل": وحكى الفارسي في "حلبياته" عن قطرب، وفي غيرها عن أبي الحسن أنهما أجازا رفع ما بعدها على أن تكون بمعنى كيف، فتقول: بله زيد، وهذا غير محفوظ في كلامهم، ولا سبيل إلى إجازته بالقياس. انتهى. وهذا خلاف ما نقله المحقق، قال: حكى أبو علي عن الأخفش أنه يجيء بمعنى كيف. انتهى.
وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الشاهد السادس والخمسين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي، وأشبعنا الكلام على حديث البخاري الذي أورده المصنف في شرح الشاهد السابع والخمسين من تلك الشواهد.
والبيت من قصيدة لكعب بن مالك شاعر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قالها في وقعة الأحزاب، ونقلها أصحاب المغازي والسير، وهي هذه:
من سرَّة ضربٌ يرعبل بعضه بعضًا كمعمعة الأباء المحرق
فليأت مأسدةً تسنُّ سيوفها بين المذاد وبين جزع الخندق
دربوا بضرب المعلمين فأسلموا مهجات أنفسهم لربِّ المشرق
في عصبةٍ نصر الإله نبيَّه بهم وكان بعبده ذا مرفق
[ ٣ / ٢٧ ]
في كلِّ سابغةٍ تخطُّ فضولها كالنَّهي هبَّت ريحه المترقرق
بيضاء محكمةٍ كأنَّ قتيرها حدق الجنادب ذات شكِّ موثق
جدلاء يحفزها نجاد مهندٍ صافي الحديدة صارمٍ ذي رونق
تلكم مع التَّقوى تكون لباسنا يوم الهياج وكلَّ ساعة مصدق
نصل السيُّوف إذا قصرن بخطونا قدمًا ونلحقها إذا لم تلحق
فترى الجماجم ضاحيًا هاماتها بله الأكفَّ كأنَّها لم تخلق
نلقى العدوُّ بفخمةٍ ملمومةٍ تنفي الجموع كقصد رأس المشرق
ونعدُّ للأعداء كلَّ مقلِّصٍ وردٍ ومحجول القوائم أبلق
تردي بفرسانٍ كأنَّ كماتهم عند الهياج أسود طلٍ ملثق
صدقٍ يعاطون الكماة حتوفهم تحت العماءة بالوشج المزهق
أمر الإله بربطها لعدوِّه في الحرب إنَّ الله خير موفِّق
لتكون غيظًا للعدوِّ وحيَّطًا للدَّار إن دلفت خيول النُّزَّق
ويعيننا الله العزيز بقوَّةٍ منه وصدق الصَّبر ساعة نلتقي
ونطيع أمر نبيِّنا ونجيبه وإذا دعا لكريهة لم نسبق
ومتى ينادي للشدائد نأتها ومتى نرى الحومات فيها نعنق
من يتَّبع قول النَّبِّي فإنَّه فينا مطاق الأمر حقُّ مصدَّق
فبذاك ينصرنا ويظهر عزَّنا ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق
إنَّ الذين يكذِّبون محمَّدًا كفروا وضلُّوا عن سبيل المتَّقي
[ ٣ / ٢٨ ]
قوله: من سره ضرب .. الخ. رعبله: قطعه. والمعمعة: صوت الحريق في القصب ونحوه، وصوت الأبطال في الحرب، قاله الجوهري، وأنشد البيت. والأباء، كسحاب: القصب، واحدته أباءة كسحابة، وقيل: أجمة الحلفاء والقصب. والمحرق: اسم مفعول. وقوله: فليأت مأسدة .. الخ، هذا جواب الشرط، قال في "الروض الأنف": المأسدة: الأرض الكثيرة الأسد، وكذلك المسبعة: الأرض الكثيرة السباع، ويجوز أن يكون جمع أسد، كما قالوا: مشيخة ومعلجة، وحكى سيبويه: مشيخة ومشيوخاء، [و] معلجة ومعلوجاء. وقوله: تسنُّ سيوفه؛ نصب الفاء وهو الصحيح عند القاضي أبي الوليد، ووقع في الأصل عند أبي بحر برفعها، ومعنى الرواية الأولى: تسنُّ: تصقل، ومعنى الثانية: تسنُّ للأبطال ولمن بعدها من الرجال سنة الجرأة والإقدام. انتهى.
والمذاد: قال البكري في "معجم ما استعجم": هو بفتح الميم، بعدها ذال معجمة: الموضع الذي حفر فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم [الخندق]، وقال السيوطي: هو أطم بالمدينة، وقال تلميذه الشامي: هو لبني حرام غربي مساجد الفتح، سميت به الناحية. والجزع بكسر الجيم: منعطف الوادي، قال الشامي: وهو هنا جانب الخندق بالمدينة المنورة.
وقوله: دربوا بضرب .. الخ، قال الجوهري: الدربة بالضم: عادة وجرأة على الحرب وكل أمر، وقد درب بالشيء بكسر الراء: إذا اعتاده وضري به. والمعلمون بضم الميم، وفتح اللام: الذين يعلمون أنفسهم في الحرب بعلامة يعرفون بها، وهم الشجعان. وأسلموا: من أسلم أمره لله، أي: سلمه لله، والمهجة هنا: الروح، وأراد رب المشرق والمغرب. والمرفق: مصدر كالرفق ضد
[ ٣ / ٢٩ ]
العنف، بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس، وبفتحها.
وقوله: في كل سابغة .. الخ، السابغة: الدرع الواسعة، وتخط: بالبناء للفاعل، وفضولها: جمع فضل، وهو الزائد، أي: ينسحب ذيل على الأرض لطولها. والنهي بفتح النون: الغدير، وأهل نجد يكسرون النون. والمترقرق: صفة النهي، من ترقرق: إذا تحرك وجاء وذهب، والريح إذا هبت على الماء حصلت هذه الصفة.
وقوله: بيضاء محكمة .. الخ، البيضاء: المجلوة، والقتير: رؤوس المسامير في الدروع، شبهها بعيون الجندب، وهو نوع من الجراد، في البريق واللمعان. قال الشامي: الشك هنا: إحكام السرد، وهو متابعية نسج حلق الدرع وموالاته شيئًا فشيًا حتى يتناسق، والموثق: المحكم المثبت.
وقوله: جدلاء يحفزها .. الخ، الجدلاء: الدرع المحكمة النسج، ويقال: درع مجدولة أيضًا، من جدلت الحبل أجدلته جدلًا، أي: فتلته فتلًا محكمًا، ويحفزها بالحاء المهملة والفاء والزاء المعجمة، أي: يشمرّها ويحملها، والنجاد: سيور السيف، والمهند السيف المطبوع من حديد الهند، قال السهيلي: جدلاء: من الجدل، وهو قوة الفتل، ومنه: الأجدل للصقر. وفي هذا البيت دليل على قوة امتناع الصرف في أجدل، وأنه من باب أفعل الذي مؤنثه فعلاء، ومن صرفه شبهه بأرنب وأفكل، وهو أضعف الوجهين، وإن كانوا قد قالوا في جمعه: أجادل، مثل أرانب، فقد قالوا أيضًا: الأباطح والأجارع، ولكنهم لا يصرفونهما من حيث قالوا في المؤنث: بطحاء وجرعاء، وكذلك القول في أبرق وبرقاء. وقوله يحفزها نجاد مهند، كقول ابن الأسلت في وصف الدرع:
أحفزها عنِّي بذي رونقٍ أبيض مثل الملح قطَّاع
وذلك أن الدرع إذا طالت فضولها حفزوها، أي: شمرّوها فربطوها بنجاد السيف. انتهى. وقال غيره: كانت العرب تعمل في أغماد السيوف أشباه الكلاليب،
[ ٣ / ٣٠ ]
فإذا ثقلت الدرع على لابسها رفع ذيلها فعلقه بالكلاب الذي في غمد السيف ليخفّ عليه.
وقوله: تلكم مع التقوى .. الخ، قال السهيلي: هذا من أجود الكلام، انتزعه من قول الله ﷿: (ولباس التَّقوى ذلك خيرٌ) [الأعراف/ ٢٦] وموضع الإجادة أنه جعل لباس الدروع تبعًا للباس التقوى، لأن حرف "مع" يفيد أن ما بعده هو المتبوع وليس بتابع. ويوم الهياج: يوم القتال، والمصدق كجعفر: الحملة الصادقة على العدو، يقال للرجل الشجاع، والفرس الجواد: إنه لذو مصدق، أي: صادق الحملة، وصادق الجري، كأنه ذو صدق. وقوله: نصل السيوف .. الخ، هذا المعنى كثير في الجاهلية والإسلام، فمن الجاهلية الأخنس بن شهاب قال:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وقدمًا: بضمتين، وهو المضي إلى قدَّام. قال الجاحظ في "البيان": إن الفارس ربما زاد في طول رمحه ليخبر عن فضل قوته، ويخبر عن قصر سيفه، ليخبر عن فضل نجدته، وأنشد هذا البيت ونظائره.
وقوله: فترى الجماجم .. الخ، اشتهر في كتب النحو: تذر الجماجم، ليعرى من التعلق بما قبله. والرؤية بصرية، والجماجم: مفعول، وضاحيًا: حال سببية من الجماجم، وهاماتها: فاعل ضاحيًا، وهو من ضحا يضحو: إذا ظهر وبرز عن محله، وفي "الصحاح": الجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ، وربما عبّر عن الإنسان، فيقال: خذ من كل جمجمة درهمًا، كما يقال: خذ من كل رأس، بهذا المعنى، وفيه أيضًا: الهامة من الشخص: رأسه، وفرق بينهما الزجاج في كتاب "خلق الإنسان" بجعل الهامة بعضًا
[ ٣ / ٣١ ]
من الجمجمة، فقال: عظم الرأس الذي فيه الدماغ يقال له الجمجمة، والهامة: وسط الرأس ومعظمه، وقال الدماميني: الجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ. والقبيلة: التي تجمع البطون فينسب إليها دونهم، والبيت محتمل لكل من المعنيين.
والمعنى على رواية رفع الأكف: إن تلك السيوف تترك قبائل العرب الكثيرة بارزة الرؤوس للأبصار كأنها لم تخلق في محالها من تلك الأجسام، أو نترك الجماجم المستورة مكشوفة ظاهرة، فكيف الأكف!؟ أي: إذا كانت حالة الرؤوس هذه الحالة مع خفائها وعزّة الوصول إليها، فكيف حال الأكف التي هي ظاهرة يوصل إليها بسهولة.
وعلى رواية النصب: إنها تترك الجماجم على تلك الحالة، دع الأكف فأمره أيسر وأسهل.
وعلى رواية الجر: إنها تترك الجماجم ترك الأكف منفصلة عن محالها كأنها لم تخلق متصلة بها. هذا كلامه مع اختلاف نسخه.
وقال السهيلي: بله: من لفظ البله، أي: الغفلة، لأن من غفل [عن الشيء] تركـ[ـه] ولم يسأل عنه، وكذلك [قوله: بله الأكفَّ]، أي: لا تسأل عن الأكف إذا كانت الجماجم ضاحية مقطعة. انتهى. وهذا الاشتقاق نسبه أبو حيان إلى البعدي ورده. وقوله: نلقى العدو .. الخ، الفخمة: الجيش العظيم، من الفخامة وهي العظم، وملمومة: مجموعة.
وقوله: كقصد رأس المشرق، قال السهيلي: الصحيح فيه ما وراء ابن هشام عن أبي زيد: "كرأس قدس المشرق" [لأن قدس] جبل معروف من ناحية المشرق. انتهى. وظاهره أن المشرق يكون بفتح الميم، وقول الشامي: المشرق: نعت
[ ٣ / ٣٢ ]
لقدس بمعنى جبل، إشارة إلى ضمة الميم، وهو اسم فاعل من الإشراق، والظاهر أن هذا هو الجيد. قال البكري في "معجم ما استعجم": القدس، بضم القاف وسكون الدال: من جبال تهامة، وهو جبل العرج. قال ابن الأنباري: قدس: مؤنثة لا تنصرف، لأنها اسم للجبل وما حوله. انتهى. وعلى هذا يكون وصفه بالمذكر لاعتباره مكانًا.
وقوله: ونعيدّ للأعداء، أي: نهيء؛ من الإعداد وهو التهيئة، والمقلَّص بكسر اللام المشددة: المشرف الطويل القوائم، والورد: الفرس الذي تضرب حمرته إلى صفرة. والمحجول: الفرس المحجل، والتحجيل: بياض في قوائم الفرس أو في الثلاث منها، أو في رجليه، قلّ أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، لأنها مواضع الأحجال. وهي الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل واقعًا بيد أو يدين ما لم يكن معها أو معها رجل أو رجلان، كذا في "العباب" للصيغاني. والأبلق: الفرس الذي فيه البلق بفتحتين، وهو سواد وبياض.
وقوله: تردي بفرسان .. الخ، في "الصحاح": ردي الفرس- بالفتح- يردي رديًا ورديانًا: إذا رجم الأرض رجمًا بين العدو والمشي الشديد. والكمأة: جمع كمي، وهو الشجاع المتكمي في سلاحه، لأنه كمّى نفسه، أي: سترها بالدرع والبيضة. والطَّلُّ: المر الضعيف، والملثيق: اسم فاعل صفة لطل، من الإلثاق، وأصله من اللثق بفتحتين، قال السهيلي: اللثق: ما يكون عن الطل من زلق وطين، والأسد أجوع ما يكون وأجرأ في ذلك الحين. انتهى. وقال صاحب "العباب" اللثق: الندى، وألثقه غيره، قال:
خداريَّةٌ فتخاء ألثق ريشها سحابة يومٍ ذي أهاضيب ماطر
[ ٣ / ٣٣ ]
وقوله: صدق يعاطون .. الخ؛ صفة أسد، بضم الصاد: جمع صدق بفتحها والدال ساكنة معهما، يقال: رجل صدق اللقاء، وصدق النظر: إذا مضى فيها ولم يثنه شيء، ويعاطون: يناولون، والكمأة: الشجعان، مفعول أول، وحقوقهم: مفعول ثان. والحتف: الهلاك، والعماءة: كسحابة وزنًا ومعنى قال أبو زيد: العلماء: السحاب، وهو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال، وأراد به هنا الغبار الثائر في المعركة. ورواه الشامي: "العماية" بالياء، وفسره بالسحاب، والوشيج: الرماح، وأصله شجر الرماح. والمزهق، اسم فاعل: المذهب للأرواح.
وقوله: لتكون عيظًا .. الخ، قال الشامي: هو جمع حائط، من حاط يحوط، أي: كلأه ورعاه، وأراد بالدار المدينة المنورة، ودلفت: قربت، والنزق: الأعداء، وهو جمع نزق، بفتح النون وكسر الزاي، وصف من نزق نزقًا، كفرح فرحًا، والنزق: الخفة والطيش وسوء الخلق، وهذا أصله. وقوله: وإذا دعا لكريهة .. الخ، الكريهة: من أسماء الحرب، ونسبق: بالبناء للمفعول، والحومات: جع حومة، وهو موضع القتال. وتعنق: نسرع، قال صاحب "الصحاح": العنق بفتحتين: ضرب من السير فسيح سريع، وهو اسم من أعنق إعناقًا. وقوله: حق مصدق، بفتح الدال المشددة: مصدر، أي: تصديقًا حق تصديق. وترجمة كعب بن مالك تقدمت في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.
حرف التاء
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد المائة:
(١٧١) إلى ملكٍ ما أمُّه من محاربٍ أبوه ولا كانت كليبٌ صاهره
[ ٣ / ٣٤ ]
على أن قوله: أبوه، مبتدأ، وجملة: أمه من محارب خبر المبتدأ، وجملة: أبوه ما أمه من محارب، في موضع الصفة لملك، وهي سالبة المحمول.
وقال البعلي: أبوه: مبتدأ أول، وأمه: مبتدأ ثان، ومن محارب: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني خبر المبتدأ الأول، والمجموع صفة لملك، فيكون أداة النفي على قوله مصدرة، أي: ما أبوه أمه من محارب، وجملة الصفة سالبة، وبين السالبة والسالبة المحمول تلازم، والتقدير على الأول: إلى ملك موصوف بأن أباه ليست أمه من محارب، وعلى الثاني: إلى ملك ليس أبوه أمه من محارب، أي: ليست أم أبيه من محارب، وقال ابن الملاّ: وقول العيني بعد نقل كلام البعلي، قلت: تقديره: إلى ملك ما أبوه أمه من محارب، يوهم أن تقديره على القول الآخر ليس كذلك، وليس كذلك. انتهى. وأقول: ليس بتقدير القولين ما ذكره، وإنما تقديرهما: ما أم أبيه من محارب، وأما التقدير الذي ذكره العيني فإنما يناسب رواية من روى: أبوها، بتأنيث الضمير، وهي المناسبة للبيت الذي بعده، وهو قوله: ولكن أبوها من رواحة .. البيت الآتي، ولكن المشهور في كتب النحو تذكير الضمير في "أبو". قال أبو الحسن سعيد من مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب "المعاياة" قال الفرزدق: إلى ملك ما أمه من محارب أبوه .. البيت، يريد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، زعموا أنه هكذا قاله، وقال بعضهم: إنما قال: إلى ملك ما أمه من محارب أبوها .. البيت، يريد: إن أمه ليس أبوها من محارب انتهى. فيكون أبوها على هذه الرواية بدلًا من أمه، بدل اشتمال، ولا يكون فيه شاهد، وأما على الرواية الأولى فقد قال المصنف: إن تقديم الخبر الواقع جملة قليل، يعني: والقليل لا يحسن تخريج الكثير عليه، وفيه: إن الخفاف في "شرح الجمل الزجاجية" قسم الخبر ثلاثة أقسام: قسم يجب تأخيره عن المبتدأ، وقسم يجب تقديمه عليه، وقسم يجوز فيه الأمران، ومثل بما إذا كان مفردًا،
[ ٣ / ٣٥ ]
كتميمي أنا، أو جملة، ومثله بهذا البيت، وقال: أنشده سيبويه. وقوله: أنشده سيبويه توهم منه، فإن سيبويه لم ينشده في كتابه أصلًا، وقد استشهد [به] ابن عقيل على جواز تقديم الخبر إذا كان جملة، ولم يقيداه بقلة.
ونقل ابن الشجري أنه حكى الإجماع على جواز تقديم الخبر الجملي وتعقبه بأن بعض الكوفيين لا يجيزه، وقال: والبيت من قصيدة للفرزدق مدح بها الوليد ابن عبد الملك، وأولها:
رأوني فنادوني أسوق مطيَّتي بأصوات هلَّالٍ سغابٍ حرائره
إلى ملكٍ ما أمُّه من محاربٍ أبوه ولا كانت كليبٌ تصاهره
ولكن أبوها من رواحة ترتقي بأيَّامه قيسٌ على من تفاخره
فقالوا أغثنا إن بلغت بدعوةٍ لنا عند خير الناس إنَّك زائره
فقلت لهم إن يبلغ الله ناقتي وإيَّاي أثني بالذي أنا خابره
أغث مضرا إنَّ السِّنين تتابعت عليها بحزٍّ يكسر العظم جازره
حرف الثاء
ثمَّ
أنشد فيه وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد المائة:
(١٧٢) أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى فثمَّ إذا أمسيت أمسيت غاديا
[ ٣ / ٣٦ ]
على أن الفاء زائدة، قال ابن مالك في "شرح العمدة": زعم الأخفش أن الزائد في هذا البيت "ثم" لا الفاء، والفاء أولى بالزيادة، لأن زيادتها قد كثرت وزيادة ثم لم تكثر، ولأن زيادة حرف واحد أولى من زيادة ثلاثة أحرف. انتهى. وهو في هذا تابع لابن جني، قال في "سر الصناعة": الفاء زائدة، لأن الفاء قد عهد زيادتها، وكذا في كتاب "الضرائر" لابن عصفور، قال: ومن زيادة الفاء قوله:
يموت أناسٌ أو يشيب فتاهم ويحدث ناس والصغير فيكبر
يريد: والصغير يكبر، وقول أبي كبير:
فرأيت ما فيه فثمَّ رزئته فلبثت بعدك غير راضٍ معمري
يريد: ثم رزئته، وقول الأسود بن يعفر:
فلنهشلٌ قومي ولي في نهشلٍ نسبٌ لعمر أبيك غير غلاب
زاد الفاء في أول الكلام لأن البيت أول القصيدة. انتهى. وقال الرضي في بحث كي من نواصب الفعل: ويعتذر لتقدم اللام عليها في نحو: (لكيلا تأسوا) [الحديد/ ٢٣] وتأخره عنها في نحو قوله:
كي لتقضيني رقيَّة ما وعدتني
أن كي المتأخرة في الأول بدل من اللام المتقدمة، واللام المتأخرة بدل من كي. المتقدمة في الثاني، وقد يبدل الحرف من مثله الموافق له في المعنى، قال:
فثمَّ إذا أصبحت أصبحت غاديًا
[ ٣ / ٣٧ ]
انتهى. وقال أيضًا في الحروف العاطفة: قيل: الفاء زائدة، وقيل: بل الزائد ثم لحرمة الصدر، وقال السيوطي في الحاشية: وقال النيلي: جمع في هذا البيت بين الفاء وثم، وبينهما تناف، لما تقتضيه الفاء من الاتصال، وثم من الانفصال، فقد قيل: إن الفاء زائدة، والذي أراه أنها للترتيب المتصل في الحكم، كأن الشاعر أخبر بالحكم الثاني عقب إخباره بالحكم الأول بلا مهلة وإن كان بين الحكمين في الوجود مهلة وتراخ. انتهى. ونقل عن السيرافي أيضًا في شرح الأبيات أنه قال: الأجود: فثمّ بفتح المثلثة، لكراهة دخول العاطف على عاطف. والبيت هكذا أنشده ابن مالك في "شرح العمدة" وأنشده في شرحي "التسهيل" و"الكافية" بلفظ:
أراني إذا ما بتُّ بتُّ على هوىً فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا
وهذا هو المروي في ديوان زهير، وبعده:
إلى حفرة أهوى إليها مقيمة يحثّ إليها سائقٌ من ورائيا
وتقدم إنشاد أبيات كثيرة من أول هذه القصيدة في الإنشاد الثالث والثلاثين بعد المائة. قوله: بتّ على هوى، قال الأعلم في شرح الأشعار الستة: أي: لي حاجة لا تقضي أبدًا، لأن الإنسان ما دام حيًا فلابد من أن يهوى شيئًا ويحتاج إليه. انتهى. وغاديًا بالغين المعجمة.
[ ٣ / ٣٨ ]
وقوله: إلى حفرة: متعلق بـ "غاديًا"، وأراد بها القبر. وأهوي إليها، أي: أنزل فيها. وروى الأعلم بدله: "أهدى إليها" بالبناء للمفعول، من الإهداء. ووصف الحفرة بكونها مقيمة إما على معتقد الجاهلية من أنه لا فناء للعالم ولا بعث، وإما على معنى طول المدة، والسائق الذي يحث على الغدو إلى تلك الحفرة هو الزمان، فإنه المفني المبيد عندهم.
وأنشد بعده وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد المائة:
(١٧٣) إنَّ من ساد ثمَّ أبوه ثمَّ قد ساد قبل ذلك جدُّه
على أن ابن عصفور أجاب عنه بأن المراد أن الجد أتاه السؤود من قبل الأب، والأب من قبل الابن، وخدشه المرادي في "الجنى الداني" بأن قول الشاعر قبل ذلك يمنعه، قال الدماميني: وذلك لأن مضمون الكلام على ما أجاب به ابن عصفور أن سؤدد الابن سابق لسؤدد الأب، وسؤدد الأب سابق لسؤدد الجد، والسابق للسابق الشيء سابق لذلك الشيء، فتكون سيادة الابن سابقة لكل من سيادة أبيه وجده، وسيادة الأب سابقة لسيادة الجد. وقول الشاعر قبل ذلك مناف لهذا بلا شك. انتهى. وردّ عليه أيضًا بأن ثم تدل على التراخي، فما معنى التراخي والمهلة هنا؟ وأجاب الفراء عن البيت ونحوه بأن ثم فيه للترتيب الذكري، ويقال له: الترتيب الإخباري، وترتيب اللفظ أيضًا، وذلك أن الفاء وثم يكونان لترتيب الأفعال والأقوال، وثم هنا لترتيب القول بحسب الذكر والإخبار والتلفظ، وفي هذا الجواب نظر، فإن ثم حينئذ تكون للترتيب بدون تراخ ومهلة، كما صرح به الرضي، وهو خلاف وضعها.
[ ٣ / ٣٩ ]
وأجاب الأخفش بأن ثم هنا بمعنى الواو لمطلق الجمع، وردّ عليه بعضهم بأنه لو صح هذا لجاز: اختصم زيد ثم عمرو، وهو غير جائز باتفاق. قال الدماميني: لا خفاء في كون القائل بأن ثم تستعمل بدون ترتيب كالواو، يقول بأن ذلك استعمال مجازي، ولا يشترط في آحاد المجاز أن تنقل أعيانها عن أهل اللغة، بل يكتفي بالعلاقة على المذهب المختار، والعلاقة المصححة هنا الاتصال الذي بين هذين الحرفين، من جهة أن الواو لمطلق الجمع، وثم لجمع مقيد، والمطلق داخل في المقيد، فثبت أن بينهما اتصالًا معنويًا، فجاز استعمال ثم بمعنى الواو مجازًا لذلك، وحينئذ السعي في تأويل تلك الأمثلة بما يصحح الترتيب فيها نظر في أمر جزئي لا يقتضي بطلان المدعى من أصله. انتهى.
والبيت من شعر المولدين، وأوله مغير قد اشتهر بالتغيير، وهو أول أبيات سبعة لأبي ناس الحكمي، واسمه الحسن بن هانئ، مدح بها العباس بن عبيد الله ابن أبي جعفر، وهي:
قل لمن ساد ثمَّ ساد أبوه قبله ثم قبل ذلك جدُّه
وأبو جدّه فسادا إلى أن يتلاقى نزاره ومعدُّه
ثمَّ آباؤه إلى المبتدا من أبه لا أبٌ وأمّ تعدُّه
يا ابن بحبوحة البطاح عبيد الله غوثًا من مستغيث تودُّه
فاهتبل عندي الصَّنيعة واذخرني لقولٍ أجيده وأجدُّه
واستزدني إلى مكارمك الغرَّ وفضلٍ إليك خيَّم مجده
عبدريٍّ إذا انتمى أبطحيٍ تالدٍ نسجه عتيقٍ فرنده
[ ٣ / ٤٠ ]
والعباس هذا عم هارون الرشيد، ولم يعرفه ابن الملا، قال: لعله العباس ابن المأمون بن الرشيد؛ وأبو نواس مات قبل أن يصير ابن المأمون في عداد من يمدح، والمأمون اسمه عبد الله، وأبو الممدوح اسمه عبيد الله بالتصغير، كما في الشعر. وقوله: وأبو جده: معطوف على جده، وقوله: فساد، يريد: فساد من بقي من جدوده واحدًا بعد واحد إلى أن يلاقيه جده نزار بن معد بن عدنان، وهو عمود النسب المحمدي، صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقال ابن الملا: قوله: وأبو جده فساد: مبتدأ وخبر، والفاء زائدة.
وقوله: ثم آباؤه، أي: بعد معدّ، وقوله: إلى المبتدا من أب: هو آدم ﵇، خلقه الله تعالى من تراب. وقوله: لا أب وأمّ تعدّه، أي: ليس له أب وأم تعدهما، وعبيد الله بالجر: بدل من بحبوحة، وقوله: غوثًا: مفعول لأطلب محذوفًا، وهو اسم الإغاثة، بمعنى الإعانة والنصر. وقوله: من مستغيث، أي: من أجل مستغيث، وتودّه: تحبه، أنت، والاهتبال: الاغتنام، والصنيعة: الفعل الجميل، واذخرني: أمر من ذخرته ذخرًا، من باب نفع: إذا أعددته لوقت الحاجة إليه، والاسم: الذُّخر بالضم وأجيده: من الإجادة، أي: أحنه. وأجدّه، أي: أحدثه جديدًا.
وقوله: استزدني، أي: اجعلني زيادة مضمومة إلى مكارمك، أي: اجعلني بعض مكارمك، أي: أفعالك التي تمدح بها، والغرّ: جمع أغرّ وغراء، والأغر: الواضح، المشهور، وقوله: وفضل، بالجر معطوف على مكارمك، وخيم: أقام، والمجد: الشرف والعز.
وقوله: عبدري بالجر: صفة لفضل، منسوب إلى عبد الدار وهو أحد أولاد قصي بن كلاب، وانتمى: انتسب، وأبطحي؛ بالجر أيضًا: يريد أنه من قريش البطاح، وهم أشرف من قريش الظواهر، وقوله: تالدٍ نسجه بالجر: صفة سببية لفضل، ونسجه: فاعل، والتالد: القديم الأصلي، والهاء في نسجه ضمير فضل، وعتيق بالجر أيضًا، والفرند بكسرتين: جوهر الحديد وحسنه.
[ ٣ / ٤١ ]
وأبو نواس هو أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصَّبَّاح الحكمي، نسبة إلى الحكم- بفتحتين- ابن سعد العشيرة، وهي قبيلة باليمن، منها الجرّاح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان، وكان جدُّ أبي نواس من مواليه، وإنما قيل له: أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقه. والذُّؤابة: بهمزة بعد الذال المضمومة، وهي الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملويّة فهي عقيصة، والذُّؤابة: طرف العمامة، وناس ينوس نوسًا: إذا تدلّى وتحرك، والعاتق: ما بين المنكبين والعنق، وهو موضع الرداء، وقيل: إن خلفًا الأحمر كان له [ولاء] في اليمن، وكان أميل الناس إلى أبي نواس، فقال له يومًا: أنت من اليمن، فتكنّ باسم ملك من ملوكهم الأذواء، فاختار ذا نواس، فكنّاه أبا نواس، بحذف صدره، وغلبت عليه.
ومولده بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: ست وثلاثين ومائة. ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل سنة: ثمان، ونشأ بالبصرة، ثم خرج إلى الكوفة، وقيل: ولد بالأهواز، وقيل: بكورة من كور خوزستان سنة إحدى وأربعين ومائة، ونقل منها وعمره سنتان إلى البصرة، وأمه أوازية، اسمها جلبَّان، وكان أبوه من أهل دمشق من جند مروان الحمار، انتقل إلى الأهواز للرّباط فتزوجها.
وقدم أبو نواس بغداد مع والبة بن الحباب الشاعر، وبه تخرّج، وعرض القرآن على يقوب الحضرمي، وأخذ اللغة عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة، ومدح الخلفاء والوزراء، وكان في الشعر من الطبقة الأولى من المولدين. قال أبو عبيدة: أبو نواس للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في الجميع، ومازال العلماء والأشراف يروون شعره، ويتفكهون به، ويفضلونه
[ ٣ / ٤٢ ]
على أشعار القدماء. وقال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بهذه الأقذار، يعني: الخمور، لاحتججنا به، لأنه كان محكم القول لا يخطئ.
وديوان شعره مختلف لاختلاف جامعيه، فإنه اعتنى به جماعة، منهم أبو بكر الصولي، وهو صغير، ومنهم علي بن حمزة الأصفهاني، وهو كبير جدًا، وكلاهما عندي ولله تعالى الحمد، ومنهم إبراهيم بن أحمد الطبري المعروف بتوزون، ولم أره إلى الآن.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد المائة:
(١٧٤) قالوا أبو الصَّقر من شيبان قلت لهم كلّا لعمري ولكن منه شيبان
وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذرى شرفٍ كما علت برسول الله عدنان
على أن ابن عصفور قال: إن الشرف قد يأتي إلى الأب من الابن، كما قال ابن الرومي في هذا الشعر، لأن الفرع قد يفوق الأصل بمآثر ومناقب، فيمدح أصله به وإن كان الأكثر في المدح توارث الشرف والسؤدد، كما قيل:
ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا
والشعر من قصيدة طويلة عدتها مائتان وأربعة وثلاثون بيتًا مدح بها أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، لما ولي الوزارة للمعتمد، مطلعها:
[ ٣ / ٤٣ ]
أجنت لك الورد أغصانٌ وكثبان فيهنَّ نوعان تفَّاحٌ ورمَّان
وفوق ذينك أعنابٌ مهدَّلةٌ سودٌ لهنّ من الظَّلماء ألوان
وتحت هاتيك عنَّابٌ تلوع به أطرافهنَّ قلوب القوم قنوان
غصون بانٍ علها الدَّهر فاكهةٌ وما الفواكه مّما يحمل البان
ونرجسٌ بات ساري الطَّلِّ يضربه وأقحوانٌ منير النَّور ريَّان
ألفن من كلِّ شيءٍ طيِّبٍ حسنٍ فهن فاكهةٌ شتَّى وريحان
ثمار صدقٍ إذا عاينت ظاهرها لكنَّها حين تبلو الطَّعم خطبان
إلى أن قال في النسيب:
يا ربَّ حسَّانةٍ منهنّ قد فعلت سوءًا وقد يفعل الأسواء حسَّان
تشكي المحبَّ وتلفي الدَّهر شاكيةً كالقوس تصمي الرَّمايا وهي مرنان
إلى أن قال يخاطب نفسه:
إنَّ الرَّحيل إلى من أنت آمله أمرٌ لمزمعه بالنُّجح إيقان
فادع القوافي ونصَّ اليعملات له تجبك كلُّ شرودٍ وهي مذعان
إن لم أزر ملكًا أشجي الخطوب به فلم يلدني أبو الأملاك يونان
أضحى أبو الصَّقر فردًا لا نظير له بعد النبيِّ ومن والت خراسان
هو الذي حكمت قدمًا بسودده عدنان ثمَّ أجازت ذاك قحطان
قالوا أبو الصَّقر من شيبان قلت لهم كلاّ لعمري ولكن منه شيبان
وكم أبٍ علا بابنٍ ذرى شرفٍ كما علا برسول الله عدنان
[ ٣ / ٤٤ ]
تسمو الرجال بآباءٍ وآونةً تسمو الرجال بأبناء وتزدان
ولم أقصِّر بشيبان التي بلغت بها المبالغ أعراقٌ وأغصان
لله شيبان قومًا لا يشوبهم روعٌ إذا الرَّوع شابت منه ولدان
لا يرهبون إذا الأبطال أرهبهم يومٌ عصيبٌ وهم في السِّلم رهبان
إذا رأيتهم أيقنت أنَّهم للدِّين والملك أعلامٌ وأركان
إلى أن قال في مدحهم:
أفنوا عداهم وأقنوا من يؤمِّلهم ففي الصُّدور لهم شكرٌ وأضغان
لكن أبو الصَّقر بدءٌ عند ذكرهم وسادة النّاس أبداءٌ وثنيان
فردٌ جميعٌ يراه كلُّ ذي بصرٍ كأنَّه الناس طرًّا وهو إنسان
ومنها يفضله على من تقدمه من الوزراء:
يفديه من فيه عن مقدار فديته عند المفاداة تقصيرٌ ونقصان
قومٌ كأنِّهم موتى إذا مدحوا وما كسوا من حبير الشِّعر أكفان
ثوابهم أن يمنُّوا مستثيبهم وهل يثيب على الأعمال أوثان
لله مختاره ما كان أعلمه بكلِّ ما فيه للرَّحمن رضوان
ما اختار إلَّا امرأً أضحت فضائله يثنى عليه بها راضٍ وغضبان
رأى أبا الصَّقر فردًا في شهامته فاختار من فيه للمختار قنعان
من لا يزال لديه في مذاهبه بين الرّشاد وبين الغيِّ فرقان
وللموفَّق تبصيرٌ يبصِّره بالحظِّ والناس طرّا عنه عميان
[ ٣ / ٤٥ ]
يا من إذا الناس ظنُّوا أنَّ نائله قد سال سائله فالناس كهَّان
إنِّي رأيت سؤال الباخلين زنًا وفي سؤالك للأحرار إحصان
إذا تيمَّمك العافي فكوكبه سعدٌ ومرعاه في واديك سعدان
قال المرزباني في "الموشح": أخبرني محمد بن يحيى قال: كنت يومًا عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فذكرنا قصيدة ابن الرومي في أبي القصر التي أولها: أجنت لك الورد أغصان وكثبان .. فقال عبيد الله: هي دار البطيخ؛ فضحك الجماعة، فقال: اقرؤوا تشبهًا فانظروا؛ هي كما قلت! قال محمد: وقد ملَّح عبيد الله وظرَّف، قال: وهذه القصيدة أكثر من مائتي بيت، مرّ له فيها إحسان كثير، فلما سمع أبو الصقر قوله: قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم .. البيت، قال: هجاني والله! قيل له: هذا من أحسن المدح، اسمع ما بعده: وكم أب قد علا بابن ذرى شرف .. البيت، فقال: أنا بشيبان، ليس شيبان بي! قيل له: فقد قال: ولم أقصر بشيبان التي بلغت .. البيت، فقال: والله لا أثيبه على الشعر وقد هجاني.
قال أبو عبيد الله المرزباني: وهذا ظلم من أبي الصقر لابن الرومي، وقلة علم منه بالفرق بين الهجاء والمدح. انتهى كلامه.
وأقول تمليحًا: إنما فهم هجاءه من طول مدحه في القصيدة، لأنه يفهم من طولها الإشعار ببخله، وأنه لا يخدع إلا بكثير من التملق في صورة المدح، كما قال، وهو من معانيه البديعة:
وإذا امرؤ مدح أمر لنواله وأطال فيه فقد أراد هجاءه
لو لم يقدِّر فيه بعد لمستقى عند الورود لما أطال رشاءه
[ ٣ / ٤٦ ]
وقد كرر هذا المعنى في قافية أخرى فقال:
إذا عزَّ رفدٌ لمسترفدٍ أطال المديح له المادح
وقدمًا إذا استبعد المستقى أطال الرِّشاء له الماتح
وما أحسن ما أخذه السراج الوراق فقال:
سامح بفضلك عبدًا مقصِّرًا في الثَّناء
رأى قليبًا قريبًا فلم يطل في الرِّشاء
وأبو الصقر، كما قال الصفدي في تاريخ "الوافي بالوفيات": إسماعيل بن بلبل الشيباني، أبو الصقر الكاتب، كان بليغًا كاتبًا شاعرًا كريمًا ممدحًا، ولي الوزارة للمعتمد سنة خمس وستين ومائتين بعد وزارة الحسن بن مخلد الثانية، فبقي مدة يسيرة ثم عزل، ثم وليها ثانية سنة خمس وستين ومائتين في شوال، ثم عزل في شهر رمضان سنة ست وستين، ونفي إلى بغداد، ثم أعيد إلى الوزارة نوبة ثالثة حين قبض على صاعد الوزير، ولقب بالشكور، وذلك في ثالث عشر رجب سنة اثنتين وسبعين بواسط.
وكان واسع النفس، وظيفته في كل يوم سبعون جديًا، ومائة حمل، ومائة رطل من سائر الحلوى. ولم يزل على وزارته إلى أن توفي الموفق أخو المعتمد، وبعد موته بيومين لخمس ليال بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين، قبض أحمد بن الموفق الملقب بالمعتضد وعمه المعتمد هو الخليفة على أبي الصقر الوزير، وكبله بالحديد، وألبسه جبة صوف مغموسة بدبس وماء الأكارع، وتركه في الشمس، وعذبه بأنواع العذاب إلى أن هلك، وكانت وزارته الثالثة خمس سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يومًا. ولما مات رآه إبراهيم الحربي، أو غيره من العلماء الصلحاء في منامه فقال له: ما فعل الله بك يا أبا الصقر؟ قال: غفر لي بما لقيت، ولم يكن الله عز
[ ٣ / ٤٧ ]
وجل ليجمع علي عذاب الدنيا والآخرة. إلى هنا كلام الصفدي، ومن خطه نقلت.
وأنشد جحظة لأبي الصقر:
ما آن للمعشوق أن يرحما قد أنحل الجسم وأبكى الدَّما
ووكَّل العين بتسهيدها تفديه نفسٌ ظالما حكَّما
وسنَّة المعشوق أن لا يرى في قتل من يعشقه مأثما
لو راقب الله شفا غلَّتي فالعدل أن يبرئ من أسقما
وأقول: إن وصفهم أبا الصقر بالجود والبلاغة في الشعر والكتابة ينافي ما عامل ابن الرومي من سوء الفهم والحرمان، في مقابلة تلك التي تستحسنها كملة الأذهان وتدخل بلا إذن في الآذان! ولقد أجاد ابن الرومي في قوله فيه بعد ذلك في نكبته:
خفِّض أبا الصَّقر فكم طائرٍ خرَّ صريعًا بعد تحليق
زوِّجت نعمى لم تكن كفأها فصانها الله بتطليق
لا قدست نعمى تسربلتها كم حجةٍ فيها لزنديق
وقال فيه أيضًا:
لا زال يومك عبرةً لغدك وبكت بشجوٍ عين ذي حسدك
فلئن نكبت فطالما نكبت بك همَّةٌ لجأت إلى سندك
لو تسجد الأيَّام ما سجدت إلّا ليومٍ فتَّ في عضدك
[ ٣ / ٤٨ ]
يا نعمةً ولَّت غضارتها ما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد غدت بردًا على كبدي لمَّا غدت حرّا على كبدك
ورأيت نعمى الله زائدةً لَّما استبان النقص في عددك
ولقد تمنَّت كلُّ صاعقةٍ [لو أنَّها صبَّت على كتدك]
لم يبق لي فيما برى جسدي إلَّا بقاء الرُّوح في جسدك
وأخذ ابن الرومي بعض هذا الكلام من كلام لأبي العيناء، فإن أبا العيناء حكى عن نفسه، فقال: كان عيسى بن فرحشاه يتيه في ولايته، فلما صرف رهبني فلقيني فسلم علي فأحفى، فقلت لغلامي: من هذا؟ قال: أبو موسى، فدنوت منه وقلت: أعزك الله، والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون ثنائك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة، لقد أصابت فيك النقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك! ولله المنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزهنا عن قول الزور فيك، فقد والله أسأت حمل النعم، وما شكرت حق المنعم. فقيل له: يا أبا العيناء! لقد بالغت في السب، فما كان الذنب؟ قال: سألته حاجة أقل من قيمته، فردني عنها بأقبح من خليقته.
[ ٣ / ٤٩ ]
وقول ابن الرومي في تلك القصيدة النونية: كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان .. أعاد هذا المعنى في قصيدة يصف فيها قوس البندق:
لها رنَّة أولى بها من تصيبه وأجدر بالإعوال من كان موجعا
وقوله فيها: كأنه الناس طرًا وهو إنسان. مأخوذ من قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكرٍ أن يجمع العالم في واحد
وهذه ترجمة ابن الرومي من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي:
علي بن العباس بن جريج أبو الحسن مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر يعرف بابن الرومي: أحد الشعراء المكثرين المجودين في الغزل والمديح والهجاء والأوصاف، روى عنه غير واحد من أهل الأدب، أخبر أبو الحسين علي بن جعفر الحمداني قال: كنت في غلمان دار القاسم ابن عبيد الله الوزير، فدخل يومًا القاسم داره، وكان في جملة حاشيته حينئذ رجل أراه يدخل الدار كثيرًا وينادمه، فالتقت القاسم إليه فقال له: يا أبا الحسن أمل الأبيات على كاتب يكتبها، وهاتها، فأملى ثلاثة أبيات، وهي:
ما أنس لا أنس خبَّازًا مررت به يدحو الرِّقاقة وشك اللَّمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفِّه كرةً وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلَّا بمقدار ما تنداح دائحةٌ في حومة الماء يرمى فيه بالحجر
وقال للكاتب: اكتب: تنداح دائحة، وتندار دائرة، فسألت عنه فقيل: هذا ابن الرومي.
وحدث جحظة قال: كنت مع ابن الرومي في سماريةٍ، فرأينا أبا رياح على
[ ٣ / ٥٠ ]
دار ابن طاهر، فقلت له: صف هذه الشرفات وأبا رياح، فقال:
ترى شرفاتها مثل العذارى خرجن لنزهةٍ فقعدن صفّا
عليهنَّ الرقيب أبو رياحٍ فليس لخوفه يبدين حرفا
وأخبر الصولي قال: حدثني علي بن العباس قال: كان البحتري معي جالسًا، فسلم علينا ابن لعيسى بن منصور، فقال لي: من هذا؟ فقلت: هذا ابن عيسى بن المنصور، الذي يقول ابن الرومي في أبيه:
يقتِّر عيسى على نفسه وليس بباقٍ ولا خالد
ولو يستطيع لتقتيره تنفّس من منخرٍ واحد
فقال لي: أفّ وتفّ، هذا من خاطر الجن لا من خاطر الإنس! ووثب ومضى، وقيل: الشعر في عيسى بن موسى بن المتوكل.
وقال غير الخطيب: كانت ولادته في بغداد في رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين، وتوفي في سنة ثلاث وثمانين، وقيل: أربع وثمانين ومائتين، وقيل غير ذلك.
وكان إذا أبدع معنى يستقصيه حتى لا يدع لغيره فيه بقية.
حكى ابن درستويه أن لائمًا لامه، فقال له: لم لا تشبه كتشبيهات ابن المعتز، وأنت أشعر منه؟ ! فقال: أنشدني من قوله الذي استعجزتني عن مثله، فأنشده قوله في الهلال:
انظر إليه كزورقٍ من فضّةٍ قد أثقلته حمولةٌ من عنبر
فقال له: زدني، فأنشده قوله في الآذريون، وهو زهر أصفر في وسطه حمل
[ ٣ / ٥١ ]
أسود، وليس بطيب الرائحة، والفرس تعظمه بالنظر، وفرشه في المنزل:
كأنّ آذريونها والشمس فيه كاليه
مداهنٌ من ذهبٍ فيه بقايا غاليه
فصاح: واغوثاه! تالله لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ذاك إنما يصف ماعون بيته، لأنه ابن خليفة، ولكن انظر إذا وصفت ما أعرف أين يقع قولي من الناس! هل لأحد مثل قولي في قوس الغمام؟:
وساقٍ صبيحٍ للصَّبوح دعوته فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجمٍ فمن بين منقضٍّ علينا ومنفضٍّ
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفًا على الجوِّ دكنًا والحواشي على الأرض
يطرِّزه قوس السحاب بأخضرٍ على أحمرٍ من أصفرٍ إثر مبيضِّ
كأذيال خودٍ أقبلت في غلائل مصبَّغةٍ والبعض أقصر من بعض
وقولي في صانع الرقاق:
ما أنس لا نس خبّازًا مررت به الأبيات المتقدمة
وقولي في قالي الزلابية:
ومستقرٍّ على كرسيّه تعبٍ روحي الفداء له من منصب تعب
رأيته سحرًا يقلي زلابيةً في رقَّة القشر والتجويف كالقصب
كأنّما زيته المغليُّ حين بدا كالكيمياء التي قالوا ولم تصب
يلقي العجين لجينًا من أنامله فيستحيل شبابيكًا من الذهب
[ ٣ / ٥٢ ]
ومن معانيه البديعة:
لخالدٍ شاعرنا زوجةٌ لها حرٌ يبلغ مثليها
قوَّامةٌ بالليل لكنّها تستغفر الله برجليها
وقال أيضًا:
يستغفر الناس بأيديهم وهنّ يستغفرن بالأرجل
فيا له من عملٍ صالحٍ يرفعه الله إلى أسفل
وله أيضًا:
إن كنت من جهل حقّي غير معتذرٍ وكنت من ردّ مدحي غير متَّئب
فأعطني ثمن الطِّرس الذي كتبت فيه القصيدة أو كفّارة الكذب
ومحاسنه كثيرة. وديوان شعره رتبه الصولي على حروف الهجاء، وهو عندي في ثلاث مجلدات كبار، وكان كثير التطير وأخباره فيه كثيرة مشهورة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد المائة:
(١٧٥) كهزِّ الرُّدينيِّ تحت العجاج جرى في الأنابيب ثمَّ اضطرب
على أن "ثم" واقعة فيه موقع الفاء، إذ الهزُّ متى جرى في أنابيب الرمح، يعقبه الاضطراب ولم يتراخ عنه. قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد إنشاد البيت: أي: فاضطرب؛ عطف بها مفصل على مجمل، لأن جريان الهز في الأنابيب
[ ٣ / ٥٣ ]
هو اضطراب المهزوز، ولكن في الاضطراب تفصيل وفي الهز إجمال. انتهى. قال ابن قتيبة في أبيات "المعاني": هذا من تشبيه مشي الخيل باهتزاز الرمح، يقول: إذا هززت الرمح جرت تلك الهزة فيه حتى يضطرب كله، فكذلك هذا الفرس، ليس فيه العضو إلا وهو يعين الذي يليه، ولم يرد الاضطراب ولا الرعدة. انتهى.
والبيت من قصيدة طويلة لأبي دواد الإيادي وصف فيها فرسه ومطلعها:
وقد أغتدي ف بياض الصّباح وأعجاز ليل مولِّي الذَّنب
بطرف ينازعني رأسه سلوف المقادة محض النَّسب
طواه القنيص وتعداؤه وإرشاش عطفيه حتَّى شسب
بعيد مدى الطَّرف خاظي البضيع ممرُّ المطا سمهريُّ العصب
رفيع القذال كسيد الغضا وتمَّ الضُّلوع يجوف رحب
وهاد تقدَّم لا عيب فيـ ـه كالجذع شذِّب عنه الكرب
إذا قيد قحَّم من قاده وولَّت علابُّيه وأجلعبّْ
كهزِّ الرُّدينيِّ بين الأكفِّ جرى في الأنابيب ثمَّ اضطرب
غدونا نريد به الآبدات تؤيَّيه من بين هال وهب
قوله: وأعجاز ليل الخ، قال شارح ديوانه: أعجازه: مآخيره، والذنب: آخره. وقوله: بطرف ينازعني: الباء متعلقة بأغتدي، والطّرف بالكسر: الفرس
[ ٣ / ٥٤ ]
الكريم، وينازعني: يجاذبني، ورأسه: فاعل ينازعني، ووقع في رواية السيوطي: ينازعني مر سنًا، وقال: المرسن، بفتح الميم وكسر السين: الأنف، وإنما قال: ينازعني مرسنًا، لأن الحبل ونحوه يقع على مرسنه، هذا كلامه. وقوله: سلوف المقادة، قال شارحه: متقدم طويل العنق، وفي القاموس: هو السريع من الخيل، ومحض النسب: أي: خالصه لم يقارف الهجنة، وقوله طواه القنيص الخ، أي: أضمره طلب الصيد، وإرشاش: مصدر أرش الماء، كرّشه رّشًا، أي: أرش جانباه العرق، وشسب: يبس وضمر.
وقوله: بعيد مدى الطرف المدى: الغاية، أي: يرمي ببصره مرمى بعيدًا، والخاظي: المكتنز، والبضيع اللحم، وممرُّ المطا، أي: مدمج المطا، وهو الظهر، وأصل الإمرار شدّة الفتل، والسمهري: الشديد.
وقوله: رفيع القذال الخ، القذال: معقد العذار، والسيد بالكسر: الذئب، والغضا: نوع من الشجر يألفه الذئب، وتم الضلوع، أي: وكمل ضلوعه بجوف واسع. وقوله: وهاد تقدّم الخ، الهادي: العنق كالجذع في الطول، وشذّبه: ألقى عنه شذبه، وهو ما يلقى عنه من القشور والعيدان المتفرقة والكرب بفتحتين: أصول السعف الغلاظ من النخلة.
وقوله: إذا قيد؛ مجهول قاده، وقحمه تقحيمًا: أدخله بعنف في مهلكه والعلابي: جمع علباء، بالكسر والمد، وهو عصب العنق خاصة. قال شارحه: اجلعبَّ: امتدّ وانبسط، يقول: يجتذب قائده حتى يقحمه في كل مهلكة. ولت علابيه، أي: أنه مشرف العنق. قال أبو عمرو: اجلعبّ: اهتز واستطال.
وقوله: كهزّ الرُّديني الخ، قال شارحه، أي: اهتزّ في القياد؛ وقالت امرأة من بنى أسد ضمت فرسًا: والله، ما اهتزت مقبلة، ولا تتابعت مدبرة. جرى في الأنابيب، أي: جرى اهتزازه في أنابيبه.
[ ٣ / ٥٥ ]
وقوله: غدونا نريد الخ، قال شارحه: الآبدات: المتوحشات، والتأبيه: الدعاء، قال أبو عبيدة: التأييه: أن تقول: آه، ولا يدعى بها إلا ما بعد منهن، وهال وهلا: تجيء في موضع نهي وإيعاد، وتجيء في موضع زجر، وتجيء توقيرًا، وهب: تسكين، وجاءت في موضع آخر في موضع زجر. انتهى.
وأبو دواد: بضم الدال، بعدها واو غير مهموزة، واسمه جارية بن الحجاج أحد بني برد بن إياد، بكسر الهمزة، قال أبو رياش: أبو دواد من حذاقة بن زهر بن إياد، بضم الحاء المهملة، بعدها ذال معجمة، وآخره قاف، وكل من في العرب "حذافة" بالفاء، غير هذا فإنه بالقاف، وهو شاعر جاهلي قديم قال ابن قتيبة: قال بعضهم هو جارية بن الحجاج، وقال الأصمعي: هو حنظلة ابن الشرقي وكان في عصر كعب ابن مامة الإيادي الذي آثر بنصيبه من الماء رفيقه النمري، فمات عطشًا، فضرب به المثل في الجود، وبلغه عنه شيء فقال:
وأتاني تقحيم كعب لي المنـ طق إنَّ النَّكيثة الإقحام
في نظام ما كنت فيه فلا يحـ ـزنك قول لكلِّ حسناء ذام
ولقد رابني أبن عمِّي كعب إنَّه قد يروم مالا يرام
وفيها يقول:
لا أعدُّ الإقتار عدمًا ولكن فقد من قد رزئته الإعدام
[ ٣ / ٥٦ ]
من رجال من الأقارب بادوا من حذاق هم الرُّؤوس العظام
فيهم للملاينين أناة وعرام إذا يراد عرام
فعلى إثرهم تساقط نفسي حسرات وذكرهم لي سقام
وكان أجاره بعض الملوك فأحسن إليه فضرب المثل بجار أبي دواد، قال: طرفه:
إنِّي كفاني من همّ هممت به جار كجار الحذاقيِّ الَّذي انتصفا
وهو أحد نعتات الخيل المجيدين، قال الأصمعي: هو ثلاثة: أبو دواد في الجاهلية، وطفيل، والجعديُّ. قال: العرب لا تروي شعر أبي دواد وعديّ ابن زيد، وذلك أن ألفاظهما ليست بنجدية.
وقيل للحطيئة من أشعر الناس؟ قال الذي يقول:
لا أعدّ الإقتار عدمًا ولكن البيت
ويتمثل من شعره بقوله:
أكلَّ أمرئ تحسبين أمرأً ونار تحرَّق باللَّيل نارا
ومما سبق إليه فأخذ عنه قوله:
ترى جارنا آمنًا وسطنا يروح بعقد وثيق السَّبب
إذا ما عقدنا له ذمَّةً شددنا العناج وعقد الكرب
[ ٣ / ٥٧ ]
أخذه الحطيئة، فقال:
قوم إذا عقد وأعقدًا لجارهم شدُّوا العناج وشدُّوا فوقه الكربا
إلى هنا كلام ابن قتيبة.
حرف الجيم
جير
أنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد المائة:
(١٧٦) وقلن ألا البرديُّ أوَّل مشرب أجل جير إن كانت رواء أسافله
على أن جير فيه مؤكدة لأجل. قال المرادي في "الجنى الداني" جير بكسر الراء وفتحها، والكسر أشهر: فيها خلاف؛ منهم من قال: إنها حرف جواب بمعنى نعم، ومنهم من قال: إنها اسم بمعنى حقًا.
قال ابن مالك: جير: حرف بمعنى نعم، لا اسم بمعنى حقًا لأن كل موضع وقعت فيه جير يصلح أن يقع فيه نعم، وليس كل موضع وقعت فيه نعم يصلح أن
[ ٣ / ٥٨ ]
يقع فيه حقًا فإلحاقها بنعم أولى، وأيضًا فإن لها سبهًا بنعم لفظًا واستعمالًا، ولذلك بنيت، ولو وافقت حقًا في الأسمية لأعربت، ولجاز أن تصحبها اللام، كما أن حقًا كذلك، ولو لم تكن بمعنى نعم لم يعطف عليها في قول الشاعر:
أبي كرمًا لا آلفًا جير أو نعم بأحسن إيفاء وأنجز موعد
ولم يؤكد نعم بها في قول طفيل الغنوي: وقلن ألا البردي أول مشرب البيت، ولا قوبل بها في قول الراجز:
إذا تقول لا ابنة العجير الخ.
فهذا تقابل ظاهر. انتهى.
والقائل باسميتها هو السرافي، وصاحب "الصحاح" وابن بري، قال الجزولي في "مقدَّمته": الجوهري: هي قسم للعرب ومعناها حقًا، قال شارحها، علم الدين الأندلسي: تقول: جير لأفعلن، بمعنى حقًا لأفعلن. قال الجوهري: هي يمين للعرب، ومعناها: أعترف وأقرُّ، كما أن معنى هيهات بعد، بنيت على الكسر على أصل التقاء الساكنين، ولم يعبأ بطلب الخفة فيها، كما في أين وكيف لأجل قلة الاستعمال، وقال السيرافي: يجوز أن تكون كسرت لأنه يحلف بها، فتقع موقع الاسم المحلوف به، فبني على الكسر للدلالة على أنه مبني غير معرب، لئلا يلتبس بيمين الله، وقد جاء فيه الفتح. قال الزمخشري: إنما وقع جير في القسم، لأن القسم والتحقيق من باب واحد، هي أخت أجل في أنها لجواب الإيجاب، ولا يجاب بها إلا بعد الاستفهام، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله:
وقلن على الفردوس أوَّل مشرب أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره
[ ٣ / ٥٩ ]
انتهى. وبقي قول رابع لم يذكره المصنف، وهو أنها اسم فعل، وهو مذهب أبي علي نقله ياقوت في "معجم الأدباء" عنه في ترجمته في ضمن حكاية حكاها وهي: قال الأستاذ أبو العلاء الحسين بن محمد بن سهلويه في كتابه الذي سماه "أجناس الجواهر": كنت بمدينة السلام أختلف إلى أبي علي الفارسي، وكان السلطان رسم له أن ينتصب لي كل أسبوع يومين لتصحيح كتاب "التذكرة" لخزانة كافي الكفاة، فكنا إذا قرأنا أوراقًا منه تجارينا في فنون الآداب، واجتنينا من فوائد ثمار الألباب. فأجرى يومًا بعض الحاضرين ذكر الأصمعي، وأسرف في الثناء عليه، وفضله على أعيان العلماء، فرأيته كالمنكر، وكان فيما ذكر من محاسنه أن قال: من ذا الذي يجسر أن يخطئ الفحول من الشعراء غيره؟ ! فقال أبو علي: وما الذي رد عليهم؟ فقال الرجل قد: أنكر على ذي الرّمة مع إحاطته بلغات العرب، فقال أبو علي: وما الذي أنكر عليه؟ فقال قوله:
وقفنا فقلنا إيه عن أمِّ سالم
لأنه كان يجب أن ينونه، فقال: أما هذا فالأصمعي مخطئ فيه، وذو الرّمة مصيب، والعجب أن ابن السكيت قد وقع عليه هذا السهو في بعض ما أنشده! فقلت: إن رأى الشيخ أن يصدع لنا بجلية هذا الخطأ تفضل به، فأملى علينا: أنشد ابن السكيت [لأعرابي من بني أسد]:
[ ٣ / ٦٠ ]
وقائلة أسيت فقلت جير البيت
قال ابن السيت: قوله جير، أي حقًا، وهي مخفوضة غير منوّنة، فاحتاج إلى التنوين. قال أبو علي: هذا سهو منه، لأن هذا يجري مجرى الأصوات، وباب الأصوات كلها، والمبنيات بأسرها [لا ينون]، إلا ما خص منها بعلة الفرقان فيها من نكرتها ومعرفتها؛ التنوين، فما كان منها معرفة جاء بغير تنوين، فإذا نكّرته قلت: صه ومه، تريد سكوتًا، وكذلك قول الغراب: غاق، أي: الصوت المعروف من صوته، وقال الغراب: غاق، أي: صوتًا، وكذلك: إيه يا رجل، تريد الحديث، وإيه تريد حديثًا، وزعم الأصمعي أن ذا الرّمة أخطأ في قوله: "وقفنا فقلنا إيه يا أم سالم" وكان يجب أن ينوّنه، وهذا من أوابد الأصمعي التي يقدم عليها من غير علم، فقوله: "جير" بغير تنوين في موضع قوله: فقلت الحق، وتجعله نكرة في موضع آخر فتنوّنه، فيكون معناه: قلت حقًا، ولا مدخل للضرورة في ذلك، إنما التنوين للمعنى المذكور، وبالله التوفيق. انتهى.
وقال عبد القاهر في "شرح الإيضاح": ومن الأسماء المبنية على الكسر:
[ ٣ / ٦١ ]
جير، ومعناه: اعترف وأقر، كما أن معنى هيهات: بعد، وبني على الكسر على أصل التقاء الساكنين. انتهى.
ونقل أبو حيان في "تذكرته" عن شيخه أنه اسم فعل، قال فيها: جير: اسم فعل واقع موقع المضارع، وقال شيخنا: بمعنى أعترف، وقال أبو صدقة الأعرابي: إذا حدثك محدث فقل له: جير، أي: صدقت، وبناؤه على الكسر، ولا يفتح إذا كان اسم فعل، وتنوينه يدل على اسميته، فإذا نون كان معناه أعترف اعترافًا، وإذا لم ينون كان معناه: أعترف الاعتراف، كحال "أف" إذا نون كان المعنى: أتضجر تضجرًا، وإذا لم ينون كان معناه: أتضجر التضجر. انتهى كلامه. وقد حكى ابن أبي الربيع هذه المذاهب الأربعة في جير في كتابه "الملخص".
والبيت من قصيدة عدتها ستة عشر بيتًا لطفيل الخيل، وهي هذه:
صحا قلبه وأقصر اليوم باطله وأنكره ممّا استفاد حلائله
أي: قلب العاشق، وأقصر: زال، وأصله: أقصر فلان عن الباطل: إذا أمسك عنه مع القدرة عليه، وحلائله: فاعل أنكره، جمع حليلة، وهي الزوجة، ومما استفاد، أي: استحدث من الشيب، وروي أيضًا: "وأنكر شيب الرأس منه حلائله".
يرين ويعرفن القوام وشيمتي وأنكرن ريع الرأس والشيب شامله
القوم: القامة، والشيمة: الخلق، وريع الرأس، يعني: ريع الشيب، وهو أوله، وكذلك ريعان كل شيء: أوله.
وكنت كما يعلمن والدهر صالح كصدر اليماني أخلصته صياقله
[ ٣ / ٦٢ ]
يريد كما يعلمن من شبابي، وأخلصته: جلته حتى خلص من الصدأ
فأصبحت قد عنَّفت بالجهل أهله وعرّي أفراس الصبّا ورواحله
قال ابن السكيت في شرحه: عنفت، أي: قلت للجاهل قبح الله رأيك، وقوله: وعري أفراس الخ؛ مثل، أي: عريت المراكب التي كنت أركبها.
قليلًا عتابي من أتى متعمِّدًا مسائيستي أو خالفتني شمائله
يقول: قلَّ عتابي لمن تعمدني بسوء أو خالفني طبعه، ويقال: سؤته مساءة ومسائية وسوائية؛ وزن الأخيرين كعلانية
سوى أنَّني قد لا أقول لمدبر إذا اختار صرم الحبل هل أنت واصله
يقول: عزائي لا أقول لمن أدبر عني واختار الهجر: هل تصلني؟
تبصَّر خليلي هل ترى من ظعائن تحمَّلن أمثال النِّعاج عقائله
الظعينة: المرأة إذا كانت في الهودج، وتحملن: ارتحلن، والعقيلة: الكريمة النخدرة، ومن كل شيء: أكرمه وأجوده، والنعجة هنا: البقرة الوحشية، يشبه بها النساء من جهة العين، وعقائله: مبتدأ، وأمثال: خبره، ويجوز العكس إذا قصد المبالغة.
ظعائن أبرقن الخريف وشمنه وخفن الهمام أن تقاد قنابله
قال ابن السكيت: أبرقن: رأين برق الخريف، ولا يرى برق الخريف إلا والنجم يطلع في أول الليل، وخفن الهمام؛ يقول: دخلت شهور الحرم، فخفن أن يغير عليهن، فتنكبن ناحيته وتباعدن عنه، والشيم: النظر إلى موضع الغيث. انتهى. والقنبلة كقنفذة: طائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين ونحوه.
على إثر حيّ لا يرى النجم طالعًا من اللّيل إلاّ وهو باد منازله
قال ابن السكيت: يقول: إذا رأى النجم من أول الليل، وذلك في الشتاء،
[ ٣ / ٦٣ ]
رحل عن الماء ولم يحضر، ولم ينزل إلا بالقفر، والنجم: الثريا، يقول: هذا الحي لا يرى النجم طالعًا بسدفة إلا رحل إلى مكان آخر يبتغي النجعة، فكأنه أبدًا في قفر، لا يقيمون للمياه، هم أبدًا سيارة. وهذا مثل قول جرير:
يتبعن مقتربًا للبرق ظعَّانا
ومثله قول امرئ القيس:
تشيم السَّحاب الغرَّ أين مصابه
يقول: إذا وقعت سحابة قلنا: صبت بأرض كذا.
شربن بعكّاش الهبابيد شربة وكان لها الأحفى خليطًا تزايله
قال ابن السكيت: عكاش الهبابيد: ماء، والهبابيد: ماء، فجمعه بما حوله. والأحفى: بلد، أي: زايلته كما تزايل الخليط، وفي "القاموس": عكاش كرمان: جبل يناوح طمية، ومن خرافاتهم: عكاش: زوج طمية. انتهى. ويناوح: يقابل، وهما جبلان بالبادية وقال أيضًا في (هبد): كتنور: ماء بلا موضع، ووهم الجوهري، وقد يقال له: الهبابيد. انتهى. والأحفى: بالحاء المهملة وبالفاء.
فلما بدا دمج وأعرض دونه غوارب من رمل تلوح شواكله
[ ٣ / ٦٤ ]
قال ابن السكيت: دمخ، بالخاء المعجمة: جبل، وغواربه: أعاليه، وشواكله: نواحيه.
وقلن ألا البرديُّ أوّل مشرب أجل جير إن كانت رواءً أسافله
معطوف على مدخول "لما" قال ابن السكيت: البردي: يعني غديرًا ينبت البردي، وجير: في معنى أجل وحقًا. انتهى وألا للاستفتاح والتنبيه، كذا قال من تكلم على هذا البيت، وعندي أن الهمزة للاستفهام عن النفي، والتقدير: أليس البردي أول مشرب؟ فقيل لهن: نعم إن كان سقي بالمطر. قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": البردي: غدير لبني كلاب، وأنشد هذا البيت، ولم يذكرها ياقوت في "معجم البلدان" وليست مذكورة بهذا المعنى في "الصحاح، والتهذيب، والجمهرة، والعباب، والقاموس" والبردي: مبتدأ، وأول مشرب: خبره، والجملة مقول القول، وقوله: أجل جير .. الخ، مقول لقول محذوف، أي: فقيل لهن: أجل، والمشرب: موضع الشرب. وقال ابن الملا: هو مصدر ميمي، ورواء بالكسر: جمع ريان، وريّا، كعطاش جمع عطشان وعطشى. وأسافل: جمع أسفل، وهو المكان المنخفض. يريد: إن اجتمع الماء في مواضعه المنخفضة حتى صار غديرًا، فالبردي أول مشرب، وإلا فلا؛ فجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله.
ووقع في نسخة الدماميني مصراع الشاهد كذا: "أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره" وقال: صدره:
وقلن على الفردوس أوّل مشرب
وهو من قصيدة لمضرِّس بن ربعي الأسدي، وبه استشهد الزمخشري في "المفصل" والرضي في "شرح الكافية". قال ابن المستوفي في "شرح أبيات
[ ٣ / ٦٥ ]
المفصل": يعني: قال النساء: إن ارتحلنا عن هذا الماء فإن أول مشرب نرده الفردوس قال الجوهري: والفردوس: اسم روضة دون اليمامة، والهاء في "دعاثره" يجوز أن تعود على الفردوس، وعلى المشرب. وأول مشرب: مبتدأ، وعلى الفردوس: خبره، والدعاثير: الحياض المتهدمة، جمع دعثور، وكان يجب أن يقول: دعاثيره، لكنه اضطر فحذف الياء. ثم أجبن بـ"أجل" أي: نعم إن كانت دعاثره مباحة غير ممنوعة.
ويكون في "جير" وجهان، أحدهما: بدل من "أجل" بدل الشيء من الشيء، والآخر: أن يكون بمعنى حقًا، أي: نعم، أحق ذلك حقًا إن أبيحث دعاثره. انتهى. أقول: الإبدال خاص بالأسماء، وهذا إنما هو تأكيد حرف بحرف، وقوله: بمعنى حقًا: هو خلاف قول من ذهب إلى اسميته، فإنه معناه عنده: الحق، لأنه غير منون، وقال ياقوت في "معجم البلدان": قال أبو عبيد السكوني: الفردوس: ماء لبني تميم عن يمين الحاج من الكوفة، وفردوس بلالام: روضة دون اليمامة، وفردوس الإياد: في بلادي نبي يربوع. انتهى. قال ابن المستوفي: ووجدته يروى: "أن كانت" بفتح الهمزة، ويكون في موضع المفعول له، وكسر إن أولى، أي: إن أول مشرب على الفردوس كما ذكرتن، ما لم تمنع دعاثره، وهذا من تسمية الشيء بما يؤول إليه. وجواب الشرط محذوف، أي: إن كانت أبيحت دعاثره فانزلن به، ودعاثره مع إن الشرطية غير مباحة، لأن الشرط قد يقع وقد لا يقع، ومع أن المصدرية مباحة، والأول أولى بالمعنى، وإن لم يبعد المعنى مع الثانية. انتهى.
وهذا البيت وإن اتشهر كذا في "الصحاح" وغيره، لم أره في شعر مضرس كذا، وإنما روايى الأصمعي وغيره كذا:
وقلن ألا الفردوس أوّل محضر من الحيّ إن كانت أبيرت دعاثره
[ ٣ / ٦٦ ]
فألقت عصا التّسيار فيها وخيَّمت بأرجاء عذب الماء بيض حفائره
جمع حفيرة، وجعلها بيضأ، لأنها في غير أرض حمراء ولا سوداء، وهذا ليس فيه "أجل جير"، ولهذا قال الصاغاني عندما أنشد بيت طفيل شاهدًا لجير ما نصه: وقد غير النحاة هذا الشاهد وجعلوه خنشى:
وقلن على الفردوس أوّل مشرب أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره
وهو مغير من شعر مضرس بن ربعي:
وقلن على الفردوس أوّل محضر من الّحي إن كانت أبيرت دعاثره
انتهى. وقد أخذ كعب بن زهير الصحابي ﵁ بيت طفيل وغير قافيته، فقال من قصيدة:
وقلن ألا البردي أول مش نعم جير إن كانت سقته بوارقه
والبارتمة: السحابة التي برقت وسكبت ماءها. وهي قصيدة عارض بها طفيلًا، وسلك سبيله، وأولها:
نفى شعر الرأس القديم حوالقه ولاح بشيب في السواد مفارقه
يقول: حلق رأسي مرور السنين، وصيرني أصلع.
وأفنى شبابي صبح يوم وليلة وما الدهر إلا مسيه ومشارقه
يعني: ليس الدهر إلا صباح ومساء فيفتياه.
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن كنخل القرى أو كالسَّفين حزائقه
[ ٣ / ٦٧ ]
شبه الظعائن بالنخل الملتف. والحزيقة، بالحاء المهملة والزاي: الجماعة.
تربَّعن روض الحزن ما بين ليَّة وفيحان مستكّا لهنَّ حدائقه
تربعن: أكلن الربيع، وليه: موضع قرب جدة، ومستك: مشتبك ملتف.
فلما رأين الجزء ودَّع أهله وحرَّق نيران الصَّفيح ودائقه
الجزء بالضم: أن تجتزئ بالرطب والخضر عن الماء ما أمكنها، وإذا جف البقل فلا جزء، ورجع الناس إلى مياههم ومحاضرهم، والوديقة: شدة الحر، فعند ذلك يطلب الناس المياه، ويرجعون إلى الأماكن التي منها أبدوا فحينئذ يفرق الحيوان عن المرتبع.
عز من رحيلًا وانتجعن على هوى وخفن العراق أن تجيش بوائقه
جمع بائقة، وهي: الداهية والبلية، وتجيش: تغلي وتفور، وتأتي بأمر منكر.
وخبِّرن ما بين الأخاديد واللِّوى سقته الغوادي والسَّواري طوارقه
خبرن: أعلمن أن هذه المواضع قد أمطرت فأعشبت، فانتجعنها، والأخاديد: أما كن يمر بها السيل فيخرقها، فيكون فيها حفرًا. واللوى: ما انقطع من الرمل، والغادية: سحابة الغداة، والسارية: سحابة الليل، والطوارق: ما جاء بالليل.
فباكرن جونًا تنسج الرِّيح متنه تناءم تكليم المجوس غرانقه
أي: ماء جونًا، وهو الأسود، فإن الماء إذا صفا خيل أنه أسود، وتنسج
[ ٣ / ٦٨ ]
تصفقه وتختلف عليه يمينًا وشمالًا، والنئيم: صوت خفي لا يفهم، والمجوس إذا كانوا على طعام أو شراب قدّموا أفواههم، وكان كلامهم زمزمة لا يفهم. والغرنوق: طير أبيض طويل القوائم، والهاء: ضمير الجون.
إذا ما أتته الرِّيح من شطر جانب إلى جانب حاز التراب مهارقه
أتته: أتت الجون، والمهرق: الطريق، والأرض المستوية، والصحيفة من الكاغد، يقول: يصير هذا التراب إلى مهارق هذا الماء، وهي الطرق التي تصل إليه، فيكون التراب فيها، ولا يصل إلى الماء منه شيء.
على كلِّ معط عطفه متزّيد بفضل الزّمام أو مروح تواهقه
هذا متصل بقوله: "تبصر خليلي هل ترى من ظعائن" على كل بعير سهل متزيد في سيره، يجاذب فضل زمامه، ويمد عنقه فيستوعبه، وذلك لطول عنقه. ومروح: ناقة نشيطة، من المرح، وهو النشاط، والمواهقة: المباراة في السير.
وقلن ألا البرديّ أوّل مشرب البيت
وقد ينبري [لي] الجهل يومًا وأنبري لسرب كحرّات الهجان توافقه
السرب: جماعة النساء، والهجان: الكريم الشريف، وتوافقه: من الموافقه، وأنبري: أعترض.
ثلاث عزيزات الكلام وناشص على البعل لا يخلو ولا هي عاشقه
الناشص: الناشز؛ وهي المبغضة لزوجها، وقوله: لا يخلو، أي: لا يفيق من حبها أبدًا، وهي لا تحبه.
فأعجلنا قرب المحلِّ وبيننا حديثان مكتوم وسرٌّ نسارقه
[ ٣ / ٦٩ ]
وهذا آخر القصيدة، رواها لكعب في ديوانه أبو العباس الأحول، وقد أورد هذه القصيدة أحمد بن أبي سهل بن عاصم الحلواني في كتاب "الشعراء المنسوبين إلى أمهاتهم" لابن ملعقة، وهو سيار بن عهدة الغنوي وهو عندي بخطه، والله أعلم.
ولنرجع من هنا إلى شعر طفيل؛ وبعد البيت الشاهد:
تحاثثن واستعجلن كلَّ مواشك بلؤمته لم يعد أن شقَّ بازله
هذا جواب لما، تحاثثن: تسارعن، واستعجلن: طلبن عجلته، ومواشك: مسارع. اللؤمة: بضم اللام وسكون الهمزة، قال ابن السكيت: هي متاع الإبل وما يلقى عليها من رحل ومفارش، وجملة "لم يعد": صفة لمواشك، وأن: مصدرية، أي: لم يتجاوز شق نابه، يريد أنه كامل القوة، وشق: بفتح الشين، والبازل: الناب، وإنما قال: لم يعد، لأنه إذا تجاوزه يكون ضعيف القوى لهرمه، وبزوله إنما يكون بدخوله في السنة التاسعة، وبعدها يشرع في الهرم.
فباكرن جونا للعلاجيم فوقه مجالس غرقى لا يحلَّا ناحله
يعني: ماء يضرب إلى السواد، والعلجوم: الضفدع، وقوله: غرقى، يقول: هنَّ فيما شئن من الماء، كقولك: فلان في خير قد غرق فيه. ولا يحلا: لا يطرد، والناهل: العطشان، وإنما ذاك لكثرته.
إذا ما أتته الرِّيح من شطر جانب إلى جانب حاز التُّراب مجاوله
قال ابن السكيت: مجاوله يريد جولانه، وقوله: حاز التراب، أي: جمعه. انتهى. وقد أخذ هذا البيت كعب كما تقدم.
قذفن بفي من ساءهنَّ بصخرة وذمَّ نجيل الرُّمَّتين وناصله
قال ابن السكيت: يقول: إذا بلغِّن عن إنسان ما يكرهن قلن: بفي فلان
[ ٣ / ٧٠ ]
الحجر، والنجيل: الحمض، ورمتان: بلد، والناصل: يعني ناصل البهمى، وهو نبت، وهذا آخر القصيدة.
وطفيل الغنوي: شاعر جاهلي، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو طفيل بن كعب، وكان من أوصف العرب للخيل، قال عبد الملك: من أراد ركوب الخيل فليرو شعر طفيل، وقال معاوية: دعوا لي طفيلا، وسائر الشعراء لكم. انتهى. وقال الأصمعي: كان طفيل أحد نعات الخيل وكان أكبر من النابغتين، وليس في قيس فحل أقدم منه، وكان يسمى طفيل الخيل لكثرة وصفه إياها، والمحبِّر لحسن وصفه لها، وقد أورد الآمدي في "المؤتلف والمختلف" أربعة شعراء كل منهم اسمه طفيل، أحدهم هذا.
وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد المائة:
(١٧٧) إذا تقول لا أبنة العجير تصدق لا إذا تقول جير
على أنه قابل الشاعر لا النافية في الجواب بجير، يعني أنها تصدق إذا قالت: لا، وتكذب إذا قالت: جير، وابنة العجير: فاعل تقول، ولا: مقول القول في الأول، وجير: مقول القول الثاني، والعجير: مصغر أعجر، وهو في الأصل صفة من عجر، كفرح، إذا غلظ وضخم بطنه، و"إذا" في الموضعين ظرفية، والعامل: تصدق. والبيت أورده ابن مالك في "شرح الكافية"، ومثله قول ابن الفارض:
متى أوعدت أولت وإن وعدت لوت وإن أقسمت لا تبرئ السُّقم برَّت
وهذا على الضد من قول القائل:
[ ٣ / ٧١ ]
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وأنشد بعده وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد المائة:
(١٧٨) وقائلة أسيت فقلت جير أسيٌّ إنَّني من ذاك إنَّه
على أنه استدل بالتنوين على اسميه جير، وخرّج على وجهين، ذكرهما المصنف تبعًا لغيره، قال المرادي في "الجنى الداني": واحتج من أثبت اسمية جير بتنوينه، ولا حجة فيه، لأنه فعل مضطر، ويحتمل أن يكون قائله أراد توكيد جير بـ"إن" التي بمعنى "نعم" فحذف همزتها، وخفف النون ويحتمل أن يكون شبَّه آخر النصف بآخر البيت، فنون تنوين الترنم، وهو لا يختص بالأسماء، بل يلحق الفعل والحرف أيضًا. قلت: أشار الشلوبين إلى هذا الاحتمال الثاني، وهو أقرب من الذي قبله. انتهى.
وتقدم أن القائل باسميتها أبو علي، ويريد باسميتها كونها اسم فعل، والمستدل بالتنوين على اسميتها هو ابن بري، قال الجزولي في "مقدمته": وقال لنا أبو محمد الدليل على أنها اسم التنوين، وأنشدناه: وقائلة أسيت فقلت جير البيت، وهو عبد الله أبو محمد ابن بري، والمستدل في الحقيقة هو أبو علي كما تقدم، وهو كلام جيد، وكلا التخريجين تعسف ..
والبيت من أبيات أنشدها أبو علي عن ابن السكيت، وهي:
وقائلة أسيت فقت جير أسيٌّ إنّني من ذاك إنَّه
أصابهم الحما وهم عواف وكنَّ عليهم تعسًا لهنَّه
[ ٣ / ٧٢ ]
فجئت قبورهم بدءًا ولمّا فناديت القبور فلم يجبنه
وكيف تجيب أصداء وهام وأبدان بدرن وما نخرنه
ورويت هذه الأبيات عن المفضل أيضًا، بزيادة بيت قبلها، وهو:
ألا ياطال بالغربات ليلى وما يلقى بنو أسد بهنَّه
ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف، أي: يا قوم، والغربات: جمع غربة، بضمتين، وهي المرأة الغربية، وبدون هاء: الرجل الغريب يريد التزوج بالغربيات. وليلي: فاعل طال، وقال ابن الملا: الغربات موضع، ويرده ضمير بهنه، والباء سببية، والهاء للسكت.
وقوله: وقائلة أسيت .. إلى آخره. الواو: واو رب، أي: ربّ امرأة قائلة، وأسيت، بالخطاب: جواب ربَّ، والأسى: الحزن، والإسى: الحزن يقال: أسي يأسى إسى، كرضي يرضى، رضى؛ إذا حزن. وأسىّ، كحزين وزنًا ومعنى، وهو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أنا أسي، وخبر إنني محذوف مدلول عليه بما قبله، ومن متعلقة بذلك المحذوف؛ تعليلية، أي: إنني أسيّ من أجل ما لقي بنو أسد بسبب التزوج بالغريبات من المصائب، وكأنه اقتتل قومه مع قومها بسببها، فاسم الإشارة راجع إلى ما لقي بنو أسد بسببهن، وإنه: بمعنى نعم، والهاء للسكت. وقال ابن الملا: الإشارة للحزن، أي: إنني مخلوق من الحزن، قصدًا للمبالغة، وإن الثانية للتأكيد للأولى، هذا كلامه.
وقوله: أصابهم الحما، بكسر الحاء، أصله: الحمام، وهو الموت، حذف منه الميم لضرورة الشعر، وهي: ما وقع في الشعر، وإن كان عنه مندوحة، وهذا هو الصحيح في تفسير الضرورة، فلا يرد قول ابن الملا. ولك أن تقول: أين الضرورة، وهو متمكن من أن يقول: أصابهم الحمام فهم عواف؟ بسكون الميم من غير وصل على الأصل. انتهى. وعواف: جمع عاف شذوذًا، أو جمع عافية، بمعنى جماعة عافية، من
[ ٣ / ٧٣ ]
عفا القوم: إذا كثروا، وفي التنزيل: (حتى عفوا) [الأعراف/٩٥]، أي: كثروا، وجملة: وهم عواف: حال من هم، ولم يتنبه ابن الملا لهذا المعنى، وظن أنه من عفا المنزل بمعنى درس، ففسره بالرمم البالية، وشطب الواو بقلمه، ونزّل فاء على هم، وجعلها: فهم عواف، وهذا غير جائز في تغيير الرواية على حسب المراد! وضمير جمع الذكور في جميع المواضع لبني أسد، وضمير "كن" للنساء الغريبات، و"على" للمضرة، أي: كنّ عونًا للحمام عليهم. وقوله تعسًا لهنه: دعاء عليهن: ومعناه: أتعسهن الله. قال صاحب "المصباح": والتعس، مصدر تعس تعسًا، من باب نفع: أكبَّ على وجهه فهو تاعس، وتعس تعسًا من باب تعب؛ لغة، [فهو تعس مثل تعب] وتتعدى هذه بالحركة وبالهمزة فيقال: تعسه الله بالفتح، وأتعسه، وفي الدعاء: تعسًا له، وتعس وانتكس؛ فالتعس: أن يخر لوجهه، والنكس: أن لا يستقل بعد سقطته حتى يسقط ثانية، وهي أشد من الأولى، واللام في لهنه للتبيين، والهاء للسكت، وروي أيضًا: "وكن عليهم نحسًا لعنه". فنحسًا خبر كن. وهو ضد السعد، ولعنه: من اللعن، والهاء للسكت أيضًا، والجملة دعاء عليهن. وروي أيضًا: "وكرّ عليهم بخلًا فهنه"، وهذا ليس بشيء.
وقوله: فجئت قبورهم بدءًا إلى آخره، البدء، بفتح الموحدة وسكون الدال بعدها همزة: السيد، وسمي السيد به، لأنه يبدأ به في العد إذا عدّ السادات. ومجزوم لما محذوف، والتقدير: ولما أكن بدءًا حين قتلوا، بل صرت بعدهم بدءًا وسيدًا، وهذا كقول حارثة بن بدر الغداني:
خلت الديار فسدت عير مسوَّد ومن العناء تفرُّدي بالسودد
[ ٣ / ٧٤ ]
وقد أورده المصنف في بحث "لما".
وقوله: وكيف نجيب إلى آخره، هذا استبعاد منه لإجابة القبور، وتصحف على ابن الملا هاتان الكلمتان، فرأيتهما بخطة "وكنت بحيث" ولم يكتب على هذا البيت شيئًا. والأصداء: جمع صدى بالقصر، وهو ذكر البوم يسكن القبور، وكذلك الهام، وهو جمع هامة، وهو من طير الليل وقوله: وأبدان بدرن بالبناء للمفعول، أي: طعن في بوادرهم بالموت، والبادرة: النحر، وقوله: وما نخزنه، من نخر العظم نخرًا، ومن باب تعب: إذا بلي وتفتت.
وهذا الشعر نسبه ابن السكيت إلى رجل من بني أسد، ولم يذكر اسمه.
جلل
أنشد فيه وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد المائة:
(١٧٩) قومي هم قتلوا أميم أخي وإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللًا ولئن سطوت لأوهنن عظمي
على أن جللًا فيه بمعنى عظيم، وهذا من وظيفة اللغوي، فلا وجه له في إيراده في علم الإعراب. ولقد أجاد الدماميني في قوله: لا ينبغي للمصنف عد هذا، لأن الكلام في "جلل" المبنية على السكون، ولا تكون إلا حرفًا، وعلى تقدير أنه أراد ما هو أعم من المبنية، حتى يسهل ذكر التي هي اسم لا ينبغي أيضًا عدّها، لأن ما يذكر في هذا الباب الحروف، وما تضمن معناها من الأسماء والظروف، مما تمسّ الحاجة إلى ذكره من فعل جامد، أو اسم معرب يختص عن غيره من المعربات بحكم مثل "كل" وجلل الأسمية بمنزلة زيد وعمرو لا حكم له يختص به دون غيره. ومجرد موافقته للحرف في اللفظ لا يقتضي ذكره، وإلا فما
[ ٣ / ٧٥ ]
له لم يقل في "نعم": إنها تكون اسمًا، وهي واحدة الأنعام، وفي "إلى": إنها تكون اسمًا بمعنى النعمة، واحدة الآلاء؟ ! انتهى.
على أنه ذكر جلل الحرفية غير لازم، فإنها في غاية الشذوذ، حتى إنها ليست موجودة في أمهات كتب اللغة المدونة لجمع المستعمل والوحشي والغريب والنادر والشاذ، "كالجمهرة" لابن دريد و"التهذيب" للأزهري و"المحكم" لابن سيدة و"الصحاح" للجوهري و"العباب" للصاغاني، و"القاموس" لمجد الدين، و"لسان العرب" لابن مكرم، وغيرها ككتب النوادر، منها "نوادر أبي زيد" و"نوادر القالي" و"نوادر ابن الأعرابي" وغيرها؛ فشيء لم يذكر في هذه الكتب، ولا له شاهد في كلام العرب فأي مسيس حاجة إلى ذكره، وإنما هو قول انفرد به الزجاج، وكل من ذكرها إنما نقلها منه.
ولقد أفرط صاحب "رصف المباني" في قوله: إنّ "جلل" ليس لها في كلام العرب إلا معنى الجواب خاصة، يقول القائل: هل قام زيد؟ فتقول في الجواب: جلل، ومعناها: نعم حكى ذلك الزجاج في كتاب "الشجرة". انتهى. وهذا شيء يكذبه الحسّ والتنقير.
والبيتان من قصدية للحارث بن وعلة الذهلي، أورد أبو تمام منها سبعة أبيات في "حماسته" وأميم: منادى مرخم أصله: يا أميمة، وكانت تحرضه على أخذ الثأر، وتلومه على تركه، فاعتذر في ذلك بما قاله. قال الخطيب التبريزي في شرحها: يقول: قومي هم الذين فجعوني بأخي، فإذا رمت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عزّ الرّجل بعشيرته، وهذا الكلام تحزن وتفجع، وليس بإخبار، وعفوت عن الذنب: إذا صفحت عنه، يقول: إن تركت طلب الانتقام صفحت عن أمر عظيم، وإن انتقمت منهم أوهنت عظمي، والسطو: الأخذ بعنف، والجلل من الأضداد، يكون الصغير والعظيم، وهو المراد هنا.
[ ٣ / ٧٦ ]
انتهى. وقال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": المحققون من علماء العربية ينكرون الأضداد ويدفعونها، قال أبو العباس أحمد بن يحيى: ليس في كلام العرب ضد، قال: لأنه لو كان ضد كان الكلام محالًا، لأنه لا يكون الأبيض أسود، ولا الأسود أبيض، وإن اختلف اللفظ، فالمعنى يرجع إلى أصل واحد، مثل قولهم: التلعة: وهو ما علا من الأرض، وهي ما انخفض، لأنها مسيل الماء إلى الوادي، فالمسيل كله تلعة، فمرة يصير إلى أعلاه فيكون تلعة، ومرة ينحدر إلى أسفله فيكون تلعة، فقد رجع الكلام إلى أصل واحد، وإن اختلف اللفظ، وكذلك الجون، وهو الأسود، وإذا اشتد بياض الشيء حتى يغشي البصر رئي كالأسود. والجلل: العظيم والصغير لأنه شيء يزيد في النفس وينقص، ويجوز أن يكونا من لغتين. انتهى المراد منه، لأنه شرح كلمات كثيرة من هذا القبيل.
قال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "نوادر القالي": هذا الشاعر هو الحارث بن وعلة بن عبد الله، من بني جرم بن زبان، وقال إسحاق ابن إبراهيم: هو الحارث بن وعلة بن يثربي أحد بني ذهل بن شيبان، والدليل على صحة هذا النسب أن أخاه المنذر بن وعلة قتله بنو شيبان، فذلك قوله: "قومي هم قتلوا أميم أخي" وهكذا نسبه أكثر الناس، وكذا هو في "الحماسة" ولعله كان مجاورًا في جرم، ويكنى الحارث أبا خالد. انتهى. وقال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": وأما ابن وعلة، فمنهم الحارث بن علة بن الحارث الجرمي، هذا شاعر وجدت له في كتاب جرم:
[ ٣ / ٧٧ ]
أصبحت نهد وقد ذاقت بما أسلفت كأسًا من السمِّ قشيب
وهي أبيات ليس فيها ما يصلح للمذاكرة. ومنهم الحارث بن وعلة بن المجالد بن الزبان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، الشاعر المشهور صاحب القصيدة المختارة التي اختار منها أبو تمام أبيانًا في "الحماسة" ومنها:
قومي هم قتلوا أميم أخي البيت. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد المائة:
(١٨٠) ألا كلُّ شيء سواه جلل
على أن جللًا فيه بمعنى حقير، وهو من شعر لا مرئ القيس. قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر" والأصفهاني في كتاب "الأغاني": إن امرأ القيس أتاه خبر أبيه ومقتله، وهو بدّمون من أرض اليمن، أتاه به رجل من بني عجل يقال له: عامر الأعور، فلما أخبره بذلك قال:
تطاول اللَّيل علَّي دمُّون دمُّون إنّا معشر يمانون
وإنَّنا لأهلنا محبُّون
ثم قال: ضيعني صغيرًا، وحملني دمه كبيرًا! لا صحو اليوم، ولا سكر غدًا، اليوم خمر، وغدًا أمر. فذهبت مثلًا. ثم قال:
خليليَّ ما في اليوم مصحى لشارب ولا في غد إذ كان ما كان مشرب
[ ٣ / ٧٨ ]
ثم شرب سبعًا، فلما صحا آلى ألية أن لا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، ولا يدهن ولا يصيب امرأةً، ولا يغسل رأسه حتى يدرك بثأر أبيه، فلما جنه الليل رأى برقًا فقال.
أرقت لبرق بليل أهلّ يضيء سناه بأعلى الجبل
أتاني حديث فكذَّبته بأمر تزعزع منه القلل
بقتل بني أسد ربَّهم ألاكلُّ شيء سواه جلل
فأين ربيعة عن أهلها وأين تميم وأين الخول
ألا يحضرون لدى بابه كما يحضرون إذا ما استهل
قال ابن قتيبة: ثم استجاش بكر بن وائل فسار إليهم، وقد جاؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بي أسد، فقال:
يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا القاتلين الملك الحلا حلا
تا لله لا يذهب شيخي باطلًا
وقد ذكر امرؤ القيس في شعره أنه ظفر بهم، فتأبى ذلك عليه الشعراء. قال عبيد بن الأبرص:
ياذا المخِّوفنا بقتل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنَّك قج قتلت سراتنا كذبًا ومينا
ولم يزل يسير في العرب يطلب النصر حتى خرج إلى قيصر يستمده، ونظرت
[ ٣ / ٧٩ ]
إليه ابنة قيصر فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وفطن الطماح بن قيس الأسدي لها وكان حجر قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرعًا، فبعث قيصر في طلبه رسولًا، فأدركه دون أنقرة بيوم، ومعه حلة مسمومة، فلبسها في يوم صائف، فتناثر لحمه، وتفطر جسده، ومات هناك. وقد ذكرنا قصته مع قيصر بأبسط من هذا في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة.
وكان السبب في قتل أبيه ما حكاه ابن قتيبة أن أباه حجرًا كان قد ملِّك على بني أسد، فكان يأخذ منهم شيئًا معلومًا، فامتنعوا منه، فسار إليهم فأخذ أشرافهم فقلتهم بالعصي، فسمو "عبيد العصل"، وأسر منهم طائفة، فيهم عبيد بن الأبرص، فقام بين يدي الملك فقال:
يا عين ما قابكي بني أسد هم أهل النَّدامه
أهل القباب الحمر والنَّعم المؤبَّل والمدامه
مهلًا أبيت اللَّعن مهـ لًا إنَّ فيما قلت آمه
أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامه
فرحمهم الملك وعفا عنهم، وردهم إلى بلادهم، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم تهامة تكهن كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدي، فقال: يا عبادّ قالوا: لبيك ربنا، فقال: والغلاب غير المغلب، إن دمه يثعب، وهو غدًا أول من يسلب
[ ٣ / ٨٠ ]
قالوا: من هو ربنا؟ قال: لولا أن تجيش نفس جائشة، أنبأتكم أنه حجر ضاحية؛ فركبت بنو أسد كل صعب وذلول حتى أنتهوا إلى حجر، فوجدوه نائمًا فذبحوه، وشدوا على هجائنه فاستاقوها.
وكان امرؤ القيس أطرده أبوه لما صنع في الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقًا، فطلبها زمانًا فلم يصل إليها، وكان يطلب غرة، حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان، فقال:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فلما بلغ ذلك حجرًا أباه، دعا مولى له يقال له ربيعة، فقال له: اقتل امرأ القيس وأتني بعينيه، فذبح جؤذرًا فأتاه بعينيه، فندم حجر على ذلك، فقال: أبيت اللعن إني لم أقتله! قال: فأتني به، فانطلق فإذا هو قد قال شعرًا في رأس جبل، وهو قوله:
فلا تتركنّي يا ربيع لهذه وكنت أراني قبلها بك واثقا
فرده إلى أبيه، فنهاه عن قول الشعر. ثم إنه قال:
ألا أنعم صباحًا أيُّها الطَّلل البالي
فبلع ذلك أباه، فطرده إلى اليمن، وهناك بلغه مقتل أبيه. هذه رواية ابن قتيبة. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد المائة:
(١٨١) رسم دار وقفت في طلله كدت أقضي الحياة من جلله
[ ٣ / ٨١ ]
على أنه قيل: أراد الشاعر: من أجله، وقيل: أراد من عظمه في عيني، ففيه تفسيران، قال القالي في "أماليه": قرأت على أبي بكر بن دريد في كتاب "الأبواب" للأصمعي: فعلت ذاك من جلل كذا، أي: من عظمه في صدري، وقال أبو نصر: فعلت ذاك لجللك وجلالك، أي: لعظمتك في صدري، وأنشد الأصمعي لجميل: رسم دار وقفت في طلله .. البيت. وروي من غير هذا الوجه تفسير من جلله: من أجله، ويقال: فعلت ذلك من أجلك وجلك وجلالك. وأنشد الأصمعي في جلالك:
وغيد نشاوى من كرى فوق شزّب من الليل قد نبَّهتهم من جلالك
أي: من أجلك. انتهى. وقال ابن السكيت في كتاب "الأضداد": يقال: فعلته من جللك، أي: من أجل عظمتك عندي. قال جميل: "كدت أقضي الغداة من جلله"، أي: من عظمتها في صدري.
وبما نقلنا يدفع قول الدّماميني: ليس الجلل بمعنى العظم حتى يفسر به، وإنما هو بمعنى العظيم، فلو قيل: أراد: من عظم أمره في عيني؛ لكان مناسبًا. انتهى. وأيّ فرق بين من عظمه، ومن عظم أمره؟ ! وهل هما إلا سواء! وأعجب من هذا قول ابن الملا: وقع في "الصحاح" تفسير الجلل في البيت
[ ٣ / ٨٢ ]
بالعظم، لكن لا على أنه اسم جامد مما لا كلام فيه، بل على أنه من الجليل بمعنى العظيم. انتهى. ولا يخفي أن كليهما جامد، والمادة متحدة، ومعناهما متقارب.
ونقل أبو حيان في "تذكرته" من "النهاية": فعلت ذلك من جللك، قال: "كدت أقضي الحياة من جلله": ومن جلالك، قال:
حنيني إلى أسماء والخرق بيننا وإكرامي القوم العدى من جلالكا
وقال الراعي:
ونحن قتلنا من جلالك وائلًا ونحن ركبنا بالسيُّوف على عمرو
ويقال: فعلت ذلك من جرّاك، مشدد الراء، ومخففها فيها، أنشد اللحياني:
ومن جرّا بني أسد غضبتم ولو شئتم لكان لكم جوار
ومن جرّائنا صرتم عبيدًا لقوم بعد ما وطئ الخيار
وفعلت ذاك من أجل كذا؛ أجل: مصدر أجل عليهم شرًا يأجله أجلًا ويقال: من أجل، ومن إجلك، ومن أجلاك، ومن إجلاك، بفتح الهمزة وكسرها فيهن، ولم يرد إلا مضافًا. انتهى.
وقوله: رسم دار: مجرور بربّ المحذوفة، وقد استشهدوا به لذلك، وحذف حرف الجر ضرورة، وقد أورده ابن عصفور في "الضرائر" والرسم: ما كان لاصقًا بالأرض من آثار الدار كالرماد ونحوه، والطلل: ما شخص من آثارها كالوتد
[ ٣ / ٨٣ ]
والأثافي، وإضافته إلى ضمير الرسم بتقدير مضاف، أي: طلل داره، وقيل: ينبغي أن يراد بالرسم هنا الأثر أو بقيته، لإضافة الطلل إلى ضميره إن لم تجعل الإضافة لأدنى ملابسة، وجملة وقفت: في موضع الصفة لرسم، وكدت: جواب رب المحذوفة، وجملة أقضي الحياة: خبر كاد، من قضيت الشيء إذا أدّيته. وروي: "كدت أقضي الغداة" من قضى فلان: إذا مات. والغداة: الضحوة؛ ظرف لأقضي.
وهو أول أبيات عدتها اثنا عشر بيتًا لجميل العذري وبعده:
موحشًا ما ترى به أحدًا تنسج الريح ترب معتدله
وصريعًا من الثُّمام ترى عارمات المدبّ في أسله
بين علياء وابش وبليِّ والغميم الذي إلى جبله
واقفًا في رباع أمّ جسير من ضحى يومه إلى أصله
وقوله: موحشًا: حال من طلل، وهو اسم مفعول، وجملة "ما ترى به أحدًا": صفة كاشفة لموحش، ونسج الريح: هبوبها من جهات شتى، فتثير التراب، فتغطي المعالم فلا تعرف، والترب بالضم: لغة في التراب، وفيها حذف مضاف، أي: ترب مكانه المعتدل، قال شارح ديوانه محمد بن السائب الكلبي في البيت الأول: من جلله، أي: من أجله، ومن جلله: من عظمه في عيني، وقال في الثاني: يقول: ما سكن منه واعتدل فالريح تقلبه وتثيره. انتهى. وروي: "تمسح الريح" يقال: مسحته الريح، إذا غيرته. وقوله: وصريعًا من الثمام ترى؛ صريعًا: مفعول ترى، أي: ملقى على الأرض، والثمام بضم المثلثة: نبت معروف في البادية. وقوله: عارمات: مبتدأ، وفي أسله: الخبر، والمدب: مجرى السيل، وعارماته: حشراته وداوبه، من عرمت العظم،
[ ٣ / ٨٤ ]
من باب ضرب: إذا أخذت ما عليه من اللحم أكلًا، وأسله: أطرافه.
وقوله: بين علياء وابش: ظرف لصريع، ووابش، بالواو وكسر الموحدة بعدها شين معجمة: اسم هضبة. ويلي، بضم الموحدة وفتح اللام وتشديد الياء: اسم مكان، وكذا الغميم بفتح الغين المعجمة.
وقوله: واقفا: حال مؤكدة لوقفت، كقوله تعالى (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) [البقرة/٦٠] والرباع: جمع ربع، وهو المنزل أينما كان، وأم جسير: بضم الجيم، وأصل: جمع أصيل، وهو ما بعد العصر، وجمعه باعتبار ساعاته. وترجمة جميل تقدمت في الإنشاد الثالث والثلاثين.
حرف الحاء
حاشا
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد المائة:
(١٨٢) رأيت النَّاس ما حاشا قريشًا فإنَّا نحن أفضلهم فعالا
على أن "ما" قد تذكر قبل "حاشا"، وهي مصدرية. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقول المصنف: وربما قيل: ما حاشا، قال في الشرح: قد قيل: "ما حشاشا" في "مسند أبي أمية الطرسوسي" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "أسامة أحب الناس إلى ما حاشا فاطمة". انتهى؟ وقول المصنف: وربما قيل: ما حاشا، يوهم أن ذلك في حاشا المراد بها الاستثناء،
[ ٣ / ٨٥ ]
وتمثيله بما ورد في الحديث يدل على أنه أراد في الاستثناء، وقد اختلف النحويون في جواز دخول ما المصدرية على حاشا في الاستثناء، فمنع من ذلك سيبويه، قال سيبويه: لو قلت: أتوني ما حاشا زيدًا، لم يكن كلامًا، وأجاز ذلك على قلة، وقد سمع ذلك من كلامهم، ومن ذلك قول الشاعر: رأيت الناس ما حاشا قريشًا البيت. انتهى. وأخطأ العيني في زعمه أن: "ما" في البيت نافية، كما في الحديث على تخريج المصنف، فإن مراد الشاعر تفضيل قومه على ما عدا قريشًا، لا على قريش أيضًا. ورأيت: علمت، والمفعول الثاني محذوف، أي: دوننا، وجوز الدماميني أن يكون جملة: فإنا نحن .. إلى آخره، والفاء زائدة، وفيه نظر، لأنه كان يجب فتح إن، لوقوعها موقع المفعول، وليس هذا مما يجب أن يكون جملة، وزعم العيني، وتبعه السيوطي أن رأيت من الرأي، ولهذا اكتفى بمفعول واحد، وأقول: هذا لا معنى له، فتأمل. والفعال بفتح الفاء، قال ابن الشجوي في "أماليه": هو كل فعل حسن من حلم أو سخاء أو إصلاح بين الناس أو نحو ذلك، فإن كسرت فاءه صلح لما حسن من الأفعال، وما لم يحسن.
قال العيني، وتبعه السيوطي: إنه للأخطل من قصيدة، وقد راجعت ديوانه مرارًا فلم أجده فيه، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد المائة:
(١٨٣) ولا أرى فاعلًا في النَّاس يشبهه ولا أحاشي من الأقوام من أحد
[ ٣ / ٨٦ ]
على أن أحاشي فيه ليس مضارع "حاشا" الاستثنائية، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقوله: وليس "أحاشي" مضارع حاشي المستثنى بها، خلافًا للمبرد، استدل المبرد على فعلية حاشا بقول النابغة: ولا أرى فاعلًا البيت. قال المصنف في الشرح: هذا غلط، لأن حاشا إذا كانت فعلًا، وقصد بها الاستثناء؛ فهي واقعة موقع إلا، ومؤدبة معناها، فلا تتصرف، كمالا تتصرف عدا وخلا وليس ولا يكون، بل هي أحق بمنع التصرف، لأن فيها مع مساواتها للأربع شبهًا بحاشا الحرفية لفظًا ومعنى، وأما أحاشي فمضارع حاشيت، بمعنى: استثنيت، وهو فعل متصرف مشتق من لفظ حاشا، كما اشتق سوفت من لفظ سوف، ولوليت من لفظ لولا، ولاليت من لفظ لا، وأيهت من لفظ إيها، وأمثال ذلك كثيرة. انتهى.
والبيت من قصيدة طويلة للنابغة الذبياني، مدح بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وتنصل بها عما قذفوه به، وهي من القصائد الاعتذاريات، وتقدم شرح أبيات منها في الإنشاد الثالث والعشرين، وشرح أبيات أخر منها في الإنشاد الواحد والتسعين. وبعده:
إلاَّ سليمان إذ قال إلا له له قم في البريَّة فاحددها عن الفند
وقوله: ولا أحاشي، أي: لا أستثني أحدًا ممن يفعل الخير، فأقول: حاشا فلان. ومن زائدة، وقوله: إلا سليمان؛ هذا استثناء من قوله: من أحد، أو بدل من موضع أحد، والمراد به سليمان بن داود ﵉. وقوله: إذ قال الإله له، يريد: لكونه نبيًا، وإنما خصه بالذكر لأنه كان له الملك مع النبوة، يريد: لا يشبه أحد ممن أوتي الملك إلا سليمان بن داود. وقوله: فاحددها، أي: امنع البرية، والحد: المنع، والفند، بفتح الفاء والنون:
[ ٣ / ٨٧ ]
خطأ الرأي والصنيع، وقال ابن الأعرابي: الظلم. وتقدمت ترجمته في الإنشاد الثالث والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد المائة:
(١٨٤) حاشا أبا ثوبان إنَّ به ضنًّا على الملحاة والشَّتم
على أنه روي ما بعد حاشا بالنصب وبالجر، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": ومن الجر بحاشا قول الشاعر:
حاشا أبي ثوبان إنّ أبا ثوبان ليس ببكمة فدم
عمرو بن عبد الله إنَّ به ضنًّا عن الملحاة والشَّتم
وأكثر النحاة يركب صدر البيت الأول على عجز الثاني، فينشدونه:
حاشا أبي ثوبان إن به ضنًّا عن الملحاة والشَّتم
وعلى الصواب أنشدهما ابن عصفور، والمصنف في الشرح. وهما للجميح الأسدي وقبلهما:
وبنو رواحة ينظرون إذا نظر النديُّ بآنف خثم
ثم استثنى فقال: حاشا أبي ثوبان وقال المرزوقي: رواه الضبي:
"حاشا أبا ثوبان" بالنصب. انتهى. وأقول: وقد وقع للمنصف مثله في الباب الخامٍ، أنشد فيه قول عمر ابن أبي ربيعة:
وناهدة الثديين قلت لها اتَّكي فقالت على اسم الله أمرك طاعة
وأصله:
[ ٣ / ٨٨ ]
وناهدة الثَّديين قلت لها اتكي على الرَّمل من جنباته لم توسَّد
فقالت على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلِّفت ما لم أعوَّد
وممن أنشده بالتركيب أبو عبيدة، قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (حاشا لله) [يوسف/٣١] قال أبو عبيدة: حاش لله، وحاشا لله، تطلقونها وهي تنزيه واستثناء، وأنشد:
حاشا أبي ثوبان إن به ضنًّا عن الملحاة والشَّتم
انتهى. وكذا أنشده بالتركيب ابن جني في "المحتسب" قال: قرأ ابن مسعود: (حاشا الله) على أصل اللفظة، وهي حرف جر، قال: حاشا أبي ثوبان وأنشده بالتركيب، وكذا أورده صاحب "الكشاف" في "سورة يوسف" عند تلك القراءة، وفي "المفصل" أيضًا، قال ابن يعيش في شرحه: هكذا أنشده المبرد والسيرافي وغيرهما من البصريين، وفيه تخليط من جهة الرواية، وذلك أنه ركب صدره على عجز [غير] هـ، والصواب ما أنشده المفضل في "المفضليات" انتهى. وكذا قال المرادي في "الجنى اداني". وهذه رواية المفضل:
يا جار نضلة قد أنى لك أن تسعى لجارك في بني هدم
متنظِّمين جوار نضلة يا شاه الوجوه لذلك النَّظم
وبنو رواحة ينظرون إذا نظر النّديُّ بآنف خثم
حاشا أبي ثوبان إن أبا ثوبان ليس ببكمة فدم
[ ٣ / ٨٩ ]
عمرو بن عبد الله إنَّ به ضنًّا عن الملحاة والشَّتم
لا تسقني إن لم أزر سمرًا غطفان موكب جحفل دهم
وبعد أن وصف الجحفل بالكثرة والشدة، وأخذ الثأر في أربعة أبيات قال:
حتَّى أجازي بالذي اجترمت عبس بأسوأ ذلك الجرم
يا نضل للضّيف الغريب وللـ ـجار المضيم وحامل لغرم
أو من لأشعت بعد أرملة مثل البليَّة سملة الهدم
وهذا آخر القصيدة، وعدتها ثلاثة عشر بيتًا، قال ابن الأنباري في "شرح المفضليات": كان نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس جارًا لبني عبس، فقتلوه، فقال في ذلك الجميح، وكذا قال الضبي، وقال غيره: هو أبو خالد ابن نضلة، وكان سيدًا ذا مال، واجتمع من كل فخذ منهم رجل، فأخذوا قناة واحدة، ثم انتظموا أيديهم فيها، فطعنوه بها كلهم طعنة رجل واحد، لئلا تخص فخذًا واحدة بطلب دمه.
وقوله: يا جار نضلة الخ. الجار الأول: المجير، وهو الذي يمنع ويجير، وكان سيد العشيرة إذا أجار إنسانًا لم يخفروه، والجار الثاني: المستجير والحليف والنزيل؛ نادى مجير نضلة، وذكره طلب دمه. وأني بالنون يأني: كحان يحين، أي: قرب، ويقال أيضًا: آن يئين، وأن تسعى: في تأويل مصدر فاعل لأني. وهدم بكسر الهاء: هو هدم بن عوذ بن غالب بن قطيعة –بالتصغير- ابن عبس، وبنو هدم أربعة، منهم: فاشب ابن هدم.
وقوله: منتظمين: حال من بني هدم، أي: منتظمين معه في سلك واحد،
[ ٣ / ٩٠ ]
قال ابن الأنباري، قال أحمد بن عبيد: أي جعلوا بيوتهم حوله كالنظم ليمنعوه، فلم يمنعوه. وقال ابن الأعرابي: النظم هو نظم أيديهم بالرمح. انتهى. وعليه، يكون منصوبًا على الذم. وقوله: ياشاه الوجوه، "يا" للتنبيه، والجملة بعده دعائية، أي: قبحت وجوههم لأجل ذلك النظم، ويتعدى بالتضعيف، يقال: شوه وجهه تشويهًا، أي: قبحه.
وقوله: وبنو رواحة إلى آخره. رواحة: هو ابن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطعية بن عبس، وبنو رواحة ستة: جذيمة، وخلف، وعوير، وعمرو، وخالد، وحنظلة. قال ابن الأنبتري: الندي: المجلس، وأراد أهل الندي، والآنف: جمع أنف في القلة، وأنوف في الكثرة. والخثم، بضم الخاء المعجمة وسكون المثلثة: جمع أخثم، وهي العظيمة الكثيرة اللحم، ليست برقيقة ولا شم، عيّرهم على سبيل الذم بأن أنوافهم خثم.
وقوله: حاشا أبي ثوبان إلى آخره، هذا مستثنى من بني رواحة، والمعنى أذّمهم وألحاهم، إلا هذا الرجل فإنه لم يفعل ما يوجب ذمه ولحيه. قال ابن الأنباري: أراد ببكمة: أبكم. انتهى. وهو بفتح الموحدة، وقيل بضمها، في "تهذيب الأزهري": يقال للرجل إذا امتنع من الكلام جهلًا أو تعمدًا: بكم عن الكلام، وفي "نوادر أبي زيد": رجل أبكم، وهو العيي المفحم، قلت: وبين الأخرس والأبكم فرق، فالأخرس: الذي خلق ولا نطق له كالبهيمة، والأبكم: الذي للسانه نطق، وهو لا يعقل الجواب ولا يحسن وجه الكلام. والفدم: بفتح الفاء وسكون الدال، قال الليث: هو العيي عن الحجة والكلام.
وقوله: عمرو بن عبد الله إلى آخره، بدل من أبي ثوبان، قال ابن الأنباري قال الضبي: أي: يضن بنفسه عن الملحاة، وهي مفعلة، من: لحوت
[ ٣ / ٩١ ]
الرجل ولحيته: إذا ألحت عليه باللائمة، وهو مشتق من لحو العصا وهو قشرها.
وقوله: لا تسقني الخ، قال ابن الأنبتري: قال الضبي: سمرًا، أي: ليلًا، أي: إن لم آتهم ليلًا، والجحفل: الجيش العظيم، والدُّهم: الكثير. انتهى. وقوله: إن لم أزر، بضم الهمزة وكسر الزاي، يقال: أزاره يزيره إزارة، أي: جعله زائرًا، يتعدى لمفعولين أولهما غطفان، وثانيهما موكب، وهو الجماعة ركبانًا أو مشلة، من: وكب وكوبا: إذا مشى في درجان. وغطفان: هو ابن سعد ابن قيس بن عيلان بن مضر، وعبس: قبيلة من غطفان، لأن عبسًا هو ابن بغيض بن ريث بن غطفان.
وقوله: حتى أجازي الخ، حتى هنا غاية بمعنى إلى، أي: لا تسقني شيئًا إلى أن أجازي، ويجوز أن تكون بمعنى كي التعليلية للإزارة، واجترمت: اكتسب الجرم، وهو الذنب.
وقوله: يا نضل؛ هو مرخم نضلة، وقوله: للضيف؛ الجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: من للضيف، بدلالة ما بعده. والمضيم: اسم مفعول من الضيم:، وهو الظلم، والغرم بالضم: الغرامة، يقول: كان نضلة يعين من يحمل الغرامات كالدية.
وقوله: أو من لأشعت .. الخ، قال ابن الأنباري، قال الضبي: الأسعت: البائس الفقير، الذي لا ينام من الجوع والبرد، والأرملة: الفقيرة المحتاجة، والبلية: البعير الذي كان الرجل يركبه في الجاهلية، فإن مات شد عند قبره وفقئت عيناه، وشد عقاله، وجعل خطامه في وليَّته، وترك بلا علف حتى يموت، وكانوا يقولون: إن صاحبه إذا حشر يوم القيامة ركب عليه إلى المحشر. والسمل: الثوب الخلق، والهدم بالكسر: البالي من الأكسية وغيرها. انتهى.
والجمح: بضم اليم وفتح الميم وآخره حاء مهملة، وهو لقب، واسمه: منقذ، اسم فاعل من أنقذ- بالذال المعجمة- ابن الطماح، بتشديد الميم، وهو
[ ٣ / ٩٢ ]
صاحب امرئ القيس الذي دخل معه بلاد الروم، ووشى به إلى قيصر، فصار سببًا لهلاكه، كما ذكرناه قريبًا.
والطماح: هو ابن قيس بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
قال أبو عبيد البكري في شرح "أمالي القالي: " الجميع الأسدي: فارس شاعر جاهلي قتل يوم جبلة. انتهى.
وهذا نسب نضلة: هو نضلة بن الأشتر بن جحوان -بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة- ابن فقعس بن ظريف بن عمرو بن قعين .. إلى آخر النسب المذكور.
وأنشد بعده:
إنَّ أباها وأبا أباها
وتقدم شرحه في الإنشاد التاسع والأربعين.
حتى
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد المائة:
(١٨٥) أتت حتّاك تقصد كلَّ فجّا ترجِّي منك أنها لا تخيب
على أن كون مجرور حتى فيه ضميرًا ضرورة، والفج: الطريق الواسع، وفاعل "أتت" قيل: ضمير الناقة، وقيل: ضمير السابلة. وهذا البيت مع شهرته
[ ٣ / ٩٣ ]
مجهول القائل والتتمة، قال السيوطي: وفيه شاهد آخر، وهو أن "أن" المفتوحة المخففة، وقد يكون اسمها ضميرًا مذكورًا لا محذوفًا. قال أبو حيان في شرح "التسهيل": أجاز الكوفيون والمبرد جرها للمضمر، واستدلوا بقول الشاعر:
فلا والله لا يلقى أناس فتى حتّاك يا ابن أبي يزيد
وهذا البيت عند بعض البصريين ضرورة، ومن أحاز أن تجر المضمر أدخلها على المضمرات المجرورات كلها، نحو: حتاي وحتاه وحتاهما وحتاكما وحتاكم وحتاهم وحتاكن، ولا ينبغي القياس على حتاك من هذا البيت، فيقال ذلك في سائر الضمائر، وانتهاء الغاية في حتاك هنا لا أفهمه، ولا أدري ما عنى هناك بجتاك، فلعل هذا البيت مصنوع. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد المائة:
(١٨٦) عيَّنت ليلةً فما زلت حتّى نصفها راجيًا فعدت يؤوسا
قال أبو حيان في "شرح التسهيل" قال المصنف في الشرح: والتزم الزمخشري أن يكون مجرورها آخر جزء، أو ملاقي آخر جزء، وهو غير لازم، ومن دلائل ذلك قول الشاعر:
إنّ سلمى من بعد يأسي همَّت بوصا لو صحَّ لم تبق بوسا
عيّنت ليلةً فما زلت حتَّى نصفها راجيًا فعدت يؤوسا
وما نقله عن الزمخشري هو قول أصحابنا: أكلت السمكة حتى نصفها. ولا يكون الاسم الذي انجر بها إلا آخر جزء من الشيء، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقيًا لآخر جزء منه، نحو: سرت النهار حتى الليل، ولو قلت: أكلت السمكة حتى وسطها، وسرت النهار حتى نصفه، لم يجز ذلك، بل إذا
[ ٣ / ٩٤ ]
أردت ذلك المعنى أتيت بإلى، فقلت: أكلت السمكة إلى وسطها، وسرت النهار إلى نصفه، فإلى في استعمالها لانتهاء الغاية أقعد من حتى، لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء غاية، وسواء في ذلك بأن يكون آخر جزء من الشيء، أو ملاقيًا لآخر جزء، أو لا يكون، ولما كانت إلى أقعد منها في ذلك، جروا بها الظاهر والمضمر، ولم يجروا بحتى إلا الظاهر. انتهى.
وما استدل به المصنف من قوله: عيَّنت ليلة البيت، لا حجة فيه، لأنه لم يتقدم حتى ما يكون ما بعدها جزءًا له، ولا ما يكون ما بعدها ملاقيًا لآخر جزء منه في الجملة المغيا العامل فيها حتى، فليس البيت نظير ما مثل به أصحابنا من قولهم: أكلت السمكة حتى وسطها، لأنه تقدم السمكة في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، وليس الوسط آخر جزء في السمكة، ولا ملاقيًا لآخر جزء منها، فلو صرح بذكر الليلة فقال: فمازلت راجيًا وصلها تلك اللية حتى نصفها؛ كان ذلك حجة الزمخشري، ونحن نقول: إذا لم يتقدم في الجملة المغياة بحتى ما يصح أن يكون ما بعد حتى آخر جزء منه، أو ملاقيًا آخر جزء منه، جاز أن تدخل على ما ليس بآخر جزء ولا ملاق آخر جزء إذا تقدم على الجملة المغياة ما يصلح أن يكون ما بعد حتى جزءًا من ذلك السابق على الجملة، ولا يعتبر فيه كونه آخر جزء منه، ولا ملاقيًا لآخر جزء منه لذلك البيت الذي أنشده المصنف. هذا آخر كلام أبي حيان، ونقله محبّ الدين ناظر الجيش في شرحه، وقال: ولم يظهر لي ما قاله، لأن الشاعر وإن لم يصرح بذكر الليلة، فمراده: فما زلت تلك اللية. ولو لم يكن ذلك مراده لم يكن للضميَّر المضاف إليه النصف مفسّر يعود عليه. وقد قال المصنف: إن مجرور حتى بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهامًا صريحًا أو غير صريح، ومثَّل لغير الصريح بقوله تعالى: (ليسجننَّه حتى حين) [يوسف/٣٥] والحاصل أنه لا يلزم من عدم الذكر لفظًا عدم الإرادة والتقدير. انتهى.
[ ٣ / ٩٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد المائة:
(١٨٧) ألقى الصَّحيفة كي يخفِّف رحله والزّاد حتَّى نعله ألقاها
على أن فيه قوينة لدخول ما بعد حتى في حكم ما قبلها، وهي قوله: ألقاها، إذ أنه يقتضي أن النعل ملقاة قطعًا، وأنشد سيبويه على أن حتى فيه حرف جر، وأن مجرورها غاية لما قبله، كأنه قال: ألقى الصحيفة والزاد وما معه من المتاع حتى انتهى الإلقاء إلى الفعل، ويكون "ألقاها" تكرير الفعل على طريق التأكيد.
ويجوز نصب نعله من وجهين؛ أحدهما: بإضمار فعل يفسره ألقاها، كأنه قال: حتى ألقى نعله ألقاها، كما يقال في الواو وغيرها من حروف العطف. وثانيهما: أن تكون للعطف بمعنى الواو، وكأنه قال: ألقى الصحيفة ونلعه، فألقاها تكرير وتوكيد، والهاء عائدة على النعل أو الصحيفة. وكذا في الجر.
وفي البيت تقديم وتأخير، كأنه قال: ألقى الصحيفة، ألقاها كي يخفف رحله، والزاد حتى نعله.
ويجوز الرفع وهو أن يكون مبتدأ، وألقاها في موضع الخبر، والهاء تعود إلى النعل لا غير، وحتى ابتدائية، وكذلك في الوجه الأول من النصب. وقال ابن خلف: في الرفع تكون الجملة معطوفة على الجملة المتقدمة، ورده المصنف. والصحيفة: الكتاب، والرحل هنا: الأثاث والمتاع، وقد أنكره الحريري في "درة الغواص" بهذا المعنى، ورد عليه ابن برّي فيما كتبه عليه، فقال: قال، الجوهري: الرحل منزل الرجل وما يستصحبه من الأثاث، وقد فسرت بيت متمم
[ ٣ / ٩٦ ]
ابن نويرة على ذلك وهو قوله:
كريم الثّنا حلو الشَّمائل ماجد صبور على الضَّراء مشترك الرَّجل
قالوا: أراد بالرحل: الأناث: ومثله قول الآخر: "ألقى الصحيفة كي يخفف رحله" قالوا: رحله: أثاثه وقماشه، والتقدير عندهم: ألقى قماشه وأثاثه، حتى ألقى نعله مع جملة أثاثه. وإنما قدروة بذلك ليصح كون ما بعد حتى في هذا الموضع جزءًا مما قبلها، وعليه فسر قوله تعالى: (قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) [يوسف/٧٤ - ٧٥] قالوا: رحله: أثاثه، بدليل (فاستخرجها من وعاء أخيه) انتهى. وبعد هذا البيت:
ومضى يظنُّ بريد عمرو خلفه خوفًا وفارق أرضه وقلاها
والبريد: الرسول، وعمرو: هو عمرو بن هند ملك الحيرة، وقلاها: أبغضها. والبيتان إشارة إلى قصة المتلمس حين فرّ من عمرو بن هند، وكان المتلمس، قد هجاه بقوله:
قولا لعمرو بن هند غير متَّئب يا أخدس الوجه والأضراس كالعدس
ملك النهار وأمَّا الليل مومسة ماء الرِّجال على فخذيك كالقرس
وكان طرفة بن العبد قد هجاه أيضًا بقوله من قصيدة:
ليت لنا مكان الملك عمرو رغوثًا حول قبَّتنا تدور
فاتصل هجاؤهما به، فلم يظهر لهما شيئًا من التغير، ثم مدحاه بعد ذلك، فكتب لهما إلى عامل بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز، وهو قد
[ ٣ / ٩٧ ]
أمره فيهما بقتلهما، فلما وصلا إلى الحيرة، دفع المتلمس كتابه إلى غلام ليقرأه، فإذا فيه: إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه، وادفنه حيًا، فرمى المتلمس كتابه في نهر الحيرة، وهرب إلى الشام، وأما طرفة فذهب إلى عامله بكتابه، وكان فيه الأمر بقتله أيضًا فقتله. وقد ذكرنا قصتهما بأبسط من هذا في الإنشاد السابع والثلاثين بعد المائة، وفي الإنشاد الرابع والستين بعد المائة أيضًا.
قال ابن خلف: وصف هذا الشاعر راكبًا جهدت راحلته، فخاف أن تنقطع به، أو كان خائفًا من عدو يطلبه فخفف رحله بإلقاء ما كان عنده من كتاب وزاد ونعل، وهذا من الإفراط في الوصف، والمبالغة في الدلالة على شدة الجهد أو طلب الفوت وكان الواجب في الظاهر أن يقول: ألقى الزاد كي يخفف رحله والنعل حتى الصحيفة، فيبدأ بالأثقل محملًا، ثم يتبعه الأخف فلم يمكنه. أو يكون قدم الصحيفة، لأن الزاد والنعل أحق عنده بالإبقاء، لأن الزاد يبلغه الوجه الذي يريده، والنعل يقوم له مقام الراحلة إن عطبت فاحتاج إلى المشي، فقد قالوا: كاد المنتعل يكون راكبًا. وأقول: إلقاء الصحيفة ابتداءً هو الأهم الواجب، لأنها متضمنة قتله، وهذا هو الواقع في نفس الأمر، ثم لما جدّ في الهرب خاف أن يدرك، فطرح ما يثقله من زاد ونعل وغير ذلك.
والشعر لأبي مروان النحوي قاله في قصة المتلمس حين فرَّ من عمرو بن هند، حكى ذلك الأخفش عن عيسى بن عمر فيما ذكره الفارسي، ونسبه الناس، إلى المتلمس. انتهى. وكذا في "شرح أبيات الجمل" لابن السيد ونسبه ياقوت في "معجم الأدباء" إلى مروان النحوي، لا أبي مروان، قال: سمعت بعض النحويين ينسب إليه هذا الشعر، وقال في ترجمته: هو مروان بن سعيد بن عبّاد بن حبيب
[ ٣ / ٩٨ ]
ابن المهلب بن أبي صفرة المهلبي، أحد أصحاب الخليل المتقدمين في النحو المبرّزين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد المائة:
(١٨٨) سقى الحيا الأرض حتَّى أمكن عزيت لهم فما زال عنها الخير مجدودا
على أن فيه قرينة على عدم دخول ما بعد حتى في حكم ما قبلها، لأن قرينة دعائه على أمكنتهم بدوام قطع الخير عنها يقتضي عدم دخولها في الأرض المدعوّ لها بالسقيا، كذا قال ابن مالك في "شرح التسهيل" ونقله أبو حيان في شرحه. والحيا، بفتح الحاء المهملة والقصر: المطر، ويمدّ أيضًا، وعزيت: نسبت، والمجدود: المقطوع، سواء كان بالدال المهملة أو المعجمة، قال الدماميني: ولا أعلم الرواية بالبيت بالإهمال أو بالإعجام. قال المبرد في "الكامل": يقال: جددت النخل جدًا: إذا صرمته [ويقال: جذذته حذًا]، وتركت الشيء جذاذًا: إذا قطعته قطعًا.
ويروى هذا البيت لجرير [على وجهين]:
آل المهّلب جدَّ الله دابرهم أضحوار مادًا فلا أصل ولا طرف
ويروى "جذّ الله" وقرأ بعض القراء: (عطاءً غير مجدود) [هود/ ١٠٨] فأما قوله ﷿: (فجعلهم جذاذًا) [الأنبياء/٥٨] فلم يقرأ أحد بغيره، وينشد هذا البيت:
أبى حبّي لسلمى أن يبيدا وأصبح حبلها خلقًا جديدا
بقول: أصبح خلقًا مقطوعًا، لأن جديدًا في معنى مقطوع، كقتيل وجريح. انتهى.
[ ٣ / ٩٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد المائة:
(١٨٩) ليس العطاء من الفضول سماحةً حتَّى تجود وما لديك قليل
على أن حتى فيه بمعنى "إلاّ" قال أبو حيان في "شرح التسهيل": ومثال المرادفة لـ"إلاّ أن" ما أنشده المصنف مستشهدًا به على أن حتى بمعنى "إلا أن" قول الشاعر: ليس العطاء من الفضول البيت. والذي ذكره معظم النحويين في معنى حتى إذا انتصب ما بعدها أن تكون للغاية أو للتعليل، فهي تنصب عندهم على أحد هذين المعنيين، وإما أن تكون بمعنى "إلا أن" فتكون للاستثناء، وذكر هذا المصنف، وقد أغنانا ابن المصنف عن الرد على أبيه في ذلك، فقال: وأرى أنك لو جعلت "إلى أن" مكان "حتى" يعني في البيت الذي أنشده والده؛ لم يكن المعنى فاسدًا. انتهى. وإذا احتمل أن تكون حتى فيه للغاية، فلا دليل في البيت على أن حتى بمعنى إلا أن.
وقال ابن هشام في حديث "كل مولود يولد على الفطرة" بعد بحث كثير قال: وعندي أنه يجوز أن يكون "على الفطرة" حالًا من الضمير، و"يولد" في موضع الخبر بسبب هذه الإفادة، وحتى بمعنى "إلا أن" المنقطعة، كأنه قال: إلا أن يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، والمعنى: لكن أبواه يهوّدانه أو ينصرانه. وقد ذكطر النحويون هذا المعنى في أقسام حتى، ومنه قول امرئ القيس:
[ ٣ / ١٠٠ ]
والله لا يذهب شيخي باطلا حتَّى أبير مالكًا وكاهلا
المعنى: إلا أن أبير، وهو منقطع بمعنى: لكن أبي. وقال سيبويه: وأما قولهم: والله لا أفعل إلا أن تفعل، فـ"أن تفعل" في موضع نصب، وليس بمبتدأ والمعنى: حتى تفعل، وكأنه قال: أو تفعل، وقد بين أن أو تفعل إذا نصب الفعل بعدها بمعنى إلا أن؛ فهذا بيان من كلامهم. انتهى كلام أبي حيان.
وقوله: وإذا احتمل أن تكون حتى فيه للغاية، فلا دليل على أن حتى بمعنى "إلا أن" قال تلميذة ناظر الجيش: لا شك أن تقدير "إلى" يلزم منه أن يكون مقصود الشاعر أن السماحة إنما يوصف بها من كان له مال كثير، فكان يجود منه إلى أن قل ماله، ثم إنه استمر يجود مع قله ماله، والظاهر أن مقصود الشاعر: أن السماحة لا يوصف بها إلا من يجود مع كونه قليل المال في الأصل، وجاد منه ابتداء، وإذا كان كذلك، تعيّن في البيت تقدير إلا أن، وامتنع تقدير إلى أن. على أن الشيخ قال: وقال ابن هشام في حديث "كل مولود يولد على الفطرة" .. إلى قوله فهذا بيان من كلامهم، ويكفي هذا نقل الشيخ عن ابن هشام، وما ذكره ابن هشام من كلام سيبويه في صحة ما ذكره المصنف، فكيف يقول الشيخ: وإما أن يكون بمعنى إلا أن فيكون للاستثناء [ذكر] هذا المصنف، ثم يقول: وقد أغنانا ابنه عن الرد على أبيه في ذلك؟ ! . انتهى.
وقال الدماميني: الفضول: جمع فضل، وهو الزيادة، والمراد زيادات المال: وهي: ما لا يحتاج إليه منه، والسماحة: الجود، والمعنى: إن إعطاءك من زيادات مالك، لا يعد سماحة، إلا أن تعطي في حال قلة المال. والاستثناء على هذا منقطع والمصنف استظهره، مع أنه يحتمل للغاية، أي: إنّ انتفاء كون عطائك معدودًا من السماحة ممتد إلى زمن عطائك في حال قلة مالك، يثبت حينئذ أن إعطاءك من الفضول سماحة، باعتبار أن الجود مع الإقلال، يدل على أن السماحة غريزة لك، فيكون ما أعطيته مع وجود الثروة سماحة أيضًا، ويحتمل
[ ٣ / ١٠١ ]
التعليل، بأن يكون المراد بأني أحكم أن إعطاءك من الفضول ليس سماحة كي أبعثك بذلك على الجود مع الإقلال. انتهى.
قال ابن الملا: وأنت تعلم أن ظهور معنى لا ينافي احتمال غيره، وإنما ينافي الاحتمال القطع. انتهى.
وقال ابن وحيي: ولا يخفى أن الغاية والتعليل في غاية من البعد، وإن ذهب إلى معنى الغاية ولد ابن مالك. انتهى.
والبيت ثالث أبيات ثلاثة للمقنع الكندي، أوردها أبو تمام في باب الأضياف. والمديح من "الحماسة" وهي:
نزل المشيب فأين تذهب بعده وقد أر عويت وحان منك رحيل
كان الشّباب خفيفة أيّامه والشَّيب تحمله عليك ثقيل
ليس العطاء البيت.
وكذا أوردها حسن بن صالح العدوي اليمني في كتاب "العباب شرح أبيات الآداب" وروى السيوطي البيت الأول كذا:
ذهب الشَّباب فأين تذهب بعده نزل المشيب وحان منك رحيل
وأما العيني، فقد قال: هذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته.
ولا يخفى أن البيت الشاهد، لا مناسبة له بالبيتين قبله. وكأن أبا تمام حذف ما قبله المناسب له حسب اختياره، كما فعل في غيره، لكن شراحه لم ينبهوا عليه، وأنا لم أقف على شعر المقنع، من غير طريق أبي تمام.
قال المرزوقي: يقول واعظًا لنفسه: قد مسك الكبر، فأي طريق تسلك، وأي مذهب تذهب، وقد رجعت عن جهالتك، وارتدعت عن
[ ٣ / ١٠٢ ]
كثير مما كنت تلابسه بغباوتك، وقرب منك التحول من دار الفناء إلى دار البقاء، وقد كانت أيام الشباب طيبة الممر خفيفة المستقر، وايام الشيب البادي كريهة الظهور ثقيلة الأعباء والحمول، فعليك بما يجمع لك إلى الحمد ذخرًا، وإلى ثناء الناس وشكرهم أجرًا، وأعلم أن البذل مما يفضل عنك ليس بسماحة، إنما الجود أن تعطي من قليلك، وتنفق من كفايتك. وقوله: وما لديك قليل، يجوز أن يريد: والذي لديك، ويكون "ما" مبتدأ، ولديك صلته، وقليل خيره، ويجوز أن تكون "ما" نافية، وقليل، اسمه، ولديك، خبره. والمعنى: حتى تجود بكل شيء لك، فلا يبقى قليله أيضًا. انتهى. وتبعه التبريزي والطبرسي.
قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": المقنع الكندي هو محمد بن عمير، وكان من أجمل الناس وجهًا، وأمدهم قامة، وكان إذا سفر عن وجهه لقع، أي: أصيب بالعين، فكان يتقنع دهره، فسمي: المقنع، وهو القائل:
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
وليسوا إلى نصري سراعًا وإن هم دعوني إلى نصر أتيتم شدَّا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
يعيِّرني بالدَّين قومي وإنَّما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
انتهى. وفي البيت الأخير دليل على جواز: عيرته بكذا، والمشهور: عيرته كذا؛ وزاد صاحب "الأغاني": وهو شاعر مقل من شعراء الدولة: الأموية، وكان له محل كبر وشرف وسودد في كنده.
[ ٣ / ١٠٣ ]
وقال الصفدي في "الوافي بالوفيات": اسمه محمد بن ظفر بن عمير. ولم أر هذه الواسطة في كتاب "الشعراء" ولا في "الأغاني" والله أعلم. قال الصفدي: وقال عبد الملك بن مروان، وهو أول خليفة ظهر منه البخل: أيُّ الشعراء أفضل؟ فقال له كثير [بن هراشة]. يعرض ببخل عبد الملك: أفضلهم المقنع الكندي حيث يقول:
إنّي أحرِّض أهل البخل كلَّهم لو كان ينفع أهل البخل تحريضي
ما قلَّ مالي إلاَّ زادني كرمًا حتّى يكون برزق الله تعويضي
والمال يرفع من لولا دراهمه أمسى يقلِّب فينا طرف مخفوض
لن تخرج البيض عفوًا من أكفِّهم إلاّ على وجع منهم وتمريض
كأنَّها من جلود الباخلين بما عند النَّوائب تحذى بالمقاريض
فقال عبد الملك، وعرف ما أراده: الله أصدق من المقنع حيث قال:
(والذِّين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) [الفرقان/٦٧] وهو القائل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁:
إنَّ عليّا ساد بالتكرُّم والحلم عند غاية التَّحلُّم
هداه ربي للصِّراط الأقوم بأخذه الحلَّ وترك المحرم
كالليث بين اللَّبوات الضَّيغم يرضعن أشبالًا ولما تفطم
انتهى.
وأنشد بعده وهو الإنشاد التسعون بعد المائة:
(١٩٠) والله لا يذهب شيخي باطلا حتّى أبير مالكًا وكاهلا
[ ٣ / ١٠٤ ]
لما تقدم قبله من كون حتى فيه بمعنى إلاَّ. قال الدماميني: أبير: أهلك، يقال: بار الرجل إذا هلك، وأباره الله إذا أهلكه. والغاية في البيت ممكنة، أي: لا أترك ثأره إلى أن أقتل هذين الحيين، فأترك حينئذ لحصول القصد بإهلاكهما، وكذا التعليل ممكن أيضًا، أي: لا أترك الأخذ بالثأر كي أقتل هذين الحيين. أهـ.
قال ابن وحيي: لا نزاع في الاحتمال والجواز المجرد، ولكن معنى الاستثناء أمس وإن كان قليلًا في استعمال حتى فيه.
وهذا من رجز قاله امرؤ القيس لما سمع أن بني أسد قتلوا أباه، وقد ذكرنا منشأ قتلهم أباه قبل هذا بعشرة شواهد عند قوله:
ألا كلُّ شيء سواه جلل
وأول الرجز:
نحن جلبنا القرّح القوافلا حملننا والأسل النَّواهلا
مستضربات بالحصى جوافلا تستثفر الأواخر الأوائلا
يا لهف هند إذ خطئن كاهلا القاتلين الملك الحلاحلا
والله لا يذهب شيخي باطلا حتَّى أبير مالكًا وكاهلا
يا خير شيخ حسبًا ونائلا وخيرهم قد علموا شمائلا
والقرح: جمع قارح؛ من قرح ذو الحافر يقرح بفتحتين قروحًا: انتهت
[ ٣ / ١٠٥ ]
أسنانه، وذلك عند إكمال خمس سنين. والقوافل: بالقاف والفاء، في "الصحاح": وخيل قوافل: ضوامر، جمع قافل، من قفل يقفل بالكسر قفولًا، أي: يبس. والأسل: الرماح جمع أسلة، والنواهل: العطاش، ومستضربات: تضرب فروجها بالحصى من شدة السير، وتستثفر، أي: تضرب بالحصى أثفارها، والثفر، بفتح الثاء المثلثة والفاء: السير في مؤخر السرج. وقوله: يالهف هند، يا: للنداء، واللهف: الحزن، يريد: بالهف هند احضر فهذا وقتك، وهند: هي بنت ربيعة بن وهب، زوجة حجر والد امرئ القيس، ولما قتل خلف عليها امرؤ القيس على عادة الجاهلية. قال الصاغاني في "العباب"، وقال أبو القاسم السعدي في كتاب "مساوئ الخمر": هند هذه امرأة حجر أبي امرئ القيس، وهي أخت مارية ذات القرطين، المضروب المثل بقرطيها، وفيها يقول حسان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الجواد المفضل
وهما ابنتا ظالم بن وهب بن الحارث، وهي التي قال فيها امرؤ القيس:
يالهف هند إذ خطئن كاهلا
انتهى. وزعم السيوطي أنها أخت امرئ القيس، وتبعه من جاء بعده، وهذا لم يقل به أحد. وقوله: إذ خطئن كاهلا، النون: ضمير الخيل القرح، وأراد بها أصحابها، وخطئ بالكسر وأخطا لغتان بمعنى واحد، قاله الصاغاني عن أبي عبيد. وكاهل: أبو قبيلة من أسد، وهو كاهل بن أسد بن خزيمة، وهم قتلة أبي امرئ القيس، قاله الصاغاني أيضًا. قال ابن قتيبة: لما قتل بنو أسد حجرًا استجاش امرؤ القيس بكر بن وائل، فسار إليهم وقد لجؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بني أسد، فقال: "يالهف نفسي إذ
[ ٣ / ١٠٦ ]
خطئن كاهلا" والحلاحل، بضم الحاء المهملة الأولى، وكسر الثانية: السيد العظيم. وقوله: والله لا يذهب شيخي، أي: دم شيخي، وأراد بالشيخ أباه، والباطل: الهدر، وقوله: حتى أبير، روي أيضًا حتى أبيد بالدال، وهو بمعناه، يقال: باد، أي: هلك، وأباده: أهلكه. قال السيوطي: مالك وكاهل قبيلتان من بني أسد وروى السعدي في كتاب، "مساوئ الخمر": "حتى أبير عامرًا وكاهلا".
وقوله: يا خير شيخ، كذا رواه السعدي وغيره، وروى السيوطي: "خير معد حسبًا ونائلًا" وهذا لا يصح، لأن حجرًا من كندة، وكندة من قبائل قحطان، ومعد بن عدنان وقحطان عمود نسب قبائل اليمن، كما أن عدنان عمود نسب عرب الحجاز وما والاها، والرجل لا يفتخر إلا بقبيلته. والحسب: ما يعده الإنسان من المناقب لنفسه، والنائل: العطاء، وشمائل تمييز، ومفعول علموا محذوف، وهو جمع شمال بالكسر، وهي الطبيعة والخليقة، وروي بدله "فواضلًا". وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد المائة:
(١٩١) قهرناكم حتّى الكماة فأنتم لتخشوننا حتّى بنينا الأصاغرا
الكماة: جمع كمي، قال صاحب "الصحاح": الكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه، لأنه كمى نفسه، أي: سترها بالدرع والبيضة، والجمع الكماة، كأنهم جمعوا كاميًا مثل قاض وقضاة. انتهى.
[ ٣ / ١٠٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد المائة:
(١٩٢) سريت بهم حتّى تكلَّ مطيُّهم وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان
على أن "حتى" فيه ابتدائية، وزعم ابن السيد أنها عاطفة لجملة "تكل" على جملة "سريت بهم". أقول: قاله في "شرح شواهد الجمل الزجاجية" وهذه عبارته هناك: الباء متعلقة بسريت، وهي الباء التي تعاقب همزة النقل، نحو قولك: ذهبت به وأذهبته، وتكل مطيهم: جملة في موضع خفض بحتى، وتقديرها تقدير المصدر الساد مسد الظرف، كأنه قال: إلى حين كلال مطيهم. هذا في رواية من نصب تكل، ورفعه على وجهين، أحدهما: أن ترفعه مقدرًا بالماضي، بمعنى إلى أن كلت، والثاني: أن يكون بمعنى الحال. وأما من رفع فليست الجملة مخفوضة الموضع، ولكنها معطوفة على سريت، كأنه قال: سريت بهم حتى كلت، فهي حال محكية بعد زمان وقوعها، فلذلك تقدر بفعل ماض، كأنه قال: سريت بهم حتى صاروا بهذه الحال، والحال محكي بعد وقوعها، كقولك: رأيت زيدًا أمس وهو راكب، فقولك: وهو راكب، حال بالإضافة إلى وقت الركوب والرؤية، وهي ماضية بالإضافة إلى وقت إخبارك. وقوله: ما يقدن بأرسان؛ جملة في موضع رفع على خبر المبتدأ، وكأنه قال: وحتى الجياد غير مقودات، أو غير مقودة، والباء في "بأرسان" متعلقة بـ"يقدن" والسرى: سرى الليل، ومعنى ما يقدن بأرسان: أنها قد أعيت، فلا تحتاج أن تقاد، كقول الآخر:
من الكلال ما يذقن عودا لا عقلًا تبغي ولا قيودا
[ ٣ / ١٠٨ ]
انتهى كلامه. وإليه ذهب ابن خلف في "شرح شواهد سيبويه" عند قوله: والزاد حتى نلعه ألقاها .. البيت المتقدم، قال: نعله فيمن رفع: مبتدأ، وألقاها: خبره، وتكون الجملة معطفوة على الجملة المتقدمة، ورده المصنف بأن شرط معطوفها أن يكون جزءًا مما قبلها أو كجزء، ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات، واعترضه الدماميني بأنه يجوز في بعض الجمل أن يكون مضمون إحداها بعضًا من مضمون أخرى، كما تقول: أكرمت زيدًا بما أقدر عليه، حتى أقمت نفسي خادمًا له، فإقامة نفسك خادمًا بعض من الإكرام بما تقدر عليه، وكذا قولك: بخل علي زيد بكل شيء حتى منعمي دانقًا، فمنع الدائنق بعض من البخل بكل شيء، وقد نص علماء المعاني على أن الجملة الثانية تنزل منزلة البعض من الأولى، كقوله تعالى: (أمدّكم بما تعلمون أمّكم بأنعام وبنين) [الشعراء/١٣٢ و١٣٣]. انتهى.
وأنشده سيبويه في موضعين من "كتابه" الأول على أن ما بعد حتى الثانية مرفوع، يعني أن حتى ابتدائية، والموضع الثاني "باب اسم الجمع" أنشده كذا: "سريت بهم حتى تكل ركابهم" وفي الموضع الأول رواه: "حتى تكل مطيهم".
والبيت من قصيدة لامرئ القيس، قالها عندما تشقق لحمه من الحلة المسمومة التي أرسلها قيصر إليه، فلبسها بعد خروجه من الحمام، ومطلعها:
قفانبك من ذكرى حبيب وعرفان ورسم عفت آياته منذ أزمان
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزَّان
فإمَّا تريني في رحالة جابر على حرج كالقرِّ يخفق أكفاني
[ ٣ / ١٠٩ ]
فياربَّ مكروب كررت وراءه وعان فككت الغلَّ عنه ففدّاني
وهكذا سلَّى نفسه، وافتخر بما فعه في شبابه وصحته، إلى أن قال:
ومجر كغلّان الأنيعم بالغ ديار العدوِّ ذي زهاء وأركان
سريت بهم حتّى تكلَّ مطيّهم البيت
وحتّى ترى الجون الذي كان باديًا عليه عواف من نسور وعقبان
قال السعدي في كتاب "مساوئ الخمر": لما ذهب امرؤ القيس إلى قيصر يستمده لأخذ ثأره من بني أسد القاتلين أباه خف على قلب قيصر حتى نادمه، ففي ذلك يقول:
ونادمت قيصر في ملكه فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكَّة سبقت الغرانق سبقًا بعيدا
ولطف محله منه، فأدخله الحمام معه، فرأى غلفة قيصر، فقال:
لقد حلفت يمينًا غير كاذبة أنَّك أغلف إلاّ ما جنى القمر
ختانة القمر: مثل تضربه العرب للأغلف، لأن القمر لا يختن أبدًا. وفي مدة منادمته لقيصر، رأته ابنة قيصر، فعشقته وراسلته وراسلها، وصار إليها، وفيها يقول:
سموت إليها بعدما نام أهلها سموَّ حباب الماء حالًا على حال
[ ٣ / ١١٠ ]
وهو من قصيدة طويلة. قالوا: ولم يزل يصير إليها، ثم أخبر بذلك أصحابه، وفيهم الطمَّاح بن قيس الأسدي، فقال له: ائتنا بأمارة، فأتاه بقارورة من طيب الملك، وذلك بفضل سكره، وكان حجر أبو امرئ القيس قد قتل قيسًا أبا الطمَّاح أيام أوقع ببني أسد، فتحيل الطماح حتى أخذها، فأنفذ بها إلى قيصر، وأخبر بالحديث فعرفه، وعلم صحته. ثم إن امرأ القيس ندم على إفشاء سره إلى الطمَّاح، ففيه يقول: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه البيت.
فلما نفذ امرؤ القيس بالجيش، أتى الطمَّاح قيصروقد تغير على امرئ القيس، فقال له: أيها الملك: أهلكت جيشًا بعثته مع المطرود الذي قتل أبوه وأهل بيته، وما تريد إلى نصره! قال: فما الرأي؟ قال أن تدارك جيشك، وترده، وتبعث إلى امرئ القيس بحلة مسمومة، ففعل وعزم على امرئ القيس أن يلبسها، فدخل امرؤ القيس الحمام، فاطلَّى ولبسها، وقد رق جلده لقروح كانت به فتساقط لحمه، ورد قيصر جيشه، وقدم امرؤ القيس أنقرة، فأقام بها مدنفًا يعالج قروحه، وكان الذي حمله عندما تقرح لحمه صاحبه جابر بن حنيّ التغلبي على سرير، وإياه عنى امرؤ القيس: فإما تريني في رحالة جابر البيت. قال: ونزل إلى جنب جبل يقال له عسيب، وإلى جنبه قبر لابنة بعض ملوك الروم، فسأل عن القبر فأخبر به، فقال:
أجارتنا إنَّ الخطوب تنوب وإنِّي مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان ههنا وكلُّ غريب للغريب نسيب
فلما أيقن بالموت قال:
كم طعنة مثعنجره وخطبة مسحنفره
[ ٣ / ١١١ ]
وجفنة مدعثره قد غودرت بأنقره
وكان هذا آخر ما تكلم به، ومات. انتهى. ومطلع القصيدة يأتي شرحه إن شاء الله تعالى، في "مذ". وقوله: فإما تريني: خطاب لامرأة، وما زائدة، أي: فإن تريني، والرحالة بالكسر، قال الأزهري: الرحالة: أكبر من السرج، وتغشى بالجلود، تكون للخيل والنجائب من الإبل. والحرج، بفتح الحاء والراء المهملتين وبالجيم: سرير الميت، أبو عبيد عن الأصمعي: الحرج: خشب يشد بعضها إلى بعض يحمل فيه الموتى، وأنشد هذا البيت، والقر بفتح القاف: مركب للنساء، وأنشد البيت أيضًا، ويخفق: يضطرب، والعاني: الأسير، والغل بالضم: واحد الأغلال، يقال في رقبته غل من حديد، والمجر، بفتح الميم وسكون الجيم: الجيش العظيم، والغلان؛ بضم الغين المعجمة: جمع غالّ، وهو نبت، والأنيعم، بالتصغير: اسم واد، شبه الجيش بنبات ذلك الوادي في الكثرة، وبما عليهم من خضرة الأسلحة، وبالغ بالجر: صفة لمجر، وديار بالنصب: مفعوله، يعني أنه لا يمكن رده عن الموضع الذي يتوجه إليه لكثرته وعزه، وإنه لا يقاومه جيش، والزهاء، بضم الزاي والمد: المقدار في العدد، يريد: إنه لا يمكن: ضبطه بالعدد، وإنما يحزر حزرًا، فيقال: زهاء مائة ألف ونحوه، والأركان: النواحي المحيطة بالجيش.
وقوله: سريت بهم: هذا جواب ربَّ المقدرة في قوله: ومجر، وروي بدله: مطوت بهم، قال الجوهري: مطوت بالقوم مطوًا؛ إذا مددت بهم في السير، والكلال الإعياء، والمطية: الدابة التي تمطو في سيرها، وروى سيبويه:
[ ٣ / ١١٢ ]
"حتى تكل ركابهم" والركاب بالكسر: اسم جمع لراحلة، والراحلة: الجمل النجيب، والناقة النجيبة، والهاء فيه للاسمية. وروي أيضًا: "حتى تكل غزيُّهم" وهو جمع غاز، كحجيج جمع حاج، وقطين جمع قاطن. وروي أيضًا: "غزاتهم" جمع غاز أيضًا، والجياد: الخيل العتاق، جمع جواد. وقوله: ما تقاد: يجوز أن تكون مانافية، أي: لاتقاد لشدة إعيائها، أولا تحتاج أن تقاد، كما قال ابن السيد، ويجوز أن تكون زائدة، أي: أنها من شدة الإعياء تقاد، ولا تمشي من نفسها، وكذا رأيت في "شرح أبيات الإيضاح" لابن بري قال: بأرسان متعلق بـ"يقدن" أي: يخلين يسرن كيف شئن لشدة التعب وبعد السير، ويحتمل أن يريد أنهن لا ينقدن بالأرسان، وإن جررن من شدة الإعياء والتعب. انتهى.
وكتب الزمخشري في حواشي "المفصل": وضع "ما يقدن" موضع الكلال، كقول أبي العلاء:
ولو في عيون النازيات بأكرع
فوضع النازيات بأكرع موضع الجراد. انتهى.
وقوله: وحتى ترى الجون إلى آخره، الجون: الفرس المائل إلى السواد، وبادنًا: سمينًا، وعواف: نسور تعفوه، أي: تأتيه لأكل لحمه بعد موته. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده وهو، والإنشاد الثالث والتسعون بعد المائة:
(١٩٣) جود يمناك فاض في الخلق حتّى بائس دان بالإساءة دينا
[ ٣ / ١١٣ ]
على أن حتى فيه عاطفة، عطفت بائسًا على الخلق، وأضاف الجود إلى اليد، بل إلى اليمنى خاصة، لأن الغالب يكون الإعطاء والبذل بها، والبائس: الذي أصابه بؤس، أي: شدة، ودان بالإساءة، أي: تعبد بها، أي: اتخذها عادة وطريقًا كالدين الذي يتعبد به الإنسان، والمعنى: إن جوده عم من أساء ومن لم يسئ، قاله الدماميني.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد المائة:
(١٩٤) فما زالت القتلى تمجُّ دماءها بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل
على أن حتى فيه ابتدائية، قال الرضي: وفائدة الابتدائية أيضًا إما التحقير، كقوله:
فوا عجبًا حتّى كليب تسبني
أو التعظيم، كقوله:
فما زالت القتلى تمجُّ دماءها البيت
ويلزم في الأسمية أن يكون خبر المبتدأ من جنس الفعل المقدم؛ نحو ركب القوم حتى الأمير راكب، فلو قلت: حتى الأمير ضاحك، ولم تفد. انتهى.
وأراد بالتعظيم المبالغة، وهو هنا تغير ماء دجلة من كثرة دماء القتلى حتى صار أشكل، وهو من الشكلة، كالحمرة وزنًا ومعنى، لكن يخالطها بياض، وهو مأخوذ من أشكل الأمر، أي: التبس.
[ ٣ / ١١٤ ]
فإن قيل: أين ما اشترطه من كون خبر المبتدأ بعد حتى من جنس الفعل المقدم عليه؟ قلت: ما قبل حتى في قوة قوله: فما زالت القتلى تغير ماء دجلة بالدماء.
والقتلى: جمع قتيل، وتمج: تقذف، ويروى بدله: "تمور دماؤها" مضارع مار الدم: سال، ومار الشيء: تحرك بسرعة، ودماؤها: فاعله، ودجلة بفتح الدال وكسرها: النهر الذي يمرُّ ببغداد، لا ينصرف للعلمية والتأنيث، والباء بمعنى في.
والبيت من قصيدة لجرير هجا ببها الأخطل، وذكر ما أوقعه الجحَّاف ببني تغلب، ومطلعها:
أجدَّك لا يصحو الفؤاد المعلَّل وقد لاح من شيب عذار ومسحل
ألا ليت أنَّ الظَّاعنين بذي الغضا أقاموا وبعض الآخرين تحمَّلوا
فيومًا يحارين الهوى غير ماصبًا ويومًا ترى منهن غولًا تغوَّل
وبعد بيتين قال:
بكى دوبلٌ لا يرقئ الله دمعه ألا إنَّما يبكي من الذُّل دوبل
جزعت ابن ذات القلس لما تداركت من الحرب أنياب عليك وكلكل
فإنَّك والجحّاف يوم تحضُّه أردت بذاك المكث والورد أعجل
سرى نحوكم ليل كأنَّ نجومه قناديل فيهنَّ الذُّبال المفتَّل
[ ٣ / ١١٥ ]
فما انشق ضوء الصُّبح حتى تعرَّفوا كراديس يهديهنَّ وردٌ محجَّل
فقد قذفت من حرب قيس نساؤكم بأولادها منها تمام ومعجل
ومقتولة صبرًا ترى عند رجلها بقيرًا وأخرى ذات بعل تولول
وقد قتل الجحَّاف أزواج نسوة يسوق ابن خلَّاس بهنَّ وعزهل
تقول لك الثَّكلى المصاب حليلها أبا مالك ما في الظّعائن مغزل
حضضت على القوم الذين تركتهم تعلُّ الرُّدينيَّات فيهم وتنهل
عُقاب المنايا تستدير عليهم وشعث النَّواصي لجمهنَّ تصلصل
بدجلة إن كرُّوا فقيس وراءهم صفوفًا وإن راموا المخاضة أو حلوا
وما زالت القتلى تمور دماؤها . . . . . البيت
فإلّا تعلّق من قريش بذمَّة فليس على أسياف قيس معوَّل
لنا الفضل في الدُّنيا وأنفك راغم ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أجار بنو مروان منهم دماءكم فمن من بني مروان أعلا وأفضل
وهذا آخر القصيد، وتركنا منها ثلاثة أبيات لا غير.
قوله: أجدَّك، يريد: أحقًّا منك هذا، والعذاران: العارضان، والمسحل بكسر الميم: ما تحت الذقن، فيومًا يجارين الهوى، بالراء المهملة، قال شارح ديوانه: مجاراتهن الهوى: قولهن بألسنتهن، وروي: "يدانين الهوى" وقوله: غير ماصبًا، يقول: من غير صبًا إليَّ، والتغوّل: التلون والتقتل. انتهى.
[ ٣ / ١١٦ ]
أشار إلى أن "ما" زائدة، ورواه سيبويه: "ويومًا توافيني الهوى غير ماضي" قال الأعلم: الشاهد فيه تحريك الياء من ماضي ضرورة، وتوافيني الهوى، أي: يوافقني الهوى منهنَّ ولا أصبو، ولا آتي مالًا يحل، ويومًا تهجر فيه فتذهب لذة الصبا واللهو، وغالته غول: إذا نائبة تذهب به فتهلكه. انتهى. وكذا أورده ابن عصفور في كتاب "الضرائر" ونقل العيني عن ابن القطاع أنه قال: الرواية الصحيحة "غير ماصبًا" وقد صحفه جماعة. انتهى.
وقوله: بكى دوبل، قال شارحه: كان الأخطل يلقب صغيرًا دوبل، وبكاؤه لقوله:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة إلى الله منها المشتكى والمعوَّل
وقوله: جزعت ابن ذات الفلس، رواه شارح ديوانه بالفاء، وقال: يريد أن قدرها أن تزني بلفس، ورويناه من طريق أخرى بالقاف، وهو حبل ضخم من ليف أو خوص، أراد به ونار النصارى. وابن: منادى، وتداركت: تتابعت، والكلكل: الصدر، وأراد بهما شدة الحرب، وهو ما أوقعه الجحاف ابن حكيم السلمي- بفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة- ببني تغلب، وسببه أن عمير بن الحباب السلمي خرج على عبد الله في أول خلافته، فاجتمعت إليه قيس وعامر وكان نازلًا بالقرب من بني تغلب قبيلة الأخطل، وكانت منازلهم بين الخابور والفرات ودجلة، فأساء المجاورة مع تغلب، فوقع بينهم شرّ فما زال الحرب بينهم سجالًا إلى أن قتل بنو تغلب عميرًا، وأرسلوا برأسه إلى عبد الملك في سنة سبعين
[ ٣ / ١١٧ ]
من الهجرة، فأنعم على الوفد وكساهم، ثم إن الأخطل وفد على عبد الملك، فدخل عليه الجحاف، فقال عبد الملك: أتعرف هذا يا أخطل؟ قال: ومن هو؟ قال: الجحاف، فقال الأخطل:
ألا سائل الجحَّاف هل هو ثائر .. بقتلى أصيبت من سليم وعامر
حتى فرغ من القصيدة، وكان الجحاف يأكل رطبًا، فجعل النوى يتساقط من يده غيظًا، ثم أجابه فقال:
بلى سوف نبكيهم بكلِّ مهنّدٍ ونبكي عميرًا بالرِّماح الشَّواجر
ثم قال: يا ابن النصرانية! ما ظننتك تجترئ علي بمثل هذا، ولو كنت مأسورًا لك! فحمَّ الأخطل خوفًا منه، فقال عبد الملك: أنا جارك منه، فقال: يا أمير المؤمنين هبك أجرتني منه في اليقظة، فمن يجيرني منه في النوم؟ ! ثم قام الجحاف، ومشى يجر ثوبه وهو لا يعقل، حتى دخل بيتًا من بيوت الديوان، فقال للكاتب: أعطني طومارًا من طوامير العهود، فأتاه بطومار ليس فيه كتاب، فخرج إلى أصحابه من القيسية، فقال إن أمير المؤمنين ولاني صدقات بكر وتغلب، فلحقه زهاء ألف فارس، فسار حتى أتى الرصافة، ثم قال لمن معه: إن الأخطل قد أسمعني ما علمتم، ولست بوال، فمن كان يحب أن يغسل عنه العار فليصحبني، فإني قد آليت أن لا أغسل رأسي حتى أوقع ببني تغلب، فرجعوا غير ثلاثمائة، فسار ليلته فصبح الرحوب، وهو ماء لبني جشم بن بكر رهط الأخطل، فصادف عليه جماعة كثيرة من تغلب، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخذ الأخطل وعليه عباءة وسخة، فظنوه عبدًا فخلوا سبيله، فخشي أن يراه من يعرفه، فرمى بنفسه في جب، فلم يزل فيه حتى انصرفت القيسية، فنجا،
[ ٣ / ١١٨ ]
وقتل أبوه غوث. وأسرف الجحاف في القتل، وشق البطون عن الأجنة، وفعل أمرًا عظيمًا، فلما عاد عنهم، قدم الأخطل على عبد الملك فأنشده:
لقد أوقع الجحَّاف بالبشر وقعة
والبشر بالكسر: اسم ماء. فطلب عبد الملك الجحاف، فهرب إلى الروم، فكان يتردد فيها، ثم بعث إلى بطانة عبد الملك من قيس، فطلبوا له الأمان فأمنَّه، فلما جاء ألزمه ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء، فسعى فيها حتى جمعها وأعطاها. ثم تنسك الجحاف بعد وصلح، ومضى حاجًا فتعلق بأستار الكعبة، وجعل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظنك تفعل، فسمعه محمد بن الحنفية فقال: يا شيخ، قنوطك شر من ذنبك! .
وقوله: فإنك والجحاف .. إلخ، تحضه: تحثه، والمكث: البطء، والورد بالكسر: الورود، قال شارح ديوانه: يقول: أردت تأني الجحاف وإبطاءه عنكم، ووروده كان إليكم أعجل. وقوله: سرى نحوكم ليل .. إلخ، الليل هنا: الجيش الكثير، شبهه بسواد الليل، وشبه لمعان السلاح فيه بالقناديل، والذبال: جمع ذبالة، وهي القتيلة.
وقوله: فما انشق ضوء .. إلخ، الكردوس بالضم: القطعة من الخيل العظيمة، ويهديهن: يدلهن ويقودهن، والورد: الأسد، وعنى به الجحاف. وقوله: منها تمام ومعجل، ولدت لتمام الحمل، بفتح التاء وكسرها، ومعجل: اسم مفعول؛ خلاف التمام، والصبر: القتل أسرًا، والبقير: المبقور، وهو الذي شق بطنه، وتولول: تصوت وتصيح، وخلاس وعزهل: رجلان من قيس، وأبو مالك: كنية الأخطل، والمغزل كجعفر: الغزل، وهو محادثة النساء واللعب، وإنما يهزأ به، يقول: قد شغلك ما صنعت عن التغزل، والردينيات:
[ ٣ / ١١٩ ]
الرماح، والنهل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني، وعقاب المنايا: الراية، شبهها بالعقاب، وأراد بشعث النواصي: الخيل، واللجم: جمع لجام، وتصلصل: تصوت، وأصله تتصلصل، بتامين، وأوحلوا: صاروا في الوحل.
وقوله: فإلا تعلق: أصله تتعلق بتاءين، يقول: إن لم تتعلق بجوار قريش حتى تأمن، فليس لك عندهم جوار ولا هوداة ولا بقيا، وهذا استهزاء في معرض النصيحة، أي: إن لم تتعلق بذمة قريش، فلا طاقة لكم بسيوف قيس.
وقوله: لنا الفضل في الدنيا البيت، يأتي شرحه، إن شاء الله، في حرف اللام، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد المائة:
(١٩٥) فوا عجبا حتى كليب تسبني كأن أباها نهشل أو مجاشع
على أن حتى فيه ابتدائية، قال سيبويه في باب حتى بعد ما أنشده: فحتى ههنا بمنزلة إذا، وإنما هي ههنا كحرف من حروف الابتداء، انتهى.
قال أبو علي في "المسائل البصريات" وهي مسائل أملاها في جامع البصرة:
"حتى" ثلاثة أضرب: جارة، وعاطفة، والثالث: أن تكون داخلة على الجمل. وينصرف الكلام الذي بعدها إلى الابتداء كأما وإذا، ونحوهما في ذلك نحو قوله:
"فيا عجبًا حتى كليب تسبني" لا تخلو من أن تكون عاطفة أو جارة أو ابتدائية، فلا يجوز أن تكون عاطفة، ألا ترى لا يحسن: عجبًا وزيد منطلق، لأنك لا تشرك زيدًا في النداء، ولا تدخله أيضًا في الحديث الأول، لأنه ليس من
[ ٣ / ١٢٠ ]
شكله، ومخالف له في جنسه، لأن النداء ليس بخبر وقد روعي في باب عطف الجمل من التشاكل والتشابه ما لا خفاء به، فإذا لم يكن من شكله لم ينعطف عليه، وإذا لم ينعطف عليه كان كأنه قال مبتدئًا: وزيد منطلق، وهذا غير سائغ، ويدلك على أنها ليست العاطفة دخول حرف العطف عليها في قوله:
وحتَّى الجياد ما يقدن بأرسان
وحرف العطف لا يدخل على مثله، فإذا كان كذلك علمت أنها بمنزلة قوله: (وأما ثمود فهديناهم) [فصلت/١٧] في أن حرف العطف دخل على حرف يصرف الكلام إلى ابتداء، فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون الجارة، وتكون الجملة في موضع جر؟ قلنا: ذلك خطأ من غير وجه، ألا ترى أن الجمل إنما يحكم لها بمواضع من الإعراب إذا وقعت في مواضع المفردة صفات لها أو أخبارًا أو أحوالًا؟ وليس هذا من مواضع المفردة، ألا ترى أن حتى الجارة لم تضف إلى مضمر نحو: حتاك وحتاه، حيث لم تتمكن تمكن إلى؟ كما لم تضف الكاف إلى المضمر، نحو: كك،كي؟ فإذا لم تضف إلى المضمر الذي هو اسم ولم يتعد عملها الأسماء المظهرة كانت من أن تعمل في الجمل أبعد، لأن الاتساع في إقامة الجملة مقام المفرد أشد منه في إقامة المضمر مقام المظهر، إلا ترى أن عامة المواضع يقوم المضمر فيها مقام المظهر، ولا تقوم الجمل فيها جمع مقام المفرد، بل في مواضع أقل من ذلك؟ مع هذا فإنك لو حكمت في موضع الجملة بالجر لمكان حتى للزمك تعليق حرف الجر، وحروف الجر لا تعلق، ألا ترى أنك لا تجد حرفًا من حروف الجر في موضع داخلًا على جملة كائنة في موضع جر.
وقال أبو عثمان: فإن قلت: إني أجد معنى حتى في هذه المواضع: أن
[ ٣ / ١٢١ ]
ما بعدها مما قبلها ومتعلق به، فهلا دل اجتماعهها في المعنى على أنهما حرف وحد؛ قيل: ليس اجتماع الحرفين في معنى واحد مما يوجب أن يكون أحدهما الآخر، بل لا ينكر أن يجتمع حرفان في معنى نحو: بل ولكن، ألا ترى أنك تستدرك بهما جميعًا، بل وأم المنقطعة، ألا ترى أنك تضرب بهما جميعًا، ونحو: لا ولن، فإنك تنفي بهما جميعًا، ونحو: هل وهمزة الاستفهام، فإذا كان كذلك؛ علمت أن الحكم بأن الجملة بعد مجرورة من فاحش الخطأ، وما تدفعه الأصول، ولا يوجه عليه شاهد، فاعرف خطأه، على أنه لو كانت الجملة التي تقع بعد حتى في موضع جر لوجب أن لا تقع الأفعال المرتفعة بعدها، بل كان بضمر بعدها "أن" فينصب الفعل بها، ويكون أن مع الفعل في موضع جر، فوقوع الفعل المرفوع بعدها إذا أريد به الحال، واشتهار ذلك وكثرته، مما يدلك ويبصرك فساد هذا القول، انتهى كلام أبي علي، بحذف ما يستغنى عنه من النظائر.
والبيت من قصيدة للفرزدق هجا بها جريرًا، وهي من النقائض، وأولها:
منّا الذي اختير الرجال سماحة وخيرًا إذا هبَّ الرِّياح الزعازع
ومنّا الذي أعطى الرسول عطيّة أسارى تميم والعيون دوامع
ومنّا خطيب لا يعاب وحامل أغرُّ إذا التفَّت عليه المجامع
ومنّا الذي أحيا الوئيد وغالب وعمرو ومنا حاجب والأقارع
ثم قال بعد أبيات مثلها:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
بهم أعتلي ما حمَّلتني مجاشع وأصرع أقراني الذين أصارع
[ ٣ / ١٢٢ ]
فيا عجبًا حتى كليب تسبَّني البيت
إذا قيل أي النّاس شرٌّ قبيلة أشارت كليب بالأكفِّ الأصابع
والمطالع قد شرحناه في الشاهد الثامن بعد السبعمائة من شواهد الرضي، وقوله: ومنا الذي أعطى الرسول إلى آخره؛ هذا يوم بني عمرو بن جندب بن العنبر حين رد رسول الله ﷺ سبيهم، وقال عبيدة: كلمَّ الأقرع رسول الله ﷺ في أصحاب الحجرات وهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو ابن تميم، فرد سبيهم، وحمل الأقوع الدماء.
ومنا خطيب لا يعاب الخ، الخطيب: عطارد بن حاجب بن زرارة حين وفد إلى النبي ﷺ في وفد بني تميم، والحامل: عبد الله بن حكيم من بني حوي ابن سفيان الذي حمل الحمالات يوم المربد يوم قتل مسعود بن عمرو العتكي، وقوله: ومنا الذي أحيا الوئيد الخ، الذي أحيا الوئيد: جد الفرزدق صعصعة بن ناجية، وقد أحيا ثلاثمائة موؤودة إلا أربعًا، وقوله: فيا عجبًا حتى كليب الخ، قال الخفاف في "شرح الجمل الزجاجية": شاهده رفع ما بعد حتى بالابتداء والخبر، فحتى: حرف ابتداء، وهي هنا للتحقير، والمعنى: كل الناس يسبني حتى كليب على حقارتها، ولو خفض كليبًا على المعنى لجاز، ومعناها كمعنى الجارة، ونصب عجبًا على المصدر، وتقديره، يا هؤلاء اعجبوا عجبًا، ويمكن أن يكون منادى منكورًا فيه معنى التعجب الذي يدل في الاستغاثة، كأنه قال: يا عجبًا تعال فهذا وقتك لأجل سب كليب إباي على حقارتها، كأنها ترجع إلى نهشل أو مجاشع،
[ ٣ / ١٢٣ ]
وكليب: قبيلة، ونهشل ومجاشع ابنا دارم، ومجاشع قبيلة الفرزدق، ونهشل أعمامه، وهما أشرف من كليب.
ويروى: "فيا عجبا" بغير تنوين، وقلب الياء ألفًا وكان قبل القلب: يا عجبي، أنتهى كلامه، وكذا في "شرح أبيات الجمل" لابن هشام اللخمي.
وقال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل" يروى: فيا عجبًا، بالتنوين وبدونه، فمن نون فله وجهان؛ أحدهما: أن يكون منادى منكورًا، والثاني: أن يكون مصدرًا، والمنادي محذوف كأنه قال: يا قوم اعجبوا عجبًا، ومن لم بنون ففيه وجهان أيضًا، أحدهما، وهو الأجود: أن يكون منادي مضافًا، على لغة من يقول: يا غلاما أقبل، كأنه قال: يا عجبا أحضر، فهذا من أوقاتك، والآخر: أن يريد: يا عجباه، وأكثر ما تستعمل هذه الزيادة في الندبة، وقد استعملت في غير ذلك، نحو:
يا مر حباه بحمار عفراء إذا أتى قريته بما شاء
من الشعير والحشيش والماء
انتهى، ويجتمع نسب جرير مع الفرزدق في حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فإن الفرزدق بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع ابن دارم بن مالك بن حنظلة، وجرير: هو ابن عطية بن الخطفى، وهو حذيفة ابن بدر بن مسلمة بن كليب بن يربوع بن حنظلة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد المائة:
(١٩٦) يغشون حتَّى ما تهرُّ كلابهم لا يسألون عن السَّواد المقبل
[ ٣ / ١٢٤ ]
على أن حتى فيه ابتدائية، قال سيبويه في "باب حتى": ويدلك على حتى أنها من حروف الابتداء أنك تقول: حتى أنه ليفعل ذاك، كما تقول: فإذا إنه يفعل ذاك، ومثل ذلك قول حسان بن ثابت:
يغشون حتَّى لا تهرُّ كلابهم البيت
قال أبو علي في "تعليقته" على الكتاب: يعني: لو كانت الجارة للاسم لوجب أن تفتح إن بعدها، لأن تلك لا تدخل إلا على اسم وأن مع صلته اسم، انتهى.
وقال: وارتفع الفعل بعد حتى من حيث ارتفع الاسم، لأن حتى لو كانت الجارة ولم تكن التي هي بمنزلة حرف من حروف الابتداء، لا نتصب الفعل بعدها كما ينجر الاسم بعدها ولم يرتفع، انتهى.
وقال في "تذكرته" بعد أن أنشد هذا البيت:
اعلم أن يغشون للحال الماضية، أعني أنه حكاية لما مضى من الحال، كما كان قوله تعالى ﴿وإنَّ ليحكم بينهم يوم القيمة﴾ [النحل/١٢٤] حكاية لما يأتي من الحال، وكذلك ﴿إنّا مرسلوا الناقة﴾ [القمر/٢٧] حكاية لما مضى من الحال، ولولا تقديرك له بالحال ما صح الرفع، لأن الرفع لا يكون إلا والفعل واقع، ويغشون لا يكون إلا للحال أو للآتي، فلو قدرته للآتي لم يصح الرفع، إذا كان لا يكون الرفع إلا وما قبله واقع والآتي لا يكون واقعًا، فثبت أن يغشون للحال إذا كانت الحال واقعة، كأنه قال: من عاتهم أنهم يغشون حتى لا تهر كلابهم، أي: لا يزالون يغشون، انتهى.
وقوله: فلو قدرته للآتي لم يصح الرفع، أي: رفع الفعل الذي بعد حتى، وهو: نهر، والمراد في البيت: يغشون كثيرًا حتى ما تهر، لأن عدم الهرير
[ ٣ / ١٢٥ ]
وهو أنس الكلاب، لا يتسبب عن مطلق الغشيان، وإنما يتسبب عن كثرة الغشيان، وقد أشار إليه شارح ديوانه بقوله: يقول: قد أنست كلابهم بكثرة من يأتيهم، فلا تهر على أحد، انتهى، وكثرة من يأتي يستلزم كثرة الإتيان، قال الأزهري في "التهذيب": الهرير: دون النباح، تقول: هر إليه، وهره، وبه يشبه نظر الكماة بعضهم إلى بعض، وفلان هره الناس، أي: كرهوا ناحيته، قال الأعشى:
أرى النّاس هرُّوني وشهِّر مدخلي ففي كلِّ ممشى أرصد النّاس عقربا
انتهى، ويغشون بالبناء للمفعول، أي: يقصدون للمعروف، قال الأزهري: الغاشية: السؤال الذي يغشونك يرجون فضلك ومعروفك، ثم قال وغاشية الرجل: من ينتابه من زواره وأصدقائه، انتهى، وقال أيضًا: السواد: الجماعة من الناس، والجمع: أساود، وكل شخص من متاع أو إنسان أو غيره سواد، انتهى، والمراد هنا الأول، وإنما لم يسألوا لأنهم في سعة، وأدوات قراهم موفرة مرتبة، لا يبالون بمن جاء إليهم قل أو كثر، فالمراد لا يسألون عن عدد السواد المقبل، فإن العادة بين الناس تهيئة النزل على حسب الواردين، وقطع "لا يسألون" عما قبله، لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ما سبب
[ ٣ / ١٢٦ ]
كثرة الغشيان إليهم؟ ونزل منزلة الفعل اللازم، لأن المعنى: لا يصدر منهم سؤال، ولهذا لم يقدر له مفعول، لأنه لم يتعلق به غرض، وكذا بنى يغشون على المجهول، ولم يذكر الفاعل، لأنه لم يتعلق به غرض، وإنما المراد الإخبار عن كثرة تردد القاصدين إليهم.
وقد أخذ المصراع الأول داود بن سلم في مدحه حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، روى الأصبهاني في "الأغاني" عن ابن يونس أن دواد بن سلم خرج إلى حرب بن خالد المذكور، فلما نزل به حط غلمانه متاع دواد بن سلم، وخلوا عن راحلته، فلما دخل عليه قال:
ولّما دفعت لأبوابهم ولا قيت حربًا لقيت النَّجاحا
رأيناه يحمده المجتدون ويأبي على العسر إلّا سماحا
ويغشون حتَّى ترى كلبهم يهاب الهرير وينسى النُّباحا
قال: فأجازه بجائزة عظيمة، ثم أستأذنه في الخروج فإذن له، فأعطاه ألف دينار، فلم يعنه أحد من غلمانه، فظن أن حربًا ساخط عليه، فرجع فأخبره بما رأى، فقال له: سلهم لم فعلوا بك [ذلك]؟ فسألهم، فقالوا: إنا ننزل من جاءنا، ولا نرحل من خرج عنا، فسمع الغاضري حديثه، فأتاه فقال له: أنا يهودي إن لم يكن الذي قال لك الغلمان أحسن من شعرك!
وداود بن سلم: مولى بني تيم بن مرة، وهو مخضرم من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، وكان أقبح الناس وجهًا، وكان من ساكني المدينة المنورة، انتهى.
البيت من قصيدة لحسان مدح بها آل جفنة ملوك الشام، وهذه أبيات منها بعد المطلع بثلاثة أبيات:
[ ٣ / ١٢٧ ]
لله درُّ عصابة نادمتهم يومًا بجلِّق في الزّمان الأول
يمشون في الحلل المضاعف نسجها مشي الجمال إلى الجمال البزَّل
الضَّاربون الكبش يبرق بيضه ضربًا يطيح له بنان المفصل
والخالطون فقيرهم بغنيِّهم والمنعمون على الضَّعيف المرمل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتَّى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السَّواد المقبل
يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفِّق بالرَّحيق السَّلسل
يسقون درياق الرَّحيق ولم يكن تدعى ولا ئدهم لنقف الحنظل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم شمُّ الأنوف من الطِّراز الأوَّل
فلبثت أزمانًا طوالًا فيهم ثمَّ ادَّكرت كأنَّني لم أفعل
إلى أن قال بعد أربعة أبيات:
إنَّ التي ناولتني فرددتها قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطني بزجاجة أرخامها للمفصل
قوله: لله در عصابة الخ، العصابة، بالكسر: الجماعة، ولله دره: كلمة مدح، والمنادمة: المجالسة على الشراب، وجلق، بكسر الجيم واللام
[ ٣ / ١٢٨ ]
المشددة، قال الجواليقي في "المعربات": يراد به دمشق، وقيل: موضع بقرب دمشق، وقيل: أنه صورة امرأة كان يخرج الماء من فيها في قرية من قرى دمشق، وهو أعجمي معرب، وقد جاء في الشعر الفصيح، وأنشد هذا البيت؛ واليوم هنا مطلق الزمان، يريد عصرًا ودهرًا، وقوله: مشي الجمال إلى الجمال البزل، أي: يمشون برزانة ووقار، لأن البزل جمع بازل، وهو الذي استكمل سنة من الإبل، وبعده الانحطاط، ويطلق على المحنك الذي جرب الأمور وعرفها كمال المعرفة، بطريق الاستعارة، والكبش: البطل الفارس، والبيض: جمع بيضة، وهي الخوذة، والمرمل: اسم فاعل من أرمل الرجل إذا فني زاده وافتقر.
وقوله: أولاد جفنة، بفتح الجيم وسكون الفاء بعدها نون، هو أبو ملوك عرب الشام، وهو جفنة بن عمرو مز يقياء بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس ابن ثعلبة بن مازن الغساني، وهم من اليمن، وابن مارية: هو الحارث الأعرج، وهو الحارث الأصغر بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، وأما ابن الأيهم فهو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث الأعرج، وأراد بأولاد جفنة: أولاد الحارث الأعرج، وهم النعمان، والمنذر والمنيذر وجبلة وأبا شمر، وهؤلاء كلهم ملوك، وهم أعمام جبلة بن الأيهم، كذا في "مختصر أنساب العرب" لياقوت الحموي، قال السيد الحرجاني في "شرح المفتاح": قوله: أولاد جفنة، ترك تفصيلهم احترازًا
[ ٣ / ١٢٩ ]
عن تقديم بعضهم على بعض، وعن التصريح بأسامي الإناث الداخلة فيهم، ومارية: أم جفنة، انتهى، وقوله: عن التصريح الخ، فيه نظر، فإن ذكر نساء الملوك لم يعهد عند ذكر الملوك، وقوله أم جفنة، صوابه: أم الحارث الأعرج كما تقدم، قال جمهور النسابين، مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث ابن معاوية بن ثور بن مرتع الكندية، وقال أبو عبيدة ابن السكيت: هي بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، فتكون على هذا غسانية، وهي أخت هند امرأة حجر والد امرئ القيس، ثم خلف عليها بعد أبيه، ومارية هي التي يضرب المثل بقرطيها، فيقال: "خذه ولو بقرطي مارية" يضرب للترغيب في الشيء، وإيجاب الحرص عليه، أي: لا يفوتنك على كل حال، وإن كنت تحتاج في إحرازه إلى بذل النفائس، قال الزمخشري في "مستقصى الأمثال": هي أول عربية تقرطت، وسار ذكر قرطيها في العرب، وكانا نفيسي القيمة، وقيل: إنهما قوما بأربعين ألف دينار، وقيل: كانت فيهما درتان، كبيض الحمام، لم ير مثلهما، وروى الميداني أن مارية أهدت قرطيها إلى الكعبة، فكانا معلقين بها، والمفضل: المنعم، أو من أفضل عليه في الحسب: إذا زاد عليه.
وقوله: حول قبر أبيهم، قال السيد المرتضي في "أماليه" ﵀: هذا من الاختصار الذي ليس فيه حذف، أراد أنهم أعزاء مقيمون بدار مملكتهم، لا ينتجعون كالأعراب، فاختصر هذا المبسوط في قوله: حول قبر أبيهم، والاختصار غير الخذف، وقوم يظنون أنهما واحد، وليسا كذلك، لأن الخذف يتعلق بالألفاظ، وهو أن تأتي بلفظ يقتضي غيره ويتعلق به، ولا يستقل بنفسه،
[ ٣ / ١٣٠ ]
ويكون في الموجود دلالة على المحذوف، فيقتصر عليه طلبًا للاختصار، والاختصار يرجع إلى المعاني، وهو أن تأتي بلفظ مفيد لمعان كثيرة، لو عبر عنها بغيره لاحتيج إلى أكثر من ذلك اللفظ، فلا حذف إلا وهو اختصار، وليس كل اختصار حذفًا. انتهى كلامه.
وقوله: يسقون من ورد البريص الخ، هو بفتح الموحدة، وآخره صاد مهملة، موضع بأرض دمشق، قاله البكري والصاغاني، وقوله، بردى بفتحات، أي: ماء بردي، ففيه حذف مضاف، وبردي: نهر من أنهار دمشق، ويصفق بالبناء للمفعول، والتصغيق، التحويل من إناء إلى إناء ليتصفى، والباء متعلقة بمحذوف، وقد شرحنا هذا البيت بأوفى مما ذكرنا في الشاهد الخامس عشر بعد الثلاثمائة من "شواهد الرضي".
وقوله: يسقون درياق الرحيق بالبناء للمفعول، قال السكري في شرحه: الدرياق: خالص الخمر وجيده، شبه بالدرياق الشافي، والولائد: جمع وليدة، وهي الخادم، والنقف: استخراج ما في الحنظل، يقول: هم ملوك، لا تجتني ولائدهم الحنظل ولا تنقفه.
وقوله: من الطراز الأول: يعني آباءهم الأشراف المتقدمين، الذين لا تشبه خلائقهم وأفعالهم هذه الأفعال المحدثة.
وقوله: ثم ادكرت كأنني لم أفعل، أي: كأنه كان حلمًا رأيته في النوم.
[ ٣ / ١٣١ ]
وقوله: إن التي ناولتني فرددتها الخ البيتين، قد شرحناهما في حاشية "شرح بانت سعاد" عند الكلام على شرح البيت الرابع، وهو قوله:
شجَّت بذي شيم من ماء محنية
وفي شرح الشاهد المذكور من شواهد الرضي، وترجمة حسان بن ثابت تقدمت في الإنشاد التاسع والتسعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد المائة:
(١٩٧) عمَّمتهم بالنّدى حتَّى غواتهم فكنت مالك ذي غيٍّ وذي رشد
على أنه روي ما بعد حتى بالأوجه الثلاثة؛ قال أبو حيان في "شرح التسهيل": ويروى بالأوجه الثلاثة أيضًا: حتى ألقاها .. وقد تقدم لنا أن البصريين لا يجيزون فيه أن يكون مبتدأ إلا إذا كان ما بعده يصلح أن يكون خبرًا، وأن مجيز ذلك بعض الكوفيين، وذكرنا علة امتناع ذلك، وإن صح في غواتهم الرفع عن العرب كان حجة لهذا المذهب. وأما: حتى نعله ألقاها؛ فلا حجة فيه، لأنه صرح بما يصلح أن يكون خبرًا للنعل، وهو قوله ألقاها. انتهى.
[ ٣ / ١٣٢ ]
والذي ذكره من علة الامتناع هو ما نقله عن الفارسي، وهو ما يلزم من تهيئة حتى للعمل في الاسم من حيث هو مفرد، ثم قطعها عنه، ولأنه يلزم إعمال العامل المعنوي، وترك العامل اللفظي مهيئًا للعمل، واللفظي أقوى من المعنوي وعممتهم، بالخطاب، أي: شملتهم، بالندى متعلق به، والندى: العطاء، والغواة: جمع غاوٍ، من الغواية، وهو الضلال، والرشد بفتحتين: كالرشاد، وهي الاهتداء.
حيث
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد المائة:
(١٩٨) لدى حيث ألقت رحلها أمُّ قشعم
على أن حيث قد تخفض بغير "من"، فإنها هنا قد خفضت بإضافة لدى إليها، قال أبو حيان في "الارتشاف": إنها جرت "بمن" كثيرًا، وبـ "في" شاذًا، نحو:
فأصبح من حيث التقينا شريدهم
وبـ "على"، قال:
سلام بني عمرو على حيث هامكم
والباء، نحو:
كان منّا بحيث يعكى الإزار
[ ٣ / ١٣٣ ]
وبإلى نحو:
إلى حيث ألقت رحلها أمُّ قشم
وأضيف لدى إليها في قوله: "لدى حيث ألقت رحلها أم قشم". انتهى.
وقال في "تذكرته": وقد تخرج عن الظرفية فتصير مبتدأ ويدخل كأنّ. قال: وإذا قيل: حيث نلتقي طيب؛ حكم على حيث بالرفع، لأنه اسم المكان الذي خبره طيب، وهو نائب عن موضعين أسبقهما محدود، خبره طيب، وآخرهما مجهول ناصبه نتتقي، تلخيصه: الموضع الذي نلتقي فيه طيب، قال الشاعر:
كأن حيث تلتقي منه المحل من جانبيه وعلان ووعل
ثلاثة أشرفن في طود عتلّ
أنشد هذا الشعر هشام وقال: ثلاثة خبر كأن. انتهى. وقال أبو علي في "كتاب الشعر": أنشد بعض البغداديين:
كأن منها حيث تلوي المنطقا حقفا نقًا مالًا على حقفي نقا
وقال: جعل حيث اسمًا. فإن قلت: إن حيث إنما جاء اسمًا في الشعر،
[ ٣ / ١٣٤ ]
وقد يجوز أن تجعل الظروف أسماء في الشعر؛ فالقول: إن ذلك قد جاء اسمًا في غير الشعر نحو ما حكيناه عن قطرب، وقد حكى أحمد بن يحيى عن بعض أصحابه أنهم قالوا: هي أحسن الناس حيث نظر الناظر، يعني الوجه. انتهى. قال أبو حيان في "تذكرته" بعد إنشاد هذا البيت عن أبي علي: حيث: اسم كأن، وحقفا: الخبر، وهذا يؤذن بجواز استعمال حيث مبدأ، فيقال: حيث نجلس طيب، وحيث نجلس نقوم، أي: مكان جلوسك مكان قيامنا. انتهى.
والمصراع من معلقة زهير بن أبي سلمى، وقبله:
لعمري لنعم الحيُّ جرَّ عليهم بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
وكان طوى كشحًا على مستكنَّة فلا هو أبداها ولم يتقدَّم
وقال سأقضي حاجتي ثمَّ أتّقي عدوّي بألف من ورائي ملجم
فشدَّ ولم تفزع بيوت كثيرة لدى حيث ألقت رحلها أمُّ قشعم
لدى أسد شاكي السّلاح مقذَف له لبد أظفاره لم تقلَّم
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه سريعًا وإلا يبد بالظلم يظلم
أراد بالحي: حي مرة من بني ذبيان، وجر: فعل ماض من الجريرة، وهي الجناية، ويواتيهم: يوافقهم، وحصين بن ضمضم: ابن عن النابغة الذبياني، وكانت جنايته أنه لما اصطلحت قبيلة ذبيان مع قبيلة عبس، امتنع حصين هذا من الصلح، واستتر من القبيلتين، لأن ورد بن حابس العبسي كان قتل هرم بن ضمضم، وهو أخو حصين، فحلف حصين لا يغسل رأسه حتى يقتل وردًا أو رجلًا منهم، ثم أقبل رجل من بني عبس، فنزل بحصين بن ضمضم، فلما علم أنه عبس قتله، فكاد الصلح ينتقض، فسعى بالصلح، وتحمل الدية الحارث بن عوف وهرم بن سنان
[ ٣ / ١٣٥ ]
المريّين، ولهذا مدحهم زهير بقوله: لنعم الحي وقد تكلمنا على هذه القصيدة، وعلى سببها في الشاهد السادس والخمسين بعد المائة من شواهد الرضي. وقوله: وكان طوى كشحًا .. إلخ، اسم كان ضمير حصين، والكشح: الخاصرة، يقال: طوى كشحه على كذا، أي: أضمره في نسفه، والمستكنة: المستترة، أي: أضمر على غدرة مستترة، وقوله: فلا هو أبداها، أي: ما أظهر الغدرة المسكنّة، ولا تقدم فيها قبل الصلح. وقد شرحنا هذين البيتين بأوفى مما هنا في الشاهد السادس والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وقوله: وقال سأقضي حاجتي .. إلخ، فاعل قال: ضمير حصين، وحاجته: ما كان أضمره في نفسه من قتل عبسي، وورائي، أي: أمامي، وملجم: يروى بكسر الجيم، أي: بألف فارس ملجم فرسه، ويروى بفتح الجيم، أي: بألف فارس ملجم، وأراد بها فرسانها، قال الأعلم: أي: سأدرك ثأري، ثم أتقي عدوي بألف فارس، أي: أجعلهم بيني وبين عدوي، يقال: اتقاه بحقه، أي: جعله بينه وبينه. وجعل ملجمًا على لفظ ألف فذكره، ولو كان في غير الشعر لجاز تأنيثه على المعنى. انتهى.
وقوله: فشدَّ، أي: حمل حصين على ذلك الرجل العبسي فقتله، ولم تفرع بيوت كثيرة، أي: لم يعلم أكثر قومه بفعله، وأراد بالبيوت أحياء وقبائل، يقول: لو علموا بفعله لفزعوا، أي: لأغاثوا الرجل العبسي ولم يدعوا حصينًا يقتله، وإنما أراد زهير بقوله هذا أن لا يفسدوا صلحهم بفعل حصين. وقوله: حيث ألقت رحلها، أي: حيث كان شدة الأمر، يعني موضع الحرب، وأم قشعم: كنية الحرب، ويقال: كنية المنّية، والمعنى: أن حصينًا شد على
[ ٣ / ١٣٦ ]
الرجل العبسي فقتله بعد الصلح، وحين حطَّت رحلها الحرب وسكنت، ويقال: هو دعاء على حصين، أي: عدا على الرجل بعد الصلح، وخالف الجماعة، فصيره الله إلى هذه الشدة، ويكون معنى ألقت رحلها على هذا: ثبتت وتمكنت، هذا كلام الأعلم في "شرح الأشعار الستة" وتفزع على روايته بالبناء للفاعل، وقال التبريزي في شرح المعلقة: معناه: شد على عدوه وحده فقتله، ولم تفزع العامة بطلب واحد، وإنما قصد الثأر، أي: لم يستعن على قتله بأحد، ونقل صعوداء في "شرح ديوان زهير" عن قوم: أن أم قشعم على هذه الرواية هي أم حصين، أي: فلم تفزع البيوت التي بحضرة بيت أمه، لأنه أخذ ثأره، فلدى على قول الأعلم ظرف متعلق بشدَّ، وعلى قول صعوداء يكون لدى متعلقًا بمحذوف على أنه صفة ثابتة لبيوت، أو حال منه، وروى الزوزني: "ولم يفزع بيوتًا" على أن فاعله ضمير حصين، وقال أي: لم يتعرض لغيره عند ملقى رحل المنية، وملقى الرحال: المنزل، لأن المسافر يلقي به رحله، أي: أثاثه ومتاعه، أراد: عند منزل المنية، وجعله منزل المنية لحلولها فيه، فعلى هذا يكون لدى متعلقًا بـ "يفزع" مضارع فزع بمعنى أغاث أو علم، والمشهور رواية: "فشد ولم ينظر بيوتًا كثيرة" فيكون فاعل ينظر ضمير حصين، ثم اختلفوا، فرواه صعوداء بفتح أوله، وقال: لم ينظر، أي: لم ينتظر، يقال: نظرت الرجل، أي: انتظرته، وعلى هذا يكون المعنى: لم ينتظر حصين أن ينصره قومه على أخذ ثأره، وروى أبو جعفر: ولم ينظر، يضم أوله وكسر ثالثه، وقال: معناه: لم يؤخر حصين أهل بيت قاتل أخيه في قتله، لكنه عجل فقتله، فيكون ينظر مضارع
[ ٣ / ١٣٧ ]
أنظره بمعنى أمهله وأخره، وعلى هذين الوجهين يكون لدى متعلقًا بشد، وكذلك على قول من فسر أم قشعم بالعنكبوت، وهو أبو عبيدة، أو بالضبع، كما نقله صعوداء، ويكون المعنى: فشد على صاحب ثأره بمضيعة من الأرض. قال صعوداء: أم قشعم عند الأصمعي: الحرب الشديدة، ومن جعلها العنكبوت أو الضبع فمعناه: وجده بمضيعة فقتله. وقال ابن الأثير في "المرصع": أم قشعم هي: المنية، والداهية، والحرب، والنسر، والعنكبوت، والضبع والذئب واللبوة، وفسر بأحد هذه الأشياء قول زهير: لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم. هذا كلامه.
وقوله: أسد شاكي السلاح .. إلخ. هذا البيت في الظاهر غير مرتبط بما قبله، ولا يعرف متعلق لدى أسد، وقد فحصت عنه فلم أجد من ربطه بما قبله، مع أنه من أبيات علم المعاني، أورد شاهدًا جواز الجمع بين التجريد والترشيح، وقد رجعت إلى "معاهد التنصيص" للعباسي، فلم أر فيه غير هذه الأبيات، ولم يتكلم عليها بشيء، ففزعت إلى قريحتي، وأعملت الفكرة، فأرشدني الله إلى وجهه، وهو أن لدى أسد متعلق بألقت رحلها على تفسير أم قشعم بالحرب، ومعنى ألقت رحلها: حطت رحلها الحرب وسكنت، فيكون الإلقاء عبارة عن السكون والهدوء، كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرَّ بها النَّوى كما قرَّ عينًا بالإياب المسافر
[ ٣ / ١٣٨ ]
ويكون المراد من الأسد: الحارث بن عوف المري، فإنه هو الذي أطفأ نار الحرب بين عبس وذبيان بعد ما جرى بينهما في يوم داحس، وسعى في الصلح بينهما بتحمل الديات مع ابن عمه هرم بن سنان المري، وعلى هذا يتضح الارتباط، ويضمحل ما فسر به أم قشعم من سائر المعاني، ولله الحمد والمنَّة. وقد شرحنا هذا البيت في الشاهد الثاني بعد الخمسمائة من شواهد الرضي. وقوله: جريء متى يظلم .. البيت، قد شرحناه في الشاهد الثالث من أول شواهد "شرح الشافية" للرضي، وترجمة زهير بن أبي سلمى تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد المائة:
(١٩٩) إنَّ حيث استقرَّ من أنت راعيـ ـه حمى فيه عزَّة وأمان
على أنه قيل: "حيث" خرجت عن الظرفية، وصارت اسم إن، وليس بمتعين، لجواز تقديرها خبرًا، وحمى اسم إن مؤخر، كقولهم: إن عندك زيدًا، وفيه نظر، فإن هذا الحمل غير مراد، وإنما المعنى: إن مكانًا استقر فيها جماعة أنت راعيهم وحافظهم، هو حمى فيه العزة والأمان. والحمى: المكان المحمي من المكروه.
وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته وقد أورد أبو حيان في "تذكرته" مسائل تمرين في حيث مع إن، فلا بأس بإيرادها، قال: إذا قيل: إن حيث أبوك كان أخوك، رفع الأخ بـ"كان"، وحيث خبر كان، والأب رفع بحيث لنيابتها عن محلين أحدهما خبر كان، والآخر رافع الأب، وإن مبطلة عن كان، والتقدير: إن في المكان الذي فيه أبوك كان أخوك، ويجوز: إن حيث أبوك
[ ٣ / ١٣٩ ]
كان أخاك، أخاك: اسم إن، حيث: خبر إن، وأبوك رفع بالراجع من كان، والتقدير: إن أخاك في المكان الذي فيه أبوك، وإذا قيل: إن حيث أبوك قائم أخاك جالس، نصب الأخ بـ "إن"، وجالس: خبر إن، ورفع قائم بالأب، وحيث نائبة عن محلين: أحدهما صلة لجالس، وهو الأسبق، وآخرهما صلة قائم، ويجوز: إن حيث أبوك قائمًا أخاك جالس، الأخ وجالس على ما كانا عليه في الجواب الأول، وقائمًا نصب على الحال من أبيك، وحيث متضمنة لمحلّين: أولهما صلة جالس، وآخرهما رافع للأب. ويجوز: إن حيث أبوك قائمًا أخاك جالسًا، أخاك: اسم إن، وحيث: خير إن وهي رافع الأب، وقائمًا: حال الأب، وجالسًا حال الأخ. ويجوز: إن حيث أبوك قائم أخاك جالسًا، أخاك: اسم إن، وحيث متضمن محلين: أولهما خبر إن، وآخرهما صلة قائم، وقائم رفع بأبيك، وجالسًا نصب على الحال من أخيك. وإن فتحت ثاء حيث، وأضيفت قيل: إن حيث أبيك قائمًا أخاك جالس، وجالسًا، على التفسير المتقدم، وإذا قيل: إن حيث زيد ضربت عمرًا، ففيها وجهان؛ رفع زيد وصب عمرو، ونصب زيد وعمرو، فعلى الأول أبطل إن في ظاهر الكلام، ونصب عمرًا بضربت، ورفع زيدًا بحيث، لنيابة حيث عن محلين، أسبقهما يطلبه الضرب وآخرهما يرفع زيدًا، وتقديرها: إن في المكان الذي فيه زيد ضربت زيدًا، والكسائي يقول: ليس لإن اسم ولا خبر، لأنها مبطلة عن ضربت، إذ لم تكن من عوامل الأفعال، والبصريون يضمرون الهاء مع إن، ويجعلون الجملة الخبر، والفراء يقول: ضربت، سد مسد ضاربًا، انتهى ما أورده أبو حيان.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي المائتين:
(٢٠٠) ببيض المواضي حيث وليِّ العمائم
[ ٣ / ١٤٠ ]
وصدره:
ونطعنهم حيث الحبا بعد ضربهم
على أن إضافة حيث إلى المفرد نادرة، وليّ: مجرور بإضافة حيث إليه، وهو مصدر لوى العمامة على رأسه، أي: لفَّها، ومكان لفِّ العمائم هو الرأس؛ وكذا قوله: حيث الحبا، حيث: مضافة إلى الحبا، وهو مفرد والمراد بالمفرد هنا ما ليس جملة، والحبا: مجرور بكسرة مقدرة، لأنه مقصور، وهو جمع حبوة، وهو ما يحتبى به. ووقع في نسخ "شرح الكافية" للرضي: "الكلى" بدل الحبا، وبروايته تمم الدماميني المصراع الثاني، وهو جمع كلية، والمراد على الروايتين الأوساط، والمشهور الرواية الأولى عند شراح "المفصل" ورواه ابن المستوفي في "شرح شواهده" مثلهم، وقال: يجوز أن يكون مضافًا إلى الحبا على حد: حيث وليِّ العمائم، إلا أنه لا يظهر فيه الإعراب، والحبا: جمع حبوة، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه، وفيها ضم الحاء وفتحها، وقال الجوهري: والجمع حبأ، مكسور الأول عن يعقوب، والذي أنشده شخنا البحراني وكتبه بخطه: الحبا: بضم الحاء وبالألف، وهذا البيت لا يحسن أن يكون من باب ما يفتخر به، لأنهم إذا ضربوهم مكان لي العمائم ولم يموتوا، واحتاجوا إلى أن يطعنوهم مكان الحبا، وعادة الشجاع أن يأتي بالضرب بعد الطعن؛ فهذا منهم جبان خائف غير متمكن من قتل قرنه،
[ ٣ / ١٤١ ]
وإنما الجيد قول بلعاء بن قيس من بني ليث بن كنانه:
وفارس في غمار الموت منغمس إذا نألّى على مكروهه صدقا
غشيته وهو في جاواء باسلة عضبًا أصاب سواء الرأس فانفلقا
بضربة لم تكن منّي مخالسة ولا تعجَّلتها جبنًا ولا فرقا
فانظر كيف وصف قرنه بما وصفه به: ووصف موضعه وبالغ في وصفهما، [ووصف ضربته بما يدل على جرأته وشجاته. انتهى. ووقع في رواية العيني: "ونطعهم تحت الحبا". وبه كمل السيوطي] المصراع قال العيني: إن حيث لم يضف فيه إلى جملة فيكون معربًا، ومحله النصب على الحالية، قال السيوطي: بل على الظرف لضرب، فإنها ظرف مكان كما أن تحت ظرف مكان لنطعنهم.
[ ٣ / ١٤٢ ]
انتهى. فسلم كونها معربة، ورد كونها حالًا، لأن المعنى لا يقتضي الحالية، وإنما المعنى على الظرف.
ولم يفهم ابن الملا كلام العيني فزيفه بأن قوله مردود، إذ لا معنى لجعل إعرابها محليًّا مع الحكم عليها بأنها معربة، فإن مراد العيني ما نقله المصنف عن أبي الفتح من أنها إذا أضيفت إلى مفرد أعربت، فتكون منصوبة لفظًا على الظرفية، وعاملها المقدر منصوب على الحالية، كما قالوا مثله في: رأيت الهلال بين السحاب، وقد صرح العيني به قبل هذا عند قوله:
أما ترى حيث سهيل طالعًا
إلا أنه لم يصب في الحالية، كما أنه لم يصب في شرح "بيض المواضي" في قوله: البيض بفتح الباء: الحديد، والمواضي: السيوف، أراد ضربهم بحديد السيوف في رؤوسهم. انتهى. وإنما البيض بالكسر: جمع أبيض، وهو السيف والماضي: القاطع، كما جوزه ثانيًا. ويأتي في شرح البيت الثاني بعد هذا النقل عن الفارسي بأن حيث عند إضافتها إلى المفرد مبنية أيضًا.
ونطعنهم: بضم العين هنا، قال صاحب "المصباح": طعنه بالرمح طعنًا من باب قتل، وطعنت فيه وعليه بالقول من باب قتل أيضًا، ومن باب نفع لغة، وأجاز الفراء يطعن في جميع معانيه بالفتح، لمكان حرف الحلق، وضربهم: مصدر مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف، أي: ضربنا إياهم.
والبيت لا يعرف قائله، وقال أبو حيان في "تذكرته": أنشده ابن أسد الفارقي في كتاب "الإبانة" من تأليفه شرحًا لـ"لمع" ابن جني. واعلم أن
[ ٣ / ١٤٣ ]
الزمخشري قال في "المفصل": وقد روى ابن الأعرابي عجزه: "حيث لي العمائم"، قال التاج التبريزي في "شرح الكافية الحاجبية": إنما لم ينشد البيت بتمامه للاختلاف في صدره، فبعضهم رواه كما تقدم، وبعضهم قال: البيت إنما هو:
ونحن سقينا الموت بالشام معقلًا وقد كان منهم حيث ليّ العمائم
انتهى. وقال ابن المستوفي: وما أنشده ابن الأعرابي فقد قال الأندلسي: وجدت أنا تمامه في بعض حواشي [المفصل] وهو:
ونحن قتلنا بالشَّام مغفّلًا وقد كان منَّا حيث لي العمائم
قال: ولا أعلم صحته، وأوله على ما أنشدنيه شيخنا محمد بن يوسف البحراني:
ونطعنهم حيث الحبا بعد ضربهم البيت
وأقول: البيت الذي رواه ابن الأعرابي غير ذلك، قال الصاغاني في "العباب": وروى ابن الأعرابي بيت كثير.
وهاجرة يا عزُّ يلطف حرُّها لركبانها من حيث ليّ العمائم
نصبت لها وجهي وعزَّة تتَّقي بجلبابها والسِّتر لفح السَّمائم
ويروى: "من تحت لوث العمائم". انتهى. ولعل الزمخشري لم ينشده لرجحان الرواية الثانية عنده.
[ ٣ / ١٤٤ ]
تتمة: قال المصنف بعد إنشاد المصراع: والكسائي يقيسه. قال الدماميني في "المزج": ويمكن أن يخرَّج عليه قول الفقهاء: من حيث أن كذا، بفتح همزة أن، والأولى عندي أن يخرج على أن حيث مضافة إلى الجملة على الجادّة، وأن ومعمولاها بتأويل مصدر هو مبتدأ تلك الجملة، والخبر محذوف، وحذف خبر المبتدأ بعد حيث غير عزيز، هذا كلامه.
وأقول: لم يسمع في كلام العرب إضافة حيث إلى الجملة المصدرة بأن، وقد سأل بعضهم عن هذه المسألة الإمام العلامة تاج الدين أيا اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي البغدادي نزيل الشام، فقال: هل يجوز أن تلي "حيث" إن المكسورة، أو أنّ المفتوحة؟ وهل ورد في أشعار العرب وقوع إنّ وأنّ بعدها، أو ذكر علماء العربية ذلك في كتبهم أو لا؟ ولمَ وجب إضافتها إلى الجملة، وهي ظرف مكان، وظروف المكان لا تضاف إلا إلى المفرد؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة لم يرد فيها نص عن علماء العربية من طريق الرواية، ولا تضمنتها كتبهم المطولة ولا المختصرة، ولا وردت أشعار العرب البتة فيما علمته وسمعته، على أن أبا علي الفارسي ذكر حيث في باب مفرد لها من كتابه المسمى "كتاب الشعر في أبيات الإعراب المسوقة على كتاب الإيضاح" ولم يعرض لإضافتها إلى إن المكسورة، ولا إلى المفتوحة البتة، ولو أن من ينكر جواز إيلائها "أن" يستدلُّ بعدم ورودها في كلامهم وأشعارهم، وأنها لو كانت جائزة لم يخل السماع منها؛ لكان ذلك وجهًا واضحًا ودليلًا كافيًا، وسأذكر فيها ما هو متعلق بها، وخاص بالسؤال عنها من غير خروج إلى ذكر شيء من بقية وجوهها المذكورة، لئلا يتشعب الكلام إلى غير جواب السؤال:
[ ٣ / ١٤٥ ]
أما وجوب إضافتها إلى الجملة، وهي ظرف مكان على خلاف ما هو الواجب لها ولأمثالها من ظروف المكان؛ فلأنهم لما شبوها بحين، ألزموها الإضافة إلى الجملة البتة، ولم يضيفوها إلى المفرد تارة وإلى الجملة أخرى كيوم وليلة ونحوهما، لأنهم أرادوا توكيد هذا المعنى وتمكينه فيها، ولو أضافوها تارة إلى الجملة، وأخرى إلى المفرد، مع ما ذكرنا من كونها ظرف مكان، ومن شرط ظروف المكان أن لا تضاف إلى الجملة؛ لقلَّ تمكنها في الإضافة، ولجاز أن لا يعرف في أكثر الأحوال حال إضافتها إليها، لما ذكرنا من كونها ظرف مكان، ولكن لما عرض فيها ما ذكرنا، احتاطوا لها في تمكين هذا المعنى فيها، بأن اقتصروا بها على الإضافة إلى الجملة البتة، ليقوى العلم بما آثروه فيها من مشابهتها في ذلك لحين، ويكثر اللفظ بها مضافة إلى الجملة، ليتحقق الداخل بالعرض والتشبيه فيها، ولهذا قال أبو علي: وقد زعم الأخفش أن حيث قد تكون اسمًا للزمان، وأنشد:
للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه
فجعل حيث حينًا. انتهى كلامه. وليس ذلك إلا لقوة شبه "حيث" بحين، فهذا وجه لزومها ما ليس لها بحق الأصل، ولا لأمثالها، وخروجها عن قياس نظائرها. ولمّا لم يجز في حين ولا في نظائرها المضافة إلى الجملة أن تليها "أن" وكانت حيث بمشابهتها لها قد نقلت من أصلها إليها، وأعطيت حكمها؛ وجب أن لا يجوز إيلاؤها أن البتة حملًا لها عليها. واعلم أن إضافة حيث إلى الجملتين
[ ٣ / ١٤٦ ]
ليست على حد المساواة بين الفعلية والاسمية، بل الفعلية أولى بها، وهي الأصل فيها، والاسمية فرع عليها فيها، وذلك من أجل طلبها للفعل كما تطلبه إذا، وتتضمن معنى الشرط والجزاء على ما ذكره سيبويه فيها وفي "إذا" في صدر "الكتاب" في "باب ما ينتصب في الألف" فليطلب من هناك. فحيث من هذا الوجه بمنزلة حرف الاستفهام في أنها بالفعل أولى، مثل إذا، إلّا أن الألف أولى منها بالفعل من أجل أنهما اسمان
يجب لهما بحق الاسمية أن يليهما الاسم، فلا يقويان في طلب الفعل قوة حرف الجزاء، وأما مشابهة حيث لحرف الجزاء، فلأنهما تطلب الجواب وتصلح للمستقبل على ما ذكره سيبويه في الباب المذكور، ولهذا المعنى جوزي بها مع "ما" في قولهم: حيثما تكن أكن، ففيها هذا المعنى الذي يقربها من حرف الجزاء، إلا أن إذا أقرب منها، لكونها موضوعة للاستقبال كحرف الجزاء، فالجملة الفعلية أولى بها من هذا الوجه، ثم يليها الجملة الاسمية مجردة من الدواخل عليها، لتكون على مساواة الجملة الفعلية ووزانها، وإذا كان الأمر فيها على ما بينَّا فوقوع إن بعدها لا يجوز بما يحدثه دخولها فيه من المباينة وفقد المساواة بين الجملتين، وذلك أنها تحدث بدخولها تضمن معنى استئناف الكلام بعدها، والانقطاع عما تقدمها. وأعلم أنه لا يمتنع أن يعمل ما بعد المبتدأ فيما قبله، كقولك: يوم الجمعة أنت ذاهب، وذلك لقوة المبتدأ وتصرفه، لأنه نظير الفاعل في قوته، فلذلك صلح أن يقع موقع الخبر، ويتقدمه الخبر كقولك: في الدار زيد، ولا يجوز مثل ذلك مع دخول إن، لضعف الحرف عن منزلة المبتدأ، ولهذا ليس كل موضع يصلح أن يقع فيه المبتدأ والخبر، يصلح أن تقع إن فيه. هذا قول الخليل وسيبويه، وعليه الاعتماد، وبما شذ فيه قول ضعيف فهو مردود على قائله، أو محمول على الشذوذ الذي لا يعتد به.
ومن مسائل "الكتاب" قولهم: كما أنت هنا، أجاز سيبويه وقوع المبتدأ
[ ٣ / ١٤٧ ]
والخبر ههنا، لأن ما بعده يعمل فيما قبله، ولم يجز وقوع إن المكسورة لما ذكرنا. ومن مسائل سيبويه أيضًا: كيف أنت صانع، منع منها أيضًا، لما ذكرنا من صحة الفرق المقتضي صحة عمل العامل فيما قبل المبتدأ، أي: من دخول إن بعدها، وفساد عمله فيما قبل إن.
وأما وقوع المفتوحة "بعد حيث" فلا أعلمه ورد أيضًا عن العلماء ولا عن العرب، ولكني عثرت عليه في عبارات الفقهاء والمتكلمين، وبعض متأخري النحاة على سبيل التعليل، يقولون: من حيث أنه كذا وكذا، يريدون: من أجل كذا كذا، وليس ذلك من عباراتهم مما يجعل أصلًا يرجع إليه أو يعتد به، إلا أن المفتوحة وإن كانت مع ما بعدها في تأويل المفرد، فإنها تقع موقع الجملة من المبتدأ والخبر، وتفيد إفادتها فيما يتعدى إلى مفعولين من باب ظننت، فيشبه أن يكون لهذا المعنى استجاز من استجاز إيقاعها بعدها، على أن الجملة من المبتدأ والخبر بعدها أصل فيها، وهي من عواملها الأصلية، والجملة الاسمية في حيث فرعية محمولة على الجملة الفعلية، فيجب على هذا الوجه أن لا يجوز أيضًا، والله أعلم، هذا آخر كلام أبي اليمن الكندي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد المائتين:
(٢٠١) إذا ريدة من حيث ما نفحت له أتاه بريّاها خليل يواصله
على أن الجملة التي تضاف إليها حيث محذوفة، والتقدير: إذا ريدة نفحت له من حيث هبت، وذلك لأن ريدة فاعل بفعل محذوف يفسره نفحت، فلو كان نفحت مضافًا إليه حيث، لزم بطلان التفسير، إذ المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، فلا
[ ٣ / ١٤٨ ]
يفسر عاملًا فيه، وهذا من كلام أبي حيان في "شرح التسهيل" قال: جعل "ما" عوضًا، كما جُعل التنوين في حينئذٍ عوضًا.
وقد تكلم أبو علي في كتاب "إعراب الشعر" على هذا البيت على هذا النمط، ثم أجاز أن تكون حيث مضافة إلى جملة نفحت، وهذا نصه: قال أبو حية النميري يصف حمارًا: إذا ريدة من حيث ما نفحت له البيت، يقال: ريح رادّة، وريدة، وريدانه لليّن، ورياها: ريحها، وخليل: يعني أنفه، يقول: تأتيه الريح لتنسّمه إياها بأنفه، فإذا هذه التي هي ظرف من الزمان، لأن المعنى: إذا نفحت ريح تنسّها، وإذا كان كذلك كانت ريدة مرتفعة بفعل مضمر يفسره نفحت، مثل: (إذا السماء انشقت) [الانشقاق/١] ونحو ذلك، ومن: متعلقة بالمحذوف، فسره نفحت، وما أضيف إليه "حيث" محذوف كما يحذف ما يضاف إليه "إذ" في يومئذٍ للدلالة عليه، وأنه قد علم أن المعنى: إذا نفحت من ما نفحت، وإن شئت قلت: إن حيث مضافة إلى نفحت، وريدة مرتفعة بفعل مضمر دلّ عليه نفحت، وإن كان قد أضيف إليه حيث، كما دلّ الفعل الذي في صلة أن في قولك: لو أنك جئتني لأكرمتك، وأغنى عنه، فكذلك هذا الفعل المضاف إليه حيث، أغنى عن ذلك الفعل، لمّا دلّ عليه، كما قلنا في لو، ألا ترى أن المضاف إليه مثل ما بعد الاسم الموصول في أن كل واحد منهما لا يعمل فيما قبله، ومع ذلك فقد أغنى الفعل الذي في صلة أن عن الفعل الذي تقتضيه لو، وإن كان قبل الصلة، فكذلك الفعل المضاف إليه حيث. انتهى كلام أبي علي، ونقلته من نسخة بخط تلميذه ابن جني، ومن نسخة أخرى صحيحة قرئت على أبي علي وعليها خطه. وكذلك جوزه الدماميني، قال: وما استند إليه من أن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، فلا يفسر عاملًا؛
[ ٣ / ١٤٩ ]
تظور فيها، لأن الظاهر من كلامهم أن امتناع تفسير ما لا يعمل، مخصوص بباب الاشتغال، وقد قدم المصنف في الفصل الذي عقده لخروج إذا عن الاستقبال عند إنشاد قوله:
آليت حبَّ العراق الدَّهر أطعمه
أن ما لا يعمل لا يفسر في هذا الباب عاملًا، فقيده بباب الاشتغال، وقد خرّج كثيرون مثل قوله تعالى: (وكانوا فيه من الزّاهدين) [يوسف/٢٠] وجعلوا أحدًا في قوله تعالى: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك) [التوبة/٦] فاعلًا بفعل محذوف يفسره الفعل المتأخر، مع أنه لا يصحُّ أن يعمل فيه الرفع على الفاعلية وهو متأخر، ثم لو سلم عموم هذا الحكم، لأمكن جعل حيث مضافة إلى الجملة الواقعة بعدها، وهي: نفحت، وريدة: فاعلًا بفعل محذوف يفسره السياق، لا نفحت بخصوصه. انتهى.
والريدة، بفتح الراء وسكون المثناة التحتيّة: ريح لينة الهبوب، وما: زائدة، ونفحت: هبّت، والرّيا: الرائحة التي تملأ الأنف.
وأبو حية: بتشديد المثناة التحتّية، اسمه الهيثم بن الربيع، وينتهي نسبه إلى نمير بن عامر بن صعصعة، قال صاحب "الأغاني": وهو شاعر مجيد متقدم، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، ومدح الخلفاء فيهما جميعًا، وكان فصيحًا مقصدًا راجزًا من ساكني البصرة، وكان أهوج جبانًا بخيلًا كذابًا معروفًا بذلك أجمع، وتوفي في بضع وثمانين ومائة. حدّث يومًا قال: عنَّ لي ظبي يومًا فرميته، فراغ عن سهمي فعارضه السهم، ثم راغ فعارضه، فما زال والله يروغ ويعارضه حتى صرعه ببعض الجبانات. وإلى هذا السهم لمَّح ابن نبانة المصري بقوله:
[ ٣ / ١٥٠ ]
وبديع الجمال لم ير طرفي مثل أعطافه ولا طرف غيري
كلّما حدت عن هواه أتاني سهم ألحاظه كسهم النُّميري
وقد بسطنا ترجمته في الشاهد التاسع والأربعين بعد الثمانمائة من "شواهد الرضي".
وأنشد بعده وهو الإنشاد الثاني بعد المائتين:
(٢٠٢) أما ترى حيث سُهيل طالعا
على أن المصنف رآه بخط الضابطين بفتح ثاء حيث، وخفض سهيل، وهذا تأييد لما نقله عن أبي الفتح من أن أضاف حيث إلى المفرد أعربها، وكذا في "شرح الكافية" للرضي، قال: وإعرابها لغة فقعسية. وندرت إضافتها إلى مفرد، قال: أما ترى حيث سهيل طالعًا- وبعضهم يرفع سهيل على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: حيث سهيل موجود، ومع الإضافة إلى المفرد يعربه بعضهم، لزوال علة البناء، أي: الإضافة إلى جملة، والأشهر بقاؤه على بنائه، لشذوذ الإضافة إلى المفرد. انتهى. وجزم أبو علي ببناء حيث عند الإضافة إلى مفرد، قال في "إعراب الشعر": أنشد الكسائي: أما ترى حيث سهيل طالعًا- فجعله اسمًا، فإن قال قائل: إذا صار اسمًا فلم لا يعرب لزواله عن أن يكون ظرفًا؟ قيل: كونه اسمًا لا يخرجه عن البناء، ألا ترى أن منذ حرف فإذا استعملت اسمًا في نحو: مذ يومان، لم يخرج عن البناء، وكذلك على وعن، إذا
[ ٣ / ١٥١ ]
قلت: من عن يمين الخط، وكذلك قول الشاعر: غدت من عليه وكذلك كم بنيت في الاستفهام، فإذا صارت خبرًا بقيت على بنائها، فكذلك حيث إذا صارت اسمًا. انتهى. قال أبو حيان في "تذكرته" قال هشام: يقال: حيث زيدٌ عمروٌ، بفتح الثاء، ورفع زيد وعمرو، وحيث زيدٍ عمرو، بفتح الثاء وخفض زيد، وأما الفتح مع رفع زيد فمفارق للقياس، يجري مجرى قول من يقول: حيث زيد عمرو، فيضم الثاء، ويخفض بها زيدًا، قال:
أما ترى حيث سهيل طالعا
وقد حكوا عن العرب: حيث سهيلٍ، بضم الثاء وخفض سهيل، وهو فاسد العلة، لأن ضم الثاء يوجب رفع سهيل، كما فتح الثاء يوجب خفض سهيل، ولا ينبغي أن يبنى إلا على الأكثر والأعرف والأصح علة. انتهى. وقوله: فاسد العلة، يرده كلام أبي علي والرضي.
وقال العيني: هذا الشعر أنشده ابن الأعرابي، ولم ينشد تمامه، ولا عزاه إلى قائله، وقد قيل: إن قائله مجهول، وأنشد السيد السمرقندي تمامه في شرحه لـ"مقدمة ابن الحاجب":
نجمًا يضيء كالشّهاب لامعًا
وحيث: ظرف أضيف إلى سهيل، فلذلك جر سهيل، وطالعًا: مفعول ترى، وهو من رؤية البصر، فلذلك اقتصر على مفعول واحد، فإن قلت: ما محل حيث هنا؟ قلت: حيث هنا معرب، لأنه لم يضف إلى جملة، فهو
[ ٣ / ١٥٢ ]
إما منصوب على الظرف، أو على المفعولية، ويكون ترى من رؤية القلب، وتستدعي مفعولين الأول حيث، والثاني طالعًا، أو من رؤية البصر، ويكون حيث مفعولًا به، وطالعًا: حالًا من حيث لا من سهيل، لأن الحال من المضاف إليه ضعيفة، هذا كلامه، أقول: تقدم عن أبي علي أن حيث فيه مفعول به، وصرح به الرضي أيضًا، والمعنى عليه، ولا وجه للظرفية، وطالعًا: حال من سهيل، وإنما صح مجيء الحال من المضاف إليه، لأن المضاف شبه الجزء منه، لأن مكان سهيل معروف، قريب من الأفق لا يختلف، فهو كقوله تعالى: (أن اتّبع ملة إبراهيم حنيفًا) [النحل/١٢٣] ونقل عن النيلي أن طالعًا حال من حيث، لأن الحال من المضاف إليه ضعيفة، والتقدير: حيث سهيل طالعًا فيه، وحيث مفعول ترى. وإن جعلت ترى بمعنى تعلم، كان طالعًا مفعولًا، ولا يجوز أن يكون حيث ظرفًا لفساد المعنى. انتهى. وأقول: يتعين أن تكون الرؤية بصرية، لأن مفعولي الرؤية العلمية أصلها المبتدأ والخبر، ولا يصح حمل أحدهما على الآخر، وقد كتبت بأبسط من هذا في الشاهد الواحد بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد المائتين:
(٢٠٣) حيثما تستقم يقدِّر لك الله نجاحًا في غابر الأزمان
على أن حيث إذا اتصل بها "ما" الكافة، ضمنت معنى إن الشرطية، وجزمت الفعلين كما في البيت، واحترز بالكافة عن ما الزائدة وما المصدرية: قال التاج التبريزي: وأما قوله:
[ ٣ / ١٥٣ ]
وإنّني حيثما يدني الهوى بصري من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور
فمن جوز إضافة حيث إلى المفرد فما مصدرية، أي: من حيث السلوك، ومن لا يجوز يقدر ما زائدة. وقال أبو حيان في "الارتشاف": والجملة التي تضاف إليها حيث شرطها أن تكون خبرية اسمية، أو فعلية مثبتة مصدرة بماضٍ أو مضارع مثبتين أو منفيين بلم أو لا، فأما قوله: من حيث ما سلكوا؛ فما زائدة. انتهى.
وكذلك "ما" في حيثما الأولى، والنجاح، بفتح النون: الظفر بالشيء، كالنجح بضمها، والغابر: من غبر غبورًا؛ إذا بقي، وغابر الأزمان: ماضيها ومستقبلها، لأن المستقبل باقٍ، وهذا هو المراد هنا، والأزمان: جمع زمن.
حرف الخاء المعجمة
خلا
أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع بعد المائتين:
(٢٠٤) ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائل
[ ٣ / ١٥٤ ]
على أن خلا إذا تقدمها ما المصدرية وجب نصب المستثنى بها. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأجاز الكسائي والجومي وأبو علي في "كتاب الشعر" والرَّبعي الجر بعد ما خلا وما عدا، فعلى قولهم تكون ما زائدة، وخلا وعدا حرفا جر. قال بعض أصحابنا: النصب هو الكثير الشائع، والجرمي يخفض، فإن كان ذلك منه قياسًا فهو فاسد، لأنه ليس من مواضع زيادتها، وإن كان حكي ذلك فهو شذوذ. انتهى. والجرمي حكاه عن العرب، ذكر ذلك في باب الجر من كتاب "الفرح" فإن قلت: هلا جعلت ما زائدة مع النصب، كما جعلتها زائدة مع الخفض؛ فالجواب إن دخول ما المصدرية على الفعل منقاس، وزيادة ما قبل الفعل لا ينقاس، فكان حملها على ما ينقاس أولى. إلى هنا كلام أبي حيان.
والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي، رثى بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهذه أبيات من أولها:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيُقضى أم ضلال وباطل
حبائله مبثوثة في سبيله ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل
إذا المرء أسرى ليلة خال أنَّه قضى عملًا والمرء ما عاش عامل
فقولا له إن كان يقسم أمره ألَّما يعظك الدَّهر أمُّك هابل
فتعلم أن لا أنت مدرك ما مضى ولا أنت مّما تحذر النَّفس وائل
فإن أنت لم تصدُقك نفسك فانتسب لعلَّك تهديك القرون الأوائل
[ ٣ / ١٥٥ ]
فإن لم تجد من دون عدنان والدًا ودون معدٍّ فلترعك العواذل
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى كلُّ ذي رأي إلى الله واسل
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل وكلُّ نعيم لا محالة زائل
وكلُّ أناسٍ سوف تدخل بينهم دويهية تصفرُّ منها الأنامل
وكلُّ امرئ يومًا سيعلم سعيه إذا كشفت عند الإله الحصائل
ليبك على النعمان شرب وقينة ومختبطات كالسَّعالى أرامل
قوله: ألا تسألان المرء إلخ. يأتي شرحه، إن شاء الله تعالى، في بحث "ما". وقوله: حبائله مبثوثة .. إلخ: جمع حبالة، بالكسر، وهي الشرك، والضمير للموت المفهوم من المقام، وأراد بحبائله: الأحداث التي هي سبب الموت، ومبثوثة: مفرقة، والضمير في سبيله للمرء، ويفنى: يهرم.
وقوله: إذا المرء أسرى .. إلخ: لغة في سرى، يقول: إذا سهر المرء ليلة في عمل ظن أنه قد فزع منه، وهو ما عاش يعرض له مثل ذلك، وهو أبدًا ما دام حيًا لا ينقطع عمله ولا حوائجه.
وقوله: فقولا له .. إلخ، أقسم: بمعنى قدر، يعني: قولًا له إن كان يدبر أمره وينظر فيه: ألم يعظك من مضى قبلك في سالف الدهر، هل رأيته بقي عليه أحد؟ ثم دعا عليه، فقال: أمك هابل؛ يقال: هبلته أمه، أي: ثكلته، وقوله: فتعلم، بالنصب: جواب ألمّا، وأن: مخففة من الثقيلة، ووائل: من والت النفس، أي: نجت، والموئل: المنجى.
[ ٣ / ١٥٦ ]
وقوله: فإن أنت لم تصدقك نفسك .. إلخ، يأتي إن شاء الله شرحه مع البيت الذي بعده في الباب الرابع.
وقوله: أرى الناس .. إلخ، الواسل: الطالب الذي يطلب، من قولك: أنت وسيلتي إلى فلان، واستشهد به صاحب "الكشاف" على أن الوسيلة في قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) [المائدة/٣٥]: ما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الخيرات، واجتناب المعاصي. والواسل: هو الراغب إلى الله، بمعنى ذو وسيلة، أو هو كتامر ولابن، وروي "اللب" وهو العقل، بدل الرأي، والمعنى: أرى الناس لا يعرفون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة زوالها، فالعاقل اللبيب من يتوسل إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح.
وقوله: وكل أناس سوف تدخل .. إلخ، تقدم شرحه في الشاهد الواحد والستين.
وقوله: وكل امرئ يومًا .. إلخ، سعيه: عمله، والحصائل: الحسنات سيئات التي حصّلها وبقيت له عند الله. ثم شرع بعد هذا في ذكر تقلب الدهر بأهله، وبدأ بذكر النعمان وما فيه من سعة الملك ونعيم الدنيا، ثم ذكر ملوك الشام إلى غسان، وما فعل الدهر بهم فبادوا كأن لم يكونوا.
وقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وقع في بعض الروايات هذا البيت مطلع القصيدة، ورى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل"
[ ٣ / ١٥٧ ]
وفي رواية لهما: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء .. إلخ". وقد روي أيضًا بألفاظ مختلفة منها: "إن أصدق بيت قاله الشاعر" ومنها: "أصدق بيت قالته الشعراء" وكلها في الصحيح، وكلها من وصف المعاني بما يوصف به الأعيان، كقولهم شعر شاعر، ويصاغ منهما أفعل باعتبار ذلك المعنى، فيقال: شعرك أشعر من شعره.
وروى ابن إسحاق في مغازيه أن عثمان بن مظعون مرَّ بمجلس من قريش في صدر الإسلام، ولبيد بن ربيعة ينشدهم: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل، فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول أبدًا، فقال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم! فقال رجل: إن هذا سيفه من سفهائنا، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من وقوله، فرد عليه عثمان، فقام إليه ذلك الرجل، فلطم عينه فخضّرها، فقال الوليد بن المغيرة لعثمان: إن كانت عينك لغنية عما أصابها لم رددت جواري!؟ فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة لمثل ما أصاب أختها في الله، لا حاجة لي في جوارك!
وروى أحمد بن حنبل في "زوائد الزهد" أن لبيدًا قدم على أبي بكر الصديق، فقال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل .. فقال: صدقت، فقال: وكل نعيم لا محالة زائل. فقال: كذبت، عند الله نعيم لا يزول، فلما ولَّى قال أبو بكر: ربما قال الشاعر الكلمة من الحكمة.
وأخرج السَّلفي في "المشيخة البغدادية" من طريق هاشم عن يعلى عن ابن جراد قال: أنشد لبيد النبي ﷺ قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فقال: "صدقت" فقال: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال له: "كذبت، نعيم
[ ٣ / ١٥٨ ]
الآخرة لا يزول" وأجاب العيني عن ذلك من وجهين، الأول: أن لبيدًا إنما قال ذلك قبل أن يسلم، فيمكن أن يكون في اعتقاده في ذلك الوقت أن الجنة لا وجود لها، أو كان يعتقد وجودها ولكن لا يعتقد دوامها، كما ذهب إليه طائفة من أهل الأهواء والضلال. والثاني: أنه يمكن أراد به ما سوى الجنة من نعيم الدنيا؛ لأنه كان في صدد ذم الدنيا، وبيان سرعة زوالها، وأما تكذيب عثمان إياه، فلكونه حمل الكلام على العموم. انتهى.
وقال ابن حجر في "شرح البخاري" في باب الشعر: التعبير يوصف كل شيء بالبطلان تندرج فيه العبادات والطاعات، وهو حق لا محالة. وأجيب بأن المراد ما عدا الله، وما عدا صفاته الذاتية والفعلية من رحمة وعذاب، أو المراد بالبطلان الفناء لا الفساد، وكل شيء سوى الله سوى الله جائز عليه الفناء لذاته، حتى الجنة والنار، وإنما يبقيان بإبقاء الله تعالى لهما، وخلق الدوام لأهلهما، والحق على الحقيقة: من لا يجوز عليه الزوال لذاته. انتهى.
ومثله للسيوطي في "البدور السافرة" عند ذكر قوله تعالى: (كلُّ شيء هالك ) [القصص/٨٨] أي: قابل للهلاك، وكل محدث قابل لذلك وإن لم يهلك، بخلاف القديم الأزلي، ويؤيد ذلك أن العرش لم يرد خبر أنه يهلك، فلتكن الجنة مثله، وقال في موضع آخر من ذلك الكتاب: وفي بحر الكلام قال أهل السنة: سبعة لا تفنى: العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، والجنة، والنار بأهلهما، والأرواح. وقال صاحب "المفهم شرح مسلم": وكذا
[ ٣ / ١٥٩ ]
البيهقي وغيره من المحدّثين: إن هذه السبعة يقع لها هلاك نسبي، وهو غشيان يمنع الإحساس وقتًا ما من الأوقات. قلت: والظاهر قلة ذلك على تقدير صحته بين النفختين عند قوله تعالى: (لمن الملك اليوم) [غافر/١٦] فلا يجيبه أحد كما وردت به الروايات. انتهى.
والباطل هنا: الذاهب الزائل، ومعناه: الهالك الفاني، أي: القابل للهلاك والفناء، وقال بعضهم: الباطل في الأصل: ضد الحق، والمراد به هنا ضد الحق، وقال العيني: الباطل: ضد الحق، وفي عرف المتكلمين: الباطل: الخارج عن الانتفاع، والفاسد يقرب منه، والصحيح ضده، وفي عرف الشرع: الباطل من الأعيان: ما فات معناه المقصود المخلوق له من كل وجه بحيث لم يبق إلا صورته، ولهذا يذكر في مقابلة الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت، وفي الشرع يراد به ما هو المفهوم منه لغة، وهو ما كان فائت المعنى من كل وجه مه وجود الصورة، إما لانعدام محلية التصرف كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف، كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل. فإن قلت: ما معناه هنا؟ قلت: المعنى: كل شيء سوى الله تعالى زائل فائت مضمحل ليس له دوام. انتهى. والمحالة بالفتح قال الجوهري: قولهم: لا محالة، أي: لا بدّ. وترجمة لبيد تقدمت في الإنشاد الواحد والستين.
[ ٣ / ١٦٠ ]
حرف الراء
رُبَّ
أنشد فيه:
إن يقتلوك فإنَّ قتلك لم يكن عارًا عليك ورُبَّ قتل عار
وقد تقدم شرحه مستوفي في الإنشاد الواحد والثلاثين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد المائتين:
(٢٠٥) فيا ربَّ يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنَّها خط تمثال
على أن "ربَّ" فيه للتكثير، كما بيّنه المصنف، وقال الخفاف في "شرح الجمل": وزعم بعض النحويين أنها قد تكون للتكثير، وذلك في موضع المباهاة والافتخار، نحو قوله: فيا رب يوم، يريد أن لها أيامًا وليالي كثيرة. وكثر منه فك الأسرى، وكرّه وراء المكربين. وهذا وأمثاله لا حجة لهم فيه، لأن رب في هذه الأماكن للمباهاة والافتخار لتقليل النظر، فكأنه قال: قد لهوت البيت. وقوله:
ويا رُبَّ مكروب كررت وراءه وعان فككت الغلّ عنه فقدّاني
ألا ترى أنه إنما الأيام التي لهوت فيها، والليالي، قل وجود مثلها
[ ٣ / ١٦١ ]
لغيري، وكأنه قال: الأسرى الذين فككت، والمكروبون الذين كررت وراءهم في الكثرة بحيث فكَّ غيري لهم. انتهى.
والبيت من قصيدة لامرئ القيس، تقدم إيراد بعضها في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة. وهذا البيت قبله:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنَّني كبرت وأن لا يشهد اللَّهو أمثالي
بسباسة: امرأة من بني أسد، وكبر: شاخ، يقال: كبر الصبي وغيره، من باب تعب، مكبرًا كمسجد، وكبرًا كعنب، وشهده بالكسر، يشهده بالفتح، شهودًا: حضره، اللهو: مصدر لهوت بالشيء، إذا لعبت به، وقد يكنى باللهو عن الجماع.
وقوله: فيا رب؛ "يا" الداخلة على رب ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه كالداخلة على ليت وعلى حبذا. وروي بدله: "بلى رب يوم" بلى: حرف إيجاب يختص بالنفي ويقيد إثباته، وأثبت به هنا الشهود المنفي، وجملة: قد لهوت، صفة يوم والرابط محذوف، أي: فيه، وصفة ليلة مع العائد محذوف، أي: لهوت فيها. الآنسة: المرأة التي تأنس بحديثك، والخط: الكتابة، قاله صاحب "العباب" وأنشد هذا البيت. وقال أيضًا في مادة (مثل): والتمثال: الصورة، والجمع التماثيل، وقوله تعالى: (ما هذه التماثيل) [الأنبياء/٥٢] أي: الأصنام. وقوله تعالى: (يعلمون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) [سبأ/١٣] وهي صورة الأنبياء، وكان التصوير مباحًا في ذلك الوقت.
[ ٣ / ١٦٢ ]
قال الدماميني: لا يتعلق قوله: "بآئسة" بلهوت الملفوظ به، للزوم الفصل بالأجنبي وهو المعطوف، وإنما يتعلق بمحذوف، أي: لهوت فيها بآنسة، وهذه الجملة صفة لليلة. انتهى. وجملة "كأنها خط تمثال" صفة آنسة، شبهها بصورة الصنم المنقوشة في حسن المنظر وتناسب الأعضاء. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد المائتين:
(٢٠٦) ربَّما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات
على أن ربّ فيه للتكثير أيضًا، وأنشده سيبويه وقال: التوكيد ضرورة وزعم يونس أنهم يقولون: ربما تقولن ذاك، وكثر ما تقولن ذاك. انتهى. وقال ابن بري في "شرحه شواهد الإيضاح": كأنه شبه ربما بما النافية تشبيهًا لفظيًا فصار ترفعن، وإن كان موجبًا كأنه منفي وقال: إنما ذلك لأن التقليل يضارع النفي. انتهى. واستشهد به أبو علي على أنه قد وقع الماضي بعد ربما على ما ينبغي في رب قبل كفها، لأنها موضوعة للإخبار عما مضى، قال أبو علي: وهذا موضع التكثير به أولى من التقليل، ومثله:
وإنا لممَّا نضرب الكبش ضربة على رأسه تلقي اللسان من الفم
وقوله:
قد أترك القرن مصفرَّا أنامله
[ ٣ / ١٦٣ ]
يريد أن الجمع موضوع للتقليل، وهي هنا تقتضي التكثير، لأن ذلك أمدح وأدل على الجرأة. قال: ولا تكون "ما" ههنا إلا كافة. انتهى. والبيت من أبيات لجذيمة الأبرش ملك الحيرة. قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": جذيمة الأبرش الملك كان شاعرًا وكان أبوه مالك بن فهم ملكًا على العرب بالعراق عشرين سنة، وكان يقال لجذيمة: الوضاح، لبرص كان به وملك بعد أبيه ستين سنة، وكان ينزل الأنبار، وهو القائل:
ربّما أوفيت في علمٍ ترفعن ثوبي شمالات
في فتوٍّ أنا كالئهم في بلايا عورة باتوا
ثم أبنا غانمين معًا وأناس بعدنا ماتوا
ليت شعري ما أماتهم نحن أدلجنا وهو باتوا
في أبيات، ولجذيمة في "كتاب الأزد" أشعار. انتهى. وصف سرية أسرى بها، أو انقطاعًا عرض له من جيشه في بعض مغازيه، فكان ربيئة لهم، ولم يكل ذلك إلى أحد، أخذًا بالحزم والثقة.
قال الأعلم: وصف أنه يحفظ أصحابه في رأس جبل إذا خافوا من عدو، فيكون طليعة لهم، والعرب تفخر بهذا، لأنه دال على شهامة النفس وحدة النظر. والعلم: الجبل، والشمالات: جمع الشمال من الرياح، وخصها لأنها تهب بشدة في أكثر أحوالها، وجعلها ترفع ثوبه لإشراف المرقبة التي يربا فيها لأصحابه. انتهى كلامه.
[ ٣ / ١٦٤ ]
وليس في أبياته ما يدل على أن أصحابه في رأس جبل يخافون عدوًا، وهذا ذم، وإنما المعنى: أنا أنظر لهم وأصعد على موضع عال أرقب لهم وأنظر من يأتيهم، وأوفيت على الشيء: أشرفت عليه، وتقديره: أوفيت على مكان عال في جبل، والشمال بالفتح، ويكسر: الريح التي تهب من ناحية القطب، قال ابن بري: وقوله: ترفعن ثوبي شمالات، كلام منقطع مما قبله، كأنه استأنف الحديث، ولا تكون في موضع حال، لأن هذه النون لا تدخل على الحال. وقوله: أوفيت، أي: أوفيت مرقبة أو شرفًا في علم، لأنه يقال: أوفيت الجبل، وأوفيت فلانًا بمكان كذا. وقوله: شمالات: إشارة إلى شدة الريح واختلافها، ولذلك جمعها. انتهى كلامه.
قال السيوطي: قال صاحب "المصباح في شرح أبيات الإيضاح": يحتمل بقاء رب هنا على معناها من التقليل، لأن جذيمة ملك جليل لا يحتاج مثله إلى أن يتبدل في الطلائع، لكنه قد يطرأ على الملوك خلاف العادة، فيفخرون بما ظهر منهم عند ذلك من الصبر والجلادة. انتهى. ومنه أخذ الدماميني قوله: أقول: الافتخار بالتقليل قد يقع، لا من حيث قلته، بل من حيث كونه عزيز المنال، لا يوصل إليه إلا بشق الأنفس، فالظفر به مع هذه الحالة يناسب الافتخار، وحينئذٍ، فقول المصنف: إن التقليل لا يناسب الافتخار، إن قصده كليًّا منعناه، وإن قصده جزئيًا باعتبار البيتين اللذين أنشدهما وأمثالهما؛ فلا تعقب عليه، إذ ما وقع به الافتخار في البيت الأول هو لهوه بامرأة جميلة، وما افتخر به صاحب البيت الثاني هو إيفاؤه في جبل عالٍ، ورفع ريح الشمال لثوبه، وكل منهما ليس أمرًا عزيز المنال، ولا يحصل إلا بشق النفس، والافتخار بمثل ذلك لا يكون إلا
[ ٣ / ١٦٥ ]
بالكثرة، ولا يكون مجرد الحصول في الجملة. انتهى. وقال صاحب "المصباح": والأكثرون رووا البيت هكذا، ورواه أبو الفرج الأصبهاني: "ترفع أثوابي شمالات" وهي رواية حسنة جدًا، ورواه ابن حزم: "رب ليل قد سريت به" فغير صدره، قال: وفي قوله: ترفعن ثوبي: إشارة إلى أن قميصه لا يلصق بجلده لخمصه، وهذا مدح عندهم، لا سيما من كان عندهم من أهل النعمة. انتهى.
وقوله: في فتوٍّ .. إلخ، هو جمع فتى، وهو السخيّ الكريم، والشاب أيضًا، جمع على فعول، وفي بمعنى مع، متعلقة بأوفيت، وكالئهم: اسم فاعل من كلأه الله يكلؤه، مهموز بفتحتين، أي: حرسه وحفظه، وقوله في بلايا عورة .. إلخ، البلايا: جمع بلية، وفي: متعلقة بباتوا، والعورة بالفتح: موضع خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب، وبات: له معنيان أشرهما اختصاص الفعل بالليل، كما اختص الفعل في ظل بالنهار، فإذا قلت: بات يفعل كذا؛ فمعناه: فعله بالليل، ولا يكون إلا مع سهو، والثاني بمعنى صار، يقال: بات بموضع كذا، أي صار، سواء كان في ليل أو نهار، والمغنيان هنا محتملان. وروى صاحب "الأغاني" هذا البيت كذا:
في شباب أنا رابئهم هم لدى العورات صمّات
ورابيء: اسم فاعل من ربأت القوم بالهمز ربءًا وارتبأتهم، أي: رقبتهم، وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف. والربيء والربيئة: على وزن فعيل وفعيلة: الطليعة، والمربأة على مفعلة، وكذلك المربأ: المرقبة. وصمات: جمع صامت، وصمتهم للجراسة. ورواه الجوهري:
في فتوّ أنا رابئهم من كلال غزوة ماتوا
[ ٣ / ١٦٦ ]
والكلال: التعب، وجملة ماتوا: صفة ثانية لفتو، وأراد بالموت: مقاساة الأهوال والشدائد، وقوله: ثم أبنا غانمين: من آب يؤوب؛ إذا رجع. ورواه صاحب "الأغاني":
ثمَّ أبنا غانمين وكم من أناس قبلنا ماتوا
وقوله: نحن أدلجنا، يقال: أدلج إدلاجًا: إذا سار الليل كله. وروى صاحب "الأغاني":
ليت شعري ما أطاف بهم نحن أدلجنا إلخ
ورواه غيره:
"ليت شعري ما أصابهم"
وجذيمة الأبرش: بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة، قال الجاحظ في "البيان": عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي إن جذيمة الوضاح هو الأبرش التنوخي الأزدي، وهو آخر من ملك من قضاعة بالحيرة، وهو أول من حذا النعال، واتخذ المنجنيق ووضعه على الحصون، وأول من أدلج من الملوك، وأول من رفع له الشمع، وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيًا، وأبعدهم مغارًا، وأشدهم نكاية، وأظهرهم حزمًا، وهو أول من استجمع له الملك بأرض العراق، وضم إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان به برص، وكانت العرب تكني عن أن تسميه به وتنسبه إليه إعظامًا له، فقيل: جذيمة الوضاح، وجذيمة الأبرش. وكانت منازله فيما بين الحيرة والأنبار و"بقة" و"هيت" وناحيتها، و"عين التمر" وأطراف البر، وتجبى إليه الأموال، وتفد عليه الوفود، وكان غزا طسمًا وجديسًا في منازلها من "جو" وهي اليمامة، فوافق خيول ابن أسعد أبي
[ ٣ / ١٦٧ ]
كرب قد أغارت على طسم وجديس، فانكفأ جذيمة راجعًا. إلى هنا كلام الجاحظ.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد المائتين:
(٢٠٧) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
على أن ربَّ المقدرة بعد الواو للتقليل، والمصنف في هذا تابع لأبي حيان في "شرح التسهيل" وهذا غفلة من أبي حيان، فإن الواو عاطفة، وأبيض معطوف على مفعول في البيت قبله، وهو:
وما ترك قوم لا أبا لك سيّدا يحوط الذِّمار غير ذرب مواكل
فأبيض معطوف على قوله: سيدًا المنصوب بالمصدر، وهو من عطف الصفات التي موصوفها واحد، هكذا أعربه الزركشي في نكته على "صحيح البخاري" المسمى بـ "التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح" وقال: لا يجوز غير هذا، تبعه ابن حجر في "فتح الباري" والدماميني أيضًا في "تعليق المصابيح على الجامع الصحيح" ونبّه عليه في شروحه الثلاثة على "مغني اللبيب".
والبيتان من قصيدة طويلة تزيد على مائة بيت لأبي طالب عن النبي ﷺ، قالها في الشعب لما اعتزل قريشًا مع بني هاشم وبني عبد المطلب، عاد فيها بحرم
[ ٣ / ١٦٨ ]
مكة وبمكانه منها، وتودد فيها إلى أشراف قومه، وأخبر قريشًا أنه غير مسلم محمدًا ﷺ، لأحد أبدًا حتى يهلك دونه، ومدحه فيها أيضًا، قال ابن كثير: هي قصيدة بليغة جدًا لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى.
وقد شرحتها محبة في النبي ﷺ حسبما رواها الشامي في "سيرته"، وأودعت شرحها في الشاهد الواحد والتسعين من "شواهد الرضي".
قوله: وما ترك قوم .. إلخ، ما: استفهامية تعجبية مبتدأ، وترك: خبر، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، وسيدًا: مفعوله، وقوله: لا أبا لك، يستعمل كناية عن المدح والذم، ووجه الأول: أن يراد نفي نظير الممدوح بنفي أبيه، ووجه الثاني: أن يراد أنه مجهول النسب، والمعنيان محتملان هنا. والسيد: من السيادة، وهو المجد والشرف، وحاطه يحوطه حوطًا: رعاه، وفي "الصحاح": قولهم: فلان حامي الذمار، أي: إذا ذمر وغضب حمى، وفلان أمنع ذمارًا من فلان، ويقال: الذمار: ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه، لأنهم قالوا: حامي الذمار، كما قالوا: حامي الحقيقة، وسمي ذمارًا، لأنه يجب على أهله التذمر له، وسميت حقيقة لأنه يحق على أهلها الدفع عنها، وظل يتذمر على فلان: إذا تنكر له وأوعده، والذرب: بفتح الذال المعجمة، وكسر الراء لكنه سكن هنا، وهو الفاحش البذيء اللسان، والمواكل: اسم فاعل من واكلت فلانًا مواكلة: إذا اتكلت عليه، واتكل هو عليك، ورجل وكل، بفتحتين، وركلة وتكلة، كهمزة فيها، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره ويتكل عليه. وروي: "يحوط الذمار في مكر ونائل" والمكر: مصدر كرّ على العدو: إذا رجع عليه في الحرب، والنائل: العطية.
[ ٣ / ١٦٩ ]
وقوله: وأبيض يستسقي، بالبناء للمفعول، والعرب تمدح السادة بالبياض، ولا يريدون بياض اللون، وإنما يريدون النقاء من العيوب، وربما أرادوا به طلاقة الوجه، لأن العرب تجعل العبوس سوادًا في الوجه، قال تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودًا) [النحل ٥٨] فإذا كان العبوس يعد سوادًا في الوجه وجب أن تعد الطلاقة بياضًا. وقال زهير:
وأبيض فيّاض يداه غمامة على معتقيه ما تغبُّ فواصله
والثمال بالكسر: العماد والملجأ والمطعم والمغني والكافي، والعصمة: ما يعتصم به ويتمسك، قال الزركشي: يجوز فيها النصب والرفع، والأرامل: جمع أرملة، وهي التي لا زوج لها، لافتقارها إلى من ينفق عليها، وأصله من أرمل الرجل: إذا نفد زاده وافتقر، فهو مرمل، وجاء أرمل على غير قياس، قال الأزهري: لا يقال للمرأة أرملة إلا إذا كانت فقيرة، فإن كانت موسرة فليست بأرملة، والجمع أرامل، حتى قيل: رجل أرمل إذا لم يكن له زوج، قال ابن الأنباري: وهو قليل، لأنه يذهب بفقد امرأته لأنها لم تكن قيَّمة عليه، وقال ابن السكيت: الأرامل: المساكين رجالًا كانوا أو نساءً.
قال السهيلي في "الروض الأنف": فإن قيل: كيف قال أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، ولم يره قط استسقي به، إنما كانت استسقاءاته، ﵊ بالمدينة في سفر وفي حضر، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له؟ فالجواب: إن أبا طالب قد شاهد من ذلك في حياة عبد المطلب ما دَّله، على ما قال. انتهى. ورده بعضهم بأن قضية الاستسقاء متكررة، إذ واقعة أبي طالب كان الاستسقاء به عند الكعبة، وواقعه عبد المطلب كان
[ ٣ / ١٧٠ ]
أولها أنهم أمروا باستلام الركن، ثم بصعودهم جبل أبي قبيس ليدعو عبد المطلب ومعه النبي صلى الله عليه وسلام، ويؤمن القوم، فسقوا به، قال ابن هشام في "السيرة": حدثني من أثق به قال: أقحط أهل المدينة، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلام، فشكوا ذلك إليه، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم حوالينا ولا علينا" فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل، فقال رسول الله ﷺ: "لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره" فقال له بعض أصحابه، وهو علي: كأنك أردت يا رسول الله: "وأبيض يستسقي الغمام بوجهه البيت؟ ! "، قال: "أجل" انتهى، وبتصديق النبي ﷺ كون هذا البيت لأبي طالب، وعليه اتفق أهل السير، سقط ما أورده الدميري في "شرح المنهاج" في باب الاستسقاء عن الطبراني وابن سعد أن عبد المطلب استسقى بالنبي ﷺ، فسقوا، ولذلك يقول عبد المطلب فيه يمدحه: "وأبيض يستسقى الغمام بوجهه البيت"؟ !
قال ابن حجر الهيتمي في "شرح الهمزية": وسبب غلط الدميري في نسبة هذا البيت لعبد المطلب أن رقيقة -براء مضمومة وقافين- بنت أبي صيفي أبن هاشم، وهي التي سمعت الهاتف في النوم أو اليقظة، لما تتابعت على قريش سنون أهلكتهم: يصرخ: يا معشر قريش! إن هذا النبي المبعوث قد أظلتكم أيامه، فحيهلا بالحيا والخصب، ثم أمرهم بأن يستسقوا به، وذكر كيفية يطول ذكرها، فلما ذكرت الرواية في القصة أنشأت تمدح النبي ﷺ بأبيات آخرها:
مبارك الأمر يستسقى الغمام به ما في الأنام له عدل ولا خطر
[ ٣ / ١٧١ ]
فإن الدميري لما رأى هذا البيت في رواية قصة عبد المطلب التي رواها الطبراني، وهو يشبه بيت أبي طالب، إذ في كل استقساء الغمام به توهم أن بيت أبي طالب لعبد المطلب، وإنما هو لرقيقة المذكورة، والحكم عليه بأنه عين البيت المنسوب لأبي طالب ليس كذلك بل شتان بينهما، فتأمل هذا المحل فإنه مبهم، وقد اغتر بكلام الدميري من لا خبرة له بالسير، انتهى، وبعد ذلك البيت:
يلوذ به الهلّاك من آل هاشم فهم عنده في رحمة وفواضل
يلوذ: صفة أخرى لموصوف سيد، والهلّاك: الفقراء والصعاليك الذين ينتابون الناس طلبًا لمعروفهم من سوء الحال، وهو جمع هالك، قال جميل:
أبيت مع الهلّاك ضيفًا لأهلها وأهلي قريب موسعون ذوو فضل
وقال زياد بن حمل:
ترى الأرامل والهلّاك تتبعه يستن منه عليهم وابل رذم
وأبو طالب: عم النبي ﷺ وناصره، ولد قبل النبي بخمس وثلاثين سنة، ولما مات عبد المطلب أوصى بالنبي ﷺ، فكفله وأحسن تربيته، وسافر به إلى الشام وهو شاب، ولما بعث ﷺ قام بنصرته، وذب عنه من عاداه، ومدحه عدة مدائح، واسمه عبد مناف على المشهور، واشتهر بكنيته، وقيل: اسمه
[ ٣ / ١٧٢ ]
عمران، وقيل: شبيه، قال الواقدي: وتوفي أبو طالب في النصف من شوال في السنة العاشرة من النبوة وهو ابن بضع وثمانين سنة، واختلف في إسلامه، قال ابن حجر: رأيت لعلي بن حمزة البصري جزءًا جمع شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلمًا ومات على الإسلام، وأن الحشوية تزعم أنه مات كافرًا، واستدل لدعواه بما لا دلالة له فيه، انتهى، ومن شعره فيه، ﷺ:
ودعوتني وزعمت أنك صادق ولقد صدقت وكنت ثمَّ أمينا
ولقد علمت بأنَّ دين محمد من خير أديان البرية دينا
ومن شعره الذي قاله وهو في الشعب:
ألا أبلغا عني على ذات بيننا لؤيًّا وخصَّا من لؤيِّ بني كعب
ألم تعلموا أنَّا وجدنا محمدًا نبيًا كموسى خطَّ في أوَّل الكتب
وأنَّ عليه في العباد مودَّة وخيِّر فيمن خصَّه الله بالحبِّ
وهي قصيدة جيدة على هذا الأسلوب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد المائتين:
(٢٠٨) ألا ربَّ مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان
[ ٣ / ١٧٣ ]
وذي شامة غراء في حرِّ وجهه مجلَّلة لا تنقضي لأوان
ويكمل في تسع وخمس شبابه ويهوم في سبع معًا وثمان
على أن رب للتقليل، فإن مولودًا لا والد له في غاية القلة، وكذلك ذي ولد لا أبوين له، وكذلك الثالث.
والبيت الأول استشهد به سيبويه في ترخيم اسحار في أنك تحركه بأقرب الحركات إليه، وكذا نقول: انطلق إليه في أمر، تكن اللام فتبقى ساكنة، والقاف ساكنة، فتحرك القاف بأقرب الحركات إليها وهي حركة الطاء، قال أبو جعفر النحاس: فإن قيل: فقد جئت بحركة موضع حركة، فما الفائدة في ذلك، فالجواب إن الحركة المحذوفة كسرة، انتهى، أي: فالفتحة أخف منها، فأصل يلده بكسر اللام وسكون الدال للجزم، فسكن المكسور تخفيفًا، فحركت الدال لالتقاء الساكنين بحركة هي أقرب المتحركات أيها، وهي الفتحة، لأن الساكن غير حاجز حصين.
قال المبرد في "الكامل": كل مكسور ومضموم إذا لم يكن من حركات الإعراب يجوز فيه التسكين، وأنشد هذا البيت وقال: لا يجوز ذلك في المفتوح لخفة الفتحة، انتهى.
ووقع صدر هذا البيت في رواية سيبويه: "ألا رب" كما هنا، وجاء في "إيضاح الفارسي" برواية: "عجبت لمولود" وكل منهما رواية صحيحة، ونسبه سيبويه لرجل من أزد السراة، والبيت الثاني رواه الجاريردي وغيره كذا:
[ ٣ / ١٧٤ ]
وذي شامة سوداء في حرِّ وجهه مخلَّدة لا تنقضي لأوان
وهي رواية أحسن من الأولى، وروي مصراع البيت الثالث: "ويهوم في سبع مضت وثمان".
وقوله: وذي شامة، الشامة: علامة مخالفة لسائر البدن، والخال: هي النكتة السوداء فيه، وأراد بالشامة: المسحة التي في القمر يقال: إنها من أثر جناح جبريل ﵇، قال الخفاف: شبه النكتة التي تظهر في المسمى "أرنب القمر" بالشامة، انتهى.
وأراد بكمال شبابه صيرورته بدرًا في الليلة الرابعة عشر، لأنه حينئذ في غاية البهاء والضياء، كما أن الشباب في غاية قوته وحسن منظره، وأراد بهرمه: ذهاب نوره ونقصان ذاته في الليلة التاسعة والعشرين، فإن السبعة والثمانية هي خمسة عشر، إذا انضمت مع الخمسة والتسعة المتقدمة وهي أربعة عشر، صارت تسعة وعشرين، وهذا الضم استفيد من قوله: معًا، ورواية "وذي شامة غراء" غير مناسبة، كرواية مجللة، اسم فاعل من التجليل، وهو التغطية، وحر الوجه: ما بدا من الوجنة، أو ما أقبل عليك منه، أو أعتق موضع فيه، ومخلدة: باقية، بالجر صفة لذي شامة، وبالنصب حال منه، واللام في قوله: لأوان، بمعنى في، أو بمعنى عند، وذكر العدد في الجميع، لأنه باعتبار الليالي.
[ ٣ / ١٧٥ ]
قال أبن عبد البر في "مقدمة الاستيعاب": الأزد: جرثومة من جراثيم قحطان، وافترقت فيما ذكر ابن عبدة وغيره من علماء النسب على نحو سبع وعشرين قبيلة، ويقال لبعض منهم، أزد السراة، وهو من أقام منهم عند جبل السراة بفتح السين المهملة.
وقوله: ألا رب مولود وليس له أب أي: رب إنسان مولود، فمولود: صفة لمجرور رب المقدر، أو جملة: "وليس له أب" في موضع الصفة لمجرور رب، وجوابها محذوف تقديره: وجد، وهذه الواو هي سماها الزمخشري واو اللصوق، أي: لصوق الصفة بالموصوف، وجعل من ذلك قوله تعالى:
﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر/٤] أو هي حال من مولود، ولا وصف لمجرورها، لأنه غير لازم عند سيبويه ومن تبعه.
قال أبو حيان في "شرح التسهيل": واستدل ابن طاهر على أنه لا يلزمه الوصف بقوله: ألا رب مولود وليس له أب، ألا ترى أن مولودًا لم يوصف! قال ابن عصفور: ومما يبين أنه لا يلزمه الوصف أنك تجد أماكن إن جعلت ما بعد المخفوض صفة لم يبق للمخفوض ما يعمل فيه لا في اللفظ ولا في التقدير، لأن معنى الكلام لا يقتضي عاملًا محذوفًا بل تجد المعنى مستقلًا من غير حذف، نحو قول امرئ القيس:
فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة البيت
ألا ترى أن المعنى مستقل بما في اللفظ خاصة، وإن رمت أن تتكلف حذف عامل فقدرت: ظفرت بها أو تمتعت بها، كانت زائدة غير مفيدة، لأن ذلك
[ ٣ / ١٧٦ ]
المعنى حاصل من غير حذف، لأن لهوك بالآنسة في ذلك اليوم وتلك الليلة ظفر بها وتمتع، انتهى، وقد أطنب أبو حيان بنقل الخلاف وأطاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد المائتين:
(٢٠٩) فويق جبيل شامخ لن تناله بقنَّته حتَّى تكلَّ وتعملا
على أن تصغير جبيل للتقليل، قال الدماميني: التصغير في كل من فويق وجبيل راجع إلى التقليل، ولا يجوز أن يراد به التحقير، لمنافاة وصفه بما ذكر للحقارة، انتهى.
وعند الكوفيين: التصغير في هذا البيت والذي بعده للتعظيم، قال الرضي في "شرح الشافية": قيل: يجيء التصغير للتعظيم، فيكون من باب الكناية، يكنى بالصغر عن بلوغ الغاية، لأن الشيء إذا جاوز حده جالس ضده، وقريب منه قول الشاعر:
دويهية تصفرُّ منها الأنامل
ورد بأن تصغيرها على حسب اعتقاد الناس لها، وتهاونهم بها، إذ المراد بها الموت، أي: يجيئهم ما يحتقرونه، مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل، واستدل بقوله: فويق جبيل البيت، ورد بتجويز كون المراد دقة الجبل وإن كان طويلًا، وإذا كان كذا فهو أشد لصعوده، انتهى.
[ ٣ / ١٧٧ ]
وقال ابن يعيش: للتصغير معان ثلاثة: تحقير ما يتوهم أنه عظيم كرجيل، وتقليل ما يتوهم أنه كثير كدريهمات، وتقريب ما يجوز أن يتوهم أنه بعيد، كبعيد العصر وقبيل الفجر، وأضاف الكوفيون تصغير التعظيم، كقوله: دويهية تصفر منها الأنامل، والمراد تعظيم، إذ لا داهية أعظم من الموت، وقال الآخر: فويق جبيل البيت، قال: جبيل، ثم قال: شاهق الرأس، وهو العالي، فدل على أنه أراد تفخيم شأنه، وهذا ليس من أصول البصريين، وجميع ما ذكروه راجع إلى معنى التحقير فأما قولهم: دويهية، فالمراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظام، فحتف النفوس قد يكون بصغير الأمر الذي لا يؤبه له، وأما: فويق جبيل، فالمراد أنه صغير العرض دقيق الرأس شاق المصعد، لطوله وعلوه، انتهى، وكذا قال ابن السكيت في شرح البيت، قال: يقول: هو صغير العرض ذاهب في السماء، وهو أشد لصعوده، ويروى: سامق الرأس، وشاهق الرأس، وشامخ الرأس، والجميع واحد، انتهى.
والبيت في وصف نبعة قوس، من قصيدة ذكر فيها انواع سلاحه، قال بعد ستة أبيات من أولها:
وإنِّي امرؤ أعددت للحرب بعد ما رأيت لها نابًا من الشَّرِّ أعصلا
أصمَّ ردينيَّا كأنَّ كعوبه نوى القسب عرَّاصًا مزجَّى منصَّلا
وأبيض هندَّيًا كأنَّ غراره تلألؤ برق في حبي تكلَّلا
[ ٣ / ١٧٨ ]
ومبضوعة من رأس نبع شظية بطود تراه بالسَّحاب مجلَّلا
على ظهر صفوان كأنَّ متونه عللن بدهن يزلق المتِّنزلا
يطيف بها راع يجشِّم نفسه ليكلئ فيها طرفه متأمِّلا
فلاقى أمرًا من ميدعان وأسمحت قرونته بالبأس منها وعجَّلا
فقال له هل تذكونَّ مخبِّرًا يدلُّ على غنم ويقصر معملا
على خير ما أبصرتها من بضاعة لملتمس بيعًا بها أو تبكُّلا
فويق جبيل البيت
فأصر ألهابًا من الطَّود دونها يرى بين رأسي كلِّ نيقين مهبلا
فأشرط فيها نفسه وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكَّلا
وقد أكلت أظفاره الصَّخر كلَّما تعيا عليه طول مرقى تسهَّلا
فما زال حتَّى نالها وهو معصم على موطن لو زلَّ عنه تفصلا
فلمَّا نجا من ذلك الكرب لم يزل يمظِّعها ماء اللِّحاء لتذبلا
فلمّا قضى ممّا يريد قضاءه وصلَّبها حرصًا عليها فأطولا
أمرَّ عليها ذات حدِّ دعا لها رفيقًا بأخذ بالمداوس صيقلا
فجردها صفراء لا الطُّول عابها ولا قصر أزرى بها فتعطَّلا
ثم وصفها بعشرة أبيات فقال:
فذاك عتادي في الحروب إذا التظت وأردف بأس من حرب وأعجلا
[ ٣ / ١٧٩ ]
قوله: وإني امرؤ أعددت، أي: هيأت عدة، وأعصل، بمهملتين، أعوج، قال ابن السكيت في شرحه: يقول: هي حرب قدمت وأسنت، فهو أشد لها، وقوله: أصم ردينيا إلخ، هو مفعول أعددت، والأصم: المصمت الذي لا جوف له، أي: رمحًا أصم، والرمح الرديني: منسوب إلى ردينة، بالتصغير وهي امرأة كانت تقوم الرماح، وكان زوجها سمهر أيضًا يقوم الرماح، ويقال لرماحه: السمهرية، قال ابن السكيت: الكعب: الأنبوب، ويسمون العقدة كعبًا، وهو المراد هنا، والقسب: [تمر] يابس، نواه ضامر صلب، والعراص بمهملات: الشديد الاضطراب، والمزجي: الذي له زج، بضم الزاي وتشديد الجيم، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح تغرز في الأرض، والمنصل: الذي جعل له نصل، وهو السنان.
ثم وصف الرمح بأبيات أخر، وقال: وأبيض هنديًا الخ، معطوف على أصم، أي: وأعددت أيضًا سيفًا هنديًا، والغرار، بكسر المعجمة: حد السيف، والحبي: ما حبا من السحاب، أي: ارتفع وأشرف، وتكلل السحاب صار بعضه فوق بعض، وهو أشد لإضاءة البرق.
ثم وصف السيف بأبيات، وقال: ومبضوعة؛ معطوف على أصم أيضًا، أي: وأعددت قوسًا مبضوعة، أي: مقطوعة، والفرع: أعلا الشجر، والشظية، بفتح الشين وكسر الظاء المعجمتين: الشقة والفلقة، وهي صفة لمبضوعة، والباء في بطود: متعلقة بمحذوف حال من رأس فرع، وجملة تراه: صفة لطرد،
[ ٣ / ١٨٠ ]
والرؤية بصرية، ومفعولها الهاء الراجعة إلى طود، ومجللًا: حال من الهاء، وهو اسم مفعول من جلله بمعنى غطاه وألبسه، وبالسحاب متعلق به.
وقوله: على ظهر صفوان الخ قال ابن السكيت: يقول نبتت على حجر يزلق الرجل المتنزل لملاسته، وعللن: سقين مرة بعد مرة، وقوله: يطيف بها راع الخ، قال ابن السكيت: يطيف بهذه القوس المبضوعة راع، أي: حافظ، ليجعل طرفه كالئًا يحفظ منها منظرًا، والكالئ: الحافظ، وقوله: فلاقى امرًا من ميدعان، قال ابن السكيت: فعجل به اليأس، أي: لم يتحبس به اليأس، هذا الذي رآها لاقى امرًا من ميدعان، وهي حي من اليمن من أزد السراة، وقد استشعر اليأس منها، فاستشار الآخر، فقال: هل تذكر رجلًا يصيب الغنم، ويقصر العمل، أي: يجيء بعمل قصير، أراد أنهما تشاورا، فدله على الذي رأي فعجلا، يقول: كأنه نسي أنه يئس منها، فلما دله عليها عجل إلى ما قال، وأسمحت قرونته وقرينته جميعًا، وهي النفس، باليأس، أي: تابعته نفسه على اليأس ولم تنازعه، وهذا مثل قولك: لقي فلان فلانا ونسي ما أتى إليه، أي: وقد نسي، انتهى كلامه.
وقوله: فقال له، هل الخ، أي: هل تذكرن رجلًا يدل على غنيمة ويقصر معملًا، أي: ويقل العمل والعناء، وقوله: على خير ما أبصرتها الخ، قال ابن السكيت: أي: فقال: هل تدل على خير ما أبصرتها؟ أي خير ما أبصرت من بضائع الناس، والتبكل: التغنم، يقال: تبكل، أي: تغنم، إن أراد بيعًا أو غنمًا، وقال: المتبكل الذي يباكل بها الناس، يقول لهذا: سوف أبيعك، ولهذا: سوف أعيرك، انتهى.
وقال أبو حنيفة في "كتاب النبات": ميدعان حي من أزد السراة، وهم أهل جبال شجيرة، يقول: إما لأن يبريها، وإما لأن يتخذها معاشًا لصيد أو
[ ٣ / ١٨١ ]
غزو، والتبكل: التكسب من هنا وههنا، وأصل البكل: الخلط، والقواسون يطلبون هذه العيدان العتق من مظانها، أي: من منابتها حيث كانت من السهول والوعور، ويستدلون عليها الرعاء وقناص الوعول، ويجعلون فيها الجعائل، وربما أبصروا الشجرة منها بحيث لا يستطيعه راق ولا نازل، فيتدلون عليها بالحبال في المهاوي والمهالك، كما يتدلى من يشتار العسل على الرقاب، وأخبرني بعض الأعراب قال: يطلب القواسون هذه العيدان العتق، فإن وجدوها مستحكمة اقتطوها، وإن لم تكن مستحكمة حوضوا حولها، وحملوا إليها الماء، فربما ربوها كذلك سنين حتى تستحكم، قال: وإذا وجد الرعاء منها شجرة دلوا عليها القواس، وأخذوا على ذلك ثوابًا، فقلت له: وكم يبلغ القوس عندكم؟ فقال: تبلغ إذا كانت جيدة خمسمائة درهم، وقد ذكر أوس بن حجر كل ذلك في وصفه القوس، فقال في منعة منبت عودها: ومبضوعة من الرأس فرع، إلى آخر أبيات ثلاثة، ثم ذكر استرشادها من عسى أن يدله، فقال: فلاقي امرًا من ميدعان، إلى آخر أبيات ثلاثة، ثم وصف امتناع منبتها، وتدليه عليها بالحبال: فويق جبيل شاهق الرأس، إلى آخر الأبيات.
وقوله: فويق: مصغر فوق، وهو ظرف متعلق بأبصرتها من قوله: على خير ما أبصرتها، في البيت المتقدم، والبلوغ: الوصول، وكل يكل، من باب ضرب، كلالة، أي: تعب وأعيا، ويتعدى بالألف، وتعمل: أي تجتهد في العمل، فهو مضمن معنى الاجتهاد، ولهذا لم يتعد، وأصله التعدي، يقال: عملته أعمله عملًا، من باب فرح، أي: صنعته، والاجتهاد مقدم في المعنى على الكلال، ولا مانع من تأخره لفظًا، لأن الواو لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا، وروي:
"وتعملا" بضم التاء وكسر الميم، والمعنى: وتجهد نفسك أو غيرك، فالمفعول محذوف، وأصل أعمل تعديه إلى مفعولين، تقول: أعملته كذا، أي: جعلته
[ ٣ / ١٨٢ ]
عاملًا له، والنيل، الإصابة والوصول إلى الشيء، وقنة الجبل، بضم القاف وتشديد النون: أعلاه، كقلّته باللام.
وقوله: فأبصر ألهابًا .. إلخ؛ جمع لهب بكسر اللام وسكون الهاء، قال الجوهري: هو الفرجة، والهواء يكون بين الجبلين، وأنشد هذا البيت، والطود: الجبل، ودونها أي: دون المبضوعة، ودون هنا بمعنى أمام، وفاعل أبصر ضمير الرجل من ميدعان، والنيق بكسر النون: المشرف من الجبل، والمهبل بفتح الميم وكسر الموحدة: الهوى والمهلك.
قال أبو حنيفة: ثم ذكر تدليه عليها بالحبال، ومخاطرته بنفسه فقال: فأشرط فيها نفسه .. إلى آخر أبيات ثلاثة، وقال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علمًا للموت، ومنه أشراط الساعة، ويقال: أشرط نفسه في ذلك الأمر، أي: خاطر بها، والمعصم والمعتصم واحد، وهو: المتعلق، أي: متعلقًا بالحبل فذلك الذي ألقى من أسباب حباله، والسبب: الحبل ويصلح أن يكون سبًا بالكسر، وقال أبو ذؤيب:
تدلَّى عليها بين سبٍّ وخيطة
فالسب: الحبل، والخيطة: الوتد. انتهى. وتوكل: اعتمد الله.
وقوله: وقد أكلت أظفاره .. إلخ، قال ابن السكيت: يتوصل من مكان، ثم ينزل بعده، وروي: "طول مرقى توصلًا" أي: توصل من مكان، إلى مكان، كقولك: اجعل هذه وصلة، وقوله: فما زال حتى نالها، قال ابن السكيت: معصم: مشفق، والموطن: الموضع الذي صار إليه، انتهى.
[ ٣ / ١٨٣ ]
وتفصل: تقطع، وقوله: فأقبل لا يرجو .. إلخ، قال ابن السكيت: يقول: عسى أن أفلت وأنجو.
وقوله: فلما نجا من ذلك الكرب؛ هو الشدة، ويمظعها بالظاء المعجمة والعين المهملة، واللحاء بكسر اللام: قشعر العود، قال ابن السكيت: يمظّعها: يشربها، يقال: مظع الأديم الودك، أي: شربه، يقول: لم يزل يسقيها ماء لحائها ليكون أجود لها، ولو قشر اللحاء عنها لأفسدها.
وقوله: فلما قضى مما يريد .. إلخ، صلبها: يبسها، يقال: تمرة مصلبة، أي: يابسة، وأطول: أطال. وقوله: أمرّ عليها ..، قال ابن السكيت: الرفيق: الحاذق، والمداوس: المصاقل، واحدها مدوس، وهو الذي يصقل به.
وقوله: فجردها صفراء، قال ابن السكيت: يقول: لو كانت قصيرة لتعطلت وكانت أصغر من أن يرمى عنها، ولم تعب من طول، فتعطل: تترك لا تتخذ قوسًا.
وقوله: فذاك عتادي .. إلخ، الإشارة للرمح والسيف والقوس، والعتاد: العدة، والتظت: التهبت.
ويعجبني قوله بعد هذا بأربعة أبيات:
وإنِّي وجدت النَّاس إلا أقَّلهم خفاف العهود يسرعون التَّنقُّلا
بني أمّ ذي المال الكثير يرونه وإن كان عبدًا سيِّد الأمر جحفلا
وهم لمقلِّ المال أولاد علَّة وإن كان محضًا في العشيرة مخولا
وليس أخوك الدائم العهد بالّذي يذمُّك إن ولّى ويرضيك مقبلا
[ ٣ / ١٨٤ ]
ولكن أخوك الناء ما كنت آمنًا وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
وهذا آخر القصيدة. وأراد التنقل عن المودة، وجحفل: كثير الأتباع، وجيش جحفل: إذا كان كثير الأصوات، وقوله: وهم لمقل المال .. إلخ، أي: يبغضون من لا مال له وإن كان شريفًا، والمحض: الخالص النسب، ومخول: اسم مفعول، من أخول الرجل: إذا صار كثير الأخوال، والناء: البعيد، وحذفت الياء للضرورة، وأعضل الأمر: اشتد وقد تقدمت ترجمة أوس ابن حجر في الإنشاد الثاني والأربعين.
وأنشد بعده:
وكلُّ أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفرُّ منها الأنامل
وقد تقدم شرحه في الإنشاد الواحد والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد المائتين:
(٢١٠) فمثلك حُبلى قد طرقت ومرضع
تمامه:
فأليتها عن ذي تمائم محول
على أن مثلك مجرور بعد الفاء بإضمار رب، وكذا استشهد به سيبويه، لكنه روى البيت، على غير هذا الوجه، قال في باب كم: وزعم الخليل أن قولهم: لاه أبوك، و: لقيته أمس، إنما هو على: لله أبوك، و: لقيته بالأمس، ولكنهم حذفوا الجار والمجرور والألف واللام تخفيفًا، وليس كل جابر يضمر،
[ ٣ / ١٨٥ ]
لأن المجرور داخل في الجار، فصار عندهم بمنزلة حرف واحد، فمن ثم قبح، ولكنهم قد يضموونه ويحذفونه فيا كثر من كلامهم، لأنهم إلي تخفيف ما أكثروا استعماله أحوج، قال امرؤ القيس:
ومثلك بكرًا قد طرقت وثيّيًا فألهيتها عن ذي تمائم مغيل
أي: ورب مثلك، ومن العرب من ينصبه علي الفعل، وقال:
ومثلك رهبي قد تركت رذيَّةً تلقِّب عينيها إذا سرِّ طائر
سمعنا ذلك ممن يرويه عند العرب، انتهي كلامه. قال الأعلم في البيت الأول: الشاهد فيه خفض مثلك علي إضمار رب، ونصبه علي الفعل بعده، ويروي:
"ومثلك حبلي قد طرقت ومرضعًا" يقول: أنا محب إلي النساء والمراضع علي زهدهن في الرجال، فكيف الأبكار الراغبات! والتمائم: معاذ يعلق علي الصبيان، واحدتها: تميمة، والمغيل: المرضع وأمه حبلي، ويقال: هو الذي يره أمه توطأ، وقال: البيت الثاني، الشاهد فيه نصب مثلك بالفعل الذي بعده، ويجوز جره علي إضمار رب، يخاطب ناقته، والرهبي: الخائفة، والرذيلة: العيبة الساقطة، أي: أعملها في السفر حتى أودعتها الطريق، فكلما مر عليها طائر قلبت عينها رهبة منه وخوفًا أن يقع عليها ليأكل منها. انتهي.
والبيت من معلقة امرئ القيس، وبعده:
إذا ما بكي من خلفها انصرفت له بشقٍّ وتحتي شقُّها لم تحوَّل
وقبله:
فقلت لها سيري وأرخي زمانه ولا تبعديني من جناك الممِّل
[ ٣ / ١٨٦ ]
وتقدم شرح في الإنشاد الرابع قال الخطيب التبريزي تبعًا لأبى جعفر النحاس: ولو روي: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعًا؛ لكان جيدًا على أن تنصب مثلًا بطرقت، وتعطف عليه إلا أنا لا نعلم أحدًا رواه نصبًا.
انتهى. أقول: قد رواه سيويه والأعلم: ومثلك صفه لموصوف محذوف، أي: فربّ أنثى مثلك، والطروق: الإتيان ليلًا، والمرضع: التي لها ولد رضيع، جاء علي النسب كحائض، وإذا بانيت علي الفعل أنثت كمرضعة وحائضة ونحوهما، وألهيتها: أشغلتها، وقوله: عن ذي تمائم، أي: عن صبي ذي تمائم، ومحول أتى عليه حول، والعرب تقول لكل صغير محول، وإن لم يأت عليه حول، وكان القياس أن يقال: محيل، لأنه مثل مقيم، إلا أنه جاء علي الأصل، كما قيل: استحوذ ومستحوذ والقياس: استحاذ ومستحيذ. وروي: "عن ذي تمائم مغيل" بفتح الياء، اسم مفعول من أغيل الرجل ولده: إذا جامع أمه وهي ترضعه، ويقال أيضًا: أغاله إغاله، بالإعلال، والأسم: الغيلة بالكسر، واغالت المرأة ولدها وأغيلته: أرضعته وهي حامل، فهي مغيل علي القياس، ومغيل بكسر الياء علي خلاف القياس، والولد مغال علي القياس، ومغيل بفتح الياء علي غير القياس.
قال الغمام الباقلاني: قوله: فقلت لها سيري وأرخي زمامه .. البيت قريب المنسج، ليس له معني بديع، ولا لفظ شريف، كأنه من عبارات المنحطين في الصفة. وقوله: فمثلك حبلى .. البيت، عابه عليه أهل العربية، ومعناه عندهم حتى يستقيم الكلام: فرب مثلك قد طرقت، وتقديره أنه وزير نساء، وأنه يفسدهن ويلهيهن عن جبلهن ورضاعهن، لأن الحبلى والمرضعة أبعد من الغزل وطلب الرجال، وهذا البيت في الاعتذار ةالاشتهار والتيهام غير منتظم.
[ ٣ / ١٨٧ ]
مع المعني الذي قدمه، لأن تقديره: لا تبعدني عن نفسك، فأني أغلي النساء وأخدعهن عن رأيهن، وأفسدهن بالتغازل، وكونه مفسدة لهن لا يوجب له وصلهن وترك إبعادهن إياه، بل يوجب هجره والاستخفاف به لسخفه ودخوله كل مدخل فاحش، وركوبه كل مركب فاسد، وفيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من مثله، ويأنف من ذكره. انتهي.
ومثله للمرزباني في "الموشح" قال: عيب علي امرئ القيس فجوره وعهره في شعره، كقوله: مثلك حبلى .. إلى آخر البيتين، وقالوا: هذا معنى فاحش، قالوا: كيف قصد للحبلى دون البكر، وهو ملك وابن ملوك، ما فل هذا إلا لنقص همته. انتهي.
وقوله: إذا ما بكي من خلفها .. البيت، قال التبريزي: ويروى: "انحرفت له" قال ابن الأنباري: يقل: كانت تحته، فإذا بكي الصبي انصرفت له بشق ترضعه وهي تحته بعد، وإنما تفعل هذا لأن هواها معه. وقال أبو جعفر النحاس: معني البيت أنه لما قبِّلها أقبلت تنظر إليه وإلى ولدها، وإنما يريد بقوله: انصرفت له بشق، يعني أنها أمالت طرفها إليه، وليس يريد أن هذا من الفاحشة، لأنها لا تقدر أن تميل بشقها إلي ولدها في وقت يكون منه إليها ما يكون، وإنما يريد: يقبلها وخدّها تحته. انتهي ما قاله. وقال الإمام الباقلاني: هذا غاية في الفحش، ونهاية في السخف، وأي فائدة لذكره لعشيقته كيف كان يركب هذه القبائح، ويذهب هذه المذاهب، ويرد هذه الموارد؟ ! فإن هذا ليبغِّضه إلي كل من سمع كلامه، ويوجب له المقت، وهو لو صدق لكان قبيحًا، فكيف ويجوز أن يكون كاذبًا! ثم ليس في البين لفظ بديع
[ ٣ / ١٨٨ ]
ولا معنى حسن، وهذا البيت متصل بالبيت الذي فيه ذكر الموضع. انتهي. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع مع شرح أبيات قبل هذا البيت وبعده.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد المائتين:
(٢١١) بل بلدٍ ذي صعدٍ وإكام
على أن بلدًا مجرور برب المضموة بعد بل، والبلد: الأرض، وصعد بضمتين: جمع صعود، بفتح أوله، ويقال: صعوداء أيضًا بالمد، وهي العقبة الشاقة، كما تجمع عجوزًا علي عجزًا، بضمتين، ويجمع علي صعائد أيضًا، كعجائز، والآكام: جمع أُكمُ بضمتين كأعناق جمع عُنق، وأُكمُ: جمع إكام بالكسر، ككتب جمع كتاب: وإكام جمع أكم بفتحتين، كجبال جمع جبل، والاكم: واحدة اكمه، وهو التل، وقيل: الموضع الذي يكون أشد اأرتفاعًا مما حوله، وهو غليط لا يبلغ أن يكون حجرًا، والمشهور في البيت عند النحويين:
بل بلدٍ ذي صعد وأصباب
وكذا أوده الرضي، وهو جمع صبب، بفتح الصاد والموحدة الأولي، كسبب وأسباب، والصبب: ما انحدر من الأرض.
[ ٣ / ١٨٩ ]
والبيت من أرجوزة لرؤبة بن العجاج، وبعده:
تخشي مراديه وهجرٍ ذوّاب
ثم وصف البلد بأبيات، إلي أن قال:
قطعت أخشاه بعسف جوّاب بكلِّ وجناء وناجٍ هر جاب
والمرادي: المهالك، جمع مرادة وهي المهواة، والهجر بفتح الهاء: الهاجرة، وهو منتصف النهار، وأخشاه: أهو له، وهو أفعل تفضيل، والعسف: مصدر عسف عن الطريق إذا مال وعدل، أو خبط فيه علي فير هداية، والجوّاب: مبالغة ايم الفاعل، من جاب الأرض يجوبها جوبًا إذا قطعها وسلكها، والوجناء: الناقة الشديدة، والناجي: البعير السريع، قال صاحب "القاموس": وناقة ناجية ونجَّية: سريعة، لا يوصف به البعير، أو يقال: ناج. انتهي. وهذا البيت يرد القول الأول، والهرجاب بالكسر: الطويل، قال صاحب "القاموس": هو الطويل من الناس وغيرهم، وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس.
وأنشد بعده:
رسم دارٍ وقفت في طلله
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثمانين بعد المائة.
وأنشد، بعده وهو الإنشاد الثاني عشر بعد المائتين:
(٢١٢) وسنٍ كسنَّيقٍ سناءً وسنَّما ذعرت بمدلاح الهجير نهوض
[ ٣ / ١٩٠ ]
في "شرح التسهيل" لأبي حيان: قال ابن عصفور: ومن العطف علي الموضع قول الشاعر: وسن كسنيق .. البيت، عطف سنمًا علي موضع سن، لأنه في موضع نصب علي المفعول، وقال الأعلم: السناء: الارتفاع، وذلك السنم، فعلي هذا يكون سنمًا معطوفًا علي سناء، وقال أبو بكر عاصم بن أيوب البطليوسي: من جعل سنمًا أسمًا للبقرة عطفه علي موضع سن، لأنه في موضع المفعول لذعرتـ أراد: ذعرت بهذا الفرس ثورًا وبقرة، وبعيد عند بعض النحويين أن يجعل لرب موضع من الإعراب. انتهي. ويدل علي أنها زائد في الإعراب قولهم: ربِّ رجل عالم يقول ذلك، فلولا أن ربَّ زائدة في الإعراب ما جاز ذلك، لما يلزم من تعدي فعل المضمر المتصل إلي ظاهره، فجعل ربَّ في موضع رفع بالابتداء هو الذي سوغ ذلك، لا يقال: كيف يقال في ربَّ إنها زائدة في الإعراب وهي تدل علي معنى، لأن الزائدة علي سمين: قسم إذا أزيل لم يتغير المعنى، لأنه إنما جيء به للتأكيد، وقسم إذا أزيل تغير المعنى، ويسمى زائدًا في الاصطلاح باعتبار أنه يخطى العامل إليه، مثال الأول: زيد ليس بقائم، ومثال الثاني: حيث بلا زاد، فيقول النحويون: إن "لا" زائدة، وهي لو أزيلت لتغير المعنى من النفي إلي الإثبات، إلي هنا كلام أبي حيان.
وقد نقل ناظر الجيش في شرحه كلام ابن عصفور برمته، وهو أصل كلام المصنف، وفيه فوائد فينبغي نقله، وهذا نصه:
وقال ابن عصفور في "شرح الجمل": وينبغي أن تعلم أن الاسم المخفوض بربَّ هو معها بمنزلة اسم واحد يحكم علي موضعها بالإعراب، فإن كان العامل
[ ٣ / ١٩١ ]
الذي بعدها رافعًا كانت في موضع رفع بالابتداء، نحو: ربَّ رجل عالم قام، فلفظ: رجل، محفوظ بربَّ، وموضعه مع ربَّ رفع علي الابتداء، وإن كان العامل الذي بعدها متعديًا ولم يأخذ معموله، كان الاسم الذب يعد ربَّ في موضع نصب، ويكون لفظه مخفوضًا، نحو: ربَّ رجل عالم لقيت، وإن أخذ المتعدي معموله، جاز الحكم علي موضع الاسم بعد ربَّ بالرفع والنصب، ويكون لفظه مخفوضًا، نحو: ربَّ رجل عالم لقيته، لأن ربَّ كأنها زائدة في الاسم، فكأنك قلت: رجل عالم لقيته، فكما يجوز في رجل هذه المسألة أن يرفع وينصب، كذلك يجوز في الاسم الواقع بعد ربَّ أن يحكم عليه بذلك، والدليل علي أن ربَّ بمنزله حرف زائد أنها لو لم يكن كذلك لما جاز: ربَّ رجل عالم ضربته، لأنك لو جعلت: ربَّ رجل، متعلقًا بضربت، لكنت قد عديت الفعل إلي الاسم وإلي ضميره، وذلك لا يجوز، ألا تري أنه لا يجوز: زيدًا ضربته، علي أن يكون زيدًا منصوبًا بضربت هذه الملفوظ بها، ولو جعلته متعلقًا بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر، وتكون المسألة من باب الاشتغال؛ لم يجز، لأنه لا يجوز في الاشتغال إضمار الفعل وإبقاء الاسم مجرورًا، لا يجوز أن تقول: بزيد مررت به، بل تقول: زيدًا مررت به، فدل ذلك علي أن ربِّ كأنها زائدة، وكأنك قلت: رجل عالم لقيته، أو: رجلًا عالمًا لقيته، علي حسب ما تنوي، وكذلك يجوز أن تقول: ربَّ رجل عالم، وغلام ضربته، بالنصب علي الموضع، والخفض علي اللفظ، لأنك لو أسقطت رب، كان الكلام منصوبًا، وقال امرؤ القيس: وسن كسنيق .. البيت، بنصب "سن" عطفًا علي موضع سن المخفوض بواو ربَّ، لأن الواو لو
[ ٣ / ١٩٢ ]
لو لم تدخل عليه لكان الاسم منصوبًا بذعوت، ويجوز الخفض في سنّم علي اللفظ. انتهي.
بقي عليه أن مجرور ربَّ قد يكون محله النصب علي الظرفيه مع الفعل اللازم الرافع، نحو: ربَّ ليلة شاتية سافرت، قال الشنفري:
وليلة نحسٍ يصطلي القوس وبَّها وأقطعه اللاتي بها يتنَّبل
دعست علي غطش وبغشٍ وصحبتي سعار وإرزيز ووجر وأفكل
فـ "ليلة" منصوبة به المحل علي الظرفيه، ودعست بمعني دفعت، فهذه المسألة خارجة عن كلامه وكلام المصنف، وأما إذا كان الفعل الرافع شرطًا، فمجرور ربَّ يكون مرفوع المحل علي الابتداء أيضًا، فلا يكون خارجًا من كلامه، كحديث مسلم عن أبي هريرة: "ربَّ أشعت أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم علي الله لأبره" فمجرور ربَّ مرفوع المحل بالابتداء، وجملة الشرط خبره، والرابط الضمير.
[ ٣ / ١٩٣ ]
والبيت من قصيدة لامرئ القيس، وقبل لأبي داود الإيادي، كذا في "مختار الأشعار الستة" وهي مثبتة في ديوان امرئ القيس، وقد فتشت ديوان أبي داود في نسختين من روايتين، فلم أجدها فيه.
والسن، بكسر السين المهملة وتشديد النون، قال الأزهري: قال الفراء والأصمعي: السن: الثور الوحش، وسنيق، بضم السين المهملة وتشديد النون المفتوحة وسكون المثناة التحتية، قال الأزهري: سنيق اسم أكمة معروفة، ذكره امرؤ القيس في قوله: وسن كسنيق .. البيت، وقال شمر: سنَّيق جمعه سنيَّقات وسنانيق، وقال ابن الأعرابي: ما أدري ما سنيَّق، قلت: جعل شمر سنيقًا اسمًا لكل أكمة، وجعله نكرة مصروفة، وإذا كان سنيَّق اسم أكمة بعينها، فهي غير مصروفة. لأنها معرفة، وقد صرفها امرؤ القيس وجعلها كالنكرة، علي أن الشاعر إذا اضطر صرف مالا ينصرف. انتهي. ونقله الصاغاني في "العباب" وقال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": سنيَّق: أكمة معروفة، وقال كراع: جبل بعينه، وسئل الأصمعي عن البيت المنسوب إلي امرئ القيس: وسن كسنَّيق .. البيت، فقال: السن: الثور الوحشي، قال: ولا أعرف سنَّمًا، وقال غيره، هي البقرة، وقال أبو عمرو في هذا البيت: هذا بيت مسجدي، يريد أنه من عمل أهل المسجد، كذا نقل الخفاجي.
انتهي كلامه. وقال صاحب "القاموس": السنيق: أكمة معروفة، خطأ،
[ ٣ / ١٩٤ ]
والصواب: الأكمة بالتعريف، وهذا قول شمر، أو يقول: سنيَّق: أكمة معروفة، وهذا علي قول الجمهور، والسناء بالفتح والمد: الرفعة، والسُّنّم – بضم السين المهملة وفتح النون المشددة – قال صاحب "القاموس": هي البقرة، ولم يقيدها بالوحشية، والظاهر أنه لا بد منه، وجعل الميم أصلية، والقياس يقتضي أن تكون زائدة، كزيادتها في ستهم وابنم، مع السَّنة – بالتحريك – وهو الاست، والابن، وفي "الجمهرة" لأبن دريد: وسئل الأصمعي عن بين امرئ القيس إن كان قال: وسن كسنيَّق .. البيت، فقال: السن: الثور الوحشيـ قال أبو حاتم: وسنيق أكمة، قال: وقال الأصمعي: لا أعرف سنّمًا. انتهي كلامه، ولم يفسره بشئ، ولم يورد الأزهري هذه الكلمة في "التهذيب" ولا الجوهري في "صحاحه" ولا الصاغاني في "الذيل والصلة" علي "الصحاح" وقول الأعلم: السّنمَّ هو السناء، لم أره في شيء من كتب اللغة، والله أعلم، وقوله: كسنيق، الجار والمجرور في موضع الصفة لسن، أي: ثورًا جسيمًا مثل التلـ وقول المصنف: ذعرت بهذا الفرس ثورًا وبقرة عظيمة خلاف الظاهر، وكأنه أشار إلي أن الظرف كان في الأصل صفة لسنَّم، فلما تقدم عليه صار حالًا منه، ولا يخفي أنه لا داعي إلي هذا الاعتبار، وقوله: ذعرت، أي: أخفها فصنها، والمد لاح لم أره في "جمهرة ابن دريد"، ولا في "تهذي الأزهري"، ول افي "صحاح الجوهري"، ولا في "العباب" للصاغاني ولا في "لذيل والصلة" له ولا في "القاموس" بالجيم ولا بالحاء المهملة، وإنما رأيت قي "التهذيب": الدلح، بضم الدال واللازم وآخره حاء مهملة بخط ياقوت الحموي
[ ٣ / ١٩٥ ]
صاحب "معجم البلدان" وغيره، وقد كتب نسخة من خط الأزهري قال: يقال: فرس دلح: يختال بفارسه ولا يتعبه. انتهي. وهو صفة مشبهة كجنب، فيكون المد لاح مثله صفة مشبهة أو صيغة مبالغة. والهجير: من زوال الشمس إلي العصر، وشدة الحر، كذا في "القاموس" وإذا كان الفرس في ذلك الوقت يلعب بفارسه من نشاطه، فما ظنُّك به في غير ذلك الوقت! وقال السيوطي: مد لاح، أي: فرس كثير السير، ولم يذكر أهو بالجيم أم بالحاء، ولا أدري من أين أخذه، لكنه ثقة، وقال الدماميني: كأن المراد بالمدلاح، بالحاء المهملة، الكثير العرق، ولم أقف علي هذا المعني لهذه الصيغة، وإنما رأيت في "القاموس" أن الدلح علي وزن صرد: الفرس الكثير العرق. انتهي. وصاحب "القاموس" قد تبع صاحب "العباب" في الضبط والتفسير، قال ابن الملا: وربَّما صحِّف بمدلاح، بالجيم، مفعال من الدلج، وهو السير في أول الليل، ولا يناسب الإضافة إلي الهجير إلا علي التجريد الذي هو خلاف الأصل، ونهوض بفتح النون: صيغة مبالغة بمعني كثير النهوض، بضم النون وهو الحركة. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده:
ربمَّا أوفيت في علمٍ ترفعن ثوبي شمالات
وتقدم شرحه قريبًا.
[ ٣ / ١٩٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين:
(٢١٣) ربَّما ضربةٍ بسيف صقيلٍ بين بصرى وطعنةٍ نجلاء
علي أنَّ "رب" عاملة في "ضربة" الجر، مع زيادة "ما" بعدها.
والبيت أول أبيات أوردها الأعلم والشريف في "حماستيها" لعدي ابن الرعلاء الغساني، وبعده:
غموسٍ تضلُّ فيها يد الآ سي ويعيا طبيبها بالدَّواءِ
رفعوا راية الذِّراب وأعلوا لا يذودون سامر الملحاءِ
فصبرنا النفوس للطِّعن حتَّى جرت الخيل بيننا في الدِّماءِ
ليس من مات مات فاستراح بميتٍ إنِّما الميت ميِّت الأحياءِ
إنَّما الميت من يعيش كئيبًا كاسفًا باله قليل الرخاء
وقوله: ربَّما ضربه .. الخ، ربَّما هنا للتكثير، وبسيف: متعلق بضربة، وبين بصرى، أي: بين أماكنها، وبصرى، بضم الموحدة والقصر: بلد قرب الشام، وهي كرسي حوران، كان يقوم فيها سوق للجاهلية، وروى الشريف: "دون بصرى" ودون بمعني قبل أو خلف أو عند، وطعنه: معطوفه علي سيف، ونجلاء: صفة طعنه، وجرها بالكسرة للضرورة، والنجلاء: الواسعة، مدح رجال بصرى بالشجاعة، ونساءها بالحسن والملاحة.
وقوله: وغموس: معطوف علي نجلاء، يقال: طعنه غموس: نافذة، وجملة تضل .. الخ: صفة كاشفة لغموس، أشار به إلي سعة الطعنة وبعد غورها،
[ ٣ / ١٩٧ ]
والآسي: بوزن القاضي: المعالج والجرّاح، وقوله: ويعيا: من عيي بالأمر، من باب تعب، أي: عجز عنه ولم يهتد لوجهه، وفيه إشارة إلي إصابة المقتل واليأس من علاجها. والراية: علم الجيش، والضراب: مصدر ضاربه بالسيف وغيره، وعطف أعمّلوا علي رافعوا، ورفعها وإعلاؤها تأكيد للضراب، والذود: الطرد والمنع، والسامر: اسم جمع للسمار، وهم الذين يتحدثون بالليل في ضوء القمر، والملحاء، بفتح الميم والحاء المهملة: موضع يدفع فيه وادي ذي الحليفة، كذا في "معجم ما استعجم" للبكري. وهذا الصراع هو معني قوله: رفعوا راية الشراب وأعلوا. والصبر: حبس النفس علي المكروه، وقوله: ليس من مات .. الخ، يأتي شرحه إن شاء الله مع الذي بعده في الباب الرابع.
وعدي ابن الرعلاء: شاعر جاهلي، والرعلاء: اسم أمه اشتهر بها، وهي بفتح الراء وسكون العين المهملين بعدها لام فألف ممدودة، كذا ضبطه العسكري في كتاب "التصحيف". وقد أوردنا أكثر مما هما في الشاهد التاسع والتسعين بعد السبعمائة في شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد المائتين:
(٢١٤) ربَّما الجامل المؤبّل فيهم
وتمامه:
وعناجيج بينهنَّ المهار
[ ٣ / ١٩٨ ]
علي أن ربّ هنا مكفوفة عن عملها بما الكافة المهيئة لدخول ربَّ علي الجملة الاسمية، فإن الجامل مبتدأ، وفيهم الخبر، وهذا مذهب المبرد، وتبعه ابن مالك، قال في "التسهيل": وإن ولي ربَّما اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبره، لا خبر مبتدأ محذوف، وما نكره موصوفة، خلافًا لأبي علي. قال ناظر الجيش: اعلم أن المغاربة كالمطبقين علي أن ربَّما لا يليها الجمل الاسمية عند الجمهور، وهو مذهب سيوبه، قال ابن هشام: وهي عند سيبويه حرف يدخل علي الفعل ويختص به، ولا يدخل علي الجملة الابتدائية، ولهذا لما ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل، وذكر "قد وسوف" قال: ومن تلك الحروف: "ربَّما، وقلمًا" جعلوا ربَّ مع "ما" بمنزلة كلمة واحدة، وهيَّؤوها ليذكروا بعدها الفعل، لأنهم لم يكم لهم سبيل إلي "ربَّ" بقول ولا إلي "قل" بقول، فألحقوها "ما" وأخلصوها للفعل. والذي ذكره المصنف عن الفارسي في قوله: ربَّما الجامل المؤبل فيهم، هو الذي ذكره المغاربة فيه، قال ابن عصفور بعد إنشاده هذا البيت علي رواية من رواه بخفض الجامل المؤبل: والرواية الصحيحة: الجامل، بالرفع، علي أن تكون "ما" في موضع اسم نكرة مخفوض بربّ، والجامل: خبر مبتدأ مضمر، والجملة في موضع الصفة، كأنه قال: ربّ شيئ هو الجامل المؤبل، ومن ثم قال الشيخ – يعني أبا حيان -: هذا الذي قاله عن الفارسي هو مذهب الجمهور، وابن عصفور خرج البيت تخريج أبي علي، وهو الصحيح، إذ لو كان الصحيح ما اختاره المصنف لسمع من كلامهم: ربما زيد قائم، بتصريح المبتدأ والخبر، ولم يسمع ذلك فيما أعلم، فوجب تخريج البيت علي ما خرجه الفارسي، وابن عصفور قال: ومثل قوله: ربما الجامل، قول الآخر:
طالعات ببطن نفرة بدن ربَّما طاعن بها ومقيم
[ ٣ / ١٩٩ ]
وقال الآخر:
أمَّ الصَّبييَّن ما يدريك أن ربما عنظاء قتلَّتها شمّاء قرواح
قال: ويتأول هذان البيتان تأويل ربما الجامل. والعنظاء: الهضبة، وشماء مرتفعة، وقراوح: جرداء. انتهي.
وقال ابو حيّان بعدما نقله عن ناظر الجيش: ومذهب سيبوية أنها إذا مقّت بـ " " فلا يليها إلا الفعل، وظاهر كلامه جواز دخولها علي المستقبل، وقاله كثير من النحويين، وزعم جماعة: أن ربما لا تكون إلا للماضي كقوله: ربما أوفيت في علم .. البيت، ثم قال أبو حيان: وتلخص من كلام شيوخنا أن ربَّ إذا كفَّت بما، فلا يليها الجملة الاسمية، بل الفعلية المصدرة بماض أو مضارع في معني الماضي. انتهي.
وأما جر الجامل في البيت، فقد قال ابن عصفور: ولا تدخل ربَّ علي معرفة محضة أصلًا، قال: وزعم بعضهم أنها تجر الاسم المعروف باللام، فتقول: ربَّ الرجل لقيت، وأنشدوا قول الشاعر: ربما الجامل المؤبل فيهم ..، قال: والرواية الصحيحة: الجامل بالرفع، وزاد الخفاف: فإن صحت الرواية بخفض الجامل، كان الجامل مخفوضًا بربّ علي تقدير زيادة الألف واللام، كأنه قال: ربَّما جامل، فيكون مثل قولهم: إني لأمرَّ بالرجل مثلك فأكرمه. انتهي.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
والبيت من قصيدة لأبي داود الإيادي، ذكر فيها منازلهم التي كانوا ينزلون بها من العراق، وهذا مطلعها:
أوحشت من سروب قومي تعار فأروم فشابة فالسِّتار
بعد ما كان سرب قومي حينًا لهم النَّخل كلُّها والبحار
فإلي الدُّور فالمرورات منهم فحفير فناعم فالدِّيار
فقد أمست ديارهم بطن فلجٍ ومصير لصيفهم تعشار
ربَّما الجامل المؤبَّل فيهم وعناجيح بينهنَّ المهار
ورجال من الأقارب بانوا من حذاقٍ هم الرُّؤوس الخيار
لا مهاذير في النَّديَّ ولا ينفك فيهم من المخافة جار
وجواد جمُّ النَّدي وضروب برقاق الظبُّاة فيها صعار
ذاك دهر مضى فهل لدهور كنَّ في سالف الزَّمان انكرار
قوله: أوحشت من سروب .. الخ، ـوحشت: أقفرت، وسروب جمع سرب بفتح فسكون: الماشية، وهو المال السارح من إبل وخيل وغنم وغيرها، وتعار بكسر المثناة الفوقية، وكذا تعشار، وأروم بفتح الهمزة، وشابة بالشين المعجمة والموحدة، والستار بكسر السين المهملة: كلها مواضع.
وقوله: بعد ما كان سري قومي، قال ابن السكيت في شرحه: السرب بالكسر: جماعة القوم، وبالفتح: المال الذي يرعي، قال: والبحار: الريف، قال الأصمعي: وكذلك البحور.
[ ٣ / ٢٠١ ]
وقوله: فإلي الدور: معطوف علي الستار، وإلي الدور موضع، قال شارحه: الدور: جوب تنجاب في الرمل، والمرورات بفتح الميم والراء: موضع، وكذا حقير بفتح المعملة وكسر الفاء، أو هو حفير زياد في أقصي حدود البصرة، وكذا ناعم الديار موضعان، ولج بفتح الفاء وسكون اللام وآخره جيم، وقوله: ومصير لصيفهم تعشار، قال شارحه: أي يحضرون في الصيف تعشار.
وقوله: ربما الجامل .. الخ، ربّ هنا للتكثيرـ وجوابها محذوف تقديره: رأيت، قال شارحه: الجامل: الجماعة من الإبل لا واحد لها من لفظها، ويقال: إبل مؤبل إذا كانت للقنية، العناجيج: الخيل الطوال الأعناق، واحدها عنجوج. انتهي. فالجامل: اسم جمع الجمل، كالباقر اسم جمع البقرة، قال الجوهري: الجامل: القطيع من الإبل مع رعاته وأربابه، وهذا هو المناسب هنا، وزاد في "القاموس": والحي العظيم، وهذا مناسب أيضًا، والمؤبل: اسم مفعول من آبل الرجل تأبيلًا، أي: اتخذ الإبل واقتناها، وفي "القاموس": وتأبل إبلًا: اتخذها، وأبل كضرب: كثرت إبله كأبّل، وقال ابم السكيت: يقال: إبل مؤبلة: إذا كانت للقنية، والمهار بكسر الميم: جمع مهر بضمها، وهو ولد الفرس، والأنثي مهرة.
وقوله: ورجال من الأقارب بانوا، بالنون، أي: ابعدوا بالموت بدليل قوله في قصيدة أخري:
لا أعدُّ الإقتار عدمًا ولكن فقد من قد رزئته الإعدام
من رجالٍ من الأقارب بادوا من حذاقٍ هم الرؤوس العظام
فيهم للملاينين أناة وعرام إذا يراد عرام
[ ٣ / ٢٠٢ ]
فعلي إثرهم تساقط نفسي حسرات وذكرهم لي سقام
وحذاق: مرخم حذاقة للضرورة في غير النداء، وهو بضم الحاء المهملة والذال المعجمة والقاف: بطن من إياد، وأبو داود منهم، والجواد: الكريم، وجمَّ النَّدى: كثير المعروف، والندى: السخاء، يقال: فلام أندى من فلان كفا، وضروب: مبالغة ضارب، ورقاق: جمع رقيق، والظبي: جمع ظبة، وهي طرف السيف، والصعار بالصاد والعين المهملتين: العظمة والخيبلء. وترجمة أبي داود تقدمت في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد المائتين:
(٢١٥) فإن أهلك فربَّ فتي سيبكى عليَّ مهذَّبٍ رخص البنان
علي أن فيه دليلًا على جواز استقبال ما بعد ربّ، وليس بواجب دخولها على الماضي، فإن قوله: سيبكي، مضارع مستقبل، ولا يخفى أن الخلاف في جواز استقبال ما بعد رب إنما هو في جوابها العامل في موضع مجرورها، وأما وقوعالمستقبل صفة لمجرورها فلا يمنعه أحد، قال ابن مالك في "شرح التسهيل" عند قوله في المتن: ولا يلزم وصف مجرورها، خلافًا للمبرد ومن وافقه، ولا مضي ما تتعلق به، ما نصه: وأما كونه - يعني المضي - لازمًا لا يوجد غيره، فليس بصحيح بل قد يكون مستقبلًا كقول حجدر اللص:
فإن أهلك فربَّ فتي سيبكي البيت وكقول هند أم معاوية:
يا ربَّ قائلةٍ غدًا البيت
[ ٣ / ٢٠٣ ]
وكقول سليم القشيري:
ومعتصمٍ بالحيّ من خشية الردى سيردى وغازٍ مشفقٍ سيؤوب
وقال الراجز:
ياربَّ يومٍ لي لا أظلِّله أرمض من تحت وأضحي من عله
وقال آخر:
ياربَّ غابطنا لو كان يطلبكم لا قي مباعدة منكم وحرمانا
قال: وقد يكون ما وقعت عليه ربَّ حالًا كقولك لمن قال: "ما في وقتنا امرؤ مستريح": ربَّ امرئ في وقتنا مستريح.
ومنه قوله ابن أبي ربيعة:
فقمت ولم تعلم علي خشياته ألا ربَّ باغي الربح ليس برابح ومثله:
ألا ربَّ من تغتشُّه لك ناصحٍ ومؤتمنٍ بالغيب غير أمين
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وقد تأول بيت حجدر من ذهب إلي التزام مضيه بأنه يكون علي حكاية المستقبل بالنظر إلي المضي، قال: وكأنه قال: فإن أهلك فربَّ فتي بكى علي فيما كضى وإن كنت لم أهلك، فكيف يكون بكاؤه علي إذا هلكت! فأوقع سيبكي موقع بكى لأجل الحكاية، وحذف ما يتم به الكلام لفهم المعنى، والدليل علي أن المستقبل قد يحكى بالنظر إلي ما مضى أنك تقول: لم تركت زيدًا وقد كان سيعطيك؟ ومن ذاك قوة امرأة من العرب ترثي زوجها:
يا موت لو تقبل افتداء كنت بنفسي سأفتديه
وهذا التأويل إنما يحتاج إليه إن قدر سيبكي جوابًا لاصفة للمخفوض بها، وأما إن قدرته في موضع الصفة للمخفوض بربّ، وجعلت لها جوابًا محذوفًا يراد به المضي، فلا يحتاج إليه، ويكون التقدير إذ ذاك: فربّ فتي سيبكى عليَّ مخضب رخص البنان؛ لم أقض حقه، فحذف ذلك لدلالة ما بعده، وهو قوله بعد:
ولم أك قد قضيت حقوق قومي ولا حقَّ المهنَّد والسِّنان
انتهي. وقال أبو حيان بعد ما نقل كلامه هذا: وأما استدلال المصنف بقول أم معاوية؛ فقولها: يا رب قائلة غدًا .. هو من الوصف بالمستقبل، لا من باب تعلق ربّ بها، وأمَّا: ومعتصم، فإن سيردى يحتمل وأن يكون صفة لا متعلقًا به ربّ، وأمَّا: لا أظلله، فهو صفة أيضًا: وكذلك يا ربَّ غابطنا، فجميع ما استدل به علي استقبال ما يتعلق به ربّ لا دليل فيه، وأما قوله: فقمت .. البيت؛ وقوله: ألا ربَّ .. البيت، فما وصف فيها المجرور بالحال، لامما تعلقت به ربَّ.
وفي قول المصنف: ولا مضي ما تتعلق به، نص علي أنها تتعلق كحروف الجر غير الزوائد، وهذه مسألة اختلف فيها، فذهب الرماني وابن طاهر إلي أنها لا تتعلق بشيء، وقد حقق أبو حيان القول في عدم تعلقها. ونقل ما يتعلق فيها
[ ٣ / ٢٠٥ ]
من الخلاف وقد نصّ ابن السراج في "الأصول" علي جواز استقبال صفتها لا جوابها، وأن صفة مجرورها لابدَّ منه، وأن جوابها لابد من مضيه، ومذهبه تعلق ربَّ بجوابها، وننقل لك كلامه من "الأصول" حتى تراه، قال: واعلم أن الفعل العامل فيها أكثر ما تستعمله العرب محذوفًا، لأنه جواب، وقد علم فحذف، وربما جيء توكيدًا وزيادة في البيان، تقول: ربً رجل عالم قد أتيت، فتجعل هذا هو الفعل الذي تعلقت به ربّ حتى يكون في تقدير: برجل عالم مررت، وكذلك إذا قال: ربّ رجل جاءني فأكرمته، هنا فعل أيضًا محذوف كأنه قال له قائل: ما جاءك رجل فأكترمته؟ فتقول: ربّ رجل جاءني فأكرمته، أي قد كنت فعلت ذاك، فيكون جاءني وما بعده صفة رجل، والصّفة والموصوف بمنزلة اسم واحد، والكلام بعد ما تمَّ، فإن لم تضمر: قد فعلت، وما أشبهه؛ لم يجز. واعلم أنه لابد للنكرة التي تعمل فيها ربّ من صفة، إما اسم وإما فعل، لا يجوز أن تقول: ربّ رجل، وتسكت، حتى تقول: صالح ونحوه، إلي أن قال:
واعلم أن ربهً تستعمل علي ثلاث جهات؛ فالوجه الأول: هو الذي قد ذكرت من دخولها علي الاسم الظاهر النكرة، وعملها فيه وفي صفته الجر. والوجه الثاني: دخولها علي المضمر على شريطة التفسير، وشرحه مفصلًا. والوجه الثالث: أن تصلها بما، فتستأنف ما بعدها، وتكفها "ما" عن العمل ويقع بعدها الفعل، فتقول: ربمّا قام زبد، وربّما زيد قام، وربّما فعلت كذا. ولما كانت ربّ إنما تأتي لما مضى، فكذلك ربّما وقع بعدها الفعل كان حقه أن يكون ماضيًا، فإذا رأيت الفعل المضارع بعدما؛ فثم إضمار كان .. إلي أن قال: ولا يجوز: ربَّ رجل سيقول، وليقو منّ غدًا، إلا أن تريد: ربّ رجل يوصف بهذا، تقول: ربَّ رجل مسيء اليوم محسن غدًا، أي: يوصف بهذا، ويجوز: ربَّما رجل عندك، فتجعل "ما" صلة ملغاة.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
ثم ذكر مسائل من هذا الباب، قال: تقول ربّ رجل قائم وضارب، وربّ رجل يقوم ويضرب، وربّ رجل قائم نفسه وعمور، وربّ رجل قائم ظريفًا، فتنصب علي الحال من قائم، وتقول: ربّ رجل قد رأيت، وربّ امرأة، فالاختيار أن تعيد الصفة، لأنك قد أعدت ربَّ، وقد جاء عن العرب إدخال ربّ من على من إذا كانت نكرة غير موصولة، إلا أن من إذا لم توصل لم يكن بدُّ من أن توصف، لأنها مبهمة، حكي عنهم: مورت بمن صالح، و: ربّ من يقوم ظريف، وقال الشاعر: ألا ربّ من تغتشُّه لك ناصح ، وتقول: ربَّ رجل يختصم وامرأة وزيد، ولا يجوز الخفض، لأنه لا يتم إلا باثنين، فإن قلت: ربّ رجلين مختصمين وامرأتين؛ جاز لك الخفض والرفع، فتقول: وامرأتان وامرأتين، أما الخفض فبالعطف على رجلين، وأما لرفع فبالعطف على ما في مختصمين، ولو قلت: ربّ رجلين مختصمين هما وامرأتان، وأكدت ثم عطفت؛ لكان أوجه، وتقول: ربّ ضاربك قد رأيت، لأن التنوين نيتك، تريد: ضارب لك، فإن قلت: ضاربك أمس؛ لم يجز عندنا، لأنه معرفة، والأحمر النحوي يعترض بالأيمان فيقول: ربّ – والله – رجل قد رأيت، وربّ – أقسم – رجل قد رأيت، وهذا لا يجوز لأن حرف الجر لا يفصل بينه وبين ما عمل فيه، وسائر النحويين يخالفونه. هذا آخر ما اخترته، وفيه مسائل جيدة تركتها خوف الإطناب. ورأيت في "نوادر أبي زيد" الفصل بين ربّ ومجرورها بالظرف، أنشد لزيد الخيل:
ويقذف شمَّاخ بن عمروٍ ورهطه ويا ربّ منهم دارعٍ وهو أشوس
وقال: إنما لم يقبح الفصل بين ربّ ودارع لأنه بظرف، والظرف لا يعتد به فضلًا. انتهي.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
والبيت الشاهد من قصيدة لجحدر بن مالك، قالها لما سجنه الحجاج الثقفي، وأرسل يطلب أسدًا ليقتله به، فقالها جحدر يتشوق إلي أهله وبلاده، وأوردها السكري في جملة أشعار جحدر من "كتاب اللصوص" وهي:
تأوَّبني فبتُّ لها كبيعًا هموم لا تفارقني حوان
كبيع وكابع بمعني، أي: مشدود، قلت: وحوانٍ: جمع حانية، من الحنوّ.
هي العوَّاد لأعوّاد قومي أطلن عياني في ذا المكان
إذا ما قلت قد أجلين عنّي ثنى ريعانهن عليَّ ثاني
ريعانهن: أوائلهنً، وهي مفعول.
وكان مقرُّ منزلهنَّ، قلت: وأنفهنه، بالنون والفاء والهاء بمعني: أعيينه، والضمير للقلب، يقال: أنه ماقته: إذا أكلها وأعياها.
أليس الله يعلم أنَّ قلبي يحبك أيُّها البرق اليماني
وأهوى أن أعيد إليك طرفي علي عدواء من شغل وشان
نظرت وناقتاي علي تعادٍ مطاوعتا الأزمَّة ترحلان
[ ٣ / ٢٠٨ ]
إلي ناريها وهما قريب تشوقان المحب وتوقدان
وهيَّجني بلحن أعجميَّ علي غصنين من غرب وبان
فكان البان أن بانت سليمي وفي الغرب اغتراب غير دان
أليس اللَّيل يجمع أمَّ عمروٍ وإيّانا قذاك بنا تداني
بلي وترى الهلال كما أراه ويعلوها النَّهار كما علاني
فما بين التَّفرُّق غير سبعٍ بقين من الحرَّم أو ثمان
فيا أخويَّ من جشم بن سعدٍ أقلاَّ اللَّوم إن لن تنفعاني
إذا جاوزتما سعفات جحرٍ وأودية اليمامة فانعياني
إلي قومٍ إذا سمعوا بنعيي بكي شبَّانهم وبكى العواني
وقولا جحدر أمسى رهينًا يجاذر وقع مصقولٍ يمان
يخاذر صولة الحجّاج ظلمًا وما الحجّاج ظلاّمًا لجان
ألم ترتي غذيت أخا خروبٍ إذا لم أجن كنت مجنَّ جان
[ ٣ / ٢٠٩ ]
تركت أبا نميلة وهو يدعو فلم أر ذاك في الدُّنيا صراني
فلو خدني نميلة كان حيًّا إذا لعني نميلة ما عناني
وإبراهيم أرجي النّاس عندي فكيف فلا أراه ولا يراني
وكان هو العدوَّ بغير لوم بعزمٍ ما عداه وما عداني
فإن أهلك فربَّ فتى سيبكي عليَّ مخضَّبٍ رخص البنان
ولم أك ما قضيت ديون نفسي ولا حقَّ المهَّند والسَّنان
وهذا آخر القصيدة. وقد أورد الجاحظ قصة مسك جحدر في محاسن الشجاعة من كتاب "المحاسن والمساوئ" قال: كان باليمامة رجل من بني حنيفة يقال له: جحدر بم مالك، وكان لسَّانًا فاتكا شجاهًا، وكان قد أبرّ – أي: غلب – علي أهل هجر وناحيتها، ويأمره بالتجرد في طلبه حتى يظفر به، فبعث العامل إلي فتية من بني يربوع بن حنظلة، فجعل لهم جعلًا عظيمًا إن هم قتلوا جحدرًا أو أتوه به أسيرًا، ووعدهم أن يوفدهم إلي الحجّاج ويسني فرائضهم، فخرج الفتية، حتى إذا كانوا قريبًا منه بعثوا إليه رجلًا منهم أنهم يريدون الانقطاع إليه والتحرم به، فوثق بهم واطمأن إليهم، فبينما هم علي ذلك إذ شدُّوه وثاقًا، وقدموا به إلي العامل، فبعث به معهم إلي الحجّاج، وكتب يثني علي الفتية، فلما قدموا علي الحجَّاج قال له: أنت جحدر؟ قال: نعم، قال: ما حملك علي ما بلغني عنك؟ قال: جراءة الجنان، وجفوة السلطان، وكلب الزمان! قال وما الذي بلغ من أمرك فيجترئ جنانك، ويصلك سلطانك، ولا يكلب زمانك؟ !
[ ٣ / ٢١٠ ]
قال: لو بلاني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وبهم الفرسان، وممن أوفي علي أهل الزمان، قال الحجّاج: إنا قاذفوك في قبة فيها أسد، فإن قتلك كفانا مؤونتك، وإن قتله خليناك ووصلناك، قال: قد أعطيت - أصلحك الله - المنية، وأعظمت المنية، وقرَّبت المحنة. فأمر به فاستوثق بالحديد، وألقي في السجن، وكتب إلي عامله بكسكر يأمره أن يصيد له أسدًا ضاربًا، فلم يلبث العامل أن بعث له بأسد ضاريات، قد أبرَّت علي أهل تلك الناحية، ومنعت عامة مراعيهم ومسارح دوابهم، فجعل منها واحدًا في تابوت يجر علي عجلة، فلما قدموا به أمر، فألقي في حير، وأجيع ثلاثًا، ثم بعث إلي جحدر، فأخرج وأعطي سيقًا ودلي عليه، فمثي إلي الأسد، وجعل يقول:
ليث وليث في مجالٍ ضنك كلاهما ذو أنفٍ ومحك
وصولهٍ في بطشةٍ وفتك إن يكشف الله قناع الشَّكِّ
وظفرًا بجوجؤٍ وبرك فهو أحقُ منزلٍ بترك
الذِّئب يعوي والغراب يبكي
حتي إذا كان منه علي قدر رمح، تمطَّى الأسد وزأر، وحمل عليه فتلقّاه جحدر بالسّيف، فضرب هامته ففلقها، وسقط الأسد كأنه خيمة قوضتها الريح، ولم يلبث جحدر لشدة حملة الأسد عليه مع كونه مكبّلًا أن وقع علي ظهره متلخطًا بالدَّم، وعلت أصوات الجماعة بالتكبير، فقال له الحجَّاج، لما رأى منه ما هاله:
يا جحدر إن أحببت أن ألحقك ببلادك وأحسن جائزتك فعلت ذاك بك، وإن
[ ٣ / ٢١١ ]
أحببت أن تقيم عندنا أقمت فأسنينا فريضتكـ فقال: أختار صحبة الأمير، ففرض له ولجماعة أهل بيته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد المائتين:
(٢١٦) يا ربَّ قائلةٍ غدًا يا لهف أمِّ معاوية
لما تقدَّم قبله، فإن "قائلة" مستقبل لعمله في الظرف المستقبل، وفيه أن الخلاف في جواز الاستقبال إنما هو جواب ربَّ، وأمَّا "قائلة" فهو وصف لمجرور ربَّ المقدر، تقديره: يا ربّ امرأة قائلة غدًا، وهذا جائز كما تقدم عن ابن السراج وابن مالك وأبي حيان، وكأن ناظر الجيش لم يفرق بين جوابها ووصف مجرورها، فإنه قال: وأما مضي ما يتعلق به فهو المشهور، وهو مذهب المبرد والفارسي، واختاره ابن عصفور، ولهذا تأول النجاة (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) [الحجر/ ٢] بأن المعني: ربَّما ودَّ، وأنه عبَّر عن المستقبل بالماضي، لكونه متحقق الوقوع، ولكن قد عرفت أن المصنف لم يلتزم ذلك، وأنه أجاز كون العامل مستقبلًا، وذكر الأدلة علي ذلك، علي أن الشيخ، يعني: أبا حيان، قال في "الأدلة": إنها تحتمل كذا، قاصدًا إبطال ما ذهب إليه المصنف، ولكنها احتمالات ضعيفة، والذي يظهر أن الحق ما اختاره المصنف، هذا كلامه. والبيت آخر أبيات لهند بنت عتبة بن ربيعة، رثت بها أباها وعمَّها شيبة، وأخاها الوليد، وقتلوا يوم بدر، أوردها لها ابن هشام في "السيرة" عن ابن إسحاق وقال: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لهند ابنة عتبة وهي:
[ ٣ / ٢١٢ ]
لله عينا من رأى هلكًا كهلك رجاليه
يا ربَّ باكٍ لي غدا في النَّائبات وباكيه
كم غادروا يوم القليـ ـب غداة تلك الواعية
من كل غيثٍ في السنين إذا الكواكب خاوية
قد كنت أحذر ما أرى فاليوم حق حذاريه
قد كنت أحذر ما أرى فأنا الغداة مواميه
يا ربَّ قائلةٍ غدًا يا ويح أمِّ معاوية
قولها لله عينا: هو مثني حذفت نون التثنية للإضافة، وهذه كلمة تقولها العرب إذا عظموا الشيء نسبوا ملكة إلي الله؛ استعظمت هلك رجالها، وهلكًا: مفعول رأى، وهو بضم الهاء وسكون اللام، والقليب هنا: قليب بدر، الواعية في "القاموس" هي الصراخ والصوت، لا الصارخة، ووهم الجوهري، والغيث: المطر، وأطلقته علي رجالها كأنهم يقومون للناس مقام الغيث، والسنة: القحط والجدب، وخوت النجوم: أمحلت، وذلك، إذا سقطت في المغرب ولم تمطر في يومها، وقولها: فأنا الغداة موامية، قال السهيلي في "الروض الأنف": موامية، أي: ذليلة، وهو مؤامية بهمزة ولكنها سهلت فصارت واوًا، وهي من لفظ الأمة، تقول: تأميَّت أمةّ، أي: اتخذتها، ويجوز أن يكون نقلوبًا من المؤامّة، وهي الموافقة، فيكون الأصل موائمة، ثم قلب فصار موامية، علي وزن مفالعة، وتريد أنها قد ذلت فلا تتأبي، بل توافق العدو علي كره. انتهي. وقولها: يا ربّ قائلة، يجوز أن تكون "يا" هنا للنداء،
[ ٣ / ٢١٣ ]
والمنادى محذوف، ويجوز أن تكون للتنبيه، وربّ هنا للتكثير، والعامل في موضع مجرورها محذوف، تقديره: تصدق في قولها، أو تصيب في قولها، وجملة: يا ويح أمّ معاوية: مقولة بقائلة وويح: كلمة ترحم لمن وقع في شدة، وقالت هذا الشعر في يوم بدر قبل إسلامها، وقد أسلمت يوم فتح مكة زادها الله شرفًا، وهي زوج أبي سفيان وأمُّ معاوية، وكانت من أحسن نساء قريش وأعقلهن، وهي القائلة للنبي صلي الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، ما يعطيني ما يكفيني وولدي، قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، ثم إن أبا سفيان طلقها في آخر المر، فاستقرضت من عمر من بيت المال أربعة آلاف درهم، فخرجت غلي بلاد كلب، فاشترت وباعت وأنت ولدها معاوية وهو أمير علي الشام لعمر، فقال: أب بنيّ، إنه عمر وإنما نعمل لله!
سوف
أنشد فيه:
وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصنٍ أم نساء
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الخمسين.
سيَّ
أنشد فيه:
والشَّرُّ بالشَّر عند الله مثلان
وصدره:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثمانين.
[ ٣ / ٢١٤ ]
وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع عشر بعد المائتين:
(٢١٧) فيا ربِّ إن لم تقسم الحبَّ بيننا سواءين فاجعلني على حبِّها جلدا
علي أن سواءين شاذ لأنهم استغنوا عنه بقولهم سيان، وقال المصنف في "شرح شواهد ابن الناظم" عند شرح قوله:
وأعلم أنَّ تسليمًا وتركا للا متشابهان ولا سواءَّ
إقراد سواء واجب، وإن كان خبرًا عن معدد، لأنه في الأصل مصدر بمعني الاستواء، فحذف زائده، ونقل إلي معنى الوصف، وربما ثني كقول قيس ابن معاذ.
فيا ربَّ إن لم تقسم الحبَّ بيننا البيت
وفي "القاموس": وهما سواءان، وسيان: مثلان. انتهي. فسوى بينهما، وكلاهما من مادة واحدة، و"سيّ" بمعني مستوٍ، وأصله سوي، فقلبت الواو ياء، وأدغمت، فقول ابن المَّلا: إن لم يكن سواء بمعني سيّ فغفلة عن اشتقاقها. والجلد، بفتح الجيم وسكون اللام: الشديد القوي. وهذا البيت أنشده ابن بري في "أماليه" على "صحاح الجوهري" لقيس بن معاذ في مادة "سواء" وأنشد مثله لآخر، وهو:
تعالي نسمِّط حبَّ دعدٍ ونغتدي سواءين والمرعي بأمِّ درين
قال: يقال للأرض المجدبة: أم درين.
وقيس بن معاذ هو المشهور بمجنون ليلي وقيل: الأصح أنه قيس بن الملوح العامري، وصاحبته ليلي بنت مهدي أم مالك العامرية، قال ابن قتيبة: كان
[ ٣ / ٢١٥ ]
المجنون وليلي يرعيان البهم وهما صبيان، فعلقها [علاقة الصبا] وقال:
تعلَّقت ليلي وهي غر صغيرة ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغير ين نرعى البهم ياليت أنَّنا صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم
ثم نشأ، وكان يجلس معها ويتحدَّث في ناس من قومه، وكان ظريفًا جميلًا رواية للشعر حلو الحديث، فكانت تعرض عنه وتقبل بالحديث علي غيره، حتى شقَّ ذلك عليه وعرفته، فقالت:
كلانا مظهر للنّاس بغضًا وكل عند صاحبه مكين
تبلِّغنا العيون بما رأينا وفي القلبين ثمَّ هوًى دفين
ثم تمادي به الأمر حتى ذهب عقله، وهام مع الوحش، وصار لابليس ثوبًا إلا خرقه، ولا يعقل [شيئًا] إلا أن تذكر له ليلي، فإذا ذكرت عقل وأجاب عن كل ما يسأل عنه، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين:
(٢١٨) ولا سيناَّ يوم بدارة جلجل
[ ٣ / ٢١٦ ]
وصدره:
ألا ربَّ يوم صالحٍ لك منهما
وهو من معبقة امرئ القيس، وقد لخص المصنف كلام أبي حيان في "شرح التسهيل" وجميع ما ذكره في "ولاسيما" منه، قال ناظر الجيش: وأما بيت امرئ القيس فتخرج رواياته علي ما تقدم من التقرير، والرفع فيه قوي أيضًا، لأن "ما" لم تقع فيه على العاقل، ولم تقصر الصلة، بل طالت بذكر "دارة جلجل" وجوز المصنف فيه – يعني: ابن مالك – نصيب "يومًا" علي الظرف، وجعله صلة لما، قال: وبدارة جلجل صفة لـ "يومًا"، أو متعلق به، لما فيه من معنى الاستقرار، قال: فإن "ما" المذكورة قد توصل بظرف، كقولك: يعجبني الاعتكاف، لاسيما عند الكعبة، والتهجد لاسيما إذا قرب الصبح، ومنه قول الشاعر:
يسرُّ الكريم الحمد لاسيما لدى شهادة من في خيره يتقلَّب
وأما الوصل بجملة فعليه، فكقولك: يعجبني كلامك لاسيما تعظ به، ومنه قول الآخر:
فق النّاس ف الخير لاسيمَّا بنيلك من ذي الجلال الرِّضى
انتهى. وضمير "منهما" في البيت راجع إلي امرأتين في بيت قبله، وقد شرحنا تسعة أبيات مع البيت الشاهد، وبسطنا الكلام عليها في الشاهد الرابع والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي، ولكن ينبغي أن نذكر هنا خبر يوم دارة جلجل، وهو بضم الجيمين، قال أبو عبيدة البكري في "معجم ما استعجم":
[ ٣ / ٢١٧ ]
قال أبو عبيدة: دارة جلجل: موضع بديار كندة، وقال أبو الفرج: قال الكلبي: هو عين عند كندة. انتهي. والمشهور أنه اسم غدير، قال ابن الأنباري في شرح معلقة امرئ القيس كان من حديثه على ما حدث به ابن وألان عن أبي شقفل رواية الفرزدق أنه قال: لم أر أروى من الفرزدق لأخبار امرئ القيس وأشعاره، وخرجنا يومًا إلي المربد بعقب طش قد وقع، واتصل به خبر نسوة أشراف قد خرجن إلي منتزه لهنً، فقال: سر بنا، حتى قرب من مجتمعهن. فخلفني وصار إليهنَّ، فلما رأينه قلن: قد عملنا أنا لن نفوتك، فلم يزل يومه الأطول يحدثهنَّ ويفاكههنَّ وينشدهن إلي أن وَّلى النهار، ثم انصرف إليَّ، فقال: سر بنا فلم أر يومًا قط أشبه بيوم دارة جلجل من يومنا هذا، ثم أنشأ يحدث حديث يوم دارة جلجل، فقال: حدثني الثقة أن حيَّ امرئ القيس تحمَّلوا، وهو يومئذ شابً حديث السن، يهوى ابنة عّمٍ له يقال لها: فاطمة، ويكني عنها بعنيزة، وتخلف النساء وفيهن فاطمة، وارتحل امرؤ القيس ليرى الحيُّ مسيرة إلي أن نأى عن الحيِّ، فأخفى المسير وارتحل النساء بعدهم فمررن علي الغدير ولا يدربن أن وراءهن أحدًا فنزلن، وعند الغدير شجرة، فأنخن إبلهنً إلي تلك الشجرة، ونزعن ثيابهنً فدخلن الغدير، وجاء امرؤ القيس فأخذ ثيابهنً، وقال: لا تأخذ امرأة منكن ثيابها حتى تخرج كما هي، فناشدته الله وطلبن إليه، حتى طال يومهن وخشين أن يفوتهن المنزل، فجعلن يخرجن واحدة واحدة حتى بلغ إلي فاطمة، فرآها واستمتع بالنظر إليها، ثم قلن له: قد اتعبتنا فاجلس، فجلس ينشدهنَّ ويحدثهنَّ ويشرب من شراب كان معه، فقالت إحداهنَّ: أطعمنا لحمًا، فقام إلي مطيته فنحرها وأطعمهن من لحمها، وشرب حتى انتشى، حتى إذا أرادوا الرواح قالت امرأة منهنً: أتدعن امرأ القيس يهلك؟ فقالت فاطمة: فكّكن رحله واحملنه معكنَّ، وأنا أحمله معي في هودجي، ففعلن، فجعل يميل رأسه إليها فيقبلها، وجعل هودجها
[ ٣ / ٢١٨ ]
يميل بها وهي تنادي به وتقول: قد عقرت بعيري فانزل، حتى إذا بلغ قريبًا من الحيَّ كمن في غمض من الأرض وسار النساء حتى بحقن برحالهن. انتهي. وقد روى ابن عبد ربه في "العقد الفريد" خبر هذا اليوم بأبسط من هذا، وقد نقلناه هناك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد المائتين:
(٢١٩) فه بالعقود وبالأيمان لاسيما عقد وفا به من أعظم القرب
علي أن قولهم: "ولاسيَّما" تخفف ويحذف واو العطف، واختلف في المحذوف هل هو العين أو اللام، قال أبو حيان: المحذوف اللام، ويجوز أن يكون العين وهي من باب طويت. انتهي. وقال ابن إياز في "شرح الفصول": الذي يقتضيه القياس أن يكون المحذوف اللام، لأن الحذف، إعلال والإعلال في اللام شائع كثير بخلاف العين، وزعم بعضهم أنهم حذفوا الياء الأولي، والثانية متحركة، والمتحرك أقوى من الساكن، فكانت الأولى أولى بالحذف لضعفها.
وقوله: فه؛ أمر بالوفاء، من وفى يفي والهاء للسكت. لا ينطبق به في الوصل، وإنما رسم لاعتبار النطق به في الوقف، كما هو قاعدة الخط. والعقود: جمع عقد، وهو العهد الموثق، وأصله الجمع بين شيئين بحيث يعسر الانفصال، والوفاء بالعقد: هو القيام بمقتضي العهد، والأيمان: جمع يمين وهو القسم، والقرب: جمع قربه، وهو ما يتقرب به، ووفاء: بدل اشتمال من عقد، ويجوز في عقد الوجوه الثلاثة، كما في بيت امرئ القيس. والبيت أنشده ابن مالك في "شرح التسهيل" ولم يعزه إلي قائله.
[ ٣ / ٢١٩ ]
سواء
أنشد فيه، وهو الإنشاد العشرون بعد المائتين:
(٢٢٠) فلأصرفنَّ سوى حذيفة مدحتي لفتي العشِّي وفارس الأحزاب
علي أن سوى فيه بمعني القصد، قول المصنف ذكره في آخر المجلس الواحد والثلاثين "من أماليه" في فصل عقده لسوى قال: استعملوا المقصورة بمعني القصد، فقالوا: قصدت سوى فلان، أي: قصدت قصده، وهذا أغرب ما جاء فيها، قال: فلأصرفن سوى حذيفة .. البيت، أراد: قصد حذيفة، واستعملوا الممدود بمعني الوسط، ومصدرًا في معني اسم [الفاعل] المشتقمن الاستواء. انتهي. فقصر ما ذكره المصنف علي المقصورة، وكذا قال صاحب "الصحاح": وقصدت سوي فلان، أي: قصدت قصده، وأنشد البيت، وكذا في "القاموس": والقصد: بمعني النحو والجهة، قال في "الصحاح": وقصدت قصده: نحوت نحوه، وقد ذكر ابن الانباري المقصورة والممدودة بمعني القصد، قال في كتاب "المقصور والممدود": قال الفراء: السوا: القصد، يمد ويقصر، أنشد في قصره: فلاصرفن سوى حذيفة .. البيت، وكذا في كتاب "المقصور والممدود" لأبي علي القالي: قال الفرا: السواء القصد، بالمد وفتح السين، وبالقصر وكسر السين. انتهي. وأورد أبو العباس أحمد بن محمد بن وَّلاد هذه الكلمة في كتابه "المقصود والممدود" ولكن بغير هذا المعني، قال سوى بمعنى غير، مكسور الأول مقصور، يكتب بالياء، وقد
[ ٣ / ٢٢٠ ]
يفتح أوله فيمد، ومعناه كمعنى المكسور. انتهي. ولم يتعرض لمعنى القصد أصلًا، وقال أبو علي الفارسي في "الحجة" عند قوله تعالي: (سواء أأنذرتهم): من أول سورة البقرة [الآية/٦]؛ قال أبو الحسن في قوله: (مكانًا سوى) فيها أربع لغات؛ منهم من يفتح أول ويمده، ومنهم من يكسر أوله ويقصره، قال: وهاتان لغتان معروفتان، قال: ومنهم من يكسر أوله ويمده، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك، والمضمومة الأول أعرفها، وقال: (مكانًا سوى) [طه/٥٨] أي: عدل، وأنشد:
وإنَّ أبانا كان حلَّ ببلدةٍ سوىً بين قيس عيلان والفزر يقول: عدل، وقال في قول الشاعر:
لو تمنَّيت حليلتي ما عدتني أو تمنَّيت ما عدوت سواها
يقول: ما عدوت قصدها، قال: والقصد والعدل مشتبهان، وأنشد:
ولأصرفنَّ سوى حذيفة مدحتي لفتى الشعبي وفارس الأجراف
قال: يريد: لأصرفن قصده، أي: عن قصده، أو: لأصرفن إلي غيره، لأن سواء غيره، كما قال حسان:
أتانافلم نعدل سواه بغيره نبي أتى من عند ذي العرش هاديا
[ ٣ / ٢٢١ ]
قال: يقول: لم نعدل سوى النبي صلي الله عليه وسلم بغير سواه، وغير سواه هو هو فأما قوله:
وما قصدت من أهلها لسوائكا
فإنه عدّى قصدت باللام، وإن كان يعدّى بإلى، كما عدَّوا أوحيت وعديت بهما في نحو: (وأوحى ربك إلي النحل) [النحل/٦٨] وفي أخري: (بأن ربَّك أوحى لها) [الزلزلة/٥] وقال: (ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا) [النساء/١٧٥] و: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) [الأعراف/٤٣] انتهي كلام أبي علي.
ومع نقل هؤلاء الأئمة لا يلتفت إلي إنكار أبي عبيد البكري، قال في "شرح نوادر القالي": أنشد اللغويون في سوي بمعني القصد:
فلأصرفن سوى حذيفة .. البيت
وأنا أشهد أن قائل هذا البيت إنما قال: فلأصرفن إلي حذيفة مدحتي، وسوى موضوع، وأنشدوا أيضًا:
لو تمنَّيت حليلتي ما عدتني البيت
وأنا أقول: إن سواها بمعني غيرها لا غير. انتهي. وكأنه لم يتأمل معني البيت، فإنه بتقدير أن يكون مدحًا لحذيفة، وليس كذلك، فإن
[ ٣ / ٢٢٢ ]
المدح مصروف عنه إلي فتي العشي، كما قرره أبو علي، وإذا كان كذلك لا يصح ما ادعاه، ويتعين ما قاله أئمة اللغة، وليس المعنى علي ما قاله في البيت الثاني أيضًا، فإن قولنا: ما عدوت غيرها، مفهومه: بل وعدوتها، وهذا خلاف المقصود، وإنما المراد: ما عدوت عن قصدها وجهتها، بل كانت هي التمنى، ووقعت القافية في نسخ "المعني": الأحزاب، وهذا تحريف من الكتَّاب وإنما القافية فائية، والرواية هي: الأجراف، قال جامع "ديوان قيس بن الخطيم": هو موضع، وكذلك قال ياقوت في "معجم البلدان" وهو في الأصل جمع جرف، بضم الجيم وسكون الراء، وهو الموضع الذي تجرفته السيول وأكلته من الأرض، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": الأجراف كأنه جمع جرف، وهي منازل بني مرة بن عباد بن قيس بن ثعلبة، وتسمى القاعة أيضًا، بالقاف والعين المهملة.
وليس في أول البيت فاء ولا واو، وإنما الرواية بدونهما علي الخرم. وهو أول بيت من أبيات ثماينة لقيس بن الخطيم، قال صاحب "مقاتل الفرسان": قال الأثرم: أنشد أبو عبيدة هذه القصيدة لقيس بن الخطيم، وقال: كان رجل من عبد القيس قتل أباه الخطيم، فرآه قيس بسوق عكاظ، فأتى حذيفة ابن بدر فقال: أجرني حتى أقتل هذا العبدي، فإنه قاتل أبي، فأبى ذاك عليه، فأتى خداش بن زهير العامري، فاستجاره فأجاره، فشدَّ على العبدي فقلته. انتهى.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
ومن هذا يعلم أن المدح مصروف عن حذيفة بن بدر إلي خداش بن زهير العامريـ فيكون تقدير الكلام: ولأصرفن عن قصد حذيفة، كما قال أبو علي، والفتى هنا: هو ما نقله الأزهري عن الفتي قال: ليس الفتي بمعنى الشاب والحدث، إنما هو الكامل الجزل من الرجال، يدلك علي ذلك قول الشاعر:
إنَّ الفتي حّمال كلِّ ملمةٍ ليس الفتي بمنعمَ الشَّبان
وقال ابن هرمة:
قد يدرك الشَّرف الفتى ورداوه خلقً وجيب قميصه مرقوع
وقال الأزهري أيضًا: العشي يقع ما بين زوال الشمس إلي وقت غروبها، كل ذلك عشي، فإذا غابت الشمس فهو العشاء. انتهي. وأضاف الفتى إلى العشي مبالغة في مدحه، فإنه إذا كان جلدًا في شدة الهواجر، ففي غيرها يكون من باب أولى، وروري: "لفتي الشتاء" فيكون الفتي بمعنى السخي، والشتاء عند العرب: زمن القحط والمحل، لانكشاف وجه الأرض مما يأكله الناس ويرعاه الحيوان، ويناسب هذه الرواية الذي بعده، وهو:
من لا يزال يكبُّ كلَّ ثقيلةٍ وجناء غير محادرٍ منزاف
الضارب البيض المتقَّن صنعه يوم الهياج بكلِّ أبيض صافي
إن تلق خيل العامريِّ مغيرةً لا تلقهم متعفقي الأعراف
وإذا تكون عظيمة في عامرٍ فهو المدافع عنهم والكافي
الواترون المدركون بتبلهم والحاشدون علي قرى الأضياف
[ ٣ / ٢٢٤ ]
تعدو بهم في الررَّوع كلُّ طوالةٍ تنضو الجياد ومنهبٍ عراَّف
زبدٍ قوائمه شديدٍ أسره صلت المعذَّر ذي سبيبٍ ضاف
يكبّ: يصرع، والثقيلة: الناقة المثقلة بالحمل، ونحرها للضيف عند العرب مما يفتخرون به، والوجناء: الناقة الشديدة السالمة من كل داء، ونحر مثل هذه غاية في الكرم، وناقة حرود ومحارد: بينّه الحراد، والحرد، بمهملات وبالتحريك: داء في قوائم الإبل وفي اليدين، وقيل: يبس عصب إحداهما من العقال، فيخبط بيديه إذا مشى، والمنزاف بالنون والزاي: المنقطعة اللبن، والبيض، بالفتح: جمع بيضة، وهي الحوذة، والمتقن، بفتح القاف المشدد: المحكم، والهياج: الحرب، والأبيض: السيف.
وقوله: إن تلق خيل العامري .. الخ، وصفهم بالفروسية والثبات علي ظهور الخيل، فهم لا يتعفّقون بأعرافها، أي: لا يتعقل بها ولا يمسكونها من خوف السقوط، والعرف، بالضم: شعر أعناق الخيل.
وقوله: الواترون، أي: الظالمون في الوتر، وهو الحقد، وهذا مدح عندهم والتّي
بل: العداوة. وطوالة، بالضم: الطويلة الظهر والعنق والقوائم، وتنضو، بالنون والضاد المعجمة، تسبق، والمنهب، بالكسر: الفرس الفائق في العدو كأنه ينهب الأرض، وغرّاف، بالغين المعجمة: مبالغة غارف، وهو الفرس السريع كأنه يغرف الجري.
وزبد، بفتح الراء وكسر الموحدة وأخر ذال معجمة: الخفيف القوائم في مشيه، والأسر: الخلقة والبنية، والصلت: الواضح، والمعذر: الحدّ، والسبيب كم الفرس: شعر الذنب والعرف والناصية، والضافي: الكثير الوافي.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وقيس بن الخطيم، وعامر بن الطفيل ماتا علي دين الجاهلية، ورأيت في "الأغاني" أنها أول قصيدة لرجل من بني الحارث بن الخروج من الأنصار رثى بها ربيعة بن مكدّم الجاهلي أحد فرسان مضر المعدودين وشجعانهم المشهورين، وبعده:
مأوى الضَّريك إذا الرِّياح تناوحت ضخم الدسيعة مخلفٍ متلاف
من لا يزال يكبُّ كلَّ ثقيلةٍ كوماء غير محارد منزاف
رحب المباءة والجناب موطا مأزى لكل معتَّقِ مسواف
فسقي الغوادي قبرك ابن مكدَّمٍ من صوب كل مجلجلٍ وكّاف
وبعد هذا أبيات أخر، والضريك، بالضاد المعجمة: الفقير السيئ الحال، وقوله: إذا الرياح تناوحت، أي: تقابلت، وأراد زمن الشتاء، والسيعة: العطية، والكوماء: العظيمة السنام، والمباءة: المنزل، والموطأ: السهل الجانب، والمعتق: المعضض، والمسواف: الذي وقع في ماله السواف، كسحاب، وهو موت الإبل، والغوادي: جمع غادية، وهي سحابة النهار. وابن مكدَّم: منادي، والصوب: المطر، وسحاب مجلجل، بجمين: له صوت الرعد، والو كَّاف: الماطر، من وكف إذا قطر.
وقيس بن الخطيم، بفتح الخاء المعجمة وكسر الطاء المهملة: شاعر فارس أنصاري، ذكر أهل المغازي أنه قدم. سكة، فدعاه النبي، صلي الله عليه إلي الإسلام، وتلا عليه القرآن، فقال: إني لأسمع كلامًا عجيبًا، فدعني أنظر في أمري هذه السنة، ثم أعود إليكـ فمات قبل الحول، وهو من الأوس، وله في وقعة بعاث التي كانت بين الأوس والخزرج قبل الهجرة أشعار، كثيرة وقد بسطا ترجمته في الشاهد الخامس بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
حرف العين المهملة
على
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد المائتين:
(٢٢١) تحنّ فتبدي ما بها من صبابةٍ وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
علي أن أصله: لقضي علي. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": واستدل الأخفش علي اسمية (علي" بقول العرب: "سويت علي ثيابي" ووجه الدلالة أنه قد تقرر، أن فعل المضمر لا يتعدى إلي مضمره المتصل لا بنفسه ولا بواسطة، فلا تقول: زيد ضربه، تريد: ضرب نفسه، ولا: فرحت بي، تريد: فرجت بنفسي. وفي: سويت عليّ، قد تعدى إلي ضميره المتصل، فوجب أن يعتقد في "على" أنها اسم، لأنه يجوز: سويت فرقي ثوبي، قال بعض أصحابنا: وكذلك ينبغي أن تجعل "على" اسمًا في قوله:
هوِّن عليك فإنَّ الأمور بكفِّ الإله مقاديرها
للعلة التي ذكرها الأخفش، وكذلك في قوله:
دع عنك نهبًا البيت
[ ٣ / ٢٢٧ ]
وهذا الذي ذهب إليه الأخفش وبعض أصحابنا لا يطّرد، بل هو مراد غالب، لكنه قد جاء ذلك التعدي قال تعالي: (وهزّي إليك) [مريم/٢٥] وقال تعالي: (واضم إليك جناحك) [القصص/٣٢] ومن كلامهم: فئ إليك، ولم يذهب أحد إلي أن "إلى" اسم، فكذلك تقول في: سويت عليَّ، وفي: هوّن عليم، وفي: دع عنك: إنها حروف كـ "إلى"، لكن تلك التعدية قليلة، فلا تكون تلك التعدية دلالة اسمية "عن وعلى" وما ذكره المصنف من أن علي إنما تكون اسمًا إذا دخل عليها "من"، هو مشهور قول البصريين.
وذهب ابن الطراوة وابن طاهر وابن خروف وأبو علي الرُّندي وأبو الحجاج ابن معزوز، والأستاذ أبو علي في أحد قوليه، إلي أنها لا تكون حرفًا، وزعموا أن ذلك مذهب سيبوية، لقوله في باب "عدة ما يكون عليه الكلم" فهو اسم، ولا يكون إلا ظرفًا. وقد صنف ابن معزوز جزءًا في عشرين ورقة استدل فيه علي أن "على" لا تكون حرفًا باسمًا، وأما من أثبت ذلك فاستدل علي حذفها في ضرورة الشعر، أي، لقضى على أنه مفعول به نحو قوله: نحنُّ فتبدي ما بها .. البيت، أي: لقضي علي، وقد أجاز أبو الحسن الأخفش حذفها في الكلام، ونصب ما بعدها مفعولًا به، وجعل من ذلك قوله تعالي: (ولكن لا تواعد وهنّ سرًّا) [البقرة/٢٣٥] أي: علي سّرٍ، وقوله تعالي:
[ ٣ / ٢٢٨ ]
(لأقعدن لهم صراطك) [الأعراف/١٦] أي: علي صراطن، وهذا الاستدلال يمكن أن تتأول فيه الأفعال علي تضمين مالا يتعدي بـ "على"، فلا يتم الاستدلال.
واستدل أيضًا من أثبت الحرفية بحذفها مع الضمير في الصلة، نحو: ركبت على الذي ركبت، نحو قوله:
فأصبح من أسماء قيس كقابضٍ علي الماء لا يدري بما هو قابض
أي: عليه. ولو كانت اسمًا لم يجز ذلك، لو قلت: قعدت وراء الذي قعدت، تريد: وراءه؛ لم يجز. إلي هنا كلام أبي حيان، والتضمين الذي ذكره يكون بتضمين قضى بمعنى أهلك أو قتل.
وهذا البيت أورده المبرد في أول "الكامل" مع بيت قبله، قال: ومما يستحسن ويستغرب معناه، ويحمد اختصاره قول أعرابي من بني كلاب:
فمن يك لم يغرض فإَّني وناقتي بجحرٍ إلي أهل الحمى غرضان
نحن فتبدي .. البيت، يريد: لقضي علي، فأخرجه لفصاحته وعلمه بجوهر الكلام أحسن مخرج، قال الله تعالي: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) [المطففين/٣] والمعني: إذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم، أو وزنوا لهم، ألا تري أن أول الآية: (الذين إذا اكتالوا علي الناس يستوفون) فهؤلاء أخذوا منهم [ثم] أعطوهم انتهي وكتب هنا علي الكامل تلميذه أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش قوله: لم يغرض، أي: لم يشتق، يقال: غرضت إلي لقائك، وحننت إلي لقائك وعطشت إلي لقائك، وجعت إلي لقائك، أي: اشتقت. أخبرنا بذلك أحمد ابن يحيي عن ابن الأعرابي، وأنشدنا عنه:
[ ٣ / ٢٢٩ ]
من ذا رسول ناصح فمبلِّغ عنّي عليَّة غير قول الكاذب
أنَّي غرضت إلى تناصف وجهها غرض المحب إلي الحبيب الغائب
والتناصف: الحسن. وأما قوله: لقضائي، فإنما يريد: لقضى عليَّ الموت، كما قال الله، ﷿: (فلما قضينا عليه الموت) [سبأ/١٤] فالموت في النية، وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، وكذلك قوله: (الوهم) [ف] الشيء المكيل معلوم، فهو بمنزلة ما ذكر في اللفظ. انتهي. وغرض: بإعجام الطرفين، من باب علم، وحجر، بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم؛ قال صاحب "القاموس": هي قصبة باليمامة، وموضع بديار بني عقيل، وواد بين بلاد عذرة وغطفان، وقرية لبني سليم، وجبل ببلاد غطفان، وموضع باليمن، وموضع به وقعة بين دوس وكنانة. انتهي. والمشهور هو الأول. والصبابة: رقة الشوق، والأسى، بضم الهمزة جمع، أسوة، كالعرى جمع عروة، والأسوة: التأميي والاقتداء بالغير وما يتأسى به الحزين ويتعزى، أي: يتصبر. ورواه أبو علي في "المسائل العسكرية": "نحن وتبدي" بالواو، قال: وسمعت كثيرًا ينشدون: الأسى بفتح الهمزة، وهو خطأ، لأنه بمعنى الحزن، ويفسد به المعنى. انتهي.
واعلم أن لعروة بن حزام العذري قصيدة غرامية علي هذا الوزن والروري، ومطلعها:
خليليَّ من عليا هلال بن عامرٍ بصنعاء عوجا اليوم وانتظر اني
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وهي قصيدة جيدة في بابها، قد أوردناها في الشاهد الثلاثين بعد المائتين من شواهد الرضي، وقد زعم العيني أن البيت الشاهد من هذه القصيدة، وتبعه السيوطي وغيره، وعندي ثلاث نسخ من "ديوان عروة" المذكور، وقد واجعت الثلاث فلم أجده في واحدة منهن، والله أعلم.
وأنشد بعده:
وبات علي النّار النّدي والملحلَّق
وصدره:
تشبُّ لمقرورين يصطليانها
وتقدَّم شرحه في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٢) إذا رضيت عليَّ بنو قشيرٍ لعمر الله أعجبني رضاها
علي أن علي بمعنى عن، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقوله للمجاوزة: هذا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي والمصنف، واستدلوا بقوله: إذا رضيت
[ ٣ / ٢٣١ ]
علي البيت مع أبيات أخر، وتأول البصريون ذلك بتضمين "رضيت" معنى "عطفت" لأنه إذا رضي عنه فقد عطف عليه، أو أجرى "رضي" مجرى ضده وهو "سخط" فعداه تعديته، فكما يقال: سخط عليه، قيل: رضي عليه. انتهي. وذكر ابن جني في "الخصائص" أن هذا توجيه الكسائي، قال: وكانأبو علي يستحسن قول الكسائي في هذا، لأنه لما كان رضيت ضد سخطت، عدى رضيت بـ "على"، حملًا للشيء علي نقيضه، كما يحمل على نظيره، وقد سلك سيبوية هذه الطريق في المصادر كثيرًا فقال: قالوا كذا، كما قالوا كذا، وأحدهما ضد الآخر. انتهي.
وقد عدَّ ابن عصفور هذا من الضرائر فقال: ومنه إنابة حرف مكان حرف، وأورد هذا البيت وغيره، ولم أره لغيره، كيف وقد ورد في القرآن والحديث وغيرهما! وغاية ما قيل فيه أنه لا يطرد في كل موضع، وقد أفرد له ابن جني بابًا في "الخصائص" وقد سقناه ملخصًا مع كلام ابن السيَّد في "شرح أدب الكاتب" لابن قتيبة في الشاهد الخامس والعشرين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
قال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": والبيت من قصيدة للقحيف العقيلي مدح بها حكيم بن المسيب القشيري، وقشير بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة، وقشير وعقيل والحريش وجعدة إخوة فكلهم بنو كعب بن ربيعة.
يقول: إذا رضيت عني بنو قشير سرني رضاها. انتهي. وقد تقدم بعض أبيات منها في الإنشاد الواحد والستين بعد المائه مع ترجمة القحيف، وبعده هذا البيت
[ ٣ / ٢٣٢ ]
ولا تنبو سيوف بَّني قشيرٍ ولا تمضي الأسنّة في صفاها
واقتصر عليها أبو زيد في "نوادره" وكذا ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" يريد أن سيوفهم قاطعة لا تنبو عن شيء، وأسنة غيرهم لا تؤثر فيهم، فإنهم كالصخرة الملساء، وهي الصفا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٣) في ليلةٍ لا ثرى بها أحدًا يحكي علينا إّلا كواكبها
لما تقدَّم قبله، واستشهد به سيبويه علي أن "كواكبها" بالرفع بدل من الضمير في يحكي الراجع إلي أحد، وسيأتي، إن شاء الله، الكلام عليه في باب الاستثناء من الباب الخامس، وقد نسب خدمة الكتاب هذا البيت إلي عدي بن زيد، وقد تصفحت ديوانه مرتين فلم أجده فيه، وإنما هو لأحيحة بن الجلاح الأنصاري من أبيات أثبتها الأصفهاني له في كتاب "الأغاني" وهي:
يشتاق قلبي إلي مليكة لو أمسى قريبًا لمن يطالبها
ما أحسن الجيد من مليكة والسلبَّات إذ زانها ترائبها
ياليتني ليلةً إذا هجع الناس ونام الكلاب صاحبها
في ليلةٍ لا تري بها أحدًا يحكي علينا إلاّ كواكبها
لتبكني قينة ومزهرها ولتبكني قهوة وشاربها
ولتلكني ناقة إذا رحلت وغاب في سربخٍ مناكبها
[ ٣ / ٢٣٣ ]
ولتبكني عصبة إذا اجتمعت لم يعلم النّاس ما عواقبها
واسم أمسي: ضمير القلب، ولو: للتمني، ومن: موصولة بمعنى التي، وملكية: بوزن المصغر، "وما" تعجبيّة، واللبة، بفتح اللام: موضع القلادة من الصدر، والترائب: جمع تربية، وهي عظام الصدر ما بين الترقوتين إلي الثدي، وصاحبها: خبر ليت، وليلة: ظرف لصاحبها، وإذا: بدل اشتمال منها، والضمير مقدر، أي هجع الناس فيها، وفي ليلة: بدل من إذا هجع .. الخ، وجملة لا نري .. الخ: صفة ليلة، ونرى بالنون ويروى بالتاء، وجملة "يحكي علينا": صفة لأحد، وروي بدله: يسعى علينا، من سعى به إلي الوالي: إذا وشى به ونمَّ عليه، وقوله: لتبكني: أمر غائب، وفاعله قينة، بفتح القافـ، وهي الأمة، مغنّية كانت أم لا، والمزهر، بالكسر: عود اللهو، والقهوة، والخمر، والسَّربخ، بفتح السين وسكون الراء المهملتين، وفتح الموحدة بعدها خاء معجمة: الأرض الواسعة. وقوله: ما عواقبها، ما، استفهامية مبتدأ، وعواقبها الخبر، أو بالعكس، والجملة في موضع مفعولي يعلم المعلق عن العمل بالاستفهام.
قال صاحب"الأغاني" إن تبعًا الأخير، وهو أبو كرب، أقبل من اليمن يريد الشرق، فمر بالمدينة، فخلف بها ابنه ومضي حتي نزل بالمشقر، فقتل ابنه غيلة، فكرً راجعًا إلي المدينة وهو مجمع علي إخراجها، واستئصال أهلها وسبي الذرية وقطع نخلها، فنزل بسفح أحد، ثم أرسل إلي أشراف أهل المدينة ليأتوه، فكان ممن أرسل إليه زيد بن ضبيعة، وابن عمه زيد بن أميّة: وابن عمه زيد بن عبيد، وكانوا يسمون الأزياد، وأحيحة بن الجلاح، فخرجوا إليه، وخرج أحيحة ومعه قنية وخباء وخمر، فضرب الخباء وجعل فيه القنية
[ ٣ / ٢٣٤ ]
والخمر، ثم استأذن علي تبع فأذن له وأجله معه علي زربية تحته، وتحدث معه وسأله عن أمواله بالمدينة فجعل يخبره عنها، فخرج من عنده فدخل خباءة فشرب الخمر، وقرض أبياتًا وأمر القينة أن تغنيه بها، وجعل تلَّع علمية حرسًا، وكانت قينته تدعي ملكية، فقال: يشتاق قلبي إلي مليكة .. إلي آخر الأبيات المتقدمة، فلم تزل القينة تغنيه بذلك يومه وعامة ليلته، فلما نام الحرس قال لها: إني ذاهب إلي أهلي، فشدّي عليك الخباء، فإذا جاء رسول الله فقولي: هو نائم، فإذا أبوا إلا أن يرقظوني فقولي: قد رجع غلي أهله، وأرسلني إلي الملك برسالة، فإن ذهبوا بك إليه فقولي له: يقول لك أحيحة: اغدر بقينة أودع، ثم انطلق فتحصن في أطمه الضحيان، فأرسل تبع من جوف الليل إلي الأزياد فقتلهم، وأرسل إلي أحيحة ليقتله فقالت القينة: هو راقد، وترددوا إليها مرارًا، ثم قالوا: لتوقظنَّه أو لندخلنَّ عليك، قالت: إنه قد رجع إلي أهله، وأرسلني إلي الملك برسالة، فذهبوا بها إليه، وأبلغته الرسالةـ فجرّد له كتيبة فحاصروه ثلاثًا، فكان يقاتلهم بالنهار، ويرميهم بالنبل والحجارة، ويرمي إليهم في الليل بالتمر فقالوا للملك: بعثنا إلي رجل يقاتلنا بالنهار، ويضيفنا بالليل! فتركه، وأمرهم أن يحرقوا نخلهـ وشبت الحرب بين أهل المدينة وبين تبَّع، فبينا يريد تبَّع إخراب المدينة أتاه حبران من اليهود، فقالا: أيها الملك انصرف من هذه البلدة فإنها محفوظة، وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد يخرج من هذا الحرم، فكفَّ عن أهلها. إلي هنا كلام "الأغاني" باختصار.
والأكم بضمتين: جمع أطمة، بفتحات، وهي حصون لأهل المدينة، والضحيان، بفتح الضاد المعجمة وسكون الحاء المهملة بعدها مثناة تحتية: اسم حصن لأحيحة، وله حصن آخر اسمه المستظل.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وأحيحة بن الجلاح: بضم الهمزة وبالحاءين المهملتين، والجلاح: بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره حاء مهملة، وكان أحيحة سيد الأوس في الجاهلية، وكانت أم عبد المطلب بن هاشم تحته، والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة صحابي شهد بدرًا، وقتل يوم بئر نعونة، وقد بسطنا الكلام علي هذه الأبيات، وعلي الأطم، وعلي ترجمة أحيحة بن الجلاح في الشاهد السابع والعشرين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد المائتي:
(٢٢٤) على م تقول الرُّمح يثقل عاتقي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرَّت
علي أن على فيه للتعليل، كذا في "شرح التسهيل" لابن مالك، قال أبو حيان: هذا مذهب الكوفيين والقتبي، واستدلوا بقول الراعي:
رعته أشهرًا وخلا عليها فطار النَّيُّفيها واستغارًا
أي: خلا لها، وتأوله البصريون علي تضمين "خلا" معني وقف، لأنه إذا خلا لها فقد وقف عليها، يصف إبلا سمنت بسرعة، والنَّنيُّ: الشحم. انتهي.
والبيت من أبيات لعمرو بن معدي كرب، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهي:
[ ٣ / ٢٣٦ ]
ولما رأيت الخيل زورًا كأنَّها جداول زرعٍ أرسلت فاسبطرَّت
فجاشت إليَّ النَّفس أوَّل مرَّةٍ فردَّت علي مكروهها فاستقرَّت
علام تقول الرُّمح يثقل عاتقي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرَّت
لحى اله جرمًا كلّما ذرَّ شارق وجوه كلاب هارشت فاز بأرَّت
فلم تغن جرم نهدها إذ تلاقيا ولكنَّ جرمًا في اللَّقاء ابذعرَّت
ظللت كأنَّي للرِّماح دريَّة أقاتل عن أبناء جرمٍ وفرَّت
فلو أنَّ قومي انطقتني رماحهم نطقت ولكنَّ الرَّماح أجرَّت
هذا ما في "الحماسة" وفي ديوانه أكثر من هذا، قال الطبرسي في "شرح الحماسة" إن جرمًا ونهدًا، وهما قبيلتان من قضاعة، كانتا من بني الحارث بن كعب، فقتلت جرم رجلًا من أشراف بني الحارث، فارتحلت عنهم، وتحولت في بني زبيد، فخرج بنو الحارث يطلبون بدم أخيهم، فالتقوا فعبأ عمرو جرمًا لنهد، وتعبأ هو وقومه لبني الحارث، ففرت جرم واعتلت بأنها كرهت دماء نهد، فهزمت يومئذ بنو زبيد، فقال عمرو هذه الأبيات يلومها، ثم غزاهم بعد فانتصف منهم.
وقواه: زورًا: جمع أزور، وهو المعوجّ الزّور – بالفتح – أي: الصدر، يقول: رأيت الفرسان منحرفين للطعن، وقد خلَّوا أعنة دوابّهم، وأرسلوها علينا كأنها أنهار زرع أرسلت مياهها فاسبطرت، أي: امتدتـ والتشبيه وقع علي جري الماء في الأنهار لا علي الأنهار، فكأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عند الطعن بامتداد الماء في الأنهار، وهو يطرد ملتويًا ومضطربًا، وهذا تشبيه بديع. وقوله: فجاشت، أي: ارتفعت من فزع، وهذا ليس لكونه جبانًا، بل هذا بيان حال النفس، ونفس الجبان والشجاع سواء فيما يدهمها عند الوسية
[ ٣ / ٢٣٧ ]
الأولي، ثم يختلفان، فالجبان يركب نفرته، والشجاع يدفعها قيثبت.
قال أبو عبيدة: قال عبد الملك بن مراوان: وجدت فرسان العرب سنة نفر ثلاثة منهم جزعوا من الموت عند اللقاء ثم صبروا، وثلاثة لم يجزعوا، قاله عمرو: فجاشت إليّ النفس أول مرة .. البيت، وقال ابن الإطنابة:
وقولي كلَّها جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي
وقال عنترة:
إذ يتَّقون بي الأسنَّة لم أخم عنها ولكنّي تضايق مقدمي
فأخبر هؤلاء الثلاثة أنهم هابوا ثم أقدموا. وقال عامر بن الطفيل:
أقول لنفسٍ ما أريد بقاءها أقلّي المراح إَّنني غير مدبر
وقال قيس بن الخطيم: وزإني في الحرب الضَّروس موكَّل بإقدام نفس ما أريد بقاءها
وقال العباس بن مرادس:
أشدُّ علي الكتيبة لا أبالي أحتفي كان فيها أم سواها
[ ٣ / ٢٣٨ ]
فأخبر هؤلاء أنهم لم يجزعوا.
والفاء زائدة، وجاشت: جواب لما، أو هي عاطفة، والجواب محذوف، أي: طاعنت فجاشت، كذا قالوا، وهذا تعسف نشأ من أبي تمام، فإنه حذف بين الجواب اختصارًا كعادته، ولكن كان اللازم لشراحه مراجعة الأصل، والجواب هو قوله:
هتفت فجاءت من زبيد عصابه إذا طردت فاءت قريبًا فكرَّت
وقوله: علام تقول، على: متعلقة بتقول، وما: استفهامية، ولهذا حذف ألفها، والعاتق: ما بين المنكب والعنق، وهو موضع الرداء، وقد أورده المصنف في شرحه شاهدًا علي إعمال "تقول" عمل "تظن".
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": يروى برفع الرمح وبنصبه، فأما الرفع فعلى ظاهر الأمر، وأمّا النصب فعلى استعمال القول بمعنى الظن، وذلك مع استفهام المخاطب، وأمّا إذا وإذا في البيت؛ فكل واحدة منهما محتاجة إلي ناصب هو جوابها، وشرحه: أن إذا الأولى جوابها محذوف، كأنه قال: إذا أنا لم أطعن وجب طرحي الرمح عن عاتقي، فدله قوله: علام تقول الرمح .. الخ، على ما أراده، وإذا الأولى وما ناب عن جوابها في موضع جواب إذا الثانية، كأنه قال: إذا الخيل كرت وجب إلقائي الرمح مع تركي الطعن به، وقال التبريزي: إذا الأولي: ظرف ليثقل، والثانية: ظرف لأطعن، وهذا أسهل وأقرب من قول ابن جني، قال الجواليفي في شرح خطبه "أدب الكاتب"قال قوم: يقال: طعن بالرمح يطعن، بضم العين، طعنًا وطعن عليه في علم أو نسب أو ما أشبهه يطعن – بفتح العين – طعنانًا، وينشدون قول الشاعر:
وأبي ظاهر الشَّناءة إلاّ طعنانًا وقول مالا يقال
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وقال آخرون: يطعن ويطعن طعنًا وطعنانًا فيها [جميعًا] قال الكسائي: لم أسمع أحدًا من العرب يقول: يطعن بالرمح ولا في الحسب، إنما سمعت يطعن، وقال الفراء: سمعت أنا: يطعن بالفتح. انتهي.
وقوله: لحى الله: أصل اللحي نزع قشر العود، دعا عليهم بالهلاك، وذرَّت الشمس: طلعت، وشارق: الشمس، ووجوه منصوب عليالشتم، والهراش: المهارشة بالكلاب: وهو تجريش بعضها علي بعض وازبأرّت: انتفشت حتى ظهر أصول شعرها وتجمعت للوثب، وهذه الحالة أشنع أحوال الكلاب، وهذا تحقيق للمشبه وتصوير لقباحة منظره، شبه وجوههم بوجوه الكلاب في هذه الحالة.
وقوله: فلم تغن جرم .. الخ، أي: لم تقوم جرم نهدًا بل فرت منها، انهزمت، وصطلت نهد بنار الحرب، ومسَّت حاجتها إلي من ينصرها، وأضاف "نهدها" إلي ضمير جرم، لأن اعتمادهم كان عليها، واعتقادهم الاكتفاء بها. هذا كلامه، وهو ناشئ عن عدم الالتفات إلي منشأ الشعر، وإضافة نهد إلى ضمير جرم للملابسة، فإن جرمًا أعدت لمقاتلة نهد، كما أم زبيدًا أعدت لمقاتلة بني الحارث.
وقوله: ظللت كأني .. الخ، أي: بقيت نهاري منتصبًا في وجوه الأعداء، والطعن يأتي من جوانبي أذب عن جرم، والدرّية: هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، وأما الدريئة، بالهمز، فهي الدابة التي يستتر بها من الصيد، يقال: درأتها
[ ٣ / ٢٤٠ ]
نحو الصيد: إذا سقتها، من الدرء، وهو الدفع، وقوله: فلو أن قومي الخ، يقول: لو صبر قومي وطعنوا برماحهم أعداءهم لأمكنني مدحهم، ولكن فرارهم صيرني كالمشقوق اللسان، لأنني إن مدحتهم بما يفعلوا كذبت، وردّ عليَّ، يقال: أجررت لسان الفصيل: إذا شققت لسانه لئلا يرضع أمه. وترجمة عمرو ابن معدي كرب تقدّمت في الإنشاد الخامس بعد المائة.
وانشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٥) إنَّ الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يومًا علي من يتَّكل
علي أن ابن جني قال: الأصل: إن لم يجد من يتكل عليه، فحذف عليه، وزاد علي قبل الموصول عوضًا، قال أبو حيان في "شرح السهيل" بعدما نقله: ولا يتعين هذا التأويل لاحتمال أن يكون الكلام تم عند قوله: إن لم يجد ما يستعين به عمل بنفسه، ثم قال: علي من يتكل، ومن استفهامية، كأنه قال: علي أي شخص يتكل؟ أي: لا أحد يتكل عليه، فيحتاج أن يعتمل بنفسه لإصلاح حاله، فعلي متعلقة بـ "يتكل" انتهي. وهذا مذهب يونس، وكان المبرد ذهب إليه قديمًا، وذكره في كتاب "الردَّ علي سبيوية" ثم رجع عنه، وقال ناظر الجيش: ولا يخفي أن المعنى ليس على ما قاله، إنما المعنى على الأول، والمتأمل لا يخفى عليه ذلك، ثم يقال: هب أن هذا التأويل يتم له
[ ٣ / ٢٤١ ]
في البيتين، فيما يفعل في قول الآخر:
فهلاَّ التي عن بين جنبيك تدفع ؟
انتهي. وقال أبو علي في "المسائل العسكرية": مذهب الخليل وسيبوية وأبي عثمان في قول الراجز:
إن لم يجد يومًا على من يتَّكل
تقدير "عليه" في آخره، والمعنى عندهم: إن لم يجد يومًا على من يتكل عليه، وكان حذف هذا أحسن لجري ذكر حرف الجر، ألا ترى أنه يستجاز: بمن تمرر أمرر، فتحذف الجار من الفعل الثاني، ولو قلت: من تكرم أنزل، تريد: عليه، لم يسغ كما ساغ في الأول من حيث لم يجر ذكر الحرف كما جرىفي الأول، فأما "على" في قوله: إن لم يجد يومًا على، فزائدة في قولهم، والمعنى: إن لم يجد من يتكل عليه، تعدى الفعل بالحرف، كما تقول: ضربت لزيد، وفي التنزيل: (ردف لكم) [النمل/٧٢] و(إن كنتم للرؤيا تعبرون) [يوسف/٣] وقال تعالي: (ألم يعلم بأن الله يري) [العلق/١٤] و(يعلمون أنَّ الله هو الحقَّ المبين) [النور/٢٥] فوصل الفعل مرة بالحرف ومرة بلا حرف، فكذلك: هذا وجدته، ووجدت عليه بمعنى، فأما المحذوف من الصلة فيكون علي أنه حذف الجار والمجرور، وإن شئت قلت: حذف الجار واتصل الضمير، ثم حذف، وقول البغداديين في البيت: إن لم يجد يومًا، بمنزلة يعلم، كأنه قال: إن لم يعلم على من يتكل؟ فالكلام في تأويلهم استفهام، وموضع الجملة نصب، والجار في قولهم متصل بـ "يتكل"، وهو والمجرور في موضع نصب بـ "يجد"، وقول الرياشي في هذا كقول البغداديين، إلي هنا كلام أبي علي.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وقوله/ يعتمل: الجملة إنّ، وقوله: وأبيك: جملة قسمية حذفه جوابها، معترضة بين اسم إن وخبرها، يتكلف العمل، وهذا الرجز لم يعرف قائله، وهو من أبيات سيبوية الخمسين التي لم يعرف ناظمها، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٦) يا أيُّها المتحلّي غير شيمته إنَّ التخلُّق يأتي دونه الخلق
ولا يواتيك فيما ناب من حدثٍ إلاّ أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق
علي أن ابن جني يقول: الأصل: فانظر من تثق به: فصنع به كما تقدم، وقال غيره: لا يتعين هذا التخريج لاحتمال أن يكون الكلام تم عند قوله: فانظر، أي: فانظر لنفسك، ولما تقدم أنه لا يواتيه إلا أخو ثقة، استدرك علي نفسه فاستفهم علي سبيل الإنكار علي نفسه، حيث قرر وجود أخي ثقة فقال: بمن تثق؟ فالباء متعلقة بـ "تثق"، قال أبو حيان بعد ذكرهما، قال المصنف في الشرح: ويجوز عندي أن تعامل هذه المعاملة من واللام، وإلى وفي، قياسًا على عن وعلى والباء، فيقال: عرفت ممن عجبت، ولمن قلت، وإلى من أويت، وفيمن رغبت، والأصل: عرفت من عجبت منه، ومن قلت له، ومن أويت إليه، ومن رعيت فيه، فحذف ما بعد "من"، وزيد ما قبلها عوضًا. انتهي. وهذا الذي أجازه المصنف قياسًا لم يثبت الأصل الذي يقاس عليه، ألا ترى إلى ما ذكرناه من التأويل فيما استدل به، ولو كانت لا تحتمل التأويل لكانت من الشذوذ والندود والبعد من الأصول بحيث لا يقاس عليها، ولا يلتفت إليها، وما ذهب إليه المصنف من أن "عن وعلى" يكونان زائدتين ليس بصحيح، وقد نصَّ سيبوية على أن عن وعلى لا يزادان لا عوضًا ولا غير عوض، فأما قول الشاعر:
[ ٣ / ٢٤٣ ]
فأصبحن لا يسألنه عن بما به
فالذي ينبغي أن يحمل عليه البيت أن الباء زائدة للتوكيد، لأن الباء قد عهد زيادتها ولم يعهد عن، وقد نص ابن جني علي زيادة الباء فيه، كما زادوا اللام للتأكيد في قول الشاعر:
فلا والله لا يلفي لما بي ولا للما بهم أبدًا دواءً
إلى هنا كلام أبي حيان، والبيت الشاهد نسبة الآمدي في "المؤتلف والمختلف" إلى سالم بن كعب بن نهد بن سعد بن الحارث بن دودان بن أسد، شاعر فارس، وهو القائل في قصيدة:
ولا يواسيك فيما ناب من حدثٍ إلاّ أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق
انتهي. وكذا نسبة أبو زيد في "نوادره" إليه مع بين قبله وبين بعده، وهي:
يا أيُّها المتخلّي غير شيمته إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
ولا يواسيك فيما ناب من حدثٍ إلاّ أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق
لا منكر الحقِّ مظلومًا ولا كل في النائبات ولا هيَّابة فرق
أبو حاتم: "ولا يواتيك" قال: التخلق: مثل من يتسخي وليس السخاء
[ ٣ / ٢٤٤ ]
من شيمته، أو يتخلق بخلق من أخلاق لا تعرف به. انتهي. وأورد المبرد في أول "الكامل" البيتين الأولين عن أبي زيد برواية: "ولا يؤاتيك فيما ناب من حدث " قال: وأنشدونا عن أبي زيد، ثم قال: وأنشدتني أمّ الهيثم:
ومن يتَّخذ خيمًا سوى خيم نفسه يدعه ويغلبه علي النَّفي خيمها
وقال ذو الأصبع العدواني:
كلّ امرئٍ راجع يومًا لشيمته وإن تخلَّق أخلاقًا إلى حين
انتهي. وأورد ثعلب في الجزء السادس من "أماليه" أبياتًا منها غير معزوّة إلي أحد، وهي:
يا أيُّها المتحلّي غير شيمته ومن خليقته الإفراط والملق
عليك بالقصد فيما أنت قائه إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
ولا يواتيك فيما ناب من حدثٍ إلاّ أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق
ياجمل إن يبل سرباك الشَّباب فما يبقى جديد على الدُّنيا ولا خلق
وإنَّما النَّاس والدُّنيا على سفرٍ فناظر أجلًا منهم ومنطلق
[ ٣ / ٢٤٥ ]
انتهي. فالبيت الأول من رواية أبي زيد مركب من بيتين كما رأيت، وكذا رواه الجاحظ في كتاب "البيان" له، قال: قال ابن وابصة في مقام قام فيه مع ناس من الخطباء:
يا أيُّها المتحلّي غير شيمته ومن سجيتَّه الإكثار والملق
أعمد على القصد فيما أنت راكبه إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
صدَّت هنيدة لمّا جئت زائها عنّي بمطروفةٍ إنشانها غرق
وراعها الشَّيب في رأسي فقلت لها كذاك يصفرُّ بعد الخضرة الورق
بل موقف مثل حدِّ السَّيف قمت به أحمي الذَّمار وترميني به الحدق
فما زللت ولا ألفيت ذا خطارٍ إذا الرِّجال علي أمثالها زلقوا
انتهي. وقد اقتصر أبو تمام في "الحماسة" علي ثلاثة أبيات منها قال: سالم بن وابصة:
عليك بالقصد فيما أنت فاعله إنَّ التَّخلُّق البيت
وموقفٍ مثل حدِّ السَّيف البيت
فما زلقت ولا أبديت فاحشةً إذا الرَّجال على أمثالها زلقوا
وتبعه الأعلم في "حماستة" بهذا المقدار، وأورد أبو تمام في كتاب "مختار
[ ٣ / ٢٤٦ ]
أشعار قبائل العرب، البيت الأول من رواية أبي زيد مع بيت آخر، ونسبها إلي الحريش العنبري، وهما:
يا أيُّها المتخلّي غير شيمته إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
إنَّ ابتداعك ما لم تأته صلف ومن خليقتك الإخلاف والملق
ونسب ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" البيت الأول مركبًا مع بيتين مسبوقين ببيت إلى العرجي، وهو عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له: العرج، فنسب إليه وهو أشعر بني أمية، وهي:
سمَّيتني خلقًا لخلَّةٍ قدمت ولا جديد إذا لم يلبس الخلق
يا أيُّها المتحلّي غير شيمته ومن خلائقه الإقصار والملق
ارجع إلى خلقك المعرف ديدنه .. إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
انتهي، والله أعلم بحقيقة الحال.
وسالم بن وابصة من الطبقة الأولى من التابعين، كان شابًا في خلافة عمر، وكأن والي الرقة ثلاثين سنة، ومات في آخر أيام هشام بن عبد الملك.
وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٧) أبي الله إلاّ أنَّ سرحه مالكٍ علي كلَّ أفنان العضاه تروق
[ ٣ / ٢٤٧ ]
على أن ابن مالك قال في "شرح التسهيل": علي فيه زائد، لأن راق متعدية مثل أعجب، تقول: راقني حسن الجارية، وأعجبني عقلها، وفي الحديث: "من حلف علي يمي" والأصل: حلف يمينًا، قال النابغة:
حلفت يمينًا غير ذي مثنويّةٍ
انتهي. وزيّفة المصنف بأن راقه الشيء بمعنى أعجبه، لا معنى له هنا، لأن علي إذا كانت زائدة يكون مجرورها مفعول تروق، فيكون حاصل البيت: إن شجرة مالك العظيمة تعجب أغصان شجرة العضاه، وهذا لا معنى له، وإنما المراد تعلو علي سائر غصون الغطاه، قال الدماميني: قلت: وفي "الصحاح" أن حميدًا كنى بالسرحة عن امرأة، وإذا كان كذلك أمكن أن تكون أفنان الغضاه كناية عن نسوة أخر، فيصح إسناد الإعجاب إليهن، فيبقي تروق على معناه من غير تضمين، وعلى الجملة فالبيت محتمل ولا سبيل إلي الجزم بكونه دليلًا علي زيادة على فيه. انتهي.
وتزييف المصنف مأخوذ من كلام أبي حيان، قال في "شرح التسهيل": ولا دليل لابن مالك فيما استدل به، لأنه يحتمل التضمين، فضمن تروق معنى
[ ٣ / ٢٤٨ ]
تفضل وتشرف، وأيضًا فنسبة إعجابها كل أفنان العضاه لا يصح إلاّ بمجاز بعيد، لأن الأفنان لا تعجب، فلو قلت: أعجبت شجرتك هذا الشجر، لم يصح إلا بتكلف جعل الشجر منزلًا منزلة العاقل حتى يصير يعجب، وأما من "حلف علي يمين" فإن صحَّ أنه لفظ الرسول ﵊، فهو مضمن معني جسر بالحلف علي يمين. انتهي.
والجيد أن يؤول الحلف بالمحلوف عليه، وقال ناظر الجيش: ما ذكره الشيخ من التضمين لا يدفع ما قاله المصنف من الزيادة، غاية الأمر أن الذي ذكره توجيه آخر، وأما نص سيبوية على أن على لا تزاد، فيحمل على أن مراده أنها لا تزاد في الأشهر والأغلب، ولا يمنع ذلك من أنها قد يندر زيادتها، هذا كلامه، وتعسفه ظاهر، وابن مالك تابع لابن عصفور، فإنه حكم في كتاب "الضرائر" بزيادة على في هذا البيت ضرورة، أو تابع لابن السيد في توجيه كلام ابن قتيبة في "أدب الكاتب" فإنه حكم بزيادتها في البيت، قال في شرحه: ومعنى تروق: تعجب، وإنما جعل على في هذا البيت زائدة، لأن راق يروق لا تحتاج في تعدِّية إلي حرف جر، إنما يقال: راقني الشيء يروقني، فالمعنى: تروق كل أفنان، وقد يجوز أن يقدر في البيت محذوف، كأنه قال: أبي الله إلا أن أفنان سرحة مالك، وقد يكون قوله: علي كل أفنان العضاه، في موضع خبر أن، كما تقول: أبى الله إلا أن فضل زيد علي كل فضل، أي: ظاهر علي كل فضل، ويكون "تروق" خبرًا ثانيًا لـ "أنَّ" أو في موضع نصب على الحال، فالأفنان على هذا القول جمع فنن، وهو الغصن، وعلى القول
[ ٣ / ٢٤٩ ]
الذي حكاه ابن قتيبة، وهو قول يعقوب، ينبغي أن يكون جمع فنّ، وهو النوع، كأنه قال: تروق كل أنواع العضاه، وقد يمكن أن يقدر في صدر البيت من الحذف ما ذكرناه، فتكون الأفنان الأغصان، كما أنه لا يجوز في القول الثاني أن تكون الأفنان الأنواع، ولا تقدر محذوفًا.
والبيت لحميد بن ثور الهلالي، والسرحة: شجرة من العضاه تطول في السماء، وجمعها سرح، وظلها بارد في الحرّ يستظل بها من الحر، ولذلك قال الشاعر:
فيا سرحة الركبان ظلَّك بارد وماؤك عذب لو يباح لشارب
والسرحة في هذا البيت وبيت حميد كناية عن امرأة وكان عمر بن الخطاب ﵁ عهد إلى الشعراء أن لا يشبب رجل منهم بامرأة، وتوعدهم على ذلك، فكان الشعراء يكنون عن النساء بالشجر وغيرها، ولذلك قال حميد قبل هذا البيت:
سقى السَّرحة المحلال والأبرق الذي به الشَّري غيث دائم وبروق
وهل أنا إن علَّلت نفسي بسرحةٍ من السَّرح موجود عليَّ طريق
إلي هنا كلام ابن السيد. وروى الجواليقي في "شرح أدب الكاتب" البيت الأول: "سقى السرحة المحلال بالبهو التي" .. وقال: السرحة: شجرة من شجر العضاه، قال بعضهم: السرحة هنا بأرض بني هلال، وهي:
[ ٣ / ٢٥٠ ]
مبدئ من مبادئهم، ومنزل من منازلهم وليست بها سرحة أضخم منها، والمبدى: ما تباعد من الماء، وكنى بها عن امرأة، والعرب تكني بالسرحة عن المرأة، والمحلال: الذي يختار للنزول، والبهرة: أرض لينة سهلة واسعة، والشري: شجر الحنظل، ولا ينبت إلا بأطيب الارض، ويروى: "بها السرح، والدجن: إلباس الغيم السماء، ويقال: هو الغيم، ويقال: المطر، وقيل: ظلمة الليل وظلمة الغيم، وهو أحسن الأقوال، وقوله: سرحة مالك، يعني: امرأة مالك، والعضاه: كل شجر من شجر البر له شوك، وتروق: تفضل، [وإنما جعل أفنانها تفضل] أفنان العضاه، لأن العضاه لها شوك، والسرحة لا شوك لها، ولذلك سميت سرحة لسولتها، ولأن منبتها السهل، روي أن عمر بن الخطاب لما نهي الشعراء أن يشببوا بالنساء كنى عنها بالسرحة. انتهي.
وحميد بن ثور: صحابي من بني هلال بن عامر، وقال الأصفهاني في كتاب "الأغاني": حميد بن ثور عبد الله بن عامر بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر، وهو من شعراء الإسلام، وقرنه ابن سلام بنهشل بن حرَّي وأوس ابن مغراء، وقد أدرك الجاهلية أيضًا. وأخبرني وكيع قال: حدثني عبد الله ابن أبي سعد، وعبد الله بن شبيب قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحرامي قال: حدثنا محمد بن فضالة النحوي قال: تقدم عمر بن الخطاب إلي الشعراء أن لا ينسب رجل بامرأة إلا جلده، فقال حميد بن ثور، وكانت له صحبة، فذكر شعرًا فيه:
[ ٣ / ٢٥١ ]
أبى الله إلاّ أن سرحة مالك على كلِّ أفنان العضاه تروق
فقد ذهبت عرضًا وما فوق طولها من السَّرح إلاّ عشَّة وسحوق
العشّة: القليلة الأغصان والورق، والسحوق: الطويلة المفرطة.
فلا الظلَّ من برد الضُّحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشيِّ تذوق
فهل أنا إن عللت البيت، وهذه القصيدة طويلة أولها:
نأت أمُّ عمروٍ فالفؤاد مشوق يحنُّ إليها والهًا ويتوق
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٨) فو الله لا أنس قتيلًا رزئته بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
علي أنها تعفو الكلوم وإنَّما يوكَّل بالأدني وإن جلَّ ما يمضي
علي أن "على" في قوله: على أنها، للاستدراك والإضراب، هذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب؛ قال في "أماليه" علي أبيات "المفصلّ": "على" هذه تقع في شعر العرب وكلامهم كثيرًا، والمعنى فيها استدراك وإضراب
[ ٣ / ٢٥٢ ]
عن الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: لا يدخل فلان الجنة لسوء صنيعه، على أنه لا ييأس من رحمة الله؛ كان استدراكًا لما تقدم، وإضرابًا عن تحقيقه! وكذلك قوله في البيت الذي قبله:
فو الله لا أنسى قتيلًا رزئته البيت
ثم قال: علي أنها تعفو الكلوم .. لأن المعنى: على أن العادة نسيان المصائب إذا تطاولت، والجزع على ما كان من المصائب قريب العهد، وهذا إضراب واستدراك لما تقدم من قوله: لا أنسى. انتهي.
وقال شراح "الحمسة" منهم المرزوقي قال: قوله: على أنها تعفو الكلوم، يجري محرى الاعتذار والاستدراك على نفسه فيما أطلقه من قوله: لا أنسى قتيلًا رزنته، وتبعه التبريزي والطبرسي وغيرهما، ووقع في رواية أبي بكر القاري في "أشعار الهذليين"، وفي رواية المبرد في "الكامل" ورواية أبي علي القالي في "أماليه" ورواية ابن جني في "المحتسب": "بلى إنها تعفو الكلوم" وهذا يؤيد ما قاله ابن الحاجب، قال أبو عبيد البكري فيما كتبه علي "أمالي القالي": هذا رجوع من قوله الأول إلى ما هو أصح، وقال ابن جني فيما كتبه على سورة يس من "المحتسب": أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط فيه لفظه بقوله: بلي، رجوعًا إلى الحق عنده، وانتكاثًا عما كان عقد يمينه عليه. انتهي.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
والبيتان من أبيات لأبي خراش الهذلي أوردها السكري في "أشعار الهذليين" والمبرد في "الكامل" وأبو تمام في أول باب المرائي من "الحماسة" والأصبهاني في "الأغاني" والقالي في "أماليه" وهي:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشَّراهون من بعض
فو الله لا أنس قتيلًا رزئته البيتين
ولم أدر من ألقى عليه رداءه على أنَّه قد سلَّ من ماجدٍ محض
ولم يك مثلوج الفؤاد مبَّهجًا أضاع الشّباب في الرَّبيلة والخفض
ولكنَّه قد نازعته مجاوع على أنّه ذو مرَّةٍ صادق النَّهض
عروة: أخو أبي خراش، وخراش: ابن الشاعر، وهو أبو خراش، خويلد ابن مرة، قال صاحب "الأغاني": خرج زهير بن مرة أخو أبي خراش معتمرًا، حتى ورد ذات الأقبر من نعملن، فبينا هو يقي إلًا له، إذ ورد عليه قوم من ثمالة فقتلوه، فغزاهم أبو خراش، وقتل منهم أهل دارين، أي: حلتين من ثمالة، ثم إن عروة وخراشًا خرجا مغيرين على بطنين من ثمالة، يقال لهما: بنو رزام، وبنو بلاَّل – بتشديد اللام الأولي – فظفر بها الثماليون، فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما، وأبت بنو بلال إلا قتلهما، حتى كاد يكون بينهما شرً، فألقي رجل منهم ثوبه علي خراش حين شغل القوم بقتل عروة، ثم قال: انج، وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلي الرجل، وكانوا سلموه إليه، فقالوا:
[ ٣ / ٢٥٤ ]
أين خراش؟ فقال: أفلت مني فذهب، فسعى القوم في إثره فأعجزهم، فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه عروة، ويذكر خلاص ابنه خراش.
وقوله: حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا .. قال ابن جني في "إعراب الحماسة" إذ: بدل من بعد، والمعنى: أشكر الله بعد ما اتفق من قتل عروة على تخلص خراش، وقوله: وبعض الشر .. الخ، كأنه تصور قتلهما جميعًا لو اتفق، فرأى قتل أحدهما أهون، قال ابن جني: فإن قيل: ليس في الشرهيَّن، وأفعل هذا يستعمل في مشتركين في صفة زاد أحدهما على الآخر، فكيف يجوز هذا، ولاهيّن في الشر؟ ! وجوابه إن هذا كلام محمول على معناه دون لفظه، وذلك أنه إن كان هناك حال تهوّن الشر من صبر عليه أو احتساب أو طلب ذكر أو ثواب، فإنه أيضًا مراتب وليس بجار على سنن واحد.
وأجاب التبريزي: بأن للشر مراتب، فإذا جئت إلى آحادها، وقد تصورت جملها، ورتب الآحاد فيها، وجدت كل نوع منها بمضامّته للغير، له حال في الخفة والثقل، وإذا كان كذلك، فلا يمنع أن يوصف منه شيء بأنه أهون من غيره، وقوله: رزنته بالبناء للمفعول، أي: أصبت به.
قال المرزوقي: تعلق الباء من قوله: "بجانب" بـ "قتيلا"، كأنه قال: ما أنسى قتيلًا على الأرض بجانب قوسى رزنته، و[موضع] رزنته وبجانب جميعًا: صفة للقتيل، وقد دخله بعض الاختصاص بذكرهما. انتهي. وأراد بالتعلق التعلق المعنوي، وهو كونه صفة كما صرح به في آخر كلامه، وقد غفل عنه الدماميني فقال: الظاهر أنه لا يعني قتيلًا المذكور، لأن وصفه مانع من إعماله، وإنما
[ ٣ / ٢٥٥ ]
يعني قتيلًا محذوفًا، أي: رزنته حالة كونه قتيلًا بجانب قوسى، هذا كلامه، وقوسى: بفتح القاف والقصر، قال المبرد: هو بلد تحلُّه ثمالة بالسراة، وكذلك، ضبطه القالي في "المقصور والممدود" وقال: هو موضع ببلاد هذيل، وفيه قتل عروة، وأنشد البيت، وقال ياقوت في معجم البلدان": هو بفتح القاف وسكون الواو وسين مهملة، ثم ألف مقصورة تكتب ياء: بلد يالسراة، وقال أبو عبيد البكري في ما كتبه علي "أمالي القالي": إن قوسى رواه أبو على القالي بفتح القاف، وغيره يأبى إلا ضمهما، وقال أيضًا في "معجم ما استعجم": هو بفتح أوله وضمه معًا: موضع ببلاد هذيل، وفيه قتل عروة، وأخطأ في قوله: أخو أبي كبير، وقوله: ما مشيت: ما مصدرية ظرفيه.
وقوله: على أنها تعفو، قال شراح "الحماسة": الضمير للقصة، ولو قال: على أنه، لجاز وكان الضمير للشأن، وبه استشهد الرضي في "شرح الكافية" وتعفو: تبرأ وتذهب، من عفا المنزل يعفو عفوًا وعفوًّا وعفاء بالفتح والمدّ، بمعني درس وانمحي، والكلوم: الجراح والآثار التي تشبهها، قاله المبرد، وقال التبريزي: يعني بالكلم الحزة عند ابتداء الفجيعة، وقوله: يوكل، بالبناء للمفعول، يروى بالمثناة التحتية وبالنون، من وكلته بأمر كذا توكيلًا:
[ ٣ / ٢٥٦ ]
إذا فوضته إليه، أي: ألزمته به إلزامًا، والأدني: الأقرب، أي: الرزء الأقرب، قال القاري: يقول: إنما نحزن على الأقرب فالأقرب، ومن مضى نسيناه ولو عظم ما مضى، وقال البكري في شرح "أمالي القالي": قال الأصمعي: هذا بيت حكمة؛ وقد ألم بهذا البيت ابن دريد، [من قصيدة] أوردها القالي في "ذيل أمالية" – وهو:
بلى غير أنَّ القلب ينكؤه الأسي السملّم وإن جلَّ الجوي المتقدّم
وقوله: علي أنه قد سل "على" هنا أيضًا مثل "على أنها تعفو" ويأتي إعرابها، وروى السكري: سوى أنه، وهو استثناء منقطع.
والمعنى: لا أعرف اسمه ونسبه، لكنه ولد كريم بما ظهر من فعله، قال القاري: لما صرع خراش ألقي عليه رجل ثيابه فواراه، وشغلوا بقتل عروة، فنجا خراش، والرجل الذي ألقى عليه ثوبه من أزد شنوءة، فقال: لا أدري من ألقى عليه ثيابه، ولكنه سل عن ماجد محض، يعني: الرداء، والماجد المحض، أي: خالص النسب، هو الذي ألقى عليه ثوبه. انتهي. فالمسلول على هذا: هو الرداء، لا معطي الرداء، كما قاله التبريزي، وقال البكري فيما كتبه على "أمالي القالي": في هذا البيت ثلاثة أقوال، قال قوم: إن عروة لما قتل، ألقى عليه رداءه رجل من القوم فكفنه به، وقال آخرون: بل الذي ألقى عليه الرجل [رداءة] هو خراش، وذلك أن رجلًا: من ثمالة ألقى عليه
[ ٣ / ٢٥٧ ]
رداءه ليخفى عليهم، وقد شغل القوم بقتل عروة، فقال: اهرب، وعطف القوم عليه فلم يروه. وقيل: يل ألقي رجل علي خراش رداءه إجارة له، وكذلك كانوا يفعلون، وهذا مثل قول بعضهم يذكر رجلًا منَّ عليه: ولمَّا رأيت أنَّه متعبِّط دعوت بني بدرٍ وألحفته بردي
غير أبي خراش، وقال التبريزي: قد روي فيما حكي عن الأصمعي وأبي عبيدة أنهما قالا: لا نعرف من مدح من لا يعرفه غير أبي خراش، وقد سلك من شعراء الإسلام مسلكه أبو نواس في أبيات أولها:
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزَّقاق علي الثرى وأضغاث ريحان جني ويابس
ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم بشرقّي ساباط الديار البابس
ويأتي إن شاء الله شح هذه الأبيات في بحث الواو:
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وقوله: ولم يك مثاوج الفؤاد؛ يقال للرجل إذا لم يكن ذا رأي وحزم: ما أبرد فؤاده! أي: لم يكن بارد الفؤاد ضعيفة، والمبجّ، بفتح الموحدة المشددة بعدها جيم، هو المثقل الكثير اللحم، والربيلة، بفتح الراء وكسر الموحدة: النعمة والخصب، والبيت في معطي الرداء، وقيل: في عروة، لأنه كيف يمدح من لا يعرف بهذه الأوصاف! وقوله: ولكنه قد نازعته، أي: غيرته، والمجاوع: المجاوع: المخامص، وإنما أثرت فيه، لأنه إذا سافر آثر صحبه على نفسه بزاده ويجوع. وقوله: صادق النهض، يعني: النهوض للمكارم والعلى، لا يكذب فيما إذا نهض لها. وقد بسطنا شرح هذه الأبيات بأكثر من هذا في شرح الشاهد السادس بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
وأبو خراش الهذلي: أحد فرسان العرب وفتاكهم، أسلم وهو شيخ كبير، وحسن إسلامه، وذكره ابن حجر في "الإصابة" في قسم المخضرمين الذين لم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي صلي الله عليه وسلم، وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي ما يدل على أن إسلامه كان يوم حنين، ومات في خلافه عمر بن الخطاب ﵁.
وانشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٩) بكلَّ تداوينا فلم يشف ما بنا على أنَّ قرب الدار خير من البعد
على أنَّ قرب الدار ليس بنافعٍ إذا كان من تهواه ليس بذي ودَّ
[ ٣ / ٢٥٩ ]
قال ابن الحاجب بعد كلامه في البيت السابق: قوله: علي أن قرب الدار خير من البعد؛ كالإضراب عن الأول، لأن المعني: فلم يحصل لنا شفاء أصلًا، وإذا كان قرب الدار خيرًا في المعنى المراد، ففيه شفاء أو بعض شفاء، وكذلك قوله: على أن قرب الدار ليس بنافع؛ استدرك لعموم قوله: على أن قرب الدار خير من البعد. هذا معناها، وأما تعلقها علي الوجه الإعرابي فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يتعلق بالفعل المتقدم قبلها، كما تعلقت حاشا الاستثنائية بما قبلها، لكونها أوصلت معنى ما قبلها إلى ما بعدها علي وجه الإضراب والإخراج. وأظهر منه أن يقال إنها في موضع خبر محذوف المبتدأ، كأنه قيل: والتحقيق على أن الأمر كذا، فتعلقها بمحذوف كما يتعلق كل خبر جار ومجرور، لأن الجملة الأولي وقعت من غير تحقيق؛ ثم جئ بما هو التحقيق فيها، وحذف المبتدأ لوضوح المعنى. انتهي.
وقال المرزوقي في بيت أبي خراش: إن موضع "على أنها تعفو الكلوم" من الإعراب نصب على الحال، والعامل فيه لا أنسى، والمعنى: إني أذكره عافيًا كلمي كسائر الكلوم. انتهي. وكذا قال التبريزي وغيره من شراح "الحماسة". وقد اقتصر عليه المصنف في شرح أبيات ابن الناظم، وقال محمد العيزري في مختصر هذا الكتاب المسمي بـ "مدني الأريب من حاصل مغني البين"ك ومنها الاستدراك بإضراب، قال:
لن لم يسلموا في كلِّ أمري فللوا شين ظلمًا قد أطاعوا
على أنِّي سأنشد عند موتي أضاعوني وأيَّ فتيً أضاعوا
[ ٣ / ٢٦٠ ]
ومنه قولهم: الحجاج عمل بعمل يستوجب النار، على أنه لا ييأس من رحمة الله. قال: فو الله لا أنسى قتيلًا رزئته البيتين، يريد: تنسى الرزايا البعيدة ويعفو أثرها، ولا تنسى القريبة العهد، لصدمة النكاية، وقرب العهد يمنع النسيان. وقال:
فتىً فيه ما يسرُّ صديقه على أنَّ فيه ما يسوء الأعاديا
وقال: بكل تداوينا البيتين، وهذا من باب دخول الاستدراك على الاستدراك.
نكتة: "على" في قوله: على أن قرب الدار، منعلق بقوله: "بكل تداوينا فلم يشف ما بنا" وهي كتعلق على في قوله: "على أن فيه ما يسوء الأعاديا" بقوله: فتى تم فيه .. الخ، وسموه: إكمالًا، وإلا لو اكتفى بالشطر الأول لاحتمل سروره الصديق عن حلم وكرم، واحتمل عن عجز وذلة، فلما قال: على أن فيه ما يسوء الأعاديا؛ نفى الاحتمالين اللاحقين، وكذلك لو اكتفى بالاستدراك الأول لما تم مقصوده، فلذلك أدخل الاستدراك الثاني لبيان تمام مقصود، فأورد "على" على "على" فكأنه قال: لا يمكن مداوينا أن يشفينا إلا بقرب الدار، ولا يحصل الفاء بقربها إلا مع إبداء الود والمصافة. انتهي. ومن خطة نقلت، وكتب في آخره: تم على يد مؤلفه محمد العيزري في سلخ ذي الحجة الحرام، سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وهذه مسبة إلي العيزرية، وهي قوية بالجانب الشرقي من بيت المقدس، بها قبر سيدنا عازر نبي الله ﵇.
ولم يصب في إدخال "على" التي بمعنى "مع" في "على" التي للإضراب عما قبلها، ولقد أجاد ابن وحيي هنا قال: ولا تظن أن "على" هذه هي التي
[ ٣ / ٢٦١ ]
تسمي "على" العلاوة، بل هي "على" التي للتعويل علي ما أشار إليه الفاضل الشريف في "شرح الكشاف" حيث قال: وأشار، يعني صاحب "الكشاف" بكلمة "على" في قوله: على أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد، إلي أن الجواب الثاني إما علاوة وإما معوّل عليه. انتهي. ومن أراد الإطلاع على الحقيقة فليطالع الشرح المذكور. ويدل على ما قلنا تقرير ابن الحاجب ههنا، وأما "على" التي علاوة؛ فهي التي بمعنى مع في الحقيقة، كما في قوله تعالي: (وإنَّ ربَّك لذو مغفرةٍ للنّاس علي ظلمهم) [الرعد/٦] ومثاله قول القائل: ابني لم يؤد حق الأبوة، ولك يكرمني، على أني وهبت له دارًا، وأعطيته مالًا، فإن "على" فيه للتعويل، لأن الجملة الأولي وقعت على التحقيق، ولم ترد لإبطال ما قبلها، ونظيره قول الحريري في المقامة الرابعة والثلاثين:
ولم سمحت قرونك بامتهاني وأن أشرى كما يشري المتاع
على أني سأنشد عند بيعي أضاعوني وأيّ فتيً أضاعوا
حكاية عن لسان عبدٍ عرضه مولاه للبيع وهو يقول: لأي شيء انقادت نفسك لبيعي، مع حقوق كثيرة توجب عدم البيع، مع أني أنشد عند بيعي هذا الصراع، إلى هنا ابن وحي.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
والبيتان آخر أبيات لابن الدمينة أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهي:
ألا ياصبا نجدٍ متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدًا على وجد
أأن هتفت ورقاء في رونق الضُّحى على فنن غضِّ النَّبات من الرنَّد
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن جليدًا وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أنَّ المحبَّ إذا دنا يملُّ وأنَّ النّأي يسلي من الوجد
بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا البيتين
قوله: ألا ياصبا نجد؛ العشاق يخاطبون الريح والبرق إذا كانا من نحو أرض المحبوب، وقوله: أأن هتفت: بفتح الهمزة في تأويل مصدر مجرور بلام العلة لبكيت، والاستفهام للتقرير، وهتفت: صاحت، والورقاء: الحمامة البرية، والرند: شجر طيَّب من أشجار البادية، والوليد: الصبي الصغير، والجليد: الذي له جلادة وتحمل، يقول: أتبكي بكاء الصغير لأجل أن هتفت حمامة فهيَّحت أحزانك؛ ويمل، بفتحتين: مضارع مللته ومللت منه مللًا، من باب تعب: إذا سئمت منه وضجرت، ويشف: بالبناء للفاعل، ويجوز بالبناء للمفعول، وروي: "يشفي" بدل "يسلي"، قال المرزوقي: يقول: زعم الناس أن الاستكثار من زيادة المحبوب، والتداني منه، يكسب المحب ملالًا، وأن الاستقال من زيارته، والتنأئي
[ ٣ / ٢٦٣ ]
عن محله وداره ينتج له سلوًا، وقد تداوينا بكل واحد من ذلك فلم ينجع، إلا أنه على الأحوال كلها وجدت قرب الدار منه خيرًا من بعدها منه، لما توسوس به النفس في الوقت من طمع فيه، ولتطلع المجاورين له، وتجدد والحديث عنه، إلى كثير مما يعدم في البعاد، ثم رجع عنه فقال: على أن تقارب الدار لا يكاد ينفع إذا كان المحبوب لا ودّ له، ولا ميل معه. انتهي. وما أحسن قول أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إبراهيم بن الخصيب:
لا تجعلن بعد داري مخسَّسًا لنصيبي
فربَّ شخصٍ بعيدٍ إلى الفؤاد قريب
وربَّ شخصٍ قريبٍ إليه غير حبيبي
ما القرب والبعد إلاَّ ما كان بين القلوب
وروى صاحب "الأغاني" بسنده إلي حماد بن إسحاق قال: كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئًا يستحسنه أطرفني به، وأفعل مثل ذلك، فجاءني يومًا فوقف بين الناس، وأنشد لابن الدمينة:
ألا ياصبا نجدٍ متى هجت من نجد الأبيات المذكور
ثم ترنج ساعة وقال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا؟ ! فقلت: لا، ارفق بنفسك. انتهي.
ورأيت البيتين الأخيرين قبل البيت في قصيدة عدتها تسعة عشر بيتًا ليزيد بن الطَّثرية، أوردها أبو علي القالي في "ذيل أماليه" قال: وأنشدنا
[ ٣ / ٢٦٤ ]
أحمد بن يحيي ليزيد بن الطثرية، وفي هذه القصيدة بيتان ذكر الرباشي أنهما لجميل في قصيدته التي أولها:
ألا ياصبا نجدٍ متي هجتٍ من نجد :
ألا هل من البين المفرِّق من بدِّ وهل لليال قد تسلَّفن من ردَّ
وهل مثل أيّامي بنعف سويقةٍ رواجع أيامٍ كما كنَّ بالسَّعد
وساق القصيدة بتمامها، وفي وسطها البيتان اللذان أشار إليهما، وهما: وقد زعموا أن المحب إذ دنا البيت .. بكل تداوينا فلم يشف ما بنا .. البيت.
وقوله: إنهما من قصيدة لجميل خلاف المشهور، والثابت في الروايات التي وقفنا عليها أنهما من قصيدة لابن الدمينة، وهو شاعر إسلامي له غزل رقيق، كان الناس في الصدر الأول يغنون بشعره ويستحلونه.
قال صاحب "الأغاني": الدمينة أمه: استهوبها، وهي بنت حذيفة السلولية، وابن الدمينة عبيد الله بن عبد الله، أحد بني عامر بن تيم الله، ويتصل نسبة إلي خثعم بن أنمار بن أراش، ويكنى ابن الدمينة: أبا السري، وكان بلغه أن رجلًا من أخواله من سلول يأتي امرأته، فرصده حتى أتاها فقتله ثم قتلها، ثم اغتاله سلول بعد ذلك فقتله، وقد أورد صاحب "الأغاني" هذه الحكاية مفصلة في ترجمته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد المائتين:
غدت من عليه بعد ما تَّم ظمؤها
[ ٣ / ٢٦٥ ]
تمامه:
تصلُّ وعن قيضٍ ببيداء مجهل
على أن "على" فيه اسم بمعنى فوق، لدخول الجر عليها، وذكر سيبوية معناها حقيقة ومجازًا، ثم قال: فقد يتسع هذا في الكلام ويجئ كالمثل، وهو اسم، ولا يكون إلا ظرفًا، ويدلك على أنه اسم قول بعض تاعرب: نهض من عليه، وقال الشاعر: غدت من عليه .. البيت، قال الأعلم: الشاهد دخول من على "على" لأنها اسم في تأويل فوق، كأنه قال: غدت من فوقه، وقال الخفاف في "شرح الجمل": وقال أبو عبيدة: المعنى: غدت من عندهـ لأنها بعد خروج الفرخ من البيضة انتقلت الفوقية إلى العندية، فصارت عنده لا عليه، قال الأستاذ ابن خروف: بل الفوقية ثابتة ما دام صفة الفرخ، وإن لم يكن، والفوقية بجناحها. انتهي. وصريح كلام سيبوية أن اسميتها بدخول من عليها مختص بالشعر، وهو ظاهر كلام غيره أيضًا، وزعم ابن عصفور في كتاب "الضرائر" أن "على" في هذا البيت وفي أبيات أخر أنشدها، استعملت اسمًا للضرورة إجراء لها مجرى ما هي في معناه وهو فوق، ومذهب سيبوية يرد قولين؛ أحدهما للفراء ومن تبعه من الكوفين، وهو أن: عن وعلي إذا دخل عليهما "من" باقيان على حرفيتهما لم ينتقلا إلى الاسمية، وزعموا أن من تدخل على حروف الجر كلها سوى مذ واللام والباء وفي. وثانيهما لجماعة من البصريين، وهم ابن الطراوة وابن طاهر وابن خروف وأبو علي الرندي، والأستاذ أبو على في
[ ٣ / ٢٦٦ ]
أحد قوليه، زعموا أن "على" اسم دائمًا، ولا تكون حرفًا، قال أبو حيان: ومن قال باسميتها دائمًا يقول: إنها معربة، ومن جوَّز أنها تنتقل إلى الاسمية اختلفوا، فقال بعض أشياخنا: هي معربة إذ ذاك، وقال أبو القاسم بن القاسم: هي مبنية، وألفها كألف هذا، فهي كعن وكاف التشبيه ومذ ومنذ إذا كنُّ أسماء. انتهى. وإلى هذا ذهب صاحب "الكشاف" وتبعه الرضي، قال: فإن قلت: فلم جاز في حاشا لله أن لا ينون بعد إجرائه مجرى براءة لله؟ قلت مراعاة لأصله الذي هو الحرفية؛ ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، تركوا عن غير معرب على أصله، وعلى في قوله: غدت من عليه. انتهى.
والبيت من قصيدة لمزاحم العقيلي عدتها أربعة وثمانون بيتًا مذكورة في "منتهى الطلب من أشعار العرب" وقبله:
قطعت بشوشاةٍ كأنّ قتودها على خاضب يعلو الأماعز مجفل
أذلك أم كدلايَّة ظلَّ فرخها لقى بشر ورى كاليتيم المعيَّل
غدت من عليه بعد ما تمَّ ظمؤها البيت.
غدوّا طوى يومين عند انطلاقها كميلين من سير القطا غير مؤتل
الشوشاة، بفتح الشين المعجمة: الناقة الخفيفة، والقتود بضم القاف والمثناة الفوقية: جمع قتد، بفتحتين، وهو خشب الرحل، والخاضب، بمعجمتين، هو ذكر النعام الذي الربيع فاحمرّ ساقاه، والأماعز: جمع أمعز، بالعين المهملة والزاي، وهي الأرض الكثيرة الحصباء، ومجفل: اسم فاعل من أجفل بمعنى نفر. وقوله: أذلك أم كدرية؟ الإشارة إلى الخاضب، والكدرية بالضم:
[ ٣ / ٢٦٧ ]
القطاة الغبراء اللون، وذلك: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أتلك الشوشاة ذلك الخاضب أم كدرية؟ شبه ناقته في الخفة والسرعة بأحدهما على طريق تجاهل العارف. وجملة: ظل فرخها لقى .. الخ: صفة لكدرية، واللقى، بفتح اللام والقاف: الملقى والمطروح، وشرورى: جبل بين مكة والكوفة، والمعيَّل، بصيغة اسم المفعول: الفقير، وقيل: المهمل، شبه فرخها في إنفراده وسوء حاله باليتيم، قال اأصمعي: إنما قال: لقى بشرورى، لأن القضاة لا تبيض إلا بالأرض في مفاحص ونقر، ولا تعشش في الشجر. وقوله: غدت من عليه الخ، قال أبو حاتم للأصمعي: كيف قال: غدت، والقطاة إنما تذهب إلى الماء ليلًا؟ فقال: لم يرد الغدو، وإنما هذا مثل للتعجيل، والعرب تقول: بكر إلى العشية ولا بكور هناك. وفاعل غدت ضمير الكدرية، يريد أنها أقامت مع فرخها حتى احتاجت إلى ورود الماء، وعطشت فذهبت تطلب الماء عند تمام ظمئها، والظمء بالكسر مهموز الآخر: مدة صبرها عن الماء، وأراد بذكر الفرخ سرعة طيرانها لتعود إليه مسرعة، لأنها كانت تحضنه. وقوله: تصلّ، أي: تصوت؛ جملة حالية، وإنما يصوت حشاها من يبس العطش، فنقل الفعل إليها، وقيل: تصوت في طيرانها، وهو اسمية عن، وإن كان معطوفًا على "من عليه" فعن حرف، والقيض، بفتح القاف: قشر البيضة الأعلى، وإنما أراد قشر البيضة التي خرج منها فرخها، وقوله: ببيداء، البيداء: المفازة، وروي، بزيزاء، بزاءين معجمتين بكسر الأولى وفتحها، وهو: ما غلظ من الأرض التي لا شجر فيها، ومجهل بفتح الميم والهاء: أرض لا يهتدى فيها، ومؤتل: مقصر. ومن هنا إلى آخر القصيدة خمسة وعشرون بيتًا كلها في وصف القطا، وقد شرحنا هذه الأبيات
[ ٣ / ٢٦٨ ]
بأبسط مما هنا في الشاهد الثامن والعشرين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
ومزاحم العقيلي: شاعر إسلامي من بني عقيل بن كعب بن ربيعة عامر بن صعصة، قال صاحب "الأغاني": هو مزاحم بن الحارث، وقيل: مزاحم بن الحارث، وقيل: مزاحم بن عمرو بن مرة بن الحارث، وهذا القول أقرب عندي إلى الصواب، وهو شاعر بدوي فصيح إسلامي، كان في زمن جرير والفرزدق، روي أن الفرزدق دخل على عبد الملك أو بعض نبيه، فقال له: أتعرف أحدًا أشعر منك؟ قال: لا، إلا أنت غلامًا من بني عقيل يركب أعجاز الإبل، وينعت الفلوات فيجيد، ثم جاءه جرير فسأله مثل ما سأل الفرزدق، فأجابه بجوابه، فلم يلبث أن جاءه ذو الرمة، فقال له: أنت أشعر الناس، قال: لا، ولكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم، يسكن الروضات، يقول وحشيًا من الشعر، لا يقدر على قول مثله، فقال أنشدني بعض ما تحفظ من ذلك، فأنشده:
خليليَّ عوجا بي على الدار نسأل متى عهدها بالظّاعن المتحمِّل
فعجت وعاجوا بين بيداء موَّرت بها الرِّيح جولان التراب المنخَّل
حتى أتى على آخرها، ثم قال: ما أعرف أحدًا يقول قولًا يواصل هذا. انتهى. وهذان البيتان أول القصيدة التي منها الأبيات التي شرحناها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣١) هوِّن عليك فإنَّ الأمور بكفِّ الإله مقاديرها
على أن مجرور "على" وفاعل متعلقها الذي هو هون، ضميرا مخاطب واحد.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
قال أبو حيان: استدل الأخفش على اسمية على بقول العرب: سويت علي ثيابي، ووجه الدلالة أنه قد تقرر أن فعل المضمر لا يتعدى إلى مضمره المتصل لا بنفسه ولا بواسطة، فلا تقول: زيد ضربه، تريد: ضرب نفسه، ولا: فرحت بي، تريد: فرحت بنفسي، وفي: سويت علي، قد تعدى إلى ضميره المتصل، فوجب أن يعتقد في "على: أنها اسم، لأنه يجوز: سويت فوقي ثوبي، قال بعض أصحابنا: وكذلك ينبغي أن يجعل "على" اسمًا في قول الشاعر: هون عليك .. البيت، للعلة التي ذكرها الأخفش، وكذلك في قوله: دع عنك نهبًا .. البيت، وهذا الذي ذهب إليه الأخفش وبعض أصحابنا لا يطرد، بل هو مراد غالب، لكنه قد جاء ذلك التعدي، قال تعالى: ﴿وهزِّي إليك﴾ [مريم/ ٢٥] وقال تعالى: ﴿واضمم إليك﴾ [القصص/ ٣٢] ولم يذهب أحد إلى أن "إلى" اسم/ فكذلك "على" فيما ذكر، لكن تلك التعدية قليلة. انتهى. وبعد هذا البيت:
فليس بآتيك منهيُّا ولا قاصرٌ عنك مأمورها
قوله: هون عليك، أي: لا تتعب نفسك في طلب شيء، وعلل ذلك بقوله: فإن الأمور .. الخ، وقوله: بكف الإله؛ قال الدماميني: أراد بكف الله: يده، والمراد بها القدرة؛ ولا أعرف أنه ورد.
وأقول: قوله: والمراد بها القدرة؛ هذا على مذهب أهل التأويل، قال البيضاوي في "طوالع الأنوار": الأولى اتباع السلف فى ترك التأويل والرد إلى الله. وقوله: ولا أعرف أنه ورد، قد ورد في "الصحيحين" وغيرهما في فضل الصدقة في حديث أبي هريرة: "وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن" وفي حديث آخر: "إنما يضعها في كف الرحمن" أخرجه مالك في "الموطأ"
[ ٣ / ٢٧٠ ]
وذكراه بن الأثير في "النهاية" وقال: هو كناية عن محل القبول والإثابة، وإلا فلا كف لله ولا جارحة، تعالى الله عن ذلك، وقد تكرر ذكر الكف والحفنة واليد في الحديث، ولكنها تمثيل من غير تشبيه. انتهى. وقال السيوطي هنا: رأيت في كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي ما نصه: وأما قوله: في كف الرحمن؛ فمعناه عند أهل النظر: في ملكه وسلطانه، ومنه قول عمر بن الخطاب، إن صح، فيما أخبرنا أبو النضر بن قتادة، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الضبعي، حدثنا الحسن بن زياد، حدثنا إسماعيل بن أبي أوبس، حدثني محمد بن عتبة الخرَّاز عن حماد بن عمرو الأسدي عن حماد بن فليح عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب كثيرًا ما يخطب، كان يقول على المنبر:
خفِّض عليك فإنَّ الأمور بكفِّ الإله مقاديرها
فليس يآتيك منهيُّها ولا قاصر عنك مأمورها
أي: في ملك الإله انتهى.
ويؤخذ من هذا أن الأعور الشني تابعي مسن أو مخضرم، والبيتان رأيتهما في ديوان أمير المؤمنين علي بن أبي طلب، ﵁، وشرهما حسين الميبدي في جملة ما شرحه من ديوانه، وقد أنشده سيبويه في "كتابه وكذا أنشدهما له صاحب "الحماسة البصرية" قال ابن
[ ٣ / ٢٧١ ]
قتيبة في كتاب "الشعراء": الأعور الشني هو بشر بن منقذ من عبد القيس، وكان شاعرًا محسنًا، وله ابنان شاعران يقال لهما: جهم وجهيم، وكان المنذر بن الجاورد [العيدي] ولي "اصطخر" لعلي بن أبي طالب، فاقتطع عنها مائة ألف درهم، فحبسه علي بها، فتضمنها صعصعة بن صرحان العبدي، فقال الأعور:
ألا سألت بني الجارود أيُّ فتًى عند الشَّفاعة والباب ابن صوحانا
هل كان إلّا كأمٍّ أرضعت ولدا عقَّت فلمتجز بالإحسان إحسانا
لا تأمننَّ امرءا خان أمرءًا أبدًا إنَّ من الناس ذا وجهيم خوَّانا
وهو القائل:
لقد علمت غميرة أنًّ جاري إذا ضنَّ المثمِّر من عيالي
وأنِّي لا أضنُّ على ابن ابن عمِّي بنصري في الخطوب ولا نوالي
ولست بقائلٍ قولًا لأحظى بأمرٍ لا يصدِّقه فعالي
وما التَّقصير قد علمت معدٌّ وأسباب الدَّنيَّة من خلالي
وأكرم ما تكون عليَّ نفسي إذا ما قلَّ في اللَّزبات مالي
فتحسن صورتي وأصون عرضي وتجمل عند أهل الذِّكر حالي
وإن نلت الغنى لم أغل فيه ولم أخصص بجفوتي الموالي
وقد أصبحت لا أحتاج فيما بلوت من الأمور إلى سؤال
وذلك أنَّني أدَّبت نفسي وما حلت الرِّجال ذوي المحال
إذا ما المرء قصَّر ثمَّ مرَّت عليه الأربعون عن الرِّجال
ولم يلحق بصالحهم فدعه فليس بلاحقٍ أخرى اللَّيالي
[ ٣ / ٢٧٢ ]
هذا ما أورده ابن قتيبه. وقد استشهد سيبويه بالبيت الثاني في أوائل "كتابه" قال: وتقول: ما أبو زينب ذاهبًا، ولا مقيمةٌ أمها، ترفع، لأنك لو قلت: ما أبو زينب مقيمةٌ أمها؛ لم يجز، لأنها ليست من سببه، ومن ذلك قول العور الشني: وأنشد البيتين. قال ابن خلف قوله: ولا قاصر عنك مأمورها؛ ليس من سبب منهيها، كما أن أمها ليست من سبب أبي زينب، وفيه الشاهد: ومنهيها: مضاف إلى ضمير الأمور، ومأمورها: مضاف إلى ضمير الأمور، ومنهيها: رفع لأنه اسم ليس، وبآتيك: خبر ليس، وفي قوله: قاصر عنك مأمورها، وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ترفع مأمورها بالابتداء، وقاصر مرفوع لأنه الخبر، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة، والجود رفع قاصر بالابتداء ومأمورها فاعله سد مسد الخير.
والوجه اثاني: أن تنصب قاصرًا، وتعطف مأمورها علىسم ليس، وقاصرًا على موضع بآتيك. فهذا عطف اسمين على اسمين، والعامل واحد، وهو: ليس، وتقديم الخبر في ليس شائع.
والوجه الثالث: جر قاصر، فبعض الناس يجيزه وبعضهم يأباه، ومن يجيزه طائفتان، إحداهما تزعم أن العطف على معمولي عاملين جائز، مثل: زيد في الدار، والقصر عمروٌ، فتعطف عمرو على زيد، والقصر على الدار، وطائفة لا تجيزه، وتجعله من نحو قولنا: ليس أمة عبد الله بذاهبة ولا قائم أخوها، تعطف قائم على ذاهبة، وتكون قد أخبرت عن أمة عبد الله بأنها ذاهبة، وبأنها قائم أخوها، فتكون قد عطفت خبرًا على خبر، وأخوها رفع بقائم، وإلى هذا الوجه ذهب سيبويه في جر "ولا قاصر"، فقيل لمن أجاز هذا الوجه: إن اسم ليس
[ ٣ / ٢٧٣ ]
"منهيُّها" والخبر "بآتيك" فإن جر "قاصر" بالعطف على آتيك لم يجز، لأن التقدير: فليس بآتيك منهي الأمور، ولا قاصر عنك مأمور الأمور، ولا يجوز أن تقول: فليس منهي الأمور بقاصر عنك مأمورها، لأن المأمور مضاف إلى ضمير الأمور، وليس بمضاف إلى ضمير المنهي، ولا يجوز أن يخبر عن الشيء بما ليس من فعله ولا فعل سببه، فكيف يجوز أن يجعل قاصرًا خبرًا عن المنهي، وليس قاصر هو فعل المنهي، ولا هو فعل لسببه، إنما هو فعل المأمور الذي هو مضاف إلى ضمير الأمور؟ وذكر سيبويه قبل إنشاده مسألة فقال: وتقول: ما أبو زينب ذاهبًا، ولا مقيمةٌ أمها، برفع مقيمة، ولا يجوز أن تنصب قيمة، وتعطفه على خبرها وتجعله خيرًا عن الأب، لأن الأم مضافة إلى ضمير زينب، وليس أمها من سبب الأم، ثم أتى بالبيت، وهو في الظاهر نظير المسألة، لأن مأمورها ليس بمضاف إلى ضمير المنهي، إنما هو مضاف إلى ضمير الاسم الذي أضيف إليه المنهي، فهو بمنزلة إضافة الأم إلى زينب، منهيها ولا قاصر عنك مأموره؛ لساغ من طريق اللفظ، والمعنى يبطله، ولكن الشعر يرده، والمعنى: أن منهي الأمور هي التي قد أراد الله، ﷿، أن لا تكون أيدًا، ولا يمكن أحدًا أن ينالها، وجعلها منهية لأنها في تقدير ما قد نهى عن فعله، ومنع من إيقاعه، ومأمورها: ما قال الله تعالى له: كن؛ فكان.
يقول: هون عليك الأمور، ولا تحزن لشيء يفوتك من الدنيا، فما أراد الله أن يرزقك إياه، فما لحزنك وجه. وقاصر عنك: مقصر أن يبلغك وياتيك.
والوجه الثاني من وجهي الجر، وهو وجه أجازه سيبويه في هذا البيت على ضرب من التأويل، وجعل اللفظ كاللفظ بالأمور، وكأنه حين قال:
[ ٣ / ٢٧٤ ]
ليس يأتيك منهيها/ قد قال: ليس بآتيتك الأمور، وحينئذ جاز أن يقول: ولا قاصر عنك مأمورها، ويكون المأمور مضافًا إلى ضمير الأمور، وعند سيبويه وغيره: أن المضاف إلى الشيء إذا كان بعضًا له، جاز أن يجعل الخبر عن بعضه على لفظ الخبر عن جميعه، فمن ذلك قولهم: قد ذهبت أصابعه، ومثل هذا فعل سيبويه في البيت، كأنه لما كان يريد المنهي، ولو قال: وليست بآتيتك الأمور وهو يريد المنهي، لجاز. إلى هنا كلام ابن خلف. والله أعلم.
وأنشد بعده وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٢) وما أصاحب من قومٍ فأذكرهم إلّا يزيدهم حبًّا إليًّ هو
على أن ابن مالك قال: أصله يزيدون أنفسهم، فحذف أنفس فصار: يزيدونهم حبًا إليَّ هم، فـ"هم" الأخيرة: فاعل، وهم الأولى في الأصل: مضافًا إليه، أو "أنفس" المحذوف هو المفعول المضاف، و"هم" في المواضع الثلاثة: ضمير قوم الشاعر، ولا يجوز أن يكون هم في يزيدهم مفعولًا، وهم الأخيرة فاعلًا.
قال ابن مالك في "شرح التسهيل": وظن بعضهم أن هذا جائز في غير الشعر، لأن قائله لو قال: يزيدونهم، لصح، فيجعل المتصل هو الواو فاعلًا، والمنفصل توكيدًا، وهذا وهم، لأن ذلك جمع بين ضميرين متصلين لمسمى واحد، أحدهما فاعل والآخر مفعول، وذلك لا يكون في غير فعل قلبي. انتهى.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
قال أبو حيان: الذي ظنه هذا الظان صحيح، وما رد به المصنف فاسد، لأنه اعتقد أن الفاعل بيزيد هو المفعول به، وليس كذلك، بل الفاعل بيزيد عائد على قوم، "وهم" المتصل بيزيد عائد على من سبق ذكره في الشعر من الذين فارقهم، فاختلف مدلولا الفاعل والمفعول. انتهى. وهذا هو الحق لا شبهة فيه، وإليه أشار ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قال: ومنه وضع ضمير الرفع المنفصل بدل ضمير الرفع المتصل، نحو قول المرّار بن منقذ:
لم آت بعدهم حيًّا فأخبرهم إلّا يزيدهم حبًّا إليَّ هم
يريد: إلا يزيدونهم حبًا إلي، فوضع الضمير المنفصل، وهو: هم، موضع الضمير المتصل، وهو: الواو، للضرورة، وقول طرفة:
أصرمت حبل الحي أم صرموا يا صاح بل صرم الحبال هم
يريد: بل صرموا الحبال، فوضع أيضًا الضمير المنفصل موضع الضمير المتصل لما اضطر إلى ذلك. انتهى.
وقول المصنف: فغن مراده أنه ما بصاحب قومًا .. الخ، أراد به معنى البيت وإيضاح المراد منه، كصنيعه في شرح أبيات الناظم قال: معنى البيت أنه ما يصاحب من بعد قومه قومًا، فيذكر قومه، إلا يزيد أولئك القوم قومه حبًا إليه، إمًا لما يرى من تقاصرهم عن قومه، أو لما يسمع منهم من الثناء عليهم، والذكر على الأول بالقلب، وعلى الثاني باللسان، ويشهد للأول أنه يروى: "فأخبرهم".
[ ٣ / ٢٧٦ ]
ويجوز في: فأذكرهم، و: فأخبرهم، الرفع عطفًا على أصحاب، والنصب في جواب النفي، لأن انتقاض النفي إنما هو بالنسبة إلى المعمول، ونظيره: ما تأتينا فتحدثنا إلا في الدار. انتهى. وبما ذكرنا تدفع مناقشة الدماميني بأنه قدر في البيت ما لا دليل عليه، لأنه قدر "لهم" بعد فأذكرهم، وقدر "ثناءهم" على قومه، ليكون ذلك سببًا لزيادتهم إياه حبًا في قومه، وهو في غنية عن ذلك، إذ يجوز أن يكون المراد أنه إذا صاحب قومًا فذكر قومه، أي: تذكرهم، زاد هؤلاء القوم المصاحبون قومه حبًا إليه، لما يشاهده من انحطاط مرتبة هؤلاء عن مرتبة قومه، ففيه إشارة إلى فضل قومه على كل من يصاحبه من الأقوام. انتهى.
فإن قصد
إيضاح المعنى لا بيان المقدر فيه.
قال المصنف: وزعم أبو حيان أن ابن مالك حرف صدر عذا البيت، وأن صوابه:
لم ألق بعدهم حيًّا فأخبرهم
ولا مستند له في ذلك، إلا أنه وجده في "حماسة أبي تمام" هكذا، والذي أورده ابن مالك هو رواية ابن قتيبة في "طبقات الشعراء" ورواه المبرد أيضًا كذلك. انتهى. والحي: القبيلة، وخبرت الشيء أخبره، من باب قتل؛ بمعنى علمته، والاسم: الخبر، بالضم.
والبيت من قصيدة طويلة للمرَّار بن منقذ العدوي، تقدم شرح أبيات منها مع ترجمته في الإنشاد الثاني والخمسين، وهذه أبيات من أولها إلى الشاهد:
[ ٣ / ٢٧٧ ]
لا حبَّذا أنت يا صنعاء من بلدٍ ولا شعوب هوًى مني ولا نقم
ولن أحبَّ بلادًا قد رأيت بها عنسًا ولا بلدًا حلَّت به قدم
إذا سقى الله أرضًا صوب غاديةٍ فلا سقاهنَّ إلّا النّار تضطرم
وحبَّذا حين تمسي الرِّيح باردًة وادي أشيٍّ وفتيانٌ به هضم
الحاملون إذا ماجرَّ غيرهم على العشيرة والكافون ما جرموا
والمطعمون إذا هبَّت شاميًة وباكر الحيَّ من صرَّادها صرم
وشتوةٍ فلَّلوا أنياب لزبتها عنهم إذا كحلت أنيابها الأزم
حتّى انجلى حدُّها عنهم وجارهم بنجوةٍ من حذار الشَّرِّ معتصم
هم البحور عطاءً حين تسألهم وفي اللِّقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها فوارس الخيل لا ميلٌ ولا قزم
لم ألق بعدهم حيَّا فأخبرهم إلّا يزيدهم خبًّا إليَّ هم
كم فيهم من فتًى حلٍو شمائله جمِّ الرَّماد إذا ما أخمد البرم
قال التبريزي: صنعاء مدينة اليمن، وشعوب، بفتح الشين، ونقم، بضم النون والقاف: موضعان باليمن، وعنس بفتح العين، وسكون النون، وقدم، بضم القاف وفتح الدال: حيتان باليمن، وأشيّ: بضم الألف وفتح الشين المعجمة، وتشديد الياء؛ قال أبو عبيد البكري: هو
[ ٣ / ٢٧٨ ]
واد أو جبل في بلاد [بني] العدوية من بني تميم، وقال عمر بن شبة: بلد قريب من اليمانة، وأنشد هذا البيت، وهضم، بضمتين: جمع هضوم، وهو الذي ينفق في الشتاء، أي: حبذا هم في برد الشتاء إذا اشتد الزمان، لأنهم يطعمون فيه، والحاملون: من الحمالة، بالفتح، وهو الدية التي يحملها قوم عن قوم، وجرَّ: من الجريرة، وهي الجناية، وجرم فلان: أذنب كأجرم والاسم: الجرم بالضم، قال التبريزي: وشآمية انتصب على الحال. أقول: يريد أن فاعل هبت الريح المفهومة من المقام، ويجوز رفع شآمية على الفاعل، أي: إذا هبت ريح شآمية، وهي المنسوبة إلى الشام. والصرد: جمع صارد، من صرد، كفرح: وجد البرد سريعًا، والضمير للريح. وصرم، بكسر ففتح: جمع صرمة، وهو القطع، وأصله في أقطاع الإبل، وشتوة: أي: رب شتوة، وفلّلوا: كسروا، ةاللزبة، بفتح اللام وسكون الزاي بعدها موحدة: السنة المجدبة، وجعل الأنياب مثلًا لشدائدها. والكلوح: بدوّ الأسنان عند العبوس، والأزم، بضم الألف والزاي: جمع أزوم، من أزم يأزم أزمًا؛ إذا عض بالفم كله عضًا شديدًا، وأزم العام: اشتد قحطه، والنجوة: المكان المرتفع لا يبلغه السيل، صربه مثلًا للملجأ الذي التجؤوا إليه في فنائهم حذارًا من الشر، وعطاء: تمييز أو مفعول له، واللقاء: ملاقاة الأقران في الحرب، وبهم: بضم ففتح جمع بهمة، بضم فسكون، وهو: الشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه. والكاثبة: أعلى الظهر من الدابة، وميل: جمع أميل، وهو الذي لا يثبت على ظهر الفرس، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: لاهم ميل، وفزم،
[ ٣ / ٢٧٩ ]
بفتح القاف والزاي: الصغير الجسم، يستوي فيه الواحد وغيره، وكم: للتكثير، والبرم، بفتح الموحدة والراء المهملة: البخيل الدني، ومفعول أحمد محذوف، وهو النار، فإن البخيل يطفئ النار حتى لا يستدل عليه أحد بضوئها فيضيفه، وذلك لبخله.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٣) قد بتُّ أحرسني وحدي ويمنعني صوت السَّباع به يضبحن والهام
على أنه عدِّى "أحرس" المسند لضمير المتكلم المتصل إلى الضمير المتصل، وهو ياء المتكلم، مع أنه ليس من باب ظن، وفقد وعدم. أورده ابن عصفور في كتاب "الضرائر" وقال: الوجه أن يقول: أحرس نفسي، كما قال تعالى: ﴿إني ظلمت نفسي﴾ [النمل/ ٤٤] فوضع الضمير المتصل موضعه لما اضطر إلى ذلك. انتهى. أقول: هذا هو المشهور، والذي رأيناه في شعر أبي داود، وفي شعر النمر بن تولب: "قد بتّ أكلؤه ليلًا"، "قد بت أحرسه ليلًا" فلا شاهد فيه.
وهو من أبيات لأبي داود الإيادي، رواية ابن السكيت وغيره وهي:
ومنهلٍ لا يبيت القوم حضرته من المخافة أجنٌ ماؤه طامي
قد بتُّ أكلؤه ليلًا ويؤنستي صوت السِّباع بع يضبحن والعام
ما كان إلّا مقامي في مدالجه ثم انصرفت إلى وجناء مجذام
[ ٣ / ٢٨٠ ]
هرقت في حوضها صفنًا لتشر به
في جافق] خلق الأعضاد أهزام
فساقت الحوض أو شمَّت بمنخرها ثمَّ استمرَّت سواه طرفها سامي
صدَّت كما صدَّ عّما لا يحلُّ له ساقي نصارى قبيل الصُّبح صوَّام
قوله: ومنهل، أي: ورب منهل، وقوله: حضرتك، أي: في حضوره، وأجن: بفتح الألف، وسكون الجيم، ومن للتعليل، قال ابن السكيت في شرحه: منهل: مشرب، وأجن: قد أنتن وتغيرت ريحه، يقال: ماء آجن وأجن، وطامي: قد ارتفع، يقال: طما الماء يطمي طميًا، ويطموا طموًّا، يقول: قد ارتفع ماؤه من قلة الورود، وقال أبو عبيدة. الآجن: المتغير اللون، وهو الأجون، والأجن، والآسن: المتغير الريح والطعم، يقال: أسن الماء يأسن أسنًا. انتهى. يعني من باب فرح.
وقوله: قد بتّ أكلؤه الخ، أي: أحرسه، والضمير للمنهل، أي: أحرسه، أي: أحرس نفسي يضج، وكذلك البوم. انتهى. وهو بالضاد وفتح الموحدة فيهما، ومما يتعجب منه قول أبي حيان في "تذكرته": زعم بعض النحويين أن أصبح تكون زائدة، وأنشده:
أبيت أحرسه وحدي ويمنعني صوت السِّباع به يصبحن والهام
انتهى. وهذا تحريف قطعًا، والهام بالجر: معطوف على السباع، وهو جمع
[ ٣ / ٢٨١ ]
هامة، وهو من طير الليل، يقال له: الصدى، وقوله: في مدالجه، قال شارحه: المدلج: الممشى بين الحوض والبئر، الممشى بين الحوض والبئر، يقال: دلج يدلج، من باب النصر، إذا مشى بدلو بين الحوض والبئر. والوجناء: الصلبة الغليظة، ومجذام بالجيم والذال المعجمة: الماضية في سيرها، وقوله: هرقت، أي: أرقت وصببت، والصفن: بضم الصاد وسكون الفاء، جمع صفنة، قال الأصمعي: هي السفرة يستقى بها، وقوله: في دافن: بدل من قوله: في حوضها، والدافن: الحوض المندفن بالتراب دفنته الريح، والأعضاد: نواحي الحوض، وأهزام: متصدع فيه شقوق، يقال: قد تهزمت القربة: إذا تشققت، وهي الهزوم واحدها هزم.
وقوله: فسافت الحوض، أي: كرهته وعافته، وقوله: ثم استمرت سواه، قال ابن السكيت: أي: سوى ذلك المكان، وسامي: مرتفع. ولم يكتب على البيت الأخير شيئًا.
ورأيت هذه الأبيات آخر قصيدة للنمر بن تولب، وهي:
شطَّت بجمرة دارٌ بعد إلمام نأىٌ وطول تعادٍ بين أقوام
قال شارح ديوانه محمد بن حبيب: تعادي: صوارف وأشغال، عداني عن هذا أمر، أي: صرفني.
حلَّت بتيماء في قومٍ إذا احتملوا في الصُّبح نادى مناديهم بإشام
تيماء: من نحو بلاد طي، وهي بعيدة منها، ولكنها من ذلك الحيز، يقول: إذا ارتحلوا أخذوا نحو الشام فازدادوا مني بعدًا.
وقد لهوت بها والدّار جامعةٌ بالخرج فالنّهي فالعوراء فالدّام
[ ٣ / ٢٨٢ ]
الخرج: قرية من قوى اليمامة والخرج بالفتح: في بلاد تميم.
كأنَّ جمرة أو عزَّت لها شهبًا في العين يوم تلاقينا بأرمام
عزت: غلبت، يقول: كأن جمرة، أو غلبت جمرة في الحسن، شبه هذه الروضة، ومثله: كأن فلانًا، أو هو أفحش منه، كلب.
ميثاء جاد عليها وابلٌ هطلٌ فأمرعت لاحتيالٍ فرط أعوام
يقول: كأنها هذه الميثاء، أو غلبت عليها في الحسن، وأمرعت وقد أحالت أعوامًا، وفرط أعوام: بعد ذهاب أعوام، كقولك: فرط مني كلام، أي: سبق، يقول: مضى لها أعوام وهي جامّة، فهو أقوى لنبتها. انتهى. والميناء: الأرض السهلة، وأمرع المكان ومرع: أخض=صب وصار ذا كلأ.
إذا يجفُّ ثراها بلّها ديمٌ من واكفٍ نزل] بالماءٍ سجّام
الديم: المطر اللين يدوم اليوم واليومين، يقال: مكان نظل؛ إذا كان يسيل من أدنى مطر يصيبه.
لم يرعها أحدٌ وارتبَّها زمنًا .. فأوٌ من الأرض محفوفٌ بأعلام
الفأو: المطمئن من الأرض بين الربوتين، يقول: هي عازبة بعيدة وافرة الكلأ، وارتبها: غذاها، ومحفوف بأعلام، أي: حولها جبال تكنها من الريح، ويسيل ماؤها إليها فهو أبقى لخضرتها. قال ابنحبيب: فأوت من الأرض طيب تطيف به الجبال.
تسمع للطّير في حافاتها زجلًا كأنَّ أصواتها أصوات جرّام
[ ٣ / ٢٨٣ ]
حافاتها: نواحيها، شبه أصوات الطير في هذه الروضة بأصوات الجرَّام، وهم الذين يصرمون النخل.
كأنَّ ريح خزاماها وحنوتها باللَّيل ربح يلنجوجٍ وأهضام
الخزامى: خيريّ البر. والألنجوج: العود، والأهضام: المحطوم المكسور، وقيل: ضرب من الطيب.
أليس جهلًا بذي شيبٍ تذكرُّه ملهى ليالٍ خلت منه وأعوام
ومنهلٍ لا ينام القوم حضرته من المخافة أجنٍ ماؤه طامي
لا ينامون من الوحشة وفرق السباع، وطامي: كثير، لا يورد ولا يشرب.
قد بتُّ أحرسه ليلًا ويسهرني صوت السِّباع به يضبحن والهام
أحرسه، أي: أحترس فيه، والعرب تقول: بتُّ به ثلاثًا لا آكلهَّ طعامًا، ولا أشربهنَّ شرابًا، أي: لا آكل فيهنَّ ولا أشرب.
ما كان إلّا اطّلاعي في مدالجه ثمَّ انصرافي إلى وجناء مجذام
المدالج: بين الحوض والركي، يقول: لم يكن لي لبث إلا بقدر ما سبقت اطلاعي نظري فيه، كما تقول: طالعت ضيعتي، أتيتها لم ألبث فيها، ومجذام: صريعة تقطع الأرض.
أفرغت في حوضها ماءً لتشر به في داثرٍ خلق الأعضاد أهزام
ويروي: "صفنًا لتشربه" أهل الحجاز يقولون: صفن، فيضمون الصاد
[ ٣ / ٢٨٤ ]
ويذكرون، وأهل نجد يقولون: صفنة، يفتحون الصاد ويؤنثون، والصفنة: شيء تتخذه الأعراب كهيئة السفرة، فإذا احتاجوا إلى الماء سقوا بها، وأعضاد الحوض: نواحيه، وأهزام": منفلقة الطين، قد تهزمت؛ تشققت.
فعافت الماء أو سافت بمشرفها ثمَّ استمرَّت سواه طفرفها سامي
سامي: مشرف، لأنها نشطت، وعافت: كرهت، إنما شمت ثم لم ترد، ومضت لم تقم به، واستمرت: مضت.
صدَّت كما صدّ عمَّا لا يجلُّ له ساقي نصارى قبيل الصُّبح صوَّام
عمت لا يحل له من الأكل والشرب قبيل الصبح، لأنهم إذا ناموا لم يأكلهم ولم يشربوا، وإنما يستحب السحور خلافًا عليهم، ويروى: "قبيل الفصح". انتهى. والفصح بكسر الفاء: عيد للنصارى.
وأبو داود الإيادي: شاعر جاهلي تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائة، والنمر بن تولب: شاعر معمر أدرك الإسلام، وروى عن النبى (ﷺ) حديثًا واحدًا، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والثمانين.
عن
وأنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٤) لاه ابن عمِّك لا أفضلت في حسبٍ عنّي ولا أنت ديَّاني فتخزوني
[ ٣ / ٢٨٥ ]
على أن عن بمعنى على، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": هذا مذهب كوفي، وقال به القتبي وهذا المصنف، واستدلوا بقول الشاعر: لاه ابن عمك .. البيت، وقال آخر:
ولو أنت تلقي حنظلًا فوق بيضهم
تدحرج عن ذي سامه المتقارب
واستدل المصنف بقولهم: بخل عنه، وخرج ذلك على التضمين، فقال بعض أصحابنا: ضمنه معنى: ما انفردت بحسبٍ عني، لأنه إذا فضل عليه في الحسب، أي: زاد، فقد انفرد عنه بتلك الزيادة. وأما: عن ذي سامه؛ فباقية على موضعها، لأن تدحرجه عن ذي سامه انتقال عن بعضه إلى بعض، وقال بعض شيوخنا: إذا كان أفضل، وكان فوقه في الحسب فقد زال عنه، وصار في حيز، فكأنه قال: لاه ابن عمك، مازال قدرك عن قدري، ولا ارتفع شأنك عن شأني. انتهى. وأما بخل عنه، فالتقدير: بخل بماله عنه، فضمن
[ ٣ / ٢٨٦ ]
بخل معنى رغب بماله، أو كف ماله، وكل منهما يتعدى بعن. انتهى.
وقال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" لابن قتيبة: ذهب يعقوب ابن السكيت، ومن كتابه نقل ابن قتيبة هذه الأبواب، إلى أن عن ههنا بمعنى على، وإنما قال ذلك لأنه جعل أفضلت من قولهم: أفضلت على الرجل؛ إذا أوليته فضلًا، وأفضلت هذه تتعدى بعلى لأنها، بمعنى الإنعام، ومعناه: أنك لم تنعم علي بأن شرفتني فتعتّد ذلك، وقد يجوز أن يكون من قولهم: أعطى وأفضل؛ إذا زاد على الواجب، وأفصل هذه أيضًا تتعدى بعلى، يقال: أفضل على كذا، أي: زاد عليه فضلة. وقد يجوز أن يكون من قولهم: أفضل الرجل؛ إذا صار ذا فضل في نفسه، فيكون معناه: ليس لك فضل تنفرد بع عني، وتحرزه دوني، فتكون عن ههنا واقعة موقعها غير مبدلة من "على". انتهى.
ثم إن الظاهر أن يقول: "عنه" بضمير الغائب، لكنه التفت من الغيبة إلى التكلم، لأنه يعني بابن العم نفسه، فردّ الإخبار بلفظ المتكلم، ولم يخرجه بلفظ الغيبة، لئلا يتوهم أنه يعني غير نفسه، ولو جاء بالكلام على لفظ الغيبة لكان أحسن، لكنه أراد تأكيد البيان ورفع الإشكال.
وروى صاحب "الأغاني":
لاه ابن عمِّك لا أفضلت في حسبٍ شيئًا
وعليه؛ لا يكون في البيت شاهد. قال ابن السيد: قوله: لا أفضلت، معناه: لم تفضل، والعرب تقرن "لا" بالفعل الماضي، فينوب ذلك مناب "لم" إذا قرنت بالفعل المستقبل، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فلا صدَّق ولا صلَّى﴾ [القيامة /٣١] معناه: لم يصدّق، ولم يصلّ، ومنه قول أبي خراش:
[ ٣ / ٢٨٧ ]
إن تغفر اللَّهم تغفر جمّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألما. انتهى. وقول المصنف: أي: لله در ابن عمل، أراد أن أصله هذا، فصار بالحذف لاه ابن عمك، أراد أن أصله هذا، فصار بالحذف لاه ابن عمك، وفيه إجحاف مستغى عنه، وإنما الأصل" لله ابن عمك، وابن: مبتدأ، ولله الخبر، فحذفت اللام الجارة ولام التعريف، فبقي لاه مجرورًا على الشذوذ، ولام الجر للتعجب، ويكون جملة لا أفضلت .. الخ. بيانًا وتفسيرًا لجملة التعجب من كمال صفاته المقتضى للتعجب منها.
قال ابن الأنباري في شرح هذا البيت من "شرح المفضليات": أراد: لله در ابن عمك، فحذف اللام الخافضة اكتفاء بالتي تليها، ثم قال: وروى أحمد: لاه ابن عمل بالخفض، قال: وهم قسم، المعنى: [و] رب ابن عمك، وقوله: لا أفضلت: جواب القسم. انتهى. فتكون اللام المضمرة للقسم، ورب بالجر والإضافة: صفة للفظ الجلالة، ورب: وصف من الربوبية. وهذا وإن كان فيه إجحاف وشذوذ، لكن رواية الجر اقتضت هذا التقرير. ونقل الشريف المرتضى في "أماليه" عن ابن دريد الجر اقتضت هذا التقدير. ونقل الشريف المرتضى في "أماليه" عن ابن دريد أنه قال: أقسم، وأراد: لله ابن عمك، فتكون اللام للقسم، وجملة لا أفضلت: جوابه، وهذا فاسد لأنه يبقى ابن عمك غير مرتبط بشيء. وعلم مما ذكرنا أن كسرة "لاه" إعراب لابناء، وهو ظاهر كلام "المفصل" قال فيه: وتضمر، أي: باء القسم، كما تضمر اللام في لاه أبوك. انتهى. فإن الحرف المضمر يبقى معناه وأثره، بخلاف المحذوف، فإنه يبقى معناه دون أثره، وزعم الرضي أن كسرته بنائيه، قال:
[ ٣ / ٢٨٨ ]
حذف لام الجر لكثرة الاستعمال، وقدر لام التعريف، فبقي: لاه ابن عمك فبني لتضمن الحرف. هذا كلامه، وهو مخالف لكلام النحاة/ منهم الأندلسي، فإنه صرح في "شرح المفصل" كون الكسرة في "لاه" إعراب، قال عند قول "المفصل": وتضمر كما تضمر اللام: هذا هو الوجه الثالث، وهو أن تحذف الحرف لفظًا وتقدره معنى، ويبقى عمله كما تضمر ربّ، وقولهم: إن المحذوف من "لاه" هو لام الجر مع لام التعريف، هو الصحيح. وزعم المبرد أن المحذوف لام التعريف واللام الأصلية، والباقية هي لام الجر الفتح، وفي هذا المقام كلام طويل أودعناه في الشاهد الثالث والعشرين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
وقول المصنف: ولا أنت مالكي فتسوسني ..؛ أشار بالمالك إلى تفسير الدَّيان، وهو القيِّم بالأمر، المجازي به، وهو فعَّال من الدين وهو الجزاء، وفي "القاموس": الديان: القهار والقاضي والحاكم والمجازي الذي لا يضيع عملًا، بل يجزي بالخير والشر. وأشار بـ"تسوسني" إلى تفسير تخزوني، بالخاء والزاء المعجمتين؛ مضارع خزاه حزوًا، بالفتح: ساسه وقهره وملكه، وساسه من السياسة، وأما الخزي، بالكسر، وهو الهوان والذل، فالفعل منه كرضي، وأخزاه الله: أفضحه، قال الدماميني: يحتمل الرفع والنصب في "فتخزوني" كما يحتملها نحو: ما تأتينا فتحدثنا، أي: ولا أنت مالكي فكيف تسوسني؟ أو: ليس لك ملك فسياسة، وعلى تقدير النصب فالفتحة مقدرة، كما في قوله:
أبى الله أن أسمو بأمٍّ ولا أب
[ ٣ / ٢٨٩ ]
وليس بضورة، وقد قرئ في الشواذ: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكّاح﴾ [البقرة/ ٢٣٧] بإسكان الواو من "يعفو الذي". انتهى. والحسب: ما يعده الإنسان من مناقب نفسه. انتهى.
والبيت من قصيدة لذي الأصبع قالها في ابن عم له كان ينافسه ويعاديه، وفي رواية أبي علي القالي في "أماليه" ستة وثلاثون بيتًا، وأوردها السيوطي، وفي رواية ابن الأعرابي في نوادره ستة عشر بيتًا، وفي رواية المفضل في "المفضليات" ثمانية عشر بيتًا، ونحن نقتصر على هذه الرواية، وهي:
لي ابن عمٍّ على ما كان من خلقٍ مختلفان فأقليه ويقليني
أزرى بنا أنَّنا شالت نعامتنا فخالني دونه وخلته دوني
يا عمر وإن لا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حتّى تقول الهامة أسقوني
لاه ابن عمّك البيت
ولا تقوت عيالي يوم مسغبةٍ ولا بنفسك في العزَّاء تكفيني
إنِّي لعمرك ما بي بذي غلقٍ عن الصَّديق ولا خيري بممنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلقٍ بالفاحشات ولا فتكي بمأمون
عفتُّ يؤوسٌ إذا ما خفت من بلدٍ هونًا فلست بوقافٍ على الهون
عنِّي إليك فما أمّي براعية ترعى المخاض وما رأيس بمغبون
كل امرئ راجعٌ يومًا لشيمته وإن تخالق أخلاقًا إلى حين
[ ٣ / ٢٩٠ ]
إنِّي أبيٌّ ذو محافظةٍ وابن أبيٍّ أبيٍّ من أبيِّن
وأنتم معشرٌ زيدٌ على مائةٍ فأجمعوا أمركم كلًّا فكيدوني
فإن عرفتم سبيل الرُّشد فانطلقوا وإن جهلتم سبيل الرُّشد فأتوني
ماذا علىَّ وإن كنتم ذوي كرمٍ أن لا أحبَّكم إذ لم تحبُّوني
لو تشربون دمي لم يرو شاربكم ولا دماؤكم جمعًا تروِّيني
الله يعلمني والله يعلمكم والله يجزيكم عنّي ويجزيني
قد كنت أوتيكم نصحي وأمنحكم ودِّي على مثبتٍ في الَّدر مكنون
لا يخرج الكره منَّي غير مأبيةٍ .. ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
هذا آخر ما رواه المفضل. قوله": لي ابن عّمٍ .. الخ، قال ابن الأنباري في شرحه: أراد أخلاقهما مختلفة، ولما قال: لي ابن عّمٍ؛ علم بأنهما اثنان مختلفان هو وابن عمه، وقوله: على ما كان من خلق، أي: من تخالق، أي: أخالفه ويخالفني، ونحن في تخالفنا مختلفان، وأنشد عن الكسائي:
ما كنت والقرّيّ جاري جنابًة
بنجدٍ ولا في الحفر مشتركان
وقوله: أزرى بنا الخ، يقال: أزرى به إذا قصر، وشالت نعامتنا: تفرق أمرنا واختلف، يقال عند اختلاف القوم: شالت نعامتهم، وزف رألهم، والرأل: فرخ النعام، وقيل معناه: جلوا عن الموضع، والمعني: تنافرنا فصرت لا يطمئن إليه ولا يطمئن إليَّ، ويقال: ألقوا عصاهم؛ إذا سكنوا فاطمأنوا،
[ ٣ / ٢٩١ ]
وقوله: يا عمرو إن لا تدع .. قد شرحناه مفصلًا في حاشيتنا في شرح البيت الثامن من "شرح بانت سعاد" للمصنف، وقال ابن الأنباري قال الأصمعي: العرب تقول: العطش في الرأس، وأنشد قول الراجز:
قد علمت أنِّي مروِّي هامها ومذهب الغليل من أوامها
إذا جعلت الدّلو في خطامها
والمعنى: إلا تدع شتمي أضربك على هامتك حيث تعطش، ويقال: إن الرجل إذا قتل فلم يدرك بثأره، خرجت هامة من قبره، فلا زال على ذلك حتى يُقتل قاتله. وقوله: ولا تقوت عيالي .. الخ، تقوت: من القوت بالقاف، والمسغبة: المجاعة، والعزاء: الضيق والشدة، وقوله: إني لعمرك .. الخ، أي لا أذخر صاحبي شيئًا ولا أمنّ عليه، وقيل: الممنون: المقطوع: وقوله: عفُّ يؤوس .. الخ، أي: أعف عما ليس لي، ولست بذي طمع، أيأس عما في يد غيري، والهون بالضم: الذل، وقوله: فما أمي براعية، أي: لست بابن أمة، عرَّض به وكان ابن أمة، وإنما خص رعية المخاض لأنها أشدُّ من رعية غيرها، ولا يمتهن فيها إلا من حقر ولم يُبال به. وقوله: وأنتم معشر زيد .. الخ، أي: زيادة على مائة، وزيد، بكسر الزاي، وأجمع أمره: عزم عليه. وقوله: لا يخرج الكره .. الخ؛ فعل وفاعل، وغير: مفعول، وهو مضارع أخرج، يقول: إذا أكرهت على الشيء لم يمكن عندي إلا الإباء له، أي: لا أعطي على القسر شيئًا، والمأبية: كالإباء.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
وبعد هذا أورد ابن الأنباري القصيدة أتم ما رواعا القالي.
وذو الإصبع العدواني اختلف في اسمه واسم أبيه، فقيل: حرثان بن محرِّث، هذا هو الكثير المشهور، وقيل العكس، وقيل غير ذلك، وحرثان، بضم أوله، وإسكان ثانية، ومحرث: اسم فاعل من التحريث، ونسبته إلى عدوان، بسكون الدال، واسمه: الحارث بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر، وإنما سمي. عدوان لأنه عدا على أخيه، فهمَّ بقتله، وقيل: فقأ عينه، وذو الإصبع: شاعر معمّر من شعراء الجاهلية، قال أبو حاتم في كتاب "المعمرَّين": عاش. ذو الإصبع، وهو حرثان بن المحرث العدواني، ثلاثمائة سنة، وقيل غير هذا، وهو أحد حكام العرب في الجاهلية، وسمي ذو الأصبع لأنه كانت له في رجله أصبع زائدة، وقيل: لأن حية نهشت أصبعه فقطعها، وقيل: لأن حية نهشته على أصبعه فشلت، أي: يبست واسترخت، وقد استقصينا ترجمته في الإنشاد الخامس والثمانين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٥) ومنهلٍ وردته عن منهل
على أن "عن" فيه بمعنى "بعد" قال أبو حيان: هذا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي، وهذا المصنف، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾ [الانشقاق /١٩] وبأبيات منها: ﴿ومنهلٍ وردته عن منهل﴾.
ثم قال: وينبغي على قول الكوفيين ومن تبعهم أن تكون "عن" ظرفًا، لأنها بمعنى بعد، ولا أعلم أحدًا قال فيها إنها اسم، إلا إذا دخل عليها حرف الجر. وقال بعض أصحابنا: وقعت في هذه المواضع "عن" موقع "بعد"
[ ٣ / ٢٩٣ ]
لتقارب معنييهما، لأن "عن" يكون لما عدا الشيء وتجاوزه، و"بعد" لما تبعه وعاقبه، فإذا جاء الشيء فقد عدا وقته وتجاوزه. انتهى.
وهذا التأويل سائغ في:
قرّبا مربط النَّعامة منّي لقحت حرب وائلٍ عن حيال
وفي:
لئن منيت بنا عن غبِّ معركةٍ لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل
أي: ننتفي. وقال بعض شيوخنا في قوله:
ويضحى فتيت المسك فوق فراشها
نوؤم الضُّخى لم تنتطق عن تفضُّل
الذي يظهر أن الانتطاق لما كان بعد التفضل، صار شبيهًا بما يكون مسببًا عنه، وكذا الكلام في قوله:
ومنهلٍ وردته عن منهل
انتهى. والبيت من شواهد "أدب الكاتب" ومنه أخذ المصنف، قال شارحه الحواليقي: هو للعجاج، وبعده:
قفرين هذا ثمَّ ذا لم يؤهل
يريد: رب! مورد وردته بعد آخر نزلته، قفرين لم يردهما أحد خاليين،
[ ٣ / ٢٩٤ ]
يعني: المنهلين. لم يؤهل: لم يحلَّ به قوم فيكونوا أهله. انتهى. وكذا قال ابن السيد في شرحه، وزاد بعده:
كأنَّ نسج العنكبوت المرمل على ذرى قلَّامه المهدِّل
سبوب كتّانٍ بأيدي الغزَّل
ثم قال: وأنشده ابن الأعرابي في "نوادره" في رجز لعبد الله بن رواحة الأنصاري، وأنشد بعده:
قفرٍ به الأعطان لم تسهَّل عليه نسج العنكبوت المرمل
طال ولم يقطع ولم يوصَّل
انتهى. أقول: الذي أورده ابن الأعرابي في "نوادره" أرجوزة، قال: أنشدني بكير بن عبيد الربعي:
يا زيد زيد اليعملات الذُّبَّل
إلى أن قال بعد أحد عشر بيتًا:
ومنهلٍ وردته عن منهل قفرٍ به الأعطان لم تُسهَّل
عليه نسج العنكبوت المرمل طال فلم يقطع ولم يوصَّل
قردانه هزلى كحبِّ الحنظل يا زيد هل عندك من معوَّل
وبقي بعد هذا أبيات أربعة لا حاجة لنا بها. قوله: يا زيد زيد اليعملات
[ ٣ / ٢٩٥ ]
الذبل: هذا من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه إقحام زيد الثاني بين الأول وما أضيف إليه، والتقدير: يا زيد اليعملات زيدها، فحذف الضمير اختصارًا، وقدم فاتصل باليعملات، فوجب له النصب، وقد كان زيد الأول مضافًا إليها، فبقي على نصبه، وجاز هذا لأن النداء كثير الاستعمال، فحتمل التغيير، ورفع زيد الأول أكثر وأقيس، لأنه منادى مفرد بيِّن باسم مضاف على طريق البدل، وعطف البيان الذي يقوم مقام الصفة. واليعملات، بفتح التحتيّة والميم: الإبل القوية على العمل، والذبل: الضامرة لطول السفر، وأضاف زيدًا إليها لحسن قيامه عليها ومعرفته بحدائها. وقد وقع هذا البيت أول بيتين لعبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁، قالها في غزوة مؤتة خاطب بهما يتيمًا كان في حجره، خرج به إلى غزوة مؤنة، وهو زيد بن أرقم، وثانيهما:
تطاول اللَّيل عليك فانزل
والله أعلم بحقيقة الحال. وقوله: ومنهل، أي: ربَّ منهل، قال الصاغاني في "العباب": المنهل: المورد، وهو عين ماء تردها الإبل في المراعي، وتسمى المنازل التي في المفاوز على طريق السفار: مناهل، لأن فيها ماء، وما كان على غير الطريق لا يسمى منهلًا، ولكن يقال: ماء بني فلان. انتهى.
وقفر، بالجر: صفة لمنهل، والأعطان: جمع عطن –بفتحتين – وهو مبرك الإبل حول الحوض، وقوله: لم تسهل، يريد: ترعرت وصارت فيها الحجارة، فإن السهل ضد الحزن، وقوله: عليه نسج العنكبوت المرمل؛ والمرمل: اسم مفعول من أرملت الخوص ورملته ترميلًا: إذا رفقت نسجه وسفيفه، يقول: نسج عليه العنكبوت نسجًا رقيقًا لخلوه من الواردين، وطول العهد بالمارة عليه،
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وكان حق المرمل أن يكون مرفوعًا، لأنه صفة نسج، لكنه جره لمجاورة العنكبوت، ومثله ما استشهد به سيبويه من قول العجاج:
كأنَّ نسج العنكبوت المرمل على ذرا قلَّمه المهدَّل
سبوب كتّانٍ بأيدي الغسُّل
القلام كزَّار: ضرب من النبت الذي يعرف بالقاقّلى، زالذرا: الأعالي، جمع ذروة، والمهدّل: المتدلي الأغصان، يعني: أن العنكبوت قد نسجت على القَّلام الذي حول هذا الماء، والسبوب: جمع سب، بالكسر، وهو ثوب رقيق من كتان أبيض، شبه ما نسجت العنكبوت على هذا الماء بثوب رقيق من الكتان، والغسَّل: جمع غاسل وغاسلة، وجاء بالمرمل مجرورًا بمجاورته للعنكبوت المجرور وحقه النصب، لأنه نعت لنسج وقوله: قردانه: جمع قراد، وهزلي: جمع هزيل بمعنى مهزول، كقتلى جمع فتيل، وهزاله من جوعه، لأن هذا المنهل لا يأتيه حيوان حتى يمصَّ دمه، فهو قفر، والعرب تفتخر بقطع القفار التي لا يهتدي فيها أحد، وقال ابن السيد: المرمل: المنسوج، يقال: رملت الحصير وأرملته، وهو مخفوض على الجوار، ويجوز أن يكون صفة للعنكبوت على أنه يريد: المرمل نسجه، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه النسج مقامه، فاستتر في المرمل، لأن الضمير المرفوع إذا كان مفردًا استتر في الفعل وما ينوب مناب الفعل، وإنما يظهر في التثنية والجمع، وعلى هذا الوجه يحمل قول العرب: "هذا حجر ضبّ خربٍ" فيكون خرب صفة لا مخفوضًا. وهذا الشعر فسرناه على ما رواه النحويون، لأنهم رووه بفتح الميم من المرمل، فاحتيج فيه إلى هذا التكلف، ولو روي بكسر الميم لم يحتج إلى هذا، وكان صفة للعنكبوت على ما بحث.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٦) وآس سراة الحيِّ حيث لقيتّهم ولا تك عن حمل الرِّباعة وانيا
على أ، "عن" فيه بمعنى في. قال المصنف في الشرح: واستعمال "عن" موافقة لـ "في" كقول الشاعر: وآس سراة الحي .. البيت؛ أي: في حمل الرباعة وانيًا، وجعلت هنا الأصل "في" كقوله تعالى: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه /٤٢] انتهى. وتعديه "ونى: بـ "عن" مستعملة في لسان العرب، وفرق بين: نى عن كذا، وونى في كذا، فإذا قلت: ونى عن ذكر الله، فالمعنى المجاوزة، وأنه لم يذكره، وإذا قلت: ونى في ذكر الله، فقد التبس بالذكر ولحقه فيه فتور. انتهى. أقول: وفي "التهذيب" للأزهري: قال الليث: الونى: الفترة في الأعمال والأمور والثواني، تقول: فلان لا يني في أمرهن أي: لا يفتر ولا يعجز، وكذا قال الجوهري في "الصحاح". وفي "الجمرة" لابن دريد [الونى: الإعياء] وقال الزمخشري في "أساس البلاغة": وقد ونى في الأمر: ضعف وفتر، ثم قال: ومن المجاز قول ابن مقبل:
مرته الصَّبا بالغور غور تهامةٍ فلّما ونت عنه بشفعين أمطرا
[ ٣ / ٢٩٨ ]
انتهى. وشعفان: مثنى شعف: قرنان من نجد، قال البكري: ويجوز إسكان العين من شعفين، وأنشد هذا البيت. وهذا ليل لما قاله أبو حيان. وموت الصبا السحاب: استدرّته، فلما ضعفت عنه بالتجاوز عنه أمطر بشعفين، والفتور في الصبا مجاز.
وقد حرف العيزري في "مدني الأريب من مغني اللبيب" موضعين من المصراع من البيت الشاهد قال: ومنها الظرفية قال:
وآس سراة الحيّ حيث لقيتهم ولا تك عن حمل الرِّياضة واهنا
أي: في حمل، بدليل: ﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم﴾ [النساء /١٠٤] ومنه: وهن في الأمر بمعنى: أبطأ في أمضائه، ومثله: ونى فيه، بمعناه ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه /٤٢] قال: وظاهر "ونى عن كذا": جاوز عنه فلم يدخل فيه، وونى فيه: دخل على فتور، وضعف عن إمضائه. إلى هنا كلامه. وباليته أبقى المتن على حاله، ولم يفسده بهذيانه، ومن كان مبلغه من العلم هذا، كيف يجوز له أن يختصر مثل هذا الكتاب، ويدعي تحريره في تهذيبه، وجهالته تفضحه وتهذي به!
والبيتمن قصيدة للأعشى ميمون البكري، تشتمل على نصائح وأمر بمكارم الأخلاق، وأولها:
ذريني لك الويلات آتي الغوانيا متى كنت زرّاعًا أسواق السَّوانيا
ترِّجي ثراءً من سياس ومثلها ومن قلبها ما كنت للمرء راجيًا
سأوصي بصيرًا إن دنوت من البلى وكلُّ امريءٍ يومًا سيصبح فانيا
بأن لا تأَنَّ الودَّ من متباعدٍ ولا تنأ إن أمسى بقربك راضيا
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وذا الشَّرِّ فاشنأه وذا الودِّ فاجزه على ودّه أو زد عليه الغلانيا
وآس سراة الحيِّ حيث لقيتهم ولاتك عن حمل الرِّباعة وانيا
وإن بشرا يومًا أحال بوجهه عليك فحل عنه وإن كنت دانيا
وإنَّ تقى الرَّحمن لا شيء مثله فصبر إذا تلقى السَّحاق الغوانيا
وربَّك لا تشرك به إنَّ شركه يحط من الخيرات تلك البواقيا
بل الله فاعبد لا شريك لوجهه يكن لك فيما تكدح اليوم راعيا
وإيّاك والميتات لا تقر بنَّها كفى بكلام الله عن ذاك ناهيا
ولا تعدنَّ النّاس ما لست منجزًا ولا تشمتن جارًا لطيفًا مصافيا
ولا تزهدن في وصل أهل قرابةٍ ولا تك سبعًا في العشيرة عاديا
وإنَّ امرأً أسدى إليك أمانًة فأوف بها إن متَّ سُمِّيت وافيا
ولا تحسد المولى وإن كان ذا غنّى ولا تجفه إن كان في المال عافيا
ولا تخذلنَّ القوم إن ناب مغرمٌ فإنَّك لا تعدم إلى المجد داعيا
وكن من وراء الجار حصنًا ممنَّعًا وأوقد شهابًا يسفع النّاس خاميا
وجارة جنب البيت لا تبع سرَّها فإنَّك لا تخفى من الله خافيا
قال ابن خالوية في كتاب "ليس": ليس أحد يقول في مصدر: غلوت
[ ٣ / ٣٠٠ ]
الغلو إلا غاوًا، إلا الأعشى فإنه قال: غلا غلانيًا، وهذا غريب. وسواس: قرية جاء بها سياس، أنشد له ثعلب:
ترجِّي ثراءً من سياس ومثلها إلى آخر الأبيات المتقدمة
وقال في آخرها: الرباعة: ما ناب من نائبه، والسحاق: البعيدات من حاجتك الواحدة سحوق. انتهى. ونقل عن ابن دريد أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" والصاغاني في "العباب" أن سواس، بسينين مهملتين كسحاب: جبل أو موضع، ولم أر من ذكر سياس. وقوله: ذريني لك الويلات الخ، الغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بحسنها عن الزينة، والسواني: جمع سانية، وهو البعير الذي يسنى عليه، أي: يستقى من البئر، وقوله: سأوصي بصيرًا الخ، السين للتأكيد، وبصيرًا: ابنه، فإنه يكنى به، فيقال له: أبو بصير، والبصير: من له بصيرة، وهو نور القلب، وقوله: بأن لا تأنَّ، الباء متعلقة بأوصي، ولا: ناهية، وتأنَّ: مجزوم بحذف الألف، يقال: تأنى في الأمر، أي: تنظرّ وترفّق، واستأنى به: انتظر به، ولا تنأ: لا تبعد، من النأي وهو البعد. وقوله: وذا الشر فاشنأه: أمر من شنأه كمنعه وسمعه، أي: أبغضع، وقوله: أو زد عليه الغلانيا: هذا الذي استغربه ابن خالويه، قال الأزهري في "التهذيب": وقال بعضهم: غلوت في الأمر غلانية: إذا جاوزت فيه الحد، زادوا فيه النون. انتهى. وقال السيوطي: الغلانية بالمعجمية:
[ ٣ / ٣٠١ ]
الإسراف في الأمر والإفراط [فيه]. انتهى. ولم يذكر الجوهري هذا المصدر، وإنما قال: وغلا في الأمر يغلوا غلوًا: إذا جاوز فيه الحد، ولم يصب صاحب "القاموس" في جعله من ذوات الياء، قال: والغلانية: التغالي بالشيء، والنون زائدة. انتهى. وهذه الياء إنما هي منقلبة من الواو لانكسار ما قبلها. وقوله: وآس سراة الحي .. الخ، آس: أمر من آسيته بمالي مواساة، أي: جعلته أسوتي فيه، وسراة الحي، بفتح السين: أشراف القبيلة، وهو اسم جمع، كما قال المحقق الرضي، لا جمع سري كما قال الجوهري، لأن السراة وزنه فعلة، بفتحتين، وإنما يجمع على سروات، كقطاة يجمع على قطوات، ولو كان جمعًا ما كان يجمع على سروات، لأن فعلة لا يجمع هذا الجمع وليس بمفرد، مثل كاهل القوم وسنامهم، خلافًا للسهيلي، بدليل روع ضمير الجمع إليه في هذا البيتـ والرباعة: بكسر الراء، فسرها شارح ديوانه ونقله السيوطي: أن رباعة الرجل فخذه التي هو منها، وهذا هو المناسب هنا، وحكى صاحب "القاموس" هذا المعنى قال: الرباعة، بالفتح والكسر، قيل: القبيلة، وقيل: الفخذ، ثم قال تبعًا لصاحب "الصحاح": الرباعة بالكسر: نحو الحمالة.
والحمالة بالفتح: الدية يحملها قوم من قوم، فالرباعة تشمل الحمالة وغيرها من المغارم، ولهذا فسرها ابن خالوية بما ناب من نائبه، وأما قول المصنف: الرباعة: نحوم الحمالة؛ فلم أر من فسرها بهذا، وقد فتشت "الجمرة، والتهذيب،
[ ٣ / ٣٠٢ ]
والصحاح، والعباب، والقاموس، ونهاية ابن الأثير" وغيرها فلم أجده، ونجم الحمالة والكتابة: هو القدر المعين الذي يؤدى في وقت معين، وأصله أن العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النجم والمنازل، وأصله أن العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النجم والمنازل، لكونهم لا يعرفون الحساب، فيقول أحدهم: إذا طلع النجم الفلاني أديت حقك، فسميت الأوقات نجومًا فاحمل معهم، وقوله: أحال بوجهه، أي: ولاه وصرفه. وعليك: بمعنى عنك.
وقوله: إذا تلقى السحاق، أي: إذا لقيتهنَّ فاصبر عنهنّ، والسحاق، بالكسر، فسره ابن خالويه وقال: إنه جمع سحوق، ولم أر هذا الجمع، والمفرد في الكتب التي ذكرتها، والبواقي: جمع باقية، مصدر بمعنى انتظار الثوا، لوجهه: لذاته، وفيما، أي، في عمل، وتكدح: تسعى، وراعيًا: حافظًا. وقوله: وإن امرءًا أسدى، أي: أوصل وألقى، والمولى: ابن العم، ولا تجفه، أي: لا تعامله بالجفوة والغلظة، وعافيًا، بالفاء، أي: طالبًا، والشهاب: النار، وتسفع: تحرق، وحاميًا: شديد الحر، والسر: الجماع والفاحشة.
وترجمة الأعشى ميمون تقدَّمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٧) أتجزع إن نفسٌ أتاها حمامها فهلا الَّتي عن بين نبيك دافع
[ ٣ / ٣٠٣ ]
على أن "عن" زائدة التعويض عن أخرى محذوفة، قال ابن مالك في "شرح التسهيل": قال ابن جني: أراد: فهَّلا عن التي بين جنبيك تدفع، فحذف عن، وزادها بعد التي عوضًا، وقال أبو حيان بعد ما نقله: قد نصَّ سيبويه على أن "عن وعلى" لا يزادان عوضًا ولا غير عوض. انتهى. أقول: يحمل قول سيبويه على التقديم والتأخير، وإليه ذهب ابن عصفور، قال في كتاب "الضرائر": ومنه تقديم المجرور على حرف الجر، وهو من القلة بحيث لا يلتفت إليه نحو قوله: أتجزع إن نفس أتاها .. البيت، يريد: فهّلا عن التي بين جنبيك تدفع، وابن جني ذكر زيادة "على وعن" للتعويض في "المحتسب" عند توجيه قراءة ابن جماز: ﴿والله يريد الآخرة﴾ [الآية /٦٧] من سورة الأنفال، بحملها على عرض الآخرة، قال: وجه جواز ذلك، على عزته وقلة نظيره، أنه لما قال: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾، فجرى ذكر العرض؛ صار كأنه أعاده ثانيًا، فقال: عرض الآخرة، ولا ينكر نحو ذلك، ألا ترى إلى بيت "الكتاب":
أكلًّ امرئٍ تحسبين امرًا ونارٍ توقَّد باللَّيل نارا
وأن تقديره وكل نارٍ، فناب ذكره "كلَّا"، أول الكلام عن إعادتها في الآخرة وعليه بيته أيضًا:
إنَّ الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يومًا على من يتَّكل
أراد: من يتكل عليه، فحذف "عليه" من آخر الكلام استغناء عنها بزيادتها في قوله: على من يتكل، وإنما يريد: إن لم يجد من يتكل عليه، وعليه أيضًا قول الآخر: أتدفع عن نفس أتاها البيت، أراد: فهّلا عن التي بين
[ ٣ / ٣٠٤ ]
جنبيك تدفع، فزاد "عن" في قوله: عن بين جنبيك، وجعلها عروضًا من "عن" التي حذفها وهو يريدها [في قوله: فهلا التي، ومعناها: فهلا عن التي] وله نظائر. انتهى. وروي: "فهل أنت عما بين جنبيك دافع" فلا شاهد فيه.
قال أبو على القالي في "ذيل الأمالي": قال لنا الرياشي: قال العتبي: قال رجل من محارب يعزّي ابن عّمٍ له على ولده:
وإنَّ أخاك الكاره الورد وأردٌ وإنَّك مرأىً من أخيك ومسمع
وإنَّك لا تدري بأيَّة بلدةٍ صداك ولا عن أي جنبيك تصرع
أتجزع إن نفسٌ أتاها حمامها فهلّا الَّتي عن بين جمبيك تدفع
انتهى. وزاد عليه الآمدي في "المؤتلف والمختلف" فيمن يقال له ابن الملوح قال: ومنهم ابن الملوح الحارثي، وهو زيد بن رزين بن الملوح، أخو بني مّ ابن بكر بن علي بن جسر بن محارب، شاعر فارس، وهو القائل:
إنَّ أخاك الكاره الورد واردٌ . . . . . البيت
وإنَّك لا تدري بأيَّة بلدةٍ صداك ولا عنت أيِّ شقَّيك تصرع
وإنَّك لا تدري أبا لمكث تبتغي نجاح الَّذي حاولت أم تتسرَّع
وإنَّك لا تدري أشيءٌ تحبُّه .. أم أخر مما تكره النَّفس أنفع
أتجزع إن نفسًا أتاها حمامها فهل أنت عمّا بين جنبيك تدفع
[ ٣ / ٣٠٥ ]
انتهى. وقوله: إن أخاك الكاره، يقل: أخوك الذي يكره ورود حوض المنية، لابدَّ له من وروده على رغم أنفك، وإن كان بحضرتك بحيث يرى وجهك، ويسمع كلامك، وأنت لا تقدر على إنقاذه منه، وإذا كان الأمر على ذلك فسلم لقضاء الله، ولا تظهر الجزع، بل أنت لا تقدر على حفظ نفسك، ولا تصرف لك فيها، فلا تدري أين تموت أفي بلدك أم في غيرها؟ فإذا كان الإنسان لا يقدر أن يجلب النفع لنفسه، أو يدفع الضرَّ عنها، فعدم قدرته لغيره من باب أولى، والصدى: جسد الإنسان بعد الموت، والشق، فعدم قدرته لغيره من باب أولى، والصدى: جسد الإنسان بعد الموت، والشق، بالكسر: الجانب وقوله: "أتجزع إن نغسًا" الهمزة للاستفهام التوبيخي، وبخَّ ابن عمه على شدة جزعه على موت ولده- وابن وحيي قال مع وقوفه على الأبيات: خاطب به نفسه على وجه التجريد- وإن: شرطية، نفسًا: منصوب بفعل يفسره ما بعده، وروي: إن نفس، بالرفع؛ فتكون فاعلًا بفعل محذوف أيضًا، أي: إن هلكت نفس، وهو لازم. قوله: أتاها حمامها؛ والحمام بالكسر: الموت، ورأيته مضبوطًا بخط بعض المتقنين من المتقدمين: أن نفس، بفتحة على "أن" فتكون مصدرية واللام مقدرة قبلها، وكذلك يقدر الفعل الرافع لنفس، ورأيت في نسخة "المحتسب" وهي صحيحة مقروءة: "أتدفع عن نفس" فتكون "عن متعلقة بتدفع. ومفعول تدفع في جميع الوجوه محذوف، وهو الموت، وكذلك يقدر في الثاني، أي: فهلا تدفع الموت عن نفسك التي بين جنبيك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٨) أعن ترسَّمت من خرقاء منزلة الصّبابة من عينيك مجسوم
[ ٣ / ٣٠٦ ]
على أ، "عن" هي "أن" المصدرية عند بنى تميم، في "المفصل": وتميم وأسد يحولون همزتها عينًا، قال ابن يعيش في "شرح المفصل": وذلك في "أنْ" "وأنّ" خاصة، ولا يجوز مثل ذلك في المكسورة. انتهى. وهي لغة مرجوحة، قال ثعلب في" أماليه": ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وتضجّع قيس، وعجرفية ضبة [وتلتلة بهراء].
فأما عنعنة تميم؛ فإن تميمًا تقول في موضع أن: عن، تقول: عنِّ عبد الله قائن، قال: وسعت ذا الرمة ينشد عبد الملك:
أعن ترسَّمت من خرقاء منزلةً
قال: وسمعت ابن هرمة ينشد هارون، وكان ابن هرمة ربي في ديار تميم:
أعن تغنَّت على ساقٍ مطوَّقةٌ ورقاء تدعو هديلًا فوق أعواد
وأما تلتلة بهراء؛ فإنهم يقولون: تعلمون وتفعلون وتصنعون، بكسر أوائل الحروف. انتهى.
وقال ابن جني في "سر الصناعة" بعد نقله ما تقدم: فأما كشكشة ربيعة؛ فإنما يريد بها قولها مع كاف ضمير المؤنث: إنكش، ورأتكش، وأعطيتكش، تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقطت الشين.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
وأما كسكسة هوازن. فقولهم أيضًا: أعطيتكس، ومنكس، وعنكس، وهذا أيضًا في الوقف دون الوصل. انتهى.
والهمزة للاستفهام التقريري، جرد من نفسه نفسًا فخاطبها، وأن ترسمت: في تأويل مصدر مجرور بلام محذوفة متعلقة بمسجوم، والتقدير: الأجل ترسمك ونظرك دارها التي نزلت فيها بكت عينك وأسالت دموعها؟ قال شارح "ديوان ذى الرمة" أبو العباس الأحول: الترسّم: التفرس والتثبت في أثر الرسم، وروي: "أأن توهمت" أي: تخيلت، والعرب تقول: منزل ومنزلة، ومكان ومكانة، ودار ودارة، وباب وبابة. ومسجوم: مصبوب، سجمت عينه تسجم سجومًا وسجمًا، وهي عين سجوم، وكذلك سحابة. انتهى.
وقال الأصمعي في كتاب "خلق الإنسان": شخص كل شيء: طلله، فإذا كان أسر ليس له شخص مرتفع فهو رسم، وأنشد البيت: أأن ترسمت، ثم قال: وبعضهم يقول: أعن ترسمت، بقلب الهمزة عينًا. انتهى. والصبابة: رقة الشوق، وخرقاء، قيل: هي ميَّة صاحبة ذي الرمة، وقيل: هي غير ميَّة.
قال ابن قتيبة في ترجمته من كتاب "الشعراء": وكان ذو الرمة أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته ميَّة بنت فلان بن طلبة بن قيس بن عاصم [بن سنان]، ومكثت ميَّة زمانًا لا تراه وتسمع بشعره، فجعلت الله عليها أن تنحر بدنة إن رأته، فلما نظرت إليه رأت رجلًا أسود دميمًا [وكانت من أجمل النساء]، فقالت: واسوأتاه! كأنها لم ترضه، فقال:
على وجه ميٍ مسحةٌ من ملاحةٍ وتحت الثّياب الشَّين لو كان باديا
ألم تر أنَّ الماء يخبث طعمه وإن كان لون الماء أبيض صافيًا
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وكان يشيب [أيضًا] بخرقاء، وهي من بني البكاء بن عامر [بن صعصة] وكان سبب تشبيه بها أنه مرَّ في بعض أسفاره ببعض البوادي، وإذا خرقاء خارجة من خباء لها، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق إدواته ودنا منها، وقال: إني رجل علىظهر سفر، وقد تخرقت إدواتي فأصلحها [لي]، يستطعم بذلك كلامها، فقالت: والله إني ما أحسن العمل، وإني لخرقاء، والخرقاء: التي لا تعمل شيئًا بيدها لكرامتها على أهلها، فشبب بها وسماها خرقاء.
[و] قال المفضل الصبي: كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حجت، فقال لي يومًا: هل لك في خرقاء صاحبة ذي الرمة"؟ قلت: بلى، فتوجهنا نريدها، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل، فإذا أبيات [شعر]، فقرع بابًا منها فخرجت إلينا امرأة حسَّانة بها قوة، فتحدثنا طويلًا فقالت: أحججت قبل هذه؟ قلت: بلى قالت: فما منعك من زيارتي؟ أما علمت أني منسك من مناسك الحج! قلت: وكيف ذلك؟ قالت: أما سمعت قول ذي الرمة:
تمام الحجّ أن تقف المطايا على خرقاء واضعة اللَّثام
انتهى كلام ابن قتيبة، وهو صريح في أنّ خرقاء غير ميَّة.
وقال ثعلب: خرقاء هي ميّة، وذلك أن ميّة لقبته بذي الرمة، واسمه غيلان، وذلك أنه مرّ بخبائها قبل أن ينسب بها، فرآها فأعجبته، فأحب الكلام معها، فخرق دلوه وأقبل إليها، وقال: يا فتاة! اخرزي لي هذا الدلو، فقالت: إنني خرقاء –والخرقاء: التي لا تحسن عملًا- فخجل ووضع دلوه على عنقه، وهي مشدودة بقطعة حبل بال، وولّى راجعًا، فعلمت ميّة ما أراد، فقالت: يا ذا الرمة انصرف، فانصرف، فقالت له: إن كنت أنا خرقاء فإن
[ ٣ / ٣٠٩ ]
متي صناع، فاجلس جتى تخرز دلوك، ثم دعت أمتها وقالت: اخرزي له هذه الدلو، وكان ذو الرمة يسمي مية خرقاء لقولها: إنني خرقاء، وغلب عليه ذو الرمة لقولها: يا ذر الرمة. انتهى كلامه.
والبييت مطلع قصيدة طويلة لذي الرمة، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٩) ولقد أراني للرِّماح دريَّةً من عن يميني مرَّةً وأمامي
على أن فيه اسم بمعنى جانب، ومن زائدة عند ابن مالك، ولابتداء الغاية عند أبي حيان، والتوجيه الذي ذكره المصنف هو توجيه أبي حيان، والبيت من أربعة أبيات أوردها أبو تمام في "الحماسة" لقطري بن الفجاءة وهي:
لا يركبن أحدٌ إلى الإحجام يوم الوغى متخوِّفًا لحمام
فلقد أراني .. البيت
حتّى خضبت لما تحدّر من دمي أكناف سرجي أو عنان لجامي
ثمَّ انصرفت وقد أصبت ولم أصب
جذع البصيرة قارح الإقدام
قوله: لا يركنن أحدٌ .. الخ، لا: ناهية، وركن إلى الشيء: مال
[ ٣ / ٣١٠ ]
إليه، والإحجام بتقديم المهلة: التأخر والنكوص، والمتخوف: الخائف شيئًا بعد شيء، والحمام بالكسر: الموت.
وهذا البيت أورده شراح "الألفية" شاهدًا لنجيء الحال من النكرة لوقوعها بعد النهي. والوغا: الحرب، وقوله: ولقد أراني .. الخ، أي: أعلمني، ودرَّية: مفعوله الثاني، أو حال، وأرى بصرية، والمضاف إلى الياء محذوف، أي: أبصر نفسي، قال ثعلب، الدرية، بالهمز: الحلقة التي يرمي فيها المتعلم ويطعن، والدرية، بلا همز: الناقة ترسل مع الوحش لتستأنس بها، ثم يستتر بها ويرمى الوحش، قال شراح "الحماسة": ويمكن حمل البيت عليهما، فالمراد على الأول: أن الطعن، كما يكون ذلك البعير سترة على الصائد، وإنما اقتصر على اليمين والأمام لأنه يعلم أن اليسار في ذلك كاليمين، وأما الظهر فإن الفارس لا يمكن منه أحدًا، و"من" متعلقة بمحذوف، أي: أطعن بها من هذه الجهات.
وقوله: حتى خضبت .. الخ، حتى: ابتدئية، وهي غاية لما قبلها، وأكناف السرج: جوانبه، وعنان اللجام: سيره الذي تمسك به الدابة، وأو للتقسيم، والمعنى: انتصبت للرماح حتى خضبت بما سال من دمي جوانب السرج، وعنان فرسي بحسب وقوع الطعن، فالعنان لما سال من أعاليه، وجوانب السرج لما سال من أسافله. وقيل: إنما أراد دم من قتله، فأضاف إلى نفسه لأنه أراقه.
وقوله: حتى خضبت .. الخ: ابتدائية، وهي غاية لما قبلها، وأكناف السرج: جوانبه، وعنان اللجام: سيره الذي تمسك به الدابة، وأو للتقسيم، والمعنى: انتصبت للرماح حتى خضبت بما سال من دمي جوانب السرج، وعنان فرسي بحسب وقوع الطعن، فالعنان لما سال من أعاليه، وجوانب السرج، لما سال من أسافله. وقيل: إنما أراد دم من قتله، فأضاف إلى نفسه لأنه أراقه.
وقوله: وقد أصبت ولم أصب، الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول، وجذع وقارح: حالان، والجذع، بفتح الجيم والذال المعجمة: الشاب، والقارح: المنتهي في السن، وأصلها في الخيل وذي الحافر، وذلك أن المهر يركب
[ ٣ / ٣١١ ]
بعد حول سياسة ورياضة، فإذا بلغ حولين فهو جزع، فحينئذ يستغني عن الرياضة، يقول: أنا جذع البصيرة لا أحتاج إلى تهذيب، وإقدامي قارح، أي: قد بلغ النهاية. وقد استوفينا الكلام عليه في الشاهد التاسع والعشرين بعد الثمانية من شواهد الرضي.
وقطري هو رأس الخوارج كأن أحد الأبطال، خرج في مدة ابن الزبير، وبقي يقاتل ويستظهر بضعة عشر سنة، وسلم عليه بإمرة المؤمنين، وجهز عليه الحجاج جيشًا بعد جيش وهو يكسرهم، وتغلب على نواحي فارس وغيرها، وقد ذكر المبرد في "الكامل" كثيرًا من أخباره وأشعاره، وكان مع شجاعته من البلغاء، وله شعر جيد، وكان آخر أمره أن الحجاج ندب له سفيان ابن الأبرد في جيش كثيف، فأدركوه في شعب من شعاب طبرستان فقاتلوه، فتفرق عنه أصحابه، وسقط عن فرسه فتدهده إلى أسفل الشعب، وأتاه علج من أهل البلد، فحدر عليه جرًا من فوقه فأوهن وركه، وصاح بالناس فأقبلوا نحوه، وجاء نفر من أهل الكوفة فقتلوه، وأرسلوا رأسه إلى الحجاج، فسيره إلى عبد الملك، وذلك في سنة سبع وسبعين، بتقديم السين على الموحدة فيهما، كذا في "تاريخ النويري".
وقطري بفتحتين: منسوب إلى قطر، وهو موضع بين البحر وعمان من بلاد البحرين، وهو قطري بن الفجاءة المازني، نسبة إلى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وفجاءة، بضم الفاء بعدها جيم فألف ممدودة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد المائتين:
(٢٤٠) على عن يميني مرَّت الطّير سنّحًا
[ ٣ / ٣١٢ ]
تمامه:
وكيف سنوحٌ واليمين قطيع
على أن "عن" اسم لدخول "على" عليها، ولم ير جرٌّ "عن" بـ "على" إلا في هذا البيت، وقد أنشده أبو حيان في "شرح التسهيل" وفي "الارتشاف" كذا، وتبعه العيني والسيوطي وغيرهما، وعلى متعلقة بـ "مرت". وفي "تهذيب الأزهري" قال الليث: الطير معروف، وهو اسم جامع مؤنث والواحد طائر، وقلما يقولون طائرة للأنثى، وقال أحمد بن يحيى: الناس كلهم يقولون للواحد كائر، وأبو عبيد معهم، ثم انفرد فأجاز أن يقال طير للواحد، وجمعه على طيور. انتهى. والمراد هنا الجمع بدليل سنحًا، وهو حال منه، جمع سانح، وهو ما أتاك عن يمينك من طائر أو ظبي أو غير ذلك بتيمَّن به، تقول: سنح لنا سنوحًا كذا في "تهذيب أزهري" وقال المبرد: السانح: ما أراك مياسره فأمكن الصائد، والبارح: ما أراك ميامنه فلم يمكن الصائد إلا أن يتحرف له، وقال ابن دريد: السانح يتيمن به أهل نجد، ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية بالعكس، والجابه والناطح: اللذان يستقبلانك، والقعيد: الذي يأتي من ورائك. والكادس: الذي ينزل عليك من فوق الجبل، وكذا في "العمدة" لابن رشيق عن الليث. وقوله: وكيف سنوح؛ كيف: اسم استفهام للإنكار متعلقة بمحذوف على أنه خبر مقدم، وسنوح: مبتدأ مؤخر، وصح الابتداء بالنكرة لتقدم الخبر وتقدم الاستلهام، ولكون السنوح عبارة عن مرور
[ ٣ / ٣١٣ ]
الطير من جهة اليمين، وجملة "واليمين قطيع": حال من ضمير الظرف، وهو كيف، يقول: أي يمن وأي فائدة في مرور الطير في حالة كون اليمين مقطوعة، ولو كانت اليمين سالمة لأمكن صيدها بسهم أو مقلاع أو غيرهما! أو المعنى: أي يمن في مرورها بعد قطع اليمين؟ ولو مرت قبل قطع يميني لتمنت بها.
ولم أقف على بقية الأبيات، ولا على قائله حتى أتحقق مقصود الشاعر من السياق. واليمين: اليد اليمنى مؤنثة، وقطيع: بمعنى مقطوع.
والمصنف إنما أنشد المصراع الأول اكتفاء لشهرته بشروح "التسهيل والارتشاف" ولكون الدماميني لم يستحضر المصراع الثاني، قال: هذا نصف بيت من بحر الطويل لا بيت، ولا أعرف تمامه، ولم أر من أنشده تامًا. انتهى. قال ابن الملا: وكأنه لم يقف عليه في "شرح الشواهد" بعد ذهاب الدماميني إلى الهند، وعلى فرض أنه شرحها قبل ذهابه لم يشتهر، مع أن المعاصر حاله معلومة، ورتبة العيني فى النحو وغيره بالنسبة إلى الدماميني ظاهرة واضحة، هذا وقد كمل العيزري في "مدني الأريب من حاصل مغني اللبيب" البيت بمصراع آخر قال:
على عن يميني مرَّت الطَّير سبحًَّا رجومًا بأقطار الفضا وشمالي
أي: على جانب يميني، واستشهد بالبيت للغة "أكلوني البراغيث" ورووه لذلك: "على عن يميني مرّها الطير سبحًا .. " و"على" هذه من "علا يعلو" وفيه ضمير المرَّ، والهاء في مرها: ضمير الطير، لأنها مؤنثة، كما قال تعالى: ﴿والطير محشورةً﴾ [ص/ ١٩] وقدمه على ظاهره على مقتضى اللغة المذكورة، هذا كلامه، ومن خطه نقلت، وضبط في الموضعين "سبحًا" بموحدة بدل النون، وهو تحريف قطعًا والمصراع الثاني لا أشك أنه مصنوع، والله أعلم.
[ ٣ / ٣١٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد المائتين:
(٢٤١) دع عنك نهبًا صيح في حجراته
تمامه:
ولكن حديثًا ما حديث الرّواحل
على أن "عن" فيه اسم لما ذكره، وتقدم الجواب عنه من كلام أبي حيان في شرح: هون عليك البيت، وهو أول أبيات تسعة لامرئ القيس، وهو ما ذكره المصنف هنا، قالا لجاحظ في كتاب "البيان": إن امرأ القيس بعد أن قتل أبوه طلبه المنذر بن ماء السناء، فأعجزه وخرج هاربًا حتى استجار بهانئ بن مسعود الشيباني، فلم يجره، فلحق بسعد بن الضباب الإيادي فأجاره، فخافه امرؤ القيس، فخرج عنه حتى نزل برجل من طيء، يقال له: طريف بن مل، وكان في قلة، فخاف أن لا يمنعه، فظعن من عنده وأنشأ فيقول:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن ملً ليلة الجوع والخصر
فنزل على المعلى بن تيم بن ثعلبة الطائي، وذكر له خيل سلمى وعدد أهلها، فظعن إليها وهو يقول:
[ ٣ / ٣١٥ ]
كأنِّي إذ نزلت على المعلَّى نزلت على البواذخ من شمام
قما ملك العراق علىلمعلَّى بمقتدرٍ ولا ملك الشام
أقرَّ حشا امرئ القيس بن حجرٍ
بنو تيمٍ مصابيح الظَّلام
فانتهى إليهم، فاستجار بسيدهم خالد بن سدوس بن أصبغ النبهاني فأجاره، فأغار باعث بن خويص على إبل امرئ القيس فاستاقها، فقال امرؤ القيس: يا خالد، خفارتك! قال: لا والله ما عندي من ظهر أطلب الرجل عله، قال: فعليك نجائبي هذه فاطلبه عليها، فركبها في عصابة من قومه فأدركوا باعثًا، فقال: أي باعث، أعلىّ جاري وثبت، وعلى حرمتي انتهت!؟ فقال باعث: والذي بيته بالسماء، إن السمة التي بنجائبي هذه لبهذه الرواحل، قالوا: كذلك، فأنزلوه وأصحابه وذهبوا بها، فأقبل إلى امرئ القيس فأخبره، فقال امرؤ القيس يهجوه:
دع عنك نهبًا صيح في حجراته ولكن حديثًا ما حديث الرّواحل
كأنَّ دثارًا حلَّقت بلبونه عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
تلعَّب باعثٌ بجيران خالدٍ وأودى دثارٌ في الخطوب الأوائل
وأعجبني مشي الحزَّقة خالدٍ كمشي الأتان حلَّئت بالمناهل
ثم ظعن ارء القيس، ارتحل عنه حتى نزل على عامر بن جوين الطائي، فلما رأى عامر أعجبه، وحدث نفسه بالغدر به، فقال عامر:
[ ٣ / ٣١٦ ]
لم أر مثلها خباسة واحدٍ ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
هنالك لا أعطي مليكًا قياده ولا سوقًة حتًّى يؤوب ابن مندله
فلما سمع ذلك امرؤ القيس ارتحل عنه جتى نزل على أبي حنبل، وهو حارثة ابن مر التغلبي، ومن هنا ظعن امرؤ القيس إلى قيصر ملك الروم، وذكر حكايته إلى أن هلك بأنقرة.
وقوله: "دع عنك نهبًا صيح في حجراته": هذا المصراع أورده الميداني في كتابه "مجمع الأمثال" وقال: النهب: المال المنهوب وكذلك النهبى، والحجرات: النواحي، يضرب لمن ذهب من ماله شيء، ثم ذهب بعده ما هو أل منه، ثم أورد حكاية الرواحل كما أوردها الجاحظ وقال: يقول: دع النهب الذي انتهبه باعث، / ولكن حدثني حديثًا عن الرواحل التي ذهبت أنت بها ما فعلت؟ ثم قال في هجائه:
وأعجبني مشي الحزقَّة خالدٍ .. البيت
وكذاك أورد المصراع الأول إسماعيل بن هبة الله الموصلي الشافي في أولياته المسماة: "غاية الوسائل إلى معرفة الأوائل" وحكي الحكاية نحو ما تقدمت، وقال: فقال له خالد: أعطني رواحلك حتى أطلب عليها مالك، ففعل امرؤ الفيس فانطوى عليها، ويقال: بل لحق بباعث وأصحابه فقال لهم: أغرتم على جاري يا بني جديلة! قالوا: والله ما هو لك بجارٍ، قال: بلى والله ما هذه الإبل التي معكم إلا كالرواحل التي تحتي، فقالوا: هو كذلك، فأنزلوه وذهبوا بها. يضرب لمن ذهب من ماله شيء، ثم ذهب بعده ما هو أجل منه. انتهى. وقيل:
[ ٣ / ٣١٧ ]
نهب مضاف محذوف، ي: دع عنك ذكر نهب، وصيح: مجهول صاح به، وفي حجراته: نائب الفاعل، وهو بفتح الحاء والجيم؛ جمع حجرة، بسكون الجيم، وهي الناحية، والجملة صفة نهب، والمراد: صيح عليه في حجراته، وحديثًا: عامله محذوف، أي: ولكن حدثني حديثًا. وما: استفهامية مبتدأ وحديث: خبره، أو بالعكس، وقد أخطأ ابن الملا هنا في المعنى والإعراب، فإنه قال: اترك نهب المال، واشتغل بأمر النساء ذوات الرواحل، وما: زائدة، وحديث الرواحل: بدل من "حديثًا" بدل معرفة من نكرة. انتهى. وقوله: كأن دثارًا .. الخ، هو راعي إبل امرئ القيس، وحلقت: من التحليق، وهو ارتفاع الطير في الجو، واللبون من الإبل والشاء: ذات اللبن، وننوفى بالقصر: جبل عالٍ، والقواعل: جبال صغار، ويأتي إن شاء الله تعالى شرح هذا البيت مفصلًا في بحث "لا" العاطفة.
وقوله: وأعجبني مشي الحزقة خالد: الحزقة بضم الحاء، المهملة والزاء المعجمة وتشديد القاف: هو القصير العظيم البطن، وخالد بالجر بدل منه، وقال العيني: الحزقة: لقب، ويقال: ضرب من المشي، فمن جعله ضربًا من المشي نصبه، ومن جعله لقبًا رفعه. انتهى. وهو كلام لا يعقل لأنه وقع هنا مضافًا إليه، وكيف يتصور نصبه أو رفعه على أني لم أر الحزقة بمعنى المشي، وحلئت بالبناء للمفعول: من حلأت الإبل عن الماء تحلئة، بالهمز، إذا طردتها عنه ومنعتها أن ترد، والأتان: أثنى الحمار، شبهه بها تحقيرًا له، والمنهل: المورد، وهو عين ماء ترده الإبل وغيرها. وبعد هذا أبيات خمسة شرحناها في الشاهد الثاني عشر بعد التسعمائة من شواهد الرضي، وترجمة امرئ القيس تقدّمت في الإنشاد الرابع
[ ٣ / ٣١٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٢) دع عنك لومي فإنَّ اللَّوم إغراء ودواني بالتي كانت هي الدَّاء
لما تقدم قبله، والبيت مطلع قصيدة لأبي نواس عدتها اثنا عشر بيتًا، وبعده:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسَّها حجرٌ مسَّته سرَّاء
من كفِّ ذات حرٍ في زيِّ ذي ذكرٍ لها محبّان لوطيٌّ وزنَّاء
قامت بإبريقها واللَّيل معتكرٌ فلاح في وجهها في البيت لالاء
فأرسلت من فم الإبريق صافيةً كأنَّما أخذها بالعقل إغفاء
رَّقت عن الماء حتّى ما يلائمها لطافةً وجفا عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نورًا لمازجها حتّى تولَّد أنوارٌ وأضواء
دارت على فتيةٍ ذلَّ الزَّمان لهم فما يصيبهم إلَّا بما شاؤوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ كانت تحلُّ بها هندٌ وأسماء
حاشى لدرّة أن تبنى الخيام بها وأن تروح عليها الإبل والشّاء
فقل لمن يدَّعي في العلم فلسفةً حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء
لا تحظر العفو إن كنت امرأ حرجًا فإن حظركه بالدِّين إزراء
وهذان البيتان الأخيران تعويض بإبراهيم بن النظَّام، وكان مرَّ به يومًا وهو بناظر في الوعيد ويقول: إن من مات مرتكبًا لكبيرة غير تائب منها لم يعف
[ ٣ / ٣١٩ ]
الله عنه، وخلده في النار، فأشار إليه بقوله: فقل لمن يدعي في العلم .. البيت. قال أبو حاتم السجستاني: إن أبا نواس كان صحب النظام صغيرًا، فأخذ الكلام منه، ثم فارقه وهجاه بقوله: فقل لمن يدعي في العلم فلسفة البيت. ومن العجيب هنا ما في "الحواشي الحسنية على المطول" عند ذكر قوله: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها .. البيت، فإنه قال: هو في صفاء الذهب، وقيل: هي الخمر، قال المرزباني في كتاب "الموشح": أخبرني محمد بن يحيى قال: قال المجنون:
تداويت من ليلى بليلى وحبَّها كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
فكان هذا من أحسن المعاني بأحسن الألفاظ، وإن كان الأصل فيه قول الأعشى:
وكأسٍ شربت على لذَّةٍ وأخرى تداويت منها بها
فأخذه أبو نواس، فوالله ما بلغه وظهر في لفظه تكلف، فقال: دع عنك لومي .. البيت، والكلفة في قوله: "بالتي هي الداء". وقال البحتري سارقًا للفظ، ومقصرًا عن الطبع والمعنى:
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى بماء الرُّبى من بات بالماء يشرق
[ ٣ / ٣٢٠ ]
انتهى: ولقد تحامل على أبي نواس في ادعاء الكلفة على أن مأخذ بيته ليس قول الأعشى، وإنما أخذ عجزه، وأما صدره فمن قول غلام نصراني، كما حكاه عنه أبو هفان فيما رواه جامع ديوانه على بن حمزة بن الحسن الأصبهاني قال: وروى أبو هفان عن أبي نواس قال: دخلت يومًا إلى بعض الخرابات، فرأيت قربة مملوءة ماء مسندة إلى حائط، فلما توسطت الخربة، أبصرت نصرانيًا قد علاه سقاء، فلما وقع بصره عليّ، انفصل عن النصراني، وأخذ قربته وعدا، فقام النصراني غير محتشم يشد سراويله في وجهي، وأقبل علي فقال:
أفزعت ذا نبعةٍ في رأسها كرةٌ كانت شفائي وفقداني لها داء
فمرَّ يسعى بها مثل الحمار وهل عارٌ بمثلي أن يعلوه سقَّاء
قال أبو نواس: فعجبت من بديهته، وقربت إليه، وقبضت على ركابه، فيما استوى في سرجه، نقر كتفي وقال: لا تلومن أحدًا على هواه، فإن لومك إياه إغراء، فانصرفت عنه سارقًا لفظته، فقتل من ساعتي:
دع عنك لومي فإنَّ اللَّوم إغراء . . . . . البيت
قال ابن قتيبة في ديباجة "كتاب الشعراء": كان الناس يستجيدون قول الأعشى:
وكأسٍ شربت على لذَّةٍ وأخرى تداويت منها بها
إلى أن قال أبو نواس: دع عنك لومي .. البيت، فزاد فيه معنى اجتمع له به الحسن في صدره وعجزه، فللأعشى فضل السبق، ولأبي نواس فضل الزيادة عليه. وقال الرشيد للمفضل الضبي: اذكر لي بيتًا يحتاج إلى مقارعة
[ ٣ / ٣٢١ ]
الأذهان في إخراج خبيئه، ثم دعنى وإياه، فقال: أتعرف بيتًا أوله أعرابي في شملته، هابً من نومته، كأنما ورد على ركب جرى في أجفانهم الوسن، فظل يستفزهم بعنجهيّة البدو، وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق، غذي بماء العقيق؟ قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل:
ألا أيُّها الرَّكب النيام ألا هبُّوا
ثم أدركته رقة الشوق فقال:
أسائلكم هل يقتل الرَّجل الحبُّ
قال له: أفتعرف أنت بيتًا أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي ونبل العظة، وآخره إبقراط لمعرفته بالداء والدواء؟ قال: قد هوّلت علي، فليت شعري بأي مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ ! قال: بإنصاتك وإنصافك، وهو بيت الحسن بن هانئ: دع عنك لومي .. البيت. وقد أورد هذه الحكاية ابن عبد ربه في "العقد الغوَّاص" حكاية ظريفة تتعلق ببيتي الأعشى وأبي نواس أحببت إيرادها هنا، قال: حكي أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة عن دواء الخمار وقد علق به، فأعرض عن كلامه، وقال: ما أنا وهذه المسألة! فخجل حامد منه، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر، فسأله عن ذلك، فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر /٧] وقال النبي (ﷺ):
[ ٣ / ٣٢٢ ]
"استعينوا في الصناعات بأهلها" والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، وقد قال:
وكأسٍ شربت على لذَّةٍ . . . . . البيت
ثم تلاه أبو نواس في الإسلام وقال: دع عنك لومي .. البيت، فأسفر حينئذ وجه حامد، وقال لعلي بن عيسى: ما ضرك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله، ﷿، أولًا، ثم بقول الرسول، (ﷺ) ثانيًا، وبينّ الفتيا، وأدى المعنى، وتفصّى من العهدة؟ ! فكان حجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة. هذا آخر كلام الحريري.
وأبو نواس: هو أبو علي، الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح الحكمي - بفتح الحاء والكاف - نسبة إلى الحكم بن سعد العشيرة، وهي قبيلة كبيرة باليمن، منها الجراح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان، وكان جد أبي نواس من مواليه، وإنما قيل له: أبو نواس؛ لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقه، والذؤابة، بهمزة بعد الذال المضمومة: الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملوية فهي عقيصة، وناس ينوس: إذا تدلى وتحرك، وقيل غير ذلك. ومولده بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، ونشأ بالبصرة، ثم خرج إلى الكوفة، وقيل غير ذلك. وأمه أهوازية واسمها جلبان، وأبوه من أهل دمشق من جند مروان الحمار، وقدم بغداد مع والبة بن
[ ٣ / ٣٢٣ ]
الحباب الشاعر، وبه تخرج وعرض القرآن على يعقوب الحضرمي، وأخذ اللغة عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة. ومدح الخلفاء والوزراء، وكان في الشعر من الطبقة الأولى من المولدين، قال أبو عبيدة: هو للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في الكل، ومازال العلماء والأشراف يروون شعره ويتفكهون به، لأنه محكم القول لا يخطئ، ويفضلونه على أشعار القدماء. وقال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بهذه الأقذار لاحتجنا به.
وقد اعتنى بجمع شعره جماعة منهم أبو بكر الصولي، ومنهم علي بن حمزة الأصبهاني ومنهم إبراهيم بن أحمد الطبري، وجمع أبو هفان ما قاله على وجه الخلاعة والاستهتار، ونوادره المعجبة، وأخباره المطربة في مجلد لطيف.
"عوض"
وأنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٣) رضيعي لبان ثدي أمِّ تقاسما بأسحم داجٍ عوض لا نتفرَّق
على أنه ظرف لنتفرق، يرد عليه أن "لا" النافية لها الصدر فتمنع عمل ما بعدها فيها قبلها؛ وأجاب عنه المصنف في آخر النوع الثاني عشر من الجهة السادسة من الباب الخامس، بأنه مغتفر، لتوسعهم في الظروف. وكذا هو عند الرضي وابن يعيش وشارح "اللباب" والجميع تابعون لابن جني في "إعراب الحماسة" قال: روي قول الأعشي: "عوض لا نتفرق" بالفتح والضم، أي: لا نتفرق أبدًا، وذهب الكوفيون إلى أن "عوض" هنا قسم، وأن "لا نتفرق" إنما
[ ٣ / ٣٢٤ ]
هو جوابه، وليس الأمر عندنا كذلك، وإنما قوله: "لا نتفرق" جواب تقاسما،
كقوله تعالى: ﴿تقاسَموا باللهٍ لنُبيّننّهُ﴾ [النمل/٤٩] أي: تحالفا على ذلك، انتهى. وممن قال: إن عوض في لبيت ظرف مستقبل لنتفرق، أبو زيد، قال: قوله: عوض لا نفترق، أي: لا نتفرق أبدًا.
ونقل الأزهري عنه بأنه يستعمل في ظرف الماضي أيضًا، قال: وقال أبو زيد: يقال: لا أفعله عوض، أي: أبدًا، ويقال: ما رأيت مثله عوض، لم أر مثله قط. وأنشد:
فلم أر عامًا عوض أكثر هالكًا ووجه غلامٍ يشترى وغلامه انتهى.
وكذا، نقل العسكري في كتاب"التصحيف" عن ابن دريد قال: قرأت عن أبي بكر ابن دريد:
فلم أر عامًا عوض. . البيت."عوض": اسم معرفة، وهو اسم للدهر، يضم ويفتح، والبصريون يقولونه بالضم، ومثله قول الأعشى: "عوض لا نتفرق" أي: لا نتفرق الدهر. انتهى.
وقوله: وهو اسم معرفة، قصد به الرد على الليث فيما نقله الأزهري والصاغاني عنه، قالا: قال:
وبعض الناس يقول: هو الدهر والزمان، يقول الرجل لصاحبه: عوض لا يكون ذلك أبدًا، فلو كان عوض اسمًا للزمان لجرى بالتنوين، ولكنه حرف يراد به القسم، كما أن أجل ونعم، ونحوهما مما لم يتمكن في التصريف حمل على غير الإعراب. انتهى. ووجه كونه معرفة بناؤه على الضم لتضمنه معنى لام
[ ٣ / ٣٢٥ ]
التعريف. قال المرزوقي: عوض اسم الدهر معرفة مبني، وكما ينبني على الفتح ينبني على الضم.
وبناؤه على الضم حكاه الكوفيون، وإنما بني لتضمنه معنى الألف واللام. انتهى.
والقول بأنه حرف لا اسم واه جدًا. وقول المصنف: وقال ابن الكلبي: قسم؛ وهو اسم صنم،
هذا قول الكوفيين، جعلوه مقسمًا به، قال ابن السيد في شرح أبيات"الجمل" وفي شرح أبيات
"أدب الكاتب" وتبعه اللخمي: من جعل"عوض" اسم صنم جاز في إعرابه ثلاثة أوجه؛
أحدهما: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قال: عوض قسمنا الذي نقسم به، وجاز أن يكون في موضع نصب، على أن تقدر فيه حرف الجر وتحذفه، كقولك: يمين الله لأفعلن، ويجوز أن يكون في موضع خفض على إضمار حرف القسم، وهو أضعف الوجوه. ومن اعتقد هذا لزمه أن يجعل الباء في قوله"بأسحم" بمعنى"في" انتهى. وقد ردَّ المصنف هذا القول بأنه لو كان كما زعم لم يتجه بناؤه في البيت، يريد: أنه فيه مبني بناء الظروف المقطوعة عن الإضافة. ولو كان اسم الصنم لأعرب كما أعرب في قوله: حلفت بمائراتٍ حول عوضٍ
وكان الواجب حينئذ إما جره بحرف القسم، أو نصبه بحذفها، بالتنوين فيها، لأنه عند هذا القائل مقسم به، وجملة"لا نتفرق" جوابه، فإنتفاء إعرابه ينتفي كونه اسم صنم، لتقدم المقسم به قبله، ولبنائه. وأيضًا لا يجوز حذف حرف القسم عند ذكر الفعل. انتهى.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
ومراد المصنف أن عوض الواقع في بيت الأعشي اسم صنم عند ابن الكلبي، وهو مقسم به، كما بينه ابن السيد وغيره، فلا يتأتى ما تكلفه الدمامينى بقوله: يمكن أن يصحح كلام ابن الكلبي بأن يكون معنى قوله: إن عوض قسم، أنه ساد مد القسم، فأطلق عليه أنه قسم بهذا الاعتبار، وبناؤه حينئذ متجه، لأنه ظرف مقطوع عن الإضافة، وتقديمه على عامله لغرض جعله قائمًا مقام الجملة القسمية،
فإن قلت: قوله: وهو اسم صنم يأبى ذلك. قلت: هو عائد على عوض، لا باعتبار كونه ظرفًا سد مد القسم بل باعتبار لفظه فقط، فيكون من باب الاستخدام. هذا كلامه.
والبيت من قصيدة للأعشى، مدح بها المحلق العامري، وقبله:
لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ إلي ضوء نارٍ في يفاعٍ تحرَّق
تشبُّ لمقرورين يصطليانها وبات على النّار النَّدى والمحلَّق
رضيعي لبان ثدي أمٍّ تقاسما البيت
وقد تقدم شرح البيتين مفصلًا في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد المائة. وقوله: رضيعي لبان،
منصوب على المدح، وجوز ابن السيد واللخمي أن يكون حالً من الندى والمحلق، ويكون قوله: على النار، خبر بات والعكس، وأن يكونا خبرين. أقول: أما الأول، ففيه مع ضعف مجيء الحال
من المبتدأ المنسوخ، فساد المعنى، لأنه يقتضي أن يكونا غير رضيعين في غير بيانهما على النار،
وجودة المعنى تقتضى أنهما رضيعان مذ ولد. وأما الأخيران ففيهما قبح التضمين الذي هو من عيوب الشعر، وهذا يرد أيضًا على الحالية وعلى جعله بدلًا
[ ٣ / ٣٢٧ ]
من مقرورين، وعلى جعله صفة له، ورضيع هنا بمعنى مراضع. قال الرضي: وأما الفعيل بمعنى الفاعل
كالجليس، فليس للمبالغة، فلا يعمل اتفاقًا، فإضافة رضيعي إلي لبان ليس من الإضافة إلي المفعول به المسرح، بل إلي المقيد على التوسع بحذف حرف الجر، لأنه يقال: رضيعه بلبان أمه، فحذف الباء،
فانتصب لبان، وأضيف إليه الوصف. وثدي بالجر: بدل من لبان، وعلى رواية النصب بدل أيضًا،
لكن بتقدير مضاف مجرور فيهما، أي: لبان ثدي، فلما حذف المضاف انتصب، أو هو منصوب بنزع الخافض، أي: من ثدي أمّ، ولا يجوز الإبدال على محل لبان، لأن شرطه كالعطف على المحل،
إمكان ظهور ذلك المحل في الفصيح، والأجود أن يكون رضيع بمعنى راضع، وتكون المشاركة
من التثنية، فيكون رضيعي مضافًا إلي مفعوله، لأنه ماض، واسم الفاعل الماضي تجب إضافته
إلي ما يجيء بعده، مما يكون في المعنى مفعولًا، فيكون ثدي أمٍّ بدلًا من لبان، بتقدير مضاف مجرور، أي: رضيعي لبان، لبان ثدي أمّ، أو يكون بدلًا من لبان على المحل، على قول من لا يشترط المحرز الطالب لذلك المحل. وقال الأندلسي: رضيع هنا للمبالغة، وعليه يكون عاملًا عما فعله.
واللبان بالكسر: لبن المرأة خاصة، واللبن عام يشمل لبنها ولبن غيرها. وقد أخذ هذا المعنى الكميت، وأوضحه في مدح مخلد بن يزيد فقال:
ترى النَّدى ومخلدا حليفين كانا معًا في مهده رضيعين
تنازعا فيه لبان الثَّديين . . . . . . . . . . . . .
وفيه لطف مبالغة، لجعلهما أخوين من جنس واحد. وتقاسما: تفاعلا، القسم، أي: أقسم كل منهما لا يفارق أحدهما الآخر. وروي: "تحالفا" وهو بمعناه. والباء في قوله: بأسحم، داخله على المقسم به، واختلف في معناه،
[ ٣ / ٣٢٨ ]
قال ابن السيد: فيه سبعة أقوال، أحدهما: هو الرماد، وكانوا يحلفون به،
قال الشاعر:
حلفت بالملح والرَّماد وبالنّار [وبالله] نسلم الحلقه
ثانيها: هو الليل، ثالثها: هو الرحم، رابعها: هو الدم، لأنهم كانوا يغمسون أيديهم فيه إذا تحالفوا.
حكي هذه الأقوال الأربعة يعقوب. خامسها: هو حلمة الثدي، سادسها: هو زق الخمر،
سابعها: هو دماء الذبائح إلي تذبح للأصنام، وجعله أسحم لأن الدم إذا يبس اسود. وأبعد هذه الأقوال قول من قال: إنه الرماد، لأنه لا يوصف بأسحم ولا داج، وإنما يوصف بأنه أورق. انتهى. وقال الأزهري في"التهذيب": قال أبو زيد: أراد بأسحم داج: الليل، وقال الليث: أراد سواد حلمة الثدي، وقيل زق لخمر. انتهى. وقال الحريري في"درة الغواص": عني بالأسحم الداجي: ظلمة
الرحم المشار إليها في قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ في بطوُنِ أمّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾
[الزمر/٦] وقيل: بل عني به الليل، وعلى كلا هذين التفسيرين فمعنى تقاسما فيهما، أى: تحالفا،
وقد قيل: إن المراد بلفظة"تقاسما": اقتسما، وأن المراد بالأسحم الداجي: الدم، وقيل: اللبن،
لاعتراض السمرة فيه، وبالداجي: الدائم انتهى. ولا وجه لتفسير تقاسما باقتسما على تفسير الأسحم
بأحد المعنيين الأخيرين، وكيف يصح تفسير الداجي بالدائم، مع أنه من الدجية، وهو الظلام!
وجملة"لا نتفرق": جواب القسم،
[ ٣ / ٣٢٩ ]
وجاء به على حكاية لفظ المتحالفين الذي نطقا به عند التحالف، ولو جاء به على لفظ الإخبار عنهما لقال: يفترقان. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بأكثر من هذا في"شرح شواهد الرضي" في
الواحد والعشرين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٤) حلفت بمائراتٍ حول عوضٍ وأنصابٍ تركن لدى السُّعير
على أن ابن الكلبي استدل"عوض" في البيت المتقدم في أنه اسم صنم بهذا البيت، ووجهه: أن الشاعر
حلف بالدماء المائرات على وجه الأرض حول عوض، ومن عادة المشركين أنهم كانوا يذبحون ذبائح لأصنامهم، فلولا أن عوضُا صنم لما ذبح له شيء، ولما حلف بالدماء التي حوله تعظيمًا على كونه صنمًا ذكره مع السعير.
وكلام المصنف من"الصحاح" قال فيه: وقال ابن الكلبي عوض في بيت الأعشى اسم صنم كان لبكر بن وائل، وأنشد: حلفت بمائرات. . البيت، وقد رجعت إلي كتاب"الأصنام" لابن كلبي، وهو أبو المنذر هشام بن محمد ابن السائب الكلبي، فلم أرى فيه"عوضًا" ولا بيت الأعشى، ولا هذا البيت،
ولا ذكر صنمًا لبكر بن وائل، مع أنه ذكر أصنام القبائل وسبب عبادتها،
وكيف أزالها النبي ﷺ، وهو كتاب جيد في بابه، جمع فيه فأوعى، وكذا لم أرى
ذكرًا في كتاب"أيمان العرب" تأليف أبي إسحق إبراهيم بن عبد الله النُّجيرمي، جمع فيه ألفاظ أيمانهم
بأصنامهم وغيرها، وهو أيضًا كتاب جامع
[ ٣ / ٣٣٠ ]
لعباراتهم، جيد في بابه. ولا هو مذكور في "تهذيب الأزهري" ولا "الجمهرة" لابن دريد، وقد ذكره الصاغاني في "العباب" تبعًا للجوهري، لكنه لم يسنده إلي ابن الكلبي، قال: وعوض: صنم كان لبكر بن وائل، وكذا قال ابن السيد في "شرح أبيات أدب الكاتب" وفي "شرح أبيات الجمل" وتبعه اللخمي، ولم ينسباه إلي أحد. وأما السعير، بزنة المصغر، فقد ذكره ابن الكلبي في كتاب "الأصنام" قال: وكان لعنزة صنم يقال له، سعير، فخرج ابن أبي حلاس الكلبي علي ناقته، فمرت به، وقد عترت عنده عنزة، فنفرت ناقته منه، فأنشأ يقول:
نفرت قلوصي من عتائر صرِّعت حول السُّعير يزوره ابنا يقدم
وجموع يذكر مهطعين جنابه ما إن يحير إليهم بتكلُّم
قال أبو المنذر: يقدم ويذكر: ابنا عنزة، فرأي بني هؤلاء يطوفون حول السعير. انتهي.
وقال الصاغاني في "العباب": والسُّعير، مصغرًا: اسم صنم، ونقل كلام ابن الكلبي برمته كما نقلناه، وقال بعده: وقال رشيد بن رميض العنزي:
حلفت بمائراتٍ حول عوضٍ وأنصابٍ تركن لدي السُّعير
أجوب الأرض دهر إثر عمروٍ ولا يلفي بساحته بعيري
[ ٣ / ٣٣١ ]
ومن قال فيه: السعير، بفتح السين، فقد صحف. انتهي كلامه. وهذا إشارة إلي ما في "صحاح الجوهري" من كونه بفتح السين. وضبطه صاحب "القاموس" أيضًا بالتصغير.
وقوله: حلفت بمائرات أي،: بدماء مائرات. قال صاحب "العباب": ومار الدم يمور مورًا: إذا جري علي وجه الأرض، ثم قال: والمائرات في قول رشيد بن رميض العنزي "حلفت بمائرات": الدماء، وكذا قال صاحب "الصحاح"قال ابن الكلبي بعد ذكر السعير: وكانت للعرب حجارة غبرٌ منصوبة يطوفون بها، ويعترون عندها، يسمونها الأنصاب، ويسمون الطواف بها الدوار، وفي ذلك يقول عامر ابن الطفيل، وأتي غني بن أعصر يومًا وهم يطوفون بنصب لهم، فرأي في فتياتهم جمالًا وهن يطفن [به] فقال:
ألا يا ليت أخوا لي غنياَّ عليهم كلَّما أمسوا دوار
وفي ذلك يقول عمرو بن جابر الحارثي ثم الكعبي:
حلفت غطيفٌ لا تنهنه سر بها وحلفت بالأنصاب أن لا يرعدوا
ثم أنشد أبياتًا أخر.
وقال أيضًا قبل هذا: ومن العرب من لم يقدر على صنم، ولا على بناء بيت، نصب حجرًا أمام
الحرم وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وسموها الأنصاب، فإذا كانت تماثيل دعوها الأصنام والأوثان، وسموا طوافهم الدَّوار، فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار فنظر إلي
[ ٣ / ٣٣٢ ]
أحسنها، فاتخذه ربًّا، وجعل ثلاث أثافيٌ [لـ] قدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلًا آخر فعل مثل ذلك، فكانوا ينحرون ويذبحون عند كلها، ويتقربون إليها، وهم على ذلك عارفون بفضل الكعبة عليها، يحجونها ويعتمرون إليها، وكان الَّذين يفعلون [من] ذلك في أسفارهم إنما هو للاقتداء منهم بما يفعلون عندها، ولصبابتهم بها. وكانوا يسمون ذبائح الغنم التي يذبحون عند أصنامهم
[وأنصابهم تلك]:
العتائر، والعتيرة في كلام العرب: الذبيحه، والمذبح الذي يذبحون فيه لها: العتر، وفي ذلك يقول
زهير ابن أبي سلمى:
فزال عنها وأوفى رأس مرقبةٍ كناصب العتر دِّمى رأسه النُّسك
انتهى كلامه. وقوله: تركن: بالبناء للمجهول، وقوله: أجوب الأرض: هذا جواب القسم، وحذفت منه "لا" النافية، أي: لا أجوب الأرض، كقوله تعالي: (تالله تفتا تذكر يوسف) [يوسف/٨٥] أي: لا تفتأز وأجوب الأرض: أقطعها بالمسافة، ولا يلفي، أي: ولا يوجد، وقد أنشد صاحب "العباب" هذين البيتين في مادة "عوض" أيضًا، ورشيد، بالتصغير، وكذا رميض،
[ ٣ / ٣٣٣ ]
وآخره ضاد معجمة: منسوب إلي عنزة - بالتحريك - وهو أبو حي من ربيعة، وهو عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
ورشيد: شاعر مخضرم، قال ابن حجر في "الإصابة": ذكره المرزباني وقال: هو مخضرم، وهو القائل في محرز بن المكعبر الضبي:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبرٍ كما كلِّ ضبِّيِّ من اللّوم أزرق
قال: وله أشعار في يوم الشيّطين، وهو يوم كان لبكر بن وائل علي بني تميم في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم
عسي
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٥) يا أبتا علَّك أو عساكا
علي أن "عسي" فعل اتصل به ضمير نصب، قال سيبويه في "باب ما يكون مضمرًا فيه الاسم متحولًا عن حاله إذا ظهر بعده الاسم": وذلك لولاك ولولاي، إذا أضمر فيه الاسم جر، وإذا أظهر رفع، ولو جاءت علامة الإضمار علي القياس لقلت: لولا أنت، ولكنهم جعلوه مضمرًا مجرورًا. وأما قولهم: "عساك" فالكاف منصوبة، قال الراجز، وهو رؤبة:
يا أبتا علَّك أو عساكا
[ ٣ / ٣٣٤ ]
والدليل علي أنها منصوبة: أنك إذا عنيت نفسك، كانت علامتك: "ني" قال عمران بن حطان:
ولي نفسٌ أقول لها إذا ما تنازعني لعلّي أو عساني
فلو كانت الكاف مجرورة لقال: عساي، وكنهم جعلوها بمنزلة لعل في هذا الموضع، فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذا الحال، كما كان ل"لدن" حالٌ مع "غدوة" ليست مع غيرها، وكما أن "لات" إذا لم تعملها في الأحيان، لم تعملها فيما سواها، فهي معها بمنزلة ليس، فإذا جاوزتها ليس لها عمل. إلي هنا كلام سيبويه. قال شارحه السيرافي: وأما عساك وعساني: ففيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: قول سيبويه، وهو أن "عسي" حرف بمنزلة لعل، ينصب بعدها الاسم، والخبر مرفوع بالتقدير، وإن كان محذوفًا، كما أن علك في قولك: "علك أو عساكا" خبره محذوف مرفوع، والكاف اسمها وهي منصوبة، واستدل علي نصب الكاف في عساك بقول عمران بن حطان، والنون والياء فيما آخره ألف لا يكون إلا للنصب.
والقول الثاني: قول الأخفش: أن الكاف والنون والياء في موضع رفع، وحجته أن لفظ النصب استعير للرفع في هذا الموضع، كما استعير له لفظ الجر في لولاي ولولاك.
والقول الثالث: قول أبي العباس المبرد: أن الكاف والنون والياء في عساك وعساني في موضع نصب ب"عسي" وأن اسمها مضمر فيها مرفوع، وجعله كقولهم:
[ ٣ / ٣٣٥ ]
"عسى الغوير أبؤسًا" وحكى عنه أيضًا أنه قدم فيها الخبر لأنه فعل، وحذف الفاعل لعلم المخاطب، كما قالوا: ليس إلا، و"ليس" فعل صحيح لا يدخله الاختلاف. انتهى كلامه.
ولم يتكلم أبو علي فيما كتبه على كتاب سيبويه هنا، وقد بسط الكلام عليه في"إيضاح الشعر" وقد نقلنا كلامه في الشاهد الثامن والتسعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي وفي البيت شاهدان آخران أيضًا، أحدهما ما ذكره سيبويه من أن فيه تنوين الترنم، قال: وأما ناس كثير من بني تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون
فيما ينوّن وفيما لا ينوّن، لمّا لم يريدوا الترّنم أبدلوا مكان المدة نونًا، ولفظوا بتمام البناء، وما هو منه،
كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد، سمعناهم يقولون للعجاج:
يا أبتا علَّك أو عساكن
انتهى. ثانيهما ما ذكره"شارح اللباب" من أن في"يا أبتا" الجمع بين عوضين، قال: التاء عوض من ياء المتكلم، وإنما جاز الألف دون ياء المتكلم، لأن التاء عوض عن ياء المتكلم، فيمتنع الجمع بين العوض والمعوّض، بخلاف الألف، فإن غايته أن يذكر عوضان، وهو غير ممتنع. انتهى. وزعم بعضهم أن فيه الجمع
بين العوض والمعوض مع قوله: إن الألف والتاء في أبتا عوضان من ياء المتكلم.
وقد خطأ أبو محمد الأعرابي رواية يا أبتا، وقال: إنما الرواية: "تأَّنيًا" وهو ضد عجلة. قال بن السيرافي في "شرح شواهد سيبويه": قال رؤية:
[ ٣ / ٣٣٦ ]
تقول بنتي قد أنى إنا كا فاستعزم الله ودع عسا كا
يا أبتا علَّك أو عسا كا
انتهى. وتبعه من جاء بعده من شراح الشواهد، وقالوا تبعًا له: أنى: فعل ماض بمعنى قرب، والإنى، بكسر الهمزة والقصر: الوقت، أى: حان حين ارتحالك إلي سفر تطلب رزقًا، فسافر لعلك تجد رزقًا. أو: حان رحيلك إلي من تلتمس منه شيئًا تنفقه علينا. وعلك: بمعنى لعلك، والخبر محذوف. وزعم العيني وتبعه السيوطي أن"إناك" بفتح الهمزة والمدّ على وزن فعال، اسم من الفعل المذكور، لكنه قصر. وقد خطأ أبو محمد الأسود الأعرابي بن السيرافي في" فرحة الأديب" وهو انتقادات فيما زلّ به بن السيرافي في
"شرح شواهد سيبويه" قال: خلط بن السيرافي ههنا من حيث أن النوى أشباه، وصحف في كلمة من
البيت أيضًا، وهو قوله: "يا أبتا" وإنما هو: "تأنيًا" وسيأتيك بيانه في موضعه، وذلك أن قوله:
فاستعزم الله ودع عساكا
من أرجوزة، وقوله:
تأنّيًا علّك أو عساكا
من أرجوزة أخرى، فالتي فيها "فاستعزم ان" هى قوله يمد الحارث بن سليم الهجيمي:
تقول بنتي أنى إناكا فاستعزم الله ودع عساكا
ويدرك الحاجة مختطّاكا قد كان يطوى الأرض مرتقاكا
تخشى وترجى ويرى سناكا فقلت إِّني عائكٌ معاك
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد المائتين
غيثًا ولا أنتجع الأراه فابلغ بني أميَّة الأملاكا
بالشام والخليفة الملاَّكا وبخرسان فأين ذاكا
منّي ولا قدرة لي بذاكا أو سر بكرمان تجد أخاك
إنّ بها الحارث إن لاقاكا أجدي بسيبٍ لم يكن ركاكا
وهي أبيات ذكر منها القدر المحتاج إليه ههنا، والأرجوزة الأخرى مدح بها ابراهيم بن عربي، وهي:
لمّا وضعت الكور والوراكا عن صلبٍ ملاحكٍ لحاكا
أسرّ من إمسيِّها نسعاكا أصفر من هجم الهجير صاكا
تصفير أيدي العرس المداكا تأنيِّيًا علَّك أو عساكا
يسأل إبراهيم ما ألهاكا من سنتين أتتا دراكا
تلتحيان الطَّلح والأراكا لم تدعا نعلًا ولا شراكا
انتهى ما أورده أبو محمد الأعرابي، وقد رجعت إلي ديوانه فلم أجد شيئًا منهما في رجزه، وإنما هي من رجز والده العجاج، وقد تقدمت ترجمتاهما، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد المائتين:
[٢٤٦] عسى الكرب الَّذى أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
[ ٣ / ٣٣٨ ]
على أنه قد يأتي المضارع المجرّد من أن بعد مرفوعها، وهو قليل، قال سيبويه: واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، يشبهها يكاد يفعل، فيفعل حينئذ في موضع الاسم المنصوب في قوله ا:
"عسى الغوير أبؤسًا"، فذا مثل من أمثال العرب، أجروا فيه عسى مجرى كان، قال هدية: عسى الكرب الّذي أمسيت فيه. . البيت، وقال:
عسى الله يغني عن بلاد بن قادرٍ بمنهمرٍ جون الرَّباب سكوب
وقال:
فأمَّا كيِّسٌ فنجا ولكن عسى يغترُّ بي حمقٌ لئيم
انتهى. قال الأعلم: الشاهد في هذه الأبيات: إسقاط"أن" ضرورة، ورفع الفعل والمستعمل في الكلام أن يكون كما قال تعالى: ﴿عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ ربُّكَ﴾ [الإسراء/٧٩] و﴿فعَسَى اللهُ أنْ يأتيَ بالفَتْحِ﴾ [المائدة/٥٢].
والمنهمر: السائل، والجون، بفتح الجيم: الأسود، والرباب، بالفتح: السحاب، والحمق، بكسر الميم: الأحمق. وكذا قال بن عصفور في كتاب"الضرائر" وبعد أن ساق هذه الأبيات وغيرها قال: وما ذكرته من استعمال الفعل الواقع في موضع خبر"عسى" بغير"أن" ضرورة هو مذهب الفارسي، وجمهور البصريين، وظاهر كلام سيبويه يعطى أنه جائز في الكلام، لأنه قال: واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، تشبيهًا بكاد، فأطلق القول، ولم يقيد ذلك في الشعر، إلا أنه ينبغي أن لا يحمل كلامه على عمومه،
لما ذكره أبو علي من أمها لا تكاد تجئ بغير"أن" إلا في ضرورة، وأيضًا فإن القياس يقتضي أن لا يجوز ذلك إلا
[ ٣ / ٣٣٩ ]
في الشعر، لأن استعمالها بغير"أن" إنما هو بالحمل على كاد، لشبهها بها من حيث جمعتهما المقاربة.
وكاد محمولة في استعمالها بغير"أن" على الأفعال التي هي للأخذ في الشروع من جهة أنها لمقاربة ذات الفعل، فقربت لذلك من الأفعال التي هي للأخذ في الفعل، وليست عسى كذلك، لأن فيها تراخيًا،
ألا ترى أنك تقول: عسى زيد أن يحج العام؟ وإنما عدّت في أفعال المقاربة، مع ما فيها من التراخي، من جهة أنها تدخل على الفعل المرجو، والفعل المرجو قريب بالنظر إلي ما ليس بمرجو، فلما كانت محمولة في استعمالها بغير"أن" عللا ما هو محمول على غيره؛ ضعف الحمل، فلم يجئ إلا في الضرورة. انتهى.
والبيت من قصيدة لهدبة بن خشرم قالها في الحبس، وهي:
طربت وأنت أحيانًا طروب وكيف وقد تعلاّك المشيب
يجدُّ النَّأي ذكرك في فؤادي إذا ذهلت على النَّأي القلوب
يؤِّرقني اكتئاب أبي نميرٍ فقلبي من كآبته كئيب
فقلت له هداك الله مهلًا وخير القول ذو اللُّبِّ المصيب
عسى الكرب الَّذي أمسيت فيه يكون وراءه فرجٌ قريب
فيأمن خائفٌ ويفكَّ عانٍ ويأتي أهله الرجل الغريب
ألا ليت الرياح مسخَّراتٌ بحاجتنا تباكر أو تؤوب
فتخبرنا الشَّمال إذا أتتنا وتخبر أهلنا عنا الجنوب
فإنا قد حللنا دار بلوى فتخطئنا المنايا أو تصيب
فإن يك صدر هذا اليوم ولّى فإنَّ غدًا لناظره قريب
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وبعد هذا أبيات كثيرة. وقد ذكرنا سبب حبسه مجملًا في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد المائة، مع ترجمته من أنه كان قتل ابن عمه، وما خرج من الحبس إلا عند القود قصاصًا. وقد ذكرنا قصته مبسوطة في الشاهد الخمسين بعد السبعمائة مع شرح القصيدة من"شوهد الرضي".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٧) أكثرت في اللَّوم ملحًّ دائما لا تكثرن إنِّي عسيت صائما
على أن مجيء خبرها اسمًا مفردًا أقل مما تقدم. قال المصنف في"شرح أبيات بن الناظم": طعن في هذا البيت عبد الواحد الطراح في كتابه"بغية الآمل ومنية السائل" فقال: هو بيت مجهول، لم ينسبه الشراح إلي أحد، فسقط الاحتجاج به، ولو صحَّ ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتًا من كتاب سيبويه، فغن فيه ألف بيت قد عرف قائلوها، وخمسين بيتًا مجهولة القائلين، انتهى. أقول: الشاهد الذي جهل قائله إن أنشده ثقة كسيبويه وابن السراج والمبرد ونحوهم، فهو مقبول يعتمد عليه، ولا يضر جهل قائله، فإن الثقة لو لم يعلم أنه من شعر من يصح الاستدلال به ما أنشده. ومراد عبد الواحد
أنه لم ينسبه
[ ٣ / ٣٤١ ]
الشراح إلي أحد ممن أنشده من الثقات، أو إلي قائل معين يحتج بكلامه.
ثم قال المصنف: وقد حرف ابن الشجري هذا الرجز فأنشده:
قم قائمًا قم قائما إنِّي عسيت صائما
وإنما"قم قائمًا" صدر رجز آخر يأتي في باب الحال يأتي في باب الحال، ولا يتركب قوله:
"إنيّ عسيت صائمًا" عليه، بل أصله:
أكثرت في العذل ملحًّا دائما لا تكثرن إنِّي عسيت صائما
فإن معناه: أيها العاذل الملحُّ في عذله، إنه لا يمكن مقابلة كلامك بما يقابله من السب، فإنني صائم. وهو مقتبس من الحديث: "فليقل إني صائم" ويروي: "لا تلحني" مكان "لا تكثرون" وهو بفتح التاء، يقال:
لحيته ألحاه لحيًا: إذا لمته، والشاهد في قوله: "صائمًا" فإنه اسم مفرد جيء به خبرًا ل"عسى" كذا قالوا،
والحق خلافه، وإن"عسى" هنا فعل تام خبري، لا فعل ناقص إنشائي، يدلك على أنه خبري وقوعه خبرًا
ل"إن" ولا يجوز بالاتفاق: إن زيدًا هل قائم؟ وأن هذا الكلام يقبل التصديق والتكذيب! وعلى هذا فالمعنى: إني رجوت أن أكون صائمًا، فصائمًا خبرًا ل"كان" وأن والفعل مفعول ل"عسى"، وسيبويه يجيز حذف أن والفعل إذا قويت الدلالة على المحذوف، ألا ترى انه قدر في قوله: "من لد سولًا": من لد
أن كانت سولًا، ومن وقوع عسى فعلا
[ ٣ / ٣٤٢ ]
خبريًا قوله تعالى: ﴿هلْ عَسَيْتُم إنْ كُتِبَ عَلْيكُم القتالُ أنْ لا تُقاتِلوا﴾ [البقرة/٢٤٦] ألا ترى أن الاستفهام طلب، فلا يدخل على الجملة الإنشائية، وأن المعنى: فقد طمعتم أن لا تقاتلوا إن كتب عليكم القتال. وما يحتاج إلي النظر قول القائل: "عسى زيد أن يقوم" فإنك إن قدرت عسى فيه فعلًا إنشائيًا،
كما قال النحويون، أشكل، إذ لا يسند فعل الإنشاء إلا إلي منشئه، وهو المتكلم، كبعت واشتريت وأقسمت وقبلت وحررتك، وأيضًا فمن المعلوم أن زيدًا لم يترج وأن المترجي المتكلم، وإن قدرته خبرًا
كما في البيت والآية، فليس المعنى على الإخبار، ولهذا لا يصح تصديق قائله ولا تكذيبه، فإن قلت: نخلص من هذا الإشكال أنهم نصوا على أن"كان" وما أشبهها أفعال جارية مجرى الأدوات، فلا يلزم فيها حكم سائر الأفعال؛ قلت: قد اعترفوا مع ذلك بأنها مسندة، إذ لا ينفك الفعل المركب عن الإسناد إلا إن كان زائدًا أو مؤكدًا، على خلاف في هذين أيضًا. وقالوا: إن"كان" مسندة إلي مضمون الجملة، وقد بينا أن الفعل الإنشائي لا يمكن إسناده لغير المتكلم، وإنما الّذي يخلص من الإشكال أن يدعّى أنها هنا حرف بمنزلة لعل، كما قال سيبويه والسيرافي بحرفيتها في نحو: عساي وعساك وعساه. وقد ذهب أبو بكر وجماعة إلي أنها حرف دائمًا، وإذا حملناها على الحرفية زال الإشكال؛ إذ الجملة الإنشائية حينئذ
اسمية لا فعلية، كما تقول: لعل زيدًا يقوم فاعرف الحق ودع التقليد، واستفت نفسك وإن أفتاك الناس.
هذا آخر كلام المصنف، وهو غاية في التحقيق الّذي لا يبقي في النفس شبهة، والله أعلم.
وقال أبو حيان في" تذكرته": جمد عسى لأن الترجي في الحقيقة راجع إلي نفس المتكلم لا إلي المخبر عنه، وعسى قريب المعنى من لعل، وهو حرف لأن كلًا منهما يدل على تجويز الفعل وتوقع حدوث منه، من أجل ذلك أدخلوا عسى على"لعل" في نحو:
[ ٣ / ٣٤٣ ]
يا أبتا علَّك أو عساكا
كما أدخلوا لعل على عسى في نحو:
تبغَّ خبايا الأرض وادع مليكها لعلَّك يومًا أن تجاب وترزقا
والفرق بينهما أن" عسى" موضوع على الترجي والإشفاق، ولعل قد تخلو من ذلك، بحيث لا تدل إلا على محض تجويز، كما في قول الهذلي:
لعلَّك إمَّا أمُّ عمرٍ وتبدَّلت سواك خليلًا شاتمي تستخيرها
وكما قال عمرو ابن أبي ربيعة:
ودنا فقال لعلَّها معذورةٌ في بعض رقبتها فقلت لعلَّها
انتهي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٨) عسي طيّيٌ من طيِّئٌ بعد هذه ستطفئ غلاّت الكلي والجوانح
[ ٣ / ٣٤٤ ]
علي أن اقتران الفعل الواقع خبرًا لها بالسين نادر، وسهل اقترانها به كونها قائمة مقام "أن" لكونهما للاستقبال. قال الزمحشري في "المفصل" ولما انحرف الشاعر في هذا البيت عما عليه الاستعمال جاء بالسين التي هي نظيرة "إن"
يعني: لما يأت الشاعر بما حقه أن يجئ به مع عسي في لخبر، وهو "أن" في خبر لعل حملًا علي عسي، دخل السين في خبر عسي حملًا علي لعل.
وقال المرزوقي: عسي: لفظة وضعت للترجي والتأميل، إلا أنها تؤذن بأن الفعل مستقبل مطموع في، فيجب أن يستأني له، وإن كانت من أفعال المقاربة، وبهذا تبين عن لفظة كاد، لأن كاد لمشارفة الفعل؛ فهو يلي الفعل بنفسه، تقول: كاد زايد يفعل كذا، و"عسي" يحول بينه وبين لفعل "أن" يدل علي هذا أنه قال: " ستطفئ غلات الكلي والجوانح " لما كان من شرط عسي أن يجئ بعده "أن" إيذانا بالاستقبال جعل السين بدل "أن" لأنه اشتهر في الدَّلالة علي الاستقبال، وإنما قال: "عسي طيئ من طيئ" لأن القتال كان بين بطينين منهما، وقوله: "بعد هذه" إشارة إلي الحالة الحاضرة. والجوانح: جمع جانحة، وهي الضاوع القصار، والمعني: المطموح فيه من أولياء الدَّم أن يطلبوا الثأر في المستقبل، وإن كانوا أخروه إلي هذه الغاية، فتسكن نفوس وتبرد قلوب. انتهي.
والبيت آخر أبيات أربعة أوردها أبو تمام في باب المرائي من "الحماسة" وعزاها لقسام بن راوحة السنبسي، وقبله:
[ ٣ / ٣٤٥ ]
لبئس نصيب القوم من أخويهم طراد الحواشي واستراق النَّواضح
وما زال من قتلى رزاحٍ بعالجٍ دمٌ ناقعٌ أو جاسدٌ غير ما صح
دعا الطَّير حتَّى أقبلت من ضرَّيةٍ دواعي دمٍ مهراقه غير بارح
عسى طيِّئٌ من طيِّئٍ . . . . . البيت
ويريد بأخويهم: صاحبيهم، يقال: يا أخا بكر، يراد: يا واحدًا منهم.
والحاشية: صغار الإبل ورذالها، والنواضح: جمع ناضحة، وهي الإبل التي يستقى عليها الماء، جعلت كأنها تنضح الزرع والنخل، "وطراد" وما عطف عليه: بدل من نصيب، يقول: إنهم لا يقدمون على القوم، ويغزون على حواشيها دون جلتها، لأن الصبيان يرعونها، يعني: بلغ من جبنهم أن لا يتعرضوا للرعاة، إلا سرقة يسرقون النواضح، ويطردون الحواشي، فيرضون بذلك من طلب الثأر، فبئس العوض ذلك من دم أخويكم! يهزأ بهم. وهذا تعريض بمن وجب عليه طلب الدَّم، فاقتصر على الغارة وسرقة الإبل، وفيه بعث على طلب الدَّم، وأكد ذلك بقوله: وما زال من قتلى رزاح .. الخ هو براء مفتوحة، وزاي فحاء مهملة: قبيلة من خولان، وقتلى: جمع قتيل، وعالج بالجيم: موضع بالبادية فيه رمل، والدَّم الناقع بالنون والقاف، قيل: الثابت، وقيل: الطريّ. والدَّم الجاسد بالجيم، قيل: القديم، وقيل: اليابس والماصح بالصاد المهمله؛ من مصح- كمنع- مصوحًا: ذهب وانقطع، يقول:
لا يزال من مقتولي هذه القبيلة بهذا المكان دم طريّ ويابس غير زائل، يعني: أن دماءهم باقية بحالها
ما لم يثأروا بها، لأن غسل تلك الدماء إنما يكون بما يصب من دماء أعدائهم، ولم يكتف بهذا الإغراء
حتى قال: دعا الطير .. الخ، يقول: دعا دواعي دماءهم طيور الأماكن البعيدة، والجبال المطلة، حتى أتت
[ ٣ / ٣٤٦ ]
سباعها وطيورها، فوقعت عليها تأكل منها. ومهراقه: الهاء ضمير الدم، يعني: أنه مصبوب في موضعه
لم يزل ولم يحل، وضربة: اسم بلاد سميت بضربة بنت ربيعة بن نزار، وطيّئ: مهموز الآخر على وزن
السيِّد، وفد تحذف الهمزة فيبقى على وزن حي، والكلى: جمع كلية أو كلوة، قال بعضهم: الغلة حرارة العطش، وهي إنما تكون في القلب، ولكنه أراد المبالغة، أي:
تجاوز [القلب] والكبد إلي الكلية، وقال الخوارزمي: إن سئل: أى غلة للكلى حتى أضيفت إليها؟ أجيب بأن المزاج عند ورود الهموم والأحزان عليه مما ينفعل ويسخن، فإذا سخن المزاج حمى البول واحتد، والبول ممره على الكلى، فكأنه قال: ستطفئ الغلل التي يظهر أثرها في البول، هذا كلامه.
وقائل هذه الأبيات شاعر جاهلي، وهو في بعض نسخ"الحماسة" قسام بن رواحة، وفي بعض آخر منها: قسامة بن رواحة، بزيادة الهاء، وقسام بفتح القاف وخفة السين. وقيل: هو سنبسي، وقيل: عنبسي،
وقد أورده الآمدي في"المؤتلف والمختلف" في من يقال له: ابن رواحة، قال: ومنهم قسام بن رواحة الهنبسي، ليس له عندي في شعراء طي ذكر، وأنشد له الطائي في"الحماسة": لبئس نصيب القوم. .
الأبيات الأربعة، ولم يرفع نسبه، وقد رفعنا نسبه في الشاهد الواحد والخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٩) يا ابن الزُّبير طالما عصيكا
[ ٣ / ٣٤٧ ]
على أن الكاف بدل تصريفي من التاء، والأصل عصيت بالخطاب، قال بن جني في"سر الصناعة": أبدل الكاف من التاء لأنها أختها في الهمس، وكان سحيم إذا أنشد شعرًا قال: أحسنك والله، يريد، أحسنت انتهى.
وقال أبو علي في"المسائل العسكرية" قال أبو الحسن الأخفش: إن شئت قلت: أبدل من التاء الكاف لاجتماعهما في الهمس، وإن شئت قلت: أوقع الكاف [موقعها]، وإن كان في أكثر اللغات للمفعول لا للفاعل، لإقامة القافية، ألا تراهم يقولون: رأيتك أنت، ومررت به هو، فيجعل علامات الضمير المختص
بها بعض الأنواع في أكثر الأمر موقع الآخر، ومن ثم جاء"لولاك" وإنما ذلك لأن الاسم لا يصاغ معربًا،
وإنما يستحق الإعراب بالعامل، انتهى.
والإبدال التصريفي هو أن يؤتي حرف عوضًا عن حرف آخر، احترز به عن إبدال ضمير مكان ضمير بالإنابة، كقولهم: ما أنا كأنت، قال أبو حيان في"شرح التسهيل": وقوله المصنف في "عصيكا" إنه من وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع غير صحيح، لأن الفارسي وغيره ذكروا أن هذا من إبدال التاء
الضمير كافًا، وهو من شاذ البدل،: ويدل على أنه من باب البدل تسكين آخر الفعل في قولهم: عصيك، ولو كان ضمير نصب لم يسكن، كما لم يسكن في عساك ورماك، انتهى. قال ناظر الجيش:
ولاشك أن القول بالبدل محتمل، والقول بنيابة ضمير عن ضمير محتمل أيضًا، فلا يرفع أحد الاحتمالين بالآخر، وأما التسكين فلا شك أنه يقوي دعوى الأخفش، لأن الضمير وإن كان ضمير نصب قد وضع
موضع ضمير الرفع وأسند الفعل إليه، فوجب إعطاء الفعل الحكم الذي يستحقه حين إسناده إلي الضمير
الموضوع للرفع، انتهى.
أقول: قد رجع ابن مالك في أول باب الإبدال من"شرح الكافية" إلي القول بالإبدال التصريفي قال عند ذكره إبدال الياء جيمًا في قوله:
[ ٣ / ٣٤٨ ]
ياربِّ إن كنت قبلت حجَّتج
ما نصه: هذا النوع من الإبدال جدير بأن يذكر في كتب اللغة لا في كتب التصريف، وإلا لزم أن تذكر العين، لأن إبدالها من الهمزة المتحركة مطرد في لغة تميم: ويسمى ذلك عنعنة تميم، وكان أيضًا
يلزم أن تذكر الكاف لإبدالها من تاء الضمير، كقول الراجز:
يا ابن الزُّبير طالما عصيكا
أراد: عصيت، وأمثال هذا من الحروف المبدلة من غيرها كثيرة، وإنما ينبغي أن يعتد في الإبدال التصريفي بما لو يبدل، وقع في الخطأ، أو مخالفة الأكثر، فالموقع في الخطأ كقولك في مال: مول، والموقع في مخالفة الأكثر كقولك في سقاءة: سقاية، انتهى كلامه.
والبيت أول أبيات ثلاثة أوردها أبو زيد في"نوادره" ونسبها لراجز من حمير، وبعده:
وطالما عنَّيتنا إليكا لنضربن بسيفنا قفيكا
وتبعه صاحب"الصحاح" في مادة السين المهملة وقد استشهد بالبيت الثالث المحقق على أنه قد جاء في ضرورة الشعر، كما في"قفيكا" قلب الألف ياء مع الإضافة إلي كاف الضمير، والأصل قفاكا، فأبلت الألف ياء، وإنما كان سبيل هذا الشعر لأنه ليس مع ياء المتكلم، فإنها تقلب معه ياء نثرًا ونظمًا عند هذيل؛ وإنما قيد بكاف الضمير لأن السماع جاء معه، وظاهر كلام أبي علي في"المسائل العسكرية"
لا يختص هذا بالشعر، فإنه وأما إبدال الياء من الألف في
[ ٣ / ٣٤٩ ]
"قفا" في الإضافة فإنما كما أبدلت الألف منها فيمن قال: رأيت هذان، أي للتقارض، وقالوا أيضًا: عليك وإليك، وقد اطرد هذا في بعض اللغات نحو: هويّ ونويّ وقفيّ، فأبدلت الياء من ألف هواي ونواي وقفاي، كما أبدلت الألف منها في حاحيت وعاعيت، حيث أريد إزالة التضعيف فيه، كما أريد من نظيره من الواو وهو ضوضيت وقوقيت، هذا كلامه.
وقد روى الزجاجي في آخر"أماليه الكبرى" هذا الرجز كذا:
يا ابن الزُّبير طالما عصيكا وطالما عنَّيكا إليكا
لنضربن بسيفنا قفيكا
أورده في باب التاء والكاف في المكني، يقال: ما فعلت وما فعلك، وقال: يريد: عصيت وعنيت، انتهى.
ومعنى عنيتنا: أتعبتنا بالمسير إليك، والنون في لنضربن: نون التوكيد الخفيفة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد المائتين:
(٢٥٠) فقلت عساها نار كأسٍ وعلَّها تشكّي فآتي نحوها فأعودها
على أن خبر عسى قد ظهر مرفوعًا. في"شرح التسهيل": بعض العرب صرح بعد"عسى" المتصل بها ضمير النصب بالاسم مرفوعًا مكان"أن يفعل" فقال: فقلت عساها نار كأس. . البيت، وقالوا: هذا قاطع ببطلان مذهب أبي الحسن الأخفش، إذ قال: "نار" بالرفع، ولو كان في موضع نصب لقال: "نارًا"
[ ٣ / ٣٥٠ ]
بالنصب، ومن ثم قال صاحب"البسيط": ولو ظهر الخير بغير أن يفعل لافتضح الأخفش، انتهى.
قال الدماميني: والبيت يحتمل وجهين آخرين، أحدهما: أن يكون"نار كأس" اسم عسى، والضمير المنصوب نائبًا عن ضمير الرفع وهو مثل: عسى زيد قائم، على ما حكاه ثعلب، وعلى كلا الوجهين لا يتم الرد. انتهى. أقول: لا يصح الأول لأن المراد الإخبار عن النار التي رآها بأنها نار كأس، لا العكس، وكذا لا يصح الثاني لأن أبا حيان قال: هذا شيء، لا يعرفه البصريون، ولو كان كما زعم لكان ثابتًا في نظمهم أو نثرهم، ولا نحفظه جاء من كلامهم، انتهى.
وعلى تقدير ثبوته فهو نادر جدًا، وتخريج المصنف إياه على إضمار ضمير الشأن في عسى، قال الرضي: هذا الإضمار ليس بمشهور من أفعال المقاربة إلا في كاد، ومن [الأفعال] الناقصة إلا في كان وليس، انتهى.
والبيت من قصيدة لصخر بن الجعد الخضري ومطلعها:
تذكَّرت كأسًا إذ سمعت حمامةً بكت في ذرا نخلٍ طوالٍ جريدها
دعت ساق حرِّ فاستجيب لصوتها موَّلهة لم يبق إلاّ شريدها
فيا نفس صبرًا كلُّ أسباب واصلٍ سيملى لها أسباب صرمٍ يبيدها
وليلٍ بدت للعين نارٌ كأنَّها سنا كوكبٍ لا يستبين خمودها
فقلت عساها نار كأسٍ وعلَّها تشكِّي فأمضى نحوها فأعودها
فتسمع قولي قبل حتفٍ يصيبني تسرُّ به أو قبل حتفٍ يصيدها
كأن لم نكن يا كأس إلفي مودَّةٍ إذ النّاس والأيّام ترعى عهودها
[ ٣ / ٣٥١ ]
وأنشد هذه الأبيات أبو حيان في"تذكرته". كأس: اسم امرأة، وذرى: جمع ذروة-بالكسر- وهي أعلى الشيء، وطوال بضم الطاء: بمعنى الطويل، وساق حر: ذكر القمري، وقوله: فاستجيب بالبناء للمفعول، ومولهة: حال من ضمير دعت، وهي الشديدة الحزن والجزع، وأراد بشريدها روحها الشارده. وقوله: سيملى، بالبناء للمفعول، وصرم بالفتح مصدر، وبالضم: الاسم من صرمه صرمًا-من باب ضرب- إذا قطعه، ويبيدها: مضارع أباده، أي: أتلفه، وقوله: وليل بدت، الواو: واو رب، وبدت: ظهرت، والسنا، بالقصر: الضوء، واستبان: ظهر، وخمدت النار: سكن لهبها وبقي جمرها، يريد أنها توقد طول الليل، وذلك مدح عند العرب يدل على كرم صاحبها، وعلّها: لغة في لعلها، وتشكى: أصله تتشكى بتاءين من الشكوى، وهو الوجع والمرض، والحتف: الموت والهلاك.
قال صاحب"الأغاني": صخر بن الجعد الخضري: أحد بني جحاش بن سلمة ابن ثعلبة بن مالك بن طريف بن مالك بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، وكان مالك بن طريف شديد الأدمة، وخرج ولده ليلة فقيل لهم: الخضر، والعرب تسمى الأسود الأخضر، وهو شاعر فصيح من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وقد كان تعرض لابن ميادة لمّا انقضى ما بينه وبين الحكم الخضري من المهاجاة، ورام أن يهاجيه فترفع بم ميادة عنه، وكان صخر مغرمًا بكأس بنت بجير بن سعد بن كعب بن جندب ينسب بها، فلقيه أخوها وقّاص وكان شجاعًا، فقال له: يا صخر إنك نسبت بابنة بجير، ولعمري ما بها عنك مذهب، ولإ لنا عنك مرغب، فإن كانت لك بابنة عمك حاجة فهلمّ أزوجكها، وإن لم يكن لك فيها حاجة فلا أعلم ما عرضت لها ولا أسمعه منك، فو الله إنفعلت ذلك
[ ٣ / ٣٥٢ ]
ليخالطنَّك السيف، فقال له صخر: بلي، والله إن بي لأسد الحاجة إليها، فوعده موعدًا، فخرج صخر لموعده حتي نزل بالقوم، فنزل منزل الضيف، فقام وقاص فذبح وجمع أصحابه، وأبطأ صخر عليهم، فلما رأي ذلك بعث إليه أن هلمّ لحاجتك، فأبطأ، فأبطأ ورجع الرسول، فقال: ما رأيته إلا بطيئًا، واستأناه وقاص فأبطأ، فلما رأي فعله غضب وقَّاص، وعمد إلي رجل من الحي ليس يعدل بصخر يقال له حصن، فحمد لله وأثني عليه، وزوجه وافترق القوم، فمروا بصخر فأعلموه تزويج كأس حصنًا، فرحل عنهم تحت الليل، واندفه يهجوها بالأبيات التي منها:
وانكحها حصنا ليطمس حملها وقد حبلت من قبل حصنٍ وجرَّت
[أي: زادت علي تسعة أشهر، قال:] وترافع القوم إلي والي المدينة طارق، مولي عثمان، فأقاموا عليه البينة بقذف كأس، فضربه وعاد إلي قومه، وأسف علي ما فاته من تزويج كأس، وطفق يقول فيها الشعر، فمما قاله:
تذكَّرت كأسًا إذ سمعت حمامةً. . البيت
وكان صخر خدنًا لعوام بن عقبة، وكان عوام يهوي امرأة من قومه يقال لها سوراء، فماتت فرئاها، فلما سمع صخر المرئية قال: وددت أن أعيش حتي تموت كأس فأرثيها، فماتت كأس فرئاهان فقال:
علي أمِّ داود السَّلام ورحمةٌ من الله تجري كلَّ يومٍ تعودها
عل
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد المائتين:
(٢٥١) يا ربَّ يومٍ لي لا أظلَّله أرمض من تحت وأضحي من عله
[ ٣ / ٣٥٣ ]
على أن الهاء في"عله" لسكت، قال أبو حيان في"تذكرته": أنشد الكوفيون من قبول أبي ثروان:
يارب يوم لي. . الخ، قال أبو علي: هذا البيت مشكل، لا يكون هاء الضمير لأنه يقول من عله،
ولا تكون هاء السكت، لأنها إنما تلحق المبني الذي حركته لازمة، فلا تلحق ما أشبه المعرب، ولا
كان ما هي فيه متمكنًا في موضعٍ ما، فلا يقال: فبله ولا زيده ولا رجله، ولا خمسة عشره ولا ضربه، و"عل" من باب"قبل"، قال: وعندي فيه وجه لطيف وهو أن تكون هاء الضمير، وأصله: من عله، فكن آخر"عل" للضرورة، فعادت الهاء إلي ضمها فصار في التقدير: من عله، ثم نقلت حركة الهاء إلي اللام، كما قالوا: منه وعنه في: منه وعنه، فصار من عله، فضمة اللام هي ضمة هاء الضمير،
انتهى.
وأجاب ابن الخشاب، على ما نقله العيني، أن الهاء بدل من الواو، والأصل: عاو، فأبدلوا الواو هاء، كما أبدلوا في يا هناه، والأصل: يا هناو، لأنه فعال من هنوك، ومنه قولهم: عاملته مساناة ومسانهة،
فالهاء في مسانهة لامة واو، لقولهم: سنوات، انتهى.
وقول بن الملا فيه: إن الهاء إنما تبدل من حرف أصلي، والواو في"عاو" إنما حدثت من إشباع الضمة
سهو منه أو قصور، فإن الكلمة في الأصل ثلاثية معتلة اللام بالواو، وفيها لغات كثيرة.
قال ابن يعيش: اعلم أنهم يقولون: جئته من عل، ومعناه: من فوق، وفيه لغات: من علٍ؛ منقوص كشجٍ، ومن عالٍ كقاضٍ، ومن معالٍ، ومن علا بالقصر، ومن عل؛ بضم اللام، ومن عاو؛ مثلث الواو، فهذه
[ ٣ / ٣٥٤ ]
اللغات وإن اختلفت ألفاظها فالمراد بها معنى واحد وهو فوق، وفوق لا ينفك عن الإضافة، لأنه إنما
يكون فوقًا بالنسبة إلي ما يضاف إليه كقبل وبعد، فوجب أن يكون"عل" وسائر لغاتها مضافة،
فإذا أضيف إلي معرفة، أو قطع عن الإضافة، وكان المضاف إليه مرادًا منويًا؛ كان معرفة، وبني لتنزيله
منزلة بعض الاسم، وإن قطع النظر عن المضاف إليه كان معربًا منكورًا، وكذلك لو أضفته إلي نكرة
وقطعته عنه كان معربًا أيضًا لأنه منكور، فمعناه مع قطع الإضافة كمعناه مضافًا، فإذا قلت:
جئت من عل، بالخفض، جعلته منكورًا، كأنك قلت: من فوق، ويحتمل أن تكون الكسرة إعرابًا
وهو محذوف اللام، ويحتمل أن تكون الكسرة فيه بناء، وكسرة الإعراب محذوفة لثقلها على الياء
التي هي لام مبدلة من واو، والياء حذفت لكون التنوين على حد قاض، فإذا قلت: من عل بالضم،
فهو معرفة محذوفة اللام، والضم فيه كقبل وبعد، وإذا قلت: عاو؛ مثلث الواو،
فقد تممت الاسم ولم تحذف منه شيئًا، فمن قال: عاو، بالكسر أو الفتح، فكأنه توهم فيه الحركة
لالتقاء الساكنين، فالكسر على الأصل، والفتح للخفة.
وكذلك من قال: علا، وجعله مقصورًا، فهو أيضًا تام، وألفه منقلبة عن الواو، فإن نوى فيه المضاف إليه وجعله معرفة كانت الألف في تقدير ضمة، ومن جعله نكرة كانت اللف في تقدير كسرة، كما يكون"عصا" كذلك، وكذلك عالٍ ومعالٍ، فهو تام وإذا كان نكرة كان مجرورًا ونون، وإذا كان معرفة حذف منه التنوين، وكان بالياء، وكانت الضمة منوية، وهذا آخر كلام ابن يعيش، ولم يتعرض لاستعماله غير مضاف حتمًا، كما زعمه المصنف ونسب إلي الوهم من جوز استعماله مضافًا.
وقوله: يارب يوم. . الخ، قال ابن مالك في"شواهد التوضيح": يظن أكثر الناس أن"يا" التي تليها
"ليت" حرف نداء والمنادى محذوف، وهذا
[ ٣ / ٣٥٥ ]
ضعيف، لأن قائل"ياليتني" قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى، وإنما"يا" للتنبيه، إلي أن قال: ومثل
"يا" الواقعة قبل ليت في تجردها للتنبيه"يا" الواقعة قبل حبذا، وقب"رب" في قوله:
ياربَّ سارٍ بات ما توسَّدا
انتهى. وزعم العيني أن"يا" للنداء، والمنادى محذوف. وقوله: لا أظلله، بالبناء للمفعول: هو من باب الحذف والإيصال، والأصل: لا أظلل فيه، فحذف" في" توسعًا، وانتصب الضمير بالفعل، وبه استشهد ابن الناظم.
وقوله: أرمض من تحت، بالبناء للفاعل: من رمضت قدمه، من باب تعب: إذا احترقت من الرمضاء، وهي الأرض الحامية من حرّ الشمس، وتحت: بالبناء على الضم، والأصل من تحتي، وكذا أضحى بالبناء للفاعل، قال الأزهري: قال الليث: ضحي الرجل يضحي ضحيّ إذا أصابه حرُّ الشمس، انتهى.
وهذا أيضًا من باب تعب، وقال العيني: إنهما بالبناء للمفعول، وتبعه السيوطي، وهو خطأ لأن كلا منهما فعل لازم مسند إلي ضمير المتكلم.
وأبو ثروان: من جملة الأعراب الذين كانوا ملازمين بباب الخلفاء، تؤخذ عنهم اللغة والأشعار والنوادر، وكان أبو ثروان ممن يلازم الكسائي، قال محمد ابن الحسين اليمني في"طبقات النحويين":
ومن الأعراب الذين سمع منهم الغريب: أبو الوليد الرباحي وله شعر، وأبو مهدية وأبو الجراح العقيلي وأبو طفيلة وأبو خيرة وأبو الرقيش، ومن أعراب الكسائي: أبو فقعس وأبو ثروان وأبو الحصين وغيرهم، انتهى. وتفسيرالفراء مشحون بالنقل من هؤلاء، قال ياقوت في"معجم
[ ٣ / ٣٥٦ ]
الأدباء" كان أبو ثروان أعرابيًا ببدويًا تعلم في البداية، كذا ذكره يعقوب بن السكبت، ووجد يخطه: وكان فصيحًا. قال محمد بن إسحق: وله من الكتب كتاب"خلق الفرس" كتاب "معاني الشعر" وهو عكلي، وعكل، بضم العين وسكون الكاف: اسم امرأةحضنت ولد عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وهي أمة لهم، وبنو عوف [ابن وائل] هم: الحارث وجشم وسعد وعلي [وقيس] وغلب نسبهم إليها، وكل من ولده واحد من هؤلاء كان علكيًا، انتهى. ورأيت في "أمالي ثعلب": أنشد، يعني ابن الأعرابي:
ظلَّت وظلَّ يومها حوب حلي وظلًّ يوم لأَّبي الهجنجل
قال: يقال: حوب حلي، بالرفع والنصب والخفض، وأبو الهجنجل: كنيته، ضاحي المقيل دائم التَّبذل ما أنا يوم الورد بالمظلَّل
عنيّ ولا بالذائد المنقَّل بين العمودين عليَّ مبذلي
أرمض من تحت وأضحى من على انتهى وعلى هذا لا إسكال فيه، والياء إن كانت ضمير المتكلم فهو معرفة كالظرف قبله، وإن كانت مبدله من الواو فهو معرفة أيضًا، لأنه مبني على ضمة مقدرة كما مضى في كلام ابن يعيش، وكما يأتي بيانه في البيت الآني عن ابن جني. وقال الصاغاني في "العباب": وأبو الهجنجل رجل؛ أنشد ابن جني:
ظلَّت وظلَّ يومها جوب حلى وظلَّ يوم لأبي الهجنجل
[ ٣ / ٣٥٧ ]
فدخول لام التعريف فيه مع العلمية يدل على أنه نالأصل صفة كالحارث والعباسي، انتهى وحوب، يفتح الحاء النهملة، في" العباب" وحوب مثلث الباء بالحركة، وحوب مثلث الباء بالتنوين، إذا نكر: زجرللإبل، وفي الحديث أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر قال: "آيبون لربا حامدون، حوبًا حوبًا" معاه: سيرًا سيرًا، كان فرغ من دعائه ثم زجر جمله، وفيه أيضًا: وحلحلت بالناقة إذا قلت لها: "حل" بالتسكين وهو زجر للناقة، انتهى وهو يفتح الحاء المهملة، والضاحي: البارز، والتبذل: الخدمة، والمبذل بالكسر: ثوب الخدمة، وهما بالذال المعجمة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد المآدتين:
على أنه مثل البيت السابق: "وأضعى من عله"في كونه معرفة مبني على الضم، وأشار بهذا إلى أن المبني على الضم نوعان: لفظي: وهو ما تقدم في السابق، وتقديري وهو في هذا البيت، فإنه في اللفظ مجرور، والضمة مقدرة على آخره، فإن القصيدة رويها مكسور كما تراه، وقد بين تقدير الضم في نحو هذا ابن جني في "إعراب الحملة" قال عند قول ربيعة بن مقروم:
[ ٣ / ٣٥٨ ]
وكويته فوق النواظر من عل
قوله: من عل، يجب أن يكتب بالياء وليست الكسرة في اللام كسرة إعراب، ألا ترى أنه معرفة وليس بنكرة، ألا ترى أن معناه: وكوبته فوق نواظره أو النواظر منه، فهو إدن معرفة لأنه يريد به شيئًا مخصوصًا، فهو إذن كقول أوس:
فملَّك باللَّيط الَّذي تحت قشره كغرقى بيضٍ كنَّه القيض من عل
أي: من أعلاه. وقال الشنقرى:
إذا وردت أصدرتها ثمَّ إنَّها تثوب فتتأتي من تحيت ومن عل
وإنما تعرب" عل" إذا كانت نكرة كقولهم في النكرة: من فوق ومن عل إذا لم ترد أمرًا معلومًا. فقوله: " فوق النواظر من عل"
[ ٣ / ٣٥٩ ]
"عل" منه كشجٍ وعمٍ، ووزنه فعل، والياء فيه لام الفعل، والكسرة في اللام قبلها ككسر الضاد من قاض، فاعرف ذلك. وفيه عشر لغات: أتيته من علٍ ومن عل ومن علي ومن علا ومن علوُ ومن علوَ ومن علوِ ومن علوٍ ومن عالٍ ومن معالٍ، ومثله سواء قول العجلي:
أقنيَّ من تحت عريض من عل
أراد: من أعلاه، ألا تراه قرنه بالمعرفة المبينة وهى تحت، ف "علٍ" إذن معرفة، فهو كشج، وكسرة لامه ككسرة زاء غاز، والكلمة مبينة على الضم، وفي الياء تقدير ضمة البناء، فبيت ربيعة وبيت العجليّ هذان جميعًا سواء، ولكن بيت امرئ القيس الذي هو قوله:
كجامود صخرٍ حطَّه السيل من عل
عل فيه نكرة، ألا ترى أنه لا يريد من أعلى شئ مخصوص، فالكسرة إذن في لا عل كسرة إعراب ككسرة دال يد ودم، انتهى كلام ابن جني بالاختصار. وقوله: فالكسرة إذن في لام "عل" كسرة إعراب. . الخ، غير جيد، والجيد كلام ابن يعيش السابق، وهو قوله: ويحتمل أن تكون الكسرة فيه إعرابًا، وهو محذوف اللام ويحتمل أن تكون الكسرة فيه بناء. . إلى آخره، وقد استشهد بهذا البيت في باب الظروف المهمة غير المتمكنة، قال فيه: وسألته - يعني الخليل، ﵀ عن قوله: من دونٍ ومن فوقٍ ومن تحتٍ ومن فبلٍ ومن بعدٍ ومن دبرٍ ومن خلفٍ، فقال: أجروا هذا مجرى الأسماء المتمكنة، لأنها تضاف وتستعمل غير ظرف، ومن العرب من يقول: من فوق ومن تحت، يشبهه بقبل ولعد، وقال أبو النجم:
[ ٣ / ٣٦٠ ]
أقبً من تحت عريضٍ من عل
وكذلك من أمامٍ ومن قدَّامٍ ومن وراءٍ ومن قبل ومن دبر، وزعم، ﵀، أنهن نكراتٌ كقول أبي النجم:
يأتي لها من أيمن وأشمل
وزعم أنهن نكرات إذا لم يضفن إلى معرفة، كما تكون أيمن وأشمل نكرة، وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه، انتهى. ولم يكتب السيرافي هنا شيئًا، وكتب أبو عليهنا في تعليقه على الكتاب ماهو مأخذ كلام ابن جني السابق، قال: فأما قول الشاعر:
فهى تنوش الحوض نوشًا من علا
فإن كان علا معرفة فالنية بلامها أن تكون مضمومة كما ضمت من"عل" لما كانتمعرفة للغاية، وإن كانت نكرة ولم تجعله من أعلى شئ معلوم معهود كان اللام في موضع جر، كما أن من"عل" مجرور فاللفظ فيه "علا" واجد والتقدر مختلف،
[ ٣ / ٣٦١ ]
والأشبه في" علا" في البيت أن تكون معرفة، لأنه إشارة إلى أعلى الحوض، وإن قدرت "من علا" غاية معرفة لم تنو في الدرج، كما لا تنون قبل فيه، وإن قدوته نكرة نونته فقلت: جئت من علاّ؛ فاعلم. انتهى.
تتمة: على المضمومة المذكورة في اللغات العشر في كلام ابن جني وابن يعيش لامها محذوف اعتباطًا، كما حذفت اللام من يدٍ، ودمٍ، بخلاف حذف لام بقية أخوتها فإنهما حذفت لعلة تصريفية، كحذف لام قاضٍ وغازٍ ولهذا عدت لغة مستقلة من بين أخواتها.
قال أبو علي في "التعليقة": "عل" لامه واو، فحذفت كما حذف لام غدٍ لا كما يحذف من عمٍ وشجٍ لا لتقاء الساكنين، والدليل على ذا قولهم: من علُ، فبنوه على الضم كما بني قبل، ولو كانت مثل قولك عمٍ لوجب أن تكون علا، فثبت لام الفعل لأنه ليس فيه شئ يجب أن يسقط له شئ من ساكن اجتمع معه. انتهى.
وقال الأعلم الشنتمري في" شرح شواهد سيبو يه": الشاهد فيهبناء تحت على الضم لما قصرها عن الإضافة وجعلها غاية كقبل وبعد. وصف فرسًا بطيِّ الكشح، وانتفاخ ما بين الجنبين وعرضه، والأب: الضامر، ورواية أبي الحسن "من علي" وهو خطأ هذا كلامه برمته وقدأخطأ فيه من وجهين، احدهما: أن رواية أبي الحسن هي الصواب كما تقدم، والثاني: أن البيت في وصف بعير السانية لافي وصف فرس، وقد تبعه في هذا الغلط المصنف والعيني في شرح الشواهد وغيرهما.
والبيت من أرجوزة طويلة لأبي النجم العجلي، قال الأصفهاني في"الأغاني": ورد أبو النجم على هشام بن عبد الملك في الشعراء، فقال لهم هشام: صفوا لي
[ ٣ / ٣٦٢ ]
إبلًا فقطروها وأوردوها وأصدروها حتى كأني أنظر إليها، فأنشدوه، وأنشده أبو النجم هذه الأرجوزة بديهة، قال الأصمعي: أخبرني عمي قال: أخبرني ابن بنت أبي النجم قال: قال جدي أبو النجم: نظمت هذه الأرجوزة في قدر ما يمشي الإنسان من مسجد الأشباح إلى مسجد حاتم الجزار، ومقدا ر ما بينهما غلوة سهم، انته. وهذه أبيات من أولها:
الحمد لله العليِّ الأجلل الواسع الفضل الوهوب المجزل
أعطى فلم يبخل ولم يبخِّل كوم الذُّ رى من خول المخوَّل
تبقَّلت من أوَّل التَّبقُّل بين رماحى مالكٍ ونهشل
يدفع عنها العزُّ جهل الجهَّل
إلى أن قال:
وقد جعلنا في وضين الأَّحبل جوز خفافٍ قلبه مثقَّل
أحزم لا قوقٍ ولا جزنبل موثَّق الأعلى أمين الأسفل
أقبَّ من تحت عريضٍ من عل معاودٍ كرَّة أد بر أقبل
إلى ان قال:
وصدرت بعد أصيل الموصل تمشي من الرِّدَّة مشي الحفَّل
مشي الروايا بالمزاد الأثقل
إلى أن قال:
تثير أيديها عجاج القسطل إذ عصبت بالطعن المغربل
[ ٣ / ٣٦٣ ]
تدافع الشيب ولم تقتل في لجةٍ أمسك فلانًا عن فل
ومنها في صفة الراعى:
تفلى له الرِّيح ولما يفتل لمِّة قفرٍ كشعاع السُّنبل
يأتي لها من أيمن وأشمل وبدِّلت والدَّهر ذو تبدُّل
هيفًا دبورًا بالصَّبا والشَّمأل
وهي طويلة جدًا، قال ابن قتيبة في كتاب"الشعراء": أنشد أبو النجمز هذه الأرجوزة هشام بن عبد الملك، وهي أجود أرحوزة للعرب، وهشام يصفق بيديه استحسانًا لها حتى إذا بلغ قوله في صفة الشمس:
حتّى إذا الشَّمس جلاها المجتلي بين سماط شفقٍ مر عبل
صفواء قد كادت ولما تفعل فهى على الأفق كعين الأحول
أمر بوجء رقبته وإخراجه، وكان هشام أحول، انتهى.
وقوله: "الحمد لله العلي الأجلل" أورده علماء المعاني على أن "الأجلل" بفك الإدغام مما يخل بالفصاحة، والفصيح: الأجل، وهو القياس، وأورده المصنف أيضًا في آخر "أوضح المسالك" على أن فك الإدغام للضرورة، ورواه سيبويه: "الحمد لله الوهوب المجزل" أنشده على أن حذف الياء المتصلة بحرف الروي جائز على ضعف تشبيهًا لها في الحذف بياء الوصل الزائدة للترنم، كما في قوله: المجزل ونحوه، وكأن هذه الرواية مركبة من بيتين أو هو من شعر راجز آخر، لكن ابن هشام اللخمي أورده كذلك أول هذه الأرجوزة، والله أعلم.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
والمجزل: من أجزل له في العطاء إذا أوسعه، والبخل: منع السائل مما يفضل عنده، وفعله من باب تعب، ونجّله - بالتشديد - أي: نسبه إلى البخل، وأما أنجله فمعناه: وجده نجيلًا، وكوم الذرى: مفعول أعطى؛ جمع كوماء بالفتح والمد، وهى الناقة العظيمة السنام، والذرى: جمع ذروة بالكسر والضم، أعلى السنام، والخول: بفتحتين العطية، والمخول: اسم فاعل المعطي، وقوله تبقلت، أي: رعت البقل، وهو ما نبت في بذوره لا في أرومة ثابتة، ومالك ونهشل: قبيلتان، والأول هو بن ضبيعة بن قيس من هوازن. ونهشل هو أبو دارم قبيلة من ربيعة، قال الأصبهاني في "الأغاني" وكان ذكر هاتين القبيلتين أعني بني مالك ونهشل: إن دماء كانت بين بني دارم وبين بني نشل وحروبًا في بلادهم، فتجافى جميعهم الرعي فيما بين فلج والصمان مخافة الشر جتى كثر كلؤه وطال، فذكر أن بني عجل جاءت لعزها إلى ذلك الوضع فرعته، ولم تخف رماح هذين الحيين، ففخر به أبو النجم، انتهى. وهذا خطأ منه، ظن أن مالكًا هو مالك بن حنظلة، ونشهل بن دارم بن مالك بن حنظلة، وليس كذلك، ويؤيده ما رواه ابن الأعرابي في"نوادره" قال: كان رجل من عزة دعا رؤبة بن العجاج فأطعمه وسقاه، فأنشده فخره على ربيعة، فساء ذلك العنزي، فقال لغلامه سرًا: اركب فرسي وجئني بأبي النجم، فجاء به وعلية جبة خز وبت في غير سراويل، فدخل فأكل وشرب، ثم قال العنزي: أنشدنا ياأبا النجم ورؤبة لا يعرفه، فانتحى في قوله:
الحمد لله الوهوب المجزل
[ ٣ / ٣٦٥ ]
ينشدها حتى بلغ:
تبقَّلت من أوَّل التَّبقل بين رماحي مالك وتهشل فقال له رؤبة: إن نهشلًا من مالك يرحمك الله فقال يا ابن أخى، الكمر أشباه إنه ليس من مالك بن حنظلة، إنه مالك بن ضبيعة! فخزي رؤبة، وحي من غلبة أبي النجم إياه، ثم أنشد أبو النجم فخره على تميم فاغتم رؤبة، وقال لصاحب الدار: لابحبك قلبي أبدًا، انتهى. وصوابه ما نقله أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" عن أبي عبيدة أنه قال: لما قتل عمران بن خنيس السعدي رجلين من بني نهشل بن دارم اتهامًا بأخيه المقتول في بغاء إبله، نشأت بين بني سعد بن مالك وبين بني نهشل حرب تحامى الناس من أجلها ما بين فلج والصمان .. إلى آخر ما ذكره صاحب "الأغاني" والصمان، بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم: جبل يخرج من البصرة على طريق البصرة إلى مكة، وفيه منازل للحاج، كذا في معجم البكري. واستشهد صاحب"الكشاف" يقوله: "بين رماحي مالك ونهشل" عند تفسير قوله تعالى: (اثنتي عشرة أسباطًا) [الأعراف/١٦٠] على جمع الأسباط، مع أن مميز ما عدا العشرة لا يكون إلا مفردًا، لأن المراد بالأسباط القبيلة، ولو قيل: سبطًا لأوهم أن المجموع قبيلة واحدة، فوضع أسباطًا موضع قبيلة، كما وضع أبو النجم وماحًا وهو جمع موضع جماعتين من الرماح، وثنى على تأويل رماح هذه القبيلة ورماح هذه القبيلة، فالمراد لكل فرد من أفراد هذه التثنية جماعة، كما أن لكل فرد من أفراد هذا الجمع وهو أسباط قبيلة.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
وزعم خضر الموصلي في شواهد التفسيرين أن هذا البيت في وصف رمكة مرتاضة، اعتادت ممارسة الحروب حتى تحسب أرض الحرب روضة تتبقل فيها، هذا كلامه، مع أنه أورد أبياتًا من هذه الأرجوزة ولم يتفهم المعنى! .
وقوله: يدفع عنها العز: هو فاعل يدفع، وجهل الجهل: مفعوله، أي: سفاهة السفهاء، وضمير"عنها" وفاعل "تبقلت" ضمير كوم الذرى، والعز: القوة والمنعة. وقوله: وقد جعلنا في وضين. .الخ؛ هذا في وصف بعير السانية، أي: الدولاب، والوضين: سير عريض كالحزام يعمل من أدم، قال صاحب "القاموس": الوضين بطان عريض منسوج من سيور أو شعر ولا يكون إلا من جلد، انتهى. والأجل: جمع حبل، والجوز، بفتح الجيم وسكون الواو وآخره زاء معجمة: مفعول جعلنا، وجوز كل شيء وسطه، والخفاف، بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفائين، وهو منون، وقلبه: فاعله، وهو صفة لموصوف محذوف، أي: بعير خفاف، والمثقل: الثقيل، صفة ثانية، يريد: شددنا الوضين في وسط بعير خفيف القلب ذكيه مع ثقل بدنه وضخامته.
والأحزم: خلاف الأهضم، وهو أن يكون موضع حزامه عظيمًا، وهو صفة ثالثة. والقوق، بضم القاف الأولى: الفاحش الطول؛ وهو صفة رابهة، والحزنبل، بفتح الحاء المهملة والزاء المعجمة وسكون النون وفتح الموحدة: القصير، وقوله: موثق الأعلى .. الخ، بالجر: صفة خامسة، وأراد بالأعلى ظهره، وبالأسفل قوائمه، وأمين بمعنى مأمون صفة سادسة.
وقوله أقب .. الخ، مجرور بالفتحة: صفة سابعة، وعريض: صفة ثامنة، والقبب بفتحتين: الضمر، يعني أن خضره ضامر، والخصر تحت المتن وأن تحته
[ ٣ / ٣٦٧ ]
عريض وتحت مبنى علي الضم، وقوله: معاود كرة. الخ، معاود: أسم مفعول، وهو بالجر صفة تاسعة، أي: يعاد عليه مرمرًا قول: أقبل على البئر إذا تفرغت الدلو، أدبر عنها إذا امتلأت. وكرة، بالرفع نائب فاعل معاود، وهو مضاف لما بعده.
وقوله: فصدرت، أي: رجعت، والأصيل: الوقت الذي بعد العصر إلى المغرب، والموصل: الراعي يوصل بعضها ببعض إذا تفرقت، وقوله: تمشي من الردة، قال صاحب (العباب): الردة: امتلاء الضرع من اللبن قبل النتاج، عن الأصمعي: وأنشد لأبي النجم يصف إبلًا: تمشي من الردة .. إلخ، وقال الأصعمي: الردة: أن تشرب الإبل الماء وتبرك وقد رويت بعد عطش، فترم ضروعها وأحييتها من غير لبن ولا حفل، ولكنه من الارتواء، انتهى وقال السيرافي في (شرح أبيات إصلاح المنطق): وصف إبلًا قد أكثرت من شرب الماء فأثقلها الري، والردة ترد في أجوافها، يقال: أردت فهي مرد: إذا انتفخت من الماء وانتفخ ضرعها من غير لبن، يقول: تمشي من كثرة شرب الماء كمشي التي أثقلها كثرة ما في ضرعها، والحافل: التي اجتمع في ضرعها اللبن، انتهى. وقوله: مشي الروايا، أي مشيًا كمشيها، وهي جمع رواية: البعير الذي يستقى عليه، والمزاد: والوعاء الذي يستقى به الماء ويقال له رواية أيضًا، قال أبو عبيد: لا تكون المزادة إلا من جلدين تفأم بثالث بينهما لتتسع، وتفأم، بوزن تفعل، مهموز العين، بمعنى توسع، تقول: أفأمته أي،: وسعته،
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وقوله تثير أيديها .. إلخ، الضمير للإبل، والقسطل: الغبار وما ارتفع من العجاج، قال الجوهري: وعصبت الإبل بالماء إذا دارت، وقال الفراء/ عصبت الإبل وعصبت، بالكسر، أيضًا: إذا اجتمعت، والعطن بفتحتين: مبرك الإبل عند الماء لتشرب الشرب الثاني، فإذا استوفت ردت إلى المرعي، والمغربل: المنخول، أي: أن تراب العطن كأنه منخول لكثرة ما انسحق منه بشدة الحركة.
وقوله: تدافع الشيب؛ مصدر تشبيهي وعاملة محذوف، وهو معطوف على عصبت، أي: اجتمعت وتدافعت تدافعًا كتدافع الشيوخ، والشيب: جمع أشيب، وهو الشيخ. ولم تقتل، أصله: تقتتل، فأسكن التاء الأولى للإدغام، وحرك القاف لالتقاء الساكنين بالكسر فصار: تقتل، ثم أتبع أول الحرف ثانية فصار: تقتل، بثلاث كسرات، واللجة، بفتح اللام وتشديد الجيم: اختلاط الأصوات في الحرب، وفي (الصحاح): وسمعت لجة الناس، بالفتح، أي: أصواتهم وضجتهم، وأنشد هذا البيت و(في) متعلقة بتدافع، وقوله: أمسك فلانًا عن فل، هو على إضمار القول، أي: في لجة يقال فيها: أمسك فلانًا، قال ابن السيد، وتبعه اللخمي، كلاهما في شرح أبيات الجمل: شبه تزاحمها ومدافعة بعضها بعضًا بقوم شيوخ في لجة وشر، يدفع بعضهم بعضًا فيقال: أمسك فلانًا عن فلان، أي: احجز بينهم، وخص الشيوخ لأن الشباب فيهم التسرع إلى القتال، أي: هي في تزاحم ولا تقال كالشيوخ، وكأن الأعلم لم يقف على ما قبله من الأبيات، قال في (شرح شواهد سيبويه): الشاهد فيه
[ ٣ / ٣٦٩ ]
استعمال (فل) مكان فلان في غير النداء ضرورة، ومعنى أمسك فلانًا عن فل: خذ هذا بدم هذا، وائسر هذا بهذا، انتهى.
وفل: يستعمل في النداء خاصة، واستعمله هنا في غير النداء للضرورة، وقالوا في تأنيثه: فلة، أنثوه على نقصه، وليس فل مرخمًا من فلان، لأن المرخم لا يلحقه تأنيث، وإنما هو بمنزلة دم ودمة، قاله أبو حيان في (تذكرته).
وقوله: تفلي له الربح. الخ، الفلي: مصدر فليت رأسه- من باب رمي- إذا نقيىه من القمل، وافتلى هو إذا نقاه، ويفتل: مجزوم بلما، يريد أن الريح تهب على رأسه، فتفرق شعره كأنها تفليه، وهو لم يفل شعره لشعثه وقلة تعهده نفسه، واللمة، بكسر اللام: الشعر الذي يلم بالمنكب، أي: يقرب منه، وهو مفعول تفلي على التنازع. والقفز: بفتح القاف وسكون الفاء، وأصله قفر، بكسر الفاء، وصف من قفر زيد، من باب فرح: إذا قل لحمه. وشعاع السنبل، بفتح الشين المعجمة: سفاه، وقد أشع الزرع: أخرج شعاعه، وأسفى الزرع إذا خثن أطراف سنبله، والسنبل: سنبل الحنطة والشعير ونحوهما، شبه شعره المنتفش بشوك السنبل.
وقوله: يأتي لها، فاعله ضمير الراعي، قال صاحب (الصحاح) أي: يعرض لها من ناحية اليمين وناحية الشمال، وذهب إلى معنى أيمن الإبل وأشملها فجمع لذلك، انتهى. وأوردة سيبويه على أن الشاعر لما جر أيمنًا وأشملًا بمن أخرجهما عن الظرفية، وزعم الأعلم في "شرح شواهده" أن هذا البت في وصف ظليم
[ ٣ / ٣٧٠ ]
ونعامة، قال: يعني كلما أسرعت إلى أدحيتها وهو بيضتها عرض لها يمينًا وشمالًا مزعجًا لها، وهذا كما ترى لا أصل له.
وقوله: وبدلت والدهر ذو تبدل .. إلخ، يأتي إن شاء الله شرحه في الباب الثاني.
وقوله: بين سماطي شفق .. إلخ، السماط، بالكسر: الصف والجانب، والسمطان من الناس والنخل: الجانبان. يقال: مشى بين السماطين، وأنشد القصيدة بين السماطين، والمرعبل: المقطع، وصغواء بالغين المعجمة: من صغت النجوم إذا مالت للغروب، وقوله: قد كادت، أي: قاربت الشمس أن تغيب ولم تغب بالفعل، روى صاحب (الأغاني) أن أبا النجم لما بلغ ذكر الشمس فقال: وهي على الأفق كعين وأراد أن يقول: "الأحوال" فذكر حول هشام فلم يتم البيت، وأرتج عليه، فقال هشام: أجز [البيت]، فقال كعين الأحوال، فأمر هشام بإخراجه من الرصافة- ويقال لها: رصافة الشام، وهي مدينة في غربي الرقة بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية، بناها هشام لما وقع الطاعون بالشام، وكان يسكنها في الصيف، وكانت قبل من بناء الملوك الغسانيين- ثم قال لصاحب الشرطة: [ياربيع] إياك وأن أرى هذا! فكلم وجوه الناس صاحب الشرطة أن يقره ففعل، فكان يصيب من فضول أطعمة الناس ويأوي بالليل في المساجد. قال أبو النجم: ولم يكن بالرصافة أحد يضيف إلا سليم بن كيسان الكلبي وعمرو بن بسطام التغابي، فكنت أتغذى عنه سليم، وأتعشى عند عمرو، وآتي المسجد فأبيت فيه. فاغتم هشام ليلة وأراد محدثًا يحدثه، فقال لخادم له: ابغني محدثًا أعرابيًا أهوج شاعرًا يروي الشعر، فخرج الحاجب إلى المسجد، فإذا هو بأبي النجم، فضبه برجله وقال له: قم أجب أمير المؤمنين،
[ ٣ / ٣٧١ ]
فقال: أنا أعرابي غريب، قال: إياك أبغي، قال: تروي الشعر؟ قال: نعم وأقوله، فأقبل به حتى أدخله القصر وأغلق الباب فأيقن بالشر، ثم مضى به فأدخله على هشام في بيت صغير، بينه وبين أهله ستر رقيق والشمع بين يديه، قال: فلما دخلت قال لي: أبو النجم؟ قلت: يا أمير المؤمنين طريدك! قال: أجلس، فسألني وقال: أين كنت تأوي؟ فأخبرته الخبر، قال: ومالك من الولد والمال؟ قلت: أما المال فلا مال لي، وأما الولد في ثلاث بنات وبني يقال له شيان، قال: هل زوجت من بناتك [أحدًا]؟ قلت: نعم زوجت اثنتين، وبقيت واحدة تجمز في أبياتنا كأنها نعامة، قال: وما وصيت به الأولى وكانت تسمى برة- قال:
أوصيت من برَّة قلبًا حرًّا بالكلب خيرًا والحماة شرَّا
لا تسأمي ضربًا لها وجرّا حتىَّ ترى حلو الحياة مرّا
وإن كستك دهبًا ودرّا والحيَّ عمِّيهم بشرٍّ طراّ
فضحك هشام وقال: فما قلت للأخرى؟ قال: قلت:
سبّي الحماة وابهتي عليها وإن دنت فازدلفي إليها
وأوجعي بالفهر ركبتيها ومرفقيها واضربي جنبيها
وقعدّي كفيك في صدغيها لا تخبري الدَّهر بذاك ابنيها
فضحك هشام حتى بدت نواجذه، وسقط على قفاه. وقال: ويحك، ما هذه وصية يعقوب ولده! قال: ولا أنا كيعقوب يا أمير المؤمنين، قال: فما قلت في الثالثة؟ قال: قلت:
[ ٣ / ٣٧٢ ]
أوصيك يا بنتي فإّني ذاهب أوصيك أن يحمك الأقارب
والجار والضَّيف الكريم السّاغب لا يرجع المسكين وهو خائب
ولا تني أظفارك السَّلاهب لهنَّ في وجه الحماة كاتب
والزَّوج إنَّ الزَّوج بئس الصَّاحب
قال: فأي شيء قلت في تأخير تزويجها؟ قال: قلت:
كأنَّ ظلّامة أخت شيّان يتيمة ووالداها حيَّان
الجيد منها عطلٌ والأذنان وليس للرِّجلين إلاّ خيطان
وفضَّةٌ قد شيَّطتها النّيران تلك الَّتي يضحك منها الشَّيطان
فضحك هشام، وضحكت الناس لضحكه، وقال للخصي: كما بقى من نفقتك؟ قال: ثلاثمائة دينا، قال: أعطه إياها يجعلها في رجل ظلامة مكان الخيطان. وتقدمت ترجمة أبي النجم في الإنشاد السابع والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد المائتين:
(٢٥٣) كحملود صخر حطَّه السَّبل من عل
[ ٣ / ٣٧٣ ]
على أن "على" هنا نكرة، قال ابن حني: "عل" فيه نكرة، ألا ترى أنه لا يريد من أعلى شيء مخصوص، فالكسرة إذن في لام "عل" هذه كسرة إعراب، ككسرة دال يد، وميم دم، ومن كان من العرب لغته تنوين أواخر الأبيات، نحو قوله:
أقلّى اللّوم عاذل والعتابن
وقوله:
يا صاح ما هاج الدُّموع الذُّرَّفن
وقوله:
من طلل كالأتحميّ أنهجن
فإنه إذا نون بيت أوس فقال:
كغرقئ بيضٍ كنَّه القيض من علن
فالتنوين عنده ليس تنوين الصرف، كالذي في قوله: رأيت زيدًا، ومررت بجعفر، ألا ترى أن هذا التنوين إنما يلحق في الصحيح حركات الإعراب، وضمة اللام من قوله: (كنه القيض من عل) إنما هي ضمة بناء، فالتنوين فيه إذن هو التنوين اللاحق للفعل في (أنهجن) ومع لام المعرفة في: (الذرفن) ومع الضمير في قوله:
يا أبتا علك أو عساكن
وأما التنوين من قوله:
كجلمود صخر حطَّه السَّيل من عل
[ ٣ / ٣٧٤ ]
فينبغي أن يكون تنوين الصرف، لأن الحركة قبل حركة إعراب، ولا أنكر أيضًا أن يعتقد فيه أنه تنوين الإنشاد اللاحق للفعل، ومع لام المعرفة والمضمر على ما قدمناه، والوجه هو الأول. انتهى.
والمصراع من معلقة امرئ القيس، وقبله:
وقد أغتدي والطَّير في وكناتها بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل
مكرِّ مفرِّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
كجلمود صخرٍ حطَّة السَّيل من عل
قوله: وقد اغتدي، أي: أخرج غدوة للصيد، والوكنات، بضم الواو والكاف: جمع وكنة، بسكون الكاف، قال ابن جني في (المحتسب): قرأ عبد الكريم الجزري (فتكن في صخرة) [لقمان /١٦] بكسر الكاف، ومن قولهم: وكن الطائر يكن وكونًا: إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلًا، وهي أيضًا عشه الذي يبيض فيه، وكأنه من مقلوب الكون، لأن الكون الاستقرار، انتهى.
وقد استعمل امرؤ القيس هذا المصراع في عدة قصائد منها في اللامية، وتمامه:
لغيث من الوسميِّ رائده خالي
ومنها في الضادية، وتمامه:
بمنجردٍ عبل اليدين قبيض
[ ٣ / ٣٧٥ ]
ومنها في البائية، وتمامه:
وماء النَّدى يجري على كلِّ مذنب
وجملة: "والطير في وكناتها" حال من ضمير أغدو، والمنجرد قيل: الماضي في السير، وقيل: القليل الشعر، والباء متعلقة بأغتدي، والأوابد: الوحوش جمع آبدة، يريد أن هذا الفرس من شدة سرعته يلحق الوحوش فيصير لها بمنزلة القيد، قال أبو علي في "التذكرة": قيد الأوابد: صفة، وهو مصدر كأنه قال: تقييد الأوابد، ثم استعمل المصدر بحذف الزيادة فوصف به، وقال التبريزي: تقديره ذي تقييد الأوابد، قال الباقلاني في (إعجاز القرآن": قوله: "قيد الأوابد" عندهم من البديع، وهو من الاستعارة، ويرونه من الألفاظ الشريفة، وعني وبذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيدًا لها، وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة عدوه، وقد افتدى به الناس، واتبعه الشعراء فقيل: قيد النواظر، وقيد الألحاظ، وقيد الكلام، وقيد الحديث، وقيد الرهان، قال الأسود أبن يعفر:
بمقلِّص عتدٍ جهيزٍ شدُّه قيد الأوابد والرِّهان جواد
وقال أبو تمام:
لها منظرٌ قيد الاوابد لم يزل يروح ويغدو في خفارته الحبُّ
وقال آخر:
ألحاظه قيد عيون الورى فليس طرفٌ يتعدَّاه
[ ٣ / ٣٧٦ ]
وقال آخر:
قيَّد الحسن عليه الحدقا
والهيكل قال ابن دريد: هو الفرس العظيم الجرم. وهاذ البيت موجود في شعر علقمة الفحل وهو عصريه ومشاعره، والله أعلم، وقوله: مكر مفر، بكسر ميمهما وجرهما، أي: جواد صالح للكر والفر، والكر: العطف، يقال: كر فرسه على عدوه، أي: عطفه عليه ومفعل، بكسر الميم، يتضمن مبالغة، كقولهم: فلان مسعر حرب، وفلان مقول ومصقع، وإنما جعلوه متضمنًا مبالغة لأن مفعلًا يكون من أسماء الآلة، فكأنه أداة للكر والفر، وآلة لتسعر الحرب أي: تلهبها، وآلة الكلام، ومقبل ومدبر: اسمًا فاعل من الإقبال والإدبار، والجلمود، بالضم: الصخر العظيم الصلب، والحط: إلقاء الشيء من علو إلى أسفل، ومن عل، أي: من مكان عال، وهذا البيت عدوه من باب الأتساع، قال ابن رشيق في (العمدة): الاتساع: أن يقول الشاعر بيتًا يتسع فيه التأويل، فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ وقوته واتساع المعنى، من ذلك قول امرئ القيس: مكر مفر مقبل .. البيت، فإنه أراد أنه يصلح للكر والفر ويحسن مقبلًا ومدبرًا، ثم قال: معًا، أي: جمع ذلك فيه، وشبه في سرعته وشدة جريه وحضره بجلمود حطه السيل من أعلى الجبل، وإذا انحط من عل كان شديد السرعة، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه! وذهب قوم منهم عبد الكريم إلى أن معنى قوله: كجلمود صخر إلخ، إنما
[ ٣ / ٣٧٧ ]
هو الصلابة، لأن الصخرة عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب وقال بعض من فسره من المحدثين: إنما أراد الإفراط، فزعم أنه يرى مقبلًا ومدبرًا في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته، واعترض على نفسه فاحتج بما يوجد عيانًا، فمثله بالجلمود المنحدر من قنة الجبل، فإنك ترى ظهره في النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك، ولعل هذا ما مر قط ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده ولا روعه، انتهى.
والمصراع الشاهد قد أنشده سيبويه في أواخر "كتابه" قال: وعل معناها الإتيان من فوق، قال امرؤ القيس: (كجلود صخر حطه السيل من عل) وقال جرير:
حتى اختطفتك يا فرزدق من عل
انتهى. قال الأعلم في شرحه: يريد أن معنى "عل" معنى "فوق" وأن الجر دخله لأن قدره نكرة غير مضاف إلى شيء في النية، وبناؤه على الضم أكثر لتضمه معنى الإضافة كقبل وبعد، انتهى.
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
علّ
(بلام مشددة)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد المائتين:
(٢٥٤) لا تهين الفقير علَّك أن تركع يومًا والدَّهر قد رفعه
على أن (عل) لغة في (لعل) وهما بمنزلة عسى في المعنى، وفيه شواهد أخر: أحدهما: حذف نون التوكيد الخفيفة، حذفت الالتقاء الساكنين والأصل: لا تهينن الفقير، فحذفت النون وبقيت الفتحة دليلًا عليها لكونها مع المفرد المذكر فإن لم تلاق النون ساكنًا فلا تحذف إلا للضرورة نحو ما أنشده أبو زيد في (نوادره):
أضرب عنك الهموم طارفها ضربك بالسَّوط قونس الفرس
ورواه الجاحظ في (البيان): (لا تحقرن الفقير). وروى ثعلب: (ولا تعاد الفقير) فلا شاهد فيه.
ثانيًا: اقتران الفعل الواقع خبرًا لـ (علَّ) [بأن] كالحديث: (لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)
ثالثها: وقوع الخرم بالراء المهملة في غير الوتد المجموع، وذلك أن البيت من المنسرح، وأول أجزائه مستفعلن، وقوله: (لا نهي) وزنه: فاعلن، حذف سين مستفعلن بالخبن، فبقى متفعلن، ثم حذف ميمه بالخرم فصار تفعلن، فنقل إلى فاعلن، ومثله شاذ، كقوله:
[ ٣ / ٣٧٩ ]
قاتلوا القوم يا خزاع ولا يدخلكم في قتالهم فشل
وروي: "ولا تهين" بالواو، فلا خرم.
والبيت من أبيات للأضبط بن قريع السعدي، أوردها القالي في (أماليه) عن ابن دريد عن ابن الأنباري عن ثعلب، قال ثعلب: بلغني أنها قيلت قبل الإسلام بدهر طويل وهي:
لكلِّ همِّ من الهموم سعه والمسي والصبُّح لا فلاح معه
ما بال من سرَّه مصابك لو يملك شيئًا من أمره وزعه
أذود عن حوضه ويدفعني يا قوم من عاذري من الخدعه
حتّى إذا ما انجلت عمايته أقبل يلحى وغيُّه فجعه
قد يجمع المال غير آكله ويأكل المال غير من جمعه
فاقبل من الدَّهر ما أتاك به من قرَّ عينًا بعيشه نفعه
وصل حبال البعيد إن وصل الـ
ـحبل وأقص القريب إن قطعه
ولا تعاد الفقير علَّك أن تركع يومًا والدَّهر قد نفعه
انتهى. ورواها أيضًا ابن الأعرابي في (نوادره) والجاحظ في (البيان) والشريف الحسيني في (حماسته) وصاحب (الحماسة البصرية) وابن قتيبة في كتاب (الشعراء) والأصبهاني في (الأغاني) وغيرهم بتقديم بعضها على بعض، وطرح بعض أبيات منها.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
والمسي، بضم الميم وكسرها وسكون السين: أسم من الإمساء، والصبح اسم من الإصباح، قاله الجوهري وأنشد البيت، والفلاح: البقاء، وروي به أيضًا، وقوله: ما بال من سره إلخ، المصاب، بالضم: المصيبة، وروي أيضًا: (ما بال من تتألم لفقره وخيبته، فإذا وجد شيئًا كفه عنك! وقوله: إذود عن حوضه، هذا مثل للحماية ودفع المكروه عنه، والخدعة، بضم الخاء المعجمة وفتح الدال: بطن من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وهم قومه، قاله صاحب (الأغاني) وغيره، والعماية، بفتح العين المهملة: الشدة التي تلتبس منها الأمور، يقال: عمي عليه الأمر: إذا التبس، وأقبل: شرع، ويلحى: يلوم، وغيه: الضلالة، وفجعه: أصابه بمكروه، والمراد بوصل الحبل: وصل حبل المودة والقيام بحقوقها، أي: دم على مواصلة الصديق البعيد في النسب القريب في الإخاء ما دام مواصلك في المودة، والحبل استعارة، لأنه من شأنه التمسك به، وأقص: أمرٌ من الإقصاء وهو الإبعاد، أي أبعد قريبك إذا قطع المودة، وقوله: ولا تعاد: نهي، من عاداه معاداة، والمشهور: لا تهين الفقير، والإهانة الإيقاع في الهون، بالضم، والهوان بالفتح، وهما بمعنى الذل والحقارة، ومثله في المعنى قول الآخر:
عسى سائلٌ ذو حاجةٍ إن منعته من اليوم سؤلًا أن يكون له غد
واستشهد بهذا البيت في التفسير عند قوله تعالى (واركعوا مع الراكعين)
[البقرة/٤٣] على أن الركوع هو الخضوع والانقياد كما في البيت، وجملة: (والدهر قد رفعه): حال من ضمير تركع.
[ ٣ / ٣٨١ ]
وكان سبب هذا الشعر على ما في (الأغاني) عن أبي محلم أن أم الأضبط كانت عجيبة بنت دارم بن مالك بن حنظلة وخالته الطموح بنت دارم، فحاب بنو الطموح قومًا من بين سعد، فجعل الأضبط يدس إليهم الخيل والسلاح، ولا يصرح بنصرهم خوفًا من أن يتحزب قومه حزبين معه وعليه، وكان لما يشير عليهم بالرأي نقضوه وخالفوا عليه، وأروه مع ذلك أنهم على رأيه، فقال في ذلك هذه الأبيات. وروى المبرد في (الكامل): (ولا تهين الكريم) بدل الفقير، قال عند قول الشاعر:
وأكرم كريمًا إن أتاك لحاجة لعاقبة إنَّ العضاه يروَّح
يقول: الشجر يصيبه الندى في آخر الصيف، فينشأ له ورق، فيقول: لعلك تحتاج إلى هذا الكريم وقد قدر. ومثله:
ولا تهين الكريم علَّلك أن تركع يومًا والدَّهر قد رفعه
إذا خلَّةٌ نابت صديقك فاعتنيم مرَّمتها فالدَّهر بالنَّاس قلَّب
وبادر بمعروفٍ إذا كنت قادرًا زوال اقتدارٍ أو غنًى عنك يعقب
ومثل هذا كثير، وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵃:
[ ٣ / ٣٨٢ ]
إني لأسارع إلى حاجة عدوي خوفًا من أن أرده فيستغني عني، وقال رجل من العرب: ما رددت رجلًا عن حاجة فولىّ عني إلا رأيت الغنى في قفاه. وقال عبد الله بن العباس: ما رأيت أحدًا أسعفته في حاجة إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلًا رددته [عن حاجة] إلا أظلم ما بيني وبينه. وقال عبد الله ابن همام السلولي:
وأتلف فأخلف إنَّما المال عارةٌ وكله مع الدَّهر الَّذي هو آكله
فأهون مفقودٍ وأيسر هالكٍ على الحيِّ من لا يبلغ الحيَّ نائله
عارة أي: معارة، ووزنه فعلة، انتهى. ورأيت هذين البيتين في (إصلاح المنطلق) لابن السكيت أنشدها لابن مقبل لا لابن همام، والله أعلم.
وقائل الشعر هو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقريع، بضم القاف، هو أبو جعفر الملقب بأنف الناقة أيضًا، قال ابن قتيبة في كتاب (الشعراء): الأضبط بن قريع السعدي: هو من عوف بن كعب بن سعد، رهط الزبرقان بن بدر ورهط بني أنف الناقة، وكان قومه أساؤوا مجاورته، فانتقل منهم إلى غيرهم، فأساؤوا مجاورته أيضًا، فرجع إلى قومه وقال: (بكلِّ واد بنو سعيد) وهو جاهلي قديم، وكان أعار على بني الحارث بن كعب، فقتل منهم وأسر وجدع وخصى، ثم بني أطمًا، وبنت الملوك حول ذلك الأطم مدينة صنعاء، فهي اليوم قصبتها، وهو القائل:
يا قوم من عاذري من الخدعه
[ ٣ / ٣٨٣ ]
وأول الأبيات:
لكلِّ ضيق من الأمور سعه
مع أربعة أبيات أخر. انتهى. وقول صاحب (الحماسة البصرية): إن الأضبط هذا من شعراء الدولة الأموية غلط، والأضبط معناه في اللغة: الذي يعمل بكلتا يديه، والمرأة ضبطاء.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد المائتين:
(٢٥٥) علَّ صروف الدَّهر أو دولاتها يدلننا اللَّمَّة من لماَّتها
فتستريح النَّفس من زفراتها
على أنه يجوز نصب حواب لعل بعد الفاء عند الكوفيين، قال الفراء في تفسيره: وقوله تعالى: (لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع) [غافر/ ٣٦ - ٣٧] بالرفع، يرده على قوله: (أبلغ) ومن جعله جوابًا لعل نصبه، وقد قرأ به بعض القراء، وأنشدني بعض العرب:
علَّ صروف الدَّهر أودولاتها يدلننا اللَّمَّة من لمَّاتها
فتستريح النَّفس من زفراتها
[ ٣ / ٣٨٤ ]
فنصب على الجواب بـ (لعل)، انتهى. وقال أيضًا في تفسير سورة عبس: وقد اجتمع القراء على (فتنفعه الذكرى) [عبس/٤] بالرفع، ولو كان نصبًا على جواب الفاء لعل كان صوابًا، أنشدني بعضهم:
علَّ صروف الدَّهر أو دولاتها يدلننا اللَّلَّمة من لمَّاتها
فتستريح النفس من زفراتها وتنقع الغلَّة من غلاَّتها
انتهى. وفيه أن عاصمًًا قرأ (فتنفعه) بالنصب جوابًا للعل، وقول المصنف: وسيأتي البحث في ذلك؛ إشارة إلى ما قاله في المسألة الرابعة من أقسام العطف من الباب الرابع من أن نصب (فأطلع) بالعطف على (أبلغ) على توهم (أن) فإن خبر لعل يقترن بأن كثيرًا، أو أنه عطف على الأسباب على حد قوله:
ولبس عباءة وتقرَّ عيني
وقوله: (عل صروف الدهر) روي بنصب صروف على أن لعل من أخوات إن، وروي بالجر على أنها حرف جر، قال الصاغاني في (العباب): في لعل لغات: عل ولعل، ويقال: أصله (عل) وإنما زيدت اللام، ومعناه التوقع لمرجو أو مخوف، وفيه طمع وإشفاق، وهو حرف يعمل عمل إن، وبعضهم يخفض بها، وسمعه أو زيد من بني عقيل، ويقال: عل ولعل، بسكون اللام، وعلك ولعلك بمعنى: لعالك، قال الفرزدق:
[ ٣ / ٣٨٥ ]
إذا عثرت بي قلت علَّك وانتهى إلى باب أبواب الوليد كلالها
ويروى: عالك، قال الأزهري: سددت اللام في قولهم: (علك) لأنهم أرادوا: عل، لك، وكذلك [لعلك، إنما هو] لعل لك، قال الكسائي: العرب تصير لعل مكان لعًا، وتجعل لعًا مكان لعل وأنشد:
فهنَّ على أكتافها ورماحنا يقلن لمن أدركن تعسًا ولا لعل
وقال في قوله:
علَّ صروف الدَّهر أودولاتها يدلننا اللَّمة من لمَّاتها
معناه: عًا لصورف الدهر، فأسقط اللام من لعًا لصروف الدهر، وصيَّر نون لعًا لامًا لقرب مخرج النون من اللام، وهذا على قول من كسر صروف الدهر، ومن نصبها جعل عل بمعنى لعل فنصب، انتهى.
وصروف الدهر حوادثه ونوائبه جمع صرف، كفلس، والدولة، بالفتح والضم، قال الأزهري: هي الانتقال من حال البؤس والضر إلى حال الغبطة والسرور، وقال ابن الأثير في (النهاية): والدولة الانتقال من حال الشدة إلى الرخاء، وقوله: يدلننا، بضم الياء وكسر الدال وسكون اللام، وبعدها نون مفتوحة، هي ضمير جماعة المؤنث راجعة إلى صروف أو دولات، ويوجد في كثير من النسخ: (يدليننا)؛ بسكون الدال وكسر اللام بعدها ياء، وهو تحريف من الكتاب، لأنه من الإدلاء وهو غير مناسب له، والصواب الأول لأنه
[ ٣ / ٣٨٦ ]
من الإدالة، وهي التغليب والنصر، وفي حديث [وفد] ثقيف: (ندال عليهم ويدالون علينا) أي: نجعل منصورين عليهم ويجعلون منصورين علينا، فهو يتعدى إلى مفعول واحد وهو (نا) في البيت وهو ضمير الجمع، ويتعدى إلى المفعول الثاني بـ (على) كما في الحديث، والأصل: يديلنا الله عليهم ويديلهم علينا، فلما حول إلى البناء للمفعول صار المفعول نائب الفاعل، فاللمة في البيت منصوبة على نزع الخافض وهو (على)، فالتقدير: يدلننا على اللمة- بفتح اللام- وهي الشدة، قال الجوهري: وأما قوله:
أعيذه من حادثات اللَّمَّة
فيقال: هو الدهر، ويقال الشدة، وأنشد الفراء: (يدلننا اللمة من لماتها) مع البيت الذي قبله. وضمير لماتها للصروف، وقد غفل الدماميني عما قلنا من الحذف والإيصال فقال: واللمة الشدة، كذا قال الفراء، وأنشد هذا البيت شاهدًا عليه، وقد عداه فيه إلى مفعولين، فكأن المعنى: لعل الحوادث تجعل لنا الشدة دولة، فنستريح مما نحن فيه، فأنظره فلست على وثوق من صحته! انتهى. ولو تنبه للحديث السابق، أو لقول الجوهري: والإدالة: الغلبة، يقال: اللهم أدلني. على فلان وانصرني عليه؛ لجزم بما قلنا. وقوله: فتستريح من زفراتها، جمع زفرة بسكون الفاء، وهي تردد النفس في الجوف حتى تنتفخ الضلوع، وكان يجب فتح الفاء في الجمع، لأنه اسم غير صفة، ثلاثي صحيح العين ساكنها غير مضاعف، لكنه سكنت للضرورة، بخلاف دولات ولمَّات وعلاَّت، فتسكينها على القياس.
وقوله: (وتنقع الغلة من غلاتها) بنصب تقنع بالعطف على تستريح، والنقع: قطع الحرارة بالماء، وفي المثل: (الرسف أنقع) أي: أقطع
[ ٣ / ٣٨٧ ]
للعطش، يضرب في ترك العجلة، والغلة، بالضم: العطش، وقيل شدته، وقيل حرارة الجوف.
وهذه الأبيات الأربعة أنشدها الفراء عن بعض الأعراب، ولم يصرح بقائلها والله أعلم، وقد بسطنا الكلام على هذه الأبيات في شرح الشاهد الخامس والستين من شواهد شرحي (الشافية) للرضي والجاربردي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد المائتين:
(٢٥٦) لعلَّ التفاتًا منك نحوي مقدَّرٌ يمل بك من بعد القساوة للرُّحم
على أن ابن مالك أنشده في (شرح العمدة) شاهدًا لجزم جواب لعل عند سقوط الغاء، وهذا نصه في جوازم المضارع من (شرح العمدة): وقلَّ من يذكر للترجي جوابًا منصوبًا مع الفاء ومجزومًا دون الفاء، ويشهد للجزم قول الشاعر: لعل التفاتًا .. البيت، كما هنا، وأنشده ناظر الجيش في (شرح التسهيل) كذا:
لعلَّ التفاتٌ منك نحوي ميسَّرٌ يميل منك بعد العسر نحوي لليسر
وقال: إنه غريب، أي: لا يعرف لغير ابن مالك، وصريح كلام الرضي يشمله فإنه قال: أعلم أن كل ما يجاب بالفاء فينتصب المضارع بعد الفاء يصح أن يجاب بمضارع مجزوم إلا النفي، لأن غير النفي فيها طلب، والنفي خبر محض، والطلب أظهر في تضمن معنى الشرط إذا ذكر بعده ما يصلح للجزاء من الخبر، انتهى.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
وقوله: نحوي، أي: جهتي، وهو ظرف لمقدر وهو خبر لعل، وقيل ظرف لالتفات، وقوله: يمل بك، الباء للتعدية، تساوق الهمزة، أي: يملك، والقساوة: غلظة القلب، والرحم، بالضم: الرحمة، قال تعالى: (وأقرب رحمًا) [الكهف /٨١].
واسم الكتاب (عمدة الحافظ وعدة اللافظ) وهي مقدمة في النحو مقدار كراسة، وشرحها مقدار ثمانية كراريس وكلاهما لابن مالك، وقد عبر عنه المصنف بـ (العمدة) بحذف المضاف إليه وإقامة (أل) مقامه كما يقال: (المغني) في (مغني اللبيب) وقد جوَّزه ابن جني عند قول المتنبي:
وفينا السَّيف حملته صدوقٌ إذا لاقى وغارته لجوج
قال: أراد سيف الدولة، فجعل أل التي للعهد عوضًا عن المضاف إليه بعد حذفه لما كان معروفًا بها، وهو جائز، انتهى. فقول بعضهم: لا يجوز التصرف في العلم، وقولهم: السعد، في سعد الدين، خطأ ممنوع.
عند
أنشد فيه، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد المائتين:
(٢٥٧) كلُّ عندٍ لك عندي لا يساوي نصف عندي
على أن الحريري قال: هو لحن، وليس كذلك، أقول: إنما حكم بأنه ضرورة قال في (درة الغواص): ويقولن ذهبت إلى عنده، فيخطئون فيه، لأن عند لا يدخل عليه من أدوات الجر إلا (من) وحدها، ولا يقع في تصاريف الكلام مجرورًا إلا بها، فأما قول الشاعر:
[ ٣ / ٣٨٩ ]
كلُّ عند لك عندي لا يساوي نصف عندي
فإنه من ضرورات الشعر، كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى الأسماء المتمكنة، فأعربهما في قوله:
ليت شعري وأين منّي ليت إنَّ ليتًا وإنَّ سوفًا عناه
انتهى كلامه، وهو ليس من الضرورة في شيء؛ فإن كل كلمة أريد بها لفظها تعرب وتحكى، ويجوز فيها الصرف وعدمه باعتبار اللفظ والكلمة قياسًا مطرودًا، قال ابن مالك في (الكافية):
وإن نسيت لأداة حكما فأبن أو أعرب واجعلنها اسما
وقد وقعت كذلك في شعر المتنبي، قال في مدح ابن العميد:
ويمنعني ممَّن سوى أبن محمَّدٍ أيادٍ له عندي يضيق بها عند
قال سارحه الواحدي: (عند) اسم مبهم لا يستعمل إلا ظرفًا، فجعله المتنبي إسمًا خاصًا للمكان، كأنه قال: يضيق بها المكان، كما قال الطائي في مدح أبي العباس نصر بن منصور بن بسام:
[ ٣ / ٣٩٠ ]
وما زلت منشورًا علىَّ نواله وعندي حتى قد بقيت لا عند
قال الإمام المرزوقي، وتبعه الخطيب التبريزي في شرحهما: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد قطعني عن الناس كلهم إلى نفسه إذ أغناني عن غيره فكل ما أملكه منه خاصة، حتى ليس لي أن أقول: عندي كذا إذا كان ما عندي له.
والثاني: أنه لم يزل يخولني إلى أن لم يكن للنعمة والإحسان عندي مكان، فبقيت لا عند، أي: لا سبيل إلى قبول الزيادة، انتهى.
وحكي الأزهري عن الليث، وتبعه صاحب (القاموس) أنه يقول القائل لشيء بلا علم: هذا عندي كذا وكذا، فيقال/ أو لك عند، برفع عند.
وقوله: كل عندي لك عندي إلخ، أراد بـ (عند) الأول والثالث المقدار، أي: كل مقدار ثابت لك عندي لا يساوي نصف مقدار، والمراد: أنه لا يساوي شيئًا، ومحصل المعنى: أنه لا مقدار لك عندي.
والبيت لبعض المولدين، والمولد والمحدث- كمكرم- من الشعراء: من لا يصح الاستشهاد بكلامه، وهو من جاء بعد عصر المائتين، وأولهم بشار بن برد وأبو نواس، ومنهم أبو تمام والبحتري الطائيين والمتنبي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد المائتين:
(٢٥٨) لدن شبَّ حتَّى شاب سود الذَّوائب
صدره:
صريع غوانٍ راقهنَّ ورقنه
[ ٣ / ٣٩١ ]
على أن (لدن) مضافة إلى جملة، قال الرضي: إن أضيفت (لدن) إلى الجملة تمحضت الزمان، والبيت من قصيدة للقطامي، وهذه أبيات من أولها:
نأتك بليلى نَّيةٌ لم تقارب وما حبُّ ليلى من فؤادي بذاهب
منعَّمةٌ تحلو بعود أراكةٍ ذرى بردٍ عذبٍ شتيت المناصب
كأنَّ فضيضًا من غريض غامةٍ على ظمأٍ جادت به أمُّ غالب
لمستهلك قد كان من شدَّة الهوى يموت ومن طول العدات الكواذب
صريع غوانٍ راقهنَّ ورقنه لدن شبَّ حتَّى شاب سود الذَّوائب
قديديمة التَّجريب والحلم إنَّني أرى غفلات العيش قبل التَّجارب
قوله: نأتك بليلى نية إلخ، قال شارح ديوانه: أي: بعدت عنك، وصوابه: أبعتها عنك، لأن الباء للتعدية تساوق الهمزة، ونية: فاعل نأت، وهي الوجه الذي ينويه الإنسان، والمراد السفرة، ومثلها النوي، وقوله: منعمة تجلو إلخ، روى الأصمعي: (مناعمة) أي: غذيت غذاء ناعمًا، وأراد بتجلو: تستاك، والذرى: الأعالي، والبرد- بفتحتين- بح الغمام، شبه أسنانها في شدة بياضها بالبرد، وإنما خص الذرى لأنها صحاح لم تتكسر، وشتيت: متفرق، أراد أن في أسنانها فلجًا، والمناصب: حيث ركبت الأسنان. وقوله: كأن فضيضًا .. إلخ، فضيض السحابة، ماؤها إذا انفض منها، شبه
[ ٣ / ٣٩٢ ]
عذوبة ريقها بماء سحابة، والغريض: الطري. وقوله: لمستهلك .. إلخ، اللام متعلقة بجادت، وأراد بالمستهلك نفسه، لأنه هالك من حبها ومعرضها للهلاك. وقوله: صريع غوان، بالجر: بدل من مستهلك، ويجوز رفعه على إضمار المبتدأ، والصريع: المصروع، وهو المطروح على الأرض، يريد أنه قد أصيب من حبهن حتى لا حراك به، والغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بجمالها عن الزينة، وقيل: هي التي غنيت بزوجها عن غيره، وقيل: هي التي غنيت، أي: أقامت في بيت أبوبها ولم تتزوج، وراق: أعجب، أي: أعجبهن لجماله، وشبابه، وأعجبنه لحسنهن. وقوله: لدن شبَّ، أي: من أول زمن شبابه إلى وقت شيبه. فحتى بمعنى إلى، والذوائب: الضفائر من الشعر، جمع ذؤابة. وقد لقب القطامي صريع الغواني بهذا البيت، وهو أول من لقب به، وقد ذكر في الأوليات، ثم لقب به مسلم بن الوليد، قال صاحب (زهر الآداب): لقب مسلم صريع الغواني بقوله:
هل العيش إلّا أن تروح مع الصِّبا صريع حميَّا الكأس والأعين النُّجل
قال صاحب (الأغاني): الذي لقب مسلمًا بهذا اللقب هارون الرشيد لهذا البيت.
وقوله: قديديمة التجريب .. إلخ، هو من شواهد (سيبوبة) (وجمل الزجاجي) وغيره، استشهد به على تصغير قديديمة بالهاء ومثلها: وريئة. وإنما
[ ٣ / ٣٩٣ ]
أدخلوا الهاء في تصغير قدام ووراء، وإن كانتا قد جاوزتا ثلاثة أحرف، لأن باب الظروف التذكير، فلما شذتا في بابها فرقوا بينهما وبين غيرهما فأدخلوا فيها علامة التأنيث، قال اللخمي. وقديديمة: منصوبة على الظرف، والعامل فيها: راقهنَّ ورقنة.
وقوله: أرى غفلات .. إلخ، يقول: إنما يستلذ بالعيش أيام الغفلة وفي أيام الشباب قبل التجارب، والتجارب إنما هي في الكبر، وهو وقت أن يزهد فيهن لسنة وتجريبه، وأن يزهدن فيه لشيبه. وقد يحتمل أن يكون العامل في قديديمة محذوفًا دلَّ عليه السياق، كأنه أراد: تظن طيب العيش ولذته قدام التجربة والحلم، أي: أمام ذلك ليس الأمر كذلك، إنما يطيب العيش ويحسن قبل التجارب، وفي عنفوان الشباب، وحين الغفلة، وأما بعد ذلك فلا، فيكون العامل فيها (تظن) المقدر، قال اللخمي أيضًا. وقوله: أنني، قال ابن السيد: يروى بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها، وهو مفعول من أجله، وقد تكون إن مكسورة وفيها معنى المفعول من أجله، كقول ﷿: (ويصلى سعيرًا. إنَّه كان في أهلهِ مسرورًا) [الانشقاق/ ١٢] وجاز ذلك لأن (إن) داخلة على الجمل والجملة قد يكون فيها معنى العلة والسبب موجودًا كما قال تعالى: (وإنَّ هذه أمتَّكم أمًة واحدًة وأنا ربّكم فاتَّقون) [المؤمنون/ ٥٢] ألا ترى أن المعنى: ولأن هذه أمتكم، ولكوني ربكم فاتقون. انتهى. وقد أوردنا أكثر من هذه الأبيات في الشاهد الثاني عشر بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
والقطامي: اسمه عمير بن شييم التغلبي، وعمير: مصغر عمرو، وشييم: مصغر أشيم، وهو الذي به شامة، وله لقبان، أحدهما: صريع الغواني، وتقدم. وثانيهما: القطامي، منقول من اسم الصقر، لأن الصقر يقال له قطامي، بفتح القاف وضمها، والقطامي كان نصرانيًا فأسلم، وهو ابن أخت الأخطل النصراني
[ ٣ / ٣٩٤ ]
المشهور، وعده الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام. وقد ترجمناه بأكثر من هذا في الشاهد الثالث والأربعين بعد المائة من شواهد الرضي.
غير
أنشد فيه، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد المائتين:
(٢٥٩) لم يمنع الشُّرب منها غير أن نطقت حمامةٌ في غصونٍ ذات أو قال
على أن غير بنيت على الفتح جوازًا، لإضافتها إلى مبني، مع أنها فاعل يمنع، وأراد بالمبنى هنا (أن) فإن قلت: (أن) حرف، والحرف لا يضاف إليه، قلت: قال المصنف في حواشي (الألفية) إنهم جعلوا ما يلاقي المضاف من المضاف إليه كأنه المضاف إليه، ونظيره تعليل الزمخشري البناء في (يوم لا تملك) [الانفطار/ ١٩] إضافة يوم إلى (لا) والحروف مبنية، مع علمنا بأن أحدًا لا يتخيل الإضافة إلى الحرف. انتهى. وجعل بعضهم المضاف إليه مجموع (أن نطقت حمامة) قال الدماميني: قال بعض الناس: كيف أضيفت غير لمبنى، مع أن هذا المضاف إليه في تقدير معرب، فلم تضف في الحقيقة إلا لمعرف؟ فقلت: المعرب إنما هو الاسم الذي يؤول به، وأما الحرف المصدري وصلته فمبنى، ألا تراهم يقولون: المجموع في موضع كذا. انتهى. وقول المصنف:
[ ٣ / ٣٩٥ ]
(إذا أضيفت لمبنى) أحسن من قول الرضي: (إذا أضيفت إلى أن أو أنَّ المشددة) لشموله الضمير وغيره. وقد ذهب الكوفيون إلى جواز بناء (غير) في كل موضع يحسن فيه (إلا) سواء أضيفت إلى متمكن أو غير متمكن، وقد بسط الكلام ابن الأنباري في (مسائل الخلاف) على مذهبهم، وذكر ما رد به البصريون عليهم مفصلًا، ومن أحب الاطلاع عليه فلينظره هناك.
والبيت من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت، وقبله:
ثَّم أرعويت وقد طال الوقوف هنا فيها فصرت إلى وجناه شملال
تعطيك مشيًا وإرقالًا ودأدأًة إذا تسر بلت الآكمام بالآل
تردي الإكاك إذا صرَّت جنادبها منها بصلبٍ وقاح البطن عمَّال
لم يمنع الشُّرب منها غير أن نطقت البيت
قوله: ارعويت، أي: انزجرت ورجعت، والوجناء: الناقة الشديدة، والشملال، بالكسر: الخفيفة السريعة، وضمير (فيها) للدار، يريد أنه طال وقوفه على دار حبيبته، وليس فيها أحد. والإرقال: مصدر أرقلت الناقة: إذا أسرعت، وكذلك الدأدأة: مصدر: دأدأت، بهمزتين بمعناه، وقوله: إذا تسربلت، إذا: ظرف لتعطيك، يريد وقت اشتداد الحر في الظهيرة، لأن الإكام، وهي الجبال، إنما تتسربل بالآل، وهو السراب، عند الظهيرة. والسربال: القميص، وتسربل: لبس السربال، والآكمام: فاعل، جمع أكم بضمتين، كأعناق جمع عنق، وأكم: جمع إكام بالكسر، ككتب جمع كتاب، وإكام جمع أكم، بفتحتين، كجبال جمع جبل، وواحد الأكم أكمة. يقول: إنها نشيطة في
[ ٣ / ٣٩٦ ]
السير وقت الهاجرة. وقوله: تردي الإكام، من ردى الفرس، بالفتح، يردي رديًا ورديانًا: إذا رجم الأرض رجمًا بين العدو والمثني الشديد. والإكام، بالكسر: جمع أكم، بفتحتين، والأكمة: الجبل الصغير، وإذا: ظرف لتردي وصرت: صوتت، والجنادب: جمع جندب، وهو نوع من الجراد يصوت عند اشتداد الهاجرة. وقوله: بصلب، أي: بخف صلب شديد، والوقاح: هو الصلب، ومنه الوقاحة، لصلابة الوجه، يريد أن خفها ظهره وبطنه صلب. وعمال: مبالغة عامل، وهو المطبوع على العمل.
وقوله: لم يمنع الشرب منها إلخ، وضمير منها للوجناء، والشرب: مفعول يمنع، وغير: فاعله بني على الفتح لما تقدم، وروي بالرفع أيضًا. ونطقت: صوتت وصدحت، عبر عنه بالنطق مجازًا، وفي: بمعنى على، وذات بالجر: صفة لغصون، لا بالرفع صفة لحمامة كما وهم ابن المستوفي، والأوقال: جمع وقل، بفتح الواو وسكون القاف، قال الدينوري في كتاب (النبات): وقال أبو عبد الله الزبير بن بكار: المقل إذا كان رطبًا لم يدرك فهو البهش، فإذا يبس فهو الوقل. والدوم: شجر المقل، وأنشد هذه الأبيات، يريد أن الناقة ما منعها من شرب إلا صوت الحمامة، فنفرت، ومراده أنها حديدة النفس، يخامرها فزع، وذعر لحدة نفسها، وذلك محمود فيها.
وأبو قيس بن الأسلت، قال صاحب (الأغاني): لم يقع إلى أسمه، والأسلت لقب، واسمه عامر بن جشم وينتهي نسبة إلى الأوس، وهو شاعر من شعراء الجاهلية وكانت الأوس قد أسندت إليه حربها يوم بعاث وجعلته رئيسها، فكفى وساد، وأسلم ابنه عقبة بن أبي قيس، واستشهد يوم القادسية. وهذا كلام (الأغاني) وقال ابن حجر في (الإصابة): أبو قيس بن الأسلت أسمه
[ ٣ / ٣٩٧ ]
صيفي، وقيل: الحارث، وقيل: عبد الله، وقيل: صرمة، وقيل غير ذلك، واختلف في إسلامه، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام في ترجمة ولده عقبة بن أبي قيس: له ولأبيه صحبة. وذكر عبد الله بن محمد بن عمارة بن القداح بأسانيد عديدة: كان أبو قيس يحض قومه على الإسلام، وذلك بعد أن اجتمع بالنبي ﷺ وسمع كلامه، وكان يتأله في الجاهلية ويدعي الحنيفية، وكان يقول: ليس أحد على دين إبراهيم إلا أنا وزيد بن عمرو بن نفيل، وكان يذكر صفة النبي ﷺ، وأنه يهاجر إلى يثرب، وشهد وقعة بعاث، وهو يوم للأوس على الخروج، وكانت قبل الهجرة بخمس سنين. وزعموا أنه لما حضره الموت أرسل إليه النبي، ﷺ، يقول له: (قل لا إله إلا الله، أشفع لك بها) فسمع يقول ذلك، وقيل: قال: والله لا أسلم إلى سنة، فمات قبل الحول على رأس عشرة أشهر من الهجرة بشهرين. وقد جاء عن ابن إسحاق أنه هرب إلى مكة، فأقام بها مع قريش إلى عام الفتح. انتهى باختصار، وعلى هذا، فكان ينبغي لابن حجر أن لا يذكره في القسم الأول، وهم الذين جزم بصحبتهم.
وكون هذا الشعر له جزم به الدينوري، وصاحب (الأغاني) ونسبه الزمخشري في (شرح شواهد الكتاب) إلى أبي قيس بن رفاعة الأنصاري، ونقله السيوطي عنه. وأقول: لم يوجد في كتب الصحابة من يقال له: أبو قيس بن رفاعة، وإنما الموجود قيس بن رفاعة، وهو واحد أو اثنان أورده ابن حجر في (الإصابة).
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد المائتين:
(٢٦٠) لذ بقيسٍ حنين يأبى غيره تلفه بحرًا مفيضًا خيره
على أن غيرًا بنيت على الفتح لإضافتها إلى مبنى وهو الضمير مع أنها فاعل
[ ٣ / ٣٩٨ ]
يأبى. واختار ابن مالك في شرح (التسهيل) أن حركات هذه الأسماء التي ادعي البناء فيها إعرابية، قال: لأن الإضافة فيها قياسية، فلا ينبغي أن تكون سبب بناء، لأنها من خصائص الأسماء، فحقها أن تكف سبب البناء وتغلبه، لأنها تقتضي الرجوع إلى الأصل، والسبب الكائن معها يقتضي الخروج عن الأصل، وما يدعو إلى مراجعة الأصل راجع على ما يدعو إلى مفارقته. وإذا ثبت هذا، وجب توجيه ما أوهم بناء غير، وشبهه بالإضافة إلى مبنى بما لا يخالف الأصول، ويؤول: (ما جاء غيرك) على (ما جاء جاءٍ غيرك) فحذف جاء، وانتصب غيرك على الحال، أو على الاستثناء. و(لم يمنع الشرب منها مانع غير أن نطقت) وسوغ الحذف وهو فاعل، لأنه بعد النفي والعموم فيه مقصود، وحذف مثل هذا بعد النفي والنهي كثير، فمنه: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) أي: ولا يشرب شارب ومثله قول الراجز:
ما سار في سبل المعالي سيره ولا كفى في النائبات غيره
أي: ما سار سائر ولا كفى كاف. ومثله:
فأن كان لا يرضيك حتَّى تردَّني إلى قطريٍ لا إخالك راضيا
أي: لا يرضيك مرض. وقال تعالى: (ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل
[ ٣ / ٣٩٩ ]
الله أمواتًا) [آل عمران/ ١٦٩] في قراءة الياء، أي: ولا يحسبن حاسب انتهى المقصود منه.
وما قاله في الرجز لا يتأتي له في قوله لذ بقيس حين يأبى غيره
إلا أن يؤوله حين لا يمتنع إلا غيره. وقال أبو حيان: وما ذهب إليه من حذف الفاعل ونحوه منزع كوفي وليس مذهب البصريين. انتهى. وقال تلميذه ناظر الجيش: هذا عجيب من الشيخ، فإن المصنف استدل على حذف الفاعل بعد النهي بالآية الشريفة، وبعد النفي بالحديث الشريف، فكان الواجب أن يجيب عن الاستدلال المذكور، ولا شك أن ما استدل به ظاهر الدلالة في المراد لا دافع له، فوجب القبول! انتهى.
وقوله: لذ بقيس إلخ، لذ: فعل أمر من لاذ به يلوذ، أي: تحصن بقيس، ويأبى: يمتنع، وفي بعض الروايات (ينأى) أي: يبعد، وتلفه: جواب الأمر، وهو مضارع ألفاه، أي: وجده، قيل: ويجوز أن يكون بالقاف، وخيره: مفعول مفيض.
تم بعونه تعالى الجزء الثالث
ويليه
الجزء الرابع وأوله
الإنشاد الواحد والستون
بعد المائتين
[ ٣ / ٤٠٠ ]
وأنشد بعده وهو الإنشاد الواحد والستون بعد المائتين:
(٢٦١) غير مأسوفٍ على زمنٍ ينقضي بالهمِّ والحزن
على أن فيه أعاريب ثلاثة، والوجه الأول أورده ابن الشجري في المجلس الخامس من "أماليه" قال: سئلت عنه فقيل: بم يرتفع غير؟ فأقول: إنَّ قوله: مأسوفٍ، مفعول من الأسف، وهو الحزن، وعلى متعلقة به كقولك: أسفت على كذا أسفًا، وموضع قوله: بالهم، نصب على الحال، والتقدير: ينقضي مشًا بالهم، و"غير" رفع بالابتداء، ولما أضفيت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور، استغنى المبتدأ عن خبر، كما استغنى "قائم" و"مضروب" في قولك: أقائم أخواك؟ وما مضروب غلاماك، عن خبر من حيث سد الاسم المرفوع بهما مسدّ الخبر، لأنَّ قائم ومضروب قاما مقام: يقوم ويضرب، فتنزل كل واحد منهما مع المرفوع به منزلة الجملة، وكذلك إذا أسندت اسم المفعول إلى الجار والمجرور سدَّ الجار والمجرور مسدَّ الاسم الذي يرتفع به، كقولك: أمحزون على زيد؟ وما يؤسف على بكر، فلما كانت غير للمخالفة في الوصف، فجرت لذلك مجرى حرف النفي، وأضيفت إلى اسم المفعول وهو مسند إلى الجار والمجرور، والمتضايفان بمنزلة الاسم الواحد، سدَّ ذلك مسدَّ الجملة حيث أفاد قولك: غير مأسوف على زيد، ما يفيده قولك: ما يؤسف على زيد انتهى. وزعم ملك النحاة الحسن ابن أبي نزار في "المسائل العشر المنبوذة بإتعاب
[ ٤ / ٣ ]
الفكر إلى الحشر" أنه هو الذي أجاب بهذا الجواب، قال فيها: سئل في بغداد عن قول الشاعر: غير مأسوف على زمن البيت، فلم يعرف وجه رفع غير، وأول من أخطأ فيه شيخنا الفصيحي، فعرَّفته ذلك، والذي ثبت الرأي عليه أن المعنى لا يؤسف على زمن، فغير مرفوع بالابتداء، وقد تمَ الكلام بمعنى الفعل، فسدَّ تمام الكلام وحصول الفائدة مسدّ الخبر، كما قالوا: أقائم أخواك؟ والمعنى: أيقوم أخواك؟ فقائم مبتدأ، وسد تمام الكلام مسدَّ الخبر ولا خبر في اللفظ. انتهى. وهو ممَّن جهَّله أهل بغداد، وردّوا عليه في أشياء ارتكب فيها خلاف الصَّواب، منهم ابن الشجري والجواليقي وغيرهما.
وقال أبو حيّان في "تذكرته": لم أر لهذا البيت نظيرًا في الإعراب إلَّا بيتًا في قصيدة للمتنبي، وهو:
ليس بالمنكر أن برَّزت سبقًا غير مدفوعٍ عن السَّبق العراب
فالعراب مرفوع بمدفوع، ومن جعل العراب مبتدأ فقد أخطأ، لأنه يصير التقدير: العراب غير مدفوع عن السبق، والعراب: جمع، فلا أقل من أن يقول: غير مدفوعة، لأن خبر المبتدأ لا يتغير تذكيره وتأنيثه بتقديمه وتأخيره، تقول: الشمس طالعة، وطالعة الشمس، ولا يجوز: طالع الشمس، لأن التقدير: الشمس طالع، وذلك لا يجوز. انتهى.
وقد تبع ابن مالك ابن الشجري، قال في باب المبتدأ من "شرح التسهيل": إذا قصد النفي بغير يضاف إلى الوصف، ويجعل غير مبتدأ، ويرفع ما بعد الوصف به، كما لو كان بعد نفي صريح، ويسد مسد خبر المبتدأ، وعلى ذلك وجه ابن الشجري
[ ٤ / ٤ ]
قول الشاعر: "غير مأسوف على زمن" ومثله قول الآخر:
غير لاهٍ عداك فاطَّرح اللَّهو ولا تغترر بعارض سلم
انتهى. وهذا التخريج مأخوذ من كلام ابن جني الآتي، وتبعه ابن الحاجب أيضًا، وقد تبعه أيضًا ابن النحاس وابن مكتوم نقل كلامهما السيوطي في "الأشباه والنظائر" وقد تبعه الرضي أيضًا في باب المبتدأ في "شرح الكافية" وقول المصنف: إن التخريج الثاني لابن جني ولابن الحاجب.
أما الأول؛ فقد نقله أبو حيان في "شرح التسهيل" قال: سأل عالٍ ابن أبي الفتح أباه أبا الفتح ابن جني عن قوله:
غير مأسوفٍ على زمنٍ .. البيت،
فأجابه بأن المقصود ذم الزمان الذي هذه حاله، فكأنه قال: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، فزمان: مبتدأ، وينقضي: صفته، وغير: خبره، ثم حذف المبتدأ، وجعل إظهار الهاء مؤذنًا بالمحذوف، لأنك إنما جئت بالهاء لمَّا تقدمها ذكر ما يرجع إليه، فصار اللفظ بعد الحذف والإظهار: غير مأسوف على زمن ينقضي .. الخ. وهذا التخريج بعيد جدًا متكلف، وهي عادة ابن جني وشيخه في مجيئهما بالتخريجات المتكلفة التي لا يكاد يلحظها العرب. قال أبو الفتح: وإن شئت قلت: هو محمول على المعنى، كما حملت: أقلُّ امرئ يقول ذاك، على المعنى، فلم تذكر في اللفظ خبرًا لأقل، مع أنه مبتدأ. وقد أضفت أقل إلى امرئٍ، ووصفت المرء بـ"يقول ذاك"
[ ٤ / ٥ ]
كأنك قلت: قل امرؤ يقول ذاك، فلم يحتج أقل إلى خبر، لأنه في معنى: قل، وكذلك حمل سيبويه على المعنى قول من قال: خطيئة يوم لا أراك فيه، [على معنى: يوم خطأ يوم لا أراك فيه]، وما حمل على المعنى كثير في القرآن وفصيح الكلام. انتهى.
وأمّا الثاني، فقد أطال الكلام في "أماليه"، وخرجه على الوجه الذي ذكره ابن جني.
والبيت لأبي نواس الحكمي، بفتحتين نسبة للجرّاح بن عبد الله الحكمي وقد تقدمت ترجمته في الإنشاد الثاني والأربعين بعد المائتين. وبعده بيت آخر وهو:
إنَّما يرجو الحياة فتىً عاش في أمنٍ من المحن
وأنشد بعده وهو الإنشاد الثاني والستون بعد المائتين:
(٢٦٢) أنا ابن جلا
وهو قطعة من بيت وهو:
أنا ابن جلا وطلَّاع الثَّنايا متى أضع العمامة تعرفوني
على أن أصله: أنا ابن رجل جلا، فحذف الموصوف لضرورة الشعر وهذا أخذ أقوال أربعة فيه، وهو مذهب الزمخشري في "المفصل" وجلا: فعل ماض، مع ضميره جملة، وهي صفة لمحذوف، وضعف بأن الجملة إذا كانت صفة لمحذوف فشرط موصوفها أن يكون بعضًا من متقدم مجرور بـ"من" أو "في". ثانيها: أنَّ
[ ٤ / ٦ ]
جلا اسم غير منصرف عند عيسى بن عمر، لأنه منقول من الفعل، ولم يشترط غلبة الوزن بالفعل. ثالثها: مذهب سيبويه، وهو أنَّ جلا اسم نقل من الفعل مع ضميره المستتر فهو جملة محكية، ويرد عليهما أنَّ حلا ليس اسمًا لأبي الشاعر، ولا لقبًا له كما يعلم نسبه. رابعها: ما ذكره ابن الحاجب في أماليه، وهو أن يكون جلا اسمًا بتقدير "ذي" أي: أنا ابن ذي جلا، والجلا: هو انحسار الشعر عن مقدم الرأس، قيل: وهو من دلائل الكرم، لأنَّ العرب تقول: الذي ولد أصلع يكون كريمًا بحسب الغالب، وعندي أنَّ جلا وصف بمعنى المشهور، قال المبرد في "الكامل": ابن جلا: المنكشف الأمر، وقال القالي في "أماليه" يقال: هو ابن جلا، أي: المنكشف المشهور الأمر، وابن أجلى مثله. وقال ابن الأثير في "المرصع": ابن جلا وابن أجلى: الرجل المعروف المشهور، والأمر الواضح المكشوف. وقال صاحب كتاب "ألف با": أنا ابن جلا وابن أجلى، وهما بمعنى المنجلي والأمر المنكشف، وهو أول النهار، وقال صاحب "القاموس": وابن جلا: الواضح الأمر كابن أجلى، وقال ابن الأنباري في "المقصور والممدود": أنا ابن جلا: أنا ابن البارز الأمر، أنا ابن من لا ينكر. فهذا كله يدل على أنه اسم جنس غير مختص بأحد، بل يجوز لكل أحد أن يقول للتمدح: أنا ابن جلا، كما قال اللعين المنقري يهجو رؤبة بن العجّاج:
إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني يا رؤب والحيَّة الصَّمَّاء في الجبل
وقال آخر:
أنا القلاح بن جناب بن جلا
قال العسكري في كتاب "التصحيف": جناب: جدّ القلاح انتسب إليه، وابن جلا" ليس بجد له، وإنما أراد: أني أنا ابن الأمر المكشوف، مثل قول سحيم:
أنا ابن جلا وطلَّاع الثَّنايا
[ ٤ / ٧ ]
انتهى. وطلَّاع: مبالغة طالع، يقال: طلعت الجبل طلوعًا، أي: علوته، يتعدى بنفسه وطلعت فيه: رقيته، قال ثعلب في "أماليه": من رفع "طلاع الثنايا" جعله مدحًا لابن، ومن خفضه جعله مدحًا لجلا، يعني أنه روي فيه الرفع والخفض، والجيد عندي الرفع. والثنايا: جمع ثنيَّة، قال المبرد في "الكامل" هي الطريق في الجبل، والطريف في الرّمل [يقال له: الخلُّ]، وإنما أراد [به] أنه جلد بطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها، قال دريد بن الصمَّة، يعني عبد الله أخاه:
كميشن الإزار خارجٌ نصف ساقه بعيدٌ من السَّوآت طلَّاع أنجد
والنجد: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن قتيبة في "أبيات المعاني": قوله طلَّاع الثنايا، أي: يطلع على الثنايا، وهي ما علا من الأرض وغلظ، ومثله قولهم: طلَّاع أنجد انتهى. وأتعجب من العيني في تفسيره الثنية هنا بالسن المشهورة، وقوله: متى أضع العمامة، قال ابن الحاجب في "أماليه": المراد من وضع العمامة: إزالتها عن الرأس، إما لأن الذي يعرفه إنما رآه مكشوف الرأس في الحروب لكثرة مباشرته إياها، فإذا رآه بعمامة جهله، وإما لأن الذي عرفه إنما رآه لابسًا آلات الحرب وعلى رأسه البيئة لكثرة حروبه، فينحي عمامته ويلبس البيضة. هذا محصّله، والوجه هو الأول، وقد لحظه ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب، فأخذه ببعض تغيير، وضمنه في الرشيد عمر الغوّي، وكان به داء الثعلب، وهو من نوادر ما قيل في أقرع، وقال:
عجبت لمعشرٍ غلطو أو غضُّوا من الشَّيخ الرشيد وأنكروه
هو ابن جلا وطلَّاع الثَّنايا متى يضع العمامة تعرفوه
[ ٤ / ٨ ]
وما أحسن قول أبي العبَّاس اللخمي المالكي، وتوفي في سنة ثلاث وستمائة:
يسرُّ بالعيد أقوامٌ لهم سعةٌ من الثَّراء وأمَّا المقترون فلا
هل سرَّني وثيابي فيه قوم سبا أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا
يعني بقوم سبأ قوله تعالى: ﴿ومزَّقناهم كلَّ ممزقٍ﴾ [سبأ/ ١٩]، وابن جلا: ما له عمامة، وقال ثعلب في "أماليه": والعمامة تلبس في الحروب وتوضع في السلم، وهذا خلاف الواقع وضد معنى البيت، وقال الكرماني شارح شواهد "الموشح": متى أضع العمامة، يحتمل معنيين بتقديرين، الأول: أن يقدر "على" فيكون التقدير: متى أضع العمامة على رأسي تعرفوني أني أهل للسيادة والإمارة، والثاني: أن يقدر "عن" أي: متى أضع العمامة عن رأسي تعرفوا شجاعتي بواسطة صلع رأسي، لأنه أحد مخايل الشجاعة. انتهى. ولم يتعرض العيني ولا السيوطي ولا العباسي في "معاهد التنصيص" لمعنى وضع العمامة في شروح شواهدهم.
والبيت مطلع قصيدة لسحيم بن وثيل الرياحي، وبعده:
وإنَّ مكاننا من حميريٍ مكان اللَّيث من وسط العرين
وإني لن يعود إليَّ قرني غداة الغبِّ إلَّا في قرين
بذي لبدٍ يصدُّ الرَّكب عنه ولا تؤتى قرينته لحين
عذرت الزل إن هي خاطرتني فما بالي وبال ابني لبسون
وماذا يبتغي الشُّعراء مني وقد جاوزت حدَّ الأربعين
أخو خمسين مجتمعٌ أشدِّي ونجَّذني مداورة الشُّؤون
وسببه أنَّ الأبيرد الرياحي وابن عمه الأخوص زعما أنه لا يقدر على مجاراته
[ ٤ / ٩ ]
لهما في الشعر وقوله: "وإنَّ مكاننا من حميريٍ" يأتي في نسبه أنَّ حميريًا أحد أجداده والقرن، بالكسر: الكفء في الشجاعة وغيرها، والغبّ، بالكسر: ورود الإبل الماء في اليوم الثاني، وغداة الغب: اليوم الذي يسقون إبلهم فيه، والقرين: المقارن والمصاحب، و"في" بمعنى مع، وقوله: بذي لبدّ: بدل من قرين، وذو اللبد: الأسد، بكسر اللَّام وفتح الموحدة، جمع لبدة، كقرب جمع قربة، واللبدة: الشعر المتلبد بين كتفي الأسد، والقرينة: النفس يقول: إنَّ قرني لا يقدر أن يقابلني من خوفه إلَّا مع رفيق كالأسد يقدر أن يصدّ ركبًا، فإذا جاء مع رفيق هذه صفته، سلمت نفسه مني لحين من الأحيان. وقوله: عذرت البزل .. الخ البازل: البعير الذي استكمل قوته وسنّه، وخاطرتني: راهنتني، وابن اللبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية، ودخل في الثالثة. يقول: إذا راهنتني الشيوخ على شيء عذرتهم لأنهم أقراني، وأما الشبان فلا مناسبة بيني وبينهم، وأراد بابني لبون: الأبيرد وابن عمه، وقوله: وماذا يبتغي الشعراء، رواه الجوهري: "وماذا يدّري الشعراء" قال: ادّراه: افتعله بمعنى ختله، من درى الصيد: إذا ختله، واستشهد النحويون بهذا البيت على كسر نون الجمع. وقوله: أخو خمسين، أي: أنا بلغت خمسين سنة، واجتماع الأشد: عبارة عن كمال القوى في البدن والعقل، ونجّذني، بالجيم والذال المعجمة، أي: هذَّبني، في "الصحاح": ورجل منجذ، أي: مجرّب أحكمته الأمور، وهو من الناجذ، وهو آخر الأضراس، ويسمى ضرس الحلم، بالكسر، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، والمداورة: مفاعلة من دار يدور بمعنى المعالجة، والشؤون: الأمور والأحوال، جمع شأن.
وسحيم بن وثيل: مصغر أسحم، ووثيل بفتح الواو وكسر المثلثة، لا بالتصغير
[ ٤ / ١٠ ]
كما زعم ابن حجر في "الإصابة" وتبعه السُّيوطي، لأنه غير منقول: شاعر مشهور في الجاهلية والإسلام، عدَّه الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، وقال: سحيم بن وثيل شاعر خنذيذ، شريف مشهور الذكر في الجاهلية والإسلام، وعاش في الجاهلية أربعين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وهو من المخضرمين، وهو الذي غالب والد الفرزدق في نحر الإبل، فبلغ عليًا ﵁، فأفتى بحرمته وتأتي القصة إن شاء الله تعالى في بحث "لولا".
والمخضرم، بالخاء والضاد المعجمتين على صيغة اسم المفعول، ونقل السيوطي في "شرح التقريب" عن بعض أهل اللغة كسر الراء أيضًا، وحكى كراع: محضرم بحاء مهملة، من الحضرمة، وهي الخلط، لأنه خلط الجاهلية والإسلام، وحكى ابن خلكان كسر الراء أيضًا في هذا، قال صاحب "اللقاموس": المخضرم: الماضي نصف عمره في الجاهلية، ونصفه في الإسلام، وقيل: من أدركهما، وهذان القولان يعمان الشاعر وغيره، ثم توسع حتى أطلق على من أدرك دولتين، كرؤبة وحماد عجرد، فإنهما أدركا دولة بني أمية، ودولة بني العباس.
والشعراء أربع طبقات: جاهلي، ومخضرم، وإسلاميّ، ومحدّث. وهم أربعة أقسام: شاعر خنذيذ، كقنديل، وهو الذي يجمع إلى جيّد شعره رواية الجيد من شعر غيره، وشاعر مفلق، وهو الذي له شعر جيّد ولا رواية له، والمفلق الذي يأتي بالفلق، بالكسر وهو العجب، وقيل: الداهية، وشاعر وهو الذي فوق الرديء بدرجة، وشعرور، وهو لا شيء.
[ ٤ / ١١ ]
وهذا نسب سحيم بن وثيل من "جمهرة النسب": سحيم بن وثيل بن أعيقر ابن إهاب بن حميري بن رياح- بكسر الراء بعدها مثناة تحتية- ابن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم. وإنما ذكرنا نسبته إلى تميم؛ ليعلم أنه ليس في آبائه من اسمه جلا، وللرَّد على الدماميني في زعمه أن الباء في حميري زائدة، أللنسبة، تقديره: من نسب حميري، وهذا من تقصيره في المراجعة فإن الشاعر تميميّ لا حميريّ.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد المائتين:
(٢٦٣) ترمي بكفَّي كان من أرمى البشر
على أن أصله: بكفي رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف المضاف إليه لضرورة الشعر. قال ثعلب في "أماليه": لم أسمع "من" في موضع الاسم إلَّا في ثلاثة مواضع، قوله:
جادت بكفَّي كان من أرمى البشر
وقوله:
ألا ربَّ منهم دراعٌ وهو أشوس
وقوله:
ألا ربَّ منهم من يقوم بمالكا
انتهى. وإنما قال: لم أسمع، لأن "كان" فعل، وربَّ حرف، ولا يليهما لَّا الأسماء، وبهذا يستدل على حرفية من التبعضية، لأن ربَّ لا تجر إلَّا النكرة. وقال ابن جنب في "الخصائص": روى أيضًا بفتح ميم "من" أي: بكفي
[ ٤ / ١٢ ]
من هو أرمى البشر. و"كان" على هذا زائدة، وأقول: جعل "من" على هذه الرواية نكرة موصوفة أولى من جعلها موصولة، وقبله:
مالك عندي غير سوطٍ وحجر وغير كبداء شديدة الوتر
لك: ظرف مستقر، وغير: فاعله، وعندي: متعلق بـ"لك"، وكبداء: بفتح الكاف وسكون الموحدة، وهي القوس التي يملأ الكف مقبضها، وجادت: أحسنت وروي بدله: "ترمي"، وقوله: بكفي، متعلق بمحذوف على أنه حال، وهو مثنى كف، حذفت نونه للإضافة.
وهذا الرجز مع شهرته في كتب النحو لم يعرف قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد المائتين:
(٢٦٤) أتانا فلم نعدل سواه بغيره نبيٌّ بدا في ظلمة اللَّيل هاديا
على أنه من أبيات المعاني، قال العلم السخاوي في "سفر السعادة": لسنا نعني بأبيات المعاني ما لم نعلم ما فيه من الغريب، وإنما يعنون ما أشكل ظاهره، وكان باطنه مخالفًا لظاهره، وإن لم يكن فيه غريب، أو كان غريبه معلومًا، كما أنشدني شيخي الإمام تاج الدين:
وأنثى وما كانت من الجنِّ أمُّها ولا الإنس قد لاعبتها ومعي ذهني
فأولجت فيها قدر شبرٍ موفَّرٍ فصاحت لا والله ما عرفت تزني
فلمَّا دنت إهراقة الماء أنصت لأعزله عنها وفي النَّفس أن أثني
يصف البكرة التي يستقي عليها الماء. ومن أبيات المعني:
ذر الآكلين الماء يومًا فما أرى ينالون خيرًا بعد أكلهم الماء
هؤلاء [قوم] كانوا يبيعون الماء، فهذا نوع من أبيات المعاني.
[ ٤ / ١٣ ]
وقال شيخنا الخفاجي في "شرح درة الغواص": أبيات المعاني عند الأدباء أبيات فيها خفاء لفظًا أو معنى، كاللغز يسأل عن ذلك، وقوله لفظًا كان ينبغي تركه، فإن البيت الذي فيه كلمة غريبة وحشيّة يقتضي أن يكون من أبيات المعاني، ولم نرهم أدرجوه في أبيات المعاني. وقال الدماميني: أبيات المعاني التي يسأل عن معناها لإشكاله، وعبَّر في بيت أبي نواس بأنه من التراكيب، أي: بحسب الإعراب، وإشكاله باعتبار أمر لفظي متعلق بالتراكيب لا بالمعنى، انتهى.
وقوله: التي يسأل عن معناها لإشكاله، يدخل فيه قول الفرزدق:
وما مثله في النَّاس إلَّا مملَّكًا أبو أمِّه حيٌّ أبوه يقاربه
وقد أدخلوه في كتب أبيات المعاني، منهم المجاشعي وغيره، وتعقبه ابن وحيي بأن قوله: لا بالمعنى، كلام لم يصدر عن تأمل، كيف ومعنى بيت أبي نواس أكثر إشكالًا وأشد إعضالًا من معنى بيت حسّان؟ ! هذا كلامه، وهذا مكابرة فإن بيت أبي نواس لا خفاء في معناه أصلًا.
واعلم أن العلماء قد ألفوا كتبًا كثيرة في أبيات المعاني كالأخفش المجاشعي والأشنانداني، وابن السكيت، وابن قتيبة وغيرهم، وجميعها عندي ولله الحمد، وقد أورد السخاوي جملة منها في "سفر السعادة".
والإشكال في البيت نشأ من توهم اتحاد مرجع الضميرين، وزال باختلاف المرجع، وهذا جواب أبي الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب "أبيات المعاني" قال فيه: وقال حسّان بن ثابت، وهو يعني النبي، ﷺ:
أتانا فلم نعدل سواه بغيره نبيٌّ أتى من عند ذي العرش هاد يا
[ ٤ / ١٤ ]
وذلك أن سوى النبي ﷺ هو غيره، فقال: لم نعدل سواه بغير سواه، فغير السوى هو النبي ﷺ. انتهى. وتبعه أبو على الفارسي في "الحجة" قال: يقول: لم نعدل سوى النبي، ﷺ، بغير سواه وغير سواه هو هو. انتهى. وأنشد البيت كما أنشده الأخفش منسوبًا لحسان، وأجاب ابن دريد بأنَّ سوى الشيء نفسه وعينه لا بمعنى غير، قال الإمام العسكري في كتاب "التصحيف": قال أبو بكر، يعني ابن دريد: والسوى: الرجل نفسه، يقال: هذا سوى فلان، أي: فلان نفسه، وأنشد بيت حسّان:
أتانا ولم نعدل سواه بغيره نبيٌّ بدا في ظلمة اللَّيل هاديا
وأنشد أيضًا بيت الخطيئة:
أبى لك أقوامٌ أبى لك مجدهم سوى المجد فانظر صاغرًا آمن تفاخره
سوى المجد، أي: المجد نفسه، [وسوى- بفتح السين- يعني غير]، والسُّوى: العدل، من قوله تعالى: ﴿مكانًا سوى﴾ [طه/ ٥٨] وأنشد:
وكان أبانا حين حلَّ ببلدةٍ سوى بين قيسٍ قيس عيلان والفزر
وقد جاء في اللغة "سواء" ممدود في هذا المعنى، ومما يشكل في هذا الباب قول الآخر:
وكنت إذا مولاك خاف ظلامةً أتاك فلم يعدل سواك بناصر
يسأل فيقال: كيف قال: أتاك، ثم قال: لم يعدل سواك بناصرٍ، وسواه غيره؟
[ ٤ / ١٥ ]
فالجواب: لم يعدل سواك بك، أنك ناصره، كما تقول: ما أعدل سواك بأخ كريم، وأنت تخاطب رجلًا، أي: أنت الأخ الكريم. وقال بعضهم في قول حسّان:
أتانا فلم نعدل سواه بغيره نبيٌّ بدا في ظلمة اللَّيل هاديا
فيقال: كيف قال: لم نعدل سواه بغيره، وسواه غيره، فكأنه قال: لم نعدل غيره يغيره، فما هذا من مدح النبي ﷺ، والإخبار بطاعته؟ فالجواب: إنه أراد: إنا لم نعدل سواه بغير سواه، لأنَّ الهاء التي في "غيره" مردودة على سواه، فكأنه قال: لم نعدل سواه بغير السوى، وغير السوى هو النبي ﷺ، فالمعنى: لم نعدل سواه به، ويقال للعدل: سواء وسوى بالكسر، وسوى بالضم، قال زهير:
أروني خطَّةً لا ضم فيها يسوِّي بيننا فيها السَّواء
فإن ترك السَّواء فليس بيني وبينكم بني حصنٍ سواء
يريد بالسواء العدل، كذلك يقول أهل اللغة وهو الحق، وهو من استواء الشيء. انتهى كلام العسكري. وقد أورد ابن السكيت كلمة سوى في كتاب "الأضداد" فقال: وقال غير الأصمعي: سواء الشيء غيره، وسواء الشيء نفسه، قال الأعشى:
تزاور عن جوِّ اليمامة ناقتي وما عدلت عن أهلها بسوائكا
أراد: وما عدلت عن أهلها بك، حكى هذا الحرف أبو عبيد انتهى.
ونقل السيوطي عن ابن مالك أنه خرجه في شرح منظومته المسماة "تحفة المودود في المقصور والممدود" بقوله: سوى الشيء: نفس الشيء، ذكره الأزهري، ومنه
[ ٤ / ١٦ ]
قول الشاعر:
كأنها نائحةٌ تفجَّع تبكي لميتٍ وسواها الموجع
ومنه قول حسّان:
أتانا فلم نعدل سواه بغيره
انتهى. وقد علمت أن هذا التخريج لابد دريد، وابن مالك تابع، لكن قوله: ذكره الأزهري، قد راجعت "تهذيبه" فلم أر فيه: سوى الشيء نفس الشيء، ولا هذا المعنى بلفظ آخر البتة. وهذا المعنى ثابت في كتب اللغة، لكني ما أدري من أين نقله، والله أعلم. وممَّن ذكره بهذا المعنى ابن السيّد البطليوسي فيما كتبه على "كامل المبرد" عند قوله:
بكي لميتٍ وسواها الموجع
وسواها ههنا: نفسها، مثل قول الآخر في النبي ﷺ:
أتانا فلم نعدل سواه بغيره شهابٌ لنا في ظلمة اللَّيل ساطع
وقال ابن الأعرابي: سواه: قصده. انتهى. أقول: قاله ابن الأعرابي في "نوادره" فقال بعد ما أنشد البيت كما أنشده ابن السيّد: أي لم نعدل قصده قصده، يعني النبي ﷺ. انتهى. ولا يخفى أنه لابدَّ من تقدير مضاف في الثاني، ليصح المعادلة، أي: لم نعدل قصده بقصد غيره، وفي هذا أيضًا مرجع الضميرين واحد، والقصد هنا: المعتدل من الأمور الذي ر يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط وفي الحديث: "القصد القصد تبلغوا" أي: عليكم بالقصد من الأمور في القول
[ ٤ / ١٧ ]
والفعل، وهو أوسط بين الطرفين، ومنه الحديث الآخر: "عليكم هديًا قاصدًا" أي: طريقًا معتدلًا لا يسرف في الإنفاق ولا يفتر. وعلى تخريج ابن الأعرابي قد خرج الدماميني البيت بطريق البحث، فقال: ويظهر لي وجه آخر حسن في الجواب مع القول باتحاد المعاني، وهو أن يقال: المراد بالسوي العدل والإنصاف، لا معنى "غير"، وهو أمر ثابت في اللغة، صرح به الجوهري وغيره، المعنى: لم نعدل عدله بعدل غيره، ولا غبار عليه. انتهى.
بقي تخريج رابع أورده أبو حيَّان في "تذكرته" قال: وقد جاءت "غير" زائدة، أنشد بعضهم لحسان:
أتانا فلم نعدل سواه بغيره نبيٌّ أتى من عند ذي العرش هاديا
وقيل: تجل إحدى الكلمتين من سوى ومن غير زائدة. انتهى. وقد وافقه بطريق البحث أيضًا ابن وحيي، قال: ولو حمل على إقحام لفظة سوى، حتى يكون التقدير: أتانا نبي فلم نعدله بغيره. أو على إقحام لفظ غير حتى يكون مآله: أتانا نبي فلم نعدل سواه به، لظهر المعنى بلا ريب. وإقحام الأسماء، ولا سيما المبهمات، كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾ [الشورى/ ١١]. وقوله: "ثمَّ اسم السلام"، وقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود. انتهى. وهذا مذهب لا يتمشى على قول البصريين. وقوله: "أتانا فلم نعدل سواه بغيره"، قال الأزهري في التهذيب: قال الكسائي: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولًا: إذا ساويته به.
وقد جاء هذا البيت بألفاظ مختلفة كما رأيت وهو منسوب إلى حسَّان بن ثابت، ولم أره في شعره، وقد رأيته في كتب السّير، لكن ليس في الجمع بين سوى وغير، وإنما الرواية كذا:
أطعناه لم نعدله فينا بغيره شهابًا لنا في ظلمة اللَّيل هاديا
[ ٤ / ١٨ ]
وهو آخر أبيات ستة، قيل: إنها لعبد الله بن رواحة، وقيل: لكعب بن مالك وهي:
وعدنا أبا سفيان بدرًا فلم نجد لميعاده صدقًا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميمًا وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرًا أبا جهلٍ تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله أفٍّ لدينكم وأمركم السَّيء الذي كان غاويا
فإني وإن عنَّفتموني لقائلٌ فدىً لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره البيت
قال ابن هشام في "السيرة" والكلاعي في "سيرته" أيضًا واللفظ له: قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله ﷺ، المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبًا، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله، فأقام عليه ثماني ليالٍ ينتظره، وخرج أبو سفيان في أهل مكة، ثم بدا له في الرجوع، فقال: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلَّا عام خصيب، فإنَّ عامكم هذا عام جدب فارجعوا، فرجع النَّاس، فقال عبد الله بن رواحة في ذلك، ويقال: إنها لكعب بن مالك:
وعدنا أبا سفيان بدرًا فلم نجد ..
إلى آخر الأبيات الذي ذكرناها. وقال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك، وهذه غزوة بدر الآخرة في شعبان سنة أربع من الهجرة، ولم يكتب السهيلي في "الروض الأنف" على هذه الأبيات شيئًا، ووقع في رواية الكلاعي: "أطعنا ولم نعد له فينا بغيره" بواو العطف، وقال الشّامي في "سيرته" بعد هذه الأبيات: افتقدت: فقدت، والموالي هنا القرابة، والثاوي: المقيم، والسيء: أراد السَّيّئ، فخفف، كهين وميت. لم نعدله: لم نسوّه. انتهى. وعبد الله بن رواحة تقدمت ترجمته، في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة مع ترجمة كعب بن مالك.
[ ٤ / ١٩ ]
حرف الفاء
أنشد فيه:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ
تمامه
فألهيتها عن ذي تمائم محول
على أنَّ فاء "ربَّ" في قوله: "فمثلك" جارة عند المبرّد، وهذا سهو من المصنّف فإنَّ المبرد، لم يذهب إلى هذا، وإنما قال في واو ربّ: إنها الجارة، لا ربّ المقدرة قال ابن مالك في "التسهيل": فصل في الجرّ بحرف محذوف: يجر بـ"ربّ" محذوفة بعد الفاء كثيرًا، وبعد الواو أكثر، وبعد بل قليلًا، ومع التجرّد أقلّ، وليس الجرّ بالفاء وبل بالاتفاق، ولا بالواو، خلافًا للمبرّد ومن وافقه. قال أبو حيّان في "شرحه" قال المصنف في الشرح: ولا خلاف في أنّ الجرّ في "فذي حنقٍ" و"بل بلدٍ" و"رسم دارٍ" وأشباهها بـ"ربّ" المحذوفة. انتهى.
وقال ابن عصفور: لم يختلف أحد من النحويين في أنَّ الخفض بعد الفاء، وبعد بل بإضمار "ربّ" فعلى هذين القولين يظهر وهم من عدَّ الفاء وبل في حروف الجرّ، وإن الجر بها لنيابتها مناب "ربّ" وذكر صاحب كتاب "الكافي" أنه لا نعلم خلافًا
[ ٤ / ٢٠ ]
بين النحويين في أنّ الجرّ بعد الفاء بـ"ربَّ" مضمرة، لا بالفاء، قال وقد أجرت العرب الفاء مجرى الواو، فحذفت بعدها ربّ، ثم قال أبو حيان: وقوله: ولا بالواو، خلافًا للمبرّد؛ قال المبرد: الواو بمنزلة "ربّ" والخفض بها، ولا ينكر أن يكون للحرف الواحد معان كثيرة، ويدلّ على أنها ليست للعطف مجيئها في أول القصيدة، نحو قوله:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
وافق المبرد بعض الكوفيين، وردّ ذلك إلى آخر كلامه ولم ينتبه الدماميني ولا غيره إلى هذا السّهو، مع أنه مغرم بالتعقب لكلامه. وقد تقدَّم شرح هذا البيت في الإنشاد العاشر بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد المائتين:
(٢٦٥) بين الدَّخول فحومل
هو قطعة من مطلع معلقة امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل بسقط اللِّوى بين الدَّخول فحومل
على أن الجرمي قال: إنَّ فاء العطف لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل هذا البيت، وهذا على تقدير صحة رواية الفاء، وهذا أحد أجوبة ثلاثة، ثانيها: أنّ الفاء بمعنى الواو، وثالثها: أنّ التقدير بين أماكن الدخول، فأماكن حومل. وقد أنكرها الأصمعي قال في كتاب "التصحيف": تكلم الناس في قوله: "بين الدَّخول فحومل" قال أبو إسحاق الزيادي: الرواية: "بين الدخول
[ ٤ / ٢١ ]
وحومل" ولا يكون فحومل، لأنك لا تقول: رأيتك بين زيد فعمرو، وهذا سمعه الزيادي من الأصمعي، فسألت ابن دريد عن الرواية، فحكى ما قال الأصمعي ولم يزد عليه، فسألت أبا بكر محمّد بن علي بن إسماعيل، فقلت: قال الأصمعي: لا يجوز أن تقول: رأيته بين زيد فعمرو، وكان ينكر "بين الدخول فحومل" فأملى عليَّ الجواب فقال: إنَّ لكل حرف من حروف العطف معنى؛ فالواو تجمع بين الشيئين، نحو: قام زيد وعمرو، فجائز أن يكونا كلاهما قاما في حالة واحدة، وأن يكون قام الأول بعد الثاني، وبالعكس، والفاء إنما هي دالَّة على أنّ الثاني بعد الأوّل، ولا مهلة بينهما. فقال الأصمعي، وكان ضعيفًا في النحو، غير أنه كان ذا فطنة: أطبقت الرواة على "بين الدخول وحومل". ولا يجوز فحومل، لأنه ليس يقصد بيان أن يكون الشيئان أحدهما بعد الآخر، ثم يكون الشيء بينهما، إنّما يريد أنهما لا يجتمعان، وهو بينهما، كما تقول: زيد بين الكوفة والبصرة، ولا تقول: فالبصرة، فقد أجاد فطنة. انتهى. واستدلّ الجرمي لقوله ببيت امرئ القيس، وبقول الحارث بن حلِّزة:
أوقدتها بين العقيق فشخصين بعودٍ كما يلوح الضياء
وبقول النَّابغة الذبياني:
عفا ذو حسى من فرتنا فالفوارع فجنبا أريك فالنِّلاع الدَّوافع
وبقول العرب: مطرنا ما بين زبالة فالثعلبية. ومعلوم أنَّ هذه الأماكن لم تعف على ترتيب، إذ الوقوف على أن يكون الآخر من الأماكن قد عفا عند انقضاء عفاء الأول من غير مهلة بينهما متعذر، وكذا قولهم: نزل المطر مكان كذا فمكان كذا، إنما نزل المطر بهذه الأماكن في حين واحد، والجواب عن ذلك أن يجعل الترتيب في
[ ٤ / ٢٢ ]
مثل هذا بالنظر إلى الذكر، وذلك أنّ القائل: عفا موضع كذا فموضع كذا، لا يحضره أسماء الأماكن في حين الإخبار دفعة واحدة، فيبقى في حال الإخبار متذكرًا لها متتبعًا، فما سبق إلى ذكره أتى به أولًا، وما تأخر في ذكره عطفه بالفاء، وكذلك قول العرب: مطرنا مكان كذا فمكان كذا، والعرب لا تقصر الترتيب بالفاء على الزمان، ألا ترى أنَّك تقول: أعلى النّاس منزلة في الدنيا الأمير فالوزير؛ ومعناه أنه يليه في المنزلة لا في الزمان، وكلّ واحد من الدخول والعقيق وزبالة، وما عطف عليها، مكان وقرية يشتمل على أمكنة، فاكتفى ببين، كأنه قيل، بين أماكن الدخول، وكذا باقيها، ألا ترى إلى قوله:
ربَّما ضربةٍ بسيفٍ صقيلٍ بين بصري وطعنةٍ نجلاء
يريد: بين جهات بصرى، فاكتفى بالمفرد إذ كان مشتملًا على أمكنة، والفرق بين العطف بالفاء والواو في هذه المسألة ونحوها: أنك إذا عطفت بالفاء أردت أنَّ المطر انتظم الأماكن التي بين زبالة والثعلبية، يقروها شيئًا فشيئًا بلا فرجة، من جهة أنّ الفاء تعطي أنّ الثاني عقب الأول بلا مهلة، وإذا عطفت بالواو، أردت أنّ المطر وقع بين زبالة والثعلبية، ولم ترد أنه اتصل في الأماكن التي بينها من أولها إلى آخرها. كذا قال ابن جني في "سر الصناعة": وذهب بعضهم إلى أنّ الفاء لا ترتب مطلقًا، وإنما هي بمعنى الواو، ويدل على فساده أنّ العرب تقول: اختصم زيد وعمرو، ولا تقول: فعمرو، ولو كانت الفاء بمنزلة الواو في جميع الأماكن، لجاز مجيئها. ومن أجاب بأنّ الفاء هنا بمعنى "إلى" لا يتم كلامه إلَّا بتقدير مضاف، تقديره: بين أماكن الدخول، كما قاله المصنف، وحينئذ لا حاجة إلى جعل الفاء بمعنى إلى؛ لأن الإشكال يتم دفعه بتقدير "أماكن" ليحصل المتعدد الذي تضاف إليه "بين"
[ ٤ / ٢٣ ]
ويدل على تقدير هذا المضاف ما قله. وقال بعضهم: لا ضرورة إلى تقديره، لأنَّ كلَّا من الدخول وحومل موضع وسيعٍ يشتمل على منازل ومواضع، فأضيف "بين" إليها لاشتمالها على متعدد تقديرًا، وعليها تكون الفاء عاطفة، وتفيد ترتيب البكاء بين منازل هذه المواضع.
والسقط مثلث الأول: ما تساقط من الرّمل، واللَّوى: ما التوى من الرمل، وسقط اللّوى: حيث يسترقّ الرمل فيخرج منه إلى الجدد، وإنما وصف المنزل به؛ لأنهم كانوا لا ينزلون إلَّا في صلابة من الأرض، لتكون أثبت لأوتاد الأبنية والخيام، وأمكن لحر النُّؤي، وإنما يكون ذلك حيث يسترق الرمل وينقطع، والدخول: بفتح الدّال، وحومل قال أبو الحسن: بلدان بالشام، وأنشد هذا البيت، وقيل غير ذلك. وقد جمعنا، في شرح هذا البيت ما فيه من حسن وقبح، وبسطنا عليه القول بأكثر مما هنا في الشاهد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد الرّضى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس والستون بعد المائتين:
(٢٦٦) يا أحسن النَّاس ما قرنًا إلى قدمٍ
على أنَّ أصله: ما بين قرنٍ، قال العسكري: قال بعض البغداديين: أراد: قفا نبك ما بين الدّخول إلى حومل إلى توضح إلى المقراة، فالفاء في موضع إلى، فأضمر مع ما "بين" كقولك هو أحسن النّاس قرنًا فقدمًا ولم يضمر "بين" فأراد فابكيا هذا إلى ذا. انتهى. وإنما احتاج هذا القول إلى تقدير مضاف، كما قال المصنف، لأن بينًا لا تضاف إلى مفرد لفظًا ومعنى، إلَّا إن أوَّل بما يدل على المتعدد، وفيه ادعاء حذف "ما" وهو لا يجوز عند البصريين، سواء كانت "ما" موصولة، إذ لا يحذف الموصول وتبقى صلته، أم موصوفة، إذ شرط حذف الموصوف بالجملة أو الظرف
[ ٤ / ٢٤ ]
أن يكون بعضًا من مجرور بمن أو في، وكن الفاء بمعنى إلى لا يمنع من تسميتها بالعاطفة فإنَّ "أو" العاطفة تأتي بمعنى إلى، وبمعنى إلَّا، لم يمنع أحد تسميتها عاطفة، قال الفراء في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿مثلًا مّا بعوضةً﴾ [البقرة/ ٢٦]، وأما الوجه الثالث، وهو أحبها إليَّ: فأن تجعل المعنى على: إنَّ الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة إلى ما فوقها، والعرب إذا ألقت "بين" من كلام تصلح "إلى" في آخره، نصبوا الحرفين المخفوضين اللّذين خفض أحدهما ببين والآخر بإلى، فيقولون: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ناقةً فجملًا، وهي أحسن الناس ما قرنًا فقدمًا، يراد به ما بين قرنها إلى قدمها، ويجوز أن تجعل القرن والقدم معرفة، فتقول: هي حسنة ما قرنها فقدمها.
فإذا لم تصلح "إلى" في آخر الكلام، لم يجز سقوط "بين" من ذلك أن تقول: داري ما بين الكوفة والمدينة، فلا يجوز أن تقول: داري ما الكوفة فالمدينة، لأنَّ إلى إنما تصلح إذا كان ما بين المدينة والكوفة كله من دارك كما كان المطر آخذًا ما بين زبالة إلى الثعلبية. قال الكسائي: سمعت أعرابيًا يقول، ورأى الهلال: الحمد لله ما إهلالك إلى سرارك، يريد: ما بين إهلالك إلى سرارك، فجعلوا النَّصب الذي في "بين" فيما بعدها إذا سقطت، ليعلم أنَّ معنى بين يراد. وحكى الكسائي عن بعض العرب: الشنق ما خمسًا إلى خمس وعشرين، والشنق: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل.
ولا تصلح الفاء مكان الواو فيما لم تصلح فيه "إلى" كقولك: دار فلان بين الحيرة فالكوفة؛ محالٌ، وجلست بين عبد الله فزيدٍ؛ محال، إلَّا أن يكون مقعدك آخذًا للفضاء الذي بينهما، وإنما امتنعت الفاء من الذي لا تصلح فيه "إلى"، لأن الفعل فيه لا يأتي فيتصل، و"إلى" تحتاج إلى اسمين يكون الفعل بينهما كطرفة عين، وصلحت الفاء في إلى لأنّك تقول: أخذ المطر أوله، فكذا [وكذا] إلى آخره. فلما كان الفعل كثيرًا شيئًا بعد شيء في المعنى، كان فيه تأويل من الجزاء. ومثله
[ ٤ / ٢٥ ]
أنهم قالوا: إن تأتني فأنت محسن، ومحال أن تقول: إن تأتني وأنت محسن، فرضوا بالفاء جوابًا في الجزاء، ولم تصلح الواو. انتهى كلام الفرّاء، وفيه فوائد، منها: قوله: هي حسنة ما قرنها فقدمها، وبه يرد على الدماميني في قوله: على ما قرنًا إلى قدم، كون أصله: ما بين قرن، دعوى لا دليل عليها، ويجوز أن تكون ما زائدة، وقرنًا تمييز، أو منصوب على نزع الخافض. انتهى. ولها ضابط سقوط "بين". وقال أبو حيان في "تذكرته": إذا أتيت ببين صلة لـ"ما" فقلت: أعجبني ما بينكما، فسقوطها جائز على ثلاثة معان: أن لا تنوي ما، وتقضي على "بين" بالرفع، ولفظها منصوب، ومنها أن ترفع بين بالفعل وتعطى حقّ الأسماء، ومنها أن تقرَّ على ما كانت عليه مع ما، وما بمنزلة المظهرة، فتضمر "ما" ولا تضمر الذي، وما شاكلت المحل بأنَّها تكون وقتًا ومحلًا، وكونها وقتًا في قولهم: لا أكلمك ما دام للزيت عاصر، وما موضوعة في موضع أبدًا، وانتصابها فيه كانتصاب: لا أكلمك القارظ العنزيّ. ومجيئها محلًا في قولهم: جلس ما بين الدارين، واستوى ما بين المنزلتين، وأقام ما بين المسجدين، فلما أتت ما محلًا، أي: ظرفًا ووقتًا، ضارعت المحل الذي بعدها، فكفى منها، واختصت "بين" بالنيابة عن ما، لأنَّ "ما" يكون شرطًا، وبين يشرط بها في قيلهم: بين ما أنصفني ظلمني، وبين ما اتصل بي قطعني، وأمَّا "الذي" فلا يعرف له ذلك، ولا تستعمل فيه. ولـ"ما" معنى ثالث هو الجزاء في أصل البنية، وإفرادها على لفظ الذي، وذلك قول العرب: مطرنا ما زبالة، فالثعلبية، فزرود، حكاه الكسائي عن العرب، ومعناه: مطرنا ما بين زبالة إلى الثعلبية، فنابت زبالة عن بين، وجعل نصب بين فيها، ونسقت الثعلبية فزرود عليها، ونصبت "ما" بمطرنا على أنَّ لفظها الذي، ولزمت الفاء مكان إلى، ولم يصلح مكانها واو، ولا ثم، ولا أو، ولا "لا" لأنها تحفظ تأويل الجزاء، وتجري في هذا الكلام مجراها في إن زرتني فأنت محسن، لا يجوز "وأنت" لأنه لا يواصل الشرط إلَّا بالفاء، إذ كانت تفعل ذلك في "ضربته فبكى" وأصل الكلام: إن اتصل المطر إلى
[ ٤ / ٢٦ ]
زبالة فالثعلبية فهو مطرنا، فذلك الذي نبغي، فتحولت ما إلى لفظ الذي وأصلها الشرط ولزمت الفاء مراقبة لذلك الأصل ونائبة عن إلى، وقالت العرب: أزورك أشغل ما كنت، فجعلوا "ما" في لفظ الذي، ولذلك أضافوا إليها "أشغل" وأصلها الشرط: ما كنت مشغولًا فإني أزورك فـ"ما" في "مطرنا ما زبالة فالثعلبية" قصتها كقصة ما ذكرنا، ولولا الشرط الذي بنيت المسألة عليه، لم يعطف واحد بالفاء على مخفوض "بين" إذ لا يقال فيما تعرّى من معنى الشرط: المال بين أبيك فأخيك. وحكى الكسائي والفرّاء عن العرب: هي أحسن النَّاس ما قرنًا فقدمًا، معناه: ما بين قرن إلى قدم، فلزمت الفاء لأنَّ "ما" شرط في الأصل ومحسنة ذلك حسن إلى في موضع الفاء، وانتصب ما في هذه المسألة على التفسير، وانتصب القرن بنصب بين المسقط، وعطف القدم على القرن. وقال الفراء: المعرفة بمنزلة النكرة في خلافة "بين" حين يقال: هي حسنة ما قرنها إلى قدمها، وقال الفراء: أنشدني أعرابي من بني سليم:
يا أحسن النَّاس ما قرنًا إلى قدمٍ ولا حبال محبٍ واصلٍ تصل
معناه: ما بين قرن إلى قدم، و"ما" في ذا المعنى لا تسقط، فخطأ أن يقال: مطرنا زبالة فالثعلبية، لأنَّ ما وبين اسم واحد يدخل طرفاه فيه، و"ما" هي الحد بين الشيئين، دليل هذا أنَّ الذي يقول: له عليّ ما بين الألف إلى الألفين، يدل بـ"ما" على استبقاء ما بين الألف والألفين، ولو قال: جلست ما بين الدّارين، لم يكن جامعًا لكلّ ما بينهما فأتت الفاء لمذهب الشرط وإن لم يذكر حرف الشرط، كما لزمت الفاء مع "أما" فقيل: أما عبد الله فقائم، لأنَّ المعنى: مهما يكن من شيء فعبد الله قائم، وليست أما عاملة عمل الشرط. إلى هنا كلام أبي حيّان، والذي تركناه أكثر مما كتبناه، وجميعه فوائد جيدة، شكر الله سعيه.
وقوله: يا أحسن الناس ما قرنًا، القرن بفتح القاف: الخصلة من الشعر، وهذا المصراع هو المقدار الذي أنشده المصنف، وهذا القدر هو المشهور وقد أكمله الفراء
[ ٤ / ٢٧ ]
بذكر المصراع الثاني وأنشده ابن الأنباري في كتاب "الأضداد" بتمامه كالفراء، وهو قوله: ولا حبال محبّ الخ. وأراد بالحبال هنا: العهود وعلائق المودَّة بين الطرفين، وهو مفعول مقدم لتصل والأصل: ولا تصل حبال محبّ واصل والمعنى: إنَّ جميع ما فيك حسن إلا قطع من يريد وصلك. وقد جاء المصراع الأول في أشعار كثيرة، لكن برواية "من" موضع "ما" منها في قصيدة لقيس بن ذريح بعد أن طلَّق لبنى بإكراه من والده وتزوَّجت بغيره، منها:
يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ وأحسن النَّاس ذا ثوبٍ وعريانا
نعم الضَّجيج بعيد النَّوم يجلبه إليك ممتلئًا نومًا ويقظانا
وجاء أيضًا في شعر العباس بن الأحنف، وهو:
يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ وأكمل النَّاس أردافًا ومنعطفا
ما ذقت بعدكم عيشًا سررت به ولا رأيت لكم عدلًا ولا خلفا
وهما بيتان لا غير، وجاء في أول مقطوعة لأبي نواس أيضًا، وهي:
يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ هل في اشتكاي إليك الحبَّ من باس
ماذا من أجلك بي أفديك يا سكني من التَّبرم بالدُّنيا وبالنَّاس
لو كان شيءٌ يسلِّي النَّفس من حزنٍ إذًا لسلَّت فؤادي لذَّة الكاس
وبعد هذا بيتان.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد المائتين:
وأنت الَّتي حبَّبت شغبًا إلى بدا إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهما
حللت بهذا حلَّةً ثمَّ حلَّةً بهذا فطاب الواديان كلاهما
على أنَّ "إلى" الأولى تدلّ على الترتيب بمنزلة الفاء، وردَّ الدّماميني فقال من حق النحاة أن لا يذكروه مستندين إلى هذا الدليل، فإنَّا لا نسلم إرادة الترتيب في
[ ٤ / ٢٨ ]
البيت الأول، لاحتمال أن تكون "إلى" فيه للمعية، كما قاله جماعة كثيرة، أو متعلقة بمحذوف إن لم نقل بذلك، أي: مع بدا، أو مضمومًا إلى بدا. والبيت الثاني لا يدل على إرادة الترتيب في الأول إذ حلولها بأحد المكانين بعد حلولها بالآخر، لا يقتضي أنَّ المكان الأوَّل حبَّب إليه أولًا بسبب حلولها فيه، وأنَّ الثاني حبّب إليه بعد ذلك لحلولها فيه، إذ من الجائز أن يكون حبّ المكانين حصل له في آن واحد بعد حلولها فيهما على الترتيب، ثمَّ ولو سلّم دلالة البيت الثاني على الترتيب في الأول، لم يدل على دعواه؛ لأنَّ الترتيب الواقع في الثاني إنما هو بـ"ثمَّ" لا بالفاء. وفي بعض النسخ: "حلّة بعد حلّة" انتهى.
ويؤيّده صنيع المحقق الرّضي قال في "إلى" التي بمعنى "مع": التحقيق أنها بمعنى الانتهاء، أي: مضافًا إلى بدا، وذكر المتعلق لإفادة أنّ إلى مع مجرورها واقعة موقع الحال من شغب، ولإفادة أنَّ الغاية داخلة في المغيا. انتهى. وزعم الكوفيون أنَّ "إلى" هنا بمعنى مع، وأما إلى الثانية فهي متعلقة بحببت، قال الرّضي قيل: أنها بمعنى "عند" والأولى بقاؤها على أصلها، والبيتان لكثير عزة، أوردهما أبو تمام في "الحماسة" مع بيت بينهما، وهو:
إذا زرفت عيناي أعتل بالقذى وعزَّة لو يدري الطبيب قذاهما
وفي بعض النسخ:
وحلَّت بهذا حلَّةً ثمَّ أصبحت بهذا فطاب الخ
قال الإمام المرزوقي: خاطبها في البيت معتدًّا عليها بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفي محالِّها فقال: أحبُّ لك وفيك شغبًا إلى بدا، وبلادي بلاد غيرهما. ثمَّ أخبر عنها في البيت الثاني فقال: نزلت بهذا- يشير إلى شغب- نزلةً ثم أصبحت ببدا، ففاح الواديان وتضوَّعا بريّاها.
[ ٤ / ٢٩ ]
وحلّة، بالفتح: المرة من الحلول، وهو النزول، وزرفت: دمعت، والقذى: ما يسقط في العين، وعزة: مبتدأ، خبره بتقدير مضاف، أي: سبب قذاهما، وجملة "لو يدري الطبيب" معترضة، وشغب: بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين، قال الحازمي في "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن": ضيعة خلف وادي القرى كانت للزهري، ينسب إليها زكريا بن عيسى الشغبي مولى الزّهري، روى عن الزهري نسخة عن نافه انتهى ووادي القرى: موضع بين المدينة والشّام، وبدا: بفتح الموحدة، بعدها دال مهملة فألف مقصورة، قال الحازمي أيضًا: ضيعة تذكر مع شغب بناحية الشام، وأنشد البيتين لجميل. وفي "معجم البلدان" لياقوت: بدا واد بقرب أيلة من ساحل البحر، وقيل: بوادي القرى، وقيل: بوادي عذرة قرب الشام. هذا كلامه والصّواب ما قاله الحازميّ فيهما والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد المائتين:
(٢٦٨) يا لهف زيَّابة للحارث الصَّابح فالغانم فالآيب
على أنَّ الفاء في الصفات تدلّ على ترتيب معانيها في الوجود. قال ابن جنّي في "إعراب الحماسة": أراد: الذي يصبح العدوّ بالغارة، فيغنم، فيؤوب سالمًا، فعطف الموصول على الموصول، وهما جميعًا لموصوف واحد، والشيء لا يعطف على نفسه، من حيث كان العطف نظير التثنية في المعنى، فكما لا يكون الواحد اثنين، فكذلك لا يعطف الشيء على نفسه [بل إن جاز أن يكون الواحد اثنين فليجوز أن يكون ما فوق ذلك إلى ما لا غاية له كثرة]. وعلة جواز ذلك قوة اتصال الموصول بصلته، حتى إنه إذا أريد عطف بعض صلته على بعض جيء به وهو معطوف في اللفظ على نفسه، ومثله قول الله ﵎ ﴿والذي هو يطعمني ويسقيني،
[ ٤ / ٣٠ ]
وإذا مرضت فهو يشفيني﴾ [الشعراء/ ٧٩، ٨٠] إلى آخر الآية، وهذا كله صفة موصوف واحد، وهو القدّيم عزَّ اسمه، وقد تقصيت هذا في كتابي "المعرب" وهو تفسير قوافي أبي الحسن، فأمّا قول الله تعالى: ﴿والعاديات ضبحًا، فالموريات قدحًا، فالمغيرات صبحًا﴾ [العاديات/ ٣] فقد يمكن أن يكون ممَّا نحن فيه، وقد يمكن أن تكون العاديات غير الموريات، والمغيرات غيرهما، فيكون عطف موصوف على موصوف آخر حقيقة لا مجازًا، كقولك: مررت بالضَّاحك فالباكي، إذا مررت باثنين أحدهما ضاحك والآخر باكٍ. انتهى.
وأورده صاحب "الكشاف" مع قول الشّاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
عند قوله تعالى: ﴿والَّذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ [الآية/ ٤] من سورة البقرة في توسط العاطف بينه وبين قوله تعالى: ﴿الَّذين يؤمنون بالغيب﴾ فإنهما واحد، كما توسط بين الصّفات في البيتين وعطف الصّفات على الصِّفات كثير بناء على تغاير المفهومات، وإن كانت متحدة بالذّات. وقد يكون العطف بالواو كما في الآية، وقوله: إلى الملك القرم .. البيت، وقد يكون بالفاء كما تقدم بيانه، وما نقله المصنّف عن صاحب "الكشاف" مذكور في أوَّل سورة الصّافَّات. قال الفاضل اليمني، والقسمة الصحيحة تقتضي أربعة، لأنه كما جاز في الصفات الدلالة
[ ٤ / ٣١ ]
على ترتيب في الوجود، كذلك يجوز في الموصوفات، كما تقول: حل المتمتع فالقارن فالمفرد.
والبيت أول أبيات ثلاثة لابن زيّابة التيميّ، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وبعده:
والله لو لاقيته خاليًا لآب سيفانا مع الغالب
أنا ابن زيابة إن تدعني آتك والظنَّ على الكاذب
قال الجوهري: يا لهف [فلان]: كلمة يتحسَّر بها على ما فات. ولهف: منادى مضاف، أي: يا لهف أحضر، وزيّابة بفتح الزاي، وتشديد المثناة التحتية، وبعد الألف باء موحّدة: اسم أمّ الشاعر، ومثله قول النابغة:
يا لهف أمِّي بعد أسرة جعولٍ أن لا ألاقيهم ورهط عرار
قاله الخطيب التبريزي، واللام في "للحارث" للتَّعليل، أي: يا لهف أمي من أجل الحارث بن همام الشيباني، وقال المصنف: بمعنى على، قال التبريزي: معناه أنه لهّف أمّه أن لا يلحقه في بعض غاراته فيقتله أو يأسره. وقال النمري: وصفه بالفنك والظفر وحسن العاقبة. وردّ عليه الأسود أبو محمّد الأعرابي فقال: هذا موضع المثل: "أخطأت استك الحفرة" كيف يذكره بالفتك والظفر وهو أعدى عدوٍ له. وإنما المعنى أنه لهّف أمّه وهي زيّابة أن لا يلحقه في بعض غاراته فيقتله أو يأسره. انتهى. وعليه تكون تلك الصِّفات على طريق الاستهزاء، ومنه تعلم أنَّ في كلام المصنف خللًا من وجهين أحدهما: ظنُّه: أنّ زيابة اسم والده، وثانيهما: تقييد "صبح" بقوله: "قومي".
وقوله: والله لو لاقيته خاليًا .. الخ، يقول: لو لاقيته لقتلته أو قتلني، ورجع
[ ٤ / ٣٢ ]
السيفان مع الغالب، وفي هذا الكلام وصف لنفسه بالشجاعة وإنصافه للمحارب.
وقوله: إن تدعني الخ، قال التبريزي: يحتمل وجهين، أحدهما: أنك إن دعوتني علمت حقيقة ما أقول، فادعني واخلص من الظنّ، لأنك تظن بي العجز عن لقائك، والظنّ من شأن الكاذب، مثل ما يقال: القيام بهذا الأمر على فلان، أي: هو الذي يقع به، والآخر معناه: يكون الظنّ عونًا على الكاذب مع الأعداء، كما تقول: رأيك عليك، أي: إنَّك تسيئه، فيكون كالمتظاهر عليك.
وهذه الأبيات وقعت جوابًا لقول الحارث فيه، وهو:
أيا ابن زيَّابة إن تلقني لا تلقني في النَّعم العازب
وتلقني يشتد بي أجردٌ مستقدم البركة كالرَّاكب
قوله أيا: حرف نداء، وابن زيابة: منادى، والعازب: البعيد، يري: إنك لا تراني راعي إبلٍ، وإنما أنا صاحب فرسٍ ورمحٍ، أغير على الأعداء، وأحارب من يبتغي حربي، ويشتدّ: من الشدّ، وهو العدو، والأجرد: الفرس القصير الشعر، والبركة، بكسر الموحّدة: الصّدر، قال التبريزي: زعموا أنَّ الرّاكب هنا فسيلة لم تنقطع من أمها، ويجوز أن يعني به طول عنق الفرس، وأنه يوازي الرّاكب على ظهره، ويكون هاديه هو الذي يستقدم البركة، فيكون الكاف [من قوله: كالراكب] في موضع رفع بفعلها، ولا يمتنع أن يكون الفعل للبركة، والكاف في موضع نصب. انتهى.
وابن زيابة: شاعر جاهلي، واختلف في اسمه، فقال أبو رياش في شرح "الحماسة": اسمه عمرو بن لأي، بفتح اللَّام وسكون الهمزة، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، وهو فارس مجلزٍ، وقال المرزباني وأبو محمّد الأعرابي: اسمه سلمة بن ذهل، والله أعلم. وكذلك الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان الشييباني جاهلي.
[ ٤ / ٣٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد المائتين:
فإن أهلك فذي حنقٍ لظاه عليَّ تكاد تلتهب التهابا
على أنَّ جواب الشرط، إذا كان مصدّرًا بحرف له الصّدارة وجب اقترانه بالفاء كما هنا، فإنَّ أصله: فربّ ذي حنق، فحذفت ربّ وبقي عملها، وذو بمعنى صاحب، والفاء معها لربط الجواب بالشرط، فإنها تجب مع كلّ جواب لا يصحّ وقوعه شرطًا، والجواب هنا في الحقيقة هو جواب ربّ، وهي "مخضت" أوَّل البيت الذي بعد هذا، وقدِّمت ربّ عليه لأنَّ الصّدر. وقول المصنف: لما عرفت من أنَّ ربَّ مقدرة، وأنّ لها الصدر [انتهى. وقوله: لها الصدر] جواب سؤال مقدر، وهو أنَّ جواب الشرط في مثل هذا إنما هو جواب ربّ، وهو فهل ماضٍ يجب معه ترك الفاء، فكيف وجبت الفاء؟ أجاب بأنَّ "ربَّ" لما وجب تقدّمها على جوابها لصدارتها، كانت في الظاهر هي الواقعة جواب الشرط، وهذ لا تصح أن تقع شرطًا؛ فوجب أن تقترن بالفاء وفاءً بمقتضى الضّابط، ولم أر أحدًا من شرّاح هذا الكتاب تنبه لما قلناه. وقال الإمام المرزوقي في "شرح الحماسة" وتبعه جميع شرّاحها. فإن قيل: إنَّ الفاء جواب الجزاء إنما يجيء ‘ذا خالف الجملة التي تكون جزاء الجملة التي تكون شرطًا، بأن تكون مبتدأ وخبرًا، فكيف يكون تقديرهما بعد الفاء [ها] هنا؟ قلت: يكون التقدير: إن أهلك، فالأمر والشأن: ربَّ ذي حنق بهذه الصفة فعلت به كذا، فقوله: "ربّ ذي حنق" خبر المبتدأ الذي أظهرناه. هذا كلامه، وفيه نظر من وجهين، أحدهما: لا ينحصر وجوب اقتران الفاء بالجملة الاسمية الواقعة جوابًا لشرط، بل الحصر في ست صور كما ذكرها المصنف. ثانيهما: أنّ ربّ لها الصّدر، لا تقع مبتدأ أبدًا إذ العامل في الخبر هو
[ ٤ / ٣٤ ]
المبتدأ، على أنَّ هذا لا يصح يصحّ مع قوله: إن "مخضت" جواب ربّ. وتبعه السّيوطي أيضًا، فقال: فذي حنق جواب الجزاء، والتقدير: إن أهلك فالأمر والشأن ربّ ذي حنق. انتهى.
والبيت من ثمانية أبيات لربيعة ابن مقروم الضبّي، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهي:
أخوك أخوك من يدنو وترجو مودَّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي وزاد سلاحه منك اقترابا
وكنت إذا قريني جاذبته حبالي مات أو تبع الجذابا
فإن أهلك فذي حنقٍ لظاه عليَّ تكاد تلتهب التهابا
مخضت بدلوه حتى تحسَّى ذنوب الشَّرَّ ملأى أو قربا
بمثلي فاشهد النَّجوى وعالن بي الأعداء والقوم الغضابا
فإنَّ الموعدي يرون دوني أسود خفيَّة الغلب الرِّقابا
كأنَّ على سواعدهنَّ ورسًا علا لون الأشاجع أو خضابا
قال المرزوقي: أخوك مبتدأ، وكررّ تأكيدًا، ومن تدنو: خبره، والمعنى: مخالصك في الأخوَّة والود من يقرِّب مكانه منك، وتحسن شفقته عليك، وإن استغثت به لملمَّة، أغاثك. ويجوز أن يكون من يدنو أراد به قرب النّصح والشفقة، لا تقارب الدّار.
وقوله: إذا حاربت الخ، قال المرزوقي: يجوز أن يكون هذا متصلًا بما قبله، والضمير في حارب لأخوك، ومن تعادي: مفعول حاربت، والمعنى: إذا حاربت من تعادي حارب هذا المؤاخي [لك] معك، وزاد نصرته وعدَّته منك
[ ٤ / ٣٥ ]
قربًا ما دمت محاربًا، ويجوز أن يكون منقطعًا مما قبله، ويكو مثلًا مضروبًا، فيقول: إذا كاشفت عدوك، بعثه ذلك على مكاشفتك، وازداد عدته من الكيد وغيره منك دنوًا، وإذا جاملته وداجيته بقي على ما ينطوي عليه مساترًا لا مجاهرًا.
وقوله: كنت إذا قريني الخ، يقول: إذا جاذبني قرين لي حبلًا بيني وبينه، فإمَّا أن ينقطع دون شأوي إلى الجذاب فيهلك، وإمَّا أن يتبع صاغرًا فينقاد.
وقوله: فإن أهلك الخ، هذا الكلام تسل عن العيش بعد قضاء حاجته، وإدراك ثأره، ولولا ما تسهل له من ذلك لكان لا يسهل عليه انقطاع العمر، ولو مات لمات بغصته، فيقول: إن أمت فربّ رجل ذي غيظ وغضب، تكاد نار عداوته تتوقد توقدًا، أن فعلت به كذا. ولظاه: مبتدأ، وجملة "تكاد تلتهب" خبره، وكلّ منهما مسند إلى ضمير مؤنث يعود إلى اللظى، فهما بالمثناة الفوقية، وجوز الشُّمسُّني بالمثناة التحتية مسندين إلى ضمير مذكر يعود يعود إلى اللظى، فهما بالمثناة الفوقية، وجوز الشُّمسُّني بالمثناة التحتية مسندين إلى ضمير مذكر يعود إلى اللظى، لاكتسابه التذكير من الضمير المضاف إليه، و"عليَّ" متعلق بتلتهب، وقيل بلظاه لما فيه من معنى الاشتداد والتوقد، وفيه نظر لأنَّ المعنى ليس عليه، واللظى: النَّار استعيرت للحنق، بفتح المهملة والنون، وهو الغيظ، وقيل: شدته، و"هلك" جاء من بابي ضرب وعلم.
وقوله: مخضت بدلوه الخ، هذا جواب ربّ، يقول: ربّ إنسان هكذا، أنا حركت بدلوه التي أدلاها في الأمر الذي خضنا فيه حتى ملأتها، وجعل الدّلو كناية عن السبب الذي جاذبه فيه، والطمع الذي جرأه عليه، قال: فتحسَّى دلو الشر مملوءة، أو قريبة من الامتلاء. وقراب: بكسر القاف وضمّها، والمعنى: جعلت شربه من الشرّ مرويًا، فكان المراد أنَّ هذا المعادي الممتلئ غيظًا لما ألقى دلوه يستقي بها الماء من بئري، ملأتها شرًا، وجعلته سقياه. والمخض بالخاء والضاد المعجمتين: تحريك الدّلو في البئر الدلو لتمتلئ، والذنوب بفتح الذال المعجمة: التي لها ذنب، وهي هنا مثل، يقول: جنيت عليه الشرّ حتى ملنَّه.
[ ٤ / ٣٦ ]
وقوله: بمثلي فاشهد .. الخ، هذا البيت وما بعده لم يقع في أصل المرزوقي، يقول: جاهر بمثلي الأعداء وكاشفهم ليكفوا عنك، فمثلي يصلح لدفع المكاره.
وقوله: فإنَّ الموعديّ الخ، قال التبريزي: يريد الغلب رقابًا، وانتصابه على التشبيه بالضَّارب الرجل. وقوله: كأنَّ على سواعدهن، أي: كأنَّ على سواعد هذه الأسود الورس أو الخطاب من كثرة ما افترست الفرائس، والأشاجع: عروق ظاهر الكف، جمع أشجع.
وربيعة بن مقروم: شاعر محضرم، قال ابن قتيبة: شهد القادسيّ وجلولاء، وهو من شعراء مضر المعدودين. وقد ذكره ابن حجر في قسم المخضرمين عن المرزباني، قال: كان ربيعة بن مقروم أحد شعراء مضر في الجاهلية والإسلام، ثمَّ أسلم وشهد القادسية، وغيرها من الفتوح، وعاش مائة سنة.
وأنشد بعد:
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله مثلان
وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الثمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد المائتين:
وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم
تمامه:
وأكرومة الحيَّين خلوٌ كما هيا
على أن الفاء زائدة في خبر المبتدأ، وهو: فانكح. وعند سيبويه غير زائدة،
[ ٤ / ٣٧ ]
والأصل عنده: هذه خولان فانكح فتاتهم، قال ابن خلف: قال أو علي: من جعل الفاء زائدة أجاز في خولان الرفع والنصب، وكقولك: زيدًا فاضربه، وعلى قوله سيبويه: الفاء إمّا لعطف الإنشاء على الخبر، وهو جائز فيما له محلّ من الإعراب، وإمّا لربط جواب شرط محذوف، أي: إذا كان كذلك فانكح، قال سيبويه في باب الأمر والنّهي من أوائل الكتاب: وقد يحسن ويستقيم أن تقول: عبد الله فاضربه، إذا كان الخبر مبنيًا على مبتدأ مظهر أو مضمر، فأما في المظهر فقولك: هذا زيد فاضربه، وإن شئت لم تظهر "هذا" وعمل كعمله إذا أظهرته، وذله قولك: الهلال والله، فانظر إليه، كأنك قلت: هذا الهلال، ثمَّ جئت بالأمر، وممَّا يدلّك على حسن الفاء ههنا أنَّك لو قلت: هذا زيدٌ فحسنٌ جميل؛ كان جيدًا، ومن ذلك قول الشاعر: وقائلة خولان البيت، هكذا سمع من العرب تنشده.
وقال السيرافي: الجمل كلّها يجوز أن تكون أجوبتها الفاء نحو: زيد أبوك فقم إليه، فإنّ كونه أباه سبب وعلّة للقيام إليه، وكذلك الفاء في "فانكح" يدلّ على أنَّ وجود هذه القبيلة علّة لأن يتزوج منهم ويتقرب إليهم لحسن نسائها وشرفها، وفيه إشارة إلى ترتب الحكم على الوصف. وخولان: حي باليمن. وروي: "فانكح فتاتها" لأنه أراد القبيلة. وجملتا "هذه خولان، فانكح فتاتهم" في محل نصب مقول القول وإنما وصف فيهما وهو قائلة، لاعتماده على الموصوف المضمر، أي: ربّ جماعة قائلة، وبه يدفع ما قيل: إنّ مجرور ربّ غير موصوف، وربّ للتكثير، وجوابها محذوف، أي: أدركتها. والأكرومة: فعل الكرم، مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: ومكرمة الحيين، وأراد بالحييَّن: حيّ أبيها وحيّ أمّها، والخلو بالكسر: الخالية من الزوج، وقوله: كما هي، صفة لخلو، أي: كعهدها من بكارتها، فحذف المضاف إلى الهاء، ولما كانت الكاف لا تدخل على المضمر المتَّصل، جعل مكانه المنفصل، فصار كهي، ثم زادوا "ما" عوضًا من المحذوف. وقيل
[ ٤ / ٣٨ ]
غير ذلك، ذكرناه في الشاهد السابع والسبعين من شواهد الرّضي. والبيت من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين:
أرواحٌ مودِّعٌ أم بكور أنت فانظر لأيِّ ذاك تصير
لما تقدم قبله، وأنشده سيبويه في الباب المذكور. قال ابن خلف: إنما جاء سيبويه به لقوله: أنت فانظر، وهو يشبه: زيد فاضربه، وقد قال: لا يجوز إلاَّ على إضمار بسبب دخول الفاء، وقد دخلت الفاء في قوله "فانظر" فتأول ذلك على وجوه أراد بها تصحيح دخول الفاء، وأنها على غير الوجه الذي أفسده دخولها فيه. وجملة تأوله ثلاثة أوجه، أحده: ترفع أنت بفعلٍ مضمر يفسره الفعل المظهر الذي بعده، والثاني: تجعل أنت مبتدأ وضمر له خبرًا، وتجعل الفاء جوابًا للجملة، كأنه قال: أنت الرجل، كما تقول: أنت الهالك، ثمَّ تحذف فتقول: أنت لدلالة الحال عليه، الثالث: تجعل أنت خبر المبتدأ، كأنّك نويت الرّجل، جعلته في نيتك المبتدأ، وقال أبو سعيد السّيرافي: ووجه رابع عندي: أن ترفع أنت ببكور، لأنَّ المصادر تعمل عمل الأفعال، كأنك قلت: أأن تروح أم تبكر أنت؟ قال: وفيه وجه خامس، وهو أن يجعل البكور في معنى اسم الفاعل باكر، كما تقول: زيد إقبال وإدبار. ويجوز فيه وجه سادس، وهو أن تحذف المضاف، وتقيم المضاف إليه مقامه، كأنك قلت: أم صاحب بكور؟ انتهى كلام ابن خلف باختصار.
[ ٤ / ٣٩ ]
وقال أبو علي في "كتاب الشّعر": أنت: يجوز أن يكون ابتداء، وأن يكون مرتفعًا بمضمره يفسره المظهر، فإذا ارتفع بالابتداء جاز أن يكون خبره مضمرًا، وذلك المضمر مما يليق أن يسند إلى من فارق خليطه، نحو المحزون والمهموم، كأنه قال: أنت المهموم، وهذا الوجه قاله سيبويه، ويجوز أن يكون خبره قوله: أرواح، والمعنى: أذو أرواح أم بكور أنت، والفاء في هذه الوجوه عاطفة جملة على جملة، وكذلك إن جعلت قوله: أرواح، ابتداء وأضمرت له الخبر، كأنَّك قلت: أرواح مودع لك أم بكور، والأحسن إذا أضمرت هذا الخبر أن تضمره بين همزة الاستفهام وأم، لأنك لا تسأل عن قولك لك، إنما تسأل عن أحد الاسمين، وإن شئت أضمرت ظرفًا من المكان، وإن شئت من الزمان، لأنَّ المبتدأ حدث. ويجوز أن تجعل قوله: أرواح، خبر ابتداء محذوف، وتضمره حيث أضمرت لك، أو ثم، أو اليوم، وتجعل أنت المذكورة في اللفظ ابتداء آخر إن شئت، وإن شئت، وإن شئت كان مرتفعًا بالفعل كما تقدَّم، ويجوز إذا جعلت أنت مبتدأ أن تجعل خبره انظر، وتكون الفاء زائدة، كما حكاه أبو الحسن من قوله: أخوك فوجد. انتهى كلامه باختصار أيضًا. ولخّص ابن الشجري في "أماليه" ما تقدَّم فقال: رواح يحتمل أن يكون خبرًا عن أنت، بتقدير: أذو رواح أنت؟ ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أي: ألك رواح؟ ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: أرواحك رواح مودّع؟ فعلى هذين التقديرين يرتفع أنت بمضمر يفسره انظر، وإن شئت رفعته بتقدير: أم ذو بكور أنت، وإن شئت رفعته بالمصدر الذي هو "بكور" رفع الفاعل بفعله، كقولك: أم بكور زيد، بتقدير: أم أن يبكر زيد، وإن شئت جعلته في قول أبي الحسن الأخفش مبتدأ، وخبره فانظر، والفاء زائدة. انتهى. روراه صاحب "الأغاني": "لك فاعمد لأي حال تصير" ورواه غيره: "لك فانظر لأي حال تصير" وعلى هذا لا شاهد فيه. وقوله: أرواح مودع، هو اسم فاعل، قال ابن الشجري: قال
[ ٤ / ٤٠ ]
أبو علي: هو كقولهم: ليل نائم، ولو أنشد "مودَّع" جاز، وكان التقدير: مودعٌ فيه، كما حذف من قوله:
كبير أناسٍ في بجادٍ مزمَّل
أي: مزمل فيه. وقوله: لأي حال، لم يقل: لأية حال، فيجوز أن يكون على لغة من ذكرَّ الحال، ويجوز أن يكون على لغة من أنثها، لأنَّ تأنيها غير حقيقي، ويجوز أن يكون حملها على الأمر والشأن لأنهما في المعنى متقاربان، ويروى: "لأي ذاك نصير" وقال: لأي ذاك، ولم يقل: لأيّ ذينك، لأنهم قد يوقعون ذاك وذلك على الجمل، [يقول القائل: زارني أمس زيد وأخوك معه، وهما يضحكان؛ فيقول: قد علمت ذلك]، ولذلك جازت إضافة [بين] إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿لا فارضٌ ولا بكرٌ عوانٌ بين ذلك﴾ [البقرة/ ٦٨] انتهى. وقال الأعلم: وصف أن الموت لا يفوته شيء، فإن لم يفجأ رواحًا فجيء بكورًا، ولابدَّ من المصير إلى الهلاك في أحد الوقتين، ولم يرد الوقتين خاصة، وإنما يريد في ليل أو نهار، وجعل التوديع للرواح اتساعًا، والمعنى: أنت ذو رواح تودع فيه أم ذو بكور؟ وهو [مثل] قوله تعالى: ﴿والنَّهار مبصرًا﴾ [يونس/ ٦٧]، أي: يبصر فيه، وإذا ودّع فيه فهو ذو توديع، فجرى على لفظ الفاعل كذلك. انتهى. وقال ابن خلف: وتحقيقه من جهة النحو: أرواح ذو توديع، فبنى له من المصدر الذي يقع فيه اسم الفاعل، وإن لم يكن جاريًا على الفعل، كما قالوا: رجل رامح وناشب، أي: ذو رمح ونشاب.
[ ٤ / ٤١ ]
وعظ عدي بن زيد بهذا الشعر النعمان بن المنذر لما حبسه ثم قتله، وقال: إن الموت لابد من نزوله، فاعمل لآخرتك، فإنّك منته إلى وقت تفارق فيه الدنيا، وتحصل على عملك، وكان عديّ نصرانيًا من أهل الحيرة، والبيت مطلع قصيدة، وبعده بأبيات:
وابيضاض السَّواد من نذر المو ت وهل بعده لحيٍ نذير
أيُّها الشَّامت المعيِّر بالدَّهر أأنت المبرَّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيَّام بل أنت جاهلٌ مغرور
من رأيت المنون عرين أم من ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسري خير الملوك أنوشر وأن أم أين قبله سابور
وبنو الأصفار الكرام ملوك الرُّوم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرًا وجلَّله كلًا فللطَّير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور
وتفكَّر ربَّ الخورنق إذ أشرف يومًا وللهدى تفكير
سرَّه ملكه وكثرة ما يحويه والبحر معرضًا والسَّدير
فارعوى قلبه فقال وما غبطة حيٍ إلى الممات يصير
ثمَّ بعد الفلاح والملك والإمَّة وارتهم هناك القبور
ثمَّ أضحوا كأنَّهم ورقٌ جفَّ فألوت به الصَّبا والدَّبور
وكذلك الأيَّام يغدرن بالنَّا س وفيها العوصاء والميسور
[ ٤ / ٤٢ ]
إن يصبني بعض الأذاة فلا وا نٍ ضعيفٌ ولا أكبُّ عثور
وأنا النَّاصر الحقيقة إن أظلمٌ يومٌ يضيق فيه الصُّدور
يوم لا ينفع الرَّواغ ولا ينفع إلاَّ المشيّع النِّحرير
قوله: أيها الشامت المعيّر بالدهر، أي: بمصائب الدَّهر، والفصيح: عيرته كذا بلا باء، والمبرأ: السالم من المصيبة، والموفور: الذي لم يؤخذ من ماله شيء. وقوله: من رأيت المنون الخ، قال أبو علي في "كتاب الشعر": لا يخلو قوله: رأيت، من أن تعملها أو تلغيها، لأنها قد وقعت بين المبتدأ وخبره، فإن أعملت كان "من" في موضع نصب، والمنون رفع بالابتداء، وعرين في موضع خبر المنون، والجملة في موضع المفعول الثاني لرأيت، وقال: عرّين، فجعل المنون جمعًا، إمَّا لأنه ذهب بها مذهب الجنس، أو لأنه وضع الواحد موضع الجمع، وإن ألغيت كان "من" في موضع رفع بالابتداء، وجملة "المنون عرّين": خبر من، والضمير محذوف، أي: عرّينه، ولا يكون في المنون في إعمال "رأيت" وإلغائها إلاَّ ارفع، لأنّها ليست بمفعولة في اللفظ ولا في المعنى، إنما هي فاعلة في المعنى، ومبتدأة في اللفظ. ومعنى عرّين: اعتزلن. قال ابن الشجري: ويروى "خلدن" أي: تركنه يخالد، والضيم: القهر والخفير بالخاء المعجمة: المانع والحامي، يقال: خفرته، إذا حميته.
وقوله: أين كسرى الخ، قال ابن الشجري: كان أنور شروان بن [قباذ] بن فيروز ين يزدرجرد بم بهرام جور من أعظم ملوك فارس، أعاد أمور دولتهم إلى أحوالها بعد ضعفها واختلالها، ونفي رؤوس المزادقة، وعمل بسيرة أزدشير بن بابك ابن ساسان، وافتتح أنطاكيَّة، وكان معظم جنود قيصر فيها، وبني بناحية المدائن المدينة التي سماها رومية على صورة أنطاكيَّة، وأنزل السبي الذي [سباه] من أنطاكية فيها، وافتتح مدينة هرقل والاسكندرية، وملَّك آل المنذر على العرب،
[ ٤ / ٤٣ ]
وسار نحو الهياطلة، واستعان عليهم بخاقان، وكان قد صاهره فأوقع بهم، وأنزل جنوده بفرغانة، فلما انصرف من خراسان قدم عليه سيف بن ذي يزن الحميري يسننصر على الحبشة، فبعث معه إسوارًا، من عظماء أساورته في جند من الديلم، فافتتحوا اليمن، ونفوا عنها السودان، فأقاموا هناك إلى أن جاء الله بالإسلام، وكانت مدّة ملكه سبعًا وأربعين سنة وأشهرًا، وسابور بن أردشير بن بابك ابن سامان قبل أنو شروان بدهر طويل، وبعد سابور ابن أردشير بدهر سابور بن هرمز بن نرسي، وكان يلقب ذا الأكتاف، وهو الذي قصده، لأنه غزا العرب في مشاتيها حتى أوغل في بلادها، وغوّر مياهها، وكان يخلع أكتاف من ظفر به. وكسرى لقب لملوك الفرس، وقيصر لقب لملوك الرّوم، وخاقان لملوك الترك، وبغبور لملوك الهند، وتبع لملوك حمير.
وروى الكوفيون كسرى، بكسر الكاف، والبصريون بفتحها، إلاَّ أبا عمرو ابن العلاء، وجمعته العرب جمعين على غير القياس، وهما: الأكاسرة والكسور.
وقوله: وأخو الحضر إذ بناه .. الخ، الحضر: بفتح الحاء المهملة، وسكون الضّاد المعجمة، قال ابن الشجري: يحتمل أن يكون أخو الحضر معطوفًا على الأسماء المرتفعة بالابتداء، فالتقدير: وأين أخو الحضر، ويحتمل أن يكون مبتدأ، وخبره جملة "شاده" وهو العامل في إذ، ومعنى شاده: رفعه، وقصر مشيد: مرفوع، وقيل: مبني بالشيد، وهو الجصّ، ويقال لكل حجر أملس: مرمر، وأراد: شاده بمرمر، فلما حذف الباء نصبه. وقوله: جلله كاسًا، يقال: جللته الثوب وبالثوب، وطرح الباء أكثر. انتهى.
قال العسكري في كتاب "التصحيف" تروية العامة "جلله" بالجيم، وقرأته على ابن دريد: "خلّله" بالخاء المعجمة، أي: جعل الكلس في خلل الحجر،
[ ٤ / ٤٤ ]
وقال: "جلَّله" ليس بشيء انتهى. ثم قال ابن الشجري: والكلي: الصاروج، وهو الجيّار أيضًاـ وذراه: أعاليه، والحضر: مدينة بين دجلة والفرات بحيال تكريت، شاهدت بقاياها ودخلتها، وقيل: إنَّ الذي بناها الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجراو بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن الحاف بم قضاعة، وكان ملك الجزيرة، ومعه من بني العبيد بن الأجرام قبائل قضاعة ما لا يحصى، ونال ملكه الشام، وأغار على طرف من بلاد العجم على عهد سابور ذي الأكناف، وفتح مدينة من مدنهم، وقتل من الأعاجم اعدادًا، ثمَّ إن سابور جمع لهم، وسار إليهم فأقام على الحضر أربع سنين، وإن النضيرة بنت الضيزن رآها سابور وراته، فعشقها وعشقته، وكانا من أجمل أهل زمنهما، فأرسلت إليه: ما الذي تجعل لي إن دللتك على عورة المدينة؟ فقال: أجعل لك حكمك، وأرفعك على نسائي، وأخصّك بنفسي دونهنَّ، فدلته على قنوات كان يجري الماء فيها من دجلة إلى المدينة. فقطع الماء عنهم، وفتحها عنوة، وقتل الضيزن، وأباد بني العبيد، وأصيبت قبائل من حلوان بن الحاف فانقرضوا. وهدم سابور المدينة، واحتمل النضيرة بنت الضيزن، فأعرس بها في عين التمر، فلم تزل ليلتها تتضور من خشونة فراشها، وهو من حرير محشو بقزّ، فالتمس ما يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها، فقال لها سابور: ويحك! بأي شيء كان يغدوك أبوك؟ قالت: بالزبد والمخ، وشهد الأبكار من النحل، وصفوة الخمر، فقال لها: غذَّاك بهذا ثمَّ لم تصلحي له، فكيف بك أن تصلحي لي وأنا واترك؟ ! وأمر رجلًا فركب فرسًا جموحًا، وعصب غدائرها بذنبه، ثمَّ استركضه فقطعها. وقيل: إنَّ صاحب الحضر هو الساطرون ابن أسطيرون، وكان ملك السريانيّين، وكان من رستاق من رساتيق الموصل يقال له باجرمي، وشاهد هذا القول قول أبي داود الإيادي:
[ ٤ / ٤٥ ]
وأرى الموت قد تولَّى من الحضر على ربِّ أهله السَّاطرون وقيل: إنَّ ملوك الحيرة من ولده.
وقوله: لم يهبه ريب المنون، أي: حادث الدهر، وقد روي: "وتذكَّر ربُّ الخورنق" بالرفع، وبالنصب. فمن رفع فتذكر ماض سكنت راؤه للإدغام، ومن نصب أراد: فتذكر أيها المعيّر، وكان القياس: وللهدى تفكّر، لكنه جاء كقوله تعالى: ﴿وتبتَّل إليه تبتيلًا﴾ [المزمل/ ٨]، وربّ الخورنق: النعمان ابن امرئ القيس ابن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة اللخمي، والخورنق والسدير: بناءان، غزا أهل الشام مرارًاـ وأكثر المصائب في أهله، وسبى وغنم، وكان أعطي الملك والكثرة والغلبة مع فتاء السنّ، قال الجاحظ: عاش النعمان بن امرئ القيس ثمانين سنة، وبنى الخورنق في عشرين سنة، وكان لما عزم على بنائه بعث إلى بلاد الروم، فأتى برجل مشهور بعمل المصانع والحصون والقصور للملوك، يقال له: سنمَّار، وكان يبني سنتين ويغيب سنتين، يريد بذلك أن يطمئن البناء، فلما فرغ منه تعجب النعمان من حسنه وإتقان عمله، فقال له سنمار عند ذلك تقربًا إليه بالحذق وحسن المعرفة: والله إني لأعرف فيه موضع حجر أو زال لزال جميع البنيان! فقال له: أو كذلك؟ قال: نعم، قال: لا جرم، والله لأدعنه لا يعلم بمكانه أحد، ثم أمر به فرمي من أعلاه وسنمار: اسم عربي ذكره سيبويه في الأبنية، يقال: رجل سنمار: إذا كان حسن الوجه أبيضه، ويقال للقمر سنمار. وقوله: فارعوى قلبه الخ، ارعوى: رجع وكف، والغبطة: السرور وحسن الحال، وذلك أن النعمان بن امرئ القيس ضربت له فازة بأعلى
[ ٤ / ٤٦ ]
الخورنق- والفازة بالفاء والزاء المعجمة، وهي مظلّة بعمودين- في عامٍ بكر وسميّه وتتابع وليَّه، وأخذت الأرض زينتها من اختلاف ألوان نبتها، فهي في أحسن منظر من نور ربيع مونقٍ في صعيد، كأنه قطع الكافور. فلو أن نطفة ألقيت فيه لم تترب، فنظر النعمان فأبعد النظر، فرأى البر والبحر، وصيد الظباء والحمر، وصيد الطير والحيتان، والنجف إذ ذاك بحر تتلاطم أمواجه، وتتواثب حيتانه، وسمع غناء الملاّحين، وتطريب الحادين، ورأى الفرسان تتلاعب بالرّماح في الميادين، ورأى أنواع الزهر من النخيل والشجر في البساتين، وسمع أصوات الطير على اختلافها وائتلافها، فأعجب بذلك إعجابًا شديدًا، وقال لجلسائه: هل رأيتم مثل هذا المنظر والمسمع؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضي على أدب الحق ومنهاجه، فقال له: أيها الملك، قد سألت عن أمرٍ، أفتأذن في الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت الذي أنت فيه، أشيء لم تزل فيه، أم شيء صار إليك ممن كان قبلك، وهو زائل عنك، وصائر إلي من بعدك؟ فقال: بل هو شيء صار إليَّ ممن كان قبلي، وسيزول عني إلى من يكون بعدي، قال: فأراك إنما أعجبت بشيء تكون فيه قليلًا، وتغيب عنه طويلًا، وتكون بحسابه مرتهنًا؛ فقال: ويحك، فكيف المخلص؟ قال: إمّا أن تقيم في ملكك، وتعمل فيه بطاعة الله على ما ساءك وسرك، وإمَّا أن تضع تاجك، وتخلع لباسك، وتلبس أمساحًا، وتعبد الله في جبل حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا كان السحر فاقرع عليَّ الباب، فإني مختار أحد الرايين، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرًا لا تقصى، وإن اخترت السّياحة في الفاوات والقفار والجبال كنت رفيقًا لا تخالف. فقرع عليه بابه عند السحر، فإذا هو قد وضع تاجه ولباسه وتهيأ للسياحة، فلزما جبلًا يعبدان الله فيه حتى أتتهما آجالهما.
وقوله: ثم بعد الفلاح والملك الخ، الفلاح: هو البقاء، والإمّة بالكسر: النعمة، واستشهد به صاحب "الكشاف" وغيره عند قراءة الأشهب العقيلي: (وادَّكر بعد إمَّةٍ) [يوسف/ ٤٥] بالكسر. وقوله: ثمَّ أضحوا كأنهم الخ،
[ ٤ / ٤٧ ]
قال الزمخشري في "المفصّل" عند فصل أصبح وأمسى وأضحى: والثاني أن تفيد معنى الدخول في هذه الأوقات كأظهر وأعتم، وهي في هذا الوجه تامَّة يسكت على مرفوعها، وأنشد هذا البيت.
وقال ابن الشجري: روى بعض الرواة "جفُّ" برفع الفاء، أ]: يابس. فألوت به، أي: ذهبت به. وقوله: فلا وانٍ ضعيف الخ، الواني: الفاتر/ ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه/ ٤٢]. والأكب: من الانكباب، والعثور هنا: المخطئ في رأيه، والعوصاء: العسر، والميسور: اليسر، والحقيقة: ما يحق على الرجل أن يحميه، وقيل: الحقيقة: الراية.
وقوله: إن أظلم يوم، أي: ستر الغبار عين الشمس، فأظلم النهار، ويجوز أن يريد أنّ الشدة تغطي على القلوب فلا يهتدي للرأي فيه، والرواغ: الفرار، والمشيع: الشجاع، كأنه الذي يشيعه قلبه، والنحرير: الحاذق بالشيء العالم به، وهذا ما لخصته من "أمالي ابن الشجري" في المجلس الرابع عشر، والمجلس الخامس عشر.
قال ابن قتيبه في "كتاب الشعراء" عديّ بن زيد العبادي: هو عدي بن زيد ابن حمار بن أيوب، من زيد مناة بن تميم، وكان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير، وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة، وله أربع قصائد غرر، إحداهن:
أرواحٌ مودِّعٌ أم بكور البيت
وقال صاحب "الأغاني": كان عدي شاعرًا فصيحًا من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيًا، وكذلك أبوه وأهله، وليس ممن يعدّ في الفحول، هو قرويٌّ قد أخذوا عليه أشياء عيب بها، وكان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان: عدي بن زيد في الشعراء
[ ٤ / ٤٨ ]
بمنزلة سهيل في النجوم، يعرضها ولا يجري معها مجراها، وكذلك أمية بن أبي الصلت، ومثلهما من الإسلاميين الكميت والطرماح، وكان سبب نزول آل عدي الحيرة أن جدّة أيوب، وهو من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، وهو أوَّل من سمي من العرب أيوب، كان منزله اليمامة، فأصاب دمًا في قومه، فهرب إلى أوس بن قلاَّم، أحد بني الحارث بن كعب بالحيرة، وكان بينها نسب من قبل النساء، فأكرمه وابتاع له موضع دار بثلاثمائة أوقية من ذهب، وأعطاه مائتين من الإبل برعاتها، وفرسًا وقينة، واتصل بملوك الحيرة، فعرفوا حقه وحق ابنه زيد، فلم يكن منهم ملك يملَّك إلاَّ ولولد أيوب منه جوائز، ثمَّ إنَّ زيدًا نكح امرأة من آل قلاّم، فولد له حمار، فخرج زيد بن أيوب يومًا للصيد، فلقيه رجل من بني امرئ القيس الذين كان لهم الثأر، فاغتال زيدًا وهرب، ومكث حمار في أخواله حتى أيفع، وعلمته أمه الكتابة، فكان أول من كتب من بني أيوب، فخرج من أكتب الناس، حتى صار كاتب النعمان الأكبر، فلبث كاتبًا له حتى ولد له ولد سمَّاه زيدًا باسم أبيه، وكان لحمار صديق من دهاقين الفرس اسمه فرخ ماهان، فلما حضرت الوفاة حمارًا أوصى بابنه زيد إلى الدهقان وكان من المرازبة، فأخذه إليه، وكان زيد قد حذق الكتابة، وعلمه الدهقان الفارسية، وكان ليبيًا، فأشار الدهقان إلى كسرى أن يجعله على البريد، فولاه فبقى زمانًا، ثمَّ إن النعمان هلك، فاختلف أهل الحيرة فيمن يملكون إلى أن يعقد كسرى الأمر لرجل منهم، فأشار المرزبان عليهم بزيد ابن حمار، فكان على الحيرة إلى أن ملَّك كسرة المنذر بن ماء السَّماء، ونكح زيد نعمة بنت ثعبلة العدوية، فولدت له عديًا، وولد للمرزبان ابن سماه شاهان مرد، فلما أيفع عديّ أرسله المرزبان مع ابنه إلى كتَّاب الفارسية، وتعلم الكتابة والكلام بالفارسية، حتى خرج من أفهم الناس [بها] وأفصحهم بالعربية، وقال الشعر، وتعلَّم الرمي بالنشاب، وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها. ثم إنَّ المرزبان لما اجتمع بكسرى قال له: إنَّ عندي غلامًا من العرب هو أفصح الناس، وأكتبهم بالعربية والفارسية، والملك محتاج إلى مثله، فأحضر المرزبان عديّ بن زيد، وكان جميل الوجه فائق الحسن، وكانت الفرس تتبرك بالجميل الوجه، فرغب فيه،
[ ٤ / ٤٩ ]
فكان عدي أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، فرغب أهل الحيرة إلى عدي ورهبوه، فلم يزل بالمدائن في ديوان كسرى معظمًا، وأبوه زيد كان حيًا إلاَّ أن هيبته قد خملت بذكر ابنه عدي، ثمَّ لما هلك المنذر، اجتهد عدي عند كسرى حتى ملّك النعمان بن المنذر الحيرة، فاغتاظ منه النعمان، وأرسل إلى عدي بأنه مشتاق إليه يستزيره، فلما أتى إليه حبسه، وبقى في الحبس إلى أن جاءه رسول كسرى ليخرجه، خاف النعمان من خلاصه، فغمه حتى مات، وندم النعمان على قتله، وعرف أنه غلب على رأيه، ثم إنه خرج يومًا إلى الصيد، فلقي ابنًا لعدي يقال له زيد، فلما رآه عرف شبهه، فقال له: من أنت؟ قال: واعتذر إليه من أمر أبيه، ثمَّ كتب إلى كسرى يربّيه ويشفع له مكان أبيه، فلولاَّه كسرى، وكان يلي المكاتبة عنه إلى ملوك العرب، وفي خواص أمور الملك، وكان لملوك العجم صفة النساء مكتوبة عندهم، وكانوا يبعثون في تلك الأرضين تلك الصفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك، غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب، فلمَّا كتب كسرى في طلب تلك الصفة، قال له زيد بن عدي: أنا عارف بآل المنذر، وعند عبدك النعمان بين بناته وأخواته وبنات عنه أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة، فابعثني مع ثقة من رجالك يفهم العربية حتى أبلغ ما تحبه، فبعث معه رجلًا فطنًا، وخرج به زيد، فجعل يكرم الرّجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة، فلما دخل على النعمان قال له: إن كسرى قد احتاج إلى نساء لنفسه ولولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك، فقال النعمان لزيد: أما في مها السواد وعين فارس، ما يبلغ به كسرى حاجته؟ ! فقال الرسول لزيد بالفارسية: ما آلمها؟ فقال له بالفارسية: كاوان، أي: البقر، فأمسك الرسول، وقال للنعمان: إنما أراد الملك أن يكرمك، ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب به إليك، فأنزلهما عنده يومين، ثمَّ كتب إلى كسرى: إنَّ الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عنده، فلما رجعا إلى كسرى قال زيد للرسول: اصدق الملك ليس عنده، فلما رجعا إلى كسرى قال زيد للرسول: اصدق الملك عمّا سمعت، فإني سأحدثه بمثل حديثك ولا أخالفك
[ ٤ / ٥٠ ]
فيه، فلما دخلا كسرى قال زيد: هذا كتابه، فقرأه عليه، فقال له كسرى: وأين الذي كنت خبرتني به؟ ! قال: قد كنت خبرتك ببخلهم بنسائهم على غيرهم، وإنَّ ذلك من شقائهم، واختيارهم الجوع والعري على الشبع والريَّاش، وإيثارهم السموم على طيب أرضك هذه، حتى إنهم ليسمونها السِّجن، فأسال هذا الرسول الذي كان معي عما قال، فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال! قال للرسول: وما قال النعمان؟ فقال له الرسول: إنه قال: أما كان في بقر سواد فارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟ فعرف الغضب في وجهه، وسكت كسرى أشهرًا، وسمع النعمان غضبه، ثم كتب إليه كسرى أن أقبل فإنَّ لي حاجة بك، فخافه النعمان، فحمل سلاحه وما قدر عليه، ولجأ إلى قبائل العرب، فلم يجره أحد، وقالوا: لا طاقة لنا بكسرى، حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرًّا، فلقي هانئ بن قبيصة فأجاره، وقال له: لزمني ذمامك، وإني مانعك مما أمنع نفسي وأهلي، وإن ذلك مهلكي ومهلكك، وعندي رأي، لست أشير به لأدفعك عما تريده من مجاورتي، لكنه الصواب، فقال: هاته، فقال: إنّ كل أمرٍ يجمل بالرجل أن يكون عليه، إلا أن يكون بعد الملك سوقة، والموت نازل بكل أحد، ولأن تموت كريمًا خير من أن تتجرع الذل، وتبقى سوقة بعد الملك، امض إلى صاحبك واحمل إليه هدايا ومالًا، وألق نفسك بين يديه، فإما أن يصفح عنك فعدت ملكًا عزيزًا، وإما أنّ أصابك فالموت خير من أن تتلعب بك صعاليك العرب، ويتخطفك ذئابها! قال: فكيف بحرمي وأهلي؟ قال: هنَّ في ذمتي لا يخلص إليهنَّ حتى يخلص إلى بناتي، فقال: هذا وأبيك الرأي! ثمَّ اختار خيلًا وحللًا من عصب اليمن، وجواهر وطرفًا كانت عنده، ووجه بها إلى كسرى، وكتب يعتذر إليه، ويعلمه أنه صائر إليه، فقبلها كسرى، وأمره بالقدوم، فعاد إليه الرسول، وأخبره بذلك وأنه لم ير له عند كسرى سوءًا. فمضى إليه، حتى إذا وصل إلى ساباط لقيه زيد بن عدي، فقال له أنج نعيم إن استطعت النجاء، فقال له النعمان: أفعلتها يا زيد؟ ! أما والله لئن عشت لأقتلنك قتلة لم يقتلها عربي قط، فقال له زيد: قد والله أخيَّت لك
[ ٤ / ٥١ ]
آخيَّه، لا يقطعها المهر الأرن. فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيّده وسجنه، فلم يزل في السجن حتى هلك. وقيل: ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات، وذلك قبل الإسلام بمدة، وغضبت له العرب، فكان سبب قتله وقعة ذي قار. إلى هنا كلام "الأغاني" باختصار. والمهر الأرن: النشيط، بفتح الهمزة وكسر الراء المهملة بعدها نون، وصف من أرن، من باب فرح: إذا نشط، والوصف أرن كما تقدم، وأرون كصبور.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد المائتين:
(٢٧٢) وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وصدره:
لا تجزعي إن منفسًا أهلكته
على أن الفاء زائدة ولم يعيّنها، قال أبو علي في "المسائل القصرية": الفاء الأولى زائدة، والثانية فاء الجزاء، ثم قال: اجعل الزائدة، أيتهما شئت. وعين البيضاوي في "تفسيره" الفاء الأولى فإنه أورد البيت نظيرًا لقوله تعالى: ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ [يونس/ ٥٨] فقال: الفاء في بذلك زائدة، مثلها الفاء الداخلة على عند في البيت، وتقديم "عند" للتخفيف كتقديم "ذلك"، وسيبويه لا يثبت زيادة الفاء، وحكم بزيادتها هنا للضرورة، ومن تبعه وجّه زيادة ما أوهم الزيادة، فوجهها "اللباب" بأنها إنما كررت لبعد العهد بالفاء الأولى، كما كرر القائل إنَّ في قوله:
[ ٤ / ٥٢ ]
لقد علم الحيُّ اليمانون أننَّي إذا قلت أمَّا بعد أني خطيبها
أعيد "أني" لبعد العهد بأنني. وقوله: إن منفسًا، كذا رواه سيبويه بنصب منفس على أنه منصوب بفعل مضمر تقديره: إن أهلكت منفسًا، فأهلكته المذكور مفسّر للمحذوف، وهذه الجملة من باب الاشتغال لا تدخل في الجملة التفسيرية التي لا يحل لها من الإعراب، قال أو علي في "البغداديات": الفعل المحذوف والفعل المذكور في قوله: "لا تجزعي إن منفسًا أهلكته" مجزومان في التقدير، وإن انجزام الثاني ليس على البدلية، إذ لم يثبت حذف المبدل منه، بل على تكرير "إن" أي: إن أهلكت منفسًا إن أهلكته، وساغ إضمار "إن" وإن لم يجز إضمار لام الأمر إلاَّ ضرورة، لاتساعهم فيها بدليل إيلائهم إياها الاسم، ولأن تقدمها مقوّ للدلالة عليها. انتهى. ورواه الكوفيون "إن منفس" بالرفع، وأضمروا فعلًا رافعًا له، أي: إن هلك منفسٌ، أو أهلك. وقوله: وإذا هلكت، الواو عطفت هذه الجملة الشرطية على الشرطية التي قبلها، ولم أر من روى بالفاء بدل الواو إلاَّ العيني، وقال: الفاء عاطفة، ولا يخفي أن المعنى لا يقتضي الفاء، والجزع، قيل: الحزن، وقيل: الفزع، والفزع أخص من الخوف، وهو انقباض يعتري الإنسان، ونفار من كل شيء مخيف، وهو من جنس الجزع. والمنفس: اسم فاعل، قال في "القاموس": وشيء نفيس ومنفوس ومنفس بالضم: يتنافس فيه ويرغب، يقول: لا تجزعي من إنفاقي النفائس ما دمت حيًّا، فإني أحصّل أمثالها وأخلفها عليك، ولكن اجزعي إن مت، فإنك لا تجدين خلفًا مني.
والبيت من قصيدة النمر بن تولب الصحابي، وقد أوردناها وشرحناها في الشاهد السادس والأربعين من شواهد الرضي، وتقدمت ترجمة النمر بن تولب في الإنشاد الواحد والثمانين.
[ ٤ / ٥٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد المائتين:
(٢٧٣) لمَّا اتَّقى بيدٍ عظيمٍ جرمها فتركت ضاحي جلدها يتذبذب
على أنَّ الفاء زائدة، لأنَّ جواب لما لا يقارنها الفاء. كذا أنشده أبو حيان في "شرح التسهيل" ويمكن تقدير الجواب قياسًا على الآية بعده، أي: ضربتها فتركت، فتكون الفاء عاطفة لجملة "تركت" على جملة الجواب المحذوف، قال الدماميني، والضاحي: البارز الظاهر، وضمير المؤنث في الموضعين لليد، لأنها من المؤنث السماعي. ورواه ابن جني: "ضاحي كفّه" والضمير المذكور يرجع لما يرجع إليه ضمير اتقى.
قال ابن جني في "سر الصناعة": ومن زيادة الفاء أيضًا قوله جل اسمه: ﴿لا تحسبنَّ الَّذين يفرحون بما أتوا ويحبُّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنَّهم بمفازةٍ من العذاب﴾ [آل عمران/ ١٨٨]: الفاء زائدة، وتحسب الثانية بدل من تحسب الأولى، إلى هذا ذهب أبو الحسن، وهو قياس مذهبه في كثرة زيادة الفاء، وقال أبو حاتم: أخبرنا به علي بن محمّد يرفعه بإسناده إلى قطرب:
وحتى تركت العائدات يعدنه يقلن فلا تبعد وقلت له ابعد
وبهذا الإسناد أيضًا:
لمَّا اتَّقى بيدٍ عظيمٍ جرمها فتركت ضاحي كفَّه يتذبذب
فالفاء في هذين البيتين زائدة. انتهى. والجرم بضم الجيم: الذنب، كذا رأيته مضبوطًا في "سرّ الصناعة" في نسخة صحيحة الضبط، وضبطه ابن وحيي تبعًا لابن الملا بكسر الجيم، وقالا: هو الجسد، ويتذبذب بذالين معجمتين وموحدتين، أي: يتحرك يذهب ويجيءن ولا يثبت في موضع واحد.
[ ٤ / ٥٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد المائتين:
(٢٧٤) ألم تسأل الرَّبع القواء فينطق
وتمامه:
وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
على أنَّ الفاء للاستئناف، أي: فهو ينطق، وقول المصنف: ولو كانت للسببية لنصب، غير جيد، فإنَّ السببيَّة مجوزة للنصب لا موجبة، كما حققه الرضيّ وغيره، فإن قلت: ما وجه تقدير المبتدأ عند وقوع الجملة المضارعية مستأنفة؟ قلت: قال الدماميني في "شرح التسهيل": النحويون يقدرون في الاستئناف مبتدأ، وذلك إمّا لقصد إيضاح الاستئناف، وإمّا لأنَّه لا يستأنف إلاَّ على هذا التقدير، وإلاَّ لزم العطف الذي هو مقتضى الظَّاهر. انتهى. ومنهم صاحب "الكشاف" قال عند قوله تعالى: ﴿وهو الله في السَّموات والأرض يعلم سرَّكم وجهركم﴾ [الأنعام/ ٣] يعلم: جملة مستأنفة، أي: هو يعلم سرّكم، وقال عند قوله تعالى: ﴿والرَّاسخون في العلم يقولون آمنَّا به﴾ [آل عمران/ ٧] أي: يقولون. واعترض عليه في الأول السعد، قال: جرت عادته في مثل هذا بتقدير المبتدأ، ولا يظهر له وجه يعتد به، وعلى الثاني صاحب "التلويح" قال: هكذا قدره في "الكشاف" و"المفصل" وفي جميع ما هو من هذا القبيل، وفيه نظر، لأنَّ الجملة الفعلية صالحة للابتداء من غير احتياج إلى تقدير مبتدأ. انتهى. قال شيخنا الخفاجي: وما قاله النحاة المفسرون حتى حقيق بالقبول، لأنه لو لم يقدر "هو" قبل "يعلم" وابتدئ به؛ لم يقع موقعه، إذ لم يفد فائدة يحسن السكوت
[ ٤ / ٥٥ ]
عليها، إذ لم يذكر العالم والمعلوم، وهو عائد على الله قبله، ونظيره النعت المقطوع إذا رفع، فإنه لابدَّ من التقدير قبله، لأنه لو لم يقدر كان مفردًا غير مفيد. وبهذا علم أنَّ الاعتراض غير وارد، بل هو من الغفول عما قصده هؤلاء الفحول، الاستئناف، وكان خبرًا ثانيًا، وكيف يتردد فيه بعد اتفاق النحاة عليه. إلاَّ أنهم لم يبيِّنوا أن هذا الحذف واجب أم لا، وهذا من فرائد الفوائد التي تعلق في لبات الأماجد. انتهى. أقول: حذفه من قبيل الواجب قطعًا.
والبيت مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري، والربع: الدار حيثما كانت، والقواء بالفتح والمد: الخالية من الأنيس الفقر، ومعنى نطق الربع: ما يتبين من آثاره، والعرب تسمي كل دليل نطقًا وقولًا وكلامًا، قال الله تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحقِّ﴾ [الجاثية/ ٢٩] ومنه قول زهير:
أمين أمِّ أوفى دمنةٌ لم تكلمَّ
أي: لم يكن بها أثر يستبان لقدم عهدها بالنزول فيها، ونحو قال الرّضي. قال سيبويه: المعنى فهو مما ينطق على كل حال، وذلك بناء على توهمات الشعراء وتخيلاتهم، ثم رجع وقال: وهل تخبرنك اليوم الخ، ومثله ما أنشده الأصبهاني في "الأغاني" لمحمّد بن عبد الله مسلم من مخضرمي الدولتين يمدح المهدي:
سلاد دار ليلى هل تبين فتنطق وأنَّى تردُّ القول بيداء سملق
وأنَّ تردُّ القول دارٌ كأنَّها لطول بلاها والتَّقادم مهرق
والبيداء: القفر الذي يبيد من سلكه، أي: يهلكه، والسَّملق: الأرض
[ ٤ / ٥٦ ]
التي لا تنبت شيئًا، وقيل: السهلة المستوية، والسؤال عنها هنا سؤال استفهام، أي: ألم تسأل الربع عن أهله. وقد أوردنا أكثر من هذا في الشاهد الثالث والستين بعد الستمائة من "شواهد الرضي" وتقدمت ترجمة جميل في الإنشاد الثالث والثلاثين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد المائتين:
الشِّعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمه إذا ارتقى فيه الَّذي لا يعلمه
زلَّت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجمه
على أنَّ الفاء للاستئناف. قال سيبويه: أي: فإذا هو يعجمه. وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع "فيعجمه" لأنَّ المعنى: فإذا هو يعجمه، ولا يجوز نصبه [على أن] لفساد المعنى، لأنه لا يريد إعجامه. ومذهب الفراء في هذه المسألة مثل مذهب البصريين، قال في تفسير سورة إبراهيم [الآية/ ٤] قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه ليبيِّن لهم﴾ يقول: ليفهمهم وتلزمهم الحجة، ثمَّ قال: ﴿فيضلُّ الله من يشاء﴾ فرفع، لأنَّ النيَّة فيه الاستئناف لا العطف على ما قبله. ومثله: ﴿لنبيِّن لكم ونقرُّ في الأرحام ما نشاء﴾ [الحج/ ٥] ومثله في براءة: [الآية/ ١٤] ﴿قاتلوهم يعذِّبهم الله بأيديكم﴾ ثمَّ قال بعد: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ فإذا رأيت الفعل منصوبًا، وبعده فعل قد نسِّق عليه بواو أو "فاء" أو "ثم" أو "أو"، فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله نستقه عليه، وإن رأيته غير مشاكل معناه استأنفته فرفعته، فمن المنقطع ما أخبرتك به، ومثله قوله تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الَّذين يتَّبعون
[ ٤ / ٥٧ ]
الشَّهوات﴾ [النساء/ ٢٧] رفعت (ويريد) لأنها لا تشاكل (أن يتوب عليكم) ألا ترى أنَّ ضمّك إياهما لا يجوز، فاستأنفت،، أو رددته على قوله ﴿والله يريد﴾ ومثله قوله: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاَّ أن يتمَّ نوره﴾ [التوبة/ ٣٢] فيأبى في موضع رفع لا يجوز إلاَّ ذلك، ومثله قول الحطيئة:
والشِّعر لا يسطيعه من يظلمه يريد أن يعربه فيعجمه
وكذلك تقول، آتيك إن تأتني وأكرمك، فترد "أكرمك" على الفعل الأول، لأنه مشاكل له، وتقول: آتيك أن تأتيني وتحسن إليَّ، فتجعل "فتحسن" مردودة على ما شاكلها، ويقاس على هذا. انتهى كلامه. ونقل الجوهري عنه خلاف هذا، فإنه قال: وأعجمت الكتاب: خلاف قولك: أعربته، قال رؤبة:
والشِّعر لا يسطيعه من يظلمه يريد أن يعربه فيعجمه
أي: يأتي به أعجميًا، يعني يلحن فيه. قال القراء: رفعه على المخالفة، لأنه يريد أن يعربه ولا يريد أن يعجمه. وقال الأخفش: لوقوعه موقع المرفوع، لأنه أراد أن يقول: يريد أن يعربه فيقع موقع الإعجام، قلمَّا وضع قوله: "فيعجمه" موضع قوله: "فيقع" رفعه. انتهى. ولعله نقله من غير "تفسيره" كذا نسبه سيبويه إلى رؤبة، وأقرّ به ابن بري في "أماليه" على "الصحاح" قال: والرجز الذي أنشده لرؤبة قبله:
الشِّعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمه إذا ارتقى فيه الَّذي لا يعلمه
زلَّت به إلى الحضيض قدمه
انتهى. وقال الأزهري في "التهذيب" قال الليث: الحضيض: قرار الأرض
[ ٤ / ٥٨ ]
عند سفح الجبل، أبو عبيد عن الأصمعي: الحضيض: القرار من الأرض بعد منقطع الجبل، وأنشد بعضهم:
الشِّعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمه إذا ارتقى فيه الَّذي لا يعلم
زلَّت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجمه
والشِّعر لا يسطيعه من يظلمه
انتهى. وقد رجعت إلى ديوان رؤبة فلم أجد شيئًا ممَّا مرّ في أرجوزته التي أوَّلها:
قلت لزيرٍ لم تصله مريمه
وهي طويلة جدًا، وإنما هو للحطيئة، قال جامع "ديوانه" أبو سعيد السكري من رواية محمد بن حبيب: قل للحطيئة حين حضرته الوفاة: أوص، فقال: أبلغوا أهل الشماخ أنه أشعر العرب، قيل: اتق الله، فإنَّ هذا الأمر لا يرد عليك فأوص! قال: المال للذكور من ولدي دون الإناث، قيل: اتق الله أوص، فقال:
قد كنت أحيانًا شديد المعتمد قد كنت أحيانًا على الخصم الألد
قد وردت نفسي وما كانت ترد
قالوا: لتِّق الله وأوص، قال: أوصيكم بالشِّعر
الشِّعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمه إذا ارتقى فيه الَّذي لا يعلم
زلَّت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجمه
والشِّعر لا يسطيعه من يظلمه ولم يزل من حيث يأتي يحرمه
من يسم الأعداء يبق مسيمه
وقال: لا تراهن على الصعبة، ولا تنشد القريض، وقيل له: أوص للمساكين،
[ ٤ / ٥٩ ]
فقال: قد أوصيت لهم بالمسألة، قالوا: أعتق غلامك يسارًا، قال: هو عبد ما بقي من عبس على الأرض رجل. انتهى. وقد أورد صاحب "الأغاني" قصة هذه الوصية بأبسط ممّا مرَّ، نقلناها في الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة.
قال الدماميني: معناه أنَّ من لا يعرف أساليب الكلام، ولا يستطيع توفية كلّ مقام حقّه من العبارة، إذا تعاطى الشعر يريد أن يأتي به عربيًا فصيحًا، فيزل بسبب جهله بمقتضيات الأحوال فيعجمه، أي: ياتي به عجميًا لا رونق له ولا فصاحة. انتهى.
وقوله: والشعر لا يسطيعه من يظلمه، يقول: من ليس من رجال الشعر، إذا تعاطى نظمه ظلمه، ولم يستطع أن يأتي به كما ينبغي.
والحطيئة: اسم جرول بن أوس بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة ابن عبس، وكنيته: أبو مليكة. واختلف في تلقيبه بالحطيئة- بضم الحاء المهملة وفتح الطّاء وسكون المثناة التحتية بعدها همزة- فقيل: لقِّب بذلك لقصره وقربه من الأرض، قال الجوهري: والحطيئة: الرجل القصير، وقال الثعلب: وسمي الحطيئة لدمامنه، وقيل: لأنه ضرط بين قوم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: حطأة. يقال: حطأ: إذا ضرطّ، وقيل: لأنه كان محطوء الرجل، والرِّجل المحطوءة: التي لا أخمص لها.
وهو أحد فحول الشعراء، متصرف في فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر والنسيب، وكان سفيهًا شريرًا ينتسب إلى القبائل، وكان إذا غضب على قبيلته انتمى إلى أخرى. قال ابن الكلبي: كان الحطيئة مغموز النسب، وكان من أولاد الزنا الذين شرفوا، قال: وكان أوس بن مالك العبسي تزوج بنت رياح بن عوف الشيبانية، وكانت لها أمة يقال لها الضرّاء، فأعلقها أوس، وكانت لبنت رياح أخ يقال له الأفقم، فلما ولدت الضرّاء جاءت به شبيهًا بالأفقم، فقالت مولاتها: من أين لك هذا الصبي؟ قالت: من أخيك، وهابت أن تقول: من زوجك. ثم مات الأفقم وترة ابنين من حرَّة، وتزوج الضرّاء رجل من عبس، فولدت له ابنين، فكان أخوي الحطيئة من
[ ٤ / ٦٠ ]
أمّه، وأعتقت بنت رياح الحطيئة وربَّته، فكان كأنه أحدهم، ثم اعترفت أمّه بأنه من أوس. وترك الأفقم نخيلًا باليمامة فأتى الحطيئة أخويه من أوس، فقال لهم: أفردوا [إليَّ] من مالكم قطعة، فقالا: لا، ولكن أقم معنا [فنحن] نواسيك، فهجاهما وسأل أمّه من أبوه، فخلَّطت عليه، فغضب عليها، وهجاها ولحق بإخواته من بني الأفقم، ونزل عليهم في القريَّة ومدحهم، وسألهم عن ميراثه من الأفقم، فأعطوه نخيلات فلم تقنعه، فسألهم ميراثه كاملًا، فلم يعطوه شيئًا، فغضب عليهم وهجاهم، ثمَّ عاد إلى بني عبس وانتسب إلى أوس بن مالك. وقال ابن قتيبه: وكان الحطيئة راوية زهير، وكان جاهليًا إسلاميًا، ولا أراه أسلم إلاَّ بعد وفاة رسول الله ﷺ، لأني لم أجد له ذكرًا فيمن وفد عليه من وفود العرب، غير أني وجدته في خلافة أبي بكر يقول:
أطعنا رسول الله إذ كان حاضرًا فيالهفي ما بال دين أبي بكر
أيورثها بكرًا إذا مات بعده فتلك وبيت الله قاصمة الظَّهر
وقال ابن حجر في "الإصابة": كان أسلم في عهد النبيّ ﷺ، ثمَّ ارتدَّ ثمَّ أسر وعاد إلى الإسلام. وروى الأصمعي عن عمه قال: كان الحطيئة جشعًا سؤولًا ملحفًا دنيء النّفس، كثير الشر بخيلًا، قبيح المنظر، رث الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدّين. وقال أبو عبيدة: النمس الحطيئة ذات يوم إنسانًا يهجوه فلم يجده، وضاق ذلك عليه، فجعل يقول:
أبت شفتاي اليوم إلاَّ تكلُّما بسوءٍ فما أدري لمن أنا قائله
وجعل يهدر هذا البيت في أشداقه، ولا يرى إنسانًا، إذ طلع في حوض، فرأى وجهه فقال:
أرى لي وجهًا شوَّه الله وجهه فقبَّح من وجهٍ وقبِّح حامله
قال ابن حجر: وعاش الحطيئة إلى زمن معاوية.
[ ٤ / ٦١ ]
"في"
أنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد المائتين:
(٢٧٦) هم صلبوا العبدي في رأس نخلة
تمامه:
فلا عطست شيبان إلاَّ بأجدعا
على أنَّ "في" هنا بمعنى "على". قال أبو حيان في "شرح التسهيل": هذا مذهب الكوفيين، وتبعهم القتبي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ولأصلِّبنَّكم في جذوع النَّخل﴾ [طه/ ٧١] وبقول امرأة من العرب: هم صلبوا العبديَّ .. البيت، وبقول عنترة:
بطلٌ كأنَّ ثيابه في سرحةٍ البيت
زوما حكى يونس عن العرب من أنها تقول: نزلت في أبيك، يريدون: على أبيك. وقال القتبي: تقول: لا يدخل الخاتم في إصبعي أي: على إصبعي. قال بعض أصحابنا: ولو كانت "في" بمعنى "على" لجاز أن تقول: في زيد دينٌ: أي: عليه دين، فأمّا الآية والأبيات، فإنَّ جذع النخلة بمنزلة المكان والمحل للمصلوب، لاستقراره عليه وتمكنه في ذلك، وكذا السرحة كالمحل لثيابه لاستقرارها فيها، فصلح لذلك دخولها عليه، كما تدخل على الأمكنة. وأما ما حكاه يونس فعلى حذف مضاف، والتقدير: نزلت في كنف أبيك، ففي للوعاء، ولم تخرج عن بابها، وأمّا: أدخلت الخاتم في إصبعي، فقال بعض شيوخنا: إذا دخل على الإصبع، فهو فيه بلا شك. انتهى. وأقول: قد تبع الكوفيين جماعة من البصريين منهم المبرد، قال في "الكامل": وحروف الخفض تبدل بعضها من بعض إذا وقع الحرفان في معنىً في بعض المواضع، قال تعالى: ﴿ولأصلِّبنَّكم في جذوع النَّخل﴾ [طه/ ٧١] أي: على، ولكن الجذوع إذا أحاطت دخلت "في" لأنها للوعاء،
[ ٤ / ٦٢ ]
يقال: فلان في النخل، أي: قد أحاط به، قال الشاعر:
وهم صلبوا العبديَّ في جزع نخلةٍ البيت
وقال تعالى: ﴿أم لهم سلَّمٌ يستمعون فيه﴾ [الطور/ ٣٨]، أي: عليه، وقال تعالى: ﴿له معقبِّاتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد/ ١١]، أي: بأمر الله، وقال العامري:
إذا رضيت عليَّ بنو قشيرٍ
يعني عنيّ، وهذا كثير جدًا. انتهى.
وممَّن تبعهم من البغداديين ابن الشجري قال في "أماليه" ومنها يستمد المصنف: "فصل في دخول حوف الخفض بعضها مكان بعض" فمن ذلك دخول "في" مكان "على" في قوله تعالى: ﴿ولأصِّبنَّكم﴾ الآية، وقال سويد ابن أبي كاهل: هم صلبوا العبديَّ البيت. دعا على شيبان، ومعنى بأجدع، أي: بأنف مقطوع، ثمَّ أورد جملة من حروف الجرّ ناب بعضها عن بعض، واستدلَّ لها بآيات وأبيات. وأراد أبو حيَّان بالقتبي ابن قتيبة، وقوله ذلك في "أدب الكاتب"، ولم يعرف شارحه ابن السيد قائل البيت، قال: هذا البيت لا أعلم قائله، والأجدع: المقطوع الأنف، والتقدير: فلا عطست شيبان إلاَّ بأنف أجدع، دعا عليهم بجدع الأنوف لصلبهم العبدي. انتهى. وقال شارحه الجواليقي: العبدي منسوب إلى عبد القيس، وروي هذا البيت عن ابن دريد:
ونحن صلبنا الرَّأس في جذع نخلة
[ ٤ / ٦٣ ]
قال: وهو لامرأة من العرب دعت عليهم بجدع الأنوف. أقول: وكذا نسبه ابن جني في "الخصائص" إلى امرأة من العرب، وأنشده في باب "استعمال الحروف بعضها مكان بعض" سلك طريقة ثالثة غير طريق البصريين والكوفيين وهي التضمين، قال: إذا كان الفعل بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف، والآخر بآخر، فإنَّ العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأنَّ هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، ثمَّ أوَّل جميع ما وقع النيابة من حروف الخفض بالتضمين. وأورد البيت صاحب "الصحاح" في مادة (عبد) وقال: العبدي منسوب إلى عبد القيس، وهي قبيلة، وقال ابن بري في "أماليه" عليه: هذا البيت لسويد بن أبي كاهل، وكذا نسبه إليه في شرح "أدب الكاتب" أيضًا، وكذا نسبه إلى محمّد بن المبارك بن محمّد بن ميمون في كتاب "منتهى الطلب من أشعار العرب" في ضمن قصيدة أوَّلها:
تمنيَّت ليلى أن تريغ بك النَّوى وتمنع ليلى منك عذبًا ممنَّعا
ألا إنَّ ليلى لا يرام حديثها كبيض الأنوق لا ترى فيه مطمعا
وتريغه: من أراغه، أي: طلبه، بالغين بالمعجمة، وبيض: واحدها بيضة، والأنوق: بفتح الألف وضم النون: الرخمة، وفي مثل: "أعزُّ من بيض الأنوق" لأنها تحجزه فلا يكاد يظفر به، لأنَّ أوكارها في رؤوس الجبال وفي المواضع الصعبة البعيدة، والأنوق واحد وجمع، وقال معاوية لرجل أراده على حاجة لا يسأل مثلها، وهو يفتل له في الذروة والغارب، أي: يخدعه بكلام لين: أنا أجل من الحرش، يريد الخديعة، ثمَّ سأله أخرى أصعب منها، فأنشأ يقول:
طلب الأبلق العقوق فلمَّا لم ينله أراد بيض الانوق
[ ٤ / ٦٤ ]
قال أبو العبّاس المبرد: هذا مثلٌ يضرب للذي يسأل الهيّن فلا يعطي، فيسأل ما هو أصعب منه. والأبلق: الذكر، والعقوق: الحامل، وفي المثل: "طلب الأبلق العقوق" إذا طلب ما لا يمكن، كذا في "العباب" للصاغاني، وسويد بن أبي كاهل: مصغر أسود، واسمه غطيف- بالتصغير- ابن حارثة، وينتهي نسبه إلى أبي بكر بن وائل، ويكني أبا سعد، وفي ذلك يقول:
أنا أبو سعدٍ إذا اللَّيل دجا
وهو شاعر مقدم مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، عدَّه ابن سلاَّم الجمحي في الطبقة السادسة، وقرنه بعنترة العبسي، وعاش في الجاهلية دهرًا، وعمّر في الإسلام ستين سنة بعد الهجرة إلى زمن الحجاج كذا في "الإصابة" لابن حجر، وهو من المعمّرين، ولم يذكره أبو حاتم في كتاب "المعمّرين وقد ترجمناه بأكثر من هذا في الشاهد التاسع والثلاثين بعد الأريعمائة من شواهد الرّضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد المائتين:
(٢٧٧) بطل كأنَّ ثيابه في سرحةٍ يحذي نعال السِّبت ليس بتوأم
لما تقدَّم قبله، والبيت من معلقة عنترة العبسي، وقبله:
ومشكِّ سابغة هتكت فروجها بالسِّيف عن حامي الحقيقة معلم
ربذٍ يداه بالقداح إذا شتا هتَّاك غايات التِّجار ملوَّم
[ ٤ / ٦٥ ]
بطلٍ كأنَّ ثيابه في سرحةٍ يحذي نعال السِّبت ليس بتوأم
فطعنته بالرُّمح ثمَّ علوته بمهنَّدٍ صافي الحديدة مخذم
لمّا رآني قد نزلت أريده أبدى نواجذه لغير تبسُّم
عهدي به مدَّ النَّهار كأنَّما خضب البنان ورأسه بالعظلم
قوله: ومشك سابغة، بكسر الميم وفتح الشين المعجمة، قال الأعلم في "شرح الأشعار الستة": أراد: ربّ مشك درع سابغة، والمشك: التي شك بعضها في بعضٍ، والمشك: مسامير الدروع. والسابغة: الكاملة. وقال الخطيب التبريزي: مشك الدرع: حيث يجمع جيبها بسيرٍ، وكانت العرب تجعل سيرًا في جيب الدّرع يجمع جيبها، فإذا أراد أحد الفرار، جذب السَّير فقطعه، واتسع الجيب فألقاها عنه وهو يركض. وقيل الدرع التي شكَّ بعضها إلى بعض، وقيل: المشك: المسامير التي تكون في حلق الدِّرع، ومن جعل المشك الدرع يكون من إضافة الصفة إلى الموصوف، وتأويله عند البصريين: ومشك حديدة سابغة. وهتكت: جواب ربَّ، وكذلك على قول من جعله بمعنى السير والمسامير، لأنهما من الدرع فصير الإخبار عن الدرع، وهتكت فروجها، أي: شققتها وخرقتها، وفروجها: جيبها وكمّاها، واحدها فروج. وحامي الحقيقة، أي: يحمي ما يحق عليه أن يحميه، والمعلم: اسم فاعل من اعلم نفسه بعلامة، وهو الذي شهر نفسه بعلامة إدلالًا بشجاعته وإعلامًا بمكانه، وقال أبو جعفر: هو اسم مفعول، وكذلك "المسوّم" يقالان بالفتح، والسَّومة بالضمّ: العلامة، وقال الزوزني: المعلم بكسر اللاَّم: الذي أعلم نفسه بعلامة يعرف بها في الحرب، حتى تبرز له الأبطال، والمعلم بفتح اللاَّم، أي: الذي يشار إليه ويدل عليه بأنه فارس الكتبية، يقول: ربّ موضع انتظام درع واسعة شققت أوساطه بالسيف عن رجل حامٍ لما يجب عليه حفظه، شاهرٍ نفسه في حومة الحرب، يريد أنه هتك مثل هذه الدرع على مثل هذا الشجاع، فما الظّنّ بغيره!
[ ٤ / ٦٦ ]
وقوله: ربذٍ يداه بالجرّ: صفة لحامي الحقيقة، وكذا: هتّاك، والربذ، بفتح الرّاء المهملة وكسر الموحدة: السريع، قال أبو جعفر والخطيب: لم يقل ربذة يداه، لأنَّ اليد مؤنثة، ووجهه أنَّ قوله "يداه" بدل من الضمير المستتر في ربذ العائد إلى حامي الحقيقة، كما تقول: ضربت زيدًا يده، ومذهب الفراء في هذا أنه يجوز أن يذكر المؤنث في الشعر إذا لم يكن فيه علامة التأنيث. والقداح: سهام الميسر، جمع قدح، بكسر القاف فيهما، أي: هو حاذق بالقمار والميسر، خفيف اليد بضرب القداح، وهذا كان مدحًا عند العرب في الجاهلية، وقوله: إذا شتا، يريد: إذا اشتدَّ الزمان، وكان أشد الزمان عندهم زمان الشتاء، وكان لاييسر فيه إلاَّ أهل الجود والكرم. وقوله: هتَّاك غايات التجار، جمع تجرٍ، وتجر جمع تاجر، كما جمع صاحب على صحب، وصحب جمع على صحاب، وأراد بهم تجار الخمر، والغايات: علامات تكون للخمارين، ويقال: هو يهتك رايات تجار الخمر، لأنه لا يترك شيئًا من الخمر إلاَّ اشتراه، وإذا فني ما عندهم رفعوا علاماتهم، وقيل: المعنى انه يعطيهم ما يطلبون في السوم بها، والملوّم: الذي يكثر اللوم عليه في تبذير ماله.
وقوله: بطل كأنَّ ثيابه الخ، بطل بالجرّ: صفة الحامي الحقيقة، ويجوز رفعه على تقدير: هو بطل، والبطل: الشجاع الذي تبطل عنده شجاعة غيره، والسرحة، بفتح السّين: واحدة السّرح، وهو الشجر العظيم العالي، يريد أنه طويل القامة كامل الجسم، فكأنَّ ثيابه على شجرة عالية، والعرب تمدح بالطول وتذم بالقصر، قال أثال بن عبدة بن الطويل.
[ ٤ / ٦٧ ]
ولمّا التقى الصَّفَّان واختلف القنا نهالًا وأسباب المنايا نهالها
تبيَّن لي أنَّ القماءة ذلَّةٌ وأنَّ أعزَّاء الرِّجال طوالها
وقال بعض بني العنبر:
فجاءت به عبل العظام كأنمَّا عمامته بين الرِّجال لواء
أشمُّ طويل السَّاعدين كأنَّما تناط إلى جذعٍ طويلٍ حمائله
وقوله: يحذي نعال السِّبت، يحذي: بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير البطل، ونعال: مفعول ثانٍ له، أي: تجعل له النِّعال السِّبتية حذاء، بالكسر والمدّ، في "الصحاح": الحذاء: النَّعل، واحتذى: انتعل، وأحذيته نعلًا: إذا أعطيته نعلًا، والسِّبت بالكسر: الجلد المدبوغ بالقرظ ولم يتجرد من شعره، وقال أبو زيد: نعل سبتٌ، وهب من جلود البقر خاصة، وقال: السِّبت من جلود البقر خاصة مدبوغة، ولا يقال لغير جلود البقر سبت، يريد أنه من الملوك الَّذين يحتذون النَّعال السِّبتية الرقيقة الطيّبة الريح، وهم يمتدَّحون بجودة النِّعال، كما يمتدَّحون بجودة الملابس، قال النابغة:
رقاق النِّعال طيِّب حجزاتهم يحيَّون بالريَّحان يوم السَّباسب
أراد أنهم ملوك لا يخصفون نعالهم، إنما يخصفها من يمشي، وأراد برقة النِّعال أنها ليست بمطبقة، والحجزة: الوسط، أراد أنهم يشدون أزرهم على عفة، والسباسب: يوم الشعانين، وهو عيد. وقال النجاشي:
لا يأكل الكلب السَّروق نعالنا
[ ٤ / ٦٨ ]
لأنَّ النعل إذا كانت غير مدبوغة، وظفر بها الكلب أكلها.
وقوله: ليس بتوأم، يريد أنه لم يزاحمه أخ في بطن أمّه فيكون ضعيف الخلقة، والتوأم كجعفر: الَّذي يكون مع آخر في بطن أمّه، فنفى عنه ذلك ووصفه بكمال الخلق وتمام القوة، وقد بالغ في وصفه بالشدَّة والقوَّة بامتداد قوته، وعظم أعضائه، وتمام غذائه عند إرضاعه إذ كان غير توأم. وقوله: بمهند، وهو السيف الهندي، وصافي الحديدة: مجلوّ صقيل، والمخذم، بكسر الميم وبمعجمتين: القاطع، من خذمه، أي: قطعه.
وقوله: لمَّا رآني قد نزلت الخ، النواجذ،: آخر الأضراس، ومعنى أبدي نواجذه، أي: كلح غيظًا عليَّ، ويقال: بل كلح كراهة للطعن، وقيل: المعنى لمّا رآني قاصدًا له، كلح وكشر أسنانه، فصار كأنه متبسم. يقول: لما نزلت عن فرسي أريد قتله كشر عن أسنانه غير متبسم، أي: لفرط كلوحه من كراهية الموت تقلصت شفتاه أسنانه.
وقوله: عهدي به، أي: مشاهدتي له وقد خضب بدنه، فكأمه قد خضب بالعظلم- كزبرج- وهو شجر يتخذ منه الوسمة، وقيل؛ إنه الكتم، وإنما شبّه الدم به لما انعقد وضرب إلى السواد، ومدّ النهار: ارتفاعه، والبنان: الأصابع هنا مجازًا، وروى بدله: "اللبان" بفتح اللام، هو الصدر، يقول: رأيته طول النّهار وامتداده بعد قتلي إياه وجفوف الدم عليه، كأنَّ بنانه أوصده مخضوب بهذا النَّبت.
والمعلَّقة تسميها العرب المذهبة، بصيغة اسم المفعول، من الإذهاب أو التذهيب، وهما بمعنى التمويه والتطلية بالذهب، ومعنى المعلقة قد تقدَّم في الإنشاد الرابع من أوَّل الكتاب.
وعنترة العبسي قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو ابن شداد بن عمرو بن
[ ٤ / ٦٩ ]
قراد، قال [ابن] الكلبي، شداد جده، غلب على اسم أبيه، وإنما هو عنترة بن عمرو بن شداد، قال غيره: شداد عمه، تكلفه بعد موت أبيه فنسب إليه، ويقال: إنَّ أباه ادَّعاه بعد الكبر، وذلك أنه كان لأمة سوداء يقال لها زبيبة، وكانت العرب في الجاهلية إذا كان لأحدهم ولد من أمة استبعده، وكان لعنترة إخوة من أمّه عبيد، وكان سبب ادّعاء أبي عنترة إيّاه أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس، فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيون فلحقهم، فقاتلوهم وفيهم عنترة، فقال له أبوه: كرَّ يا عنترة، فقال: العبد لا يحسن الكرّ إنما يحسن الحلاب والصرّ، قال: كرّ وأنت حرّ، فكرّ وهو يقول:
أنا الهجين عنترة كلُّ امرئٍ يحمي حره
أسوده وأحمره
فقاتل يومئذٍ فأبلى، واستنقذ ما في أيدي القوم من الغنيمة، فادَّعاه أبوه بعد ذلك. وهو أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة، وأمّه سوداء، وخفاف ابن ندبة السُّلمي، والسُّليك بن السُّلكة السّعدي. وكان عنترة من أشدّ أهل زمانه وأجودهم من قومه، فذكر سواده وسواد أمّه وعيَّره بذلك، وأنه لا يقول الشعر، فكان أوَّل ما قال هذه المعلقة، وهي أجود شعره، وكانت العرب تسميها المذهبة، ويستحسن له فيها:
وخلا الذُّباب بها فليس ببارحٍ غردًا كفعل الشَّارب المترنِّم
هزجًا يحكُّ ذراعه بذراعه قدح المكبِّ على الزناد الأجذم
[ ٤ / ٧٠ ]
وقوله:
وإذا شربت فإنَّني مستهلكٌ مالي وعرضي وافرٌ لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصِّر عن ندىً وكما علمت شمائلي وتكرُّمي
وكان عنترة شهد حرب داحس والغبراء، وحسن فيها بلاؤه، وحمدت مشاهده، قال أبو عبيدة: إنَّ عنترة بعد ما تأوَّت عبس إلى غطفان بعد يوم جبلة وحمل الدماء احتاج، وكان صاحب غارات، فكبر وعجز عنها، وكان له بكر على رجل من غطفان، فخرج نحوه يتجازاه، فهاجت ريح حارَّة، وهو بين شرجٍ وناظرة، فأصابت الشيخ فهرأته، فوجد بينهما ميتًا، وهو قتل ضمضمًا المرّى أبا حصين بن ضمضم، وهرم [بن ضمضم] في حرب داحس والغبراء، ولذلك قال:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحزب دائرةٌ على ابني ضمضم
إلى هنا كلام ابن قتيبة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد المائتين:
(٢٧٨) ويركب يوم الرَّوع منَّا فوارسٌ بصيرون في طعن الأباهر والكلي
على أنَّ "في" بمعنى الباء، قال أبو حيَّان: هذا أيضًا مذهب كوفي، وتبعهم القتبيّ وهذا المصنف واستدلوا على ذلك بقول زيد الخيل: ويركب يوم الروع البيت، أي: بطعن الأباهر، وقول الآخر:
[ ٤ / ٧١ ]
وخضخضن فينا البحر حين قطعنه على كلِّ حالٍ من غمارٍ ومن حل
أي: حرَّكن السُّفن بنا البحر. وبقول الآخر، وهو أخو طيّ:
نلوذ في أمٍ لنا ما تغتصب من السَّحاب ترتدي وتنتقب
أي: بأمّ، ويعني الأم سلمى، أحد جبلي طيّ، وبقول أعشى بني بكر:
ربّي كريمٌ ما يكدِّر نعمةً وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
أي: بالمهارق، وتنوشد: حلف له، والمهارق: صحف الأنبياء. واستدلَّ المصنف في الشرح بقوله تعالى: ﴿يذرؤكم فيه﴾ [الشورى/ ١١] أي: به. وبقول الأفوه الأوديّ:
أعطوا غواتهم جهلًا مقادتهم فكلُّهم في حبال الغيِّ منقاد
ومثله:
وأرغب فيها عن لقيطٍ وأهله ولكنّني عن سنبسٍ لست أرغب
أي: بحبال، وأرغب بها. وحكى يونس عن بعض العرب: ضربته في السيف، أي: بالسيف، فأما بصيرون، فقال بعض أصحابنا: ضمّن معنى ماهرون، أو متقدمون على غيرهم في طعن الأباهر، لأن البصير في الشيء ماهر فيه ومتقدم فيه على غيره، وفي جعل "في" في هذا الموضع فائدة ليست للباء لو ذكرت، لأنه لو قال: بصيرون بطعن، لم يقتض أكثر من العلم به، وقد يكون بصيرًا به، فإذا كان وقته
[ ٤ / ٧٢ ]
ذهل خاطره عن ذلك لما هنالك من الشدّة، فيصفهم مع معرفتهم بأنَّ الطعن في الأباهر أعظم الطعن بأنهم ثابتو الخواطر عند الطعن، و"في" تقتضي ثبوت خواطرهم، وقال لنا الأستاذ أبو جعفر: ضمّن "بصيرون" معنى يتحكمّون، لأنَّ من كان له بصر بالشيء كان له فيه تحكم. وأما قوله: وخضخضن فينا البحر، فحمله بعض أصحابنا على تقدير مضاف، أي: في سيرنا البحر، وكذا تأوّله ابن جنِّي قال: في سيرهن بنا، وأما قوله: نلوذ في أم، فخرج على أنّه ضمّن ما يتعدّى بفي، وكأنه قال: نسمك أو نتوقل في أم لنا، لأنه عنى بالأمّ سلمى أحد جبلي طيّ، وإذ لاذ بها فقد سمك وتوقل فيها، وأمّا "إذا تنوشد" فخرج على أنَّ "في المهارق" في موضع الحال والمجرور الذي يطلبه تنوشد محذوف، والتقدير: وإذا تنوشد بكلام الله في المهارق، أي: مكتوبًا في المهارق، وأنشد، أي: أجاب، وأمّا قوله: فكلهم في حبال الغي منقاد، فمضمن معنى موثق، وأمّا: وأرغب فيها، فعلى حذف مضاف، أي: وأرغب في إمساكها عن لقيط، إلى هنا كلام أبي حيّان، وهو مبني على طريقة ابن جني من التضمين.
وقوله: ويركب يوم الرّوع فينا، صوابه: فيها، كما يأتي بيانه. والبيت من أبيات تسعة لزيد الخيل الطائي، أوردها أبو زيد في "نوادره" وأبو العباس الأحول في "شرح ديوان كعب بن زهير" وأبو علي الفالي في "ذيل الأمالي" أوّلها:
أفي كلِّ عامٍ مأتم تبعثونه على محمرٍ عود أثيب وما رضى
تجدُّون خمشًا بعد خمشٍ كأنه على فاجعٍ من خير قومكم نعى
تحضِّض جبّارًا عليَّ ورهطه وما صرمتي منهم لأوّل من سعى
ترعىَّ بأذناب الشِّعاب ودونها رجال يردُّون الظَّلوم عن الهوى
[ ٤ / ٧٣ ]
ويركب يوم الروع فيها فوارس بصيرون فى طعن الأباهر والكلى
فلولا زهير أن أكدر نعمة لقاذ عت كعبا ما بقيت وما بقا
وبقي بعد هذا ثلاثة أبيات. وسبب هذه الأبيات ما أخرجه القالي عن أبي عمرو ابن العلاء قال: خرج بجير بن زهير بن أبي سلمى في غلمة يجتنون جنى الأرض، فانطلق الغلمة وتركوا ابن زهير، فمرَّ به زيد الخيل فأخذه، ودار طي متاخمة لدور بني عبد الله بن غطفان، فسأل الغلام: من أنت؟ فقال: أنا بجير بن زهير، فحمله على ناقة، ثم أرسل به إلى أبيه، فلما أتى الغلام أخبره بالخبر، وكان لكعب ابن زهير فرس من جياد خيل العرب، وكان كعب جسيمًا، وكان زيد الخيل من أعظم النّاس وأجسمهم، وكان لا يركب دابّة إلاَّ أصابت إبهامه الأرض، فقال زهير: ما أدري ما أثيب به زيدًا إلاَّ فرس كعب، فأرسل به إليه وكعب غائب، فجاء كعب فسأل عن الفرس، فقيل له: قد أرسل به أبوك إلى زيد، فقال كعب لأبيه: أردت أن تقوّى زيدًا على قتال غطفان، فقال زهير له: هذه إبلي فخذ ثمن فرسك، وكان بين بني زهير وبين بني ملقط الطائيين إخاه، وكان عمرو ابن ملقط وفّادًا إلى الملوك، فقال كعب شعرًا يريد أن يلقي به بين بني ملقط، وبين رهط زيد الخيل شرًا، فعرف زهير حين سمع الشعر ما أراد به، وعرف به زيد الخيل وبنو ملقط، فأرسل إليه بنو ملقط بفرس نحو فرسه، وكانت عند كعب امرأة من غطفان لها حسب، فقالت له: أما استحييت من أبيك لشرفه وسنه أن تلومه في هبته عن أخيك؟ ! ولامته، وكان قد نزل بكعب قبل ذلك ضيفان، فنحر لهم بكرا كان لامرأته، فقال: ما تلوميني إلا لمكان بكرك الذي نحرت، فلك به بكران! وكان زهير كثير المال، وكان كعب مجدودًا [فقال كعب]:
ألا بكرت عرسي بليل تلومني وأقرب بأحلام النساء إلى الرَّدى
[ ٤ / ٧٤ ]
وذكر فيها زيدا، فقال زهير لابنه هجوت رجلًا غير مفحم، وإنه لخليق أن يظهر عليك، فأجابه زيد فقال:
أفي كل عام مأتم تبعثونه
إلى آخر الأبيات. انتهى. والبيت الأول من شواهد سيبويه، والهمزة للاستفهام التوبيخي، والمأتم مهموز، وهو الجماعة من النّساء يجتمعن لحزن أو فرح، والمراد هنا الحزن، ولهذا أعاد الضمير إليه مذكرًا. وقال شراح شواهد سيبويه: الضمير عائد على محذوف، أي: أفي كل عام اجتماع مأتم؟ فيكون المأتم بمعنى الحزن، ولهذا قال أبو زيد: أراد: أفي كل عام حدوث مأتم؟ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. انتهى. وإنما قال كذا لئلا يقع ظرف الزمان خبرًا عن الجثة. وتبعثونه: تهيجونه وتحركونه، وروي بدله "تجمعونه"، والمحمر، بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، وسكون الحاء المهملة بينهما، قال أبو زيد: هو الفرس الذي يشبه الحمار، وهو أيضا اللئيم من الرجال، أراد هنا أنه فرس هجين، أخلاقه كأخلاق الحمير بطيء الحركة، و"على" هنا تعليلة، والعود، بفتح العين مهملة، قال أبو زيد: هو المسنُّ، وأثيب: جعل ثوابًا، والثواب: الجزاء، ورضا، بضم الرّاء: فعل مجهول، وهو لغة طي، يكرهون مجيء الياء المتحركة بعد الكسرة، فيفتحون ما قبلها لتنقلب إلى الألف لحقتها، يقولون في بقي: بقا، وفي نعي: نعا كما هنا.
والبيت استشهد به سيبويه على أنَّ جملة تبعثونه صفة لمأتم، ولهذا لم يعمل فيه، يقول: إنكم تجمعون نساء ليبكين على فقد هذا الفرس الذي جعلتموه جزاء لنا على جميل فعلناه بكم، والحال أننا لم نرض بهذا الفرس الذي يشبه الحمار.
وقوله: تجدون خمشًا .. الخ، يقال: أجد فلان الشيء واستجدّه: إذا أحدثه فتجدّد، والحمش: مصدر خمشت المرأة وجهها بظفرها، من باب ضرب،
[ ٤ / ٧٥ ]
أي: جرحت ظاهرة البشرة، وفاجع: الذي فاجعهم بنفسه، يقال: فجعته المصيبة أي: أوجعته، ونعا: فعل مبني للمجهول كما تقدم، يقال: نعيت فلانًا: إذا أخبرته بموته، يقول: إنكم تخمشون وجوهكم مرة بعد مرة على هذا البرذون، كأنكم فقدتم سيِّد قومكم.
وقوله: تحضّض جبارًا .. إلى آخره، هذا خطاب لكعب بن زهير، قال الجواليقي فى "شرح أدب الكاتب": يقال" حضّضت الرَجل، أي: حثثته على الخير والشر جميعًا، وحضضته – بالتخفيف – إذا حثثته على الخير، وحثثته: إذا حرضته على سوق أو سير، ولا يكون الحضّ في السير والسوق، وجبّار، بفتح الجيم وتشديد الموحدة: رجل من فزارة، والصرمة، بكسر الصّاد: القطعة من الإبل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، تقول: تغري هذا الرجل ليغير على إبلي، وليست إبلي لأول جماع تغزوني، لأني أقاتل عنها وأدافع.
وقوله: ترعّى بأذناب .. الخ، أصله تترعى، بتاءين، فهو مضارع، وقال الجواليقي: أي ترعى، يريد أنّه مبالغة ترعى بالتخفيف، والأذناب: جمع ذنب بفتحتين، قال الجواليقي: والشعاب جمع شعب، وهو الموضع المنفرج بين الجبلين، وهو جمع نادر كقدح وقداح، ودونها، أي: دون الصرم، رجال يردون الظالم عن هواه، وقوله: ويركب يوم الروع – بفتح الراء – هو الفزع، وفيها، أي: من أجل الصرمة، قال أبو العباس الأحول: الأباهر والكلى مقتلان، والأبهر: عرق في المتن. وقال الجواليقي: أي: هم بصراء عالمون بمواضع الطعن، والأباهر: جمع أبهر، وهو عرق مستبطن الصُّلب، والكلى: جمع كلية، وللإنسان والحيوان كليتان، وهما لحمتان حمراوان لازقتان بعظم الصلب.
[ ٤ / ٧٦ ]
وقوله: فلولا زهير .. الخ، هذا البيت في رواية الأحول، وفي رواية القالي آخر الأبيات، وزهير: والد كعب، وأن أكدر نعمة: بدل اشتمال من زهير بتقدير الرّابط، أي: فلولا تكدير نعمته. وقوله: لقاذعت، جواب لولا، والقذع بالقاف والذّال المعجمة: الفحش، يقال: قذعته، إذا رميته بالفحش وشتمته. وقد شرحنا بقية الأبيات مع أبيات كعب بن زهير في الشاهد الخامس والثمانين بعد السّبعماية. وزيد الخيل وكعب صحابيان، وهذه الحكاية قبل إسلامهما، وقيل له: زيد الخيل، لخمسة أفراس كانت له، قال صاحب "الاستيعاب" هو زيد بن مهلهل ابن زيد بن منهب الطائي، قدم على رسول الله ﷺ في وفد طي سنة تسع فأسلم، وسمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير، وقال له: ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلاَّ رأيته دون الصفة غيرك، وأقطع له أرضين في ناحيته، ويكنى أبا مكنف، وكان له ابنان مكنف وحريث، وقيل: حارث. أسلما وصحبا النَّبي ﷺ، وشهدا قتال أهل الرّدَّة مع خالد ابن الوليد، وكان زيد الخيل شاعرًا محسنًا خطيبًا لسنًا شجاعًا بهمة كريمًا، قيل: مات منصرفه من عند النبي ﷺ محمومًا، فلما وصل إلى بلده مات، وقيل: بل مات في آخر خلافة عمر، وكان قبل إسلامه قد أسر عامر بن الطفيل وجزّ ناصيته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد المائتين:
(٢٧٩) ألا عم صباحًا أيُّها الطَّلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن من كان أحدث عهده ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال
[ ٤ / ٧٧ ]
على أنَّ "في" الثانية بمعنى "من". قال العسكري في كتاب "التصحيف" عن الأصمعي وابن السكيت: يقول: كيف ينعم من كان أقرب عهده بالرفاهية ثلاثين شهرًا من ثلاثة أحوال، على أن "في" بمعنى "من" ثم قالا: وقد تكون بمعنى "مع" واستشهد ببيت الجعدي:
ولوح دراعين في بركة إلى جؤجؤ رهل المنكب
فقال: في بركة، وأراد: مع بركة، ومثله: خمسون بسطًا في خلايا أربع
وخمسون لا تكون في أربع.
والمعنى: مع خلايا أربع. انتهى. وقال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب": حكى يعقوب عن الأصمعي أنّ "في" هنا بمعنى "من" وأجاز أن تكون بمعنى "مع" كما قال النابغة الجعدي:
ولوح ذراعين في بركة
[ ٤ / ٧٨ ]
وكونها بمعنى "مع" أشبه من كونها بمعنى "من" ورواه الطوسي "أو ثلاثة أحوال" وكل من فسره ذهب إلى أنَّ الأحوال هنا السنون، جمع حول، والقول فيه عندي أن الأحوال هنا جمع حال، وإنما أراد: كيف ينعم من كان أقرب عهده بالنعيم ثلاثين شهرًا، وقد تعاقبت عليه ثلاثة أحوال، وهي اختلاف الرياح، وملازمة الأمطار له، والقدم المغيّر لرسومه، فتكون "في" هنا هي التي تقع بمعنى واو الحال في نحو قولك: مرّت عليه ثلاثة أشهر في نعيم، أي: وهذه حاله. انتهى. وحكى القولين الجواليقي أيضًا في "شرحه".
وقال أبو حيان: وزعم الكوفيون أيضًا والقتي والأصمعي أنها تأتي بمعنى من، واستدلوا على ذلك بقول امرئ القيس: وهل يعمن من كان .. البيت، أي: من ثلاثة أحوال، وخرجه ابن جني على حذف مضاف، والتقدير عنده: في عقب ثلاثة أحوال، قال بعض أصحابنا: والصحيح عندي أن تكون الأحوال جمع حال لا جمع حول، وكأنه قال: في ثلاث حالات، ويكون المراد بالأحوال الثلاثة: نزول الأمطار، وتعاقب الرباح، ومرور الدهور عليها. قال: وإنما لم يسغ عندي ما ذهب إليه أبو افتح؛ لأنَّ المضاف لا يحذف إلاَّ إذا كان عليه دليل، ولا دليل في البيت على ذلك المضاف، لاحتمال أن يكون مراده ما ذكرناه، فلا يحتاج إلى حذف. وقال بعض شيوخنا: إنما يريد أن أحدث عهده خمس سنين ونصف، فلذلك قال: في ثلاثة أحوال، أي: مدخلة فيها. انتهى. ومنه تعلم أن المصنف لخص ما كتبه من هنا وهكذا دأبه في هذا الكتاب.
والبيتان أول قصيدة لامرئ القيس، وهي من عيون شعره، تقدَّم شرح بعض منها في الإنشاد الخامس بعد المائتين وقوله: عم صباحًا، هذه الكلمة تحية عند العرب، يقال: عم صباحًا، وعم مسًاء، وعم ظلامًا. والصباح: من نصف الليل
[ ٤ / ٧٩ ]
الثاني إلى الزوال، والمساء: من الزوال إلى نصف الليل، قال ابن السّيد: يقال: وعم يعم، كوعد يعد، وذهب قوم إلى أن يعم محذوف من ينعم، وأجازوا عم صباحًا، بفتح العين وكسرها، كما يقال: انعم صباحًا، بفتح العين، وانعم بكسرها. وزعموا أن بعض العرب أنشد: ألا عم صباحًا .. البيت، بفتح العين، وحكى يونس أن أبا عمرو بن العلاء سئل عن قول عنترة:
وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي
فقال: هو من نعم المطر: إذا كثر، ونعم البحر: إذا كثر زبده، كأنه يدعو لها بالسقيا وكثرة الخير، وقال الأصمعى والفرّاء: إنما هو دعاء بالنعيم والأهل، وهو المعروف، وما حكاه يونس نادر وغريب. انتهى. ولم يذكر صاحب "الصحاح" مادة (وعم) قال: وقولهم "عم صباحًا" كأنه محذوف من نعم ينعم بالكسر. وزعم ابن مالك في "التسهيل" أنّ عم فعل أمر غير متصرف، قال أبو حيان: ليس الأمر كما زعم، بل هو فعل متصرف، فقد حكى يونس: وعمت الدّار أعم، قلت لها: انعمي، قال الأصبعي: عم في كلام العرب أكثرهم من أنعم، وقد روى الجواليقي: "ألا انعم صباحًا"، "وهل ينعمن" في الموضعين وقال: دعا له بالنعيم، ونعم الشيء نعومة: صار ناعما لينًا، من باب كرم وحذر وحسب. ويقال أيضًا: أنعم صباحك، من النّعومة، وصباحًا: ظرف، أو تمييز محول عن الفاعل، والطلل: ما شخص من آثار الدار، والرسم: الأثر، والبالي: من بلي الثوب، من باب تعب، بلى بالكسر والقصر، وبلاء بالمد والفتح: أخلق، أو من بلي الميّت: إذا أفتته الأرض. وقوله: وهل يعمن، استفهام إنكاري، رجع عن الدعاء منكرًا على نفسه، واستشهد به المنصنف في "شرح الألفية" على أن "من" تستعمل في غير العقلاء، والعصر بضمتين: لغة في العصر وهو الدهر. والخالي: الماضي، وروى العسكري بيتًا بينهما، وهو:
وهل يعمن إلاَّ سعيد مخلَّد قليل الهموم ما يبيت بأوجال
[ ٤ / ٨٠ ]
وقال: اختلفوا في معناه لا في لفظه، فقال الأصمعي: اللفظ على مذهب: أنت يا طلل، فقد تفرق أهلك وذهبوا، فكيف تنعم؟ والمعنى: كيف أنعم أنا؟ كأنه يعني أهل الطّلل، والمخلد: الطويل العمر الرخي البال، ومخلد: إذا لم يشب، وقال غيره: المخلّد: المقرّط، والقرط: الخلدة، من قوله ﷿: ﴿ولدان مخلَّدون﴾ [الوافعة / ١٧] أي: مقرّطون، ولو كان يصفهم بالخلود لما ذكر الولدان دون أهل الجنة، ورواه بعضهم:
وهل ينهمن إلاَّ خليُّ مخلَّد
وقال: يعني غلامًا حدثًا من العشق. انتهى. وترجمة امرئ القيس تقدَّمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد المائتين:
(٢٨٠) أنا أبو سعد إذا اللَّيل دجا تخال في سواده يرندجا
على أنَّ "في" زائدة، قال أبو حيان: وزعم بعض أصحابنا، وتبع أبا علي أنَّ "في" تأتي زائدة في ضرورة الشعر، قال: ومن ذلك قول سويد بن أبي هاكل: أنا أبو سعد .. الخ، وقال الأزدي: إنَّ المعنى: تخال سواده يرندجًا إلاَّ أن ذلك من القلًّة بحيث لا يقاس عليه. انتهى. وكذا قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر" واليرندج، بالمثناة التحتية، ويقال بدلها بالألف: الأرندج، على وزن سفرنجل، له معنيان: أحدهما، وهو المشهور: الجلد الأسود، وثانيهما: ما نقله الصَّاغاني في "العباب" عن أبي مسحل الأعرابي أنه السواد الَّذي يسوّد به الحف، وقال صاحب "القاموس": هو: السواد يسوّد به الحفّ، أو هو الزاج.
[ ٤ / ٨١ ]
ولا يخفى أنهم إنما حكموا على زيادة "في" لأنهم تخيلوا أن مجرورها هو المفعول الأوَّل لتخال، ويمكن تقديره، أي: تخاله، أي: تخال اللَيل في سواده يرندجًا، وتخال مشعرة بالتشبيه، وإذا: شرطيّة، جوابها البيت الذي بعدهما، وهو قوله:
دخلت في سرباله ثمَّ النَّجا
والسّربال: القميص، واستعاره لظلمته، والنجا، بالنون والجيم: مصدر نجوت، أي: أسرعت وسبقت إلى ما أريد، وهذا المعنى صحيح واضح لا شبهة فيه، فـ "في" أصيلة لا زائدة، وأبو سعد: كنية سويد بن أبي كاهل، وتقدمت ترجمته قريبًا في الإنشاد السادس والسبعين بعد المائتين. وقال الدّماميني: المعنى: تخال سواده سواد يرندج، ول جعل هذا من باب التجريد نحو: ﴿لهم فيها دار الخلد﴾ [فصلت / ٢٨] لأمكن، وعليه فلا زيادة ولا نقص. انتهى. فيكون على قوله "يرندجًا" المفعول الأول، و"في سواده" المفعول الثاني، فيكون من قبيل التشبيه المقلوب، ويرد عليه أن المفعول الأوَّ في باب ظن لا يجوز تنكيره، بخلاف بابي كان وإنَّ، فإنه يجوز تنكيره لاختلاف إعراب الجزأين. وزعم ابن الملا أنَّ إذا ظرفية متعلقة بأبي سعد، لتضمنه معنى المشهور في اقتحام الشدائد، وليس كذلك، وألف "أنا" ملفوظ للوزن، وليس بضرورة على الصحيح، ودجا الليل يدجو دجوًا، أي: أظلم، وفيه دليل على أنَّ الحرف الأصلي إذا كان مدة يقع إطلاقًا، فإنَّ ألف دجا لام الفعل، وكذا النجا، وليسا مثل ألف يرندجًا، والجيم حرف الرّوي، وهو الحرف الذي تبني عليه آخر الأبيات، والإطلاق: حرف لين ينشأ عن إباع حركة الرويّ، قال السّكاكيّ: وكثيرًا ما يجرى الألف والواو والياء الأصول مجرى الحروف الإشباعيَة، وذلك في أثناء القصائد على سبيل التوسع. انتهى.
[ ٤ / ٨٢ ]
حرف القاف
"قد"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد المائتين:
(٢٨١) قدني من نصر الخبيبين قدي
على أن "قد" في الموضعين إمّا بمعنى حسب، أو بمعنى يكفي، والموضوع الأول مأخوذ من كلام ابن الناظم، قال ناظر الجيش: عرفت من كلام بدر الدين أن قد بمعنى حسب، إذا أضيفت إلى الياء جازلك فيها الوجهان، يعني أن تأتي بنون الوقاية، وأن لا تأتي بها، وهذا هو الذي يقتضيه كلام والده في باب المضمر، لكن قد تقدم للشيخ - يعني أبا حيان - في باب المضمر أنه إذا قيل: قدني بالنون، تعين أن تكون اسم فعل، أي: في باب تتميم الكلام، على كلمات مفتقرة إلى الشرح. والموضع الثاني أخذه من كلام أبي حيان، لكن أفسده بزيادة قوله: والكسر لالتقاء السّاكنين، وهذا نص أبي حيان: فأمّا قول الشاعر:
قدني من نصر الحبيبين قدي
فالأوَّل: اسم فعل، والثاني، وهو قوله: يحتمل ثلاثة أجه: أنه اسم
[ ٤ / ٨٣ ]
فعل، والياء ضمير متكلم، وحذفت نون الوقاية ضرورة، كما حذفت في:
إذ ذهب القوم الكرام ليسي
وأنه اسم فعل، ولكن الياء ليست ضميرا، إنما لحقت لإطلاق القافية، وإن قد اسم مرادف لحسب، وأضيف إلى الياء، وهي ياء المتكلم، كما يضاف حسب، قال: وكان ذلك على جهة التوكيد لـ "قد" في الأول، لأنهما يؤولان من حيث المعنى إلى معنى واحد. انتهى. ثمَّ قول المصنف: والمستعملة اسم فعل: مرادف ليكفي، ومخالف لقول ابن مالك: تكون اسمًا لكفى، ومخالف لقول ابنه: فإذا كانت اسمًا فهي على ضربين، أحدهما: أن تكون اسم فعل ماض بمعنى كفى، فكان ينبغي أن يقول مثلهما، فإنَّ مجيء اسم الفعل بمعنى المضارع غير متفق عليه. وقال سيبويه: قد جاء في الشعر قدي، قال الشاعر:
قدني من نصر الحبيبين قدي
لما اضطر شبهه بحسبي وهني، لأنَّ ما بعد حسب وهن مجرور. انتهى. ورد عليه ابن مالك في "شرح التسهيل" وقال: إنه جائز في الكلام الفصيح. وقال الجوهري: فأمّا قولهم: قدك، بمعنى حسبك، فهو اسم، تقول: "قدي وقدني" أيضًا، بالنون على غير قياس، لأنَّ هذه النون إنما تزاد في الأفعال وقاية لها، مثل: ضربني، ثمَّ أنشد هذا البيت. وردَّ عليه ابن بري في "أماليه على الصحاح" بأن الأمر بعكس ما قال، وأن قدني هو الأصل، وقد حذفت النون منه للضرورة، والبيت لحميد الأرقط. انتهى وتبعه الصفدي في كتابه "نفوذ السهم". وروى الحبيبين بلفظ التثنية، قالوا: أراد عبد الله بن الزبير، وابنه خبيب التصغير، ورواه أبو زيد
[ ٤ / ٨٤ ]
بكسر الباء الثانية، على أنه جمع منسوب حذفت منه ياء النسبة. وقد استقصينا الكلام على هذا الشعر وما قيل فيه من الشاهد الثالث بعد الأربعمائة من شواهد الرّضي. وحميد الأرقط من رجَاز الدولة الأموية، ولقب الأرقط لآثار كانت في وجهه، وهو تميمي، وهو من بني ربيعة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٢) إذ ذهب القوم الكرام ليسي
وصدره:
عددت قومي كعديد الطيس
على أنَّ حذف نون الوقاية من ليسي لضرورة الشعر: قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": والذي سهّل ذلك مع الضرورة أمور:
أحدها: أنَّ الفعل الجامد يشبه الأسماء فجاء ليسي، كما تقول: غلامي وأخي، ومن ثمَّ جاز: إنَّ زيدًا ليسي يقوم، كما جاز: لقائم، ولا يجوز: إنَّ زيدًا لقام، وجاز أيضًا: ﴿وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى﴾ [النجم / ٣٩]. كما جاز "علمت أن زيدًا قائم" ولا يجوز "علمت أن قام ولا أن يقوم".
والثاني: أن ليس هنا للاستثناء، فحق الضمير بعدها الانفصال، وإنما وصله للضرورة، كقول الآخر:
أن لا يجاورنا إلاَّ ك ديَّار
والنون ممتنعة مع الفصل، فتركها مع الوصل التفاتا إلى الأصل.
[ ٤ / ٨٥ ]
الثالث: أنّ ليسي بمعنى غيري، ولا نون مع غير. انتهى.
ووقال ابن المستوفي في "شرح أبيات المفصل": كذا أنشد العلماء هذا البيت، يروى:
عهدي بقومي كعديد الطَّيس
وهو الصحيح، وكذا أنشده الخليل في كتاب "العين" في مادة (طيس) لرؤبة، وقال: الطيس: العدد الكثير، وقيل الطيس: كلّ ما على وجه الأرض من خلق، وقال بعضهم: بل هو كل خلق كثير النسل كالقمل والذّباب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٣) أخالد قدو الله أوطأت عشوة وما قائل المعروف فينا يعنَّف
على أنه قد فصل بين "قد" والفعل بجملة القسم. والبيت هكذا في جميع نسخ هذا الكتاب، وهو مركب من شعري شاعرين، فالمصراع الثاني من قصيدة للفرزدق، وصدره:
وما حلَّ من جهل حبا حلمائنا
وبعده:
وما قام منا قائم في ندبنا فينطق إلاَّ بالَّتي هي أعرف
وهذا من شواهد سيبويه والمصراع الأول فيه تحريف، وصوابه: أوطئت
[ ٤ / ٨٦ ]
عشوة. وهو صدر أبيات خوطب بها خالد بن عبد الله القسري، روى صاحب كتاب "مكارم الأخلاق" أنَّ خالدًا المذكور عرض سجنه يومًا، فرأى يزيد بن بلان البجلي، فقال له خالد: في أي شيء حبست؟ قال: في تهمة، وكان أخذ في دار قوم، فادعي عليه السرق، فأمر خالد بقطع يده، وكان ليزيد أخ، فكتب هذه الأبيات، ووجهها إلى خالد:
أخالد قد والله أوطئت عشوة وما العاشق المسكين فينا بسارق
أقرَّ بما لم يأته المرئ إنَّه رأي القطع خير أمن فضيحة عاشق
ولولا الَّذي قد خفت من قطع كفِّه لألفيت في أمر الهوى غير ناطق
إذا بدت الرّايات في السَّبق للعلى فأنت ابن عبد الله أوَّل سابق
فلمّا قرأ خالد الأبيات، علم صدق قوله، وأحضر أولياء الجارية فقال: زوِّجوا يزيد فتاتكم، فزوَّجوه، ونقد خالد المهر من عنده، وقد أنشده المرادي في "شرح التسهيل" وفي "الجنى الداني" هكذا، وكذا أنشده ابن عقيل، وأنشد ناظر الجيش البيتين الأولين، وأردفهما بقول الآخر:
لقد أرسلوني في الكواعب راغبًا فقد وأبي راعي الكواعب أفرس
قال: أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحق أبي، ويجوز أن يكون أضاف الأب إلى راعي، وهو يعن نفسه. انتهى. وكذا في شرح شيخهم أبي حيان، وقوله: "أوطئت عشوة"، بالبناء للمجهول وبفتح تاء الخطاب، وفي غالب النسخ أوطأت، وهو خطأ من النساخ، قال الإمام المرزوقي في باب المكسور أوّله من "شرح فصيح ثعلب": قوله: أوطأتني عشوة، أي: خبّرتني بباطل، ويقال: تعيني في معناه أيضًا، وأصله من عشا يعشو: إذا سار في ظلمة، تسمى عِشوة
[ ٤ / ٨٧ ]
وعُشوة وعَشوة، بالحركات الثلاث، والعشواه بمنزلة الظلماء، ويقال: هو في عشواء من أمره. انتهى. وقال الأزهري: وذكر ابن السّكيت عن أبي عبيدة وابن الأهرابي أنهما قالا: يقال: أوطأته عَشوًة وعِشوًة وعُشوًة، والمعنى فيه أنه أنّه حمله على أن يركب أمرًا غير مستنين الرشد، فربما كان فيه عطبه، وأصله من عشواء اللَّيل وعشوته، مثل ظلماء اللَّيل وظلمته، وأما العشاء فهو أول ظلام اللَّيل. انتهى. وقال الاسترابادي في "شرح الفصيح": قوله: أوطأتني عشوة، والعامة تقول: عشوة بالفتح، قال ابن الأعرابي وأبو عبيدة: هي لغة، وكذلك العشوة، بالضم، ومعناها: الظلمة، أي: خدعتني وغررتني وأدخلتني ظلمة لا أهتدي إليها، والعامة تخطئ من وجه آخر، تقول: أوطيتني، وهذا غلط، وربما قالوا: أعطيتني عشوة، وهذا لا يجوز، والعشوة: الظلمة، ومنه العشا في العين، والعشا: وقت الإظلام. انتهى. وقال أبو سهل الهروي أيضًا في "شرح فصيح ثعلب" أي: جعلتني أطأ ما لا أراه، أي: أوقعتني في أمر ملتبس، وغررتني حتى اغتررت. انتهى. فعشوة: ظرف، وناصه أوطأت. وقوله: فأنت ابن عبد الله، أول سابق، أنت: مبتدأ، وأول خبره، وابن عبد الله منادى، وحرف النداء محذوف. وقوله: ولولا الذي قد خفت بضم التاء، وقوله: لألفيت، بالبناء المعلوم، وفتح التاء، أي: لوجدتني.
وكان خالد القسري واليًا على العراق من قبل هشام بن عبد الملك، وعزله في سنة عشرين ومائة من الهجرة، وقتله أشر قتلة في المحرم سنة ست وعشرين، وكانت أم خالد نصرانية رومية، استلبها أبوه فأولدها خالدًا ولم تسلم، وبى ما خالد بيعة، فذّمه الناس على ذلك.
وقال الفرزدق:
ألا قطع الرَّحمن ظهر مطية أتتنا تهادى من دمشق بخالد
[ ٤ / ٨٨ ]
وكيف يؤمُّ النّاس من كانت امُّه تدين بأنَّ الله ليس بواحد
بنى بيعة فيها النَّصارى لأمِّه ويهدم كم كفر منار المساجد
وكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد، لأنه بلغه أنَّ شاعرًا قال:
ليتني في المؤذنين حياتي إنَّهم يبصرون من في السطوح
ولما بلغه أنَّ الناس يذمونه لبنائه البيعة، اعتذر إليهم فقال: لعن الله دينهم إن كان شرًا من دينكم. كذا فى "تاريخ النويري" وغيره.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٤) فقد والله بيَّن لي عنائي بوشك فراقهم صرد يصيح
لما تقدَّم قبله، وبين: ماض معلوم، ومصدره التبيين، وهو الإيضاح وصرد: فاعل بيّن، والعناء بالفتح والمد، قال الأزهري في "التهذيب": قال أبو الهيثم: العناء: الحبس في شدَّة وذل، يقال: عنا الرجل يعنون عنوا وعناء: إذا ذلّ ذلك واستأثر، قال: وعنّيته تعنية: إذا أسرته فحبسته مضيقًا عليه، وروي عن النّبي ﷺ أنّه قال: «اتقول الله في النساء، فإنهنَّ عندكم عوان» أي: كالأسرى، وقوله: بوشك فراقهم، الباء متعلقة بيصيح، قال الأزهري: ووشك البين: سرعة الفراق. والصُّرد، بضم الصَّاد وفتح الراء، قال الأزهري: "نهى النّبي ﷺ عن قتل أربع: النملة، والنحلة، والصرد، والهدهد" أخبرني المنذري عن إبراهيم الحربي أنه قال: أراد بالنملة الطويلة القوائم التي تكون في الجزبات، وهي لا تؤدي، ونهى عن قتل النحلة لأنها تعسِّل شرابًا فيه شفاء للناس، ونهى عن قتل الصُّرد، لأنَّ العرب كانت تطّيَّر من صوته، وهو الواقي عندهم، فنهى عن قتله ردَّا للطيرة، ونهى عن قتل الهدهد، لأنه أطاع نبيًا من الأنبياء، وأعانه، وقال شمر: قال ابن سميل: الصرد: طائر أبقع ضخم
[ ٤ / ٨٩ ]
الرأس يكون في الشجر، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار، له برثن عظيم نحو من القارية في العظم، ويقال له: الأخطب، لاختلاف لونيه، والصرد لا تراه إلاَّ في شعبة أو شجرة، لا يقدر عليه أحد. وقال سكين النُّميري: الصرد صردان: أحدهما يسمّيه أهل العراق: العقعق، قال: وأما الصرد الهمهام فهو البرّي الذي يكون بنجد في العضاه، لا تراه في الأرض، يقفز من شجر إلى شجر، قال: وإن أصحر طرد فأخذ، يقول: لو وقع إلى الأرض لم يستقل حتى يؤخذ، قال: ويصرصر كالصقر. وقال الليث: الصرد: طائر فوق العصفور يصيد العصافير. انتهى. وكان من عادة العرب في الجاهلية التشاؤم بأصوات الطيور، كالغراب والهام والبوم وممم.
قال ابن رشيق في باب الزجر والعيافة من كتاب "العمدة": والعرب تتطير بأشياء كثيرة منها العطاس، وسبب طيرتهم منه دابة يقال لها العاطوس يكرهونها، والغراب أعظم ما يتطيرون منه، ويسمونه حاتمًا، لأنه عندهم يحتم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير له بذلك، إذ كان أصح الطير بصرًا. ويتطيرون بالصُّرد، ومن أسمائه الأخيل والأخطب، ويقال: الأخيل الشقرّاق، والواق أيضًا: الصرد. وقد يتطيرون من الباز وأشياء كثيرة من جهة التسمية، قال زبَّان بن منظور الفزاري في حديث كان له مه نابغة بني ذبيان، وقد تطير من جرادة سقطت عليه، فرجع عن الغزو ومضى زبّان فظفر وغنم:
تعلَّم أنّه لا طير إلاَّ على متطيِّرٍ وهي الثّبور
بلى شيءّ يوافق بعض شيء أحايينا وباطله كثير
[ ٤ / ٩٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٥) أفد التَّرحل غير أنَّ ركابنا لمّا تزل بر حالنا وكأن قد
على أنَّ الفعل بعد "قد" محذوف للدليل، أي: وكأن قد زالت. قال المرادي في "شرح التسهيل": ولم يحفظ هذا الحذف في المضارع. انتهى. ولم يذكر ابن عصفور مثل هذا الحذف من قبيل الضرورة، بل أجاز حذفه في الاختيار، وإنما ذكر من قبيل الضرورة حذف مجزوم "لم" وأجاز في "لما" حذف مجزومها في الاختيار. قياسًا على حذف مدخول "قد" وتبعه المحقق الرضي.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني وأوَّلها:
أمن آل ميَّة رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزوَّد
زعم البوارح أنَّ رحلتنا غدًا وبذّاك خبَّرنا الغراب الأسود
لا مرحبًا بغد ولا أهلًا به إن كان تفريق الأحبَّة في غد
أزف التَّرحل غير أنَّ ركابنا البيت
قال شارح ديوانه: قوله: أمن آل ميّة، يريد: أرائح أنت من آل ميّة أو مغتد؟ يخاطب نفسه، وليس هذا شكًا منه، ولكنه كالمتثبت، وعجلان: من العجلة. ونصبه على الحال، كما تقول: أنت خارج عاجلًا. وقال ابن الأعرابي وغيره: يريد: أمن آل ميّة تروح بزاد أو بغير زاد؟ والزاد: ما كان من تحية، أو رد سلام. أو وداع. وقال الأصمعي: يقول: تمضي زوّدت أو لم تزود، والواو في معنى أو. والنون من "أمن" متحركة بفتحة همزة آل الملقاة عليها لتحذف لفظًا للتخفيف. وروي: "من آل ميّة" بدون همزة الاستفهام في اللفظ والخطّ، وميّة: كناية عن المتجردة امرأة النعمان بن المنذر ملك الحيرة.
[ ٤ / ٩١ ]
وهذه القصيدة كانت سبب غضب النعمان عليه، وفراره إلى ملوك غسان بالشام، قال أبو عمرو وابن الأعرابي: كان من حديث النابغة وبدء غضب النعمان عليه أنَّ النعمان كانت عنده المتجردة، وكان النعمان قصيرًا ذميمًا قبيح الوجه أبرش، وكان ماردًا، وكان النابغة ممن يجالسه ويسمر معه، ورجل آخر من بنى يشكر يقال له: المنخَّل، وكان جميلًا يتَّهم بالمتجرّد، وقد ولدت للنعمان غلامين، وكان الناس يزعمون أنهما ابنا المنخّل، وكان النابغة رجلًا حليمًا عفيفًا، وله منزلة يحسد عليها، فقال النعمان يومًا، وعنده المتجرّدة والنابغة: صفها يا نابغة فى شعرك، فقال النّابغة هذه القصيدة، وفيها ذكر أشياء لا يعرفها إلاَّ من ينام معها، كما يأتي بعض أبيات منها، فقال المنخل لما سمع هذا الشعر: لا يستطيع أن يقول هذا الشعر إلاَّ من قد جرَّب! فوقر ذلك في نفس النعمان، ثمَّ اتى النعمان بعد ذلك رهط من بني سعد بن زيدد مناة بن تميم، ثمَّ من بني قريع، فبلّغوه أنَّ النابغة يصف المتجرّدة ويذكر منها، وكان للنعمان بواب يقال له عسام بن شهبر، فأتى النابغة فقال: إنَّ النعمان واقع بك فانطلق، فهرب النابغة إلى غسان، فكان فيهم ومدحهم، وقد كان أتاهم قبل ذلك عند مقتل المنذر، فطلب إليهم في أسارى بني أسد وغيرهم، وفاشتدَّ ذلك على النعمان، وعرف أنَّ الذي بلغه كذب، فبعث إليه: إنك لم تعتذر من سخطه إن كانت بلغتك، ولا كنَّا تغيرنا لك عن شيء مما كنَّا لك عليه، ولقد كان في قومك ممتنع وحصن فتركته، ثمَّ انطلقت إلى قوم قتلوا جدي، وبيني وبينهم ما قد علمت؟ ! وكان النعمان وأبوه وجدّه قد أكرموا النابغة وشرفوه، وأعطوه مالًا عظيمًا. وأرسل النابغة إليه قصائد يعتذر إليه فيها، ويتنصَّل مما رمي فيه. وهي مشهورة، وقد تقدَّم بعض منها في الإنشاد الثالث والعشرين.
وقوله: زعم البوارح .. الخ. وروى أبو عبيدة: "وبذاك خبرنا الغذاف الأسود" والغداف، بضم الغين المعجمة: الغراب الضخم، والبوارح: جمع بارح، ومعناه:
[ ٤ / ٩٢ ]
ذو البرح والشدة، والبوارح عند العرب من الظباء والطير وغيرها: التي تأتي من يمين الرجل إلى مياسره، فتوليه مياسيرها، وأهل نجد يتشاءمون بها، والسوانح: التي تأتي من يساره إلى يمينه، فتوليه ميامنها. وأهل نجد يتيمنون بها، وأمّا أهل الحجاز فيتشاءمون بالسوانح ويتيمنون بالبوارح. وفي البيت إقواء، وهو عيب في القوافي يكون بعضها مرفوعًا وبعضها مجرورًا، قال ابن الأعرابي: بلغنا أنَّ النابغة كان أقوى في هذا البيت، فورد يثرب، فلمّا أنشدهم القصيدة قالوا: أقويت، فلم يعرف ما عابوا، فألقوا على فم قينة لهم: وبذاك خبرنا الغداف الأسود، مع ما قبله. فقالوا له: رتليه ومدّيه. فقالت: مغتدي، ثمَّ قالت: الأسود و، ففطن فلم يعد، وغيّره إلى قوله:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وقال: وردت يثرب وفي شعري ضعة، وصدرت عنها وأنا أشعر العرب.
قال أبو عبيدة: حدثنا أبو عمرو بن العلاء قال: فحلان من الشعراء كانا يقويان: النابغ، وبشر بن أبي خازم، فأما النّابغة فدخل فغني بشعره، فلم يعد إلى الإقواء، وأمّا بشر فقال له أخوه سوادة: إنك تقوي، فقال: وما الإقواء؟ فأنشده:
ألم تر أنَّ طول الدَّهر يبلي وينسي مثل ما نسيت جذام
فرفع، ثمَّ قال:
وكانوا قومنا فيغوا علينا فسقناهم إلى البلد الشَّان
فخفض ولم يعد [للإقواء]. وكان الأخفش يرى أن العرب لا تستنكر الإقواء، وكان يقول: قلَّ قصيدة لاا يكون فيها إقواء، ويعتل لذلك بأنَّ كل بيت
[ ٤ / ٩٣ ]
منها شعر قائم برأسه. وخرَّج بعضهم ما هنا على أنَّ الأصل: "الغراب الأسودي" بياء النسبة على قصد المبالغة، ثمَّ خففت الياء، وعلى هذا فلا بد من رسم الياء.
وقد تشاءمت العرب الغراب، وبالغوا في ذلك حتى أضافوه إلى البين، فقالوا: غراب البين، لأنَّ من شأنه أن ينزل الدور التي بان عنها أهلها، ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، وهو من لئام الطير. ومثله في الناس الزنج، فإنَّهم شرار الحلق تركيبًا ومزاجًا، وتقدَّم في الإنشاد الذي قبل هذا ما يتعلَّق بالتَّطير.
وقوله: لا مرحبًا بغد .. الخ، هو مفعول مطلق، كأنه قال: لا رحب رحبًا، ولا أهل أهلًا، والرحب: السعة، يذم غداة الفراق ويدعو عليه.
وقوله: أفد الترحل .. الخ، أفد بكسر الفاء من باب رح: دنا وقرب، ويروى بدله: "أرزف" بكسر الزّاي، وهو بمعناه. والركاب: الإبل، واحدتها راحلة من غير لفظها، ولما: يمعنى لم، وتزل: بضم الزاي، من زال يزول إذا انتقل وذهب، والرحال: جمع رحل، وهو ما يستصحبه المسافر من الأثاث، وغير: منصوبة على الاستثناء المنقطع، يقول: قرب الارتحال، لكن لم تذهب إبلنا بأثاثنا إلى الآن، وكأن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والجملة المحذوفة بعد قد خبرها، أي: وكأن قد زالت. ونقل ابن الملا عن ابن جني أنه قال في "الخصائص": يجوز أن يكون قدي هنا بمعنى حسبي، أي: وكأن ذلك حسبي، فقدي وحده الخبر على هذا. انتهى. وهذا لا يسوغ معنى وإعرابًا، والعهدة عليه.
ومن أبيات القصيدة في وصف المتجردة:
محطوطة المتنين غير مفاضة ريَّا الرواد ف بضَّة المتجرَّد
أي: مصقولة الظهر يبرق، والمفاضة: المفرطة طولًا، وريَّا الروادف:
[ ٤ / ٩٤ ]
كثيرة لحم العجز، والبضة: الرخصة والنّاعمة، والمتجرّد: البارز عن اللباس، كالوجه والكفين والقدمين.
وإذا لمست لمست أخثم جاثمًا متحيرًا بمكانه ملء اليد
هذا في صفة فرجها، والأخثم: العريض الممتلئ، والمتحير: تحير في موضعه، كتحير الماء با يجد منفذًا.
وإذا نظرت نظرت أقمر مشرقًا ومركَّنًا ذا زرنب كالجلمد
الأقمر: الأبيض، ومركن: له أركان، أي: جوانب، [ذل زرنب:] ذا ضخم، والزرنب: لحم ظاهر الفرج، والكين: لحم داخله، والجلمد: الحجارة، أي: أنه صلب مكتنز ليس برهل.
وإذا طعنت طعنت في نستهدف رابي المجسَّة بالعبير مقرمد
مستهدف: مرتفع منتصب كالهدف، ورابي المجسَّة، أي: ضخم، من الرابية وهو المرتفع، والعبير: الطيب، ومقرمد: مطليّ كما يقرمد الحوض، أي: يطيَّن.
وإذا نزعت نزعت من مستحصف نزع الحزور بالرِّشاء المحصد
مستحصف: ضيّق، والحزور: الغلام الذي قارب الحلم، والرشاء: الحبل، والمحصد: الشديد الفتل، وصف فرجها بالضيق، يقول: إذا أراد أن ينزع ذكره ضعف عن ذلك لضيقه، كما يضعف الغلام عن استقاء الماء.
ويكاد ينزع جلده من ملَّة فيها لوافح كالحريق الموقد
الملة: الحفرة التي فيها النار، ولوافح: من لفحته النار، إذا حرقته. وأثرت فيه، وهذا وصف فرجها بالحرارة، قال معاوية بن صعصعة:
بذي وهج يصطلى كينه يكاد يمزق جلد الذكر
[ ٤ / ٩٥ ]
وترجمة النابغة الذبياني تقدَّمت في الإنشاد الثالث والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٦) لولا الحياء وأنَّ رأسي قدعسا فيه المشيب لزرت أمَّ القاسم
على أنَّ "عسا" هنا بمعنى اشتدَّ لا عسى الجامدة، قال صاحب "الصحاح": عسا الشيء يعسوا عسوًّا، وعساء بالمد، أي: يبس وصلب، وعسى الشيخ يعسو عسيًا: ولى وكبر، قال الأحمر: عست يده تعسو عسوًا: غلظت من العمل، وكذا في "تهذيب الأزهري" وزاد صاحب "القاموس" وعسا الليل: اشتدت ظلمته. وجميعه لا مناسبة له بالبيت، والرواية الثانية: "وقد عثا" بالمثلثة، أي: أفسد، قال صاحب "الصّحاح" عثا في الأرض يعثو: أفسد، وكذلك عثي بالكسر يعثى، وقال تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض﴾ [البقرة / ٦٠]. انتهى. وكذلك أورده الثعلبي شاهدًا للآية الشريفة، وكذلك أنشده الشريف الحسيني في "حماسته" والأصبهاني في "الأغاني" ورواه ابن السكيت في "ديوان ابن الرقاع": "وأنَّ رأسي قد علا فيه المشيب" وقال: وروي "وقد عثا" وأنشده أبو حيان في "البحر" عند الآية المذكورة، قال: العثو ةالعثي: أشد الفساد، يقال: عثا يعثو عثوًا، وعثي يعثى عثيًا: لغة شاذة، قال الشاعر: لولا الحياء .. البيت. وثبوت العثي دليل على أن عثي ليس أصلها عثو، كرضي الذي أصله رضو، خلافًا لزاعمه. انتهى.
[ ٤ / ٩٦ ]
والبيا من قصيدة لعدي بن الرقاع العاملي، مدح بها الوليد بن عبد الملك بن مروان ومطلعها:
ألمم على طلل عفا متقادم بين الذؤيب وبين غيب النّاعم
لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عثا فيه المشيب لزرت أم القاسم
وكأنها وسط النِّساء أعارها عينيه أحور من جآذر عاسم
وسنان أقصده النُّعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم
وهذا المقدار أورده صاحب "الأغاني" في ترجمة عدي، وأورد الشريف الأبيات الثلاثة الأخيرة في باب النسيب من "حماسته" وبعده:
يصطاد يقظان الرِّجال حديثها وتطير لذَّتها بروح النَّائم
وإذا هي ابتسمت بدا متشتت عذب تروع به فؤاد الحالم
ومن الضَّلالة بعد ما ذهب الصِّبا نظري إلى حور العيوم نواعم
يذعرن من صلع الرِّجال وشيبهم ويمقن شيمة كل أهيف عارم
أعرضن حين فقدن غرب بطالتي ونسين حسن خلائقي وتمائمي
فاقطع بقيَّة وصلهنَّ بأينق خوص يسجن بركبهن سواهم
وبعد أن وصف الإبل بأبيات قال:
ولقد لجأت من الوليد إلى امرئ حسبي وليس من اصطفاه بنادم
للحمد فيه مذاهب ما تنتهي ومكارم يعلون كل مكارم
ومهاب الملك العزيز ونائل بنضي الجواد وأنت نكل الظَّالم
وإذا قضى فصل الفيض الكثير فواضلًا نفحات أيام له ومقاوم
الجامع الحلم الأصيل وسؤد دًا غمرًا يعاش به وحكمة حازم
والواهب الفتيات أمثال الدُّمى متسحبات خلال أسود فاحم
[ ٤ / ٩٧ ]
وهذا آخر القصيدة. قوله: ألمم على طلل .. الخ، قال ابن السكِّيت: أراد: ألمم بطلل، وفي "القاموس" ألمِّ به: نزل، والطلل: الشاخص من آثار الدار، وعفا: اندرس وانمحى، قال ابن السكيت: والذؤيب وغيب النّاعم: موضعان، وقوله: وكأنها وسط النّساء .. الخ، قال ابن السكيت: شبه عينيها بعيني ظبية، وعاسم: موضع. انتهى. والأحور: الأسود الحدقة، في "القاموس": الحور: اسوداد العين كلّها مثل الظباء، ولا يكون في بني آدم، بل يستعار لها، والجآذر: جمع جؤذر، بضم الجيم وسكون الهمزة، والذال المعجمة تضم وتفتح: ولد البقرة الوحشية، وعاسم بالعين والسين المهملتين، قال الزخشري في كتاب "الأمكنة": هو موضع، وفي "القاموس: عاسم: موضع أو نقا بعالج، والنقا من الرَّمل: قطعة تنقاد محدودبة، وعالج: اسم رملة، قاله الزَّمخشري. وقال الأزهري: عالج رمال معروفة في البادية. ووقع في "الأغاني" وغيره "جاسم" بالجيم، وهي قرية بالشام منها أبو تمام صاحب "الحماسة" قال: وجاسم، موضع، ويروى في هذا الشعر "عاسم" مكان جاسم. انتهى. وكذا وقع في "حماسة الشريف" ورأيت في هامش "الكامل": قال أبو جعفر: قرأت في بعض الكتب أن ظباء جاسم، وهي قرية أبي تمام، أحسن الظباء، وكذا وحشها، خبرني بذلك أيضًا بعض من شاهدها. انتهى. وقوله: رجل ميسان، وامرأة ميسان: إذا كانا كثيري الوسن، وأقصده النعاس: يلغ من جهده، ورنّقت: دارت وماجت، وأصل الترنيق: دنو الشيء من الشيء. انتهى. وقد أورد المبرد في "الكامل" هذا مع بيتين قبله، وقال: السِّنة: شدة النعاس، وليس النوم بعينه، قال الله جل وعز: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة / ٢٥٥] ومعنى رنقت: تهيأت، يقال: زنق النسر إذا مدَّ جناحيه ليطير.
[ ٤ / ٩٨ ]
انتهى. وتفسيره السنة بما ذكر غير جيّد، والصواب تفسير صاحب "الكشاف" بالنعاس، وهو ما يتقدَّم النوم من الفتور، وأنشد هذا البيت، وهو قول ابن دريد في "الجمهرة" قال: السنة: اختلاط النوم بالعين قبل استحكامه، وقد فصل الله بين السنة والنوم بقوله ﷿: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ وأنشد هذا البيت. ولم يصب صاحب "الأغاني" بقوله: الوسنان النائم، والوسن: النّوم، والواحدة منه سنة، وأقصده: أصابه.
وقوله: وإذا هي ابتسمت .. إلى آخره، قال ابن السكيت: الحالم: الحليم، ويمقن: يحببن، وأهيف: ضامن، وعارم: صاحب عرامة وهي الأذى، وخوص: جمع خوصاء، وهي الغائرة العين من شدة السفر، والوسيج: ضرب من السير، وركب: جمع راكب، وسواهم: ضوامر.
وقوله: ونائل ينضي الجواد .. الخ، قال ابن السكيت: يقول: من طلبه في مثل سماحه أنضى فرسه، أيِّ: هزله قبل أن يلحق به، وإنما هذا مثل، والنكل: اللجام، يقول: هو مع ذلك قامع للظالم، ويقال: إن النكل القيد. وقوله: فلم تمل فربى عليه، أي: لم يحاب أقاربه في حكمه. وقوله: تربي، أي: تزيد، ومقاوم جمع مقام، والنفحات: الدفعات من العطاء.
وابن الرقاع: هو كما قال صاحب "الأغاني" عدي بن يزيد بن مالك بن عدي ابن الرقاع بن عصر بن عدَّة بن شعل بن معاوية بن الحارث، وهو عاملة بن عدي ابن الحارث بن مرَّة بن أدد، وأم معاوية بن الحارث عاملة بنت وديعة بنت قضاعة، وبها سمُّوا عاملة، ونسبه الناس إلى الرِّقاع، وهو جد جدّه، لشهرته. والرقاع بكسر الرّاء وتخفيف القاف، قال الجوهري: رقعت الثوب بالرقاع، وابن الرقاع العاملي شاعر، وقال:
[ ٤ / ٩٩ ]
لو كنت من أحد يهجا هجوتكم .. يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد
انتهى. وكان شاعرًا مقدمًا عند بني أمية مدَّ احًا لهم، خاصًا بالوليد بن عبد الملك، وله بنت شاعرة يقال لها سلمى، ذكر ذلك ابن النطاح، وجعله ابن سلاَّم في الطبقة الثالثة من شعراء الإسلام وكان منزله بدمشق، وهو من حاضرة الشعراء لامن باديتهم.
أخرج صاحب "الأغاني" عن أبي عبيدة أنه قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك، وعنده عدي العاملي، فقال له الوليد: أتعرف هذا؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا ابن الرقاع، قال: فشر الثياب الرقاع، ممّن هو؟ قال: من عاملة، قال: أما الذين قال الله ﷿: ﴿عاملة ناصبة، تصلى نارًا حاميًة﴾ [الغاشية / ٣]، فقال الوليد: والله ليركبنّك، ألشاعرنا ومادحنا، والرائي لأمواتنا تقول هذه المقالة، ياغلام عليَّ بإكاف ولجام، فقام إليه عمر بن الوليد، فسأله أن يعفيه فأعفاه، وقال: والله لئن هجوته لأفعلن بك ولأفعلن، فلم يصرح بهجائه، وعرّض له بقصيدته السينية. وأخرج عن محمد بن موسى المنجم أنه قال: ما أحد ذكر لي فأحببت أن أراه، فإذا رأيته أمرت بصفعه إلاَّ عديَّ بن الرقاع! قلت: ولم ذلك؟ قال: لقوله:
وعلمت حتى ما أسائل عالمًا عن حرف واحدة لكي أزدادها
فكنت أعرض عليه أصناف العلوم، فكلَّما مر به شيء لا يحسنه أمرت بصفعه. حدَّثني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال: حدثنا عبد الله بن مسلم قال: كان عديّ ابن الرقاع ينزل الشام، وكانت له بنت تقول الشعر، فأتاه ناس من الشعراء ليسابّوه
[ ٤ / ١٠٠ ]
وكان غائبًا، فسمعت ابنته -وهي صغيرة لم تبلغ- ذروًا من وعيدهم، فخرجت إليهم، وأنشأت تقول:
تجمعتم من كل أوب وفرقة على واجد لا زلتم قرن واحد
فأفحمتم.
وأخرج عن محمد بن عبّاد بن موسى أنه قال: كنت عند أبي عمرو الشيباني أعرض عليه شعر عدي بن الرقاع، وقرأت:
لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عثا البيت
مع بيتين بعده، فقال أبو عمرو: أحسن والله! فقال رجل كان يخضر مجلسه أعرابي كأنه مدني: أما والله لو رأيته مشبوحًا بين أبعةٍ وقضبان الدِّفلى تأخذه، لكنت له أشد استحسانًا، يعني إذا غنّي به على العود.
وأخرج عن أبي عبيدة أنه كان يستحسن قوله:
وسنان أقصده النعاس . . . . . البيت
ويقول: ما قال في هذا المعنى أحد أحسن منه. وأخرج عن محمّد بن سلام أنه قال: عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن عن الأردن، وضربه وحلقه، وأقامه للناس، وقال للمتوكلين به: من أتاه متوجعًا أو أثنى عليه فأتوني به، فأتاه عديّ بن الرقاع، وكان عبيدة إليه محسنًا فوقف عليه وأنشأ يقول:
فما عزلوك مسبوقًا ولكن إلى الغايات سباقًا جوادًا
وكنت أخي وما ولدتك أمّي وصولًا باذلًا لا مستزادًا
فقد هيضت بنكبتك القدامى كذاك الله يفعل ما أرادا
فوثب الموكلون، فأدخلوه على الوليد، وأخبروه بما جرى، فتغيَّظ عليه الوليد
[ ٤ / ١٠١ ]
وقال: أتمدح رجلًا فعلتُ به ما فعلت؟ ! فقال: يا أمير المؤمنين، إنه كان إلي محسنًا، ولي مؤثرًا؛ ففي أيّ وقت كنت أكافئه بعد هذا اليوم؟ ! فقال: صدقت وكرمت؛ قد عفوت عنك وعنه، فخذه وانصرف، فانصرف به إلى منزله. وأخرج عن ثعلب قال: قال نوح بن جرير لأبيه: يا أبة، من أنسب الشعراء؟ قال له: أمع ما قلت؟ قال له: إني لست أريد من شعرك، إنما أريد من شعر غيرك، قال: ابن الرقاع في قوله:
لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عثا .. الأبيات الثلاثة.
ثمَّ قال لي: ما كان يبالي إن لم يقل بعدها شيئًا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٧) حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ لناموا فما إن من حديث ولا صالي
على أن ابن عصفور زعم أنَّ لام جواب القسم تدخل بدون "قد" على الماضي البعيد الواقع جواب القسم.
والبيت من قصيدة لامرئ القيس، تقدم قريبًا شرح أبيات ثلاثة من أولها، وتقدم بعضها في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة وقد ذكرنا ما يتعلق به هنا في الشاهد الخامس عشر بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
وإن: زائدة، وكذلك "من" زائدة في المبتدأ، وخبره محذوف، أي: مستيقظ، والحديث: يحتمل أن يكون صفة بمعنى المحادث، كالعشير بمعنى المعاشر، ويحتمل أن يكون بمعنى الكلام، فيقدر مضاف، أي: ذي حديث، وصالي: من صلي بالنار، إذا قرب منها، ودفع بحرارتها ألم البرد. وقبله:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سموَّ حباب الماء حالًا على حال
[ ٤ / ١٠٢ ]
فقالت سباك الله إنَّك فاضحي ألست ترى السُّمَار والنَّاس أحوالي
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطَّعوا رأسي لديك وأوصالي
حلفت لها بالله .. البيت
والسمو: العلوّ، وأراد به النهوض، يقول: جئت إليها بعد ما نام أهلها، والحباب، بالفتح: النفاخات التي تعلو الماء، وقيل: الطرائق التي في الماء كأنها الوشي، وسباك الله: أبعدك وأذهبك إلى غربة، وقيل: لعنك الله، وقال أبو حاتم: معناه: سلّط الله عليك من يسبَّك، والسّمَار: المتحدثون باللَّيل في ضوء القمر، جمع سامر، وأحوالي: أطرافي جمع حول، وقوله: أبرح قاعدًا، أي: لا أبرح قاعدًا، والأوصال: المفاصل، وقيل: مجتمع العظام، جمع وصل بكسر الواو وضمها. وقد تكلمنا على هذا البيت في الشاهد التاسع بعد الثمانمائة من شواهد المحقق الرضي رحمه الله تعالى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٨) قد أترك القرن مصفرًا أنامله كأنَّ أثوابه مجَّت بفرصاد
على أنَّ "قد" فيه للتكثير، قال سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم من أواخر "كتابه" قال: وتكون "قد" بمنزلة "ربما"، وقال الشاعر الهذلي: قد أترك القرن .. البيت، كأنما قال: ربما. انتهى. وهذه عبارة مجملة، فإنَّ ربما تأتي للتقليل، وتأتي للتكثير، ولم يشرح هذه العبارة السيرافي ولا أبو علي في شرحيهما، وحمل ابن مالك على الأول، وحمل أبو حيَّان على الثاني وتبعه المصنف، وقد شنع بعض الفضلاء على المصنف، ورد عليه الدماميني قال هنا: قال ابن مالك: إطلاق سيبويه القول بأنها بمنزلة ربّما موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضي، واعترضه
[ ٤ / ١٠٣ ]
أبو حيان فقال: لم يبين سيبويه الجهة التي فيها "قد" بمنزلة "ربما" ولا يدلّ على ذلك التسوية في كلّ الأحكام، بل يستدل بكلام سيبويه على نقيض ما فهمه ابن مالك، وهو أن قد بمنزلة رَّبما في التكثير فقط، ويدل عليه إنشاد البيت، لأنَّ الإنسان لا يفخر بما يقع منه على سبيل القلة والنذرة، وإنّما يفتخر بما يقع منه على سبيل الكثرة، فيكون قد بمنزلة ربّما في التكثير. انتهى. وانتصر بعض الفضلاء لابن مالك فقال: أما قوله: لم يبين سيبويه الجهة التي فيها .. الخ، فإطلاق التسوية كاف في الأحكام كلّها إلّا ما تعين خروجه، وأما قوله: لأنَّ الإنسان .. الخ، فجوابه أن ذلك فيما يمكن وقوعه قليلًا وكثيرًا، فلا يفخر منه إلَّا بالكثير، أمّا ما لا يقع إلَّا نادرًا، فيقع الافتخار منه بالقليل لاستحالة الكثرة فيه، وترك المرء قرنه مصفر الأنامل، كأنَّ أثوابه مجت بفرصاد، يستحيل وقوعه كثيرًا، وإنما يتفق نارًا، فلذلك يفتخر به، لأنَّ القرن هو المقاوم للشخص الكفء له في شجاعته، فلو فرض مغلوبًا معه في الكثير من الأوقات، لم يكن قرنًا له، إذ لا يكون قرنًا إلَّا عند المكافأة غالبًا، إذا تقرر هذا فنقول: لما كان قوله القرن يقتضي أنه لا يغلب قرنه، لأن القرنين غالب أمرهما التعارض، ثمَّ قضى بأنه قد يغلبه؛ حملنا ذلك على القلة صونًا للكلام عن التدافع، وقلنا: المراد أنه يتركه كذلك تركًا لا يخرجه عن كونه قرنًا، وذلك هو الترك النَّادر، لئلَّا يدفع آخر الكلام أوله. والزّمخشري فهم ما فهم أبو حيان من أن قد في البيت للتكثير، فقد اتجهت المؤاخذة على ابن هشام في نقله هذا المعنى عن سيبويه، فإنَّ سيبويه لم يقله نصًا، وإنما فهمه أبو حيان عنه، ثمَّ أبو حيّان ليس جازمًا به، وإنما قاله معارضًا لفهم ابن مالك. ومثل هذا لا يكفي في تسويغ النقل عن سيبويه أنه قال: إنَّ "قد" في البيت للتكثير، وغايته فهم جوّزه أبو حيّان، وسبقه الزمخشري إليه، وهو معارض لفهم ابن مالك أحد المجتهدين في النحو. كذا قال ذلك الفاضل. قلت حاصل كلامه أنَّ التكثير فيه ملزم للتناقض بناء على أنّ القرن هو الكفء، وكثرة مغلوبيه تمنع كونه قرنًا، وقد فرض أنه قرن هذا خلف، وإنما يتم ذلك، أن لو
[ ٤ / ١٠٤ ]
كان المراد بالقرن واحدًا وهو ممنوع، بل الظاهر أنَّ المراد به الجنس، فإذا فرضنا أنه غلب جميع أقرانه وهو مائة مثلًا، كلّ واحد مرّة، حصلت كثرة الغلبة مع انتفاء التناقض، لتعدد المحال، وهذا هو اللائق بمقام الافتخار، وظهر بهذا أنَّ: قوله: لاستحالة الكثرة فيه مستدرك، وأنَّ قوله: إن ذلك فيما يمكن وقوعه قليلًا وكثيرًا فلا يفتخر منه إلَّا بالكثير لا يجديه نفعًا في مرامه، بل هو عليه كما عرفت. إلى هنا كلام الدماميني، ولم يرد على ذلك الفاضل في "شرح التسهيل" وإنما أورد كلامه هناك وسلمه، بل شنع على المصنف غاية التشنيع، وعلم منه أن "الحاشية الهندية" بعد "شرح التسهيل" قال فيه بعد أن نقل اعتراض أبي حيان على ابن مالك: وراج هذا الاعتراض على ابن هشام مع كثرة انتقاده على أبي حيان، فظنّه صحيحًا، وحمله على أن جزم بـ "قد" التكثير في معاني قد، وأنشد عليه البيت، بل ونسب القول بكونها للتكثير إلى سيبويه من غير تلعثم، واعتراض أبي حيان بمدرجة التزييف والرّد، ثمَّ نقل كلام ذلك الفاضل ولم يتعقبه بشيء، وقد حصل جماعة معنى قد في البيت على التكثير، منهم الرضي في "شرح الكافيه" وشراح "المفصّل" وما نقله ذلك الفاضل عن ابن مالك وأبي حيان لم أره في "التسهيل" وشروحه، بل رأيت أبا حيان قد تعقب صاحب "الكشاف" في قوله: إنَّ "قد" في الآية للتكثير، قال في "البحر": وقال الزمخشري (قد نرى): ربَّما نرى، ومعناه كثرة الرؤية، كقوله: قد أترك القرن .. البيت، وهذا على التحقيق متضاد، لأنه شرح: قد نرى بـ "ربَّما" نرى، ورب على مذهب المحققين إنما تكون لتقليل الشيء في نفسه، أو لتقليل نظيره، ثم قال: ومعناه كثرة الرؤية، فهو مضاد لمدلول "ربَّ" على مذهب الجمهور، ثمَّ هذا [المعنى] الذي ادعاه من كثرة الرؤية لا يدلّ عليه اللفظ، لأنه لم يوضع لكثرة قد مع المضارع، سواء أريد به المضي أم لا، وإنما فهمت الكثرة من متعلق الرؤية وهو التقلب،
[ ٤ / ١٠٥ ]
وقال في "النهر" أيضًا بعد كلام الزمخشري: "ربَّ" على مذهب الجمهور لتقليل الشيء في نظيره أو في نفسه، وتركيب قد مع المضارع لا يدل على الكثرة، بل إن فهمت الكثرة فمن خارج، والكثرة هنا إنما فهمت من متعلق الرؤية، لأنَّ من رفع بصره [إلى السماء] مرّة واحدة لا يقال فيه: قلب بصره، وإنما يقال "قلّب" إذا ردد، فالكثرة ههنا إنما فهمت من التقلب الذي هو مطاوع التقليب. انتهى. و"قد" عند صاحب "الكشاف" ليست موضوعة، وإنما هي في الآية والبيت مستعارة للتكثير، قال التفتازاني تبعًا للقطب والطّيي: يعني صاحب "الكشاف: إن أصل قد في المضارع للتقليل، وقد استعيرت ههنا للتكثير بمناسبة التضاد كـ "ربَّما". انتهى. وقد حقق صاحب "الكشاف" في تفسير سورة التكوير [الآية ١٤] عند قوله تعالى: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ أنّ أصل مفاد "قد" التقليل، قال: فإن قلت: كل نفس تعلم ما أحضرت، كقوله: ﴿يوم نجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا﴾ [آل عمران/ ٣٠] الأنفس واحدة، فما معنى قوله: ﴿عملت نفس﴾؟ قلت: هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر/ ٢] ومعناه معنى كم وأبلغ، ومنه قول القائل: قد أترك القرن .. البيت، وتقول لبعض قواد العسكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: ربّ فارس عندي، أو: لا تعدم فارسًا عندي، وعنده المقانب. وقصده بذلك التمادي في كثرة فرسانه، ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده فضلًا أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين. انتهى كلامه. قال الإمام الطيبي هذا الجواب للإمام، وهذا كمن يسأل عالمًا عن
[ ٤ / ١٠٦ ]
مسألة ظاهرة، ويقول له: هل عندك شيء فيها؟ فيقول: ربما حضر شيء، وغرضه الإشارة إلى أنَّ ما عنده في تلك المسألة ما لا يقوم به غيره، وأراد بالتقليل في قوله: قد أترك التكثير لمقام المدح. وقوله: ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين، وذلك أن العكس في الكلام إنما يصار إليه للمبالغة، والمتكلم إنما يتمكن منه إذا لم ينازع فيما عكس فيه، وأنه كالمجمع عليه بقرائن الأحوال، ولذلك قال: وتقول لبعض قواد العساكر، وعليه قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ انتهى كلام الطيبي فعلم أن كلا محملي كلام سيبويه صحيح، فمن قال: إن "قد" مثل "ربما" في التقليل، كان باعتبار الوضع. ومن قال: إن قد مثلها في التكثير، كان باعتبار المراد، وبهذا يصح القولان ويزول الخلاف، ولله الحمد والمنَّة.
وقد وقع في "كتاب سيبويه" نسبة البيت على بعض الهذليين، ولم أره في أشعارهم من رواية السكّري، ورأيته من قصيدة لعبيد بن الأبرص الأسدي، أوردها الأصمعي في "الأصمعيات" وهذا مطلعها:
طاف الخيال علينا ليلة الوادي من آل أسماء لم يلمم بميعاد
أنَّي اهتدين لركب طال ليلهم في سبسبٍ بين دكداك وأعقاد
يطوِّفون الفلا في كل هاجرةٍ مثل الفنيق إذا ما حثَّه الحادي
إلى أن قال:
اذهب إليك فإنِّي من بيني أسدٍ أهل القباب وأهل المجد والنادي
قد أترك القرن مصفرًّا أنامله كأنَّ أثوابه مجَّت بفرصاد
قوله: أنَّ اهتديت: خطاب للخيال، أي: كيف اهتدين؟ التفت من الغيبة على الخطاب، والسبب: المفازة والقفر، والدكداك، بالفتح: ما التبد من الرمل
[ ٤ / ١٠٧ ]
ولم يرتفع، وأعقاد: جمع عقد، بفتح فكسر، وهو ما تعقَّد من الرمل، أي: تراكم، وطوّف: مبالغة طاف، والفنيق، بفتح الفاء وكسر النون: الفحل المكرم من الإبل. وقوله: اذهب إليك، فيه حذف مضاف، أي: اذهب إلى قومك، بدليل قوله: فإني من بني أسد، فلا يرد أن مجرور إلى وفاعل متعلقها ضميران لشيء واحد. وقال ابن حبيب في قول الأعشى:
فاذهبي ما إليك أدركني الحلم عداني عن هيجكم أشغالي
إنَّ العرب تقول: اذهب إليك، وسر عنك، بزيادة إليك وعنك. انتهى. وقال القاضي عياض في "الشفا" في فصل فصاحته ﷺ، في حديث العامري حين سأله: "سل عنك" أي: سل عم شئت، وهي لغة نبي عامر. انتهى. وهذا لا يتأتى أن يجري في بيت عبيد، ووجه البلاغة في هذه الكلمة أنها جعلت كناية عن سل عن كل شيء، فإنّض كل أحد أدرى بنفسه، فإذا أمره بسؤاله عنها فكأنه قال له: أنا أعلم بك منك.
وقوله: أترك القرن .. الخ، القرن بكسر القاف: المماثل في الشجاعة، والأنامل: رؤوس الأصابع، وأترك: من الترك بمعنى التخلية، ويتعدى إلى مفعول واحد، فمصفرًا هو المفعول الثاني، والمعنى: أقتله، فينزف دمه، فتصفر أنامله. وقال الأعلم: خصّ الأنامل لأن الصفرة إليها أسرع، وفيها أظهر. وقال ابن السيرافي في "شرح أبيات الغريب المصنف": يريد أنّضه يقتل قرنه فتصفر أنامله، ويقال: إنه إذا مات الميت اصفرت أنامله، ومجَّت: رميت، والمراد صبغت، والفرصاد بكسر الفاء، قال الأعلم: هو التوت، شبه الدم بحمرة عصارته وفي "القاموس": القرصاد: التوت أو أحمره أو صبغ أحمر.
[ ٤ / ١٠٨ ]
وقد تداول الشعراء هذا البيت، فبعضهم أخذه بلفظه، وبعضهم أخذ معناه، قال أبو المثلم الهذلي يرئي صخر الغي الهذلي:
ويترك القرن مصفرًّا أنامله كأنَّ في ريطتيه نضح إرقان
والإرقان، بكسر الهمزة وبالقاف: الزعفران، وقال المتنخل الهذلي يرثي ابنه:
والتَّارك القرن مصفرًا أنامله كأنه من عقار قهوة ثمل
وقال زهير بن مسعود الضبي:
هلَّا سألت هداك الله ما حسبي عند الطِّعان إذا ما احمرّضت الحدق
هل أترك القرن مصفرًّا أنامله قد بل أثوابه من جوفه العلق
وقالت ريطة الهذلية ترثي أخاها عمرًا ذا الكلب:
والتَّارك القرن مصفرًّا أنامله كأنَّه من نجيع الجوف مخضوب
وقال زهير بن أبي سلمى:
قد أترك القرن مصفرًّا أنامله يميد في الرُّمح ميد المائح الأسن
المائح بالهمزة: الذي يملأ الدلو في أسفل البئر، والأسن بفتح الهمزة وكسر السين المهملة: الذي أصابته ريح منتنة من ريح البير أو غير ذلك، فغشي عليه أو دار رأسه. وقال أحد بني جرم:
[ ٤ / ١٠٩ ]
وأترك القرن مصفرًّا أنامله دامي المراد ع منكبًا على العفر
وقالت عمرة بنت شداد الكلبيّة ترثي أخاها:
قد يطعن الطعَّنة النجلاء يتبعها مضرّج بعدها تغلي بإزباد
ويترك القرن مصفرًّا أنامله كأنَّ أثوابه مجَّت بفرصاد
وقال الأعشي:
قد أترك القرن مصفرًّا أنامله وقد يشيط على أرماحنا البطل
وعبيد بن الأبرص: شاعر جاهلي تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الخامس والعشرين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٩) قد أشهد الغارة الشعواء تحملني جرداء معروقة اللَّحيين سرحوب
لما تقدَّم قبله. وهو من قصيدة لامرئ القيس، وقبله وهو مطلعها:
الخير ما طلعت شمس وما غربت مطَّلبٌ بنواصي الخيل معصوب
[ ٤ / ١١٠ ]
والخير: مبتدأ، ومطلب: خبره. وما: مصدرية ظرفية، والباء متعلقة بمطلب، ومتعلق معصوب محذوف تقديره بها، وهو موافق للحديث: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وقوله: قد أشهد، أي: أحضر، والغارة: الخيل المغبرة على الأعداء، وأصله اسم مصدر من أغار على العدوّ إغارة، أي: هجم عليه، شعواء: بالشين المعجمة والعين المهملة: المتفرقة، تتفرَّق الخيل على الأعداء من هنا ومن هنا حتى لا يفوتهم أحد من العدوّ، والجرداء، بالجيم: مؤنث الأجرد، يقال: فرس أجرد، وفرس جرداء، إذا كان رقيق الشعر قصيره، وهو من وصف كرائم الخيل، ومعروقة: قليلة اللحم ضامرة، وهذا أيضًا صفة مدح، واللحيين: مثنى لحي، بفتح اللَّام وسكون الحاء المهملة: العظم الذي ينبت عليه الأسنان من داخل الفم، وتنبت عليه اللحية من الخارج. والسرحوب: الطويلة على وجه الأرض، وهو وصف خاص بإناث الخيل.
وأضاف المصنف هذا البيت إلى العروض، أي: علم العروض، لأنه يذكر شاهدًا للضرب الثاني من البسيط، وهو مذكور في كلّ كتاب من علم العروض وبعده:
كأَّنها حين فاض الماء واختلفت صقعاء لاح لها بالسَّرحة الذِّيب
فأبصرت شخصه من دون مرقبة ودون موقعها منه شناخيب
فأقبلت نحوه في الرِّيح كاسرةً يحثها من هواء الجوِّ تصويب
صبَّت عليه ولم تنصب من أمم إنَّ الشَّقاء على الأشقين مصبوب
كالدَّلو بتّت عراها وهي مثقلة إذ خانها وذم منها وتكريب
[ ٤ / ١١١ ]
لا كالَّتي في هواء الحوِّ طالبةً ولا كهذا الَّذي في الأرض مطلوب
كالبرق والرِّيح مر منهما عجب ما في اجتهاد عن الإسراع تغبيب
فأدركته فنالته مخالبها فانسلَّ من تحتها والدَّف منقوب
وقوله: كأنها .. الخ، أي: كأنَّ الفرس حين عرقت، فالماء عرقها، واختلفت، أي: استقت ماء، يريد: كأنها استقت ماء من شدة عرقها، أو معناه: ترددت جاءت وذهبت، فإنَّ الاختلاف أحد معانيه التردد، جاءت وذهبت، فإنَّ الاختلاف أحد معانيه التردد، وصقعاء: خبر كأنها، شبّه الفرس بالعقاب الصقعاء، وهي التي في وسط رأسها صقعة، أي: بياض، ولاح: ظهر، والسرحة: شجرة، وقيل: موضع، يقول: كانت العقاب واقفة تبصر صيدًا، فلاح لها الذئب.
وقوله: فأبصرت شخصه .. الخ، المرقبة، بالفتح: الموضع العالي الذي يرقب فيه العدوّ. وموقع العقاب: الموضع الذي هي واقفة عليه، والشناخيب: رؤوس الجبال، أي: بين موقعها من الذئب وبينه رؤوس جبال عالية.
وقوله: فأقبلت نحوه .. الخ، أي: نحو الذئب، وكسر الطائر: إذا صف جناحيه، والتصويب: الانصباب.
وقوله: صبّت عليه، أي: سلِّطت العقاب على الذئب، والأمم، بفتحتين القرب، يقال: أخذته من أمم، والأشقين: جمع أشقى. وهذا المصراع من إرسال المثل. وقوله: بُتّت عراها .. الخ، شبّه هويّ العقاب بسرعة هويّ الدلو الممتلئة إذا انقطع حبلها، وبُتت: قُطعت من البتّ، وهو القطع. والعرى: جمع عروة، والوذم، بفتح الواو والذال المعجة: السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقي، وهي العيدان المصلبة، تشد من أسفل الدلو إلى قدر ذراع أو ذراعين من حبل الدلو مما يلي الدّلو، فإن انقطع حبلها تعلقت بالوذم، والتكريب: شد الكرب –بفتحتين- وهو الحبل الذي يشد في وسط العراقي، ثمَّ يثني، ثمَّ يثلث، ليكون هو الذي يلي الماء، فلا يعفن الحبل الكبير.
[ ٤ / ١١٢ ]
وقوله: لا كالّتي في هواء الجو .. البيت، هو من شواهد الرّضي وسيبويه، شرحناه في الشاهد السادس والستين بعد المائتين. قال الأعلم: الشاهد فيه: رفع "مطلوب" حملًا على موضع الكاف، لأنها في تأويل مثل، وموضعها رفع، وهو بمنزلة: لا كزيد رجل، ولو نصبت حملًا على اللفظ وعلى التمييز لجاز. انتهى. ونقل ابن السراج في "الأصول" عن سيبويه أنَّ اسم "لا" في مثل هذا محذوف، والكاف حرف كأنه قال: ولا شيء كهذا، والمعنى: لا شيء كهذه العقاب الطالبة، ولا شيء كهذا الذئب المطلوب في قطع المسافة بالسرعة. قال ابن رشيق في "العمدة": هذا البيت عند دعبل أشعر بيت قالته العرب، وبه قدمه على الشعراء.
وقوله: كالبرق والرّيح .. الخ، يقول: إنَّ العقاب والذئب مرّهما وسرعتهما كالبرق والريح، والتغبيب: الفتور والتقصير، يقال: غبّب فلان في الحاجة تغبيبًا: إذا لم يبالغ فيها، وهو من الغبّ، بالغين المعجمة والباء الموحدة.
وقوله: فأدركته .. الخ، انسل: انفلت، والدفّ، بفتح الدال وتشديد الفاء: الجنب، يغني: أفلت الذئب من العقاب ونجا، لكن نقبت جنبه. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاء الرابع من أول الكتاب.
قال ابن حبيب في "شرح ديوان امرئ القيس" يقال: إنَّ هذه القصيدة لرجل من الأنصار، وهي بشعره أشبه. وصرَّح ابن يسعون في "شرح شواهد إيضاح أبي علي" باسمه، وقال: الصحيح أنَّ هذا البيت من قصيدة لعمران بن إبراهيم الأنصاري، وأنشد بعده:
إذا تبصَّرها الراؤون مقبلة لاحت لهم غرَّة منها وتجبيب
رفاقها ضرمٌ وجريها خذم ولحمها زيم والبطن مقبوب
[ ٤ / ١١٣ ]
واليد سابحة والرِّجل ضارحة والعين قادحة والمتن ملحوب
والماء منهمر والشَّدُّ منهمر والقصب مضطمر واللَّون غربيب
وقال: سابحة، أي: عائمة، استعار ذلك للفرس، والضارحة: النافحة برجليها، والقادحة: الغائرة، والمتن: الظهر، وملحوب: أملس قليل اللّحم، كأنه مقشور، ويروي: مقبوب، أي: مضمر، والأقب: الضامر. انتهى. واقتصر السيوطي على ما أورده ابن يسعون.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون بعد المائتين:
(٢٩٠) وألحق بالحجاز فأستريحا
وصدره:
سأترك منزلي لبني تميم
على أنه جاء "أسريح" منصوبًا بأن المضمرة بعد الإثبات ضرورة ولا نفي قبله، ولا يلزم من نصب الفعل بأن المضمرة تقدم نفي. قال ابن يسعون في "شرح أبيات الإيضاح" نصب بالفاء في الواجب ضرورة وتشبيهًا بغير الواجب، وإنما حقه الرفع، إذ لا ضرورة تدعو إلى إضمار "أن" في غير الشعر، فأمّا غير الواجب فإنه بخلاف ذلك إذا لم ترد عطف الفعل على الفعل، فأنت مضطر إلى تقدير المصدر، ليصح تقدير العطف، تقول: زرني فأحسن إليك، ولو عطفت لم يجز، لأنَّ المتكلم لا يأمر نفسه بغير لام، وكذلك القول في جميع هذا الباب، وإنَّما يحمل على المعنى بسبب يقتضي ذلك، وإلَّا فالحمل على اللفظ هو الوجه. وزعم أبو علي أنَّ النّصب في الواجب كالنصب في غير الواجب، لأنَّ الفعل يدل على مصدره في الوجهين، غير أنَّ الاستعمال ورد بأحدهما، فكان الآخر شاذًا من حيث الاستعمال، مطّردًا من حيث القياس، وكذلك الواو. انتهى.
[ ٤ / ١١٤ ]
وقال سيبويه: وقد يجوز النّصب في الواجب في اضطرار الشّعر، ونصبه في الاضطرار من حيث انتصب في غير الواجب، وذلك لأنَّك تجعل "أن" العاملة، فمما نصب في الشعر اضطرارًا قول الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميمٍ وألحق بالحجاز فاستريحا
وقال الأعشى، وأنشدناه يونس:
ثمَّت لا يجزوني عند ذاكم ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
وهو ضعيف في الكلام، وقال طرفة:
لنا هضبة لا ينزل الذُّلُّ وسطها ويأوي إليها المستجير فيعصما
انتهى. قال السيرافي: وأمّا قراءة عبد الله بن عامر اليحصبي ﴿وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ [البقرة/ ١١٧] فضعيفة؛ لأنَّه لا منصوب قبله فيعطف عليه، وإنما نصب مثله في ضرورة الشعر، لأنَّه موجب، وما قبله موجب، وهو مثل:
وألحق بالحجاز فأستريحا
ومثل:
يأوي إليها المستجير فيعصما
ومثل:
ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
[ ٤ / ١١٥ ]
ويروي: "ليعقبا" ولو روي جميع ذلك باللام لكان مستقيمًا غير خارج عن المعنى، ولا داخل في الضرورة. انتهى. وقال الأعلم. ويروي: "لأستريحا" ولا ضرورة فيه على هذا. انتهى. فقال ابن السراج في "الأصول": جعل لحاقه بالحجاز سببًا لاستراحته، فتقديره لما نصب كأنه قال: يكون لحاق فاستراحة، وقد جاء مثله في الشعر لقوم فصحاء، إلَّا أنّه قبح النصب في العطف على الواجب الذي على غير شرطه، لأنه قد جعل لهذا المعنى آلاتٍ، وكان حق الكلام أن يقول في غير شعر: وألحق بالحجاز، فإذا لحقت استرحت، أو: وإن ألحق استرح، ومع ذلك فإن الإيجاب على غير شرط أصل الكلام، وإزالة اللفظ عن جهته في الفروع وأحسن منها في الأصول، لأنها أدل على المعاني. وقول الدماميني النصب على حد:
ولبس عباءةٍ وتقرَّ عيني
غير جيّد، إذ لا مصدر صريح. وقال أيضًا: لقائلٍ أن يقول: لا نسلّم أنّ "أستريح" منصوب، بل مرفوع مؤكد بالنون الخفيفة، موقوفًا عليها بالألف، وتوكيد مثل هذا جائز في الضرورة، قال سيبويه: يجوز للمضطر: أنت تفعلنّ، ولا شك أن التخريج على هذا متجه، بخلاف التخريج على النصب مع فقد شرطه. هذا كلامه، وهو من باب غسل الدم بالدم، لأنه تفصّى عن ضرورة ولجأ إلى ضرورة، وشرط كل من النصب والتوكيد مفقود. وقوله: بل مرفوع، عجيب، فإنَّ المؤكّد بالنون يكون مبنيًّا.
والبيت نسبه ابن يسعوهن وغيره إلى المغيرة بن حبناء بن عمرو بن ربيعة الحنظلي التميمي، وقد رجعت إلى ديوانه، وهو صغير، فلم أجده فيه، وهو شاعر فارس من شعراء الدولة الأموية، وأحد فرسان خراسان، وله مدائح في المهلب بن أبي صفرة، وطلحة الطلحات، وغالب شعره هجو في أخيه صخر، ولهما قصائد تناقضًا بها، ومنه قوله فيه:
[ ٤ / ١١٦ ]
ألا أبلغا صخرًا فإني لم أكن لأقذف صخرًا بالنِّفاق ولا الكفر
ولكن في صخر عيوبًا كثيرة إذا ذكرت نقبن من حيث لا يدري
عيوبًا وفحشًا للصّديق وغفلة وغشًا وشعر أمثل شعر أبي الجبر
وأبو الجبر: مجنون من بني ربيعة بن حنظلة، كان يقول شعرًا مخلطًا محالًا.
وقال أيضًا:
أبوك أبي وأنت أخي ولكن تفاصلت الصَّنائع والظّروف
وأمُّك حين تنسب أمُّ صدق ولكنَّ ابنها طبع سخيف
قال صاحب "الأغاني": وحبناء: لقب على أمّه غلب على أبيه، واسمه حبين، هاجي زياد الأعجم، وحبناء: بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدّة بعدها نون فألف ممدودة، وحبين: بضمّ المهملة وفتح الموحدة: مصغر أحين.
حرف الكاف
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد المائتين:
(٢٩١) وطرفك إما جئتنا فاحبسنَّه كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
على أنَّ الأصل عند الفارسي: كيما .. إلى آخره. قال ابن مالك في "شرح
[ ٤ / ١١٧ ]
التسهيل": وإذا حدث فيها، أي: في "كما" معنى التعليل، ووليها مضارع نصبته، لشبهها بـ "كي" كقول الشاعر: وطرفك إمّا جئتنا .. البيت. وزعم الفارسي أن الأصل: كيما، فحذفت الياء، وهذا تكلّف لا دليل عليه ولا حاجة إليه. انتهى. قال أبو حيّان في "شرحه" بعد أن نقله: كان ينبغي أن يقول: ووليها مضارع نصبته على قلة، كما قال في المتن: "وربّما" وكأنه اكتفى بتقييده في المتن. وقوله: "زعم الفارسي": هذا الذي ذهب إليه الفارسي مذهب الكوفيين، زعموا أنَّ "كما تغدِّي" من قوله:
كما تغدِّي القوم من شوائه
في موضع بـ "كيما"، وكما محذوفة من كيما، وسكّنوا ياء تغدي ضرورة، واستدلوا بقوله: كما يحسبوا، يريد: كيما يحسبوا، ولذلك حذف النون. وقوله: وهذا تكلف .. الخ، ليس كما ذكر، بل هو تأويل عليه دليل، وإليه حاجة، وذلك أنّه لم يثبت النصب بكما في موضع خلاف هذا المختلف فيه، فيحمل هذا عليه، والنّصب ثابت بكيما، والعلّة في كيما أصل، وفي كاف التشبيه المكفوفة بـ "ما" ليس أصلًا، ولذلك وقع الخلاف في: "انتظر كما آتيك" بين الخليل والقرّاء، فالأولى أن يعتقد أصلها كيما، لظهور التعليل فيها، ولثبوت النصب بكيما. انتهى.
وجزم ابن عصفور في كتاب "الضرائر" أنَّ أصلها كيما، قال: فحذفت الياء من كي ضرورة، ونسب ابن جنّي هذا التخريج في "إعراب الحماسة" للكسائي لا لشيخه أبي علي، قال في آخر "الحماسة" عند قول الشاعر:
أنخ فاصطبغ قرصًا إذا اعتادك الهوى بزيت كما يكفيك فقد الحبائب
يحكي الكوفيون أنَّ كما من حروف النصب للفعل، وينشدون:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
[ ٤ / ١١٨ ]
وهذا شيء لا يثبته أصحابنا. وقال الكسائي فيما أظنّ: إنَّ أصله: كيما، فحذفت الياء. انتهى. أقول: وكذا نسبه ثعلب للكسائي قال في "أماليه":
وطرفك إما جئتنا فاحفظنَّه كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تصرف
زعم أصحابنا أنَّ كما تنصب، فإذا حيل بينهما رفعت، كقوله:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدِّثه عن ظهر غيبٍ إذا ما سائلٌ سألا
وغيرهم يقول: "كما" ترفع، قال هشام: أفعل كما يفعلون، قال: يزعم البصريون أنها لا تعمل كما تعمل كي، قال: وأصحابنا يقولون: كما كـ "كي"، قال الكسائي: مثل ذلك: أتينك كي فينا ترغب، وأنشد:
قلت لشيبان ادن من لقائه كما تغدِّي القوم من شوائه
قال: إذا لم تكن بمعنى كي، تكون بمعنى الجزاء، كما قمت قمت. وقال: "كما تكون تشبيهًا، وتكون جزاء، كما قمت قعدت، والتشبيه: قمت كما قمت، وتكون بمعنى كيما وكيلا. انتهى.
فعلم أنَّ ما نسب إلىلفارسي هو مذهب الكسائي، وأنَّ شرط نصب المضارع عندهم أن تتصل به، فلو فصلت عنه لم تنصبه، بل يكون مرفوعًا.
وتكلّم على هذه المسألة أبو البركات عبد الرّحمن بن الأنباري في كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف" قال: ذهب الكوفيون إلى أنَّ "كما" تأتي بمعنى "كيما" وينصبون بها ما بعدها، ولا يمنعون جواز الرفع، واستحسنه أبو العباس المبرد من
[ ٤ / ١١٩ ]
البصريين. وذهب البصريون إلى أنَّ "كما" لا تأتي بمعنى كيما، ولا يجوز نصب ما بعدها بها.
أمّا الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن كما تكون بمعنى كيما وأن الفعل ينصب بها أن قد جاء ذلك كثيرًا في كلامهم، قال صخر الغيّ:
جاءت كبيرٌ كما أخفرِّها والقوم صيدٌ كأَّنهم رمدوا
أراد: كيما أخفّرها، ولهذا المعنى انتصب أخفِّرها. وقال الآخر:
وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنَّه كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
أراد: كيما يحسبوا، وقال رؤبة:
لا تظلموا النَّاس كما لا تظلموا
أراد: كيما لا تظلموا. وقال عدي بن زيد العبادي:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدثه . . . . . البيت
وقال آخر:
يقلِّب عينيه كما لأخافه تشاوس رويدًا إنّني من تأمَّل
[ ٤ / ١٢٠ ]
أراد: كيما أخافه، إلَّا أنّه أدخل اللَّام توكيدًا، ولهذا المعنى كان الفعل منصوبًا، فهذه الأبيات تدل على صحة ما ذهبنا إليه.
وأمّا البصريّون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه لا يجوز النّصب بها؛ لأنَّ الكاف في "كما" كاف التشبيه أدخلت عليها ما، وجعلا بمنزلة حرف واحد، كما أدخلت "ما" على ربّ، وجعلا بمنزلة حرف واحد، ويليها الفعل كرّبما. وكما أنهم لا ينصبون الفعل بعد رَّبما، فكذلك ههنا.
وأمّا الجواب عن كلمات الكوفيين: أمّا البيت الأوَّل فلا حجة لهم فيه؛ لأنه روي: "كما أخفّرها" بالرفع، لأن المعنى: جاءت كما أجيئها، وكذلك رواه القرّاء من أصحابكم، واختار الرّفع، وهي الرواية الصحيحة. وأمّا البيت الثاني فلا حجّة فيه أيضًا؛ لأنَّ الرواية: "لكي يحسبوا" وأمّا البيت الثالث فلا حُجّة لهم فيه أيضًا؛ لأنَّ الرواية فيه بالتوحيد:
لا تظلم الناس كما لا تظلم
كالرواية الأخرى:
لا تشتم النّاس كما لا تشتم
وأما البيت الرّابع فليس فيه أيضًا حجّة؛ لأنَّ الرواة اتفقوا على أنَّا الرواية: "كما يومًا تحدثه" بالرّلإع، كقول أبي النّجم:
قلت لشيبان ادن من لقائه كما تغدي القوم من شوائه
وكقول الآخر: أنخ فاصطبغ قرصًا .. البيت. ولم يروه أحد: "كما يومًا تحدثه" بالنّصب إلَّا المفضل الضبي وحده، فإنه كان يرويه منصوبًا، وإجماع الرواة من نحاة البصرة والكوفة على خلافة، والمخالف له أقوم منه بعلم العربية.
وأما البيت الخامس ففيه تكلف، والأظهر فيه:
يقلِّب عينيه لكيما أخافه
[ ٤ / ١٢١ ]
على أنه لو صح ما رووه من هذه الأبيات على مقتضى مذهبهم؛ فلا يخرج ذلك عن حدّ الشّذوذ والقلة، فلا يكون فيه حجّة، والله أعلم. هذا آخر كلام ابن الأنباري.
بقي وجه ذكره المصنف في التقارض من آخر الكتاب، وهو أن تكون "ما" في "كما" ناصبة، كما قيل في حديث: "كما تكونوا يولَّىعليكم" أعطى "ما حكم أن المصدريّة فعملت، كما أعطى أنَّ حكم ما المصدرية فأهملت في قوله:
أن تقرآن على أسماء ويحكما .. البيت.
وما نقله المصنّف عن أبي محمّد الأسود من أنّ أبا علي حرَّف هذا البيت لغو لا يلتفت إليه، فإنَّ البيت من أدلّة الكوفيّين قبل أن يخلق أبو علي الفارسي، فما كان ينبغي للمصنّف أن ينقله ويسلّمه. وكان هذا الأسود –واسمه الحسن بن أحمد الأعرابي المعروف بالغندجاني، وغندجان: بلدة قليلة الماء والنّبات بفارس- متهوّسًا متشدّقًا، له إقدام وجرأة في الردّ على العلماء المتقدّمين، ومستنده فيما يرويه أبو النّدى محمّد بن أحمد، وهذا رجل مجهول، وكان الشريف ابن الهباريّة الشاعر يقول: ليت شعري، من هذا الأسود الذي قد نصب نفسه للردّ على العلماء، وتصدّى للأخذ على الأئمة القدماء! بماذا نصحح قوله، ونبطل قول الأوائل، ولا تعويل له فيما يرويه إلَّا على أبي النَّدى، ومن أبو النّدى في العالم؟ ! لا شيخ مشهور، ولا ذو علم مذكور! قال ياقوت الحموي بعد ما تقدَّم: ولعمري إنَّ الأمر كما قال، فإن هذا يقول: أخطأ ابن الأعرابي في أنَّ هذا الشعر لفلان، إنما هو لفلان بغير حجّة واضحة، وكان لا يقنعه أن يرد على أهل العلم ردًا جميلًا، إنما يجعله من باب السخريّة والتهكم، وضرب الأمثال، وكان يتعاطى تسويد لونه، ويدّهن بالقطران، ويقعد في الشمس ليحقق لنفسه التلقيب بالأعرابي، ورزق سعادة وثروة، رأيت بعض تصانيفه، وقد قرئ عليه سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. انتهى.
[ ٤ / ١٢٢ ]
و"نزهة الأديب" هي الردود الَّتي ردَّ بها على أبي علي الفارسي في "التذكرة" ولم أرها إلى الآن، وإنَّما عندي من تصانيفه الردّ على النمري في "شرح مشكل أبيات الحماسة"، و"فرحة الأديب" في الرّدّ على يوسف بن السيرافي في شرح أبيات سيبويه و"ضالّة الأديب" في الرّدّ على نوادر ابن الأعرابي.
والبيت الشاهد من قصيدة طويلة لعمر ابن أبي ربيعة، تقدَّم بعض منها في الإنشاد الثامن والسبعين، وقد أوردها المبارك في "منتهى الطلب" في جملة ما انتقاه من شعره، وقبله:
فلمّا أجزنا ساحة الحيِّ قلن لي أما تتّقي الأعداء والليَّيل مقمر
وقلن أهذا دأبك الدَّهر سادرًا أما تستحي أو ترعوي أو تفكر
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا لكي يحسبوا أنَّ الهوى حيث تبصر
هكذا رواه، وقد أخذ هذا البيت جميل بن معمر العذري صاحب بثينة، وجعله بيتين متباعدين في قصيدة نظمها على أسلوب قصيدة عمر، قال:
وآخر عهد لي بها يوم ودَّعت ولاح لها خدُّ مليح ومحجر
عشيَّة قالت لا تضيعنَّ سرَّنا إذا غبت عنَّا وارعه حين تدبر
وطرفك غمّا جئتنا فاحفظنَّه فزيغ الهوى بادٍ لمن يتبصر
أي: إذا زاغ بصرك نحو تهوى عرف ذلك فيك.
وأعرض إذا لاقيت عينًا تخافها وظاهر ببغض إنَّ ذلك أستر
فإنَّك إن عرَّضت فيَّ مقالةً يزد في الذي قد قلت واشٍ مكثر
وما زلت في إعمال طرفك نحونا إذا جئت حتى كاد حبُّك يظهر
إلى أن قال بعد عشرة أبيات حكى فيها ما قالته:
سأمنح طرفي حين ألقاك غيركم لكيما يروا أن الهوى حيث أنظر
[ ٤ / ١٢٣ ]
وأكني بأسماءٍ سواك وأتَّقي زيارتكم والحبُّ لا يتغيَّر
فكم قد رأينا واجدًا بحبيبه إذا خاف يبدي بغضةً حين يظهر
وهذا آخر القصيدة. والواجد: المحب، والوجد: الحبّ. ووقع في "شواهد العيني" أنّ البيت الشاهد قائله لبيد بن معمر العُذري، وساق أبياتًا من أوَّل قصيدة جميل بن معمر. وهذا إمّا من سهو الناسخ، وإمّا من سهوه، والصواب جميل بن معمر. واغتر به ابن وحيي حتى قال: والبيت على ما رواه ابن هشام ههنا عزاه العيني إلى لبيد العامري، بلا تغيير ولا تحريف أصلًا، سوى أنّه وقع "فاصرفنه" موقع فاحبسنَّه. انتهى. وقد تقدم ترجمة كلّ من عمر ابن أبي ربيعة ومن جميل بن معمر العذري.
والطرفُ: العين وهو في الأصل مصدر بمعنى تحريك الحدقة للنظر، ومنه قول جميل السابق:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا
وإمّا: أصله: إن ما، وهي "عن" الشرطية و"ما" الزائدة. والجملة الشرطيَّة: خبر لقوله "طرفك". والهوى: الميل والمحبة، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول.
وأنشد بعده:
وننصر مولانا ونعلم أنَّه كما الناس مجرومٌ عليه وجارم
وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والتسعين.
[ ٤ / ١٢٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٢) وأعلم أنني وأبا جميد كما النَّشوان والرَّجل الحليم
على أنَّ "ما" هنا كفّت الكاف عن عمل الجرّ، وبه رُدَّ على صاحب المستوفي في زعمه أنَّ الكاف لا تكف بـ "ما" قال أبو حيان في "البحر" عند قوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [البقرة/ ١٩٨] "ما" في كما مصدرية. وجوَّز الزمخشري وابن عطيّة أن تكون كافّة عن العمل، والفرق بينهما أنَّ ما المصدرية تكون هي وما بعدها في موضع جرّ، إذ ينسبك منها مع الفعل مصدر، والكافّة لا يكون ذلك فيها؛ إذ لا عمل لها البتة. والأولى حملها على أنَّ "ما" مصدرية لإقرار الكاف على ما استقر لها من عمل الجرّ. وقد منعَ أن تكون الكاف مكفوفة بـ "ما" عن العمل أبو سعد علي ابن مسعود بن الفرّخال صاحب المستوفي. واحتجَّ من أثبت ذلك بقول الشاعر:
لعمرك إنّني وأبا حميد كما النشوان والرَّجل لحيم
أريد هجاءه وأخاف ربِّي وأعلم أنه عبدٌ لئيم
انتهى. وقال أيضًا في "شرح التسهيل" وقوله: ويزاد بعدها "ما" كافَّة وغير كافة، فإذا كانت كافة وليتها الجمل الاسميّة، وتكون من حروف الابتداء، قال الشّاعر:
أخٌ ماجدٌ لم يخزني يوم مشهدٍ كما سيف عمرٍ ولم نخنه مضاربه
وقال الآخر:
ألم تر أنَّ البغل يتبع إلفه كما عامرٌ واللؤم مؤتلفان
وقال الآخر:
وإنَّ بنا لو تعلمين لغلَّةً غلليكم كما بالحائمات غليل
[ ٤ / ١٢٥ ]
وقال الآخر:
لقد علمت سمراء أنَّ حديثها نجيعٌ كما ماء السَّماء نجيع
وقال زيّاد الأعجم:
لعمرك إنني وأبا حميد كما النّشوان والرَّجل الحليم
أريد هجاءه وأخاف ربِّي وأعلم أنّه عبدٌ لئيم
وكون "ما" تكون كافة إذا وليتها الجملة الاسميَّة هو مبنيّ على أنّ "ما" المصدرية لا توصل إلَّا بالجملة الفعلية، أما إذا فرعنا على أنها توصل بالجملة الاسمية فإنَّ "ما" لا تكون كافة في نحو هذه الأبيات، بل تكون مصدريّة ينسبك منها مع الجملة التي بعدها مصدر يكون في موضع جرّ بالكاف، وتكون إذ ذاك الكاف غير مكفوفة، وإذا كانت غير كافة انجرّ الاسم بكاف التشبيه، وأنشد أبو علي القالي:
وننصر مولانا ونعلم أنه .. البيت
انتهى. قال أبو علي في "التذكرة": أنشدني أبو يعلي قال: أنشدنا أبو عثمان لزياد الأعجم:
لعمرك إنَّني وأبا حميدٍ كما النشوان والرَّجل الحليم
أريد حباءه ويريد قتلي وأعلم أنَّه الرَّجل اللَّئيم
وجدنا الحمر من شرِّ المطايا كما الحبطات شرُّ بني تميم
انتهى. وكذا نقله العيني عن "تذكرته". ولا يخفى أنَّ البيت الثالث مجرور، وما قبله مرفوع، ففيه إقواء. وقول أبي حيّان: إنَّ كما من حروف الابتداء لا يتأتى، فإنَّ ما بعد "كما" خبر إنَّني، فإن ذهبت تقدر خبرًا لإنّني وخبرًا لما بعد "كما" فالكلام تام مستغن عن تقدير شيء. وقدّر الدماميني خبرًا للثاني، وهو كائنان،
[ ٤ / ١٢٦ ]
ونسي الأول فأبقاه بلا خبر. ويؤيد كلام أبي حيان قولهم: إنَّ الكاف إذا كفَّت بـ "ما" رفع ما بعدها على الابتداء، كما في البيت الثالث، وقد بسطنا الكلام على هذه الأبيات في الشاهد السّابع والثلاثين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي، وتقدَّمت ترجمة زياد في الإنشاد السّادس والتّسعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٣) أخٌ ماجدٌ لم يخزني يوم مشهدٍ كما سيف عمر ولم تخنه مضاربه
لما تقدَّم قبله. وهو من قصيدة اختار منها أحد أبيات ثلاثة. وأوردها أبو تمام في باب المرائي من "الحماسة" لنهشل بن حرّي الدّارميّ، رثى بها أخاه مالك بن حرّيّ، ويكنى أبا ماجد، قتل بصفّين وهو مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، وكان شجاعًا، وقبله:
أغرُّ كمصباح الدُّجنَّة يتَّقي قدى الزَّاد حتى يستفاد أطايبه
وهوَّن وجدي عن خليلي أنَّني إذا شئت لاقيت امرًا مات صاحبه
أخ ماجدٌ .. البيت
وأوردها الأعلم أيضًا في "حماسته" وزاد بيتًا بعد البيتين الأولين وهو:
ومن ير بالأقوام يومًا يروا به معرَّة يومٍ لا توارى كواكبه
قوله: أغرّ، هو الذي في جبهته غرّه، أي: بياض، أي: يستضاء به ويستشفى برأيه، وهو أبيض الطلعة، فكأنه في تلألؤ وجهه وتهلّله مصباح الدّجُنَّة،
[ ٤ / ١٢٧ ]
وهي الظلمة. وقدى الزاد، بالدال المهملة: رائحة، يقال: قدي يقدَى قدَّى، من باب فرح: إذا طابت رائحته، أي: يتحامى الطَّعام ورائحته الباعثة على شهوته، حتى يستفيد الضيَّف أطايبه، أي: يؤثره على نفسه، يعني أنه لا يشمّ رائحة الطّعام حتى يناله النّاس ويأكلوا أطايبه، وروي "قذى الزاد" بالذّال المعجمة، يريد: رديئة وخبيثة، أي: يتجنّب خبيث الطّعام حتى يستفيد أطيبه وأكرمه، وما لا عارف في اكتسابه.
وقوله: وهوّن وجدي، أي حزني، يقول: خفَّف من حزني كثرة من أرى من المصابيح بمثل مُصابي.
وقوله: ومن يرى بالأقوام يومًا: أراد به الواقعة والحادثة من حوادث الدهر، وكذا المراد ن اليوم الثاني، فهو مفعول به للرؤية، والمعرَّة: النقيصة، مفعول يروا. وتوارى: أصله تتوارى بتاءين، أي: تختفي وتستتر.
وقوله: أخ ماجد، أي: هو أخ، أو التقدير: أخي أخ ماجد، أي: شريف، ويخزني: من أخزاه، إمّا من أخزاه الله، أي: مقته وأبعده، وإمّا متعدّي خَزِي خزاية، بمعنى استحيا، فتكون الهمزة للتصيير، والمشهد: شهود الحرب وحضورها، أي: لم يشهد مشهدًا إلَّا أحسن فيه البلاء فلا أستحيي، أي: ـأفتخر به. وعمرو: هو عمرو بن معدي كرب الصحابي، وسيفه الصمصامة، والمضارب: جمع مضرب، وهو موضع القطع، والضمير في: لم يخنه، يرجع إلى عمرو، ويجوز أن يرجع على السيف أيضًا، قال الزمخشري في "أمثاله": هو أمضى من الصمصامة، هو سيف عمرو بن معدي كرب، أشهر سيوف العرب، وأنشد هذا البيت.
ونهشل بن حرِّي- بفتح الحاء، وتشديد الراء المهملتين، وبالياء المشددة، بلفظ المنسوب إلى الحرّ خلاف البرد –ابن ضمرة بن جابر بن قطن –بفتحتين-
[ ٤ / ١٢٨ ]
ابن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة، وهو شاعر فارس إسلامي قال ابن حجر في "الإصابة" نقلًا عن المرزباني: هو شريف مشهور مخضرم، بقي إلى أيّام معاوية، وكان مع علي في حروبه، وقتل أخوه مالك بن حرّيّ بصفّين، وهو يومئذ رئيس بني حنظلة، وكانت رايتهم معه، ورثاه نهشل بمراث كثيرة، قال: وأبوه شريف شاعر مشهور، وجده ضمرة سيد ضخم الشرف، وكان من خير بيوت دارم. انتهى. وله ابن سمّاه باسم والده، وهو حرّيّ بن نهشل بن حرّيّ، وهو شاعر أيضًا، وله يقول الفرزدق:
أحرّيّ قد فاتتك أختُ مجاشعٍ فضيلة فانكح بعدها أو تأيَّم
وكان اسم ضمرة جد نهشل شِقَّة، بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف. ودخل على النعمان فقال له: من أنت؟ فقال: أنا شِقَّة بن ضمرة، قال النعمان: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، فقال: أبيت اللّعن! إنَّما المرء بأصغريه، بقلبه ولسانه، إن نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان. قال: أنت ضمرة بن ضمرة، يريد: إنّك كأبيك، كذا في كتاب "الشعراء" لابن قتيبة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٤) فصيِّروا مثل كعصفٍ مأكول
على أنَّ الكاف هنا اسم أكدت مثلًا. وأنشده سيبويه على أنها في البيت اسم لضرورة الشعر، قال: إنَّ أناسًا من العرب إذا اضطروا في الشعر جعلوها بمنزلة مثل، وأنشد هذا البيت والبيت الذي بعده. انتهى.
قال الأعلم: أدخل مثلًا على الكاف إلحاقًا لها بنوعها من الأسماء ضرورة، وجاز الجمع بينهما جوازًا حسنًا لاختلاف لفظيهما مع ما قصده من المبالغ في التشبيه،
[ ٤ / ١٢٩ ]
ولو كرر المثل لم يحسن. وقال صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى/ ١١]: ولك أن تزعم أن كلمة التشبيه كررت للتأكيد كما كرَّرها من قال: وأنشد البيت، وأورد عليه أنَّ الكاف تفيد تأكيد التشبيه لا تأكيد الَّفي، ونفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة، فليس الآية نظيرًا للبيت. وأجيب بأنها تفيد تأكيد التشبيه، إن سلبًا فسلب وإن غثباتًا فإثبات.
قال ابن جني في "سرّ الصناعة": إن قال قائل: بماذا جرّ عصف أبالكاف التي تجاوره، أم بإضافة مثل إليه على أنه فصل بالكاف بين المضاف والمضاف إليه؟ فالجواب: إنّ العصف في البيت لا يجوز أن يكون مجرورًا إلَّا بالكاف، وإن كانت زائدة، يدلك على ذلك أنّ الكاف في كلّ موضع تقع فيه زائدة لا تكون إلّا جارّة، كما أن "من" وجميع حروف الجرّ في أيّ موضع وقعن زوائد، فلا بد من أن يجررن ما بعدهن، كقولك: ما جاءني من أحد، ولستُ بقائم، فكذلك الكاف في مثل "كعصف" هي الجارّة لعصف.
فإن قيل: فإذا جررت العصف بالكاف فإلام أضفت مثلًا؟ وما الذي جررت به؟ فالجواب: إنّ مثلًا وإن لم تكن مضافة في اللفظ، فإنها مضافة في المعنى، وجارة لما هي مضافة إليه في التقدير، وذلك أنّ التقدير: فصيّروا مثل عصف مأكول، فلمّا جاءت الكاف تولَّت هي جرّ العصف، وبقيت مثل غير جارّة ولا مضافة في اللفظ، وكان احتمال هذه الحال في الاسم المضاف أسوغ منه في الحرف الجار؛ وذلك لأنّا لا نجد حرفًا جارًا معلقًا غير عامل في اللفظ، وقد نجد بعض الأسماء معلقًا عن الإضافة جارًا في المعنى غير جار في اللفظ، وذلك نحو قولهم: جئت قبل وبعد، وقام زيد ليس غير. وقد قالوا:
بين ذراعي وجبهة الأسد
[ ٤ / ١٣٠ ]
أي: بين ذراعي الأسد وجبهته. وحكى الفراء: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله، أي: يد من قاله، ورجل من قاله. وهذا كثير وإنَّما أردت أن أوجدك أن الأسماء قد تعلق عن الإضافة في ظاهر اللفظ، وأنَّ الحروف لا يمكن أن تعلق عن الجرّ في اللفظ البتة، فأما قول الشاعر:
جياد بني أبي بكرٍ تسامى على كان المسوَّمة العراب
فإنه إنَّما جاز الفصل بين حرف الجر وما جره بـ "كان"، من قبل أنها زائدة مؤكدة، فجرت مجرى "ما" المؤكدة في نحو قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [المائدة/ ١٣] و﴿عما قليل﴾ [المؤمنون/ ٤٠]، فلذلك جاز لعلى، وإن كانت حرفًا جارًّا، أن تتخطى إلى ما بعد كان [فتجره]، ولا يجوز في قوله: "ككما يؤثفين" أن تكون "ما" مجرورة بالكاف الأولى، لأنَّ الكاف الثانية "عاملة للجرّ"، وليست كان جارة [فتجري] مجرى الكاف في "ككما".
فإن قيل: فمن أين جاز تعليق الأسماء عن الإضافة في اللفظ، ولم يجز في حروف الجرّ إلَّا أن تتصل بالمجرور؟
فالجواب: أن ذلك جاز من وجهين: أحدهما: أنّ الأسماء أقوى وأعم تصرفًا من الحروف وهي الأول الأصول، فغير منكر أن يتجوَّز فيها ما لا يتجوز في الحروف، ألا ترى أنَّ التّاء في رُبَّت وثمّت علامة تأنيث كما أنَّ التّاء في مسلمة علامة تأنيث؟ وقد أبدلوا تاء التأنيث في الاسم هاء في الوقف [فقالوا: مسلمة]، ولم يبدلوا التّاء في:
[ ٤ / ١٣١ ]
ربت وثمت ولات ولعلت في وقف ولا وصل، لأنه ليس للحرف قوة الاسم وتصرفه، والفعل أيضًا في هذا جار مجرى الحرف، ألا ترى أن التاء في قامت وقعدت ثابتة غير مبدلة في وصل ولا وقف؟
والوجه الآخر: أنّ الأسماء ليست في أوَّل وضعها مبنية على أن تُضاف ويُجرّبها، وإنما الإضافة فيها ثانٍ لا أوَّل فجاز فيها أن تعرى في اللفظ من الإضافة، وإن كانت الإضافة فيها منوية. وأمّا حروف الجرّ فوضعت على أنها للجر البتة، وعلى أنها لا تفارق المجرور؛ لضعفها وقلّة استغنائها عن المجرور، لضعفها وقلذة استغنائها عن المجرور، فلم يمكن تعليقها عن الجرّ والإضافة، لئلا يبطل الغرض الذي جيء بها من أجله، فهذا أمر ظاهر.
فإن قال قائل: فمن أين جاز للاسم أن يدخل على الحرف في قوله: مثل كعصف؟ فالجواب أنه إنَّما جاز ذلك لما بين الكاف ومثل من المضارعة في المعنى، فكما جاز لهم أن يدخلوا الكاف على الكاف في قوله:
وصالياتٍ ككما يؤثفين
لمشابهته لمثل، حتى كأنه قال: كمثل ما يؤثفين، كذلك أدخلوا أيضًا مثلًا على الكاف في قوله: "كعصف" وجعلوا ذلك تنبيهًا على قوة الشبه بين الكاف ومثل. فإن قال قائل: فهل تجيز أن تكون الكاف مجرورة بإضافة مثل إليها، ويكون العصف مجرورًا بالكاف؟ فتكون على هذا قد أضفت كلّ واحد من مثل ومن الكاف، فيزول عنك الاعتذار لتركهم مثلًا غير مضافة على ما قدمته، ويكون جرّ الكاف إضافة مثل إليها كجرّها بدخول الكاف على الكاف في قوله: "ككما يؤثفين" فكما إنَّ الكاف الثانية هنا مجرورة بالأولى، كما انجرَّت بعلى في قول الآخر:
[ ٤ / ١٣٢ ]
على كالقطا الجونيِّ أفزعه الزَّجر
فكذلك هلَّا قلت: إنَّ الكاف في مثل "كعصف" مجرورة بإضافة مثل إليها؟
فالجواب: إن قوله: مثل كعصف قد ثبت أن مثلًا أو الكاف فيه زائدة، كما أنّ إحداهما زائدة في قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى/ ١١] وإذا ثبت ذلك فلا يجوز أن تكون مثل هي الزَّائدة؛ لأنها اسم، والأسماء لا تزاد إنما تزاد الحروف، فإذا لم يجز أن تكون مثل هي الزّائدة، ولم يكن بدّ من زائد، ثبت أنَّ الكاف هي الزائدة، وإذا كانت هي الزّائدة فلا بدَّ من أن تكون كما قدَّمنا حرفًا، وإذا كانت حرفًا بطل أن تكون مجرورة، من حيث كانت الحروف لا إعراب في شيء منها، وإذا لم تكن مجرورة بطل أن تكون "مثل" مضافة إليها. على أن أبا علي قد كان أجاز أن تكون مثل مضافة إلى الكاف، وتكون الكاف هنا مجرورة اسمًا، وفيه عندي ضعف لما ذكرته.
فأمّا قول الآخر: "ككما يؤثفين" فقد استدللنا بدخول الكاف الأولى على الثانية أنَّ الثانية اسم، وأن الأولى حرف قد جر الثانية، وهو مع ذلك زائد، ولا ينكر وإن كان زائدًا أن يكون جارًا، لما قدمناه من قولهم: ما جاءني من أحد، ولست بقائم. إلى هنا كلام ابن جني وسقناه بطوله لكثرة فوائده.
وكأنَّ الدماميني لم يقف على هذا الكلام، ولم يستحضر كلام الرضي في هذا المقام فإنه قال: ينبغي أن تكون الكاف في البيت اسمًا أضيف إليه مثل، فيكون عمل كلّ من الكلمتين موفّرًا، أما إذا جعلت حرفًا، وجعل مثل مضافًا إلى عصف، لزم قطع الحرف الجارّ عن عمله بلا كاف، اللهم إلَّا أن يقال: تنزل منزلة الجزء من المجرور.
[ ٤ / ١٣٣ ]
هذا كلامه. قال العيني، وتبعه السيوطي: البيت من رجز لرؤبة بن العجاج وقبله:
ومسَّهم ما مسَّ أصحاب الفيل ولعبت بهم طير أبابيل
ترميهم حجارةً من سجيّل فصيروا مثل كعصفٍ مأكول
ولم يذكر ما مرجع الضمير، ومن الذين جرى عليهم هذا الأمر. وقد راجعت ديوان رؤبة نسختين، فلم أجده فيه، ولعله من رجز والده العجاج، ولم يحضرني الآن ديوانه.
وأصحاب الفيل: أبرهة بن الصبّاح الأشرم ملك اليمن، ومن معه من قبل أصحمة النجاشي. وكان من أمر أبرهة أنه بنى كنيسة بصنعاء، وأراد صرف الحاج إليها، فخرج رجل من بني كنانة، فقضى حاجته فيها، فأغضبه ذلك، وحلف ليهدمنّ الكعبة. فخرج بجيشه، ومعه الفيلة، وفيل قوي اسمه محمود، فلمّا تهيّأ لدخول الحرم، وقدم الفيل، فكان كلّما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وَجّهوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى هرول، فأرسل الله طيرًا أبابيل، في منقار كل منها حجر، وفي رجليه حجران أكبر من العدسة، وأصغر من الحمّصة، فرمتهم، فكان الحجر يقع في رأس الرجل، فيخرج من دبره، فهلكوا جميعًا. والسجيل: الطيران المتحجر بالنار، معرب سنك كل، أي: حجر الطين، والأبابيل: جمع إبّالة، بكسر الهمزة وتشديد الموحدة، وهي في الأصل: الحزمة الكبيرة، شبّهت بها الجماعة من الطير لتضامّها، وقيل: هي الجماعات من الطير لا واحد لها.
وقوله: فصيّروا، بالبناء للمفعول، وبه استشهد المصنف في "شرح الألفية" لتعدية صيّر إلى مفعولين، أولهما: نائب الفاعل وهو الواو، وثانيهما: مثل. والعصف،
[ ٤ / ١٣٤ ]
قال الفرّاء: هو بقل الزرع، وعن الحسن البصري: الزرع الَّذي أكل حبّه وبقي نبته، كذا في "العباب". وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاء الخامس عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٥) يضحكن عن كالبرد المنهم
على أنَّ الكاف الاسمية عند سيبويه لا تكون إلَّا في الشعر، وتقدَّم نصّه في أوَّل الذي قبل هذا. وذكر ابن جني في "سرّ الصناعة" أنَّ الكاف تكون اسمًا في الكلام، ولم يذكر مذهب سيبويه فيها بل استدلّ بكلامه على اسميتها في الكلام، وهذا منه عجيب! قال: وأمّا الكاف التي في تأويل الاسم فالّتي تقع مواقع الأسماء، ثم قال بعد ذكر الشواهد: واعلم أنّه كما جاز أن تجعل هذه الكاف فاعلة، فكذلك يجوز أن تجعل مبتدأة، فتقول على هذا: كزيد جاءني، وأنت تريد: مثل زيد جاءني، وكبكرٍ غلام لمحمّد. فإن أدخلت أنَّ على هذا قلت: إنَّ كبكرٍ غلام لمحمد، فرفعت الغلام لأنه خبر إنَّ، والكاف في موضع نصب لأنها اسم إنَّ، وتقول إذا جعلت الكاف حرفًا وخبرًا مقدمًا: إنَّ كبكر أخاك، تريد إنَّ أخاك كبكرٍ، كما تقول: إنَّ من الكارم زيدًا. ثمَّ قال: وهذه مسألة من الكتاب، قال سيبويه: تقول: ما زيد كعمرو ولا شبيهًا به، وما عمرو كخالد ولا مفلحًا، النصب في هذا جيد، لأنك تريد: ما هو مثل فلان ولا مفلحًا. هذا معنى الكلام، فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه، جرّه، وذلك نحو قولك: ما أنت كزيد ولا خالد، فإنما أردت: ولا كخالد، فإذا قلت: ما أنت بزيد ولا قريبًا منه، فليس ههنا معنى بالباء
[ ٤ / ١٣٥ ]
لم تكن قبل أن تجئ بها، فأنت، إذا ذكرت الكاف تمثل بها، انقضى كلام سيبويه.
واعلم أنَّ الكلام يحتاج إلى شرح ليتلخص معانيه، فإنَّ في ظاهره إشكالًا، أمّا قوله: ما أنت كعمرو ولا شبيهًا به، فلا تخلو الكاف [في كعمرو] أن تكون اسمًا كمثل، أو حرفًا فيه معنى مثل، فإن كانت الكاف اسمًا، فشبيه معطوف عليها، كما كان يعطف على مثل لو كانت هناك، وهذا أمر ظاهر. وإن كانت الكاف حرفًا كالتي في قولنا: مررت بالّذي كزيد، فشبيه المنصوب معطوف على كعمرو جميعًا، لأنَّ الجار والمجرور في موضع نصب، لأنَّ هذه لغة حجازية؛ لأنَّ نصب "شبيه" يدل على أنّ الأول في موضع نصب، إلَّا أنَّ هذا موضع متى عطفت على لفظه أفدت معنى، فإن عطفت على معناه دون لفظه أفدت معنى آخر، ألا ترى أنَّك لو قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيه به [فجررت الشبيه]، فإنما أردت ولا كشبيه به، فقد أثبت له شبيهًا، ونفيت أن يكون زيد كالَّذي يشبه عمرًا، وأنت إذا قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيهًا، فإنَّما نفيت عن زيد أن يكون شبيهًا لعمرو، ولم تثبت لعمرو شبيهًا، وليس كذلك قولنا: ما أنت بعمرو ولا خالدًا، لأنك إن نصبت خالدًا على المعنى، أو جررته على اللفظ، فإنما معناه في الموضعين واحد، أي: ما أنت هذا ولا هذا، فقول سيبويه: "لأنك تريد: ما هو مثل هذا ولا مفلحًا. هذا معنى الكلام" يحتمل أمرين، أحدهم: أن معنى الكاف [معنى] مثل، وهي حرف، والآخر: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي اسم، فإن كانت اسمًا، فالعطف عليها ظاهر، وإن كانت حرفًا، كان العطف عليها وعلى ما جرته.
وقوله: "فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه جرّه" يقول: إذا جررت شبيهًا به، فقد أثبت لعمرو شبيهًا؛ لأنك أردت: ولا كمن يشبهه، ومثَّل ذلك فقال: وذلك نحو: ما أنت كزيد ولا خالد، فهذا يبين لك أنك إذا قلت: ما أنت كزيد ولا خالد، فقد أثبت غير زيد وهو خالد.
[ ٤ / ١٣٦ ]
وقوله: "فإذا قلت ما أنت يزيد ولا قريبًا منه، فليس ههنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجئ بها" يريد أن قولك: ما أنت بزيد، وما أنت زيدًا معناهما واحد، وإنما جئت بالباء زائدة مؤكدة، وأنت إذا قلت: ما أنت زيدًا، فله معنى غير معنى قولك: ما انت كزيد، لأنك إذا قلت: ما أنت زيدًا فإنما نفيت أن يكون هو هو، وإذا قلت: ما أنت كزيد، فإنما نفيت أن يكون مشبهًا له؛ ألا ترى أنَّ من قال: أنا زيد، فمعناه غير معنى من قال: أنا كزيد؟ فكما كان الإيجابان مختلفين، كذلك يكون النفيان مختلفين، وهذا واضح. إلى هنا كلام ابن جنّي. والبيت من رجز للعجّاج، وقبله:
ولا تلمني اليوم يا ابن عمّي عند أبي الصَّهباء أقصى همِّي
بيضٌ ثلاثٌ كنعاجٍ جمِّ يضحكن عن كالبرد المنهم
تحت عرانين أنوفٍ شمِّ
أبو الصَّهباء: كنية رجل، والهمّ بالفتح، والهمّة بالكسر: أول العزم، وهو الإرادة، وقد يطلق على العزم القوي فيقال: له همّة عالية، وبيض بالرفع: إمّا بدل من "أقصى همي" وإما خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو، والجملة جواب سؤال مقدّر، وقيل: بيضٍ –بالجرّ- بدل من همي ولا وجه له، وقيل: بيض مبتدأ، وجملة "يضحكن" خبر، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هن بيض، وقيل: مبتدأ خبره محذوف، أي: منهن بيض، ذكر هذه الأوجه الثلاثة الأخيرة العيني تبعًا لصاحب "التخمير" والبيض: الحسان، جمع بيضاء، والنعاج: جمع نعجة، وهي الأنثى من الضأن، والعرب تكني عن المرأة بالنعجة، ونقل عن أبي عبيد أنه لا يقال لغير بقر الوحش نعاج، وتشبه النساء بها في العيون والأعناق، والجُمّ، بضم الجيم: جمع
[ ٤ / ١٣٧ ]
جماء، وهي التي لا قرن لها، يقال: جمت الشاة جمًّا من باب تعب: إذا لم يكن لها قرن، والذكر أجم، وفائدة الوصف بجم نفي ما يكسبهنَّ سماجة، والبرد بفتحتين حبّ الغمام، والمنهم: الذائب، قال الجوهريّ: انهمَّ البردُ والشحم: ذاب، وهمّه: أذابه. شبّه ثغر النساء بالبرد الذائب في اللطافة والجلاء، والثغر: أصله المبسم، ويُطلق على الثنايا.
وقوله: تحت العرانين: متعلق بمحذوف على أنه صفة ثانية للبرد والعرانين: جمع عرنين، وهو ما تحت مجتمع الحاجيين من الأنف، والشّم: جمع أشم وشماء، والشمم: ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاه، فإن كان احد يداب فهو القنا والأنف، والرجل أقني والأنثى قنواء. وترجمة العجاج تقدمت في الإنشاد الثاني عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٦) ما يرتجى وما يخاف جمعًا فهو الَّذي كاللَّيث والغيث معا
على أنه يتعين أن تكون الكاف حرفًا لوقوعها صلة للموصول. قال ابن جني في "سرّ الصناعة"/ الكاف الجارة على ضربين: حرف واسم، فأمّا الحرف: فما لم يقع مواقع الأسماء، وذلك [نحو] قولك: مررت بالذي كزيد، فالكاف هنا حرف لا محالة، لأنّك لو قلت: مررت بالذي مثل زيد، أو مررت بالذي [مثل] جعفر، لكان خلفًا وقبيحًا من الكلام حتى يظهر الضمير المبتدأ المحذوف، فتقول: مررت بالذي هو مثل زيد، ومررت بالذي هو [مثل] جعفر، فإجماعهم على استحسان "مررت بالذي كزيد" دلالة على أن الكاف حرف جرّ، وأنه بمنزلة قولك: مررت بالذي في الدار، وهذا استدلال سيبويه، وهو الصواب الذي لا يعدل عنه. انتهى.
[ ٤ / ١٣٨ ]
والبيت أورده أبو حيان في "شرح التسهيل" غير معزو إلى قائله، وتمثيل ابن جنّي أجود، وما: اسم موصول، ويرتجى ويخاف بالبناء للمفعول، وجمع بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير الممدوح، والألف للإطلاق.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٧) وصاليات ككما يؤثفين
على أنه يحتمل أن الكافين حرفان أكّد الأول بالثاني .. الخ، قال ابن جني: وأمّا الكاف التي في تأويل الاسم فالتي تقع مواقع الأسماء، وذلك نحو قول الشّاعر:
وصالياتٍ ككما يؤثفين
فالأولى حرف، والثانية اسم لدخول حرف الجرّ عليها، فأمّا قول الآخر:
فلا والله لا يلفى لما بي ولا للما بهم أبدا دواء
فليست اللَّام الثانية باسم، وإن كانت قد دخلت عليها اللاَّام الأولى، لأنه لم يثبت في موضع غير هذا أنّ اللَّام اسم، كما ثبت أنَّ الكاف اسم، وإذا كان ذلك كذلك فإحدى اللَّامين زائدة مؤكدة، وينبغي أن تكون الزائدة هي الثانية دون الأولى؛ لأنَّ حكم الزائد أن لا يبتدأ به. انتهى.
وقال أبو حيّان: وذهب بعض شيوخنا أن الزائدة للتأكيد هي الأولى، والثانية اسم بمعنى مثل، وزعم أنَّ ما موصولة، قال: وذلك أنه يريد أن يشبه أثافيّ قدر قدُمت بأثافي مستعملة، فيكون التقدير: وصاليات مثل اللاتي يؤثفين الآن، أي:
[ ٤ / ١٣٩ ]
ينصبن فيوقد عليهن، لأنَّ هذه قد انتقل أهلها عنها وبقيت لا توقد عليها، إلَّا أنّها مسودات ومعها رمادُها لم يتغير، فصارت بذلك مشبهة لما يوقد عليه منها. والضمير في "يؤثفين" راجع إلى ما على المعنى قال: وهذا أحسن من أن تجعل ما مصدرية، فيكون التقدير: كإثفاثهنَّ، وقد يشبه العين بالمعنى، فيحتاج إلى تأويل في اللفظ وحذف مضاف، وعلى جعل ما موصولة اسميّة لا تقدير فيه ولا حذف. انتهى.
والشعر من قصيدة لحطام المجاشعي وقبله:
حيّ ديار الحي بين الشَّهبين وطلحة الدَّوم وقد تعفيَّن
لم يبق من آي بها تحلَّين غير حطامٍ ورمادٍ كنفين
وغير نؤي وحجاجي نؤيين وغير ودٍ جاذلٍ أو دَّين
وصاليات ككما يؤثفين
ومنها:
ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين
جبتهما بالنَّعت لا بالنَّعتين على مطار القلب سامي العينين
قوله: حي، فعل أمر من التحية، والحيّ: القبيلة، والشبهان: موضع، وكذا طلحة الدوم، والنون في تعفّين ضمير ديار الحي، وتعفى: بمعنى عفا اللازم، يقال: عفا المنزل يعفو عفوًا وعفوًّا، وعفاء بالمد والفتح: إذا درس وذهبت آثاره، والآي: جمع آية، وهي العلامة، والتحلية: الوصف، يقال: حليت الرجل تحليةً، إذا وصفته. يقول: لم يبق من علامات حلولهم في ديارهم تحليها وتصفها غير ما ذكر. ومن: زائدة، وآي: فاعل. لم يبق، وغير: منصوب على الاستثناء: وجملة "تحلين" صفة لآي، وبها متعلق به، والحطام بضم المهملة: ما تكسر من الحطب، والمراد به دقّ الشجر الذي قطعوه فظللوا به الخيام، ورماد:
[ ٤ / ١٤٠ ]
مضاف إلى كنفين، أي: رماد من جانبي الموضع، ولو روي بالتنوين لم يكن خطًا. وكنف، بفتح الكاف وسكون النون: النّاحية والجانب، وأصله بفتح النون، وقيل: هو هنا بكسر الكاف، بمعنى الوعاء الذي يجعل الرّاعي فيه أداته. والنُّؤي، بضم النون وسكون الهمزة: حفيرة حول الخباء لئلا يدخله ماء المطر، ويؤخذ ترابها ويجعل حاجزًا للبيت، فجعل ذلك الحاجز كحجاج العين، وهو بكسر المهملة وفتحها وبعدها جيمان، وهو العظم الذي ينبت عليه الحاجب. والجاذل: بالجيم والذّال المعجمة: المنتصب، جذل جذولًا: انتصب وثبت، والوَدّ: الوتد، وصاليات: أراد بها الأثافي لأنها صليت بالنار، أي احترقت حتى اسودت، وهي معطوفة على حطام، أي: وغير أثافي صاليات. وروي بدلها: "وغير سفع" جمع أسفع، أراد بها الأثافي أيضًا، لأنها قد سفعتها النار، أي: سودتها وغيرت لونها، وروي أيضًا: "وماثلات" أي: منتصبات، والأثافي: جمع أثفية، وهي الأحجار الثلاثة التي ينصب عليها القدر، و"ما" في قوله: ككما، قال أبو علي في "التذكرة القصرية": يجوز أن تكون مصدرية، كأنه قال مثل الإثفاء، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الّذي، كقوله:
فإنَّ الَّذي حانت بفلجٍ دماؤهم
انتهى. وأوضح ابن السيّد في "شرح أدب الكاتب" الوجه الأول، وقال: "ما" مع الفعل بتقدير المصدر، كأنه قال: كمثل إثفائها، أي: أنها على حالها حين أثفيت. والكافان لا يتعلقان بشيء، فإنَّ الأولى زائدة، والثانية اسم، ولو سقطت الأولى وجب أن تكون الثانية متعلقة بمحذوف صفة لمصدر مقدّر محمول على معنى الصّاليات؛ لأنها نابت مناب مثفيات، فكأنه قال: ومثفيات إثفاء مثل إثفائها حين نصبت للقدر، ولا بدَّ من هذا التقدير ليصحّ اللفظ والمعنى.
[ ٤ / ١٤١ ]
وأمّا قوله: يؤثفين، فقد اختلف النحويون في وزنه، فقال قوم: وزنه يؤفعلن، والهمزة زائدة، [والثاء فيه فاء الفعل]، فكان يجب أن يقول يثفين، لكنه جاء على الأصل للضرورة، كما قال الآخر:
فإنَّه أهلٌ لأن يؤكرما
وعلى هذا فأثفيّة أفعولة، فأصلها أثفوية، قلبت الواو ياء، وأدغمت [في الياء]، وكسرت الفاء لتبقى الياء على حالها، واستدلوا على زيادة الهمزة بقول العرب: ثفيّت القدر، إذا جعلتها على الأثافي، وقال قوم: وزنه يفعلين، فالهمزة أصل، ووزن أثفية على هذا فعلية، واستدلّوا ببقول النّابغة:
لا تقذفنِّي بركنٍ لا كفاء له وإن تأثَّفك الأعداء بالرِّفد
فقوله: تأثقفك، وزنه تفعَّلك، لا يصح فيه غيره، ولو كان من ثفيّت القدر لقال: تثفّاك، ومعناه: صار أعدائي حولك كالأثافي تظافرًا، وقال ابن جنّي في "شرح تصريف المازني": ويفعلين أولى من يؤفعلن، لأنه لا ضرورة فيه.
وقوله: ومهمهين قذفين .. الخ، هذا البيت من شواهد النحويين، أنشده الزجاجي في باب ما جاء من المثنى بلفظ الجمع، والمهمة: القفر المخوف. فالواو نائبة عن رب، والذف، بفتح القاف والذّال المعجمة: البعيد من الأرض، والمرت بفتح الميم وسكون الراء المهملة: الأرض التي لا ماء بها ولا نبات، والظهر:
[ ٤ / ١٤٢ ]
ما ارتفع من الأرض شبّهه بظهر ترس في ارتفاع وتعرّية من النبات، كما قال الأعشى:
وفلاةٍ كأنَّها ظهر ترسٍ ليس إلَّا الرَّجيع فيها علاق
وقوله: جبتهما: جواب ربّ المقدرة، والجواب: القطع، والنعت: الوصف، أي: نعتا لي مرّة واحدة، فلم أحتج إلى أن ينعتا لي مرّةً ثانية. وصف نفسه بالحذق والمهارة والجسارة. وقوله: على مطار القلب، أي: على بعير هذه صفته.
وخطام المجاشعي الرّاجز: هو خطام بن نصر بن [رياح بن] عياض بن يربوع من نبي الأبيض بن مجاشع بن دارم، وهو راجز إسلامي. والخطام، بكسر الخاء المعجمة: معناه الزمام. قال الصّاغاني: إنَّ اسمه بشر، بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٨) ولا للما بهم أبدًا دواء
وصدره:
فلا والله لا يلفَى لما بي
على أنَّ اللام الثانية مؤكدة للأولى. وتقدَّم في الذي قبله عن ابن جنّي ما يتعلق به، ورواه المبارك بن ميمون في "منتهى الطلب" كذا:
فلا والله لا يلفى لما بي وما بهم من البلوى دواء
فلا شاهد فيه. والبيت من قصيدة لمسلم بن معبد الواليّ، قال أبو محمّد الأسود
[ ٤ / ١٤٣ ]
الأعرابيّ في "ضآلة الأديب": كان السبب في هذه القصيدة أن مسلمًا كان غائبًا، فكُتبت إبله للمصدّق، أي: لعامل الصدقة، وهي الزكاة، وكان رُقيع وهو عمارة ابن عبدي الوالي عريفًا، فظنَّ مسلم أنّ رقيعًا أغراه، وكان مسلم ابن أخت رقيع وابن عمه، فقال مسلم:
بكت إبلي وحقَّ لها البكاء وفرَّقها المظالم والعداء
إذا ذكرت عرافة آل بشرٍ وعيشًا ما لأوَّله انثناء
ودهرًا قد مضى ورجال صدقٍ سعوا قد كان بعدهم الشَّقاء
إذا ذكر العريف لها اقشعرت ومسَّ جلودها منه انزواء
فظلَّت وهي ضامرة تفادي من الجرّات جاهدها البلاء
وكدن بذي الرّبا يدعون باسمي ولا أرضٌ لدي ولا سماء
تؤمِّل رجعةً مني وفيها كتابٌ مثل ما لزق الغراء
إلى أن قال بعد أبيات يخاطب رقيعًا:
ألمَّا أن رأيت الناس آبت كلابهم عليَّ لها عواء
ثنيت ركاب رحلك مع عدوِّي لمختتلٍ وقد برح الخفاء
ولا خيت الرِّجال بذات بيني وبينك حين أمكنك اللِّخاء
إلى أن قال:
وقد يغني الحبيب ولا تراخي مودَّته الغنائم والحباء
ويوصل ذو القرابة وهو ناءٍ ويبقى الدِّين ما بقي الحياء
جزى الله الصَّحابة عنك شرًّا وكلُّ صحابة لهم جزاء
بفعلهم فإن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا كما مثل الحذاء
وإيّاهم جزى عنّي وأذَّى إلى كلّ بما بلغ الأداء
وقد أنصفتهم والنَّصف يرضى به الإسلام والرَّحم البواء
لددتهم النَّصيحة كلَّ لدٍّ فمجُّوا النُّصح ثمَّ ثنوا فقاؤوا
[ ٤ / ١٤٤ ]
إلى أن قال:
إذا مولى رهبت الله فيه وأرحامًا لها قبلي رعاء
رأى ما قد فعلت به موالٍ فقد غمرت صدورهم وداؤوا
فكيف بهم فإن أحسنت قالوا أسأت وإن غفرت لهم أساؤوا
فلا وأبيك لا يلفى لما بي ولا للما بهم أبدًا شفاء
وهذا آخر القصيدة. قوله: رجال صدق سعوا، أي: تعاطوا أخذ الصدقة، والساعي: من ولي شيئًا على قوم، وأكثر ما يقال ذلك في ولاة الصدقة، والانزواء: التقبض، وتفادي من كذا: إذا تحاماه وانزوى عنه، وقوله: ألمَّا، الهمزة للاستفهام التوبيخي، ولمَّا بمعنى حين، عاملها ثنيت، وأبت: رجعت، وبرح: زال، ولا خيت، بالخاء المعجمة: مالأتَ وساعدتَ.
وقوله: وقد يغني الحبيب، أي: يصير غنيًا، ولا تُرخي المغانم والعطاء مودته والصحابة: الأصحاب، والحذاء، بالكسر: النعل، أراد: كما صنع مثل الحذاء مطابقًا له، والَّصف: بفتح النون، وسكون الصاد: الإنصاف، والبواء، بفتح الموحدة: السواء.
وقوله: لددتهم .. الخ، اللدود بفتح اللام: ما يصبُّ من الأدوية في أحد شقّي الفم، ولددته لدًّا: صببت فيه صبًّا، ومحبّة: رماه، وثنوا: عطفوا ومالوا، وقاؤوا بالقاف: أي: أخرجوه بالقئ.
وصحفه العيني تصحيفًا فاحشًا فقال: قوله: وفاؤوا: خبر مبتدأ محذوف، أي: وهم فاؤوا، والجملة حاليًا. هذا كلامه، ولا يكاد يقضى منه العجب. وقوله: إذا مولى .. الخ، المولى هنا: ابن العم، ورهبت الله فيه، أي: خفت الله في جانبه. وغمرت: من الغمر، بكسر الغين المعجمة، وهو الحقد، وداؤوا، أي: مرضوا، يقال: داء الرّجل يداءُ داء، إذا أصابه المرض.
[ ٤ / ١٤٥ ]
وقوله: فكيف بهم، أي: فكيف أصنع بهم؟ وجملة "لا يلفى شفاء" أي: لا يوجد، جواب القسم، يريد: لا يوجد شفاء لي من كدرهم، ولا لما بهم من داء الحسد.
ومسلم بن معبد: شاعر إسلامي في الدولة الأموية وهو ابن معبد الوالبي نسبة إلى والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٩) لسان السوء تهديها إلينا وحنت وما حسبتك أن تحينا
على أنَّ الكاف حرف خطاب. قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد أن مثل لذلك بقوله: حسبتك عمرًا منطلقًا. وقال المصنف، يعني ابن مالك: أنشد أبو علي:
وحنت وما حسبتك أن تحينا
وأجاز أن تكون الكاف فيه حرف خطاب، وهو غريب. وحمله على ذلك وجود أن بعدها، فإنه إن لم يكن الأمر كما قال، لزم الإخبار بأن والفعل عن اسم عين، وذلك لا سبيل إليه في موضع يخبر عنه فيه بمصدر صريح، نحو: زيد رضى، فكيف في موضع بخلاف ذلك! انتهى. فعلى هذا إذا كانت الكاف حرف خطاب، تكون أن الناصبة، وما بعدها سدت مسد مفعولي حسب، كقراءة من قرأ: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ [المائدة/ ٧١] في قراءة من نصب "تكون".
ويحتمل البيت تخريجًا آخر، وهو أن يكون الكاف ضميرًا مفعولًا أول، وأن زائدة، وتحين في موضع المفعول الثاني، فلا تكون أن مصدرية. وهذا على مذهب الأخفش في إجازته أنّ "أن" الزائدة تنصب. إلى هنا كلام أبي حيان.
وهذا البيت أنشده ابنا لسكيت في كتاب "المذكر والمؤنث" قال: اللسان يذكَّر،
[ ٤ / ١٤٦ ]
وربما أنت، إذا قصدوا باللسان قصد الرسالة أو القصيدة من الشعر، قال الشاعر:
لسان السوء تهديها إلينا وحنت وما حسبتك أن تحينا
من الحين، وهو الهلاك. وقال الآخر:
أتتني لسان بني عامر فجلَّى أحاديثها عن بصر
ذهب إلى الرسالة، وقال الحطيئة:
ندمت على لسانٍ فات منّي فليت بأنَّه في جوف عكم
ويروى: "فليت بيانه" فمن أنث صغَّرها: لسينة، ومن ذكّر صغره: لسينًا. وأمّا اللسان بعينه فلم أسمعه من العرب إلَّا مذكّرًا، قال أبي: وسمعت أبا عمرو يقول: اللسان نفسه يذكر ويؤنث، فمن أنّث جمعه ألسنًا، ومن ذكَّر جمعه ألسنة. قال: وسمعته يحكي: لكل قومٍ لسنٌ، أي: لغة، ويقال: لسنت الرَّجل: إذا أخذته بلسانك، قال طرفة:
وإذا تلسنني ألسنها
وقد ألسنته: إذا بلغت عنه، وينسب إلى حسن اللسان رجل لسن بين اللَّسن. انتهى كلامه.
[ ٤ / ١٤٧ ]
وضمير تهديها راجع إلى "لسان" المراد به كلمة السّوء، وفي غطلاق الهدية عليها تمليح، وحسبتك بضمّ تاء المتكلم، ويجوز أن يكون بفتح تاء المخاطب، وحسبتك: ظننتك، وتحين وحنت كلاهما من الحين وهو الهلاك، وصحفه بعضهم:
وجئت وما حسبتك أن تجينا
كلاهما من المجئ، والأوَّل مهموز والثاني أبدلت همزته ياء.
"كي"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الموفي الثلاثمائة:
(٣٠٠) كي تجنحون إلى سلمٍ وما ثئرت قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم
على أن كي أصلها: كيف، فحذف فاؤها كما حذف من سوف، فقيل: سو، وكلاهما ضرورة، ومثل ابن عصفور في كتاب "الضرائر" للأول بقول الشاعر:
أو راعيان لبعرانٍ شردن لنا كي لا يحسّن من بعراننا خبرا
قال: يريد كيف لا يحسّان، ومثل للثاني بقول عديّ بن زيد:
فإن أهلك فسو تجدون فقدي وإن أسلم يطب لكم المعاش
قال: يريد: فسوف، قال ابن مالك في "شرح الكافية": وإن ولي كي اسم أو فعل ماض أو مضارع مرفوع؛ علم أنّ أصلها "كيف" حذفت فاؤها، ومنه قول الشاعر: كي تجنحون إلى سلم .. البيت. انتهى.
وظاهره أنه ليس بضرورة، وليس كذلك. وهذا البيت أعني قوله:
أو راعيان لبعرانٍ شردن لنا .. البيت،
[ ٤ / ١٤٨ ]
أنشده الفراء في "تفسيره" عند قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ قال: قرأه عبد الله: ﴿ولسيعطيك ربك فترضى﴾ قال: والمعنى واحد، إلا أن سوف كثرت في الكلام وعرف موضعها، فترك منها الفاء والواو، والحرف إذا كثر فربما فعل به ذلك، كما قيل: أيشٍ تقول، وكما قيل: قم لاباك، وقم لا بشانئك، يريدون: لا أبا لك، ولا أبا لشانئك. وقد سمعت بيتًا حذفت الفاء فيه من كيف، قال الشاعر:
من طالبين لبعران لنا رفضت كي لا يحسّون من بعثراننا أثرا
أراد: كيف لا يحسُّون، وهذا كذلك. انتهى.
وأنكر أبو علي في "البغداديات" حذف الفاء من كيف، وحتم أن تكون كي فيه بمعنى اللّام، قال: أنشد أبو بكر عن ابن الجهم في الفرّاء:
من طالبين لبعران لهم شردت كيما يحسون من بعرانهم خبرا
قال الفراء: أراد كيف، فرخم. قال أبو بكر: وهذا خطأ، وهو كما قال، وبسطه: أنّ كيف اسم يمتنع ترخيمه من غير وجه: أحدها أنه اسم ثلاثي، والثلاثي لم يجئ مرخمًا إلَّا ما كان ثالثه تاء تأنيث. والآخر: أنه منكور، والمنكور لا يرخم كما لا يبني، والترخيم أبعد من البناء، فإذا امتنع بناؤه كان ترخيمه أشدّ امتناعًا أيضًا، فإن كيف اسم مبني مشابه للحروف والحذف إنما يكون في الأسماء المتمكنة والأفعال المأخوذ منها، ولا يكون في الحروف، كذلك ينبغي أن لا يكون فيما غلب شبهها، وصار بذلك في حيزها. فإن أراد بالترخيم ما يستعمله النحويون في هذا النوع من المنادى، فهو غير منادى، وإن أراد به الحذف، فهو غير سائغ. فإن قلت: فقد قالوا: لد ولدن، فحذفوا منه وهو غير متمكن، فكذلك يسوغ الحذف من كيف. فالجواب: أنه لا يسوغ الحذف من حيث حذف من لدن، وذلك أنّ "لدن" لما فتح ما قبل النون منها وضم، ونصب الاسم بعدها في قولهم: لدن غدوة، ضارع
[ ٤ / ١٤٩ ]
التنوين الزائد في الاسم، لاختلاف الحركة قبلها، وانتصاب الاسم بعدها، فحسن لذلك حذفها كما يحذف الزائد. وأيضًا فإنَّ هذا الاسم يضاف في قولهم: لد الصلاة، ويدخل عليه حرف الجر، ويضاف إلى المضمر والمظهر، وكلّ ذلك توسع فيها، ليس في كيف مثله، فيسوغ فيه في دخول ذلك ما لا يسوغ في كيف. وأيضًا فإنَّ النّون شببهة بحروف اللّين، ألا تراها تزاد في مواضع زيادتها، وتلحق علامة الإعراب كما يُزاد ما هو منها. وحذفوها فاء في قوله:
وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وفي نحو:
عموا ظلامًا
فحذفه أسهل لذلك من حذف غيره، ولو لم يمكن في النون من هذه الكلمة ذكرناه، لما كان لحمل كيف عليه مساغ ما وجد لغيره مجاز. فإن قلت: فكيف وجه البيت عندك؟ فالقول: إنَّ كي على ضربين تكون مرة بمعنى اللام. وذلك في قولهم: كيمه، وتكون في معنى "أن" في نحو ﴿لكيلا تأسوا﴾ [الحديد/ ٢٣] فنقول: إن كي في البيت هي التي بمعنى اللَّام فيمن قال: كيمه، دخلتها "ما" كافة فمنعتها العمل الَّذي تعمله، فارتفع الفعل بعدها، كما كفَّت رُبَّ ومن في قولهم: مما أفعل، وربّما يقوم. ونظير هذا ما أنشدناه عن أبي الحسن من قوله:
إذا أنت لم تنفع فضرَّ فإنَّما يرجَّى الفتى كيما يضرُّ وينفع
[ ٤ / ١٥٠ ]
فعلى هذا يحمل هذا البيت. انتهى كلامه. وهذا كلّه تطويل بلا طائل، فإنَّ رواية الفرّاء "كيلا" بلا النافية لا بما، والتصرف في الحرف بالحذف وغيره ثابت مع أنه خلاف الأصل، فكونه في الاسم أولى وأحقّ، والمراد بالترخيم في نحو هذا التخفيف بالحذف، وهو شائع في كلامهم، فلا وجه للتردد بين ترخيم المنادى وغيره، على أنّ الفراء إنما عبّر بالحذف، ومحل كلامه إنكار مجيء كي مخفَّفة من كيف، وحمل كي في البيت على معنى اللَّام بمعونة "ما" الكافة على تقدير وجودها، فما يصنع بقول الآخر: كي تجنضحون إلى سلم .. البيت؟ وليس بعدها "ما" والمعنى على الاستفهام، ولعلّه يقول: إنَّ كي موضوعة للاستفهام عن حال الشيء بمعنى كيف، لا أنها مخففة منها كما هو مذهب جماعة، وحكاه الرّضي في "شرح الكافية" عن الأندسي.
وقال ابن يعيش في "شرح المفصّل": وفي كيف لغتان، قالوا: كيف، وكي. قال الشاعر: أو راعيان لبعران .. البيت، قالوا: كي هنا بمعنى "كيف" استفهام، وقال قوم: أراد: كيف، وإنما حذف الفاء تخفيفًا، كمات قالوا: سو أفعل، والمراد: سوف أفعل. انتهى. والظاهر أنه من ضرورة الشعر، كما قال ابن عصفور؛ إذ لو كانت كي موضوعة للاستفهام لوردت في الكلام، ولدوّنت في كتب اللغة كسائر الكلمات.
والبيتان مجهول قائلهما ولا يعرف تتمتهما. والبعران: جمع بعير، وهو في الإبل بمنزلة الرجل في الإنسان، ويحسّان: مضارع أحسّ الرجل الشيء إحساسًا: علم به، وأثرًا مفعوله، ورفضت، في رواية الفراء، من رفضت الإبل من باب ضرب: تفرقت في المرعى. ومعنى البيت غير واضح.
وأمّا قوله: كي تجنحون .. البيت، فقد زعم العيني أنه من شواهد سيبويه، وتبعه خدمة هذا الكتاب، هو غير موجود في "كتاب سيبويه" فإنَّ شواهده
[ ٤ / ١٥١ ]
مضبوطة ومعدودة، وقد شرحها جماعة من أكابر العلماء، ولم أر من أدرجه فيها.
وتجنحون: تميلون. والسلم، بكسر السّين وفتحها: الصّلح، وثئرت، بالبناء للمفعول، وقتلاكم: نائب الفاعل، من ثأرت القتيل إذا طلبت دمه وقتلت قاتله، والثأر مهموز، والهيجاء بالمدّ وتقصر: الحرب، وتضطرم: تلتهب، والجملتان: حالان من الواو في تجنحون، وكي للاستفهام الإنكاري التعجبي، وأتعجب من حسن قول العيني: الشاهد في كي، فإنه بمعنى كيف، وهو اسم لا شكّ فيه، لدخول حرف الجار عليه. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الثلاثمائة:
(٣٠١) إذا أنت لم تنفع فضرَّ فإنَّما يرجَّى الفتى كيما يضرُّ وينفع
على أنَّ كي فيه جارَّة بمعنى اللّام، وما مصدرية، وقيل: كافة. وقد أجاز الوجهين في "ما" أبو علي في "التذكرة القصرية" وقال أيضًا في "البغداديات" عند الكلام على قول الشاعر:
كيما تغدي القَوْمَ من شوائه
يجوز أن تكون ما زائدة، والفعل منصوب بإضمار أن، إلَّا أنه ترك على الإسكان، وذلك مما يستحسن في الضرورات. ويجوز أن تكون "ما" بمعنى المصدر في موضع جرّ بكي، وتغدي صلته، ونظير ذلك قول الآخر، أنشده أبو الحسن: إذا أنت لم تنفع .. البيت. كأنه قال: للضرّ والنّفع، ويحتمل عندي أن تكون ما كافة لكي، كما كانت كافة لربّ. انتهى. ونقل ابن مالك في "شرح الكافية"، عن أبي الحسن هذا أنه قال: جعل الشاعر "ما" اسمًا، وينفع ويضر من صلته، وأوقع عليه كي بمنزلة اللَّام. انتهى. ونقله ناظر الجيش وأقرّه، فهذه ثلاثة أقوال.
[ ٤ / ١٥٢ ]
ورأيت في "طبقات النحاة" لأبي بكر محمّد الشهير بالتاريخي عند ترجمة يونس ابن حبيب أنّ يونس قال: كان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فصيحًا، وهو الذي يقول:
إذا أنت لم تنفع فصرّ فإنما يرجَّى الفتى كيما يضرَّ وينفعا
انتهى. فعلى هذه الرّواية ما زائدة، ويضر منصوب بكي، واللام مقدرة، وأنت فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور، أي: إذا لم تنفع الصديق فضرّ العدوّ، وإنما قدّر لكلّ فعل مفعول؛ لأنَّ العاقل لا يأمر بالضرّ مطلقًا، وحسن المقابلة اقتضى تعيين الأول. ويرجّى بتشديد الجيم المفتوحة، أي: إنما يرتجى الفتى لضرر من يستحق الضرّ، ونفع من يستحق النّفع، وقيل: يمكن حمل البيت على أنَّ المراد الحثّ على النّفع بالأمر بالضرر، لا على أنه مراد، ولا يقدر للفعل متعلق بملاحظة أنَّ الإنسان إنما يقصد ويكثر رجاؤه لوصف فيه لا لذاته. وروي "يراد" بدل يرجّى.
وقال العيني: البيت للنابغة [الذبياني، وقيل:] الجعدي، والأصحّ أن قائله قيس بن لاخطيم، ذكره البحتري في "حماسته" انتهى.
وأنشده الإمام الباقلاني في كتاب "إعجاز القرآن" بنصب يضر وينفع، ونسبه إلى قيس بن الخطيم، وقد فتشته في ديوانه، وفي ديوان النّابغة الذبياني، فلم أجده فيهما، والله أعلم.
[ ٤ / ١٥٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد الثلاثمائة:
(٣٠٢) أردت لكيما أن تطير بقربتي
وتمامه:
فتركها شنًا ببيداء بلقع
على أنَّ كي فيه محتملة لأن تكون جارَّة بمعنى اللَّام، ومحتملة لأن تكون ناصبة بمعنى أن المصدرية، قال ابن مالك في "شرح الكافية": يحتمل أن تكون فيه بمعنى أنّ، وشدَّ اجتماعها على سبيل التوكيد، ويحتمل أن تكون جارة، وشذَّ اجتماعهما مع اللام. انتهى.
وقال ابن الأنباري في "مسائل الخلاف": ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إظهار أن بعد كي توكيدًا لكي، وذهب بعضهم إلى أنَّ العامل في: "جئت لكي أكرمك" اللَّامُ، وكي وأن توكيدان لها، وقالوا: يدل على جواز إظهارها النقل، كقوله:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
والقياس على تأكيد بعض الكلمات لبعض، فقد قالوا: لا إن ما رأيت مثل زيد، فجمعوا بين ثلاثة من أحرف الجحد للمبالغة.
وقال البصريون: لا يخلو إظهار أن بعد كي إمّا لأنها كانت مقدرة، فظهرت، وإمّا لأنها زائدة، والأول باطل لأن كي عاملة بنفسها، ولو كانت تعمل بتقدير أن لكان ينبغي إذا ظهرت أن يكون العمل لأن، فلمّا أضيف العمل إلى كي، دلَّ على أنها العامل، وكذا الثاني باطل؛ لأنَّ زيادتها ابتداء ليس بمقيس فوجب أن لا يجوز إظهار أن بحال.
ومنهم من قال: إنما لم يجز إظهار أن بعد كي وحتى؛ لأنهما صارتا بدلًا من اللفظ بأن، كما صارت "ما" بدلًا عن الفعل في قولهم: أمّا أنت منطلقًا انطلقت معك والتقدير: أن كنت منطلقًا، فحذف الفعل وجُعل ما عوضه.
[ ٤ / ١٥٤ ]
وأمّا قوله:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
فلا حجّة فيه لأنَّ قائله مجهول، وإن علم فإظهار أن بعد كي لضرورة الشعر، أو لأنَّ بدل من كي؛ لأنهما بمعنى واحد. انتهى كلامه. والجيّد هو الثاني، وهو ظهور "أن" للضرورة، والذاهب إلى أنّ العامل اللاَّم، وكي وأن مؤكّدان لها هو الفرّاء، قال في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ [النساء/ ٢٦] مثله في موضع آخر: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء/ ٢٧] والعرب تجعل اللَّام التي على معنى كي في موضع أن في: أردت وأمرت، فتقول: أردتُ أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. قال تعالى ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ [الأنعام/ ٧١] وقال في موضع آخر: ﴿قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾ [الأنعام/ ١٤] وقال: ﴿يريدون ليطفئوا﴾ [الصف/ ٨] و﴿أن يطفئوا﴾ [التوبة/ ٣٢] وإنَّما صلحت اللَّام في موضع "أن" في أمرتك وأردت، لأنهما يطلبان المستقبل، ولا يصلحان مع الماضي، ألا ترى أنك تقول: أمرتك أن تقوم، ولا يصلح: أمرتك أن قمت، وكذلك: أردت، فلمّا رأوا "أن" في غير هذين تكون للماضي والمستقبل استوثقوا لمعنى الاستقبال بكي، وباللام التي في معنى كي، وربما جمعوا بينهما وربما جمعوا بين ثلاثهن، أنشدني أبو ثروان:
أردت لكيما أن ترى لي عثرة ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل
فجمع بين اللَّام وكي، وقال تعالى: ﴿لكيلا تأسوا﴾ [الحديد/ ٢٣]، وقال الآخر في الجمع بينهن:
أردت لكيما أن تطير بقربتي .. البيت
[ ٤ / ١٥٥ ]
وإنما جمعوا بينهنَّ لاتفاقهنَّ في المعنى واختلاف لفظهن، قال رؤبة:
بغير لا عصفٍ ولا اصطراف
وربما جمعوا بين "ما ولا وإن" التي على معنى الجحد، أنشدني الكسائي في بعض البيوت:
لا ما إن رأيت مثلك
فجمع بين ثلاثة أحرف. وربما جعلت العرب اللَّام مكان أن فيما أشبه "أردت، وأمرت" مما يطلب المستقبل، أنشدني أبو الجرّاح الأنفيّ من بني أنف النّاقة من بني سعد:
ألم تسأل الأنفي يوم يسوقني ويزعم أني مبطل القول كاذبه
أحاول إعناتي بما قال أم رجا ليضحك مني أو ليضحك صاحبه
والكلام: رجا أن يضحك، ولا يجوز: ظننت ليقوم، وذلك أنَّ "أن" التي تدخل مع الظنّ تكون مع الماضي، نحو: أظن أن قد قام زيد، فلم تجعل اللَّام في موضعها ولا كي، إذا لم تطلب المستقبل وحده، وكلّما رأيت "أن" تصلح مع المستقبل والماضي فلا تدخلن عليها كي ولا اللام. هذا آخر كلام الفرّاء. وظهر منه أنَّ أن لا تكون إلَّا مع كي المسبوقة باللَّام. مع تقدم أحد الفعلين من "أمر وأراد" وما أشبههما، وأنَّ لام كي لا تكون إلَّا مسبوقة بأحد هذين الفعلين.
وقوله: أردت لكيما، ما: صلة، والطّيران ها هنا مستعار للذهاب السّريع. والقربة بكسر القاف معروفة، وتتركها بالنصب عطفًا على تطير. والترك: التخلية، يتعدى لمفعول، ويأتي بمعنى التصيير، ويتعدى لمفعولين، وهنا محتمل لكل منهما، فشنًا على الأول: حال من الهاء، وعلى الثاني: هو المفعول الثاني، وببيداء متعلق بالترك، أو هو المفعول الثاني، وشنًا: حال، وباقع بالحرّ صفة بيداء. وقال العيني:
[ ٤ / ١٥٦ ]
شنًا حال بتأويل متشننة، من التشنن، وهو اليبس في الجلد، والباء في ببيداء تتعلق بمحذوف تقديره: شنًّا كأنه ببيداء. هذا كلامه. والشن: القربة الخلق، والبيداء: الفلاة التي تبيد من يدخلها، أي: تهلكه، والبلقع: القفر. وهذا البيت فلَّما خلا منه كتاب نحوي، ولم يعرف قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد الثلاثمائة:
(٣٠٣) فقالت أكلَّ النَّاس أصبحت مانحًا لسانك كيما أن تغرَّ وتخدعا
علي أنَّ ظهور أن بعد كي خاصّ بالشعر. قال ابن عصفور في كتاب "الضّرائر": ومنها زيادة أن كقوله:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
أن فيه زائدة غير عاملة، لأن لكيما تنصب الفعل بنفسها، ولا يجوز إدخال ناصب على ناصب، وأما قول حسّان:
فقالت أكل النَّاس أصبحت مانحًا .. البيت
فـ "أن" فيه ناصبة لا زائدة أظهرت للضرورة، لأنَّ "كيما" إذا لم يدخل عليها اللَّام كان الفعل بعدها منتصبًا بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها في فصيح الكلام. انتهى. وقال ابن مالك في "شرح الكافية" بعد إنشاد هذا البيت: والأظهر في كي هذه أن تكون بمعنى اللَّام، وقال في "التسهيل": ويترجّح مع إظهار أن مرادفة اللَّام على مرادفة أن. قال ناظر الجيش: وهذا الكلام منه محتمل لأمرين: إمَّا كون كي في مثل هذا التركيب مرادفة لأن، وأتى بـ "أن" بعدها توكيدًا ضرورة، وهو قول النحاة، فيكون هذا القول مقابلًا لقول من يقول:
[ ٤ / ١٥٧ ]
إنها مرادفة اللَّام. وإما كون كي مرادفة لأن احتمالّي يمكن أن يقال به، وكلام ابنه بدر الدين يجنح إلى أنه أمر احتمالي، فإنه قال: إذا ظهرت "أن" بعد كي نظرت، فإن لم يكن قبلها اللَّام كما في قوله: كيما أن تغر، احتمل أن تكون الجارة، وقد شذَّ إظهار أن بعدها للضرورة، وأن تكون الناصبة للفعل، وقد شذ توكيدها بأن للضرورة، ثمَّ قال: والرَّاجح كونها جارة؛ لأن توكيد الحرف بالحرف شاذ في الاستعمال دون القياس، فكان القول به أولى. انتهى. وقال ابن يعيش: ويروى:
لسانك هذا كي تغرَّ وتخدعا
وهكذا هو في "ديوان جميل" والبيت له من قصيدة لا لحسّان، وهذا أبيات من أولها:
عرفت مصيف الحيِّ والمتربَّعا كما خطَّت الكفُّ الكتاب المرجَّعا
معارف أطلالٍ لبثنة أصبحت معارفها قفرًا من الحيِّ بلقعا
معارف للخود التي قلت أجملي إلينا فقد أصفيت بالودِّ أجمعا
فقالت أفق ما عندنا لك حاجةٌ وقد كنت عنَّا ذا عزاه مشيَّعا
فقلت لها لو كنت أعطيت عنكم بديلًا لأقللت الغداة التضرُّعا
فقالت أكلَ الناس أصبتح مانحًا لسانك هذا كي تغرَّ وتخدعا
المصيف: موضع الإقامة في الصَّيف، والمتربّع: موضع الإقامة في الربيع. وقوله: كما خطّت .. الخ، حال منها، أراد أنَّ الآثار قد انمحت كالخطّ القديم الذي قد روجع للقراءة فيه مرات كثيرة، والمعارف: الأماكن المعروفة، والبلقع: الخالي من الأنيس، والخود، بالفتح: الجارية النّاعمة، وأجملي: أمر من الإجمال، وهو المعاملة بالجميل، وأصفيت: مجهول أصفيته الودّ، أي: أخلصته له، والعزاء: الصبر، والمشيخ: المشجع.
[ ٤ / ١٥٨ ]
وقوله: فقالت أكل النّاس، الهمزة للاستفهام التقريري، وكلّ مفعول أوّل لمانح، وفيه تقديم مفعول معمول أصبح عليه، لأنَّ مانحًا خبر أصبح، والمنح: الإعطاء، ييتعدى لمفعولين ثانيهما لسانك، ومنح اللسان: التلطف والتودد، وغرّه: خدعه، والتقدير: تغرهم وتخدعهم، تقول: أهكذا تمنح لسانك جميع النّاس لتغرهم وتخدعهم كما خدعتني. وترجمة جميل بن معمر تقدمت في الإنشاد الثالث والثلاثين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرّابع بعد الثلاثمائة:
(٣٠٤) وأوقدت ناري كي ليبصر ضوؤها وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
على أنَّ فيه ردًّا على الكوفيين في زعمهم أنَّ كي ناصبة دائمًا، فإنها لو كانت ناصبة لما جاز الفصل بينها وبين الفعل باللَّام، وإنَّما هي هنا بمعنى اللّام، وسهّل ذلك اختلاف اللفظين، والنصب، وإنما هو بأن المضمرة بعد اللّام، ومثله بيت الطِّرمّاح:
كادوا بنصر تميمٍ كي لتلحقهم فيهم فقد بلغوا الأمر الّذي كادوا
قال ناظر الجيش: لا محيص في كلّ من هذين البيتين عن أحد أمرين: إمّا الحكم بأنّ كي مصدرية، وأن لام الجرّ أتي بها مؤخرة عنها، وإما الحكم بأنها جارّة، واللام بعدها مؤكدة، قالوا: والحكم بالأمر الثاني متعين؛ لأن توكيد حرف بمثله ثابت، وتأخير حرف الجرّ الذي هو اللّام عن الحرف المصدري غير ثابت، فنعين كون كي إذا وجدت قبل اللّام جارّة. انتهى.
وقال أبو حيّان في "شرح التسهيل": قال أبو علي في "التذكرة" في قول ابن قيس الرّقيّات:
ليتني ألقى رقيَّة في خلوة من غير ما أنس
كي لتقضيني رقيَّة ما وعدتني غير مختلس
[ ٤ / ١٥٩ ]
إنّ كي هنا بمعنى أن، ولا تكون الجارة؛ لأنّ حرف الجرّ لا يعلق، وهذا غير مرضي من أبي عليّ؛ لأن حرف الجرّ هنا لا يُعلّق بل هو باقٍ على عمله، وإنما كرّر توكيدًا لقول الآخر:
ولا للما بهم أبدًا دواء
هذا والبيت ليس لحاتم، وإنما هو من قصيدة للنميري وأورد منها أبو تمام في باب الأضياف من "الحماسة" اثني عشر بيتًا على رواية أخرى وهي:
فأبرزت ناري ثمَّ أثقبت ضوءها وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
وعليه لا شاهد. وهذا ما أورده أبو تمام:
وداع دعا بعد الهدوِّ كأنما يقاتل أهوال السُّرى وتقاتله
دعا بائسًا شبه الجنون وما به جنونٌ ولكن كيد أمرٍ يحاوله
فلمّا سمعت الصَّوت ناديت نحوه بصوت كريم الجدِّ حلوٍ شمائله
فأبرزت ناري ثمَّ أثقبت ضوءها وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
فلمّا رآني كبر الله وحده وبشَّر قلبًا كان جمًّا بلا بله
فقلت له أهلًا وسهلًا ومرحبًا رشدت ولم أقعد إليه أسائله
وقمت إلى برك هجان أعدُّه لوجة حقٍّ نازل أنا فاعله
بأبيض خطَّت نعله حيث أدركت من الأرض لم تخطل عليَّ حمائله
فجال قليلًا واتَّقاني بخيره سنامًا وأملاه من النَّبيِّ كاهله
بقرمٍ هجان مصعبٍ كان فحلها طويل القرى لم يعد أن شقَّ بازله
فخرّ وظيف القرم في نصف ساقه وذاك عقالٌ لا ينشَّط عاقله
بذلك أوصاني أبي وبمثله كذلك أوصاه قديمًا أوائله
قوله: بعد الهدوّ: وهو السّكون، يقول: بعدما هدأت أصوات النّاس بالنوم، وقوله: دعا بائسًا، حال من ضمير دعا، أي: وهو ذو بؤس وشدّة من الجوع والعطش، وإنما دعا شبه الجنون لتسمعه الكلاب فتنبحه ليستدل بأصواتها على الحيّ، وهكذا حال المسافر المنقطع إذا أظلم عليه اللّيل. قال التبريزي: أي دعا دعاء يشبه
[ ٤ / ١٦٠ ]
الجنون، فهو صفة لمصدر محذوف، ثمَّ قال: وما به جنون، يكابد أمرًا يطلب الخلاص منه، وليس له طريق للخلاص إلَّا على ذلك الوجه، وأثقبت النَّار: أوقدتها حتى سطعت ولاحت، وإنما أخرج كلبه لينبحه فيستدل بنبحه إليه. وقوله: وهو في البيت داخله، قال ابن جنّي في "إعراب الحماسة": الظرف الذي هو في البيت خبر المبتدأ، وقوله: داخله بدل من الظرف، حتى كأنه قال: وهو داخل البيت، وليس بحسن أن يكون الظرف لغوًا؛ لأنه كان يكون متعلقًا بداخل، وداخل هذا قد تعدَّى في المعنى إلى الظرف؛ لأنَّ الهاء ضمير البيت. وهي في المعنى ظرف، ألا ترى أن أصله داخل فيه؟ ولا يجوز أن يعمل فعل واحد في ظرفين من جنس واحد. انتهى المراد منه.
والجمّ: الكثير، والبلابل: الأحزان. وقوله: وقمت إلى برك هجان .. الخ، البرك بفتح الموحدة: الإبل الباركة، وهو اسم جمع، ولهذا أعاد إليه الضير تارةً مذكرًا وتارة مؤنثًا. وناقة هجان، وإبل هجان أيضًا: بيض كرام، وأعدُّه: أهيئة. قال التبريزي: ووجبة الحقّ: وقوعه، والباء من أبيض متعلق بقمت. واللَّام متلّق بأعدّه، وجملة "أعده" صفة لبرك، كما أنّ جملة "أنا فاعله" صفة لحق. انتهى.
والأبيض: السيّف، وخطّت: أثّرت، والنّعل: حديدة في أسفل غمد السيّف، ولم تخطل: لم تضطرب، وحمالة السّيف: سيره ونجاده، يريد أنه لم يكن أطول منه وفاعل جال: ضمير البرك، وقليلًا، أي: جولانًا قليلًا، أو زمنًا قليلًا، واتقاني: استقبلني، والتي: السِّمن، مصدر نوت الناقة، أي: سمنت. والكاهل: مقدم السنام.
قال ابن جني: الهاء في خيره وأملاه ضمير البرك، وارتفع كاهله بـ "أملاه"، وعملت أفعل هذه في المظهر فرفعته، وهي في ذلك أمثل حالًا منها إذا اتصلت بها "من" في نحو "افعل منك" وذلك أنَّ "من تباعدها بما تكسبها من التخصيص من الفعل والإضافة
[ ٤ / ١٦١ ]
في كثير من هذه المواضع في تقدير الانفعال، ولذلك قلت: مررت برجلٍ ضارب أخيه زيدٌ، هذا هو الظّاهر، وإن شئت رفعت كاهله بمضمر دلَّ عليه أملاه، أي: امتلاء من التي كاهله، ولا يجوز أن ترفع أملاه بالابتداءوخبره كاهله، والجملة حال، لأنه يصير المعنى حينئذ أنه ضرب قرمًا أكثره شحمًا كاهله، وليس هذا الغرض، وإنما الغرض تفضيله على سائر البرك، لا يفضّل كاهله على سائر جسمه.
وقوله: بقوم بدل من خيره، غير أنه أعاد الجار. انتهى. والمصعب: الفحل الكريم الذي لا يبتذل في العوارض بل يُقصر على الفحلة، وقال الخليل: هو الذي لم يركب قطّ، ولم يمسّه حبلٌ. وقوله: كان فحلها، اسم كان ضمير البرك، أي: كان هذا القرم فحل هذه البرك، والقرم من الإبل: الَّذي يكرم للفحلة، والقرَى، بفتح القاف والراء: الظهر، ولم يعد: لم يتجاوز أن شقّض، أي: خرج، والبازل: آخر ما ينبت من أسنان الإبل، يريد أنّه فتيّ.
وقوله: فحزّ وظيف القرم: الحزّ: القطع، والوظيف: ما بين الرسغ والسّاق، وقوله: وذاك عقال لا يُنشَّط عاقله، أي: لا يجعله أنشوطة، يقال: نشطت العقال: إذا شددته، وأنشطته: إذا حللته.
قال أبو تمام: هذا الشعر للنميري، وقيل: لرجل من باهلة. وقال السّيوطي: أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر مسندًا أبي حاتم الطّائي، لكن ليس في البيت شاهد، وهذا الشعر أشبه بشعر حاتم الطائي، والله أعلم. وتقدَّمت ترجمة حاتم في الإنشاد الثامن والتسعين.
[ ٤ / ١٦٢ ]
"كم"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس بعد الثلاثمائة:
(٣٠٥) كم ملوك باد ملكهم ونعيم سوقةٍ بادوا
على أنَّ تمييز "كم" الخبريّة يجوز أن يكون مفردًا أو جمعًا كما في البيت.
وباد: هلك واضمحلّ، والملك، بالضم: السلطنة، والسُّوقة، بالضمّ: خلاف الملك، يستوي فيه الواحد المذكر والمؤنث والجمع، ونعيم: معطوف على ملوك، على معنى: وكم باد نعيم سوقة. وخولف في كون نعيم مفردًا بأن المضاف قد يأخذ حكم المضاف إليه في الجمعية، ويدل عليه بادوا، وكذا يفهم من صنيع أبي حيّان، فإنّه قال: إن ضمير "كم" الخبريّة يكون جمعًا مجرورًا كمميّز عشرة، ومفردًا مجرورًا كمميز مائه، فمن الجمع قول الشّاعر:
كم ملوكٍ باد ملكهم .. البيت.
على أنَّ غطلاق فعيل على الجمع شائع، كقوله تعالى: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ [التحريم/ ٤]، هذا ما رأيته، وقافية البيت ليست دالية، وإنما هو من قصيدة رائية لعدي بن زيد العبادي، وأوَّلها:
يا لبيني أوقدي نارا إنَّ من تهوين قد حارا
ربَّ نارٍ بيتُّ أرمقها تقضم الهنديَّ والغارا
عندها ظبيٌ يؤرِّثها عاقدٌ في الجيد تقصارا
شادنٌ في عينه حورٌ وتخال الوجه دينارا
إنَّني رمت الخطوب فتى فوجدت العيش أطوار
من حبيب أو أخي ثقةٍ أو عدوٍ شاحطٍ دّارًا
[ ٤ / ١٦٣ ]
ليس يغني عيشه أحدٌ لا يلاقي فيه إمعارا
كم ملوكٍ باد ملكهم ونعيم سوقةٍ بارا
حار، بالحاء المهملة: رجع، ويقال لهذه النار نار السّلأامة، توقد للقادم من سفر، كذا رأيته بخط شيخنا الشهاب في بعض مجاميعه، وأرمقها: أبصرها، وتقضم: تأكل، والهندي: العود الهندي، والغار، بالمعجمة: شجرة طيبة الريح، ويؤرثها: يوقدها ويشبّها، والتقصار، بالكسر: القلادة. والأبيات الثلاثة يأتي شرحها إن شاء الله تعالى في الباب الرابع. والإمعار: مصدر أمعر الرّجل: إذا افتقر وتغير حاله، وبار: من البوار وهو الهلاك والتلف، فيكون في البيت الجمع بين التمييز بالجمع وبالمفرد. وترجمة عدي بن زيد تقدمت في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين.
والعبادي، بكسر العين وخفة الموحدة، قال ابن دريد: وإنما قيل لقوم عدي: العباد؛ لأنهم قوم شتى اجتمعوا على النصرانية، وأنفوا من أن يقال لهم العبيد، فتسموا بالعباد. وقال الطبري في قوله تعالى: ﴿وقومهما لنا عابدون﴾ [المؤمنون/ ٤٧]، معناه: مطيعون، ومنه قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا طاعة لملوك العجم، والعرب تقول: رجل عابد، إذا دان للملك.
وقال أحمد بن أبي يعقوب: إنما سمي نصارى الحيرة العباد؛ لأنّه وفد على كسرى خمسة، فقال للاوَّل: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح، وقال للثاني: ما اسمك؟ قال: عبد ياليل، وقال للثالث: ما اسمك؟ قال: عبد عمرو، وقال للرابع:
[ ٤ / ١٦٤ ]
ما اسمك؟ قال: عبد ياسوع، وقال للخامس: ما اسمك؟ قال: عبد الله. فقال: أنتم عباد عباد كلكم! فسموا عبادًا. قال كراع: معنى عبد ياسُوع: عبد الله، كذا في "اللآلي شرح الأمالي" لأبي عبيد البكري.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس بعد الثلاثمائة:
(٣٠٦) كم عمَّة لك يا جرير وخالةٍ فدعاء قد حلبت عليَّ عشاري
على أنَّ مميّز "كم" الخبرية فيه مفرد، وقد روى فيه الجر والنصب والرّفع، وجوّز في "كم" أن تكون استفهاميّة أيضًا، وقد بسطنا الكلام عليه غاية البسط في الشاهد الثاني والتسعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
والبيت من قصيدة للفرزدق هجا بها حريرًا، وقبله:
قبح الإله بني كليبٍ إنَّهم لا يغدرون ولا يفون لجارٍ
يستيقظون إلى نهاق حميرهم وتنام أعينهم عن الأوتار
متبرقعي لئومٍ كأنَّ وجوههم طليت حواجبها عنيَّة قار
كم من أبٍ لي يا جرير كأنَّه قمر المجرَّة أو سراج نهار
ورث المكارم كابرًا عن كابرٍ ضخم الدَّسيعة كلّ يوم فخار
إلى أن قال:
كم عمَّة لك يا جرير وخالةٍ فدعاء قد حلبت عليّض عشاري
كنّا نحاذر أن نضيع لقاحنا ولهلى إذا سمعت دعاء يسار
شغارةً تقذ الفصيل برجلها فطارة لقوادم الأبكار
[ ٤ / ١٦٥ ]
قوله: لا يغدرون .. الخ، يقول: هم ضعفاء لا يقدرون على غدر ولا على وفاء. وعنيَّة: بفتح العين المهملة وكسر النون بعدها مثناة تحتيّة مشددة، قال صاحب "الصّحاح": هو بول البعير يعقد في الشمس يُطلى به الأجرب، والقار بالقاف، قال صاحب "الصّحاح": هو الإبل، وأراد بسراج النّهار: الشمس، والدسيعة: العطيّة.
وقوله: كم عمّة لك يا جرير .. الخ، هو من شواهد سيبويه على أن "كم" فيه خبرية، وقال: ومن ينصب، أي: المميّز، كثير، منهم الفرزدق. انتهى. وفدعاء: صفة لخالة لقربها، وحذف الصفة للدلالة عليها. قال ابن الأعرابي: الذي يمشي على ظهر قدميه. والأنثى: فدعاء، والفدع من صفات العبيد والإماء. والعشار، بالكسر: جمع عشراء، بضم ففتح وبالمدّ: النّاقة التي أتى عليها من وضعها عشرة أشهر لا التي مضى عليها عشرة أشهر من حملها، بدليل قوله: حلبت. وقد صحّف بعض المتقدمين الكلمتين الأخيرتين، فرواه: "قد جلبت على عشّار" بضم الجيم من الجلاء، وعشار بفتح العين وتشديد الشين.
وقوله: كنّا نحاذر .. الخ، نُضيع: مضارع أضاع، ولقاحنا: مفعوله، جمع لقوح، وهي النّاقة الحلوب. وقوله: ولهى: فاعل نضيع فعلى من الوله، ويسار: اسم عبد كان يتعرض لبنات مولاه.
وقوله: شغّارة تقذ .. الخ، هو من شواهد سيبويه بنصب شغارة على الذم، قال في "الكتاب": زعم يونس أنه سمع الفرزدق ينشده بالنصب، جعله شتمًا، وكأنه حين ذكر الحلب، صار من يخاطب عنده عالمًا بذلك، ولو ابتدأه وأجراه على الأول كان جائزًا عربيًّا. انتهى. والشّغارة: التي ترفع رجلها ضاربة للفصيل لتمنعه من الرّضاع عند الحلب، والوقذ، بالقاف والذّال المعجمة: أشدّ الضرب، والفطارة: التي تحلب الفطر، بفتح الفاء وسكون الطاء، وهو حلب النّاقة بالسبّابة
[ ٤ / ١٦٦ ]
والإبهام لصغر خلفها. والضف. بفتح الضّاد المعجمة: القبض على الخلف بالكف لعظمه. الأبكار: جمع بكر، وهي التي نتجت أوَّل بطن. وقوادمها: أخلافها، وهي أربعة: قادمان، وآخران، فسمّاها كلّها قوادم اتساعًا، وهذا الحلب صعب، وإنما وصف حذقها بالحلب لكونها نشأت عليه. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
"كأيِّن"
أنشد فيه، وهو الإنشاد السّابع بعد الثلاثمائة:
(٣٠٧) اطرد اليأس بالرَّجا فكأيِّن آلمًا حمَّ يسره بعد عسر
على أنه جاء فيه مميّز كأيّن منصوبًا على غير الغالب. وآلم: اسم فاعل من ألم يألم ألمًا، من باب فرح، رحمّ، بضم الحاء المهملة: بمعنى قدِّرَ وقضي، وهو من الأفعال التي لم تستعمل إلَّا مجهولة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد الثلاثمائة:
(٣٠٨) وكائن لنا فضلًا عليكم ومنَّةً قديمًا ولا تدرون ما من منعم
لما تقدَّم قبله. وما مصدريّة وصلت بالفعل الماضي، أي: لا تدرون منَّة المنعم.
"كذا"
أنشد فيه، وهو الإنشاد التاسع بعد الثلاثمائة:
(٣٠٩) وأسلمني الزَّمان كذا فلا طربٌ ولا أنس
على أنَّ كذا مركّبة من الكاف وذا، قال أبو حيّان في كتاب "الشذا في أحكام كذا": الكاف أصلها التشبه؛ وذا أصلها أنها اسم الإشارة للمفرد المذكور، فمتى
[ ٤ / ١٦٧ ]
أبقيت كلّ واحدة منهما على موضوعها الأصلي فلا تركيب فيها، ولا تكون إذ ذاك كناية عن شيء، وإن أخرجت عن موضوعها الأصلي فإنَّ العرب استعملتها كناية عن عدد وعن غير عدد، وفي كلتا الحالتين تكون مركبةً، ولذلك لا تثنى ذا ولا تجمع، ولا تؤنث، ولا تتبع بتابع، ولا تتعلق الكاف بشيء، ولا تدل على تشبيه؛ لأنهما بالتركيب حدث لهما معنى لم يكن قبله، ولا تلزم كذا الصدر، ولا تكون مقصورة على إعراب خاص، بل تستعمل في موضع رفع وفي موضع نصب وفي وفي موضع جرّ بالإضافة وبالحرف. انتهى المراد منه بلفظه.
وكون كذا في البيت على الأصل غير واضح، لأنه ليس في الكلام مشبّه، ولا يعرف البيت الذي قبله حتى يعرف المشبه. وقد أورده أبو حيّان في أوَّل ذلك الكتاب، قال: وقولهم: "أما بمكان كذا وكذا وجذٌ" دليل على أنه لم يرد معطوفًا ومعطوفًا عليه، ولا أراد أن يوصف المكان بصفتين معطوفة إحداهما على الأخرى، وهو كناية عن معرفة، ومن وقوعه على النكرة قوله:
وأسلمتني الزَّمان كذا فلا طربٌ ولا أنس
انتهى. فظاهر كلامه أنه من الوجه الذي عدَّه المصنّف ثانيًا، فيكون كذا كناية عن حالٍ نكرة، والمعنى: خذلني الزمان حال كوني منفردًا. ثمَّ رأيت في "الارتشاف" بعد أن أنشد البيت، قال: أوقع كذا موقع الحال، وهي نكرة انتهى. وأسلمه: بمعنى خذله، وأنس بضمتين، والوجذ، بفتح الواو وسكون. الجيم، ثالثه ذال معجمة: النقرة التي في الجبل تمسك الماء، والجمع وجاذ.
وقال ابن وحيي: الكاف للتشبيه، وذا إشارة إلى مصدر أسلم، أي: أسلمني الزمان إلى الأحزان والغموم إسلامًا مثل ذلك الإسلام الذي ابتلاني به، فإذا كان الأمر كذلك فلا طرب ولا أنس لي. هذا كلامه.
[ ٤ / ١٦٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٠) عد النَّفس نعمى بعد بؤساك ذاكرًا كذا وكذا لطفًا به نسي الجهد
على أنَّ كذا لا تستعمل غالبًا إلَّا معطوفًا عليها. قال ابن مالك في "شرح التسهيل": وأمّا كذا ففيها ما في كائن من التركيب الموجب للحكاية، وفيه زيادة مانعة من الإضافة، وذلك أن عجزها اسم لم يكن له قبل التركيب نصيب في الإضافة، فأبقي على ما كان عليه .. إلى أن قال: وأما كذا فلم يجئ مميِّزها إلَّا منصوبًا كقوله: عد النفس نعمى .. البيت، وقال أيضًا: واستعمال كذا دون تكرار قليل، وكذا استعماله مكرّرًا بلا عطف. انتهى المقصود من كلامه.
"كأنَّ"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١١) فأصبح بطن مكَّة مقشعرًا كأنَّ الأرض ليس بها هشام
على أنَّ "كأنَّ" فيه عند الكوفيين للتحقيق. وقال المبرّد في "الكامل": يقول: هو وإن كان مات فهو مدفون في الأرض، فقد كان يجب من أجله أن لا ينالها جدب. انتهى. وكتب ابن السيد البطليوسي في "حاشيته" عليه: هذا التفسير على قول من جعل "كأنَّ" في هذا البيت بمعنى التعجّب، فكأنه يعجب من إجداب الأرض، وهشام مدفون فيها وإنما كان ينبغي أن لا تجدب لكونه فيها. وقوم يجعلونها بمعنى الشك، ومعناه: إنَّ الأرض أجدبت حتى ظنَّ وتوهم أنَّ هشامًا ليس مدفونًا فيها. وذهب إلى أنَّ كأنَّ ههنا للتحقيق، أي: إنَّ الأرض أجدبت وهشام ليس فيها، أي: ليس على ظهرها، وإليه ذهب السيرافي. انتهى. وقال ناظر الجيش:
[ ٤ / ١٦٩ ]
زعم بعضهم أنَّ كانَّ قد تكون للتحقيق دون تشبيه، واستشهد على ذلك بقول الشّاعر: وأصبح بطن مكة .. البيت، وبقول الآخر:
كأنَّني حين أمسي لا تكلِّمني ذو نعمةٍ يبتغي ما ليس موجودًا
والصحيح أن كأن لا يفارقها التشبيه، ويخرج البيت الأوَّل على أنَّ هشامًا وإن مات فهو باقٍ ببقاء من يخلفه سائرًا بسيرته. وأجود من هذا أن تجعل الكاف من كأنَّ في هذا الموضع كاف التعليل المرادفة لَّلام. كأنَّه قال:
وأصبح بطن مكَّة مقشعرًا لأنَّ الأرض ليس بها هشام
وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿وي كأنه لا يفلح الكافرون﴾ [القصص/ ٨٢]، فقيل: معناه أعجب لأنه لا يفلح الكافرون. وأكثر ما ترد الكاف بهذا المعنى مقرونة كقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [البقرة/ ١٩٨]، وأمّا البيت الثاني فلا حجّة فيه، لأنَّ التشبيه فيه يتبين بأدنى تأمل، ثمَّ قال: ويمكن حمل كأنَّ فيه للتشبيه حقيقة دون احتياج إلى ذلك التأويل، وذلك أنَّ الشاعر كان لا يعترف بفقد هشام؛ لأنه لا يرضى أن يحدث نفسه بفقده لكونه عزيزًا عنده، فهو عنده في حكم الموجود، وإذا كان في حكم الموجود، وجب عنده أن لا تقشعرَّ الأرض. فلما اقشعرَّت قال: كأنَّ الأرض ليس بها هشام. وهذا معنى صحيح، وهو أمر يرجع إلى تجاهل العارف.
والبيت من شعر للحارث بن أميّة الصغرى بدون فاء رثى بها هشام بن المغيرة وهي:
أصبح بطن مكَّة مقشعرًا كأنَّ الأرض ليس بها هشام
[ ٤ / ١٧٠ ]
يروح كأنّه أشلاء سوطٍ وفوق جفانه شحمٌ ركام
وللكبراء أكلٌ كيف شاؤوا وللولدان لقمٌ واقتسام
فبكيه ضباع ولا تملِّي ثمال النَّاس إن قحط الغمام
وإنَّ بني المغيرة من قريشٍ هم الرَّأس المقدَّم والسَّنام
وهشام هو أبو عثمان بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخذوم، قال الزبير بن بكار في كتاب "أنساب قريش": وكان هشام بن المغيرة سيّدًا مطاعًا، وله يقول أبو بكر بن الأسود بن شعوب يؤبِّنه:
ذريني أصطبح يا بكر إني رأيت الموت نقَّب عن هشام
تخيره ولم يعدل سواه ونعم المرء بالبلد التِّهام
وله يقول الحارث بن أميّة الصغري يؤبّنه، وهو المديح بعد الموت:
ألا هلك الفيَّاض والحامل الثِّقلا ومن لا يضمنُّ عن عشيرته فضلًا
ألا لست كالهلكي فتبكي بكاءَهم ولكن أرى الهلَّاك في جنبه وغلا
من أبيات. وقال أيضًا يبكيه:
أصبح بطن مكَّة مقشعرًّا .. الأبيات المتقدمة.
وضباعة التي ذكر: زوجته القشيرية. ولما قال الحارث بن أمية لهشام بن المغيرة: ألا لست كالهلكي .. البيت، أغرت به بنو عبد مناف حكيم بن أمية بن حارثة بن أوقص السُّلمي حليف بني عبد شمس، وكانوا استعملوا على سفهائهم، ففرّ منه الحارث وقال:
أمرر بالأباطح كلَّ يومٍ مخافة أن يشرِّدني حكيم
فهدم حكيم داره، وأعطاه بنو هشام داره التي بجيادٍ.
[ ٤ / ١٧١ ]
وقال بحير بن عبد الله القشيري يرثى هشامًا في رواية معمر بن المثنّى:
دعيني اصطبح يا بكر إني رأيت الموت نقَّب عن هشام
فودَّ بنو المغيرة لو فدوه بألف مقاتلٍ وبألف رام
وودَّ بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام
فبكّيه ضباع ولا تملّي هشامًا إنّه غيث الأنام
ووجدتها له بخط الضحاك بن عثمان، يختلفان في اللفظ، وزاد فيها: "على أثر تهام"
وكنت إذا ألاقيه كأني على حرمٍ وفي شهرٍ حرام
والرواية الأولى عندنا أثبت. وقال عبد الله بن ثور البكائي يرثيه:
هريقي من دموعهما سجاما ضباع وجاوبي نوحًا قياما
على خير البريَّة لن تريه ولن تلقي مواهبه العظاما
وأوحش بطن مكَّة بعد أنسٍ ومجد كان فيها قد أقاما
من أبيات. وعن عكرمة المخزومي: كان فارسي قريش في الجاهلية هشامُ ابن المغيرة والوليد بن عبده، وكان يقال لهشام بن المغيرة: فارس البطحاء، وكان فرسانهم في الجاهلية بعدهما عمرو بن عبد العامري، وضرار بن الخطاب الفهري المحاربي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، وعكرمة بن أبي جهل المخزومي. وعن ابن شهاب أن قريشًا كانت تعد قبل رسول الله ﷺ من زمن الفيل، كانوا يعلمون بين الفيل وبين الفجار أربعين سنة، وكانوا يعدون بين الفجار وبين وفاة هشام بن المغيرة وبين بنيان الكعبة تسع سنين، وكانوا يعدون من بنيان الكعبة وبين أن ظهر رسول الله ﷺ خمس عشرة سنة، منها خمس سنين قبل أن ينزل عليه، ثمَّ كان العدد بعد. وابنه الحارث بن هشام بن المغيرة كان
[ ٤ / ١٧٢ ]
شريف مذكورًا، وشهد بدرًا مع المشركين وفرّ، وشهد أيضًا أحدًا معهم، وبقي متمسكًا بالشرك حتى أسلم يوم فتح مكة، وله ابن يسمّى عثمان، وبه يكنى، وأمه بنت عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وليس لعثمان عقب، ولما نزل هشام بن المغيرة بحرّان وبها أسماء بنت مخرمة النهشلي –نهشل دارم، قد هلك عنها، وكانت امرأة لبيبة حسناء- تزوجها فولدت له عمرًا الذي كنّاه رسول الله ﷺ أبا جهل والحارث بن هشام المذكور. انتهى كلامه.
وقال المبرد في "الكامل" وكان هشام بن المغيرة أجلٍّ قريش حلمًا وجودًا، وقريش كانت تؤرخ بموته، كما تؤرخ بعام الفيل وبملك فلان، قال الشاعر:
زمان تناعى النّاس موت هشام
ومن أجله قول القائل:
فأصبح بطن مكَّة مقشعرًا .. البيت
وقال الآخر:
ذريني أصطبح يا سلم إنِّي رأيت الموت نقَّب عن هشام
نقب، أي: طوف حتى أصاب هشامًا .. قال تعالى: ﴿فنقبوا في البلاد﴾ [ق/ ٣٦]، أي: طوَفوا، ومثله قول امرئ القيس:
وقد نقبَّت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
انتهى. وقوله: يروح كأنه أشلاء سوط، السوط معروف، وهو يفتل وينسج من طاقات، وأشلاؤه: طاقاته، يريد أنه نحيف من قلة الأكل مع كثرة طعامه، والعرب تتمدح بقلة الأكل والنحافة، والأشلاء: جمع شلو –بالكسر- وهو العضو، والجفاف: جمع جفنة –بالفتح- وهي القصعة الكبيرة، والركام –بالضم-: المتراكم بعضه على بعض، وثمال منصوب على المدح، وهو الغياث
[ ٤ / ١٧٣ ]
الذي يقوم بأمر قومه، والحارث هو الحارث بن أميّة الأصغر الذي يقال له: ابن عبلة ابن عبد شمس الشاعر الجاهلي، ومن ولده عبد الله بن الحارث، أدرك معاوية شيخًا كبيرًا، وورث دار عبد شمس بمكة، لأنه كان أقعدهم، فحج معاوية في مدته، فدخل ينظر إلى الدّار، فخرج إليه بمحجن ليضربه، وقال: لا أشبع الله بطنك أما تكفيك الخلافة حتى تجئ فتطلب الدار؟ ! فخرج معاوية وهو يضحك. كذا في "جمهرة الأنساب".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٢) كأنِّي بك تنحطُّ
تمامه:
إلى اللَّحد وتنغط
وقد أسلمك الرَّهط إلى أضيق من سم
على أنَّ "كأنَّ" فيه للتقريب، وأن أصله عند المطرزي: كأني أبصرك تنحط -فحذف الفعل، وزيدت الباء. أمّا الثاني فقد نسب إلى المطرزي ما لم يقله، وهو في هذا تابع لابن عمرون كما سيأتي. وهذه عبارة المطرزي في "شرح مقامات الحريري" قال: قوله:
كأني بك تنحط أي: كأني أبصرك، إلَّا أنه ترك الفعل لدلالة الحال، وكثرة الاستعمال، ومعناه: أعرف لما أشاهد من حالك اليوم كيف يكون حالك غدًا، كأني أنظر إليك وأنت على تلك الحال. ومثله: من لي بكذا؟ يعنون: من يكفل لي به، وله نظائر. انتهى. والباء عند وصلة للفعل المحذوف ودالَّة عليه، والفعل المحذوف هو مضارع بصرت بالشيء -بالضم والكسر- بصرًا بفتحتين، أي: علمت، فأنا بصير به، ويتعدى بالباء في اللغة الفصحى. كذا في "المصباح". وقد ذهب المحقق الرضي إلى هذا فقال: الأولى أن نقول ببقاء كأنّ على معنى التشبيه، ولا نحكم
[ ٤ / ١٧٤ ]
بزيادة شيء، ونقول: التقدير: كأنك تبصر بالدنيا، أي: تشاهدها، من قوله تعالى: ﴿فبصرت به عن جنبٍ﴾ [القصص/ ١١] والجملة بعد المجرور بالباء حال، أي: كأنك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة، ألا ترى إلى قولهم: كأني باللّيل وقد أقبل، وكأني بزيد وهو ملك، والواو لا تدخل على الجمل إذا كانت أخبارًا لهذه الحروف. انتهى.
وأما الأول فقد قال ناظر الجيش: هو مذهب بعض الكوفيين، قالوا: لأن المعنى على تقريب إقبال الشتاء، وتقريب إتيان الفرج، ولا يتصورّ التشبيه في هذا الكلام. ومن ذلك قول الحسن البصري: كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل، لأنَّ المعنى على تقريب زوال الدنيا، وتقريب وجود الآخرة، والمحققون على أن كأنّ للتشبهي فيما ذكر، ولكن اختلف القول في تخريجه. إلى هنا كلامه.
قال أبو عبد الله محمد بن محمّد بن عمرون الحلبي في "شرح المفصل" ومن مشكل خبر كأنّ قول الحسن البصري: كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل. يحتمل الضمير في "تكن" أن يكون للمخاطب، وأن يكون للدنيا، وكذا الضمير في "لم تزل". وتقديره على الأول: كأنّك لم تكن بالدنيا، ويكون التشبيه في الحقيقة للحالين. لا لذي الحال ومثله: كأنَّ زيدًا قائم، فقد ظهر أن التشبيه لا يفارق كأنّ، وأمّا قول من قال: إنها تكون للتشبيه إذا كان خبرها اسمًا، وأما إذا كان خبرها فعلًا أو ظرفًا أو حرف جرّ، فظنٌ وتخيلٌ ليس بشيء، لأنَّ ما ذكرناه من التأويل لا يبقى إشكالًا، وجريها على حقيقتها أولى، وتقديره: إن حالك في الدنيا يشبه حالك زائلًا عنها ويكون بالدنيا ظرفًا، وكان تامه، وهي خبر كأنَّ. وإن كان الضمير للدنيا، فيحتمل أن يكون بالدنيار الخبر، و"لم تكن" في موضع نصب على الحال من الدنيا. إمّا على أنّه صفة لمحذوف، إذا لم يجوّز أن تقع الماضية حالًا تقديره دنيا لم تكن، وتنصب دنيا على الحال. وإمَّا على تقدير واو الحال، وكذا "لم تزل" فإن قيل: إنّ بالدنيا لا يتم به الكلام، والحال فضلة؛
[ ٤ / ١٧٥ ]
فالجواب: إنَّ من الفضلات ما لا يتم الكلام إلَّا به، كقوله تعالى: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ [المدثر/ ٤٩] فمعرضين حال من الضمير المخفوض، ولا يستغني الكلام عنها؛ لأنَّ الاستفهام في المعنى إنما هو عنها. وقولهم: مازلت بزيد حتى فعل، لا يتم الكلامُ بقولك: بزيد، ومما يبين صحة الحال جواز دخول الواو، فتقول: كأنك بالشمس وقد طلعت، ونحوه ما حكي عن بعضهم: كأنا بالدنيا لم تكن. وعلى هذا يحمل قول الحريري: "كأني بك تنحط". يكون بك الخبر، وتنحط حال. هذا هو الوجه، وخرجه المطرزي في "شرحه للمقامات": كأني أبصر بك، إلَّا أنه ترك الفعل لدلالة الحال، وما ذكرته أولى؛ لأنه إضمار فعل، وزيادة حرف جرّ لا يحتاج إليه فيما ذكرته. انتهى كلامه بحروفه كما نقله أبو حيان في "تذكرته".
وقد نقل ناظر الجيش التخريج الثاني وهو جعل الجملة حاليًا، وترك التخريج الأول وهو جعلها خبر كأنّ، كما صنع المصنف هنا، وفي: شرح بانت سعاد" وقال: ولا يخفى جودة هذا التخريج وحسنه، وليته تكلم على قولهم كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آ، فربما كان يذكر فيه ما يشفي الغليل. انتهى.
أقول: يمكن تخريج هذين أيضًا على قوله: بجعل المرفوع خبر مبتدأ محذوف مع واو الحال أو بدونها، والتقدير: كأنك بالشتاء وهو مقبل، وكأنك بالفرج وهو آتٍ، ويكون المعنى في الجميع: كأنك مقرون بالدنيا في حالة عدمها، وكأنك مقرون بالآخرة في دوامها، وكأنك مقرون بالشتاء المقبل، وكأنك مقرون بالفرج الآتي؛ وكأني مقرون بك في حال انحطاطك في اللحد.
والبيت من قصيدة مسمّطة في المقامة الحادية عشرة أولها:
أيا من يدَّعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم
تعبي الذَّنب والذَّم وتخطي الخطأ الجمعة أما بان لك العيب أما أنذرك الشَّيب
وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صُمَّ
[ ٤ / ١٧٦ ]
وهكذا إلى آخرها، ووزنها: مفاعيل مفاعيل، أربع مرات من بحر الهزج، إلَّا أنه جمع بين السّاكنين في القوافي من غير إرداف في غالب القصيدة، وهو عيب عندهم، ومثله شعر عند صاحب "القسطاس" دون غيره من العروضيين؛ لاعتبارهم الوزن العربي في حد ما هو شعر. وتنحط: مصدره الانحطاط، وهو الانحدار من علو إلى سفل، يريد انتقاله من ظهر الأرض إلى بطنها. وهو لحد القبور، وتنغط: مطاوع غطّه في الماء غطًّا: إذا غمسه فيه، يريد مواراته وتغطيته بالتراب، والرهط: قوم الرجل وقبيلته. وقوله: إلى أضيق، أي: إلى مكان أضيق، والسَّمّ، بالفتح: الثقب، يقال:
سمُّ الخياط مع الأحباب ميدان
أي: ثقب الإبرة.
والحريري: هو أبو محمد القاسم بن علي البصري صاحب "المقامات" كان حامل لواء البلاغة، وكان فارس ميدان النظم والنثر، وكان من رؤساء بلده، وهو منسوب إلى الحرير لبيعه أو عمله. ولد في سنة ست وأربعين وأربعمائة، وتوفي بالبصرة في سادس رجب سنة ست عشرة وخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٣) كأنَّ إذا تشوَّفا قادمةً أو قلما محرَّفا
على أنَّ كأنَّ قد نصب بعدها الاسم والخبر. قال المبرد في "الكامل": حدِّثت أنَّ العمانيّ أنشد الرشيد في صفة فرس: كأنّ أذنيه إذا تشوَّفا .. الخ، فعلم القوم كلّهم أنه قد لحن، ولم يهتد أحد منهم لإصلاح البيت إلَّا الرشيد، فإنه قال له:
[ ٤ / ١٧٧ ]
قل: "تخال أذنيه إذا تشوَّفا". والراجز وإن كان قد لحن فقد أحسن التشبيه. انتهى. وكذا نقله ابن عبد ربه في "العقد الفريد" وروى الصولي في كتاب "الأوراق" عن الطيب بن محمد الباهلي عن موسى بن سعيد بن مسلم أنه قال: كان أبي يقول: كان فهم الرّشيد فهم العلماء، أنشده العماني في صفة فرس: كأنَّ أذنيه .. الخ، فقال له: دع كأنّ، وقل: تخال أذنيه، حتى يستوي الشعر. انتهى.
واعترض ابن السيّد فيما كتبه على "كامل المبرد" بأنَّ هذا لا يعدّ لحنًا، لأنه قد حكي أن من العرب من ينصب خبر كأنّ ويشبهها بظننت، وعلى هذا أُنشد قول ذي الرُّمَّة:
كأنَّ جلودهنَّ مموَّهاتٍ على أبشارها ذهبًا زلالا
وعليه قول النابغة الذبياني:
كأنَّ التاج معصوبًا عليه لأذوادٍ أصبن بذي أبان
في أحد التأويلين. انتهى. ويمنع الأول بجعل مموّهاتٍ حالا من جلودهنَّ لأن مفعول في المعنى، والخبر قوله: على أبشارها، والرواية رفع مموهات على الخبرية، يصف النساء، والمموّهات المطليات، والأبشار: جمع بشرة وهي ظاهر الجلد، وذهبًا: المفعول الثاني لمموّهات، يقال: موذهه ذهبًا، والزلال: الصافي من كل شيء. ويمنع الثاني أيضًا بجعل عليه هو الخير، ومعصوبًا حالًا من التاج، وذو أبان: موضع. يريد أنه أغار على قومٍ، فأخذ منهم أذواد إبل فيظن نفسه ملكًا يهزأ به. فإن قلت: معمولًا كأنّ أصلهما المبتدأ والخبر، فكيف أخبر عن المثنى بالمفرد؟ قلت: إنَّ العضوين المشتركين في فعل واحد مع اتفاقهما في التسمية يجوز إفراد خيرهما؛ لأنَّ حكمهما واحد، كقولك: أذناي سمعت، وقدماي مشت.
[ ٤ / ١٧٨ ]
والعامل في "إذا" ما في كأنَّ من معنى الفعل، وتشوَّف: تطلَّع والمراد نصب الأذن للاستماع، والألف سواء كان ألف إطلاق، أو ضمير المثنى، كان يجب معه إلحاق تاء التأنيث، لأنَّ الفعل يجب تأنيثه إذا أسند إلى ضمير المؤنث، مجازيًا كان أو حقيقيًا. والأذن مؤنث مجازي سماعًا، فهذا خطأ آخر لم أر من ذكره. والقادمة: إحدى قوادم الطير، وهي مقامُ ريشه، وفي كل جناح عشر ريشات، والقلم: آله الكتابة، والمحرّف: المقطوط لا على جهة الاستواء، بل يكون الشِّق الوحشي أطول من الشِّق الإنسيّ، وهذا المعنى أصله لعدي بن زيد العبادي وهو قوله:
يخرجن من مستطير النَّقع داميةً كأنَّ آذانها أطراف أقلام
والعمانيّ: من مخضرمي الدولتين، عاش مائة وثلاثين سنة، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": العماني الفقيمي: هو محمد بن ذؤيب، ولم يكن من أهل عمان؛ ولكن نظر إليه دكين الراجز فقال: من هذا العمانيّ؟ وذلك أنه كان مصفرًا مطحلًا، وكذلك أهل عمان، قال الشّاعر:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ويغبط بما في بطنه وهو جائع
ودخل على الرشيد لينشده، وعليه قلنسوة وخفّ ساذج، فقال: إيّاك أن تدخل إليَّ إلَّا وعليك خفّان دلقمان، وعمامة عظيمة الكور، فدخل عليه وقد تزيّا بزيّ الأعراب، فأنشده وقبّل يده، وقال: يا أمير المؤمنين! قد والله أنشدت مروان، ورأيت وجهه، وقبلت يده وأخذت جائزته، ثمَّ يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد، ثمَّ السفاح، ثمَّ المهدي، كلّ هؤلاء رأيت وجوههم، وقبلت أيديهم، وأخذتُ جوائزهم، لا والله ما رأيت فيهم يا أمير المؤمنين، أندي كفًّا، ولا أبهى منظرًا، ولا أحسن وجهًا منكّ! فأجزل له الرشيد الجائزة، وأضعفها له على كلامه، وأقبل عليه فبسطه، حتى تمنى جميع من حضر أنه قام ذلك المقام. انتهى.
[ ٤ / ١٧٩ ]
وزعم ابن الملا أن العماني كنيته أبو نحيلة، وهو خلاف الواقع، وإنما هما راجزان. وعمان، بضم العين المهملة وخفة الميم: بلد على شاطئ البحرين بين البصرة وعدن، وإليه يضاف الأزد، فيقال: أزد عمان، كذا بخط مغلطاي الحافظ على هامش "معجم ما استعجم" لأبي عبيد البكري، فإنه قال: عمان: مدينة معروفة إليها ينسب العماني الراجز، سمِّيت بعمان بن سنان بن إبراهيم ﵇، كان أول من اختطها، ذكر ذلك الشرقي بن القطامي. وأمّا عمّان، بفتح لاعين وتشديد الميم، فهي قرية من عمل دمشق، سميِّت بعمّان بن لوط ﵇. انتهى.
"كلّ"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٤) وإنَّ الَّذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كلُّ القوم يا أمَّ خالد
على أنَّ "كلًّا" فيه نعت لمعرفة. واستشهد به سيبويه على أنَّ "الَّذي" أصله: الَّذي، فحذفت منه النون تخفيفًا، لاستطالة الموصول بالصلة، قال سيبويه: قال رجل من الأنصار:
الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائنا وكف
[ ٤ / ١٨٠ ]
لم يحذف النون للإضافة، ولا ليعاقب الاسم النون، ولكن [حذفوها] كما حذفوها من اللَّذين والذي حين طال الكلام، وكان الاسم الأوَّل منتهاه الاسم الآخر وقال الأخطل:
أبني كليبٍ إنَّ عمّيَّ اللَّذا قتلا الملوك وفكَّكا الأغلالا
وقال الأشهب بن رميلة:
إن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم .. البيت
انتهى. والبيت أورده الجاحظ بدون واو كسيبويه مع بيتين بعده للأشهب ابن رميلة النهشلي، وهما:
هم ساعد الدَّهر الذي يتَّقى به وما خير كفّ لا تنوء بساعد
أسود شرِّي لاقت أسود خفيَّةٍ تساقوا على حردٍ دماء الأساود
وأنشده الآمدي أيضًا في "المؤتلف والمختلف" للأشهب مع البيت الثاني فقط، وهو: هم ساعد الدهر، إلَّا أنه أنشده: "فإنَّ الذي" بالفاء.
وقد أنشد الأبيات الثلاثة أحمد بن أبي سهل بن عاصم الحاواني للأشهب في كتاب "أسماء الشعراء المنسوبين إلى أمهاتهم" إلَّا أنه أنشد البيت الأول "إنَّ التي مارت بفلج دماؤهم .. البيت" وعليه لا يكون شاهدًا لسيبويه، ومن خطّه نقلت، فيكون بتقدير: إن الجماعة التي مارت دماؤهم، أي: ساحت وجرت.
وقوله: وإنَّ الَّذي حانت، الحين، بالفتح: الهلاك، وأراد بحين دمائهم: كونها هدرًا، لم تؤخذ دياتهم، ولا أخذ بثأرهم. قال الواحدي: قولهم: يا أم خالد، ويا ابنة القوم، هو من عادة العرب خطاب النساء بهذا لحثهنّ على البكاء. وكل القوم:
[ ٤ / ١٨١ ]
صفة للقوم دلالة على كمالهم. انتهى. وفلج، بفتح الفاء وسكون اللَّام وثالثه جيم: موضع في طريق البصرة إلى مكة، وفيه منازل للحاجّ، وتنوء: تنهض، والشَّرَى: أرض في جهة اليمن، وهي مأسدة، وخفية، بفتح الخاء المعجمة وكسر الفاء: اسمغيضة تتخذها الأسد عِرِّيسة، كذا قال الخليل، وأنشد البيت. وحرد، بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين: مصدر حرد، من باب ضرب، بمعنى قصد، وبمعنى غضب، والأساود: جمع أسود، وهو العظيم من الحيّات، وفيه سواد. وروي: "سمام الأساود" وهو جمع سمّ، يريد: تساقوا سم الحيّات فهلكوا جميعًا. وروى أبو تمام البيت الشاهد في "مختار أشعار القبائل" آخر أبيات خمسة لحريث ابن محفِّضٍ، وهي:
ألم تر أني بعد عمرٍو ومالكٍ وعروة وابن الهول لست بخالد
وكانوا بني ساداتنا فكأنَّما تساقوا على لوحٍ دماء الأساود
وما نحن إلا مثلهم غير أنَّنا كمنتظرٍ ظمأ وآخر وارد
هم ساعد الدهر الَّذي يتَّقى به وما خير كفٍ لا تنوء بساعد
فإن الألى حانت بفلجٍ دماؤهم .. البيت
والألى بمعنى الَّذين، واللَّوح، بفتح اللام وسكون الواو وآخره مهملة: العطش والظمء، بالكسر مهموز الآخر: الزمان الذي يكون بين الشربتين للإبل، من الظَّمأ، بفتحتين، وهو العطش.
أما الأشهب بن رميلة فهو شاعر مخضرم، ذكره ابن حجر في المخضرمين من "الإصابة" ورميلة اسم أمِّه، وهي بضمِّ الرَّاء المهملة وفتح الميم، ولم يذكره صاحب "العباب" ولا صاحب "القاموس" وذكره المرزباني في "معجم الشعراء" في حرف الرّاء المعجمة.
قال صاحب "الأغاني": هو الأشهب بن ثور، وأنهى نسبة إلى نهشل بن دارم ابن عمرو بن تميم، وقال: رميلة أمُّه، وهي أمة لخالد بن مالك النهشلي. قال
[ ٤ / ١٨٢ ]
أبو عمر: وولدها، يزعمون أنها كانت سبيّة من سبايا العرب، فولدت لثور بن أبي حارثة أربعة نفر، وهم: رباب، وحجناء، والأشهب، وسويط، وكانوا من أشد إخوة في العرب لسانًا ويدًا ومنعة للجانب، فكثرت أموالهم في الإسلام، وكان أبوهم ثور ابتاع رميلة في الجاهلية، وولدتهم في الجاهلية، فعزّوا عِزًّا عظيمًا، حتى إذا كانوا وردوا ماء من ماء الصمَّان، حظروا على النَّاس ما يريدونه منه. وكان لرميلة قطيفة حمراء، فكانوا يأخذون الهدب من تلك القطيفة. فيلقونه على الماء، أي: قد سبقنا إلى هذا، فلا يرده أحدٌ لعزّهم، فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه.
وفي كتاب "الشعراء المنسوبين إلى أمّهاتهم" للحلوانيّ: كان الأشهب يهاجي الفرزدق، ولقيه يومًا عند باب عثمان بن عفّان، وهو يريد أن يجوز نهر أمّ عبد الله على قنطرة، فاحتبسه الفرزدق عليها، وكان الفرزدق على فرسٍ، فقال الأشهب:
يا عجبًا هل يركب القين الفرس وعرق القين على الحيل نجس
والقين لا يصلح إلا ما جلس بالكلبتين والعلاة والقبس
ثم إنَّ غالبًا لما بلغه ما قال الأشهب أتاه ليلًا فتعوذ منه، وقال: أتشتمنا من غير إحنّة؛ فأمسك عنا. فقال الأشهب: هلَّا كان هذا نهارًا؟ ويقال: كان الأشهب يهجو غالبًا أبا الفرزدق، فقال الفرزدق: ربما بكيت من الجزع، أنَّ الأشهب كان يهجونا، فأريد أن أجيبه فلا يتأتّى لي الشعر، ثمَّ فتح الله علي فهجوته فغلبته، فسقط بعد ذلك. انتهى.
وأمّا حريث بن محفِّض، فهون شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأمويّة، وحريث، بضمّ الحاء، وفتح الراء المهملتين، وآخره ثاء مثلثة، ومحفِّض، بضم الميم وفتح الحاء المهملة، وكسر الفاء المشدَّدة، وآخره ضاد معجمة. وقد
[ ٤ / ١٨٣ ]
ترجمناهما بأكثر من هذا في الشاهد السّادس والعشرين بعد الأربعمائة من شواهد الرَّضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٥) كم قد ذكرتك لو أجدى تذكُّركم يا أشبه النَّاس كلِّ النَّاس بالقمر
على أنَّ ابن مالك استدلَّ به في توكيد المعرفة بأنَّ "كلًّا" قد تضاف إلى الظّاهر خلفًا عن الضمير، ومثله قول الفرزدق:
أنت الجواد الذي ترجى نوافله وأبعد النّاس كلِّ النّاس من عار
وأقرب الناس كلِّ النّاس من كرمٍ يعطي الرَّغائب لم يهمم بإقتار
قال أبو حيّان: هكذا ذكر المصنّف هذه المسألة واستشهد عليها بالأبيات المذكورة، ولا حجَّة فيها؛ لأنَّ كلَّ الناس فيه نعت لا توكيد، وهو نعت يبين كمال المنعوت. وغرّ المصنف في الأبيات صلاحية كلّهم مكان كلّ النّاس، وحمله على النعت بمعنى الكاملين أمدح وأحسن، إذ العموم مفهوم ممّا قبله، وأفاد النعت معنى غير العموم وهو الكمال، فكأنه قال: يا أشبه الناس الكاملين، فكأنه لم يفضله على الناس على العموم، بل على النّاس الكاملين في الحسن. هذا كلامه. وقد أحسن ناظرا لجيش في الرّدّ عليه بقوله: ما ذكره الشيخ غير ظاهر، فإنَّ ما قرره يخالفُ مراد الشاعر، وذلك أنَّ المراد: يا أشبه النّاس كلّ النّاس بالقمر، أنّه لا يشبه القمر أحد من النّاس إلَّا أنت، ولا يتمّ للقائل هذا المراد إلَّا بأن يريد العموم، إذ لو لم يرده لجاز أن يقال: إنَّ غيرها من النّاس يشاركها في ذلك، فيخرج الكلام عن المدح بالحسن، ومراد الشاعر انحصار الشبه بالقمر فيها، فلا يشبه القمر من الناس
[ ٤ / ١٨٤ ]
إلّا هي. وهكذا المعنى في قول الفرزدق: وأبعد الناس كلّ الناس وأقرب الناس كلّ النّاس، لأنَّ مراده أنه أبعد الناس كلّهم من العار، فلا أحد يشاركه في هذا البعد، وأقرب النّاس كلّهم من الكرم، فلا أحد يشاركه في هذا القرب، فلما كان العموم مرادًا تعين التوكيد؛ ليفيد أنَّ الخصوص غير مراد، وليس النعت بمقصود في هذه الأبيات، إذ لا معنى لقولنا: يا أشبه الناس الكاملين. ثمَّ إنَّ القائلين هذه الأبيات لم يقصدا مدح النّاس فيجعل ما بعد نعتًا، كما قصد المدح في قولنا: أنت الرّجل كلّ الرّجل، لأنَّ الرّجل هو المقصود بالمدح، والنّاس من أشبه الناس وأبعد الناس وأقرب النّاس ليس المقصود بذلك، إنما هو المقصود به أشبه وأبعد وأقرب. إلى هنا كلامه، ومنه أخذ المصنف اعتراضه على أبي حيّان.
والبيت من أبيات أوردها أبو علي القالي في "أماليه" قال: قرأت على أبي عبد الله إبراهيم بن محمّد لعمر ابن أبي ربيعة:
يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم حبل المعرَّف أو جاوزت ذا عشر
إن الثَّواء بأرضٍ لا أراك بها فاستيقنيه ثواءٌ حق ذي كدر
وما مللت ولكن زاد حبُّكم وما ذكرتك إلَّا ظلت كالسَّدر
أذري الدُّموع كذي سقمٍ يخامره وما يخامرني سقم سوى الذِّكر
كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم يا أشبه النَّاس كلِّ النّاس بالقمر
إني لأجذل أن أمشي مقابله حبًّا لرؤية من أشبهت في الصُّور
وكذا رواها صاحب "الأغاني" لابن أبي ربيعة، إلَّا أنه أسقط البيت الأخير، وزاد بيتًا في الأبيات وهو:
ولا جذلت لشيءٍ كان بعدكم ولا منحت سواك الحبَّ من بشر
[ ٤ / ١٨٥ ]
قوله: يا ليتني قد أجزت الحبل .. الخ. في "المصباح": جاز المكان يجوز جوزًا وجوازًا: سار فيه، وأجازهبالألف: قطعة، وأجازه: أنفذه، قاله ابن فارس. والحبل، بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة: الرّمل المستطيل، وهو المجتمع الكثير العالي. والمعرَّف، بفتح الرّاء المشددة: الموقف بعرفات، وذو عُشر: هو وادي عُشَر، هو وادٍ في الحجاز، قال أبو ذؤيب:
عرفت الدِّيار لأمِّ الرَّهين بين الظِّباء فوادي عشر
قاله الحازمي في "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن" والعشر، بضم العين المهملة، وفتح الشين المعجمة: من كبار الشجر، وله صمغ حلو يقال له: سكر العشر، قاله الأزهري. والثواء بالمثلثة: الإقامة، وظلت: أصله ظلت، والسّدر، بفتح فكسر: المتحير، ويخامره: يخالطه، والذِّكر، بكسر ففتح، جمع ذكره، كقرب جمع قربه.
وقوله: كم قد ذكرتكم، خاطبها بخطاب الجماعة الذكور مبالغة في سترها، كقوله تعالى حكاية عن موسى، ﵇: ﴿إذ قال لهله امكثوا﴾ [القصص ٢٩] وبالآية والبيت يرد على الرضي والتفتازاني في زعمهما أنه لم يرد تعظيم المخاطب في الكلام القديم، ولو للتمني، وأُجزى بالبناء للمفعول، والجزاء: الثواب، والباء من بذكركم متعلقة به. وفي رواية صاحب "الأغاني": "لو أجدى تذكركم" وأجدى: نفع، وتذكركم مصدر مضاف إلى مفعوله: فاعل أجدى.
وقوله: إني لجذل الخ، بالجيم والذّال المعجمة، مضارع جذل جذلًا، من باب فرح فرحًا، ومقابله، أي: مقابل القمر. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدَّمت في الإنشاد السادس من أوَّل الكتاب.
[ ٤ / ١٨٦ ]
ووقع في "شرح التسهيل" لابن مالك نسبة البيت الشاهد لكثير عزّة، وتبعه العيني، وليس كذلك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٦) نلبث حولًا كاملًا كلَّه لا نلتقي إلا على منهج
على أن النكرة قد أكّدت بكلّ. وأراد: النكرة المؤقتة المحدودة كالحول والشهر والدهر، ونحو ذلك. وهو مذهب ابن مالك تبعًا للأخفش والكوفيين، قال السهيلي: قال أصحابنا: الصَّحيح ما ذهب إليه البصريون من امتناع تأكيد النكرة مؤقتةً كانت أو غيره، وما جاء في الشعر مما ظاهره ذلك يؤول إن أمكن، وإلَّا فهو ضرورة، فامتناع تأكيد النكرة غير المؤقتة لعدم الفائدة، وامتناع المؤقتة من جهة أن التأكيد يشبه النعت من حيث كونه تابعًا بلا واسطة حرف، ومن غير أن ينوي معه تكرار العامل. وألفاظ التأكيد معارف، ويدل على امتناع ذلك عدم مجيئه في فصيح الكلام، وما استدلوا مما ظاهره التأكيد بـ "كلّ" يخرج على البدل، وبـ "أجمع وجمعاء" على لانعت، لأنهما قد جاءا بمعنى جميع ومجتمعة، كذا في "شرح التسهيل" لأبي حاين.
والبيت من أبيات للعرجي، أوردها أبو القاسم عبد الرحمن الزَّجّاجيّ في كتاب "الأخبار" قال: أخبرنا عبد الله بن مالك، قال: أخبرني محمد بن أبي عبيد البصري عن أسد بن سعيد بن عفر عن أبيه قال: حدثني ابن مفتي، رجل من ولد سعيد بن العاص، قال: حدثني إسحاق بن سعد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: كان العرجيّ، وهو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، يشبب بامرأة محمد بن هشام، قال ابن مفتي: وأمّا يزيد بن عبد الله المُذليذ فحدَّثني أنَّ العرجيّ يشبب بامرأته الحارثية، وهو القائل:
[ ٤ / ١٨٧ ]
عوجي علينا ربَّة الهودج إنَّك إن لا تفعلي تحرجي
أيسر ما قال محبٌّ لدى بين حبيبٍ قوله عرَّجي
يفض إليه حاجةً أو يقل هل لي مما بي من مخرج
من حيِّكم بنتم ولم ينصرم وجد فؤادي الهائم المنضج
فما استطاعت غير أن أومأت بطرف عيني شادن أدعج
تذود بالبرد لها عبرةً جاءت بها العين ولم تنشج
مخافة الواشين أن يفطنوا بشأنها والكاشح والمزعج
أقول لمّا فاتني منهم ما كنت من وصلهم أرتجي
إني أُتيحت لي يمانيَّةٌ إحدى بنى الحارث من مذحج
نمكث حولًا كاملًا كلَّه لا نلتقي إلَّا على منهج
الحجُّ إن حجَّت وماذا منيِّ وأهله إن هي لم تحجج
هذا ما أورده. وأنشد المبرد في "الكامل" البيت الأوَّل مع الأبيات الثلاثة الأخيرة.
قوله: عوجي علينا .. الخ، هو أمر من عاج يعوج: إذا عطف رأس البعير بالزمام، وربة: صاحبة، منادى، وتحرجي، أي: تقعي في الحرج، وهو الإثم، وأيسر: مبتدأ خبره: "قوله". والبين: الانفصال والفراق، وعرّجي: أمر من عرّج تعريجًا، إذا ميَّل دابته ووقف. ويُفض: مجزوم في جواب الأمر، التقدير: إن تعرجي يفض، وهو من الإفضاء إلى الشيء، وهو الوصول إليه. وقوله: من حيكم بنّم، أي: من قبيلتكم بعدتم، وتذود: تدفع، والعبرة، بالفتح: الدمعة، وتنشج، بكسر الشين: مضارع نشج الباكي –بفتحها- نشيجًا ونشجًا: إذا غصّ البكاء في حلقة عند الفزعة. قاله الأزهري عن الليث. وأتيحت: قدرت، من
[ ٤ / ١٨٨ ]
أتاحه الله له، أي: هيأه وقدره، وبنو الحارث بن كعب من مذحج بفتح الميم وسكون الذّال المعجمة وكسر الحاء –من قبائل اليمن، والمنهج: الطريق، يقول: بعد هذا المكث الطويل لا نلتقي في خلوة وإنما نتلاقى في الطريق. وقوله: الحجّ إن حجّت، يقول: الحج الكامل إن حجت، وماذا: أي شيء؟ وأهله بالرفع، يقول: إن لم تحج هذه المرأة فليس الحج حجًّا معتدًا به.
وقيل له العرجي لأنّه كان يسكهن عرج الطائف، وقيل: لمال كان له بالعرج، بفتح العين المهملة وسكون الراء، قال صاحب "الأغاني": وكان من شعراء قريش، وممن اشتهر بالغزل ونحا نحو عمر ابن أبي ربيعة في ذلك، وتشبه به وأجاد، وكان مشغولًا باللهو والصيد حريصًا عليهما، ولم يكن له نباهة في أهله. وكان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم، ومات في حبس محمّد بن هشام ابن إسماعيل المخزومي، وهو خال هشام بن عبد الملك، وكان واليًا بمكة بعد ضرب كثير، وتشهير في الأسواق؛ لأنه شبَّب بأمّه ليفضحه، لا لمحبة كانت بينه وبينها. وقال في حبسه قصيدته التي منها:
كأني لم أكن فيهم وسيطًا ولم تك نسبتي في آل عمرو
أضاعوني وأيَّ فتّى أضاعوا ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
قال السيوطي: وأخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن عامر قال: واعد العرجيُّ امرأةً بغيًّا بالطائف، فجاء على حمار ومعه غلام له، فجاءت المرأةُ على أتانٍ معها جارية، فوثب العرجي على المرأة، والغلام على الجارية، والحمار على الأتان، فقال العرجي: هذا يوم غابت عواذله! انتهى.
[ ٤ / ١٨٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٧) يميد إذا مادت عليه دلاؤهم فيصدر عنها كلُّها وهو ناهل
على أنَّ مجئ كلّ المضافة إلى الضمير فاعلةً قليلٌ؛ لأنَّ الفعل عاملٌ لفظيٌّ والبيت أنشده أبو حيّان، وناظر الجيش في "شرح التسهيل" معزوًّا إلى كثِّير عزَّة، وتقدَّمت ترجمته في الإنشاد التاسع عشر.
وماد الشَّيء يميد ميدًا وميدانًا: إذا تحرَّك، والدَّلاء بالكسر: جمع دلو، والناهل: العطشان، والناهل: الرّيّان، فهو من الأضداد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثّامن عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٨) فلمّا تبيَّنَّا الهدى كان كلُّنا على طاعة الرَّحمن والحقِّ والتُّقى
على أنَّ كلنا وقع اسمًا لكان، وحمله ابن مالك في متن "التسهيل" وهو شرحه على أنه مبتدأ، وما بعده الخبر، وقدر في كان ضمير الشأن اسمها. قال في شرحه: ويجوز: كان كلّهم منطلقون، على أنَّ اسم كان ضمير الشأن، وكلّهم منطلقون مبتدأ وخبر، ومثله قول علي بن أبي طالب، ﵁:
فلمّا تبيَّنا الهدى كان كلّنا .. البيت
انتهى. ومنه أخذ المصنف كلامه. والبيت ثاني أبيات ثلاثة لعلي بن أبي طالب ﵁، قالها في يوم بدر، رواها له ابن اسحاق في "السيرة" في غزاة بدر، وقال: وكان المسلمون مظفرين في هذه الغزاة من أولها إلى آخرها، وهي:
ضربنا غواة النّاس عنه تكرُّمًا ولمًّا رأوا قصد السبيل ولا الهدى
ولمَّا أتانا بالهدى كان كلُّنا على طاعة الرَّحمن والحق والتُّقى
نصرنا رسول الله لمَّا تدابروا وثاب إليه المسلمون ذوو الحجى
قال شارح "ديوانه" الفاضل حسين الميبدي: ضمِّن الضرب معنى الدفع، ولهذا عدِّي بعن، وإضافة قصد إلى السبيل من إضافة المصدر إلى الفاعل، أو من
[ ٤ / ١٩٠ ]
إضافة المصدر إلى الموصوف، وضمير "عنه" للرسول ﷺ. قال الواحدي: يقال: طريق قصد وقاصد: إذا أدركك إلى مطلبك، و"لما" الأولى نافية بمعنى لم، والقصد: استقامة الطريق، وثاب الناس: اجتمعوا، والتكرم إظهار الكرم. انتهى كلامه. ورواية الجماعة: "فلمّا تبيَّنّا" من تبينت الشيء، بمعنى عرفته واستوضحته، ويأتي لازمًا، يقال: تبيَّن الشيء: إذا ظهر ووضح. قال السيوطي: قال المرزباني في "تاريخ النحاة": قال يونس: ما صح عندنا، ولا بلغنا أنّ عليّ بن أبي طالب قال شعرًا إلا هذين البيتين:
تلكم قريشٌ تمنَّتني لتقتلني فلا وربِّك ما برُّوا وما ظهروا
فإن هلكت فرهنٌ ذمَّتي لهم بذات ودقين لا يعفو لها أثر
انتهى. وقال صاحب "القاموس" في مادة (ودق): وذات ودقين: الدّاهية، لأنها ذات وجهين، ومنه قول علي بن أبي طالب:
تلكم قريشٌ تمنّاني لتقتلني .. إلى آخر البيتين.
قال المازني: لم يصح أنه تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين، وصوبه الزمخشري. انتهى.
وأنا أعجب من إنكار هؤلاء نسبة سائر أشعاره الكثيرة إليه الثابتة له بنقل العلماء المتقنين، ومما نسب إليه ما رواه مسلم في "صحيحه" قوله لمرحب ملك حيبر:
أنا الَّذي سمَّتني أمي حيدرة كليث غاباتٍ كريه المنظره
وهو رجز مشهور. قال ثعلب في "أماليه": لم يختلف الرواة أنَّ هذا الرجز له، وقد أثبت له الحفّاظ من أصحاب السير والمغازي شعرًا كثيرًا له، ومنهم ابن إسحاق، أثبت له الشعر المتقدِّم وغيره ممّا قاله في المغازي، ومنهم عبد الملك بن هشام، أثبت له في السِّيرة غير ما أثبته ابن إسحاق، ومنهم الإمام الحافظ المتقن أبو التفح اليعمري
[ ٤ / ١٩١ ]
الشهير بابن سيّد النّاس، أورد له في "السيرة" شيئًا كثيرًا في غالب الغزوات، فممّا أورد له في غزوة الخندق عند قتله عمرو بن عبد ودّ قوله:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت دين محمَّد بضراب
فصددت حين رأيته متجدِّلًا كالجذع بين دكادكٍ وروابي
وعففت عن أثوابه ولو انَّني كنت المقطَّر بزني أثوابي
لا تحسبنَّ الله خاذل دينه ونبيِّه يا معشر الأحزاب
وروى له بعد هذا من رواية أخرى جوابًا لقول ذلك اللَّعين:
لا تعجلنَّ فقد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نيَّةٍ وبصيرةٍ والصدق منجي كلِّ فائز
إنِّي لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز
من ضربةٍ نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز
وقد أورد الحسن بن رشيق القيرواني في أول كتاب "عمدة الشعر" أشعار الخلفاء الأربعة فمن بعدهم، فمما أورده لعلي بن أبي طالب ما قاله يوم صفين، يذكر همدان ونصرهم إيّاه:
ولمّا رأيت الخيل ترجم بالقنا نوصيُّها حمر النحور دوامي
وأعرض نقعٌ في السَّماء كأنَّه عجاجة دجنٍ ملبسٍ بغمام
ونادى ابن هندٍ في الكلاع وحمير وكندة في لخمٍ وحيّ جذام
تيمَّمت همدان الذين هم هم إذا ناب دهرٌ جنَّتي وسهامي
فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام
فلو كنت بوابًا على باب جنَّةٍ لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وأشعاره التي رواها العلماء في بطون الدفاتر كثيرة، حتى جمعت في ديوان.
[ ٤ / ١٩٢ ]
وشرحها من أفاضل العجم: العلامة الحكيم حسين الميبديُّ باللغة الفارسيّة. فشعره ﵁، ممّا نقله أرباب الحديث، وأصحاب السيّر، وسائر العلماء، وأودعوه في مصنفاتهم، ونقله خلف عن سلف، ورواه أولو النَّباهة والشرف، فإنكاره مكابرة، ودفعه مهاترة، يلزم منه تكذيب هؤلاء المتقنين الفحول، والطعن فيما رووه من النقول، وهذا غير لائق بذوي العقول، والله أعلم بالصواب. وقد أثبت السيوطي شعرًا كثيرًا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في ترجمته من "تاريخ الخلفاء" قال: أخرج ابن ع ساكر عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة. وأخرج عن نبيط الأشجعي قال: قال علي بن أبي طالب:
إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنَّت وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ير لانكشاف الضّرِّ وجهٌ ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوطٍ منك غوثٌ يجيء به القريب المستجيب
وكلّث الحادثات إذا تناهت فموصولٌ بها الفرج القريب
وأخرج عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل، وكره له صحبة رجل:
لا تصحب أخا الجهل فإيّاك وإيّاك
فكم من جاهل أردى حليمًا حين آخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ما شاه
وللشيء من الشيء مقاييسٌ وأشباه
وللقلب على القلب دليلٌ حين تلقاه
وأخرج عن حمزة بن حبيب الزيات قال: كان علي بن أبي طالب يقول:
لا تفش سرَّك إلَّا إليك فإنَّ لكلِّ نصيحٍ نصيحًا
فإنِّي رأيت غواة الرِّجا ل لا يدعون أديمًا صحيحًا
[ ٤ / ١٩٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٩) كل امرئٍ مصبحٌ في أهله والموت أدنى من شراك نعله
على أنَّ كلًّا معناها بحسب ما تضاف إليه .. إلى آخر ما ذكره. أخرج البخاري في "صحيحه" عن عائشة، ﵂، أنها قالت: لما قدم رسول الله، ﷺ، المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما فقتل: يا أبه! كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:
كلُّ امرئٍ مصبّح في أهله .. إلى آخره.
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمَّى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيت ليلة بوادٍ وحولي إذ خرٌ وجليل
وهل أردت يومًا مياه مجنَّةٍ وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل
قال ابن حجر في "فتح الباري": قوله: وعك، بضمّ أوله وكسر ثانيه، أي: أصابه الوعك، وهو الحمَّى. وقوله: كيف تجدك؟ أي: تجد نفسك أو جسدك، وقوله: مصبَّح، بفتح الموحدة المشددة، أي: مصاب بالموت صباحًا، وقيل: المراد أنه يقال له وهو مقيم بأهله: صبّحك الله بالخير، وقد يفجؤه الموت في بقيَّة النَّهار، وقوله: أدنى، أي: أقرب، وقوله: شراك: السير الذي يكون في وجه النّعل، والمعنى: إن الموت أقرب إلى الشخص من شراك نعله لرجله. وقوله: أقلع عنه بفتح أوله، أي: الوعك، ويرفع عقيرته، أي: صوته ببكاء أو غناء. قال الأصمعي: أصله أنَّ رجلًا انعقرت رجله، فرفعها على الأخرى، وجعل يصيح، فصار كلّ من يرفع صوته يقال: رفع عقيرته وإن لم يرفع رجله. وقوله: بوادٍ، أي: وادي مكة. وجليل، بفتح الجيم: نبت ضعيف يحشى به البيوت وغيرها، ومجنّة، بفتح الميم والجيم: موضع على أميال من مكة، وكان به سوق. ويبدو، أي: يظهر. وشامة وطفيل: جبلان بقرب مكة. وقال الخطابي: كنت أحسب
[ ٤ / ١٩٤ ]
أنهما جبلان، حتى ثبت عندي أنهما عينان. وقوله: أردن ويبدون: بنون التوكيد الخفيفة، وشامة: بالمعجمة والميم مخففة، وزعم بعضهم أنَّ الصواب "شابة" بالموحدة بدل الميم، والمعروف بالميم. إلى هنا كلام ابن حجر.
وقال ابن هشام في "السيرة" قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة، وعمر بن عبد الله عروة عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: لما قدم رسول الله صلى الهل عليه وسلم المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمَّى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله [ذلك] عن نبيه ﷺ، قالت: فكان أبو بكر، وعامر بن فهيرة، وبلال موليًا أبي بكر مع أبي بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمَّى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدّة الوعك، فدنوت من أبي بكر، فقلت له: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: كلُّ امرئٍ مصبح .. الخ، قالت: قلت: والله ما يدري أبي ما يقول! قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئٍ مجاهدٌ بطوفه كالثور يحمي جلده بروقه
بطوقه، يريد: بطاقته، قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول! قالت: وكان بلال إذا تركته الحمَّى اضطجع بفناء البيت، ثمَّ رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً بفخٍ وحولي إذ خرٌ وجليل
إلى آخر البيتين. قالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم، فقلت: إنهم ليهذون، وما يعقلون من شدَّة الحمَّى! فقال رسول الله ﷺ: "اللهم حبِّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكّة،
[ ٤ / ١٩٥ ]
أو أشد، وبارك لنا في مدِّها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة" وهيعة: الجحفة. انتهى. والبيت الذي أنشده أبو بكر ليس له، وإنما تمثل به.
وقد أورد ابن إسحاق في غزوة ودّان قصيدة له جوابًا لقصيدة ابن الزبعري، وقال ابن هشام بعد ما نقله: إن قومًا من أهل العلم بالشعر أنكروا أن تكون هذه القصيدة لأبي بكر. قال السهيلي: ويشهد لصحة من أنكر أن تكون له ما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: من أخبركم أنَّ أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام فقد كذب. انتهى.
وقال مغلطاي في حاشية "الروض الأنف" للسهيلي: زعم المرزباني أنَّ المتمثل به بلال لا أبو بكر، قال: وهو للحكيم بن الحارث بن نهيك النهشلي، شاعر جاهلي قتل يوم الوقيط، وهو يوم كان لبني قيس بن ثعلبة على بني تميم، وكان قاتل، فأثخن القوم، وهو يقول هذين البيتين. انتهى.
أقول: وكذا رأيته في شرح يوم الوقيط من المناقضات إلَّا أنَّ فيه حكيم بن نهيك، قال: لحق الأراز التيمي حكيمًا النهشلي فقتله، ولم يقتل من نبي نهشل غيره. ويقال: إنه لم يشهد الوقيط من نبي نهشل غير الحكيم، فلمّا قتل رثاه نهيك أبوه، فقال من أبيات:
حكيم فدِّي لك يوم الوقيط إذ حضر الموت خالي وعم
تعوَّدت أحسن فعل الكرا م فكَّ العناة وضرب البهم
وحكيم مصغّر، ونهيك مكبر، وما تقدَّم من تفسير مصبح هو المناسب المقام. وقال الدماميني: يحتمل أن يكون معناه: من يوجد في أهله صباحًا، أو يقال له: أنعم صباحًا، أو يسقى الصبوح، وهو شرب الغداة. انتهى. وليس واحد من هذه الثلاثة مناسبًا هنا.
[ ٤ / ١٩٦ ]
وقال مغلطاي في ذلك الكتاب: ذكر ابن الحباب السعدي في كتابه "تحريم الشراب" أنَّ ما أنشده بلال لبكر بن غالب بن عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي، قالهما عندما نفتهم خزاعة عن مكة، وإنّ حبشة قال:
ألا ليت شعري هل أبينَّ ليلة وأهلي معًا بالمأزمين حلول
وهل أبصرنَّ العيس تنفخ في البرى لها في منى بالمحرمين ذميل
منازل كنَّا أهلها لم يحل بنا زمانٌ بنا فيما أراه يحول
غدا أوَّلونا فارطين لشأنهم وغالت بتني سعدٍ بمكَّة غول
يعني نبي سعد بن عوف الجرهمي. وعند أبي الفرج الأصبهاني "شامةوقفيل" انتهى. هو بفتح القاف وكسر الفاء: جبل. وبكر بن غالب هذا جاهليّ، ولم يذكر السهيلي ولا مغلطاي في شامة غير الميم، وناهيك بهما. وقال الصاغاني في "العباب" في مادة (شوب): وشابة: موضع ببلاد هذيل، قال أبو ذؤيب الهذلي:
كأن ثقال المزن بين تضارعٍ وشابة برك من جذام لبيج
وقال بشر بن أبي خازم الأسدي:
تؤم بها الحداة مياه نخلٍ وفيها عن أبانين ازورار
بليلٍ ما أتين على أرومٍ وشابة عن شمائلها تعار
وقال بلال: شابة وطفيل. والمحدثون يقولون: شامة، ويروى في الشعرين المتقدمين بالباء وبالميم. انتهى. وقد اغتر بهذا صاحب "القاموس" فشدَّدّ النّكير على المحدثين وغيرهم، فقال: وشامة: جبل بمكة، تصحيف من المتقدمين، والصواب: شابة. وهذا إقدام عظيم على تخطئة المتقنين، وليت شعري بأيّة حجّة باهرة يكون قولهم خطأ، وقوله صوابًا! وكلام الصاغاني لا يصلح سندًا، فإنه غير محرر، فإن شامة –بالميم- اسم أماكن متعددة لا مكان واحد، وشابة –بالموحدة- غير ذلك.
[ ٤ / ١٩٧ ]
قال الحافظ المتقن الحازمي في كتاب "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن" في أول باب السين المهملة: وأمّا شامة، بالشين المعجمة والميم، فجبل قرب مكة في شعر بلال، وأنشد البيتين، وأيضًا أرض بين جبل الميعاس وجبل مزبخ. وأمّا في شعر أبي ذؤيب: كأنَّ ثقال المزن .. البيت، فقد قال السكّري: شامة وتضارع: جبلان ينجد، ويروى "شابة" بالموحدة. ثمَّ قال: وأمّا شابة، أوّله شين معجمة وبعد الألفباء موحدة، فجبل في ديار غطفان بين السلّيلة والرَّبذة. قال كثير:
قوارض هضب شابة عن يسار وعن أيمانها بالمحور قور
انتهى. وقال ياقوت الحموي في كتاب "المشترك وضعًا المفترق صقعًا": شامة أربعة مواضع: شامة: جبل قرب مكة، يجاوره آخر، يقال له: طفيل، وفيهما قال بلال [بن حمامة]:
وهل يبدون لي شامة وطفيل
وشامة: أرض بين [جبل] الميعاس وجبل مزبخ. ولا آمن أن يكون الذي قبله، لأنَّ مزبخًا جبل مكة. وشامة وتضارع: جبلان بنجد، عن السكري، عن الأصمعي في قول أبي ذؤيب: كأنَّ ثقال المزن .. البيت. ويروى: "شابة" و"شامة" و"طامة" مدينتان متقابلتان بالصعيد خربتا. انتهى كلامه.
وقال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": شامة: جبل يذكر مع طفيل على بريد من مكة، وشابة بالباء الموحدة: جبل وموضع بديار هذيل، وأنشد بيت أبي ذؤيب، ثمَّ قال: وقال أبو علي: ويروى: "شامة" بالميم. انتهى. وقال
[ ٤ / ١٩٨ ]
ابن الأثير في "النهاية": طفيل كأمير في شعر بلال:
وهل يبدون لي شامة وطفيل
قيل: هما جبلان بنواحي مكة، وقيل: عينان. انتهى. ولم يذكر شامة في بابه، وقال السهيلي: وأمّا شامة وطفيل، فقال الخطّابي في كتاب "الإعلام في شرح البخاري": كنت أحسبهما جبلين حتى مررتُ بهما، ووقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء. انتهى. وأمّا فخ في بيت في غير رواية البخاري، فهو بفتح الفاء وتشديد الحاء المعجمة، قال السّهيلي: فخ: موضع خارج مكّة، [به] مويه يقول فيه الشاعر:
ماذا بفخٍّ من الإشراق والطيِّيب ومن جوارٍ نقيّاتٍ رعابيب
وبفخّ اغتسل رسول الله صلى الله ﷺ، وهو محرم. الإذخر كزبرج: من نبات مكّة، يشبه نبات الأسل الَّذي تعمل منه الحصر، يطحن فيدخل في الطّيب. والجليل، بفتح الجيم، قال أبو نصر: أهل الحجاز يسمّون الثمام: الجليل. ومجنَّة، بفتح الميم والجيم وتشديد النّون: سوق من أسواق العرب بين عكاظ وذي المجاز، وهما سوقان أيضًا.
وأمّا شعر عامر بن فهيرة، فهو لعمرو بن مامة الجاهلي، قاله حين أحيط به، أنشده له ابن الأنباري في "شرح المعلقات" كذا في حاشية مغلطاي على "الروض الأنف" والرَّوق بفتح الرّاء: القرن.
وأنشد بعده، وهو افنشاد العشرون بعد الثلاثمائة:
(٣٢٠) كلُّ ابن انثى وإن طالت سلامته يومًا علىآلةٍ حدباء محمول
[ ٤ / ١٩٩ ]
على أنَّ الهاء في "سلامته" والمستتر في "محمول" كل منهما راجع إلى "كل" لأنها يحسب ما تضاف إليه، وقد أضيفت هنا إلى مذكَّر، ولهذا رجع إليها ضمير المذكّر، وكلّ: مبتدأ، وخبره محمول، وجملة "وإن طالت سلامته": معترضة بينهما. قال بعض الفضلاء: فائدة الواو هنا الحكم بحصول الموت على كل تقدير، ومثله قولك: أزورك وإن هجرتني. فالزيارة مستمرة مطلقًا على تقدير الهجر وغيره، ولو قلت: إن هجرتني، بغير واو، فقد جعلت الهجر سببًا للزيارة، ولا يلزم منه الزيارة على تقدير غيره. انتهى. وهذا كلام حسن، وقد تكلمنا على هذا التركيب وما قيل، في حاشيتنا على شرح المصنف لقصيدة كعب بن زهير في هذا البيت. و"يومًا" و"على" كلاهما متعلقان بمحمول، والآلة: الجنازة والنعش يحمل عليها الميت، والحدباء: الشيء الشاق، وسنة حدباء: شديدة، شبّهت بالدابة الحدباء وهي الدابة قد بدت حراقفها وعظم ظهرها، طذت في "تهذيب الأزهري". والحرقفة: رأس الورك، فيكون أراد المستكرهة عند النفس.
والبيت من قصيدة "بانت سعاد" لكعب بن زهير بن أبي سلمى الصحابيّ، ﵁، وقد شرحها جماعة من المتقدمين وأحسن شروحها شرح المصنف، وقد كتبنا عليه حاشية جليلة، حصلت لنا فيها بركة الممدوح بها، ﷺ.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" وصحّحه، والبيهقي في "دلائل النبوَّة" عن عبد الرحمن بن كعب: أنَّ أباه كعبًا وعمه يجيرًا خرجا حتى أتيا أبرق العزّاف، فقال بجير لكعب: اثبت في هذا المكان حتى آتي هذا الرّجل -يعني النبي ﷺ- فأسمع ما يقول. فجاء فأسلم فبلغ ذلك كعبًا فقال:
ألا أبلغا عني بجيرًا رسالةً على أيِّ شيءٍ ويب غيرك دلَّكا
على خلقٍ لم تلف أمًّا ولا أبًا عليه ولم تدرك عليه أخًا لكل
سقاك أبو بكرٍ بكأسٍ رويَّةٍ وأنهلك المأمور منها وعلَّكا
[ ٤ / ٢٠٠ ]
فلمّا بلغت الأبيات رسُول الله ﷺ، أهدر دمه، فقال: "من لقي كعبًا فليقتله" فكتب بذلك بجير إلى أخيه وقال: اعلم أنَّ رسول الله ﷺ، لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلاَّ الله إلاَّ قبل ذلك. فأسلم كعب، وقال قصيدته "بانت سعاد" ثمَّ أقبل حتى أناخ بباب المسجد، ودخل رسول الله ﷺ مع أصحابه مكان المائدة من القوم، يتحلقون حوله، فيلتفت إلى هؤلاء مرةً فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرَّة فيحدثهم. قال كعب: فعرفت رسول الله، ﷺ. بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه، فأسلمت وقلت: الأمان يا رسول الله. قال: ومن أنت؟ قلت: أنا كعب، قال: الذي يقول، ثمَّ التفت إلى أبي بكر فقال: كيف يا أباب بكر؟ فأنشده أبو بكر:
سقاك أبو بكر بكأس روية وأنهلك المأمور منها وعلَّكا
فقال: يا رسول الله، ما هكذا قلت! قال: كيف قلت؟ قال: قلت: "وأنهلك المأمون منها وعلكا" فقال رسول الله ﷺ: مأمون والله. ثم أنشده القصيدة كلّها. انتهى. قلت: المأمور الأوَّل آخره بالرّاء المهملة، والمأمون الثاني آخره بالنون.
وأخرج الحاكم والبيهقي، والزبير بن بكّار في "أخبار المدينة" من طريق علي ابن زيد بن جدعان قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله ﷺ، في المسجد "بانت سعاد". وأخرجه في "الأغاني" بلفظ: في المسجد الحرام، لا مسجد المدينة. قال: فما بلغ كعب إلى قوله:
إنَّ رسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلها ببطن مكة لما أسلموا زولوا
أشار رسول الله ﷺ بكمه إلى الخلق ليسمعوا. وذكر ابن إسحاق أنَّ ذلك كان بعد قدوم النبي، ﷺ، من الطائف. وفي "الأغاني":
[ ٤ / ٢٠١ ]
قال عمر بن شّبّه: كان زهير نظارًا، وأنه رأى في منامه آتيًا أتاه، فحمله إلى السّماء حتى كاد يمسها بيده، ثمَّ تركه فهوى إلى الأرض، فلمّا احتضر قصَّ رؤياه على ولده وقال: إني لا أشك أنه كائن من خبر السّماء بعدي شيء، فإن كان فتمسكوا به، وسارعوا إليه. فلمّا بعث النبي ﷺ، خرج إليه بجير فأسلم، ثمَّ رجع إلى بلاد قومه. فلمَّا هاجر رسول الله ﷺ أتاه بجير بالمدينة، وشهد الفتح. انتهى. نقلت جميع هذا من "شرح الشاهد للسيوطي".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الثلاثمائة:
(٣٢١) إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
لما تقدم قبله. والبيت مطلع قصيدة أوردها أبو تمام في أوائل الباب الأوَّل من "حماسته" لعبد الملك بن عبد الرَّحيم الحارثي، قال: وتروى للسموأل بن عادياء اليهودي، وبعده:
وإن هو لم يحمل عن النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيرنا أنا قليل عد يدنا فقلت لها إنَّ الكرام قليل
وما قل من كانت بقاياه مثلنا شباب تسامى للعلى وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيره منيف يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به إلى النجم فرع لا يرام طويل
[ ٤ / ٢٠٢ ]
هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره يعز على من رامه ويطول
وإنا أناس لا نرى القتل سبةً إذا ما رأته عامر وسلول
يقصر حب الموت آجالنا لما وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيِّد حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظباة نفوسنا وليست على غير الظباة تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا إناث أطابت حملنا وفحول
علونا إلى خير الظهور وحطّنا لوقت إلى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن مافي نصابنا كهام ولا، فينا يعد بخيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيِّد منّا خلا قام سيِّد قؤول لما قال الكرام فعلو
وما أخمدن نار لنادون طارق ولا ذمَّنا في النازلين نزيل
وأيامنا مشهورة في عدوِّنا لها غرر معدومة وحجول
وأسيافنا في كلِّ شرق ومغرب بها من قراع الدَّارعين فلول
معوَّدة أن لا تسلَّ نصالها فتغمد حتى يستباح قتيل
سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم وليس سواءً عالم وجهول
فإنَّ بني الدَّيّان قطب لقومهم تدور رحاهم حولهم وتجول
قوله: إذا المرء لم يدنس، هو من باب فرح، والدنس: الوسخ، قال التبريزي: يقول: إذا المرء لم يتدنس باكتساب اللؤم واعتياده، فأيّ ملبس يلبسه بعد ذلك كان جميلًا. وذكر الرداء هنا مستعار. وقد قيل: رداه الله رداء عمله، فجعل كناية عن مكافأة العبد بما يعمله، كما جعله هذا [الشاعر] كناية عن الفعل نفسه، وتحقيقه: فأي عمل عمله بعد تجنب اللؤم كان حسنًا، واللؤم: اسم لخصال تجتمع وهي: البخل، واختيار ما تنفيه المروءة، والصبر على الدنية، وأصله من الالتئام وهو الاجتماع. وكذلك الكرم اسم لخصال تضاد خصال اللؤم.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
قوله: وإن هو لم يحمل .. الخ، أي: لم يصبّرها على مكارهها، وأصل الضيّم: العدول عن الحق، يقال: ضامه ضيمًا، إذا عدل به عم طريق النَّصفة.
وقوله: تعيّرنا أنّا قليل .. الخ، يقال: عيّرته كذا، وهو المختار، وقد جاء: عيرته بكذا، يقول: أنكرت منّا قلة عددنا فعدَّته عارًا، فأجبتها: إنَّ الكرام يقلون. واعترف بقلة العدد لا بقلة القدر، ألا تراه جاء بالنفس في البيت الذي يليه، فقال:
وما قل من كانت بقاياه مثلنا.
وقوله: إنَّ الكرام قليل، يشتمل على معان كثيرة، وهي ولوع الدهر بهم واعتيام الموت إيّاهم، واستقتالهم في الدفع، عن أحسابهم، وكلّ هذه تقلّل العدد. وشباب: مصدر في الأصل وصف به، فلذلك لا يثنَّى ولا يجمع، والكهل الذي وخطه الشيب. وقوله: وما ضرنا، يجوز أن يكون "ما" حرف نفي، والمعنى: لم يضرّ بنا، ويجوز أن يكون اسمًا مستفهمًا به على طريق التقرير، والمعنى: أي شيء، والواو من قوله: "وجارنا عزيز" واو الحال، وكذلك واو "وجار الأكثرين" وإنما صلح الجمع بين الحالين لأنهما لذاتين مختلفين، ولو كانت لذات واحد لم يصلح.
وقوله: لنا جبل، يريد به العزّ والسّمو، أي: من دخل في جوارنا امتنع على طلابه. قوله: وإنّا أناس ما نرى القتل سبّة، كان وجه الكلام أن يقول: ما يرون القتل سبّة، لكن لما علم أنَّ المراد بأناس هم، قال: ما نرى، وأقطع منه
أنا الَّذي سمّتني أمّي حيدره
والوجه: سمّته [حتى لا تعرى الصلة من ضمير الموصول]. وقوله: ما نرى، أي: ما نجعل ذلك مذهبًا، وعامر: هو ابن صعصعة، وسلول: بنو مرة بن صعصعة، أخي عامر بن صعصعة غلبت عليهم أمهم سلول بنت ذهل بن شيبان. وهذا من أحسن ما ورد في الاستطراد من مدح إلى ذمّ. قال ابن جني في "إعراب الحماسة":
[ ٤ / ٢٠٤ ]
"نرى" في البيت بمعنى: نعتقد، من الرأي والاعتقاد، كقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء/ ١٠٥] وقولهم: فلان يرى رأي الخوارج، أي: يعتقد رأيهم. وهذه متعدية إلى مفعول واحد كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات/ ١٠٢]. وقال الشاعر:
لا بأس بالفارس أن يفرّا إذا رأى ذاك وأن يكرَّا
أي: إذا اعتقد صواب ذلك، فسبّة: حال لا مفعول ثان، لأنَّ أحد المفعولين في باب علمت لا يحذف، ولو كان رأيت هنا بمعنى علمت، لذكر الثاني في قوله: إذا ما رأته عامر وسلول، ولا يجوز أن يكون بمعنى عرف، لأنها تتعلَّق بالمحسوس. انتهى كلامه باختصار.
وقوله: يقرّب حبّ الموت، أي: حبّنا للموت، ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى فاعله، ويكون كقوله:
أرى الموت يعتام الكرام
ويكون على هذا: وتكرهه آجالهم، محمولًا على أنه إذا كرهت آجالهم الموت، فقد كره الموت آجالهم أيضًا. وروي: "يقصر حبّ الموت" واختاره ليكون القصر بإزاء الطول. وقوله: حتف أنفه، انتصب على الحال، ولم يستعمل منه حتف، ولا هو محتوف، وأوَّل من تكلم بهذه الكلمة النبي ﷺ، وتحقيقه: كان حتفه بأنفه، أي: بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الرّوح لا دفعة واحدة، ويقال خصّ الأنف بذلك لأنه من جهته يتقضّى الرمق. وقال أبو عبيد البكري: وأوَّل من نطق بهذا اللفظ: "مات فلان حتف أنفه" رسول الله ﷺ، فدلَّ على أنَّ الشعر الإسلامي، وقد رواه قوم: "وما مات
[ ٤ / ٢٠٥ ]
منّا سيّد في فراشه" انتهى. وقوله: تسيل على حد الظباة نفوسنا، وأراد بالنفوس الأرواح، ويقال: الدمّاء، ويقال للدم: نفي، ومنه: نفست المرأة، كأنها دميت. وأعاد الظباة بلفظها دون ضميرها للتفخيم، وإضافة الحدّ إلى الظباة فيها وجهان، أحدهما: أن يكون أراد بالظباة السيوف كلها، ثمَّ أضاف الحدّ إليها، والثاني: من إضافة البعض إلى الكلّ، ويكون التقدير: تسيل على الحدّ من الظباة، وتكون الظباة مضارب السيوف، وإنما تبجح بأن تسيل دماءها على حدّ السيوف لا على غيره؛ لأنَّ الدماء قد تسال بالعصيّ وغيرها، فعدَّ القتل بالسيّف أكرم.
وقوله: صفونا .. الخ، أي: صفت أنسابنا، فلم يشبها كدورة، والسرّ هنا: الأصل الجيّد، يقال: إنَّ فلانًا ليضرب في سرّ، أي: في أصل جيّد، وشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر في قوله: ونحن كماء المزن. ويجوز أن يعنى به السخاء، أي: نحن كالغيث ننفع الناس، والكهام: الكليل الحدّ، أي: كل منا نافذ ماض، ولا فينا بخيل فيعدّ، وهذا نفي للبخل رأسًا، وليس يريد أنَّ فيهم بخيلًا يعدّ.
وقوله: وننكر إن شئنا .. الخ، وهو مثل قول الآخر:
وما يستطيع الناس عقد أنشده وننقضه منهم وإن كان مبرما
والبيت أورده علماء البلاغة في باب الإطناب، فإنَّ فيه إطنابًا بالنسبة إلى قوله تعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء/ ٢٣] ووصفت الآية بالإيجاز بالنسبة إليه. ومثل قوله: إذا سيّد منّا خلا .. البيت، قول حاتم:
إذا مات منهم سيّد قام بعده نظير له يغني غناه ويخلف
وقوله: وأيامنا مشهورة .. الخ، أي: وقائعنا مشهورة في أعدائنا، فهي بين الأيّام كالأفراس الغرّ المحجّلة بين الخيل. وقال: من قراع الدارعين؛ لأنَّ الغرض أن يكون عدوهم على غاية الاحتراز منم، والدارعين أصحاب الدروع [ولا]
[ ٤ / ٢٠٦ ]
يصرّف منه فعل إنما هو بمعنى النسبة، أي: ذو درع، وفلول: جمع فل -بالفتح- وهو الثلم والكسر، ومعنى: أسيافنا في كل شرق ومغرب، أنهم يبعدون في الغارات في نواحي نجد وتهامة. وقوله: معودة أن لا تسل .. الخ، انتصب على الحال، وعاملها ما يدل عليه قوله: بها من قراع، ويجوز رفعها خبر مبتدأ محذوف، يقول: عوِّدت سيوفنا أن لا تجرد من أغمادنا فترد فيها إلَّا بعد أن يستباح [بها] قبيل، والقبيل: الجماعة من آباء شتى، والقبيلة: الجماعة من أب واحد. وقوله: وليس سواء، هو من شواهد النحويين على جواز تقديم خبر ليس على اسمها. والقطب: الحديد في الطبق الأسفل من الرَّحى، يدور عليه الطبق الأعلى، وبه سمي القطب لما يدور عليه الفلك، وعلى التشبيه قالوا: فلان قطب بني فلان، أي: سيدهم الذين يلوذون به. قال أبو عبيد البكري يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنات، وأنهم لا يظعنون في طلب بخعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسان:
سيدهم الذين يلوذون به. قال أبو عبيد البكري يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنات، وأنهم لا يظعنون في طلب بخعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
وعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: شاعر إسلامي، والسموأل: رابعه همزة، بوزن سفرجل، وعادياء: بوزن فاعلاء يمدّ ويقصر، وقيل: هو السّموأل بن غريض بن عادياء، وأمّه غسانية، وأبوه من ولد الكاهن بن هارون بن عمران بن قريظة وقريظة والنضير هما معروفان بالكاهنين، نسبوا إلى جدهم الكاهن بن هارون، والسموأل هو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء، واحتفر فيه بئرًا عذبة، وكانت العرب تنزل به فيضيفها، وتمتار من حصنه، تقيم هناك سوقًا، وبه يضرب المثل في الوفاء، فيقال: "أوفي من السموأل". وبيت السموأل في اليهود بيت شعر، فإنه شاعر وأبوه شاعر، وأخوه شاعر، وكلهم مجيد في الشعر.
وقيل: هذه القصيدة لشريح بن السموأل، وقيل: لغير من ذكر، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الثلاثمائة:
(٣٢٢) وكل رفيقي كل رحل وإن هما تعاطى القنا قوماهما أخوان
على أن كلًا هنا لإضافتها إلى المثنى رجع ضمير الشيء إليه، لأنه بحسب ما يضاف إليه.
قال المصنف: هذا البيت من المشكلات لفظًا، وإعرابًا ومعنى. أقول: هذا على حدّ قولهم: "زناه فحدّه" وإنما استشكله لأنه ظنّ "قومًا" مفردًا منونًا، وليس ذلك، وإنما "قوماهما" مثنى قوم مضاف إلى ضمير الرفيقين، وسقطت نونه للإضافة ومنن قال إنه مثنى ابن عصفور في "شرح الجمل" وتبعه في "شرح الجمل" أيضًا أبو بكر محمد بن احمد الأنصاري الإشبيلي الشهير بالخفاف، قال: واسم الجمع نحو: قوم ورهط. وجمع التكثير لا يثنيان إلاَّ في ضرورة أو في نادر كلام، فمثال ما جاء من تثنية اسم الجمع في ضرورة الشعر قوله:
وكلّ رفيقي كلّ رحل وإن هما .. البيت
ومما جاء من تثنية جمع التكثير قوله:
تبقلت من أوّل التّبقّل بين رماحي مالك ونهشل
انتهى. وقال أبو حيّان في "شرح التسهيل": وأمّا اسم الجمع فإنهم نصوا على أنه لا يجوز تثنيته إلّا في ضرورة شعر، نحو قوله:
وكلّ رفيقي كل رحل وإن هما .. البيت
وقال الدماميني: أطال المصنف في تقرير ما يزيل الإشكال الذي ادعاه، وكله مبني على ثبوت تنوين قومًا من جهة الرواية، ولعلها ليست كذلك، وإنما هي قوماهما، تثنية قوم، والمثنى مضاف إلى ضمير الرفيقين، ولا إشكال حينئذ، لا لفظًا ولا إعرابًا ولا معنى، إذ المعنى على هذا التقدير: إن كل رفيقين في السفر أخوان، وإن تعادى قوماهما، وتعاطوا المطاعنة بالقنا.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
وقد رأيت في نسخة من "ديوان الفرودق" هذا البيت مضبوط الميم من "قوماهما" بفتحة واحدة، وملكت هذه النسخة في جلدين، وضبط هذا البيت هو الذي كان باعثًا على شرائها، ولله الحمد والمنّة. انتهى. ثمَّ أقول: إنَّ المصنف ليس أبا عذرة هذا التحريف الباعث على الإشكال وهذه التوجيهات، وإنما هذا جميعه لأبي علي الفارسي، فأخذه المصنف من كلامه، وقصّر في عزوه إليه، فإنه لو عزاه إليه لسلم من هذه السبّة، ولكنه استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، فنقله من طرسه، واستخلصه لنفسه، وأنا أنقل لك كلام أبي علي برمته، قال في "المسائل البغداديات": مسألة: ينشد للفرزدق هذا البيت، وهو:
وكل رفيقي كل رحل وإن هما تعاطى القنا قوماهما أخوان
وفي هذا البيت غير شيء من العربيّة، فمنه قال: تعاطى، وقد تقدمه اثنان، ولم يقل: تعاطيا، فإن قلت: إنه حذف لام الفعل من تعاطى لالتقاء الساكنين، ولم يرده إلى أصله للضرورة، فيقول: تعاطيا، فهو قول، وهذه الضرورة عكس ما في قول امرئ القيس: لها متنتان خظاتا ..
لأنّ هذا البيت اللاَّم في موضع وجب حذفها مثل: رمتا؛ لأنّ الحركة للتاء في رمتا غير لازمة، والفرزدق حذفه في موضع وجب إثباته، لأنك تقول: تعاطيا وتراميا، وإن قلت: تعاطى: تفاعل؛ والألف لام الفعل ليست بضمير، وفي الفعل ضمير واحد، لأنّ "هما" وإن كان في اللفظ مثنى، فهو في المعنى كناية عن كثرة، وليس المراد بالتثنية ههنا اثنين فيحمل الكلام عليها، لكنه في المعنى يرجع إلى كلّ، فحملت الضمير على كلّ، فهو قول، ويقوي هذا ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات/ ٩]، ألا ترى أنّ الطائفتين لما كانتا في المعنى جمعًا، لم يرجع الضمير إليها مثنى، لكنّه جمع على المعنى، فكذلك "تعاطى" أفرد على المعنى إذ كان لكلّ، ثمّ حمل بعد الكلام على المعنى، فقال: هما أخوان، فالقول في "هما" أنه مبتدأ في موضع خبر المبتدأ الأول،
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وهو كل، وثناه وإن كان في المعنى جمعًا للدلالة المتقدمة، إذ المراد بهذه التثنية الجمع، ألا ترى أنّ قوله: كل رفيقي كل رحل، جمع، ونظيره قوله "بينهما" بعد ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فإن قال قائل: إن "هما" يرجع إلى رفيقين على قياس قولهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة/ ٢٣٤] فهو عندنا مخطئ؛ لأنّ الاسم الأوّل يبقى معلقًا بغير شيء، وهذا القول ينتفض في قول من يقول به؛ لأنه عندهم يرتفع بالثاني أو بالراجع إليه، فإذا لم يكن له ثان، كان إيّاه في المعنى، ولم يعدل إليه شيء وجب أن لا يجوز ارتفاعه عندهم. فأمّا قوله:
لو أن عصم عمايتين ويذبل سمعا حديثك أبدا الأوعالا
في الكلام محمول على: لو أنّ عصم عمايتين، وعصم يذبل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وليس بمحمول على عمايتين، ألا ترى أنّ عمايتين لا يسمعان، وقوله: سمعا في هذا البيت مثل "بينهما" في قوله ﷿: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ والجملة التي هي "هما أخوان" رفع خبر لكلّ، ولا أستحسن أن يكون "هما" فصلًا لو كان المبتدأ والخبر معرفتين، لأّني وجدت علامة ضمير الاثنين يعنى به الجمع في البيت والآية، وفي قول الآخر:
إن المنية والحتوف كلاهما يوفي المخارم يرقبان سوادي
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء/ ٣٠]، ونحو هذا، ولم أجد الاثنين المظهرين يعني بهما الجمع، والكثرة مكثرة علامة الضمير، فإن كان كذلك جعلت "هما" مبتدأ، وجعلت "أخوان" خبره،
[ ٤ / ٢١٠ ]
وحملته على لفظ "هما" دون معناه، ولو جعلت "هما" فصلًا، وكان الاسمان معرفتين وما قرب منهما، وجعلت "أخوان" خبر كلّ، لم يمتنع لأنَّ الاثنين المظهرين قد عني بهما الكثرة أيضًا، ألا ترى أنَّ في نفس هذا البيت: وكلّ رفيقي كلّ رجل، ليس الرفيقان باثنين فقط، وإنما يراد بهما الكثرة، فكذلك يراد بأخوان الكثرة، إلاّ أنّ قوله: وكلّ رفيقي، في الحمل على الجمع، أحسن من حمل أخوان على الجمع؛ لأنّ المعنى في قوله: وكل رفيقي كل رحل، كلّ الرفقاء، إذا كانوا رفيقين رفيقين فهما أخوان، وإن تعاطى كلّ واحد مغالبة الآخر؛ لاجتماعهما في السفرة والصحبة. فقول الأوّل في هذا هو الوجه، ومثل هذا قولهم: هذان خير اثنين في النّاس، وهذان أفضل اثنين في العلماء، فيدلك على الاثنين في قولنا: هذان خير اثنين في الناس، والرفيقين في هذا البيت، ما يذهب إليه سيبويه من أنّ المعمى: إذا كان الناس اثنين اثنين، فهذا أفضلهم. وإضافة رفيقين في هذا البيت إلى كل رحل، لو كان المراد بهما اثنين فقط، لكانت هذه الإضافة مستحيلة؛ لأنّ رفيقين اثنين لا يكونان لكل رحل، ففي هذا البيت دليل على أن رفيقين يراد بهما الكثرة. وفيه أنه حملهما على معنى كلّ، وفيه الوجهان اللّذان حملناهما في تعاطى.
فأمّا قوله: قومًا، فيحتمل ثلاثة أوجه، أحدهما: أن يكون بدلًا من القنا؛ لأنّ قومهما من سببها وما يتعلق بها، ويحتمل أن يكون مفعولًا له، وكأنه قال: وإن هما تعاطيا القنا للمقاومة، أي: لمقاومة كلّ واحد منهما صاحبه ومغالبته. ويحتمل أن يكون مصدرًا من باب (صنع الله) و(وعد الله) لأنّ تعاطي القنا يدل على مقاومة، فيحمل قومًا على هذا، كما حملت (وعد الله) على ما تقدم في الكلام مما فيه وعد، وينشد، ونراه الرّواية:
وكلّ رفيقي كلّ رحل وإن هما تعاطى القنا قوماهما أخوان
على أنّ "قوماهما" يرتفع بالابتداء. هذا آخر كلام أبي علي برمته. وقد اعترف في آخر كلامه بأنّ الرواية: "قوماهما" على أنه مثنى قوم مضاف إلى ضمير الرفيقين، وكأنه إنما ذكر الوجه الأول، وهو تنوين قومًا، إمّا لأنه رواية ضعيفة عنده، وإمّا ليجعله من مسائل التمرين في الإعراب، ليظهر قوة استحضاره للقواعد ووجوه
[ ٤ / ٢١١ ]
التخريجات، وقد نصّ عليه ابن بري في "شرح أبيات الإيضاح" للفارسي عند شرح قول الشاعر:
هما إبلان فيهما ما علمتم
قال: ومثل ذلك، أي: مثل إبلان، قول بعض العرب: "وأصلح بين القومين" وقال الرزدق:
وكل رفيقي كلّ رحل وإن هما .. البيت
والمصنف لشدَّة شغفه بالغرائب لخصّ كلامه منه، ولم يلحظ آخر كلامه.
وقول المصنف "قوله: كل رحل، كل هذه زائد" هذا من زيادته على أبي علي، وأقول: حكمه بزيادة "كلّ" مبنيّ على تفسير الرحل بالسفر، وليس كذلك، بل المراد إمّا ما قاله الصّاغاني من أنَّ الرحل للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، وإمّا ما قاله صاحب "المصباح" من أنَّ رحل الشخص: مأواه في الحضر، ثمَّ أطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى. والبدوي لا يكون مأواه في الحضر إلَّا إذا كان مسافرًا؛ لأنَّ دار إقامته البادية. وقد ردَّ الدماميني على المصنف بحمل الرحل على هذا، فقال: لا نسلم زيادتها، فإنَّ العموم الرحل مراد، كما أنه كذلك في الرفيقين، أي: أنَّ كل رفيقين لكل رحل هذا شأنهما، ولو كانت الثانية زائدة لم يحصل العموم في الرحل وهو مطلوب. انتهى. ولم يصب الشمني كالمصنف بقوله: لو لم تكن زائدة لكانت للعموم، وقد أضيف الرفيقان إليها، فيعتذر رفقتهما بعمومها، فيصير المعنى: كل مترافقين في كلّ فرد من أفراد السّفر هما أخوان، وليس ذلك لعدم تناوله المترافقين في سفر واحد أو أكثر، بل ليس بمفيد لعدم تحقيق المترافقين في جميع الأسفار هذا كلامه.
والبيت من قصيدة للفرزدق، قال الحرماني: كانت الفرزدق خرج في نفر من
[ ٤ / ٢١٢ ]
الكوفة، فلمّا عرَّسوا من آخر الليل عند "الغريين" وعلى بعير لهم شاة مسلوخة كان اجتزرها، ثمَّ أعجله المسير فسار بها، فجاء الذئب فحركها وهي مربوطة على بعير، فذعرت الإبل وجفلت منه، وثار الفرزدق فأبصر الذئب ينهسها، فقطع رجل الشاة فرمى بها إلى الذئب، فأخذها وتنحى، ثمَّ عاد فقطع اليد فرمى بها إليه، فلما أصبح القوم خبّرهم الفرزدق بما كان، وقال فيه:
وأطلس عسال وما كان صاحبًا دعوت بناري موهنًا فأتاني
فلما دنا قلت ادن دونك إنني وإياك في زادي لمشتركان
فبت أسوي الزاد بيني وبينه على ضوء نار مرة ودخان
فقلت له لما تكشر ضاحكًا وقائم سيفي من يدي بمكان
تعش فإن واثقتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما أخيَّين كانا أرضعا بلبان
ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى أتاك بسهم أو شباة سنان
وكل رفيقي كل رحل وإن هما .. البيت
قال شارح ديوانه: الأطلس: الذئب في لونه طلسة، وهي سواد إلى الكدرة، والعسّال: الذي يعسل في مشيه، وهو اهتزازه وتثنيّه، والاسم منه العسلان، يريد أنه نزل فغشى الذئب ناره فقراه، قال أبو جعفر: الذي أعرف أنه قرى الذئب الفرزدق، ومضرّس بن ربعيّ، وعبد الله بن الزّبير الأسدي، وعبد بجيلة. انتهى. وموهنًا، بفتح الميم وكسر الهاء: الساعة التي تكون بعد نصف الليل. وترجمة الفرزدق تقدَّمت في الإنشاد الثاني من أوَّل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الثلاثمائة:
(٣٢٣) لها متنان خظاتا
[ ٤ / ٢١٣ ]
هو بعض بيت من قصيدة لامرئ القيس، وهو:
لها متنان خظاتا كما أكبّ على ساعديه النَّمر
قال ابن جني في "سرّ الصناعة": قال الكسائي: أراد: خظتا، فلمّا حرَّك التاء ردّ الألف التي هي بدل من لام الفعل، لأنها إنما كانت حذفت لسكونها وسكون التّاء فلما حرّك التاء ردّها فقال: خظاتا، ويلزمه على هذا أن يقول في قضتا، وغزتا: قضاتا وغزاتا؛ لأنَّ له أن يقول: إنَّ الشّاعر لمّا اضطرَّ أجرى الحركة المعارضة مجرى الحركة اللزامة في نحو: قولا ومبيعا وخافا. وذهب الفراء إلى أنه أراد خظاتان، فحذف النون كما قال أبو داود الإيادي:
ومتنان خظاتان كزحلوف من الهضب
وقول الكسائيّ عندي أقيس من قول الفرّاء، لأن حذف نون التثنية شيء غير معروف. انتهى. وكذا قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر" والمتن: الظهر، وكذلك المتنة، قال ابن فارس المتنان: مكتنفا الصّلب من العصب واللحم، وخظايا: بالخاء والظّاء المعجمتين، يقال: خظا لحمه يخظو خظوَّا، من باب سما يسمو: إذا اكتنز وصلب، ويأتي خظا وصفًا أيضًا بمعنى مكتنز، يقال: لحم خظا، ولحمة خظاة، كما تقدَّم في بيت أبي داود.
وقال ابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني" يقال: لحمه خظا بظا، إذا كان كثير اللحم صلبه، وهو خاظي البضيع، إذا كان كثير اللحم مكتنزة. وقوله: لها متنان خظاتا، فيه قولان، أحدهما: أنه أراد خظاتان، كما قال أبو داود، فحذف نون المثنى. والآخر: أن أراد خظتا، أي: ارتفعنا، فاضطر فزاد ألفًا،
[ ٤ / ٢١٤ ]
يقال: متن خظا، ومتنة خظاة. وقوله: "كما أكبّ على ساعديه النمر" أراد: كأنَّ فوق متنها نمرًا باركًا لكثرة لحم المتن. انتهى.
ورأيت قولًا ثالثًا نسبة جماعة إلى المبرد، ولا أجزم بصدقه، وهو أن يكون خظاتا مثنى حذفت نونه للإضافة إلى "كما" بضم الكاف، على أنه ضمير تثنية وقع مضافًا إليه، وهذا خلاف الرواية، فإنها بفتح الكاف، وهي حرف تشبيه، وما مصدريّة.
قال ياقوت الحموي في ترجمة أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي الشهير بثعلب من كتاب "معجم الأدباء" قال أبو العباس: دخلت على محمّد بن عبد الله بن طاهر، فإذا عنده المبرد وجماعته من أصحابه وكتابه، وكان محمّد بن عيسى وصفني له، فلما قعدت قال لي محمد بن عبد الله: ما تقول في قول امرئ القيس:
لها متنان خظاتا كما .. البيت؟
فقلت: أمّا غريب البيت، فإنه يقال: لحم خظا بظا: إذا كان صلبًا مكتنزًا، ووصف فرسًا. وقوله: أكبّ على ساعديه النمر، أي: في صلابة ساعد النمر إذا اعتمد على يده، والمتن: الطريقة الممتدة من عن يمين الصلب وشماله. وما فيه من العربية أنه خظتا، فلما تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة. قال: فأقبل بوجهه على محمد بن يزيد، فقال له: أعزَّك الله، إنما أراد في خظاتا الإضافة، أضاف خظاتا إلى كما. قال [ثعلب]: فقلت له: ما قال هذا أحد! قال محمد بن يزيد: بلى سيبويه يقوله، [فقال ثعلب]: فقلت لمحمد بن عبد الله: لا والله ما قال هذا سيبويه، وهذا كتابه فليحضر. ثم أقبلت على محمد بن عبد الله وقلت: ما حاجتنا إلى كتاب سيبويه؟ أيقال: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيضاف نعت الشيء إلى غيره؟ فقال محمّد لصحة طبعه: لا والله ما يقال هذا، ونظر إلى محمد بن يزيد، فأمسك ولم يقل شيئًا، وقمت ونهض المجلس. قال عبد الله الفقير: لا أدري لم
[ ٤ / ٢١٥ ]
لا يجز هذا، وما أظن أحدًا ينكر قول القائل: رأيت الفرسين مركوبي زيد، ولا: الغلامين عبدي عمرو، ولا: الثوبين درّاعتي زيد، مثله: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيكون مضافًا إلى عمرو، وهو صفة لزيد، وهذا ظاهر لكل متأمل. هذا آخر كلام ياقوت.
وكذا نقل هذه الحكاية أبو الحسن علي بن محمّد الملقب علم الديّن السخاوي في كتاب "سفر السّعادة" ولم يعقبها بما أعقبه ياقوت من صحة الوصف في المثال. ونقلها السيوطي أيضًا في "الأشباه والنظائر" عن "طبقات [النحويين] " لأبي بكر الزيدي عن أبي عمر الزاهد غلام ثعلب وفي آخرها: قال الزبيدي: القول ما قال المبرد، وإنما سكت لما رأى من بله القوم، وقلة معرفتهم، وقوله: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، جائز جدًا. انتهى. وأقول: صحة هذا المثال ونحوه لا شبهة فيه، لكن الكلام في بيت امرئ القيس كان ينبغي الاستناد فيه إلى الرواية، ولم نر من قال إنه روي بضم الكاف، والله أعلم. على أنَّ معنى الإضافة ركيك، سواء فتحت الكاف أو ضممتها، فليتأمل.
والبيت من قصيدة له يأتي مطلعها في بحث "لا" وبيت آخر منها يأتي في الباب الرابع، وبيت آخر في وصف فرسه من جملة أبيات فيها في آخر الباب الرّابع إن شاء الله نشرحها هناك مع البيت الشاهد هنا. وضمير "لها" راجع للفرس. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع. وكون هذه القصيدة لامرئ القيس هو الصحيح عند المفضل وأبي عمرو الشيباني وغيرهما. وزعم أبو عمرو بن العلاء والأصمعي وأبو حاتم أنها لرجل من النمر بن قاسط، يقال له ربيعة بن جشم النمري، والله أعلم.
[ ٤ / ٢١٦ ]
وأنشد بعده:
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الثلاثمائة:
(٣٢٤) وكل مصيبات الزَّمان وجدتها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
على أنه قد روي أيضًا: "وكل مصيبات تصب" فتكون "كلّ" مضافة إلى نكرة، وفيه يكون الشاهد، فكان ينبغي كما قال الدماميني أن ينشد البيت أولًا على الوجه الذي يكون به شاهدًا على المقصود، ثمَّ يقول: ويروى: "وكل مصيبات الزَّمان" وليس نجن فيه، إذ المطلوب بالذات إيراد الشاهد على الحكم المذكور، فأمّا إفادة أنَّ البيت روي على وجه لا يتأتى معه الاستشهاد على ذلك، فأمر غير مقصود بالذات، والخطب: سبب الأمر، يقال: ما خطبك؟ أي: ما سبب الأمر الذي أنت فيه، وسوى: مستثنى مقدَّم على المستثنى منه، وهو قوله: هيّنة الخطب، فهو منصوب بفتحة مقدرة على الألف.
والبيت من قصيدة لقيس بن ذريح، أورد منها أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة" ثلاثة أبيات، أورد بعد ذلك البيت:
وقلت لقلبي حين لج به الهوى وكلَّفني ما لا أطيق من الحبِّ
ألا أيها القلب الذي قاده الهوى أفق لا أقرّ الله عينك من قلب
وأخرج صاحب "الأغاني" عن محمد بن معن الغفاري عن أبيه، عن عجوز لهم يقال لها جمال بنت أبي مسافر، قال: جاورت آل ذريح بقطيع من الإبل،
[ ٤ / ٢١٧ ]
فيه الرائمة [ذات] البوّ، والحائل، والمتبع، قال: فكان قيس بن ذريح بنظر إلى شرف من ذلك القطيع، وينظر إلى ما يلقين فيتعجّب، فقلما لبث حتى عزم عليه أبوه بطلاق لبنى، فكاد يموت، ثمَّ آلى أبوه ليخلعنَّ قيسًا، فظعنت فقال:
أيا كبدي طارت صدوعًا نوافذًا ويا حسرتي ماذا تغلغل في القلب
فأقسم ما عمش العيون شوارف روائم بوّ حائمات على سقب
يشمّمنه لو يستطعن ارتشفنه إذا سفنه يزددن نكبًا على نكب
رممن فما تنحاش منهن شارف وحالفن حبسًا في المحول وفي الجدب
بأوجد مني يوم ولّت حمولها وقد طلعت أولى الرِّكاب من النَّقب
وكل ملمّات الدّهور وجدتها سوى فرقة الأحباب هيّنة الخطب
انتهى. وأورد ثعلب في أوّل الجزء السادس من "أماليه" هذه الحكاية والأبيات، وزاد بيتين آخرين بعد البيت الأخير.
وقيس بن ذريح، بفتح الذّال المعجمة والراء والحاء مهملتان، وينتهي نسبه إلى كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، قال صاحب "الأغاني": وقيس أمّه بنت شبّة بن الكاهل بن عمرو الخزاعي، وهو رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵉، أرضعته أمّ قيس، وكان منزل قومه في ظاهر المدينة، وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة، ومرّ قيس يومًا لبعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة والحي خلوف، فوقف على خيمة لبنى بنت الحباب الكعبية، فاستقى ماء فسقته،
[ ٤ / ٢١٨ ]
وخرجت إليه وكانت امرأة مديدة القامة، شهلاء حلوة المنظر والكلام، فلمّا رآها وقعت في نفسه، وشرب الماء، وقالت له: أتنزل فتبرّد عندنا؟ قال: نعم، فنزل، وجاء أبوها فنجر له وأكرمه، فانصرف قيس وفي قلبه لبنى حرّ لا يطفأ فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروى، ثمّ أتاها يومًا آخر، وقد اشتد وجده بها، فسلّم وظهرت له وردت سلامه، فشكا إليها ما يجد من حبّها، فبكت وشكت إليه مثل ذلك، وعرف كلّ واحد منهما ما له عند صاحبه، وانصرف إلى أبيه فأعلمه حاله، وسأله أن يزوجه إياها، فأبى عليه وقال: يا بنيَّ، عليك بإحدى بنات عنك، فهي أحق بك. وكان ذريح كثير المال موسرًا، فأحبَّ أن لا يخرج ابنه إلى غريبة. فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه به أبوه. فأتى أمه فشكا ذلك إليها، واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يجبّ، فأتى الحسين بن علي، ﵉، وابن أبي عتيق، وكان صديقه، فشكا إليهما ما به ما ردَّ عليه أبواه، فقال له الحسين: أنا أكفيك، فمشى معه إلى أبي لبنى، فلمّا بصر به أعظمه ووثب إليه، وقال: يا ابن رسول الله ما جاء بك؟ هذاّ بعثت إليَّ فآتيك؟ قال: إنَّ الذي جئت فيه يوجب قصدك، قد جئتك خاطبًا ابنتك لقيس بن ذريح، فقال: يابن رسول الله، ما كنّا لنعصي لك أمرًا، وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن أحب الأمرين إلينا أن يخطبها ذريح أبوه عليه، وأن يكون ذلك عن أمره، فإنّا نخاف إن لم يسع أبوه في هذا أن يكون عارًا وسبة علينا، فأتى الحسين بن علي، ﵉، ذريحًا وقومه وهم مجتمعون، فقاموا إليه إعظامًا له، وقالوا مثل قول الخزاعيين، فقال لذريح: أقسمت عليم إلاَّ خطبت لبنى على قيس، قال: السّمع والطّاعة لأمرك، فخرج معه في وجوه قومه، حتى أتوا حي لبنى، فخطبها ذريح على ابنه إلى أبيها، فزوجه إيّاها، وزُفت إليه بعد ذلك، فأقام معها مدة؛ وكان أبرَّ الناس بأمه، فألهته لبنى عن بعض ذلك، فوجدت أمّه في نفسها، وقالت: لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري، ولم تر للكلام في ذلك موضعًا، حتى مرض قيس مرضًا شديدًا، فلما برأ
[ ٤ / ٢١٩ ]
قالت أمه لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يترك خلفًا، وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال، فيصير مالك إلى الكلالة، فزوَّجه بغيرها، لعلّ الله أن يرزقه ولدًا، وألحت عليه، فأمهل قيسًا حتى إذا اجتمع قومه دعاه، وقال له: يا قيس إنك اعتللت هذه العلة، فخفت عليك ولا ولد [لك، ولا] لي سواك، وهذه المرأة ليست بولود، فتزوج إحدى بنات عمك، ولعلَّ الله أن يهب لك ولدًا. فقال قيس: لست متزوجًا غيرها أبدًا، فقال أبوه: [فإن] في مالي سعة، فتسرَّ بالإماء. قال: ولا أسوؤها بشيء - والله- أبدًا. قال أبوه: فإني أقسم عليك إلّا طلقتها، فأبى وقال: الموت عندي والله أسهل من ذلك، ولكني أخيّرك خصلة من [ثلاث] خصال، قال: وما هي؟ قال: تتزوج أنت، فلعلَّ أن يرزقك ولدًا غيري. قال: ما فيَّ فضل لذلك. قال: فدعني أترحَّل عنك بأهلي، واصنع ما كنت صانعًا لو متّ في علتي هذه، قال: ولا هذه، قال: فأدع لبنى عندك، وأرتحل عنك، فلعلي أسلوها، فأبى وقال: لا أرضى حتى تطلقها، وحلف أن لا يكنّه سقف أبدًا حتى يطلق لبنى، فكان يخرج فيقف في حر الشمس، فيجيء قيس فيقف إلى جانبه فيظله بردائه، ويصلى هـ بحرّ الشمس حتى يفيء الفيء، فينصرف عنه ويدخل إلى لبنى فيعانقها، ويبكي وتبكي معه وتقول له: يا قيس لا تطع أباك فتهلك وتهلكني، فقال: ما كنت لأطيع فيك أحدًا. فيقال: إنه مكث سنة ثمَّ طلقها، فلما بانت استطير عقله، ولحقه مثل الجنون، وقال فيها أشعارًا كثيرة إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الثلاثمائة:
(٣٢٥) جادت عليه كل عين ثرَّة فتر كن كلَّ حديقة كالدِّرهم
على انّ أبان حيان ردّ على ابن مالك بهذا البيت على ما زعمه من وجوب مراعاة معنى "كل" بحسب ما تضاف إليه، وابن مالك قال هذا في باب الإضافة من "التسهيل"
[ ٤ / ٢٢٠ ]
ثمَّ في باب التوكيد، قال: ويتعين اعتبار المعنى فيما له من ضمير وغيره إن أضيف إلى نكرة، وإن أضيف إلى معرفة فوجهان، قال أبو حيان في "شرحه" وينقض هذا الذي قعدوه قول عنترة:
جادت عليه كلّ عين ثرّة .. البيت
فلو كان على ما قالوه لكان التركيب: فتركت، اعتبارًا بما أضيف إليه من النكرة، فعلى بيت عنترة يجوز: كلّ رجل فاضل مكرمون. انتهى.
وقول المصنف: والذي يظهر خلاف قولهما .. الخ، خلاف التحقيق، والتحقيق ما قاله تقي الدين السّبكي في "رسالة كلّ" بعد أن نقل كلام أبي حيّان، قلت: وما ذكروه لا ينتقض بذلك، ولا يلزم على بيت عنترة جواز التركيب الذي ذكره، لأنَّ الضمير في بيت عنترة يعود على العيون التي دلَّ عليها قوله: كلّ عين ثرة، ولا يعود على عين، وإذا كان كذلك لم يحص نقض ما قالوه، لأنم إنما تكلموا في عود الضمير على كلّ، وإنما يتعين ذلك إذا كان في جملتها، إمّا في جملة أخرى فيجوز عود الضمير لها وعلى غيرها، وإنما أعاد عنترة الضمير على العيون ولم يعده على كل عين، لأنه لو أعاده على كلّ عين وقال: فتركت، كان الترك منصوبًا لكلّ واحدة، وليس كذلك فأعاده على العيون ليعلم أن ترك كلّ حديقة كالدرهم ناش عن مجموع العيون، لا على كلّ واحدة، ونظير هذا أن تقول: جاد عليّ كلّ غنيّ فأغنوني، إذا حصل من مجموعهم، فإن حصل الغنى من كلّ واحد، جاز أن تقول: فأغناني، وبها تبين أنه لا يلزم على بيت عنترة: كلّ رجل فاضل مكرمون، لأنَّ هذه جملة واحدة، و"كلّ رجل" مبتدأ مفرد لا يخبر عنه بجمع، فكيف يقاس على ما هو من جملة أخرى لا يتعين فيها العود على المبتدأ؟ بل نظيره ما قلناه: جاد عليّ على كل عني فأغنوني. فإن قيل: "كلّ رجل" مفرد في اللفظ، ومعناه جمع، فيجوز الإخبار عنه بالجمع، قلت: معناه مفرد أيضًا؛ لأنّ معناه: كل فرد، وكلّ فرد كيف يكون جمعًا؟ ! ويبين لك هذا أنك إذا قلت:
[ ٤ / ٢٢١ ]
كل رجلين، وراعيت المعنى تقول: قائمان، ولو كان المعنى جمعًا لما جاز: قائمان لا عل اللفظ ولا على المعنى، وقد نطقت العرب على التثنية، بل لم تنطق به إلّا على التثنية، وإذا كان معنى كلّ رجل مفردًا، كان قولنا: كل رجل مكرمون مخالفًا للفظ والمعنى، فلا يجوز، ونظير بيت عنترة قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية/ ٧ - ٩]، وقد قال شيخنا أبو حيّان في "تفسير": إنه مما روعي فيه المعنى بعد اللفظ. وليس كذلك، بل ما قلناه، وقد ظهر لك بهذا أنّ معنى العموم في "كلّ" قائم والقائم والذي قام ثبوت الحكم لكل فرد سواء ثبت مع ذلك للمجموع أم لا، فموضوعة الدلالة على كلّ من المفردات، وتارة يكون الحكم مع ذلك للمجموع، كقولنا: كل مسكر حرام، كل كلب يمتنع بيعه. وهذا الحكم ثابت للمجموع، كقولك: كل رجل يشبعه رغيف. وذكر بعض الأصوليين في مثال ما يكون الحكم للمجموع دون الأفراد: كل رجل يشيل الصخرة العظيمة، وينبغي أن يمتنع هذا التركيب، ولا يصح أن يقال: كل رجل يشيل، ولا يشيلون، أمّا الأول فلاقتضائه أن كل فرد يشيلها، وليس كذلك. وأمّا الثاني فلما تقدم أنّ العرب التزمت عنه الإخبار بالمفرد؛ لأنّ الحكم على الأفراد لا على المجموع، هذا مدلول "كل" في لسان العرب، فإن قلت: قد قال تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾ [الحج/ ٢٧]، قلت: إن جعلنا يأتين مستأنفة، فالكلام فيه كالكلام في بيت عنترة، وإن جعلناها صفة فالمعنى: على كلّ نوع من المركوب ضامر من الإبل وغيرها، لأنّ قبله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج/ ٢٧] ومعلوم أنّ جميع النّاس لا يأتون على كل فرد، وأيضًا بعده ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ وكلّ فرد لا يأتي من كلّ فجّ، فكان ما بعده وما قبله دليلًا على إرادة الكثرة، والكثرة بتقدير الموصوف كما ذكرناه ظاهرة، وحينئذ يكون قوله: ﴿يَأْتِينَ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم/ ٣٢]، ولو لم
[ ٤ / ٢٢٢ ]
نقدر الموصوف كما ذكرناه، وقدرناه: على كلّ ناقة ضامر، ولا شك أن المراد الجمع بالقرينة التي ذكرناها قبل وبعد، ونجن لا نمنع استعمال "كلّ" في الجمع مجازًا، وإنما كلامنا في أصل الوضع على أنا لا نسلم المذكور، إلاَّ إن ورد في لسان العرب ما يشهد له، وقد قال الشاعر:
من كلّ كوماء كثيرات الوبر
وهو مثل قوله: الدرهم البيض، ثم هذه الأمثلة كلّها في الصفة، ولم يسمع في الخبر: كل رجل قائمون، فإن ألحق بالصّفة فبالقياس لا بالسّماع، ولو سمع لكنّا نقول: إنّ لها معنيين، أحدهما: كلّ فرد، والثاني: المجموع، فيفرد باعتبار الأول، ويجمع باعتبار الثاني، لكن ذلك لم يسمع. إلى هنا كلام السبكي، وهو تحقيق حقيق بالقبول.
والبيت من معلقة عنترة وقبله:
وكأنّ فأرة تاجر بقسيمة سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفًا تضمّن نبتها غيث قليل الدّمن ليس بمعلم
جادت عليها كل عين ثرّة .. البيت
مدح محبوبته عبلة بطيب النكهة، فشبّه رائحة فمها برائحة المسك، أو برائحة روضة جادها السحاب. والفأرة بالفاء، قال الدينوري في "كتاب النبات": الفأر: جمع فأرة، وهي فأر المسك، وهي نوافجه التي يكون المسك فيها، شبّهت بالفأر وليست بفأر، إنما هي سرر ظباء المسك، وهي مهموزة، وكذلك الفأر كلّه مهموز. انتهى. وقال الزوزني في "شرح المعلقات" أراد بالتّاجر العطّار، وسميت
[ ٤ / ٢٢٣ ]
فأرة المسك فأرة لأنّ الروائح الطيبة تفور منها، والأصل: فأرة، بالهمز فخفف. وقال أبو جعفر النحّاس أيضًا في شرحها: إنما خصّ فارة التاجر لأنه لا يتربص بالمسك، إذ كان يتغير، فمسكه أجود. وفارة المسك غير مهموزة، لأنها من فار يفور، والفأرة المعروفة مهموزة. هذا كلامه، والقسيمة بفتح القاف: جونة العطّار، بضم الجيم، وقيل: سوق المسك، وقيل: العير التي تحمل المسك، والباء على القولين الأولين بمعنى في، وعلى الثالث بمعنى مع، وجملة: "سبقت" الخ: خبر كأنَّ، أي: سبقت نكهة الفارة عوارضها إليك، والعارض: ما بعد الناب من الأسنان، وقيل: الناب نفسه، يقول: إذا أهويت إليها لتقبلها انتشر من فمها رائجة طيبة كالمسك، وسبقت عوارضها إلى أنفك، وقال الزوزني: شبّه طيب نكهتها بطيب ريح المسك، أي: يسبق نكهتها الطيبة عوارضها إذا زمّت نفسها. وقوله: أو روضة، بالنصب، معطوف على فارة، وقال أبو جعفر النحاس، والخطيب التبريزي: ويجوز فيه الرفع عطفًا على المضمر الذي في سبقت، وحسن العطف على المضمر المرفوع لأنّ الكلام قد طال، ألا ترى أنّك لو قلت: ضربت زيدًا وعمرو، فعطفت عمرًا على التّاء، كان حسنًا لطول الكلام؟ انتهى. وعلى الأول تكون روضة مشاركة لفارة تاجر في الخبر، أعني في قوله: سبقت. قال الدينوري: إذا كان القاع الحرّ، أي الخالص في الرّمل، تنصبّ إليه سيول الأمطار فترويه، وحينئذ يستروض القاع، ويكثر نباته، وتشرب عروقه مما تشرب القاع من مياه السيول، وليست روضة إلاّ لها احتقان، واحتقانها أنّ جوانبها تشرف على سرارها، وسرارها: قرارتها حيث يستقرّ الماء، وأكرم سرارتها حديقتها، وهي حيث سقى آخر الماء، فذاك أكرمها وأكثرها نبتًا، وأطولها بقاء نبات، ولذلك قال الأصمعي: لا تكون الروضة إلاّ مستديرة، وكذا الحديقة، وكذا وصفها عنترة فقال:
جادت عليها كلّ عين ثرّة البيت ..
[ ٤ / ٢٢٤ ]
يعني في الاستدارة، وكذلك قال الفراء، والثرة: الواسعة مخرج الماء، والعين: من السّحاب، ولا يكون في الروض شجر، فإن كان فليست بروضة، والروضة قد تكون ضابطة لمائها لا يجاوزها، وقد تدفع فضول الماء إلى غيرها من الرّياض والأودية، وقد يستحسن رياض القفاف والحزون وغلظ الأرض، وإن كانت البطون والسهول أكثر نباتًا وأطول وأبقى خضرة، وأبطأ هيجًا، قال الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل
قال أبو مجيب الربعي: الحزن: حزن نبي يربوع، وهو قف غليظ مسير ثلاث ليال في مثلها، وهي بعيدة من المياه، فليس ترعاها الشاء ولا الحمر، فليس فيها دمن ولا أوراث، وفي معنى قول أبي مجيب قول عنترة:
أو روضة أنفًا تضمّن نبتها .. البيت
وقد أكثر الشعراء في اختيار بعد الرّياض عن محالّ النّاس إرادة حسنها، ونفي الخبث عنها، ووفور عشبها. إلى هنا كلام الدينوري باختصار، فإنه قد أطنب الكلام في شرح الرّوضة في مقدار الكراريس. والأنف، بضم الألف والنون: التام من كلّ شيء، والغيث: المطر، والدمن، بكسر الدّال وسكون الميم: واحدها دمنة، وهو ما بقي من الآثار، كالبعر وما أشبهه، والمعلم كجعفر: المكان المشهور، قاله الأعلم في شرحه. وقال أبو جعفر النحاس، والخطيب التبريزي: معلم وعلم، بفتحتين، هما العلامة، أي: ليس بمشهور موضعها، فهو أحسن لنبتها وأتمّ له، فإنّ الروضة إذا كان موضعها معروفًا، قصدها النّاس للرعي، فيؤثرون فيها ويرسخونها وتداس وتدمّن. شبه رائحة فمها بريح روضة كاملة النبت، وجعل ما أصاب نبتها من الغيث قليل الدمن، أي لم يصادف فيها دمنًا لبعدها عن النّاس.
وقوله: جادت عليها .. الخ، هذه الجملة صفة أخرى لروضة، وجادت: أمطرت مطرًا جودًا –بفتح الجيم- وهو الغزير، وكل: فاعل جادت، واكتسبت
[ ٤ / ٢٢٥ ]
التأنيث من المضاف إليه، والعين هنا: مطر أيام لا يقلع، قاله الزوزني، وزاد الأعلم: ويقال: العين: ما نشأ من قبل القبلة من السّحاب، والثرة، بفتح المثلثة وتشديد الرّاء: الغزير. وروى النحاس وغيره: "جادت عليه كلّ بكر حرّة، وقال: البكر، بكسر الموحدة: السحابة في أول الريع التي لم تُمطر، والحرّة: البيضاء وقيل: الخالصة، وحرّ كلّ شيء: خالصه. قال إلاَّعلم: الحديقة مثل البستان يستقر فيه الماء، وهي الرّوضة. وقوله: كالدرهم، شبّه بياض الما، واستدارته حيّن امتلأت الحديقة منه بالدّرهم. وروي "كلّ قرارة" بفتح القاف، وهو الموضع المطمئن من إلاَّرض يجتمع فيه السيل، فكان القرارة مستقرّ السيلّ. وترجمة عنّترة بن شدّاد العبسي تقدَّمت في الإنشاد السابع والسبعين بعد المائتين.
ويعد هذا البيت:
سحّا وتساكبا فكلّ عشَّية يجري عليها الما، لم يتصرَّم
فترى الذّباب بها يغني وحده هزجا كفعل الشّارب المترنم
غردًا يسن ذراعه بذراعه فعل المكبَّ على الزَّناد إلاَّجذم
السح: الصبّ الشديد، والتسكاب مثله، وكلّ: منصوب على الظرف، والعشية: ما بعد الظهر إلى نصف الليل، ولم يتصرم: لم ينقطع، ونصب سحًا بجادت: لأنَّ معناه: سحّت وسكبت، وخصّ مطر العشي لانه أغزر، وقيل: لانه أراد الصّيف، وأكثر مطره بالعشي، والصيف عند العرب هو الَّذي تدعوه العامة الربيع.
وقوله: فتّرى الذباب بها .. الخ، يصف انها روضة كثيرة العُشب محصبة مكتهلة النبت، فالذباب يألفها ويغنّي بها، والهزج، بكسر الزاء: المتتابع الصوت، شبه غنا، الذباب بغناء الشارب، والمترنم: الَّذي يترنم بالغناء، أي: يمدّ صوته ويرجعه، وروي أيضًا: "وخلا الذّباب بها فليسّ ببارح غّردًا. وبارح:
[ ٤ / ٢٢٦ ]
زائل، وغرد: وصف من غرد يغرد، من باب فرح، ويقال أيضًا: غرّد تغريدًا، أي: طرّب وغنّى، وقوله: غردًا يسنُّ .. إلخ، أي: يحدد، ومنه: سنّ السكين: إذا حدّدها، وسنّ الثوب: إذا صقله، وأراد بالزناد: الزند، وهو العود إلاَّعلى، والزندة: العود إلاَّسفل، وإلاَّجذم، بالجيم والذال المعجمة: وصف المكب، وهو المقطوع الكف، والمكب: اسم فاعل من أكب على الشيء إذا أقبل عليه. شبه الذباب الَّذي يحك إحدى ذراعيه بالأخرى برجل مقطوع الكفين، يوري زنادًا، فهو يمره بين ذراعيه، إذ لم تكن له كفإنَّ يمره بينهما، قالوا: هذا من عجيب التشبيه، ولم يقل أحد مثله في معناه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٢٦) منْ كلّ كوماء كثيرات الوبر
على انه جمع الضمير في كثيرات مع إرادة الحكم على كلّ واحد. وتقدَّم عن السبكي إنَّ هذا بطريق المجاز لا الوضع الأصليّ، وقال إنَّ وحيّي: هذا مصراع من الرّجز التام، أو بيت تامّ من مشطوره. والمصنف كانه قال على ما قبله وما بعده، وعلم إنَّ المراد نسبة الحكم إلى كلّ واحد، مثل: كلّ رجل يشبعه رغيف، وفي لفظ "من" دلالة عليه، ولكن ضعيفة لا يعولّ عليها. انتهى. والكوماء، بفتح الكاف والمدّ: الناقة العظيمة السنام، والوبر- بفتحدين-للبعير كالصوف للغم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٢٧) وما كلّ ذي لبًّ بمؤتيك نصحه وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
على إنَّ أبن عصفور أجاز فيه إنَّ يكون من قبيل: "من كلّ كوماء كثيرات الوبر" ويكون مؤتيك أصله: مؤتين إيّاك، فلما أضيف إلى الضمير حذفت نونه. والحمل
[ ٤ / ٢٢٧ ]
على هذا ممنوع، فانه لم يأت ذلك عن العرب إلاَّ في بيت "كوماء" وهو نادر، ولا يخرّج على النادر من غير ضرورة تلجيء إليه، مع انه غير متبادر إلى الذّهن. وقال الدمامبي: الحمل على هذا عند وجود مندوحة خلاف الأولى، لا سيما وقد تأيد الأفراد بقوله: نصحه، وبقوله: وما كلّ مؤت، فأفرد أيضًا، فحمل الأول على الأمر الكثير معتضد بالكثرة، وبمناسبة الصدر للعجز، فكيف يعدل عن ذلك مع عدم الملجيء إليه. انتهى.
والبيت وهو من شواهد سيبويه، أورده في آخر "الكتاب" في باب الأدغام في الحرّفين، وهو من أبيات لأبي الأسود الدؤلي. أخرج صاحب "الأغاني" عن ابن عيّاش قال: خطب أبو الأسود امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد [ابن غنيم، فأسر أمرها إلى صديق له من الأزد يقال له: الهيثمَّ بن زياد]، فحدّث به ابن عمّ لها كان يخطبها، وكان لها مال عند أهلها، فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى أهله الَّذين ما لهما في أيديهم، فأخبرهم خبر أبي الأسود، وسألهم إنَّ يمنعوها من نكاحه ومن مالها الَّذي في أيديهم، ففعلوا ذلك، وضارّوها حى تزوجت ابن عمها، فقال أبو الأسود في ذلك:
أمِنتُ أمرأ في السرّ لم يك حازمًا ولكنه في النصح غيرُ مُرِيب
أذاع به في النّاس حتى كانه بعلياءَ نارٌ أُوقدتْ بثَقُوب
وكنتَ متى لم تَرْعَ سرَّك تلتبسْ قوارعُه من مخطيء ومُصيب
فما كلّ ذي نصح بمؤتيك نُصحَه وما كلّ مؤتٍ نصحَه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحدٍ فحُقَّ له من طاعةٍ بنصِيبِ
وقوله: أذاع به .. البيت، استشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿أذاعوا به﴾ [النساء/٨٣]، على إنَّ الإذاعة تتعدى بالباء، كما تتعدَّى بنفسه،
[ ٤ / ٢٢٨ ]
ونار: خبر كانه، وبعلياء: متعلّق بأوقدت، بالبناء للمفعول، وكذلك بثقوب متعلق به، إلاَّ إنَّ الباء الأولى بمعنى في، والثانية للملابسة، وعلياء، بالفتح والمد: اسم موضع من العلوّ، والثقوب، كالوقود وزنًا ومعنى، وهو اسم ما تثقب به النّار، أي: توقد، والقوارع: الدواهي، جمع قارعة، واللبّ، بالضم: العقل، ومؤتيك: معطيك من آتاه، بالمد، أي: أعطاه، ونصحه: مفعوله الثاني، وحذف المفعول الأول من الثاني.
وأبو الأسود الدؤلي: اسمه ظالم بن عمرو بن سفيإنَّ، الدؤلي، بضمّ الدال وفتح الهمزة، وهو تابعي أسلم في حيّا ة النبيّ، ﷺ، وولي قضا، البصرة، وكان ممّن قاتل مع علي يوم الجمل، وكان من وجوه شيعته، ومن أكملهم رأيًا وعقلًا، وتوفي في الطاعون الجارف سنة تسع وستين وله خمس وثمَّإنَّون سنة. قال الجاحظ: أبو الأسود معدود في طبقات من الناس، فيها كلّها مقدم ومأثور عنه الفضل في جميعها، كان معدودًا في التابعين والفقهاء، والمحدثين والشعراء والأشراف، والفرسان والأمراء، والدهاة والنحويين، والحاضرين الجواب، والشيعة والبخلاء. وهو واضع علم النحو بتعليم أمير المؤمنين علي، ﵁، قال صاحب كتاب "التفسح في متثور اللغة ومنظومها": ولما نظر علي بن أبي طالب ﵁، إنَّ الطبائع قد اختلَّت بملابسة العجم، وإلى إلاَّلسن قد بدأت في طرقات السقم، ألقى إلى أبي الأسود حرّوفًا من العربية، يطارح بهنّ الحسن والحسين، فكانت كأعظم النعم والمنن، فتفسح فيها واتّسع، ونفع بها وإنَّتفع، وبإنَّ بها زيغ أهل البدع. ثمَّ أخذه أبي الأسود يحيّى بن يعمر، وبعده ابن أبي إسحاق، فأنتفع بعلمها أهل العراق، لمدافعتهم من لبَّس تأويل القراءن بالنفاق، وبثَّ أغاليطه في الأفاق. وكان يحيّى بن يعمر عدوانيًا، وابن أبي إسحاق حضرميًا، وكانا بموضع من الأعراب والفصاحة والبيان، فهما نشرا معالم العربية، فبرع فيها أبو عمرو بن العلاء، والجليل
[ ٤ / ٢٢٩ ]
ومن تابعهما، وهما إمامان في النحو ودقائق مسالكه، وأما الخليل فأخذ النحو من عيسى بن عمر الثقفي، واستخرج منه ما لم يسبق إليه، لدقة فطنته وحدة ذهنه وصحيّح قياسه، والكسائي طرأ إليهم وأخذ عنهم، وسمع من العرب، فكان بما حمل عنهم أوثق به مما سمع، وأما المازني فأخذ من أبي عمر الجرمي النحو، فبرع فيه على نظرائه، وكان الجرميّ أغوص وأجود استخراجًا، كان سيبويه عمرو بن عثمَّإنَّ أكثر من إلاَّخفش فطنة وعلمًا، فضرب به المثل، فقيل: أطال علينا في الخطاب كانه خليل وعمرو في البلاغة والنحو، ثمَّ فتح للأخفش بعده بالحنكة، والسنّ من قياسات النحو، والتفقه في مذاهبه، ما فاق به كلّ ناظر فيه وطالب له من أهل العراقين. انتهى باختصار.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٢٨) إخوتي لَا تبعدوا أبدا وبلى وَالله قد بعدو
كلّ مَا حيّ وَإنَّ أمروا واردو الْحَوْض الَّذي وردوا
على إنَّ قولها: امروا، يحتمل إنَّ يكون من إلاَّتيإنَّ بضمير الجمع، مع إرادة الحكم على كلّ واحد فى قولها: كلّ ما حيّ، وما زائدة، وحيّ: ضدّ الميت، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": حيّ ها هنا يحتمل أمرين أحدهما: إنَّ يكون المراد من القبيلة، كقولك: كلّ ما قوم، وكلّ ما قبيلة، وإنَّ أمروا وأجود من هذا معنى إنَّ يكون الحيّ الَّذي هو نقيض الميت، أي: كلّ ذي حيّاة من أمرهم ومن شانهم، فإذا كان كذلك احتمل إنَّ يكون قوله: وإنَّ أمروا، الضمير الَّذي فيه عائد على كلّ، وإنَّ شئت على حيّ؛ لأنَّ حيًّا [هنا] جماعة في المعنى، أي: كلّ الأحيّاء، وكذلك إذا قلت: كلّ ما حيّ، وأنت تجعله القبيلة. انتهى. وقال السبكي: الحيّ هنا القبيلة، ولو كان الحيّ من الحيّاة لقال: وإنَّ أمر وارد الحوض الَّذي وردوا، لما قررناه انه يطابق المضاف إليه. وجوّز ابن جني والشنتمريّ إنَّ يكون
[ ٤ / ٢٣٠ ]
نقيض الميّت، ورجحاه لعمومه، وقال ابن جنيّ: احتمل الضمير في أمروا إنَّ يعود على كلّ، وإنَّ شئت على حيّ: لانه هنا جماعة. انتهى. ولم يتعرض لقوله: وارد الخوض، فإن كان جمعًا على ما هو الرواية، فهو مخالف لما قلناه من التزام الأفراد في خبر كلّ رجل، وإنَّ كان مفردًا فلا مخالفة، ويكون أمروا كبيت عنوة: لانه جملة أخرى. وأمّا قوله: الَّذي وردوا: فضمير الجمع فيه يعود على إخوتها المذكورة في أول القصيدة في قولها: إخوتي لا تبعدوا أبدًا، فلا إشكال في جمعه على كلّ حال، بل ذلك متعين إنَّ يكون في وردوا لإخوتها، إذ لو كان لكلّ حيّ لم يفد، بل يفسد المعنى؛ لانه يصير المعنى: انهم يودون الَّذي وردوه، وهذا فاسد، وليس المراد من مراعاة المعنى إنَّ يود جمعًا، والَّذي أضيفت إليه كلّ مفرد لما قدمنا من الشواهد، ولأنَّ المعنى كلّ مرتبة دلذَ المضاف اليه عليها من إفراد أو تثنية أو جمع، وليس المجموع معنى كلّ إلاَّ إذا كان معنى اللفظة التي أضيفت إليه بإنَّ تكون جمعًا أو اسم جمع، كقوله تمالى: ﴿كلّ حزب بمل لديهم فرحون﴾ [الروم/٣٢] ففرحون جمع؛ لأنَّ مدلول حزب الَّذي هو فرد من إلاَّفراد التي دخلت عليها كلّ، وليس المراد جميع ما أفادته كلّ، وقوله تعالى: ﴿وهمت كلّ أمة برسولهم﴾ [غافر/٥] وقرى شاذًا: (برسولها) الأول لمعنى أمة، والثاني للفظها، وقد روعي لفظ إلاَّمّة ومعناها في قوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون﴾ [آل عمرإنَّ/١١٣] فإنَّ قلت: كيف روعي في أمّة اللفظ، ولم يراع في قوم ونحوه إلاَّ ضرورة؟ قلت: لعله لأنَّ أمة تصلح للواحد، فأشبهت من وما، وقوم لا يطلق إلاَّ على الحمع. إلى هنا كلّام السبكي.
وهذا الشعر أورده أبو تمام في باب المراني لفاطمة بذت إلاَّججم الحزاعية هكذا:
إخوتي لَا تبعدوا أبدا وبلى وَالله قد بعدو
لو تملتهم عَشيرَتهم ؟ قتناءِ العزّ أَو ولدوا.
[ ٤ / ٢٣١ ]
هإنَّ مِن بعضِ الرذَزيّة أَو هإنَّ مِن بعضِ الَّذي أجدُ
كلّ ما حيّ وإنَّ أُمِروا البيت
قولها: إخوتي: منادي مضاف، ولا تبعدوا: نهب يراد به الدعاء، وفعله بعد يبعد بعدًا، من باب فرح، أي: هلك، وإلاَّسم: البعد، بالضم، واستشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿إلاَّ بعدًا لعاد﴾ [هود/٦٠] على الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم؛ للدلالة على التساهل منهم له، وقولها: لا تبعدوا، المراد به: التحسر والتوجع، ولهذا استدركت بقولها: وبلى والله قد بعدوا، قالة المرزوقي: هذه اللفظة جرت العادة في استعمالها عند المصائب، وليس فيها طلب ولا سؤال، وإنَّما هو تنبيه على شدَّة الحاجة إلى المفقود، وتناهي الجزع في التفجّع. انتهى.
وقولها: لو تملَّتهم عشيرتهم، أي: لو عاشوا معهم مليًا من الدهر، أي: لو طالت أعمارهم فاعتقدت عشيرتهم عزا بهم، وكان لهم خلف، كان بعض غمّي بهم أهون عليَّ. وأمروا: من أمر الشيء، من باب فرح، بمعنى كثر واشتدَّ، وجواب "إنَّ" ما دلَّ عليه قوله: واردوا الحوض الَّذي وردوا، وحذف العائد من الصلة، أي: وردوه، تقول: كلّ قبيلة، أو كلّ حيّ وإنَّ تناسلوا وكثروا، فمصيرهم غلى ما صار إليه أمر اخوتي، إذ لا ينجو أحدٌ من الموت.
وفاطمة بنت الأجحم الحزاعية: امرأة جاهلية، والأجحم بتقديم الجيم على الحاء المهملة، ومعناه في اللغة: الشديد حمرة العينين مع سعتهما، والمرأة جحماء، وروي الشعر لغيرها، قال أبو عبيد الله محمد بن عمرإنَّ المرزبإنَّي في كتاب "أشعار النساء": حدثي أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثني يموت بن المزرع قال: حدثنا محمّذ ابن حميد وعيسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا الأصمعي قال: كانت جارية من إلاَّوس لها أربعة إخوة كانهم الصقور، قاعدة على شفير بئر تمتشط، فبّيَّتَّا هي كذلك إذ سقط
[ ٤ / ٢٣٢ ]
مشطها في البئر، فجاء أحد إخوتها فرآها تبكي، فسألها عن أمرها فأخبرته، فقال لها: فلا عليك، إنَّا إنَّزل آتيك به، فنزلّ في طلبه، فاحتضر فخنق، فاستغاث، فنزل أخوه في طلبه، فوجده ميتًا، فخنق، فاستغاث بالثالث، فترل فوجدهما ميتين، فذهب ليرجع فخنق، فاستغاث بالرابع، فنزل فألفاهم قد ماتوا، فذهب ليرجع فخنق فمات، فأرادت الجارية إنَّ تطرح نفسها في أثرهم فمنعت، وقيل لها: لا يحلّ لك قتل نفسك، فكفت ولزمت البكاء، وإنَّشأت تقول:
إخوتي لا تبعدوا أبدا وبلى والَّلات قد بعدوا
ليت شعري كيف عيشكم إنَّ عيشي بدعكم نكدٌ
ليت شعري كيف شربكم إنَّ شربي بعدكم ثمَّد
لو تملَّتهم عشيرتهم لأنَّقضاء العيش أو ولدوا
هإنَّ من بعض التَّذكر أو هإنَّ من بعض الَّذي أجد
وإذا ما الضَّيف حلَّ بنا قلت لهفي ليتهم شهدوا
كلّ ما حيّ وإنَّ أمروا واردوا الحوض الَّذي وردوا
أين عبد الحجر والصّرد ويزيد الفارس النَّجد
أينّ ملطاط أبو حجر وأبو الحرّبا ومعتمد
وردوا والله ما كرهوا وعلى آثارهم نرد
كلّ من يمشي بعقوتها وارد الماء الَّذي وردوا
فلو إنَّ الناس أجمعهم وجدوا بعض الَّذي أجد
لآماتّ الناسّ أيسر ما نال مني الوجد والكمد
لو بأحساب ومكرمة خلَّد الله الوّرّى خلّدّوا
وحدثني الحسين بن علي، عن أحمد بن أبي خيثمَّة، عن الزبير، عن مصعب ابن عثمَّان قال: كانت امرأة من بني شيهم من بني النجار، وإنَّما سمَّي النجار لانه ضرب رجلًا ضربة فقدَّ رجله، فقيل: كانما نجره، فسمَّي النجار، وكان لها اخوة سبعة، فسقط مدرى لها من فضة في بئر، فدخل أكبرهم ليخرجه، فأسن
[ ٤ / ٢٣٣ ]
فمات، فدخل الثاني فأصابه ما أصاب الأول، حق توافى السبعة في البئر، فقالت أختهم ترثيهم:
اخوتي من صقعة همّدّوا فقضّوا حتى إنَّقّضّى الأمدَ
كحل عيسى بعد فقدكم إخوتي التَّهتإنَّ والسهد
إخوتي لا تبعدوا أبدًا
وذكرها. قلت إنَّا: وعمر بن شبّة يروي هذه إلاَّبيات لفاطمة بنت الاَّحجم الحزاعية في إخوتها. انتهى. وقال أيضًا عند ذكر خزاعة: كتب إلى أحمد بن عبد العزيز قال: أخبرنا عمر بن شبّة قال: قالت فاطمة بنت الأجحم الخزاعية في اخوتها، وذكر هذه إلاَّبيات عمر بن شبّة:
إخوتي لا تبعدوا أبدا وبلى والله قد بعدوا
لو تملَّتم عشيرتهم لاصطناع العرف أو وّلّدوا
هإنَّ من بعض التَّفقّد أو هإنَّ من وجدي الَّذي أجد
إخوتي ما إخوتي هّلّكوا كلّهم كانهم أسد
كلّ من يمشي بعقوتها وّارد الحوض الَّذي وّرّدوا
وقد تقدَّمت هذه الأبيات لآمرأة من الأنَّصار، والله أعلم. وقال أيضًا عند ذكر حمير: كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال عمر بن شبّة: قال: قالت أمرأة من حمير:
اخوّتي من صقعة همدوا همدوا لَّما إنَّقضّى إلاَّمد
ما امرَّ العيش بعدّهم كلّ عيش بّعدّهم نكد
وردوا والله ما كرهوا وّعلى آثارهم نّرد
وقد تقدَّم قول عمر بن شبّة إنَّ أبياتًا من هذه المرثية لامرأة من خزاعة، وغيره يرويها لامرأة من الأنصار. وحدَّث علي بن هارون قال: أخبرني عمي يحيّى بن علي قال: حدثني أبو هفان قال: إنَّشدني المباركي عن الهيثمَّ بن عديّ لجمل بنت ذي نواس الحميرية.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
اخوتي من صقعة همّدّوا
وذكره والبيت الَّذي يليه، وزاد:
حشو عيني بعد فقدكم إخوتي التَّهتإنَّ والسهد
أينّ عبد الحجر والصَّمد ويزيد الفّارس النَّجد
أينّ ملطّاط أبو حجر وأبو الحرّباء معتمد
وّرّدوا وّالله ما كرهوا وعلى آثارهم نرد
انتهى
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٢٩) ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد
هذا المصراع والبيت الَّذي [يليه] أوردهما عبد القاهر في "دلائل إلاعجاز" قال: إنَّك لو جئت بحرّف نفي يتصور إنَّفصاله عن الفعل، لرآيت المعنى في" كلّ" مع ترك إعمال الفعل مثله مع إعماله، ومثال ذلك قوله:
ما كلّ ما يتّمّنَّى المرء يدركه
وقول إلاَّخر:
ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد
"كلّ".كما ترى غير معمل فيه الفعل، ومرفوع، إما بالأبتداء، وإما بانه اسم [ما]، ثمَّ إنَّ المعني مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت: ما يدرك المرء كلّ ما يتمناه، وما يدعو. كلّ رأي الفتى إلى رشد، وذلك لأنَّ التأثير لوقوعه في حيّز النفي، وذلك حاصل في الحالين. ولو قدمت "كلًّا" فقلت: كلّ ما يتمى الفتى لا يدركه، وكلّ رأي الفتى لا يدعو إلى رشد، لتغير المعنى، ولصار بمنزلة إنَّ يقال: إنَّ المرء لا يدرك شيئًا مما يتمناه، ولا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد
[ ٤ / ٢٣٥ ]
بوجه من الوجوه، فاعرفه. انتهى كلّامه ونقله الحطيب القزويني في "الإيضاح" قال: ونقل معناه، قال الشيخ: كلّمة "كلّ " في النفي إذا دخلت في حيّزه بأن قدم عليها لفظ كقول آبي الطيب:
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه
وقول إلاَّخر:
ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد
وقولنا: ما جاء القوم كلّهم، وما جا، كلّ القوم، ولم اخذ الدراهم كلّها، ولم آخذ كلّ الدراهم. أو تقديرًا بأن قدّمت على الفعل المنفي، وأعمل فيها؛ لأنَّ العامل رتبته التقدَّم على المعمول، كقولك: كلّ الدراهم لم آخذ، توجه النفي إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل، وأفاد الكلّام ثبوته لبعض، أو تعلقه به. إنتىهى كلّامه. وكذا قال في "التلخص" وتعقبهما السعد في "المطول" وقال: وفيه نظر، لأنَّا نجده حيّث لا يصلح إنَّ يتعلق الفعل ببعض، كقوله تعالى: ﴿والله لا يحب كلّ مختال فخور﴾ [الحديد/٢٣] ﴿والله لا يحب كلّ كفار أثيم﴾ [البقرة/٢٦٧] ﴿ولا تطع كلّ حلاف مهين﴾ [القلم/ ١٠] فالحق إنَّ هذا الحكم أكثري لا كلَّي. انتهى. وأجاب المولى حدر تلميذ السعد في "شرح الإيضاح" عن هذا فقال: ولقائل إنَّ يقول: إنَّما حصل عموم النفي في هذه إلاَّيات من خصوص المادة، كا في قولنا: ليس كلّ إنسان جماد، إلاَّ من إدخال النفي على كلّمة كلّ، فإنه لا يحصل منه إلاَّ نفي الشمول، كا هو حكم النفي إذا دخل على كلّام فيه تقييد بشهادة الذوق والعرف، وسبب ذلك أنه اذا بدئ بالنفي، بُني الكلّية عليه، وسلط النفي عليها، وأعمل فيها، وإعمال النفي فيها يقتضي نفي الكلّية والشمول، فيبقى أصل الفعل. انتهى.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
وهذا المصراع لم أظفر بتتمته ولا بقائله، وقد وقفت على شرحيّن "للإيضاح" أحدهما للمولى حيّدر، والثاني لجمال الدين الأقسرائي، ولم يذكرا فيه شيئًا وقال شارح "شواهد الإيضاح" و"المفتاح": الرشد والرشد بمعنى، ولفظه خبر ومعناه نهي، والمعنى: نهي عن تصويب كلّ رأي والعمل به. هذا كلّامه برمته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٠) ما كلّ ما يتمنَّى المرء يدركه تجري الرَّياح بما لا تشتهي السُّفن
على إنَّ النفي هنا لسلب العموم، والمعنى: إنَّ المرء لا يحصل له كلّ متمنياته وجميع أمانيه، بل إنما يحصل بعصها دون بعض، بريد: إنَّ أعدائي لا يدركون ما يتمنون بي، فالرياح لا تجري كلّها على ما تريد السفن، يعني أهلها.
والبيت من قصيدة لأبي الطيب المتني، قالها في مصر في ربيع الأخر من سنةسبع وثلاثمَّائة، لما بلغه أنَّ قومًا أخبروا بموته في مجلس سيف الدولة الحملدإنَّي، و"ما" هنا يجوز إنَّ تكون حجازية، كلّ: اسمها، وجملة "يدركه" خبرها، ويجوز إنَّ تكون تميمية، كلّ: مبتدأ، ويدركه خبره. وجوز ابن جنّي والواحدي نصب كلّ بفعل يفسره يدركه، فتكون مما نحن فيه أيضًا لسلب العموم، كما قال الدماميني؛ لأنَّ كلًّا لم تخرج عن حيّز النفي. وقال ابن السبكي في "عروس إلاَّفراح": نصب كلّ على شريطة التفسير يكون من القسم إلاَّخر، وسنتكلّم عليه، يعني يكون النفي من قبيل عموم السلب، وقاسه على قوله: كلّه لم أصنع، في تقدير نصب كلّ
[ ٤ / ٢٣٧ ]
ونقل كلّام والده إلاَّتي في اتحاد معنى رفع كلّ ونصبها في قوله: كلّه لم أصنع، وليس قياسه عليه بصحيّح، فإنَّ والده حقق إنَّ كلًّا إذا تقدَّمت على النفي، سواء كانت مرفوعة بإلاَّبتداء، أو منصوبة بالفعل المنفي، يكون معنى الكلّام عموم السلب، وبيت المتنبى ليس مثله، فإنَّ كلًّا فيه متأخرة عن النفي، رفعت أو نصبت. وأعلم انه قال: واختلف في سبب سلبه العموم في تقدَّم النفي على كلّ، فقيل: سببه إنَّ النفي متوجه إلى الشمول دون أصل الفعل، وفيما تقدَّم على النفي متوجه إلى أصل الفعل، وهذا غير واضح، وقيل: سببه إنَّ قولنا: لم يقم إنسان، نفي القيام عن جملة الأفراد، أعني كلّ واحد منها؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي لعموم، فإذا قلت: لم يقم كلّ إنسان، وأردت هذا المعنى أيضًا، كان دخول "كلّ" تأكيدًا، والتأسيس أولى من التأكيد. وقد يجاب بأن المحكوم بعدم قيامه في "لم يقم إنسان" ومطلق ألإنسان، ويلزم منه انتفاء قيام كلّ فرد، وهو معنى قولنا: النكرة في النفي للعموم، والمحكوم بعدم قيامه في لم يقم كلّ إنسان، إذا كأن كلّ فرد غير المطلق، فتغايرا، ولم يفد أحدهما بالوضع معنى الأخر، وإنَّ استلزمه فلا يكون تأكيدًا، وأيضًا فإنه منتقض بقولنا: ما إنسان إلاَّ قائم، فانه عأم في كلّ إنسان، ثمَّ نقول: ما كلّ إنسان إلاَّ قائم، فيبقى هذا العموم بحاله كما استقرؤوه في فصل إنَّتقاض النفي بإلاَّ، ولكني أوفقهم في الصور المتقدَّمة. وإذا لم يتقض النفي إلاَّ وما في معناها كان الأمر كا قالوه من جهة عدم العموم، وانه إنَّما يفيد سلب العموم لا عموم السلب، لكن بغير الطريقين اللذين حكيناهما، بل بطريق آخر يتوقف على تقديم مقدمة، وهي إنَّ قولنا: زيد قائم، حكم على زيد بالقيام، ويسمى موجبة محصلة، وقولنا: زيد غير قائم، أو هو ليس بقائم، حكم عليه بعدم القيام، وتسمى موجبة معدولة، ويشترط في هذين القسمين
[ ٤ / ٢٣٨ ]
وجود موضوعها، وقولنا: زيد ليس بقائم، سالبة محصلة، وليس معناها الحكم على زيد بعدم القيام، وإلاَّ لساوت الموجبة المعدولة، ولكن معناها سلب ما حكمت به في الموجبة المحصّلة، وكذلك يصدق مع وجود الموضوع وعدمه، والسالبة المحصّلة نقيض الموجبة المحصّلة، وأعم من الموجبة المعدولة، ومدلول الساّلبة المحصّلة نقيض مدلول الموجبة المحصّلة. إذا عرف هذا رجعنا إلى غرضنا فقلنا: لم يقم كلّ إنسان، سالبة محصلة، معناها فقيض لمعنى الموجبة المحصّلة وهي: قام كلّ إنسان، وقولنا: قام كلّ إنسان معناه الحكم على كلّ فرد بالقيام، فيكون المحكوم به السالبة المحصّلة نقيض قيام كلّ فرد، ونقيض الكلّي جزئيّ، فيكون مدلوله سلب القيام عن بعضهم، لانه النقيض، ولهذا يقول المنطقيون: ليس كلّ إنسان بقائم: سالبة جزئية، فوافقوا العرب في هذا، والمأخذ مختلف لما سنثير إليه قريبًا. وقولنا: كلّ إنسان لم يقم، موجبة معدولة، معناها الحكم بعدم القيام على كلّ إنسان، وقد تقرر إنَّ مدلول، " كلّ إنسان" كلّ فرد، فيكون معناها الحكم بعدم القيام على كلّ فرد، ولا يعارضه قول المنطقيين: كلّ إنسان ليس قائم، سالبة جزئية؛ لأنَّ المنطقيين إنَّما قالوا ذلك لاعتقادهم من كلّ المجموع، ونحن قد بيَّنَّا أنَّ مدلولها عند العرب إلاَّفراد، فالحكم بالنفي على كلّ إلاَّفراد، فهذا هو السرّ في الفرق بين كلّ ذلك لم يكن، ولم يكن كلّ ذلك، واستقام معه كلّام اللغويين والنحويين وكلّام المنطقيين، وظهر إنَّ العرب أدركت بعقولها السليمة، وطباعها الصحيّحة ما تعب اليونان دهرهم، بل زادوا عليهم في تحرّير دلالة كلّ، والحمد لله الَّذي وفقنا لفهم ذلك. ولا يتوهم أنَّ كلًّا إذا تأخرت عن النفي كأن معناها المجموع، وانه تغير معناها، بل معناها على حاله من الدلالة على كلّ فرد دون المجموع، ولكن الكلّية وإن دلت على فرد إنما تناقضها الجزئية. إلى هنا كلّام السبكي، وهو تحقيق نفيس الى الغاية.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣١) قد أصبحت أمُّ الخيار تدَّعي علىَّ ذنبًا كلّه لمْ أصنع
على إنَّ كلًّا إنَّ تقدَّمت على النفي، اقتضى إنَّ يكون لعموم السلب على كلّ فرد.
قال الحطيب في "الإيضاح": وإنَّ أخرجت كلّ من حيّز النفي بإنَّ قدمت عليه لفظًا، ولم تكن معمولة لفعل المنفي، توجه المنفي إلى أصل الفعل، وعمَّ ما أضيفت إليه كلّ. انتهى. ومفهومه إذا كانت معمولة الفعل المنفي مع تقدَّمها، توجه النفي إلى العموم، نحو: كلّ الدراهم لم آخذ، وصرح به عبد القاهر فيما تقدَّم من كلّامه، ونازع في هذا السبكي، وحقق إنَّ كلًّا إذا تقدَّمت على النفي، سواء كانت معمولة للفعل المنفي أم لا، توجه النفي إلى كلّ فرد. قال: ولو قلت: كلّه لم أصنعه، ورفعت كلّه، أفاد نفي كلّ فرد، كما لو حذف الضمير، ولو نصب على الإشتغال فكذلك؛ لأنَّك بنيت الكلّام على كلّ، وحكمت بالنفي عليها، ولأنَّ معنى: لم أصنعه، في معنى تركته، وكذلك تقدر: تركت كلّه، لم أصنعه، ولو قال كذلك أفاد كلّ فرد، ولو نصب ولم يأت بضمير، بل سلّط أصنع على ما قبله، فقد وقع في كلّام البيايين انه لا يفيد العموم، كقوله: لم أصنع كلّه، وهو الَّذي يتبادر إلى الذهن؛ لانه إذا كان معمولًا لأصنع، فالنفي في قوة التقدم، فلا فرق بين أنَّ يتقدَّم في اللفظ أو يتأخر، لكن في "كتاب سيبويه" لما إنَّشد البيبت قال: وهذا ضعيف، يعني حذف الضمير، قال: وهو بمترلته في غير الشعر؛ لأنَّ النصب لا يكسر الشعر، ولا يخل به ترك إضمار الهاء، وكانه قال: كلّه في غير مصنوع انتهى. وهو يقتضي انه لا فرق بين الرفع والنصب في أنَّ المعنى: كلّه غير مصنوع، وذلك يقتضي أنَّ النصب أيضًا يفيد العموم، وانَّه لم يصنع شيئًا منه؛ لما تقرر من دلالة العموم.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
وقد تأملت ذلك فوجدت قول سيبويه أصح من قول البيايين، وإنَّ المعنى حضره وغاب عنهم، لانه ابتدأ في اللفظ بكل، ومعناها كلّ فرد، فكان عاملها المتأخر في معنى الخبر عنها: لأنَّ السامع إذا سمع المفعول يتشوف إلى عامله، كا يتشوف سامع المبتدأ إلى الخبر، وبه يتم الكلّام؛ فكان: " كلّه لم أصنع" مرفوعًا ومنصوبًا سواة في المعنى، وإنَّ اختلفا في إلاَّعراب، ويبعد كلّ االبعد إنَّ يحمل كلّام سيبويه على إنَّ " كلّه لم أصنع" بالرفع والنصب معناه عدم صنع المجموع، فيكون قد صنع بعضه، لأنَّ معنى الحديث على خلافه في قوله: " كلّ ذلك لم يكن" وفي حفظي من كلّام ابن عباس: كلّ ذلك لا أقول، لما قال له أبو سعيد الحدري في حديث الربا: سمعته من النبيّ ﷺ، أو وجدته في كتاب الله تعالى؟ فقال: كلّ ذلك لا أقول، وإنَّتم أعلم برسول الله، ﷺ، مني، ولكني أخبرني أسامة، وذكر الحديث. رواه البخاري ومسلم، ومعناه: لا أقول هذا ولا هذا، فإنَّ كان كلّ بالنصب كما أحفظه، فهو نص في رد ما قاله البيانون من عدم إفادة العموم عند تقدَّمها منصوبة، ويبعد عنه سيبويه إنَّ تكون مرفوعة؛ لانه لا يجيز ذلك إلاَّ على ضعف، مقتضى مذهبه أيضًا إنَّ معمول الفعل المنفي بـ "لا" لا يتقدَّم عليها، والاَّصح جواز تقدَّمه إذا لم تكن في جواب قسم، فإنَّ ثبتت الرواية بالنصب فيدل على إنَّ المعتبر تقدَّم كلّ في اللفظ، سواء كانت مبتدأة كما في قوله: كلّ ذلك لم يكن، أم مفعولة كما هنا، والمعنى فيه ما أشرنا إليه، ولأنَّ المأخذ المتقدَّم من بناء ذلك على ما تقرر في المنطق من القضايا، وهو أمر يرجو إلى المعنى لا إلى صناعة إلاَّعراب. وقد نقل البانَّيون عن عبد القاه أنَّ: كلّ الدراهم لم أخذ، لنفي الشمول، وهو مخالف لما قلناه، ولما قاله سيبويه، والصواب حذف هذا المثال، وجعله في القسم الثاني. إلى هنا كلّام السبكي.
ولم يصب ابن خلف في " شرح شواهد سيبويه" في قوله: كلّه لم أصنع، يحتمل أمرين: أحدهما انه أراد لم يصنع جميعها، ولا شيئًا منها، وإلاَّخر: انه صنع بعضها، ولم يصنع جميعها. انتهى؛ لانه مخالف لجميع كلّام الناس، وقال أيضًا:
[ ٤ / ٢٤١ ]
أم الخيار: أمرأته، وأراد بقوله: ذنبًا: ذنوبًا، ولكنه استعمل في موضع الجمع. والشاهد فيه انه حذف الضمير العائد إلى المبتدأ الَّذي هو: كلّه، وهو يريد: كلّه لم أصنعه، وكان المبرد يأبى هذا، ويروي: " كلّه لم أصنع" بنصب كلّ، ولا يجيز: "زيد ضربت" في شعر ولا غيره، واختلفوا في غير المعارف، فأجاز الكوفيون في غير المعارف الرفع، وأبى كلّه المبرد، وقال: أخبرنا الجرمي بهذا كلّه منصوبًا، قال: وسممنا بعض ذلك نصبًا من الرواة، قال ابن ولاد: لم يزد المبرد في هذه المسألة على إنَّ حكى قول سيبويه، وجعل حكايته لقوله ردًا عليه، وذلك إنَّ سيبويه قال في إثر بيت أبي النجم: وهذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر؛ لأنَّ النصب لا يكسر [البيت]، ولا يخل به ترك إضمار الهاء، وهذا الَّذي قاله المبرد، ورأى انه قد رده عليه إذ قال: ليس في هذه إلاَّيات ضرورة، وانها في الكلّام والشعر واحد، هو قول سيبويه، وإنَّما زعم سيبويه انه سمع ذلك مرفوعًا في الشعر، ولم يقل انه لا يجوز إلاَّ في الشعر، وسماعه إياه مرفوعًا في الشعر من الرواة، كسماعه: شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى، مرفوعًا في الكلّام الَّذي جاء مثلًا، وإنَّما يحتج لمثل هذا الشاذ بمثل مشهور أو شعر مروي. وأما قول المبرد: إنَّ الجرمي سمع ذلك منصوبًا، فقد قال سيبويه: إنَّ النصب أكثر وأعرف. وأغني بذلك عن إلاَّحتجاج عليه بقول الجرمي. إلاَّ ترى إنَّ قوله: إنَّ الرفع ضعيف، إلاَّ انه سمعه من العرب! شبهوه بقولهم: " الَّذي رأيت زيد" في حذف الهاء من الصلة، وحذفها من الصلة أجود، ويتلوه في الجودة حذفها من الصفة، كقولك: الناس رجلان: رجل أكرمت، ورجل أهنت، وحذفها مع الحبر أضعف الوجوه. وقد روى أهل البصرة والكوفة هذه الشواهد رفعًا، كما رواها سيبويه، فهذا وجه الرواية وأما طريق المقايسة، فإذا أجازت العرب إنَّ ينصب المفعول إذا تقدَّم، وقد شغلت الفعل عنه بالهاء، كقولهم: زيدًا ضربته، فعديل هذا إنَّ تجيز: زيد ضربت،
[ ٤ / ٢٤٢ ]
فترفعه، ولم تشغل الفعل بالهاء في اللفظ كما نصبته، وقد شغلت الفعل بالهاء؛ لانهما حاشيتان متجاذبتانَّ في الجواز، وإنَّ كافت إحداهما أكثر في كلّام العرب، فأما في المقايسة فهما سواء؛ لأنَّ وجه الكلّام إنَّ يرفع المفعول إذا تقدَّم إذا شغلت عنه الفعل، ونصبه ليس بالوجه، وكذلك وجه الكلّام إنَّ ينصب المفعول المقدم إذا لم يشتغل عنه الفعل، ورفعه ضعيف على نية الهاء. انتهى ما أورده ابن خلف.
وهذا الرجز مطلع أرجوزة لأبي النجم العجلي، وقد ترجمناه في الإنشاد السابع والستين، وقد أوردنا من هذه إلاَّرجوزة أبياتًا كثيرة في شرح الشاهد السادس والحمسين من "شواهد الرضي" وهذا الشاهد أورده سيبويه في أوائل "كتابه" في باب ما يجري مما يكون ظرفًا هذا المجرى، ولم يتكلّم السيرافي، ولا أبو على الفارسي على هذا الشاهد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٢) وقولي كُلَمَّا جَشَأْتِ وَجَاشَتْ مَكَانَكَ تَحْمَدِي أَوْ تستريحيّي
على إنَّ أبا حيّان أنشده للردّ على ابن عصفور وإلاَّيدي، خارجًا عن محلّ البحث؛ لأنَّ الكلّام فيما إذا اقترن بالجواب ما يمنع من العمل فيما قبله كالفاء وإنَّ، وأقول: إنَّ مراد أبي حيّان أنَّ كلّما في المثال الَّذي رفعاه على المبتدأ منصوب أف على الظرفية كالآيات والبيت، وغلَّطهما في ذلك وهذا كلّامه يدل على ما قلنا، قال في أخر بحث الجوازم من "شرح التسهيل": مسألة الشرط الَّذي لا يقتضي التكرار لو إنَّفرد إنَّ ربط بالفاء بما يقتضي التكرار، ففعله إنَّ أمكن تكراره فإما إنَّ يكون مناسبًا للفعل المكرر أولًا. إنَّ كان مناسبًا، نحو قولك: كَلَمَّا أَجَنَبَتْ مِنكَ إجْنابة - فإنَّ اغتسلت في الحمام فأنت طالق؛ فإنَّ أجنب ثلاثًا، واغتسل بكلّ إجنابة طلقت ثلاثًا،
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وإنَّ أجنب منها ثلاثًا واغتسل واحدة، فزعم أبو يوسف انها تطلق عليه ثلاثًا. وزعم الفراء أنَّ قول أبي يوسف غلط.
وإنَّ كان غير مناسب، نحو: كلّما دعوتي، فإن سقط هذا الحائط، فعبد من عبيدي حرّ، فإنَّ دعاه ثلاث دعوات، وسقط الحائط، فعليه عتق ثلاثة أعبد، ولا يلزم في غير المناسب التكرار، هذا مذهب الفراء. وأصول البصريين يقتضي التكرار، والمربوط بالفاء على ما يقتضي التكرار إذا كان الفعل قابلًا، سوا، كان مناسبًا أم غير مناسب، ولا يجوز أنَّ يكون فعل الشرط إلاَّ بما يمكن فيه التكرار، وكلّما في هذه المسائل ونحوها منصوبة، والعامل فيها محذوف يدل عليه جواب الشرط المعطوف بالفاء بعدها، والتقدير: إنَّت طالق كلّما أجنبت منك إجنابة، فإن اغتسلت في الحمام فأنت طالق، وكذلك: عبد من عبيدي حرّ كلّما دعوتني، فإنَّ سقظ هذا الحائط فعبد من عبيدي حرّ. ويبيّن ذلك أنَّ "ما" المضاف إليها "كلّ" هي ما المصدرية الظرفية وفيها معنى العموم، فإنَّ قلت: لا أصحبك ما طلعت الشمس، فمعناه: لا أصحبك مدة طلوع الشمس، فحذف مدة، وأقيم المصدر مقامه، ثمَّ جعلت "ما" والفعل وقامت مقام المصدرية، ولا يريد بذلك مطلق المصدر فيصدق بالمرة الواحدة، بل العرب لم تستعمل ما التوقيمية إلاَّ بمعنى العموم، ثمَّ دخلت "كلّ " فأكدت معنى العموم الَّذي فيها، فأنتصب على الظرف، قال تعالى: ﴿كلّما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا﴾ [النساء/٥٦] ﴿كلّما دعوتهم ليتغفر لهم جعلوا﴾ [نوح/ ٨] ﴿وكلّما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه﴾ [هود/٣٨] ولذلك كثر مجيء الفعل الماضي بعدها؛ لأنَّ ما التوقيتة كذلك، وما التوقيتية شرط من حيّث المعنى، وإنَّ لم يكن لها عمل إلاَّ على ما ذّهبّ إليه المصنف، فقد ذكر هو الجزم بها عن بعض العرب، وقال تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ [التوبة/٧] لما جرت مجرى الشرط في المعنى، جرت مجراه في الجواب، فدخلت الفاء لما كان الجواب فعل أمر، كما تدخل في نحو: إنَّ جاء زيد فاضربه، ولم تدخل في قوله تعالى: ﴿كلّما نضجت جلودهم بدلناهم﴾ كما لم تدخل في إنَّ
[ ٤ / ٢٤٤ ]
قام زيد قام عمرو، فحكم "كلّما" حكم أداة الشرط في اقتضاء جملتين يترتب إحداهما على إلاَّخرى. وإنَّما تعرضت لإعراب كلّما في هذه المسائل، وإنَّ كان من واضح إلاَّعراب لأنَّ بعضّ أصحابنا، وهو إلاَّستاذ أبو الحسن بن عصفور، زعم أنَّ كلّما في هذه المسائل مرفوعة على إلاَّبتداء، وقال: لا يجوز في هذه المسائل المذكورة غير ذلك. قال: وجملة الشرط والجواب في موضع خبرها، قال: ولابدَّ من عائد يعود عليها ملفوظ به أو مقدر، ودخلت الفاء على جملة الشرط والجواب، وهي في موضع خبر المبتدأ؛ لأنَّ كلّما اسم عام، وبعدها فعل، وكلّ اسم عام مضاف إلى موصوف بفعل قابل لأداة الشرط، أو ظرف أو مجرور، والخبر مستحق بذلك الظرف أو المجرور أو الفعل، ودخلت الفاء عليه لعلة ذكرت في باب إلاَّبتداء، قال: فعلى هذا إذا قلت: كلّما أجنبت منك إجنابة، فإنَّ اغتسلت في الحمام بعده فعبدي حرّ، ولابدَّ من ذلك لترتبط الصفة بالموصوف، والخبر بالمخبر عنه، وتكون جملة الشرط والجوابه مستحقة بكلّ اجنابة أجنبها، وكذلك أيضًا يلزم وإن لم يكن فعل الشرط مناسبًا لفعل كلّما، نحو قولك: كلّما أجنبت منك إجنابة، فإنَّ جاء زيد فعبدي حرّ، كانه قال: كلّ وقت أجنبت فيه منك بكلّ إجنابة أجنبتها. وهذا الَّذي ذهب إليه ابن عصفور تبعه عليه شيخنا أبو الحسن إلابدَّي، وهذا الَّذي ذهبنا إليه مدفوع بالسمّاع والقياس.
أمّا السماع فالمحفوظ من لسان العرب نصب كلّما هذه، والقرآن مملوء من ذلك، وأشعار العرب، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك، وقال تعالى: ﴿كلّما دخلت أمَّة لعنت أختها﴾ [إلاَّعراف/٣٨] ﴿كلّما آرادوا إنَّ يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها﴾ [الحج/ ٢٢]، ﴿كلّما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها﴾ [الملك/٨]، ﴿كلّما رزقوا منها من ثمَّرة رزقا قالوا﴾ [البقرة/٢٥]، وقال الشاعر: كلّما جشأت وجاشت البيت. ولم يسمع من العرب الرفع في شيء من هذا كلّه، بل النصب والنصب على ما ذكرناه من الظرف؛ لأنَّ
[ ٤ / ٢٤٥ ]
كلّا مضاف إلى ما الظرفيّة، والعامل في هذا الظرف هو الفعل الواقع جوابًا فـ (بدلناهم) عامل كلَّما من قوله تعالى: ﴿كلّما نضجّت جلودهم﴾ وكذلك البواقي، والفعل بعد كلّما في موضع صلة "ما" الظرفية، لا في موضع الصفة، كما زعم ابن عصفور.
وأما القياس، فانه لو كانت ما نكرة موصوفة لزم من ذلك شيئان، أحدهما: أنَّ النكرة الموصوفة إنَّما تقدّر بشيء، لانها مبهمة، فلا دلالة لها، على أنَّ ذلك الشيء هو وقت: لأنَّ العام لا دلالة له على تعيين إنَّ ذلك الشيء هو وقت، والثاني: انه لو كان الفعل واقعًا صفة لا صلة، للزم أنَّ يعود منه ضمير على الموصوف، ولا يحذف إلاَّ قليلًا؛ ولم يوجد في جميع استعمالات كلّما ضمير يعود على الموصوف فدلَّ على أنَّ الفعل ليس بصفة، وإنَّما هو صلة لما، وما حرف، فلا يعود عليها، ضمير، وإنَّما غلط الأستاذ أبو الحسن في ذلك انه رأى إنَّ ما بعد كلّما هو شرط دخلت عليه الفاء، فاذا نصب كلّما، فما بعد الشر لا يعمل فيما قبله، فعدل إلى وجوب الرفع في كلّما فرارًا من عامل النصب فيها، وقدر انه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، وأيضًا قد تقرر عند الجمهور أنَّ الخبر عن الموصول أو الموصوف بشروطه، شرط دخول الفاء عليه أنَّ يكون مستحقًا بالصلة أو الصفة، وهذه الجملة الواقعة خبرًا لكلّما إذا رفعت كلّما هي شرطية، فليست مستحقة بالصلة، ولا الصفة بل المستحق إنَّما هو قوله: فأنت طالق، أو فعبد من عبيدي حرّ، وهذا جواب للشرط لا خبر عن المبتدأ، إلاَّ أنَّ يقال: ما كان مستحقًا بشيء ومترتبًا عليه، جمل كانه مستحق بما قبله، وهذا كلّه في ضعيف. إلى هنا كلّام أبي حيّان، ونقلناه بطوله لأنَّ المسألة محرّرة فيه، وليظهر أنَّ مأخذ كلّام المصنف منه، وإنَّ تخطئته تعصب.
والبيت من شعر لعمرو بن الإطنابة قال المبرد في "الكامل": يروي عن معاوية انه قاله: اجعلوا الشعر أكبر همّكم وأكبر آدابكم، فإنَّ فيه مآثر أسلافكم،
[ ٤ / ٢٤٦ ]
ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهّرير، وقد عزمت على الفرار، فما يردني إلاَّ قول ابن الإطنابة إلأنَّصاري:
ابت لي عفَّتِي وأَبى بَلائي وأَخذِي الحَمدَ بالثمَّنِ الرَبِيحِ
وإِجشامي على المكروهِ نفسي وضَربي هامَةَ البَطَلِ المشيحِ
وقولي كلّمل جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحيّ
لأشكبها مآثر صالحات وأحمي عد عن عرض صحيّح
بِذي شطَبٍ كَمثل المِلحِ صافٍ ونَفسٍ ما تَقر على القبيحِ
وجشأت، مهموز: جبنت، يكون ذلك من تذكرها للتهوع، ومن جزعها منه، وجاشت غير مهموز. انتهى. وقوله: أبت لي عفتي .. الخ، أبت: بمعنى كرهت، فهو فعل متعد ومفعوله محذوف تقديره: أبت الفرار، ويأتي أبي بمعنى امتنع، فهو فعل لازم، فيكون التقدير: امتنعت عن الفرار، والعفة: الكف عما لا يحسن، وروي بدله: "أبت لي همتَّي" والبلاء: المحنة، وأراد به التقحم في المهالك والحرّوب، وأراد بالحمد: ذكر الناس إياه بالنعوت الفاضلة، وأراد بالربيح: الغالي، وهو بذل النغس في المعارك. وقوله: وإجشامي: مصدر مضاف إلى الفاعل، ونفسي معفوله، مصدر أجشمه، أي: كلّفه، وروي بدله: "وإقدامي" مصدر أقدمه على كذا، وضربي: مصدر مضاف إلى الفاعل أيضًا، وهامة: مفعوله، وهي الرأس، والبطل: الشجاع الَّذي تبطل عنده الحيّل، والمشيح: اسم فاعل من أشاح، قال المبرد في "الكامل": المشيح: الحامل الجادّ،
[ ٤ / ٢٤٧ ]
يقال: أشاح يشيح: إذا حمل، ويقال في هذا المعنى: رجل شيح، كما يقال: ناقة نقض، قال أبو ذؤيب:
وشايحت قبل اليوم إنَّك شيح
انتهى. وقوله: وقولي، هذا معطوف كالَّذي قلبه على بلائي، وهو مصدر مضاف إلى فاعله أيضًا. والمصراع الثاني مقول القول، وكان الدماميني لم يستحضر ما قبله من إلاَّبيات، فقال: قولي: مبتدأ، وجملة: مكانك تحمدي الخ، خبره، على حد: قولي لا إله إلاَّ الله، وتبعه الشيخ خالد في "التصريح وابن الملا في "الشرح"، . وكلّما ظرف متعلق بقولي، وتقدَّم تفسير جشأت، وفاعله ضمير النفس في البيت قبله، وجاشمت النفس: اضطربت، وجاشت القدر: غلت، وكلّ شيء علا فقد جاش، حتى الهموم في الصدر، وغفل أبو عبيد البكري عن مرجع ضمير جشأت في البيت السابق، فقال في "شرح نوادر القالي": روى غير واحد: "وقولي كلّما جشأت لنفسي" وهو أحسن من وجهين، أحدهما: إنَّ جشأت وجاشت بمعنى واحد، معناهما إلاَّرتفاع، والثاني: رجوع الضمير إلى مذكور، هذا كلّامه، وليس معناهما واحدًا كما زعم، وقد استشهد صاحب "الكشاف" بهذا االبيت عند قوله تعالى: ﴿إذ همت طائفتان منكم إنَّ تفشلا﴾ [آل عمران/١٢٢] على أنَّ النفس عند الشدة لا تخلو من هلع، ثمَّ يردها صاحبها إلى الصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. وقوله: مكانك بكسر الكاف: اسم فعل أمر بمعنى اثبتي، بدليل جزم تحمدي، فانه مجزوم في جواب الأمر، وبه استشهد المصنف في "الأوضح" ولو جمل ظرفًا لتعلق إما بفعل وإما صفة، كما هو شأن
[ ٤ / ٢٤٨ ]
الظروف، ولا يجب تعلقه بفعل أمر، ولو قدر للقرينة لا يجوز جزم مضارع في جوابه، لأنه غير مذكور، وهذا هو الباعث على اعتبار مكانك اسم فعل لا ظرفًا، وبه يرد على الدماميني في قوله: لا مانع من جعله ظرفًا للمقدر، وليس هنا ضرورة إلى كونه اسم فعل. انتهى. والمراد بالضرورة في قوله: المقتضى والباعث، لا الوقوع في الشعر كما فهمه ابن وحيّي وقال: هذا منه عجيب، فإن مكانك من مشاهير أسماء الأفعال، وقال ابن مالك في "التسهيل": منها ظروف، كمكانك بمعنى: اثبت، فأين الضرورة التي ادعاها؟ مع أنَّ فيه مندوحة عن ارتكاب المقدر. انتهى. وتحمدي بالبناء للمفعول، ومعناه: ممدوحة بالثبات، أو تستريحيّ بالموت من الدنيا. وقوله لأكسبها .. الخ، هذا تعليل لقوله: قولي، والفعل يجوز أنَّ يكون ثلاثيًا متعديًا إلى مفعولين، فانه يقال: كسبت زيدًا مالًا، أي: أنلته، وأنَّ يكون رباعيًا، قال ثعلب: كلّهم يقول: كسبك فلان خيرًا، إلاَّ ابن الأعرابي فإنه يقول: أكسبك بالألف، والمفعول الأول، ضمير النفس، ومآثر: المفعول الثاني، جمع مأثرة، بضمّ المثلثة، وهي المنقبة والمكرمة، من أثرت الحديث من باب قتل: إذا نقلته، وحديث مأثور: منقول، وسميت المكرمة مأثرة لأنها تنقل ويتحدث بها، وصالحات: صفة مآثر، وبعده بالضم، أي: بعد ذلك. وقوله: بذي شطب، هو السيف، وشطب، بضم ففتح: جمع شطبة، بالضمّ، وهي طرائق السيف من جوهره. وقوله: صاف، أي: مجلوّ، ونفس، بالجرّ، معطوف على ذي شطب، وتقرّ: مضارع قرّ على كذا: إذا استقرّ عليه وتمكن فيه.
وعمرو بن الإطنابة: شاعر فارس خزرجي جاهلي، قال ابن الكلّبي في "جمهرة إلأنَّساب": هو عمرو بن عامر بن زيد مّناة بن مالك الأغرّ بن ثعلبة، شاعر، وهو ابن الإطنابة نسب إلى أمّه، وهي من بلقين. انتهى. والإطنابة بكسر الهمزة،
[ ٤ / ٢٤٩ ]
ومعناها في اللغة: المظلة، وسير يشدّ في طرف وتر القوس العربية، وسير الحزام المعقود إلى الإبزيم، والجمع أطانيب، قال حمزة الأصفهاني: في "أمثاله" التي على أفعل التفضيل عند قولهم: "أفرس من بسطام": حدثني أبو بكر بن شقير قال: حدثي أبو عصيدة: قال: حدثي الأصمعي قال: أخبرني خلف إلاَّحمر عن عوانه ابن الحكم، روي أنَّ عبد الملك بن مروان سأل يومًا عن أشجع العرب شعرًا، فقيل له: عمرو بن معدي كرب، فقال: كيف، وهو الَّذي يقول:
وجاشت إلى النفس أوّلّ مرَّة وزدَّت على مكروهها فاستقرَّت
قالوا: فعمرو بن الإطنابة، قال: وكيف، وهو الَّذي يقول:
وقولي كلّما جشأت وجاشت .. البيت
قالوا: فعامر بن الطفيل، قال: كيف وهو الَّذي يقول:
أقول لنفس لا يجاد بمثلها أقلّي مراحًا إنَّني غير مقصر
قالوا: فمن أشجعهم عند أمير المؤمنين؟ قال: أربعة: عباس بن مرداس، وقيس بن الخطيم، وعنترة بن شداد العبسي، ورجل من مزينة. أمّا عباس فلقوله:
أشد على الكتيبة لا أبّالي أحتّفى كانّ فيها أمْ سوّاها
وأما قيس بن الخطيم، فلقوله:
وإنَّي لدى الحرّب العوإنَّ موكلّ بتقديم نفس لا أريد بقاءها
وأما عنترة فلقوله:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم عنها ولكني تضايق مقدمي
[ ٤ / ٢٥٠ ]
وأما المزني فلقوله:
دعوت بني قحافة فاستجابوا فقلت ردوا فقد طابّ الورود
انتهى. وفي كتاب يتعلق بنقد الشعر ولا أعرف مؤلفه: ومن خبيث الهجاء وممضه قول عمرو بن معدي كرب: وجاشت إلى النفس .. البيت، لو أنَّ شاعرًا أراد هجاءه بأقبح من هذا البيت لما قدر عليه؛ لأنه ذكر أنَّ نفسه حسنت له الفرار، وجاشت من الخوف، فردَّها على المكروه قاستقرت، إلاَّ أنَّ جماعة من الشعراء الفرسان قد أتوا بهذا المعنى، واستحسنوا القبيح منه، وهم فرسان العرب، ومنهم ابن الإطنابة في قوله:
وقولى كلّما جشأت وجاشت البيت
وأخذه قّطّري بن الفجاءة فقال:
أقول لها وقد طارت شعاعًا .. من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنَّك لو سألت بقاء يوم على إلاَّجل الَّذي لك لم تطاعي
ومثله لدريد:
جاشت إلى النفس في يوم الفزع
وهذا كثير جدا وإذا كان عمرو بن معدي كرب، وابن الإطنابة، وأمثالها من فرسإنَّ الجاهلية، ومن شهرت له المقامات في الحرّوب، يذكرون في أشعارهم أنَّ أنفسهم همّت بالفرار، فعذر الله الغمر والطبري وأشباهه في ذكرهم الفرار ما استحسنه وأجازه غيرهم من الفرسان المعدودين.
"كلّا وكلّتا"
أنشد فيهما، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٣) إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مُدَىٌ وَكَلَا ذَلِكَ وَجُهَ وَقَبْلَ
[ ٤ / ٢٥١ ]
على أنَّ «كلّا» لا تضاف إلاَّ إلى ما يدل على اثنين، وهنا أضيفت إلى «ذلك»، وهو أسم الإشارة يشار به إلى الواحد، وأجاب بأنّه أشير به إلى المثنى على معنى: وكلّا ما ذكر، كقوله تعالى: ﴿عوان بين ذلك﴾ [البقرة/٦٨] أي: بين الفارض والبكر، وهذا تأويل صاحب «الكشاف» في الأية. قال: فإنَّ قلت: «بني» يقتضي شيئين فصاعدًا، فمن أين جاز دخوله على «ذلك»؟ قلت: لانه في معنى شيئين حيّث وقع مشارًا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر، فإن قلت: كيف جاز أنَّ يشار به إلى مؤنثين، وإنَّما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر، وما تقدَّم، للاختصار في الكلّام. انتهى. وهذا غير جيد؛ فإنَّ اسم الإشارة يؤول به الضمير المفرد إذا كان مرجعه متعددًا، كقول صاحب «الكشاف» في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إنَّ أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به﴾ [الأنعام/٤٦] أي: يأتيكم بذاك، إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة، أو بما أخذا وختم عليه. انتهى. فأول الضمير المخالف لمرجعه باسم الإشارة وبالوصول، وهما تأويلان معروفان للضمير المخالف، والأول أجود؛ لأنَّ التأويل بالموصول يستدعي زيادة تقدير، ولأنَّ التأويل باسم الإشارة تأويل للراجع، وبالموصول تأويل للمرجع، وتغيير التابع أهون من تغيير المتبوع، ولذا قدمه في تأويل آية الأنعام، وبعضهم يعبر عند التأويل بالموصول بقول المذكور، بناء على أنَّ «أل» في الوصف موصولة وإنَّ أريد الثبوت، وفي كلّام صاحب «الكشاف» تصريح بأنَّ اسم الإشارة نفسه إذا خالف المشار إليه إفرادًا وضدية وتذكيرًا وضده، لا يحتاج إلى التأويل فيترك على حاله، لأنَّ تلك الاَّحوال ليست ثابتة على الحقيقة، كما أنَّ الموصول كذلك، وهو واضح. كيف! ولو احتاج ما به التأويل إلى التأويل بشيء آخر لزم التسلسل، وكان ينبغي له أنَّ يترك تأويل اسم الإشارة بما ذكر في آية البقرة، ويقول: جاز ذلك لأنَّ أسماء الإشارة، تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليس على الحقيقة، وقد اعترف
[ ٤ / ٢٥٢ ]
به بعد سطرين فقال: وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة قلت لرؤية في قوله:
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
إنَّ أردت الخطوط فقل: كأنها، وإنَّ أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت كأنَّ ذاك ويلك! والَّذي حسّن منه أنَّ أسماء الإشارة، تثنيتها وجمعها، وتأنيثها، ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء الَّذي بمعنى الجمع. انتهى كلّامه.
فهذا اعتراف منه ببطلان أول كلّامه؛ لأنَّ مقتضاه جواز الإشارة إلى المؤنثين به بشرط أنَّ يكون المشار إليه مؤولًا بالموصول، كما أنَّ الضمير كذلك، ومقتضى آخره جواز الإشارة إليهما به، فأفسد ذلك الشرط، ولم يتنبه أحد من شراحه لهذا التدافع.
واعلم أنَّ السر في كون التثنية والجمع والتأنيث في أسماء الإشارة، والموصولات ليست على الحقيقة بخلاف الضمائر، أنَّ تخصيص ما يعبّر به عن المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع بصيغة مخصوصة، ليتميز كلّ عن إلاَّخر لدى المخاطب، حتى يفهم مراد المتكلّم، والحاجة إلى ذلك التمييز إنَّما تتحقق إذا صارت ذات كلّ غائبة عن الحس الظاهر أو الباطن، فلا تتحقق تلك الحاجة كلّ التحقيق في الإشارة والموصول، لتولي الحسّ الظاهر على التمييز في الأول، والباطن في الثاني، إذ لا تستعمل الموصولات ما لم تكن الذات معلومة بين المتكلّم والمخاطب؛ لأنَّ تعريفها بالعهد الَّذي في الصلة، بخلاف الضمير، فإنه قد يكون للغائب عن الحس، فتتحقق
[ ٤ / ٢٥٣ ]
الحاجة إليه كلّ التحقيق، فلا يتوصل إلى التمييز فيه إلاَّ بالصيغ المخصومة، ولذا وضعوا «إنَّا» و«نحن» للمتكلّم مذكرًا أو مؤنثًا، ووضعوا الموصولات المشتركة وتعدد صيغ الموصولات لنصه، وأسماء الإشارة للتوسع في الألفاظ، كوضع الألفاظ المترادفة، والله أعلم.
والبت من قصيدة لعبد الله بن الزَّبعرى، قالها يوم أحد وهو مشترك يفتخر بها، أوردها أصحاب السيَّر، منهم ابن هشام وابن سيد النّاس، وأولها:
يا غرابّ البّين أسمّعتّ فقل إنَّما تنطق شيئًا قد فعل
إنَّ للخير وللشَّرَّ مدَّى وكلّا ذلك وجه وقبل
كلّ عيش ونعيم زائل وبنات الدَّهر يلعبن بكلّ
أبلغا حسّان عني آية فّقّريض الشَّعر يشفي ذا العلل
كم قتلنا من كريم سيدِ ماجد الجدَّين مقدام بطّل
صادق الَّنجدة قرم بارع غير ملتاث لدّىّ وقع إلاَّسل
ليت أشياخي ببدر شهدوا .. جزع الحزرج من وقع إلاَّسل
حيّن حلت بقباء بركها .. واستحرَّ القتل في عبد إلاَّشل
فقتلنا الضعف من أشرافهم وعدّلنا ميل بدر فاعتدل
وفي رواية ابن هشام من هذا وأجابه حسإنَّ بن ثابت بقصيدة مطلعها:
ذّهبّت بابن الزّبعّري وقّعة .. كان مناَّ الفضل فيها لو عدّلّ
ولقد نلتم ونلنا منكم وكذلك الحرّب أحيّانا دوّل
نضع الأسياف في أكتافكم حيّث تهّوى عللًا بعدّ نهلّ
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وقوله: يا غراب البين، هو كلّ غراب يتشاءم به، وإنَّما لزمه هذا الإسم؛ لأنَّ الغرابّ إذا بان أهل الدار وقع في مواضع بيوتهم يتلمس شيئًا، فتشاءموا به وتطيروا منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلاَّ إذا بانوا، فسموه غراب البين، ولا شيء عند العرب مما يتشاءم به إلاَّ والغراب أنكد منه، وقد جرت العادة بالتشاءم بصوته.
وقوله: إنَّما تنطق شيئًا، أي: بشيء، وسمي صوته نطقًا مجازًا، وفعل: بالبناء للمفعول، يريد: إنَّما تؤذن بأمر وقع، قال السهيلي: قوله: قد فعل، أي: قد فرغ منه وقدر، وكانوا في الجاهلية يقرون بالقدر، قال لبيد في الجاهلية:
إنَّ تقوى رّبنّا خير نفل .. وبإذن الله ريثي وعجل
مّن هدّاهّ سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضّل
وقال راجزهم:
يا أيّها اللائم لمني أو فذر .. إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر
انتهى. وقوله: «إنَّ للخير وللشر مدى». المدى: الغاية، يقول: إنَّ لكلّ من الخير والشر غاية، وكلّاهما مما يتوجه إليه الإنسان ويستقبله. وقوله: وكلّا ذلك، أي: كلّا الأمرين من الخير والشر؛ ولا يؤول «ذلك» بما ذكر؛ لأنَّ اسم الإشارة صالح للواحد والاَّثنين وغيرهما، وبه يؤول الضمير إذا كان مخالفًا لمرجعه، فلا يؤوَّل ما يؤوَّل به كما حققناه إنَّفًا. وكلّا: مبتدأ، ووجه: خبره، وقد روعي هنا لفظها، لهذا أخبر عنها بمفرد، وروي: «لكلّا ذينك وقت وأجل» وهذا هو الأصل، والوجه: ما يتوجه إليه إلإنسان من عمل وغيره، وقبل بفتحتين: ما يقبل عليه، والقبل: الاَّقبال على الشيء من غير تهيؤ، بقال: تكلّم فلانَّ قبلا فأجاد، وهو: إنَّ يتكلّم ولم يستعد له، وقال إلاَّصمعي: رجزته قبلًا: إذا أنشدته رجزًا لم تكن أعددته، وقال أبو عمرو: القبل: المحجة الواضحة، وبنات الدهر: حوادثه،
[ ٤ / ٢٥٥ ]
والأية: العلامة، والقريض: الشعر، والغلل: جمع غلّة، بضم أولهما، وهي حرّارة الجوف. والقرم، بفتح القاف: السيد، والبارع: الفاضل، والملثات أصله: ملتوث، اسم فاعل من التاث، مأخوذ من اللوثه، بالضم وهي: الإسترخاء والبطء، والحمق والضعف، وكثرة اللحم والشحم. وإلاَّسل: الرماح، واحدة أسّلة، بتحرّيكهما. وقباء، بالضمّ والمدّ: قرية قرب المدينة المنوَّرة. والبرك، بالفتح: الصدر، قال ابن سيد الناس: عبد الأشل يريد عبد الأشهل. انتهى قال صاحب «القاموس»:
قال ابن الكلّبي: الأشهل: صنم، ومنه بنو عبد الأشهل لحيّ من العرب، وكذا في «القاموس». استحرّ: اشتدَّ من الحرّارة، والميل: الانحطاط.
وابن الزَّبعرى هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سهم القرشي السهمي الشاعر، كان من أشدَّ الناس على النبيّ، ﷺ وعلى أصحابه بلسانه ونفسه، وكان من أشعر الناس وأطبعهم، يقولون انه أشعر قريش قاطبة، وكان يهاجي حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ثمَّ أسلم عام الفتح بعد أنَّ هرب يوم الفتح إلى نجران، فرماه حسّان ببيت واحد وما زاد عليه.
لا تعد من رجلًا أحلَّك بغضه نجرإنَّ في عيش أحذَّ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعري، قدم إلى رسول الله، ﷺ، فأسلم وحسن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله، ﷺ، فقبل عذره، ثمَّ شهد ما بعد الفتح من المشاهد، ومن قوله بعد إسلامه:
يا رسول المليك إنَّ لساني رائق ما فتقت إذ إنَّا بور
إذ أجاري الشيَّطان في سنن الغي وفي ذلك خاسر مثبور
يشهد السَّمع والفؤاد بما قلت ونفسي الشهيد وهي الخبير
[ ٤ / ٢٥٦ ]
أنَّ ما جئتنا به حق صدق ساطع نوره مضيء منير
جئتنا باليّقين والصدَّق والبر وفي الصدق واليقين السرور
أذهب الله ضّلّةّ الجهل عّنّا وأتانا الرخاء والميسور
في أبيات له. والبور: الضّال الهالك، وهو لفظ للواحد والجمع، كذا في «الاستيعاب» لابن عبد البرّ. والزَّبعري: بكسر الزاي، وفتح الموحدة، وسكون العين، وفتح الراء المهملتين، فألف مقصورة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٤) كلّا أخي وخليلي وأجدى عضدًا
هو صدره وعجزه:
في النّائبات وإلمام الملمّات
على أنَّ التفريق بالعطف ضرورة، وكان القياس أنَّ يقول: أخي وخليلي كلّاهما وأجدى عضدًا. قال ابن مالك في «التسهيل» وقد يفرق بالعطف اضطرارًا، قال أبو حيّان في «شرحه»: يعني: يعطف أحد الشيئين على إلاَّخر بالواو خاصة، فيكون في حكم المثنى، وقد روعي هنا أيضًا لفظها، فإنَّ «كلّا» مبتدأ، وواجدي خبره، وهو متعد إلى اثنين أصلهما المبتدأ والخبر، وهو مضاف إلى مفعوله الأول، وعضدًا هو المفعول الثاني، يعني كلّ منهما يجدني عضدًا ومعينًا له، وفي متعلق به، والنائبة: المصيبة، يقال: نابه أمر ينوبه نوبة، أي أصابه، وإلمام: مصدر ألم به: إذا نزل، والملمات: نوازل الدهر وحوادثه، والنازلة والملمة من الصفات الغالبة على حادثة الدهر.
والبيت من قصيدة لأبي الشعر الهلالي وهي:
جدَّ الرحيّل وما قّضَّيت حاجاتي ومّا التَّخابر إلاَّ في الملمَّات
[ ٤ / ٢٥٧ ]
إِنّي أَرَى الدَّهْرُ قَدْ عُزَّتْ مَكَاسِبُهُ وَالنَّاسُ قَدْ أَصْبَحُواأَوْلَاد علات
إِنَّ الْحَزَازَاتِ يَحِيهَا تَذَكُّرُهَا وَفِي التَّقَاضِيشِفَاء لِلْحَزَازَاتِ
مَنَّتْكَ نَفْسكَ أَقِوَامًا وَعُطُفَهُمْ لَمَّارَمَيْتِ بِأَحْدَاثِ مُلْحَاتٍ
مَا كَانَ مَا وَعُدَّتُكَ النَّفْسِخَالِيَّةٌ إلاَّ عِدَّاتُ غَرُورِ مُضْمَحِلَّاتٍ
وَالدَّهْرُ مؤتنف تَأْتِيَ حوَادِثُهُ بِالْيُسْرِ طَوْرًا وبإلاَّقتار تارَاتٍ
تُعَلْمِنُ إِنَّ أَخلَاقَ النَّدَى كَرَّمَ وَإِنَّمَا البخل مِنْ لُؤْمِ السَّجِيَّاتِ
وَإِنَّ لِلْجُودِأَحَيَّانَا يَنَالُ بِهِ وَإِنَّ لِلْبُخْلِ وإلاَّمساك سَاعَاتٍ
يا نَفْسُ صَبِرًا عَلَى مَا كَانَ مَنُّ حَدَثٍ فَكُلُّ مَا هُوَ مَقْضِيٌّ لَنَا آتِي
وَطَنَّتْ لِلصَّبِرِ نَفْسًا طَالَمَا عَزَفْتِ عَلَى الْخُطُوبِ مِنَ الدَّهْرِ الْمَمَرَّاتَ
وَلَمْ أَكِنْ عِنْدَ نُوبَاتِ الْغِنَى بطرًا وَلَمْ أكن جزعًا عِنْدَ الشَّدِيدَاتِ
كَلَا أَخِي وَخَلِيلِي واجدى عَضُدًا فِي النَّائِبَاتِ وَإِلْمَامَ الْمُلِمَّاتِ
لِقَدْ عُلِمَتْ وَخَيْرُالْعِلْمِ إنَّفعه إِنّي إِلَى أَجَلْ يَأْتِيَ وَمِيقَاتُ
إِنّي رَهينَةَ يَوْمِ لَسْتَ سَابِقُهُ وَالْمَوْتُ أَبْصَرُ مِنْ نَفْسي بِغِرَّاتٍ
نَالَ الثَّرَاءُ رُجَّال بَعْدَ فَاقَتِهِمْ فَالْحَمْدُ لله جبَار السّموَاتِ قُوِّمَ مَحَلُّهُمْ دان وَنَصْرَهُمْ نَاءَ وَفِي النَّاسِ أَحَيَاءك كأموَاتِ
لَا يَنْعَشُونَ كَرِيمًا عِنْدَ عَثْرَتِهِ وَلَا يُطِيقُونَ دفعًا لِلْعَظِيمَاتِ
كالأسد مَا أَلْبَسُوا أَمِنًا وَإِنَّ فَزِعُوا طَارُوا بِأَلْبَابِ آم مُسْتَعَارَاتٍ
قَوْمَيٌّ أُولَئِكَ لَا أَبَغْي بِهُمْ بَدَلًا قُوَّمُي مَعَادِنِ أحْلَامِ وَسُورَاتٍ
قُوَّمُي هُمْ آفَةُ الْجَيْشِ المنيخ بِهُمْ وَعِصْمَةُ المجتدي وَالطَّارِقَ الشَّاتِي
يومان ضِفْنَاهُمَا الأقوام يَوْم نَدًى وَيَوْمُ أَلْوِيَةِ تُهْوِيَ وَرايَاتُ
كُلَّ لَهُ سَاسَةُ مِنهَا مُحَافَظَةٌ عَلَى الطَّرَائِفِ مِنهَا وَالتَّلِيدَاتِ
وآخرين إذا كَانَتْ مزاحفة يَمُشُّونَ فِيالْبيضِ وَالْبيضِ المفاضات
أَيْنَ الَّذِينَ هُمْ يَنُفَّ الْعَدُوُّبِهُمْ عَنَا وَيَقْمَعَ حَدُّ الْجَائِرِ الْعَاتِي
[ ٤ / ٢٥٨ ]
إنَّي فرعت الذرى من ذروة فرعت شمَّ الجبال من الشمَّ المنفيات
كم فيهم من فتى ترجى نوافله ومنهم من يغادى بالتَّحيّات
وكتبت هذه القصيدة كاملة لحسنها، ولندرة ذكرها في كتب الأدب، فإني لم أرها إلاَّ بخط ابن أسد الكاتب الخطَّاط، تلميذ وشيخ وأستاذ ابن البوّاب، في مجموع قصائد وأشعار، وروايات وأخبار. قال في آخره: نقلت جميعه من أصل أبي عبد الله بن مقلة بخطه في شهر رمضان سنة سبعين وثلاثمَّائة، وقابلت به وصحّ، انتهى. وخطّ ابن أسد المذكور في نهاية الجودة وصحة الضبط والإتقان.
وهذا شرح بعض كلّمات القصيدة:
التخابر: تفاعل من الخبرة – بالكسر- وهو الإمتحان، وعزّت مكاسبه.
قلت، من العزة وهي القلة، وأراد بأولاد عَّلات: متباغضين؛ لانهم بنو أب من أمهات شيء، ولا يحبّ بعضهم بعضًا في الغالب، وإنَّما يتحابون إذا كانوا أشقاء، الواحدة علة، بفتح العين المهلة، من العلل، وهو الشرب بعد الشرب، لأنَّ الأب لما تزوج مرة بعد أخرى، صار كأنه شرب مرة بعد أخرى، وإذا كانوا من أم واحدة وآباءهم شتى، فهم أولاد الأخياف، ويقال للأشقاء ايضًا: أولاد الأعيان، والحزازة، بفتح المهملة: وجع في القلب من غيظ ونحوه. والأحداث: جمع حدث بفتحتين، وهو اسم للأحداث، مصدر أحدث، ومؤتنف، بفتح النون: مستأنف ومستقبل، يقال: جارية مؤتنفة الشباب، أي: مقتبلته، واليسر: والغنى، والإقتار: الفقر، وعزفت بمهلة فمعجمه، يقال: عزفت نفسه عن كذا، أي: إنَّصرف وملّت، والخطوب: حوداث الدهر، والممرّات صفته، بمعنى الشديدات: اسم فاعل من أمرّ الشيء: إذا صار مرّا، ونوبة الغني: حدوثه وإصابته.
والبطر: سوء تحمل النعمة. وقوله: لا ينعشون، من نعشه الله بمعنى أقامه، من باب فتح، ويقال أيضًا: إنَّعشه. وقوله كالأسد ما ألبسوا: ما: مصدرية دوامية، وأمنًا: مفعول ثان لألبسوا، والواو نائب الفاعل، وكان المفعول الأول، وآم
[ ٤ / ٢٥٩ ]
بالمد والتنوين: جمع أمّة، وهي الجارية. وقوله: إنَّي فرعت، هو في الموضعين بالفاء والراء والعين المهملتين، بمعنى علوت.
وهذه القصيدة رواها ابن الأعرابي عن ابن حبيب.
وأبو الشعر بكسر الشين المعجمة ونسبته إلى هلال بن عامر بن صعصعة، ولم أقف له على ترجمة، والظاهر انه إسلاميّ من شعراء بني أميّة، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٥) كلّاهما حيّن جد الجري بينهما قد أقلعا وكلّا إنفيهما رابي
على انه يجوز مراعاة لفظ «كلّا» ومراعاة معناها، وقد اجتمعا في البين، وكلّاهما: مبتدأ، وجملة «قد أقلعا» خبره، وأتى يالألف ضمير الإثنين لرعاية معنى كلّا. وقوله: وكلّا أنفيهما: كلّا مبتدأ مضاف، ورابي: خبرة، وأفرد الضمير فيه لرعاية لفظ كلّا.
والبيت للفرزدق قال أبو الحسن على بن محمد المدائني في كتاب «النساء الناشزات»: زوج جرير الخطفي بنته عضيدة ابن أخي امرأته، وكان منقوص العضد، فخلعها منه فقال الفرزدق:
ما كان ذنب التي أقبلت تعتلها حتى اقتحمت بها أسكفَّه الباب
كلّاهما حيّن جدَّ الجري بينهما قد أقلعا وكلّا إنَّفيهما رابي
يابن المراغة جهلًا حيّن تجعلها دون القلوص ودون البكر والناب
وروى أبو زيد في (نوادره» البيتين الأولين فقط. وقوله: أقبلت تعتلها .. الخ، أقبلت: خلاف أدبرات أي: توجهت، والخطاب لجرير، وعتلت الرجل أعتله، من باب نصر وضرب: إذا جذبته جذبًا عنيفًا، وضمير المؤنث لعضدة بنت جرير.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
وروى أبو زيد: «ما بال لومكما إذ جئت تعتلها» بالخطاب لجرير، وزوجته أمها، واللوم: التعنيف، وروى المبرد في كتاب «الاعتنان»: «ما بال لومكما» بضمير عضيدة، وقوله: حتى اقتحمت بها، أي: أدخلتا عتبة بابك، وقوله: كلّاهما، ضمير المثنى لعضيدة وزوجها. وزعم العيني وغيره أنَّ الضمير للفرسين، وقال السيوطي: فيه التفات والأصل: كلّاكما، ورد عليه ابن الملأَّ بانه يأباه قول الشارحيّن: إنَّ البيت في وصف فرسين تجاريًا، وهذا كما ترى لا أصل له، وكأنهم فهموه من ظاهر البيت، ولم يقفوا على منشأ الشعر. وقوله: جد الجري: إذا اشتد العدو، وفيه إسناد مجازي، والأصل: جدا في جريهما. وقوله: قد أقلعا، يقال: أقلع عن الأمر إقلاعًا: إذا تركه، والصلة هنا محذوفة، أي: أقلعا عن الجري، وقوله: رابي، اسم فاعل من ربا يربو ربوًا، وهو النفس العالي المتتابع، وهذا تمثيل وتشبيه، يقول: إنَّ بنت جرير وزوجها افترقا حيّن وقعت إلاَّلفة بينهما، ولم يمضيا على حالها، فهما كفرسين جدّا في الجري، ووقفا قبل الوصول إلى الغاية.
وقوله: يابن المراغة، قال الصاغاني في «العباب»: وأمّا قول الفرزدق لجرير: «يابن المراغة»، فإنَّما يعيره ببني كلّيب؛ لانهم أصحاب حمير، وقال الغوري: لأنَّ أمّه ولدته في مراغة الأبل، وهو موضع تمرغ الدّابة. وقال ابن عباد: المراغة: الإتيان لا تمنع الفحول، وبذلك هجا الفرزدق جريرًا قال: وقيل: هي مشرب الناقة التي أرسلها جرير، فجعل لها قسمًا من الماء، ولأهل الماء قسمًا. وقال بعضهم: المراغة: أم جرير، لقبها به إلاَّخطل حيّث يقول:
وابن المّرّاغة حابس أعياره قذف الغربية ما تذوق بلالًا
أراد أنَّ أمة كانت مراغة للرجال. انتهى. وقوله: جهلًا حيّن تجعلها .. الخ، يريد انه جهلت في تزويج بنتك لغير أهل الإبل.
ولهذا الشعر تتمة أوردناها مع شرحها في الشاهد الواحد والسبعين بعد المائة من شواهد الرضي. وترجمة الفرزدق تقدَّمت في الإنشاد الثاني.
[ ٤ / ٢٦١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٦) إنَّ المنية والحتوف كلّاهما يوفي المنيَّة يرقبان سوادي
على أنَّ أبا حيّان قال: إنَّ هذا البيت كالبيت السّابق، قد روعي فيه لفظ كلّا ومعناها، وناقشه المصنف بما ذكره.
والبيت من قصيدة عدَّتها أربعة وثلاثون بيتًا للأسود بن يعفر النهلشي، أوردها المفضل الضبي في «المفضليات» ويأتي إنَّ شاء الله بيتان من أولها في بحث «ما»، وبعدهما:
ومن الحوادث لا أبا لك أنَّني ضربت علىَّ الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تلعة بين العراق وبين أرض مراد
ولقد علمت سوى الَّذي نبّأتني إنَّ السَّبيل سبيل ذي الأعواد
إنَّ المنيَّة والحتوف كلّاهما يوفي المخارم يرقبان سوادي
لن يرضيا مني وفاء رهينة من دون نفسي طارفي وتلادي
وبعد هذا ذكر من أرباب العز والملك من أزعجه الموت وقلقله، وفرسه، ووضع عليه كلّكلّه فقال:
جرت الرياح على مكان ديارهم فكّانما كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظلَّ ملك ثابت إلاَّوتاد
فإذا النعيم وكلّ ما يلهي به يومًا يصير إلى بلى وّنفّاد
ثمَّ ذكر بعد هذا إلى آخر القصيدة ما كان عليه في أيام شبابه من القوة والتمتع بالملاهي، وقوله: ومن الحوادث لا أبا لك، بكسر الكاف: خطاف لامرأة. وأنني، بالفتح، في تأويل مصدر مبتدأ. خبره المجرور قبله، والأسداد: جمع سدّ،
[ ٤ / ٢٦٢ ]
بالضمّ، لغة في سدّ، بالفتح، وهو الحاجز بين الشيئين، كأقفال جمع قفل، يقول: سدت على الأرض لضعف الكبر والعمى، فصرت لا أقدر على ذهاب، فكأنَّ المسالك عليَّ، وكان قد عمي في آخره عمره. وقوله: لا أهتدي فيها .. الخ، التلعة: مسيل عظيم للماء، يقول: إذا خفيت عليَّ التلعة فأجدر إنَّ يخفى عليَّ ما دونها، ومراد: قبيلة باليمين، يريد: بين العراق واليمن. وقوله: ولقد علمت سوى الَّذي نبأتني، بكسر التاء. وذو الأعواد: جد أكثمَّ بن صيفي من بني أسيد- بالتصغير وتشديد المثناة التحتية- ابن عمرو بن تميم، وكان من أعزّ أهل زمانه، فاتخذت له قبل على سرير فلم يأتها خائف إلاَّ أمن، ولا ذليل إلاَّ عز، ولا جائع إلاَّ شبع، يقول: لو أغفل الموت أحدًا لأغفل ذا الأعواد، وإنا ميت إذا مات مثله، ويقال: أراد بذي الأعواد الميت لانه يحمل على سرير، أي: إنَّي ميت كما مات غيري، وذلك أنها قالت له: تبقى وتعيش، فقال: هذا إنَّ بقيت، فسبيلي سبيل غيري، هذا كلّه كلّام ابن إلأنَّباري في شرحه.
وقال الصاغاني في «العباب»: ذو الأعواد: غوي بن سلامة الأسيدي، وكان له خرج على مضر يؤدونه إليه في كلّ عام، فشاخ حتى كان يحمل على سرير يطاف له في مياة العرب فيجبيها، قال الأسود بن يعفر:
ولقد علمت فلا تظنّي غيره .. إنَّ السبيلّ سبيل ذي الأعواد
وروى المفضل: «ولقد علمت سوى الَّذي نبأتني» وقال ابن الكلّبي: اسمه ربيعة بن مخاشن الأسيَّدي، وقال ابن الكلّبي أيضًا: هو سلامة بن غوي بن حرّوة إلاَّسيدي، وقيل هو من أجداد أكثمَّ بن صيفي من المعمرين، ثمَّ نقل كلّام ابن الأنباري برمّته. وقال ابن الأثير في كتاب «المرصّع»: ذو الأعواد هو ربيعة ابن مخاشن بن معاوية، كان يجلس على سرير في قبة من خشب فسمى به، وهو
[ ٤ / ٢٦٣ ]
أوَّل من جلس من العرب على سرير، وأنشد بيت الأسود. وقال ابن دريد في «الجمهرة»: ذو الأعواد: رجل من العرب أسنّ، وكان يحمل في محفة، وهو الَّذي قُرعت له العصا، وكانت العرب تتحاكم إليه، فصار مثلًا، وهو الَّذي عناه الأسود بن يعفر:
ولقد علمت خلاف ما إنَّباتني .. البيت
وأهل اليمن يقولون: ذو الأعواد: عمرو بن حممة، وقيس تقول: هو عامر بن الظَّرب، وتميم وربيعة تقول: هو ربيعة بن مخاشن، وهو الَّذي قرعت له العصا ليتنبه بعد ما خرف، لأنه كان يحكم بينهم. انتهى.
وقوله: إنَّ المنية والحتوفّ .. إلخ، المنيَّة: الموت، فعلية، من منى له، أي قدر، قال الشاعر:
حتى تلاقي ما يمنى لك المإنَّي
أي: يقدر لك القادر، كذا في «الصحاح» وفي «أمالي السيد المرتضى» ﵀: روي أنَّ مسلمًا الخزاعي ثمَّ المصطلقى قال: شهدت رسول الله، ﷺ، وقد أنشده منشد قول سويد بن عامر المصطلقي:
لا تأمن الموت في حل ولا حرّم إنَّ المنايا توافي كلّ إنسان
واسلك طريقك تمشي غير محتشم حتى تبيَّن ما يمني ل كالمإنَّي
فكلّ ذي صاحب يومًا يفارقه وكلّ زاد وإنَّ أبقيّتّه فان
والخير والشر مقرونان في قرن بكلّ ذلك يأتيك الجديدان
[ ٤ / ٢٦٤ ]
فقال رسول الله ﷺ: «لو أدركته لأسلم» انتهى. والحتف: الهلاك، قال صاحب «المصباح»: قال ابن فارس، وتبعه الجوهري: ولا يبني منه فعل، يقال: مات حتف أنفه: إذا مات من غير ضرب ولا قتل، وزاد الصاغاني: ولا غرق ولا حرّق، وقال الأزهري: لم أسمع للحتف فعلًا، وحكاه ابن القوطية فقال: حتفه الله يحتفه حتفًا، أي: من باب ضرب: إذا أماته، ونقل العدل مقبول، ومعناه: إنَّ يموت على فراشه فيتنفس حتى ينقضي رمقه، ولهذا خص الأنف، ومنه يقال للسمك يموت في الماء ويطفو: مات حتف إنَّفه، وهذه الكلّمة تكلّم بها أهل الجاهلية، قال السَّموأل:
ومات منا صاحب حتف إنَّفه
إلى هنا كلّام «المصباح» ومنه ظهر لك الفرق بين المنية والحتف، فإنَّ الأول عام سواء كان بقتل أو غيره، والثاني خاص بموت الفراش، وجمعه باعتبار إنَّواع الأمراض، ولم يتعرض للفرق بينهما إلاَّمام أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب «الفروق» فإنَّ هذا الكتاب ألفه لمثل هذا، وهو كتاب جيد كسره على أبواب جمع فيها شيئًا كثيرًا مما ظاهره الترادف وشبهه، وذكر الفرق فيه.
وقوله: يوفي المخارم .. الخ، قال ابن إلأنَّباري: يوفي يعلو، أوفي على الجبل: علوت، والمخارم: جمع مخرم، كمجلس، وهو منقطع إنَّف الجبل والغلط، يربد إنَّ المنية والحتوف ترقبه وتستشرفه، وسواده: شخصه. انتهى.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
وأشار إلى أنَّ المخارم منصوب بنزع الخافض، ويوافقه قول «القاموس» أو في عليه: أشرف، وقول صاحب «المصباح»: أو في على الشيء: أشرف عليه، شبه الموت بمن يربأ فوق مرقب عال لينظر من يمر من أسفل، فإذا رأى من يريده نزل إليه فأخذه. وقوله: لن يرضيا مني .. الخ، قال ابن الأنباري: يريد إنَّ المنية والحتوف لا تقبل منه فلدية، إنَّما تطلب نفسه، وفسر الرهينة ما هي فقال: طارفي وتلادي، والطارف: ما استفاد الرجل، والتالد، ما ورثه عن آبائه، وكان له قديمًا، ويريد: رهينة تكون مني وفاء دون إنَّ يأخذا نفسي. انتهى. والأسود بن يعفر جاهلي تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثالث والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٧) كلأنَّا غني عن أخيه حيّاته ونحن إذا متنا أشد تغإنَّيا
على إنَّ مراعاة لفظ «كلّا» هنا متعين؛ لأنَّ معناها: كلّ منا غني عن أخيه، والضابط انه متى نسب إلى كلّ منهما حكم إلاَّخر بالنسبة إليه لا إلى ثالث تعين إلاَّفراد، قال ابن مالك في قولهم: كلأنَّا كفيل صاحبه، لو ثني الضمير فقال: كلأنَّا كفيلًا صاحبه، لزم الجمع بين تثنية وإفراد في خبر واحد، وفي الأفراد السلامة من ذلك، فكان متعينًا، ولأنَّ إضافة كفيل إلى صاحب، وهو مضاف إلى ضمير «كلّا» بمنزلة تثنية فلو ثني لكان بمنزلة تثنيته مرتين. انتهى. والبيت من أبيات أوردها المبرد في أوائل «الكامل» لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر أبي طالب ﵃ وهي:
[ ٤ / ٢٦٦ ]
رأيت فضيلًا كان شيئًا ملففَّا فكشفه التمَّحيّص حتى بدا ليا
أإنَّت أخي مالم تكن لي حاجة فإنَّ عرضت أيقنت إنَّ لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعد ما .. بلوتك في الحاجات إلاَّ تماديا
فلست براء عيب ذي الود كلَّه ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيًا
فعين الرَّضا عن كلَّ عيب كلّيلة ولكنَّ عين السّخط تبدي المساويا
كلأنَّا غني عن أخيه حيّاته البيت
قال المبرد: قوله: كان شيئًا ملففًا، يقول: كان أمره مغطى، والتمحيّص: الإختبار، يقال: أدخلت الذهب النار فمحصّته، أي: خرج عنه مالم يكن منه، وخلص الذهب. وقله: أأنت أخي .. إلخ، تقرير وليس باستفهام، ولكن معناه: إني قد بلوتك تُظهر الإخاء، فإذا بدت لي الحاجة لم أر من إخائك شيئًا، وقال علي ابن أبي طالب ﵁: ثلاثة لا يعرفون إلاَّ في ثلاث: لا يعرف الشجاع إلاَّ في الحرّب، ولا الحليم إلاَّ عند الغضب، ولا الصديق إلاَّ عند الحاجة. انتهى كلّام المبرد، وتركنا منه مالا يتعلق بالشعر.
وكتب إلاَّمام مغلطاي في هامش النسخة: قوله رأيت فضيلًا، قال أبو نعيم في «تاريخ أصبهإنَّ»: فضيل بن السائب ابن الأقرع الثقفي الَّذي قال فيه عبد الله ابن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
رأيت فضيلًا كان شيئًا ملفقًا.
وذكر هذه إلاَّبيات. انتهى. وكتب أيضًا عند البيت الثاني قال جرير يجيب الفرزدق:
فأنت أخي مالم تكن لي حاجة .. فإنَّ عرضت فإنَّني لا أخا ليا
وفي «اللآلي» قال جرير لجده الخطفى، وقسم ماله على ولده، وقصر
[ ٤ / ٢٦٧ ]
بجرير، فسأله إنَّ يلحقه بهم فلم يفعل فقال:
وقائلة والعين تحدر دمعها أبعد جرير تكرمون المواليا
فأنت أبي مالم تكن لي حاجة فغن عرضت فإنَّني لا أباليا
إنَّتهي. وكتب أيضًا في هامش نسخة أخرى من «الكامل» عند قوله:
فلست براء عيب ذي الود كلّه
في «الَّذيل» لابن السمعاني: أنبأنا محمد بن كامل، ثنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا أحمد بن عبد الله الحافظ الأصبهاني، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا زكريّا الساجي، ثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي، ثنا أبي عن عبد الرحمن بن عبد أبي الزناد عن أبيه عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًا يقول:
وعين الرضا عن كلّ عيب كلّيلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولست ترى عيبًا لذي الود كلّه ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيًا
قال ابن السمعاني: كذا قال: إنَّ هذين البيتين لعلي بن أبي طالب. وبلغني في رواية أخرى انهما لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ﵃، انتهى. ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيفان. انتهى.
وكتب أيضًا عند قوله: فعين الرضا .. البيت، سرقة روح بن عبد إلاَّعلى المؤدب، فقال:
وعين السخط تبصر كلّ عيب وعين أخي الرضى عن ذاك تعمى
انتهى. وقوله: فلا زاد ما بيني وبينك: . الخ، لا: دعائية، وزاد: فعل
[ ٤ / ٢٦٨ ]
ماض، وما: فاعله، والتمادي: تفاعل من المدى، وهو الغاية، قال صاحب «المصباح»: وتمادى فلان في غيه: إذا لجّ ودام على فعله، وروى غير المبرد: «إلاَّ تنائيا» وهو التباعد، وهو تفاعل أيضًا من النأي وهو البعد، وبلوتك: امتحنتك، وكلّيلة: ضعيفة، والمساوئ: العيوب، قال صاحب «المصباح»: ساء يسوء: إذا قبح، وهو أسوأ القوم، وهي السوءى أي: أقبحهم، والمساءة: نقيض المسرَّة، وأصلها مسواة، على مفعلة، بفتح الميم والعين، ولهذا ترد الواو في الجمع فيقال: هي المساوئ، لكن استعمل الجمع مخففًا، وبدت مساويه، أي: نقائصه ومعائبه. انتهى. وفيه تصريح بكون لام الفعل همزة، والتغاني: تفاعل من الغنى، يقال: تغانى القوم، أي: استغنى كلّ منهم عن إلاَّخر. وهذه الأبيات أوردها هكذا لعبد الله بن معاوية المذكور إبراهيم بن علي الحصري القيرواني الأنصاري في كتابه «زهر الأداب»، وكذا أوردها له الشريف ضياء الدين هبة الله علي بن محمد ابن حمزة الحسيني في «حماسته» والزمخشري في «ربيع الأبرار» وقال: قالها في الفضيل بن السائب، وأوردها أيضًا له الأصبهاني في كتاب «الأغاني»، إلاَّ انه روى أوله: «إنَّ حسينا كان شيئًا ملففًا». وقال: قالها عبد الله بن معاوية الجعفري في الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وهكذا ذكر مصعب الزبيري وذكر مؤرخ فيما أخبرنا به اليزيدي عن عمه عن أبي جعفر عن مؤرج، وهو الصحيّح، إنَّ عبد الله بن معاوية قال هذا الشعر في صديق له يقال له: قصي بن ذكوإنَّ، وقد كان عتب عليه، وأول الشعر: رأيت قصيًا كان شيئًا ملففًا .. إلى آخر الأبيات. ثمَّ قال الأصفهاني بعد ورقات: وهذا الشعر قاله عبد الله بن معاوية للحسين بن عبد الله بن عبيد بن العباس، وكان الحسين أيضًا سيء المذهب مطعونًا عليه في دينه، أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري، حدثنا علي بن محمد بن سليمان
[ ٤ / ٢٦٩ ]
النوقلي حدثني إبراهيم بن يزيد الخشاب قال: كان ابن معاوية صديقًا للحسين بن عبد الله المذكور، وكانا يرميان بالزندقة، فقال الناس، إنَّما تصافيا على ذلك، ثمَّ دخل بينهما شيء فتهاجرا، فقال ابن معاوية فيه: إنَّ حسينًا كان شيئًا ملففًا .. الأبيات، وله في الحسين أعار كلّها معاتبات. انتهى كلّام صاحب «الأغاني».
وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام»: كان عبد الله جوادًا ممدحًا شاعرًا من رجال العلم وأبناء الدنيا، خرج بالكوفة وجمع خلقًا، ونزع الطّاعة، وجرت له أمور يطول شرحها، ثمَّ لحق بأصبهان، وغلب على تلك الديار، ثمَّ ظفر به أبو مسلم الخرساني، وقتل في سنة أربع وثلاثين ومائة، وقد ذكره أبو محمّد ابن حزم في «الملل والنحل» فقال: كان رديّ الدّين، معطّلًا مستصحبًا للدهرية، ذهب بعض الكيسانية إلى انه حيّ لم يمت، وانه بجبل أصبهان، ولابدَّ له أن يظهر. انتهى.
والبيت الأخير وهو قوله:
كلانَّا غنيّ عن أخيه حيّاته
وقع في عدَّة أشعار لشعراء، فقد جاء في قصيدة للأبيرد الريّاحيّ، وهو شاعر بدوي فصيح إسلامي في أول شعراء الدولة إلاَّموية ليس بمكثر، ولا ممن وفد إلى الخلفاء، هجا بها حارثه بن بدر الغداني أولها:
ألا ليت حظَّي من غدائه انها تكون كفافًا لا عليَّ ولا ليا
وجاء في شعر لحارثة بن بدر المذكور بعاتب به أخاه وهو:
وما زلت أسعى في هواك وأبتغي رضاك وأرجو منك ما لست لاقيا
رأيتك لا تنفك منك رغيبة تقصر دوني أو تحل ورائيا
إذا قلت صابتني سماؤك يامنت ميامنها أو ياسرت عن شماليا
[ ٤ / ٢٧٠ ]
وأدليت دلوي في دلاء كثيرةٍ فأبن ملًاء غير دلوي كما هيا
فإن تدن مني أدن منك مودتي وإن تنأ عني تلفني عنك نائيا
كلانا غني عن أخيه حياته البيت ..
وجاء في قصيدة لسيّار بن هبيرة أحد بني ربيعة الجوع يعاتب أخويه خالدًا وزيادًا، ويمدح أخاه منخّلًا قال فيها:
أرى أخويَّ اليوم شحاّ كلاهما عليَّ وهماّ أن يقولا الدَّ واهيا
ويحرمني هذا ويمنع فضله وهذا كمعنٍ أو أشدُّ تقاضيا
إلى أن قال:
وإني لعفُّ الفقر مشترك الغنى سريعٌ إذا لم أرض داري احتماليا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشدُّ تغانيا
أخالد فامنع فضل رفدك إنما أجاع وأعرى الله من كنت كاسيا
وهي قصيدة طويلة أوردها القالي في "ذيل الأمالي" وقال: قال أبو محلّم: ومعن رجل كان بالبادية يبيع بالنّسيئة، وكان يضرب به المثل في شدة التقاضي، وفيه قال الفرزدق:
لعمرك ما معنٌ بتارك حقِّه ولا منسى معنٌ ولا متيسِّر
انتهى.
"كيف"
أنشد فيه:
كي تجنحون إلى سلمٍ وما ثئرت قتلاكم ولدى الهيجاء تضطَّرم
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثلاثمائة.
[ ٤ / ٢٧١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الثلاثمائة:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً وبالشام أخرى كيف تلتقيان
على أن جملة كيف تلتقيان بدل من مفرد، قال ابن جنّي في "المحتسب" عند قراءة الجحدري وأبي حيوة: ﴿أثر رحمة الله كيف تحيي﴾ من سورة الروم [الآية: ٥٠]: ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرّحمة إلى أن أورد هذا البيت، وقال قوله: كيف تلتقيان، جملة في موضع نصب بدلًا من حاجة وحاجة، فكأنه قال: إلى الله أشكو هاتين الحالتين تعذّر التقائهما، هذا أحسن من أن نقتطع قوله: "كيف تلتقيان" مستأنفًا، لأنَّ هذا ضرب من هجنة الإعراب؛ لأنه إنما يشكو تعذر التقائهما، ولا يريد استقبال الاستفهام عنهما. انتهى.
وكأنَّ الدماميني لم يلتفت إلى هذا فقال: لا يتعيّن هذا الّذي ذكره المصنف، إذ يجوز أن يكون قوله: كيف يلتقيان، جملة استئنافية نبّه بها على سبب الشكوى، وهو استبعاد اجتماع تينك الحاجتين. انتهى. وقال ابن وحيي: وقد مرَّ مرارًا أنَّ مجرد الاحتمال لا يقدح في صحة الشاهد. انتهى. وينبغي أن تكون تلتقيان بالمثناة الفوقية؛ لأنه مسند إلى ضمير حاجة وأخرى.
وهذا البيت أورده الأعلم مع بيت آخر في باب الأدب من "حماسته" كذا:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً وأخرى بنجدٍ كيف تلتقيان
سأعمل نصَّ العيس حتى يكفَّني غنى المال يومًا أو غنى الحدثان
وقوله: سأعمل نصّ العيس الخ، أي: ساسافر، وهو من أعمل آلته وفكره، أي: استعمله وفي "القاموس": ونصّ ناقته: استخرج أقصى ما عندها من السير.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
والعيس: الإبل البيض في بياضها ظلمة خفيّة، جمع أعيس وعيساء، ويكفّني: يمنعني من التردد، وأستغني وأقيم في داري، وغنى المال: فاعله، وقوله: أو غنى الحدثان: أراد به الموت يغنيه عن الطلب والتحرّف، الحدثان، بفتح أولهما: مصدر حدث أمر، أي: وقع، ولم أقف على قائل البيتين، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الثلاثمائة:
(٣٣٩) إذا قلَّ مال المرء لانت قناته وهان على الأدنى فكيف الأباعد
على أنَّ بعضهم زعم أنَّ "كيف" حرف عطف، أقول: هو هشام من الكوفيين، ولا تكون عنده حرف نسق إلَّا بعد نفي، أجاز: ما مررت بزيد فكيف عمرو! وخرج المصنف البيت على ثلاثة أوجه، جيّدها الأوّل وأردأها الثالث، فإن فيه القول بزيادة كيف، ولم يقل به أحد، وفيه الفصل بين العاطف والمعطوف، ولا يعرف له تتمة يستدل بها على إعراب القافية، ولا يعرف قائله أيضًا، فلا يصح الاستدلال به، والقناة مستعارة لاستقامة الحال وتماسكها، ولينها عبارة عن سوء الحال وضعفه. وتقدم شرح هذه الكلمة في بحث "أو" عند قوله:
وكنت إذا غمزت قناة قومٍ
وهان: من هان يهون هونًا، بالضم، وهوانًا، إذا ذلَّ وحقر، والأدنى: الأقرب، والأباعد: جمع أبعد.
"حرف اللام"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٠) فيا شوق ما أبقى ويالي من النَّوى
هو صدر وعجزه:
ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا
[ ٤ / ٢٧٣ ]
على أن ابن جني أجاز في بيت المتنبي هذا أن تكون اللام لام المستغاث به، وأن تكون لام المستغاث من أجله، وأوجب ابن عصفور الثاني لئلا يلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، وحقق بأنَّ هذا لا يلزم إلاَّ على قوله في آخر المعنى الواحد والعشرين للَّام الجارة في التنبيه الأول.
والبيت من قصيدة للمتنبي مدح بها سيف الدولة، قال الواحدي: يقول يا شوقي ما أبقاك فلست تنفد! ويا لي: استغاثة من الفراق، كأنه يقول: يا من لي يمنعني من ظلم الفراق! ويا دمعي ما أجراك! ويا قلبي ما أصباك! وحذف الكاف المنصوبة، وياء المخاطبة التي قبلها بالنداء. انتهى. وهذه الكاف هي المتعجب منه، وقال أبو اليمن الكندي: حذف الياآت من المناديات، وذلك أحسن من إثباتها، والكافات مرادة في أفعال التعجب. وقوله: يا لي، استغاثة بنفسه، وحق اللام أن تكون مفتوحة لولا الياء، ويجوز أن تكون للتعجب، تقديره: يا قوم اعجبوا لي من النوى. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤١) ويوم عقرت للعذارى مطيَّتي
هو صدر وعجزه:
فيا عجبًا من رحلها المتحمَّل
على أنَّ اللاّم للتعليل. والبيت من معلقة امرئ القيس، ويوم: معطوف على يوم في بيت قبله، وهو:
ألا ربَّ يومٍ صالحٍ لك منهما ولا سيَّما يوم بدارة جلجل
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين، وتقدَّم أنَّ يومًا في قوله:
[ ٤ / ٢٧٤ ]
ولا سيما يوم، روي بالرفع والجرّ، ويوم المعطوف مبني على الفتح، اكتسب البناء من إضافته إلى المبني، وهو: عقرت، فيكون في محل رفع إن روي المعطوف عليه بالرفع، وفي محل جر إن روي المعطوف عليه بالجرّ، والعقر: ضرب قوائم البعير بالسيف، وربما قيل: عقره إذا نحره، والعذارى: جمع عذراء وهي البنت البكر، والرحل: كل شيء يعدّ للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحلسٍ ورسنٍ. والمتحمل: اسم مفعول بمعنى المحمول، فإنه لمّا عقر بعيره وشواه للعذارى، فرَّق رحله على رواحلهنَّ، فحملنه، وركب هو مع بنت عمه فاطمة على بعيرها كما تقدَّم. قوله: فيا عجبًا، الألف: بدل من ياء المتكلم، فإن قيل: كيف نادى العجب، والنداء إنما يكون لم يعقل؟ أجيب بأنَّ العرب إذا أرادت أن تعظّم أمر الخبر جعلته نداء، قال سيبويه: إذا قلت: يا عجبًا، كأنك قلت: تعالى يا عجب، فإنَّ هذا من إبّانك، فهذا أبلغ من قولك: تعجبت، والمعنى: انتبهوا. وقال الزوزني: المنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء، أو يا قوم احضروا عجبي من رحلها المتحملّ، فتعجبوا منه، وقيل: نادى العجب اتساعًا ومجازًا، فكأنه [قال:] يا عجبي احضر فإنَّ هذا أوانك، فضّل يوم دارة جلجل ويوم عقر مطيته للعذارى على سائر الأيام الصالحة التي فان بها من حبائبه، ثمَّ تعجب من حملهن رحل مطيته، وأداته بعد عقرها واقتسامهنَّ متاعه بعد ذلك. انتهى كلامه.
وقال الإمام الباقلاني في كتاب "إعجاز القرآن": قال بعض الأدباء: قوله يا عجبًا، يعجبهم من سفهه في شبابه من نحره ناقته لهن، وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعًا عن الأول، وأراد أن يكون الكلام ملائمًا له، وهذا الذي ذكره بعيد، وهو منقطع عن الأول، وظاهر أنه يتعجب من تحمل العذارى رحله، وليس في هذا تعجب كبير، ولا في نحر الناقة لهن تعجب، وإن كان يعني به أنهن حملن رحله، وأن بعضهن حملنه، فعبّر عن نفسه برحله، فهذا قيلًا يشبه أن يكون عجبًا، لكن الكلام لا يدل عليه [ويجافى عنه]، ولو سلم البيت من
[ ٤ / ٢٧٥ ]
العيب لمي كن فيه شيء غريب، ولا معنى بديع أكثر من سلامته، مع قلة معناه وتقارب أمره ومشاكلة طبع المتأخرين [من أهل زماننا]، ومن أول القصيدة لم يمرّ له بيت رائع وكلام رائق. انتهى كلامه. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٢) وأنت الَّذي في رحمة الله أطمع
هذا عجز وصدره:
فيا ربَّ ليلى أنت في كل موطنٍ
على أنه قد وضع الاسم الظاهر موضع ضمير الغيبة لضرورة الشعر، والقياس: وأنت الذي في رحمته. وتجويز الشمني وابن الملا تبعًا للعيني في رحمتك للإخبار بالاسم الظاهر عن أنت غفلة منهم؛ لأنَّ الظاهر هنا موصول يجب أن يكون عائده ضميرًا غائبًا. وفي "تذكرة أبي حيان" كلام يتعلق به يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الرابع.
والبيت من شعر لمجنون بني عامر، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٣) إذا قلت قدني قال بالله حلفةً لتغني عني ذا إنائك أجمعا
على أن الأخفش أجاز أن يقع جواب القسم المضارع المقرون بلام كي، فيكون قوله: لتغني جواب القسم، وكذا الآية. قال ابن عصفور في "شرح الإيضاح": زعم أبو الحسن أن العرب قد تتلقى القسم بلام كي، وحمل على ذلك قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم﴾ [التوبة/ ٦٢]، واستدلَّ أبو علي في "العسكريات" على صحة ما ذهب إليه بقوله:
لتغني عني ذا إنائك أجمعا
[ ٤ / ٢٧٦ ]
قال أبو علي: فإن قيل: إن المقسم به إنما يكون جملة، وليس هذا بجملة؛ لأنَّ أن والفعل في تقدير اسم مفرد، قيل: إنَّ ذلك لا يمنع من وقوعه موقع الجملة التي يقسم عليها، وإن كان مفردًا، وذلك أن الفعل والفاعل اللذين جريا في الصلة يسدّان مسد الجملة، لكن رجع أبو علي عن ذلك في "التذكرة" و"البصريات" وقال: إن ذلك لم يرد في كلام العرب. وأمّا قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ﴾ الآية، فاللام متعلقة بـ"يحلفون"، وليس القسم بمراد، إنما المراد الإخبار عنهم بأنهم يحلفون أنهم ما فعلوا ذلك ليرضوا بحلفهم المؤمنين، وكذا البيت يحتمل أن يكون لتغني متعلق بآليت على ما رواه أبو علي في "البصريات" ولم يرد القيم، وإنما أراد أن يخبر مخاطبه أنه قد آلى كي يشرب جميع ما في إنائه. ورواه أبو علي: "قلت بالله حلفة" ولا حجة فيه أيضًا؛ لاحتمال أن يكون بالله متعلقًا بفعل مضمر لا يراد به القسم بل الإخبار، ويكون قوله: لتغني عني، متعلقًا به، والتقدير: حلفت بالله حلفة كي تغني عني، ويجوز أيضًا أن يكون المقسم عليه محذوفًا؛ لدلالة الحال عليه، تقديره: لتشربنّ لتغني عني، وعلى هذا حمله أبو علي في "التذكرة" انتهى كلام ابن عصفور. وشذَّ ابن يعيش في رواية هذه الكلمة عن الأخفش بخلاف ما قدمناه، قال في "شرح المفصّل": أنشده أبو الحسن بفتح اللام للقسم، وفتح آخر الفعل على إرادة نون التوكيد، وحذفها ضرورة. انتهى. وتبعه السيد في شرح "المفتاح" فقال: واللام في لتغني جواب القسم، والياء مفتوحة بتقدير النون الخفيفة، وقد يروى بكسر اللام على تقدير "أن" انتهى.
وقول المصنف: ويروون البيت: "لتغننَّ" هذه رواية تعلب، قال في "أماليه" بعد ما روى البيت كما تقدم: ويروى "لتغننَّ" وهذا إنما يكون للمرأة إلًّا أنه في لغة طيّ جائز. انتهى. وهو بفتح اللام وكسر النون الأولى بعدها نون التوكيد الثقيلة، هكذا ضبطه أبو علي في "المسائل البصريات" وفي "كتاب الشعر" والعسكري في كتاب "التصحيف" كلاهما عن ثعلب، والأصل: لتغنينَّ،
[ ٤ / ٢٧٧ ]
حذفت الياء وهي لام الفعل وبقيت الكسرة على حالها، فتكون اللام لام جواب القسم.
والبيت من قصيدة لحريث بن عتّاب الطائي، وقبله:
دفعت إليه رسل كوماء جلدةٍ وأغضيت عنه الطَّرف حتى تضلَّعا
إذا قال قطني قلت آليت حلفةً لتغننَّ عني ذا إنائك أجمعا
هكذا الرواية عند ثعلب وغيره، لا ما رواه المصنف، وضمير إليه راجع إلى الغلام الذي أتاه في الليل ضيفًا، والرسل، بكسر الراء: اللبن، والكوماء، بفتح الكاف والمدّ: الناقة العظيمة السَّنام، والجلدة، بفتح وسكون الَّلام، قال الجوهري: هي أدسم الإبل لبنًا، والجمع الجلاد، بالكسر، وقوله: وأغضيت عنه إلى آخره، يقال: أغضى الرجل عينه، أي: قارب بين جفنيها، يقول: أغمضت عيمي عند شربه؛ لئلا يستحي أن يشرب ريًّا، وهذا من أخلاق الكرام، والطرف: العين، وتضلّع امتلأ ما بين أضلاعه.
وقوله: إذا قال، أي الغلام الضيف، قطني، ويروى: "قدني" وكلاهما بمعنى يكفيني، وفسّره ثعلب أي: حسبي، وقلت بالتكلم، والمتكلّم هو الشاعر، وعكس المصنف تبعًا لغيره: إذا قلت قطني، قال: فيكون الشاعر هو الضيفٍ، وفاعل قال ضمير المضاف. وأورده جماعة: "إذا قال قطني" قال منهم الزمخشري في "المفصّل" وتبعه السيد فقال: أي: إذا قال الضيف: حسبي ما شربت، قال المضيف. انتهى. وعلى هذا يكون الشاعر مخبرًا حاكيًا عن شخصين، فهو لا ضيف ولا مضيف، والصواب ما شرحناه أولًا، كما يدل عليه البيت الذي قبله، وسياق القصيدة أيضًا.
وفي البيت شواهد أخر:
أحدها قوله: قطني، وفي رواية قدني، وبه استشهد ابن الناظم بنون الوقاية
[ ٤ / ٢٧٨ ]
لحفظ السكون عند البصريين ومعناها عندهم: حسب، أو لأنها اسم فعل عند الكوفيين ومعناها يكفي.
ثانيها: أنَّ "ذا" بمعنى صاحب، وبه استشهد صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿إنَّه عليم بذات الصُّدور﴾ [الآية/ ٣٨] من سورة الملائكة على أنَّ ذات مؤنث ذو، وهو موضوع لمعنى الصحبة؛ لأنَّ اللبن يصحب الإناء، والمضمرات تصحب الصدور، قال: ذات الصدور: مضمراتها، وهي تأنيث ذو في نحو قول أبى بكر ﵁: "ذو بطن خارجة جاريةٌ" وقوله:
لتغني عني ذا إنائك أجمعا
المعنى: ما في بطنها من الحبل، وما في إنائك من الشراب؛ لأنَّ الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء، ألا ترى إلى قولهم: معها حبلٌ، وكذلك المضمرات تصحب الصدور وهي معها، وذو موضوع لمعنى الصحبة. انتهى.
ثالثها: الإضافة للملابسة، قال الزمخشري في "المفصّل": ويضاف الشيء إلى غيره بأدنى ملابسة بينهما، وأنشد هذا البيت، قال ابن يعيش: الشاهد فيه أنه أضاف الإناء إلى المخاطب لملابسته إيّاه وقت أكله منه. أو شربه ما فيه من اللبن، وذو الإناء: ما فيه من لبن أو مأكول. انتهى. وفيه تقصير حيث قصر الملابسة على إضافة الإناء مع أنها جارية في إضافة ذا أيضًا، وقد نبه عليهما السيّد في "شرح المفتاح" قال: فيه استشهادان، أحدهما: أنَّ الإناء للمضيف، وقد أضافه إلى الضيف لملابسته إيّاه في شربه، وفي جعل هذه الملابسة بمنزلة الاختصاص الملكي مبالغة في إكرام الضيف ولطف. والثاني: أنَّ ذا بمعنى الصّاحب، وأريد به اللبن، وأضيف إلى الإناء لملابسته إيّاه لكونه فيه، فهذه أيضًا إضافة لأدنى ملابسة. انتهى.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
رابعها: التأكيد بأجمع، ولم يسبق بكل، هو تأوكيد ذا إناء بمعنى اللبن، وقوله: لتغني عني، قال ابن يعيش: العرب تقول: أغن عني وجهك، أي: اجعله بحيث يكون غنيًا عني لا يحتاج إلى رؤيتي، يقول له الضيف: حسبي ما شربت، فيقول له المضيف: اشرب جميع ما في الإناء ولا تردّه عليّ. وقال السيّد: أي: لتبعدنّ ذا إنائك عني، ولتجعله في غنى مني، كأنَّ الطعام محتاج إلى من يطعمه. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بأكثر ممّا هنا وشرحنا جميع القصيدة في شرح الشاهد الثالث والخمسين بعد التسعمائة، من شواهد الرضي.
وحريث بن عنّاب: بضم الحاء المهملة، وآخره ثاء مثلثة، وعنّاب، بفتح العين المهملة وتشديد النون، كذا ضبطه العسكري في كتاب "التصحيف" عن المعمّري عن ثعلب والجوهري في "الصحاح" والصّاغاني في "العباب" قال الأصفهاني في "الأغاني": هو حريث بن عنّاب النبهاني، وهو نبهان بن عمرو بن الغوث ابن طيّ، وهو شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأموية، وليس بمذكور في الشعراء؛ لأنه كان بدويًّا مقلًّا غير متصدّ بشعر للناس في مدح ولا هجاء، ولا كان يعدو بشعره أمر ما لا يخصّه، ثمَّ أورد له أشعارًا وحكايات، ونبهان، بفتح النون وسكون الموحدة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٤) وابكنَّ عيشًا تقضَّى بعد جدَّته طابت أصائله في ذلك البلد
على أن أصله: وابكينَّ، فحذفت الياء وهي لام الفعل، وهو خطاب لمذكر بدليل ما قبله وهو:
يا عمرو أحسن نماك الله بالرَّشد واقر السَّلام على الأنقاء والثَّمد
[ ٤ / ٢٨٠ ]
كذا أنشدهما ابن الأنباري في أول "شرح المفضليات" عن أحمد بن عبيد، وقال: قال الشاعر: وابكنَّ؛ لأنَّ من شأنه أن لا يحرك الياء بالنصب، كما لم يحركها في الرفع والخفض، فتركها ساكنة، ولحقتها النون الأولى من المشددة، وهي ساكنة فأسقطتها. انتهى. وبه علم أن الخطاب في قوله: وابكنّ، لمذكّر لا لمؤنث كما زعمه الدماميني، مع أنَّ سياق كلام المصنف يأباه، وإذا كان الخطاب مع امرأة كان المحذوف ضميرًا مع لام الفعل، فإنك إذا أمرت المرأة بالبكاء قلت: ابكينَّ يا هند، فإذا أبقيتها ساكنة ولم تفتحها حذفت لالتقاء الساكنين، وأمّا لام الفعل فهو محذوف لالتقاء الساكنين قبل حذف ياء الضمير، وأصله: تبكيين، على وزن تفعلين، تحركت الياء الأولى وهي لام الفعل، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، وحذفت لالتقاء الساكنين.
ونقل أبو حيّان في "ذكرته" من "الغرّة" لابن الدهان أنه قال: إنَّ بعض الكوفيين يجيز حذف الياء وإن كانت محذوفة، فتقول: إقضنّ يا رجل، بحذفها لالتقاء الساكنين، وأنشد:
يا عمرو أحسن نماك الله بالرَّشد إلى آخر البيتين.
يريد: ابكينَّ، وقال الفراء: وتقول: هل تقضنَّ؟ على قولك: أريد أن تقضي يا رجل، وقالوا: هل تخشنَّ، حذفوا الياء. وحكى الكوفي: لا يخفنَّ عليك، أي: لا يخفينَّ، وقال الفراء: هي لغة طيّ، لأنهم يسكنون الياء في النصب ولا ينصبون. وحكى الكوفيون: إخشنَّ زيدًا يا امرأة، ولا يخفنَّ عليك هذا، وهي لغة طيّ، وأنشدوا في المؤنث:
لترنَّ زندة مرحة وغفار
يريد: لترينَّ، وهو أقيس من المذكر. انتهى ما أورده أبو حيّان. وقال الرضي في "الشرح الكافية": لغة طي على ما حكى عنهم [الفراء] حذف الياء الذي
[ ٤ / ٢٨١ ]
هو لام في الواحد المذكر بعد الكسر والفتح في المعرب والمبني، نحو: والله ليرمنَّ زيد، وارمنَّ يا زيد، وليخشنَّ زيد، واخشنَّ يا زيد. وعليه قوله:
إذا قال قطني قلت بالله حلفة البيت
انتهى كلامه، وهو مخالف لبعض ما نقله ابن الدهان عن الكوفيين، وقد شرحنا كلام الرضي وذكرنا ما يتعلق به في شرح الشاهد الثالث والخمسين بعد التسعمائة. وقوله: يا عمرو أحسن، هو فعل أمر من الإحسان، وجملة "نماك الله بالرشد" اعتراضية للدعاء لعمرو، وقال المرزوقي في أول "شرح فصيح ثعلب": نماه: رفعه، قال: نماه في فروع المجد نام، ومعناه: رفعه رافع، ومصدر نمى ينمي النمي والنماء، والنمي وزنه فعول، وأصله نموي، لكن الواو والياء إذا اجتمعتا والأول ساكن تقلب الواو ياء، ويدغم الأول في الثاني إذا لم يمنع منه مانع، ثم كسر الميم لمجاورته الياء، انم. انتهى. والرشد بفتحتين: مصدر رشد، من باب فرح، والاسم الرشد والرشاد، وهو الصلاح، وهو خلاف الغيّ والضّلال، وهو إصابة الصواب. وقوله: واقر السلام، معطوف على أحسن، خفف الهمزة بإبدالها ألفًا، ثمَّ حذفها للجزم، قال صاحب "القاموس": وقرأ ﵇: أبلغه كأقرأه ولا يقال: أقرأه إلَّا إذا كان السّلام مكتوبًا. وقوله: على الأنقاء والثمد، فيه حذف مضاف، أي: على أهل الأنقاء، وهو جمع نقا، وهو الكثيب من الرمل، كما جمع سبب على أسباب، والمراد الساكنون على الأنقاء، والثمد، بفتح المثلثة والميم: الماء القليل الذي لا مادة له، وقيل: الماء الذي يظهر في الشتاء، ويذهب في الصيف. وقوله: وابكنّ، هو معطوف أيضًا على أحسن، وهو خطاب لعمرو أمره بالبكاء على عيش مضى. وتقضى: فني كانقضى، وروي بدله: "تولّى" والجدَّة، بكسر الجيم: الطراوة، مصدر جدّ الشيء يجد، بالكسر،
[ ٤ / ٢٨٢ ]
فهو جديد: إذا صار غضا طريًا، والأصائل: جمع أصيل، وهو ما بعد صلاة العصر إلى الغروب، والبلد يطلق على كلّ موضع من الأرض عامرًا كان أو خلاءً، ومثله البلدة، وفي التنزيل: ﴿إلى بلدٍ ميتٍ﴾ [فاطر/ ٩] أي إلى أرض ليس بها نبات ولا مرعى، فيخرج ذلك بالمطر فترعاه أنعامهم، فأطلق الموت على عدم النبات والمرعى، وأطلق الحياة على وجودهما. والبيتان لم أقف على قائلهما، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٥) يا عاذلاتي لا تردن ملامتي إنَّ العواذل لسن لي بأمير
على أنَّ قوله: "لا تردن ملامتي" أبلغ من قولك: لا تلمنني. وقد أورده ابن جني في باب الاكتفاء بالسبب من المسبب، وبالمسبّب من السّبب من كتاب "الخصائص" وقال: هذا موضع شريف لطيف، وواسع لمتأمله كثير، وكان أبو علي -﵀- يستحسنه ويعني به، وذكر منه مواضع قليلة، ومرَّ بنا نحن منه ما لا نكاد نحصيه .. إلى أن قال: ونحو منه ما أنشده أبو بكر:
قد علمت إن لم أجد معينا لأخلطنَّ بالخلوق طينا
يعني امرأته، يقول: إن لم أجد من يعيني على سقي الإبل، قامت واستقت معي، فوقع الطين على خلوق، فاكتفى بالمسبب الذي هو اختلاط الطين بالخلوق، من السبب الذي هو الاستقاء معه. ومثله قول الآخر:
يا عاذلاتي لا تردن ملامتي البيت
أراد لا تلمنني، واكتفى بإرادة اللوم منه، وهو تال لها ومسبّب عنها. انتهى.
وأورده أبو حيان في "تذكرته" عن الإمام المرزوقي بأن فعيلًا قد يكون للجمع، يقال: في الدار نساء كثير، وقال الشاعر:
يا عاذلاتي لا تردن ملامتي البيت.
وقال الجوهري في مادة "ظهر" والظهير: المعين، ومنه قوله تعالى:
[ ٤ / ٢٨٣ ]
﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ [التحريم/ ٤] وإنما لم يجمعه لأنَّ فعيلًا وفعولًا قد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع، كما قال تعالى: ﴿إنَّا رسول ربِّ العالمين﴾ [الشعراء/ ١٦] وقال الشاعر:
إنَّ العواذل لسن لي بأمير
يريد الأمراء. انتهى. وكشفت عنه في "أمالي ابن بري على الصحاح" فلم أر فيها غير ذكره المصراع الأول، والعواذل: جمع عاذلة من العذل، وهو اللّوم، والنون في "لسن" ضمير العواذل، وروي في كتاب "التفسح في اللغة" وفي بعض نسخ "صحاح الجوهري": "ليس" بدون ضمير، والأول هو الجيّد، والبيت مشهور بتداول العلماء إياه في مصنفاتهم، ولم أقف على قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٦) فما جمعٌ ليغلب جمع قومي مقاومةً ولا فردٌ لفرد
على أنَّ "كان" محذوفة قبل لام الجحود، والتقدير: فما كان جمع ليغلب. هذا غير متعين في البيت والأثر، كما قال الدماميني لجواز أن تكون عاملةً عمل ليس، والتقدير: فما جمع متأهلًا لغلب قومي، ولا فرد غالبًا لفرد قومي، وما أنا مريدًا لتركها.
والبيت من قصيدة عدتها أربعون بيتًا لعمرو بن معدي كرب الزبيدي الصحابي، افتخر فيها بقومه وفبائله من اليمن، وذكر فيها أيامهم ووقائعهم بقبائل معد بن عدنان، وهي مذكورة في أول ديوانه منها:
وأودٌ ناصري وبنو زبيد ومن بالحيق من حكم بن سعد
لعمرك لو تجرَّد من مرادٍ عرانينٌ على كمتٍ وورد
[ ٤ / ٢٨٤ ]
ومن عنسٍ مغامرةٌ طحونٌ مذربةٌ ومن علة بن جلد
ومن سعدٍ كتائب معلماتٌ على ما كان من قرب وبعد
ومن جنبٍ مجنِّبة ضروبٌ لهام القوم عند الموت تردي
وتجمع مذحجٌ فيرئسوني لأبرأت المناهل من معدِّ
أؤمُّ بهم أبا قابوس حتى أنيخ على تحيَّته بجندي
إلى أن قال:
أولئك معشري وهم جبالي وحدّي في كتيبتهم ومجدي
هم قتلوا عزيزًا يوم لحجٍ وعلقمة بن سعدٍ يوم نجد
ثمَّ عدَّد أيّامهم بقوله: وهم وهم، إلى أن قال:
وهم تركوا القبائل من معدٍ ضبابًا مجحرين بكلِّ حقد
فما جمعٌ ليغلب جمع قومي مكاثرةً ولا فردٌ لفرد
وأود، بفتح الهمزة وسكون الواو، وزبيد، بالتصغير، وحكم بن سعد بفتحتين، ومراد وعنس وعلة بن جلد، بضم العين المهملة وخفة اللام، وجلد، بفتح الجيم وسكون اللام، وسعد: أراد سعد العشيرة، وجنب، بفتح الجيم وسكون النون، ومذحج، بفتح الميم وسكون الذال المعجمة، وكسر الحاء المهملة بعدها جيم: هؤلاء كلّها من قبائل اليمن. والحيق، بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية: واد باليمن، والعرانين: السادات جمع عرنين، والكمت: جمع كميت، والورد، بالضم: جمع ورد، بالفتح، وهما من الخيل. والمغامرة: بضم الميم والغين معجمة: الملقية نفسها في الشدائد، والطحون: التي تطحن ما مرَّت به وتهلكه، ومذرّبة بصيغة المفعول: المحددة القاطعة، والكتائب: جمع كتيبة، وهي جماعة الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف، ومعلمات: اسم مفعول من أعلم الفرس إذا علّق عليه صوفًا ملويًا في الحرب، وأعلم نفسه: إذا وسمها بسيماء الحرب، ومجنِّبة: بكسر النون المشدّدة، وهي التي تقود جنائب الخيل، وضروب: مبالغة ضارب، وتردي: تهلك، أرداه: أهلكه.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وقوله: فيرئسوني، أي: يجعلوني رئيسًا لهم، وقوله: لأبرأت المناهل، أي: أخليتها وتركتها بريّة، ومنه: أنت بري من ذنب، أي: خليّ منه. وأؤم: أقصد. وأبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر ملك العرب، والتحية: الملك والسلطنة، ولحج بفتح اللام وسكون الحاء المهملة بعدها جيم: بلد بعدن، سمّي بلحج بن وائل ابن قطن، والضباب: جمع ضب، ومجحر: اسم مفعول من أجحره، أي: أدخله جحره، وهو شقّ في الأرض تحتفره الهوام والسباع لنفسها لتتحصَّن به.
وقوله: فما رجع ليغلب جمع قومي، الجمع: الجماعة والفرقة، والفرد: المنفرد، والمكاثرة: المغالبة بالكثرة، وروي بدله: "مقاومة" مصدر قاومه في الحرب: إذا أطاقه فيها. وترجمة عمرو بن معدي كرب الصحابي تقدمت في الإنشاد الخامس بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٧) فخرَّ صريعًا لليدين وللفم
على أنًّ اللاّم بمعنى على. وكذا أورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿ويخرُّون للأذقان﴾ [الإسراء/ ١٠٩] والخرور: السقوط، وصريعًا: طريحًا على الأرض، ولليدين وللفم، معناه: على اليدين والفم، قال أبو حيّان في "شرح التسهيل": قال بعض أصحابنا: الصحيح ما قال سيبويه من أنَّ الَّلام للاستحقاق، وهو معناها العام؛ لأنه لا يفارقها، وإنما جعلت للملك لأنه ضرب من الاستحقاق، وقد يدخلها مع ذلك معان أخر. وأما كونها للصيرورة، ويعبر عنها أيضًا بالعاقبة والمآل، فأورد ذلك أصحابنا على أنه مذهب مردود، وهو منسوب للآخفش. وتقرير مذهبه أنَّ الالتقاط لم يكن لكونه عدوًّا لهم وحزنًا، بل الالتقاط كان
[ ٤ / ٢٨٦ ]
ليكون حبيبًا وولدًا، فآل أمره إلى أن كان لهم عدوًّا، فالّلام للصيرورة. وردَّ بأنه حذف السّبب وأقيم المسبب مقامه.
وأمّا كونها بمعنى على، وبمعنى التعليل، وبمعنى بعد، وبمعنى من، وبمعنى في، وبمعنى إلى، فهو مذهب الكوفيين، وتبعهم القتبي، وتأول ما استدلَّ به بعض شيوخنا. فأما قوله: فخر صريعًا لليدين وللفم، بأنه لما كانت اليدان تتقدَّمان سائر البدن صار ذلك شبيهًا بما يسقط لسقوط غيره، فدخلت اللام لملاحظة ذلك، وبهذا يتأوَّل، والله أعلم ﴿وتلَّه للجبين﴾ [الصافات/ ١٠٣] انتهى المراد منه. قال تلميذه، ناظر الجيش: هذا التأويل لابن أبي الربيع، وكذا يتأوَّل على ما قاله قوله تعالى: ﴿يخرُّون للأذقان سجّدًا﴾ [الإسراء/ ١٠٧] وأما قوله تعالى: ﴿دعانا لجنبه﴾ [يونس/ ١٢] فيقال فيه: إنَّ الجار والمجرور في موضع الحال، ويدل على ذلك عطف الحال عليه، والتقدير: دعانا كائنًا لجنبه، فتكون اللام على هذا للتبيين، كما هي في سقيًا لك، والتبيين أحد معانيها، وقال ابن عصفور في قوله:
فخرَّ صريعًا لليدين وللفم
اللام متعلقة بمحذوف، والتقدير: فخر صريعًا مقدمًا لليدين وللفم، وما قاله ابن أبي الربيع أدخل في المعنى وأحسن. انتهى.
والمصراع من قصيدة لجابر بن حنيّ التغلبي، ذكر فيها قتل شرحبيل عمّ امرئ القيس، أوردها المفضل في "المفضليات" وقبله:
وقد زعمت بهراء أنَّ رماحنا رماح نصارى لا تخوض إلى الدَّم
فيوم الكلاب قد أزالت رماحنا شرحبيل إذ آلى ألية مقسم
لينتزعن أرماحنا فأزاله أبو حنش عن ظهر شقّاء صلدم
تناوله بالرُّمح ثمَّ اتَّنى له فخرَّ صريعًا لليدين وللفم
[ ٤ / ٢٨٧ ]
وبهراء: قبيلة، والكلاب، بضم الكاف: وهو ماء بين الكوفة والبصرة على بضع عشرة ليلة، ومن اليمامة على سبع ليال أو نحوها، قال العسكري في كتاب "التصحيف": كان به وقعتان عظيمتان للعرب، إحداهما بين ملوك كندة الإخوة، والأخرى بين بني الحارث: وبين بني تميم، فقيل: الكلاب الأول، والكلاب الثاني: فأمّا الكلاب الأول فكان في الجاهلية، واليوم لبني تغلب، ورئيسهم يومئذ سلمة بن الحارث بن الكندي، ومعه ناس من بني تميم، فلقي سلمة أخاه شرحبيل، ومعه بكر بن وائل، فقتل شرحبيل وهزم أصحابه. وأمّا الكلاب الثاني فكان لبني سعد والرباب، وكان رئيسهم في هذا اليوم قيس بن عاصم. انتهى.
وبيان ذلك ما حكاه ابن الأنباري في "شرح المفضليات" أنَّ الحارث بن عمرو ابن حجر آكل المرار الكنديّ، كان فرَّق بنيه في قبائل معدّ قبل موته، فجعل حجرًا في بني أسد وكنانة وهو أكبرهم، وجعل شرحبيل، وكان يليه في السن في بكر بن وائل، وبني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وبني أسيِّد بن عمرو ابن تميم، وجعل ابنه معدي كرب في قيس عيلان؛ وجعل سلمة في بني تغلب، والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة بن تميم. فلمّا هلك أبوهم الحارث بن عمرو، تشتت أمرهم وتفرقت كلمتهم، ومشت الرجال بينهم، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه، وزحف إليه بالجيوش، فسار شرحبيل ببكر بن وائل ومن معهم، فنزل الكلاب، وأقبل أخوه سلمة في بني تغلب والنمر ومن معهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وثبت بعضهم لبعض، حتى [إذا] كان في آخر النهار من ذلك اليوم خذلت بنو حنظلة، وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل، وانصرفت بنو سعد وألفافها من بني تغلب وصبر ابنا وائل بكرٌ وتغلب ليس معهم أحد غيرهم حتى غشيهم الليل، ونادى منادي شرحبيل: من أتاني برأس سلمة فله مائة من الإبل، ونادى منادي سلمة: من أتاني برأس شرحبيل فله مائة من الإبل. ولما انهزمت بنو حنظلة خرج معهم شرحبيل، ولحقهم ذو السُّنينة، واسمه حبيب بن عتبة بن سعد بن جشم بن
[ ٤ / ٢٨٨ ]
بكر، وسمّي ذا السنينة لسن له كانت زائدة، وكان أخا أبي حنش لأمه، وأبو حنش عصم بن النعمان، أحد [بني] جشم بن بكر. والتفت شرحبيل إلى ذي السنينة، فضربه على ركبته فأطنَّ رجله، فقال: يا أبا حنش قتلني الرجل! وهلك ساعته، فقال أبو حنش: قتلني الله إن لم أقتله، فحمل أبو حنش على شرحبيل فأدركه، فطعنه أبو حنش فأصاب رادفه السرج، ثمَّ تناوله فألقاه عن فرسه، ونزل إليه فاحتزَّ رأسه، فبعث به إلى سلمة [مع] ابن عمّ له، فألقاه بين يدي سلمة، فقال: لو كنت ألقيته إلقًاء رفيقًا. فقال: ما صنع به وهو حيّ شرّ من هذا! وعرف القوم النّدامة في وجهه والجزع على أخيه، فهرب أبو حنش وتنحّى عنه. انتهى باختصار.
وقوله: إذا آلى أليّة مقسم، آلى: حلف، والأليّة مصدره، ومقسم: اسم فاعل، من أقسم بمعنى حلف.
وقوله: لينتزعن أرماحنا، هذا جواب القسم، والشَّقّاء، بالفتح والمدّ: الطويلة من الخيل، والصلدم، بكسر الأول والثالث: الصلبة، وقوله: تناوله بالرمح، أي: طعنه به.
وجابر بن حنيّ التغلبي جاهلي. قال ابن الأنباري: قال ابن الكلبي: كان عمرو بن مرثد بن سعد يبعته ابن ماء السماء على إتاوة ربيعة، ورجلًا من اليمن يقال له قيس بن هرثم –جشمي- وكانت ربيعة تحسدهما، فجاء عمرو بن مرثد يومًا، فقال جلساء الملك حسدًا له: "إنه ليمشي كأنه لا يرى أحدًا أفضل منه"! فجاء الملك فحيّا الملك بتحبته، فقال جابر بن حنيّ في ذلك هذه القصيدة. انتهى. وحني: بضم الحاء المهملة، وفتح النون وتشديد المثناة التحتية.
وقد وقع المصراع الشاهد في شعر لقاتل محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي المعروف بالسجّاد لكثرة عبادته، وقتل يوم الجمل. قال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": هو من شعر لكعب بن حدير النَّقدي:
[ ٤ / ٢٨٩ ]
وأشعث قوّامٍ بآيات ربِّه كثير التُّقى فيما ترى العين مسلم
شككت له بالرّمح جنب قميصه فخرَّ صريعًا لليدين وللفم
على غير ذنبٍ غير أن ليس تابعًا عليًّا ومن لا يتبع الحقَّ يظلم
يذكّرني "حلم" والرُّمح شاجرٌ فهَّلا تلا "حلم" قبل التقدُّم
الأشعث: الجاف الشعر المنتشره، وقوّام: كثير القيام في صلاته بقراءة القرآن، وشككته: انتظمته، وخرّ: سقط، والصريع: المصروع. وقوله: على غير ذنب، أي: فعلت به ذلك، ولم يذنب إلاَّ بتركه عليّا، ويظلم: يضع الحقَّ في غير موضعه. يقوله لمحمد بن طلحة بن عبيد الله، وكان آخذًا بزمام جمل عائشة يوم الجمل، فجعل لا يحمل عليه أحد إلِّا حمل عليه، وقال: "حم لا ينصرون" فاجتمع عليه نفر كلّهم ادعى قتله، وادَّعى هذا الشاعر أنه قتله. انتهى كلامه. وقال ابن السيد البطليوسي أيضًا في"شرح أدب الكاتب": هذا الشعر يروى للمكعبر الأسدي، وقيل: للمكعبر الضبّي، ويقال: إنه لشريح بن أوفى العنسي، وقيل: إنه لعصام بن المقشعر العبسي. وذكر ابن شبة أنه للأشعث بن قيس الكندي، وهذا الشعر قيل في محمّد بن طلحة، وقتل يوم صفين، وكان علي قال لأصحابه: اجعلوا شعاركم "حم لا ينصرون" وكان محمّد بن طلحة من أصحاب معاوية، فكان إذا حمل عليه رجل من أصحاب علي يقول له محمّد: أسالك بحم، فيكفّ عنه، إلى أن حلم عليه الأشعث بن قيس، فقال له محمّد: أسالك بحم، فلم يلتفت إلى قوله، فقتله وقال هذا الشعر. انتهى كلامه. وقد شذَّ في قوله: وقتل يوم صفين: وكان من أصحاب معاوية، فإنَّ جميع من تكلم على الشعر من شراح "الكشاف" وغيره قالوا: إنه قتل في وقعة الجمل، فإنَّ صاحب "الكشاف" أورد قوله:
يذكرني حم والرمح شاجر البيت
[ ٤ / ٢٩٠ ]
في أوَّل تفسير سورة البقرة، قال: ما كان من أسماء السور على زنة مفرد كحم وطس ويس، فإنها موازنة لقابيل وهابيل، يجوز فيه الأمران الإعراب والحكاية، قال قاتل محمد بن طلحة السجّاد، وهو شريح بن أوفى العنسي: يذكرني حم .. البيت، فأعرب حم ومنعها الصرف، وهكذا كلّ ما أعرب من أخواتها لاجتماع سبي من الصرف فيها، وهما العملية والتأنيث.
قال الطيبي: قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي، قتل يوم الجمل، وكان طلحة أمره أن يتقدَّم للقتال، فنسل درعه بين رجليه وقام عليها، وكلّما حمل عليه رجل قال: نشدتك بحم، حتى شدَّ عليه العنسي فقتله، وأنشأ يقول:
وأشعث قوّامٍ بآيات ربِّهِ قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
إلى آخر الأبيات، فلمّا رآه علي بين القتلى استرجع وقال: إن كان لشابًا صالحًا، ثمَّ قعد كئيبًا. وشجر الرمح: اختلف، والتشاجر: التخاصم، وقيل: المراد بقوله: حم، قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلاَّ المودَّة فى القربى﴾ [الشورى/ ٢٣] انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٨) فلمَّا تفرَّقنا كأنِّى ومالكًا لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا
على أنَّ اللام بمعنى بعد. قال أبو حيّان: أجيب بأنه إنما يريد: كأني ومالكًا لم نجتمع، وأوجب له هذا القول، وهذا الشَّبه طول اجتماعهم قبل ذلك، ولولا الاجتماع قبل لما صحّ أن يقول: كأني ومالكًا لم نبت ليلةً معًا، فكأنه قال: أشبهت
[ ٤ / ٢٩١ ]
من لم يجتمع لأجل ما كان منّا من طول اجتماع، ولولا ذلك لم يقل: أشبهت. انتهي. وقال ناظر الجيش: حمله، ابن عصفور على تقدير مضاف، وأنَّ الَّلام لام السّبب، قال: والتقدير: كأني ومالكًا لفقد طول اجتماعنا. أو لانقطاع طول اجتماعنا. هذا كلامه. وأحسن من جمعيه قول الميداني في "مجمع الأمثال": اللام في "لطول اجتماع" يجوز أن تتعلق بتفرقنا، أي: تفرقنا لاجتماعنا، يشير إلى أنَّ التفرق سببه الاجتماع. انتهى. قاله عند شرح قوله: "كبر عمرو عن الطوق". وقال ابن الأنباري في "شرح المفضليّات": رواه أبو عكرمة "لطول اجتماع" باللاَّم ورواه غيره: "بطول اجتماع" بالباء، فتكون هذه الرواية مقوية لكون اللاَّم للسبب.
والبيت من قصيدة طويلة لمتمّم بن نويرة اليربوعي الصحابي، رثى بها أخاه مالك بن نويرة، شرحها ابن الأنباري في "المفضليات" وانتخبها أبو العبّاس المبرد في آخر "الكامل" قال: ومن أشعار العرب المشهورة المتخيرة في المراثي قصيدة متمم بن نويرة في أخيه، وبعد ذلك البيت:
وكنّا كندماني جذيمة حقبةً من الدَّهر حتى قيل لن يتصدَّعا
وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبَّعا
ندمان، بفتح النون: بمعنى نديم، وجذيمة، بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة. قال المبرد: هو جذيمة الأبرش الأزدي وكان مالكًا، وهو الذي قتلته الزَّبّاء، وهو أول من أوقد الشمع، ونصب المجانيق للحرب، وله قصص تطول، وقد شرحنا ذلك في كتاب "الاختيار" وندماناه يقال لهما مالك وعقيل، وفي ذلك يقول أبو خراشٍ:
ألم تعلمي أن قد تفرَّق قبلنا خليلا صفاءٍ مالكٌ وعقيل
[ ٤ / ٢٩٢ ]
فالمثل يضرب بهما من طول ما نادماه، كما يضرب باجتماع الفرقدين، قال عمرو بن معدي كرب:
وكلُّ أخٍ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلاَّ الفرقدان
قال هذا من قبل أن يسلم. وقال إسماعيل بن القاسم:
ولم ار ما يدوم له اجتماعٌ سيفترق اجتماع الفرقدين
انتهى. قال ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على "الكامل": قال أبو بكر: نادماه أربعين سنة، ولم يعيدا عليه حديثًا. انتهى. وقال ابن الأنباري: نديما جذيمة: مالك وعقيل ابنا فارج بن كعب، من القين بن جسر من قضاعة، نادماه حين ردا عليه ابن أخته عمرو بن عدي، وهو عمرو ذو الطوق بن نمارة بن لخم اللخميّ، فسألها حاجتهما فسألا منادمته. قال ابن الكلبي: يضرب المثل بهما للمتواخيين، فيقال: هما كندماني جذيمة، قالوا: دامت لهما رتبة المنادمة أربعين سنة. والحقبة، بالكسر: الدهر، والتصدع: التفرق. وفي هذه القصيدة أبيات أخر شواهد نشرحها إن شاء الله في مواضعها. وتقدمت ترجمة متمم بن نويرة، وسبب قتل أخيه مالك في الإنشاد الواحد والخمسين. وقد شرحنا غالب القصيدة في مواضع متعددة من شواهد الرضي.
أنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٩) لنا الفضل في الدُّنيا وأنفك راغمٌ ونحن لكم يوم القيامة أفضل
[ ٤ / ٢٩٣ ]
على أنَّ اللام بمعنى "من" لأنَّ أفعل إنما يتعّدى بمن. قال ناظر الجيش: ويمكن أن يجاب عنه، فإنَّ الشاعر مراده إثبات الفضل الزائد له ولقومه، بدليل صدر البيت، وهو: لنا الفضل في الدنيا، وليس مراده: ونحن أفضل منكم يوم القيامة، إنما المعنى: ونحن أفضل مفاخرين لكم يوم القيامة، فالجار والمجرور في موضع الحال، ويدل على مفاخرين سياق البيت؛ لأنَّ الشاعر إنما قال ذلك افتخارًا وشرفًا، وعلى هذا يكون معدّيه للعامل المقدَّر هو الحال في الحقيقة، هذا هو الذي ظهر لي في هذا البيت، لكن فيما ذكرته إشكال من جهة الصناعة النحوية؛ لأنَّ "لكم" إذا كان حالًا إنما هو الحال من الضمير المستتر في أفضل، فالعامل في الحال هو أفضل، وأفعل التفضيل لا يعمل في حال مقدمة عليه إلاَّ في مسألة "هذا بسرًا أطيب منه رطبًا" لكن يجاب عن هذا بأنَّ الحال المتقدمة هنا إنما هي ظروف لا اسم صريح، والتوسع في الظرف أمر معروف عند النحاة، لا سيما ورود ذلك في شعر. انتهى كلامه.
ويؤيد توجهه أنًّ البيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل النصراني. وقد تقدَّم شرحها مع بيان سببها في الإنشاد الرابع والتسعين بعد المائة. وقوله: وأنفك راغمٍ، أي: ذو رغام، وهو التراب، قال صاحب "المصباح": الرغام بالفتح: التراب، ورغم أنفه من باب قتل، ورغم من باب تعب، لغة: كناية عن الذل، كأنه لصق بالرغام هوانًا، ويتعدَّى بالألف فيقال: أرغم الله أنفه، وفعلته على رغم أنفه، بالفتح والضمّ، أي: على كره منه، وراغمته: غاضبته؛ وهذا ترغيم له، أي: إذلال. وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يرد أعيانها، بل وضعوها لمعان غير معاني الأسماء الظاهرة، ولا حظّ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدمي، وحاجته خلف ظهري، يريدون الإهمال وعدم الاحتفال. انتهى كلامه.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٠) كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبغيًا إنه لدميم
على أنَّ اللام بمعنى عن، وجعل ابن مالك اللام هنا من نوع التعليل الجارّ اسم من غاب حقيقة أو حكمًا عن قائل قول يتعلق به. والبيت من قصيدة جيدة لأبي الأسود الدؤلي ومطلعها:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبغيًا إنَّه لدميم
وقد أوردناها تمامًا في الشاهد الواحد والسبعين بعد الستمائة من شواهد الرضي. والدميم بالدال المهملة: من الدَّمامة -بالفتح- وهي قبح المنظر، وصغر الجسم، وكأنه مأخوذ من الدِّمّة -بالكسر- وهي القملة أو النملة الصغيرة، ويجوز أن يكون هنا بالذال المعجمة، من الذم خلاف الحمد. وتقدمت ترجمة أبي الأسود الدؤلي في الإنشاد السابع والعشرين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥١) فللموت تغدو الوالدات سخالها كمالخراب الدُّور تبنى المساكن
على أنَّ اللام لام الصيرورة. تقدَّم عن أبي حيان ما فيه عند شرح قوله:
فخرَّ صريعًا لليدين وللفم
و"تغدو" بالغين المعجمة: من الغذاء، بالكسر والمد، وهو اسم ما يتغذى به من الطعام والشراب، وغذا الطعام الصبيَّ يغذوه، من باب علا: إذا نجع فيه وكفاه، وغذوته باللبن أغذوه أيضًا، والسخال: جمع سخلة، قال الأزهري: تقول العرب لأولاد الغنم ساعة تضعها أمهاتها من الضأن والمعز ذكرًا كان أو أنثى: سخلة.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
والبيت نسبه ابن عبد ربه في "العقد الفريد" إلى سابق البربري، وكذا نسبه إليه صاحب كتاب "التفسح في اللغة" وهو: أبو سعيد سابق بن عبد الله، له أشعار لطيفة في الزهد، وهو من موالي بني أمية، سكن الرَّقة، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وله معه حكايات لطيفة، وروى عنه مكحول وغيره. والبربري نسبة إلى البربر، وهي بلاد كثيرة من المغرب، قال ابن الأثير في "الأنساب": الصحيح أنَّ سابقًا البربري ليس منسوبًا إلى البربر، وإنما هو لقب له.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٢) فإن يكن الموت أفناهم فللموت ما تلد الوالده
لما تقدَّم قبله. وهو من أبيات أوردها ابن الأعرابي في "نوادره" لنهيكة بن الحارث المازني، من مازن فزارة، وهي:
لا يبعد الله ربُّ العبا د والملح ما ولدت خالده
هم المطعمو الضَّيف شحم السّنا م والقاتلو اللّيلة البارده
هم يكسرون صدور الرَّما ح في الخيل تطرد أو طارده
يذكَّرني حسن آلائهم تفجُّع ثكلانةٍ فاقده
فإن يكن القتل أفناهم فللموت ما تلد الوالده
انتهى. وعزاه المفضل بن سلمة في كتاب "الفاخر" لشتيم بن خويلد الفزاراي، وقال: الملح هنا البركة، يقال: اللهمّ لا تبارك فيه، ولا تملحه، وكلاهما جاهليان. وقال أبو الوليد الوقشي فيما على "كامل المبرد" على هذا البيت:
[ ٤ / ٢٩٦ ]
خالدة هي بنت أرقم أم كردم وكريدم ابني شعبة الفزاريين، وكردم هو الذي طعن دريد بن الصِّمَّة يوم قتل أخوه عبد الله.
وهذا المصراع وقع في شعر عبيد بن الأبرص الجاهلي أيضًا، لما قتله المنذر بن ماء السماء، قال له بعض الحاضرين: ما أشدّ جزعك للموت! فقال:
لا غزو من عيشةٍ نافذه وهل غير ما ميتةٍ واحده
فأبلغ بنيَّ وأعمامهم بأنَّ المنايا هي الرَّاصده
لها مدَّةٌ فنفوس العباد إليها وإن كرهت قاصده
فلا تجزعوا لحمامٍ دنا فللموت ما تلد الوالده
ووقع في شعر سماك بن عمرو الباهلي أيضًا، وهو أول من قال: "لا أطلب أثرًا بعد عين" وهو جاهلي أيضًا، ولما خيّر بين أن يقتل هو أو أخوه مالك -فقتلوه دون أخيه- قال:
فأقسم لو قتلوا مالكًا لكنت لهم حيَّةً راصده
برأس سبيلٍ على مرقبٍ ويومًا على طرقٍ وارده
فأمَّ سماكٍ فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالده
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٣) لله يبقى على الأيَّام ذو حيد
على أنَّ اللام في الله هنا للقسم والتعجب معًا، وجملة "لا يبقى" بتقدير حرف النفي: جواب القسم، وفي اللام معنى التعجب أيضًا، ومراد المصنف أنَّ اللام لا تكون للقسم إلا وفيها معنى التعجب لا العكس، فإنه لا يلزم من كونها للتعجب أن يكون فيها معنى القسم، بدليل أنَّ المصنف لم يذكر كونها للقسم بدون تعجب، وهو صريح كلام سيبويه، قال في باب حروف الإضافة إلى المحلوف به: وذلك قولك:
[ ٤ / ٢٩٧ ]
والله لأفعلن، وبالله لأفعلن، و﴿تالله لأكيدنَّ أصنامكم﴾ [الأنبياء/ ٥٨]، وقد تقول: تالله، وفيها معنى التعجب. وبعض العرب في هذا المعنى: الله، فيجيء باللام، ولا يجيء إلاَّ أن يكون فيه معنى التعجب، قال أمية بن أبي عائذ:
لله يبقى على الأيّام ذو حيدٍ بمشمخرً به الظَّيّان والآس
انتهى كلامه. فأفاد أنَّ المثناة الفوقية في القسم قد يصحبها معنة التعجب، وقد لا يصحبها، بخلاف اللام القسميّة، فإنها لا تكون للقسم إلا مع التعجب، وأشار إلى هذا السيرافي بقوله: وفي التاء معنى التعجب، وكذلك اللام تدخل في القسم للتعجب. انتهى. فجعل التعجب علة لكون اللام في القسم. وزعم أبو حيان في "شرح التسهيل" وتبعه تلميذه ناظر الجيش أنَّ اللام في القسم قد تنفرد عن التعجب، قال: واللام في القسم بابها التعجب، وقد استعملها بعض العرب مع غير التعجب فيه، حكاه سيبويه في آخر باب الإضافة إلى المحلوف به، قال: ويقول بعض العرب: لله لأفعلن. انتهى. وأقول: لا دلالة في كلام سيبويه لما ذكره، وهذا نصه: واعلم أنَّ من العرب من يقول من ربي، أي: بضم الميم، لأفعلن ذلك، تجعلها في هذا الموضع بمنزلة الواو والباء في قوله: والله لأفعلن، ولا يدخلونها في غير ربي، كما لا يدخلون التاء في غير الله ﷿، ولكن الواو لازمة لكل اسم يقسم به والباء، وقد يقول بعض العرب، لله لأفعلن كما تقول: تالله لأفعلنّ. انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة مطلعها:
ياميُّ إن تفقدي قومًا ولدتهم أو تخلسيهم فإنَّ الدَّهر خلاَّس
عمرو وعبد منافٍ والذي عهدت ببطن عرعر آبي الضيم عبّاس
يا ميُّ إنَّ سباع الأرض هالكةٌ والعفر والأدم والآرام والنّاس
تالله لا يعجز الأيّام مبتركٌ في حومة الموت رزَّام وفرَّاس
يحمي الصَّريمة أحدان الرِّجال له صيدٌ ومجترئٌ بالليل همّاس
[ ٤ / ٢٩٨ ]
ثمَّ وصف الأسد بأبيات ثلاثة وقال:
يا ميُّ لا يعجز الأيام ذو حيدٍ بمشمخرً به الظَّيّان والآس
ثمَّ وصف الوعل إلى آخر القصيدة في سبعة أبيات، والبيتان الأولان من شواهد سيبويه، وقال الأعلم: الشاهد في قطع عمرو وما بعده مما قبله، وحمله على الابتداء، ولو نصب على البدل من القوم لجاز. ومعنى تخلسيهم، بالبناء للمفعول: تسلبيهم، والخلس: أخذ الشيء بسرعة، أي: إن أفقدك الدهر إياهم فذلك شأنه، وأراد بعمرو: هاشم بن عبد مناف، فإنه اسمه، وبالعباس: ابن عبد المطلب، وإنما قال: ولدتهم؛ لأنهم من ولد مدركة بن إلياس بن مضر، وعرعر: موضع، وروي بدله: "ببطن مكة" وآبي: من الإباء، وهو الامتناع، والضيم: الظلم. وقد شرحناهما بأبسط من هذا في الشاهد الخامس والستين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي وقوله: والعفر والأدم والآرام والناس، العفر: الظباء جمع أعفر، والأدم: السمر منها، جمع آدم، والآرام: البيض منها، جمع ريم. وقوله: تالله لا يعجز الأيام البيت مع الذي بعده من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيهما جري الصفات على ما قبلها، مع ما فيها من معنى التعظيم، ولو نصب لجاز. قال السكري: الأيام ههنا: الموت، والمبترك: المتعمد، وهو الأسد، وحوت الموت: الموضع الذي يدور فيه الموت لا يبرح منه، والرزام: المصوت، يقال: رزم الأسد يرزم، وإذا برك الأسد على فريسته رزم، وفرَّاس: يدق ما يصيبه، والصريمة: رملة فيها شجر. حماها: منع الناس دخولها من خوفه، وأحدان الرجال: الذين يقول أحدهم: أنا الذي لا نظير له في الشجاعة، يقول: إنَّ هذا الأسد يصيد هؤلاء الذين يدلون بالشجاعة وهو مع ذلك لا ينجو من الموت.
وقوله: تالله يبقى على الأيام ذو حيدٍ .. هكذا رواه سيبويه، وهو ثقة فيما يرويه ووقع في أشعار الهذليين من جميع الروايات:
[ ٤ / ٢٩٩ ]
يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيدٍ
وفي رواية سيبويه حرف النفي من "يبقى" محذوف، والأصل: لا يبقى، وهو جواب القسم، كقوله تعالى: ﴿تالله تفتأ تذكر يوسف﴾ [يوسف/ ٨٥] وقوله: ذو حيد، بالحاء المهملة والمثناة التحتية، رواه المبرد بفتحتين، وجعله مصدرًا بمنزلة العوج والأود، وهو اعوجاج يكون في قرن الوعل، ورواه ثعلب بكسر أوله، وكذا السكري، وفسره بجمع حيدة، مثل حيض جمع حيضةٍ، والحيدة: العقدة في قرن الوعل، ومنهم من جعله جمع حيدٍ، وهو كل نتوء في القرن والجبل وغيرهما. وقال بعضهم: هو مصدر حاد يحيد حيدًا بالسكون، فحركة للضرورة، ومعناه الروغان، وروي: "ذو جيد" بالجيم، وهو جناح مائل من الجبل، وقيل: يعني به الظبي، والوعل: التيس الجبلي. وروى الحلواني: "ذو خدم" بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وقال: هو البياض المستدير في قوائم الثور، واحدها خدمةٌ، والمشمخر: الجبل العالي، والباء بمعنى في متعلقه بمحذوف هو صفة لـ"ذو حيد" وجملة "به الظيان والآس" صفة لمشمخر، والظيان بالظاء المعجمة، وتشديد المثناة التحتية: ياسمين البر، والآس: الريحان، وإنما ذكرهما إشارة إلى أنَّ الوعل في خصب، فلا يحتاج إلى أن ينزل إلى السهل فيصاد.
وأمية بن أبي عائذ -بالذال المعجمة- الهذلي: شاعر إسلامي مخضرم على ما في "الإصابة" وقال صاحب "الأغاني": هو من شعراء الدولة الأموية، له في عبد الملك ابن مروان وعبد العزيز قصائد، وقد أثبت السكري هذه القصيدة في "أشعار هذيل" لأبي ذؤيب الهذلي، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس من أول الكتاب، وعزاها الحلواني إلى مالك بن خالد الخناعي، نسبة إلى خناعة بن سعد بن هذيل، بضم الخاء المعجمة بعدها نون، وقال ابن السيد البطليوسي: رويت للفضل بن عباس
[ ٤ / ٣٠٠ ]
ابن عتبة بن أبي لهب، وقيل: لعبد مناف الهذلي، وقيل: لأبي زبيد الطائي، والله أعلم. وقد وقع المصراع الشاهد في قصيدة ميمية لساعدة بن جؤيّة الهذلي هكذا:
تالله يبقى على الأيّام ذو حيدٍ أدفى صلودٌ من الأوعال ذو خدم
والأدفى بألف مقصورة: الذي يذهب قرنه إلى نحو ذنبه، والصلود: الذي يقرع الجبل بظلفه، وهما صفتان لـ"ذو حيد" والخدم، بفتحتين: خطوط في قوائمه. وهذه قصيدة طويلة رثي بها جماعة، وغالب ألفاظها ومعانيها عويص، تقدَّم شرح مطلعها في الإنشاد الثاني والستين من بحث "أم" ويأتي منها بيتان في بحث "مهما" وفي الباب الثالث أيضًا. وقد تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثالث من أوَّل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٤) فيالك من ليلٍ كأن نجومه بكلِّ مغار الفتل شدَّت بيذبل
على أنَّ اللام في "لك" للتعجب بلا قسم، ولام التعجب إذا كانت مع المنادى كما هنا فتحت، وإذا كانت مع غيره كسرت، كما في البيت الذي بعده، قال المصنف غي "شرح بانت سعاد": قوله: فيالك من ليل، الأصل: يا إياك أو يا أنت، ثمَّ لما دخلت [عليه] لام الجر للتعجب انقلب الضمير المنفصل المنصوب أو المرفوع ضميرًا متصلًا مخفوضًا. انتهى. فاللام فيه للتعجب تدخل على المنادى إذا تعجب منه. وقال المرادي في "شرح الألفية": اللام فيه للاستغاثة، استغاث به منه لطوله كأنه قال: يا ليل [ما] أطولك، وقوله: من ليل قال الرضي: هو تمييز مجرور بمن، وهو
[ ٤ / ٣٠١ ]
تمييز عن الفرد الذي هو الضمير المبهم، وفيه أنَّ الضمير قد تقدَّم مرجعه في البيت الذي قبله، وهو:
ألا أيُّها الليل الطَّويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأفضل
فالتمييز فيه عن النسبة لا عن المفرد، و"من" قيل لبيان الجنس، وقال أبو حيان في "الارتشاف": لتبعيض، وقيل: زائدة في الكلام الموجب، ولهذا يعطف على موضع مجرورها بالنصب، كقول الحطيئة:
يا حسنة من قوامٍ مّا ومنتقبًا
قاله المرادي. وقوله: بكل الباء متعلقة بشدت، بالبناء للمفعول، والمغار: اسم مفعول من أغرت الحبل إغارةً: إذا أحكمت فتله، ويذبل: اسم جبل لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل، وصرف هنا للضرورة. يقول: إنَّ نجوم الليل لا تفارق محالها، فكأنها مربوطة بكل حبل محكم الفتل في هذا الجبل؛ وإنما استطال الليل لمقاساة الأحزان فيه. وقوله: ألا أيها الليل انجل: أمر بمعنى انكشف، والياء نشأت من إشباع الكسرة، والإصباح: الصباح، والأمثل: الأفضل، وقد أورد البيت في "التلخيص" على أنَّ صيغة الأمر فيه للتمني، تمنى زوال ظلام الليل بضياء الصبح، ثمَّ قال: وليس الصباح بأفضل منك عندي؛ لاستوائكما في مقاساة الهموم أو لأن يظلم في عينه لتوارد الهموم، فليس الغرض طلب انجلاء من الليل، لأنه لا يقدر عليه، وإنما تمناه تخلصًا مما يعرض له فيه، ولاستطالته ليلته، كأنه لا يرتقب انجلاءها ولا يتوقعه، فلهذا حمل على التمني دون الترجي، والبيتان من معلقة امرئ القيس، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٥) شبابٌ وشيبٌ وافتقارٌ وثروةٌ فلله هذا الدَّهر كيف تردَّدا
[ ٤ / ٣٠٢ ]
على أن اللام في "لله" للتعجب، والبيت من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس البكري، مدح بها النبي، ﷺ، ولم يوفق للإسلام، قال جامع ديوانه ابن حبب: وقال الأعشى عند ظهور النبي ﷺ هذه القصيدة، وأقبل حتى دخل مكة، وقد سمع قراءة الكتب، فنزل على عتبة بن ربيعة، فسمع به أبو جهل فأتاه في فتيةٍ من قريش، وأهدى إليه هديةً ثمَّ سأله: ما جاء بك؟ قال: جئت إلى محمد ﷺ، لأني كنت سمعت الكتب؛ لأنظر ماذا يقول وما يدعو إليه. فقال له أبو جهل: إنه يحرم عليك الأطيبين: الخمر والزنا. فقال: لقد كبرت، وما لي في الزنا حاجة. قال: إنه يحرم الخمر، قال: فما أحل؟ فجعلوا يحدثونه أسوأ ما يكون من الكلام والفعل، ثمَّ قالوا: أنشدنا ما قلت فيه، فأنشدهم هذه القصيدة، فلما فرغ منها قالوا: لو أنشدته هذا لم يقبل منك، فلم يزالوا به حتى صدّوه، فخرج من فوره فأتى اليمامة، فمكث زمنًا يسيرًا فمات بها. انتهى.
وهذا الخبر لا يصح، فإن الأعشى كان قاصدًا المدينة المنورة؛ ليجتمع بالنبي ﷺ، بدليل قوله في قصيدته:
فإنَّ لها في أهل يثرب موعدًا
وأبو جهل كان قد قتل في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، وأيضًا تحريم الخمر متأخر عن قتل أبي جهل، فكيف يخبر الأعشى بتحريمها!
وقال ابن هشام في "السيرة": خرج الأعشى إلى رسول الله ﷺ يريد الإسلام، ومدحه بهذه القصيدة، فلما كان بمكة أو قريبًا منها اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنا! فقال الأعشى: والله إنَّ ذلك
[ ٤ / ٣٠٣ ]
لأمر ما لي فيه من أرب، فقال: فإنه يحرم الخمر! فقال الأعشى: أما هذه فو الله إن في النفس منها لعلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم، فانصرف فمات من عامه ذلك، ولم يعد إلى رسول الله ﷺ. انتهى وقال السهيلي في (الروض الأنف): هذه غفلة من ابن هشام ومن قال بقوله، فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا بالمدينة بعد أن مضت بدر وأحد، وحرمت في سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل، فإن صح خبر الأعثى وما ذكر له في الخمر، لم يكن هذا بمكة وإنما كان بالمدينة إن صح، ويكون القائل له: أما علمت أنه يحرم الخمر، من المنافقين أو من اليهود. وفي القصيدة ما يدل على هذا قوله: فإن لها في أهل يثرب موعدًا
وقد ألفيت للقالي رواية عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: لقي الأعثى عامرًا بن الطفيل في بلاد قيس، وهو مقبل إلى رسول الله ﷺ، وذكر له أنه يحرم الخمر فرجع، فهذا أولى بالصواب. انتهى.
وقد وقع من هذه القصيدة شواهد في مواضع من هذا الكتاب في ليس، وفي ما، وفي مذ، وفي حرف الألف، وفي الباب الخامس، ونحن نوزع شرحها على هذه المواضع نشرح جملة أبيات منها مع شرح كل شاهد، فنقول أول القصيدة:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السَّليم مسهَّدا
وما ذاك من عشق النِّساء وإنما تناسيت قبل اليوم خلَّة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خاتر إذا أصلحت كفَّاي عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار ونزوة البيت
كذا في رواية ابن حبيب. قوله: ألم تغتمض عيناك .. الخ، يأتي شرحه إن شاء الله في الباب الخامس في الإنشاد الواحد والخمسين بعد الثمانمائة. وقوله: وما ذاك، الإشارة لما تقدم في البيت من التململ والسهر والقلق، وتناسيت بـ (تا) الخطاب،
[ ٤ / ٣٠٤ ]
والخلَّة، بالضم: الصداقة والمحبة، ومهدد، كجعفر: اسم امرأة، وقوله: ولكن أرى .. الخ، التفت من الخطاب إلى التكلم، واستدراك أن ذلك التململ ليس من عشق الغانيات، وإنما هو جور الدهر، والخاتر بالراء، قال ابن حبيب: الخاتر: الغادر، والختر: الغدر، وروي (خائن) بالنون، وقوله: شباب وشيب .. الخ، قال ابن حبيب: يقول: هذه أحوال الدهر وتصرفه، فلله هو كيف يتصرف. انتهى. وأشار إلى أن هذه الأمور خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أحوال الدهر شباب وشيب .. الخ، بمعنى أن هذه الأمور تحدث منه ويتصرف في الإنسان على مراده، وإن كان ظاهر كلامه بعكس ما قلنا، فإنه جعل هذه الأمور مبتدأ، وأخبر عنه بالأحوال، و(لله) الجار والمجرور خبر مقدم، وهذا الدهر: مبتدأ مؤخر، والتردد: الرجوع إلى الشيء مرة بعد مرة للتصرف فيه، (وكيف) المقصود بها التعجب أيضًا، قال ابن الشجري في (أماليه) بعد إنشاد البيت: جعل الخبر والاستفهام جميعًا تعجبًا. انتهى. وروى ابن هشام وغيره: (كهولًا وشبّابًا فقدت وثروة). وترجمة الأعثى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٦) ومن يك ذا عظمٍ صليبٍ رجا به ليكسر عود الدَّهر فالدَّهر كاسره
على أن اللام زائدة في مفعول الفعل المتعدي المتأخر عن الفعل، فإن (رجا) فعل متعد، فكان القياس: رجا به أن يكسر عود الدهر. قال ابن مالك في (شرح التسهيل): لا تزاد اللام إلا مع مفعول به، بشرط أن يكون عامله متعديًا إلى واحد، فإن كانت زيادتها لتقوية عامل ضعيف بالتأخر نحو ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ [يوسف/٤٣] أو لكونه فرعًا في العمل نحو: ﴿إن ربَّك فعّال لما يريد﴾ [هود/١٠٧] جاز القياس على ما سمع منها، وإن كانت بخلاف ذلك قصرت على السماع نحو: (ردف لكم) [النمل/٧٢] ومنه قول الشاعر:
ومن يك ذا عودٍ صليبٍ رجا به البيت
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وخصَّ ابن عصفور زيادتها في مثل هذا البيت بالضرورة، قال: ومنها زيادة اللام على المفعول في حال تأخره عن الفعل العامل فيه تقوية للعمل، نحو قول ابن ميادة:
وملكت ما بين العراق ويثرب البيت
يريد: أجار مسلمًا ومعاهدًا، وقول الآخر:
فلمّا أن توافينا قليلًا أنخنا للكلاكل فارتمينا
يريد: أنخنا الكلاكل، وقد يجيء ذلك في سعة الكلام، نحو قوله تعالى: ﴿قل عسى أن يكون ردف لكم﴾ [النمل/٧٢] أي: ردفكم، لأنَّ ذلك لا يحسن إلاَّ في الشعر، فلذلك أورد في الضرائر. انتهى. وفي (شرح التسهيل) لناظر الجيش: قال ابن أبي الربيع: اختلف الناس في زيادة اللام: فأما سيبويه فلم يذكر ذلك، وتابعه عليه أبو علي، وذهب المبرد إلى زيادتها مستدلًاّ بقوله تعالى: (ردف لكم) المعنى: ردفكم، وبقوله تعالى: ﴿إن كنتم للُّرؤيا تعبرون﴾ [يوسف/٤٣] لأنك تقول: عبرت الرؤيا، ولا تقول: عبرت للرؤيا، فأما هذه الآية الشريفة فلا دلالة له فيها عندي؛ لأنَّ العامل قد تأخر، وإذا تأخر عن منصوب يصل إليه بنفسه، جاز دخول حرف الجر، وذلك أن الفعل إذا تأخر ضعف وصوله إلى مفعوله، فجاز أن يقوى بحرف يصل إليه، وأما الآية الشريفة الثانية فالاستدلال بها أقوى من الأولى إلاَّ أنه يمكن أن يضمِّن ردف معنى تهيّأ، والتقدير: عسى أن يكون تهيّأ لكم بعض الذي تستعجلون، وإذا أمكن أن يبقى الحرف على معناه، فلا سبيل إلى ادعاء الزيادة؛ لأنَّ الزيادة في الشيء خروج عن موضع الشيء. انتهى.
وقد روي البيت هكذا:
ومن يك ذا عودٍ صليبٍ يعده ليكسر ..
فتكون اللام للتعليل لا زائدة، وبعده: مضارع أعده لكذا، أي: هيأه له.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
والبيت من أبيات لتوبة الحميري الخفاجي العامري، أوردها له الآمدي في كتاب (المؤتلف والمختلف) قال: من الشعراء توبة بن الحمير بن سفيان بن كعب ابن خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى أبا حرب، فارس شاعر، وهو صاحب ليلى الأخيلية، وهو القائل فيها:
أرى النَّأي من ليلاك سقمً وقربها حيًا كحيا الغيث الذي أنت ناظره
ولو سألت للناس يومًا بوجهها سحاب الثُّريّا لاستهلَّت مواطره
ومن يبق مالًا عدَّةً وضنانةً فلا الشُّحُّ مبقيه ولا الدَّهر وافره
ومن يك ذا عودٍ صليبٍ يعدُّه ليكسر عود الدَّهر فالدَّهر كاسره
وشعره وخبره في (كتاب بني عقيل). انتهى. وتوبة: بفتح المثناة الفوقية. وسكون الواو بعدها موحدة، والحمير: بتشديد الياء، على لفظ مصغر الحمار، قال ابن قتيبة في (كتاب الشعراء): كان توبة بن الحمير شاعرًا لصًا، وأحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته ليلى الأخيلية الشاعرة، ولها فيه مراثٍ جيّدة منها القصيدة التي مطلعها:
أيا عين بكِّي توبة بن حميِّرٍ بسحٍّ كفيض الجدول المتفجِّر
وأرى: بمعنى أعلم، والنأي: البعد، وهو المفعول الأول، وسقمًا: المفعول الثاني، والحيا بالقصر: المطر، وأراد بالغيث السحاب، والضنانة، بالفتح: البخل، وقوله: ومن يك .. الخ، يقول: من أراد غلبة الدهر بقوته فالدهر غالبه لا محالة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٧) وملكت ما بين العراق ويثربٍ ملكًا أجار لمسلمٍ ومعاهد
لما تقدم قبله يريد: أجار مسلمًا ومعاهدًا، والمعاهد: اسم مفعول من العهد، وهو الأمان والذمة، ومنه قيل للحربي الذي يدخل بالأمان: ذو عهد ومعاهد،
[ ٤ / ٣٠٧ ]
وملكت: من ملك على الناس أمرهم، إذا تولى السلطنة، فهو ملك، بكسر اللام، والاسم ملك، بالضم كما هنا، فهو مفعول مطلق، والعراق: بلاد من عبادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، يذكر ويؤنث، سميت بذلك لأنها على عراق النهرين: دجلة والفرات، أي: شاطئيها، ويثرب: مدينة الرسول ﷺ، غير منصرف للعلمية والوزن والتأنيث، وصرف هنا للضرورة.
والبيت من قصيدة لابن ميادة مدح بها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان أمير المدينة المنورة، ومنها:
من كان أخطأه الربيع فإنَّه نصر الحجاز بغيث عبد الواحد
إن المدينة أصبحت محمودة بمتوَّجٍ حلو الشمائل ماجد
وتقدَّمت ترجمة ابن ميادة في الإنشاد الثامن والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٨) أريد لأنسى ذكرها فكأنّما تمثل لي ليلى بكلِّ سبيل
لما ذكره، وعند المبرد الإضافة، تقول: لزيد ضربت، ولعمرو أكرمت، إنما تقديره إكرامي لعمرو وضربي لزيد، فأجرى الفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول؛ لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام، كما قال تعالى: ﴿إن كنتم للرُّؤيا تعبرون﴾ [يوسف/٤٣] وإذا أخر المفعول فهو عربي حسن، والقرآن محيط بجميع اللغات الفصيحة، قال ﷿: ﴿وأمرت لأن أكون أول المسلمين﴾ [الزمر/١٢]، والنحويون يقولون في قوله تعالى: (ردف لكم) [النحل/٧٢] إنما هو ردفكم، وقال كثير: أريد لأنسى ذكرها .. البيت. انتهى.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
والبيت من قصيدة لكثير عزَّة أوردها العيني في شواهد الإضافة والسيوطي أورد بعضها هنا، وهي مشهورة، قال الأصبهاني في (الأغاني): أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام، قال: كان لكثير في النسيب حظ وافر، وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب، وكان كثير رواية جميل، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير بعاشق لكنه يتقول، وكان الناس يستحسنون بيت كثير في النسيب:
بيت كثير في النسيب:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما .. البيت
قال: ورأيت من يفضل عليه بيت جميل:
خليليَّ فيما عشتما هل رأيتما قتيلًا بكى من حب قاتله قبلي
قال ابن سلام: وهذا الذي لكثير أخذه من جميل حيث قال:
أريد لأنسى ذكرها فكأنَّما تمثَّل لي ليلى على كل مرقب
قال: ولقي الفرزدق كثيرًا فقال له الرزدق: يا أبا صخر، أنت أنسب العرب في قولك:
أريد لأنسى ذكرها فكأنَّه .. البيت
يعرض له بسرقته من جميل، فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حيث تقول:
ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقَّفوا
يعرض له بسرقته من جميل أيضًا. فقال الفرزدق: ها كانت أمك ترد البصرة؟
قال: لا، ولكن أبي كان كثيرًا يردها. انتهى. وزاد القالي في (ذيل أماليه) بعد هذه الحكاية: قال طلحة بن عبد الله: والذي نفسي بيده، لعجبت من كثير وجوابه، وما رأيت قط أحمق منه. رأيتني أنا وقد دخلت عليه ومعي جماعة من
[ ٤ / ٣٠٩ ]
قريش، وكان عليلًا، فقلنا: كيف تجدك يا ابا صخر؟ قال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئًا؟ وكان يتشيع، فقلنا: نعم، يتحدثون أنك الدجال، قال: والله لئن قلت ذاك، إني لأجد ضعفًا في عيني هذه منذ أيام! انتهى. وقال المرزباني في (الموشح): أخبرنا عبد الله بن بيان قال: قال الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان قال: كانت عقيلة بنت عقيل بن أبي طالب تجلس للناس، فبينا هي جالسة إذ قيل لها:
العذري بالباب، فقالت: ائذنوا له، فدخل فقالت له: أنت القائل:
فلو تركت عقلي معي ما بكيتها ولكن طلابيها لما فات من عقلي
إنما تطلبها عند ذهاب عقلك! لولا أبيات بلغتني عنك ما أذنت لك، وهي:
علقت الهوى منها وليدًا فلم يزل إلى اليوم ينمى حبها ويزيد
فلا أنا مرجوع بما جئت طالبًا ولا حبُّها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتها فيعود
ثم قيل: هذا كثير بالباب، فقالت: ائذنوا له، ثمَّ أقبلت عليه فقالت: أما أنت يا كثير فألأم العرب عهدًا في قولك:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثَّل لي ليلى بكل سبيل
ولم تريد أن تنسى ذكرها؟ ! أما تطلبها إلاَّ إذا مثلت لك؟ ! أما والله لولا بيتان قلتهما ما التفت إليك، وهما قولك:
فيا حبَّها زدني جوى كلَّ ليلةٍ ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعي الدَّهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدَّهر
انتهى. وقال ابن عبد ربه في (العقد الفريد) قال بعض الناس: إن كان كثيّر يحبها فلماذا يريد أن ينسى ذكرها؟ ! هلاَّ قال كما قال مجنون بني عامر:
[ ٤ / ٣١٠ ]
فلا خفَّف الرَّحمن ما بي من الهوى ولا أقلع الرَّحمن عن حبِّها حبِّي
فما سرَّني أنَّي خليُّ من الهوى ولو أنَّ لي ما بين شرقٍ إلى غرب
وقد أخذ أبو نواس معنى بيت كثير، ونقله إلى المدح فقال:
ملك تصوَّر في القلوب مثاله فكأنما لم يخل منه مكان
وترجمة كثير تقدَّمت في الإنشاد التاسع عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة:
(٣٥٩) يا بؤس للحرب الَّتي وضعت أراهط فاستراحوا
على أن اللام مقحمة بين المتضايفين لتوكيد الاختصاص، قال ابن الشجري في (أماليه): قال أبو العباس المبرد: من قال: يا بؤسنًا لزيد، جعل النداء بمعنى الدعاء على المذكور، وكذلك قول سعد بن مالك بن ضبيعة:
يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا
كأنه دعاء على الحرب، وأراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام. انتهى. وقد أوضح ابن جني توكيد الاختصاص في (إعراب أبيات الحماسة) فقال: أراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام توكيدًا للإضافة، ومثله بيت النابغة:
يا بؤس للجهل ضرَّارًا لأقوام
أي: يا بؤس الجهل. ومثل ذلك في زيادة الحرف لتوكيد المعنى به زيادة (لا) لتوكيد النفي قوله:
[ ٤ / ٣١١ ]
من غير لا عصفٍ ولا اصطراف
أي: من غير عصف، ونحو من ذلك زيادة ياء الإضافة في الأوصاف لتوكيد معنى الصفة نحو قولهم: أحمر وأحمري، وأشقر وأشقري، فأكدوا معنى الوصف بها. انتهى. ومعنى (وضعت أراهط) أي: أخملتهم، فلم يكن لهم ذكر في هذه الحرب، فاستراحوا من مكابدة شرها ومقاساة حرِّها. وأراهط: جمع أرهط، قال رؤبة:
هو الذَّليل نفرًا في أرهطه
وأرهط: جمع رهط، ورهط الرجل: قومه وقبيلته الأدنون. قال ثعلب: الرهط، والنفر، والقوم، والمعشر والعشيرة: معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وهذا تعريض بقعود الحارث بن عباد- بضم العين وخفة الموحدة- عن الحرب، فإن الحارث كان قد اعتزل الحرب مع قومه حين هاجت بين بكر وتغلب لقتل كليب، ويقال لها: حرب البسوس، وقال: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل. ولما لم يقف الدماميني على منشأ هذا الشعر قال: يتعجب من شدة الحرب التي ذهبت بتلك الأراهط. انتهى.
والبيت مطلع قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا لسعد بم مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، أوردها أبو تمام في (الحماسة) وبعده:
والحرب لا يبقى لجا حمها التخيُّل والمراح
إلا الفتى الصَّبَّار في النجدات والفرس الوقاح
وهما من شواهد سيبويه، وأردهما على أن الفتى وما بعده بدل من التخيل والمراح على الاتساع والمجاز.
[ ٤ / ٣١٢ ]
والجاحم: بتقديم الجيم على الحاء المهملة: المكان الشديد الحر، من جحمت النار فهي جاحمة: إذا اضطرمت، ومنه الجحيم، والتخيل: التكبر، من الحيلاء، يقول: إنها تزيل نخوة المنخو، والمراح، بكسر الميم: النشاط، أي إنها تكف حدة النشيط، وهذا أيضًا تعريض بالحارث، والصبّار: مبالغة صابر، والنجدة: الشدة والبأس في الحرب، والوقاح بفتح، الواو: الفرس الذي حافره شديد صلب، ومنه الوقاحة، وفيها:
من صدَّ عن نيرانها فأنا ابن قيسٍ لا براح
ويأتي إن شاء الله تعالى شرحه في بحث (لا) وقد شرحنا هذا الشعر، وأوردنا ما يتعلق به في شرح الشاهد الواحد والثمانين وفي شرح الشاهد الواحد والعشرين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وسعد بن مالك بن ضبيعة البكري صاحب هذا الشعر هو جد طرفة بن العبد الشاعر، قال الآمدي: كان سعد هذا أحد سادات بكر بن وائل وفرسانها في الجاهلية، وكان شاعرًا، وله أشعار جياد في كتاب بني قيس بن ثعلبة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٠) إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلًا فإني لست آكله وحدي
على أن اللام في (له) قيل إنها زائدة للتقوية، والصحيح أنها للتعليل لما ذكره المصنف. قال الدماميني: كلامه قابل للبحث، وذلك أن قوله: أكيلًا بمعنى مؤاكل، غير مسلم؛ لجواز أن يكون بمعنى آكل، قال صاحب (الصحاح): الأكيل: الذي يؤاكلك، والأكيل أيضًا: الأكل، فيمكن أن يكون محولًا عن مجازٍ للفعل للمبالغة، بأن يكون لأكل الزاد مبالغًا قي الأكل، وهذا أليق بمقصد الشاعر في التمدح بالكرم. هذا كلامه. وأقول: هذه غفلة عن آخر البيت، فإنه قال: لست آكله وحدي، وعن مرود الشعر، قال الأصبهاني في (الأغاني): أخبرنا
[ ٤ / ٣١٣ ]
ابن دريد قال: حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: تزوج قيس ابن عاصم المنقري منفوسة بنت زيد الفوارس الضبي، وأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام، فقال: فأين أكيلي؟ ! فلم تعلم ما يريد، فأنشأ يقول:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلًا فإني لست آكله وحدي
أخًا طارقًا أو جار بيت فإنني أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادًا وجاره خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخلٍ يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني لعبد الضيف ما دام ثاوبًا وما في إلاَّ تلك من شيم العبد
فقالت تجيبه:
أبى المرء قيس أن يذوق طعامه بغير أكيل إنَّ ذا لكريم
فبوركت حيًا يا أخا الجود والندى وبوركت ميتًا قد حوتك رجوم
والرجوم بالجيم: جمع رجم- بفتحتين- وهو القبر كأسود جمع أسد، قال ابن جني في (إعراب الحماسة): أراد ابنة واحدة، ولكنه أعادها لاتصال المضاف [بالمضاف] إليه، ويدلّك على أنها ابنة واحدة لا أكثر قوله: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له .. زلم يقل: صنعتن. انتهى. قال التبريزي في (شرح الحماسة): عنى بذي البردين عامر بن أحمير بن بهدلة، وإنما لقب به لأنَّ الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء، فأخرج بردين وقال: لقيم أعز العرب قبيلة فليأخذها، فقام عامر فأخذهما، فقال له المنذر: أنت أعز العرب قبيلة، قال: العز والعدد في معدّ، ثمَّ في نزار، ثمَّ في مضر، ثمَّ في خندف، ثمَّ في ثميم، ثمَّ في سعد، ثمَّ في كعب، ثمَّ في عوف، ثمَّ في بهدلة، فمن أنكر هذا فليفاخرني؛ فسكت الناس، ثمَّ قال: أنا أبو عشر، وأخو عشرة، وعم عشرة، ثمَّ وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها
[ ٤ / ٣١٤ ]
فله مائة من الإبل، فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، وفاز بالبردين. انتهى. والفرس الورد: بين الكميت والأشقر. وقوله: لست آكله وحدي، يجوز أن يكون بكسر الكاف وفتح اللام على أنه اسم فاعل خبر ليس، ويجوز ضم الكاف واللام على أنه مضارع مع فاعله، يكون خبر ليس. وقيس بن عاصم صحابي قدم في وفد تميم سنة تسع على رسول الله ﷺ، وكان سيدًا عاقلًا حليمًا. وقيل: الشعر لحاتم الطائي، وقيل: لعروة بن الورد، وقيل: لغير ذلك. وقد تقصَّينا الكلام على قائله، وشرح هذه الأبيات في شرح ديباجة (شرح بانت سعاد) للمصنف، فإن فيه فوائد عزيزة الوجود ولله الحمد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦١) هذا سراقة للقرآن يدرسه
تمامه:
والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
على أنهم قالوا: الضمير في يدرسه مفعول مطلق لا ضمير القرآن، قال السيرافي:
الهاء في يدرسه للمصدر، تقديره: للقرآن يدرس درسًا، وكنى عن الدرس ولو قلنا: ضربته زيدًا على هذا التأويل لجاز. تقديره: ضربت الضرب زيدًا، وكنى عنه لأنَّ الضرب قد دلَّ عليه ضربت، ولا يحسن أن يكون الهاء ضمير القرآن، لأنَّ القرآن وإن كانت فيه اللام، فقد جعل بمنزلة المفعول، واللام صلة يدرس، ولو قلنا: القرآن يدرسه، لم يجز أن ينصب القرآن بيدرس والهاء ضميره، وكذلك قوله تعالى: ﴿للذين هم لربهم يرهبون﴾ [الأعراف/١٥٤] ولا يجوز يرهبونه، والهاء للرب تعالى، ومثل هذا قول زهير بن جناب:
من كل ما نال الفتى قد نلته إلاَّ التَّحيَّه
على معنى: قد نلت النيل، وحق الكلام: من كل ما نال الفتى قد نلت، كأنه قال: كل ما نال الفتى قد نلت، ومن أجل الهاء كان الأصمعي ينكر هذه الرواية، ويروي: (ولكل ما نال الفتى قد نلته) وكان لا يتوهم في نلته المصدر. هذا آخر
[ ٤ / ٣١٥ ]
كلامه. وقال أبو علي في (الحجة) عند قوله ﷿: (ولولا دفع الله الناس) [البقرة/ ٢٥١] الهاء في يدرسه للمصدر، ألا ترى أنها لا تخلو من أن تكون للمصدر أو للمفعول به؟ فلا يجوز أن يكون للمفعول به؛ لأنه قد تعدى إليه الفعل باللام، فلا يكون أن يتعدى إليه مرة ثانية، فإذا لم يجز ذلك علمت أنه للمصدر. انتهى. وقال أيضًا في (التذكرة القصرية) لا يجوز أن يكون على إضمار فعل يفسره يدرسه لأجل حرف الجر، ولا يجوز أن يكون مثل: بحسبك زيد؛ لقلته، ولكن التقدير: هذا سراقة للقرآن يدرسه درسًا، فالهاء ضمير المصدر، كما قال سيبويه في (ظننته) إنه ظننت الظن، وقد يجوز أن يكون (للقرآن) بمنزلة (لك) في قولك: سقيًا لك، أتى للبيان، ويكون الهاء ضمير القرآن. فإن قيل: يكون التقدير على هذا تأخير القرآن وهذا يؤدي إلى أنه أضمر قبل الذكر، قيل: قد حصل شرط الإضمار، وهو تقدم الضمير منه في اللفظ، والتقدير به التأخير غير ضائر إذ حصل شرط الإضمار، وهو تقدمه في اللفظ. انتهي. وبه يسقط قول المصنف في حواشي (التسهيل): إن (للقرآن) مبتدأ، واللام زائدة، مثلها في بحسبك زيد.
وقال أبو علي في (الحجة) أيضًا: قرأ ابن عامر: (اقتده) بكسر الدال وإشمام الهاء الكسر، من غير بلوغ ياء، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر، لا التي تلحق للوقف، وحسن إضماره لذكره الفعل الدال عليه، ومثل ذلك قول الشاعر:
فجال على وحشيه وتخاله على ظهره سبتًا جديدًا يمانيا
قال: تخال خيلانًا على ظهره سبتًا جديدًا، فعلى متعلق بمحذوف، وعلى هذا قول الشاعر: هذا سراقة للقرآن .. البيت. فالهاء كناية عن المصدر، ودل يدرسه على الدرس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن؛ لأنَّ الفعل قد تعدى إليه باللام، فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره، كما أنك إذا قلت: أزيدًا ضربته؟ لم تنصب زيدًا بضربته، لتعديه إلى الضمير. ومثل ذلك ما حكاه أبو الحسن من قراءة بعضهم: ﴿ولكلٍّ وجهة هو مولّيِها﴾ [البقرة/ ١٤٨] فاللام متعلق بمول، والهاء كناية
[ ٤ / ٣١٦ ]
عن التولية فعلى هذا قراءة ابن عامر وقياسيتها إذا وقف عليه أن يقول: (اقتده) فيسكن هاء الضمير، وفي الوصل بإشباع كسرتها. انتهى. وقد أورد سيبويه هذا البيت في كتابه لغير ما ذكر. قال: ولا يحسن: إن تأتني آتيك، من قبل أنَّ (إن) هي العاملة، وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي:
إنَّك إن يصرع أخوك تصرع
أي: إنك تصرع إن يصرع أخوك. ومثل ذلك قوله:
هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الرُّشا إن يلقها ذيب
أي: والمرء ذئب غن يلق الرشا. قال الأصمعي: هو قديم أنشدنيه أبو عمرو. انتهى كلام سيبويه. وكذا أورده ابن السراج في (الأصول) وأورده أبو حيّان في (تذكرته)، قال: متى جزم الشرط لم يستغن عن جوابه إلا في الشعر، وأنشده. قال الأعلم في (شرح شواهد سيبويه) تقديره عنده: والمرء عند الرشا ذئب إن يلقها، والمبرد يجعله على إرادة الفاء.
هجا الشاعر رجلًا من القراء، نسب إليه الرياء، وقبول الرشا، والحرص عليها. والهاء في يدرسه كناية عن المصدر، والفعل متعدَّ باللام إلى القرآن لتقدمه على حد قولك: لزيد اضرب، والتقدير: هذا سراقة يدرس القرآن درسًا. انتهى كلامه. وكان القياس أن يقال: وهو عند الرشا، بالضمير، لكنه أعاده ظاهرًا مساويًا له بلام العهد.
وقد أبعد الدماميني في ظنه أن سراقة هذا هو سراقة بن جعشم الصحابي، وجعل المرء رجلًا آخر، وجعل البيت في وصف رجلين، أحدهما ممدوح والآخر مهجوّ، وحرّف في المصراع الثاني ثلاث تحريفات، قال: سراقة أظنه سراقة بن جعشم المدلجيّ من الصحابة، والرشا بكسر الراء: الحبل، وقصره للضرورة، وأنَّثه على معنى الآلة، والمرء: مبتدأ، وذئب خبره، وعند الرشا، متعلق به، لما فيه من معنى التأخر،
[ ٤ / ٣١٧ ]
والمعنى: إن يلق إنسان الرشا فهو عند إلقائها، يريد: إن سراقة درس القرآن فتقدم، والمرء متأخر عند اشتغاله بما لا يهم، كمن امتهن نفسه في السقي وإلقاء الأرشية في الآبار. هذا كلامه، والتحريف الأول: الرشا جعله بالكسر، وتكلف له تكلفين، والثاني: في (إن يلقها) جعله من الإلقاء، والثالث: ذنب، جعله بالذال والنون.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٢) أحجَّاج لا تعطي العصاة مناهم ولا الله يعطي للعصاة مناها
على أن اللام زيدت شذوذًا مع أحد المفعولين المتأخرين عن الفعل المتعدي، والبيت لليلى الأخيلية وقد رواها الجاحظ في كتاب (المحاسن والمساوئ) والمرزباني في كتاب (أشعار النساء" والقالي في (أماليه) والحصري في (زهر الآداب) وغيرهم، والجميع متفقون على روايته كذا:
ولا الله لا يعطي العصاة مناها
ولم أر رواية المصنف لأحد من الرواة، ولا من استشهد به من النحويين كما استشهد به المصنف. وأتم من روى هذه الأبيات القالي، ولهذا اخترنا روايته، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثني أبي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمن حدثه، عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة على الحجاج إذا دخل، فلما رآها طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فإذا امرأة قد أسنت، حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما رماني بك؟ ! فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدَّة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد. فقال لها: صفي الفجاج، فقالت: الفجاج مغبرَّة، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذو العيال مختل،
[ ٤ / ٣١٨ ]
والهالك للقلّ، والناس مسنتون، ورحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبطلة، لم تدع لنا هبعًا ولا ربعًا، ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال. ثمَّ قالت: إني قد قلت في الأمير قولًا، قال: هاتي، فأنشأت تقول:
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنما المنايا بكفَّ الله حيث تراها
أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم ولا الله لا يعطي العصاة مناها
إذا هبط الحجّاج أرضًا مريضةً تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدَّاء العضال الذي بها علام إذا هزَّ القناة سقاها
سقاها فروَّاها بشربٍ سجاله دماء رجال حيث نال حشاها
إذا سمع الحجّاج صوت كتيبةٍ أعدَّ لها قبل النُّزول قراها
أعدَّ لها مسمومةً فارسيَّةً بأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثله ببحرٍ ولا أرضٍ يجفُّ ثراها
قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجّاج: قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها! ثمَّ التفت إلى عنبسة فقال: والله إني لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدًا، ثمَّ التفت إليها فقال: حسبك، ثمَّ قال: يا غلام اذهب إلى فلان فقل له: اقطع لسانها، فذهب بها فقال: يقول لك الأمير اقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجّام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمّك، إنما أمرك أن تقطع لساني بالصِّلة، فبعث إليه يستثنيه، فاستشاط الحجّاج غضبًا، وهمَّ بقطع لسانه، وقال: ارددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد والله يقطع مقولي. ثمَّ أنشأت تقول:
حجّاج أنت الذي ما فوقه أحد إلا الخليفة والمستغفر الصَّمد
حجّاج أنت شهاب الحرب إن لفحت وأنت للناس نور في الدُّجى تقد
ثم أقبل الحجّاج على جلسائه، فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله، إلاَّ أنّا لم نر قط أفصح لسانًا، ولا أحسن محاورةً، ولا أملح وجهًا، ولا أرصن
[ ٤ / ٣١٩ ]
شعرًا منها! قال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها، قم التفت إليها وقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة، فقالت: نعم أيها الأمير:
وهل تبكتن ليلى إذا متُّ قبلها وقام على قبري النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها وجاد لها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أناله بلى كلُّ ما قرَّت به العين صالح
فقال لها: زيدينا من شعره، فقالت هو الذي يقول:
حمامة بطن الواديين ترنَّمي سقاك من الغرِّ الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشط ناعمًا ولا زلت في خضراء غضٍ نضيرها
وأشرف بالقور البقاع لعلَّني أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت لقد رابني منها الغداة سفورها
يقول رجال لا يضرُّك نأيها بلى كل ما شفتَّ النفوس يضيرها
بلى قد يضرُّ العين أن تكثر البكا ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقال لها الحجاج: يا ليلى ما الذي رابه من سفورك؟ قالت: أيها الأمير إنه كان يلمّ بي كثيرًا، فأرسل إليَّ يومًا إني آتيك، وفطن الحي فأرصدوا له، فلما أتاني سفرت، فعلم أن ذلك لشرّ، فلم يزد على التسليم والرجوع، فقال: لله درك! فهل رأيت منه شيئًا تكرهينه؟ قالت: لا والذي أسأله أن يصلحك، إلا أنه قال مرة قولًا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فأنشأت أقول:
وذي حاجةٍ له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه وأنت لأخرى صاحب وخليل
فلا والله ما رأيت منه شيئًا، حتى فرَّق الموت بيني وبينه (قال ثم مه! قالت:)
[ ٤ / ٣٢٠ ]
ثمَّ لم ألبث أن خرج في غزاةٍ له، فأوصى ابن عمه إذا أتيت الحاضرين من بني عبادة فناد بأعلى صوتك:
عفا الله عنك هل أبيتنَّ ليلةً من الدَّهر لا يسري إليَّ خيالها
وأنا أقول:
وعنه عفا ربّي وأحسن حاله فعزَّ علينا حاجة لا ينالها
[قال ثم مه! قالت:] ثم لم يلبث أن مات فأنا أبكيه، قال: أنشديني بعض مراثيك فيه، فأنشدته:
لتبك العذارى من خفاجة نسوة بماء شؤون العبرة المتحدر
فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجاج: من الذي تقول هذه هذا فيه؟ ! فو الله إني لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثمَّ قالت: أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسرَّه أن لا تكون في داره عذراء إلاَّ وهي حامل منه، قال الحجّاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت عنه غنيًا! ثمَّ قال لها: سلي يا ليلى تعطي، قالت: أعط فمثلك أعطى وأحسن، قال: لك عشرون، قالت: زد فمثلك زاد فأجمل، قال: لك أربعون، قالت: زد فمثلك زاد فأفضل، قال: ستون، قالت: زد فمثلك زاد فأكمل، قال: لك ثمانون، قالت: زد فمثلك زاد فتمم، قال: لك مائة واعلمي أنها غنم، قالت: معاذ الله أيها الأمير! أنت أجود جودًا، وأورى زندًا من أن تجعلها غنمًا! قال: فما هي ويحك؟ ! قالت: مائة من الإبل برعاتها، فأمر لها بها، ثمَّ قال لها: ألك حاجة؟ قالت: تدفع إليَّ النابغة الجعدي، قال: قد فعلت، وكانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربًا عائذًا بعبد الملك، فأتبعته إلى الشام، فخرج إلى قتيبة بن مسلم بخراسان، فخرجت على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة، فماتت بقومس، ويقال بحلوان.
[ ٤ / ٣٢١ ]
قال أبو علي: قولها: إخلاف النجوم، تريد: أخلفت النجوم التي يكون بها المطر، فلم تأت بمطر، وكلب البرد: شدته، والرفد: المعونة، والفج: كل سعة بين نشازين. وقولها: المبرك معتلّ، أرادت الإبل، فأقامت المبرك مقامها لعلم المخاطب، والمختل: المحتاج، والخلَّة: الحاجة، وقولها: والهالك للقلّ، أي: من أجل القلَّة. ومسنتون: مقحطون، والسنة: القحط. وقولها: مبلطة أي: ملزقة بالبلاط، وهي الأرض الملساء، والهبع: ما نتج في الصيف، والربع: ما نتج في الربيع، والعافطة: الضائنة والعفط: الضَّرط، والنَّافطة: الماعزة، والنفط: العطاس، يقال: نفطت تنفط: إذا عطست. إلى هنا كلام القالي.
قال ابن قتيبة في كتاب (الشعراء): ليلى الأخيلية: هي بنت عبد الله بن الرحّالة ابن كعب بن معاوية، ومعاوية: هو الأخيل بن عبادة.
وهي من أشعر النساء، لا يقدم عليها غير الخنساء، وكانت تهاجي النابغة الجعدي، ودخلت على عبد الملك وقد أسنت، فقال لها: ما رأي توبة فيك حين عشقك؟ قالت: ما أرى الناس فيك حين جعلوك خليفة؟ فضحك حتى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٣) كأنَّ قلوب الطَّير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العنَّاب والحشف البالي
على أن قوله: رطبًا حال، وعاملها حرف التشبيه لما فيه من معنى الفعل. وقد أطنب المصنف في هذه المسألة، وأوردها في الباب الثالث.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
والبيت من قصيدة طويلة لامرئ القيس، تقدَّم شرح أولها في بحث (قد) وبعضها في بحث (ربَّ) وبعضها في بحث (الباء) وقبله:
فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجةٍ وكان عداء الوحش مني على بال
كأني بفتخاء الجناحين لقوةٍ صيود من العقبان طأطأت شيمالي
تخطَّف خزَّان الشَّربة بالضُّحى وقد جحرت منها ثعالب أورال
كأنَّ قلوب الصَّير البيت
قوله: فعادى عداءً .. الخ. وصف فرسه بأنه صاد عليها ثورًا ونعجة في طلق واحد، وقوله: كأني بفتخاء الجناحين، الفتحاء بالخاء المعجمة: العقاب الليِّنة الجناح، واللِّقوة، بكسر اللام وسكون القاف، والعقاب الأنثى، والخفيفة السريعة، وطأطأت: حركت، والجملة خبر كأني، والباء متعلقة به، وشيمالي: أصله شمالي، أراد يده الشمال خلاف اليمين، فتولدت الياء من كثرة الشين، قال ابن قتيبة في كتاب (أبيات المعاني) يقول: كأني بمطأطأتي هذه الفرس طأطأت فتخاء، وهي العقاب، سميت بذلك لفتخٍ في جناحها، والفتخ: اللين إذا انقضّت، وشيمال وشملال: خفيفة. وقال أبو عبيدة: أراد شمالي فزاد ياء، كما قالوا من يانع الثيمار، أراد: الثمار، ويقال: فلان يطأطئ في ماله، أي: يسرع. انتهى. ورواه الصاغاني في (العباب) طأطأت شملالي وقال: قال أبو عمرو: أراد بقوله: شملالي، يده الشمال، قال: والشملال والشمال سواء، وقال أبو عبيدة: من روى شيمالي بزيادة الياء بين الشين والميم، أراد الشمال فزاد ياء. انتهى. وقال أيضًا: طأطأ الفارس فرسه: غذا ركضه بفخديه، ثمَّ حركه للحضر وشمالي: مفعول طأطأت، وخصّ الشمال لأنها تمسك العنان، يقول: لما حركت شمالي بعنان هذه الفرس لتسرع، فكانت كأنها عقاب انقضَّت على الصيد، وقوله: تخطف، أصله تتخطف، فحذفت التاء، والفاعل ضمير الفتخاء، وخزَّان مفعوله، وهو بكسر
[ ٤ / ٣٢٣ ]
الخاء وتشديد الزاء المعجمتين، جمع خزر، بضم أوله وفتح ثانيه، وهو ذكر الأرانب. والشربة، بفتح الشين والموحدة المشددة: موضع، وجحرت: دخلت جحرها بضم الجيم، وهو الموضع الذي يحتفره السباع والهوام لأنفسها مأوى لها، وأورال، بفتح الألف: موضع، يريد أن ثعالب هذا الموضع توارت في جحرتها، فلا ترعى خوفًا من هذه العقاب.
وقوله: كأنَّ قلوب الطير .. الخ، وصفها بكثرة صيدها للطيور تأخذ قلوبها لتغذي به فراخها، واليابس منها هو الفاضل من الغذاء. قال ابن قتيبة: والقلوب أطيب ما في الطير، فهي تأتي به فراخها. انتهى. وقال غيره: إنَّ العقاب تأكل الطيور إلاَّ قلوبها. وأنشد هذا البيت، وقول صخر الغي الهذلي:
ولله فتخاء الجناحين لقوة توسد فرخيها لحوم الأرانب
كأنَّ قلوب الطَّير في جوف وكرها نوى القسب ملقى عند بعض المآدب
جمع مآدبة، وهي الدعوة التي يتخذها الإنسان لأصحابه، فيكون المراد بالرطب واليابس: الجديد والقديم، والوكر بالفتح: عشُّ الطائر أين كان في جبل أو شجر، والعنّاب: ثمر معروف، والحشف بفتح الحاء المهملة، والشين المعجمة: أردأ التمر، وهو الذي يجف من غير نضج ول إدراك، فلا يكون له لحم، الواحدة حشفة، شبه القلب الرطب بالعناب في الحمرة، واليابس منه بالحشف البالي في اليبوسة والسواد. قال المبرد: هذا البيت بإجماع الرواة أحسن ما جاء في تشبيه شيئين مختلفين في حالين مختلفين. انتهى. وهو من شواهد علماء البيان للتشبيه الملفوف، وهو أن يؤتى بالمشبهات أولًا بعطف أو غيره، ثمَّ بالمشبه بها كذلك، وقد ضمّن ابن نباتة المصري المصراع الثاني، وقد دنا من امرأة مخضوبة البنان، فلم ينعظ ذكره، فقال:
[ ٤ / ٣٢٤ ]
دنوت إليها وهو كالفرخ مطرق فوا خجلي لمَّا دنوت وإذلالي
فقلت امعكيه بالأنامل فالتقى لدي وكر هالعنَّاب والحشف البالي
وترجمة امرئ القيس تقدَّمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٤) فخير نحن عند البأس منكم إذا الدّاعي المثوّب قال يالا
عي أنَّ الكوفيين قالو في يا لزيد: أصله: يا آل زيد، فحذفت همزة آل للتخفبف، إحدي الألفين لإلتقاء الساكنين، واستدلوا بهذا البيت وقالوا: لو كانت اللاَّم جارَّة ما جاز الاقتصار عليها. قال الرضي: حكى الفراء عن بعضهم أنَّ أصل يا لزيد: يا آل يزيد، فخفف، وهو ضعيف، لأنه يقال ذلك فيما لا آل له، نحو: يا للد واهي ويا لله، ونحوهما. انتهى وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": ذكر المصنف الحلاف عن الكوفيين، وقال ابن عصفور: وحكى الفراء أن من الناس من زعم أنَّ اللام في: يا لزيد، ليست لام جر، بل بقية من آل، فظاهر حكاية الفراء أنه ليس مذهب الكوفيين. ويظهر أنه لم يقل بذلك وهو من روؤس الكوفيين، فكيف ينسب هذا المذهب للكوفيين؟ ومما يدل على بطلان هذا المذهب أنَّ العرب تقول: يالك، فلو كان أصله: يا آلك، لم يجز، لأنه لا يجوز: يا غلامك. انتهى.
وأجاب ابن مالك عن البيت بأنَّ أصله: يا قوم لا فرار ولا نفر. وقال أبو زيد في "نوادره": أراد يا لبي فلان، يريد حكاية الصارخ المستغيث. انتهى. وهذا مذهب أبي علي وأتباعه، خلطت لام الاستغاثة ب "يا" وجعلتا كالكلمة الواحدة وحكيتا، وصار المجموع شعارًا للاستغاثة، قال ابن جي في "الحصائص": فإن قلت: كيف جاز تعليق حرف الجر؟ قلت: لما خلط ب "لا" صار كالجزء منها، ولذلك شبه أبو علي ألفه التي قبل اللام باب ودار، فحكم عليها بالانقلاب،
[ ٤ / ٣٢٥ ]
وحسن الحال شيء آخر، وهو تشبث اللام الجارة بألف الإطلاق، فصارت كأنها معاقبة للمجرور، ألا ترى أنك لو أظهرت ذلك المضاف إليه وقلت: يا لبي فلان؛ لم يجز إلحاق الألف هنا في منابها عما كان ينبغي أن يكون بمكانها مجرى ألف الإطلاق في منابها عن تاء التأنيث في نحو قوله:
ولاعب بالعشيَّ بي بنيه كفعل الهرَّ يحترش العظايا
وقال في موضع آخر من "الحصائص": وسألني أبو علي عن ألف "يا" من قوله: "يالا" في هذا البيت فقال: أمنقلبة هي؟ قلت: لا؛ لأنها في حرف، فقال: بل هي منقلبة، فاستدللته علي ذلك، فاعتصم بأنها قد خلطت باللام بعدها، ووقف عليها فصارت اللام كأنها جزء منها، فصارت "يال" بمنزلة "قال" والألف في موضع العين وهي مجهولة، فينبغي أن نحكم بالانقلاب عن الواو، وهذا أجمل ما قاله، ولله هو، وعليه رحمته، فما كان أقوى قياسه، وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه، وكأنه إنما كان مخلوقًا له، وكيف لا يكون كذلك وقد أقام عليهذه الطريقة مع جلة أصحابه وأعيان شيوخها سبعين سنة؟ ! زائحة علله، ساقطة كلفه، لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلبًا، ولا يخدم به رئيسًا إلاَّ بأخره، وقد حطَّ من أثقاله، وألقى عصا ترحاله، ثمَّ إني لا أقول إلاَّ حقًا: إني لأعجب من نفسي في وقي هذا كيف تطوع لي بمسألة، أم كيف تطمح بي إلي انتزاع علة، مع ما الحال عليه من علق الوقت وأشجانه! ولولا مساورة الفكر واكتداده لكنت علي هذا الشأن بمعزل، وبأمر سواه على شغل. انتهى كلامه.
والبيت أورده أبو زيد في "النوادر" لزهير بن مسعود الضبي مع بيت بعده، وهو:
ولم تشق الغواتق من غيور بغيرته وخليَّن الحجالا
وقال: العواتق: التي لم تتزوَّج، يعي في الفزع والغارة، وتخرج من الحجال
[ ٤ / ٣٢٦ ]
لذلك، فلا يثقن بأن يمنعهن الأزواج والآباء والإخوة، فنحن عندهن أوثق منهم.
والمثوب: الذي يدعو الناس يستنصرهم، ومنه التثويب في الآذان. انتهى. وقال أبو علي في "التذكرة القصرية": سألت عن هذا البيت ابن الخياط والمعمري، فلم يجيبا إلاَّ بعد مدة، قالا: لا يخلو من أن يكون "نحن" ارتفع بخير أو بالابتداء، ويكون "خير" الخبر، أو يكون توكيدًا للضمير الذي في "خير" والمبتدأ محذوف، أي: نحن خير، لا جائز أن يرفع بخير؛ لأنَّ خيرًا لا يرفع المظهر البتة، ولا مبتدأ، للزوم الفصل بالأجنبي بين أفعل وبين من، وهو غير جائز، فثبت أن نحن تأكيد للضمير في خير. وقال في "البغداديات": فإن قال قائل: أيجوز أن يكون "فخير" خبرًا مقدمًا لما بعده، وهو "نحن" ويكون"منكم" غير صلة، ولكنها ظرف كقوله:
ولست بالأكثر منهم حصًا
وتقديره: ولست بالأكثر فيهم، لا على حد: هو أفضل من زيد، ألا ترى أنَّ الألف واللام تعاقب "من" هنا؟
فالجواب: إنه بعيد، وليس المعى عليه، إنما يريد: نحن خير منكم، وإنَّ الفزع إلينا، والاستغاثة بنا، نسد ما لا تسدون، ونمنع من الثغور ما لا تمنعون، ألا ترى أنَّ بعد هذا البيت:
ولم تثق العواتق من غيور .. البيت
وقوله: عند البأس، العامل فيه خير، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بالمبتدأ المحذوف على أن يكون التقدير: فنحن خير عند الناس منكم، يريد: نحن عند البأس خير منكم، لأنك أن نزلته هذا التنزيل، فصلت بين الصلة والموصول بما هو أجنبي منهما، ومتعلق بغيرهما، وأذا قدرت اتصاله بخبر، لم يكن فصل، كما لم يكن فصل بينهما من قولك: أحب إلى الله، ﷿، فيها الصوم. انتهى كلامه. وقد تكلم عليه
[ ٤ / ٣٢٧ ]
في سائر كتبه، ونقلنا كلامه في شرح الشاهد الرابع والثمانين من شواهد الرضي. والبأس بالموحدة: أراد به الحرب والشدة، والداعي: من دعوت زيدًا: إذا ناديته وطلبت إقباله، والأصل في المثوب أن المستغيث إذا كان بعيدًا، يتعرى ويلوح بثوبه رافعًا صوته ليرى، فيغاث. ووثق منه وبه: اطمأنَّ إليه وقوي قلبه. وجملة "لم تثق": معطوفة على مدخول إذا، وكذلك جملة "خلين الحجالا". والعواتق: جمع عاتق، وهي التي خرجت عن خدمة أبويها، وعن أن يملكها الزوج، والغيور: من غار الرجل علي حريمه يغار، من باب تعب، غيرة بالفتح، فهو غيور وغيران. وخلين: تركن، وصحفه أبو حيان بالحاء المهنلة وبالبناء للمجهول، على أنه من التحلية، وهو التزيين، والحجال: جمع حجلة، بفتح الحاء المهملة والجيم، وهو بيت كالقبَّة يسر بالثياب، ويكون له أزرار كبار، كذا في "النهاية" وفي "القانوس" أنه للعروس، وأخطأ العيي في زعمه جمع حجل، بكسر فسكون، بمعني الخلخال. وزهير بن مسعود الضبي: شاعر جاهلي. ونقلهما السيوطي أيضًا من "نوادر أبي زيد" وزاد أولهما بيتًا آخر لم أره في "الموادر" وعندي منها ثلاث نسخ صحاح لم أره فيها، وهو:
ومن يك باديًا ويكن أخاه أبا الضَّحَّاك ينتسج الشَّمالا
والله أعلم بحقيقة الحال.
وأنشد بعده:
فيا شوق ما أبقى ويالي من النَّوى ويادمع ما أجرى ويا قلب ماأصبى
وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الأربعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
ولقد جنيتك أكمؤًا وعسقالًا
[ ٤ / ٣٢٨ ]
وتمامه:
ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
وتقدَّم شرحه في الإنشاد السبعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٥) فتولّى غلامهم ثمَّ نادى أظليمًا أصيدكم أم حمارا
على أنَّ أصله: أصيد لكم، فحذفت اللام، واتصل الضمير بالفعل، فصار منصوبًا بعد أن كان مجرورًا. قال الأزهري في "التهذيب": صاد الصيد يصيده صيدًا: إذا أخذه، وصدت فلانًا صيدًا إذا صدته له، كقولك: بغيته حاجة، أي: بغيتها له. انتهى. وقال الليث: الحمار: العير الأهلي والوحشي، والظليم: الذكر من النعام، وقالت الليث أيضًا: والغلام: الطارّ الشارب، وجاء في الشعر: غلامة، للجارية، قال:
يهان لها الغلامة والغلام
وقد سمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام نجيب، وكل ذلك فاش في كلامهم. انتهي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٦) إذا قالت حذام فأنصتوها
تمامه:
فإنَّ القول ما قالت حذام
[ ٤ / ٣٢٩ ]
على أن أصله فأنصتوا لها، فحذفت اللام، فاتصل الفعل بالضمير، وكذا أنشده الفراء قبيل تفسير سورة النحل من كتاب "المعاني" قال إن العرب تقول: إني لآمرك وآمر بك، وأكفرك وأكفر بك، في معنى واحد، ومثله كثيير، منه قولهم، إذا قالت حذام فأنصتوها .. البيت
يريد: أنصتوا لها، وقال الله، وهو أصدق قيل: ﴿ألا إنَّ ثمود كفروا ربَّهم﴾] هود/٦٨ [هي في موضع آخر: (يكفرون بالله) و(كفروا بالله) انتهى كلامه ورواه المبرد في "الكامل" وأصحاب كتب الأمثال والأوائل: "فصدِّقوها" فلا حذف فيه، قال أبو طالب المفضل بن سلمة الضبي في كتاب "الفاخر": قولهم: "لو ترك القطا ليلًا لنام": أول من قاله حذان ابنة الديان، وذلك أنَّ عاطس بن خلاَّج بن سهم بن شمر بن ذي الجناح سار إلي أبيها في حمير وخثعم وهمدان، فلقيهم الدَّيان في أربعة عشر حيًا من أحياء اليمن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثمَّ تحاجزوا، وأنَّ الدَّيان خرج تحت ليله وأصحابه هرّابًا، فساروا يومهم وليلتهم، ثمَّ عسكروا، فأصبح عاطس، فغدا لقتالهم، فإذا الأرض منهم بلاقع، فجرَّد خليه في الطلب، فانتهوا ألى عسكر الدَّيان ليلًا، فلما كانوا قريبًا منه أثاروًا القطا، فمرت بأصحاب الديان، فخرجت حذام ابنة الديّان إلى قومها فقالت:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا فلو ترك القطا ليلًا لناما
أي: إن القطا لو نرك ما طار في هذه الساعة، وقد أتاكم القوم، فلم يلتفتوا إلي قولها، وأخلدوا إلى المضاجع لما نالهم من الكلال، فقام ديسم بن طارق فقال بصوت عالي:
إذا قالت حذام فصدِّقوها فإنَّ القول ما قالت حذام
وحكى أبو عبيدةأنه سمع ابن الكلبي يقول: إنَّ هذا البيت للجيم بن صعب
[ ٤ / ٣٣٠ ]
والد حنيفة، وعجل ابي لجيم، وكانت حذام امرأته، وثار القوم فلجؤوا إلى واد كان منهم قريبًا، واعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا منهم. انتهى كلامه. وكذا قال إسماعيل بن هبة الله الموصلي الشافعي في كتاب "الأوائل" وكذا في "مجمع الأمثال" للميداني.
وقال في باب القاف أيضًا: "القول ما قالت حذام" أي: القول المعتد به ما قالته، وإلاَّ فالصدق والكذب يستويان في أنَّ كلاَّ منهما قول يضرب في التصديق. قال ابن الكلبي: إنَّ المثل للجيم بن صعب، وكانت حذام امرأته، فقال فيها زوجها لجيم: إذا قالت حذام فصدّقوها .. البيت
ويروى: "فأنصتوها" أي: أنصتوا لها، كما قال تعالى: ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم﴾] المطففين/٣ [أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم. انتهى.
وقال الصاغاني في مادة: "ضرط" من "العباب": زعموا أنه كانت تحت لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل امرأة من عنزة بن أسد بن ربيعة، يقال لها حذام بنت العتيك بن أسلم بن عنزة بن أسد بن ربيعة، فولدت له عجل ابن لجيم، والأوقص بن لجيم، ثمَّ تزوَّج بعد حذام صفية بنت كاهل بن أسد بن خزيمة، فولدت له حنيفة بن لجيم ثمَّ إنه وقع بين امرأتيه تنازع، فقال لجيم
إذا قالت حذام فصدِّقوها فإنَّ القول ما قالت حذام
ويروي: "فأنصتوها": أي: فأنصتوا لها، فذهبت مثلًا. انتهى.
وهذه القصة مع أمثالها من أمور الجاهلية، وحذام مبني على الكسر.
والبيت الشاهد قيل: إنه لديسم بن طارق، وقيل: للجيم زوج حذام، وكلاهما جاهليان. والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٧) لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
[ ٤ / ٣٣١ ]
على أنَّ الجيد أن يقدر قوله: "لها" مؤخرًا عن قوله: "سبلًا" وكان صفة لها، فلما قدم عليها صار حالًا منها، وهذا تخريج ابن الشجري قال في "أماليه": هذا البيت مأخوذ من قول أبي تمام:
لو حار مرتاد المنيَّة لم يجد إلاَّ الفراق على النُّفوس دليلا
والأحباب: جمع حبّ، كعدل وأعدال، ومثله في الوصف نقض وأنقاض، ولا ينبغي أن يكون جمع حبيب، كشريف وأشرف، ويتيم وأيتام لأمرين، أحدهما: أنَّ الأوَّل أقيس وأكثر، والثاني: أنَّ يتيمًا وشريفًا من باب فعيل الذي بمعني فاعل، وحبيبًا من باب فعيل بمعنى مفعول، فأصله محبوب، كما أنَّ قتيلًا أصله مقتول، فقد افترقا، والمصدر الذي هو مفارقة مضاف إلى فاعله، وليس بمضاف إلى مفعوله، كإضافة السؤال في قوله تعالى: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك﴾] ص/٢٤ [ولا يحسن أن يقدر: لولا مفارقة المحبين الأحباب، وإن كان ذلك جائزًا من طريق الإعراب، لأنَّ المحب لا يوصف بمفارقة محبوبه، وإيجاد سبيل للمنية إلى روحه، وإنما هو مفارَق، أي: بفتح الراء، لا مفارِق.
وقوله: لها، من الحشو الذي لا فائدة فيه، لأنَّ المعنى غير محتاج إليه، فهو من الزيادات الموضوعة لإقامة الوزن. وقد حمل عدم الفائدة به بعض أدباء المغرب على أن جعله جمع لهاة، على حدّ حصاةٍ وحصًا، وأضافه إلى المنايا، ورفعه بإسناد "وجدت" إليه، فاستعار للمنايا لهوات، على معنى أنها كشيءٍ يبتلع الناس، والمراد أفواه المنايا، ولكنه استعمل اللها في موضع الأفواه، لمجاورة اللهاة للفم، وهذا قول محتمل لو كان مرادًا للشاعر، وهو لعمر الله يشبه طريقته في الاستعارات. وإذا لم يكن مرادًا له حملت "لها" على ما تريده العرب مبالغة في التبيين، وإن كان الكلام مستغنيًا عنه كقولك: ما وجدت لي إليك طريقًا، فقولك:
[ ٤ / ٣٣٢ ]
"لي" زيادة، ومثل قول محمد بن يزيد الأموي:
فلا قدرت عليك يد اللَّيالي ولا وجدت إليك لها سبيلا
وقد جاء في بيت للشمّاخ ما هو أنفر من هذا، وهو قوله:
وكنت إذا لاقيتها كان سرُّنا لنا بيننا مثل الشِّواء الملهوج
المعنى غير مفتقر إلى قوله: لنا بيننا، والملهوج من الشواء: الذي فيه نيوءة، فأما موضع قوله: لها، فإنه وصف في المعنى لسبلًا، فالأصل: سبلًا كائنة لها، فلما قدمه صار حالًا من سبل، ومثله قوله: إلى أرواحنا، الأصل: سبلًا مسلوكة إلى أرواحنا، فلما قدم بطلت الوصفية فيه، وحكم بأنه حال. هذا آخر كلام ابن الشجري. وأشار بترك ذكر تعلق "لها" بوجدت إلى ما يرد عليه من تعدي فعل الظاهر إلى ضميرهالمتصل، كما ذكره المصنف. والبيت من قصيدة للمتني مدح بها سعيد بن عبد الله بن الحسين الكلابي ومطلعها:
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا والبين جار على ضعفي وما عدلا
وتقدَّم شرحه في الإنشاد التاسع من أوَّل الكتاب مع ترجمته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٨) فلا تستطل منِّي بقائي ومدَّتي ولكن يكن للخير منك نصيب
على أنَّ اللام الجازمة محذوفة تقديرها: ولكن ليكن وأورده الفراء في "تفسيره"
[ ٤ / ٣٣٣ ]
عند قوله تعالى: ﴿والَّذين يتوفَّون منكم ويذرون ازواجًا وصيَّة﴾] البقرة/٢٤٠ [قال: "يكن" مجزوم بنية الأمر؛ لأنَّ أوَّل الكلام نهي. وقوله: "ولكن" نسق وليست بجواب، ولكن ليكن للخير فيك نصيب، ومثله قول الآخر:
من كان لا يزعم أنّي شاعر فيدن مني ننهه المزاجر
فجعل الفاء جوابًا للجزاء، فأضمر في "ليدن" لا ما يجزم بها، وقال الآخر:
فقلت ادعي وأدع فإنَّ أندى لصوتٍ أن ينادي داعيان
أراد: ولأدع. وفي قوله: وأدع، طرف من الجزاء، وإن كان أمرًا قد نسق أوله على آخره، وهو مثل قول الله ﷿: ﴿اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾] العنكبوت/١٢ [والله اعلم. انتهى.
وعدَّ ابن عصفور حذف اللام الجازمة من الضرائر الشعرية، قال: إضمار الجازم وإبقاء عمله أقبح من إضمار الخافض وإبقاء عمله، لأنَّ عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء، فمما جاء من ذلك قوله:
محمَّد تفد نفسك كل نفسٍ .. البيت
وقوله:
قلت لبوَّابٍ لديه دارها .. البيت
يريد: لتيذن. وقوله: أنشده الفراء:
من كان لا يزعم أني شاعر .. البيت
يريد: فليدن. وقوله:
[ ٤ / ٣٣٤ ]
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي البيت
يريد: أو لبيك. وقوله:
فقلت ادعي وأدع فإنَّ أندي .. البيت
يريد: ولأدع، فحلف الجازم في جميع ذلك، وهو الأمر للضرورة، انتهى.
خاطب الشاعر ابنه بهذا البيت لما سمع أنه يتمني موته، ولم أقف على قائلة، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الثلاثمائة:
(٣٦٩) محمَّد تفد نفسك كلُّ نفس إذا ما خفت من شيءٍ تبالا
على أنَّ لام الأمر محذوفة منه، والأصل لتفد، قال سيبويه: واعلم أنَّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر، وتعمل مضره، كأنهم شبهوها ب"أن" إذا أعملوها مضمرة، وقد قال الشاعر: محمد تفد نفسك .. البيت. وإنما أراد لتفد، وقال متمم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي .. البيت
أراد: ليبك. انتهى. قال الأعلم: هذا من أقبح الضرورات؛ لأنَّ الجازم أضعف من الجار، وحرف الجر لا يضمر، وقد قيل: إنه مرفوع حذفت لامه ضرورة، واكتفى بالكسرة منها، وهذا أسهل في الضرورة وأقرب. وقال النحاس: سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد ينشد هذا البيت ويلحّن قائله، وقال: أنشده الكوفيون، ولا يعرف قائله ولا يحتج به، ولا يجوز مثله في شعر ولا غيره؛ لأنَّ الجازم لا يضمر، ولو جاز هذا لجاز يقم زيد، بمعنى: ليقم،
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وحروف الجزم لا تضمر، فبعد أن حكى لنا أبو الحسن هذه الحكاية وجدت هذا البيت في كتاب سيبويه يقول فيه، وحدثني أبو الخطاب أنه سمع هذا البيت ممن قاله. قال أبو إسحاق الزجاج احتجاجًا لسيبويه: في هذا البيت حذف اللام، وإنما سماه إضمارًا لأنه بمنزلته، وأما قوله: "أو يبك من بكى" فهذا البيت لفصيح وليس هذا مثل الأول وإن كان سيبويه قد جمع بينهما، وذلك أنَّ المعطوف يعطف على اللفظ وعلى المعنى، فعطف الشاعر على المعنى؛ لأنَّ الأصل في الأمر أن يكون باللام، فحذفت تخفيفًا، والأصل: فلتخمشي، ويبك، فيكون الثاني معطوفًا على معنى الأوَّل. انتهى كلامه.
وقال ابن الشجري في "أماليه" وقال بعضهم: هو خبر يراد به الدعاء، وأصله: تفدي، فاحتاج إلى حذف، وإن كان المراد به الخبر، كما حذفت في التنزيل من (نبغي) في قوله تعالى: ﴿فذلك ما كنَّا نبغ﴾] الكهف/٦٤ [، والتَّبال: الإهلاك، تبلهم الدهر: أفناهم. انتهى.
ومحمد: منادى بتقدير "يا" مبني على الضم، والتَّبال، يفتح المثناة الفوقية بعدها موحدة: سوء العاقبة، قاله الأعلم. والبيت من الأبيات الخمسين التي لم يعرف قائلها، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٠) دوامي الأيد يخبطن السَّريحا
على أنَّ أصله: دوامي الأيدي، فحذفت الياء لضرورة الشعر، وأكتفى بالكسرة الدالة عليها. وأورده سيبويه في أول الكتاب في باب ما يحتمل الشعر، قال: اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما ينصرف، وحذف ما لا يحذف، يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفًا، كما قال:
[ ٤ / ٣٣٦ ]
وطرت بمنصلي في يعملات دوامي الأيد يحبطن السَّريحا
قال ابن خلف: الشاهد أنه حذف الياء من الأيدي، وهي جمع يد، واكتفىبالكسرة، كأنه أدخل الألف واللام على محذوفه. انتهى. وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومن الناس من أنكر على سيبويه وغيره من النحويين جعلهم حذف الياء من الأيدي وأمثاله من ضرورة الشعر، واستدلَّ على ذلك بأنه قد جاء في القرآن حذف الياء في غير رؤوس الآي، وقرأ به عدَّة من القراء، كقوله ﷾: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد﴾] الإسراء/٩٧ [في آي غيرها، وهذا لا يلزم النحويين؛ لأنهم أرادوا من لغته إثبات الياء في الأيدي، وأمثاله قد يحذفها في الضرورة. انتهي. وروي:
خفاف الوطء يحبطن السَّريحا
فلا حذف فيه، وهو من أبيات لمضرّس بن ربعي الأسدي، وهي:
وضيف جاءنا واللَّيل داجٍ وريح القرِّ تحفز منه روحا
فطرت بمنصلي في يعملات خفاف الوطء يحبطن السَّريحا
فعضَّ بساق دوسرة عليها عتيق النَّيِّ لم تحضر لقوحا
وقلت لحاطبي لا تحبسنِّي بنزع أصوله واجدزَّ شيحا
فلمّا أن تعجَّلنا شواء قليل النضج لكن قد أليحا
خلطت لهم مدامة أذرعات بماء سحابة خضلًا تضوحا
وفتيان شويت لهم شواءً سريع الشَّي كنت به نجيحا
قوله: وضيف .. الخ، الواو نائبة عن ربَّ، وجملة "جاءنا" صفة لضيف، وجملة "والليل داج"، أي: مظلم، حال، وجملة، وريح القرِّ: معطوفة على الجملة الحالية، والقرّ: البرد، وتحفز بالحاء المهملة والفاء والزاء المعجمة، أي:
[ ٤ / ٣٣٧ ]
تدفع. كأنَّ هذا الضيف لما قاسى من شدة البرد، ضعفت روحه، فصارت ريح القرِّ تدفع روحه من جثته لتخرجها منه. وقوله: فطرت .. الخ، هذه الجملة المعطوفة على جواب ربّ المحذوف، أي: تلقيته بإكرام فطرت، والمنصل، بضم الميم والصاد: السيف، واليعملة، بفتح أوله وثانيه: الناقة القوية على العمل، وخفاف: جمع خفيفة، وروي: "دوامي الأيدي" دميت أيديها من شدة السير، ووطئها على الحجارة، ويخبطن السريحا، أي: يطأن بأخفافهن الأرض، وفي الأخفاف السريح، وهي خرق تلفّ بها أيدي الإبل إذا دميت وأصابها وجع، واحدتها سريحة.
وقوله: بمنصلي، في موضع الحال من التاء، أي: أسرعت ومعي سيفي، وأقبلت على اليعملات فعرقبت ناقة منها، وأطعمت لحمها لضيفي، يريد أنه نحر لضيفه راحلة من رواحله وهو مسافر مع احتياجه إليهن.
وقوله: فعض، فاعله ضنير المنصل، والدوسرة: الناقة الضخمة، والجمل دوسر، وجملة "عليها عتيق النيّ" صفة لدوسرة، والنيُّ، بفتخ النون: الشحم، والعتيق: القديم، يريد أنها كانت سمينة، وفاعل تحضر ضمير الدوسر، ولقوحا: حال، وهي الحلوب، أي: لم تكن قريبة العهد بالنتاج فتجون ضعيفة.
وقوله: بنزع أصوله، الباء سببية، والضنير راجع إلى الحطب المفهون من حاطبي، واجذر: افتعل من الجز، وهو القطع، وأصله في الصوف، يقول: لا تقلع أصول الحطب وعروقه، واجتف بقطع الشيح، فهو أسهل وأسرع. وروى علماء التصريف هذا البيت كذا:
فقلت لصاحبي لا تحبسانا بنزع أصوله واجدزَّ شيحا
وبسطنا الكلام عليه في شرح الشاهد الثالث والثلاثين بعد المائتين من شواهد "شرح الشافية" للرضى.
وقوله: لقد أليحا، مجهول ألحت الشيء بالنار، أي: أحميته، ويقال أيضًا: لوّحته، والمدامة: الخمر، وأجودها عندهم خمر أذرعات، وهي من قرى الشام،
[ ٤ / ٣٣٨ ]
والخضل: الشيء الرطب، وأراد مزجها بالماء، والنضح: الشرب دون الريّ، وضمير كنت به للشيء، ويجوز أن يريد: كنت بعملي، لأنَّ الذي ذكره عمل، والنجيح: المنجح.
ومضرس بن ربعي: شاعر جاهلي، وهو بزنة اسم فاعل من التضريس، وربعيّ، بكسر الراء وسكون الموحدة وتشديد الياء، وهو فقعسي نسبة إلى فقعس، وهو أبو قبيلة من أسد بن خزيمة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧١) على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي لك الويل حرَّ الوجه أو يبك من بكى
على أنَّ اللام الجازمة محذوفة تقديرها: أو لبيك من بكى. وتقدَّم نقل كلام سيبويه، وتوجيه الزجَّاج في شرح قوله:
محمّد تفد نفسك كلُّ نفس
وأوردهما أيضًا سيبويه في باب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" قال: واعلم أنَّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر، وتعمل مضمرة كأنهم شبهوها بأن إذا أعملوها مضمرة، وقد قال الشاعر: محمد تفد نفسك .. البيت، وإنما أراد: لتفد، وقال متمم بن نويرة: على مثل أصحاب البعوضة .. البيت أراد: لبيك انتهي كلامه.
وكذا قال ابن السراج في "الأصول" وزاد قوله: ولا يجوز أن تضمر "لم" ولا "لا" في ضرورة شاعر، ولو أضمرت لالتبس التفي بالإيجاب، وقال أيضًا بعد هذا في وضع آخر: والنحويون يجيزون إضمار هذه اللام للشاعر إذا اضطر، وينشدون لمتمم بن نويرة: على مثل أصحاب البعوضة .. وقول الآخر: محمد تفد نفسك .. البيتين. قال أبو العباس: ولا أدري ذا على ما قالوا؛ لأنَّ عوامل الأفعال لا تضمر وأضعفها الجازمة، ولكن بيت متمم يحمل على المعنى إذا قال: فاخشعي، فهو في
[ ٤ / ٣٣٩ ]
موضع: فلتخمشي، فعطف الثاني على المعنى، وأما البيت الآخر فليس بمعروف، علي أنه في كتال سيبويه على ما ذكرت لك. انتهى كلامه.
ويرده رواية: "ولبيك من بكى" نقلها أبو عبيدة في "مقاتل الفرسان".
قال أبو عبيد البكري: البعوضة على لفظ التي ضرب الله تعالىبها المثل، وهي ماءة في حمى فيد، بينها وبين فيد ستة عشر ميلًا، وقال أبو حاتم عن الأصمعي: البعوضة: رملة في أرض طي. وهذان القولان متقاربان، لأنَّ فيدًا شرقي سلمى أحد جبلي طي، قال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكًا: على مثل أصحاب البعوضة .. البيت، ومالك إنما قتل يوم بطاح، فدلَّ قوله أنَّ البعوضة قبل بطاح. انتهى.
وقال في بطاح: هو بضم الموحدة، وبالطاء والحاء المهملتين، ويقال بكسر أوله أيضًا، وهي أرض في بلاد بني تميم، وهناك قتل خالد بن الوليد أهل الردة من بني تميم وبني أسد، وهناك قتل مالك بن نويرة اليربوعي. انتهى. وقال ياقوت في "معجم البلدان" البعوضة: ماءة لبني أسد بنجد قريبة القعر. انتهى، وكذا قال الصاغاني في "العباب" وأنشد هذا البيت، وقال الأعلم: البعوضة هنا: موضع بعينه، قتل فيه رجال من قومه، فحض على البكاء عليهم، ومعنى اخمشي: اخدشي. انتهى. ومتمم بن نويرة من الصحابة، ﵃. وتقدمت ترجمته وسبب قتل أخيه مالك في الإنشاد الواحد والخمسين في بحث "أم".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٢) قلت لبوّاب لديه دارهما تئذن فإنِّي حمؤها وجارها
على أنه أراد: لتأذن، فحذف اللام الجازمة، وكسر حرف المضارعة، وهو مضارع أذن له إذنًا، كعلم يعلم علمًا: إذا أطلق له فعله. وأنشده الجوهري في مادة "حمي يحمى" قال: وكل شيء من قبل الزوج مثل الأب والأخ، ففيه أربع
[ ٤ / ٣٤٠ ]
لغات: حمًا مثل قفًا، وحمو مثل أبو، وحم مثل أب، وحمء، ساكنة النيم مهموزة عن اافراء، وأنشد: قلت لبواب لديه دارها .. الخ، ويروى حمها بترك الهمزة. انتهى. وكذا في "المقصور والممدود" للقالي، وزاد لغة خامسة عن اللحياني، وهي: حمؤها، بفتح الميم والهمز، وفي "المصباح": قال ابن فارس: الحمء: أبو الزوج وأبو امرأة الرجل، وقال في "المحكم": وحمء الرجل: أبو زوجته أو أخوها أو عمها، فحصل من هذا أن الحمء يكون من الجانبين كالصهر، وهكذا نقل الخليل عن العرب. انتهى. وقال العيني: هو من رجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وهو:
جارية بسفوان دارها لم تدر ما الدَّهنا ولا تسفارها
قد أعصرت أو قد دنا إعصارها تمشي الهويني ساقطًا خمارها
ينحلُّ من غلمتها إزارها قلت لبواب لديه دارها
إلى آخره. وسفوان، بالتحريك: ماء بين ديار بني شيبان وديار بني مازن، على أربعة أميال من البصرة عند جبل سنام، ومكان سفوان من البصرة كمكان القادسية من الكوفة، والد هنا: اسم رمال في ديار بني تميم، والتسفار: مبالغة السَّفر، قال الصاغاني: يقال للجارية أول ما تدرك وتحيص: معصر ومعصرة، لانعصار رحمها، أو لأنها دهلت عصر شبابها، أو بلغته، وأنشد ابن دريد:
معصرة أو قد دنا إعصارها
والغلمة بالضم: شهوة الجماع، وفعله من باب فرح. وتقدَّمت ترجمة منظور ابن مرثد الأسدي في الإنشاد التاسع والستين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٣) لا نسب اليوم ولا خلًّة إتَّسع الخرق على الرّاقع
[ ٤ / ٣٤١ ]
على أن همزة اتسع همزة وصل، وقد قطعها الشاعر هنا في الدرج للضرورة، وحسنَّه هنا أنه في أول الشطر الثاني. قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": قطع ألف الوصل في الدرج إجراء لها مجراها في حال ابتدأها أكثر ما يكون ذلك في أولَّ النصف الثاني، قال حسان:
لتسمعنَّ وشيكًا في دياركم الله أكبر يا ثارات عثمانا
وقال:
ولا يبادر في الشِّتاء وليدنا القدر ينزلها بغير جعال
ألا ترى أنَّ همزة الوصل الداخلة علي لام التَّعريف مقطوعة، وقال آخر:
اتَّسع الخرق على الرّاقع
ألا ترى أنه قطع ألف اتسع، وهي ألف وصل، وقد يقطع في حشو البيت، وذلك قليل، ومنه قول ابن الخطيم:
إذا جاوز الاثنين سرُّ فإنَّه بنثّ وتكثير الوشاه قمين
والبيت من شواهد سيبويه في باب "لا النافية للجنس" قال الاعلم: الشّاهد فيه نصب المعطوف، وتنوينه علي إلغاء لا الثانية وزيادتها لتأكيد النفي، ولو رفعت الخلة على الموضع لجاز. وصف شدة إصابته تبرأ منه فيها الولي والصديق وضرب اتساع الخرق مثلًا لتفاقم الأمر، وقطع الألف من "اتسع" ضرورة، وساغ له ذلك لأنَّ الشطر يوقف عليه، ثمَّ يستأنف ما بعده فيبتدأ به. انتهى. وحكى ابن جني في "اعراب الحماسة" عن يونس أن "خلةً" مما نون اضطرارًا وأنَّ الحركة بل التنوين حركة بناء لا حركة إعراب، وإنما دخل التنوين لخلة اضطرارًا لإقامة الوزن، وأنه إنما أراد: ولا خلة، فكما أنَّ ضمة راء "مطر" من قوله:
سلام الله يا مطرُ عليها
[ ٤ / ٣٤٢ ]
ضمَّة بناء، فكذلك فتحة تاء خلة فتحة بناء. انتهى. واشتهر آخر البيت بالراقع، وصوابه "الراتق" وإلاَّ يلزم أن يكون مركبًا من شعرين، والمصراع الذي آخره الراقع صدره غير هذا المذكور، وإنما هو من شعر أورده الآمدي في "المؤتلف والمختلف" لابن حمام الأزدي الجاهلي، بضم الحاء المهملة وبميمين، وهو:
كفا نداريها وقد مزِّقت واتَّسع الخرق على الرَّاقع
كالثَّوب إن أنهج فيه البلى أعيى علي ذي الحيلة الصانع
وأنهج الثوب: أخذ في البلى والتَّمزق، الذي أوله:
لا نسب اليوم ولا خلَّةً
إنما هو من شعر لابن حارثة السلمي قال أبو محمد الأسود الاعرابي في كتاب "فرحة الأديب": قرأت على أبي الندى في في كتاب بني سليم قال: جاور أبو عامر بن حارثة السلمي أخواله بني مرة، فأطردوا إبله، فخرج هو ومرة بن جارية، وسنّة ابن جارية، وسنان بن جارية، حتى أوقعوا ببني مرّة بين أبانين، وهما جبلان، فقتلوا أناسًا منهم، وأطردوا إبلًا منهم عظيمة، فقال أبو عامر في ذلك:
أعرف أخوالي وأدعوهم كأنَّ أمي ثمَّ من بارق
لا نسب اليوم ولا خلَّةً اتَّسع الخرق على الرَّاتق
إنَّ بغيضًا نسب فاسخ ليس بموثوقٍ ولا واثق
أسيافنا تأخذ أولاهم خطف عصيِّ المورد الواسق
لا صلح بيني فاعلموه ولا بينكم ما حملت عاتقي
سيفي وما كنَّا بنجد وما قرقر قمر الواد بالشّاهق
ومعنى قوله: وما قرقر قمر الواد بالشاهق، يعني: أنه يجيء من السيل ما لا يمكن
[ ٤ / ٣٤٣ ]
الطير أن يسكن الرياض، فيلجأ إلى الالأشجار والجبال الشواهق، فحينئذ يكثر الكلأ والخصب، فتهيج الحرب بينهم. انتهى كلام الأسود.
وبارق أبو قبيلة باليمن، واسمه: سعيد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن مزيقياء ابن عامر، وهو ماء السماء. والراتق: الذي يلحم الفتق، وبغيض: أبو حي وهو بغيض بن ريث بن غطفان ونغيض: جدّ بني مرة، لأن مرة هو بن عوف بن سعد ابن ذبيان بن بغيض، والفاسخ: الضعيف، وخطف: مصدر تشبيهي، أي: ونخطفهم كخطف، والخطف: النهب والاستلاب وعصي بكسرتين: جمع عصا، والمورد: الذي يورد إبله الماء، والواسق: الطارد، وجملة "فاعلموه": معترضة بين المتعاطفين، والعاتق: موضع الرداء من المنكب والعنق، مذكر، وقد يؤنث كما هنا. وفيه من عيوب الشعر التضمين، وهو توقف البيت على ما بعده، فإنَّ قوله: سيفي مفعول لحملت، وما مصدرية نائبة عن ظرف في المواضع الثلاثة، وحذف الياء من الوادي، وهو اسم منقوص غير منون للضرورة، وقرقر الطائر قرقرةً: صوَّت، وقمر، بالضم: إما جمع أقمر، كحمر جمع أحمر، وإما جمع قمري كروم جمع رومي، قال الجوهري، وأنشد هذا الشعر، والشاهق: الجبل المرتفع. وأبو عامر: جاهلي، وهو جد العباس بن مرداس الصحابي السلمي، وبعض الناس نسب هذا الشعر إلى أنس بن عباس المذكور، والصواب الأول.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٤) لتقم أنت يابن خير قريشٍ فلتقضي حوائج المسلمينا
هذا البيت قلما خلا عنه كتاب من كتب النحو، وأول من استشهد به بعض الكوفيين، وهو مجهول لا يعرف قائله، والياء في "فلتقضي" للإشباع، نشأت من إشباع الكسرة.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٥) أمُّ الحليس لعجوز شهربه
على أنَّ اللام قيل زائدة، وقيل داخلة علي مبيتدأ محذوف. أما الأوَّل فقد حكاه ابن السراج في "كتاب الأصول" قال فيه: قال أبو عثمان: وقرأ سعيد بن جبير: (ألا أنَّهم ليأكلون الطَّعام)] الفرقان/٢٠ [فتح أن، وجعل اللام زائدة، كما زيدت في قوله:
أمَّ الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللَّحم بعظم الرَّقبة
انتهى. ولم يرتض ابن جني بزيادتها، وإنما هي عنده للتوكيد فارقت موضعها للضرورة، وتبعه ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قال في "سر الصناعة": وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في غير خبر إن فمن ضرورات الشعر، ولا يقاس عليها، والوجه أن يقال: لأم حليس عجوز شهربه، كما يقال: لزيد قائم، وقال الآخر:
خالي لأنت ومن جرير خاله ينل السماء ويكرم الأخوالا
فهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أراد: لأنت خالي، فقدَّم الخبر على المبتدأ، وإن كانت فيه اللام ضرورة. انتهى. وأما الثاني فلم يرتضه أيضًا ابن جني، قال: وأخبرنا أبو علي أنَّ أبا إسحاق ذهب في قوله تعالى: ﴿إنَّ هذان لساحران﴾] طه/٦٣ [إلى أنَّ "إنَّ" بمعنى نعم، وهذان مرفوع بالابتداء، وأنَّ اللام في (لساحران) داخلة في موضعها علي غير ضرورة، والتقدير: نعم هذان لهما ساحران.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
وحكي عن أبي إسحاق إنه قال: هذا الذي عندي فيه، والله أعلم، وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد، وذكرا أنه أجود ما سمعناه. واعلم أنّ هذا الذي رواه أبو إسحاق في هذه المسألة مدخول غير صحيح، وأنا أذكره لتقف منه على ما في قوله، ووجه الخطأ فيه أنّ"هما" المحذوفة التي قدرها مرفوعةً بالابتداء لم تحذف إلا بعد العلم بها، ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل بمكانه ضرب من تكليف الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفًا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام، ألا ترى أنه يقبح أن تأتي بالمؤكد وتترك المؤكّد فلا تأتي به؟ ! أولا ترى أنّ التأكد من مواضيع الإسهاب والإطناب، والحذف من مواضع الاكتفاء والاختصار؟ فهما إذن لما ذكرت ضِدّ ان لا يجوز أن يشتمل عليها عقد كلام، ويزيدك وضحًا امتناع أصحابنا من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في نحو: زيد ضربت، فيمن أجازه، فلا يجيزون: زيد ضربت نفسَه على أن تجعل النفس توكيدًا للهاء المرادة ضربته، لأن الحذف لا يكون إلاّ بعد التحقق والعلم، وإذا كان ذلك فقد استغنى عن تأكيده، ويؤكد عندك ما ذكرت أنّ أبا عثمان وغيره من النحويين حملوا قول الشاعر:
أمٌ الحليسٍ لعجوز شهربه
على أنّ الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة، ولو كان ما ذهب إليه أبو إسحاق جائزًا لما عدل عنه النحويون، ولا حملوا الكلام على الاضطرار إذا أجدوا له وجهًا ظاهرًا قويً، وحذف المبتدأ وإن كان سائغًا في مواضع كثيرة، فإنه إذا نقل عن أول الكلام قبح حذفه، إلى هنا كلام ابن جني. وهو مبني على أنّن اللام مؤكدة للمفر، وهو ممنوع، وإنما هي من مؤكدات مضمون الجملة، بخلاف النفس والعين، فإنهما يؤكدان المفردات، وذهب الإسفراييني في"اللباب" إلى أنّن اللام إنما دخلت على الخبر لتوهم ذكر إنّ، فكأن قيل: إنّ أمً الحليس، وهذا جيد وله نظائر. والحليس، بضم الحاء المهملة، وفتح اللام: مصغر الحلس، والشهربة: العجوز
[ ٤ / ٣٤٦ ]
الكبيرة، ويقال: شهيرة أيضًا، ولم أقف على قائله. وقال الصاغاني في"العباب": هذا الرجز لعنّرة بن عروس، وقد رددناه في شرح الشاهد الخامس والخمسين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٦) لهنَّك من برق علىَّ كريم
على أنّ لام التوكيد موضعها في الأصل قبل"إنّ" كما جاء هذا على الأصل، و"لهنك" أصله"لشنّك" أبدلت الألف هاء، فلام لهنك هي اللام التي تكون مع"إن" وهو أحد أقوال أربعة. ثانيها: أنها لام جواب قسم مقدر، ثالثها: أنها زائدة.
رابعها: أنّ اللام والهاء بقية لفظ الجلالة. أمًا الأوّل فهو مذهب أبي علي في"التذكرة القصرية" وهي المسائل التي جرت بينه وبين صاحبه الطيب محمد بن طوسي المعروف بالقصري، قال فيها: لهنك لرجل صدق، بمنزلة ما جاء على أصله من العينات المعتلة، ليدلوا بذلك على أنّ أصل المعتل هذا، وأوقعت اللام التي كانت في الخبر"إنك لرجل صدق" قبل إن، ليدلّ ذلك على أن حقها أن حقها أن تقع قبل إنّ، فأتوا بهذا على أصله، وأبدلوا الهمزة هاء، فرارًا من إيقاع اللام قبل إن، فغيسّر اللفظ على ذلك، لأنه ليس يخلو امتناعهم عن إيقاع اللام قبل إن من أن يكون ذلك من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، فلا يجوز أن يكون من جهة المعنى، بدلالة قولهم: إنّ في الدار لزيدًا، فللام قد وليت إنّ من جهة المعنى، فثبت أنّ المكروه لفظهما، فإبدال الهمزة هاء بمنزلة الفصل بين أن واللام بالظرف فجاز لهنك، ويؤكد أنّ اللام في لهنك لام الابتداء إبدال الهاء من الهمزة، وإبدالٌ الهاء من الهمزة يؤكد أنّ اللام غير زائدة، واللام التي في لرجل زائدة، لأنه لا يجوز أن يكونا جميعًا غير زائدتين، لأنك إن فعلت ذلك لزمك أن تدخل اللام في لرجل على اللام التي في لهنك، فإن
[ ٤ / ٣٤٧ ]
قلت: اجعل لام لهنك زائدة، قلت: غير جائزة، لأنّ لام لهنك قد وقعت موقعها، فلا يستقيم أن تقدرها أنها ليست واقعة في هذا الموضع، وهذا يجوز في لام لرجل، لأنها لم وتقع موقعها الذي هو قبل إن. ومثل امتناع تقديم لام لهنك زائدة. لأنها قد وقعت موقعها، فلا يستقيم أن يقدر بها غير ذلك قولك: ضرب زيدًا غلامه، لا يجوز فيه أن تقول: ضرب غلامه زيداّ، لأنّ الغلام قد وقع موقعه، فلا يستقيم أن يقدر به غير ذلك. انتهى كلامه، وتبعه تلميذه ابن جني، وحققه في باب إصلاح اللفظ من"الخصائص" وفي حرف اللام من"سر الصناعة".
وأما القول الثاني فهو مذهب سيبويه، وهذا نصه: لهنك لرجل صدقٍ. هذه كلمة تتكلم بها العرب في حال اليمين، وليس كل العرب يتكلم بها، فهي إن، ولكنهم أبدلوا الهاء مكان الألف، كقولك: هرقت، ولحقت هذه اللام"إنّ" كما لحقت"ما" حين قلت: إن زيدًا لما لينطلقنّ، فلحقت"عن" اللام في اليمين، كما لحقت"ما" فاللام الأولى في لهنك لام اليمين، والثانية لام إن، وفي"لما لينطلقنّ" اللام الأولى لإن، والثانية لليمين، والدليل على ذلك أن النون معها.
انتهى نصه. وتبعه ابن السراج في"الأصول" ونقل كلامه هذا بحروفه.
وأما القول الثالث فهو لابن مالك، قال في"التسهيل": وربما زيدت اللام قبل همزتها مبدلة هاء مع تأكيد الخبر وتجريده. انتهى. وهو في هذا تابع للجوهري في "الصحاح".
وأمًا القول الرابع فقد اختلف فيه على قولين: أحدهما للفراء، وثانيهما للكسائي، حكاه عنه الجوهري، قال السيرافي: في لهنك ثلاثة أقوال:
أحداها: قول سيبويه، وهو أنّ أصلها"أبدلو همزتها هاء، ولحقت اللام التي قبل الهاء لليمين، والثانية لام إن.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
والثاني: قول الفراء، قال: هذه من كلمتين كانتا تجتمعان. كانوا يقولون: والله إنك لعاقل، فخلطتا فصار فيها اللام والهاء من الله ﵎، والنون من إن المشدودة، وحذفوا ألف إن، كما حذفوا ألف إن، كم حذفوا الواو من أول"والله".
والثالث: قول حكاه المفضل بن سلمه لغير الفراء، ومعناه: لله إنك لمحسن، قال: وهذا أسهل في اللفظ، وأبعد في المعنى. والذي قال الفراء أصح في المعنى، لأنّ قول القائل: والله إنك لقائم لقائم، اللام في الجواب دليل على القسم، وقولهم: لله تعجب، والتعجب لا يدخل معه إن. هذا حكاية كلام المفضل بن سلمه. انتهى كلام السيرافي باختصار.
وقد اختار أبو علي في كتاب"نقض الهاذور" مذهب الكسائي، ونسبه إلى زيد، وأيده بدلائل، ونقص ما حققه في"التذكرة القصرية" وأفرغ جهده في تزييفه وتزييف سائر الأقوال، وقد ذكره ابن جني في"الخصائص" ورده وقال: على أنّ أبا علي قد كان قوًاه بأخرة، وفيه تعسف، وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة بنقل كلام أبي علي وابن جني وغيرهما في شرح الشاهد الواحد والستين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
والبيت الشاهد من أبيات لغلام من بني كلاب فيما رواه ثعلب، ولغلام من بني نمير فيما حكاه القالي وأبو هلال العسكري، أما ثعلب فقد رواها في أوّل الجزء الثالث من"أماله" قال: حدثني أبو سعد عبد الله بن شبيب قال: حدثني هارون ابن أبي بكر قال: حدثني محمد بن معن الغفاري قال: أقحمت السّنة المدينة ناسًا من الأعراب، فحل المذاد منهم صرم من بني كلاب، وكانوا يدعون عامهم ذلك الجراف، قاّل: فابرقوا ليلةً في النجد، وغدوت عليهم فإذا غلام منهم قد عاد جلدا وعظما، ضيعة ومرضا وضمانة حب، فإذا هو رافع عقيرته بأبيات قد قالها من الليل:
[ ٤ / ٣٤٩ ]
ألا يا سنا برقٍ على قلل الحمىّ لهنّك من برق علىّ كريم
لمعت اقتذاءّ الطير والقوم وهجّع فهميّجت أسقامًا وأنت سليم
فبتٌ بحدّ المرفقين أشيمه كأني لبرق بالسّتار حميم
فهل من معيرٍ طرف عين جلية فإنسان طرف العامريّ كليم
رمي قلبه البرق الملاليّ رميةّ بذكر الحمى وهنًا فظلّ يهيم
فقلت له: في دون ما بك ما يفحم عن الشعر! قال: صدقت، ولكن البرق أنطقي. قال: ثم- والله- ما لبث يومه ذلك تاماٌ حتى مات قبل الليل، ما بتّم عليه غير الوجد. انتهى ما حكاه ثعلب يعني في"أماليه". وأما أبو هلال العسكري فإنّه قال في كتاب"ديوان المعاني": أخبرنا أبو أحمد قال القالي في"أماليه": حدثني أبو يعقوب وراق أبي بكر بن دريد قال: حدثنا الفضل بن محمد العلاّف قال: لما قدم بغا ببني نمير أسرى كنت كثيرًا ما أذهب إليهم فأسمع منهم، وكنت لا أعدم أن ألقى الفصيح منهم، فأتيتهم يومًا في عقب مطرٍ، وإذا فتى حسن الوجه، قد نهكه المرض ينشد:
ألا يا سنا برقٍ على قلل الحمى
إلى آخر الأبيات إلاّ البيت الثالث، فقلت له: يا هذا إنك لفي شغل عن هذا، فقال: صدقت. ولكن أنطقتني البرق. زاد عليه القالي: ثّم اضطجع، فما كان ساعة حتى مات، وما يتوهم عليه غير الحبّ. وروى ابن جني في"سّر الصناعة"وفي"الخصائص" البيت الشاهد عن ثعلب قال: قرأت على محمد بن الحسن، وقرئ عليه وأنا حاضر عن أحمد بن يحيى، وحدثنا به أيضًا عن أبي العباس محمد بن يزيد محمد بن سلمه: ألا يا سنا برق .. البيت. وأحمد بن يحيى هو ثعلب، ومحمد بن يزيد هو المبرد، ومحمد بن سلمة هو الراوي عن المبرد، وكان ابن بري وقع نظره على
[ ٤ / ٣٥٠ ]
سند ابن جني، ولم يحقق النظرة، فنسب الشعر في"أماليه على الصحاح" إلى محمد ابن سلمه، وتبعه العيني على ذلك. والمذاد، بالفتح: والنّجد، بضم النون والجيم: موضعان بالمدينة المنورة، والضمانة، بالفتح: الزَّمانة، وهو أن لا يقدر على القيام، والعقيرة، بفتح العين وكسر القاف: الصّوت، والسنا، بالقصر: ضوء البرق، والقلل: جمع قلَّة، بضم أولها: أعلى الجبل وغيره. ورواه ابن بري"قنن" وهو بمعناه وزنًا ومعنى، والحمى: المكان الذي يحمى من الناس فلا يقربه أحد، وأراد به أرض حبيبه. ومن برق: تمييز مجرور بمن، وكريم: خبر لهنك، على متعلق به، والكريم: من كرم على الشيء، أي: عزّ ونفس.
وقوله: لمعن اقتذاء الطير .. ألخ، لمع الشئ: أضاء واقتذاء، بالقاف والذال المعجمة، قال ابن بري: اقتذاء الطير: هو أن يفتح عينه ثّم يغمضها إغماضة، وكذا في"القاموس" والمصدر هنا قائم مقام الظروف، يريد أنّ البرق لمع وقت فعل الطير ذلك، وذلك يكون قبيل الصبح، ويقال: إنّ كل طائر إذا كان آخر الليل فتح عينه ثّم فتح، وأصل ذلك من القذى، وهو ما يسقط في العين. وروى أبو هلال"الطرف" بدل الطير، وهو في الأصل نظر العين، مصدر طرف البصر، من باب ضرب وقوله: فبت بحدّ المرفقين، الخ، حد كل شيء: طرفه، وأشيم: مضارع شمت البرق: إذا نظرت إلى سحابته أين تمطر، أراد: إني اتكأت على طرفي مرفقي، فنظرت إليه، والسّار، بكسر السين المهملة بعدها مثناه: جبل بالحجاز، قال ياقوت: الستار في كتاب الأصمعي: جبال صغار سود لبني أبي بكر بن كلاب، والسّتار: ثنايا فوق أنصاب الحرم، سميت بذلك لأنها سترة بين الحل والحرم. والستار: جبل بأجأ، وناحية بالبحرين ذات قرى، وجبل بالعالية في ديار بني سليم. وذكر ياقوت أنه اسم جبال وأماكن غير ما ذكر، والحميم: القريب. وقوله: البرق الملالي، قال أبو عبيد البكري في"شرح أمالي القالي": هكذا رواه أبو علي القالي بلا همز، نسبة إلى ملال، وهو موضع نسب إليه البرق. وغيره ينشده: "البرق الملألي" بالهمز، من التلألؤ، ونقل هذا الكلام بعينه
[ ٤ / ٣٥١ ]
في كتابه"معجم ما استعجم" ولم يعين الموضع، ولم يذكره ياقوت في"معجم البلدان". وروى أبو هلال بدله: "البرق اليماني".
وبغا: أعظم قائد من قواد الواثق بالله بن المعتصم بن هارون الرشيد، قال أبو عبيد البكري في"شرح الأمالي": ذكر أبو علي عن مفضل بن أحمد قال: لما قدم بغا بيني نمير أسرى، في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، آخر أيام الواثق، وذكر سبب قتل بني نمير وأسرهم، وقد أوردناه في شرح الشاهد الثالث والستين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي، وكنا ذكرنا هناك أنّ هذه الأبيات لم نرها في"أملي ثعلب" وقد أنعم الله علينا بنسخة أخرى صحيحة من" أماليه" فوجدنا فيها روايتها كما نقلناها هنا، والحمد لله على ذلك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٧) فغبرت بعدهم بعيش ناصبٍ وإخال إنيّ لاحقٌ مستتبع
على أنّ إخال معلق عن العمل بلام مقدرة، والأصل: وإخال إني للاحق وبقي كسر إن على حاله حذفها وكذا استشهد به جميع، منهم صاحب"الموشح" وشرح الكافية الحاجبية، والمشهور فتح همزة إن على إعمال إخال، وبه استشهد المصنف في"شرح بانت سعاد" قال: إخال بمعنى أظن، وهما سيّان في نصب المفعولين، وجواز سدّ"إنّ" و"أن" وصلتهما مسد هما، وجواز الإلغاء للتوسط والتأخر، إلى أن قال: ومثال سد ما ذكر مسد هما قول الهذلي: فغبرت بعدهم .. البت. وهو من قصيدة لأني ذؤيب الهذلي رئى بها أولاده. وكانوا خمسة هاجروا إلى مصر، فهلكوا بها بالطاعون. وقد تقدّ شرح أبيات من أولها من أولها في الإنشاد الثامن والعشرين بعد المائة.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
قال أبو بكر القاري في شرحها: تقول استتبع فلانًا: ذهب به، ومستتبع: مستلحق. انتهى. فمستتبع اسم مفعول. وقال الإمام المرزوقي في شرحها أيضًا: غبرت: بقيت، ويروى: "فلبثت" يقول: بقيت بعد بنيّ بعيشٍ ذي نصب، وأظن أنّ الغم قد تناهى، وقد استتبعت.
وقوله: يعيش ناصب، أي: غبرت عائشًا ذا نصبٍ، وناصب عند سيبويه، يراد به النسب، كأنه وضع موضع نصبي، كما قيل: تاجر، موضع تجاري، وخباز، موضع خبزىّ، ولو جاء على الفعل لقيل: عيشٌ منصبٌ، وحكى الدريدي: نصبه المرض وأنصبه: إذا أثر فيه، وكذلك الحزن، وعليه فالأمر واضح، جعل النصب للعيش لما كان فيه، كما يقال: نهارٌ صائمٌ، وليل قائم. وقال بعضهم: أنصب فهو ناصب، كأيفع الغلام فهو يافع، وأصبح الرجل فهو صابح، والوجه الأول.
إخال: غلب عليه في الاستعمال لغة من يكسر زوائد الفعل المضارع إلا الياء في فعل، وفيما زاد على الثلاثي، والأصل: خلت أخاك، بالفتح، ويجوز استعماله أيضًا، وقد حمل الظن في هذا البيت على اليقين، كأنّ المعنى: وأتيقن أني لاحق بهم، وتابع لهم، كما قال تعالى (الذّين يظنون أنّهم ملاقوا الله) [البقرة/٢٤٩] والصواب أن يترك في بابه، لأنّ قوله: لاحق، ومستتبع حال أولى بهما من الاستقبال، لتجردهما عن القرائن، وإذا كان كذلك، وكان أبو ذؤيب لتبريح حياته، وانتهاء الشقاء به في عيشه، قدر أنّ عمره ينقطع في حالته تلك لشدة الأمر به، وغلبة اليأس عليه، ولم يتيقنه، فيجب أن يكون إخال بمعنى: أظن لا غير، فعلى هذا أول البيت تألم، وآخره إظهار يأس، وعلى طريقتهم يصير الكلام على طريقة واحدة كلامه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٨) إن كنت قاضي نحي يوم بينكم لو لم تمنوا بوعد غير توديع
على انه حذفت اللام الفارقه، لظهور معنى الإثبات، ولو ذكرت لكًانت مع خبر
[ ٤ / ٣٥٣ ]
كنت تقديره: أن كنت لقاضي نحي، كما في قوله تعالى: (وإن كانت لكبيرة) [البقرة/١٤٣] قال الدّماميني: هذا من شواهد ترك اللاّم الفارقة مع الإهمال، لعدم اللّبس، إذ المعنى لو لم تمنو بوعدٍ صادق متٌ يوم فراقكم، فجواب لو محذوف يدل عليه ما قبله، وهو مثبتٌ بدلالة المقام، ولو كان منفيًا لاختلّ النظام وفسد الكلام. انتهى.
وقاضي بالنصب: خبر كان، وهو مضاف لنحي، والنحب: المدّة، وقضاء النحب كناية عن الموت، والبين: الفراق، والمن: الإنعام، يريد: لو لم تنعموا يوم الفراق بوعد وصال مغاير للترك.
ورواية الدمامين"بوعد غير مكذوب" والقافية عنده بائية لا عينية. ولم أقف على قائله ولا على تتمته قبله أو بعده، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الثلاثمائة:
(٣٧٩) إن الحق لا يخفى على ذي بصيرة وإن هو لم يعدم خلاف معاند
على أنّ اللم الفارقة يجب حذفها مع نفي الخبر كما هنا. قال ابن مالك في "شرح التسهيل": لو كان الخبر منفيًا لم يجز اتصال اللام فيه، لان أكثر حروف النفي أوله بلام. وقال أبو حيان: ونقول: أصل هذه اللام ان تدخل على المبتدأ، وإذا كان المبتدأ قد دخل عليه حرف النفي لم تدخل هذه اللاّم عليه، فإذا قلت: ما زيد منطلق، أو لا رجل في الدار ولا امرأة، فلا يجوز ان تدخل لام الابتداء على هذا المبتدأ، فذلك إذا كان الخبر منفيًا لا تدخل عليه هذه اللام إلاّ في ندور على ما أنشد ابن جني:
واعلم أنّ تسليمً وتركًا للا متشابهان ولا سواء
انتهى، وبما ذكرنا يدفع قول الدماميني: انظر لم وجب تركها مع النافي؟ فإن
[ ٤ / ٣٥٤ ]
قيل: كراهة اجتماع اللامين، قلنا: قد يكون النافي فلا يجتمع مقلان، وقد يقال: حمل علي ما فيه اجتماعهما طردًا للباب. انتهي. وقوله: وإن هو لم يعدم الخ، وهو ضمير راجع إلي ذي بصيرة، ويجوز أن يعود إلي الحق، ويعدم مضارع عدمته، من باب فرح، أي: فقدته، وخلاف: مصدر خالفه. وهذا البيت أيضًا لم أقف علي قائله وأصله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٠) أمسى أبان ذليلًا بعد عزَّته وما أبان لمن أعلاج سودان
علي أنَّ الكوفيين استدلوا به علي أنَّ اللام التي مع "إن" الخفيفة بمعني "إلا" وإن نافية، كما إذا كان بدل إن حرف آخر من حروف النفي، كما في هذا البيت، والمعني عندهم: وما أبان إلاَّ من أعلاج سودان.
وأجاب ابن مالك في "التسهيل" بأن الَّلام زائدة، كما نقله المصنف فيما يأتي، قال أبو حيان في "شرحه": فعلي تقدير ابن مالك نفي أن يكون أبان من أعلاج سودان، وعلي تقدير الكوفيين أثبت أنه منهم علي طريق الحصر، ويحتمل عندي أن يكون قوله، وما أبان، استفهامًا على سبيل التحقير، ويكون قوله: لمن أعلاج سودان، على إضمار "هو" أي: لهو من أعلاج سودان، وللاَّم لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، ويكون المعني، علي شأن أبان، كما أنه كذلك في تقدير الكوفيين جملة، وفي تقديرنا جملتان. انتهي كلامه.
ومنه علم أنَّ ما قاله المصنف مأخوذ منه، وبين قول ابن مالك وقول الكوفيين تناف بالنفي والإثبات. قال الدماميني: ويمكن التوفيق بينهما بأن يجعل التنوين في سودان للتحقير علي القولين السابقين، وهما كون اللاَّم بمعني إلاَّ، وكونها للابتداء، أي: هو من أعلاج سودان حقراء، أو للتعظيم علي كون اللاَّم زائدة، أي: وما هو من أعلاج سودان عظام، بل هو من أعلاج سودان حقراء. انتهي.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
وأبان: اسم رجل، وأعلاج جمع علج، بالكسر، وهو الكافر من غير العرب، وسودان: جمع أسود، كعميان جمع أعمي. وهذا البيت أيضًا لم يعرف قائله ولا يقيته، والله أعلم.
وأنشد بعده
أمٌّ الحليس لعجوز شهربه
وتقدَّم شرحه قريبًا في الخامس والسبعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨١) ولكنَّني من حبها لعميد
علي أنَّ اللام في خبر لكن زائدة. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": نقل المصنف وابن عصفور أنَّ الكوفيين أجازوا دخول اللام بعد لكن، قال المصنف: اعتبارًا ببقاء معني الابتداء معها، كما بقي إن، واحتجاجًا بقول بعض العرب:
ولكنَّني من حبها لعميد
ولا حجة في ذلك، أما الأول فلأن اللام لم تدخل بعد إن لبقاء معني الابتداء فحسب، بل لأنها مثلها في التوكيد، ولكن بخلاف ذلك، ولأنَّ معني الابتداء معني لم يبق مع "لكن" فإنه مفتقر إلي كلام قبله، فأشبهت "أن" المفتوحة المجمع علي امتناع دخول اللام بعدها، واللام تقطع سابق، حتى إنها تعلق الأفعال القوية، وأما: "ولكنني من حبها لعميد" فلا حجة فيه، لشذوذه، إذ لا يعلم له تتمة ولا قائل، ولا راٍو عدل يقول: سمعته ممن يوثق بعربيته، والاستدلال بما هو هكذا في غاية الضعف، ولو صح إسناده إلي من يوثق بعربيته لوجَّه يجعل أصله: ولكن أنَّني،
[ ٤ / ٣٥٦ ]
ثمَّ حذفت إنني ونون لكن، وجيء باللام في الخبر لأنه خبر إن. أو حمل علي أنَّ لامه لام زائدة. انتهي كلامه.
وقال أبو جعفر بن النحاس: واعلم أنَّ اللام لا تدخل علي شيء من أخوات إن إلاَّ علي قول الفراء، فإنه أجاز أن تدخل اللام على خبر لكن، وأنشد:
ولكنَّني من حبها لعميد
قال: وإنما جاز دخولها في "لكن" لأنَّ معناه: لكن إنني، فخفف لكن، وترك الهمز من إن، وأسقطت نون لكن حيث استقبلت ساكنًا، كما قال:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
انتهي كلام أبي جعفر، وبين تخالف، وهو أنَّ المصنف وابن عصفور نقلا ذلك الكوفيين، والنحاس عن الفراء وحده.
وفي كلام المصنف مناقشات:
الأولي: أنه قال: "احتجاجًا بقول بعض العرب" فقد أقر بأنه قول بعض العرب، ثمَّ قال: ولا حجة فيه إذ لا يعلم له تتمة ولا قائل، وهذا لا يقدح في الاحتجاج، بل متى روي أنه من كلام العرب فليس من شرطه تعيين قائله.
وأما كونه لا تتمة له، فلا يقدح ذلك، لأنه إنما وقع الاعتناء بمكان الشاهد، ولا حاجة إلي معرفة ما قبله وما بعده، إذ لا شاهد فيه.
وأما قوله: ولا راٍو عدل يقول: سمعته ممن يوثق بعربيته، وكفي بذلك نقل الكوفيين أو الفراء، وإنشادهم إياه من العرب وفي "كتاب سيبويه" أبيات استشهد بها لا يعرف لها قائل، ولا تروي إلاَّ من الكتاب، واكتفينا بنقل سيبويه إياها، واستشهاده بها.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
المناقشة الثانية: "فأشبهت أن المفتوحة المجمع علي امتناع دخول اللام بعدها" وليس كذلك، بل فيه خلاف شاذ عن المبرد، وهو مسموع من كلام العرب، وقرأ بعض القراء: ﴿إلاَّ أنَّهم ليأكلون الطَّعام﴾] الفرقان/٢٠ [بفتح الهمزة، وقال الشاعر:
ألم تكن حلفت الله العلي أنَّ مطاياك لمن خير المطيّ
روي بفتح همزة، إن. وينبغي أن يحمل ذلك علي زيادة اللاّم، ولا يقاس علي ما ورد منه.
المناقشة الثالثة: قوله: "ولو صحَّ إسناده لوجه .. الخ" وهذا قول الفراء في توجيه اللاَّم في خبر لكن. هذا آخر كلام أبي حيان، وسقناه برمته لفوائده.
والعميد: المعمود، وهو الذي هدهًّ العشق، وروي بدله: "لكميد" وهو الحزين، من الكمد وهو الحزن المكتوم، وفعله من باب تعب
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٢) وما زلت من ليلي لدن أن عرفتها لكالهائم المقصى بكلِّ مراد
علي أنَّ اللام قد زيدت في خبر زال. وأورد ابن عصفور هذا في "الضرائر الشعرية" ومنها إدخال لام التأكيد في موضع لا تدخل فيه سعة الكلام، نحو ما أنشده قطرب من قوله:
ألم تكن حلفت بالله العلي أنَّ مطاياك لمن خبر المطيّ
فزاد اللاَّم في خبر "أن" المفتوحة، مثله قول الآخر، أنشده ابن دريد عن أبي عثمان المازني:
فنافس أبا المعزاء فيها ابن دارع علي أنَّه فيها لغير منافس
[ ٤ / ٣٥٨ ]
وقول الآخر، أنشده الفراء:
وأعلم أنَّ تسليمًا وتركًا للا متشابهان ولا سواء
ألا تري أنَّ اللام قد زيدت في البيتين في خبر أنَّ المفتوحة؟ وقد جاء مثل ذلك في الشاذ، قرأ ابن جبير (إَّلا أنَّهم ليأكلون الطَّعام)] الفرقان/٢٠ [بفتح أنَّ، ونحوه قول الآخر، أنشده أبو علي:
مرُّوا عجالًا وقالوا كيف صباحكم قال الَّذي سألوا أمسي لمجهودا
فزاد اللاَّم في خبر أمسي، وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
تمَّت يعدو لكأن لم يشعر رخو الإزار زمخ التَّبختر
فزاد اللاَّم في كأن. وقول الآخر:
وما زلت من ليلي لدن أني عرفتها لكالهائم المقصي لكلِّ بلاد
فزاد اللام في خبر زال، وقول الآخر:
ولكنَّني من حبِّها لعميد
فزاد اللاَّم في خبر لكن، وقول الآخر:
أم الحليس لعجوز شهربه
فزاد اللاَّم في خبر المبتدأ. فأمّا رواه أبو الحسن الأخفش عن العرب من قولهم: إنَّ زيدًا وجهه لحسن، فالذي سهّله كون الجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر إنَّ، وهو مع ذلك ضعيف. انتهي كلامه.
والبيت من قصيدة لكثير عزَّة، لكن قافيته قد تغيرت، ورويت علي وجوه، فابن النّاظم رواها: "بكل مراد" وتبعه المصنف هنا، وقال في "شرح أبيات ابن الناظم": المراد بفتح الميم: الموضع الذي يذهب ويجاء، وظنَّ أنه ليس من شعر
[ ٤ / ٣٥٩ ]
كثير عزَّة، فقال: ولكثير عزَّة بيت يشبه هذا في معناه وغالب لفظه، فلا أدري من الآخذ من صاحبه، وقد يكونان تواردا، وهو:
وما زلت من ليلي لدن طرَّ شاربي إلي اليوم كالمقصي بكلِّ سبيل
انتهي. وتبعه السيوطي هنا. وبعضهم صحّفها "بمذاد" بالميم والذال والمعجمة، وهو محل الذود، أي: الطّرد، ووقع في إنشاد ابن عصفور "بكل بلاد" كما رأيت. وقد حرف بيت آخر من هذه القصيدة، وقد تقدَّم في الإنشاد الثامن والخمسين من يحث اللاَّم قريبًا، وهو قوله:
أريد لأنسي ذكرها فكأنما تمثَّل لي ليلي بكلِّ سبيل
استشهد به صاحب "الكشاف" والقاضي في سورة الحديد، قال شارح شواهدهما خضر الموصلي: صواب البيت هكذا، وكذا أورده الفاضل اليمني والطيبي، والعلامة الشيرازي، إذ هو من قصيدة لامية، وأورده صاحب "الكشف" بلفظ "مكان" بدل "سبيل" ونسبه للمجنون، وليس في شعره المنسوب إليه، وقد ظفرت به في شعر كثير عزَّة. انتهي كلامه.
والبيت من قصيدة طويلة لكثير، كلها نسيب جيّد ومنها:
وقالوا نأت فاختر من الصَّبر والبكا فقلت البكا أشفي إذًا لغليلي
ولم أر من ليلي نوالًا أعده ألا ربَّما طالبت من غير منيل
وكم من خليلٍ قال لي هل سألتها فقلت نعم ليلي أضنٌّ بخيل
وأبعده نيلًا وأوشكه قِلًى وإن سئلت عرفًا فشرٌّ مسول
حلفت بربِّ الرًّاقصات إل منًى خلال الملا يمددن كلَّ جديل
[ ٤ / ٣٦٠ ]
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسرّ ولا أرسلتهم برسول
فلا تعجلي يا ليل أن تفهَّمي بنصحٍ أتي الواشون أم بحبول
ورسول في هذا البيت مصدر بمعني الرِّسالة، وبه استشهد صاحب "الكشاف" والقاضي عند قوله تعالي: (فقولا إنَّا رسول ربِّ العالمين)] الشعراء/١٦ [وحبول: جمع حبل، بكسر الحاء المهملة وسكون الوحدة، وهو الفساد. وقوله: لدن أن عرفتها، روي بدله "لدن طر شاربي" يقال: طر النبت يطر- بالضم- طرورًا: نبت، ومنه: طرَّ شارب الغلام. قال المصنف: وفيه استعمال لدن بغير من، ولم تأت في التنزيل إلاَّ مقرونة بمن. انتهي. والهائم قال صاحب "المصباح": هام يهيم: خرج علي وجهه لا يدري أين يتوجه، فهو هائم إن سلك طريقًا مسلوكًا، فإن سلك طريقًا غير مسلوك فهو راكب التعاسيف. انتهي. وقال الدماميني: الهائم من الإبل: الذي يصيبه داء فيهيم، أي: يذهب علي وجهه في الأرض ولا يرعي. والمراد: محل الرَّود، أي: طلب الكلأ، شبه نفسه في طرد ليلي له بالبعير الذي يصيبه داء الهيام، فيطرد عن الإبل خشية أن يصيبها ما أصابه. انتهي. والمقصي: اسم مفعول، من أقصاه، أي: أبعده.
وترجمة كثير عزة تقدمت في الإنشاد التاسع عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٣) وقد جعلت قلوص ابني سهيل من الأكوار مرتعها قريب
علي أنَّ الجملة الاسمية قد استعيرت فيه مكان الجملة الفعلية، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": أوقع الجملة من المبتدأ والخبر موقع الجملة من الفعل والفاعل،
[ ٤ / ٣٦١ ]
إراد: وقد جعلت قلوص ابني سهيل يقرب مرتعها من الأكوار. انتهي. وأقول: الصواب في التقدير: تقرب من المرتع بإسناد الفعل إلي ضمير القلوص، فإن جميع أفعال المقاربة لا يكون فاعل خبرها إلاَّ ضمير اسمها. نص عليه المحقق الرَّضي. والبيت من أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهي.
ولست بنازل إلاَّ ألمَّت برحلي أو خيالتها الكذوب
فقد جعلت قلوص ابني سهيلٍ من الأكوار مرتعها قريب
كأنَّ لها برحل القوم بوًا وما إن طبها إلاَّ اللغوب
قوله: ولست بنازلٍ الخ، فعال ألمَّت ضمير المرأة، وألمت: نزلت، الإلمام: النزول، والرحل: مسكن المسافر وما يستصحبه من الأثاث، وخيالتها: معطوف علي الضمير المستتر في ألمت، مع عدم توكيد المستتر بمنفصل، واكتفي بوجود الفصل بالظرف. والخيالة: الطيف، يقال: خيال وخيالة، كما يقال: مكان ومكانة، والكذوب: صفة الخيالة، ووصفها بالكذب لأنه لا حقيقة لها، ولم يؤنث الكذوب لأنَّ فعولا يستوي فيه المذكر والمؤنث.
يقول: لا أنزل محلًّا إلاَّ رأيت الحبيبة تتصوَّر لي من شدة شوقي إليها، أو رأيت خيالها في النوم، ولا أنفكٌّ منها في يقظة أو نوم.
وقوله: وقد جعلت قلوص .. الخ، قال المرزوقي والتبريزي وغيرهما من شراح "الحماسة": جعلت هنا بمعني طفقت، وبعد هذا قالوا: إنَّ جملة "مرتعها قريب" حال، وهذا أمر غريب منهم.
ونقل التبريزي عن أبي العلاء المعري أنه قال: كثير من الناس يرفع القلوص، وهو وجه ردئ لأنَّ القائل إذا قال: جعلت، وهو يريد المقاربة، لم يكن بد من إتيانه بالفعل، وأحسن من هذه الرواية أن تنصب "قلوصًا" ويكون في "جعلت" ضمير المرأة المذكورة، وليست جعلت في هذا القول في معني المقاربة، وإنما هي
[ ٤ / ٣٦٢ ]
صيرت، فلا تفتقر إلي فعل، ويكون مرتعها قريب في موضع المفعول الثاني. انتهي.
وهذا أجود، وبه ترتبط الأبيات الثلاثة، ولم يصب العيني في ضبط جعل هنا بالبناء للمفعول. وللشلوبين هنا كلام أوردناه في شرح الشاهد الرابع والخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
والقلوص: الناقة الشابة، وروي "ابني زياد" بدل "ابني سهيل" بتثنية ابن في الروايتين. والأكوار: جمع كور، بالضم، وهو الرحل بأداته، يقول: إذا سرحت لم تبعد في المرعي لشدة كلالها، وقد شرحه قول الآخر:
من الكلال لم يذقن عودا لا عقلًا تبقي قيودا
ولقد أبعد الدماميني في قوله: الكور، بالفتح، وهي الجماعة الكثيرة من الإبل. وقوله: كان لها إلي آخره، قال المرزوقي: يقول: كأن لهذه الناقة ولدًا برحل تتعطف عليه ولا تتباعد عنه، وما داؤها إلاَّ الإعياء. والطب، بالكسر: أصله العلم، والمراد به هنا: الذي يعلم ويعرف، البو: أصله جلد فصيل، يحشي تبنًا لتدر الأم عليه. انتهي. وقال غيره من الشراح: أي: ما شأنها وداؤها، وقال آخر: الطب هنا السقم، ومنه "آخر الطب الكي"، واللغوب: الإعياء، ولغب لغوبًا، كدخل دخولًا، وجاء من باب فرح.
ولم أقف علي صاحب هذا الشعر، وقد تكلمنا عليه أيضًا في شرح الشاهد الثاني والخمسين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٤) لمتى صلحت ليقضين لك صالح ولتجزينَّ إذا جزيت جميلًا
علي أنَّ اللام الموطئة قد تدخل على غير "إن" الشرطية، كدخولها هنا علي "متى"
قال ابن مالك في "التسهيل": وتقرن أداة الشرط المسبوقة بلام مفتوحة تسمي
[ ٤ / ٣٦٣ ]
المواطئة، قال أبو حيان: أداة الشرط أعم من أن تكون "إن" أو غيرها، إلاَّ أنَّ "إن" اقترانها باللام كثير، ومثال دخولها على غير "إن" من أدوات الشرط قول القطامي:
ولما رزقت لتأتينَّك سيبه جلبًا وليس إليك ما لم ترزق
وقول الآخر:
لمتى صلحت ليقضين لك صالح .. البيت.
وعلي ذلك حمل المصنف وغيره قوله تعالي: (لما آتيناكم من كتاب وحكمة) الآية] ٨١/آل عمران [. وقوله: المسبوقة، أي بقسم ملفوظ أو مقدر، فالملفوظ به: ٠ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم)] الأنعام/١٠٩ [والمقدر: الموطئة أي: وطأت الجواب للقسم المذكور قبلها أو المنوي، وتسمي أيضًا المؤذنة، آذنت بالقسم، وقد شبه بعضهم إذ بإن فأدخل عليها اللام، قال:
غضبت علي وقد شربت بجزَّةٍ .. البيت
وقوله: لمتى صلحت .. الخ، اللام الأولي المواطئة، والثانية: لام جواب القسم، والثالثة مع دخولها: معطوفة علي جواب القسم، ويقضين: مضارع مجهول مؤكد بالنون الخفيفة، وصلح بفتح اللام وضمها: ضد فسد، والقضاء: الحكم، وصالح: نائب الفاعل، ولتجزينَّ بالبناء للمفعول، وجزيت إن كان بالبناء للفاعل بمعني صنعت وعملت، يكون مع ما قبله قد تنازع جميلًا. وإن كان بالبناء للمفعول، كان جميلًا مفعولًا لقوله: تجزين، ولا تنازع، لأنَّ معناه حينئذ عوملت بالجزاء. والبيت لم أقف علي قائله، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٥) غضبت عليَّ لإن شربت بجزةٍ فلإذ غضبت لأشربن بخروف
علي أنَّ اللام الموطئة دخلت علي "إذ" تشبيهًا له بإن الشرطية. قال ابن جني في "سر الصناعة": وقد شبه بعضهم "إذ" بإن، فأولاها اللام فقال:
غضبت عليَّ وقد شربت بجزَّة البيت انتهي.
قال الدماميني: ووجه شبه "إذ" بإن أنَّ "إذ" ترد للتَّعليل و"إن" للشرط، وهما متقاربان في المعني، بل ادَّعي ابن الحاجب أنَّ معني قولك: إن أتيتي أكرمتك، وقولك: أكرمك لإتيانك، واحد. انتهي.
والبيت من أبيات نسبها الأصمعي وغيره لأعرابي، وعزاها الجاحظ في كتاب "البيان" لراع من الرعاة، ووقع في رواية الجميع: "فلئن غضبت" بإن الشرطية لا بإذ. قال أبو علي القالي في "أماليه": حدثنا أبو بكر قال: أخبرنا عبد الرحمن أو أبو حاتم، الشك من أبي علي عن الأصمعي، قال: اشتري أعرابي حمرًا بجزة صوف، فغضبت عليه امرأته فأنشأ يقول:
غضبت عليَّ لئن شربت بصوف ولئن غضبت لأن شربن بخروف
ولئن غضبت لأشربنَّ بنعجةٍ دهساء مالئة الإناء سجوف
ولئن غضبت لأشربنَّ بناقةٍ كوماء ناوية العظام صفوف
ولئن غضبت لأشربنَّ بسابحٍ نهد أشمَّ المنكسبين منيف
ولئن غضبت لأشربنَّ بواحدي ولأجعلنَّ الصبر عنه حليفي
ولقد شهدت الخيل تعثر بالقنا وأجبت صوت الصاروخ الملهوف
ولقد شهدت إذا الخصوم تواكلوا بخصام لا نزقٍ ولا علفوف
قال أبو علي: الصَّفوف: التي تصفٌّ بين رجليها عند الحب، ويقال: إلي يصف بين محلبيها. والسجوف: التي لها سجفتان من الشحم، أي طبقتان، والسجف
[ ٤ / ٣٦٥ ]
القشر، سجفت الشيء: قشرته. والعلفوف: الجافي. انتهى ما في "الأمالي".
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب السعدي، وتوفي بمصر في سنة خمس وخمسين وخمسمائة في كتاب "مساوئ الخمر": وشرب أعرابي بصوف كان عنده، فلحته امرأته وهجرته، فقال:
غضبت عليَّ لإن شربت بصوف ..
إلى قوله:
ولئن غضبت لأشربنَّ بواحدي .. البيت.
وقال: يعني الذي لا ولد له سواه. انتهى. والجزَّة، بكسر الجيم وتشديد الزاي، قال صاحب "القاموس": جزَّ الشعر والحشيش جزًا، وجزَّة: قطعه، والجزَّة بالكسر: ما يجز منه، أو هي صوف نعجة تجز فلم يخالطه غيره، أو صوف شاة في السنة، أو الذي لم يستعمل بعد جزّه. انتهى. والدهساء بسين مهملة: العظيمة العجز، والكوماء، بفتح الكاف والمد: العظيمة السنام، والناوية، بالنون: السمينة، والسابح: الفرس الهيّن الجري، والنهد: المرتفع العالي، وتواكلوا: تظاهروا بالعجز والاعتماد على الغير في أمرهم، والنزق، بفتح النون وكسر الزاي: السيء الخلق.
وأنشد بعده:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
تمامه:
والشَّرّ بالشرّ عند الله سيان
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٦) لئن كانت الدُّنيا عليَّ كما أرى تباريح من ليلى فللموت أروح
[ ٤ / ٣٦٦ ]
على أنَّ اللام في لئن زائدة، والجواب للشرط، لأنه جاء مقرونًا بالفاء. وزعم الفراء أن الشرط قد يجاب مع تقدم القسم عليه، وظاهره أنَّ الفراء لا يقول بزيادة اللام والفاء جانب القسم، وأنَّ ذلك غير مخصوص بالشعر، وليس الأمر كذلك. وهذا كلامه في تفسير صريح في خلاف ما نقل عنه، قال عند قوله تعالى: ﴿لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ [الإسراء/ ٨٨] لا يأتون: جواب لقوله: ﴿لئن﴾ والعرب إذا أجابت "لئن" بـ "لا" جعلوا ما بعد لا رفعًا، لأنَّ لئن كاليمين، وجواب اليمين بلا مرفوع، وربما جزم الشاعر؛ لأن "لئن" إن التي يجازي بها زيدت عليها لام، فوجّه الفعل فيها إلى فعل، ولو أتى بيفعل لجاز جزمه. وقد جزم بعض الشعراء بلئن، وبعضهم بلا التي هي جوابها قال الأعشى:
لئن منيت بنا عن غبِّ معركة لا تلفنا من دماء القوم ننتفل
وأنشدتني عقيلية فصيحة"
لئن كان ما حدِّثته اليوم صادقًا .. إلخ
وأنشدني الكسائي للكميت بن معروف:
لئن تك قد ضاقت عليكم بلادكم ليعلم ربِّي أنَّ بيتي واسع
انتهى كلام الفراء. وكذا قال في تفسير سورة البقرة إلاَّ أنه يخصه بالشعر قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ [البقرة/ ١٠٢] ما نصّه: صيَّروا جواب الجزاء بما يلقى به اليمين، إمّا بلام، وإمّا بإنَّ، وإما بما، فتقول في "ما": لئت أتيتني ما ذلك لك بضائع، وفي "إنّ": لئن أتيتني إنَّ ذلك لمشكور، وفي "لا": ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم﴾ [الحشر/ ١٢]، وفي اللام: ﴿ولئن نصروهم ليولُّنَّ الأدبار﴾ وإنما صيروا جواب الجزاء كجواب اليمين؛ لأنَّ اللام التي دخلت في: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ وفي ﴿لما آتيتكم من كتابٍ﴾ [آل عمران/ ٨١]
[ ٤ / ٣٦٧ ]
وفي ﴿لئن أخرجوا﴾ إنما هي لام اليمين، وكان موضعها في آخر الكلام، فلما صارت في أوله صارت باليمين، فلقِّيت بما يلقَّى به اليمين. وإن أظهرت الفعل بعدها على يفعل جاز ذلك وجزمته، فقلت: لئن تقم لا نقم إليك، وقال الشاعر:
وإن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم .. البيت
وأنشدني بعض عقيل:
لئن كان ما حدِّثته اليوم صادقًا .. إلخ.
فألغى جواب اليمين من الفعل، وكان الوجه في الكلام: لئن كان كذا لآتينَّك. وتوهم إلغاء اللام، كما قال الآخر:
فلا يدعني قومي صريحًا لحرَّةٍ لئن كنت مقتولًا ويسلم عامر
فاللام في لئن ملغاة، ولكنها كثرت في الكلام حتى صارت كأنها إن، ألا ترى أنَّ الشاعر قد قال:
فلئن قومٌ أصابوا غرَّةً وأصبنا من زمانٍ رققا
للقد كانوا لدى أزماننا لصنيعين: لبأسٍ وتقى
فأدخل على "لقد" لامًا أخرى، لكثرة ما تلزم العرب اللام في لقد، حتى صارت كأنها منها. وأنشدني بعض بني أسد:
فلا والله لا يلفى لما بي ولا للما بهم أبدًا دواء
ومثله قول الشاعر:
كما ما امرؤٌ في معشرٍ غير رهطه ضعيف الكلام شخصه متضائل
قال كما، ثمَّ زاد معها ما أخرى لكثرة كما في الكلام، فصارت كأنها منها، وقال الأعشى:
لئن منيت بنا عن غبِّ معركةٍ .. البيت
[ ٤ / ٣٦٨ ]
فجزم لا تلفنا، والوجه الرفع، كما قال تعالى: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم﴾ [الحشر/ ٥٩] ولكنه لما جاء بعد حرف ينوى به الجزم صيِّر مجزومًا، وهو في معنى رفع. وأنشد القاسم بن معن عن العرب:
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل أمامك بيتٌ من بيوتي سائر
والمعنى: حلفت له لا يزال بيت، فلما جاء بعد المجزوم صيّر جوابًا للجزم. إلى هنا كلام الفراء.
وقال ابن مالك في "التسهيل": وقد يغني جواب الأداة مسبوقة بالقسم، وقال في شرحه: ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره، ومن شواهده كذا وكذا، وأنشد ما أنشده الفراء من الأبيات وغيرها، قال أبو حيان: هذا الذي أجازه المصنف هو مذهب الفراء، وقد منعه أصحابنا والجمهور، وقالوا: لا يجوز جعل الفعل جوابًا للشرط المتوسط بينه وبين القسم، وقالوا: اللام في لئن ينبغي أن تكون زائدة، هذا كلامه، وتبعه المصنف هنا.
وأقول: الحكم بزيادة اللاَّم هو قول الفراء كما رأيت، فكيف يجعل جواب البصريين ويرد به على الفراء؟ ! ومختار البصريين هو مختار الفراء، فكيف ينسب إليه شيء لم يقل به، ثم يرد عليه؟ هذا أمر عجيب! وابن مالك لم يصرح بزيادة اللام في هذه المسألة، فكيف يكون تابعًا للفراء، وإنما صرح بزيادتها في نحو:
قلَّ العزاء لئن كان الرَّحيل غدا
وقد قال الفراء بزيادة الَّلام في هذا أيضًا كما تقدَّم في كلامه. وقال ناظر الجيش: وهذه الأبيات أدلَّة ظاهرة على المدَّعى، غير أنَّ ابن مالك لم ينسب هذا المذهب لبصري ولا كوفي جريًا منه على طريقته المألوفة، وهي أنه إذا قام الدَّليل عنده على شيء اتبعه، ثمَّ إنه قد ينبِّه على خلاف ذلك إن كان، وقد لا يتعرَّض إلى ذلك، والجماعة يذكرون أنَّ هذا القول إنما هو للفراء.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
قال ابن عصفور: لا يجوز جعل الفعل جوابًا للشرط إذا توسط بينه وبين القسم واللام في "لئن" في تلك الأبيات ينبغي أن تكون زائدة.
وأقول: إنَّ ابن عصفور لم يذكر دليلًا على امتناع ما ذكره المصنف، بل عمد إلى الأدلة فأخرجها عن ظاهرها بغير موجب، وحكم بزيادة اللام مع إمكان القوم بعدم الزيادة.
وبعد، فلا يخفى على الناظر وجه الصواب، والوقوف على ما ورد عن العرب، حيث لا مانع يمنع من الحمل على ظاهر ما ورد عنهم. هذا كلامه، وهو كأبي حيان وابن عصفور لم يقفوا على كلام الفراء.
والبيت من قصيدة طويلة لذي الرمة، كلها نسيب بميَّته، وفي أوائلها بيت يأتي في الباب الخامس. وهذه أبيات منها:
قد احتملت ميُّ فهاتيكَ دارها بها السُّحم تردي والحمام الموشَّح
ولمَّا شكوت الحبَّ كيما تثيبني بوجدي قالت إنَّما أنت تمزحُ
بعادًا وإدلالًا عليَّ وقد رأت ضمير الهوى قد كاد بالجسمِ يَبرح
أبيت على ميّ حزينًا وبعلها يبيت على مثل النَّقا يتبطَّح
لئن كانت الدنيا عليَّ كما أرى .. البيت
قال جامع ديوانه: السُّحم: الغربان، والحمام الموشّح: القماري. وتثيبني: تجزيني، وبعادًا مباعدة، ويبرح من أبرح، أي: يشقُّ بالجسم مشقة، وتباريح: عذاب ومشقّة. انتهى.
وقد أورد المبرّد البيت مع أبيات أخر من القصيدة كذا:
تباريح من ذكراك للموت أروح
وقال: التباريح الشدائد، يقال: برَّح بي تبريحًا، ويقال: ما لقيت منك برحًا يا فتى، والعرب لا تعرفه إلَّا ساكن الراء. انتهى. وعليه فالبيت جار على نهج
[ ٤ / ٣٧٠ ]
القاعدة، وأروح: أفعل تفضيل من الراحة. وترجمة ذي الرّمة، بضم الراء، تقدَّمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٧) لئن كان ما حدِّثته اليوم صادقًا أصم في نهار القيظ للشَّمس باديا
على أنَّ اللام في "لئن" زائدة كما تقدَّم. وقد أنشد الفراء هذا البيت مع بيت بعده في كلامه السّابق في آية البقرة، قال: أنشدني بعض عقيل:
لئن كان ما حدِّثته اليوم صادقًا أصم في نهار القيظ للشمس باديا
وأركب حمارًا بين سرجٍ وفروةٍ وأعر من الخاتام صغرى شماليا
وما: اسم موصول، أي: الكلام الذي حدثته بالبناء للمفعول، والتاء للخطاب: نائب الفاعل، والهاء العائد على ما، وصادقًا: خبر كان، وأصم: جواب الشرط، والقيظ: شدة الحرّ، والقيظ: الفصل الذي يسمّيه النّاس الصيَّف، كذا في "المصباح" والبادي وهو حال من ضمير أصم، واللَّام متعلَّقة به.
وقوله: وأركب بالجزم: معطوف على أصم، والفروة: خمار المرأة، وركوب الحمار بين السّرج والفروة: كناية عن التّنديد والتّشهير للنكال، فإنَّ السّرج للفرس لا للحمار، والفروة من لباس المرأة لا الرّجل، فالجمع بينهما على الحمار يكون للعقوبة والتشهير والإفضاح بين النّاس. وأعر: معطوف على أصم أيضًا، وهو مجزوم بحذف الياء، مضارع أعرى إعراءً، أي: جعله عاريًا، والخاتام كالخيتام: لغة في الخاتم، وأراد بصغرى شماله: الخنصر، فإنَّ الخاتم يكون بها زينة للشمال، واليمين يكفيها فضيلة اليمن؛ فجعل الخاتم في الشمال للتعادل: يقول: إن كان ما نقل عني لك من الحديث صحيحًا أكن صائمًا في القيظ، بارزًا للشمس،
[ ٤ / ٣٧١ ]
وأركبه الله حمارًا للخزي، والنكال، وجعل خنصر شماله عارية من زينتها بقطعها.
وعقيل بالتصغير: أبو قبيلة، وهو عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأنشد بعده وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٨) ألمم بزينب إنَّ البين قد أفدا قلَّ الثَّواء لئن كان الرَّحيل غدًا
لما تقدَّم قبله من زيادة اللام، وتقدَّم مثله في كلام الفرّاء، وهو قول الشاعر:
فلا يدعني قومي صريحًا لحرَّة لئن كنت مقتولًا ويسلم عامر
قال ابن مالك في "التسهيل": وقد يجاء بـ "لئن" بعد ما يغني عن الجواب؛ فيحكم بزيادة الَّلام. انتهى. ويريد بالجواب جواب الشّرط، بدليل زيادة اللاَّم. وألمم به: نزل عنده واجتمع معه. والبين: الانفصال، وأفد: بفتح الألف وكسر الفاء، بمعنى قرب. والثّواء، بالفتح والمدّ: الإقامة. وروي بدله: "العزاء" وهو الصَّبر. وهو أوَّل أبيات لعمر ابن أبي ربيعة.
روى صاحب "الأغاني" عن مصعب الزّبيري قال: اجتمع نسوة، فذكرن عمر ابن أبي ربيعة وشعره، وظرفه، وحسن مجلسه، وحديثه، وتشوقن إليه، وتمنَّيته، فقالت سكينة: أنا آتيكنَّ به، فبعثت إليه رسولًا أن توافي الصّورين ليلة كذا. فوافاها على رواحله، ومعه الغريض، فحدَّثهمَّ حتى وافى الفجر، وحان انصرافهنَّ، فقال لهنَّ: والله إني لمشتاق إلى زيارة قبر رسول الله ﷺ، والصَّلاة في مسجده، ولكن لا أخلط زيارتكنَّ بشيء، ثمَّ انصرف إلى مكّة، وقال:
ألمم بزينب إنَّ البين قد أفدا قلَّ الثَّواء لئن كان الرَّحيل غدا
قد حلفت ليلة الصُّورين جاهدةً وما على الحرِّ إلاَّ الصَّبر مجتهدا
لأختها ولأخرى من مناصفها لقد وجدت به فوق الَّذي وجدا
لعمرها ما أراني إن نوىً نزحت وهكذا الحبُّ إلاَّ ميِّتًا كمدا
[ ٤ / ٣٧٢ ]
وانصرف عمرٌ بالغريض معه. فلما كان بمكة، قال عمر: يا غريض، إني قد قلت في [هذه] اللّيلة التي كنا فيها شعرًا، فامضِ به إلى النّسوة. فأنشدهنَّ ذلك، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة المنوَّرة، فقصد سكينة، وقال لها: "إنَّ عمر وجَّهني إليك قاصدًا، وحمَّلني شعرًا، وأمرني أن أنشدك إيّاه. قالت: يا ويحه! ما كان عليه أن لا يرحل في غده، فوجّهت إلى النّسوة، فجمعتهنَّ، وأنشدهنَّ الشعر. فقالت سكينة: أحسنت وأحسن عمر! يا بنانة، أعطيه بكلّ بيت ألف درهم، فأخرجت إليه أربعة آلاف درهم، وقالت: لو زادنا عمر لزدناك. انتهى.
ثمَّ قال صاحب "الأغاني": ومن النّاس من ينسب هذا إلى معبد، وأوله
يا أمَّ طلحة إنَّ البين قد أفدا قلَّ الثَّواء لئن كان الرَّحيل غدا
أمسى العراقيُّ لا يدري وإن برزت من ذا تطوَّف بالأركان أو سجدا
لعمرها ما أراني إن نوًى نزحت ودام ذا الحبُّ إلاَّ قاتلي كمدا
قد حلفت ليلة الصُّورين واجتهدت إلى آخر البيتين.
لو جمع النّاس ثمَّ اختير صفوتهم شخصًا من النَّاس لم أعدل به أحدا
الشّعر للأحوص، ويقال إنّه لعمر أيضًا، والغناء لمعبد. انتهى.
والمناصف: جمع منصف، بفتح الميم وكسرها؛ الخادم. والأنثى: منصفة، والنّوى: النّية التي ينويها المسافر من قرب أو بعد، ونزحت: بعدت، والغريض، بإعجام الطّرفين كأمير، مغنٍّ مشهور، ومعبد كذلك. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدَّمت في الإنشاد السّادس من أوَّل الكتاب.
"لا"
أنشد فيه، وهو الإنشاد التّاسع والثمانون بعد الثلاثمائة:
(٣٨٩) فلا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمدٍ على أحدٍ إلَّا بلؤمٍ مرقَّع
[ ٤ / ٣٧٣ ]
على أنَّ "لا" فيه نافية للجنس، واسمها منصوب، لكونه مضافًا. وروي بالرفع؛ فلا تكون من هذا الباب، كما يأتي. وهذا الفصل لخّصه المصنّف من المجلس السّابع والسّتين من "أمالي ابن الشجري"، كأنه أورد بحث "لا" فقال: فإن وليها المضاف أو الطّويل، وهو الذي يعمل فيما بعده نصبًا أو رفعًا، فالفتحة نصب صريح؛ لأنَّ التركيب لا يكون فيما جاوز جزءين. فمثال المضاف: "لا طالب حق في الدّار".
ومنه قول المتنبي:
فلا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمد .. البيت
إلى أن قال: فالفتحة [في قولك]: "لا صاحب حقّ" وفي [قوله] "فلا ثوب مجد" نصب صريح. انتهى.
والبيت من قصيدة للمتنبي، قالها في صباه مدح بها عليّ بن أحمد الطّائي مطلعها:
حشاشة نفسٍ ودَّعت يوم ودَّعوا فلم أدر أيَّ الظَّاعنين أشيِّع
أشاروا بتسليم فجدنا بأنفسٍ تسيل من الآماق والسُّمُّ أدمع
حشاي على جمرٍ ذكيٍّ من الهوى وعيناي في روضٍ من الحسن ترتع
إلى أن قال:
فيا ليلةً ما كان أطول بثَّها وسمُّ الأفاعي عذب ما أتجرَّع
تذلَّل لها واخضع على القرب والنَّوى فما عاشقٌ من لا يذلُّ ويخضع
ولا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمد .. البيت.
انتقل من النسيب إلى المدح من غير مناسبة على طريق الاقتضاب، وهي طريقة للعرب قديمة. قال الواحد: يقول: لم يخلص المجد لغيره، وإنما خلص له، ومجد غيره مشوب باللؤم، ومجده خالص من الذم والعيب، ومن روى: "فلا ثوب" بالرَّفع، فلأنه عطف على قوله: "فما عاشق انتهى".
والظّاهر أنها حينئذ تكون عاملة عمل ليس، ويكون خبرها متعلَّقّ "على أحد" تقديره "موجودًا على أحد" و"غير" في الوجهين منصوبة على الاستثناء.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٠) قفا قليلًا بها عليَّ فلا أقلَّ من نظرةٍ أزوَّدها
على أن "أقلّ" مبنيّ مع "لا" على الفتحة ويجوز رفعه على أنها عاملة عمل ليس.
قال ابن الشّجري: وأمّا قوله: قفا قليلًا عليَّ .. البيت، فيجوز في "أقل" الرّفع والنصب، فالرَّفع على تشبيه "لا" بليس، والنصب على تشبيه "لا" بأن والفتحة في "أقلّ" إعراب لطوله [بمن] انتهى. وقد ذكر الوجهين الواحدي في شرحه.
والبيت من قصيدة للمتنبي قالها في صباه أيضًا، مدح بها أبا الحسين محمد بن عبد الله العلوي وقبله:
يا حاديي عيرها وأحسبني أوجد ميتًا قبيل أفقدها
نادى الحاديين لعيرها، والعير بالكسر، قال صاحب "المصباح": هي الإبل التي تحمل الميرة، ثمَّ غلب على كلّ قافلة. وجملة "وأحسبني" إلى آخر البيت: معترضة بين النداء وبين المقصود به، وهو قوله: قفا قليلًا .. إلخ، وأفقدها: أصله أن أفقدها، فلمّا حذفت أن ارتفع الفعل، وهو من باب ضرب. وقوله: قفا بها، أي احبساها عليَّ زمانًا قليلًا لأنظر إليها، وأتزوَّد منها نظرة فلا أقلّ منها، وهذا قريب من قول ذي الرّمة:
وإن لم يكن إلاَّ تعلُّل ساعةٍ قليلٌ فإنّي نافعٌ لي قليلها
وضمير بها: للعير، ويجوز أن يكون لمحبوبته. وأزوَّدها بالبناء للمفعول من زوّد، أي: أعطيته زادًا.
[ ٤ / ٣٧٥ ]
وقد ضمَّن بعضهم البيت الثاني شعره وأجاد في التضمين قال:
أصبح برذوني المرقَّع باللّصقات في حسرةٍ يكابدها
رأى حمير الشَّعير عابرةً عليه يومًا فظلَّ ينشدها
قفا قليلًا بها علي .. البيت.
وأنشد بعده:
إنَّ محلًّا وإنَّ مرتحلًا وإنَّ في السَّفر إذ مضوا مهلا
وتقدَّم شرحه في الإنشاد التّاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩١) من صدَّ عن نيرانها فأنا ابن قيسٍ لا براح
على أنَّ "لا" هنا عاملة عمل ليس، وبراح: اسمها، والخبر محذوف تقديره لي.
وأنشده سيبويه أيضًا على إجرائها مجرى ليس في بعض اللّغات. قال ابن خلف: ويجوز رفع "براح" على الابتداء، غير أنَّ الأحسن- حينئذ- تكرير "لا" قال: المبرد- كما نقله النحاس- لا أرى بأسًا أن تقول: "لا رجل في الدار" في غير ضرورة، وكذا "لا زيد في الدّار" في جواب: "هل زيد في الدار" وصد: أعرض، والضمير في نيرانها للحرب، وقوله: فأنا ابن قيس أي: أنا المشهور في النجدة كما سمعت، وأضاف نفسه إلى جدّه كما سمعت، وأضاف نفسه إلى جدّه الأعلى لشهرته به، وجملة "لا براح لي" حال مؤكدة لقوله: أنا ابن قيس ثابتًا في الحرب. وإتيان الحال بعد أنا ابن فلان كثير كقوله:
أنا ابن دارة معروفًا بها نسبي
[ ٤ / ٣٧٦ ]
وقيل: الجملة في محل رفع خبر، وقيل: تقرير للجملة التي قبلها، ويجوز نصب "ابن قيسٍ" على الاختصاص، فيتعيّن جملة: "لا براح لي" كونها خبرًا لأنا، وهو أفخر وأمدح. قال الإمام المرزوقي في قوله:
إنَّا بني نهشلٍ لا ندَّعي لأبٍ
الفرق بين أن تنصب "بني نهشل" على الاختصاص، وبين أن ترفع على الخبريَّة، هو، أنه لو جعله خبرًا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان فعله لذلك لا يخلو عن خمول فيهم، وجعل من المخاطب بشأنهم، وإذا نصب أمن من ذلك؛ فقال: مفتخرًا أنا أذكر من لا يخفي شأنه، لا نفعل كذا وكذا. انتهى.
والبراح، بفتح الواحدة، مصدر برح الشيء براحًا، من باب تعبِ: إذا زال من مكانه.
وهذا البيت من قصيدة لسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، وهو فارس شاعر جاهلي، وهو أحد سادات بكر بن وائل.
وتقدَّم شرح أبيات منها في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الثلاثمائة، وقد ذكرنا منشأ هذا الشّعر في شرح الشاهد الواحد والعشرين بعد المائتين من شواهد الرّضى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٢) تعزَّ فلا شيءٌ على الأرض باقيًا ولا وزرٌ ممَّا قضى الله واقيا
[ ٤ / ٣٧٧ ]
على أنَّ خبر "لا" هذه قد يذكر فلا يحذف، كما هنا، وهو قليل. وتعزّ: فعل أمر، من العزاء، وهو الصّبر. والوزر: الملجأ.
والبيت مشهور في كتب النحو، ولم أقف على قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٣) نصرتك إذ لا صاحبٌ غير خاذلٍ فبوِّئت حصنًا بالكماة حصينًا
على أنَّ "لا" هنا لا يتعين أن تكون عاملة، بل هي مهملة عمل "ليس" لجواز أن تكون "غير" منصوبة على الاستثناء، ويكون الخبر محذوفًا، تقديره لك، وهذا رد على شراح "التسهيل" في زعمهم أنها عاملة، والخاذل: من خذله؛ إذا لم يعنه، ولم ينصره. وبوئت، بالبناء للمفعول والخطاب؛ أي: أسكنت مثله، من المباءة بالفتح والمدّ، وهو المسكن. يقال: بوَّأه الله منزلًا؛ أي: أسكنه إيَّاه، والباء: متعلّقة بما بعدها، وهو حصين.
وهذا البيت أيضًا لم أقف على قائله مع شهرته في كتب النحو، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرّابع والتسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٤) وحلَّت سوادا القلب لا أنا باغيًا سواها ولا في حبِّها متراخيا
على أنها عاملة في المعرفة عند ابن جني، وابن الشّجري، قال ابن الشّجري: كتب إليَّ رجل من أماثل كتَّاب العجم يسأل عن هذا البيت: أصحيح إعرابه أم فاسد؟ وذكر أنه لشاعر أصفهاني من أهل هذا العصر، وهو:
يؤلِّل عصلًا لا بناهنَّ هينةً ضعافًا ولا أطرافهنَّ نوابيا
رفع بناهن بـ "لا" ونصب هينة بأنه خبرها، وإنما فعل ذلك لنصب القافية؛ لأنه
[ ٤ / ٣٧٨ ]
لما أعمل "لا" الأولى هذا العمل أعمل "لا" الثانية عمل الأولى. ولحّنه في هذا نحويّ من أهل أصفهان؛ لأنه جعل اسم "لا" معرفة وقال: إنّ من شبّه "لا" بليس من العرب رفعوا بها النَّكرة دون المعرفة، فأجبت عن هذ بأني وجدت قومًا النحويين معتمدين على أنَّ "لا" المشبَّهة بليس إنما ترفع النَّكرات خاصَّة، وعلَّلوا هذا بأنَّ "لا" ضعيفة في باب العمل، لأنها إنَّما تعمل بحكم الشّبه لا بحكم الأصل في العمل، والنّكرة ضعيفة جدًا، فلذلك لم يعمل العامل الضَّعيف إلاَّ في النكرات، كقولك: عشرون رجلًا، ولي مثله فرسًا، وزيد أحسنهم أدبًا، فلمّا كانت "لا" أضعف العوامل، والنَّكرة أضعف المعمولات، خصّوا الأضعف بالأضعف. وجاء في شعر أبي الطَّيب إعمال "لا" في المعرفة في قوله:
إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى .. البيت.
ووجدت أبا الفتح عثمان بن جني، غير منكر في ذلك في تفسيره لشعر المتنبي، ولكنه قال بعد إيراد البيت: شبّه "لا" بليس، فنصب بها الخبر. وأقول: إنَّ مجيء مرفوع "لا" منكورًا في الشّعر القديم هو الأعرف، إلاَّ أنَّ خبرها كأنَّهم ألزموه الحذف، وذلك في قول سعد بن مالك بن ضبيعة:
من صدَّ عن نيرانها فأنا ابن قيسٍ لا براح
أراد: لا براح لي، أو عندي. وفي قول رؤبة:
والله لولا أن تخشَّ الطُّبَّخ بي الجحيم حين لا مستصرخ
أراد: لا مستصرخ لي. ومرَّ بي بيت للنّابغة الجعدي، فيه مرفوع "لا" معرفة وهو:
وحلَّت سواد القلب لا أنا مبتغٍ سواها ولا عن حبِّها متراخيًا
وقبله:
دنت فعل ذي حبٍّ فلمّا تبعتها تولَّت وردَّت حاجتي في فؤاديا
[ ٤ / ٣٧٩ ]
وبعده:
وقد طال عهدي بالشَّباب وظلِّه ولا قيت أيامًا تشيب النَّواصيا
وإنما ذكرت هذين البيتين مستدلًا بهما على نصب القافية، لئلا يتوهّم متوهّمٌ أنَّ البيت فرد مصنوع، لأنَّ إسكان الياء في قوله: متراخيًا ممكن مع تصحيح الوزن، على أن يكون البيت من الطّويل الثالث، مثل قوله:
أقيموا بني النُّعمان عنّا صدوركم وإلاَّ تقيموا صاغرين الرّؤوسا
وإذا صحَّ نصب قافية البيت، فلا تخلو "لا" الأولى أن تكون معملة أو ملغاة، فإنْ كانت معملة فمبتغ خبرها، وكان حقّه أن ينصب، ولكنه أسكن الياء في موضع النّصب، كما أسكنها الآخر في قوله:
كفى بالنَّأي من أسماء كاف
وكان حقّه كافيًا؛ لأنّه حال بمنزلة المنصوب في قوله تعالى: ﴿وكفى بالله نصيرًا﴾ [النساء/ ٤٥]. ومثله في إسكان الياء في موضع النّصب قول الفرزدق:
يقلِّب رأسًا لم يكن رأس سيِّدٍ وعينًا له حولاء بادٍ عيوبها
كان حقّه: باديًا، إتباعًا لقوله: [عينًا، ولا يجوز أن يكون عيوبها مبتدأ وخبره باد، لأنه لو أراد ذلك لزمه أن يقول: بادية، ألا ترى أنّك لو قدمت العيوب لم يصح أن تقول: عيوبها بادٍ؟ كما لا تقول: الرجال جالس: وإذا كان كذلك فالنصب في قوله]: متراخيًا، بالعطف على مبتغ؛ لأنه منصوب الموضع،
[ ٤ / ٣٨٠ ]
فكأنه قال: لا أنا مبتغيًا سواها، ولا متراخيًا عن حبّها. فإن جعلت"لا" الأولى ملغاة، كان قوله: "أنا مبتغ" مبتدأ وخبرًا، ولزمك أن تعمل الثّانية، ويكون اسمها محذوفًا تقديره: ولا أنا عن حبّها متراخيًا، وحسن حذفته لتقدّم ذكره، فإن قيل: فهل يجوز أن يكون متراخيًا حالًا، والعامل فيه الظّرف الذي هو عن، كما يعمل الظّرف في الحال إذا قلنا: زيد في الدَّار جالسًا؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ عن ظرف ناقص، وإنما يعمل في الحال الظّرف التَّام، ألا ترى قولك: زيد في الدَّار، كلام مفيد، ولو قلت: زيد عنك راحلًا لم يجز، لأنّك لو أسقطت راحلًا فقلت: زيد عنك، ولم يكن كلامًا مفيدًا، فإذن لا يصحّ إلاُّ أن ترفع راحلًا، وتعلّق الجار به. ووجدت بعد انقضاء هذه الأمالي في كتاب عتيق يتضمن المختار من شعر الجعدي: "لا أنا باغيًا سواها" فهذه الرّواية تكفيك تكلّف الكلام على مبتغٍ.
فأمّا قوله: " يؤلّل عصلًا" فمعنى يؤلّل: يحدِّد أنيابًا عصلًا، والعصل: شدُّة النّاب مع اعوجاج فيه، وهو ناب أعصل. والبنى: جمع بنية، يريد أصول الأنياب، وهينة: مخفف هينّة، كقولهم في ميّت ميت، والنّوابي من قولهم: نبا السيف ينبو: إذا ضربت به فرجع إليك، ولم يعمل في الضّريبة. وقول رؤبة: تحشّ الطُّبَّخ، يقال: حششت النّار أحشُّها: إذا أذكيتها، والطَّبخ: جمع طابخ، شبّه ملائكة النّار بالطَّبَّاخين. وقوله: حين لا مستصرخ، أي: حين لا أحد هناك يستصرخ كما يوجد في الدنّيا. إلى هنا كلام ابن الشّجري. وقد أول ابن مالك في "شرح الكافية" قال: ويمكن عندي أن يجعل "أنا" مرفوع فعل مضمر ناصب "باغيًا" على الحال، تقديره: لا أرى باغيًا، فلمّا أضمر الفعل برز الضَّمير وانفصل، ويجوز أن يجعل "أنا" مبتدأ، والفعل المقدَّر بعده خبرًا ناصبًا باغيًا على الحال، ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه، ونظائره كثيرة منها قولهم: حكمك مسمّطًا، أي: حكمك لك مسمّطًا، أي: مثبتًا، فجعل مسمّطًا،
[ ٤ / ٣٨١ ]
وهو حال مغنيًا عن عامله مع كونه غير فعل، فأن يعامل "باغيًا" بذلك، وعامله فعل أحق وأولى. انتهى كلامه.
ولا يخفى أنّه إذا فتح الباب التَّأويل فإنه يجري أيضًا في قوله: تعزَّ فلا شيء .. البيت. والتقدير: فلا يرى شيء، وفي قوله:
وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ بمغنٍ فتيلًا عن سواد قارب
ويكون فيه التقدير: يوم لا يرى ذو شفاعة، فلا يثبت لا العاملة عمل ليس. وقوله: دنت فعل ذي حب، أي: قربت كقرب ذب محبّة، وتولّت: أدبرت، وحلّت: سكنت، من الحلول وهو النزول. وقوله: لا أنا باغيًا .. الخ. الجملة: حال، والتقدير: حلّت سواد القلب مني، أو: سواد قلبي في حالة إمحاضي المحبّة لها.
والنابغة الجعدي: صحابي، قيل: اسمه حسّان بن قيس بن عبد الله، وقيل: قيس بن عبد الله من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهو أحد المعمّرين، وكان أكبر من النابغة الذّبياني، ومات الذبياني قبله، وعاش بعده إلى أن وفد على النبيّ ﷺ فأسلم، وأنشده شعرًا فدعا له، وشهد مع علي صفِّين، قال ابن قتيبة: عمر النابغة مائتين وعشرين سنة، ومات بأصبهان في زمن الحجّاج، وكان شاعرًا مقدّمًا، وكان مغلبًا، ما هاجى أحدًا قط إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء، وكعب بن جعيل، وليلى الأخيلية فغلبوه جميعًا وله مع ليلى الأخيلية أهاجٍ كثيرة، وتقدَّم بعضه معها، قال أبو عبيدة: كان النّابغة الجعدي ممن ذكر في الجاهلية وانكر الخمر والأزلام، وكان على دين إبراهيم ﵇، ويصوم، فسبق النّاس إليه جميعًا وتبعوه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٥) إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيًا
[ ٤ / ٣٨٢ ]
على أنَّ "لا" فيه مثل البيت السّابق. ولم يزد الواحدي في شرحه على قوله: شبّه "لا" بليس، فنصب الخبر. انتهي. وقال ابن مالك في "شرح التّسهيل": شذَّ إعمالها في معرفةٍ في قول النّابغة الجعدي، وقد حذا المتنبي حذو النّابغة. والقياس على هذا سائغ عندي، وقد أجاز ابن جني ذلك في كتاب "التَّمام" انتهى.
قال ناظر الجيش: ومثل بيت المتنبي قول الشاعر:
أنكرتها بعد أعوامٍ مضين لها لا الدّار دارًا ولا الجيران جيرانًا
وقال أبو حيَّان في "البحر" عند قوله تعالى: ﴿لاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾ من سورة البقرة [الآية ٣٨]. قال ابن عطية: والرَّفع على إعمالها عمل ليس، ولا يتعيَّن ما قاله، بل الأولى أن يكون مرفوعًا بالابتداء؛ لأنَّ إعمال "لا" عمل ليس قليلٌ جدًا، ويمكن النّزاع في صحّته، وإن صحَّ فيمكن النّزاع في اقتياسه، وإذا دخلت على المعارف لم تجر مجرى ليس، وقد سمع من ذلك بيت للنّابغة الجعدي، وتأوَّله النحاة، وقد لحَّنوا أب الطّيّب في قوله:
فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
انتهى. ومعنى البيت: إذا لم يتخلّص الجود من الامتنان لم يبق المال، ولم يحصل الحمد، لأنَّ المال يذهبه الجود، والأذى الذي هو المنّ يبطل الحمد.
والبيت من قصيدة في مدح كافور الإخشيدي، مطلعها:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس والتّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٦) كأنَّ دثارًا حلَّقت بلبونه عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
على أنَّ "لا" فيه عطفت على معمول الماضي، وفيه ردّ على من منعه، قال العلم
[ ٤ / ٣٨٣ ]
الأندلسي في "شرح الجزولية": ومنع الزّجاج أن يعطف بها بعد الفعل الماضي، وهو ضعيف، فإنّه قد جاء في قول امرئ القيس: كأنَّ دثارًا
البيت. انتهى.
ونقلته من خط ابن إياز النّحوى، والبيت من أبيات له شرحنا جميعها في شرح الشاهد الثاني عشر بعد التّسعمائة، وبعضها في الإنشاد الواحد والأربعين بعد المائتين، وذكرنا منشأها في الموضعين، ودثار: اسم راعي إبل امرئ القيس، وحلّقت: من التّحليق، وهو ارتفاع الطّير في الجوّ. واللّبون من الإبل: ذات اللّبن، وهو معنى قول المصنّف: "نوقٌ ذات لبن" واعترضه الدّماميني بقوله: وبتقدير أن يكون إضافه اسم الجنس تفيد العموم، لم يتعين أن يكون هذا مراد الشاعر، إذ يحتمل أن يكون المراد بلبونه: واحد لا غير، وليس في اللفظ ما يدفعه فأين الجزم بالعموم؟ ! انتهى.
قلت: كلامه ناشٍ من عدم الاطلاع على منشأ الشّعر، وهو أنَّ امرأ القيس لما نزل على خالد بن سدوس النَّبهاني الطّائي أغار على إبله باعث بن حويص الطّائي، كما تقدَّم نقله هناك.
وتنوفى، بفتح المثناة الفوقية، وضم النّون، وبعد الواو فألف مقصورة. وروي أوله بالمثناة التحتية، وروي "تنوف" أيضًا بلا ألف، وهو جبل عال. وقد بسطنا الكلام على هذه الكلمة في شواهد الرّضي.
قال ابن الكلبي: أخبث العقبان ما آوي في الجبال المشرفة، وهذا مثل، أراد: كأنَّ دثارًا ذهبت بلبونه آفة، وأراد: أنّه أغير عليه من قبل تنوفى، وقال الأصمعي: القواعل واحدتها قاعلة. وهي جبال صغار، وقيل: القواعل، جبل دون تنوفى.
انتهى.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّابع والتسّعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٧) ولا زال منهلًّا بجر عائك القطر
على أنّه إنما لم تتكررّ "لا" لأنّه أريد الدّعاء، وهذا عجز وصدره:
ألا يا اسلمي يا دار ميَّ على البلى
وهو مطلع قصيدة طويلة لذي الرّمة، غيلان، وهو من شواهد النَّحويّين، استشهدوا به على أنَّ "زال" إنما تعمل إذا تعمل إذا تقدمَّها نفي أو نهي أو دعاء، كما هنا، و"ألا" حرف يستفتح به الكلام لتنبيه المخاطب على الإصغاء، والإقبال على ما يقوله المتكلمّ، ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف دلَّ عليه ما بعد اسلمي، والتقدير: ألا يا دار ميّ اسلمي. وكرر النداء للتَّلذذ، واسلمي: فعل أمر، من سلم من الآفات سلامة. وميّ: اسم محبوبته، بالتنوين، وتارة يقول: مية، فلا يصرف. قال سيبويه: زعم يونس أنّه كأن يسميّها مرَّة ميًّا ومرّة ميّة. انتهى. وعلى بمعنى مع. أي: اسلمي، وإن كنت قد بليت، والبلى، بالكسر والقصر، مصدر بلي يبلي، من باب تعب، وبلى الدّار: طموس معالمها، وذهاب آثارها، والمنهلُّ: اسم فاعل لا اسم مفعول؛ لأنّه من فعل لازم. يقال إنهلَّ المطر: أي: سال بشدَّة. والجرعاء: مؤنّث الأجرع، وهي أرض ليّنة، لا يبلغ ترابها أن يكون رملًا. والقطر: المطر، قال ابن رشيق في "العمدة": وقد عاب قدامة عليه قوله: بأنّه لم يحترس كما احترس طرفة في قوله:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الرَّبيع وديمةٌ تهمي
فردَّ ذلك عليه بأنّه قدَّم الدّعاء للدّار بالسلامة في أوَّل البيت، وهذا هو الصّواب انتهي.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
وأجاب ابن عصفور بجواب آخر قال: إنَّ "ما زال" تقتضي ملازمة الصَّفة للموصوف مذ كان قابلًا لها على حسب ما قبلها، وذلك أنّه عهد دار ميّة في خصب؛ لسقيا المطر لها في أوقات الحاجة إلى ذلك؛ فدعا لها بأن لا تزال على عهدها عليه، من انهلال المطر بجرعائها وقت الحاجة إليه. وقد بسطنا الكلام هنا في حاشيتنا على "شرح بانت سعاد" للمصنّف عند شرح قوله:
تنفي الرّياح القذى عنه وأفرطه من صوب ساريةٍ بيضٌ يعاليل
وترجمة ذي الرّمّة تقدَّمت في الأنشاد الرّابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثّامن والتّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٨) لا بارك الله في الغواني هل يصبحن إلَّا لهنَّ مطَّلب
لما تقدَّم قبله، والبيت من شواهد سيبويه، أورده في باب ما كانت الياء والواو فيه من نفس الحرف، نقل فيه عن الخليل: أنّه لما اضطروا في موضع لا بدَّ لهم فيه من الحركة أجروه على الأصل. قال: وأنشدني أعرابيّ من بني كليب لجرير:
فيومًا توافيني الهوى غير ماضيٍ ويومًا ترى منهنَّ غولًا تغوَّل
فقال: ألا تراهم كيف جروا حين اضطروا؟ وأورده ابن السرّاج في آخر كتاب "الأصول"في فصل الضّرائر الشّعريّة، قال: تصحيح المعتلّ يجوز في الشّعر، ولا يصلح في الكلام تحريك الياءات المعتلّة في الرَّفع والجرّ للضّرورة. وأنشد البيتين وغيرهما، وكذا أوردهما ابن جني في "شرح تصريف المازني" وقال: وحكى أبو علي عن أبي العبّاس: أنَّ أبا العباس كان ينشده:
[ ٤ / ٣٨٦ ]
فيومًا يوافين الهوى ليس ماضيًا
وقال أبو إسحاق: كان الأصمعي ينشد:
لا بارك الله في الغواني فهل
فهذا لا ضروروة فيه. انتهي.
وقال أبوجعفر النّحاس في شرح شواهد سيبويه: قال أبو الحسن، قال أبو العبّاس، وهذا البيت مغيّر، والرواية: "لا بارك الله في الغواني أما يصبحن".
والغانية: التي استغنت بجمالها عن الزّينة، وقد قيل بزوجها. انتهى. وقال ابن المستوفي في"شرح أبيات المفصَّل": مطّلب: من اطّلب، أي: تكلّف الطّلب، أي: يطلبن الرّجال أو يطلبهن الرّجال، وقال ابن السَّيرفي: المطّلب: المتطلّب؛ يريد: أنهن لا يتركن. ويجوز أن يريد: إلاَّ لهنَّ مطلب، أي هنَّ يطلبن من يواصلنه. ولا يثبت مودتهنَّ لأحد، أي: هنَّ سريعات الصَّرم، وقد رأيت في بعض المواضع: مطلب، بكسر اللَّام، أي: لهنَّ من يطلبهنَّ، وما أحبّ هذه الرّواية لقلة من يرويها. انتهى.
والبيت من قصيدة لعبيد الله بن قيس الرّقيات، مدح بها عبد الملك بن مروان، وأوَّلها:
عاد له من كثيرة الطَّرب فعينه بالدُّموع تنسكب
كوفيَّةٌ نازحٌ محلَّتها لا أممٌ دارها ولا صقب
والله ما إن صبت إليَّ ولا يعلم بيني وبينهما نسب
إلا الذي أورثت كثيرة في القلب وللحبَّ سورةٌ عجب
لا بارك الله في الغوان فما يمسين إلا لهنَّ مطَّلب
أبصرن شيبًا علا الذُّؤابة في الرَّأس حديثًا كأنَّه العطب
فهنَّ ينكرن ما رأين ولا ينكر لي في لداتي اللَّعب
[ ٤ / ٣٨٧ ]
ومن المديح:
ما نقموا من بني أميَّة إَّلا أنَّهم يحملون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك فما تصلح إلاَّ عليهم العرب
إنَّ الفنيق الَّذي أبوه العا صي عليه الوقار والحجب
خليفة الله فوق منبره جفَّت بذاك الأقلام والكتب
يعتدل التَّاج فوق مفرقه على جبينٍ كأنَّه الذَّهب
ونقلت إلى هنا من ديوانه. وكثيرة، بفتح الكاف وكسر المثلثة، قال جامع ديوانه: هي امرأة من مذحج، يقال لها كثيرة العراق. انتهي.
ونقل السّيوطي عن أحمد بن كامل: أنها أمّ عبد الصّمد بن عليّ بن عبد الله ابن عبّاس. انتهى.
ونازح: بعيد، وأمم، بفتحتين: قريب، والصّقب: القريب الملتصق. والسّورة، بالفتح: الحدة. والعطب، بضم العين والطّاء المهملتين: القطن. ولداتي جمع لدة، بكسر اللام، هو الّذي يولد في اليوم الّذي تولد فيه.
وقوله: ما نقموا من بني أميّة .. الخ، استشهد به عند قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم إلاَّ أن يؤمنوا بالله﴾ [البروج/ ٨] يريد أنهم ما أنكروا من بني أميّة شيئًا إلاَّ الحلم عند الغضب، وهذا أسُّ المحامد والمفاخر. والفنيق، بفتح الفاء وكسر النّون: الفحل المكرّم، لا يؤذى لكرامته عند أهله، ولا يركب. وروي بدله: "إنَّ الأغر الّذي الخ." روى صاحب "الأغاني": أنَّ عبيد الله بن قيس الرّقيّات، كان مع مصعب بن الزّبير حين توجّه عبد الملك بن مروان؛ فلمّا رأى مصعب معالم الغدر مّمن معه، ملأ مناطق من المال، وألبسه منها، وقال له: انطلق حيث شئت، فحلف لا يفارقه؛ فلما قتل مصعب أقبل إلى الكوفة، قال: فأوَّل بيت صرت إليه دخلته، وإذا فيه امرأة؛ فرقيت بي إلى مشربة، فأمرت لي بما أحتاج إليه، فأقمت عندها أكثر من حول، لا تسألني من أنا ولا أسألها من هي، وأنا في ذلك
[ ٤ / ٣٨٨ ]
أسمع الصياح فيّ والجعل، فلمّا طال بي المقام، قلت لها: أحببت الشّخوص إلى أهلي، فلمّا أمسيت أظلم اللّيل قالت: إن شئت فانزل، فنزلت، وقد أعدت راحلتين عليهما ما أحتاج إليه، ومعهما عبد، وأعطته نفقة للطّريق. قالت: العبد والرّاحلتان لك، فركبت، وركب معي العبد حتي طرقت منزلي بمكّة، فقالوا: مافارقنا طلبك إلَّا في هذا الوقت، فأقمت عندهم حتى أسحرت، ثمَّ نهضت ومعي العبد حتي أتيت المدينة، فجئت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فكتب بالشّفاعة لي إلى أمّ البنين، بنت عبد العزيز، فشفعها عبد الملك، وقال لها: مريه أن يحضر مجلس العشية، فحضر ثمَّ أذن للنّاس، وأخر إذن ابن قيس، ثمَّ أذن له، فلمّا دخل عليه، قال عبد الملك: أتعرفون هذا؟ فقالوا لا، فقال هو ابن قيس الرّقيات الذَّي يقول:
كيف نومي على الفراش ولمّا تشمل الشّام غارةٌ شعواء
تذهل الشَّيخ عن بنيه وتبدي عن خدام العقيلة العذراء
فقالوا: يا أمير المؤمنين! اسقنا دم هذا المنافق، قال الآن وقد أمنته وصار في منزلي وعلى بساطي! قد أخرت الإذن لتقتلوه فلم تفعلوا! . واستأذنه ابن قيس: أن ينشده مديحه، فأنشده:
عاد له من كثيرة الطَّرب
إلى أن قال:
يعتدل التّاج فوق مفرقه على جبينٍ كأنَّه الذَّهب
فقال له عبد الملك يا ابن قيس! تمدحني بالتّاج كأني من العجم، وتقول في مصعب:
إنما مصعبٌ شهابٌ من الله تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك عزَّة ليس فيه جبروتٌ منه ولا كبرياء
[ ٤ / ٣٨٩ ]
أمّا الأمان فقد سبق لك، ولكن– والله– لا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدًا! وقال ابن قيس لعبد الله بن جعفر: ما ينفعني أماني؟ تركت حيًا كميتٍ؛ فقال له عبد الله: عمِّر نفسك؟ قال: عشرين سنة، قال: كم عطاؤك؟ قال: ألفا درهم، فأمر بأربعين ألفًا، وقال: ذلك [لك] عليَّ حتى تموت، ثمَّ إنَّ ابن جعفر دخل إلى عبد الملك، ومعه ابن قيس، فلمّا قدَّم الطّعام جعل يسيء الأكل، فقال عبد الملك لابن جعفر مّن هذا؟ فقال: إنسان لا يجوز [ألاَّ] أن يكون صادقًا إن استبقي، وإن قتل كان أكذب النّاس، قال: وكيف ذلك؟ قال لأنّه يقول:
ما نقموا من بني أميّة إَّلا أنهم يحلمون أن غضبوا
فإن قتلته لغضبك عليه أكذبته، قال: فهو آمن، ولكن لا أعطيه من بيت المال، قال: إنك وهبت لي دمه، فأحبَّ أن تهب عطاءه، قال: قد فعلت، قال: وتعطيه ما فاته من العطاء، قال: قد فعلت، وأمر له بذلك. انتهى كلامه باختصار.
وتقدَّمت ترجمة ابن قيس الرقيات في الإنشاد الثّامن والأربعين. وقد نقلنا ما للنّاس في تلقيب قيس: بالرّقيات في شرح الشاهد الثّالث والثّلاثين بعد الخمسمائة من شواهد الرَّضي، ونقل السّيوطي من "أمالي ثعلب": أنَّ ابن قيس لمّا فارق المرأة التّي توارى عنها بالكوفة؛ قال لها: من أنت؟ قالت: أولا تعرفني؟ ! قال: لا والله، قالت: أنا التّي تقول فيها:
عاد له من كثيرة الطّرب الأبيات
وأقول: هذا كيف يصحّ والشّعر متأخر قاله بعدما فارقها؟ ولئن سلم أنّه قاله وهو متوارٍ عندها كيف يمكن أن يشتهر هذا الاشتهار! والله أعلم. وأنا لم أر ما نقله عن ثعلب في "أماليه". والله أعلم.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٩) حسب المحبِّين في الدُّنيا عذابهم تالله لا عذَّبتهم بعدها سقر
على أنه لم تكرّر "لا" في الماضي مع القسم لأنّه مستقبل في المعنى، لأنَّ التقدير: لا تعذّبهم في الآخرة، بدليل قوله: في الدّنيا، وهو متعلّق بـ "حسب" بمعنى كافٍ.
والبيت من قصيدة للمؤمّل بن أميل المحاربي، قالها في امرأة كان يهواها من أهل الحيرة، يقال لها: "هند" وهي قصيدة مشهورة، منها:
شفَّ المؤمِّل يوم الحيرة النَّظر ليت المؤمِّل لم يخلق له بصر
ومنها:
قتلت شاعر هذا الحيَّ من مضرٍ والله يعلم ما ترضى بذا مضر
روى صاحب "الأغاني" عن علي بن الحسن الشيباني، قال: رأى المؤمَّل في نومه قائلًا يقول له: أنت المتألي على الله أنّه لا يعذّب المحبّين حيث تقول:
يكفي المحبّين في الدُّنيا عذابهم والله لا عذَّبتهم بعدها سقر
فقال: نعم، فقال: كذبت يا عدوَّ الله، ثمَّ أدخل أصبعيه في عينيه، وقال له: أنت القائل:
شفَّ المؤمِّل يوم الحيرة النَّظر البيت
هذا ما تمنّيت؟ ! فانتبه فزعًا، فإذا هو قد عمي.
وروى أيضًا، عن مصعب الزبيري أنه قال: أنشد المهدي:
قتلت شاعر الحيِّ من مضرٍ البيت
فضحك، وقال: لو علمنا أنها فعلت لما رضينا، ولغضبنا له، وأنكرها. انتهى.
وشفّه، بالشين المعجمة والفاء، بمعنى: أرقه وأهزله. والمتألي: بمعنى الحالف، من الأليّة، وهي اليمين.
[ ٤ / ٣٩١ ]
والمؤمّل: هو ابن أميل بن أسيد المحاربي، والمؤمّل، بزنة اسم المفعول، وكذا أميل، وكلاهما من الأمل، وأسيد، بفتح الهمزة وكسر السّين.
قال صاحب "الأغاني": هو كوفيّ من مخضرمي الدَّولتين، الأمويّة، والعبّاسيّة، وكانت شهرته في العبّاسيّة أكثر؛ لأنّه كان من الجند المرتزقة معهم، ومن يخصّهم ويخدمهم من أوليائهم، وانقطع إلى المهدي في حياة أبيه، وبعده، وهو صالح المذهب في شعره، ليس من المبرزين الفحول، ولا من المرذولين في شعره، وله طبع صالح. انتهى.
وقد بسطنا ترجمته في شرح الشّاهد التّاسع والعشرين بعد السّتمائة من شواهد الرّضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي الأربعمائة:
(٤٠٠) لا همَّ إنَّ الحارث بن جبله زنا على أبيه ثمَّ قتله
وكان في جاراته لاعهد له وأيُّ أمرٍ سيِّيءٍ لا فعله
على أنَّ ترك تكرار "لا" هنا شاذّ، وهي مع الماضي بمعنى "لم" قال ابن الشجري في المجلس السّابع والستين من "أماليه": والثامن، أى من أقسام "لا" أنهم استعملوها بمعنى "لم" فألزموها الماضي، كقوله تعالى: ﴿فلا صدَّق ولا صلَّى﴾ [القيامة/ ٣١] أي: لم يصدِّق ولم يصلِّ، ومثله: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ [البلد/ ١١] ومن ذلك:
فأيّ أمرٍ سيِّئ لا فعله
وكذا قال في آخر المجلس الخامس والخمسين، قال: ومثل وضعه "لا" في موضع "لم" قول الآخر:
فأيّ أمرٍ سيِّئ لا فعله
[ ٤ / ٣٩٢ ]
أي لم يفعله. ومثله في التنزيل: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ أي: فلم يقتحم.
وأجود ما يجيء ذلك مكرَّرًا؛ كقوله تعالى: ﴿فلا صدَّق ولا صلَّى﴾ أي: فلم يصدِّق ولم يصلّ، ومثله قول الرّاجز:
وأيّ عبدٍ لك لا ألمًّا
أي: لم يلم بالذّنوب. انتهى.
وقال المصنّف "زنا" بتخفيف النّون، كذا رواه يعقوب، إلى قوله: وأناب "على" عن الباء، وأقول: هذا خلاف ما قاله يعقوب بن السِّكيت، قال في "باب ما يهمز فيكون له معنى، وإذا لم يهمز كان له معنى آخر": يقال: قد زنَّأ عليه، مثقلة مهموز: إذا ضيّق عليه، والزَّناء: الضيّق. وأنشد ابن الأعرابى:
لا همُّ إنَّ الحارث بن جبله زنَّا على أبيه ثمَّ قتله
وركب الشّادخة المحجَّله وكان في جاراته لا عهد له
فأيُّ أمرٍ سيِّيءٍ لا فعله
وقوله: ركب الشّادخة المحجَّلة، أى: ركب فعلةً قبيحةً مشهورة، ويقال: شدخت الغرَّة: إذا اتّسعت في الوجه، وكان أصله: زنَّا على أبيه، بالهمز، فتركه للضّرورة، وقد زنّاه من التّزنية، ويقال: قد زنأ في الجبل، يزنأ زنأ، مثل زنعًا، إذا صعد في الجبل، وقد زنا يزني، من الزّناء. إلى هنا كلام ابن السّكِّيت، وكذا في "تهذيب إصلاح المنطق" للخطيب التبريزي.
وقوله: والزّناء: الضيق، هو بالفتح والمدّ، مثل سماء، وقوله: وقد زنّاه، من التزنية، هذا من المعتل بمعنى: نسبه إلى الزّنا.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
ولما ذكر المهموز المثقل ذكر المعتل المثقّل، وكذا ذكر المعتلّ المخفّف بعد المهموز المخفَّف، ومعنى كلّ منهما يغاير معنى الآخر. وكان المصنّف نقل ضبط هذه الكلمة، وتفسيرها من "أمالي ابن الشَّجري" قوله: زنا على أبيه، يروي بتخفيف النّون، وتشديدها؛ فمن رواه مخفَّفًا فمعناه: زنا بامرأة أبيه، ومن رواه مشدَّدًا فأصله زنَّأ، مهموز، ومعناه: ضيق عليه، وهذا القول أوجه، وهي رواية ابن السّكيّت. انتهى.
وأقول: لم أقف على راوية "زنا على أبيه" بتخفيف المعتلّ، وتفسيره بزنا بامرأة أبيه مع أنَّ المرأة لا ذكر لها، وكلّ من روى هذا الرَّجز رواه مشدَّدًا مهموز الأصل، مفسّرًا بالتّضييق، منهم الجوهري في "صحاحه" والأزهري في "تهذيبه" والصَّغاني في "عبابه" وخدمة "إصلاح المنطق" منهم يوسف بن السّيرافي، شارح أبياته، والخطيب التبريزي في "مهذّبه" وابن السيّد البطليوسيّ في شرحه، ومن المتقدّمين قبل ابن السّكيت، ابن الأعرابي في "نوادره" وتبعه أبو محمّد الأسود الأعرابي في "ضالة الأديب" ومنهم ابن حبيب في كتاب "المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام" ومنهم الحلواني في كتاب "أسماء الشّعراء المنسوبين إلى أمّهاتهم".
وأمّا القالي، فقد قال في "المقصود والممدود": وقال بعض اللّغويّين: زنّا فلان على فلان مثقلًا، بغير همز: إذا ضيّق عليه، وأنشد:
لا همَّ إنَّ الحارث بن جبله
إلى آخر الرّجز، فلم أر مخالفة في هذه الكلمة غير هذ، فإنّه حكم بالإعلال الظّاهر، ولم يخالف في معناها، وحكاه في "القاموس" قال: وزنّي عليه تزنية: ضيّق.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
قال ابن الأعرابي في "نوادره": الرَّجز لابن العيّف، وقيل: لعبد المسيح بن عسلة، وقال الخطيب التّبريزي: هذه الأبيات للحارث بن العيّف، أخي بني سلمة يهجو بها الحارث بن جبلة الغسّاني، وحمله على هجوه المنذر بن ماء السّماء.
والشّادخة: الفعلة القبيحة التي تشدخ فاعلها، والشّادخة أيضًا: بمنزلة الشادخ من الغرر، يريد: أنه ركب أمرًا واضحًا في القبيح، والمحجّلة: المشهورة التي لا خفاء بها، وقوله:
وكانّ في جاراته لا عهد له
يريد: أنه لا يحفظهنَّ، ولا يّأمنَّ على نفوسهنَّ منه. انتهى كلامه. وزاد بيتًا قبل البيت الأخير، وهو:
ليس يأوي مستضيفٌ طلله
ولم يشرح كلمة الطّلل، وهو- بفتح الطّاء المهملة واللاَّم- من الدّار كالمصطبة يجلس عليها.
وقال الصّاغاني: هذا الرّجز لشهاب بن العيّف، ويروى للحارث بن العيّف، والأوَّل هو الصحيح؛ فإنّي وجدته فى شعر شهاب بخطّ أبي القاسم الآمدي في "أشعار بي شيبان" انتهي. وكذا قال أبو محمد الأسود في "ضالة الأديب": إنها لشهاب بن العيّف، وكذا جزم ابن حبيب في "المغتالين" وقال الحلواني: هو لعمارة ابن العيّف العبدي، من سليمة عبد القيس، وهما فى بني شيبان في بني أسعد.
ومنشأ هذا الرَّجز: هو ما حكاه ابن حبيب، قال: كان المنذر ذو القرنين بن ماء السماء دعا ذات يوم النّاس؛ فقال: من يهجو الحارث بن جبلة الغسّاني؟ فدعا حرملة بن عسلة الشّيباني فيمن دعا. وأمّ حرملة من غسّان، فقال: اهجه ولك مائة من الإبل، فقال لا ينطق لساني بشتمة، وأنشأ يقول:
ألم تر أني بلغت المشيبا وفي دار قومي عفاءً كسوبا
وأنَّ الإله تنصَّفته بأن لا أعقَّ وأن لا أحوبا
[ ٤ / ٣٩٥ ]
وأن لا أكافر ذا نعمةٍ وأن لا أخيِّبه مستثيبا
وغسان قومٌ هم والدي فهل ينسينَّهم أن أغيبا
فأوزع بها بعض من يعتريك فإنَّ لها من معدٍّ كليبا
فإنَّ لخالك مندوحةً وإنَّ عليها بعينٍ رقيبا
قال ابن الإعرابي في "نوادره" بعد إنشاد هذه الأبيات: التنصّف: الخدمة والانقياد والطّاعة، وقوله: لخالك، أي: تدع خالك وتهجو خالي. انتهى.
فانبرى شهاب بن العّيف العبدي، أحد بني سليمة؛ فقال:
اللهمَّ إنَّ الحارث بن جبله
إلى لآخره، ثمَّ إنَّ الحارث بن جبلة أخذهما بعد ذلك؛ فقال لحرملة: يا حرملة اختر ما شئت من ملكي، فسأله قينتين له فأعطاهما إياه؛ فانطلق بهما. وقال لابن العّيف: اختر مني ثلاث خلال، أمّا أن أطرحك على أسدين ضاريين في بئر، وإمّا أن أرميك من طمار سور دمشق، وإمّا أن يقوم الدلامص، وهو سيّاف له، فيضربك بعصاه هذه ضربهً؛ فاختار ضربة الدّلامص، فضربه على رأسه فانكسرت فخذه- كذا زعموا- فاحتمله راهب، وداواه حتى برأ، وهو يخمع منها، فكان هذا والحارث يومئذ بقنسرين. انتهي.
وحكى أبو محمّد الأسود في "ضالة الأديب" ويخمع بالخاء المعجمة، أي: يعرج، وابن العيّف: بفتح العين المهملة وتشديد المثناة التّحتيَّة المكسورة، والمنذر بن ماء السّماء هو المنذر الأكبر أخو من ملوك عرب الحيرة
[ ٤ / ٣٩٦ ]
بالعراق، والحرث بن جبلة الغسائي: من ملوك عرب الشّام وهو الحارث بن أبي شمّر الأعرج الغسّاني من بني جبلة، وكانت بينهما عداوة.
واعلم أنَّ الدّماميني لما لم يقف على رواية الرّجز ولا على منشئه، اعترض المصنّف من جهات أخرى، قال: لا حاجة- على رواية تخفيف النّون- إلى أن يدعى أنَّ الأصل زناء بالهمز، بل يكون من الزّنا، والألف منقلبة عن ياء، يقال: زنى يزني: إذا فعل الفاحشة الموجبة للجلد أو الرَّجم، وضمّن الفعل معنى التّعديّ فعدّاه بعلى، أي: تعدّى على أبيه بالزّنا، والمراد أنّه زنى بامرأة أبيه، ثم لم أقف على أنَّ زنأ بالهمز وتخفيف النّون بمعني ضيّق، ولم أر هذا المعنى إلاَّ تشديد النّون. وأمّا على رواية التّشديد، فظاهر كلام المصنّف أنَّ المراد بفعل فاحشة الزّنا، ولذلك قال: والأصل: زنا بامرأة أبيه .. الخ، فهذا لا حاجه إليه أيضًا، بل المراد التّضييق كما صرَّح به الجوهري، وعليه فلا حذف ولا إنابة أصلًا، ولا حاجة إلى ارتكاب تلك الضّرورة. هذا كلامه، وهو معذور، فلله دره على هذا، فإنّه ألف هذا الكتاب في الغربة، وليست عنده مادَّة من كتب الأدب!
ولا همّ: أصله: اللهمّ، كما وقع في رواية حبيب، بالجزم بمعجمتين. والعهد: الذّمّة والحرمة، قيل: إنّه كان إذا أعجبته امرأه اغتصبها، حتى قال فيه بعض الكلابيين:
يا أيها الملك المخوف أما ترى ليلًا وصبحًا كيف يعتقبان
هل تستطيع الشمس أن تأتي بها ليلًا وهل لك بالمليك يدان
اعلم وأيقن أنَّ ملكك زائلٌ واعلم بأنَّ كما تدين تدان
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الأربعمائة:
(٤٠١) إن تغفر اللَّهمَّ تغفر جمَّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
[ ٤ / ٣٩٧ ]
على أنَّ مجيء "لا" هنا مكرَّرة شاذ أيضًا. وهو بيت مفرد لأميّة بن أبي الصّلت الثّقفي، قال جامع ديوانه: ذكروا أنَّ أميّة بن أبي الصّلت لمّا حضره الموت، رفع رأسه إلى السّماء، فنظر ثمَّ قال: لا عشيرتي تحميني، ولا مالي يفديني، ثم أغمي عليه ساعة، ثمَّ رفع رأسه إلى السّماء فقال:
لبيَّكما لبيَّكما ها أنا ذا لديكما
لا بريء من الذَّنب فأعتذر، ولا ذو قوَّة فأنتصر. ثمَّ أغمي عليه الثّانية، ثمَّ أفاق فرفع رأسه إلى السّماء فقال: لبيّكما لبيَّكما، ها أنا ذا لديكما، تلبية محقود من الذنوب، مخضود من النّعم. والمحقود: المثقل الذي قد كثرت عليه الذنوب، والمخضود: المكسور من كثرة النّعم عليه، ثمَّ أغمي عليه الثّالثة، ثمَّ أفاق، فرفع رأسه إلى السّماء، فقال: لبيَّكما لبيّكما ها أنا ذا بين يديكما، تلبية من لم يأخذ ما أعطي بشكر، ولا براءة له ولا عذر، ثمَّ قال:
كلُّ عيش وإن تطاول دهرًا صائرٌ مرَّةً إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي فى رؤوس الجبال أرعى الوعولا
ثمَّ قال:
إن تغفر اللَّهمَّ تغفر جمّا وأي عبدٍ لك لا ألمَّا
يعني: أي عبد لك لم يلمم بذنبٍ، ثمَّ مات. انتهى.
وروى خضر الموصلي في شرح شواهد التفسيرين في ترجمة أميّة هذا عن الزهري أنه قال: دخل أميّة على أخته، فنام على سرير لها في جانب البيت، فانشقَّ سقف البيت، وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره وأخرج قلبه، فقال له الآخر: ردَّه ما تصنع به؟ فرد قلبه مكانه، ثمَّ نهض فأتبعه أميّه طرفه، وقال:
لبيَّكما لبَّيكما ها أنا ذا لديكما
أنا لا بريء فأعتذر ولا ذو عشيرة فأنتصر، فرجعا وفعلا مثل الأوّل، ثمَّ مضيا
[ ٤ / ٣٩٨ ]
فأتبعها طرفه، وقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا مال يغنيني، ولا عشيرة تحميني، فرجعا وفعلا مثل ذلك، وقال في الثّالثة: لبيكما ها أنا ذا لديكما، محفوف بالنّعم، مخضود بالذّنب، ثمَّ ذهبا فقال أميّة:
إن تغفر اللَّهمَّ تفغر جمّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
ثمَّ انطبق السّقف وجعل أمية يمسح صدره، قالت أخته: يأخي هل تجد شيئًا؟ قال: لا، ولكن أجد حرًّا في صدري، ثمَّ أنشأ يقول:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي في رؤوس الجبال أرعى الوعولا
اجعل الموت نصب عينيك واحذر غولة الدَّهر إنَّ للدَّهر غولا
وذكر ابن قتيبة أنَّ أميّة قال البيتين حين حضرته الوفاة، وذكر قبلهما بيتًا وهو:
كل عيشٍ وإن تطاول يومًا إلى آخره.
انتهى. وقد اشتهر هذا البيت لأبي خراش الهذلي، وأورده ابن الشّجري في "أماليه" وتبعه المصنّف. ورأيت في "طبقات النحويين" للتّاريخي: حدَّثنا أحمد ابن عبيد قال: حدَّثنا الأصمعي قال: كان أبو خراش يسعى بين الصَّفا والمروة ويقول
لا همَّ هذا خامسٌ إن تمَّا أتمَّه الله وقد أتمَّا
إن تغفر اللَّهمَّ تغفر جمَّا إلى آخره.
وقد فحصت عن هذا الشعر فى شعر أبي خراش من كتاب "أشعار الهذليين" جمع السكري فلم أجده فيه، والنّسخة التي عندي نسخة قديمة صحيحة، يغلب على ظني أنها بخطّ السّكري، وعلى ظهرها خطّ الإمام أحمد بن فارس اللّغوي صاحب "المجمل في اللّغة".
وقال السّيوطي: قال السّكري في "أشعار هذيل": قال الأصمعي: أخبرنا ابن أبي طرفة الهذلي قال: قال أبو خراش، وهو يسعى بين الصّفا والمروة ويرتجز:
لا همَّ هذا رابعٌ إن تمَّا أتمَّه الله وقد أتمَّا
إن تغفر اللَّهمَّ . . . .. البيت
[ ٤ / ٣٩٩ ]
انتهى. ولا أدري حقيقة الحال والله به أعلم، ثمَّ قال السّيوطي: وأخرج ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إلاَّ اللَّمم﴾ [النجم/ ٣٢] قال: الرَّجل يلم بالذّنب ثمَّ ينزع عنه، قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون: إن تغفر اللهمَّ إلى آخره. وأقول: قول مجاهد يدلّ أنَّ هذا الرّجز قبل الإسلام بدهر، فإنَّ أبا خراش صحابيّ، وتقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثامن والعشرين بعد المائتين.
وأمية بن أبي الصّلت هلك في عصر النبيّ، ﷺ كما يأتي، فجائز أن يكون كلّ منهما تلّقفه ممّن كان قبله من الجاهلية. ثمَّ قال السيّوطي: وأخرج الترمذي وابن جير والبزار، وغيرهم من طريق زكريا بن أبي إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿إلاَّ اللَّمم﴾ قال: هو الرّجل يلم بالفاحشة ثمَّ يتوب، وقال: قال رسول الله ﷺ:
إن تغفر اللَّهم تغفر جمّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. انتهى.
أقول: وأورده في "الجامع الصّغير" عن الترمذي والحاكم عن ابن عبّاس، قال شارحه المناوي في "شرحه الكبير": هذا البيت لأميّة بن أبي الصّلت، تمثّل به ﷺ، والمحرّم عليه إنشاء الشّعر لا إنشاده، ومعناه: إن تغفر ذنوب عبادك فقد غفرت ذنوبًا كثيرة، فإنَّ جميع عبادك خطّاؤون، أخرجه الترمذي في تفسيره، والحاكم في الإيمان والتّوبة عن ابن عبّاس، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرطهما، وأقره الذَّهبي. وقوله: لا ألمّا، أي: لم يلم بمعصية، يعني: لم يتلطّخ بالذّنوب، وألم إذا فعل اللَّمم، وهو صغار الذّنوب، واللّمم في الأصل: الشيء القليل. انتهى كلامه.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
وأميّة بن أبي الصّلت من ثقيف. قال ابن قتيبة في كتاب "الشّعراء": وكان قد قرأ الكتب المتقدّمة، ورغب عن عبادة الأوثان. واسم أبي الصّلت: عبد الله بن ربيعة ابن عوف بن أميَّة، وكان يخبر أن نبيًّا يخرج قد أطَّل زمانه، وكان يؤمِّل أن يكون ذلك النّبي، فلمَّا بلغه خروج النبيّ ﷺ كفر به حسدًا له، ولمّا أنشد النّبيُّ ﷺ شعره قال: "آمن لسانه وكفر قلبه" وأتى بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب، وكان يأخذها من الكتب:
بآية قام ينطق كلُّ شيءٍ وخان أمانة الدّيك الغراب
وزعم أنَّ الديك كان نديمًا للغراب، فرهنه على الخمر، وغدر به، وتركه عند الخمّار، فجعله الخمّار حارسًا. ومنها قوله:
قمرٌ وساهور يسلُّ ويغمد
وزعم أهل الكتاب أنَّ السّاهور غلاف القمر، يدخل فيه إذا انكسف، وكان يسمِّي السّماوات: صاقورة وحاقورة، ويقول: وأبدت الثّغرورا يريد الثّغر. وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة على الكتاب، ولما حضرته الوفاة قال: كلّ عيش وإن تطاول البيت. ليتني كنت ما قد .. البيت. هذا آخر ما ذكره ابن قتيبة.
وله قصيدة جيّدة في مدح النّبيِّ ﷺ، ولم يوفق للإسلام، وقد ذكرناها في ترجمته في الشّاهد السادس والثَّلاثين من أوائل شواهد الرَّضي.
وأنشد بعده:
آليت حبَّ العراق الدَّهر أطعمه والحبُّ يأكله في القرية السُّوس
وتقدَّم شرحه في الإنشاد السّابع والثّلاثين بعد المائة.
[ ٤ / ٤٠١ ]
تم بعونه تعالى
الجزء الرابع من شرح أبيات مغني اللبيب
[ ٤ / ٤٠٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد الأربعمائة:
لَا أعرِفَنْ ربْرَبًا حُورًا مَدَامِعُهَا
هو صدر وعجزه:
كأنَّ أبكارَها نِعَاجُ دُوَّارِ
على أنَّ "لا" هنا لنهي المتكلّم نفسه. وأورده سيبويه في باب النّون الثقيلة والخفيفة. قال الأعلم: الشّاهد فيه "لا أعرفن" أكّده بالنّون الخفيفة، لأنه نهي ومعناه: لا تقيموا بهذا المكان، فأعرف نساءكم مسببّات. يقول هذا لبني فزارة بن ذبيان، يخوفهم من النعمان بن الحارث الغسّاني، وكانوا قد نزلوا مرعى له محميًّا لا يقربه أحد. والرّبرب: قطيع بقر الوحش، كنى به عن النّساء، والأبكار صغارها، وأراد بها الجواري من النّساء، والنّعاج: جمع نعجة، وهي البقرة الوحشية، ويقال للشاة أيضًا نعجة، ودوّار بالضمّ: ما استدار من الرَّمل. وبعده:
يُذرِينَ دَمْعًا على الأشفارِ مُنحدِرًا يأملنَ رِحْلةَ حِصْنٍ وابنِ سَيّارِ
انتهى. وأقول: قال شارح "ديوان النابغة الذّبياني": قال أبو عبيدة: أحْمَى النّعمان بن الحارث الأصغر بن الحارِث الأوسط، وهو الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغسّاني "ذا أقُرٍ"، وهو واد واسعٌ ممروء حَمْضًا ومياهًا، فاحتماه النّاس، فتربّعه بنو ذبيان، فنهاهم النّابغة، وخوَّفهم إغارة الملك، فعيَّروه خوفَه من النّعمان، وأبوا فتربّعوه، وكان النَابغة منقطعًا إليه. وقال أبو عمرو: أغار حصن بن حذيفة في بني آسد وغطفان على بعض أهل الشّام، ثمَّ نزلوا ذا أُقُرٍ، فنهاهم النّابغة عن ذلك، وحذَّرهم إغارة الملك، فغصبوه، فبعث إليهم النّعمان ابن الحارث الغسّاني جيشًا عليهم ابن الجلَّاح الكلبي، فأغار عليهم بذي أُقرٍ، فقال النّابغة في ذلك:
[ ٥ / ٣ ]
لقدْ نهيْتُ بني ذُبْيانَ عنْ أُقُرِ وَعَنْ تَرَبُّعِهِمْ في كُلِّ أَضْفارِ
وقُلتُ يا قَوْم إنَّ الليثَ مُنقبِضٌ على براثِنِهِ لِعَدْوِهِ الضَّارِي
لا أعْرِفَنْ رَبْرَبًا حُورًا مَدامِعُها كأنهُنَّ نِعَاجٌ حَوْلَ دُوَّارِ
ينظُرْنَ شَزْرًا إلى مَنْ جاءَ عن عُرُضٍ بأوْجُه مُنْكِراتِ الرِّقِّ أحْرارِ
خَلفَ العضَارِيط مِن عُوذى ومِن عَممٍ مُرَدَّفاتٍ على أحناءِ أكْوارِ
يُذْرِينَ دَمْعَ مَزَادٍ دَمْعُها دِرَرٌ يَامُلْنَ رِحْلَةَ حِصْنٍ وابنِ سَيَّارِ
وقوله: لقد نهَيْتُ .. الخ، أُقُر، بضم الهمزة والقاف: جبل، وذُو أُقُرٍ: وادٍ لبني مرّة إلى جنب أقر، يقول: نهيتهم عن تربّعهم إيّاه في كلّ أصفار، وهو جمع صفر، وكان صفر يومئذٍ في الرَّبيع، ألا تراه يقول: عن تربّعهم، فالتربّع لا يكون إلَّا في الرَّبيع. وقال أبو عبيدة: أصفار حين يتصفّر المالِ، ويتربّل الشجر، ويبرد اللّيل، وذلك آخر الصّيف. انتهى. فعلى الأوَّل: أصفار، بفتح الهمزة، وعلى الثّاني بكسرٍ: مصدر أصفر.
وقوله: وقلت يا قوم .. الخ، منقبض: مجتمع مستعدّ للوثوب، كما ينقبض الأسد إذا أراد أن يثب لعدوه، أي: لوثبه، وما أحسن قول بعضهم:
وما الدَّهرُ في حالِ السُّكونِ بساكنٍ ولكِنَّهُ مُسْتَجْمِعٌ لِوُثُوبِ
والضّاري: المتعوّد للصَّيد. وقوله: لا أعرفَنْ رَبرَبًا .. الخ، الرَّبْرَب: القطيع من البقر؛ شبّه نِساءهم بها. حُورًا مدامعها، أي: عيونها حور من الحَوَر، بفتحتين، وهو شدَّة سواد الحدقة في شدَّة بياض البياض. والنَعاج: ودوّار: نسك كان في الجاهليّة يدار حوله، وقال أبو عمرو: دوّار: صنم تدور حوله الجواري والنّساء، فيقول النّسوة إذا سبين في جمعهنَّ في موضع، فشبّههنَّ بالنّساء حول دوّار. وروى أبو عبيدة والأصمعي وابن الأعرابيّ:
كأنَّ أبْكارَها نعاج دوّار
وقوله: ينظرن شزْرًا: هو نظر بغضب، وعُرض، بضمّتين: الاعتراض قال أبو عمرو: هنَّ أحرار، فلمّا سبين أنكرن الرّقّ.
[ ٥ / ٤ ]
وقوله: خلف العضاريط، جمع عضروط، بضمّ العين المهملة: الخادم على طعام بطنه والأجير. وعوذى: بضمّ العين المهملة والقصر وذاله معجمة، وعمم: بفتح العين المهملة والميم، هما من لحم من اليمن. وقوله: مردفات، يعني: يُسْتَخَفُّ بهنَّ لأنهنَّ مأسورات، والأكوار: الرّحال، جمع كُور، بالضّم، وأحناؤه: جوانبه، واحدها حنو.
وقوله: يذرين دمع مزادٍ، واحدها مزادة، وهي شطر الرّاوية: مفعلة من الزّاد، لأنّه يتزوَّد فيها الماء. وروى أبو عبيدة والأصمعي:
يُذرِينَ دَمْعًا غِزارًا قَطْرُها دِرَرٌ
وقوله: يأمن رحلة .. الخ، أي: لفكّ أسرهنَ.
وحصن: هو ابن حذيفة بن بدر، وابن سيَّار، وهو منظور بن زبّان بن سيّار الفزاريين. وتقدَّمت ترجمة النَّابغة الذّبياني في الإنشاد الثّالث والعشرين من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثّالث بعد الأربعمائة:
جَاؤُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
على أنَّ جملة "هل رأيت" مقول لقول محذوف صفة لمذق، لأنَّ شرط الجملة التي تقع صفة أن تكون خبريّة، وجملة "هل رأيت" ظاهرها أنها وقعت صفة لمذق، مع أنها استفهاميّة، والاستفهام نوع من الإنشاء، والإنشائية لا تقع صفة، فقدّرت معمولة للصّفة المحذوفة، والتقدير: جاؤوا بمذق مقول فيه: هل رأيت، أو يقول فيه من رآه: هل رأيت الذّئب. ورواه الدّينوري في كتاب "النّبات" وابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني" والزّجاجي، وابن الشّجري في "أماليهما":
جاؤوا بضَيْحٍ هَلْ رَأَيْتَ الذّئب قَطْ
[ ٥ / ٥ ]
قال الدينوري: نزل هذا الشّاعر بقوم فقروه ضَيَاحا، وهو اللّبن الذي قد أكثر عليه من الماء. وأورده ابن جني في "المحتسب" وقال: هل رأيت الخ: جملة استفهاميّة إلا أنها في موضع وصف "الضّيح" حملًا على معناها دون لفظها، لأنَّ الصفة ضرب من الخبر، فكأنه قال: [جاؤوا] بضيح يشبه [لونه] لون الذّئب، والضَّيْح: اللّبن المخبوط بالماء، فهو يضرب إلى الحضرة والطّلسة. وأورده صاحب "الكشّاف" أيضًا عند قوله تعالى: (واتَّقُوا فِتْنَةً) [الأنفال/ ٢٥] كالمصنّف. والمذق أيضًا: اللّبن الممزوج بالماء، وهو يشبه لون الذّئب، لأنَّ فيه غبرة وكدرة. ومذقت اللّبن: مزجته بالماء، وقط استعملت هنا مع الاستفهام، مع أنها لا تستعمل إلَّا مع الماضي المنفي، لأنَّ الاستفهام أخو النّفي في أكثر الأحكام، لكن قال ابن مالك: قد ترد قط في الإثبات، واستشهد له بما وقع في حديث البخاري في قوله: قصَرنا الصَّلاة في السّفر مع النبيّ، ﷺ أكثر ما كنّا قط، وأمّا قوله:
جاؤوا بمذقٍ هل رأيتَ الذّئب قَط
فلا شاهد فيه؛ لأنَّ الاستفهام أخو النّفي، وهذا ممّا خفي على كثير من النّحاة. انتهى. وتبعه الكرماني في شرح هذا الحديث. واعلم أنَّ المبرّد قال في "الكامل": العرب تختصر التّشبيه، وربما أومأت به إيماء، قال أحد الرّجّاز:
بِتْنَا بحَسّانَ ومِعْزاهُ يَئِطّ مَا زِلْتُ أَسْعَى بينَهُمْ وألْتَبِطْ
حتى إذا كادَ الظَّلامُ يخْتَلِطْ جَاؤوا بمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذّئبَ قَطْ
يقول: في لون الذِّئب، واللّبن إذا اختلط بالماء ضَرَبَ إلى الغبرة. انتهى. والمعزاء من الغنم: خلاف الضّأن، ويئط: مضارع أطّ، أي: صوّت جوفه من لاجوع، ومصدره الأطيط. وروى بعده بيتان، وهما:
يَلْحَسُ أُذنَيْهِ وحِينًا يمتَخِطْ في سَمَنٍ منْهُ كثيرٍ وَأَقِطْ
[ ٥ / ٦ ]
امتَخطْ وتمَخَّطْ، أي: استنثر، والسّمن، بسكون الميم، وفتحهَا هنا للضّرورة، والأقط: اللّبن المخيض، يطبخ ثمَّ يترك حتى يمصل، وهذا يدل على دنسه وخسّته، وضمير بينهم إلى قوم حسّان، وأسعى بينهم: أتردّد إليهم، وألتبط، أي: أعدو، يقال: التبط البعير، إذا عدا فضرب بقوائِمه الأرض، وتلبّط: اضطجع وتمرَّغ، وروي بدله: "وأختبط" أي: أسأل معروفهم من غير وسيلة، وهذا يدل على كمال شحّهم، حيث كان عندهم ضيفًا لم يطعموه حتى احتاج أن يتعرَّض لمعروفهم. وقوله: حتى إذا، هو غاية لقوله: أسعى بينهم وألتبط، وروي:
حتى إذا جَنَّ الظَّلَامُ واخْتَلَطْ
أي: ستر الظّلام كلَّ شيء. وصفهم بالشّحَ وبالغ في أنهم لم يأتوا بما أتوا به إلَّا بعد سعي ومضيّ جانب من اللّييل، ثمَّ لم يأتوه إلَّا بلبن أكثره ماء. وهذا الرّجز قيل للعجاج، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرّابع بعد الأربعمائة:
فَلَا الجَارَةُ الدُّنْيَا لَهَا تَلْحَيَنَّهَا
عجزه:
ولَا الضّيفُ مِنْهَا إِنْ أَنَاخَ مُحَوَّلُ
على أنَه شبّهت "لا" النّافية بلا النّاهية، فأكّد الفعل بعدها، قال أبو حيّان في "التذكرة": قيل: إنَّ النّون جاءت لأنّه أراد النّهي، وقيل: بل هو خبر صحيح وجاءت ضرورة.
والبيت من قصيدة للنّمر بن تَولب الصّحابيَ، ومطلعها:
تَأبّدَ مِنْ أطْلَالِ جَمْرَةَ مأسَلْ فَقَدْ أقْفَرَتْ مِنْها شَراءٌ ويَذْبُلُ
إلى أن قال بعد ستة أبيات تتعلّقُ بالأماكن:
[ ٥ / ٧ ]
وَدَسَّتْ رَسُولًا مِنْ بِعِيدٍ بآيَةٍ بأنْ حَيِّهِمْ واسْألهُمُ ما تمَوَّلُوا
فَحَيَّيْتُ عَنْ شَحْطٍ فخيرٌ حديثُنا ولا يأمَنُ الأيّامَ إلَّا مُضَلَّلُ
لَنا فَرَسٌ مِنْ صالِحِ الخيْلِ نِبْتغي عليهِ عَطاءَ اللهِ واللهُ يَنْحَلُ
يَرُدُّ علينَا العِيرَ من دُونِ إلْفِهِ بِقَرْقرةٍ والنَّقْعُ لا يَتِزَيَّلُ
وَحُمْرٌ مُدَمّاتٌ كَأنَّ ظُهُورَها ذُرى كُثُبٍ قَدْ بلَّها الطَّلُّ من علُ
عَلَيْها مِنَ الدَّهْنَا عَتيقٌ وَمَوْرَةٌ مِنَ الحَزْنِ كُلًّا بالمَرَابعِ تَأكُلُ
وفي جِسْمِ رَاعِيها شُحُوبٌ كأنَّهُ هُزَالٌ رَمى مِنْ قِلَّةِ الطَّعْمِ يَهْزُلُ
فَلَا الجَارَةُ الدُّنيَا لَها تَلْحَيَنَّها ولَا الضَّيْفُ منها إنْ أقامَ مُحَوَّلُ
إذا هَتَكَتْ أطنا بيتٍ وأهْلِهِ بمَعْطِنِها لم يوردوا الماءَ قَيَّلُوا
وما قَمْعُنا فيها الوِطابَ وحَوْلَنَا بُيُوتٌ عليْنَا كُلُّها فُوه مُقْبِلُ
أرى أمَّنا أضْحَتْ علينَا كأنما تجَلَّلَها من نافِضِ الوِرْدِ أفْكَلُ
رَأتْ رَجُلًا كيصىً يزَمِّلُ وَطْبَهُ فيأتي بِهِ البادِينَ وهُوَ مُزّمَّلُ
فَلَمَّا رَأتْهُ أُمُّنَا رَأيَ عَيْنِها وقَالَتْ أبُونا هَكذا سَوْفَ يَفْعَلُ
وقَالَتْ فُلانٌ قَدْ أعَاشَ عِيَالَهُ وَأوْدَى عِيَالٌ آخَرُونَ فَهَزَّلُوا
وَقَسَّمَ بينَ النَّاسِ رِسْلَ لِقَاحِنا وَقَدْ كانَ فيها للْمَحالِبِ مَهْبَلُ
إذا وَرَدَتْ فآثِرَنَّ عِيَالَنَا على كُلِّ حَقٍّ واشْرَبُوا وتَثَمَّلُوا
ألمْ يكُ صبيانٌ أعانُوا ومَجْلِسٌ قَرِيبٌ فَنَخْزَى إذْ يحلُّ ويحْمِلُ
عَلَيْهِنَّ يَوْمَ الوِرْدِ حَقٌّ وَحُرْمَةٌ وَهُنَّ غَداةَ الغِبِّ عندَكِ حُفَّلُ
فإن تَصْدُرِي يحْلِبْنَ دُونكِ حَلَبةً وإنْ تحْضُري يلبّثْ عليكِ المُعَجَّلُ
قوله: تأبَّد، أي: سكنها الآبدة، وهي الوحش. وجمرة، بالجيم والواو المهملة: اسم امرأته التي طلَّقها، قال صاحب "الأغاني": لما فارق النّمر بن تولب جمرة، جزع عليها جزعًا شديدًا حتى خيف عليه، فذكروا له امرأة من فخذه الأدنين يقال
[ ٥ / ٨ ]
لها: دعد موصوفة بالجمال، فتزوَّجها ووقعت من قلبه موقعًا، وشغلته عن جمرة، وفيها يقول:
أهيمُ بدَعْدٍ ما حَييتُ وَإنْ أَمُتْ فواكَبِدا ممّا لَقِيتُ عَلى دعْدِ
قال: والنّاس يروون هذا البيت لنُصَيْب، وهو خطأ. انتهى.
وهو من قصيدة له أوَّلها:
أشاقَتْكَ أطْلالٌ دوارِسُ من دَعْدِ خلاءٌ مَغانيها كحاشيةِ البُرْدِ
وقوله: والنّاسُ يروونه لنُصَيْب .. الخ، ليس الأمر كما زعم، فإنّ بيت نُصَيْبٍ غيره، وهو:
أهيمُ بدَعْدٍ ما حيّيتُ وَإنْ أَمُتْ فوا حَزَني مَن ذا بهيمُ بها بَعْدِي
والمصراع الأوَّل مأخوذ من بيت النّمر. وحكاية بيت نُصَيْب هذا مع السَّيدة سكينة بنت الحسين مشهورة. ومأسَل: موضع في ديار بني ضبّة، وإليه تنسب دارة مأسَل، كذا في "معجم ما استعجم" لأبي عُبيد البكري. وقال الهجري: مأسَل: قرية ونخيل، وشَراء، بفتح الشّين المعجمة والرّاء المهملة والمدَ، قال أبو عبيدة: لا ينصرف؛ لأنه اسم أرض، وقال الأصمعى: مبنيّ على الكسر كحذام، واستشهد بهذا البيت. وقال السّكوني: هو جبل شامخ لبني ليث، وبني ظفر من بني سليمة، وهو دون عسفان من عن يسارها، وفيه عقبة تذهب إلى ناحية الحجاز لمن سلك من عسفان يقال لها: الخريطة، مرتفعة جدًا، وهي جبل صلد لا ينبت شيئًا، كذا في "معجم البكري" أيضًا. وقوله: ودسّت، أي: أرسلت بخفية، وفاعله صمير جمرة. وقوله: بآية، أي: بعلامة، أي: قالت له: اذهب إلى من علامته كذا وكذا، وحيهم: فعل من التحيّة، تعني: سلّم عليهم، وادع لهم بالبقاء، واسألهم أيّ شيء استفادوه بعدنا واتخذوه مالًا، والمال عند العرب: الماشية والأنعام، وجمع ضمير الغائب؛ لأنَّ المحيا والمسؤول هو ومن يتعلّق به، ويمكن أن يكون
[ ٥ / ٩ ]
من تعظيم الغائب، كما يعظم المخاطب بضمير الجمع، وإليه ذهب البيضاوي في سورة يونس في قوله تعالى: (مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ) [الآية/ ٨٣] فإنَّه قال: الضَّمير في ملئهم لفرعون، جمععه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، وقال شراحه: أيُّ قدر لفرعون عند الله حتى يعبّر عنه بصيغة التّعظيم؟ وكذا قال المصنّف في "الأوضح" في: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ) [الأحزاب/ ٥٦] قال: لا يجوز كون يصلّون خبر إنِّ، إلَّا إن قدرت الواو للتّعظيم، مثلها في: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) [المؤمنون/ ٩٩] وقوله: فحييت، الفاء عاطفة على حَيّا "رسولها" المحذوف، وهو معطوف على دسّت، والشحط: البعد، وقوله: فخير حديثنا، أي: فقلت: خبرنا حسن، فخير: خبر مقدّم، وحديثنا مبتدأ مؤخّر، والجملة محكيّة بالقول المحذوف.
وقوله: لنا فرس الخ، هذا جواب عن قولها: ما تمولوا، ونبتغي: نطلب، ويريد بعطاء الله: ما يغنمه من الغزو والصّيد، وما أشبه ذلك، يقال: نحله: أعطاه، وروي: "والله يخبل" أي: يمنح، يقال: أخبلته أي: أعرته، والفرس هنا مذكّر بدليل ضميره.
وقوله: يردّ علينا، أي: الفرس، والجملة صفة له، والعير: مفعول يردّ، وهو الذكر من حمير الوحش، وإلفه: أنثاه، وإنما خصّه بدون أنثاه، لأنّه في انفراده يكون عدوه غاية لا تلحق، وإذا كانت معه ربما فتر لأجلها، فإنّه شديد الغيرة لا يتركها. والقرقرة: الأرض المستوية ليس فيها شجر، والنّقع: الغبار، ويتزيّل: ينفصل، يقول: يصرع العير قبل أن ينقطع الغبار، وهذا غاية في شدَّة الجري، وقد أخذ المصراع الأوَّل من قول زهير بن أبي سلمى:
فَرَدَّ عليْنَا العِيرَ مِنْ دَونِ إلْفِهِ عَلى رَغْمِهِ يَدْمى نَساهُ وَفَائِلُهْ
[ ٥ / ١٠ ]
وقوله: وحُمْر مدمّاة: هو معطوف على فرس، أي: ولنا إبل حمر، والمدمّاة: الخالصة الحمرة، التي ليس لها كُمْتَةٌ، تكون كلون الدَّم. والكثب: جمع كثيب، وهو التلّ من الرَّمل. وقوله: قد بلّها .. الخ، يريد أنَّ أسنمتها عالية طويّة بالشّحم كتلَ الرّمل المبلول بالطّلّ. وقوله: عليها من الدّهنا، عليها: صفة لحمر، وعتيق: فاعل الظّرف، ومن الدّهنا حال من عتيق، وكان في الأصل صفة، فلمّا قدَم صار حالًا، ومورة: معطوف على عتيق، ومن الحزن: صفتها، وكلًّا: مفعول تأكل، وبالمرابع متعلّق بتأكل، وأراد بالعتيق: الشّحم العتيق من العام الماضي، والمورة: مصدر مار فيها الشّحم: جرى واستحكم. والدهنا: موضع ببلاد تميم، يمدّ ويقصر، والحزن، بفتح المهملة: موضع آخر، والمرابع: المواضع التي يرتبعون فيها، أي: يقيمون بها أيّام الربيع خاصَّة، أي: تأكل نَباتكلّ من الحَزن والدَّهْنا. وقوله: وفي جسم راعيها .. الخ، أي: راعي هذه الإبل، والشّحوب: الضُّمر والتّغيّر، يقول: إنما هزاله لأنّه يتتبّع لها الخِصْب ولا يغفل عنها، ويؤثر بألبانها غيره، وهذا البيت صفة أخرى لحمر.
وقوله: فلا الجارة الدّنيا .. الخ، الفاء للتّفريع، والجملة إخبار، أخبر عن نوقه أنَّ الجار لا يذمّها، وأنَّ الضَّيف لا يُحوَّل عنها، ثمَّ ترقى في البيت الذي بعده فقال: من حضر معطنها، ومن مرَّ بها لا يحرم من ألبانها، فكيف يحرم الجار والضَّيف؟ ! وإنما خصَّ الجارة دون الجار لأنّه الأغلب، لأنّه أراد الأرامل والعجائز، ووصفها بالقريبة، لأنَّ البعيدة ربما تستغنى عنه بكريم آخر، وربما لا يعلم حالها، فالاعتناء بشأن القريبة أهمّ وافتخار العرب بإكرام الجار والضّيف غنيّ البيان، فالجارة مبتدأ، والدّنيا: مؤنَّث الأدنى، من الدّنوّ وهو القرب: نعت الجارة، واللام من "لها" بمعنى "إلى" متعلّقة بالدّنيا، وجملة "تلحينَها": خبر المبتدأ وفيه الشّاهد حيث أكّده بعد لا النَافية، والضّيف مبتدأ، ومحول: خبره، وعنها: متعلّق به، وجملة الشّرط معترضة بين المبتدأ وخبره، وجوابه محذوف دلَّ عليه الخبر، أي: إن أناخ راحلته لا يحوّل عنها، واللحي: اللّوم، يقال: لحيت الرَّجل ألحاه لحيًا: إذا لمته، ولحاه الله بمعنى قبّحه ولعنه. كذا في "الصّحاح". فعلم
[ ٥ / ١١ ]
ممّا شرحنا أنَّ الضّمائر راجعة إلى الحمر المدمّاة، ولم يصب العيني في قوله: الضّمائر لجمرة المرأة المذكورة في المطلع.
وقوله: إذا هتكت .. الخ، يقول: إذا قربت الإبل من بيت وطئته فأهتكت أطنابه، كما تقول: بنو فلان يطؤهم الطّريق، أي: هم قريب من الطّريق، كما قال قبله ابن هرمة:
أغْشى الطّريقَ بقُبَّني ورُواقِها وأحلُّ في نَشَزِ الرُّبا فأقِيمُ
إنَّ امْرًا جَعَلَ الطّريقَ لبيْتِهِ طُنُبًا وأنكرَ حقَّهُ للَئِيمُ
والمَعطِن، بفتح الميم وكسر الطّاء، والعَطَن بفتحتين: هو مبرك الإبل عند الماء لتشرب العلل، وهو الشّرب الثّاني، فإذا استوفت ردَّت إلى المرعى، يقال: قَيَّله فتقيّل، أي: سقاه نصف النّهار فشرب، والقّيْل: شرب نصف النّهار، ومفعول يوردوا محذوف، أي: لم يورد أهل ذلك البيت إبلهم الماء، ذلك لاستغنائهم بألبان هذه الإبل، لأنَّ الكرماء يسقون ألبان إبلهم في العطن من ساعدهم في سقيها، ومن مرَّ بهم. ومفعول قيّلوا محذوف، أي: سقى أهل ذلك البيت بعضهم بعضًا قَيْلًا من ألبان هذه الإبل. و"لم يوردوا": جواب إذا، وجملة "قيّلوا" استئناف بياني.
وقوله: وما قمعنا .. الخ، يقال: قمعت الوطب: إذا وضعت القِمَعض في فمه لتصبَّ فيه لبنًا، وقمعت القربة: إذا ثنبت فمها إلى خارجها، والقِمع بكسر القاف وفتح الميم وتسكن: ما يصبّ فيه الدّهن وغيره، والوطب: سقاه اللّبن خاصّة، وما: استفهاميّة تعجّبية، أي: كيف نملأ الوطاب من هذه الإبل، وحولنا قوم محتاجون؟ ! فجملة: "وحولنا بيوت" حال من ضمير المتكلّم مع الغير، والعامل المصدر، وكلّها: مبتدأ، وفوه: بدل اشتمال منه، ومقبل: خبر والجملة صفة بيوت، أي: واحدٍ منهم يرانا ويرى إبلنا، فكيف نملأ الوطاب.
وقوله: أرى أمّنا .. الخ، أمّه هنا امرأته، وهي أمّ منزله، ويقال للرَّجل: أبو المنزل، وتجلّلها: عمّها وغشاها والوِرد بالكسر: الحمّى، والنّافض: ذات الرّعدة منها، والأفكل: الرّعدة، وهو منصرف، ومن نافض: كان صفة لأفكل،
[ ٥ / ١٢ ]
فلمّا قدّم صار حالًا يقول: لمّا رأت زوجتي إيثاري للمحتاجين ألبان هذه الإبل تألّمتْ كأنما أخذتها الحُمّى النّافض من شحّها.
وقوله: رأت رجلًا كيصى، أي: بخيلًا، فيمرّ به وهو مغطى على القوم الحاضرين؛ فلا يعطيهم.
وقوله: فلمّا رأته .. الخ، جواب لمّا محذوف أي: أعجبها. وقوله: "وقالت": معطوف على هذا المحذوف، أو الواو زائدة، وقالت هو الجواب، وأبونا، أي: أبو منزلنا، وهو مثل قوله: أمّنا.
وقوله: وقالت فلان .. الخ، يقول: إنَّ امرأته قالت: إنَّ صاحب الوطب قد أعاش عياله، وأنت تسقي النّاس اللَّبن غير عيالك، فقد هزلتهم.
وقوله: وقسّم .. الخ، هذا من مقولها أيضًا، والرّسل، بالكسر: اللّبن، واللّقاح: جمع لقوح، وهي ذات اللّبن، والمحالب: جمع محلب، بكسر الميم، إناء يحلب فيه، والمهبل بفتح الأوَّل والثّالث: المطلب.
وقوله: إذا وردت .. الخ، هذا أيضًا من مقولها، يعني: قالت: إذا وردّتْ اللّقاح من الماء، فآثرْ العيال بلبنها على كلّ حقّ يلزمك، وبعد العيال اشربْ أنت ومن تحسن إليه.
وقوله: ألم يك .. الخ، هذا من كلامه جوابًا لها يقول: قد أعاننا صبيان العطن، وأهل مجلس قريب، فنستحي أن نلقي الوطب ولا نسقيهم.
وقوله: عليهنَّ .. الخ، يقول: على اللّقاح يوم يردن الماء حقٌّ يسقي ألبانهنَّ من حضر الماء، ثمَّ يصبحن يوم غبّهنَ عندكِ حُفَّلًا، أي: ممتلئات الضّروع، فاصبري واحتملي ذلك اليوم.
وقوله: فإن تصدري .. الخ، المعجّل: الّذي يجيء بالإعجالة قبل ورود الإبل بيومٍ أو بيومين، معه الوطاب، وذلك اللّبن الّي يجيء به يقال له: الإعجالة، ليسقي النّاس والأضياف، يقول: إنْ تصدري من الماء مع الإبل حلبت دونك حلبة للأضياف، وإن تحضري الماء يبطيء عليك المعجّل.
[ ٥ / ١٣ ]
وفي هذه القصيدة بيت أورده المصنّف في الباب الخامس في بحث حذف "لا" النّافية، إن شاء الله نشرحه هناك مع أبيات منها إلى آخر القصيدة. وترجمة النّمر ابن تولي تقدَّمت في الإنشاد الواحد والثّمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد الأربعمائة:
يَقُولُون لا تبعَدوهُمْ يَدْفِنُونَني وأَيْنَ مكانُ البُعْدِ إلَّا مَكانِيَا
على أنَّ "لا" فيه للدّعاء، وهو ظاهر، والبعد: خلاف القرب، والموت، وفعلهما ككرم وفرح بُعدًا وبَعَدًا فهو بعيد وباعد، كذا في "القاموس" ومثله لآخر، وهو من شواهد التّفسير:
يَقُولُونَ لا تَبْعَدْ وهَم يدفِنونَهُ ولَا بُعْدَ إلَّا ما تُواري الصَّفائحُ
وقرأ عيسى بن عمر: (بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) [التوبة/ ٤٢] وبعِد وبعُد لغتان، لكن في الأغلب المكسور العين يختصّ ببعد الموت، وقولهم للميت: لا تبعد، تنبيه على شدَّة الحاجة إليه، وتناهي الجزع وغلبة التّحسُر عليه. والصّفائح: الأحجار العريضة التي يسقف بها القبر، جمع صفيحة.
والبيت من قصيدة عدَّتها ثمانية وخمسون بيتًا لمالك بن الرّيب المازني، رثى بها نفسه، مطلعها:
ألا ليتَ شِعْرِي هَلْ أبيتنَّ ليلَةً بجَنْبِ الغَضا أُزْجي القِلاص النَّواجِيا
وآخرها:
فيا صاحبي إمّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ .. بني مازِن والرَّيْب أنْ لَا تَلاقيا
أُقَلِّبُ طَرْفي حَولْلَ رَحْلي فلا أرَى بِهِ مِنْ عُيُونِ المؤنسّاتِ مُرَاعِيا
وبالرَّمْلِ مِنَّا نِسْوَةٌ لَوْ شَهِدُنَني بَكَينَ وَفَدَّيْنَ الطَّبِيبَ المُداوِيا
وَمَا كانَ عَهْدُ الرَّمْلِ عندي وَأهلُهُ ذَميمًا ولا وَدَّعْتُ بالرَّمْلِ قَالِيا
فَمْنْهُنَّ أمِّي وابْنَتَاهَا وَخَالَتي وَبَاكِيَةٌ أُخْرى تَهيجُ البَوَاكيَا
[ ٥ / ١٤ ]
ومالك: هو من مازن تميم، وكان لصًا يقطع الطّريق مع شِظاظ الضبّي الذي يضرب به المثل، فيقال: "ألصّ من شظاظِ". قال القالي في "ذيل أماليه": قال أبو عبيد: لمّا ولّى معاوية سعيد بن عثمان بن عفّان خراسان، سار فيمن معه فأخذ طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الرّيب، وكان فيما ذّكر من أجمل العرب جمالًا، وأبينهم بيانًا، فلمّا رآه سعيد أعجبه، فقال له: ويحك يا مالك ما الذي يدعوك إلى ما يبلغني عنك من قطع الطّريق؟ ! قال: أصلح اللهُ الأمير، العجز عن مكافأة الإخوان، قال: فإن أغنيتك أتكفّ عمّا تفعل وتتبعني؟ قال: نعم، فاستصحبه وأجرى عليه خمسمائة دينار في كل شهر، وكان معه حتى قتل بخراسان، ومكث مالك فمات هناك، فقال يذكر مرضه وغربته. وقال بعضهم: بل مات في غزوة سعيد، طعن فسقط، وهو بآخر رمق. وقال آخرون: بل مات في خان فرثته الجن لما رأت من غربته، ووجدته ووضعت الصّحيفة التي فيها القصيدة تحت رأسه، والله أعلم أيّ ذلك كان. انتهى. وقد أودعنا القصيدة بتمامها في شرح الشّاهد الخامس عشر بعد المائة من شواهد الرّضى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس بعد الأربعمائة:
فَلا تَشْلَلْ يَدٌ فَتَكَتْ بِعَمْروٍ فإنَّكَ لَنْ تَذِلَّ وَلَنْ تُضامَا
على أنَّ "لا" فيه أيضًا للدّعاء، دعا له بأن لا تشل يده. قال أبو زيد في أوَّل "نوادره" قال رجل من بكر بنِ وائل جاهلي:
فَلَا تَشْلَلْ يَدٌ فَتَكَتْ بِبَحْرٍ فَإِنَّكَ لَنْ تَذِلَّ وَلَنْ تُلَاما
وَجَدْنَا آل مُرَّةَ حِينَ خِفْنَا جَرِيرَتَنَا هُمُ الأُنُفَ الكِرَاما
وَيَسْرَحُ جَارُهُمْ منْ حَيْثُ أَمْسَى كَأنَّ عَلَيْهِ مُؤُتَنَفًا حَرَاما
[ ٥ / ١٥ ]
وكتب بعد البيت الأوَّل أبو عمرو: بدأ فقال: لا تشلل، ثمَّ أقبل على صاحب اليد يخاطبه، فقال: فإنَّكَ لَنْ تَذِلَّ، أي: لا أشلَّها اللهُ، يقال: شَلَّتْ يَدُه، ولا يُقال شُلَت، ولكن أُشِلَّت، ويُقال: فتكتُ به أَفْتِكُ فَتكًا وفِتكًا: إذا وثبتَ به من غيرِ أن يعلم، فقتَلَته، أو قطعتَ منه شيئًا.
وكتب بعد البيت الثّاني: الجريرة، ما جرُّوا على أنفسهم من الذُّنوب، وجمع جريرة جرائر، وجمع جناية جنايا. والأُنُف: الذين يأنفُون من احتمال الضَّيم.
وكتب بعد البيت الثّالي السكر: يسرح، أي: يرسل ماشية في المرعى. مؤتنفًا حرامًا: يريد شهرًا حرامًا، فلا يُهاج فيه، أي: يرسل ماشية في المرعى. مؤتنفًا حرامًا: يريد شهرًا حرامًا، فلا يُهاج فيه، أي: هو من الأمر كأنه في شهر حرام، وكانوا لا يهيجونَ أحدًا في الشّهر الحرام. السّكري: وفي كتابي: مؤتنفًا، بكسر النّون، فإن لم يكن غلطًا، فإنّه أراد: كأنَّ عليه وهو مُؤتَنِفٌ مستأنف شهرًا حرامًا، فنصب "مؤتنفًا" على الحال. انتهى.
وقوله: ثمَّ أقبل على صاحب اليد يخاطبه، يريد أنّه من الالتفات، دعا له على الغيبة، ثمَّ خاطبه.
وقال أبو الحسن الأخفش فيما كتب على "النّوادر": ويُروى فتكت بعمرو. وقوله: يُقال: شَلَّت يدُه، أي: بالبناء للفاعل، وشلَّت بمعنى: يبست، واسترخت، ولا يُقال شُلّت، أي: بالبناء للمفعول، فإنّه فعل لازم، ولكن أُشِلَّت مجهول أشلّها اللهُ بتعديته بالهمزة. وقولُه: ويُقال: فتكت، يريد أنَّه جاء من باب نصر، وجاء في المصدر كسر الفاء أيضًا، وقوله: وجدنا آل مرّة الأُنُفَ، هو المفعول الثّاني لـ "وجدنا" وهم ضمير الفصل، وحين ظرف لوجدنه وجريرتنا مفعول "خفنا" وَأُنُف، بضمتين، جمع أَنِفَ بفتح الألف وكسر النّون، من أَنِفَ منه كفرح أَنَفًا وَأَنَفَةً محركتين، استنكف فهو أَنِف، ككَتِف وصاحب، والأوَّل أفصح كذا في "القاموس".
[ ٥ / ١٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّابع بعد الأربعمائة:
إذَا مَا خَرَجْنَا مِنْ دِمَشْقَ فَلَا نُعدْ لَهَا أَبَدًا ما دامَ فِيهَا الجُراضِمُ
على أنَّ "لا" فيه تحتمل النهي والدّعاء، واقتصر ابن الشّجري في "أماليه" على الدّعاء، ونسب البيت للفرزدق، وفسّر الجراضم بالعظيم البطن، فالمصنّف أخذ منه، ونكّت عليه بأن "لا" تحتمل النّهي أيضًا ونعُد مضارع عاد إذا رجع، واللَّام بمعنى "إلى" والجُراضِم بضمّ الجيم وكسر الضّاد المعجمة، قال الدّماميني: فسّره المصنّف بالعظيم البطن، ولم يفسّر في "الصِّحاح" ولا في "القاموس" إلَّا بالأكُول. انتهى وروي: فلا بدت لنا أبدًا. وعليه لا شاهد فيه، فإنَّ لا مع الماضي ليست ناهية، وإن كانت دعائية، وهذه رواية ابن السّكيت قال في كتاب "أبيات المعاني" قال الأصمعي: وأظنّه للوليد بن عقبة:
إذا ما خَرَجْنا مِنْ دِمشقَ فلا بدَتْ لَنَا أبدًا ما دامَ فيها الجُرَاضِمُ
بَصِيرٌ بما في الطَّبْلِ بالنَّقْلِ عالمٌ جَرُوزٌ بما التَفَّتْ عَلَيْهِ اللَّهَازِمُ
قال: الحراضم: معاوية، قال: والطّبل: السَّبذ يريد أنَّ يده تَبَاقَلُ إذا صارت في السّبذ تأخذ منه ما تريد، وتترك ما لا تريد كما يُباقل الفرس. انتهى.
قوله: والطَّبل: السّبذ بفتح السّين والموحدة، وثالثه ذال معجمة: وهو شبه المكتل، معرَّب من الفارسيّة، واسمِه بالعربيّ سلَّة، ويقال: طبلة أيضًا، وهو طبق يوضع فيه ما يؤكل. وقوله: إنَّ يده تباقل، أي: ترعى كما يُباقل الفرس، أي: كما يرعى البقل وهو كلّ نبات نبت في زره لا في عِرقه. والجروز أوَّله جيم، وآخره زاء معجمة: هو الأكُول، وقيل: السريع الأكل، وصف من جرز، أي: أكَلَ أكلً سريعًا. وأراد باللهازم طرف الحنكين ممَا يلي الأذن، فإنَّ شِدَّةَ المضغ هناك. وكان معاوية شديدَ الأكل جدًا، ومع ذلك ما كان يشبع، وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ أرسل إليه أنس بن مالك يدعوه، وكان يأكل، فتمادى فيه حتى أرسله النبيّ ﷺ مرَّةً ثانية، فتمادى فيه، فسأله عن
[ ٥ / ١٧ ]
ذلك، فقال: هو في الأكل، فقال ﵊: "لّا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ" فمن ذلك اليوم ما تلّذَّذ معاوية بالأكل، وكان يأكل ما يأكل العشرة والعشرون في اليوم، ولا يشبع. كذا قال العيني هنا.
قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": الوليد بن عقبة أخو عثمان بن عفّان لأمّه أسلم يوم الفتح هو وأخوه خالد بن عقبة، ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أنَّ قوله ﷿ (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات/ ٦] نزلت في الوليد بن عقبة، وله أخبار شنيعة قد ترجمناه فيما يتعلّق بالبيت العاشر من "شرح بانت سعاد".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثّامن بعد الأربعمائة:
ويِلْحَيْنَني في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبَّهُ ولِلَّهْوِ داعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ
على أنَّ "لا" زائدة. واليبت للأحوص وقبله:
ألا يَا لَقَوْمي قَدْ أَشَطَّتْ عَواذِلي ويِزْعُمْنَ أن أوْدَى بحَقِّي باطِلي
نادى قومه على وجه الاستغلاثة من عواذله في تجاوزهنَّ وركوبهنَّ الشَّطَطَ في لومه على حبّه الحسان، والميل إلى اللهو مع وجود باعث ذلك فيه، وهو الشَّباب والعشق، فلا يمكنه قبول نصحهنَّ مع وجود هذا الباعث فيتعيّن أن تكون لا زائدة؛ لأنَّ الناضح إنما يلومه على الاشتغال بأسباب المحبَّة واللهو، لا على ترك ذلك.
ولمّا لم يقف الدّماميني على البيت السّابق لم يتّضح له وجه زيادتها، فردد المعنى بين احتمالين ممكنين حتى تظهر قرينة تعيّن المراد منهما، قال: يحتمل "يلحينني" أن يضبط بياء الغيبة أو بتاء الخطاب، ومعنى اللّحي: اللّوم، واللهو: اللّعب، و"أن" يحتمل أن تكون خفيفة ناصبة للمضارع، وأن تكون مخفّفة من الثَّقيلة، فالمضارع
[ ٥ / ١٨ ]
المذكور مرفوع، والجملة خبر "أن" واسمها ضمير شأن محذوف على رأي الأكثرين، أو غيره على رأي المحققين، أي: أنني لا أحبَه، والدائب: الجادَ: يقال: دأت فلان في عمله، أي: جدَّ، وإنما تتعيّن زيادة "لا" إذا كان المراد: لحَيْنَهُ على حبّ اللهو وارتكابه إيّاه، ويكون عجز البيت كالعذر له في ذلك، فيكون مستأنفًا، ويحتمل أن تكون لا نافية،، ويكون لومهنَّ له على اللهو لا على حبّه، ويكون عجز البيت حينئذٍ جملة حالية إمّا من فاعل يلحى أو مفعوله. وقصد الشّاعر أنَه مبغض للهو لا محبّ له، وأنَّ اللّواحي يلمنه على ذلك في حالة أنَّ داعي اللهو جادّ في الدعاء إليه غير غافل عنه، يصف نفسه بالجدّ والثَّبات عليه، وعصيانه للَّواحي مع توفّر الدّواعي إلى اللهو، فهو عكس المعنى الأوَّل، فإن وُجدت قرينة تعيّن المراد، عمل بمقتضاه، وإلا فاللّفظ محتمل، ويترجَح ما قلناه بسلامته من دعوى الزّيادة، وهي خلاف الأصل. هذا كلامه برمّته.
وبالبيت السّابق تعيّن زيادة "لا" وأنّه بياء الغيبة وأنَّ" أن" خفيفة لا مخففة لعدم تقدّم ما يفيد علمًا أو ظنًا، وقد أنشده أبو علي في آخر سورة الفاتحة من "الحجّة" على زيادة "لا" ونصب "أحبّه" بأن، فيكون "أن أحبّه" في تأويل مفرد مجرور بدل اشتمال من اللهو، والدّماميني مسبوق بفرض احتمال معنى النّفي في البيت. قال أبو حيّان في آخر تفسير سورة الفاتحة من "البحر" بعد إنشاد البيت: قال الطّبري، أي: أن أحبّه، وقال غيرُه: معناه إرادة أن لا أحبّه، فـ "لا" فيه متمكّنة، يعني في كونها نافية لا زائدة. انتهى. وصاحب هذا القول أيضًا كأبي حيّان لم يقف على البيت السّابق، وهو قرينة على تعيين زيادة "لا"، وممّن ذكر زيادتها في هذا البيت ابن الأنباري في كتاب "الأضداد".
والأحوص: هو ابن محمّد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري الأوسي. وكان عاصم يسمّى حَمِيَّ الدَبْر؛ كان رسول الله ﷺ بعثه في بعث، فقتله
[ ٥ / ١٩ ]
المشركون، وأرادُوا أن يصلِبُوه، ويُمَثّلوا به، فحمته الدَّبْرة، وهي النّحل، فلم يقدِرُوا عليه. والأحوص مقدَّم عند أهل الحجاز وأكثر الرّواه، لولا أفعاله الدّنية، لأنّه أسمحهم طبعًا، وأسلمهم كلامًا، وأصحهم معنى، ولشعره رونق وحلاوة، وعُذوبة ألفاظ ليست لأحد، وهو محسن في الغزل والفخر والمدح، وكان يُشبّب بنساء أشراف المدينة فنُهي، فلم ينته، فشكي إلى سليمان بن عبد الملك، فأمر عامله بالمدينة أن يضربه مائة، ويقيمه على البُلُس للنّاس، ثمَّ يسيّره إلى دِهْلِك ففعل به ذلك، والبُلُس بضمّتين جمع بلاس ككِتاب، وهي غرائر كبار من مُسُوحٍ يجعل فيها التّبن يُشهّر عليها من يُنكّل، ويُنادي عليه. ومن دعائهم: "أرانيك اللهُ على البُلُس" وبقي منفيًّا بِدِهْلك إلى أن مات عمر بن عبد العزيز، وولي مكانه يزيد بن عبد الملك، فخلى سبيله، وأعطاه أربعمائة دينار. وقد بسطنا ترجمته في الشّاهد الخامس والثّمانين من شواهد الرّضى.
والأحوص من الحوص بمهملتين، وهو ضيق في مؤخّر العين، وهذا الشّعر نسبه إليه ابن الأنباري، وأبو حيّان، وأنشد البيتين المبرّد في أوائل "الكامل" قال: معنى شطّت: تباعدت، ويقال: أشطّ فلان في الحكم إذا عدل عنه متباعدًا قال تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ) [ص/ ٢٢] وقال الأحوص:
ألا يَا لَقَوْمي قَدْ أشَطّتْ عواذِلي إلى آخر البيتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التّاسع بعد الأربعمائة:
أبَى جُودُهُ لا البُخْلِ واستعجلَتْ بِهِ نَعَمْ مِنْ فتىً لا يَمْنَعُ الجُودَ قَاتِلَهْ
على أنَّ "لا" فيه أيضًا زائدة على وجه من أوجه رواية نصب البخل، ومحصل ما روي في البخل وجهان: النّصب، والجرّ، ومحصل ما قيل في النّصب ثلاثة
[ ٥ / ٢٠ ]
أقوال: كون "لا" زائدة، وكونها اسمًا، والبخل بدل، وكونها اسمًا أيضًا، والبخل مفعول لأجله بتقدير مضاف وما قيل في الجرّ وجه واحد وهو كون "لا" اسمًا أريد به اللّفظ وهو مضاف، والبخل مضاف إليه. وروى الجرّ والنّصب أبو الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة المجاشعي في كتاب "المعاياة" وهو من أبيات المعاني قال: أضاف "لا" إلى البخل أراد أبي جوده "لا" التي تكون للبخل. وقال بعضهم: لا البخلَ، جعلَ "لا" زائدة، ونفيت البخل ونفيت قاتله، لأنّه أراد: لا يمنع الفتى الجوع قاتله، وقاتل الجوع الخبز، وما يؤكل. انتهى. وكذا قال أبو علي في "الحجّة" عند قوله تعالى: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام/ ١٠٩] قال: ومثل "لا" هذه هي أنها - تكون في تأويلٍ - زائدةٌ، وفي آخر غيرُ زائدة قول الشّاعر: أبى جُودُهُ .. البيت. ينشد: أبى جُودُهُ لا البخلَ، ولا البخلِ. فمن نصب البخل جعلها زائدة، كأنّه قال أبي جُودُهُ لا البخلَ، ولا البخلِ. فمن نصب البخل جعلها زائدة، كأنّه قال أبي جُودُه البخلَ، ومن قال: لا البخلِ، أضاف لا إلى البخل. انتهى. وقال أيضًا في "إيضاح الشّعر" وأنشدوا قول الشّاعر: أبى جُودُه .. البيت. على ضربين لا البخلَ ولا البخلِ بالنّصب والجرَ، والجرّ قول أبي عمرو فيما رواه يونس عنه، وجعلها مضافةً لأنّه قد تكون للجود والبخل، ألا ترى أنَه لو قال: امْنَعِ الحّقَّ. واحْرِمِ المساكينَ، فقال: لا، كان هذا جُودًا، فأما بقاؤها على حرفين، فميل: فَا زيدٍ، وذّا مال. انتهى.
وكذا رواه بالنّصب والجرّ ابن الشّجري في "أماليه"، قال: قد روي بنصب البخل وجرّه. فنصبه على أن تكون "لا" زائدة، وجرَه على إخراج "لا" من الحرفيّة إلى الاسميّة، وإضافتها إليه، لأنَّ "لا" تكون للبخل ولغير البخل، فأراد أنّه يمتنع من "لا" الّتي للبخل خاصّة. فمثال الّتي للبخل أن يقول له: هل تجود عليَّ بدرهم؟ فيقول: لا، ومثال التي لغير البخل أن يقول له: هل تمنعني عطاءك؟ فيقول: لا. انتهى. وكذا أورده بالوجهين ابن جني في "الخصائص" وذكر
[ ٥ / ٢١ ]
للنّصب وجهين، قال: فمن نصبه، فعلى ضربين أحدهما: أن يكون بدلًا من "لا" لأنَّ "لا" موضوعة للبخل، فكأنه قال: أبى جُودُه البخل. والآخر أن تكون "لا" زائدة حتى كأنّه قال: أبى جُودُه البخل لا على البدل، لكن على زيادة لا، والوجه هو الأوَّل، لأنّه قد ذكر بعدها نعم، ونعم لا تزاد، فكذلك ينبغي أن تكون "لا" هنا غير زائدة. والوجه الآخر على الزّيادة صحيح أيضًا لجري ذكر لا في مقابلة نعم، وإذا جاز لـ "لا" أن تعمل وهي زائدة في قوله:
لوْ لمْ تكُنْ غَطَفانُ لا ذُنُوبَ لها إليَّ لامَتْ ذَوو أحْسَابها عَمَرا
كان الاكتفاء بلفظها من غير عمل له أولى بالجواز، ومن جرَه فبإضافة "لا" إليه، لأنَّ "لا" كما تكون للبخل قد تكون للجود أيضًا، فلمّا كانت "لا" قد تصلح للأمرين جميعًا، أضيفت إلى البخل لما في ذلك من التّخصيص الفاصِل بين المعنيين الضّدّين. فإن قلت: فكيف تضيفها وهي مبنيّة؟ ألا تراها على حرفين، الثاني حرف لين، وهذا أدلّ شيءٍ على البِناءِ؟ قيل: الإضافة لا تنافي البناء، بل لو جعلها سببًا له لكان أعذر من أن يجعلها نافية له، وقد قالوا: كم رجلٍ قد رأيت! "فكم" مبنيّة وهي مضافة. وقالوا: لأضْرِبنَّ أيُّهُمْ أفضَلُ، وهي مبنيّة عند سيبويه انتهى كلامه، واقتصر ابن السّكيت في "أبيات المعاني" على رواية الجرّ، قال: جعل "لا" اسمًا وأضافها إلى البخل، ونصب الجوع وقاتله؛ يريد: لا يمنع الجائعِ الخبزَ، كأنّه قال: لا يمنع الجوعَ دواءَه ودواءُ الجوع الخبز. انتهى، وسيأتي أنه ليس في هذا كبير مدح.
وكذلك اقتصر على رواية الجرّ أبو علي في "المسائل العسكريّة" قال: وما يجري مجرى "فم" في الإضافة في كونه على حرفين آخرهما حرف لين قولهم: ذو مال، ومنه أيضًا ما حكاه أبو الحسن عن يونس عن أبي عمرو من أنّه كان ينشد: أبي جوده لا البخلِ. فهذا على قول أبي عمرو مضاف، فإذا أضافه، فقد جعله اسمًا، وإذا
[ ٥ / ٢٢ ]
جعله اسمًا، لزمه أن يكون على ما تكون عليه الأسماء، وساغت الإضافة، لأنَّ "لا" قد تكون للجود كما تكون للبخل، فقياس الألف في "لا" أن تكون عينًا في موضع حركة، ولا تكون على حدها قبل النّقل، ألا ترى أنَّ الضّمّة في قولك: هي الفُلُك غير الضّمة في قولك: هو المُلُك. انتهى.
وقول المصنّف: وقال آخر: لا، مفعول به، والبخل، مفعول لأجله .. الخ. قال أبو حيّان في تفسير (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) من سورة الأعراف [الآية/ ١٢]، قال الزّجَاج: "لا" مفعولة، والبخل بدل منها، وقد خرجته أنا تخريجًا آخر وهو أن ينتصب البخل على أنّه مفعول من أجله، و"لا" مفعولة. انتهى.
وقال أبو عبد الله محمّد بن مرزوق في "شرح قصيدة البردة": يُروى البخل بالجرّ على إضافة "لا" إليه، والمعنى أبو جودُه النّطق بلا التي للبخل، ومفهومه أنَّ التي للجود لا يأباها، ويروى بنصب البخل على أن يكون البخل بدلًا من "لا"، أو عطف بيان، أو مفعولًا من أجله على حذف مضاف، أي: كراهة البخل، وعلى النّصب فالمعنى أنّه لا ينطق بلا قط، لئلَّا يقع في البخل، ومفهوم العلّة يقتضي أنها إن لم يكن فيها بخل، فلا يمتنع من النّطق بها، وعلى التّقديرين، فلا بدَّ من تخصيص "لا" بالتي للبخل، والمعنى الذي قصده النّاظم وهو قوله:
نَبِيُّنَا الآمِرُ النَّاهي فَلَا أَحَدٌ أبَرَّ في قَوْلِ لَا مِنْهُ وَلَا نَعَمِ
أشمل من هذا وأجمع، وكذا هو أجمع وأصح من قول من مدح إنسانًا بالكرم فقال:
ما قَالَ لَا قَطُّ إلَّا في تَشَهُّدِهِ ولَا نَعَمْ قَطُّ إلَّا جاءَتِ النَّعَمُ
فإنَّ هذا يقتضي أن لا ينطق بلا الجود. انتهى.
[ ٥ / ٢٣ ]
وقول المصنّف: وقال أبو علي في "الحجّة" قال أبو الحسن: فسّرته العرب .. الخ. أقول: قاله أبو علي في آخر سورة الفاتحة بهذا اللّفظ من غير زيادة ولا نقص، وكذا أورده في هذا الموضع أبو حيّان في "البحر" قال: واستدلّوا أيضًا على زيادة "لا" ببيت أنشده المفسّرون وهو: أبي جوده لا البخلَ" زعموا أنَّ "لا" زائدة والبخل مفعول بأبى، ولا دليل في ذلك بل الأظهر أنَّ "لا" مفعول بأبى، وأنَّ لفظة "لا" لا تتعلق بها وصارا اإسنادًا لفظيًا ولذلك قال: واستعجلت به نعم، فجعل "نعم" فاعلة بقوله استعجلت، وهو إسناد لفظيّ، والبخل: بدل من لا، أو مفعول من أجله. انتهى.
وقد أورد الجوهري البيت في آخر "الصّحاح" ورواه بنصب البخل وجره وفي بعض نسخه: الجوع، وفي بعضها: الجود. وبيّن ابن بري في "أماليه" وجه النّصب والجرّ ولم يتعرّض لرواية الجود والجوع. قال: من خفض البخل فعلى الإضافة. ومن نصبه جعله نعتًا لـ "لا" ولا اسم وهي مفعول لأبى. هذا كلامه.
أقول: قد بيّن كونه نعتًا على بن عيسى الرّماني في كتاب "الحروف" قال في نصب البخل: "لا" زائدة، وفيه وجه ثانٍ، وهو أن يكون البخل بدلًا من "لا" لأنَّ المعنى مشتمل عليه، وتكون "لا" على هذا الوجه اسمًا، وكان يجب أن يمدّ إلَّا أنّه حكاها على نحو ما يستعمل، ليعلم أنها تلك بعينها، ويجوز أن يكون البخل وصفًا لـ "لا" على تقدير حذف المضاف، كأنّه قال: أبى جوده لا ذات البخلِ، ثمَّ حذف فأقيم المضاف إليه مقامه. انتهى. وذات بمعنى: صاحبة. وقال الأندلسي في "شرحِ المفصّل": ويجوز رفع البخل على أنّه خبر مبتدأ، أي: هو البخل، يريد أنَّ الرّفع على الذّم، وكذا يجوز في رواية النّصب أن يكون منصوبًا على الذَّم بتقدير: أعني أو أذم فيكون في النّصب خمسة أوجه.
وقال ابن مرزوق: والبيت وجد في نسخة مظنون بها الصّحة من "صحاح الجوهري" لفظة "الجوع" بدلًا من "الجود" بالعين مكان الدّال، وقال بعض من طرر على
[ ٥ / ٢٤ ]
هذا المحلّ: إنَّ المعنى لا يمنع الجوع قاتل الجوع. أي: لا يمنع الخبز، وهذا كما ترى ليس فيه كبير بلاغة مدح بالنّسبة إلى معنى لفظ: الجود، بالدّال، لأنَّ المعنى معها: لا يمنع هذا الممدوح الجود قاتله. أي: لو قدّرنا أنَّ شخصًا ضربه، فأنفذ مقاتله، ثمَّ أتى الضّارب يسأل هذا المضروب أن يجود عليه بشيء يطلبه منه، لما منعه إيّاه مع علمه بأنّه هو الذي أنفذ مقاتله، فيوافق في المعنى قول الآخر:
هُوَ البَحْرُ مِنْ أيُّ النَّواحي أتيتَهُ فَلُجَّتُهُ المعْرُوفُ والجُودُ ساحلُهْ
فَلَوْ لمْ يكَنْ في كَفِّهِ غيرُ نفسِهِ لجادَ بها فَلْيَتَّقِ اللهَ سَائِلُهْ
وهذا مَعنى بليغ في المدح بالجود، فأين ممّا يفيده لفظ الجوع بالعين، وفاعل يمنع ضمير فتى. والجود: مفعوله الأوَّل، وقاتله الثاني، وبالدّال وجدته في بعض نسخ الجوهري. وفي نسخ مظنون بها الصّحة من "تفسير ابن عطيّة" في قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) [الأعراف/ ١٢] تأمّل إعراب قوله: من فتى، والأولى أن يكون صفة أو حالًا من نعم، أي: صادرة نعم المستعجلة به من فتى شأنه هذا، وإذا صدرت "نعم" من الجواد الموصوف بهذه الصفة لم يتخلّف مقتضاها. انتهى كلام ابن مرزوق، وهو غاية في جودة المعنى.
وقال الزمحشري في "أحاجيه" بعد أن فِسّر البيت الأوَّل بما فسّر به المصنّف: وأمّا بقيّة البيت فلم يفسّره أبو الحسن، وهو مشكل جدًا، وأقول في معناه: إنّه مدح كريم أبى جوده أن ينطق بـ "لا" التي للبخل، واستعجلت بجوده نعم، أي: سبقت نعم "لا" كما قال:
واستَعجَلونا وكانُوا مِنْ صَحابتِنا كما تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِورَّادِ
أي: سبقونا وتقدَّمُونا، أي: إنَّ نعم استعجلت لا، أي: سبقتها صادرة من فتى لا يمنع الجود، والهاء في قاتله يعود على نعم، أي: قاتل نعم لا يمنع الجود،
[ ٥ / ٢٥ ]
ثمَّ قال: وقوله: لا يمنع الجود قاتله، أراد: إنَّ الجود وإن قتله لا يمنع، فقاتله منصوب على الحال، أي: لا يمنع في حال قتله إيّاه، لأنَّ الجود يفقره، ويجوز أن ينصب قاتله على أنه مفعول، أي: لا يمنع من يريد أن يقتله الجود، يدلك عليه كما قال آخر:
ولَوْ لمْ يكُنْ في كَفِّهِ غيرُ نفسِهِ .. لجادَ بها فليتَّقِ اللهَ سَائِلُهْ
ويجوز أن يكون معنى "قاتله" من قَتَلْ من تكرَّمَ عليه، لأنَّ فاعل ذلك قاتله له، ومع ذلك فلا يمنعه ذلك أن يجود عليه، وقد قال تعالى: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوَهُمْ) [البقرة/ ١٩١] ولا يصحّ أن يكون هذان البيتان في شعر واحد؛ لأنَّ الأوَّل منصوب، وهذا مرفوع، هذا كلامه. وفيه قلاقة.
ونقل ابن المستوفي في "شرح أبيات المفصّل" عن أبي العبّاس أحمد المعروف بابن الحبّاز قال: قوله: لا يمنع الجود قاتله، معناه: لا يمنع جوده الذي قتله، أي: لا يحرم جوده من يقتله، ورفع قاتله بقوله يمنع، ويكون على هذا لا يمنعه قاتله الجود، ويكون قد حذف المفعول الأوَّل، وهذا متكلّف، وما سبق أولى. انتهى.
ولم أر من روى قاتله بالرَّفع، وهؤلاء كلّهم بنوا شرح البيت على رواية الجود بالدّال، ورواية الجوع بالعين غير مقبولة عندهم لكن قد جاء هذا عند العرب في إطعام الطّعام كثيرًا، وافتخروا به، ومدحوا، قال زهير بن أبي سلمى:
إذا مَا أتَوْا أبوابَهُ قالَ مَرْحَبًا لِجُوا البابَ حتى يأتيَ الجوعَ قاتِلُهْ
وأنشد أبو تمّام في "الحماسة":
تَرَكْنَا فتىً أيقنَ الجوعُ أنَّهُ إذا ما ثَوَى في أَرْحُلِ القوْمِ قاتلُهْ
[ ٥ / ٢٦ ]
وقال عبد الله بن الزّبير الأسدي، وضمّن بيت زهير:
ترى الجُنْدَ والأغرابَ يغشونَ بابَه كما وَرَدَتْ ماءَ الكلابِ هَوَامِلُهْ
إذا ما أتَوْا أبْوَابَهُ قال مَرْحَبَا .. البيت.
وقال أبو خراش الهذلي في مدح رجل:
يُقَاتِلُ جُوعَهُمْ بمكَلَّلاتٍ مِنَ الفُرنيِّ يَرْعَبُهَا الجَميلُ
أي: بجفان مكلّلات قد كللت بالشحم. ويرعبها: يمؤلها، والجميل: الشحم والودك.
ولم أقف على تتمة البيت الشاهد ولا على قائله مع شهرته في كتب النّحو والتفسير واللغة والأدب والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد الأربعمائة:
لَا وأَبِيكِ ابنَةَ العَامِرِيِّ لَا يَدَّعِي القَوْمُ أَنِّي أَفِرّْ
على أنَّه قيل: زيادة "لا" في صدر القسم للتَّمهيد بأنَّ الجواب منفيّ، وردَّ بقوله تعالى: (لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ) [البلد/ ١] الآيات، فإنَّ جوابه مثبت، وهو: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) ويجاب بأنَّ زيادتها هناك لذلك أغلبي.
والبيت مطلع قصيدة لامرئ القيس، وتقدَّم بيت منها في الإنشاد الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة. والكاف من أبيك خطاب لمؤنّث، أقسم بأبيها تعظيمًا لها، وابنة العامري: منادى بياء محذوفًا، وابنة العامري اسمها هرّ، وقد ذكرها في هذه القصيدة بقوله:
وَهِرٌّ تَصِيدُ قُلُوبَ الرِّجالِ وأَفْلَتَ مِنْهَا ابنُ عَمْرٍو حِجْر
والعامري: هو من بني عمرو بن عامر من الأزد، واسمه: سلامة بنُ عبد الله،
[ ٥ / ٢٧ ]
وقل هرّ لقبها، واسمها: فاطمة بنت عبيد بن ثعلبة بن عامر بن عوف بن عذرة. وبعده:
تَمِيمُ بنُ مُرٍّ وأشْياعُهَا وَكِنْدَةُ حَوْلي جَمِيعًا صُبُر
بضمتين جمع صابر، وتميم مبتدأ، وصبر خبره، والجملة حال من فاعل أفر. لا بدل أو عطف بيان للقوم كما قيل. فإنّه قال بعده:
إذّا رّكِبُوا الخَيْلَ واسْتَلأمُوا تحرَّقَتِ الأرضُ واليوْمَ قُرّ
استلأمُوا، لبسوا اللأمة، بالهمز. وهي الدّرع، وتحرَّقت: اشتعلت من شدّة الحرب، وقُر: بالضمّ: بارد.
وقيل: مطلع القصيدة بيت قبل المذكور، وهو:
أحَارِ بنَ عَمْرٍو كأنّي خَمِرْ وَبَعْدُو عَلَى المَرْءِ مَا يَأتَمِرْ
وحار: مرخم حارث. وخمر: بفتح الخاء المهجمة وكسر الميم، وهو الّذي يخالطه سكر أو داء، ويعدو: يرجع، ما يأتمر: ما يريد أن يوقعه بغيره، وقيل: ما: مصدرية، أي: ويعدو على الرّجل ائتماره أمرًا ليس برشد، لأنه إذا ائتمر أمرًا ليس برشد فكأنه يعدو عليه فيهلكه، والواو: استئنافية، أو للتَّعليل على رأي من أثبته، ومعناه: كأني خامرني داء؛ لأجل عدوان الائتمار بأمر ليس برشد.
وقال الأعلم: معناه: يصيبه وبنزل عليه مكروه ما يأتمر به ويحمل نفسه على فعله. وهذا نحو قول العامّة: "من حفر حفرة وقع فيها".
وترجمة امرئ القيس تقدَّمت في الإنشاد الرّابع من أوّل الكتاب.
[ ٥ / ٢٨ ]
"لَاتَ"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الأربعمائة:
(٤١١) طَلَبوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ
على أن الفرّاء زعم أنَّ لات حرف جرّ تجرّ أسماء الزمان خاصّة.
أقول: ليس في كلام الفرّاء تقييد مجرورها بكونه من أسماء الزمان، وهذه عبارته في تفسير آية "صاد" قال هناك: يقول: ليس حين فرار، والنّوص: التأخر، ومن المعرب من يضيف لات فيخفض، أنشدوني:
وَلَاتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ
ولا أحفظ صدره، والكلام أن ينصب بها في معنى ليس، أنشدني المفضل:
تَذكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاتَ حيِنَا وأضحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرينا
فهذا نصب، وأنشدني بعضهم:
طَلَبوا صُلْحَنَا ولاتَ أوانٍ فوأجبنا أن ليس حين بقَاء
فهذا خفض، هذا كلام الفرّاء برمَته
والبيت الذي لم يعرف صدره أنشده ابن السكيت في كتاب "الأضداد" قال فيه:
قال ابن الأعرابي: أخلاق مشمولة، أي: مشؤومة وأخلاق سوء. وأنشد:
ولتعرفنَّ خلائقًا مشمولةً ولتندَمَنَّ ولاتَ ساعةَ مندمِ
ويقال أيضًا: رجل مشمول الخلائق، أي: كريم الأخلاق، قال: وأنشد أبو عمرو لرجل من بني سعد:
[ ٥ / ٢٩ ]
كأنْ لم أعشْ يومًا بصهباء لذةٍ .. ولم أندُ مشمولًا خلائقُهُ مِثْلي
وأندو بالنون: بمعنى أجالس، ومنه النادي وهو المجلس. وقد أخل الرَّضي بالنقل عن الفراء، فإنه قال: وقال الفراء: تكون لات مع الأوقات كلها، وأنشد: "ولات ساعة مندم" انتهى.
فإنّه أورد هذا الكلام في باب "ما" و"لا" و"لات" العاملات عمل ليس، ولم يقيد "لات" بكونها حرف جر، فيظن أنَّ الفراء أنشده بنصب "ساعة"، ولهذا قال الدماميني: فإن قلت: هلا حملت نقل الرضي عن الفراء أنها تكون مع الأوقات كلها على ما إذا كانت عاملة للجر، كما نقله المصنف هنا، وحملت حكاية كلام المصنف أولًا أنها لا تعمل إلا في لفظ الحين على ما إذا كانت عاملة للنصب، فلا يكون بين النقلين تعارض، قلت: لأنَّ الرضي لما ذكر عنه أنها تعمل في الأوقات كلها أنشد: "ولات ساعة مندم" والرواية فيه بنصب الساعة، فلم يبق إذن للتوفيق بهذه الطريقة مجال. انتهى. أقول: إنما رواه بالجر، فالتوفيق ممكن. وقول المصنف: وأجيب عن البيت بجوابين أحدهما: على إضمار من الاستغراقية، جواب غير سديد، لأن تقدير من يقتضي أن لا يكون لـ "لات" معمول، وإذا لم يكن لها معمول اقتضى كونها غير عاملة.
ومن الغريب قول أبي حيّان: إن من المقدرة ومجرورها موضعها رفع على أنهما اسم لات، كما تقول: ليس من رجل قائمًا، والخبر محذوف. انتهى.
وقوله: والثاني: أن الأصل: ولات أوان صلح. إلخ، أقول: تقدير المضاف إليه جملة هو المناسب، لتشبيه أوان بيومئذ في البناء، وفي كون التنوين بدلًا من المضاف إليه، وأما تقديره مفردًا، ثم تعليل بنائه بقطعه عن الإضافة، ففيه أن ما ذكره مختص بالظروف النسبية، ويكون بناؤها حينئذٍ على الضم، وأما "أوان" فإنه ظرف متصرف كما يأتي قريبًا عن ابن جني، وليس مضمومًا كقبل وبعد، فالمناسب: ولات أوان نصطلح، فإنَّ المنفي في الحقيقة أوان الصلح، أو بقدر جملة اسمية، أي: ولات أوان صلحنا ممكن، فأوان: خبر لات، وهو منصوب لفظًا أو مبنى
[ ٥ / ٣٠ ]
على الفتحة لإضافته إلى مبني، واسمها محذوف، أي: ولات الأوان قال أبو علي في "المسائل المنثورة": قال أبو العبّاس المبرد: أوان هنا مبنيَّة، لأنّ أوان تضاف إلى المبتدأ والخبر، فكأنك حذفت منه المبتدأ والخبر، فنونت ليعلم أنّك قد اقتطعت الإضافة منه. انتهى. ولم يرتض ابن جني في "الخصائص" كون التنوين عوضًا كيومئذ، وفرق بينهما بأن إذ ظرف ناقص، وأوان ظرف متصرف، قال: وتأول أبو العباس المبرد قول الشاعر:
طَلَبُوا صُلحَنَا ولاتَ أوانٍ
على أنّه حذف المضاف إليه أوان، فعوض التَّنوين منه على حدّ قول الجماعة في تنوين [إذ] وهذا ليس بالسّهل، وذلك أنَّ التنوين في نحو هذا إنما دخل فيما لا يضاف إلى الواحد، أي: المفرد، وأمّا أوان، فمعرب، ويضاف إلى الواحد كقوله:
فَهَذَا أوَانُ العِرْضِ حَيٌّ ذُبابُه زنانيرُهُ والأزرقُ المُتلَمِّسُ
وقد كسروه على آونة وتكسيرهم إيّاه يبعّده عن البناء لأنه أخذٌ به في شق التصريف والتصرف انتهى كلامه. وقد بسط هذا الكلام في "سرّ الصّناعة" وقال في آخره: وأمّا الجماعة غير المبرّد، وغير أبي الحسن، فعندهم أنَّ أوان مجرورة بات، وأنّ ذلك لغة شاذة، روينا عن قُطرب قال: قرأه عيسى: (ولات حين مناصٍ) [ص: ٣] بالجر. انتهى. وهذا حق لا شبهة فيه، فالوجه كون لات في البيت حرف جرِ كما نقله الفرَّاء في قوله: ولات ساعة مندم وفي هذا البيت أيضًا وكذلك نقله أبو علي في "المسائل المنثورة" عن أبي عمر الجرمي، واستشكله بأنَّ حروف الجرّ لا بدَّ أن تتعلّق بشيء، ولات هنا لا تتعلَّق بشيء وجوابه أن لنا حروف جرّ لا تتعلّق بشيءٍ منها "لولا" كما بيَّنه الرّضي. وقول المصنّف: وعن القراءة بالجواب الأوَّل قد
[ ٥ / ٣١ ]
قدَّمنا أنَّه لا يصحّن وقوله: وتوجيههم أن الأصل حين مناصهم .. إلخ، هذا الأصل غير صحيح أيضًا، لأنَّ معمول "لات" لا يجوز إضافته إلا إلى نكرة، ودعوى أنَّ المضاف وهو "حين" اكتسب البناء من المضاف إليه، ففيها أن شرط اكتساب البناء بالإضافة أن يكون المضاف زمانًا مبهمًا والمضاف إليه إمّا "إذا" أو فعل، أو جملة اسميّة، ومناص ليس واحدًا من الثلاثة، ثمَّ إنَّ البناء إنما سمع فيما ذكرنا على الفتح لا على الكسر.
والبيت الشاهد من قصيدة لأبي زبيد الطّائي النصراني، حكى أبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي قالا: نزل رجل من بني شيبان اسمُه المكّاء برجل من طي، فأضافه وسقاه، فلما سكر، وثبت إليه الشيباني بالسيف، فقتله، وخرج هاربًا، وافتخر بنو شيبان بذلك، فقال أبو زبيد هذه القصيدة، وهذه أبيات منها:
خَبَّرتَنَا الرُّكبانُ أنْ قَدْ فرحتم وفخرتم بضربة المكاء
ولعمري لعارها كان أدنى لكم من تقى وحسنِ وفاء
ظل ضيفًا أخوكم لأخينا في صبوح ونعمة وشواء
لم يهب حرمة النديم وحقت يا لقومي للسوأة السواء
فاصدقوني وقد خبرتم وقد ثا بت إليكُم جوائبُ الأنباءِ
هل علمتم من معشرٍ سافهونا ثمَّ عاشوا صفحًا ذوي غلواء
كم أزالت رماحنا من قبيل قاتلونا بنكبة وشقاء
بعثوا حربنا إليهم وكانوا في مقام لو أبصروا ورخاء
ثم لما تشذرت وأنافت وتصلوا منها كريه الصلاء
طلبوا صلحنا ولات أوانٍ أليبت إلى أن قال:
أَبَديءُ أَنْ تقتلوا إذ قتلتم أم لكم بسطةٌ على الأكفاء
أم طمعتم بأن تريقوا دمانا ثم أنتم بنجوةٍ في السماء
فلحى اللهُ طالبَ الصلحِ منا ما أطاف المبس بالدهناء
[ ٥ / ٣٢ ]
قوله: لم يهب حرمة النديم إلخ .. أورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (كيفق يواري سوأة أخيه) [المائدة/ ٣١] على أنَّ السوأة ما يقبح كشفهن والسواء: وصف مؤكد للسوأة، كقولهم: الليلة الليلاء. ويهب: من الهيبة، والمعنى: أنه لم يعظم حرمة الصاحب، وحقت تلك الحرمة أن تهاب، ثم نادى قومه ليعجبهم من هذه الفعلة القبيحة التي هي هتك حرمة النديم. وقد أنشد صاحب "الكشاف" عجز هذا البيت فقط. قال الطيبي: لم أظفر بصدره، ولا بقائله. وجوائب الأنباء: جمع جائبة من الجوب وهو القطع، قال صاحب "الصحاح": يقال: هل جاءكم [من] جائبة خبر، أي: خبر يجوب الأرض من بلد إلى بلد. والأنباء جمع نبأ كالخبر وزنًا ومعنى. وقوله: سافهونا، من السفه وهو ضد الحلم، وصفحًا: إعراضًا عنهم، وذوي حال من الواو في عاشوا، والغلواء: النشاط والبطر، وقوله: لو أبصروا "لو" للتمني، وتشذرت بالشين والذال المعجمتين، قال صاحب "الصحاح"، يقال: تشذَّر فلان: إذا تهيأ للقتال، وتشذَّر القوم في الحرب، أي: تطاولوا. وأنافت: زادت، وتصلوا: مبالغة صلي بالنار: إذا وجد حرّها، والصلاة ككتاب: حر النار.
وقوله: طلبوا صلحنا .. الخ، جواب لما. ومن العجائب قول العيني: طلبوا فعل وفاعله مستتر فيه. وقوله: ولات أوان، في محل الحال من الصلح، وأن مصدرية بتقدير الباء يقال: أجابه بكذا، وقال السيوطي: هي تفسيرية، والبقاء: اسم من قولهم أبقيت على فلان إبقاءً: إذا رحمته، وتلطفت به، والمشهور أنَّ الاسم منه البقيا بالضم، والبقوى بالفتح، وقال العيني وتبعه السيوطي: المعنى بقاء الصلح. وقوله أبدئ: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والنجوة بالنون والجيم: المكان المرتفع، وقوله: فلحى اللهُ .. إلخ ..، أي: قبح الله، وما مصدرية، ظرفية، وأطاف كطاف بمعنى دار حول الشي، والمبس: حادي الإبل، وهو اسم فاعل من
[ ٥ / ٣٣ ]
أبسستُ الإبلَ، إذا زجرتها، والدهناء بالمدَ: موضع في بلاد تميم.
وأبو زُبيد اسمه: المنذر بن حرملة الطائي، قال أبو حاتم في كتاب "المعمرين" وابن قتيبة في كتاب "الشعراء" وغيرهما: عاش أبو زبيد مائة وخمسين سنة، وكان نصرانيًا، ومات على نصرانيته، واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على صدقات قومه، ولم يستعمل نصرانيًا غيره، وقد بسطنا الكلام في المسألة، والقصيدة وترجمته في شرح الشاهد الثاني والثمانين بعد المائتين من شواهد الرضى، وفي الشاهد الثمانين بعد المائتين منها.
وأنشد بعده:
ألا رجلٍ جزاهُ اللهُ خيرًا يدلُّ على محصلةٍ تبيتُ
على أنَّ قوله: "رجل" مجرور بمن، قال الصاغاني في "العباب": روي بالجر على تقدير مضاف، تقديره: ألا دلالة رجل، أي: ألا تحصلون لي دلالة رجل، ويدل على هذا المحذوف في البيت "يدلّ" لا على إضمار من، لما يلزمه من إعمال الجار محذوفًا مع كونه زائدًا. انتهى.
وقد أنشده المصنف في بحث "ألا" بالنصب، وشرحناه هناك في الإنشاد الثاني بعد المائة.
[ ٥ / ٣٤ ]
(لَوْ)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الأربعمائة:
ولو أنَّمَا أسعَى لأدنى معيشةٍ كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجدَ المؤثلَ أمثالي
على أنَّ "لو" يُفهم منها عدم وقوع الفعل، ولهذا يصح تعقيبه بحرف الاستدراك داخلًا على فعل الشرط إلى آخر ما ذكره، وقد بسط الكلام المصنف على هذا الشعر بما لا مزيد عليه في بحث الأشياء التي تحتاج إلى الرابط من الباب الرابع فأغنانا عن التكلم عليه، وهو من شواهد سيبويه ونذكر إن شاء الله ما يتعلق به هناك.
والبيتان من قصيدة طويلة لامرئ القيس تقدم شرح مطلعها في الإنشاد التاسع والسبعين بعد المائتين. وتقدم بعضها ايضًا في الباء المفردة، وبعضها في رب، وبعضها في قد، وبعضها في اللام المفردة، وهما آخر القصيدة.
قال ابن الأنباري في "شرح المفضليات" المؤثل: المجموع، ومنه قول امرئ القيس: ولكنما أسعى لمجد مؤثل .. البيت، وقال يعقوب بن السكيت، المؤثل: المثمر المثبت، يقال: قد تأثل فلان بأرض كذا، أي: ثبت فيها، وقال: قال أبو عبيدة: يقال: مجد مؤثل: قديم له أصل، والتأثل: اتخاذ أصل مال، والأثلة: الأصل، قال الأعشى:
ألستَ منتهيًا عن نحتِ أثلتنا ولستَ ضائرها ما أطت الإبلُ
[ ٥ / ٣٥ ]
انتهى. وقليل: فاعل كفاني، ومفعول لم أطلب محذوف تقديره: لم أطلب المجد المؤثل وهو الملك والسلطنة، فلا تنازع، وقال أبو عبد الله الحسن بن موسى الدينوري، والذي يقوي في نفسي، وما سبقني إليه أحد أن قوله: "ولم أطلب": ولم أسع، وهو غير متعد، فلذلك لم يحفل به، ولا أعمل الأول، ولا أدري كيف خفي على الأفاضل من أصحابنا حتى جعلوا البيت شاهدًا على إعمال الأول. انتهى. بقول: لو أن سعيي لاكتساب المال، لكفاني اليسير منه عن الجهد في الطلب، ولكنني ساع لطلب استرجاع المجد القديم، وإدراك الغاية، والأخذ بالثأر.
وقد أخذهما بعض الشّعراء وغير قافيته، أنشد أبو تمام في كتاب "مختار أشعار القائل" لخفاف بن الغضبن بن البراجم:
فلو أنَّما أسعَى لنفسي وحدها لزاد يسيرٍ أو ثيابٍ على جلدي
لأنتُ على نفسي وبلَّغَ حاجتي من المال مالٌ دونَ بعضِ الذي عندي
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ وكان أبي نال المكارم عن جدي
أنتُ على نفسي: رفقت بها، وأبقيت عليها. انتهى. وكذا أوردها الآمدي في كتاب "المؤتلف والمختلف" من أسماء الشعراء قال: ومنهم خُفاف بن غُضين بن حَزْن بن ديافي بن نفنف بن عمرو بن حنظلة البرجمي، وهو القائل:
ولو أنما أسعى لنفسي وحدها .. إلى آخر الأبيات الثلاثة.
وخفاف بضم الخاء المعجمة وخفة الفاءين كغراب، وغضين، بضم الغين وفتح الضاد المعجمتين على وزن المصغر. وشعر هذا الرجل أوضح معنى شعر امرئ القيس الذي فهمه البصرون، وفيه رد على الكوفيين في فهمهم معناه على خلاف مراده والله أعلم. وخفاف هذا أظنه جاهليًا والله أعلم به. روى الخالدي في "اختيار شعر مسلم بن الوليد" عن المفضل ابن محمد الضبي أنه قيل للفرزدق: أي بيت قالته العرب أحكم؟ قال: بيت امرئ القيس: ولكنما أسعى لمجد مؤثل .. البيت. قيل: فأيُّ بيت قالته العرب في الوصف أحسن؟ قال: بيت امرئ القيس:
[ ٥ / ٣٦ ]
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرِها العُنَّابُ والحشَفُ البالي
قيل: فأيُّ بيتٍ قالته العربُ أنسب؟ قال: بيت امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل
قيل: وأي بيت قالته العرب أجمع في وصف الفرس؟ قال: بيت امرئ القيس: له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تتفلِ
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد الأربعمائة:
فلو كان حمدٌ مخلِدَ الناسِ لم يمت ولكنَّ حمدَ الناسِ ليسَ بمخلدِ
لما تقدم قبله: والبيت من أواخر قصيدة لزهر بن أبي سلمى مدح بها هرم بن سنان المري، وبعده:
ولكن منه باقياتٍ وارثةً فأورِث بنيك بعضها وتزود
تزود إلى يوم الممات فإنه ولو كرهته النفس آخر موعد
يقول: لو أن الفعل المحمود يخلد صاحبه، لخلدك ولم تمت، ولكنه لا يخلد أحدًا، غير أنه منه ما يبقى ويتوارث، فيقوم مقام الحياة لصاحبه. فأورث بعض مكارمك ومحامدك، وتزود بعضها لما بعد موتك، فإنّ الموت موعد ولا بدَّ منه، وإن كرهته النفس، فينبغي أن تتزود له.
وهذا الشعر يدل على إقرار صاحبه بالحشر والجزاء وإن كان جاهليًا. وقد أخذ البيت الأول الأحوص الأنصاري فقال:
ولوْ كانَ بذلُ المالِ والعرفُ مخلِدًا من الناس إنسانًا لكنتَ المُخَلَّدا
[ ٥ / ٣٧ ]
وأخذه جرير أيضًا فقال:
فلو كانَ الخُلُودُ لفضلِ قومٍ على قومٍ لكان لنا الخُلُودُ
وزهير بن أبي سلمى جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الخمسين، ويأتي إن شاء الله بعض أبيات من هذه القصيدة في الباب الخامس.
وأنشد بعده:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهلِ بن شيبانا
وبعده:
إذنْ لقامض بنصري معشرٌ خُشُنٌ عِندَ الحفيظةِ إن ذُو لُوثَةٍ لانَا
لكن قومي وإن كانوا .. البيت.
وتقدم شرحها في بحث "إذن" في الإنشاد العشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الأربعمائة:
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دونِ رمسينا من الأرضِ سَبْسَبُ
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة لصوتِ صدى ليلى يهشُّ ويَطْرَبُ
على أنَّ لو فيه حرف شرط للاستقبال، وهو ظاهر. والبيتان آخر قصيدة لأبي صخر الهذلي، ومطلعها:
ألمَّ خيالٌ طارقٌ مُتَأوِّبُ لأمِّ حكيمٍ بعدَما نِمْتُ مُوصِبُ
[ ٥ / ٣٨ ]
وألمَّ: زارَ زيارةً خفيفةً، والطّارق: الذي يأتي ليلًا، والمتأوِّبُ: الرّاجع و"لأمِّ حكيم" متعلق بمحذوف صفة أخرى لخيال، وموصِب أيضًا وصف له، وهو اسم فاعل من أوصبه: إذا أمرضه، وبعد متعلّق بألمَّ.
وقوله: ولو تلتقي أصداؤنا: هو جمع صدى، وهو الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، والمراد: لو أنَّ إنسانًا رفع صوته باسمي، وآخر رفع صوته باسمها في موضع يرجع فيه الصّدى، التقى صديانا لظلَّ صدى صوت اسمي يهشّ لصدى صوت اسمها، ففي الموضعين الأوَّلين حذف مضاف، أي: ولو تلتقي أصداء أسمائنا، ولظلّ صدى صوت اسمي. وأما قوله: لصوت صدى ليلى، فلا حذف فيه، لكن فيه قلب، أي: لصدى صوت ليلى بقرينة ما قبله، والرّمس: القبر، أصله تراب القبر، والسَّبسّب كجعفر: القفر والمفازة، والرّمة بكسر الرّاء: العظم البالي، ورم العظم يرم من باب ضرب: إذا بلي، ويهشُّ مضارع هشَّ الرّجل هشاشة إذا تبسَم وارتاح من بابي تعب وضرب، والطّرب هنا: خفَّة تلحق لفرح. وأبو صخر الهذلي: اسمه عبد الله بن سالم السّهمي الهذلي شاعر إسلامي، تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الرّابع والسّبعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد الأربعمائة:
وَلَوْ أَنَّ ليْلى الأخيلية سلَّمَتْ عَلَيَّ وَدُوني جَنْدَلٌ وصَفَائِحُ
لَسَلَّمْتُ تَسْليمَ البشاشة أو زقا إليها صدىً مِنْ جانب القبر صائِحُ
لما تقدَّم قبله. والبيتان أوردهما أبو تمام في "الحماسة" لتوبة بن الحمير مع ثالث وهو:
[ ٥ / ٣٩ ]
وَأُغْبَطُ مِنْ ليلى بما لا أنالُهُ ألا كُلُّ ما قَرَّتُ بِهِ العينُ صالحُ
قال شارح "الحماسة" أمين الدين الطبرسي: الصفائح: الحجارة العراض تكون على القبور يقول: لو سلّمت عليّ وأنا ميت، وحال بيني وبينها صفائح القبر تسرّعت إلى جوابها مع بشاشة وطلاقة وجه، أو صاح لها صدى لي من داخل قبري بدل الجواب منّي، وهذا على اعتقادهم أنَّ عظام الموتى تصير أصداء وهامًا.
وقوله: وأغبط من ليلى .. إلخ، يقول: إني محسود منذ عرفت ليلى، وإن لم أنل منها مطلوبًا، ثمّ قال: ألا كل ما قرَّت به العين صالح، يريد: أني قرير العين بأن أذكر بها، وهذا القدر نافع، وإن تجرَّد عمَّا سواه. انتهى. وكذا أوردها ثلاثة أبيات القالي في "أماليه" عن ابن دريد، وقال أنشدنا ابن دريد: قال: أنشدنا الأشنانداني، عن التَّوَّزيِّ لطهمان بن عمرو من بني أبي بكر بن كلاب:
وَلَوْ أَنَّ لَيْلى الحارِثيَّةَ سَلَّمَتْ عَلَيَّ مُسَجَّى في الثِّيَابِ أسُوقٌ
حَنُوطي وَأَكْفاني لَدَيَّ مُعَدَّة وَلِلنَّفْسِ مِنْ قُرْبِ الوَفَاة شَهيقُ
إذًا لحَسِبْتُ الموْتَ يَتْرُكُني لهَا وَيفْرَجُ عَنِّي غَمُّهُ فَأُفيقُ
انتهى.
وأورد السكري هذه الأبيات الثلاثة في ضمن قصيدة طويلة لطهمان المذكور
[ ٥ / ٤٠ ]
قال: وزعم ابن غَّلاق أنها للفأفاء بن حيان بن عمرو بن كلاب، وأورد ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" البيتين الشّاهدين فقط، وقال: ويروي: لسلمت تسليم المحبّين. وكذا أوردهما السيّد المرتضى في "أماليه" وقال: قال محمَد بن يحيى الصولي: إنِّي لأحسب أبا حيَّة النّميري قد تبع توبة بن الحميّر في قوله:
حَدِيثٌ إذَا لمْ تخْشَ عَيْنًا كأنَّه إذا سَاقَطَتْهُ الشَّهْدُ بَلْ هُوَ أَطيبُ
لَوَ انَّكَ تَستَشْفي بهِ بعد سكرةٍ من الموتِ كادَتْ سكرَةُ الموتِ تذهبُ
وأوَّلُ من سبق إلى هذا المعنى فأحسن الأعشى في قوله:
لَوْ أَسْنَدَتْ ميْتًا إلى نَحْرِهَا عَاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قَابِرِ
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأوْا يَا عَجَبًا للمَيِّتِ النّاشِرِ
ومعنى النَّاشر: المنشور، يقال: أَنشر الله الميت، فنشر، وهو ناشر بمعنى منشور مثل ماء دافق، أي: مدفوق انتهى.
وليلى الأخيلية: هي بنت عبد الله بن كعب بن معاوية. ومعاوية هو الأخيل بن عبادة. وهي من أشعر النِّساء لا يُقدَّم عليها غيرُ الخنساء، وكان توبة بن الحمير يحبّها. ولمَّا قتل. رثته بمراث جيدة، قال ابن قتيبة وقوله: أَو، زقا بالزاء المعجمة والقاف.
قال صاحب "القاموس": زقا الصّدَىَ يزقو زقوًا صاح، كزقي يزقي زقيًا انتهى. والصَّدى: طائر قال ابن الأنباري في كتاب "الأضداد": كانت العرب تزعم أن عظام الميّت تجتمع، فتصير هامة، ثمَّ تطير، ويسمون الطّائر الَّذي يخرج منها الصّدى، وقيل: الصّدى ذكر البوم، قال توبة بن الحميِّر:
وَلَوْ أَنَّ لَيْلى الأَخْيلِيَّةَ البيتين. انتهى.
[ ٥ / ٤١ ]
وقال المبرّد في "الكامل" بعد قول النّمر بن تولب:
أعَاذِلُ إنْ يُصْبِحْ صَدَايَ بقَفْرةٍ بَعيدًا نآني صَاحبِي وَقَريني
الصَّدَى على ستَّة أوجه، أحدها: ما يبقى من الميِّت في قبرة. والصَّدى: الذَّكر من البوم، والصَّدى: حُشْوَةُ الرَّأس، يقال لذلك الهامة والصَّدى. وتأويل ذلك عند العرب في الجاهلية: أنَّ الرَّجل كان عندهم إذا قتل، فلم يدرك به الثَّار يخرج من رأسه طائر كالبومة - وهي الهامة، والذَّكر: الصّدى - فيصيح على قبره: اسقوني اسقوني، فإن قتل قاتله، كفّ ذلك الطّائر، قال ذو الإصبع:
يا عَمْرُو إنْ تَدَعْ شَتْمي وَمَنْقّصَتي أضرِبْكَ حتى تقولَ الهَامَةُ اسْقُوني
والصَّدَى: ما يرجع عليك من الصَّوت إذا كُنْتَ بمُتَّسَعٍ من الأرض، أو بقرب جبل، والصَّدأ مهموز: صدأ الحديد وما أشبه ذلك، والصَّدى مصدر الصَّدى وهو العطشان. انتهى باختصار. قال الوقشي فيما كتبه على "الكامل": قوله: الصَّدى على ستَّة أوجه المهموز أحد السِّتَّة، فالمقصور إنما هو خمسة، ذكر أبو عليّ القالي في "المقصور" الصَّدى: العطش، والصَّدى: الذي يجيب الصَّوت إذا كنت في بيت خال أو جبل، والصَّدى: طائر يقال له: ذكر البوم، وإنما سمّى صدى، لأنه يأوي القبور، فسمّي بصدى الميّت وهو بدنه. وقال ابن الأنباري: الصَّدى: طائر ليس بذكر البوم تتشاءم به العرب، ويزعم بعضهم أنَّه يجتمع من عظام الميِّت، والصَّدى أيضًا: العالم بالإبل بمصلحتها، والصَّدى أيضًا الضَّعيف الجسد عن أبي عبيد، والصَّدى أيضًا: السَّمع، يقال: صمّ صداه، وأصمَّ سالله صداه وهو السَّمع والدّماغ وحشو الرَّأس عن أبي زيد، وما ذكره أبو العبَّاس من الصَّدى المهموز فغلط أن يُعد مع هذه. انتهى كلامه.
وفسَّر الدَّماميني الصَّدى هنا بطائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم الجاهليَّة،
[ ٥ / ٤٢ ]
وفسَّره العيني، وتبعه السّيوطي بالذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها.
والبيتان من قصيدة اقتصرنا منها على ما اختاره أبو تمام، وقد ذكر جماعة لهذين البيتين حكاية عجيبة، منهم الجاحظ في كتاب "المحاسن والمساوئ"، ومنهم أبو عبيد البكري في كتاب "اللآلي" في شرح "أمالي القالي"، ومنهم الأصبهاني في كتاب "الأغاني". ومنهم المعافى بن زكريا في كتاب "الجليس والأنيس"، قال البكري: ومن غريب ما اتفق في أمر هذا الصّدى ما رواه أبو عبيدة من أنِّ ليلى الأخيلية مرّت مع زوجها في بعض نُجَعهم بالموضع الذي فيه قبر توبة، فقال لها زوجها: لا بدَّ أن أعرّج بك إلى قبر توبة بن الحميّر كي تسلِّمي عليه حتَّى أرى هل يُجيبك صداه كما زعم في قوله: ولو أنَّ ليلى الأخيليَّة سَلَّمَتْ. البيتين، فقالت: وما تريد من رِمَّة وأحجار؟ قال: لا بدَّ من ذلك، فعدل بها عن الطريق إلى القبر، وذلك في يوم قائظ، فلمَّا دنت راحلتها من القبر، ورفعت صوتها بالسّلام عليه إذا بطائر قد استظلَّ بحجارة القبر من فيح الهاجرة، فطار، فنفرَّ راحلتها، فوقصت بها فماتت، فدفنت إلى جنبه، انتهى. وقال الجاحظ: وكانت قطاةٌ مستظلَّة في نقب القبر، فلمَّا سمعت الصّوت، طارت، وصاحت، فنفر البعير، ورمى بليلي، فماتت، فدفنت إلى جنب قبر توبة. وقال صاحب "الأغاني": وكانت إلى جنب القبر بومة كامنة، وزاد صاحب "كتاب الجليس" بعد قوله: فدفنت إلى جانب قبره، فنبتت على قبره شجرة، وعلى قبرها شجرة، فطالتا، فالتفتا أقول: كيف يصحّ هذا مع قول أرباب التواريخ: إنها دفنت بساوة من بلاد العجم بعد ما كبرت وعجزت، وكانت تهاجي النَّابغة الجعدي. فهرب منها إلى خراسان، فهذبت خلفه، فلمَّا رجعت، ماتت في الطريق، قال المرزباني في أخبار ليلى الأخيليَّة وأشعارها، من كتاب "أشعار النِّساء" عند اجتماعها بالحجَّاج بن يوسف: روي عن أبي عمرو الشيباني أنَّ الحجَّاج قال لها: ما حاجتك؟ قالت: حاجتي أن تحملني إلى قتيبة بن مسلم إلى خراسان على البريد، فحملها فاستظرفها قتيبة، ووصلها، ثمَّ
[ ٥ / ٤٣ ]
رجعت، فماتت بساوة، فقبرها بها. وقال ابن قتيبة في ترجمة توبة بن الحميّر من كتاب "الشعراء": وسألت الحجاج أن يوفدها إلى قتيبة بن مسلم بخراسان، ففعل، فلما انصرفت، ماتت بساوة قبرها هناك. انتهى. وقيل: ماتت بالريّ. روى المرزباني عن الأصمعي أن الحجاج أمر لليلى بعشرة آلاف درهم، وقال لها: هل لكِ من حاجة؟ قالت: نعم أصلح الله الأمير، تحملني إلى ابن عمّي قتيبة بن مسلم وهو على خراسان يومئذ، فحملها إليه، فأجازها، وأقبلت راجعة تريد البادية، فلمّا كانت بالرّيّ، ماتت فقبرها هناك. انتهى. والله أعلم أيّ ذلك قد كان. وتقدَّمت ترجمة توبة بن الحمير في الإنشاد السابع والثمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس عشر بعد الأربعمائة:
لَا يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إلَّا مُظْهِرًا خُلُقَ الكِرِامِ وَلَوْ تَكُونُ عَدِيما
لما تقدَّم قبله من أن الفعل الذي بعد "لو" للاستقبال، وكذا أورده المرادي في "الجنى الاني"، وفي شرح الألفيّة وغيره. ولا يظهر لي معنى الاستقبال هنا. قال العيني: يقول: لا يجدك أحد من السائلين إلا وأنت تظهر لهم خلقًا جميلًا مثل أخلاق الكرماء، ولو كنت حالتئذ لا تملك شيئًا والاستشهاد في قوله: ولو تكون عديمًا فإنَّ "لو" فيه حرف شرط في المستقبل مع أنَّه لم يجزم، لكنَّه إذا دخل على الماضي يصرفه إلى المستقبل، وإذا وقع بعده مضارع، فهو مستقبل المعنى. هذا كلامه. وقال الكرماني في "شرح شواهد الموشح" قوله: ولو تكون عديمًا، أي: لو تكون عادمًا خلق الكرام، والمراد بالاستشهاد: أنَّ "لو" فيه بمعنى إن، والمضارع بعدها مستقبل، لأنَّ المعنى على الاستقبال. انتهى. وبهذا التأويل ظهر معنى الاستقبال. وأمّا تفسير عديم بالفقير كما فسَّره الدّماميني وغيره، فلا يُظْهِرُ معنى الاستقبال،
[ ٥ / ٤٤ ]
بل هو ماضي المعنى، وعديم: وصف من عدمته من باب: فرح: إذا فقدته، والرّاجوك أصله الرّاجون جمع، وبه روي أيضًا، فلما أضيف إلى الكاف، حذفت النّون، وروي أيضًا الرّاجيك بالإفراد، ومظهرًا مفعول لألفى بمعنى وجد على سبيل التفريغ، وخلق: مفعول مظهر، ولم أقف على تتمَّته، وعلى قائله. والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّابع عشر بعد الأربعمائة:
قومٌ إذا حارَبُوا شَدٌّ، امآزِرَهُمْ دُونَ النِّسَاءِ ولو باتتْ بِأَطْهَارِ
على أنَّ باتت متعيّن فيه معنى الاستقبال، ولو فيه بمعنى إن للشّرط في المستقبل، لأنَّ لو الوصليّة يكون شرطها مستقبلًا. قال المبرّد في "الكامل" قوله: ولو باتت بأطهار، أصلها في الكلام أن تدلّ على وقوع الشيء لوقوع غيره، تقول: لو جئتني، لأعطيتك، ولو كان زيد هنا لضربته، ثمَّ تتسعُ فتصير في معنى "إن" الواقعة للجزاء، تقول: أنت لا تُكرمني ولو أكرمتك، تريد: وإن، قال الله ﷿: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف/ ١٧]، فأمّا قوله ﷿: (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ) [آل عمران/ ٩١] فإنَّ تأويله عند أهل اللغة لا يقبل أن يتبرر به وهو مقيم على الكفر، ولا يقبل إن افتدى به، فـ "لو" في معنى إن. انتهى كلامه.
وتبعه ابن عصفور في "المقرّب" واعترضَ عليه ابن الحاج في نقد المقرّب، فقال قوله إنَّ "لو" تجيء بمعنى "إن" خطأ، والقاطع بذلك أنَّك لا تقول لو يقوم عمرو، فعمر منطلق كما تقول: إن لم يَقم زيد، فعمرو منطلق، فأمّا "ولو باتت بأطهار"، فنصَّ فيه المؤلّف على أنَّ لو فيه بمعنى إن، والفعل بعدها مستقبل، وليس ذلك بلازم، لأنَّ المعنى ليس على الاستقبال ولا بدَّ، فمبيت النّساء بأطهار يحقِّق المضي، وكذلك كفّهم عنهنّ، كأنه قال: ولو طهرت، لكان ذلك، وإنما مدحهم بأمر قد ثبت لهم، وتحقّق، ومضى من أفعالهم، ووجود إذا في البيت لا يخالف ما قلت،
[ ٥ / ٤٥ ]
لأنَّ الشَّاعر لم يقصد أنهم سيفعلون كذا، فإنَّ المدح بذلك تقصير، وإنما قصد أنهم على صفة ثابتة من شرف الهمَّة بحيث إنهم متى حاربوا، كفّوا عن النساء، وكلّ ذلك ماض من أفعالهم، وإنما وردت إذا هنا دون إذ لأنَّ إذا تعطي المادح أن هذه عادتهم المألوفة لهم ليس أنهم فعلوا ذلك مرّة واحدة في الدّنيا أو هذا كقولك: كنت عادتهم المألوفة لهم ليس أنهم فعلوا ذلك مرّ! ة واحدة في الدنيا أو هذا كقولك: كنت صابرًا إذا ضربت، وكان فلان جوادًا إذا سُئل، ثمَّ إني أقول إن صح: لو تكرمني غدًا أكرمتك، يكون قد صحَّ أنَّ ما بعدها يكون ماضيًا ومستقبلًا، فتكون لما سيقع لوقوع غيره، وليست في ذلك معارة معنى إن، ولا محمولة عليها. وذهب المبرّد في "الكامل" إلى أن "لو" بمعنى "إن" في (وَلَوِ افْتَدَى بِهِ) [آل عمران/ ٩١] وفي (وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف/ ١٧].
وفي: ولوْ خالَهسا تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمْ
وفي: وَلَوْ تَكَبَّسَ أوْ كانَ ابنَ أحْذارِ
وفي: ولَوْ قطَّعُوا رأسي لديك وأوصالي
والاستقبال في "ما" بعد "لو" في هذا ظاهر ومن كلامهم: "ادفع الشَّرَّ ولو كانَ أصبعا" و"التمس ولو خاتمًا من حديد" وإن لا تصلح هنا. وتجد "لو" تقع بين العامل والمعمول كثيرًا نحو: اضرب زيدًا ولو قاعدًا، واملأ الإناءَ ولو ماءً، واضرب ولو زيدًا، وليقم ولو بكر. ولا يجوز أن
[ ٥ / ٤٦ ]
تصلح هنا "إن" ولست أدري ألذلك معنى، أم مجرّد استعمال؟ والاستقبال في هذا ظاهر. وينظر في أجوبة "لو" في هذه الأشياء، وفي تحقيق معناها، فقد بقي عليّ في ذلك نظر. هذا آخر كلام ابن الحاج ونقلته من "تذكرة أبي حيّان".
والبيت آخر قصيدة للأخطل النّصراني، قال السكري جامع ديوانه: مدح بها يزيد بن معاوية، وهذا أوّل المديح:
إني حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ ومَا أضحى بمكةَ مِنْ حُجْبٍ وأستارِ
وبالهَديِّ إذَا احْمَرَّتْ مَذَارِعُهَا في يومِ نسكٍ وتشريقٍ وتنحارِ
وما بزمزمَ مِنْ شُمْطٍ مُحَلِّقَة وما بيثرِبَ مِنْ عُونٍ وأبْكارِ
لألجأتَني قُرَيْشٌ خائفًا وَجِلًا ومولتني قُرّيشٌ بَعْدَ إقتارِ
المنعمون بنو حربٍ وقد حدقت بيَ المنيةُ واستبطأتُ أنصاري
بهِمْ تكَشَّفُ عَنْ أحيَائها ظُلَمٌ حتى ترَفَّعَ عَنْ سمعٍ وأبصارِ
قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزرَهُمْ البيت
ومن أوّل القصيدة إلى ما ابتدأنا منه نسيب، وذكر خمر ونديم، ومنها:
وشاربٍ مُرْبِحٍ بالكأسِ نادمني لا بالحصورِ ولا فيها بسوارِ
نازعتُه طيِّبَ الراحِ الشمولِ وقد صاح الدجاجُ وحانت وقفةُ الساري
واستشهد به صاحب "الكشاف" على أنَّ الحصور هو الذي لا يدخلُ معهم في الميسر، لأنه كان عندهم من أفحش البخل. و"ربّ" مقدرة بعد الواو، والمربح: الذي يشتري الخمر بربح كأنه يجعل صاحبها رابحًا بأكثر مما تساوي، وإن شط بائعها في السوم، وقوله: لا بالحصور، أي: لا هو بالحصور، و"لا" ليست عاملة، ولهذا كررت، والباء تزاد في الخبر المنفي مطلقًا، وأخطأ خضر الموصلي في زعمه أنَّ "لا" عاملة عمل ليس بدليل زيادة الباء، وغفل عن أنها لا تعمل إلا في النكرة. وأنَّ الباء يجوز زيادتها قياسًا في كل خبر منفي. وسوار: معربد، من ساوره، إذا واثبه. ونازعته/ حاذيته، والدَّجاج هنا: الدّيك، والسَّاري: الذي يقوم سحرًا ليسير.
[ ٥ / ٤٧ ]
وقوله: إني حلفتُ بربّ الرّاقصات .. الخ. حلف الملعون هنا على طريقة المسلمين بذكر ما يتعلق بمكة المكرَّمة من النسُك تعظيمًا له، وهو إنما فعل هذا نفاقًا وتقربًا إلى ممدوحه، والراقصات: الإبل المسرعة، من الرقص - بفتحتين - وهي الخبب، ولا يوصف به غير الإبل، والهدي كغني: ما يهدي إلى مكة كالهدْي بسكون الدال، والمذارع بالذَّال المعجمة: قوائم الدابَّة، والنَّواجي، والنّسك: العبادة، واسم الذَّبيحة أيضًا. وأيام التشريق: أيَّامُ منى، والتشريق: تقديدُ اللَّحم. وتنحار: مصدر بمعنى النَّحر، وشمط: جمع أشمط: وهو الذي قد اختلط البياض بسواد شعر رأسه. والعون، جمع عوان: وهي المرأة الوسط.
وقوله: لألجأتني: هو جواب القسم، يقال ألجأت فلانًا، أي عصمته، ودافعت عنه، وأما لجأ بلا ألف، فهو بمعنى: لاذ، ويأتي ألجأه بمعنى اضطره، وليس بمراد هنا. وخائفًا: حال من الياء، ومؤلتني: جعلتني ذا مال، والإقتار: الفقر. قال السكري: حدق يحدقُ حُدُوقًا، وأحْدَقَ إحدَاقًا. وقوله: شدُّوا مآزرهم: كناية عن ترك الجماع، فإنَّ المئزر وهو الإزار إنما يحلٌّ عند إرادة الجماع، وقوله: ولو باتت بأطهار. قال المبرّد: معناه أنَّه يجتنبها في طهرها، وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه، وأهل الحجاز يرون أنَّ الأقراء الطّهر، وأهل العراق يرونه الحيض، وأهل المدينة يجعلون عدد النساء الأطهار يحتجون بقول الأعشى:
وفي كُلّ عامٍ أنتَ جاشِمُ غَزْوَة تَشُدُّ لأقصاهَا عَزِيمَ عزائِكَا
مُوَرِّثَةً مالًا وفي الأصلِ رِفْعَةً لما ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
انتهى. قال أبو جعفر: القرء في اللغة: اسم للوقت، فاحتمل أن يقع على وقت الطّهر، وعلى وقت الحيض، وأهل العراق يتأوَّلون قول الأعشى على أنَه أراد قد ضاع وقت نسائك في جماعك. انتهى.
وقال المبرّد: يكتب صاحب اليمن إلى عبد الملك في وقت محاربته ابن الأشعث: إني قد وجّهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتُها بمال عظيم، ولم يُر مثلها، فلمَّا دخل
[ ٥ / ٤٨ ]
بها عليه، رأى وجهًا جميلًا وخلقًا نبيلًا، فألقى إليها قضيبًا كان في يده، فنكّست لتأخذه، فرأى منها جسمًا بهره، فلمّا همَّ بها، أعلمه الأذن أنَّ رسول الحجّاج بالباب، فأذِنَ له، ونحّى الجارية، وأعطاه كتابًا من عبد الرحمن. فكتب إليه عبد الملك جوابه، ثم ثاب يقلّب كفَّ الجارية، ويقول: ما أفدتُ فائدةً أحبَّ إليَّ منكِ، فتقول: فما بالك، وما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما قاله الأخطل لأني إن خرجت منه. كنت الأمَ العرب:
قومٌ إذا حاربُوا شدُّوا مآزِرَهُمْ دونَ النساءِ ولو باتت بأطهارِ
فما إليك سبيلٌ، أو يحكُم اللهُ بيننا وبين عدوِّ اللهِ عبدِ الرحمن بن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن. انتهى باختصار.
وأصل قولِ الأخطل من الحُطَيئة، فإنّه قال:
إذا هَمَّ بالأعداءِ لم يثنِ همَّه كَعَابٌ عليها لؤلؤ وشفوف
حصان لها في البيت زيٌّ وبهجةٌ ومشيٌ كما تمشِي القطاةٌ قطوفٌ
ومثلُهُ قولُ كثير عزَّة:
إذا ما أرادَ الغزوَ لم يثنِ همَّهُ حصانٌ عليهَا عِقْدُ دُرٍّ يزينُها
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثَّامن عشر بعد الأربعمائة:
أَرَى وأسمَعُ ما لو يسمَعُ الفِيلُ
على أنَّ المراد من المضارع هنا المضيّ، لأنَّ المقصود فرض سماعه الآن. وهذا المصراعُ من قصيدة كعب بن زهير المشهورة بـ "بانت سعاد" مدح بها
[ ٥ / ٤٩ ]
النبيَّ ﷺ، وقد تقدَّم بيت منها مع خبر القصيدة في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة، وصدره:
لقدْ أقومُ مقامًا لو يقُوُم بهِ أرى وأسمَعُ ما لو يسمَعُ الفِيلُ
لظَلَّ يُرْعَدُ إلا أنِ يكونَ لهُ منَ الرسولِ بإذنِ اللهِ تنويلُ
وهذا التفات من خطاب الرسول ﷺ إلى الإخبار عن نفسه، وإظهار مقدار ما في قلبه من خوفه من النبي ﷺ إذ كان أهدر دمه. ومقام: ظرف مكان، وجملة "لو يقوم" صفة له، والباء بمعنى في متعلق بيقوم، وأبى مع فاعله المستتر، ومفعوله المحذوف، أي: أرى ما لو يراه الفيل: حالٌ من ضمير "أقوم". وقوله: لظلّ يرعد. جوابٌ لـ "لو" الأولى وهو دال على جواب "لو" الثانية المقدَّرة في صلة معمول أرى، ولو الثالثة الواقعة في صلة مفعول أسمع، والفيل فاعل ليقوم، أو يسمع على التنازع، وليس بين أرى وأسمع تنازع في المفعول، وهو: ما لو يسمع، إذ ليس المراد: أرى ما لو يسمعه الفيل: بل المراد: أرى ما لو رآه الفيل، لظلَّ يُرعدُ، وأسمع ما لو سمعه، لظلَّ يرعد. ويُرعد بالبناء للمفعول، يقال: أرعد فلان إذا أخذته الرِّعدة، والمضارع يقتضي تجدُّد الفعل ودوامه، والتنويل: العطاء، والمراد به الأمان، والعفو عنه، وخصَّ الفيل تهويلًا وتعظيمًا لقوَّته وضخم جسمه وعظم اسمه. وأقوم في موضع الماضي، والتقدير: لقد قمتُ مقامًا صفتُه كذا.
حتى وضعتُ يميني لا أنازِعُهُ
ليتناسب أطرافُ الكلام، فيكون الفعلُ وغايتُه من نوع واحد.
[ ٥ / ٥٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد الأربعمائة:
ما كان ضركَ لو مننتَ ورُبَّما مَنَّ الفتى وهوَ المغيظُ المُحنَقُ
على أن لو فيه مصدرية، فتكون من مننت في تأويل المنَ. قال الدماميني: ولو مننت يحتمل أن يكون اسم كان، وضرك خبرها، أي: ما كان مَنُّك، فترك على ما هو الأصح من جواز تقديم الخبر الفعلي على الاسم في هذا الباب، ويحتمل أن يكون فاعلًا بضرك، والجملة خبر كان، واسمها ضمير شأن. انتهى كلامه. وهو مبنيّ على أنَّ ما نافية، ويجوز أن تكون استفهاميّة محلّها الرّفع على الابتداء، وفي كلّ من كان وضرّك ضميرُ ما، وجملة ضرّك خبر كان، وجملة كان ضرّك خبرُ ما، ولو مننت في تأويل مصدر مجرور بالباء السببيَّة، والتقدير: أي شيء كان ضرّك بسبب المن عليه؟ والاستفهام إنكاريّ، ولم يذكر شرَاح "الحماسة" في هذا البيت شيئًا غير الطبرسي، فإنَّ كلامه أشعر بأنَّ ما استفهامية، والعيني لم يذكر إلا كونها استفهامية، ولم يبين موقع المصدر المؤول من الإعراب، وقد خلط في "لو" فجعلها شرطيَّة ومصدرية معًا، ولم يقل بهذا أحد، قال: ما استفهامية مبتدأ و"كان ضرّك" في محل الرفع على الخبرية، واسم كان مستتر فيه، وضرك خبره، ولو للشرط، ومننت فعل الشرط، وصدر الكلام أغنى عن جواب لو، والاستشهاد فيه أنَّ لو ههنا مصدرية، والشرط فيها أن يصلح موضعها "أنْ" المصدرية، والتقدير: وما كان ضرّك المنَ عليه. هذا تقديره.
وجوَّز بعض مشايخنا أن تكون كان زائدة على الاستفهام، والتقدير: ما ضرك في المن، وعلى النفي تكون غير زائدة، أي: ما كان ضارًا لك فيه. هذا كلامه. وقد تكلَّم على هذا البيت أبو علي الفارسي في كتاب "إيضاح الشعر" ولم يجوز كون لو مصدرية سواء كانت ما استفهامية أو نفيًا لعدم السابك، وجوَّز أن تكون همزة الاستفهام سابكة دونها، لأنها ليست حرف مصدر عنده.
[ ٥ / ٥١ ]
فقول ابن مالك في "شرح التسهيل" وتبعه المصنّف وغيرُه أنَّ ممّن ذهب إلى مصدريَّة "لو" أبا عليّ فيه نظر، وهذا كلام أبي علي في ذلك الكتاب نقلناه برُمّته لفوائده:
ما يضُرُّ البحرَ أمسَى زَاخِرًا أن رَمَى فيهِ غُلامٌ بحَجَرْ
القول في فاعل يضرّ أنَّه يحتمل أن يكون أحد شيئين، أحدهما: أن تجعل ما استفهامًا، فيصير في يضر ضميرها، ويكون "أن رمى" في موضع نصب على هذا؛ فيكون التقدير: بأن رمى فيه، كأنه قال: أي شيء يضر بالبحر يرمي غلام فيه بالحجر؟ ويجوز أن تجعل ما نفيًا، فيصير موضع "أن رمى" رفعًا بأنَه فاعل تقديره: ما يضرّ البحر رَمْيٌ غلامٍ فيه بحجر، ومن ذلك قوله:
مَا ضرَّ تَغْلِبَ وائلٍ أهُجَوتَهَا أمْ بُلْتَ حيث تناطحَ البحرانِ
إن جعلتَ ما استفهامًا صار في "ضرّ" ذكر يكون فاعل ضرّ، وعائد إلى المبتدأ كقولها "مَا كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ .. البيت". فكما أنَّ فاعل ضرّك في هذا البيت في المعنى ما يعود إلى ما؛ كذلك يكون قوله: ما ضرّ تغلب وائل: أيّ شيء ضرّها؟ وهذا هو الوجه. فإن قلتَ: فهل يجوزُ أن أجعل ما نفيًا في قوله: ما ضرّ تغلب وائل؟ فإنَّك إن جعلتها كذلك لم يكن للفعل فاعل، فإن قلت: أجعل الفاعل فيه أحد شيئين، أحدهما: أني إذا قلت: "ما ضرّ" دلَّ الفعل على المصدر، فأجعل الفاعل ضمير المصدر، فيكون التقدير: ما ضرّها ضرَ أو ضير، لأنه بمعنى الضرّ، وقد قال: لا ضير، بمنزلة: قيل فيه قول، وذهب به مذهب، ويكون قوله: "أهجوتها أم بلتَ حيث تناطح البحران" اتّصاله بالكلام على المعنى كأنه يريد: هجوك لها وقولك في هذا المكان سواء في أنهما لا يضرّانِها، ويقوي ذلك أنّه ليس باستفهام، ألا ترى أنّه ليس يستفهمه عن ذلك! ومثل هذا في تأويل قول سيبويه قول الشّاعر:
فَقُلتُ تحَمَّلْ فوقَ طوقِكَ إنها مُطبَّعة مَنْ يأتِهَا لا يضِيرُهَا
[ ٥ / ٥٢ ]
إلا أنَّ الفاعِل لا يكون إلَّا ما دلَّ عليه يضيرها، لأنه ليس في الكلام ما يجوز أن يكون فاعلًا غير ذلك. والآخر أن يكون الكلام محمولًا على المعنى، فيكون الفاعل ما دلَّ عليه: أهجوتها أم بلت، كأنّه قال: ما ضرَّ تغلب وائل هجاؤك وبولك بهذا المكان. وحسن تجويز ذلك أنَّ ما ذكرنا من هذين الاسمين قد تعاقبا لفظ الاستفهام، فجاء (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [المنافقون/ ٦] فما دخلت عليه الهمزة وأم في موضع خبر المبتدأ، فكما كان هذان الاسمان في موضع خبر المبتدأ كذلك يجوز أن يكونا فاعلين في هذه المواضع، ويحمل الكلام على المعنى. وإن شئت جوزتَ في قولها: "ما كان ضرك لو مننت" أن تكون ما نافية، فأضمرت في الفعل الضُّرّ، ولا يستقيم أن تجعل لمن الذي دلَّ عليه قولها لو مننت الفاعل كما استقام ذلك في همزة الاستفهام وأم، ألا ترى أنّه ليس في "لو" ما في الهمزة و"أم" من معاقبة الاسمين بعد لو كما تعاقبا بعد سواء. هذا آخر كلام أبي علي.
ومقتضاه أن لو شرطيَّة وجوابها محذوف دلَّ عليه ما قبلها ولا مانع منه.
والبيت أحد عشرة أبيات لقتيلة بنتِ النّضر بن الحارث رثت بها أباها النّضر، وعاتبت النبي ﷺ في قتله، ولم يُطلقه بفدية، وكان أسر ببدر، وقتل بعد الوقعة. قال ابن هشام، في "السيرة" النّضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مَناف قتله عليَّ بن أبي طالب صبرًا عند رسول الله ﷺ بالصَّفراء. قال ابن هشام: بالأُثَيْل، ويقال: النّضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف. انتهى. وقد أورد أصحاب السير أبياتها في كتبهم، ولم يصب ابن هشام في قوله: قتيلة بنت الحارث أخت النّضر بن الحارث، قال السَهيلي: الصَّحيح أنها بنت النّضر لا أخته، كذلك قال الزبير وغيره، وكذلك وقع في كتاب "الدلائل".
وقتيلة هذه كانت تحت الحارث بن أمية الأصغر، فهي جدة الثريا بنت عبد الله
[ ٥ / ٥٣ ]
ابن الحارث التي يقول فيها عمر بن أبي ربيعة حين خطبها سهيل بن عبد الرحمن ابن عوف:
أَيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يلتقيانِ
هِيّ شاميةٌ إذَا مَا استقلتْ وسُهَيْلٌ إذا استقلَّ يماني
ورهط الثريا هذه يُقال لهم العبلات، لأنَّ أمَّهم عبلة بنت عبيد بن جاذب انتهى.
وقد أورد أبو تمام الأبيات في باب الرثاء، وأسقط منها بيتين، ونسبها لقتيلة بنت النضر على الصَّواب، وهذه روايتها من يسرة ابن هشام:
يا راكِبًا إنَّ الأُثيلَ مظنَّةٌ مِنْ صُبْحِ خامسة وأنتَ موفقُ
أبلغ بها ميتًا بأن تحيةً ما إن تزالُ بها النجائب تخفِقُ
مني إليهِ وعَبْرَةً مسفوحةً جادَتْ بواكِفِها وأخرَى تخنُقُ
هل يسمعنَّ النَّضْرُ إن ناديتُهُ أم كيفَ يسمعُ ميتٌ لا ينطِقُ
أمُحمَّدٌ ولأنتَ ضِنءُ كريمةٍ في قومِها والفحل فحلٌ معرِقُ
ما كانَ ضرَّكَ لو مننتَ وربما مَنَّ الفتى وهو المغيظُ المُحنّقُ
أو كنتَ قابلَ فِديةٍ فلينفقنْ بأعزِّ ما يغلُو بِهِ ما يُنفَقُ
فالنَّضرُ أقربُ مَنْ أسرْتض قرابةً وأحقُّهُمْ إنْ كانَ عتقٌ يُعتَقُ
ظلت سيوفُ بني أبيه تنوشُهُ للهِ أرحامٌ هناكَ تشقَّقُ
صبرًا يقاد إلى المنية مُتعبًا رسف المقيدِ وهو عانٍ موثَقُ
قال ابن هشام: ويقال - والله أعلم - إنَّ رسول الله ﷺ، لما بلغه هذا الشّعر قال: "لو بلغني هذا قبل قتله، لمننتُ عليه" انتهى.
[ ٥ / ٥٤ ]
وقال شرّاح "الحماسة": كان رسول الله ﷺ تأذّى به، فقتله صبرًا، وكان من جملة أذاه أنَّه كان يقرأ الكتب في أخبار العجم على العرب، ويقول: محمّد يأتيكم بأخبار عاد وثمود، وأنا أنبئكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة، يريد ذلك القدحّ في نبوته، وأنه إن جاز أن يكون بذلك نبيًا، فإني قد أتيتُ بمثلها.
وذكر ابن عباس في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [لقمان/ ٦] أنها نزلت في النّضر بن الحارث الدَّاري، كان يشتري كتب الأعاجم، فارس والروم، وكتب أهل الحيرة فيحدّث بها أهل مكّة. وقتيلة لما جاءت إلى النبي، ﷺ، وأنشدته الأبيات رق لها وبكى، وقال: لو جئتني م نقبل قتله، لعفوتُ عنه، ثمَّ قال: "لا تقتل قريش بعد هذا صبرًا". انتهى.
والأُثَيْل: على وزن مصغر الأثل: موضع بالصفراء فيه قبر النّضر بن الحارث، والصفراء: قرية فوق ينبغ كثيرة المزارع والنخل، ماؤها عيون، يجري فضلها إلى ينبع، وبين ينبع والمدينة ست مراحل، والصفراء: على يومين من جبل رضوى، كذا في "معجم ما استعجم" للبكري. ومظنَّة: موضع الظن، وقولها: من صبح خامسة، تريد: من السير الذي آخره صبح خامس ليلة، وقولها: وأنت موفق، أي: وفقت بإصابة الجادة ولم تخرجِ عنها، وتخفق: تضطرب وتتحرك بشدة، ومنّي: متعلق بمحذوف صفة لتحيّة، والعبرة: الدَّمعة، والمسفوحة: المصبوبة. وقوله: وأخرى تخنق، أي: وعبرة أخرى قد خنقتني، ولم توجد بعد، و"أم" للإضراب. وقولها: أمحمد ولأنت، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": هذا على مذهب سيبويه، أعني تبقية الضمة في المادى مع التنوين اللاحق اضطرارًا، كقوله:
سلامُ اللهِ يا مطرٌ عليهَا
[ ٥ / ٥٥ ]
وقياسه عند عيسى بن عمر: أمحمدًا بالنصب، ومثال هذا مما نون اضطرارًا والحركة قبل التنوين حركة بناء لا حركة إعراب ما رواه يونس في قول الشاعر:
لا نسبَ اليومض ولا خُلَّةً البيت
من أنَّ التنوين في خلّة إنما دخل اضطرارًا لإقامة الوزن، وأنه إنما أراد: ولا خلة، فنون اضطرارًا، فكما أن ضمّة يا مطر بناء، فكذلك فتحة تاء: ولا خلةَ فتحة بناء. انتهى.
ورواه السهيلي: "أمحمدا" بألف، وقال: قال قاسم: أرادت: يا محمداه على الندبة، قال: والضَّنءُ: الولد، والضنءُ الأصل، يُقال: ضنأَت المرأة، وأضنأت، وضنت تضنو: إذا ولدت. انتهى. وروي: "أمحمد ها أنت". وها للتنبيه دخلت على الجملة الاسمية، والضنء بفتح الضاد المعجمة وكسرها وسكون النون بعدها همزة، وتريد بالفحل: الأب، والمعنى: أنت كريم الطرفين، عريق من الجهتين. وقولها: ما كان ضرّك .. إلخ، من مَنّ عليه بالعتق من باب قتل، أي: أنعم عليه به، وربما للتقليل، والمغيظ: اسم مفعول من الغيظ، قال صاحب "المصباح": الغيظ الغضب المحيط بالكبد، وهو أشدّ من الحنق، وفي التنزيل (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) [آل عمران/ ١١٩] وهو مصدر غاظه الأمر، والمحنق: اسم مفعول من أحنقته: إذا غظته، وحَنِقَ من باب تعب: اغتاظ. وقولها: لله أرحام .. إلخ كالمستعطفة والمتعجبة. لله أرحام وقرابات في ذلك المكان قطعت، فاللام للتعجب، وإذا عظموا شيئا نسبوه إلى الله تفخيمًا لأمره، وقولها: صبرًا يقاد .. إلخ في "المصباح": قتلته صبرًا. كل ذي روح يوثق حتى يقتل، فقد قتل صبرًا، ورسف في قيده رسفًا من بابي ضرب وقتل: إذا مشى فيه، والعاني: الأسير، وقتيلة: بضم القاف وفتح المثناة الفوقية: علم منقول من مصغر القتل.
[ ٥ / ٥٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الأربعمائة:
ورُبَّما فاتَ قومًا جُلُّ أمرِهِمُ مِنَ التأنِّي وكانَ الحزمُ لو عجِلُوا
على أنَّ لو فيه أيضًا مصدريّة، وكذا في "شرح التسهيل" فيكون الحزم اسم كان، ولو عجلوا في تأويل مصدر منصوب يكون خبرها، والتقدير: وكان الحزم عجلتهم، ولا يجوز جعل "لو" هنا شرطية لعدم دليل الجواب. فلو قدرت خبرًا لكان، وقلت: لو عجلوا، لكان الحزم خيرًا لهم، فلا يصح، نعم لو نصب الحزم خبرًا لكان، وقيل: لو عجلوا لكان حزمًا لهم، أي: لكان أمرهم حزمًا، صحّ. وقال الدماميني: والمختار نصب الحزم على أنه خبر كان. ولو عجلوا اسمها، لأنَّ الحرف المصدري المقدر بمعرف يحكم له بحكم الضمير، ولهذا قرأ السبعة (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا) [الجاثية/ ٢٥] (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا) [العنكبوت/ ٢٤] بنصب الأول والرفع ضعيف لضعف الإخبار بالضمير عما هو دونه في التعريف، نص المصنف على ذلك في أول الباب الرابع. انتهى.
وفي كلامه نظر من وجهين، وفي كلام المصنف نظر من وجوه: أما الذي في كلامه، فهو أنه قال: المختار نصب الحزم، فإنه يشعر أنه روي بالوجهين، والرواية إنما هي برفع الحزم. والثاني: أنه حكم للمصدر المؤول من لو والفعل بذلك، والمصنف إنما خصه بأنْ وأنّ دون ما وكي ولو، قال هناك: واعلم أنهم حكموا لأن وأنَّ المقدرتين بمصدر معرّف حكموا بحكم الضمير، لأنه لا يوصف كما أنَّ الضمير كذلك، فلهذا قرأت السبعة إلى آخر ما ذكره الدماميني، لكن قد وقع للمصنف في النوع الثاني من الجهة السادسة من الباب الخامس في الرد على أبي البقاء
[ ٥ / ٥٧ ]
أنه قال: والحرف المصدري صلته في نحو ذلك معرفة فلا يقع صفة للنكرة، ولم يخصصه بأن وأنّ. وأما ما ذكره المصنف، ففيه أولًا إخبار بخلاف الواقع، فإنَّ النحويين يؤولون الحرف المصدري مع الفعل المسند إلى الضمير تارة بمصدر معرفة مطلقًا، وتارة بمصدر نكرة بحسب الاقتضاء، قال ابن جنبي في "الخاطريات": قال أبو الحسن في قول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة/ ١١٣] يقول: وما كان لهم استغفار للمشركين، وقال: (مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [يونس/ ١٠٠] أي: ما كان لهم الإيمان إلا بإذن الله، ففسر أبو الحسن: "أن يستغفروا" بالنكرة التي هي استغفار، وفسر "أن تؤمن" بالمعرفة التي هي الإيمان أخذ بالأمرين جميعًا، وذلك أن أبا الحسن كان يجيز أن يكون أن وصلتها الفعل المنصوب بها نكرة، كما تجيز الجماعة أن يكون معرفة، فقلت لأبي علي يومًا: قد وجد هذا الذي أجازه أبو الحسن من تنكير أن الموصولة في شعر امرئ القيس:
فدمعُهمَا سَحٌّ وسكبٌ وديمةٌ وَرَشٌّ وتوكافٌ وتنهمِلانِ
أي: وانهمال، ألا ترى أن جميع ما قبله من المصادر نكرة وأصله: وأن تنهملا، ثم لما حذف أن رفع الفعل، كقوله:
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحضُرُ الوَغَى
فرضي بذلك، وقبله، ودلني شاهد حاله حينئذ على أنه ما كان وقع له هو ذلك فيما قبل. ولما كان الاستغفار للمشركين محظورًا نكر المصدر الدال عليه تحقيرًا لشأنه، ولما كان الإيمان مما يرغب فيه ويُرجى، عرَّف المصدر الدال عليه تفخيمًا. انتهى كلام ابن جني. وفيه تصريح بجواز التأويل بنكرة وبمعرفة باللام، وبموافقة أبي علي وابن جني لأبي الحسن، وبحكاية ابن جني عن النحويين جواز التأويل بالمعرفة مطلقًا
[ ٥ / ٥٨ ]
بقوله: كما تجيز الجماعة أن يكون معرفة، وهذا كان سندًا لما قلنا. وقد أول البيضاوي في بعض الآيات بنكرة، قال في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى) [يونس/ ٣٧] قال: أي: افتراء من الخلق والمصنف نفسه أول الآية كذا في الرابع من الجهة الثانية من الباب الخامس من هذا الكتاب، وفي باب كان وما جرى مجراها من الباب الخامس أيضًا في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) [الشورى/ ٥١] أول قوله تعالى: (أو يرسل) بقوله: أو إرسالًا.
الوجه الثاني: أنه لا يلزم من كونه لا يوصف أن يكون بمنزلة الضمير طردًا وعكسًا فإن "اللهم" لا يوصف، وليس هو بمنزلة الضمير، والمضاف إلى الضمير في مرتبة الضمير، مع أنه يوصف، وإنما لم يوصف المصدر المؤول من الحرف والفعل، لأن لفظه مانع منه، لكونه مركبًا من حرف وفعل، ومثله لا يوصف.
الوجه الثالث: أنَّ اتفاق السبعة على النصب ليس لأجل أن في الرفع ضعف الإخبار بالضمير عما دونه، بل إنما اتفقوا عليه، لأن المعنى عليه، لأن القول المذكور مقرر، والمتنازع فيه إنما هو الحجية، فلا يصح فيه إلا الخبرية. كما لا يخفى على من له بصيرة، فإنه إنما يراعي في الإخبار جعل المقصود بالإفادة خبرًا. سواء كان أعلى أو أدنى، أو مساويًا، تقول لمن قال لك: من هذا الرَّجل منك؟ الرجل ابني، فتخبر بالأعلى بغير تردد، ولو عكست لم يصحّ كما قرره النّحاة، وأهل المعاني.
الوجه الرَّابع: أنهم صرحوا بأنَّ المضاف في رتبة المضاف إليه، فالمضاف إلى الضمير في مرتبته، فتساويا، فإن أبيت إلا أنه دونه لاكتسابه التعريف منه، فهذا أيضًا كذلك، وما المانع من الإخبار عنه بما هو في رتبته. لا سيما وقد جوزوا في النواسخ الإخبار بالمعرفة عن النكرة فكيف بما انحطت رتبته. قال الرضى في باب كان: واعلم أنه يخبر في هذا الباب عن النكرة المحضة، ولا يطلب التخصيص مع حصول الفائدة، وقد يخبر في هذا الباب، وفي باب أنَّ بمعرفة عن نكرة، ولم يجز ذلك في باب
[ ٥ / ٥٩ ]
المبتدأ والخبر للإلباس لاتفاق إعرابي الجزءين هناك، واختلافهما هنا، وقال الزمخشري: لا يخبر ههنا عن نكرة بمعرفة، إلا ضرورة، وقال ابن مالك: بل يجوز ذلك اختيارًا، ولا خلاف عند من يجوزه اختيارًا أيضًا أن الأولى جعل المعرفة اسمًا والنكرة خبرًا، ألا ترى أنهم قالوا: إنّ "أن" أولى بالاسمية بما تقدم في نحو قوله تعالى: (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا) [الجاثية/ ٢٥] مع كونهما معرفتين. انتهى المراد منه باختصار.
الوجه الخامس: قال الدماميني قوله المقدرتين بمصدر معرف يقتضي أنهما لو كانتا مقدرتين بمصدر منكر لم يثبت لهما حكم الضمير، فيجوز وصفهما كما إذا قيل: أعجبني ما صنع رجل حسن، على أن تجعل الصفة للمصدر المقدر، أي: صنع رجل حسن، وفي جواز مثله نظر، فتأمله. انتهى.
وقول الشاعر: وربما فات قومًا .. إلخ "ربما" هنا يحتمل أن تكون لإنشاء التكثير، ويحتمل أن تكون للتقليل، والراجح الأول، لأن البيت في ذم التأني، ومدح العجلة، وفات: سبق، وجلّ الشيء بالضم: معظمه. وروي بدله بعض، والتأني: مصدر تأنّي في الأمر: تمكّث، ولم يعجل، و"من" للتعليل، والحزم: التيقظ، وإتقان الأمر وضبطه، مصدر حزم رأيه من باب ضرب: إذا أتقنه. والبيت لم أعرف قائله، ولا تتمته، وقد نسبه المصنف إلى الأعشى، وليس له شعر على هذا الوزن والرَّويّ إلا قصيدته التي مطلعها:
ودَّعْ هريرةَ إنَّ الركبَ مُرْتحِلُ وهلْ تُطيقُ وداعًا أيُّها الرجلُ
وليس فيها هذا البيت.
وقال السيوطي: هو من قصيدة للقطامي مطلعها:
إنا محيوكَ فاسلَمْ أيُّهَا الطَّلَلُ وإن بلِيتَ وإنْ طالتْ بِكَ الطِّيَلُ
إلى أن قال:
والعيشُ لا عيشَ إلا ما تقرُّ بِهِ .. عينٌ ولا حالَ إلَّا سوفَ تنتقِلُ
[ ٥ / ٦٠ ]
والنَّاسُ مَنْ يلقَ خيرًا قائلُونَ لَه ما يشتهِي ولأمِّ المُخطيءِ الهَبَلُ
قد يُدرِكُ المُتَأنِّي بعضَ حاجتَه .. وقد يكونُ معَ المستعجِلِ الزَّلَلُ
وربما فاتَ قومًا جلُّ أمرهمُ البيت.
وقد راجعت ديوان القطامي، فلم أجد البيت في هذه القصيدة، ولا في غيرها من شعره، وقد أورد السيد المرتضى هذه القصيدة في أماليه "الدّرر والغرر" وليس فيها هذا البيت، وقال ابن قتيبة في ترجمة القطامي من كتاب "الشّعراء": ومما يتمثل من هذه القصيدة بقوله:
قد يَدرِكُ المتأني .. البيت.
ولو كان ذلك البيت منها لذكره معه كما أنشد بيتين معًا مما يتمثل منها، ولا شكّ في أنَّ البيت لغير القطامي، فإنَّه في ذم التأني، وبيت القطامي الذي هو قد يدرك المتأني بعض حاجته في مدحه، وهما متباينان. ومما يشهد لما قلنا أن ابن أبي الإصبع أوردهما في باب العكس والتبديل من "تحرير التحبير" قال: وهو أن يأتي الشاعر إلى معنى لنفسه أو لغيره فيعكسه، إلى أن قال: ومن هذ االقسم قول القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته .. البيت، فعكسه غيره فقال:
وربما فاتَ بعض القومِ أمرهُمُ مع التأني وكانَ الحزمُ لَوْ عِجِلُوا
انتهى.
ومما يشهد أيضًا ما حكاه الصّفدي في "شرح رسالة ابن زيدون الجمهورية" عند قول عديّ بن زيد العبادي:
قد يُدركُ المبطئ من حظِّه والحينُ قد يسبِقُ جُهْد الحريص
قال: وبمعناه قول القطامي:
قد يدركُ المتأني بعضَ حاجَتِهِ البيت
[ ٥ / ٦١ ]
وسمعه أعرابيّ، فقال: هذا يثبط الناس، هلا قال بعده:
وربما ضرَّ بعضُ الناسِ بُطؤُهُمُ وكان خيرًا لهم لو أنهمْ عَجِلُوا
فلو كان البيت الشاهد بعد البيت القطامي من قصيدته ما صح استدراك ذلك الأعرابي عليه بالبيت المذكور، لأنه بمعناه، أو هو بعينه، لكن غيرت كلماته. ثم قال الصفدي: وعكس بشار بن برد قول القطامي فقال:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهجُ
واختصره سلم الخاسر وجوَّدَ فقال:
من راقب الناس مات غمًا وفاز باللذةِ الجسُورُ
انتهى. وقال ابن عبد ربه في "العقد الفريد" في فصل الرفق والأناة، قال النبي صلى االله عليه وسلم: "من أوتيّ حظَّهٌ من الرفقِ فقد أوتي حظَّهُ منْ خيرِ الدنيا والآخرةِ"، وقالت الحكماء: يدرك بالرفق ما لا يدركُ العنف ألا ترى أنَّ الماء على لينه يقطع الحجر على شدته! وقال أشجع السلمي لجعفر بن يحيى ابن خالد:
ما كانَ يُدرَكُ بالرجالِ ولا بالمالِ ما أدركتَ بالرفقِ
وقال النابغة:
الرفق يمن والأناة سعادة فاستأن في رفقٍ تُلاقٍ نجاحَا
وقالوا: العَجَل بريدُ الزّلل، وأخذ القطامي التّغلبي هذا المعنى، فقال:
قد يدركُ المتأني بعض حاجته .. البيت ..
وقال عديَ بن زيد:
قد يُدْرِكُ المُبْطِيءُ مِنْ حظِّهِ البيت .. انتهى.
[ ٥ / ٦٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الأربعمائة:
تجاوزتُ أحراسًا إليها ومعشرًا عليَّ حِرَاصًا لو يشرُّونَ مقتلي
على أنَ لو فيه أيضًا مصدرية، والمصدر المؤول من لو والفعل مجرور على أنه بدل اشتمال من الضمير المجرور بعلى، ولم يذكر التبريزي في شرح البيت غير مصدرية لو، والبيت من معلقة امرئ القيس. وقبله:
وبيضةِ خِدرٍ لا يُرَامُ خباؤُهَا تمتعتُ مِنْ لهوٍ بها غيرَ مُعْجَلِ
الواو واو رُبَّ، والبيضة مستعارة للمرأة الحسناء، قال الزوزني: تشبه النساءُ بالبيض من ثلاثة أوجه، أحدها: بالصحة، والسلامة عن الطمث. الثاني: الصيانة والستر، لأن الطائر يصون بيضه ويحضنه. الثالث: في صفاء اللون ونقائه، وربما شبهت النساء ببيض النعامة، وأريد أنهن بيض يشوب ألوانهن صفرة، وكذلك بيض النعامة، والخِدر بالكسر: السّتر، ويطلق الخدر على البيت إن كان فيه امرأة، وأخدرت الجارية: لزمت الخدر، وأخدرها أهلها، يتعدّى ولا يتعدّى، كخدّرها بالتشديد والتخفيف، والمعنى: ستروها وصانوها عن الامتهان والخروج لقضاء الحوةائج. وقوله: لا يرام، أي: لا يطلب، والروم: الطلب، والخِباء بالكسر والمد: بيت يعمل من وبر أو صوف أو شعر، ويكون على عمودين أو ثلاثة، والبيت أكبر منه، يكون على ستة أعمدة إلى تسعة، وتمتعت: جواب ربّ، والتمتع: التلذذ بالمتاع، وهو كلّ ما ينتفع به كالطعام والبر وأثاث البيت، واللهو: ترويح النفس بما لا تقتضيه الحكمة. و"غير" روي بالجرّ على أنّه صفة اللهو، وبالنَّصب على أنه حال من التاء. ومعجل: اسم
[ ٥ / ٦٣ ]
مفعول من أعجله، أي: حمله على العجلة، قال التبريزي: أي غير خائف، أي: لم يكن ذلك مما كنت أفعله مرة.
وقوله: تجاوزت أحراسًا: جمع حرس بفتحتين، وهو جمع حارس: كخدم جمع خادم. ويجوز أن يكون أحراسًا جمع حارس، كأصحاب جمع صاحب، كذا قال الزوزني،،إليها متعلق بتجاوزت، وعني بالمعشر قومها، وعلى متعلق بحراص، وهو صفة لمعشر جمع حريص، ككرام جمع كريم، وروي أيضًا: "تجاوزت أحراسًا وأهوال معشر عليَّ حراصٍ"، وقوله: لو يشرون مقتلي، قال العسكري في كتاب "التصحيف": ومما يروى على وجهين هذا البيت، روى الأصمعي: "يشرون" بالشين المعجمة، ومعناه: يظهرون، يقال: أشررت الشيء، إذا بسطته، ومعناه: ليس يقتل مثلي خفاء، فيكون قتلهم إيّاه هو الإظهار ورواه غيره: "لو يسرون" أي: هم حراص على إسرار قتلي، وذلك غير كائن لنباعتي وذكري. انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر من ذلك الكتاب: قال أبو عبيدة: ومعنى يسرون مقتلي: يظهرونه، ورواية الأصمعي: "لو يشرّون" أي: يظهرون، يقال: أشررت الثَّوب، إذا نشرته، وشررته أيضًا. انتهى. ومعنى الروايتين متفق، فيكون معنى الإسرار والإشرار، بالمهملة والمعجمة واحدًا، وهو الإظهار وترجمة امرئ القيس تقدَّمت في الإنشد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الأربعمائة:
ولُبْسُ عباءةٍ وتقَرَّ عيْني أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوفِ
على أنَّ تقرَّ منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية، والمصدر المؤول من أن والفعل
[ ٥ / ٦٤ ]
مرفوع بالعطف على لبس، قال سيبويه: لما لم يستقم له أن يحمل وتقر وهو فعل على لبس وهو اسم، ولما ضممته إلى الاسم، وجعلت أحب لهما، ولم ترد قطعه، لم يكن بد من إضمار أن. انتهى. قال الأعلم: نصب تقرّ بإضمار أن ليعطف على لبس، لأنه اسم، وتقر فعل، فلم يمكن عطفه عليه [فحمل] على إضمار أن، لأنَّ أن وما بعدها اسم، فعطف اسمًا على اسم، وجعل الخبر عنهما واحدًا وهو أحب والمعنى للبس عباءة مع قرة العين، وصفاء العيش أحبّ إليَّ من لبس الشفوف مع سخنة العين ونكد العيش.
وقال ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الجمل": ولو رفعت تقر لجاز على أن ينزَّل الفعل منزلة المصدر على نحو قولهم:
"تسمع بالمعيدي" فتسمع منزل منزلة سماعك، وكقول جرير يعني الفرزدق:
نفاكَ الأغَرُّ ابنُ عبدِ العزيزِ وحقُّكَ تُنْفَى مِنَ المسجِدِ
وقول امرئ القيس:
قدمعهما سحٌّ وسكبٌ وديمةٌ ورشٌ وتوكافٌ وتنهمِلانِ
قال يريد: وحقُّك النفيُ، وانهمالٌ. انتهى.
والبيت من أبيات لميسون بنت بحدل الكلبية، وهي:
لبيتٌ تخفُقُ الأرواحُ فيهِ أحبُّ إليَّ مِنْ قصرٍ مُنيفِ
وبكرٌ يتبَعُ الأظعَانَ سَقْبًا أحبُّ إليَّ مِنْ بغلٍ زَفُوفِ
وكلبٌ ينبَحُ الطُّرَّاقَ عنِّي أحبُّ إليَّ مِنْ قِطٍّ أَلُوفِ
ولُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأكْلُ كُسَيرةٍ في كِسْرِ بيتٍ أحبُّ إليَّ مِنْ أَكْلِ الرَّغِيفِ
[ ٥ / ٦٥ ]
وأصواتُ الرياحِ بكلِّ فجٍّ أحبُّ إليَّ مِنْ نقرِ الدُّفُوفِ
وخِرْقٍ مِنْ يني عَمِّي نَحِيفٍ أحبُّ إليَّ مِنْ عِلْجٍ عَنيفِ
خُشُونَةُ عِيشَتي في البَدْوِ أشهى إلى نفسي من العيشِ الطَّريفِ
فما أبغي سِوَى وَطَني بدِيلًا فَحَسْبي ذاكَ منْ وَطَنٍ شريفِ
قال اللخمي: ميسون زوج معاوية بن أبي سفيان، وأم ابنه يزيد، وكانت بدويةن فضاقت نفسها لما تسرى عليها، فعذلها على ذلك، وقال لها: أنت في ملك عظيم، وما تدرين قدره، وكنتٍ قبل اليوم في العباءة، فقالت هذه الأبيات فلما سمعها، قال لها: ما رضيت يا ابنة بحدل حتى جعلتني علجًا عنيفًا! فالحقي بأهلك، فطلقها وألحقها بأهلها، وقال لها: كنتِ فبنتِ، فقالت: ولا واللهِ ما سُرِرْنا إذ كنا، ولا أسفنا إذ بنا. ويقال: إنها كانت حاملًا بيزيد، فوضعته في البادية، فمن ثمَّ كان فصيحًا. انتهى.
وميسون لا ينصرف للعلمية والتأنيث، من مسنه بالسوط: إذا ضربه، أو من: ماس يميس ميسًا: إذا تبختر، ولا نظير له إلا زيتون، فوزنه على الأول فيعول، وعلى الثاني فعلون. وبحدل، بفتح الموحدة، وسكون الحاء المهملة، والخفق: الاضطراب، وفعله من باب: ضرب، والمنيف: العالي، والبكر، بالفتح: الفتيّ من الإبل، والأظعان: جمع ظعينة: وهي المرأة ما دامت في الهودج، والسّقب: الذكر من ولد الناقة، وهو حال مؤكدة، والزفوف بالزاء المعجمة، وبفاءين: المسرع، والطّراق، جمع طارق: وهو الذي يأتي ليلًا، والعباءة وكذا العباية: الجبة من الصوف ونحوها، وقَرَّت العين قرة بالضم وقرورًا: بردت سرورًا والفعل من بابي ضرب وتعب، والشفوف جمع شف، بالكسر والفتح: الثوب الرقيق، والكسيرة بالتصغير: وهي القطعة من الخبز، والكسر بكسر الكاف: طرف الخباء من الأرض، والخرق بكسر الخاء المعجمة: الكريم، والعلج بالكسر: الحمار وحمار الوحش السمين، والرجل من كفار العجم. كذا في "القاموس".
[ ٥ / ٦٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الأربعمائة:
فلوْ نُبِشَ المقابرُ عن كُلَيْبٍ فيُخْبِرَ بالذَّنَائِبِ أيُّ زيرِ
بيومِ الشَّعْثَمَيْنِ لقرَّ عينًا وكيفَ لِقاءُ مَنْ تحتَ القبورِ
على أنّ لو فيه للتمني، أجيبت بجوابين: أحدهما منصوب بأن المضمرة بعد الفاء، والآخر مقرون باللام، فهذا كله ملخص من شرح "التسهيل" لأبي حيان، قال ابن السراج في "الأصول": قالوا: الاختيار في جواب "لو" الرفع، وقد نصب معها الجواب، قال الشاعر:
ولَوْ نُبِشَ المقابرُ عن كُلَيْبٍ فيُعْلَمَ بالذَّنَائِبِ أيُّ زيرِ
ذهب به مذهب ليت، والكلام الرفع نحو قوله ﷿: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] القلم: ٩]. انتهى.
وجعل ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على "كامل" المبرد نصب "يخبر" من باب العطف على المعنى قال: وإنما نصب، فيخبر على معنى: لو وقع نبش فإخبار، لأن لو فيها معنى الشرط، فصار بمنزلة قوله: إن تأتني، فتحدثني أحسن إليك وهو قبيح إنما يحسن فيما يخالف فيه الثاني الأول من أجوبة الأشياء الستة المشهورة. انتهى.
وإليه جنح الدماميني، قال: ويمكن أن يخرج على وجهين كل منهما يخدش في الاستدلال:
أحدهما: أن يقال: لا نسلم: "أنه منصوب في جواب التمني" وإنما هو منصوب بأن مضمرة مؤول بمصدر مرفوع فاعل يحصل محذوفًا، وهذه الجملة الفعلية معطوفة على جملة الشرط، أي: فلو نبش المقابر عن كليب، فحصل إخباره باليوم الذي تمَّ فيه على أعدائه ما تمَّ لقرَّ عينًا، فلو هي التعليقية، على بابها، ولا تمني أصلًا.
الثاني: أن يقال نصب "يخبر" بأن مضمرة بعد الشرط لمشابهته النفي، والمعنى: فلو حصل نبش المقابر فالإخبار لقرَّ عينًا، فهو عطف على مصدر متصيد من فعل الشرط،
[ ٥ / ٦٧ ]
وإذا كانوا جوزوا مثل هذا على قلة في الشرط في نحو: إن تأتني، فتكرمني آتك، بنصب تكرم، فتجويز ذلك في لو أولى لدلالتها على انتفاء الشرط وضعًا، وهذا الوجه أولى من الأول لأن في ذلك أضمر أن في غير محلها. انتهى.
والبيت من قصيدة لمهلهل رثى بها أخاه كليبًا، وذكر فيها أنه أدرك بثأره ومطلعها:
أليتَنَا بذي حُسُمٍ أنيرِي إذَا أنتِ انقضيتِ فلَا تَحُوري
فإنْ يَكُ بالذَّنَائبِ طال لَيْلي فقدْ أبكِي من الليلِ القصيرِ
وأنقذني بياضُ الصبحِ منهَا لقد أُنقِذْتُ مِنْ شرٍ كبيرِ
ثمَّ وصف نجومَ الليلِ في ثمانية أبياتٍ فقال:
فلو نُبِشَ المقابرُ عن كليبٍ .. إلى آخر البيتين
فإني قد تركتُ بواردات يُجيرًا في دَمٍ مِثْلِ العَبيرِ
وهّمَّامَ بنَ مُرَّةَ قَدْ تَرَكْنَا عليهِ القشعَمَانِ من النُّسورِ
على أن ليس عدلًا من كُليبٍ إذا طُرِدَ اليتيمُ عنِ الجزورِ
على أن ليس عدلًا من كُليبٍ إذا خِيفَ المخُوفُ مِنَ النُّفُورِ
وكرّر المصراع الأول في ستة أبيات أخر كذا، وقال:
فِدِّى لِبَني الشقيقةِ يومَ جاؤوا كأُسْدِ الغابِ لجَّتْ في زَئِيرِ
إلى أن قال بعد ستة أبيات:
كأّنَّا غُدْوَةً وبني أبينا بجنبِ عُنيزة رحيَا مُديرِ
تظلُّ الريحُ عاكفةً عليهِمْ كأنَّ الخيلَ تدحضُ في غديرِ
فلولا الريحُ أسمعَ أهلَ حجرٍ صَليلَ البيضِ تُقْرَعُ بالذُّكُورِ
وهذا آخر القصيدة، وقوله: أليتنا .. الخ، الهمزة للنداء، وذو حُسم بضم الحاء والسين المهملتين: واد بنجد، قاله أبو عبيد البكري، وأنشد هذا البيت، وأنيري: أمر لتلك الليلة بالإنارة، وتحوري بالحاء المهملة: مضارع حار: إذا رجع،
[ ٥ / ٦٨ ]
شكى شدة الليل عليه مع ظلامه. وقوله: فإن يك بالذنائب .. إلخ، قال القالي في "أماليه": يقول: إن طال بهذا الموضع لِقتل أخي، فقد كنت أستقصر الليل وهو حي. انتهى.
قال الصاغاني في "العباب": الذنائب ثلاث هضبات بنجد، وبها قبر كليب وائل، وأنشد هذا البيت.
وقوله: ولو نبش المقابر .. إلخ، أي: لو كشف تراب المقابر عن كليب، فأخبر عن الإدراك بثأره، لقرّ عينًا وسُرَّ بذلك. قال أبو عبيدة البكري في "اللآلي شرح أمالي القالي": اسم كليب: وائل، وكنيته: أبو الماجدةـ، وإنما لقب كُليبًا بالجِروِ الذي اتخذه. انتهى.
وقال حمزة الأصفهاني في أمثاله "أعز من كليب" بلغ من عزه أنه كان يحمي الكلأ، فلا يُقرب حماه، ويعمِد إلى الروضة تعجبه، فيشد قوائم كلب، ويلقيه في وسط الروضة فحيث بلغ عواء الكلب كان حمىً لا يرعى، وكان إذا أتى الماء وقد سُبِقَ إليه أخذ الماتح فألقى عليه الكلاب حتى تنهشه، وكان يجير الصيد فلا يهاج. انتهى.
وقال ابن عبد ربه في "العقد الفريد": كليب بن ربيعة هو الذي يقال فيه: أعزّ من كليب وائل، وقاد معدًا كلها، وجعلوا له تاج الملك وتحيته، فغبر بذلك حينًا، ثم دخله زهو شديد، وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب، فلا يرعى حماه، ويجير على الدَّهر، فلا تخفر ذمته، ويقول: وحش كذا في جواري فلا يُهاج، ولا يورد أحد مع إبله، وتزوج جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان، وأخوها جساس بن مرة، وكانت البسوس [بنت منقذ التميمية، خالة جساس بن مرة، وكانت] نازلة في بني شيبان مجاورة لجساس، وكانت لها ناقة يقال لها: سراب، كقطام، ولها تقول العرب: "أشأم من البسوس، وأشأم من سراب" فمرت إبل لكليب بسراب ناقة البسوس، فاختلطت بها حتى انتهت إلى كليب وهو على الحوض، فلما رآها أنكرها فرمى ضرعها بسهم، فنفرت الناقة وهي ترغو، فلما رأتها البسوس، صاحت: واذلَّاه فأحمست جسّاسًا، فركب
[ ٥ / ٦٩ ]
فرسه وتبعه عمرو بن الحارث بن ذهل ومعه رمحه دخلا على كليب الحمى، فقتلاه، فرحلت بنو شيبان، وتشمر المهلهل، فاستعد لحرب بكر، وترك النساء والغزل، وحرَّم القمار والشراب، وجمع قومه وحاربهم.
وفي أوَّل وقعة كانت الشوكة في بني شيبان، والغلبة لتغلب، وكانت الوقعة بالنهي، وهو ماء من مياه بني شيبان، قتل فيها شراحيل بن مرة بن همان بن مرَّة، ثم التقوا بوازدات، فظفرت تغلب أيضًا وكثر القتل في بكر، قتل شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة، وقتل همام بن مرة وغيرهم، ثم التقوا بعنيزة، فظفرت تغلب أيضًا، ثم كانت بينهم وقائع كثيرة، وكلها الغلبة لتغلب على بكر، وقال مهلهل يصف الأيام وينعاها على بكر في قصيدة طويلة، أولها:
أليتنا بِذي حُسُمٍ أنيري
وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب حتى قتل مهلهل بجيرًا ابنه، فلما بلغ الحارث قتله قال: نعم القتيل أصلح بين ابني وائل، وظنَّ أن مهلهلًا أدرك به ثأر كليب، وجعله كفءًا له فقيل له، إنما قتله بشسع نعل كليب فغضب الحارث، وتولى أمر الحرب، فقاتل تغلب، فقتلهم، وتفرقت قبائل تغلب، وأسر الحارث بن عباد مهلهلًا وهو لا يعرفه، فقال له: دلني على مهلهل، وأخلي عنك، فقال له: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال: نعم، قال: أنا مهلهل، فجزَّ ناصيته، وتركه، ثمَّ إنَّ مهلهلً فارق قومه ونزل في بني جنب وجنب في مذحج، فخطبوا إليه ابنته، فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا إليه في صداقها جلودًا من أدم، فقال في ذلك من أبيات:
أنُكَحَها فقدُها الأراقِمَ مِنْ جَنْبٍ وكانض الحِباءُ مِنْ أَدَمِ
هذا ما اختصرته من "العقد الفريد" وكانت مدة حرب البسوس أربعين سنة،
[ ٥ / ٧٠ ]
وقوله: أي وزير، قال أبو الحسن الأخفش فميا كتبه على "كامل المبرد"، يقال: فلان زير نساء، وطلب نساء وتبع نساء وخِلْم نساء، كلها بكسر الأول وسكون الثاني إذا كان صاحب نساء، وذلك أن مهلهلًا كان صاحب نساء، وكان كليب يقول: إنَّ مهلهلًا زير نساء لا يدرك بثأر، فلما أدرك مهلهل بثأر كليب، قال: أيُّ زير، فرفع أيًا بالابتداء، والخبر محذوف، فكأنه قال: أي زير أنا في هذا اليوم، والذنائب: موضع. انتهى.
وقال ابن السيد البطليوسي: وروى الكسائي: "أيِّ زير" بالنصب على تقدير أيّ زير كنت. انتهى. والجيد أن يكون أيّ زير خبرًا لأنا المقدر، وأي هنا هي الدالة على معنى الكمال. ولم يصب الدماميني في قوله: المراد بأيّ زير كليب، فهو ظاهر أقيم مقام المضمر. انتهى.
وقوله: بيوم الشعثمين الباء بمعنى في متعلقة بمحذوف صفة لزير، ويوم الشعثمين هو يوم واردات، وفيه حذف مضاف، أي: يوم قتل الشعثمين، وهما شعثم، وعبد شمس ابنا معاوية، كما تقدم نقله من "العقد الفريد" وثناهما بلفظ أحدهما على سبيل التغليب، وكذا قال الصاغاني في "العباب" وقال أبو عبيد البكري في "اللآلي، شرح أمالي القالي": الشعثمان: شعثم وشُعيث ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة، وهو قول ابن حبيب في كتاب "المثنى" وهما ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة، ففيه حذف واختصار، واسم شعثم حارثة عن ابن السكيت. انتهى. وقال الإمام المرزوقي في "شرح ديوان أبي تمام": الشعثمان قيل: رجلان، يقال لأحدهما شعثم وللآخر شعثب، وقيل: كان الآخر لعثمًا، وهما ابنا معاوية بن عامر بن ذهل قتلهما مهلهل في طلبه دم كليب، وكان يسميه وهو حي: زير نساء، ولذلك قال:
[ ٥ / ٧١ ]
فلو نبش المقابر عن كليب. البيتين. انتهى. وقال أبو القاسم الزجاجي في كتاب "الأخبار": الشعثمان هما من بني عامر بن ذهل، ولم يكن يقال لواحد منهما شعثم، ولكنهما نسبا إلى أبيهما شعثم، ومثله المهالبة والأصامعة والمسامعة والأشعرون الواحد أشعر، والمعاول نسبوا إلى أبيهم معول بن شمس، والقتيبات نسبوا إلى أبيهم قتيبة، ومثلهم الرفيدات إلى رفيدة، والجبلات بنو جبلة، والعبلات بنحو عبلة، والسلمات بطن من قريش يقال لأبيهم سلمة. انتهى. وقد جمعهما الأخطل على شعاثم يريد الشعثمين ومن قتل معهما. قال في قصيدة يفخر بقومه بني تغلب:
بقومِ هُمُ يومَ الذنائبِ أهلكوا شعاثم رهط الحارث بن عُبادِ
وقال القالي في "أماليه": الشعثمان موضع معروف ولم أرّ هذا القول لغيره، ولم يذكره أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" ولا غيره، ولو كان موضعًا لذكر في أيام العرب، ولم يذكره أحد ممن شرح حرب البسوس، وذكر أيامها. ولم يصب الدماميني في قوله: فالظاهر أنَّ هذا اليوم نسب إلى هذين الأخوين لاختصاصهما بالغلبة فيه، أو لغير ذلك وباء بيوم الشعثمين للإلصاق المعنوي. هذا كلامه. وكأنه لم يكشف عن حرب البسوس حتى يعلم أن مهلهلًا قتلهما. وقصّر صاحب "القاموس" في قوله: وقول مهلهل بيوم الشعثمين لم يفسروه، والظاهر أنه موضع كانت به وقعة. انتهى.
وقوله: فإني قد تركت بواردات .. إلخ. قال أبو عبيد البكري: هو موضع، وبواردات كان اليوم الثالث من حروب بكر وتغلب، والأول: بالنهي من مياه بني شيبان، والثاني: بالذنائب، وكانت الثلاثة لتغلب على بكر. والرابع: يوم عنيزة، وكان لتغلب أيضًا، ويجير: بضم الموحدة وفتح الجيم: هو ابن الحارث بن عباد، كان أرسله أبوه ليقول له: قد أفنيت قومك، فاكتف بما قتلت، وقد اعتزلنا من الفريقين لعلمنا أنهم ظلموك، فغدر به مهلهل، فقتله، والعبير: الزعفران،
[ ٥ / ٧٢ ]
وهمام بن مرة: هو أخو جساس بن مرة، قال القالي في "أماليه": قوله: عليه القشعمين، ويروى: عليه القشعمان، فمن رفع جعله حالًا، كأنه قال: وعليه القشعمان من النسور، والقشعم: الهرم. انتهى. وقوله: على أن ليس عدلًا من كليب. قال السيد المرتضى في "أماليه": التكرار في سورة الرحمن إنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المعددة. فكلما ذكر نعمة أنعم بها، قرر بها ووبخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خوَّلتك الأموال؟ ! ألم أحسن إليك بأن خلصتك من المكاره؟ ! ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ ! فيحسن فيه التكرير لاختلاف ما يقرره به. وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم، قال مهلهل ابن ربيعة يرثي أخاه كليبًا:
على أنْ ليسَ عدلًا مِنْ كُليبٍ إذا طُرِدَ اليتيمُ عنِ الجزورِ
وأنشد الأبيات الثمانية، وأورد أشعارًا على هذا النمط لليلي الأخيلية وغيرها، ثم قال: وهذا المعنى أكثر من أن نحصيه، وهذا هو الجواب عن التكرار في سورة المرسلات لقوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) فإن قيل: في جملة ذلك ما ليس بنعمة. وهو قوله تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ) الآية [الرحمن/ ٣٥]، قلنا: الإنذار بالعقاب من أكبر النعم، لأن فيه زجرًا عما يستحق به العقاب. انتهى.
وقوله: كأنا غُدوة وبني أبينا، قال ابن السيد في "شرح أبيات أدب الكاتب": يريد ببني أبيه بكر بن وائل، وعنيزة بالتصغير: موضع كما تقدم، وشبه الجيشين برحيين يديرهما مدير للطحن، ورحا الحرب: وسطها، لأنهم يستديرون فيها عند القتال، أو لأنها تُهلك من حصل فيها كما تطحن الرحا الحب، قال ربيعة بن مقروم:
فدارتْ رَحَانا بفُرسانِهِمْ فعادُوا كأنْ لم يكونُوا رميما
انتهى.
[ ٥ / ٧٣ ]
وقال أبو عبيد البكري في شرح "نوادر القالي" المسمى "بقرة النواظر في شرح النوادر" الرحيان: إذا أدارهما مدير أثرت إحداهما في الأخرى، وهما من معدن واحد، وكذلك هؤلاء هم من أصل واحد يتماحقون ويقتتلون. انتهى.
وقوله: كأن الخيل تدحض في غدير بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، قال القالي: تدحض: تزلق، يقال: مكان دحض ومدحضة ومزلة، وقوله: فلولا الريح أسمع أهل حجرٍ بفتح الحاء المهملة، وسكون الجيم: مدينة وهي قصبة اليمامة، وأهل مفعول، وصليل: فاعل، والصليل: الصوت، والبيض، بفتح الموحدة: الحوذ وهما المغفر واحدهما بيضة وخوذة، وتقرع: يضرب، والقرع: الضرب بشيء صلب على شيء صلب، والذكور جمع ذكر بفتحتين. وهو السيف من الفولاذ. قال القالي: والذكور: السيوف التي عملت من حديد غير أنيث، وحجر: قصبة اليمامة، وحربهم إنما كانت بالجزيرة. انتهى.
وقد أخذ هلا ابيت القُحيف العُقيلي فقال في يوم الفلج:
ولولًا الرِّيحُ أسمعَ أهلَ حجرٍ صياحُ البيضِ يقرَعُها النِّصَالُ
قال أبو العباس الأحول: هذا أوَّل كذب سمع في الشعر، وزعم الحاتمي أنَّ دعبل بن علي قال: هذا أكذب بيت قيل. وقال المبرد في "الكامل" عند ذكر مثل هذا: وحدثني التوزي قال: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار، فقال: إن العجم تكذب، فتقول: كان رجل ثلثُه من نحاس، وثلثُه من نار، وثلثُه من ثلجَ، فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه، من ذلك قول مهلهل:
فلولا الريح أسمع .. البيت. انتهى
وقال ابن السيّد في شرح أبيات "أدب الكاتب" قال أبو جعفر بن النحاس: يقال: إنَّ هذا أوَّ كذب سمع في الشعر، وإن قوله: كأنا غدوة، أول تناصف سمع في الشعر. وهذا الذي حكاه غير صحيح، لأنَّ الشعر موضوع على الكذب والتخييل إلا القليل منه، وإنما أراد قائل هذا أن يقول: إن هذا أول غلو سمع في الشعر،
[ ٥ / ٧٤ ]
لأنَّ قتالهم كان بالجزيرة، وحجر قصبة اليمامة، وبين الموضعين مسافة عظيمة، فعبر عن الغلو بالكذب. انتهى كلامه وهو حسن.
ومهلهل اسمه امرؤ القيس بن ربيعة، وسمي مهلهلًا لأنه هلهل الشعر. أي: أرقّه، وهو أول من قصَّد القصيد. قال الفرزدق:
. . ومُهَلْهِلُ الشَّعَرَاءِ ذاكَ الأوَّلُ
ولم يقل أحد قبله عشرة أبيات، وقال الغزل، واعتنى بالنسيب في شعره، وهو خال امرئ القيس بن حجر صاحب المعلقة، وهو أخو كليب، وهو جاهليّ، وقال أبو عبيد البكري في شرح "الأمالي" تبعًا لغيره: وقيل: اسمه عدي، والشاهد لذلك قوله:
ضربَتْ صدرُها إليَّ وقالَتْ يا عديَّا لقد وقتكَ الأواقي
ومن قال: إنَّ اسمه امرؤ القيس يروي هذا البيت:
ضَربَتْ صدرَهَا إليَّ وقالتْ يا امرأَ القيسِ حانَ وقتُ الفِرَاقِ
ويقال: إنَّ عديًا إنما هو أخوه. انتهى.
أقول: هذا القول الأخير هو الصحيح، فإنَّ السكري أورد البيت من قصيدة في أشعار تغلب بعد أشعار مهلهل لعدي بن ربيعة يرثي بها مهلهلًا وكليبًا، ويذكر من هلك من قومه في تلك الحروب التي كانت بين بكر وتغلب، وكذا في "العباب" للصاغاني قال في مادة "علق" بالعين المهملة: عدي بن ربيعة يرثي أخاه مهلهلًا، وقال الطوسي: إنما سمّي مهلهلً ببيت قاله لزهير بن جناب وهو:
لمَّا توعَّرَ في الكُرَاعِ هجينُهُمْ هلهلتُ أثأرُ مالكًا أو صنبلًا
فأجابه زهير بن جناب بقوله:
إنَّا مهلهلُ ما تطيشُ رماحُنا أيامَ ننقُفُ في يديكَ الحنظلا
قال السكري: فكان هذا البيت هو الذي هلهل مهلهلًا. انتهى.
[ ٥ / ٧٥ ]
وتوَعّرَ: وقع في الوعر، وهو المكان الصعب الشديد، والكراع: أنف ممتد يتقدم الحرة، وهي أرض ذات حجارة، والهجين: من أمُّهُ أمةٌ، وهلهلت: شرعت، وأثأر: مضارع ثأرت به كمنع: إذا طلبت دم المقتول، وأخذت بثأره، ومالك وصنبل كزبرج رجلان.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الأربعمائة:
لوْ غيرُكُمْ عَلِقَ الزُّبَيْرُ بحبلِهِ أدَّى الجَوَارَ إلى بَني العَوَّامِ
على أنَّ غيركم مرفوع بفعل يفسّره ما بعده تقديره لو علق غيركم، هذا مقتضى كلام المصنف، وهو لا يصح، لأن المتعلق بالحبل ابن الزبير لا الغير، ووجهه بعضهم بأنَّ التعلق من الطرفين من ابن الزبير بالالتجاء، ومن الغير بحفظ الذمام، وقال آخر: الظاهر أنَّ هذا من القسم الرابع، فيقدر كان الشأنية، ويكون جملة علق الزّبير بحبله من المبتدأ والخبر خبر كان، وقال آخر: ويمكن أن يكون الفعل المقدر عاهد، لقوله فيما بعد: بحبله، فإنَّ الحبل بمعنى العهد والذمَّة، وأن يكون أجاز لقوله أدى الجوار، وهذا غير مطابق المسألة.
وهذا البيت قد وقع في أصول ابن السراج، وفي شرح "التسهيل" ولم أر من قيد غيركم بالرفع، قال ابن السراج: والوجه الآخر أنَّ الأسماء تقع بعد لو على تقدير الفعل فمن ذلك قول الله تعالى: (قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) [الإسراء/ ١٠٠]، وقال جرير: لو غيركم علق الزبير بحبله. البيت. وفي المثل: "لو ذات سوار لطمتني"، وكذلك: لو أنك جئت، أي: لو وقع مجيئك لأنِّ المعنى عليه. انتهى.
[ ٥ / ٧٦ ]
وقال أبو حيان في شرح قول "التسهيل": وإنَّ وليها اسم، فهو معمول فعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم، مثال ذلك ما روي في المثل من قولهم: "لو ذات سواء لطمتني"، وقول عمر ﵁: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة"، وقال الشاعر:
أخِلَّايَ لو غيرُ الحِمَامِ أصابَكُمْ عتبت ولكن ما على الدهرِ معتبُ
وقال آخر:
لو غيركم علق الزبيرُ بحبلِهِ البيت
وقال آخر:
ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي جعلت لهم فوقَ العرانين ميسما
فالأسماء التي وليت لو في هذا كله معمولة لفعل مضمر يفسره ما بعده، كأنه قال: لو لطمتني ذات سوار لطمتني. هذا كلامه، وليس فيه تقييد معمول بالرفع، فيجوز أن يكون بعضها معمولًا للفعل المحذوف بالفاعلية، وبعضها بالمفعولية كما في هذا البيت، وقد صرَّح بنصبه المبرد في "الكامل" قال: "لو" لا يليها إلا الفعل مظهرًا أو مضمرًا، لأنها تشارك حروف الجزاء في ابتداء الفعل وجوابه، تقول: لو جئتني لأعطيتك، فهذا ظهور الفعل، وإضماره قوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) [الإسراء: ١٠٠]، والمعنى: لو تملكون، فهذا الذي رفع "أنتم"، ولما أضمر ظهر بعده ما يفسره، ومثل ذلك "لو ذات سوار لطمتني" أراد: لو لطمتني ذات سوار، ومثله: ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي. البيت. وكذلك قول جرير: لو غيركم علق الزبير بحبله. البيت. فنصب بفعل مضمور يفسره ما بعده، لأنها للفعل وهو في التمثيل: لو علق الزبير غيركم، وكذلك كل شيء للفعل نحو: الاستفهام، والأمر، والنهي، وحروف الفعل نحو: إذ وسوف، وهذا مشروح في كتاب "المقتضب" على حقيقة الشرح. انتهى كلامه.
[ ٥ / ٧٧ ]
وإنما لم يجعله مفعولًا مقدمًا لعلق المذكور لأنه، قد استوفى معموله، وهو قوله "بحبله" فيكون "غير" منصوبًا بفعل آخر يفسره المذكور في باب الاشتغال، كقولك: زيدًا مررت به، وعَلِقَ من باب فرح، جاء متعديًا بنفسه وبالباء كما في "القاموس" وغيره، والأوَّل بمعنى أمسك، والثاني بمعنى: نشبن قال الزمخشري في "أساس البلاغة": علق به وعلقه نشب به، قال:
إذا عَلِقَتْ قِرْنًا خطاطيفُ كفه رأى الموتَ في عينيه أسود أحمرا
وقال جرير:
إذا علقت مخالبه بقرنٍ أصابَ القلبَ أو هتكَ الحجابَا
انتهى. وقد رواه شارح "المناقضات": لو غيركم علق الزبير ورحله، بنصب غير، ورفع رحله بالعطف على الزبير وهو أثاث المسافر، فيكون غيركم مفعولًا مقدمًا لعلق المتعدي لا من باب الاشتغال، وكذا الإعراب في رواية صاحب "منتهى الطلب من أشعار العرب": "لو غيركم علق الزبير وحبله" والحبل: العهد. وقال ابن وحيي في شرحه: وفي "القاموس" علقه وبه، فعلى هذا يكون الزبير من قوله: لو غيركم علق الزبير بحبله منصوبًا، ويكون المعنى: لو علق غيركم الزبير بحبله، أي: علقه به، وهو أظهر، ولا يحتاج إلى ما ذكرنا سابقًا من تقدير كان الشأنية. هذا كلامه، ولم أقف على رواية نصب الزبير، والله أعلم.
والحبل مستعار للعهد والأمان، وأدَّى: من أدَّى الأمانة إلى أهلها: إذا أوصلها والجوار بالكسر: أن تعطي الرجل ذمة، فيكون فيها جارك فتجيره، والمراد بتأديتها الوفاء بها، والخروج من عهدتها كما ينبغي.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق، مطلعها:
سرتِ الهُمومُ فبتن غيرَ نيامِ .وأخُو الهُمومِ يرومُ كلَّ مرامِ
ذُمَّ المنازِلَ بعدَ منزلةِ اللوى والعيشَ بعدَ أولئكَ الأيامِ
[ ٥ / ٧٨ ]
إلى أنْ قال:
مهلًا فرزدقُ إنَّ قومَك فيهمُ خَوَرٌ القُلُوبِ وخِفَّةُ الأحلامِ
الظاعِنُونَ على العما بجميعهم والنازلون بشرٍّ دارِ مُقَامِ
لو غيرُكُمْ علقَ الزبيرُ البيت.
وذم فعل أمر، والبيت استشهد به صاحب "الكشاف" والبيضاوي عند قوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ) [الإسراء: ٣٦] على أنَّ أولئك وإن غلب في العقلاء جاء لغيرهم كما في البيت، وكذا استشهد به المصنف في "شرح الألفية"، ووقع في بعض نسخ "المناقضات" وفي "منتهى الطلب" الأقوام بدل الأيام، وزعم ابن عطية أنَّ هذه الرواية هي الصواب، وأنَّ الطبري غلط في إنشاده الأيام، وتبعه الزجاج. وقوله: مهلًا فرزدق، هو منادى بـ "يا" مضمرة، والحَوَر، بفتحتين: الضعف والجبن، والأحلام: جمع حلم بالكسر، وهو العقل. وقوله: الظاعنون .. إلخ. قال شارح "المناقضات" ابن حبيب: معناه أنهم يركبون ما لا ينالون غايته، وينزلون شر البقاع لنذالتهم لا يمكنون من موضع جيد.
وقوله: لو غيركم علق الزبير بحبله .. البيت. يشير إلى غدر رهط الفرزدق بالزبير ﵁، وهذا أحد الأمور التي نعاها جرير على الفرزدق، والتزم هجوه بها، ومنها تسمية أبيه القين، فإن جبيرًا كان قينًا لعصعصة جد الفرزدق، فنسب أباه غالبًا إلى القين، ومنها عدم معرفته بركوب الخيل والمحاربة، ومنها أسر أخته جعثن، وفعل الفاحشة بها، وكان جرير يقول: أستغفر الله فيما قلت لجعثن، فإنها كانت إحدى الصالحات. قال في قصيدة أخرى:
أتمدَحُ يا ابن القينِ سعدًا وقد جرت لجعثن فيهم طيرها بالأشاتم
تنادي بنصفِ الليلِ يالَ مُجاشِعٍ وقد قشروا جلد استها بالعُجارمِ
فما وجدَ الجيرانُ حبلَ مجاشعٍ وفيًا ولا ذا مرةٍ في العزائمِ
[ ٥ / ٧٩ ]
ولامت قريشٌ في الزبيرِ مجاشعًا ولم يعذروا من كان أهلَ الملاومِ
وكان الغدر بالزبير بعد انصرافه من وقعة الجمل، قال الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب": شهد الزبير بن العوام الجمل، فقاتل فيه ساعة، فناداه علي، وانفرد به، فذكره أن رسول الله ﷺ قال له وقد وجدهما يضحكان بعضها إلى بعض: "أما إنك ستقاتل عليًا وأنت له ظالم" فذكر الزبير ذلك، فانصرف عن القتال نادمًا مفارقًا للجماعة التي خرج فيها، منصرفًا إلى المدينة، ولما بلغ سفوان موضع من البصرة كمكان القادسية من الكوفة لقبه النُعر، رجل من بني مجاشع، فقال: أين تذهب يا حواري رسول الله؟ إليَّ فأنت في ذمتي لا يوصل إليك، فأقبل معه، وأتى إنسان الأحنف بن قيس، فقال: هذا الزبير قد أتى سفوان، فقال الأحنف: ما شاء الله كان، قد جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف، ثم يلحق ببيته وأهله، فسمعه عمرو بن جرموز السعدي، وفضالة بن حابس ونفيع في غواة من بني تميم، فركبوا في طلبه، فلقوه معه النعر، فأتاه ابن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزبير وهو على فرس له يقال له: ذو الخمار حتى إذا ظن أنه قاتله نادى صاحبيه يا نفيع، يا فضالة، فحملوا عليه حتى قتلوه، ولما جاء قاتل الزبير عليًا، استأذن عليه، فلم يأذن له، وقال للآذن: بشره بالنار، فقال:
أتيتُ عليًّا برأسِ الزبيرِ أرجو لديهِ بهِ الزلفهْ
فبشرَ بالنارِ إذ جئتُهُ فبئس البشارةُ والتُحفّهْ
وسيانِ عندي قتلُ الزُّبيرِ وضرطَهُ عنزٍ بدِي الجُحفَهْ
انتهى. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر من أول الكتاب.
وكان الفرزدق هجاه بقصيدة، فأجابه جرير بهذه القصيدة، ومن قصيدة الفرزدق بعد المطلع يهجوه ويهجو قومه بني كليب بلسان أمه، وكان يسميه ابن المراغة، لأن قومه أصحاب حمير:
[ ٥ / ٨٠ ]
قالَ ابنُ صانعةِ الزروبِ لقومِهِ لا أستطيعُ رواسيَ الأعلامِ
قالتْ تجاوبُهُ المراغةُ أمُّهُ قد رُمْتَ ويلَ أبيكَ غيرَ مُرامِ
فاسكت فإنك قد غُلبتَ ولم تجد للقاصعاء مآثرَ الأيامِ
ووجدتْ قومك فقؤوا من لؤمهم عينيك عندَ مكارمِ الأقوامِ
صغرت دلاؤهم فما ملؤوا بها حوضًا ولا شهدوا عراك زحام
أرداك حينك أن تعارض دارمًا بأدقةٍ متأشبين لئام
وحسبت بحر بني كليبٍ مصدرًا فغرقت حين وقعت في القمقام
في حومةٍ غمرت أباك بحورُها في الجاهليةِ كان والإسلامِ
وهذا البيت الأخير شاهد لزيادة كان عند لنحويين شرحناه مع هذه الأبيات في الشاهد التاسع والعشرين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الأربعمائة:
لا يأمَنُ الدهرَ ذو بغيٍ ولو مَلِكًا جنودُهُ ضاقَ عنها السهلُ والجبلُ
على أنَّ كان قد حذفت مع اسمها بعد لو، والتقدير: ولو كان ملكًا واسمها ضمير ذي بغي، ولا ناهية، ويجوز أن تكون نافية، فيكون الكلام خبرًا، ويأمن: فعل متعد، والدهر، مفعوله بتقدير مضاف، أي: تقلب الدهر ونحوه، ويجوز أن يكون ظرفًا لتنزيل يأمن منزلة اللازم، أي: لا يكون ذا أمن، والبغي: مصدر بغي على الناس، أي: ظلم واعتدى، والجندُ: الأنصار والأعوان، والواحد: جندي كروم ورومي، والبيت مشهور في كتب النحو، ولم يعرف قائله، والله أعلم.
[ ٥ / ٨١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الأربعمائة:
لو بغيرِ الماء حلقي شرقٌ كنتُ كالغصانِ بالماءِ اعتصاري
على أنَّ لو دخلت في الظاهر على جملة اسمية، واختلف في التخريج أحدها لابن جني قال: وضعت الاسمية موضع الفعلية شذوذًا والباء متعلقة بشرق الواقع خبرًا لحلقي، ثانيها لأبي علي قال في "الإيضاح الشعري": موضع "حلقي" رفع بأنه فاعل، والرافع له فعل مضمر يفسره شرق، كأنه قال: لو شرق حلقي بغير الماء، ولا يكون "شرق" خبر حلقي، هذا الظاهر، لأن ما بعد "لو" لا يكون مبتدأ كما أن ما بعد "إن" وما بعد "إذا" لا يكون كذلك، فإذا لم يجز أن تجعله خبر حلقي، وجب أن تضمر له مبتدأ، والتقدير: هو شرق، فيكون "هو شرق" بمنزلة شرق تفسيرًا للفعل المضمر بعد "لو" ويكون ذلك بمنزلة ما يحمل على المعنى، ألا ترى أن: هو شرق، بمنزلة شرق في المعنى؟ وقوله: بغير الماء يتعلق بالجار فيه بالفعل الواقع لحلقي، وهو اسهل من تعلقه بشرق هذا الظاهر وإن لم تقدر هذا المضمر، لزم أن يكون لو قد ابتدأ بعدها الاسم، فإذا ثبت في هذا الموضع إضمار الفعل، فحكم سائر ما أشبهه مثله. انتهى باختصار. وقال أبو حيان: وذهب أبو الحسن بن خروف إلى إضمار كان الشأنية بعد "لو" والجملة الاسمية في محل نصب خبر كان، وقوله: بالماء اعتصاري، الجار والمجرور خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، قال أبو علي: موضع الجملة نصب بأنه خبر كنت، والعائد إلى الاسم الياء في اعتصاري، و"كالغصان" في موضع حال، والعامل فيه "كنت" ولا يكون الخبر، لأن الحال إذا تقدمت لم يعمل فيها معنى الفعل كما يعمل في الظرف إذا تقدمه، وزعم العيني أن قوله: "كالغصان" خبر كنت، ولم يذكر موقع الجملة بعده من الإعراب، ومما قاله أبو علي هو الذي يقتضيه المعنى. وشرق فلان بريقه أو بالماء من باب تعب: إذا غص به، ولم يقدر على بلغه، والغصان
[ ٥ / ٨٢ ]
من غص فلان بالطعام غصصًا من باب تعب أيضًا إذا لم يقدر على بلعه، والغصة، بالضم: ما غص به الإنسان من طعام أو غيظ على التشبيه به، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أغصصته به، والاعتصار: أن يغص الإنسان بالطعام، فيعتصر بالماء وهو أن يشربه قليلًا قليلًا ليسيغه، قال الجوهرية، وأنشد هذا البيت. وتحقيقه أن معنى الاعتصار: الالتجاء قال علي بن حمزة البصري فيما كتبه على كتاب "النبات" للدينوري: العصر بفتحتين، والعصرة بالضم: الملجأ، قال الشاعر:
فارس يستغيث غير مغاثٍ ولقد كان عصرةً النُّجودِ
أي: ملجأ المكروبن ويقول أعصرني فلان: إذا ألجأك إليه، واعتصرت أنا اعتصارًا، قال عدي بن زيد:
لو بغيرِ الماءِ حلقيِ شرِقٌ .. البيت. انتهى
وكذا قال أبو عبيد في "أمثاله" قال: والمعنى لو شرِقت بغير الماء أسغت شرقي بالماء، فإذا غصصت بالماء، فبم أسيغه؟ ! وقد صار البيت مثلًا للتأذي ممن يرجى إحسانُه. وقد ابنُ عبد ربه في "العقد الفريد": هذا البيت أول ما قيل في هذا المعنى، وقال آخر:
إلى الماءِ يسعى من يغصُّ بريقهِ فقل أين يسعى من يغص بماءِ
انتهى. وقبله:
إذا كنتُ ألقى السمَّ عند أحبتي فهل عند أعدائي يكون شفائي
والبيت من قصيدة لعدي بن زيد العبادي أرسلها إلى النعمان بن المنذر وكان محبوسًا عنده، ثم قتله، وقد ذكرنا سبب حبسه وقتله مستوفى في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين.
وقبله وهو مطلع القصيدة:
أبلغ النعمانَ عني مالكًا أنه قد طال حبسي وانتظاري
وأبلغ فعل أمر من الإبلاغ وهو الإيصال، والمالك، بسكون الهمزة وضم اللام:
[ ٥ / ٨٣ ]
الرسالة، وقال الزجاج عند تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) [الإسراء/ ٦١] مالك: جمع مألكة، وأنشد هذا البيت، وبعدهما:
فلئن دهرٌ تولى خيرُهُ ،جرت بالنحس لي منه الجواري
لبما ألهو بخودٍ رشأٍ تملأُ العينينِ مشماعٍ نوارِ
والحَوْد، بفتح الخاء المعجمة: المرأة الحيية: والمشماع بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة: المزاحة، والنوار، النفور من الريبة. وقوله: لبما، أي: كثيرًا ما. والقصيدة مذكورة في "العقد الفريد" وفي "الأغاني" وغيرهما.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الأربعمائة:
لوفي طُهيَّةَ أحلامٌ لما عَرَضُوا دُونَ الذي أنا أرميِه ويرميني
على أنَّ "لو" دخلت على جملة اسمية، فيقدر كان الشأنية، فتكون الجملة الاسمية في محل نصب خبرها، وفي البيت دخول اللام في جواب "لو" المنفي، وروايته كذا:
لو في طهيةَ أحلامٌ لما اعترضُوا دونّ الذي كنتُ أرميه ويرميني
وهو من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق. ومطلعها:
ما بالُ جهلِك بعد الحلم والدين وقد علاك مشيبٌ حين لا حينِ
للغانيات وصالٌ لستَ قاطعَهُ على مواعِدَ من خُلْفٍ وتلوينِ
ماذا يهيجك من دارٍ تباكِرُها أرواحُ مخترقٍ هوجُ الأفانينِ
ثمَّ وصف الدار بيتين، فقال:
مجاشعٌ قصبٌ جوفٌ مكاسِرُهُ صفرُ القلوبِ من الأحلام والدين
ينفشون لحاهم بعد جارهم لا بارك اللهُ في تلكَ العثانينِ
[ ٥ / ٨٤ ]
قالتْ قريشٌ وللجيرانِ محرمةٌ أين الحواري يا فيش البراذين
جُرُّوا بجعثنِ إذ جرَّتْ علانيةً وأبغُوا الزبيرَ نجاةً ثم سبوني
يا شبَّ ويلك ما لاقت فتاتكم والمنقري جرافٌ غيرُ عنينِ
بالحقٍ أندُبُ يربُوعًا وترفعني بحيث تقصر أيدي مالك دوني
لا ترهبُنَّ ورائي ما حييتُ لكم جهلَ الغواةِ وخلوهم وخلوني
لو في طهيةَ أحلامٌ لما اعترضوا دون الذي كنت أرميه ويرميني
عندي طبيبٌ وقد أحمى مواسمه يكوي طهيةَ من داءِ المجانينِ
نبئتُ عقبةَ خَضَّافًا يعيبني يا رُبَّ آدرَ مِنْ ميثاء مأفونِ
يا عقب إني من القومِ الذين لهم نُعمى عليك وفضلُ غير ممنون
وهذا آخر القصيدة. قوله: ما بال جهلك .. إلخ، الخطاب لنفسه يعظها و"لا" زائدة عند النحويين، وقد شرحناه في الشاهد التاسع والخمسين بعد المائتين. وقوله: ماذا يهيجك إلخ ..، قال شارح ديوانه: المخترق: البارح من البوارح، أي: الريح الحارة في الصيف، وأفانين: ضروب رياحه، شبه الرياح في اختلافها بالأهوج الذي لا عقل له ولا جهة. انتهى.
وقوله: مجاشع قصب .. إلخ ..، مجاشع: هو مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو أحد أجداد الفرزدق، فإنه ابن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والجوف: جمع أجوف وجوفاء، قال في "القاموس": والجوفاء من القنا والشجر: الفارغة، والمكاسر جمع مكسر: وهو موضع الكسر يريد أنهم ضعفاء لا قوة لهم. وقوله: يا شب، هو مرخم شبة بن عقال بن شبة بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والجراف بضم الجيم: الكثير الجماع. وقوله: بالحق أندب يربوعًا .. إلخ. يربوع: أبو قبيلة جرير، وهو يربوع بن حنظلة المذكور، ويجتمع نسب الفرزدق وجرير عند حنظلة، والفرزدق ينتهي نسبه إلى دارم بن مالك بن حنظلة، وجرير ينتهي نسبه إلى كليب بن يربوع بن حنظلة.
[ ٥ / ٨٥ ]
قال شارح ديوانه: أندبهم: أذكر مناقبهم، ومالك: هو ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة انتهى. وقوله: لا ترهبن، هو فعل مسند إلى ضمير الجمع وهي الواو المحذوفة لسكونها وسكون نون التوكيد، والخطاب لقومه، والرهبة: الخوف، وجهل الغواة، مفعوله، والجهل: السفاهة. وقوله: لو في طهية أحلام .. إلخ، طهية بالتصغير: أراد بنيها، وهم أبو سود وعوف ابنا مالك بن حنظلة، فهم حي من قوم الفرزدق نسبوا إلى أمهم طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، والأحلام: العقول، والاعتراض الدخول بين اثنين، ودون: قدَّام، وأراد "بالذي" الفرزدق، فإن كلًا منهما يرمي الآخر بالهجو، ويقذف صاحبه به، وأراد بالمعترض: الحائل بينهما. هو قوله: نبئت عقبة، وهو عقبة بن سنيع الطهوي من بني ميثاء، وهي بنت شيبان ابن ربيعة بن أبي سود، [عرفوا بها وهم بنوزهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود] وهم شيطان وشداد وجعونة وثعلبة، كذا في "جمهرة الأنساب" وفي شرح ديوانه: ميثاء بنت زهير بن شداد الطهوي والله أعلم. والخضاف بمعجمتين الضراط: في "القاموس": خضف يخضِف خضْفًا وخِضَافًا: إذا ضرط، ويعيبني: يرميني بالعيب: ورب: يحتمل أن تكون لإنشاء التقليل والتكثير، والآدر: الذي له أدرة وهي انتفاخ الخصية، والمأفون: الضعيف العقل، وجواب رُبَّ محذوف يدل عليه يعيبني.
وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده:
[إليَّ] فهلَّا نفسُ ليلى شفيعُها
صدره:
ونبئتُ ليلى أرسلتْ بشفاعةٍ
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثامن بعد المائة.
[ ٥ / ٨٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الأربعمائة:
ولو قلَمٌ أُلقيتُ في شقِّ رأسِهِ مِنَ السُّقْمِ ما غيَّرْتُ مِنْ خطِّ كاتِبِ
على أنِّ المتنبي قد قيل: إنه قد لحن في هذا البيت، لأنه لا يمكن أن يقدر: ولو ألقي قلم. هو قول أبي حيان قال في "شرح التسهيل": فأما قول أبي الطيب المتنبي: فلو قلم ألقيت البيت فلحن، لأنه لا يمكن أن يقدر: لو ألقي قلم، وصار نظير: إن زيد ضربت بسيفه كان كذا، ولهذا لحن، لأنه لا يمكن حمله على تقدير فعل. انتهى. وقول المصنف: وأقول روي بنصب "قلم" يروي بالرفع والنصب، ولكل وجه، ولكن النصب هو الوجه، لأن "لو" ههنا حرف شرط يقتضي الفعل لازمًا مثل "إن" كما يجب النصب في مثل: إنَّ زيدًا تضرب غلامه أضربه، فكذلك ههنا وهو من باب ما اشتغل فيه الفعل عن المفعول بضميره، وإنما جاء وهمُ الرفع عند قائله من جهتين: منها أنه لم يعد الفعل المفسر إلا بحرف الجر، ولم يدخل على المضمر العائد على الأول إلا بواسطتين، ومنها، وهو أظهرها إيهامًا: أنه جاء على صيغة ما لم يسم فاعله، فتوهم أنه مثل قولك: لو زيد ذهب به، لكان كذا. أما كونه لم يعد بنفسه، فليس بشيء، إذ لا فرق بين قولك في وجوب نصب: إن زيدًا ضربته، وإن زيدًا مررت به، وأما كونه لم يدخل على المضمر إلا بواسطتين فغير معتبر أيضًا، وإنما المعتبر وجود الضمير معدّى إليه الفعل، أو إلى ما يتعلق به بنفسه، أو بواسطة
[ ٥ / ٨٧ ]
حرف الجر، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: إن زيدًا ضربته، وإن زيدًا ضربت غلامه، وإنما يجيء اللبس عند الضعفاء من جهة فهمهم أنه يقدر مثل ذلك الفعل، كقولك: زيدًا ضربته، أو ما في معناه من كل وجه، كقولك: زيدًا مررت به، لإمكان: جاوزت زيدًا، وليس الأمر كما توهموه، بل يقدر مثل الفعل إن أمكن، أو ما في معناه من كل وجه إن تعذر نفس الفعل، أو الملابسة إن تعذر الأمران مثل هذه المسألة التي نحن فيها.
وأما كونه جاء على ما لم يسم فاعله، فليس بمستند، إذ لا فرق بين نصب: الدرهم أعطيت له، وبين نصب: الدرهم أعطيته، وإنما المعتبر كون الفعل معدى إليه تعدي الناصب، وليس "زيد ذهب به" مثله؛ لأن الفعل لم يتعدَّ إليه تعدي الناصب، لأن الجار والمجرور في موضع رفع، فوجب الرفع لذلك، إذ شرط النصب كون الفعل معدى إلى المضمر، أو إلى ما يتعلق به تعدي الناصب، نعم لو قلت: الثوب كسيته، لجاء جواز النصب، وكل موضع يجوز النصب فيه إذا طرأ فيه ما يوجب الفعل وجب النصب، فتبين أن النصب واجب في قوله: ولو قلمًا، على تقدير: ولو لابست قلمًا ألقيت في شق رأسه، ولو قيل: ولو قلم ألقي به، وشبهه لوجب الرفع، وكان مثل ذلك: زيد ذهب به، لما تقدم من أن تعلقه بما يتعلق بالضمير على غير وجه تعدي الناصب، ولو قيل: إنه ليس من هذا الباب، وإنما هو من باب ما حذف منه فعله لكثرته في الكلام كقولهم: ائتني بدابة ولو حمار أو شبهه، فيكون التقدير: ولو كان قلم. ويكون ألقيت في موضع رفع صفة لقلم، لا أنه جيء به لتفسير فعل محذوف، كأنه قيل: ولو كان قلم أنا ملقىً في شق رأسه لما غير، إلا أنه ليس بالكثير، ولا بالظاهر في هذا، ولأن المفهوم من القائل: لو ألقيت في شق القلم، لا لو كان قلم. وقوله: من السقم متعلق بألقيت لا بغيرت، وإن كان المعنى يقوي غيرت لو ساعد الأمر اللفظي عليه، وعلى أن المعنى في تعلقه بألقيت مستقيم، أما كونه لا يصح تعلقه بغيرت، فلأن ما في حيز جواب الشرط لا يتقدم على الجواب، كما أن ما في حيز الشرط لا يتقدم عليه باتفاق، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: إن
[ ٥ / ٨٨ ]
تضربني في الدار أحسنت إليك، على أن يكون في الدار متعلق بأحسنت، بل يحكم قطعًا بأنه متعلق بتضربني، فكذلك هذا، على أن ثم مانعًا آخر، وهو أن ما في حيز النفي لا يتقدم عليه، إلا أنه لا ينبغي أن يستمسك به هنا لما وقع من الخلاف في مثله، لتقدم الظروف عليه، لاتساعهم فيه.
وأما بيان أن المعنى يستقيم بتعلقه بألقيت، فمن جهة صحة تعليله به، لأن إلقاءه فيه إنما صح من أجل السقم الذي هو عليه، ولولا ذلك لم يمكن باعتبار الطريق الذي يقصده الشعراء في استعمال الأوهام. وجواب لو قوله: ما غيرت، واللام محذوفة، وحذفها سائغ، فصيح في القرآن والشعر. كقوله تعالى: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) [الواقعة/ ٧٠]، وقوله: من خط كاتب، مبالغة من وجهين: أحدهما أنه أتى بمن المشعرة بالتبعيض. كأنه قال: ما غيرت شيئًا أصلًا. أو بمن الزائدة للتأكيد، وهي تقتضي تقوية ذلك المعنى. والثاني: أنه أتى بكاتب نكرة، ليفيد التعميم في كل خط لكل كاتب. وهو أبلغ من أن يكون مختصا فيها، أو في أحدهما. انتهى كلام ابن الحاجب برمته، وجميعه جيد إلا قوله: واللام محذوفة. فإن جواب لو المنفي لا يدخله اللام إلا قليلًا، والفصيح تركه. وقول المصنف: وقد يعلق بغيرت .. إلخ، يوهم صحة تعلقها به مع أنه لا يصح، لأن ما في حيز الجواب لا يجوز تقدمه، كما نبه عليه ابن الحاجب، فكان الأولى بتلخيص المصنف أن يقتصر على هذا، وكان المقدرة الرافعة لقلم تامة. ولم يكتب الواحدي على هذا البيت شيئًا أصلًا، وهو من قصيدة مدح بها أبا القاسم طاهر بن الحسين العلوي، مطلعها:
أعِيدُوا صباحي فهوَ عندَ الكواعبِ ورُدُّوا رُقادي فهو لحظُ الحبائبِ
[ ٥ / ٨٩ ]
وأنشد بعده وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الأربعمائة:
إذا ابنُ أبي موسى بلالًا بلغتِهِ
تمامه:
فقامُ بفأسٍ بينَ وصليكِ جازِرُ
على أنه روي برفع ابن، فيقدر له فعل رافع له على النيابة عن الفاعل، كما قدره، وبلال ينبغي أن يكون بالرفع، لأنه بدل من ابن، أو بيان له، وقد رأيته مرفوعًا في نسختين صحيحتين مقروءتين من "إيضاح" الشعر" لأبي علي الفارسي، إحداهما بخط ابن جني، وفي نسخ "المغني" نصبه مع رفع ابن، وقدر له الدماميني فعلًا آخر، أي: إذا بلغ ابن أبي موسى بلغت بلالًا بلغته، وتكلفه ظاهر مستغنى عنه، فإنَّ بلالًا تابع لابن رفعًا ونصبًا، فالمخالفة إنما جاءت من الناسخ، وروي بنصب ابن أيضًا قال سيبويه: والنصب عربي كثير، والرفع أجود. قال أبو جعفر النحاس: قد غلَّطه المبرد في الرفع، لأنَّ "إذا" بمنزلة حروف المجازاة، فلا يجوز أن يرتفع ما بعدها بالابتداء، وقال أبو إسحاق الزجاج: الرفع فيه بمعنى إذا بلغ ابن أبي موسى بلال. انتهى. وقوله: فقام بفأس .. إلخ، هذا جواب إذا، ودخلت الفاء على الفعل الماضي، لأنه دعاء كما تقول: إن أعطيتني، فجزاك الله خيرًا، ولو كان خيرًا لم تدخل عليه الفاء، وجازر: فاعل قام من جزرتُ الناقة: إذا نحرتها، والذي اتخذ النحر صنعة جزّار، وصنعة الجِزارة بالكسر. والبيت من قصيدة لذي الرّمة مدح بها بلال بن أبي موسى الأشعري، وقبله يخاطب ناقته:
أقولُ لها إذْ شمَّرَ السيرُ واستوَتْ بها البيد واستنت عليها الحرائر
شمر السير: جد، واستوت بها البيد، أي: لا علم بها يهتدي به، واستنت: اطردت وتتابعت، والحرائر جمع حرور: وهي ريح السموم.
[ ٥ / ٩٠ ]
وبلال من الطبقة الخامسة من التابعين مات سنة نيف وعشرين ومائة، قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": هو أمير البصرة وقاضيها، روى عن أنس فيما قيل: وعن أبيه، وعمه أبي بكر، وروى له الترمذي حديثًا واحدًا، وذكره البخاري في "الأحكام"، وذكره [أبو العرب] الصقلي في كتاب "الضغفاء"، قال خليفة بن خياط: ولاَّه خالد القسري القضاء سنة تسعة ومائة، وحكي عن مالك بن دينار أنه قال لما ولي القضاء: يالكِ أمة هلكت ضياعًا، فلم يزل قاضيًا حتى قدم يوسف بن عمر سنة عشرين ومائة فعزله. وروى المبرد أن أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال، وكان يقول: إن الرجلين ليختصمان إليَّ، فأجد أحدهما أخفَّ على قلبي، فأقضي له. وروى ابن الأنباري أنه مات في حبس يوسف بن عمر. وأنه قتله دهاؤه. قال للسجان: أعلم يوسف أني قد مت، ولك مني ما يغنيك، فأعلمه. فقال يوسف: أحب أن أراه ميتًا، فرجع إليه السجان، فألقى عليه شيئًا فغمه حتى مات. انتهى.
وروي المرزباني في "الموشح" عن الجرجاني، عن المبرد، عن التوزي أنه قال: أنشد ذو الرمة قصيدته في بلال. فلما بلغ قوله:
إذا بن أبي موسى بلالًا بلغته .. البيت.
قال له عبد الله بن محمد بن وكيع: هلاَّ قلت كما قال سيّدك الفرزدق:
قدِ استبطأتُ ناجيةً ذَمُولًا وإنَّ الهَمَّ بي وَبِها لَسَامِي
أقولُ لناثتي لمَّأ ترامتْ بنا يدٌ مُسَرْبَلَةُ القَتَامِ
إلامَ تلفتين وأنتِ تحتي وخيرُ الناسِ كلِّهِمُ أمَامِي
[ ٥ / ٩١ ]
متى تردِي الرُّصافةَ تستريحي من التصديرِ والدَّبْرِ الدَّوامِي
انتهى.
وأقول: الفرزدق قد سلك طريقة الأعشى ميمون في مدح النبي ﷺ وهو قوله:
فآليتُ لا أرثي لها من كلالةٍ ولا من حفيً حتى تُلاقي مُحمَّدا
متى ما تُنَاخي عندَ بابِ ابن هاشمٍ تُراحي وتلقَى من فواضِلِهِ نَدَى
وذُو الرمّة مأخذه من قول الشماخ:
رأيتُ عرابةَ الأوسي يسمُو إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ تلقَّاها عرابةُ باليمينِ
إذا بلغتني وحملتِ رَحْلي عرابةَ فاشرَقي بِدَمِ الوتينِ
وقد عاب بعضُ الرواة قوله: فاشرقي بدم الوتين، فقال: كان ينبغي أن ينظرَ لها مع استغنائه عنها، فقد قال رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله! إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال رسول الله ﷺ: "لبئسما جزيتها"، وقال ﷺ: "لا نذر في معصية الله جل وعز، ولا نذر للإنسان في غير ملكه"، وقد استقصينا ما قيل على الطريقتين، وبسطنا الكلام على مسألة البيت
[ ٥ / ٩٢ ]
الشاهد، وعلى ترجمة بلال في شرح الشاهد الستين بعد المائة من شواهد الرضي وترجمة ذو الرّمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده:
ونحنُ عنْ فضلِكَ ما استغنينَا
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الأربعمائة:
عندِي اصطِبَارٌ وأمَّا أنَّني جَزِعٌ يومَ النوى فَلِوَجْدٍ كاد يبريني
على أنه قد جاء خبر المبتدأ الواقع بعد أمّا مؤخرًا، فإنَّ قوله: أنَّني جزع، بفتح أن في تأويل مصدر، وهو جزعي، والخبر الجار والمجرور بعد الفاء، وجملة "كاد يبريني" في محل الصفو لوجد، ويوم متعلق بجزع، والنوى هنا: الفراق، وأصل التركيب: إما يكن من شيء، فجزعني لوجد، فحذف الشرط، وأخر الفاء إلى الخبر كراهة التقاء حرفي الشرط والجزاء، وتأخير الخبر جائز إذا كان المبتدأ أنِّ ومعمولها مع أما، وبدون أمّا يجب تقديمه نحو قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ) [فصلت/ ٣٩]، وأورده المصنف في "شرح الألفية" على أن المبتدا إذا كان أن وصلتها يجب تقديم الخبر خوفًا من التباس إن المكسورة بالمفتوحة، ومن التباس المصدرية بالتي بمعنى لعل ما لم تكن بعد أما كما في البيت، فإنه يجوز فيه التقديم والتأخير، وكذا قال السيد عبد الله الخبيصي في "شرح الكافية" وفي"شرح اللب" قال: إذا كانت أنَّ مصاحبة لأمّا لا يجب تأخير المبتدأ لعدم لبس المفتوحة بالمكسورة حينئذ،
[ ٥ / ٩٣ ]
لأنَّ أما لا يليها إن المكسورة، فجائز أن يقال: أمّا معلوم، فإنك فاضل، وأمّا أنك فاضل فمعلوم، ومنه قوله: دأبي اصطبار .. البيت، والرواية عنده في الكتابين: دأبي اصطراب، والدأب: العادة والشأن، قال الزمخشري: الدأب في الأصل مصدر دأب في العمل: إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والوجد: الحزن، والبري: النحت، يقول: شأني وعادتي الاصطبار على الشدائد، وأما جزعي يوم الفراق، فلوجد كاد يهلكني، قال آخر:
لقتلٌ بحدِّ السيفِ أهونُ مَوْقِعًا على النفسِ مِنْ قتلٍ بحدِّ فِراقِ
والبيت مشهور في كتب النحو، ولم يعرف قائله والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الأربعمائة:
ما أطيبَ العيشَ لو أن الفتى حجرٌ تنبُو الحوادِثُ عنه وهو ملمُومُ
على أنَّ خبر أنَّ الواقعة بعد لو فيه اسم جامد، قال أبو حيّان في "شرح التسهيل": زعم السيرافي أنه لابدَّ أن يكون خبر أنَّ الواقعة بعد لو فعلًا، قال بعض أصحابنا: وذلك على جهة الغلط من السيرافي، ونسب المصنف - يعني ابن مالك - هذا المذهب إلى الزمخشري، قال المصنف في "شرح الكافية": وقد حمل الزمخشري ادعاؤه إضمار "ثبت" بين لو وأنّ على التزام الخبر فعلًا، ومنعه أن يكون اسمًا، ولو كان بمعنى فعل، نحو: لو أنَّ زيدًا حاضر، وما منعه شائع ذائع في كلام العرب، كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ) [لقمان/ ٢٧] وكقول الزاجر:
لَوْ أنَّ حيًّا مُدْرِكُ الفلاحِ
[ ٥ / ٩٤ ]
وكقول الآخر:
ولوْ أنَّ حيًّا فائتُ الموت فاتَهُ أخُو الحربِ فوقَ القارح العدوان
وكقول الآخر:
ولو أن ما أبقيتِ مني معلقٌ بعودِ ثُمامٍ ما تأوَّدَ عُودُهَا
وكقول الآخر:
ولو أنَّهَا عصفورةٌ لحسِبْتُها البيت. انتهى
وأنشدنا أحد المنتسبين لعلم النحو، وهو الشيخ أبو عمر عثمان المدلجي بالقاهرة:
ما أطيبَ العيشَ لو أنَّ الفتى حجرٌ .. البيت
وقال امرؤ القيس:
فلو أنَّ ما أسعُى لأدْنى معيشةٍ .. البيت.
هذا آخر كلام أبي حيان، وتعقب الدماميني المصنف بأنَّ هذه الآية التي تبجح باستخراجها، لو فيها للتمني لا للشرط، والكلام في لو الشرطية، وقد ذكر المسألة ابن الحاجب في منظومته، فقال:
لّوْ للتمنِي ليسَ منْ ذَا الباب لو أنَّهُمْ بادُونَ في الأعرابِ
انتهى. قال بعض مشايخنا فيما كتبه على "الألفية": يدعي أن لو التي للتمني شرطية أشربت معى التمني، كما نقله في "المغني" وصححه أبو حيان في "الارتشاف" وذلك لأنهم جمعوا لها بين جوابين: جواب منصوب بعد الفاء، وجواب باللام كما تقدَّم، فلعله يختار هذا القول، فتبجحه على مختاره، خصوصًا وكلام الزمخشري في "المفصل" يميل إليه، وحينئذ فقول ابن الحاجب ليس من ذا الباب، أي من باب لو الشرطية ممنوع عنده، وكلامه في "المغني" يشعر بأن هذا الحكم ثابت للوفي جميع أحوالها؛ لأنه بعد أن ذكر، أقسامها قال: وهنا مسائل إحداها: أن لو .. الخ، ولم يقيدها في تلك المسائل بقسم، ويرجع النزاع بينه وبين ابن الحاجب في إثبات ذلك، ويصير تبجحه صحيحًا. انتهى كلامه.
[ ٥ / ٩٥ ]
والبيت لتميم بن أبي بن مقبل، وبعده:
لا تُحرِزُ المرءَ أحجاءُ البلادِ ولا تُبنى له في السمواتِ السلاليمُ
لا ينفعُ المرءَ أنصارٌ ورابيةٌ بأبَى الهوانَ إذَا عُدَّ الجراثيمُ
كذا أوردها أبو محمد عبد الله الشهر بابن بري في "شرح أبيات الإيضاح" قوله: لو أن الفتى حجر، ذكر الحجر، وأراد لازمه، وهو طول البقاء، قال ابن جني في "الخصائص": الحجارة مما يوصف بالخلود والبقاء، ألا تراه كيف قال ابن مقبل: ما أطيبَ العيشَ .. البيت؟ وقال:
بقاء الوحي في الصُّمِّ الصِّلابِ. انتهى.
وقال ابن خلف في "شرح شواهد سيبويه": ومما وقع فيه العام موقع الخاص قول ابن مقبل: ما أطيب العيش .. البيت.
لم يرد أن يكون حجرًا على الحقيقة، وإنما أراد من الحجر بقاءه وثباته مع مرور الحوادث عليه، يشهد بهذا المعنى قوله: "ما أطيب العيش"، والحجر لا يجد لين عيش ولا خشونته، فقوله: "ما أطيب العيش" ينفي أن يكون تمنى أن يكون حجرًا على القحيقة، وإنما تمنى بقاءه لا غير، فأوقع الحجر وهو عام موقع البقاء، وهو خاص. هذا كلامه.
وتنبو: تبعد، من نبا الشيء نبوًا، من باب قتل، ونبوًا على مفعول: إذا بعد، أو من نبا السّيفُ عن الضريبة: إذا رجع من غير قطع، أو من نبا السهم عن الهدف: إذا لم يصبه، أو من نبا الطبعِ عن الشيء: إذا نفر ولم يقبله، والملموم: المجموع. وقوله: لا تحرز المرء: من أحرزه، إذا صانه وحفظه، والمرء: مفعوله، وأحجاء فاعله، وهو جمع حَجا، بفتح الحاء المهمملة فجيم فألف مقصورة، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": قال الليث: وأحجاء البلاد: نواحيها وأطرافها، قال ابن مقبل: لا يحرز المرء أحجاء البلاد .. البيت.
[ ٥ / ٩٦ ]
وقال القالي في كتاب "المقصور والممدود": الحجا، بفتح أوله والقصر: الملجأ الذي يُلتجأ إليه، ويقال: هو الجانب أنشد أحمد بن يحيى:
لا تحرز المرء أحجاء البلاد .. البيت،
وكذا قال ابن ولاَّد في كتاب "المقصور والممدود" والسلاليم: جمع سلم، وقياسه السلالم، قال ابن بري وغيره: والياء في السلاليم إشباع، زادها ضرورة، والرابية: ما ارتفع من الأرض، وأراد به القلعة العالية المرتفعة، والهوان، بالفتح: الذلّ، والجراثيم: جمع جرثومة، وهي الأصل، يقال: إنه لفي جرثومة من قومه، وإذا: ظرف ليأبى، وفاعل يأبى ضمير المرء.
وتميم: هو تميم بن أُبيّ - بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد الياء - ابن مقبل بن عوف بن حنيف بن قتيبة بن العجلان بن كعب بن ربيعة بن عامر بن عصعصة، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وعاش مائة وعشرين، وكان يهاجي النجاشي، فهجاه النجاسي، فاستعدي عليه عمر بن الخطاب، فحبس النجاشي وضربه، وبعضهم بغير اسم أبيه، فيقول: تميم بن أبي مقبل، والصواب ما ذكرنا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الأربعمائة:
ولو أنهّا عُصفورةٌ لحسبتَها مسوَّمَةً تدعُو عُبَيْدًا وأَزْنَمَا
لما تقدَّم قبله، والبيت من قصيدة للعوامَ بن شوذب الشيباني، كذا في كتاب "مقاتل الفرسان" أبي عبيدة معمر بن المثني، وكذا في "العقد الفريد" لابن عبد ربه، أوردها له في العُظالى وفي كتاب "التصحيف" أيضًا للإمام العسكري، قال في يوم العُظالى، وفي "معجم ما استجم" لأبي عبيد البكري قاله في مليحة اسم مكان، وكذا في "العباب" الصاغاني في مادة "عصفور". وقال
[ ٥ / ٩٧ ]
السيوطي: البيت من مقطوعة لجرير قالها في يوم العُظالى، وقبله بيتان، ووقع في "شواهد العيني الكبرى" نسبة: ولو أنها عصفورة .. البيت، إلى العوّام بن شوذب الشيباني، ولا أدري من أين له ذلك، فإنه مع البيتين من قبله في ديوان جرير، انتهى كلامه، وأقول: بل القصيدة في ديوان جرير، لكن ليست لجرير، وإنما هي للعوّام المذكور، أوردها شارح ديوانه محمد بن حبيب بعد ذكر يوم العُظالى، قال العسكري: العين من عُظالى مضمومة غير معجمة، والظاء منقوطة، سُمي بذلك لتعاظلهم على الرياسة، والتعاظل: الاشتباك والاجتماع، يوم بين بني تميم وربيعة، وفرّ بسطام بن قيس الشيباني في هذا اليوم، فقال فيه العوام بن شوذب، وأنشد الأبيات الثلاثة التي أنشدها السيوطي، وهي مطلع القصيدة.
قال ابن حبيب في "شرح ديوان حرير": كان من قصّة العُظالى أنَّ بسطام بن قيس بن مسعود وهانئ بن قبيصة بن هانئ أحد بني أبي ربيعة بن ذهل وبسطام بيت ربيعة، وهانئ بيتها الثاني، ومفروق بن عمرو بن قيس الأصم خرجوا متساندين على ثلاثة ألوية، فساروا في خيل عظيمة من بني شيبان حتى نزلوا هضبة الحصيّ من أرض بني يربوع فأشرفوا من مرقب الخصيِّ، فإذا هم بالناس بالحديقات، فبعثوا طليعتهم فأخذوا المطوّح بن أطيط [بن قرط بن عاصم] وهو غلام في إبل له، فأتوا به بسطامًا فعرفه، فقال له: إيه يا مطوّح أين قومك من السواد الذي أرى؟ قال: أما السواد الذي رأيت، فهم بنو زبيد بن سليط بن يربوع، وأما قومي بنو ثعلبة، فإنهم نزلوا اليوم روضة الثمد من بطن مليحة، فقال: أخبرني من شهد من فرسان قومك الحيّ، فقال: أما عُبيد فها هنا منهم بنو أزنم وبنو عاصم، قال: نعم، قال: أثمَّ من آل عتيبة أحد؟ قال: نعم عمارة بن عتيبة، قال: أفمن آل أبي مُليل؟ قال: نعم بنو الغطفانية، قال: أفي هذا السواد الذي أرى أسيد بن حِنّاءة السليطيّ؟ قال: نعم، قال: يا بني شيبان تقبّضوا على هذا الحيّ الحريد، فأصبحوا غدوة في بطن الإياد غانمين سالمين، فقال له هانئ: لقد امتلأ سَحَرُك يا أبا الصهباء
[ ٥ / ٩٨ ]
إنًّ عتيبة قد مات! قال: أما إذ قلت هذا فسأحدّثك ما أنت لاق، أما أنت فلن تَغُرِّ أسيد بن حناءة من رأس الشقراء الليلة، فإذا أحس غُدوة بكم جال قفي متن الشقراء، ثمَّ أشرف مليحة، فإذا أشرف نادى يال ثعلبة، فيلقاك طعن ينسيك الغنيمة فباتوا وقد حسبوا المطوح حتى ركبوا بليل فتقبضوا على بني زبيد، وذلك بسواد، غير أنَّ أسيدًا وثب على الشقراء، فتبعه أربعة فوارس منهم، فأقبل عليهم فقال: من أنتم؟ اللهِ لا نتكاذب، فقال أحدهم: بسطام ومفروق وهانئ والدَّعَّاء، فقال: أبا سوء صباحاه! ثم ركض حتى أشرق فنادى: يال ثعلبة، فركب بنو ثعلبة حتى وافى سبعة فوارس من بني ثعلبة فيهم قعنب ومعدان ابنا عصمة، وعفاق بن عبد الله، وعمارة بن [عتيبة وهو هجين] عتيبة، ووديعة بن مرثد، ودرّاك بن النجّار، وعمارة بن [عتيبة وهو هجين] عتيبة، ووديعة بن مرثد، ودرّاد بن النجّار، وأُحيمر بن عبد الله، وأقبلت بنو شيبان يسوقون بني زبيد معهم، فلما برز الفوارس السبعة قال قعنب: يا بني ثعلبة إنَّ خببَ الخيل جبن، قال عمارة: أما أنا فإليَّ وازع الخيل، وقال وديعة: كل امرئ سَيُرى وقعُه، حتى التقوا بالأفاقة، فقال الأحيمر: يا بني ثعلبة لئن صدِّت خيلكم [قيس] قدر سوطي لا تُدعى لكم داعية بعد اليوم، ولقي بسطام الأحيمر، فقال [له]: ويلك يا أحيمر إني لأنفسك على الموت، قال: وهل أبقيت مني [إلاَّ] شلوًا؟ والله لا تغرب الشمس وكلانا حي، ثم رماه بالشقراء، فاختلفا طعنتين، فانكسر رمح الأحيمر [فأمال بسطام يده بذات النسوع]. وحمل وديعة بن مرثد على هانئ بن قبيصة فأسره، وقتل فُقْحُلُ ابن مسعدة أحد بني أبي ربيعة عمارةَ بن عتيبة، فحمل عليه قعنب بن عصمة فقتله، ففرَّ بسطام والدّعّاء ومفروق والضُّرَيْس وعمرو بن الحزوّر أخو بني الحارث بن همام، وحمى الناسَ بسطامٌ، وكان رجلًا ثقيلًا، وكانت عليه الدرع، وكان على مهر، فمر برمل فنزع درعه فألقاها، ثمَّ هال عليها، وأتبعهم الخيل، حتى إذا كانوا ببطن موضوح لحق عفاق بن عبد الله فأخلف له عمير بن الحزوّر الرمح، فقتله فحمل عليه قعنب فأسره، وكان من فرسان بني الحارث، فدفعه إلى أبيه أبي مُليل، فقتله بعفاق صبرًا، وعانق الأحيمر الضُّرَيْس فأسره، وحمل قعنب وأسيد، فابتدرا
[ ٥ / ٩٩ ]
مفروق ابن عمرو، فطعناه طعنة أثقلته، فمات، وأسر عتوة بن أرقم بن نويرة رجلًا من بني الحارث بن همام يقال له العوام بن شوذب، فقال في ذلك وهو في أيدي بني يربوع:
إنْ يكُ في يومِ الغبيط ملامةُ فيومْ العظالىَ كانَ أخزىَ وألأوما
وفر أبو الصهباءِ إذْ حمس الوغى وألقى بأبد ان السلاح وسلما
وأيقنَ أن الخيل إن تلتبس به تمْ عرسهُ أوْ تملأ البيتَ مأتما
ولو أنها عصفورةُ لحسبتها البيت
أنالكَ قيدًا بالغبيط لقاهمُ ويومَ العظالى إذ نجوت مكلما
فررتم ولمْ تلووا على مرهقيكمُ لو الحارثُ المقدامُ فيها لأقدما
ولو أن بسطامًا أطيعَ بأمرهِ لأدى إلى الأحياء بالحنوِ مغنما
ولكنَّ مفروقَ القفا وابن أمهِ ألاما وليما في البيات وشئتما
أناخا يريدانِ الصباحَ فصبحًا فكانت على الركبان ساعةَ أشأما
فلما بلغ بسطاما ذلك أغار على لقائح لأمه، فأخذها فقالت في ذلك:
أرى كل ذي شعرِ أصاب بشعرهِ سوى أن عوامًا بما قال عيلا
أي: صير أهله عالةً فقراء. قوله: إن يك في يوم الغبيط، بقتح الغين المعجمة، وكسر المعجمة، قال صاحب "العقد الفريد": غزا بسطام قبل يوم العظالى على بني ثعلبة بن يربوع فانهزمت الثعالب، واستاقوا إبلهم، فركب عليهم بنو مالك فيهم عتيبة بن الحارث، فأدركوهم بغبيط المدرة، فقاتلوهم حتى هزموهم، ولحق عتيبة بسطامًا، فقال: استأسر يا أبا الصهباء، فأسره، ولم يزل عنده حتى فادى
[ ٥ / ١٠٠ ]
نفسه بأربعمائة بعير وثلاثين فرسًا وجز ناصيته، وعاهدة أن لا يغزو بني شهاب أبدًا.
انتهى.
وقوله: وفر أبو الصهباء: هو كنية بسطام؛ وحمس كفرح: اشتد، والوغي: الحرب. وقوله: تئم عرسه، أي: تبقى امرأه بلا زوج، والعرس بالكسر: الزوجة، وآمت تثيم أيما إذا صارت أيما كسيد، وهي التي لا زوج لها، و"أو" بمعنى "إلى"، والمأتم: جماعة النساء يجتمعن لفرح أو حزن، والمراد هنا الثاني. وقدر روى هذا المصراع كذا: "يقد عانيًا أو يملؤوا البيت مأتمًا" يعني: يقودونه أسيرًا.
ولو أنها عصفورة .. إلخ، ضمير أنها راجع إلى شيء معلوم من المقام، أي: ولو أن التي تخيلت لك عصفورة، قال الصاغاني في "العباب": قال أبو حاتم في "كتاب الطير": العصفور والنقاز، بضم النون وفتحها واحد، فالذكر أسود الرأس والعنق، وسائر إلى الورقة، وفي جناحيه حمرة، والأنثى عصفورة بالهاء، ولونها إلى الصفرة والبياض، ولم يحسن أبو الدقيش صفته، ويقال لها: نقازة، وأنشد للعاوام بن شوذب الشبياني: ولو أنها عصفورة .. البيت. انتهى. وقوله: لحسبتها، بالخطاب بعد الغيبة من باب الالتفات، وعبيد بالتصغير وأزنم: بطنان من بني يربوع لا ينصرفان، ومسومة، أي: خيلًا مسومة، وهي الخيل المعلمة بعلامة، وقال الأزهري: الخيل المسومة المرسلة وعليها ركبانها، قال أبو بكر التاريخي في "طبقات النحاة": قال أبو عمرو بن العلاء: سرق جرير من العوام الشيباني قوله: ولو أنها عصفورة .. البيت، فقال:
ما زلتَ تحسبُ كلَّ شيءٍ بعدهمْ خيلًا تكر عليهمُ ورجالًا
وحدثني الحارث بن أبي أسامة عن المدلئي قال: أنشد الأخطل قول جرير:
ما زلتَ تحسبُ كل شيءٍ بهدهم .. البيت.
[ ٥ / ١٠١ ]
وقيل له: لقد أحسن، فقال: نعم إلا أنه أخذه من كتابهم: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) (المنافقون/٤) انتهى. ولم يصب الدماميي في قوله: هذا كلام من أخذ الخوف مجامع قلبه، يقول: لو أن الذات التي أراها عصفورة، خيل إلي من شدة الجزع أنها فرس مسومة، أي: معلمة تدعو هذين الشخصين للقتال. انتهى. فظن أن حسبتها بالتكلم، وأن "عبيد وأزنم" شخصان لا قبيلتان.
وقوله: ولم تلووا، أي: لم تعطفوا، ومرهق: اسم فاعل من أرهقه، أي: ضايقة وكلفه مالا يطيقه. وقوله: لو الحارث المقدام فيها، هذا دليل على حذف كان وحدها، فإن الحارث اسمها، والمقدام، أي: الجريء، صفته و"فيها" خيرها، والحارث هنا: الحارث بن شريك، وهو الحوفزان، وقوله: لأدى إلى الأحياء، جمع حي بمعنى القبيلة. وقوله: ألاما، يقال: ألام الرجل: إذا فعل ما يستحق به اللوم، وليما: أوقع عليها اللوم، وشئما: أي: نسبا إلى الشؤم. وصاحب هذا الشعر جاهلي، وهذا اليوم من أيام الجاهلية.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الأربعمائه:
لَوْ أن حيًا مدركُ الفلاحِ أدركهُ مُلاعبُ الرماحِ
على أن خبر أن بعد لو قد جاء وصفًا اسم فاعل، كذا في "صحاح الجوهري" ورواه ابن الأنباري في "شرح المفضليات": "لو كان حي مدرك الفلاح"، ورواه الشريف الحسيني في "حماسة": "لو كان شيء مدرك الفلاح" وعليهما لا شاهد فيه. قال الجوهري في مادة "لعب": كان يقال لأبي براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ملاعب الأسنة، فجعله لبيد ملاعب الرماح لحاجته إلى القافية، فقال:
[ ٥ / ١٠٢ ]
"لو أنَّ حيًا مدرك الفلاح .. إلخ". وقال أيضًا في مادة "رمح" مثل ذلك إلى أن قال: فقال لبيد يرثيه وهو عمه:
قوما تنوحانِ معَ الأنواحِ وأبنا ملاعبَ الرماحِ
أبا براءٍ مدرهَ الشياحِ في السلبِ السودِ وفي الأمساحِ
انتهى. وقوما: فعل لامرأتين، وجملة تنوحان: حال، وأنواح: نساء نائحات، وأبنا أمر لهما بالتأبين، وهو مدح الميت.
وأبو براء، بفتح الموحدة والمد: كنية عم لبيد، قال ابن قتيبة في ترجمة لبيد من كتاب "الشعراء": وملاعب الأسنة عم لبيد، وهو عامر بن مالك، وسمي ملاعب الأسنة بقول أوس بن حجر:
ولاعبَ أطرافَ الأسنة عامر فراحَ لهُ حظ الكتيبةِ أجمعُ
وكان ملاعب الأسنة أخذ أربعين مرباعًا في الجاهلية. انتهى. والمرباع:
ربع الغنيمة التي تؤخذ في الحروب، والأسنة: جمع سنان، وهي حديدة الرمح التي يطعن فيها، وملاعب: اسم فاعل، يراد أنه يلاعب الفرسان بها في الحروب. وقال الزمخشري في "أمثاله": "أفرس من ملاعب الأسنة" إنما لقبت بذلك، لأنه صارع ضرار بن عمرو فصرعه كرات، فقال له: من أنت يا فتى؟ كأنك ملاعب الأسنة، وقيل: لقب به لقول أو بن حجر يعير أخاه طفيل بن مالك:
فرارًا وأسلمتَ ابنَ أمكَ عامرًا .. يلاعبُ أطرافَ الوشيج المزعزعِ
انتهى.
قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": ملاعب الأسنة جماعات، منهم:
أبو براء المذكور، ثانيهم: ملاعب الأسنة الحارثي، واسمه عبد الله بن الحصين بن يزيد، والثالث: ملاعب الأسنة أوس بن مالك الجرمي، فارس شاعر. انتهى.
[ ٥ / ١٠٣ ]
والمدره، بكسر الميم وآخره هاء: زعيم القوم والمتكلم عنهم، من درهت عن القوم: دفعت عنهم، مثل درأت وهو مبدل منه، والشياح بالكسر: جمع شيح، بالكسر أيضًا وهو الجاد في المور. والسلب بضمتين جمع سلاب بالكسر، وهي ثياب المأتم السود. والأمساح: جمع مسح، بالكسر، وهو البلاس. ونسب الرجز الشاهد الشريف ضياء الدين هبة الله علي بن محمد بن حمزة الحسيني في "حماسته" إلى بنت ملاعب الأسنة، رثت به أباها، والبيتنا أول رجز وهو:
لوْ كانَ شيءْ مدركَ الفلاح أدركهُ ملاعبُ الرماحِ
لوْ غياثَ المرمل المتاح وعصمةٍ في الزمنَ الكلاحِ
ومعملَ تشكو ألمَ الجراح وذائدَ الكتيبة الرداحِ
بالخيل تشكو ألمَ الجراحِ وفتيةٍ هبوا إلى المراحِ
باكراتهمْ بحللٍ وراحِ وفينةٍ ومزهرٍ صداحِ
وزعفرانٍ كدمِ الأذباحِ
هذا ما أورده الشريف. ومدرك: اسم فاعل من أدركه: إذا لحقه وبلغه، والفلاح: البقاء، وغياث بالنصب: خير كان، واسمها مستر فيها، والغياث: اسم الإغاثة، وهي الإعانة والنصر، والمرمل: اسم فاعل من أرمل الرجل: إذا نفد زاده وافتقر، والممتاح: اسم فاعل من امتاح: إذا سأل، والكلاح بالضم: السنة المجدبة، قاله الجوهري وأنشد هذا البيت، ومعمل: اسم فاعل من أعمل بمعنى استعمل، والناحية: الناقة السريعة، والوقاح بفتح الواو: الصلب، والذائد: الطارد، والكتيبة: الطائفة المجتمعة من الجيش، والرداح بفتح الراء قال الجوهري: وكتيبة رداح: ثقيلة في السير لكثرتها. وقوله: وفتية، أي: رب فتية، وهبوا:
قاموا من النوم، والمراح بكسر الميم: اسم للمرح مصدر مرح من باب تعب، وهو شدة الفرح والنشاط، وباكرتهم: جواب رب المقدرة وهو خطاب، والراح: الخمر، والقينة: الأمة المغنية، والمزهر بكسر الميم: الدُّف، وهو من آلات اللهو،
[ ٥ / ١٠٤ ]
وصداح: مبالغة صادح، من صدح الديك والغراب صدحًا، أي: صاح، قاله الجوهري، وأنشد البيت، وأذباح: جمع ذبح بالكسر: وهو ما يذبح.
ولبيد: صحابي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والستين. وعمه أبو براء شاعر فارس جاهلي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الأربعمائة:
(٤٣٤) لو يشأ طار به ذو ميعةٍ لاحقُ الآطالِ نهدٌ ذو خصلْ
على أن جماعة منهم ابن الشجري قالوا: إن "لو" تجزم في الشعر كما في هذا البيت، والذي بعده. قال ابن مالك في "التسهيل" في فصل لو: واستعمالها في المضي غالبًا، فلذا لم يجزم بها إلا اضطرارًا، وزعم اطراد ذلك على لغة. انتهى.
وقال في "شرح الكافية": وأجاز الجزم بها في الشعر قوم منهم ابن الشجري، واحتج بقول الشاعر: لوْ يشأ طارَ بهِ البيت. وهذا لا حجة فيه، لأن من العرب من يقول: جايجي، وشايشا بترك الهمزة، فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغته ترك همزة يشاء ثم ابدل الألف همزة، كما قيل في عالم عألم، وخاتم خأتم، وكما فعل ابن ذكوان في (تأكلُ منسأتهُ) (سبأ/٣٤) حين قرأ: (منسأته) بهمزة ساكنة، فهو في الأصل منسأة مفعلة، من نسأة، أي: زجره بالعصا، ولذلك سميت منسأة، فأبدل الهمزة ألفًا، ثم أبدل الألف همزة ساكنة، فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشا. وأما قول الآخر: تامت فؤادك لو يحزنك .. البيت، فهذا من تسكين ضمة الإعراب تخفيفًا، كما قرأ أبو عمرو (وَيَنْصُرْكُمْ) (التوبة ٧/ ١٤) (وَيُشْعِرْكُمْ) (النعام/ ١٠٩) وكما قرأ بعض السلف (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف/ ٨٠) بسكون اللام. انتهى كلامه. وقال أبو حيان في شرح
[ ٥ / ١٠٥ ]
"التسهيل": "وزعم اطراد ذلك على لغة" ما نصه: وأجاز الجزم بها في الشعر جماعة منهم ابن الشجري، واحتج بقول الشاعر السابق، فعلى هذا يكون في "لو" مذاهب:
أحدها: أنها لايجزم بها في الكلام، ولا في الشعر.
الثاني: أنه يجزم بها في ضرروة الشعر.
الثالث: أنه يجزم بها على اطراد في لغة. انتهى.
وأورد ابن الشجري البيت الشاهد في موضعين من "أماليه"، الموضع الأول في المجلس الثامن والعشرين، قال فيه: بيت للرضي من قصيدة رثى بها أبا إسحاق إبراهيم ابن هلال الكاتب الصابئ:
إنَّ الوفاءَ كما اقترحت فلوتكن حيًا إذنْ ما كنتَ بالمزدادِ
جزم بلو، وليس حقها أن يجزم بها، لأنها مفارقة لحروف الشرط، وإن اقتضت جوابًا كما تقتضيه "إن" الشرطية، وذلك أن حرف الشرط ينقل الماضي إلى الاستقبال، كقولك: إن خرجت غدًا خرجنا، ولا تفعل ذلك لو، وإنما تقول:
لو خرجت أمس خرجنا، وقد جاء الجزم بلو في مقطوعة لامرأة من بني الحارث بن كعب:
فارسًا ما غادروه ملحمًا غير زميلٍ ولا نكسٍ وكلْ
لوْ يشأ طاربهِ ذو ميعةٍ لاحق الآطالِ نهدٌ ذو خصلْ
غير أنَّ البأسَ منهُ شيمةٌ وصروفُ الدهرٍ تجري بالأجل
انتهى. وكتب ابن الخشاب في هامش النسخة بخطة: ليس للرضي، ولا لأمثاله أن يرتكب ما يخالف الأصول، ولكن لو جاء مثل هذا عن العرب في ضرورات شعرهم، لاحتمل منهم، وذلك أن "لو" وإن كانت تطلب جوابًا كما يطلبه حرف الشرط، ليست موجبة للاستقبال كإذا، بل يقع بعدها الماضي للماضي، كما يقع
[ ٥ / ١٠٦ ]
المستقبل للمستقبل، فلا يجزم بها البتة، وليس في قوله: يشأ شاهد على الجزم بلو، ولكنه مقصور غير مهموز، كما يقصر الممدود في الشعر. انتهى.
والموضع الثاني في المجلس الأربعين، قال فيه: ولو من الحروف التي تقتضي الأجوبة، ويختص بالفعل، ولكنهم لم يجزموا به، لأنه لا ينقل الماضي إلى الاستقبال، كما يفعل ذلك حروف الشرط، وربما جزموا به في الضرورة، قالت امرأة من بني الحارث بن كعب:
فارسًا ما غادروهُ ملحمًا الأبيات الثلاثة.
واقتدى بها في الجزم به أبو الحسن الرضي، ﵁، في قصيدة رثي بها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ:
إنَّ الوفاءَ كما اقترحتَ فلو تكنْ البيت. انتهى.
وكتب هنا أيضًا ابن الخشاب: قد تقدمت هذه الأبيات، وذكره في "لو يشاء" الجزم، وجعله إياها حجة للرضي في الجزم بلو، وقد رددت ذلك هناكبما يغني عن الإعادة. انتهى.
والأبيات الثلاثة أوردها أبو تمام، في آخر باب المراثي من "الحماسة" منسوبة إلى تلك المرأة الحارثية، ولم يتكلم شراحه بما يتعلق بجزم "يشأ" ووقع "فارس" في روايى "الحماسة" وشروحها بالرفع، ورواه ابن الشجري بالنصب ويجوز فيه الرفع وتبعه ابن الناظم، رواه في باب الاشتغال بالنصب، وقال ابن الخشاب فيما كتبه على "أمالي ابن الشجري": الرواية برفع "فارس"كذا رواه أبو زكريا عن المعري وغيره، وكذا قرأناه على الشيوخ عنه. قال ابن الشجري: الرواية نصب "فارس" بمضمر يفسره الظاهر، وما صلة، والمفسر من لفظ المفسر، لأن المفسر متعد بنفسه إ"لى ضمير المنصوب، ولكن لو تعدى بحرف جر، أضمرت له من معناه دون لفظه، كقولك: أزيدًا مررت به؟ التقدير أجزت زيدًا؟ لأنك إن أضمرت "مررت" أضمرت الدار، وذلك مما لا يجوز، فالتقدير إذن: غادروا فارسًا، ويجوز رفع فارس بالابتداء،
[ ٥ / ١٠٧ ]
وجملة غادروه وصف له، وغير زميل: خبره، ولا موضع من الإعراب في وجه النصب لجملة "غادروه" لأنها مفسرة، فحكمها حكم الجملة المفسرة، وحسن رفع فارس بالابتداء وإن كان نكرة، لأنه تخصص بالصفة، وإذا نصبته نصبت غير زميل وصفًا له، ويجوز أن يكون وصفًا للحال التي هي ملحمًا، والملحم: الذي ألحمته الحرب وذلك أن ينشب في المعركة، فلا يتجه له منها مخرج، ويقال للحرب: الملحمة، والزميل: الجبان الضعيف، والنكس من الرجال: الذي لا خير فيه مشبه بالنكس من السهام وهو الذي ينكسر فوقه، فيجعل أعلاه أسفله، والوكل: الذي يكل أمره إلى غيره، والميعة: النشاط، وأول جري الفرس، وأول الشباب، والآطال: الخواصر، واحدهما إطل وقد يخفف، وهو أحد ما جاء من الأسماء على فعل ومنه إبل، ولاحق الآطال، أي: قد لصقت إطلة بأختها من الضمر، وجمعت الإطل في موضع التثنية وذلك أسهل من الجمع في موضع الوحدة، كقولهم: شابت مفارقة، ولو قالت: لاحق الإطلين، بسكون الطاء أعطت الوزن والمعنى حقهما، والنهد من الخيل: الجسيم المشرف، وقولها: غير أن البأس، نصب غير على الاستثناء المنقطع، والبأس: الشدة في الحرب، والشيمة: الطبيعة، وصروف الدهر: أحداثه. انتهى كلامه.
وأقول: المناسب أن يكون "فارس" خير ضمير المرثي، فإن المراد ذكر ما يتعلق به من الصفات الحميدة لا الإخبار عن فارس بكذا وكذا، و"ما" صلة للتفخيم، كقولهم: لأمرٍ ما يسود، وفسر أبو زكريا "ملحمًا" بضم الميم بقوله: طعمة للسباع، وهو حال من الهاء في غادروه، وضبطه بعضهم بفتح الميم، وفسره بهذا التفسير، وضبطه آخر بضم الميم، وفتح الجيم، أي: مقيدًا كالفرس الملجمة، فلا تقدر على التصرف في نفسها. والزميل، بضم الزاي وفتح الميم المشددة، وسكون الياء، والنكس، بكسر النون، والوكل، بفتح الواو والكاف، ولاحق: بمعنى ضامر.
يقول: لو شاء، لأنجاه فرس له ذو نشاط.
وقوله. غير أن البأس .. إلخ، هو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، يقول: لو اختار الفرار، لأمكنه، لكنه كان سجيته البأس والأنفة من العار بالفرار فثبت، وبالأجل حال، وقيل: الباء للتعدية، أي: تجري الأجل، وعلى هذا اقتصر أبو زكريا.
[ ٥ / ١٠٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الأربعمائة:
(٤٣٥) تامتْ فؤادكَ لوْ يحزنكَ ما صنعتْ إحدى نساءٍ بني ذهلِ بنِ شيبانا
لما تقدم قبله، وكذا أنشده الجوهري في "الصحاح"، وقال ابن بري في "أماليه" على "الصحاح": المشهور في إنشاده: لم تقض الذي وعدت. انتهى.
ومنه يعلم أن نسخة الدماميني من "الصحاح" كانت محرفة، فإنه قال: الذي أنشده الجوهري: "لم يحزنك" بـ "لم" لا بـ "لو"، ورواه أبو علي في "التذكرة القصرية" عن ابن دريد:
تامتْ فؤادكَ لمْ تنجزكَ ما وعدتْ
فلا شاهد فيه، وكشفت عنه في "الجمهرة" فوجدته فيها، قال: وتامت المرأة الرجل تتيمة تيمًا، وتيمته تتيمًا: إذا ذهبت بعقله، قال الشاعر:
تامتْ فؤادكَ لمْ تنجزكَ ما وعدتْ البيت.
ويروي: لم تقض الذي وعدت. انتهى. ورواه ابن عبيد عبد ربه في "العقد الفريد": "تامت فؤادك لو تقضي الذي وعدت"، وقال فيه: روي عن الشيباني أ، هـ قال: حدثنا بعض أصحابنا أن زرارة بن عدس نظر إلى ابنه لقيط، فقال: ما لي أراك مختالا؟ كأنك جئتني بابنه ذي الجدين، أو مائة من هجائن النعمان! قال: والله لا مس رأسي دهن حتى آتيك بهما، أو أبلى عذرًا، فانطلق حتى أتى ذا الجدين، وهو قيس بن مسعود الشيباني، فوجده جالسًا في نادي قومه من شيبان، فخطب إليه ابنته علانية، فقال له: هلا ناجيتني؟ قال: علمت أني إن ناحيتك لم أخدعك، وإن عالنتك لم أفضحك، قال: ومن أنت؟ قال: لقيط بن زرارة، قال: لا جرم لا تبين فينا عزبًا ولا محرومًا، فزوجه، وساق عنه المهر، وبني بها من ليلته تلك،
[ ٥ / ١٠٩ ]
ثم خرج إلى النعمان، فجاء بمائتين من هجائنه، وأقبل إلى أبيه وقد وفي نذره الذي نذر، فبعث إليه قيس بن مسعود بابنته مع ولده بسطام بن قيس، فخرج لقيط يتلقاها في الطريق ومعه ابن عم له يقال له: قراد، فقال لقيط:
هاجتْ عليكَ ديارُ الحي أشجانا واستقبلوا منْ لوىَ الحيرانِ قرمانا
نامتْ فؤادكَ لو تقضي التي وعدتْ إحدىَ نساءِ بني ذهلِ بن شيبانا
فانظرْ قرادُ وما بي نظرةٍ فرحًا عرض الشقائقِ هلْ ينبنَ عقيانا
فيهنَّ جاريةٌ نضحُ العبير بها تكسىَ ترائبها دراٌ ومرجانا
كيفْ اهتديتَ ولا نجمٌ ولا علمٌ وكنتَ عندي نؤومَ الليل وسنانا
انتهى. قوله: هاجت علين، خطاب لنفسه، وهاجت: هيجت وحركت، وديار: فاعله، وأشجان: مفعوله جمع شجن، بفتحتين وهو الحزن، واللوى: ما التوى من الرمل، والحيران، بفتح المهملة: اسم جبل، وقرمان، بفتح القاف وسكون الراء المهملة بعدها ميم: وهو موضع، كذا في "معجم البكري"، وقوله: لو يحزنك ما صنعت. لو: شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه تامت، وفؤادك مفعول تامت، وإحدى: فاعله إن أضمرنا في "صنعت" ضميره على سبيل التنازع، وما: فاعل يحزنك، والمعنى أنها لو أرادت حزنك بشيء مما تصنعه كتمنع من المجيء إليك لهيمتك، ولكنها قصدت سرورك، فجاءت إليك، والمعنى على روايه "لم يحزنك": هيمتك مع كونها لم تفعل شيئًا مما يحزنك، فكيف لو فعلت. وأورد الميداني هذا البيت للقيط المذكور في قولهم: "أتيم من المرقش" قال: يعنون المرقش الأصغر، وكان متيمًا بفاطمة بنت المنذر الملك، ثم قال: وأتيم: أفعل من المفعول يقال: تامة الحب وتيمىه، أي: عبده وذلله، قال لقيط:
تامتْ فؤادكَ لمْ يحزنكَ ما صنعتْ البيت.
وقوله: فانظر قراد، هو منادى بإضمار "يا" يقول لابن عمه: انظر عني،
[ ٥ / ١١٠ ]
فإن عيني لشدة الفرح قد شرقت بدمعة السرور لا تقدر على النظر. وعرض، بضم العين، وسكون الراء المهملتين: ظرف لـ "انظر" وعرض الشيء: ناحيته من أي طرف جئته، والشقائق: هو شقائق النعمان، والعقيان: الذهب، قال الجوهري: هو الذهب الخالص، يقال: هو ما ينبت نباتًا، وليس مما يحصل من الحجارة، والنضح: اللطخ والرش، والعبير: الزعفران، والترائب: جمع تربية فعيلة، وهي أعلى الصدر.
ولقيط بفتح اللام وكسر الاف هو ابن زرارة، بضم المعجمة ابن عدي، بضم ففتح، قال الكلي: كل عدس في العرب بضم العين وفتح الدال إلا عدس ابن زيد، فإنه مضموم الدال. وينتهي نسب لقيط إلى دارم بن مالك بن حنظلة التميمي سيد قبائل تميم، ولقيط فارس جاهلي قتل يوم جبلة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الأربعمائة:
(٤٣٦) ولوْ نعطى الخيارَ لما افترقنا ولكنْ لا خيارَ معَ الليالي
على أن اللام دخلت بقلة على جواب "لو" المنفي، قال ابن مالك في "شرح الكافية": وقلما يخلو، أي: جواب "لو" من اللام إن كان مثبتًا، ثم قال: وإن كان منفيًا بلم، امتنعت اللام، وإن كان منفيًا بما، جاز لحاقها، واخلو منها، إلا أن الخلو منها أجود، وبذلك نزل القرآن الكريم، كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) (البقرة/٢٥٣) انتهى. ونعطى بالبناء للمفعول، والخيار: بمعنى الاختيار، ومنه يقال له: خيار الرؤية، كذا في "المصباح"، وخص الليالي بالذكر، لأنها أسبق من الأيام بدليل أن الشهر أوله الليل، ولأن الحوادث الكونية والمقدرات تحدث غالبًا في الليل.
[ ٥ / ١١١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الأربعمائة:
(٤٣٧) أما والذيِ لوْ شاءَ لمْ يخلقِ النوىَ لئنْ غبتِ عنْ عيني لما غبتِ عنْ قلبي
على أن جواب القسم المنفي قد دخله اللام بقلة، قال أبو علي القالي في أواخر "الأمالي": أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا أبو علي العنزي، قال: أنشدنا مسعود ابن بشر:
أما والذيِ لوْ شاء لم يخلقِ النوىَ لئنْ غبتِ عنْ عيني لما غبتِ عن قلبي
يوهمنيكِ الشوقُ حتى كأنما أناجيكِ منْ قربٍ وإنْ لم تكن قربي
انتهى. فقد ذكر السند، ولم يصرح بقائل البيتين، ورأيتهما في ديوان العباس ابن الأحنف، والمصراع الأخير كذا:
أناجيكِ منْ قربٍ وليسِ بذي قربِ
قال الخطيب في "تاريخ بغداد":
العباس بن الأحنف الشاعر كان ظريفًا حلوًا مقبولًا، حسن الشعر، ولم يقل في المديح والهجاء إلا شيئًا نزرًا، وشعره كله في الغزل، وله أخبار كثيرة مع هارون الرشيد وغيره، وينتهى نسبة إلى عدي بن حنيفة بن لجيم بن صعب علي ابن بطر وائل، وقيل: هو من ولد الديل بن حنيفة أخي عدي بن حنيفة، ابن بكر بن وائل، وقيل: هو من ولد الديل بن حنيفة أخي عدي بن حنيفة، وقيل: أصله من عرب خراسان، ومنشؤه ببغداد، ومات في سنة ثمان وثمانين ومائة على قول عمر بن شبة، وكان الزبير بن بكار يوقل العباس بن الأحنف أشعر أهل زمانه في قوله:
تعتلُّ بالشغل عناَّ تكلمنا الشغلُ للقلبِ ليس الشغل للبدنِ
ويقول: لا أعلم شيئًا من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح أن يتمثل فيه
[ ٥ / ١١٢ ]
بهذا النصف الأخير، وعنه أيضًا أن بشارًا أنشد قول العباس بن الأحنف أول ما قال الشعر:
لما رأيتُ الليلَ طريقهُ عني وعذبني الظلامُ الراكدُ
والنجمُ في كبدِ السماءِ كأنهُ أعمىَ تحيرَ ما لديهِ قائدُ
ناديتُ منْ طردَ الرقادَ بنومهِ عما ألاقي وهوَ خلوه هاجدُ
قال: قاتل الله هذا الغلام. ما رضي أن يجعله أعمى حتى يجعله بلا قائد.
وقال هارون الرشيد في ليلة بيتًا، ورام أن يشفعه بآخر، فامتنع القول عليه، فقال: علي بالعباس بن الأحنف، فلما طرق، فزع، وذعر أهله، فلما وقف بين يدي الرشيد قال: وجهت إليك ببيت قلته، ورمت أن أشفعه بمثله، فامتنع القول علي، فقال: يا أمير المؤمنين دعني حتى ترجع نفسي إلى، فإني قد تركت عيالي على حال من القلق عظيمة، ونالي من الخوف ما يتجاوز الحد، فانتظره هنيهة، ثم أنشد البيت:
جنانٌ قدْ رأيناها ولمْ نرَ مثلها بشرا
فقال العباس بن الأحنف:
يزيدكَ وجهها حسنًا إذا ما زدتهُ نظرا
فقال له الرشيد: زدني، فقال:
إذا ما الليلُ مالَ عليكَ بالإظلام واعتكرا
ودجَّ فما ترى قمرًا فأبرزها ترى قمرا
فقال الرشيد: قد ذعرناك، وأفزعنا عيالك، فأقل الواجب أن نعطيك ديتك، وأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه.
[ ٥ / ١١٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الأربعمائة:
(٤٣٨) لوْ شئتِ قد نفعَ الفؤادُ بشربةٍ تدعُ الحوائمَ لا يجدنَ غليلا
على أن جواب "لو" قد اقترن بقد وهو غريب، وهو من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق مطلعها:
لمْ أرَ مثلكِ يا أمامَ خليلا أناى بحاجتنا وأحسنَ قيلا
لوْ شئتِ قد نقعَ الفؤادُ بمشربِ يدعُ الحوائمَ لا يجدنَ غليلا
كذا في ديوانه، وأمام: مرخم أمامة، بضم الهمزة: امرأة، والخليل: الصديق، والأنثى خليلة، كذا في "العباب" وإنما لم يؤنثه للحمل على صديق، فإنه يقال: رجل صديق، وامرأة صديق. وأنأى: وصف لخليل، وهو أفعل تفضيل من النأءي وهو العبد، والقيل: القول، يريد أنها تقول ما لا تفعل، فقولها قريب حسن مطمع في حصول المراد، وهي أبعد بحصوله من كل شيء. وزعم العيني أن قوله: أنأى من قولهم أناءه الحمل: إذا أثقله وهو غير صحيح، لأن أفعل التفضيل لا يكون من غير الثلاثي، ولأن المراد من حسن القول قرب المأمول، ويقابله بعده، لا إثقاله وقوله: لو شئت .. إلخ، خطاب لتلك المرأة، قال شارح ديوان جرير: نقع: روي، يقال: نقع ينقع نقوعًا، والحائم: الطالب للحاجة، يقال: حام يحوم حؤومًا، وأصله من الحوم حول الماء، والغلي: العطش. انتهى. والمشرب: مصدر ميمي، والشربة: المرة من الشرب، وأراد به ماء ريقها، ويجدن بكسر الجيم، وروي بضمها في هذا البيت، قال ابن جني في "شرح تصريف المازني": وأما قول الشاعر: لا يجدنَ غليلًا، فشاذ والضمة عارضة، ولذلك حذفت الفاء كما حذفت الفاء كما حذفت في يقع ويزعُ، وإن كانت الفتحة هناك، لأن الكسر هو الأصل، وإنما الفتح عارض. انتهى.
ونقل أبو حيان من "نوادر القالي" في تذكرته أن العرب تقول: "يجد" إلا
[ ٥ / ١١٤ ]
بني عامر، فإنهم يرفعون الجيم، أنشد بعضهم: لا يجدن غليلًا. البيت، وبعض تميم يقول: هو يجد بصاحبه وفي الجزم: لم أجد بك، ولم أجد بك، أنشدني بعضهم:
فوَ اللهِ لولا بغضهمْ ما سببتكمْ ولكنني لمْ أجدِ منْ سبكمْ بدا
انتهى. والجيم في أمثلته ساكنة، والدال في الجزم مكسورة ومفتوحة. وقد بسطنا الكلام على هذه الكلمة في الشاهد الواحد والعشرين من شواهد "شرح الشافية" للرضي وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده:
لولا رجاؤكَ قدْ قتلتُ أولادي
على أن جواب لولا أيضا قد اقترن بقد، وهو غريب أيضًا، وهو من قصيدة لجرير تقدم شرحه مع أبيات منها في الإنشاد الثالث والتسعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الأربعمائة:
(٤٣٩) قالتْ سلامةُ لمْ يكنْ لكَ عادةٌ أنْ تتركَ الأعداءَ حتى تعذرا
لوْ كانَ قتلٌ يا سلامُ فراحةٌ لكنْ فررتُ مخافةً أنْ أوسرا
على أن جواب لو هنا قد جاء مقترنًا بالفاء مع حذف المبتدأ تقديره: فهو راحة، كذا استدل به ابن مالك على ما حكاه أبو حيان وناظر الجيش في شرحيهما على "التسهيل" عن ابن المصنف، قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين: انفردت لو بلزوم كزن جوابها في الغالب مضارعًا مجزومًا بلم، أو ماضيًا مثبتًا، أو منفيًا بما، وقوله: "في الغالب": احتراز من مجيء جواب لو جملة اسمية مصدرة باللام، كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ) (البقرة/ ١٠٣) وبالفاء كما أنشده الشيخ من قول الشاعر:
قالتْ سلامةُ لمْ يكنْ لكَ عادةٌ .. البيتين.
[ ٥ / ١١٥ ]
فحمل ما بعد الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو راحة، والجملة جواب للو، وجاز أن تجاب بجملة اسمية مقرونة بالفاء تشبيهًا بإن، ويجوز عندي أن يكون بعد الفاء معطوفًا على فاعل كان، وجواب لو محذوف تقديره: لو كان قتل فراحة لثبت، كما حذف في مواضع كثرة. انتهى، وهو كلام والده في "شرح الكافية" ألا تصدر جملة الجواب بالفاء، والبيتين، كأنه ذكر ذلك في غير الشرح المذكور، لأنه ذكر أن البيتين من إنشاداته. انتهى كلام ناظر الجيش، ولم أر ما نقلاه عنه في فصل "لو" من شرحه لألفية والده، والله أعلم.
والبيتان لعدو الله ورسوله عامر بن الطفيل قاتله الله تعالى، وبعدهما:
وسبقتُ قبلَ المقرفينَ فواريًا لبني فزارةَ دارعينَ وحسرا
أصعدتهما في الجرَّ ثمَّ حدرتها في الوعر إذ منعوا الطريقَ الأعسرا
وليتهمْ كتفيَّ وهيَ ملحةٌ تدعُ الهنابكَ والعجاج الأكدرا
وهي خمسة أبيات لا غير، والرواية: "أن تترك الأصحاب حتى تعذرا" فإنه فز من الحرب، وترك أصحابه فيها فلامته على ذلك، فأجابها بما ذكره، وليسن الرواية "أن تترك الأعداء" كما وقع في المتن. وتبعه في ترك الأصحاب الحارث بن هشام لما فر يوم قبل إسلامه، وترك أصحابه المشركين، فقال يعتذر من فراره:
اللهُ يعلمُ ما تركتُ قتالهمْ حتى علوا فرسي بأحمر مزبدِ
وعلمتُ أنيِ إنْ أقاتلْ واحدًا أقتلْ ولا يضررْ عدوي مشهدي
فصدفتُ عنهمْ والأحبةُ فيهمُ طمعًا لهم بعقاب يومٍ مفسدِ
وقوله: حتى تعذرا، قال جامع ديوانه: أي: حتى تبلغ عذرًا، قال عروة بن الورد:
ومبلغُ نفسٍ عذرها مثلُ منجحِ
انتهى. يريد أنه من أعذر الرجل إذا أتى بعذر بالضم، وهو الشيء الذي يرتفع به اللوم، وقوله: لم تكن لك عادة. الراوية: تكن بالمثناة الفوقية، ورفع عادة على أنه
[ ٥ / ١١٦ ]
اسمها، "ولك" كان في الأصل صفتها، فلما قدم صار حالًا منها، وأن تترك الأصحاب: في تأويل مصدر منصوب خبر تكن، ويجوز الإخبار بالمعرفة عن النكرة في باب كان كما تقدم بيانه عند قوله:
وربما فات قومًا حل أمرهم البيت،
ويجوز أن يكون يكن بالمثناة التحتية، ونصب عادة أنه خبرها مقدمًا، وأن تترك الأصحاب: اسمها مؤخرًا، وتجويز الدماميني تقدير همزة الاستفهام مبني على ثبوت الأعداء موضع الأصحاب. وقوله: يا سلام، بفتح الميم مرخم سلامة، ويجوز ضمها، ومخافة: مفعول لأجله، وأن أوسرا بالبناء للمفعول مؤول مصدر مجرور بمن مضمرة، وقوله: وسبقت قبل المقرفين إلخ، والحسر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه. انتهى. وقوله: أصعدتها، الضمير للفوارس، قال جامع ديوانه: أصعدتها: جعلتها مصعدة، والجر: أصل الجبل قال الشاعر:
هلاَّ صبرتمْ غداةَ الجرَّ من أحدٍ
وهو بفتح الجيم، وتشديد الراء، والوعر: الخشن من الطريق. انتهي.
وحدرتها: أنزلتها، والواو في منعوا ضمير الأعداء، والأيسر: السهل، والذي فيه يسر. يسر. وقوله: وليتهم كتفي، مثنى كتفت، أي: جعلت كتفي قريبة منهم، فكانوا أمامي، وكنت خلفهم لأحميهم، وضمير وليتهم، وهي كلاهما للفوارس، وتدع: تترك، قال جامع ديوانه: الهنابك الخبار من الأرض، وهي الرخوة والواحدة هنبكة. انتهى.
اخبر أن الفوارس سلكزا الطريق الوعر، وتركوا الطريق السهل لئلا يلحقهم العدو، وملحة: اسم فاعل من الإلحاح، أراد أنها ملحة في السير غير متهاونة به، افتخر بحماية أعقاب المنهزمين إلى أن أوصلهم مأمنهم من الطريق الوعرة.
وعامر بن الطفيل: فارس شاعر جاهلي من بني عامر وهو ابن عم لبيد الصحابي، وأتى النبي ﷺ، وأسلم، فقال ﷺ: "اللهم اكفني عامرًا، واهد بني عامر" فانصرف وهو يقول: لأملأنها خيلًا جردًا، ورجالًا مردًا، ولأربطن بكل نخلة فرسًا. فطعن في طريقة فمات، وهو يقول:: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية".
[ ٥ / ١١٧ ]
"لولا"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٠) يذيبُ الرعبُ منهُ كلَّ عضبٍ فلولا الغمدُ يمسكهُ لسالا
على أن جماعة لحنوا المعري في ذكر "يمسكه" وكان الواجب حذفه، قال ابن مالك في "التوضيح" عند حديث: "لولا قومك حديثو عهد بكفر"، تضمن هذا الحديث ثبوت خبر المبتدأ بعد لولا وهو ممر خفي على النحويين، إلا الرماني والشجري، وقد يسرت لي في هذه المسألة زيادة على ما ذكراه، فأقول: إنَّ المبتدأ بعد لولا على ثلاثة أضرب: الأول: مخبر عنه بكون غير مقيد نحو: لولا زيد لزارنا عمرو، فمثل هذا يحذف خبره، لأن المعنى: لولا زيد على كل حال من أحواله، لزارنا عمرو، فلم تكن حال من أحواله أولى بالذكر من غيرها. الثاني: مخبر عنه بكون مقيد لا يدرك معناه إلا بذكره نحو: لولا زيد غائب لم أزرك، فخبر هذا النوع واجب الثبوت، لأن معناه يجهل عند حذفه، ومنه قوله ﷺ: "لولا" قومك حديثو عهد بكفر" فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظن أن المراد: لولا قومك على كل حال من أحوالهم، لنقضت الكعبة، وهو خلاف المقصود، لأن من أحوالهم بعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل، وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة، الثالث: وهو المخبر عنه بكون مقيد يدرك معناه عند حذف، كقولك: لولا أخو زيد ينصره، لغلب، فيجوز في مثل هذا إثبات الخبر وحذفه، لأن فيه شبهًا بلولا زيد لزارنا عمرو، وشبهًا بلولا زيد غائب، ولم أزرك، فجاز فيها
[ ٥ / ١١٨ ]
ما وجب فيهما من الحذف والثبوت، ومن هذا النوع قول المعري في وصف سيف:
فلولا الغمدُ يمكسهُ لسالا
وقد خطأه بعض النحويين. انتهى كلامه باختصار بعض الأمثلة.
وقال أبو حيان في "التذكرة": لا ينبغي أن يلحن المعري، ففي الحديث: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لأقمت البيت على قواعد إبراهيم" ويمكن تخريج بيت المعري على الحال وإن كان أبو الحسن قد منع من ذلك قياسًا على الخبر، لأن الحال ضرب من الخبر، ووجدت فيما علقته عن الأستاذ على "الكتاب" أن خبر مبتدأ لولا إنما يحذف إذا كان موجودًا أو ما في معناه، وأجاز: لولا زيد ضاحك لكان كذا، ولولا زيد آكل أو يأكل، وكذلك ما كان في معناه، وعلى ذلك حمل الحديث المتقدم وقال في قول المعري: إنَّ لفظة "يمسكه" تدل على معاناة الإمساك ومعالجته، فهو أقوى فيما قصده من حذفه وذكر دريودىفي كتابة في غير موضع منه أن إثباته جائز، والجيد إضمار الخبر. انتهى.
وما ذهب إلى جوازه عالم لا ينبغي أن يقال فيه لحن، مع أنه ليس في كلام سيبويه نص صريح بالتزامهم حذف هذا الخبر، وذكر صاحب "الترشيح" أنه يجوز إظهاره عند قوم، وعلى كل حال، فحذفه أكثر، وغيره قليل، ويقطع بصحة الحال بعده ما حكاه الكسائي من قولهم: لولا رأسك مدهونًا، استدل بلك على أن المرفوع بعدها فاعل بفعل مضمر:
فلولا سلاحي عندَ ذاكَ وغلمتي لكانَ لهمْ يومٌ منَ الشرٌ أيومُ
[ ٥ / ١١٩ ]
وتأوله ابن الدهان على أنه متعلق بما في سلاحي من معنى الشدة، وذلك عندي تعسف. انتهى كلام أبي حيان وقال في "الارتشاف": وتأوله بعضهم على إضمار "أن" التقدير: أن يمسكه، وأعربه بدلًا، أي: إمساكه.
والبيت من قصيدة طويلة للمعري مدح بها سعيد بن شريف بن علي بن حمدان العدوي، وقبله:
فإنْ عشقتْ صوارمكَ الهوادي فما عدمتْ لمنْ تهوى اتصالا
ولولا ما بسيفكَ من نحولٍ لقلنا أظهر الكمد انتحالا
إلى أن قال بعد خمسة أبيات:
إذا بصرَ الميرُ وقدْ نضاهُ بأعلى الجو ظنَّ عليه آلا
ودبتْ فوقهُ حمرُ المنايا ولكنْ بعدَ ما مسختْ نمالا
يذيبُ الرعبُ منهُ كل عضبٍ فلولا الغمدُ ما مسختْ نمالا
يذيبُ الرعبُ منهُ كلَّ عضبٍ فلولا الغمدُ يمكسهُ لسالا
ومن يكُ ذا خليلٍ غير سيفٍ يصادفْ في مودتهِ اختلالا
قوله: فإن عشقت صوارمك إلخ. قال ابن السيد البطليوسي في شرحه:
الصوارم: السيوف، والهوادي: الأعناق، يقول: إن كانت سيوفك تعشق رقاب الأعداء، فقد الأعداء، فقد بلغتها أملها مما عشقت، وأمكنتها من الذي أحبت، وهذا أحسن من قول أبي الطيب:
رقتْ مضاربهُ فهنَّ كأنما يبدينَ منْ عشق الرقاب نحولا لأن لأ أبا الطيب لم يذكر أنها بلغت من معشوقها بغية. وقوله: ولولا ما بسيفك .. إلخ قال: الكمد: الحزن مع تغير الوجه، فجعل السيف لما عليه من أثر الدم المغير للونه، المذهب لرونقه وصقله كأنه (ذو) كم، والدم يحيل رونق السيف. يقول: لولا أن نحول سيفك قد دلنا على أنه عاشق للرقاب، لحسبنا أنه يظهر من الكمد غير ما يجن،
[ ٥ / ١٢٠ ]
ويبدي من الأيف خلاف ما يبطن، فإن قيل: كان يجب أن لا يصفه بنحول ولا اكتئاب حين وصفه بمواصلة الرقاب! فالجواب: أنه قد يكون العاشق عند ذلك أحرص عليه وأشد صبابة إليه، كما قال ابن الرومي:
أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقةٌ إلأيها وهلْ بعدَ العناقِ تداني
وألثمُ فاها كيْ تموتَ حرارتي فيشتدُّ ما ألقى من الهيمان
وقوله: إذا بصر الأمير .. إلخ، قال: يقال نضوت السيف، وانتضيته: إذا سللته، والجو: ما بين السماء والأرض، والآل: السراب، شبه به ماء السيف الذي يرى عليه وهو من التشبيه البديع، لأن السراب شيء لا يتحصل كما أن ما يرى على السيف من الماء شيء لا حقيقة له. وقوله: ودبت فوقه إلخ، قال: العرب تشبه فرند السيف وما عليه من الوشي بآثار النمل، فجعل أبو العلاء تلك الآثار آثار المنايا، ووصف أنها دبت فيها لتصل إلى الأرواح، وقوله: يذيب الرعب .. إلخ، أذابه: أسأله، والرعب: الخوف، والغضب: السيف القاطع، والرعب فاعل، وكل مفعول.
والمعري: هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، ولد بمعرة النعمان بين حلب ودمشق سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وذهب بصره بعلة الجدري سنة سبع وستين، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده، فأقام، ولزم منزله إلى أن مات يوم الجمعة الثاني من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وكان غزير الفضل، شائع الذكر، وافر العلم، غاية في الفهم، عالمًا باللغة، حاذقًا بالنحو، جيد الشعر، جزل الكلام، واختلف في اعتقاده، فقيل: إنه من خلص الموحدين، وقيل: إنه رأس الملحدين. والله أعلم به.
[ ٥ / ١٢١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤١) فو الله لولا الله تخشى عواقبهْ لزعزعَ من هذا السرير جوانبهْ
على أن الكلام فيه ما تقدم في بيت المعري من التوجيهات الثلاثة، قال السيوطي في ترجمة عمر بن الخطاب من "تاريخ الخلفاء": روينا من غير وجه أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج ذات ليلة يطوف في المدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقًا عليها بابها، وهي تقول:
تطاولَ هذا الليلُ تسرى كواكبهْ وأرقني إذ لا ضجيعَ ألا عبهْ
فو اللهِ لولا الله تخشى عواقبهْ لزعزع منْ هذا السرير جوانبهْ
ولكنَّني أخشي رقيبًا موكلًا بأنفسنا لا يفترُ الدهرَ كاتبهْ
مخافةَ ربي والحياءُ يصدني وأكرم بعلي أنْ تنال مراكبهْ
فكتب إلى عماله بالغزو أن لا يحسبوا أحدًا أكثر من أربعة أشهر. انتهى.
[ ٥ / ١٢٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٢) تعدونَ عقرَ النيبِ أفضلَ مجدكمْ بني ضوطرى لولا الكميَّ المقنعا
على أن الفعل بعد لولا محذوف، والتقدير: لولا عددتم، لا: لولا تعدون لما ذكره، وفيه نظر، لأن قرينة المحذوف مضارع، فقدروا المحذوف مضارعًا ليطابق قرينه، فإذا أريد بالمذكور حكاية الحال كان المراد بالمقدر كذلك، وممن قدره مضارعًا المبرد، قال في "الكامل": "لولا" هذه لا يليها إلا الفعل لأنها للأمر والتخضيض مظهرًا أو مضمرًا، كما قال: "تعدون عقر النيب .. البيت." أي: هلا تعدون الكمي المقنع، وتعدون بمعنى تحسبون يتعدى إلى مفعولين، فعقر النيب: المفعول الأول، وأفضل مجدكم: المفعول الثاني، والكمي مفعول تعدون المضمر بتقدير مضاف، والمفعول الثاني محذوف أيضًا بقرينة المتقدم، والأصل: لولا تعدون عقر الكمي المقنع أفضل مجدكم، ففيه حذف ثلاثة مضافات، وإنما قدر عقر، ولم تجعل الكمي مفعولًا، لأن معنى البيت ليس الفخر في عقر النوق والجمال، إنما الفخر بقتل الشجعان والأبطال.
وقال ابن الشجري: أراد لولا تعدون الكمي، أي: ليس فيكم كمي، فتعدوه. انتهى. فيكون المعنى عنده: هلا تعدون الكمي المقنع منكم، فأنتم جبناء لا كماة فيكم، وهذا وإن كان في نفسه معنى صحيحًا إلا أنه ليس بمراد أصالة، وإنما المراد: أنتم إنما تقدرون على قتل البهائم، ولا تقدرون على قتل الرجال، وما قال لازم ما ذكرناه، لأن من لا يقدر على قتل الرجال يلزم أن لا يكون شجعيًا، وقال أبو علي في كتاب "الشعر": الناصب للكمي هو الفعل المراد بعد لولا، وتقديره: لولا تلون الكمي، أو تبارزون، أو نحو ذلك، إلا أن الفعل حذف لدلالتها عليه.
[ ٥ / ١٢٣ ]
هذا كلامه. وهذا عندي أحسن مما تقدم، وأبلغ أما حسنه، فقلة الحذف فيه، وأما كونه أبلغ، فلأن معناه: إنكم تظنون عقر الإبل أفضل مجدكم، ولا تقدرون على مبارزة كمي فضلًا عن قتله. والعقر: مصدر عقر الناقة بالسيف من باب ضرب: إذا ضرب قوائمها به، هذا موضوع الكلمة، وربما قيل: عقر البعير بمعنى: نحره، والنيب: جمع ناب، وهي الناقة المسنة، والمجد: الشرف، وبني ضوطرى: منادى بإضمار يا. قال شارح ديوان جرير: ضوطرى: لقب مجاشع جد الفرزدق، وهو العبد الكثير اللحم، ويقال فيه: ضواطر أيضًا بلا ألف، قال جرير في هجو الفرزدق أيضًا:
وما نوخوها قينكمْ آلَ ضواطرٍ لألأمَ منْ يحذيَ على قدمٍ نعلًا
أراد: لم ينزلوا المرأة في منزل الفرزدق كما تناخ الناقة، ويقال: ضاطر أيضًا.
قال جرير في هجوه أيضًا:
وجدَ الزبيرُ بذي السباع مجاشعًا للحيثلوطِ ونزوةً منْ ضاطرِ
قال شارحه: أراد وادي السباع، وبه قتل الزبير، والحيثلوط: العبد الحسيس، وضاطر: عبد كثير اللحم نسبهم إليه، والكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه، لأنه ككمى نفسه، أي: سترها بالدرع والبيضة، قال الجوهري: وجمعه كماة، قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": الذي على رأسه المغفر والبيضة، والمعنى: إنكم تفخرون بذبح الإبل المسنة التي لا ينتفع بلبنها ولا يرجى نسلها، ولا تقدرون على مبارزة الأقران، ومقارعة الشجعان، يرميهم بالجبن والخور.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق، وحكاية عقر الإبل مشهورة في كتب التواريخ محصلها أن أهل الكوفة أصابتهم مجاعة، فخرج أكثر الناس إلى البوادي، وكان غالب أبو الفرزدق رئيس قومه، وكان سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه، فاجتمعوا في أطراف السماوة من بلاد كلب على مسيرة يوم من
[ ٥ / ١٢٤ ]
الكوفة، فعقر غالب لأهله ناقة صنع منها طعامًا، وأهدى إلى قوم من تميم جفانًا وأهدى إلى سحيم جفنة، فكفأها، وضرب الذي أتى بها، وقال: أنا مفتقر إلى طعام غالب؟ ! ونحر سحيم لأهله ناقة، فلما كان من الغد، نحر غالب لأهله ناقتين، ونحر سحيم ناقتين، وفي اليوم الثالث نحر غالب ثلاثًا، فنحر سحيم ثلاثًا، فلما كان اليوم الرابع، نحر غالب مائة ناقة، ولم يكن لسحيم هذا القدر، فلم يعقر شيئًا، ولما انقضت المجاعة، دخل الناس الكوفة. قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر هلا نحرت مثل ما نحر غالب، وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين، فاعتذر أن إبله كانت غائبة نحو ثلاثمائة ناقة، وكان في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، فمنع الناس من أكلها، وقال: إنها مما أهل لغير الله، ولم يكت الغرض منه إلا المفارخة والمباهاة، فجمعت لحومها على كناسة الكوفة، فأكلها الكلاب والعقبان والرخم، وقد أورد القالي هذه الحكاية في "ذيل أماليه" بأبسط مما ذكرنا، وأورد ما قيل فيها من الأشعاؤ، وما مدح به غالب، وهجي به سحيم.
وكان السبب في هجو جرير الفرزدق بالقصيدة التي منها البيت الشاهد أن الفرظدق كان قد تزوجت حدراء الشيبانية، وكان أبوها نصرانيًا، وهي من ولد قيس بن بسطام، وماتت قبل أن يصل إليها الفرزدق، وقد ساق إليها المهر، فترك المهر لأهلها وانصرف وكان جرير عاب عليه في تزوجها فقال الفرزدق في ذلك:
يقولونَ زرْ حدراءَ والتربُ دونها وكيفَ بشيءٍ قدْ تقطعا
يقولُ ابنُ خنزيرٍ بكيتَ ولم تكنْ على امرأةٍ عيني إخالُ لتدمعا
وأهونَ رزءٍ لامرئٍ غيرِ عاجزٍ رزيةُ مرتجَّ الروادفِ أفرعا
وما ماتَ عندَ ابنِ المراغةِ مثلها ولا تبعتهُ ظاعنًا حيثُ دعدعا
فأجابة جرير بقصيدة منها:
[ ٥ / ١٢٥ ]
وحدْ راءُ لوْ لمْ ينجها اللهُ برزتْ إلى شرَّ ذي حرثٍ دمالًا ومزرعا
إلة أن قال:
تعدونَ عقرَ النيب أفضل سعيكم بني ضوطرى هلاَّ الكميَّ المقنعا
كذا في رواية "منتهى الطلب، من أشعار العرب" والقصيدتان مذكورتان فيه.
وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٣) عافٍ تغيرَ إلا النؤيُ والوتدُ
على أنه رفع ما بعد إلا وكان القياس نصبه لأنه بعد موجب تام، وإنما رفع، لأن تغير في معنى لم يبق على حاله، وهذا يطلب فاعلًا، فرفع ما بعد إلا على الفاعلية بطريق الاستثناء المفرغ. وهو من قصيدة للأخطل النصراني، مدح بها عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان، وأخاه يزيد بن معاوية، ومطلعها:
حلتْ صبيرةُ أمواهَ العدادِ وقدْ كانتْ تحلُّ وأدنى دارها ثكدُ
وأقفرَ اليوم ممنْ حلةُ الثمدُ فالشعبتانِ فذاك الأبرق الفردُ
وبالصريمةِ منها منزلٌ خلقٌ عافٍ تغيرَ إلاَّ النؤيُ والوتدُ
حلتْ: نزلت، وصبيرة، بضم الصاد المهملة، وروي بالمعجمة أيضًا، وفتح الموحدة: اسم امرأة، وأمواه: جمع ماء، وأدنى: أقرب، وثكد، بضم المثلثة والكاف: اسم ماء معروف، والعداد جمع عد، بكسر العين المهملة: وهو القليب الذي له مادة من الأرض، والثمد بفتحتين: قليب يجتمع فيه ماء السماء يشرب منه الناس شهرين من الصيف، فإذا دخل الصيف، انقطع، فهو الثمد، وجمعه ثماد والشعبتان، بالضم: موضع، مثنى شعبة، والأبرق: الجبل مخلوط برمل، وهي البرقة
[ ٥ / ١٢٦ ]
بالضم، وكل شيء مخلوط بشيء فقد برق، والفرد بفتحتين: هو الفرد بسكون الراء، يقال: فرد وفرد، وواحد ووحد، والصريمة: الرملة المتقطعة. جميع ما ذكر كلام السكري في شرح ديوانه. وخلق بفتحتين: بال، وعافٍ، من عفا المنزل: إذا درس، وذهب أثره، والنؤي بضم النون، وسكون الهمزة فياء: حفيرة تحفر حول الخباء والخيمة لئلا يدخل المطر، وجمعه نئي، بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء. وبالصريمة الجار والمجرور: خبر مقدم، ومنزل مبتدأ مؤخر، ومنهم: حال من منزل، وقيل: من فاعل تغير، وخلق وعاف صفتان لمنزل، وكذا جملة تغير.
وترجمة الأخطل تقدمت في الإنشاد السابع والأربعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٤) ألا زعمتْ أسماءُ أنْ لا أحبها فقلتُ بلى لولا ينازعني شغلي
قال ابن مالك في "التسهيل" وقد يلي الفعل لولا غير مفهمةٍ تخصيصًا، فيؤول بلو لم، أو تجعل المختصة بالأسماء والفعل صلة لأن مقدرة وذلك كهذا البيت، فتكون في التأويل كلمتين لا كلمة مركبة من كلمتين، وعلى الوجهين لا بد من الجواب، و"لا" في الأول بمعنى "لم" وفي الثاني جزء كلمة وقدر "أن" في الوجه الثاني حتى يؤول منها ومن الفعل اسم، فإن لولا الامتناعية لا يليها إلا الاسم، وظاهر كلام الإمام المرزوقي هنا جواز أن يليها الفعل من غير تقدير "أن" فإنه قال: ولولا يدخل لامتناع الشيء لوجود غيره وهو يربط جملة من مبتدأ وخبر بجملة نمن فعل وفاعل إلا أن خبر المبتدأ يحذف تخفيفًا، ويكتفي بجواب "لولا" عنه، وقد يؤتي بالفعل
[ ٥ / ١٢٧ ]
والفاعل بدلًا من المبتدأ والخبر، وهذا كما نحن فيه، ألا ترى أنه قال: لولا ينازعني شغلي. انتهى.
والبيت مطلع قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، وبعده:
جزيتكِ ضعفَ الودَ لما استثبته وما إن جزاكِ الضعف من احدٍ قبلي
واستثبته: طلبت ثوابه، والثواب: الجزاء، قال المزروقي: زعمت زعمًا وزعمًا، ويستعمل فيما يرتاب به ولا يحقق، ويتعدى إلى مفعولين و"أن لا أحبها" قد سد مسدهما، و"أن" هذه مخففة من الثقيلة أراد أني لا أحبها، أو أن الأمر والحديث لا أحبها، كأنه استزادت زيارته لها، وتوفره عليها، واستقصرت تهالكه فيها، وشغفة بها، وادعت عليها أنه قد حال عن العهد، وتحول متراجعًا في درجات الود، فقال مجيبًا لها، ومبطلًا لدعواها: بل أحبك وأرى من المثابرة عليك، والسعي في تحصيل بعض المراد بالنيل منك ما هو الهوى، والمنى لولا الشغل المنازع والعائق المانع وجواب "لولا" في قوله: بلي، وقد تقدم، والتقدير: لولا مجاذبة الشغل الذي أنا بصدده، لقمت فيك مقام المحب، فإني أحبك، ومثل هذا في تقدم الجواب، وكون الفعل والفاعل مكان المبتدأ والخبر قول لآخر:
لا درّ إني قدْ رميتهمُ لولا حددتُ ولا عذرىَ لمحدودِ
وذكر بعضهم أن جواب "لولا" فيما بعده وهو قوله: جزيتكِ ضعف الود .. ويروى: اشتكيته بدل استثبته، وحكى عن الأصمعي أنه قال: لك يصبْ في قوله: ضعف الود، وتوسط ما بين الأصمعي وأبي ذؤيب يقتضي قولًا مبسوطًا، وأنا أذكر ما يحسن ههنا، والله ولي التوفيق.
[ ٥ / ١٢٨ ]
اعلم أن الضعف في اللغة: المثل تضاعفت به الشيء، ويكون الشيء المضاعف أيضًا، قال الخليل: يقال أضعفت الشيء، وضعفته وضاعفته: إذا جعلته مثلين أو أكثر، ويقال: ضعفته، بالتخفيف في هذا المعنى، فهو مضعوف ضعفًا، قال لبيد:
وعالينَ مضعوفًا وفردًا سموطهُ جمانٌ ومرجانٌ يشلٌ المفاصلا
فقد تبين من كلامه لما قال: وفردًا، أن المضعوف: ما جعل معه مثله، فنى، وأضعف به، وإذا كان الأمر على هذا، فالضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالكسر: المثل الذي تضاعف به غيره، وغذا ثبت هذا صح أن يسمى الأول الذي ضم إليه مثله فيضاعفه: ضعفًا، كما سمي المثل الذي أضعف هو به ضعفًا، لاشتراكهما في أن كلا منهما مثل للأخر، وقد تضاعفت به، وهذا كما تقول تنيت الشيء تثنيته، وتثنيته ثنيًا بالتخفيف والفتح: إذا جعلت معه ثانيًا، ثم تسمي ما ثني الأول به ثنيًا بالكسر، والأول الذي تثني به أيضًا، وعلى هذا قولهم في أسماء العدد: واحد واثنان، لأن الواحد هو الذي لا ثاني له، فلما جعل له ثان تثنى به خرج من أن يكون واحدًا، فسمي الثاني ثنيًا لتثني الأول به، والول أيضًا ثنيًا لاشتراكهما في أن تثني كل منهما بصاحبه، فقيل: اثنان، والأصل ثنيان، وقال طرفة:
لعمركَ إنَّ الموتَ ما أخطأَ الفتى لكالطولِ المرخى وثنياه باليدِ
فأتي به على أصله، وكما جاء الضعف بمعنى المضاعف جعلوا الثني بمعنى المثنى أيضًا، ومن الحجة في الضعف الذي بمعنى المثل سوى ما ذكرناه قول الله ﷿: (يضاعفْ لها العذابُ ضعفينِ) (الأحزاب/٣٠) أي: يجعل عذاب جرمها كعذابي جرمين، فيصير مثلي ما قوبل به جرم غيرها، والدليل على ذلك قوله تعالى: (نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) (الأحزاب /٣١) ألا ترى أنه لا يكون أن تعطى على
[ ٥ / ١٢٩ ]
الطاعة أجرين، وتعذب ثلاثة أعذبة، وهذا ما ذهب إليه أصحاب المعاني فيها، والحجة في أن الضعف يكون بمعمى المضاعف قول الله جل من قائل في موضع آخر: (فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ) (الأعراف/٣٨) أي: مضاعفًا، ألا ترى أنه لا يحسن أن تجعل المعنى عذابًا مثلًا، وإلى هذا ذهب أبو ذؤيب في قوله: "جزيتك ضعف الود"، أي: مضاعف الود، والمعنى: الود الذي ضوعف، فصار مثلي ود غيري، وإذا كان المر على ما ذكرناه، سلم كلامه من الطعن، ويكون الأصمعي عادلًا عن مراده، وذاهبًا في غير مذهبه، ولعمري أنه لو جعل الضعف بمعنى المثل، لوجب عليه أن يقول: ضعفي الود، ولكن أراد ما بيناه، على أن في قول أبي ذؤيب في عجز البيت:
وما إنْ جزاكِ الضعفَ منْ أحدٍ قبلي
فيه أكمل بيان أنه لم يرد بالضعف المثل، وإنما أراد المضاعف، فلا أدري كيف غفل الأصمعي عنه، أو كيف اجترأ على تخطئته قبل إنعام النظر. وقوله: من أحد في موضع رفع، وزيادة "من" للاستغراق، كما أن زيادة أن للتأكيد. إلى هنا كلام المرزوقي. وترجمة أبي ذؤيب تقدمت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.
[ ٥ / ١٣٠ ]
"لوما"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٥) لوما الإصاخةُ للوشاةِ لكانَ لي
تمامه: منْ بعدِ سخطكَ في رضاكَ رجاءُ
على أنها هنا بمعنة "لولا" الامتناعية، والإصاخة: الاستماع، والواشي: النمام الذي يشي الكلام ويزوقه، ورجاء: اسم كان، ولي خبرها، وفي رضاكمتعلق برجاء، ومن متعلقة به أيضًا، يقول: لولا أنك تستمع بقبولٍ كلامَ الأعداء في، لكنت أرجو رضاك بعد غضبك علي.
"لمْ"
أنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٦) لولا فوارسُ من نعمٍ وأسرتهمْ يومَ الصليفاءِ لمْ يوفونَ بالجارِ
على أن لم غير عاملة. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقول المصنف: وقد لا يجزم بها حملًا على لا، أنشد الأخفش:
لكن فوارسُ من جرمٍ وأسرتها البيت.
فلم يجزم يوفون بلم، إذ قد ثبت النون، وظاهر كلامه جواز ذلك على قلة، وأنه لا يلتحق بالضرورة، وإنما أنشده الناس على أنه وقع ذلك في الشعر على سبيل
[ ٥ / ١٣١ ]
الضرورة. وقوله أيضًا حملًا على "لا" ليس يجيد، لأن "لا" الغالب فيها أنها لا ينفي بها الماضي، ألا ترى أن قولك: لا قام زيد، قليل، وإنما ذكرو أن ذلك حملًا على كما، لأن "ما: ينفى بها الماضي كثيرًا. انتهى.
وجرم: قبيلة، وروي بدله: ذهل، بضم المعجمة، وهو قبيلة أيضًا، ونعم بضم النون: اسم امرأة تحريف من ذهل، وفوارس: جمع فارس شاذ، وأسرتهم روي بالرفع عطفًا على فوارس، وبالجر عطفًا على جرم، وأسرة الرجل بالضم: رهطة، والصليفاء: مصغر الصلفاء، وهي الأرض الصلبة، ويوم الصلفاء يوم من أيام العرب، لكن الشاعر صغره، وهو يوم لهوازن على فزارة وعبس وأشجع، والواو في يوفون ضمير الذين هجاهم الشاعر، والجار: المستجبر والحليف، وفيه حذف مضاف، أي: لم يوفون بذمة الجار. والبيت مشهور في كتب النحو، ولم أقف على قائلة، ولا على تتمته، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٧) في أي يوميَّ منَ الموتِ أفرْ أيومَ لمْ يقدرَ أمْ يومَ قدرْ
على أن اللحياني زعم أن النصب بلم لغة، وقيل: الأصل لم يقدرون، ثم حفت النون، قال ابن جني في أوائل باب الهمزة من "سر الصناعة" ذهبوا فيه إلى أنه اراد النون الخفيفة، ثم حذفها ضرورة، فبقي الراء مفتوحة، وأنكر بعض أصحابنا (هذا)، وقال: هذه النون لا تحذف إلا لسكون ما بعدها، ولا سكون ها هنا بعدها، والذي أراه أنا في هذا، وما علمت أحدًا من أصحابنا ولا غيرهم ذكره، ويشبه أن يكونوا لم يذكروه للطفه، وهو أن أصله: أيوم لم يقدر أم (يوم قدر) بسكون الراء للجزم، ثم إنها جاورت الهمزة المفتوحة والراء ساكنة، وقد أجرت العرب الحرف الساكن إذا جاور الحرف المتحرك مجرى المتحرك، وذلك قولهم فيما حكاه سيبويه: المراة والكماة، يريدون: المرأة والكمأة، ولكن الميم والراء لما كانتا ساكنتين، والهمزتان بعدهما مفتوحتان صارت الفتحتان اللتان في الهمزتين
[ ٥ / ١٣٢ ]
كأنهما في الراء والميم، وصارت الراء والميم كأنهما مفتوحتان، وصارت الهمزتان لما قدرت حركتاهما في غيرهما كأنهما ساكنتان، فصار التقدير فيهما مرأة وكمأة، ثم خففتا فأبدلت الهمزتان الأفين، لسكونهما وانفتاح ما قبلهما، فقالوا: مراة وكماة، كما قالوا: في رأس وفأس لما خففا: راس وفاس، وعلى هذا حمل أبو علي قول عبد يغوث:
وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةٌ .. البيت.
قال: جاء به على أن تقديره محققًا: كأن لم ترأ، م إن الراء لما جاورت وهي ساكنة الهمزة متحركة صارت الحركة كأنها في التقدير قبل الهمزة، واللفظ بها كأن لم ترا، ثم أبدل الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، فصارت ترا، فالألف على هذا التقدير بدل من الهمزة التي هي عين الفعل، واللام محذوفة للجزم على مذهب التحقيق وقول من قال: رأى يرأى، قال سراقة البارقي:
أري عينيَّ ما لمْ تراياهُ البيت، وقد رواه أبو الحسن: ما لم ترياه على التخفيف الشائع عنهم في هذا الحرف، وقرأت على أبي علي في "نوادر أبي زيد":
ألمْ ترَ مالا قيتُ والدهرُ أعصرٌ ومن يتمل العيش يرأ ويسمعُ
كذا قرأته عليه تر مخففًا، ورواه غيره ترأ ما لاقيت، إلى هنا كلام ابن جني.
وقد أعاده مختصرًا في باب إجراء المتصل مجرى المنفصل من كتاب "الخصائص" قال: كذا أنشده أبو زبد بفتح الراء، وقال: أراد النون الخفيفة فحذفها، وحذف نون التوكيد وغيرها من علاماته جارٍ عندنا مجرى إدغام الملحق في أنه نقض الغرض، إذا كان التوكيد من أماكن الإسهاب والإطناب، والحذف من مظان الاختصار والإيجار، لكن القول فيه عندي أنه أراد: (أ) يوم لم يقدر أم يوم قدر، ثم خفف همزة أم، فحذفها، وألقي حركتها على راء يقدر، فصار تقديره: (أيوم) لم يقدر ام (ثم أشبع فتحه الراء فصار تقديره: أيوم لم يقدر ام)، فحرك الألف لالتقاء الساكنين، فانقلبت همزة فصار تقديره يقدر أم، واختار الفتحة اتباعًا
[ ٥ / ١٣٣ ]
لفتحه الراء، وكنت ذاكرت الشيخ أبا على بهذا منذ بضع عشرة سنة، فقال: هذا إنما يجوز في المتصل، قلت: فأنت أبدًا تكرر ذكر إجرائهم المنفصل مجرى المتصل، فلم يزد شيئا، وقد ذكرت قديمًا هذا الموضع في كتابي في "سر صناعة الإعراب".
انتهى.
وهذا الرجز أنشده ابن الأعوابي في "نوادره" للحارث بن المنذر الجرمي، وأورد بعد ذلك:
إنَّ أخواليَ منْ شقرةَ قدْ لبسوا لي عمسًا جلدَ النمرْ
قال أبو محمد الأسود فيما كتبه على "نوادر ابن الأعرابي" وهو كتاب "ضالة الأديب": قد ترك أبو عبد الله بينهما بيتًا لا بدَّ منه وهو:
يومَ لا يقدرُ لا أخشى الردىَ وإذا قدرَ لا يغني الحذرْ
وهذا المقدار يوجد في ديوان علي بن أبي طالب ﵁، قال ابن عبد ربه في باب الحروب من "العقد الفريد": كان علي بن أبي طالب ﵁ يخرج كل يوم بصفين حتى يقف بين الصفين، ويقول:
أي يومي من الموت أفرْ يوم لا يقدرُ أمْ يومَ قدرْ
يومَ لا يقدرُ لا أرهبهُ ومن المقدور لا ينجي الحذرْ
وكذا أورده أيضًا في باب فضائل الشعر من ذلك الكتاب، والظاهر أنه ﵁ كان يتمثل به، فإن رواته قد أجمعوا على أنه للحارث المذكور، وبعد قوله:
إنَّ أخوالي من شقرة إلى آخره أربعة أبيات وهي:
نحتوا أثلتنا بغيًا ولمْ يرهبوا غبَّ الوبالِ المستعمرْ
فلئنْ طأطأتُ في قتلهمُ لتهاضنَّ عظامي عنْ عقرْ
ولئنْ غادرتهمْ في ورطةٍ لأصيرنْ نهزةَ الذئب الفقر
ولئن أعرضت عنهم بعد ما أوهنتني لتصيبني بقرْ
وقوله: أي يومي بالنصب على الظرفية لأفر، ويروى في كتب النحو "في أي
[ ٥ / ١٣٤ ]
يومي" بزيادة في، وفي بعضها: "من أي يومي" بزيادة "من" وهي زيادة على وزن الشعر، وهي عادتهم يزيدون صدر البيت حرفًا أو حرفين أو ثلاثة أو أربعة، وفي أول العجز حرفًا أو حرفين فقط، وهو عنجهم جائز، واسمه الخزم، بمعجميتين، والبيت مخزوم. ويومي: مثنى حذفت نونه للإضافة إلى الياء، وقوله: يوم لا يقدر ظرف مضاف للجملة بعده، وهمزة الاستفهام محذوفة، يدل عليها أم وهي ثابتة في رواية من زاد في أوله في، وهي خارجة عن وزنه، وقوله: لا يقدر، هذه الرواية لا شاهد فيها، يقول: لا ينبغي ترك الحرب خوفًا من الموت، فإن يوم الحرب إن قدر فيه الموت، فالنجاة منه محال، وإن لم يقدر، فليس للوقوع فيه مجال. هذا معنى الأبيات الأربعة. وقال الدماميني: يعني أنه لا فرار من الموت، فإن كل يوم مت أيام الحي لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون اليوم الذي قدر فيه هلاكه، أو يكون اليوم الذي يقدر فيه موته، وفي كلا اليومين لا ينجيه الفرار من الموت، هذا كلامه، ومقتضاه لا بد من الموت في اليوم الذي لم يقدر فيه، وهو خلف من القول لا يصح، وعذره أنه لم يقف على البيتين بعد الأولين، وقوله: إن أخوالي من شقرة، بفتح الشين المعجمة، وسكون القاف، هو ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن خبة بن أد، وعمسا: مصدر عمس كفرح: إذا اشتد، ولبس جلد النمر: مثل يضرب لإظهار العداوة وكشفها، ويقال أيضًا للرجل الذي يجد في الأمر: ليس جلد النمر.
وقوله: نحتوا أثلتنا، الأثلة بسكون المثلثة/ الأصل، ونحتها: توهينها، قال صاحب "العباب": يقال: فرن ينحت أثلتنا: إذا قال في حسبه قبيحًا، قال الأعشى:
ألستَ منتهيًا عنْ نحتِ أثلتنا ولستَ ضائرها ما أطتِ الإبل
وغب الشيء بالكسر: عاقبته، والوبال: ثقل الشيء المكروه ووخامته، والمستعر: المتقد، وهو مطاوع سعرت النار، أي: أوقدتها، ويقال أيضًا أسعرتها
[ ٥ / ١٣٥ ]
وسعرتها تسعيرًا، وقوله: فلئن طأطأت، أي: أسرعت، وأصله من طأطأ الفارس فرسه: إذا ركضه بفخذيه، ثم حركه للحضر، وقوله: لتهاضن عظامي بالبناء للمفعول: مضارع هاض العظم يهيضه هيضًا: إذا كسره بعد الجبور، وهذا وجعه أشد من الكسر ابتداء، وعقر، بضم العين والقاف: الأصل، أي: لتهاضن جميع عظامي، فلا يبقى لي عظم صحيح، واصل القاف السكون، ومنه الحديث: "ما غزي قوم في عقرِ دارهم إلا ذلوا"، وقوله: ولئن غادرتهم إلى آخره، أي تركتهم، والورطة: الشدة، والنهزة بالضم: الفرصة، والذئب الفقر بفتح الفاء وكسر القاف، المكسور الفقار بالفتح وهي خرزات الظهر، يريد: أصير طعمة للعاجز. وقوله: ولئن أعرضت عنهم، الضمير لأخواله، وأعاده مؤنثًا في قوله: أوهنتني، لأنه جمع مكسر بتأويل جماعة. وقوله: أصابتني بقر، قال الصاغاني في "العباب": القر بالضم: القرار، ومنه قولهم عند شدة تصيبهم: صابت بقر، أي: صارت الشدة في قرارها، قال طرفة بن العبد:
كنتُ فيكمْ كالمغطي رأسهُ فانجلى اليومَ قناعي وخمرْ
سادرًا أحسبُ غيي رشدًا فتناهيتُ وقدْ صابتْ بقرْ
والحارث هذا هو من بني عبد الجن بن عائذ الله بن أسعد بن سعد بن كثير بن غالب، وينتهي نسبه إلى جرم قضاعة، قال صاحب "جمهرة الأنساب": ومن بني عبد الجن الحارث بن نمر الشاعر، وقد شهد صفين مع معاوية بن أبي سفيانـ، وهو القائل:
منْ أيَّ يوميَّ منَ الموتِ أفرْ أيومَ لمْ يقدرَ أمْ يومَ قدرْ
انتهى.
كذا رأيته نمر بدل المنذر، وظهر مما تقدم أنه إسلامي.
[ ٥ / ١٣٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٨) كأنْ لمْ ترى قبليِ أسيرًا يمانيا
على أن أبا علي خرجه على ذلك، كما نقله ابن جني في "سر الصناعة"ـ، وقال القالي في "ذيل الأمالي": قال الأخفش: رواية أهل الكوفة: "كأنْ لم ترى" بالألف، وهذا عندنا خطأ، والصواب: ترى بحذف النون للجزم، انتهى.
وكذا جزم ابن السيد، فقال: قوله كأن لم تري رجوع من الإخبار إلى الخطاب، ويروى على الإخبار وفي إثبات الألف (وجهان)، أحدهما: أن يكون ضرورة، والثاني: أن يكون على لغة من قال: راء مقلوب رأى، فجزم، فصار ترأ، ثم خفف الهمزة فقلبها ألفًا لانفتاح ما قبلها، وهذه لغة مشهورة، وكأن مخففة، واسمها مضمر تقديره على الوجه الأول: كأنك لم ترى، وعلى الثاني: كأنها لم ترا.
انتهى.
والبيت من قصيدة لعبد يغوث الحارثي، مطلعها:
ألا لاتلوماني كفى اللومَ ما بيا فما لكما في اللومِ خيرٌ ولا ليا
ألمْ تعلما أنَّ الملامةَ نفعها قليل وما لومي أخي منْ شماليا
أيا راكبًا إما عرضتَ فبلغنْ ندامايَ منْ نجرانَ أنْ لا تلاقيا
إلى أن قال:
أقولُ وقدْ شدوا لساني بنسعةٍ أمعشر تيمٍ اطلقوا عن لسانيا
أمعشرَ تيمٍ قد ملكتمْ فأسجحوا فإنَّ أخاكمْ لم يكنْ منْ بوائيا
وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةَّ كأنْ لمْ ترى قبلي أسيرًا يمانيا
وقد علمتْ عرسي مليكة أنني أنا الليثُ معدوًا عليه وعاديا
[ ٥ / ١٣٧ ]
وهي عشرون بيتًا مسطورة في "المفضليات" وفي "ذيل أمالي القالي" قالها عبد يغوث بعد أن أسر في يوم الكلاب الثاني - بضم الكاف- وهو ماء لتميم بين الكوفة والبصرة. وكان من حديثه ان كسرى لما أوقع بيني تميم، فقتلت المقاتلة، وبقي الذراري، بلغ ذلك مذحج، فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: اغتنموا بني تميم، فتجمعوا اثني عشر ألفًا وكان رئيس مذحج عبد يغوث، فقاتلوا بن تميم عند الكلاب، فنصر الله تميمًا عليهم، فأوسعوهم قتلًا وأسرًا، وكان الذي أسر عبد يغوث في من بني عبد شمس أهوج، فقالت أمة: من هذا؟ فقال عبد يغوث: أنا سيد القوم، فضحكت، وقالت: قبحك الله من سيد قوم حين أسرك هذا الأهوج! وإليه أشار بقوله:
وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةُ البيت.
ثم قال: أيتها الحرة هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أعطي ابنك مائة من الإبل، وينطلق بي إلى الأهتم، فإني أخاف أن تنتزعني سعد والرباب منه، فضمن لها مائة من الإبل، وأرسل إلى بني الحارث، فسرحوا بها إليه، فقبضها العبشمي، وانطلق به، إلى الأهتم، فقال عبد يغوث:
أأهتمُ يا خيرَ البريةِ والدًا ورهطًا إذا ما الناس عدوا المساعيا
تداركْ أسيرًا عانيًا في حبالكمْ ولا تثقفني التيمُ ألقَ الدواهيا
فمشت سعد والرباب إلى الأهتم فيه، فقالت الرباب: يا بني سعد قتل فارسنا وهو النعمان بن جساسٍ، ولم يقتل لكم فارس، فدفعه إليهم، فأخذه عصمة التيمي على نفسي، فسقوه الخمر، ثم قطعوا عرق الكحل وتركوه ينزف دمه، وخلوا معه رجلين، فقالا لعبد يغوث جمعت أهل اليمن، ثم جئت لتصطلمنا كيف رأيت صنيع الله بك؟ ! فقال هذه القصيدة عند الموت: ألا لا تلوماني .. البيت.
[ ٥ / ١٣٨ ]
وقوله: ألم تعلما أن الملامة إلى آخره قد شرحنا هذا البيت في الشاهد التاسع والستين من شواهد شرح الشافية للرضي، والشمال: الخلق والطبع.
وقوله: أيا راكبًا إما عرضت. أي: إن أتيت العروض، وهي مكة والمدينة وما حولها. وندامى: جمع ندمان، بمعنى نديم، ونجران: مدينة بالحجاز من شق اليمن. وقد استوفينا الكلام على هذا البيت وسائر أبيات القصيدة مع ترجمة قائلها في شرح الشاهد الخامس عشر بعد المائة.
وقوله: أقول وقد شدوا إلى آخره، فيه قولان: الأول للقالي، وابن الأنباري: أن هذا مثل، قالا: لأن اللسان لا يشد بنسعة - بكسر النون وهو سير منسوج- وإنما أراد افعلوا بي خيرًا لينطلق لساني بشكركم، وإلا فلساني مشدود لا أقدر على مدحكم، والثاني للجاحظ، ولصاحب "الأغاني": أنهم ربطوا لسانه بها خوفًا من هجائه.
وقوله: وقد علمت عرسي .. الخ. العرس بالكسر: الزوجة وقد شرحنا هذا البيت في الشاهد السادس الثمانين بعد المائة من شواهد شرح الشافية للرضي.
وعبد يغوث: سيد بني الحارث بن كعب في الجاهلية، وكان فارسًا شاعرًان قال الجاحظ في "البيان": ليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد وعبد يغوث، فإنا قسنا جودة أشعارهما في وقت موتها، فلم تكن دون سائر أشعارهم في حال الأمن والرفاهية.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الأربعمائة:
(٤٤٩) أري عينيَّ ما لمْ ترْأياهُ
على أنه جاء على الأصل من تحقيق الهمزة دون حذفها، وتقدم كلام ابن جني فيها، وقال الزجاجي في كتاب "الأخبار" قوله: ترأياه رد إلى الأصل، والعرب لم تستعمل يرى وترى، وأرى ونرى إلا بإسقاط الهمزة تخفيفًا، فأما في
[ ٥ / ١٣٩ ]
الماضي، فالهمزة مثبتة، وكان المازني يقول: الاختيار عندي أن أرويه: ترياه بغير همز، لأن الزحاف أيسر من رد هذا إلى أصله، وكذلك كان ينشد قول الآخر:
أَلمْ ما لا قيتُ والدهرُ أعصرُ ومن يتمل العيش يرى ويسمعُ
بتخفيف الهمزة. انتهى.
ونقل أبو حيان في "تذكرته" من كتاب "لغات القرآن" للفراء أنه قال: رأيت بالهمزة، ويجتمعون جميعًا على يرى ونرى وأرى بغير همز إلا بني أسد وتيم الرباب، فإنهم يهمزون ترى، فيقولون تراى، أنشدني بعض بني أسد:
ألا تلك جارتنا بالغضا تقول أتر أينهُ لنْ يضيفا
وأنشدني معاذ:
أري عينييَّ ما لمْ ترأياهُ كلانا عالمٌ بالترهاتِ
وأنشدني المفضل:
ألمْ تر ما لا قيتُ والدهرُ أعصرٌ ومن يتمل العيش يرأ ويسمعا
انتهى. وأنشده أبو زيد في "النوادر" كما تقدم، وقال: ورواه أبو حاتم عن أبي عبيدة: ما لم تبصراه، والترهات: الأباطيل. قال الجاحظ في فصل محاسن الدهاء والحيل من كتاب "المحاسن والأضداد": قال الهيثم بن الحسن بن عمارة: كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل الكوفة، فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار، فقال له: أسرك هذا؟ قال سراقة: كذب والله ما أسرني إلا رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق، فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين الملائكة، خلوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول:
ألا أبلغْ أبا إسحاقَ أني رأيتُ البلقَ دهمًا مصمات
أري عينيَّ ما لمْ ترأياهُ كلانا عالمٌ بالترهاتِ
كفرتُ بوحيكمْ وجعلتُ نذرًا عليَّ قتالكمْ حتى المماتِ
[ ٥ / ١٤٠ ]
انتهى. وأورد له حكاية أخرى ظريفة، وأورد له أيضًا هذا الشعر:
قالوا سراقةُ عنينٌ فقلتُ لهمْ الله يعلمُ أني غيرُ عنينِ
فإنْ ظننتمْ بي الشيءَ الذي زعموا فقربوني من بنتِ ابنِ يامينِ
وكذا أورد حكاية الأبيات الثلاثة الأصبهاني في "الأغاني" وقال ابن عبد ربه في "العقد الفريد" قال أبو حاتم: حدثنا أبو عبيدة قال: أخذ سراقة بن مرداس البارقي أسيرًا يوم جبانة السبيع فقدم في الأسرى إلى المختار، فقال:
امننْ عليَّ اليوم يا خيرَ معدْ يا خيرَ منْ لبى وصلى وسْ
فعفا عنه المختار، ثم خرج مع إسحاق بن الأشعن، فأتي به إلى المختار أسيرًا، فقال له: ألأم أعف عنك، وأمنن عليك؟ أما والله لأقتلنك، قال: لا والله لا تفعل إن شاء الله، قال: ولم؟ قال لأنَّ أبي أخبرني أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجرًا وأنا معاك، ثم أنشده:
ألا أبلغْ أبا إسحاقَ أنا حملنا حملةً كانتْ علينا
خرجنا لا ترى الضعفاء شيئًا وكانَ خروجنا بطرًا وحينا
تراهمْ في مصفهمُ قليلًا وهم مثلُ الدبا لما التقينا
فأسجحْ إذ قدرت فلو قدرنا لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبل توبة مني فإني سأشكر إنْ جعلتَ النقدَ دينا
قال: فخلى سبيله، ثم خرج إسحاق بن الأشعت، ومعه سراقة، فأخذ أسيرًا، وأتي به إلى المختار، فقال: الحمد لله الذي أمكني منك يا عدو الله هذه ثالثة، فقال سراقة: أما والله ما هؤلاء الذين أخذوني فأين هم لا أراهم إنا لما التقينا رأينا قومًا عليهم ثياب بيض، وتحتهم بلق، تطير بين السماء والأرض فقال المختار: خلوا سبيله ليخبر الناس، ثم دعا لقتاله، فقال:
[ ٥ / ١٤١ ]
ألا منْ مبلغ المختار عني بأن البلق دهم مضمرات
أري عيني ما لم ترأيناهُ
إلى آخر الأبيات الثلاثة، انتهى. وهذه الرواية تقتضي الإقواء، فإن البيت الأول مرفوع، وإن قرئ بإضافة دهم إلى مضمرات بتشديد الميم المفتوحة فلا إقواء، ويكون من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: خيل مضمرات دهم، والأبلق: ما فيه سواد وبياض، قال ابن الأنباري في "الزاهر": ثوب مصمت: هو الذي لونه لون واحد، ويقال: أدهم مصمت: إذا كان لا يخالط لونه غير الدهمة، وأنشد هذا البيت،اري، بضم الهمزة وكسر الراء: مضارع من الإرادة وسراقة:
منسوب إلى بارق، وهي قبيلة باليمن.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥٠) فذاكَ ولمْ إذا نحنُ امترينا تكنْ في الناسِ يدرككَ المراءُ
على أن الأصل فذاك ولم تكن، ففصل بينهما بالظرف لضرورة الشعر. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": قوله: وقد يلي "لم" معمول مجزومها اضطرارًا: لا يجوز الفصل بين الجازم والمجزوم بشيء، وإذا لم يجز ذلك في الناصب إلا إذن لعلة تخفيها، فأحرى أن لا يجوز في الجازم، وقد جاء ذلك في الضرورة، وأنشد البيتين، وقال يريد: "كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش" و"فذاك ولم تكن يدركك المراء إذا نحن امتينا". وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: ذلك من أقبح الضرائر، فلا يقاس عليه في شعر ولا غيره. انتهى. ويدركك بالرفع، والمراء: فاعله، والجملة خبر تكن، والمراء: مصدر ماراه: إذا جادله قال صاحب "المصباح": ويقال: ماريته أيضًا: إذا طعنت في قوله تزييفًا للقول، وتصغيراُ
[ ٥ / ١٤٢ ]
متعلق بيدرك والأصل: ولم تكن في الناس يدركك المراء إذا نحت امترينا. انتهى.
والبيت مشهور، ولم أقف على قائله، ولا على تتمته، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥١) فأصبحتْ مغانيها قفارًا رسومها كأنْ لمْ سوى أهلٍ من الوحشِ تؤهلِ
لما تقدم قبله، والأصل: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش. قال الدماميني: سوى على قول سيبويه والجمهور ظرف مكان لازم للنصب، وأما على رأي غيرهم، فتكون مفعولًا به مقدمًا. انتهى. والبيت من قصيدة طويلة لذي الرمة وقبله:
فيا كرمَ السكنِ الذين تحملوا عنِ الدارِ والمستخلفِ المتبدلِ
وبعده:
كأنْ لمْ تحل الرزق ميٌ ولمْ تطأ بجرعاءِ حزوى نير مرطٍ مرحلِ
قوله: فيا كرم: المنادى وناصب كرم محذوفان تقديرهما: يا صاح انظر كرم السكن، قال صاحب "المصباح": كرم الشيء كرمًا: نفس وعز، فهو كريم، وكرائم الأموال: نفائسها وخيارها، والسكن: أهل الدار جمع ساكن، كصحب جمع صاحب، وتحملوا: ارتحلوا، والمستخلف: معطوف على الدار، وهو المتبدل، رويا على صيغة اسم الفاعل، وعلى صيغة اسم المفعول، يريد أن الدار تبدلت بالسكن الوحوش، يعني أن الدار استخلفت واستبدلت الوحش، واستشهد به
[ ٥ / ١٤٣ ]
صاحب "الكشاف" على أن التبدل في قوله تعالى: (ولا تتبدلوا الخبيثَ بالطيبِ) (النساء/٢) بمعنى الاستبدال، كالتعجل والتأخر بمعنى الاستعجال والاستئخار.
وقوله: فأصبحت، أي صار، والمغاني: جمع مغنى، وهو المقام من غني بالمكان، كرضي: إذا قامبه، والقفار جمع قفر، وهي المفازة لا ماء بها ولا نبات، ودار قفر: خالية من أهلها، والرسم: الأثر، ورسومها فاعل قفار، والذي رأيته في ديوانه:
فأضحتْ مباديها قفارًا بلادها
قال شارحة: مباديها: حيث تبدو في الربيع، والبلاد: جمع بلدة، وهي القطعة من الأرض، وأهل المكان أهولًا من باب: قعد: عمر بأهله، وقربة آهله، وأهلت بالشيء: أنست به، قال شارح الديوان: تؤهل تنزل، يقال: بلد مأهول ذو أهل، وقال ابن الأنباري في "شرح المفضليات" أهل هذا المكان، وسمعت يقال: مكان أهل، أي: ذو أهل وأنشد هذا البيت، وقال: وبنو عامر يقولون: أهلتُ به آهل به أهولًا، أي: أنست به.
وقوله: كأن لم تحل الزرق إلى آخره، جمع أزرق، قال شارح اليدوان: الزرق أكثبة بالدهاء والجرعاء من الرمل، وحزوى، بضم المهملة: موضع، والمرط: الإزار، ونيره: علمه، والمرحل بتشديد الحاء المفتوحة: الموشى على لون الرحال، وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥٢) ظننتُ فقيرًا ذا غنى ثم نلتهُ فلمْ ذا رجاءٍ ألقهُ غير واهبِ
على أن مجزوم لم محذوف، وهو الناصب لذا رجاءٍ، يفسره الفعل المشتغل بضميره، والتقدير: فلم ألق ذا رجاء ألقه، والبيت مشهور في كتب النحو،
[ ٥ / ١٤٤ ]
ولم أقف على قائله، ولا علة تتمته. قال الدماميني: فقيرًا: حال من التاء، وهي المفعول الأول النائب عن الفاعل، وذا غنى: هو المفعول الثاني: وضمير نلته: عائد إلى الغنى، والمعنى: ظننت غنيًا في حال كوني فقيراُ، ثم نلت الغنى، فلم ألف ذا رجاء في حالة كوني غير واهب له، بل ألقاه منعمًا عليه محسنًا إليه، وهذا رجل عرف قدر النعمة، فشكر، جزاه الله خيرًا. انتهى.
(لما)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الأربعمائة:
(٥٣) فإنْ كنتُ مأكولًا فكنْ خير آكلٍ وإلا فأدركني ولما أمزق
على أن منفي لما يستمر نفيه إلى حال التكلم. قال أبو حيان: نفى التمزيق عنه إلى زمام إخباره، لا يريد انتفاء التمزيق فيما مضى، ثم مزق، وقد اضطرب كلام المصنف في "لما" هذه، فقال في هذا الكتاب ما ذكره، وقال في شرح "الكافية": لا يشترط كون المنفي بلا قريبًا من الحال، بل الغالب كونه قريبًا، وكذلك اختلفت عبارة أصحابنا، فبعضهم يقول: لما لنفى الماضي المتصل بزمان الحال، وبعضهم يقول: لما لنفي الماضي القريب من الحال، وزاد المصنف أن نفيها للماضي القريب من الحال ليس شرطًا، بل غالبًا، فعلى هذا قد تكون نافية للماضي الذي لا يتصل بالحال، ولا يقرب من الحال، فتكون إذ ذاك مساوية في النفي في مطلق الانتفاء هذا آخر كلام أبي حيان.
والبيت من قصيدة للممزق العبدي أوردها صاحب "الحماسة البصرية" واقتصر على بعضهما ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" وهو هذا:
وناجيةٍ عديتُ من عندِ ماجدٍ إلى واجدٍ من غيرِ سخطٍ مفرقِ
وقدْ تخذت رجلي إلى جنبِ غرزها نسيفًا كأفحوص القطاة المطرق
[ ٥ / ١٤٥ ]
تروحُ وتغدو ما يحل وضينها إليك ابنَ ماءِ المزن وابن محرقِ
تبلغني منْ لا يدنسُ عرضهُ بعذرٍ ولا يزكو لديه تملقي
أحقًا أبيت اللعن أن ابن فرتني على غير إجرام بريقي مشرقي
فإن كنت مأكولًا فكنْ أنت آكلي وإلا فأدركني ولما أمزق
فأنت عميد الناس مهمتا تقل يقلْ ومهما يكنْ منْ باطلٍ لا تحقق
آكلفتني أدواءَ قومٍ تركتهمْ فإلا تداركني منَ البحر أغرقِ
فإن يعمنوا أشئتم خلافًا عليهم وإن يتهموا مستحقبي الحرب أعرق
قوله: وناجية مجرور برب المضمرة بعد الواو، ومحله النصب على أنه مفعول لعديت، أي: جاوزتها، والناجية: الناقة السريعة، والماجد: الشريف، والواجد: اللئيم السيء الحلق، لأنه يجد من غير وجد للؤمه. وقوله: وقد تخذت رجلي: استشهد به أبو علي في "الإيضاح"على أن تخذ بمعنى أخذ، والغرز للرحل كالركاب للسرج، والنسيف: الأثر في جنبي الناقة من القدمين، وأفحوص القطاة: مبيضها تفحصه وتنقيه، وتبيض فيه، والمطرق، بفتح الراء: التي تضيق عن بيضتها شيئاُ، وأصله المرأة يخرج بعض ولدها ويبقى بعضه، فيغشى عليها. وقوله: ما يحل وضينها بالبناء للمفعول، والوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر، ولا يكون إلا من جلد. وقوله: إليك ابن ماء المزن إلى آخره، ابن: منادى بإضمار "يا" وماء السماء من ملوك الشام من قبيلة غسان، واسمه عامر بن حارثة الغطريف، وسمي ماء السماء لأنه كان يحتبي في المحل، فينوب عن الغيث بالرفد والعطاء، ومحرق: هو الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة الغطريف، والحارث هو أخو جفتة أبي ملوك الشام، وسمي محرقًا لأنه أول من عاقب بالنار، وقوله: إن ابن فرتنى بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مثناة مفتوحة فنون: هي المرأة الزانية والأمة أيضًا، وأراد بابن فرتني: الواشي، وهي كلمة سب، وإجرام: مصدر أجرم، أي أذنب،
[ ٥ / ١٤٦ ]
ومشرقي: اسم فاعل من أشرقي بريقي: أي أغصني به متعدي شرق بريقه: إذا لم يقدر أن يبلعه. وقوله: وإلاَّ فأدركني، أي: وإن لم تكن آكلي، وأدركني: أمر من أدركه: إذا طلبه، فلحقه، يعني فأعثي قبل أن أقتل، وأمزّق بالبناء للمفعول، وبهذا سمي الممزق بصيغة اسم المفعول، قال العسكري في كتاب "التصحيف": الممزَّق العَبْدي: مفتوح الزاي اسمه شأس بن نهار، وسمي بهذا البيت الممزق، قال أبو اليقظان: الممزق من بني منبّه بن نُكرة بن لُكيز، وكان من عبدة الأوثان، قتل كافرًا. انتهى.
قال المبرد في أوائل "الكامل": كتب عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب حين أُحيط به: أما بعد، فإنه قد جاوز الماءُ الزُّبى، وبلغ الحِزامُ الطُّبيين، وتجاوز الأمر بي قدره، وطمع فيَّ من لا يدفع عن نفسه
فإن كنت مأكولاُ فكن خير آكِلٍ .. البيت.
قوله: قد جاوز الماءُ الزبى، الزبية: مصيدة الأسد، ولا تتخذ إلَّا في قُلَّة أو رابية أو هضبة، وتقول العرب: "قد علا الماء الزُبى"، و"قد بلغ السِّكينُ العظم"، و"بلغ الحِزامُ الطُّبيين"، و"قد انقطع السَّلى في البطن"، والسَّلى من المرأة والشاة: ما يتلفّ فيه الولد في البطن، ويقال لمواضع الأخلاف من السباع والحيل أطباء جمع طُبي، كقُفل، كما يقال في الظِّلف والخُفّ من السباع والخيل جمع طُبي، كقُفل، كما يقال في الظِّلف والخُف خِلفٌ مكان هذا، وإذا بلغ الحزام الطُّبيين فقد انتهى في المكروه. وتمثُّلُهُ بالبيت يُشاكل قول القائل:
فَإنْ أَكُ مَقْتُولًا فَكنْ أنتَ قاتِلي فَبَعْض مُنَايَا القَوْمِ أكْرَمُ مِنْ بعضٍ
إلى هنا كلام المبرد، قال صاحب "نشوار المحاضرة": هذا البيت لطرفة بن العبد، قال: وأخذه عبد الله بن الحجاج التغلبي، فأفسده، فقال:
فَإنْ كُنْتُ مَأكولًا فَكُنْ خيرَ آكلٍ وإنْ كُنْتُ مَذبُوحًا فكنْ أنتَ ذابحي
[ ٥ / ١٤٧ ]
وقوله: فأنت عميد الناس، العميد: السيّد الذي يعمَدهُ الناس، أي: يقصدونه، وقوله: لا تحقق بالخطاب والنهي. وأدواء: جمع داء، وإلَّا تداركني، أي: إن لم تغثني، وأعمن: إذا أتى "عمان" بالضم والتخفيف، وأشأم: أتى الشام، وأتهم: أتى تهامة، وأعرق: أتى العراق، واستحقبه: ادّخره لوقت الحاجة.
قال ابن قتيبة: الممزق العبدي: هو من نُكرة، واسمه شأس بن نهار، وسمّي الممزَّق بقوله: فإن كنت مأكولًا البيت، وهو جاهلي قديم، وإنما يعني بهذا الشعر بعض بني محرّق. انتهى.
وقال صاحب "الحماسة البصرية": الممزق شأس بن نهار العبدي، مدح بهذه القصيدة عمرو بن النعمان بن المنذر الأكبر، وكان قد همَّ أن يغزُو عبد القيس، فلما سمع القصيدة رجع عن ذلك. انتهى.
وقال ابن السيِّد البطليوسي فيما كتبه على "كامل المبرد": كان سبب قول الممزق هذا الشعر أنّ عمرو بن هند أو قابوس أخاه كان يعشو على البحرين، فاستقبله الممزق، ودخل عليه في جوف الليل، وقال له: أنا رجل من بني تميم بلغني أن الملك يريد عبد القيس، فجئته لأدله على عورتهم، فقربه الملك، وسار معه، فهجم به على بني عمرو بن تميم، فأخذ القتل فيهم، فلما عرف قصته، قال: ما حملك على ما صنعت، فأخبره أنه من عبد القيس، وأنه إنما فعل ذلك لأنَّ بني تميم هم الذين حملوا الملك على عبد القيس، فدفعه إلى بني تميم، فقال: اقتلوه، فهموا بتقطيعه، فقال هذا الشعر، فخلصه الملك منهم، وبهذا البيت سمي الممزق، واسمه شأس بن نهار. انتهى.
وأورد الآمدي في "المؤتلف والمختلف" من يقال له الممزق –بفتح الزاي- وهما اثنان، ومن يقال له الممزق –بكسر الزاي-: وهو واحد، قال: الممزق بالفتح: شأس بن نهار العبدي صاحب القصيدة التي على القاف، يقول فيها لعمرو بن
[ ٥ / ١٤٨ ]
المنذر بن عمرو بن النعمان وكان همَّ بغزو عبد القيس: فإن كنتُ مأكولًا البيت، فلما بلغته القصيدة انصرف عن عزمه، وكان عبد الله بن حُذافة السهمي سهم بن عمرو بن هُصَيْص أحد شعراء قريش يقال له: الممزق، ذكر ذلك ابن سلام الجمحي في شعراء مكة، وهو [القائل]:
وتِلكْمُ قُرَيْشٌ تَجْحَدُ اللهَ حَقَّهُ كما جَحَدَتْ عَادٌ وَمَدْيَنُ والحِجْرُ
فإنْ أنا لم أُبْرِقْ فلا يَسَعَنَّي مِنَ اللهِ بَرٌ ذُو فَضاءٍ ولا بحرُ
وأما الممزِّق -بكسر الزاي-: فهو متأخر، وهو الممزق الخضرمي أنشد له دعبل بن علي الخزاعي:
إذَا وَلَدَتْ حَلِيلَةُ باهَليّ غلامًا زيدَ في عَدَدِ اللِّئَامِ
وَعِرْضُ البَاهِلِيِّ وإن تَوَقَّى عَلَيْهِ مِثْلُ مِندِيلِ الطَّعامِ
ولَوْ كَانَ الخَلِيفَةُ بَاهِيلِيًا لَقَصَّرَ عَنْ مُسايَرَةِ الكِرَامِ
قال: وابنه عبّاد بن الممزِّق، ويعرف بالمخرِّق، وله أشعار كثيرة وهو القائل:
أنا المُخرِّقُ أعْرَاضَ اللِّئامِ كما كان المُمزِّقُ أعْرَاضَ اللئَامِ أبي
وأنشدناه أبو الحسن الأخفش عن أبي العباس المبرد [إلا أنه قال: الممزق بن المخرق]، وأنشدنا عن أبي العباس لأبي الشمقمق في الممزق:
كنت الممزِّقَ مرةً فاليوم قد صرت الممزَّقْ
لمَّا جَريت مع الضَّلا لِ غرقت في بحر الشمقمقْ
انتهى.
[ ٥ / ١٤٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥٤) وَكُنْتَ إذْ كُنْتَ إِلهي وَحْدَكَا لَمْ يَكُ شَيءٌ يَا إِلهي قَبْلَكَا
على أنَّ بن مالك قال: إن لم فيه للنفي المنقطع، وردُّ المصنف عليه مأخوذ من "شرح التسهيل" لأبي حيان قال: ومثَّل المصنف في "شرح الكافية" للانتفاءِ المنقطع بالآية الكريمة وهي: "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ" [الإنسان/١] وهو تمثيل صحيح، ويقول الراجز: وكُنتَ إذْ كُنتَ إلهي إلى آخره، وهو تمثيل وَهِم فيه، إذ ليس من الانتفاء المنْقَطِع، لأنه لا يمكن [أن] يريد: لم يكن شَيء يا إلهي قبلك، ثم كان شيء قبلك، وإنما كان يكون من هذا النوع لو كان لم يك شيء يا إلهي معك لحسن ثم كان معك، وكذلك مثَّل بالرجز ابنه متبعًا أباه، فوهما في ذلك، إذ لم يُمعِنا الفكر في ذلك. انتهى كلامه. قال ناظر الجيش بعد نقله: وهذا استدراك جيّد، وأجاب السراج البلقيني عن ابن مالك، وقال: الصواب ما قاله، لأن القبلية محالة في حق الله ﷿، فتعينت المعية، فالمعنى: لم يك شيء معك قبل خلق العالم، ثم وجد العالم. انتهى كلامه. نقله الشمي.
وهذا الرجز من شواهد سيبويه ذكره في باب إضافة المنادى إلى الياء ونسبه إلى عبد الله بن الأعلى القرشي، قال الأعلم: الشاهد فيه إثبات الياء في قوله يا إلهي على الأصل، وحذفها أكثر في الكلام، لأن النداء باب حذف وتغيير، والياء يشبه التنوين في الضعف والاتصال، فيحذف كما يحذف التنوين من المنادى المفرد، ولو حذفها هنا لقام الوزن، ولكنه روى بإثبات الياء، وتقدير البيت: وكنت يا إلهي إذ كنت وحدك، لم يك شيء قبلك. انتهى. و"كان" في الأولين تامة، والثالثة خبرها قبلك، قال الشمي: وكان عبد الله هذا بدعيًا متهمًا في أموره.
[ ٥ / ١٥٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥٥) فَجِئتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاُ وَلَمَّا فَنَاديتُ القُبُورَ فَلَمْ تُجِبْنَهْ
على أن مجزوم لمّا محذوف تقديره: ولما أكن بَدْءًا، أي: سيّدًا، والأوْلى كما قدره الجعبري: ولمَّا أَسُدْ، والبدءُ، بفتح الموحدة وسكون الدال بعدها همزة: السيد، سمّي به لأنه يُبدأ به في العدّ وغيره، يقول: ما كنت سيدًا حين قتلوا، بل صرت سيّدًا بعدهم، وهذا كقول حارثة بن بدر الغداني:
خَلَتِ الدِّيَارُ فَسُدْتُ غيرَ مُسَوَّدِ ومِنَ العَنَاء تَفَرُّدِي بالسُّؤدُدِ
وبعده:
وكيف تُجيبُ أصداء وهامٌ وأبدانٌ بُدِرِنْ وما نخِرْنَه
والأصداء: جمع صدى بالقصر، وهو ذكر البوم يسكن القبور، وكذلك الهام جمع هامة، والهامة: طير من طيور الليل، وبُدرن بالبناء للمفعول، أي: طعن في بوادرهم، والبادرة: النحر، وقوله: وما نخرنه، من نخر العظم نخرًا من باب تعب: إذا بلي وتفتّت، وقبلهما ثلاثة أبيات أخر، وهي لرجل من بني أسد، وقد شرحناها شرحًا وافيًا في الإنشاد الثامن والسبعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥٦) احْفَظْ وَدِيعَتَكَ التي استودعتهَا يَوْمَ الأَعازِبِ إنْ وصَلْتَ وَإنْ لَمِ
على أن مجزوم لم قد حذف لضرورة الشعر، تقديره: وإن لم تصل. قال أبو حيان في "تذكرته": قد حذفوا الفعل بعد لم حملًا على لمّا، قال ابن هرمة:
[ ٥ / ١٥١ ]
احفظ وديعتك البيت، يريد: وإن لم تصل. انتهى.
وأنشد ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قول ابن هرمة أيضًا:
وعَلَيْكَ عَهْدُ اللهِ إنَّ بِبَابِهِ أَهْلُ السَّيَالةِ إنْ فَعَلْتَ وإنْ لَم
يريد: وإن لم تفعل، ثم قال: وإنما لم يُجز الاكتفاء بلم، وحذف ما تعمل فيه إلا في الشعر لأنها عامل ضعيف، فلم يتصرفوا فيها بحذف معمولها في حال السعة، بل إذا كان الحرف الجار وهو أقوى في العمل منه، لأنه من عوامل الأسماء، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال لا يجوز حذف معمولها، فالأحرى أن لا يجوز ذلك في الجازم، فإن قيل: فلم جاز الاكتفاء بلما، وحذف معمولها في سعة الكلام وهي جازمة، فالجواب: أن الذي سوَّغ ذلك فيها كونها نفيًا لـ"قد" فعل" ألا ترى أنك تقول في نفي: "قد قام زيد": لما يقم، فحملت لذلك على قد، فكما يقال: لم يأت زيد، وكان قد، أي: وكأن قد أتَى، فيكتفى بقد، فكذلك أيضًا قالوا: قاربت المدينة ولما، أي: ولما أدخلها، فاكتفوا بلما. انتهى كلامه باختصار.
وقوله: احفظ: أمر، واستودعها على بناء المفعول، ويوم الأعازب: لم أقف عليه في كتب أيام العرب.
وابن هرمة بفتح الهاء وسكون الراء بعدها ميم، وهو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة، قال الأصمعي: ساقة الشعراء: ابن ميّادة، وابن هرمة، ورُؤبة، وحكم الخُفريّ حي من محارب، وقد رأيتهم أجمعين، وهم آخر من يحتج بشعرهم، وابن هرمة من مخضرمي الدولتين، مدح الوليد بن يزيد، ثم أبا جعفر المنصور، وكان منقطعًا إلى الطالبين، وكان مولده سنة سبعين، ووفاته في خلافة الرشيد بعد الخمسين ومائة تقريبًا، وله في آل البيت أشعار لطيفة منها قوله:
ومَهْمَا أُلامُ على حُبِّهِمْ فإنِّي أُحبُّ بني فاطِمَهْ
بَني بِنْتِ مَنْ جاءَ بالمُحْكما تِ والدَّينِ والسُّنَّةِ القائمهْ
وترجمته في "الأغاني" طويلة.
[ ٥ / ١٥٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥٧) أقولُ لعبد الله لما سقاؤنَا ونَحْنُ بِوادي عَبْدِ شمسِ وهاشِمِ
أقول: جملة "شِمْ" من فعل الأمر وفاعله المستتر فيه مقول القول، وعبد الله المقول له، ولما: ظرف بمعنى حين متعلقة بأقول، وليست شرطية حتى تحتاج إلى جواب، فتقدير المصنف إياه مستغنى عنه، وجملة "ونحن بوادي عبد شمس": حال من فاعل أقول، وقول المصنف وهي بمعنى سقط، إنما وهى بمعنى تخرَّق وانشق كما في "الصّحاح" وغيره، وإليه أشار المصنف في "موقد الأذهان" بقوله: أي: أقول لما وَهَى سقاؤنا ونحن بوادي شمس، ولم يبق فيه شيء من الماء، "شم" البرق. انتهى. وهو أجود مما هنا، فإنَّ فيه إشارة إلى أ، مفعول "شم" محذوف وهو البرق، وإنما أمره بالشيم ترجيًّا للمطر، وقرينة هاشم لعبد شمس أبعدت فيهم المراد. ولأجل التعمية كتبَ وها بالألف دون الياء مع أنَّ واجب رسمه بالياء، لأنه يائي. والبيت نسبه المصنف في "موقد الأذهان" إلى تميم بن رافع المخذومي وأورد السُّيُوطي في كتاب "المزهر" بعد قوله أقول لعبد الله لمَّا سقاؤنا البيت، بيتًا للفرزدق من قصيدة وهو:
على حالةٍ لو أنَّ في القومِ حاتمًا .. على جُودِهِ لَضنَّ بالماء حَاتِمُ
فأوهم أنَّ البيتين من قصيدة واحدة لشاع واحد لتناسبهما، والبيت الأول ليس من شعر الفرزدق قطعًا، وقد نظرت قصيدته التي منها قوله: على حالة لو أن في القوم حاتمًا فلم أرَ ذلك للبيت فيها، وإنما هو لمن ذكر المصنف، وقد اغتر ابن وحيي بصنيع السيوطي، فقال: البيتان من قصيدة للفرزدق.
[ ٥ / ١٥٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥٨) قَالَتْ لَهُ بِاللهِ يَا ذَا البُرْدَينْ لَمَّا غَنِثْتَ نَفَسًا أو اثنَيْنْ
على أنَّ "لَمّا" فيه بمعنى إلاَّ، والقسم استعطافي، وغنث بالغين المعجمة والنون المثلثة جاء من ضرب، ومن باب فرح، حكى الأول أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" عن أبي عمرو مع هذا الرجز، وكذا في "جمهرة ابن دريد" وحكى الثاني الأزهري في "التهذيب" عن الليث، وقد جمعهما الصاغاني في "العباب"، فقال: قال الليث: غنث من اللبن -بكسر النون- يغنث غنثًا، وهو أن يشرب ثم يتنفس، يقال: إذا شربت منه، بفتح النون، وأنشد:
قَالَتْ لَهُ تَاللهِ يَاذَا البُرْدينْ إلى آخره
وهذه المادة لم يذكرها الجوهري في "الصحاح".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الأربعمائة:
(٤٥٩) لَمَّا رَأَيْتُ أَبَا يَزِيدَ مُقَاتِلًا أَدَعَ الْقِتَالَ وأَشْهَدَ الهَيْجَاءَ
على أنَّ أصله: لن أدع القتال، وأشهد الهيجاء ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، ففَصَل بين "لن" والفعل المتصل بها لضرورة الشعر، كذا في كتاب "الضرائر" لابن عصفور، وقال ابن جبي في باب الشجاعة في العربيّة من "الخصائص" يريد: أن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، وكأنه شبّه لن بأنَّ، فكما جاز الفصل بين أنَّ واسمها بالظرف في نحو قولك: إنَّ في الدار زيدًا كذلك شبّه لن مع الضرورة بها، وفصل بينها وبين منصوبها بالظرف الذي هو ما رأيت أبا يزيد، أي: مُدَّة رؤيتي. انتهى كلامه.
[ ٥ / ١٥٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٠) عَافَتِ الماءَ في الشِّتَاءِ فَقُلْنَا بَرِّديهِ تُصَادِفِيهِ سَخِينا
على أنَّ أصله: بل رديه، وهو أحد قولين فيه، قال ابن الأنباري في كتاب "الأضداد": قال بعض أهل اللغة: برّدت من الأضداد، يقال: برّد الشيء على المعنى المعروف، ويقال: برَّد الشيء: إذا سخَّنه، واحتجوا بقول الشاعر:
عَافَتِ الماءَ في الشِّتَاءِ فَقُلْنَا البيت
قال أبو بكر: فإذا صحَّ هذا القول، صلح أن يقال للحار: بارد، وأن يقع البرد على الحر إذا فهم المعنى، قال أبو بكر: وحكى لي بعض أصحابنا عن أبي العباس أنه كان يقول في تفسير البيت: بل رديه من الورود، فأدغم اللام في الراء، فصارتا راءً مشددة. انتهى كلامه، وهذا الأخير هو قول المازني، روي أن المازني سُئل عن البيت، فأفكر فيه، ثم قال:
أيها السَّائِلونَي عنْ عَويصٍ حارتِ الأفكارُ أنْ يسْتبِينَا
إنَّ لامًا في الراء ذاتُ ادغامٍ فافْصِلَنْهَا تَرَى الجَوابَ يقيِنا
حكاه السيوطي في باب الملاحن والألغاز من كتاب "المزهر" وعاف الرجل الطعام والشراب يعافه ويعفيه عِيافة بالكسر: إذا كرهه، وصادفه: وجده، ولقيه، والسخين: الساخن.
وأنشد بعده:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
تمامه: أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الأربعمائة.
[ ٥ / ١٥٥ ]
"لَنْ"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦١) لَنْ تَزَالوا كَذلِكُمْ ثُمَّ لَا زِلْـ ـتُ لَكُمْ خَالِدًا خُلُودَ الجِبَالِ
على أنَّ فيه للدعاء، قال ابن السراج في كتاب "الأصول": وقال قوم: يدعى بلن مثل قوله: (فَلَنْ أكُونَ ظهيرًا لِلمجْرِمينَ) [القصص/١٧]، وقال الشاعر: لَنْ تَزَالوا كَذلِكُمْ البيت، والدعاء بلن غير معروف. انتهى. وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": لا حجة في ذلك، أمّا الآية فلأنَّ الدعاء لا يكون للمتكلم، لا يجوز أن تقول: لا أسقي زيدًا، ولا سقيت زيدًا عن طريق الدعاء، وإنما يكون ذلك للمخاطب وللغائب، أعني أن فاعل الدّعاء إنما يكون مخاطبًا وغائبًا نحو: يا رب لا غفرت لزيد، ونحو لا غفر الله لزيد، وأما البيت فيحتمل قوله: لن تنالوا البر أن يكون خبرًا، ومع احتماله ذلك يسقط الاستدلال به. انتهى.
وقول المصنف: ويرده قوله: ثم لازلت لكم إلى آخره، يعني: أن هذا دعاء قطعًا، وهو معطوف على لن تزالوا، ولو جاز أن يكون خبرًا، لزم عطف الإنشَاء على الخبر، قال الدماميني: لا يعنيه كون المعطوف بم دعاء بناء على جواز عطف الإنشاء على الخبر.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، وكان غزا أسدًا، فأصاب أسرى وسبيًا من بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة والأعشى غائب، فلما قدم، ووجد الحيَّ مباحًا أتاه فأنشده هذه القصيدة، وسأله الأسرى، فوهبهم له، وسأله أن يحملهم، ويردّهم، ففعل، وهذا مطلعها:
مَا بُكاءُ الكبيرِ بالأطْلالِ وسُؤالي فَمَا يَرْدُّ سؤَالي
[ ٥ / ١٥٦ ]
دِمْنةٌ قَفْرةٌ تعَاوَرَها الضَّيْفُ بِريجْينِ مِنْ صبًا وشمالِ
لاتَ هنَّاد ذِكرى جبيرة أو مَنْ جاء منها بطائفِ الأهوال
إلى أن قال في آخر القصيدة يخاطبه:
رُبَّ رِفْدٍ هَرَقتهُ ذلك اليوْ مَ وأسرى من معشرٍ أقتالِ
وشيوخُ حربي بشطَّي أريك ونِساءٍ كأنهُّنَّ السّعالي
وشريكين في كثير من المَا لِ وكانا مُخالفي إقلالِ
فسَمَا الطارفَ المفدا من الغُنْـ مِ فآبا كلاهما ذو مالٍ
لنْ يزالوا كَذلِكُمْ ثمَّ لا زِلْـ تَ لهم خالدًا خُلُودَ الجبالِ
وهذا آخر القصيدة، وهي طويلةٌ أكثر من سبعين بيتًا. وقوله: ما بُكاءُ الكبير إلى آخره، عنى بالكبير نفسه، عذل نفسه في وقوفه على الأطلال، وسؤاله إياها، ثم رجع إلى نفسه، فقال: وما الذي يرد عليَّ سؤالي؟ ! والمعاورة: أن يهبَّ الشّمال مرة، ثم تعقبها الجنوب ثانية، أو الصِّبا، وكل ريح عاقبتها، فقد عاورتها.
وقوله: لات هنا ذكرى جبيرة إلى آخره. يقول: ليس حين ذكرها، ولا حين يطرق خيالها. وقد شرحنا هذه الأبيات الثلاثة في الشاهد السّابع والثمانين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وقوله: رب رفد هرقته إلى آخره، الرفد: القدح والجفنة، وكل شيء حلبت فيه، وأطعمت فيه، أو سقيت فيه، فهو رفد، يقول: رب شريف قد قتلته ذلك [اليوم]، فكأنَّ رفده هُرِيق، فلم يطعم، ولم يستق، وإنما هذا مثل. وقوله: وشيوخ حربى إلى آخره: جمع حريب الرجال ماله، أي: سُلب، ويأتي إن شاء الله شرح هذا مفصلًا في الباب الخامس، وقوله: وشريكين، إلى آخره، يقول: كانا فقيرين، فلما غزوا معك، استغنيا، وقوله: لن يزالوا كذلكم إلى آخره بالياء التحتية بضمير الغيبة الراجع لمجموع من ذكر من قتلوا وأسروا، وسُبُوا، ونهبوا من الأعداء، وممن غزا معه وقتل، وغنم من الأولياء. وقوله: ولا زلت بالخطاب
[ ٥ / ١٥٧ ]
الممدوح، ولهم ضمير الغيبة، فظهر مما ذكر أنَّ البيت قد رُوي في كتب النحو على خلاف الرواية الصحيحة. وترجمة الأعشى قد تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٢) واللهِ لَنْ يَصِلُوا إليكَ بِجَمْعِهمْ حتَّى أُوَسَّدَ في التُرابِ دَفيِنَا
على أنَّ لن مع منصوبها قد تقع جوابًا للقسم بقلة كما هنا، وهو أول أبيات خمسة لأبي طالب عم النّبي ﷺ. قالها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لما أخافته قريش، وبعده:
فانفذ لأمرك ما عليك غضاضةٌ فكفى بذا دنيا لَديك ودِينَا
ودعوتي وزعمْتَ أنَّك ناصحٌ فلقد صدقتَ وكنتَ قبلُ أمينا
وعَرَضْتَ دينا قدْ علمتُ بأنه من خير أديان البرية دينَا
لولا الملامة أو حذارِي سُبَّةً لوجدتني سمْحًا بذاكَ ضَنِيَا
كذا في ديوانه، وأوسد بالبناء للمفعول بمعنى: أوضع، وقوله: فانفذ من نفذ في الأمر: إذا مضى فيه، ورُوي: فاصدع بأمرك، أي: أظهره، وتكلم به جهارًا، والغضاضة: النقيصة والعيبُ، لأنه يغضّ منه البصر احتقارًا. وقوله: فكفى بذا، أي: بمجموع ما ذكر من عدم الوصول، والصدع بالأمر، وعدم الغضاضة. وروي بدله:
وابْشِرْ بذاكَ وقرَّ منهُ عيُونا
قر منه، أي: من أجله عينًا، ومجيء التمييز جمعًا شاذ، وقر: أمرُ "قررتُ به عينًا" أقر بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع. والمصدر القرة، والقرور بضمها قال المرزوقي في شرح "فصيح ثعلب": قولهم أقر الله عينك معناه: لا أبكاك فتسخن بالدمع عينك، فكأنه قال: سرّك الله، ويجوز أن يكون معناه: صادفت
[ ٥ / ١٥٨ ]
ما يرضيك لتقر عينك من النظر إلى غيره، وأما قول بعضهم: معناه برَّد اللهُ دمعتها، لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، فإنه خطأ، لأنَّ الدمع كله حارّ. انتهى.
وقوله: ودعوتني، أي: إلى الإيمان، وزعمت، أي: قلت، وقوله: من خير أديان "من" للتبعيض، وقوله: لولا الملامة، أي: لوم قريش للمشركين، وسبّة: مفعول حذاري، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، والسُبّة بالضم: ما يُسب به، والسمح: المنقاد، وضنينًا، أي: بخيلًا بتركه.
روي في كتب السير وغيرها أن قريشًا جاءت إلى أبي طالب، فكلموه في النبيّ ﷺ، فبعث إليه، فقال له: يا ابن أخي إنَّ قومك جاؤوني، وقالوا لي: كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أُطيق، فظنَّ النبيّ ﷺ أن قد بدا لعمّه فيه، وأنه خاذله فقال: "يا عم والله لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه" ثم استعبر رسول الله ﷺ، فلمّا ولّى، قال له: يا ابن أخي امض على أمرك، وافعل ما أحببت، فو الله لا أُسلِمك لشيء أبدًا، وقال هذه الأبيات الخمسة، وترجمة أبي طالب تقدمت في الإنشاد السابع بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٣) فَلَنْ يَحْلَ للعينينِ بَعْدَكِ مَنْظَرُ
على أنَّ لن قد تجزم، فإن "يحل" مجزوم بحذف الألف، قال ناظر الجيش: قيل: إن الجزم بها لغة، وأنشد هذا المصراع والبيت كأبي حيّان. وأقول: المصراع
[ ٥ / ١٥٩ ]
عجز، وصدره:
أيادي سبَايَا عزَّ ما كنتُ بعدكمْ فلم يحلْ بالعينينِ بعدك منظرُ
كذا أنشده ابن الأنباري في "المقصور والممدود" وكذا أنشده القاني أيضًا في "المقصور والممدود" النسختان صحيحتان قديمتان. أما نسخة ابن الأنباري، فتاريخ كتابتها سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بعد وفاته بسبع وأربعين سنة، وأما نسخة القالي، فتاريخها سنة ثنّي عشرة وخمسمائة، وكاتبها من أولاد المصنف، قال في آخرها: تم جميع الديوان، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده، وفرغ من نسخة في عقب جمادى الآخرة سنة ثني عشرة وخمسمائة، وكتبه عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي علي لنفسه نفعه الله به. انتهى.
قال ابن الأنباري: وقد أجمعت العرب على ترك الهمزة في قولهم: هذه أيدي، وأيادي سبا. وأصله الهمزة، ولكنه جرى في هذا المثل على السكون، فترك همزهُ قال العجاج:
مِنْ صادرٍ أو وَاردٍ أيدي سَبَا
وقال كثير:
أيادي سبَايَا عزَّ ما كنتُ بعدكمْ فلم يحلْ بالعينينِ بعدك منظرُ
ويكتب بالألف، لأنَّ أصله الهمزة. انتهى كلامه. ونقله القالي بعينه من غير زيادة ولا نقص، وعزاه إليه. وقال ابن ولاد أيضًا في "المقصور والممدود": وَأما قول العرب: تفرقوا أيادي سبا، وأيدي سبا، فإنه جرى في كلامهم غير مهموز، وكتابه بالألف. انتهى. وكذا أنشده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كلَّ ممزق) من سورة سبأ [الآية ١٩] قال: أحاديث يتحدث الناس بها، ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقًا، اتخذهُ الناس مثلًا مضروبًا، يقولون: ذهبوا أيدي سبا، وتفرقوا أيادي سبا، قال كثير: أيادي سبايَا عزَّ البيت.
[ ٥ / ١٦٠ ]
وقال الطبي: قوله: أيادي سبا يا عزَّ البيت، تقديره: يا عزّة كنت بعدكم أيادي سبا، وما مزيدة، أو للداوم، يقال: حلا الشيء في فمي يحلو، وحليّ بعيني وقلبي يحلى، أي: كنت بعدكم مثل أيادي سبا، وقولهم: ذهبوا أيدي سبا، أي: مثل أيدي سبا، ووجب إضمار مثل، لأن أيدي سبا وقع حالًا عن فاعل ذهبوا وهو معرفة، لأنَّ إضافته حقيقة، ومن حق الحال أن يكون نكرة، والتقدير: متفرقين، وسبا مهموز في الأصل، غير أنه التزم التخفيف في هذا المثل، والأيدي كناية عن التفرقة، لأنهم تفرقوا في البلاد من قولهم: أخذ يد البحر، أي: طريقه، وقيل: أيدي سبا، أي: أولاد سبا، سُمُّوا أيدي، لأنَّ الأولاد أعضاؤه لتقويّه بهم. انتهى كلامه، ومن خطه الشريف نقلت.
والمنظر: إمّا مصدر ميمي، أو اسم مكان، والمعنى كنت بعد فراقك يا عزة مشتّت الحال، مفرق البال، فلم يحل لعيني نظر أن منظر، فظهر بهذا أن المعنى مع لم، فإنَّ ما ذكره حكاية حال ماضية، لا إخبار عن أمر مستقبل، والرواية: فلك يحلّ بالعينين، بالباء لا باللام، وهو المذكور في كتب الّلغة. والله أعلمُ بحقيقة الحال. وترجمة كثير عزة تقدمت في الإنشاد التاسع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٤) لنْ يخِبِ الآنَ مَنْ رَجَاكَ وَقَدْ حَرَّكَ مِنْ دونِ بابكَ الحَلَقَةْ
على أنَّ لن فيه أيضًا جازمة بدليل حذف الياء التي هي عين الفعل لالتقاء الساكنين، وأما كسر الآخر، فهو عارض لالتقاء الساكنين، ولو كانت ناصبة، لقيل: لن يخيب بإثبات الياء وفتح الآخر، قال أبو حيان: قد حكي أن الجزم بها لغة، وهذا البيت أنشده أبو الحسين بن الطراوة، والمصراع السابق أنشده غيره. وأقول:
[ ٥ / ١٦١ ]
كيف يصح اجتماع "لن" مع الآن، ولا يصح ذكر الآن إلا مع لم، فإن قلت: اجعل الخيبة المقيّدة الآن منفية في المستقبل، قلت: الخيبة المنفية إنما هي المقيدة الآن بدليل ما رواه ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على "كامل المبرد" قال: روى الحسن عن إسماعيل، عن سليمان بن موسى، عن جعفر بن محمد قال: بلغني أن أعرابيًا دخل المدينة، فبينما هو يجول في أزقتها، إذ مر بباب الحسين علي بن أبي طالب ﵄، فلما عرف الدار أنشأ يقول:
لن يخِبِ الآن من رَجاكَ ومنْ حرَّكَ من دونِ بابكَ الحلقهْ
أنت جوادٌ وأنت مُعتبرٌ أبُوكَ قد كان قاتل الفسقهْ
لولا الذي كان من أوائلكمْ كانت علينا الجحيم منطبقهْ
فسمعه الحسين ﵁ وهو يصلي، فأوجز في صلاته، ثم خرج، فإذا هو بأعرابي في أسمال، فقال: رويدك يا أعرابي، ثم نادى: يا قنبر ما معك من النفقة؟ قال: ألف درهم، قال: فائت بها، فقد أتى من هو أحق بها منا، ثم أخذها من قنبر، فصيّرها في أحدى رُدنين كانت معه، ثم دفعها للأعرابي من داخل الباب، وقال:
خذها فإني إليكَ معتذرٌ واعلم بأنيَّ عليكَ ذو شفقهْ
لو كان في سَيْرِنَا الغداةَ غضًا كانتْ سَمَانَا عليكَ مُنْدفِقهْ
لكنَّ ريبَ الزمانِ ذو غيرٍ والكفُّ مِنَّا قليلةُ النفقهْ
فأخذها الأعرابي فقال:
مطهراتٌ نقياتٌ جيوبهمُ تجري الصلاة عليهم أينما ذُكِرُوا
فأنتمُ أنتمُ الأعلون إنَّ لكمْ أُمَّ الكتابِ وما جاء به السُّورُ
مَنْ لم يكُن عَدَويًا حين تنسبِهُ فلن يكونَ له في الناس مفتخرُ
قال البطليوسي: وجزم الأعرابي بلن، وذكر اللحياني أن ذلك لغة بعض العرب يجزمون بالنواصب، وينصبون بالجوازم، وسكن اللغويون لام الحلقة، وفتحها الأعرابي، وقال ابن جني: يقال حلقة حديد، وحلقة من الناي بسكون اللام،
[ ٥ / ١٦٢ ]
والجمع حلق بفتحها، وحكي عن يونس حلقة وحلق، بفتح اللام فيهما، وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في كلامهم حلقة بفتح اللام إلا في جمع حالق. انتهى كلام ابن السيد، وهكذا ذكر ثعلب في "فصيحه" أن حلقة بفتح اللام إنما هو جمع حالقٍ. وروي البيت هكذا أيضًا:
لنْ يخِبْ من رجائك مَنْ حرَّكَ من دون بابك الحلقهْ
(لَيْتَ)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٥) فَيَاليتَ الشبابَ يعُودُ يومًا فأُخيّرهُ بما فَعَلَ المَشِيبُ
على أنَّ ليت فيه متعلقة بالمستحيل، فإنَّ عود الشباب محال، وهو من أبيات لأبي العتاهية أنشدها الجاحظ في كتاب "البيان" وثعلب في "أماليه" وهي:
عريتُ من الشبابِ وكانَ غضًّا كما يعْرَى من الوَرَقِ القضيبُ
ونُحْتُ على الشبابِ بدَمْعِ عيني ومنتحبًا فما أغنى النحيبُ
فيا أسفا أسفتُ على شبابٍ نعاهُ الشيبُ والرأسُ الحَضيبُ
تجلَّاني وبيّضَ عَارِضيّ وغيَّرني فأنكرني الحبيبُ
الغضُّ: الطري، ونحت: بكيت، والنحيب: أشد البكاء، والنعي: الإخبار بموت أحد، وتجلاني: غطاني وشملني، وأصله: تخلّلني بلامين، والعارض والعارضة: صفحة الحد، ورأيت في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين ما هو أحسن من هذا وهو:
[ ٥ / ١٦٣ ]
بكيتُ على شبابٍ قد تولَى فيا ليتَ الشبابَ لنا يعودُ
فلو كانَ الشبابُ يباعُ بيعًا لأعطيتُ المُبايِع ما يريدُ
ولكنَّ الشبابَ إذا تولَّى على شرفٍ فمطلبُهُ بعيدُ
وشعر أبي العتاهية ليس مما يستشهد به، قال ابن السيد فيما كتبه على كامل المبرد: أبو العتاهية هو إسماعيل بن القاسم بن سُويد بن كيسان مولى عنزة، وكنيته أبو اسحاق، وأبو العتاهية لقب له، وكان في أول مرة يخنّث، ويحمل زاملة المخنثين، ثم كان يبيع الفخار بالكوفة، ثم قال الشعر فبرع فيه، ويقال: أطبع الناس بشار وأبو العتاهية والسيد. وما قدر أحد قط جمع شعر هؤلاء لكثرته إلا أنه كثير المرذول، وكان ينسب إلى القول بمذاهب الفلاسفة، وأنه لا يؤمن بالبعث، وقال له المهدي: أنت إنسان متحذلق متعتّه، فاشتقت له من ذلك كنية غلبت عليه، ويقال للرجل المتحذلق: عتاهية، كما يقال للطويل: شناحية، ويقال أبو عتاهية بإسقاط الألف واللام، وحكى ميمون بن هارون عن مشايخه قال: كان يحب الشهوة والمجون فكني لرعونته بأبي العتاهية وكان أبوه حجّامًا، ولذلك يقول:
وليستْ على عبدٍ تقيٍ نقيصةٌ إذا صحّح التقوى وإنْ حاكَ أو حجمَ
وقيل لبشار: منْ أشعر أهل زماننا؟ قال: مخنث ببغداد: يعني أبا العتاهية. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٦) يا ليتَ أيامَ الصِّبَا رَوَاجعا
على أنَّ ليت قد تنصب الجزءين كما هنا، وهو من شواهد سيبويه لم يعرف قائله، ولا تتمه، وقد تكلمنا على ما يتعلق به في الشاهد الواحد والأربعين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
[ ٥ / ١٦٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٧) مرَّت بِنَا سَحَرًا طيرٌ فقُلتُ لَها طُوباكِ يا ليتني إيَّاكِ طُوباكِ
على أنَّ ليت فيه قد نصبت الجَزءين: أولهما الياء، وثانيهما إيّاك، وهو من شعرٍ لابن المعتزّ قاله عندما سُلِّم لمؤنس ليقتله، وهو:
يا نفسُ صبرًا لعلَّ الخير عُقْباكِ خانتكِ من بعدِ طُولِ الأمْنِ دُنياكِ
مرَّت بنا سحرًا طيرٌ فقلت لَها طوباك يا ليتني إياكِ طوباكِ
إنْ كان قصدُكِ شوقًا بالسلامِ على شاطيء الفراتِ ابلغني إن كان مئواكِ
مِنْ موثقٍ بالمُنى فكاك لهُ يبكي الدماء على إلفٍ لهُ باكِي
إلى أن قال:
أظنُّهُ آخر الأيامِ من عمرِي وأوشَكَ اليومَ أن يَبْكي لَه الباكي
ومحاسن عبد الله بن المعتز كثيرة، وكان قتله في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين.
نشد بعده:
قَالَت ألا لَيْتمَا هذا الحمامَ لَنَا البيت
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والتسعين.
[ ٥ / ١٦٥ ]
(لعَلَّ)
أنشد فيه وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٨) لَعَلَّ أبي المغوارِ منك قريبُ
على أنَّ لعلَّ فيه حرف جر، قال ابن جني في "سر الصناعة": حكى أبو زيد أن لغة عُقيل: لعلَّ زيدٍ منطلق، بكسر اللام الآخرة من لعلّ، وجر زيد، قال كعب بن سعد الغنوي:
فقُلتْ ادعُ أخرى وارفع الصوت ثانيًا لعَلَّ أبي المغوارِ منكَ قريبُ
وقال أبو الحسن: ذكر أبو عبيدة أنه سمع لام لعل مفتوحة في لغة من يجرّ في قول الشاعر:
لعلَّ اللهِ يمكنني عليهَما جهارًا منْ زهيرٍ أوْ أسيدِ
انتهى. وعقيل بالتصغير: أبو قبيلة، وهو عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وما نقله المصنف عن الفارسي قاله في "الحجة" قال عند قوله تعالى: (ولكِنَّ الشياطينَ كفروا) [البقرة/ ١٠٢]: فأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ دعوةً لعلَّ أبي المِغوارِ البيت
ولعل أبي المغوار، فينبغي أن يكون على إضمار القصة والحديث، كأنه خفف لعل وأعملها كما تخفف إن وتعمل، فمن فتح اللام، وجر الاسم، فقال: لعل أبي المغوار، فاللام لام الجر إلا أنه فتحها مع المظهر كما تفتح مع المضمر، وزعم أبو الحسن أنه سمع فتح اللام مع المظهر من يونس وأبي عبيدة، وخلف الأحمر، وزعم أنه سمع هو أيضًا ذلك من العرب، ويكون الجر في أبي المغوار على هذه اللغة،
[ ٥ / ١٦٦ ]
ومن قال: لعل أبي المغوار حذف لام لعل، وأضمر القصة أو الحديث وكسر اللام مع المظهر على اللغة التي هي أشيع، والتقدير: لعل لأبي المغوار منك جواب قريب، أي: لعل نصره لا يبعد عليك، ولا يتأخر عنك، وإن قلت: إنه حذف اللام لاجتماع اللامين كما حذفت من (أنَّا معكمْ) ونحو ذلك، كان قولًا. انتهى كلامه.
وقد جاء من رواية أخرى: لعل أبا المغوار على الأصل، وقد أوردنا ما يتعلق بهذه المسألة نقلًا وبحثًا، وأطنبنا فيها في الشاهد السابع والسبعين بعد الثمانمائة، والبيت من قصيدة طويلة لكعب بن سعد الغنوي رثى بها أخاه أبا المغوار أوردنا غالبها هناك، وهي بتمامها مذكورة في "أمالي القالي" وفي "منتهى الطلب"، وبعضهم يرويها لسهم الغنوي وهو من قومه، وليس بأخيه، وقبل البيت:
وداعٍ دعا يا مَنْ يجيبُ النِّدا فلمْ يستجبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجيبُ
فقُلتْ ادعُ أخْرى البيت.
يُجِبْكَ كما قدْ كان بفعلُ إنهُ مُجيبٌ لأبوابِ العَلاء طَلُوبُ
قوله: وداع، الواو واو ربّ، والنَّدى بالكسر: الصوت، وأصله المد، فقصر للضرورة، ويجوز أن يكون بالفتح، والقصر بمعنى الجود. وقوله: فلم يستجبه أورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (فاستجابَ لهمْ ربُّهمْ) [آل عمران/ ١٩٥]، على أنَّ الاستجابة تارة تتعدى بنفسها كما في البيت، وتارة باللام كما في الآية، وهو أكثر شيوعًا، هذا في التعدية إلى الداعي، وأما إذا عُذي إلى الدَعاء، فبدون اللام أكثر شيوعًا نحو: استجاب الله دعاه، ولهذا قال في سورة القصص: هذا البيت فيه حذف مضاف، أي: لم يستجب دعاءه، وقوله: لعل أبي المغوار هذا الترجي ناشيء من شدة ذهوله من عظم مصابه بأخيه.
وكعب بن سعد الغنوي شاعر إسلامي ذكرنا ترجمته في الشاهد الثاني والسبعين بعد الستمائة من شواهد الرضي.
[ ٥ / ١٦٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الأربعمائة:
(٤٦٩) وجيرانٍ لنَا كانُوا كرامِ
على أنَّ كان عنده زائدة في البيت، وهذا نص سيبويه. وقال الخليل: إنَّ من أفضلهم كان زيدًا، على إلغاء كان، وشبّهه بقول الشاعر:
فكيفَ إذا رأيتَ ديارَ قَوْمي وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
انتهى.
قال الأعلم: الشاهد فيه، إلغاء كان وزيادتها توكيدًا وتبيينًا لمعنى المضي، والتقدير: وجيران لنا كرام كانوا كذلك، وقد ردَّ المبرد هذا التأويل، وجعل قوله: لنا خبرًا لها، والصحيح ما ذهب إليه الخليل وسيبويه من زيادتها، لأن قوله: لنا، من صلة الجيران، ولا يجوز أن يكون خبرًا لكانوا، واللام للاختصاص، وقد أيد كلام، سيبويه، ورد توجيه المبرد، وقد أوردناه، وذكرنا ما للناس فيه من كلام في الشاهد الواحد والثلاثين بعد السبعمائة.
وروى علي بن حمزة البصري في "التنبيه على ما وقع من الأغلاط في نوادر أبي زياد" عن الجلودي في أخبار الفرزدق أنه حضر عند الحسن البصري فأنشدهَ:
أقولُ إذا رأيتُ ديارَ قومِي وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
فقال له الحسن: كرامًا يا أبا فراس، فقال الفرزدق: ما ولدتني إلاَّ ميسانية إن جاز ما تقول يا أبا سعيد، قال: وأم الحسن من ميسان، فهذا ردّ الفرزدق عن نفسه، وقد أصاب، وتقدير قوله: وجيران كرام كانوا لنا. انتهى. وميْسانُ
[ ٥ / ١٦٨ ]
من قرى العراق، يريد أني لم أكن من العرب، بل من المولودين إن صح ما لحنتي فيه.
والبيت من قصيدة له مدح بها هشام بن عبد الملك وهجا جريرًا، وأولها:
ألستمْ عائجينَ بنا لَعَنَّا نرى العرصات أو أثرَ الخيامِ
فقالوا إنْ عرضتَ فأغنِ عنَّا دُمُوعًا غير راقئةِ السجامِ
فكيف إذا مررت بدارِ قومٍ البيت.
والهمزة للاستفهام التقريري، وعائج: اسم فاعل من عجت البعير أعوجه عوجًا: إذا عطفت رأسه بالزمام، ولعنا: لغة في لعلّنا، وعرصة الدار: ساحتها، وعرضت: أتيت العروض وهي مكة والمدينة وما حولهما، وروى ابن سلام الجمحي في "الطبقات" بدله: "إذا وقفت، وكيف إذا رأيت ديار قوم، وأغن عنا" أمر من أغنيت عنه، أي: أجزأت عنه، أراد أن أصحابه لم يوافقوه على عطف الزمام، ودموعًا، أي: بدموع، وراقئة بالهمزة من رقأ الدمع رقُوءًا: إذا سكن، والسّجام مصدر سجم الدمع، أي: سال، وقوله: فكيف إذا مررت إلى آخره، كيف: استفهام فيها معنى التعجب، وهي ظرف عاملها محذوف، والتقدير: كيف يكون حالي، وترجمة الفرزدق تقدّمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٠) لعلَّمَا أضاءتْ لكَ النَّارُ الحمارَ المُقيَّدَا
على أنَّ لعل إذا اتصلت بها ما الكافة كفتها عن العمل. قال أبو حيان في "التذكرة": صارت لعل بما الكافة ابتداء يقع بعدها الفعلية والاسمية، ولهذا لم تعمل، لأنه زال اختصاصها، وزعم ابن درستويه أن "ما" ههنا اسم بمنزلة المضمر المجهول، والجملة تفسره، ولم يتنزل شيء من الأسماء بمنزلة هذا المضمر، فيكون هذا مثله، وعدموا وجوه "ما" الاسمية، ولم يذكروا هذا، ولا وجد له نظير، فالقول به باطل. انتهى كلامه. وفي "شرح أبيات الإيضاح" للفارسي: لا تكون ما بمعنى الذي.
[ ٥ / ١٦٩ ]
لأنَّ القوافي منصوبة، ولا يتقدم خبرها على اسمها، ويجوز أن بمعنى الأمر، والجملة بعدها في موضع خبرها كما قالوا: إني مما أن أفعل، وذهب ابن درستويه وبعض الكوفيين إلى أنها نكرة مبهمة، ويقوي ما ذكرته قوله: أضاءت بلفظ الماضي، أي: لعل الأمر أضاءت. هذا كلامه، وقد رده أبو حيان، والبيت من مقطوعة للفرزدق هجا بها جرايرًا يخاطب بها عمر لجأ التيميّ، وهي:
رأي عبدُ قيسٍ شوَّرتْ بها يَدَا قابسٍ أهْوَى بها ثُمَّ أخمدَا
عسى أنْ يُعيدَ المُوقدُ النارَ فالتمسْ بعينيك نارَ المصطَلِي حيثُ أوقدا
أعِد نظرًا يا عَبْدَ قيْسٍ لعلَّمَا أضاءت لكَ النارُ الحمارَ المقيدَّا
حمارَ كليبينَ لم يشهدوا بهِ رهانًا ولم يلفوا على الخيل روَّدا
ولا شهدوا يوم النِّسارِ ولمْ تعُدْ نساؤهمُ مِنْهُمْ كميًا مُوَسَّدا
حمارٌ بمروُّتِ السُخَامَةِ قارَبَتْ كليبيةٌ قينيهْ حتى ترَدَّدَا
كليبيةٌ لم يجعل الله وجههَا كريمًا ولم تُزجِر لها الطيرُ أسْعُدا
إلى أن قال بعد خمسة أبيات:
لئنْ عبث نار ابنِ المراغةِ إنها لأ لأمُ نارٍ مصطلينَ وموقِدًا
إذا ثقبوها بالكدادةِ لم تضِئ رئيسًا ولا عندَ المنيخينَ مرفدًا
ولكن ظرابي عندها يصطلونها يصُفُّونَ للزِرَّبِ الصفيحَ المُسنَدَّا
قنافذ درَّامون حولَ جحاشهمْ لما كانَ إيَّاهُمْ عطيةُ عُوَّدَا
أوردها ابن حبيب في "النقائض". وقال: عبد قيس هذا: عدي بن الجندب بن العنبر، وشوّرت بها: أشارت بها أو رفعتها يعني النّار، وقابس: مقتبس، وأخمد: أطفأ، انتهى. وهو من رهط جرير، وأراد بالخفقة: التهاب النار، وصوت حريقها،
[ ٥ / ١٧٠ ]
يقول: رأى التهاب نار أوقدها قابسُها، ثمَّ أخمدها بقطع الوقود عنها، وقوله: أعد نظرًا إلى آخرها. أضاء هنا متعد، أي: بيّن لك ضوء النار، وأشار إلى أنهم أهل ذلة وقلة لا يأمنون من يطرقهم، فلذلك قيدوا حمارهم، وهذا بخلاف قول الأخنس بن شهاب التغلبي حيث أشار إلى كثرتهم وعزتهم بقوله:
وكلُّ أناسٍ قاربوا قيدَ فحلِهْمِ ونحن خلعنا قيده فهو سَارِبُ
وقال ابن جني: يهزأ به يقول: أنت صاحب حمير، فإنما أضاءت لك النار ما تعالجه، ولست بصاحب خيل. انتهى.
وقال الخوارزمي: يهجوه بأنهم يقيدون الأتن ليأتوها، قاله أبو علي الدقاق وهذا كلام من لم يقف على سياق الأبيات، وغفلة عن لفظ الحمار، وروى أبو بكر الصولي بسنده عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: كان المفضل إذا لم يرض الجواب، أنشد:
أعِدْ نظرًا يا عبدَ قيسٍ البيت
وقال ابن حبيب بعد قوله: الحمار المقيّدا: يعني حمارًا من حمير بني كُليب، لأنهم أصحاب حمير. انتهى. وبنو كليب رهط جرير، وقوله: حمار كليبين بالنصب بدل من الحمار المقيد، ويوم النّسار، بكسر النون، يوم من أيام العرب، والكمي: الشجاع، والموسّد: الجريح المتكئ على وسادة، ومرّوت السّخامة: موضع له يوم، وقاربت: ربطت، وقيناه: وظيفاه، والوظيف: موضع الشكال من قوائم الدابة، وتردد، أي: دار يرعى بقرب منها، وقوله: لئْن عبت، الخطاب لعمر بن نجأ، وابن المراغة: لقب جرير: لقبه به الفرزدق، والمّراغة: الأتان، ومصطلين: تمييز من ألأم، والكُدادة بالضم، قال ابن حبيب: اسم موضع بالمرّوت، وموضع "ظرابي" نصب يعني تضيء ظرابيًا، والصفيح: صخور رقاق عراض،
[ ٥ / ١٧١ ]
والزرَّب: حظيرة للغنم، وجمعها زِراب. انتهى. وثقبوها: حركوها بعود لتتقد، وإنما وصف نارهم بقلة الإضاءة إشارة إلى خستهم وبخلهم لا يوقدون حطبًا كثيرًا لئلا يقصدهم الضيوف، والكريم يوقد ناره في أعلا موضع، ويكثر وقودها حتى يراها الضيف والمنقطع من مكان بعيد، فيقصده، وأما هؤلاء فقد أوقدوا نارهم في الزرب، وأسندوا عليه الحجارة العراض حتى لا يظهر ضؤوها لأحد فيقصدهم، ومع ذلك، فلا يوقدونها بشدة، فلا تبين الرئيس منهم، والمنيخ: الضيف الذي ينيخ راحلته، والمِرفَد بالكسر: القدح الضخم، وقوله: ولكن ظرابي هو جمع ظربان بفتح فكسر: دويبة كالهرّة منتنة الفساء إذا فَسَت بين إبل تشرَّدت من نتنه، وتأتي إلى جحر الضب، فتفسو فيه، فيسدر من خبث رائحته، فتأكله، وإذا فست في ثوب لم تذهب رائحة النتن منه حتى يبلى، شبههم بهذه الدابة، فلا يقدر أحد يقربهم بنتن فساهم. وقوله: قنافذ درّامون، قال ابن حبيب: درّامون: يمشون مشيًا متقاربًا في سرعة، ويقال: درامون: ضراطون. انتهى. وجحاش: جمع جحش، وعطية: أبو جرير.
وقال ابن سلّام الجمحي في ترجمة جرير من "طبقات الشعراء": حدثني حاجب بن يزيد بنِ شيبان بن علقمة بن زرارة قال: قال جرير بالكوفة:
لقد قادني من حب ملوية الهوَى وما كنت إلفًا للحبيبة أقوَدَا
أحب ثَرَى نجدٍ وفي الغور حاجةٌ فغار الهوى يا عبد قيسٍ وأنجدَا
أقولُ له يا عبد قيسٍ صبابةً بأي ترى مستوقد النار أوقدًا
فقال أراها أرثت بوقودهَا بحيث استفاض القمع شيحًا وغرْقَدا
فأعجب الناس، وتناشدوها، فحدثني جابر بن جندل قال: فقال جرير: أأعجبتكم هذه الأبيات؟ قالوا: نعم، قال: كأنكم بالقينِ –يعني الفرزدق- قد قال:
[ ٥ / ١٧٢ ]
أعدْ نظرًا يا عبد قيسٍ فإِنَما أضاءت لكَ النارُ الحمارَ المُقَيّدَا
فلم يلبثوا أن جاءهم في قول الفرزدق هذا البيت، وبعده:
حمارٌ بمرّوتِ السّخامة قاربتْ وظيفيهْ حولَ البيتِ حتى ترَدَّدا
كليبية لم يجعل اللهُ وجهْهَا كريمًا ولم تزجرها الطيرُ أسعُدَا
فتناشدها الناسُ، فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال:
وما عبتَ من نارٍ أضاءَ وقودُها فراشًا وبسطام بن قيس مقيّدا
فإذا قد جاء لجرير هذا البيت، ومعه:
وأوقدت بالسيدان نار مذلةٍ وأشهدت من سوآت جعثن مشهدَا
انتهى ما رواه الجمحي، وأورده هذه الحكاية بعينها الأصبهاني أيضًا في كتاب "الأغاني".
وماوية: امرأة، وأقود: منقاد، وغار وأنجد: ذهب إلى الغور وإلى نجد، وقوله: بأي، أي: بأيّ حطب، ومستوقد: موضع الوقود، وأُوقِدَ، بالبناء للمفعول، وكذا أُرئت، مجهول أرثتُ النار أوقدتها، وتأرثت: اتقدت، والوقود، بالفتح: الحطب الذي يوقدها، والشيح: نبت، والغرقد: شجر عظام، وقيل هو العوسج، والسيّدان بالكسر: موضع زعم جرير أنّ أخت الفرزدق جعثن أسرت فيه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧١) لَعَلَّ لَهَا عُذْرٌ وَأَنْتَ تَلُومُ
على أنه أول لحن سمع بالبصرة، وقال الغزالي: أول لحن سمع بالبصرة: "هذه عصاتي" وبعده:
لعلَّ لها عذرٌ وأنتَ تلُوُلعلَّ لها عذرٌ وأنتَ تلُوُمُ
[ ٥ / ١٧٣ ]
والصواب: عذرًا، انتهى. نقله عنه من المالكية التتائي في شرح "مختصر خليل" في باب الجمعة، ويجوز أن يكون اسم "لعل" ضمير الشأن، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر في موضع خبرها، كذا قال المصنف، ورأيت في بعض نسخ "المغني" مصراعًا قبله، وهو:
فلا تبدها باللومِ قبل سؤالها
وأصله: فلا تبدأها بالهمزة، فخفقت بالحذف، يعني: ينبغي أن لا تلومها ابتداء قبل سؤالك إياها، فقد يكون عذر لا يستحق معه اللوم، وقد كشفت عنه في كتب الأوليات، فلم أر له ذكرًا فيها، وأورده الميداني في "مجمع الأمثال" لكن بضمير المذكر، ونصب العذر على القياس. قال: لعل عذرًا أو أنتَ تلُومُ، يضرب لمن يلوم من له عذر، ولا يعلمه اللائم، وأوله:
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِك صاحبًا
انتهى. وكذا في "مستقصى الأمثال" للزمخشري. وقال الجاحظ في كتاب "البيان" قال مسلم بن الوليد:
لعلَّ له عذرًا وأنتَ تلومُ وكمْ لائمٍ قد لامَ وهو مُلِمُ
ومليم من ألام الرجل: إذا فعل فعلًا استحقّ عليه اللوم، وأنشد أبو منصور الثَّعالبي هذا البيت بعينه في كتاب " التمثيل والمحاضرة" لمنصور النمريّ. ورأيت في كتاب "العباب" لحسن بن صالح اليمني في "شرح أبيات الآداب" لابن سناء الملك بن شمس الخلافة:
إذا ما رأيتَ المرءَ يشربُ آسنًا منَ الماء يستمريهِ وهوَ وخيمُ
فلا تُكثرَن لومًا عليه وخلّهِ لعلَّ له عذرًا وأنتَ تلُومُ
وقد جاء هذا المثل في شعر أبي العلاء المعرّي أيضًا، قال في شعر:
لكَ اللهُ لا تذعر وليًا بغضبةٍ لعلّ له عذرًا وأنت تلُومُ
فلو زارَ أهل الخُلدِ عتبك زورَةً لأوهمهم أن الجنانَ جحيمُ
[ ٥ / ١٧٤ ]
وفي الأمثال: رُبَّ ملومٍ لا ذنب له، وأورد الجاحظ في "البيان" قول ابن المقفع:
فلا يلم المرء في شأنهِ فرُبّ ملومٍ ولم يّذنِبِ
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٢) لعلَّلكَ يومًا أن تُلِمَّ مُلِمَّةٌ
تمامه:
عليكَ منَ اللائي يدعنكَ أجدعَا
على أنَّ خبر لعل يقترن بأن كثيرًا حملًا على عسى، وكذا قال الرضي إلا أنه لم يقل بكثرة، والكثرة إنما هي بالنسبة إلى اقترانه بحرف التنفيس، وأما بالنسبة إلى التجرّد فاقترانه بأن قليل قطعًا، ويؤيده أن المبرد قال في "الكامل" بعد إنشاده هذا البيت: إنَّ التجرد من "أن" هو الجيد، والاقتران بها غير جيّد، وخصّه الزمخشري في "المفصل" بالضرورة، وزعم بعضهم أنَّ الخبر محذوف تقديره: لعلك معدّ لأن تلم ملمة.
والبيت من قصيدة في آخر "المفضليات" لمتمم بن نويرة الحصابي، رثى بها أخاه مالك بن نويرةَ لمَّا قتله خالد بن الوليد بتهمة الردة وقد تقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الواحد والخمسين. وهذه أبيات منها، إلى آخر القصيدة:
ألم تأتِ أخبار المحل سراتكُمْ فيغضب منكم كلُّ من كان موجِعَا
بمشمتَهِ إذ صادف الحتفُ مالكًا ومشهده ما قد رأي ثمَّ ضيعًا
[ ٥ / ١٧٥ ]
أآثرت هدما باليًا وسويةً وجئت بها تعدو بريدًا مقزَّعًا
فلا تفرحن يومًا بنفسك إنّني أرى الموتَ وقاعًا على من تشجعا
لعلك يومًا أن تلِم ملمةٌ عليك من اللائي يدعنك أجدعا
نعيت أمرًا لو كان لحمك عنده لآواهُ مجموعًا له أو ممزَّعا
فلا يهنئ الواشين مقتل مالك فقد آب شانيه إيابًا فودعا
قوله: ألم تأت أخبار المحل إلى آخره، هو بضم الميم، وكسر الحاء المهملة: رجل من بني ثعلبة مرّ بمالك مقتولًا فنعاه كأنه شامت به، فذّمه متمم، وقال ابن الأنباري في شرحه: المحل بن قدامة مرّ بمالك، فلو يُواره.
والسراة: الأشراف، وقوله: بمشمته متعلق بموجعًا، وهو مصدر شمت به شماتة ومشمتًا، ومشهده معطوف على مشمته، والضمائر كلها للمحل.
وقوله: أآثرت: استفهام توبيخي، والخطاب للمحل، والهدم بالكسر: الثوب الخلق، والبالي: الفاني، والسَوِّية بفتح فكسر: كساء محشو بثمام ونحوه يجعل على ظهر الإبل كالحلقة لأجل السنام، قلا أبو جعفر: أعطيَ المحل سلب مالك ففرح به، وأقبل راجعًا، وقزَّع الرجل بالقاف والزاي المعجمة: إذا أسرع في سيره، وقزَّع القوم رسولًا: إذا أرسلوا، أراد أنّك تسعى بخبر موته مسرعًا كمجيء البريد.
وقوله: فلا تفرحن إلخ: دعاء عليه، أي: لا فرحت بنفسك، وقوله: وقاعًا على من تشجعا، أي: لا يُفلت من الموت أحد يقول: آثرت الثيابِ، وجئت تعدو بشيرًا تُري الناس أنك قد فزعت لمقتله، وإنما ذلك شماتة منكَ. وقوله: لعلك يومًا إلى آخره، الإلمام: النزول، والملمة: البلية النازلة، والأجدع: المقطوع الأنف والأذن، ويستعمل في الذَّليل، وهو المراد هنا، يقول: أيها الشامت، لا تكن فرحًا بموت أخي، عسى أن تنزل عليك بلية من البليات التي يتركنك ذليلًا خاضعًا.
وقوله: نعيت: أمرًا إلى آخره، النعي: الإخبار بالموت، والممزّع: الممزق والمفرق، يقول: لو كنت أنت القتيل لآوى لحمك بدفنه، سواء كان مجموعًا أو ممزَّقًا. وقوله: فلا يهنئ الواشين، إلى آخره، هذا دعاء عليهم في صورة النهي.
[ ٥ / ١٧٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٣) فقُولَا لَهَا قولًا رفيقًا لَعَلَّهَا ستَرْحمُني من زفرَةٍ وعويلِ
على أنَّ اقتران خبر لعل بالسين قليل. قال أبو حيان في "الارتشاف": وحكى الأخفش: لعل زيدًا سوف يقوم، ولم يجز: ليت زيدًا سوف يقوم، ثم قال وامتنعوا من الجمع بين ليت وسوف، وجاز ذلك مع لعل:
فقولا لها قولًا رقيقًا البيت.
وحكى الأخفش: لعل زيدًا سوف يقوم. انتهى.
وقوله: رفيقًا هو من الرفق خلاف العُنفِ، والزفرة: اسم لمدّ التنفس على سبيل التألم، والعويل: اسم لرفع الصوت بالبكاء، يقال: أعول الرجال إعوالًا: إذا فعل ذلك.
وأنشد بعده:
بدَا لي أنّي لستُ مدركَ ما مضَى ولا سابقٍ شيئًا إذَا كانَ جائِيَا
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثالث والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٤) وبُدِّلتُ قرحًا داميًا بعد صحةٍ لعلَّ منايانَا تحوَّلْنَ أبؤُسَا
على أنه يجوز أن يكون خبر "لعل" فعلًا ماضيًا كما في الحديث والبيت، خلافًا للحريري، فإنه منعه "درة الغواص" قال فيها: ويقولون لعله ندم، ولعله قدم، فيلفظون بما يشتمل على المناقضة، وينبئ عن المعارضة، ووجه الكلام
[ ٥ / ١٧٧ ]
أن يقال: لعله يفعل، أو لعله لا يفعل، لأن معنى لعل التوقع لمرجو، أو لمخوف، والتوقع إنما يكون لما يتجدد ويتولد، لا لما تقضى وتصرَّم، فإذا قلت: خرج فقد أخبرت عما قضي الأمر، واستحال معنى التوقع له، فلهذا لم يجز دخول "لعل" عليه. انتهى. وقال ابن بري فيما كتبه عليها: اعلم أنَّ "لعل" وإن كان معناها ما ذكر، فإنَّ مخرج الكلام المشكوك فيه والمظنون، والشك والظن يكونان فيما مضى، وفيما يستقبل يدلك على صحة ذلك قول الفرزدق:
لعلك في حدراء لمت على الَّذي تخيّرتِ المعزى على كلِّ حالبِ
ومثله قول امرئ القيس:
وبُدلت قرحًا داميا البيت، ومثله قوله ﷺ: "وما يدريك لعل الله اطلع" الحديث، ومثله قول الفرزدق:
أعد نظرًا يا عبد قيسٍ البيت. انتهى.
وقال ابن الحنبلي في شرحها: فإن قلت: قد جزم ابن بري باستعمالها مع الماضي مع قوله بأنَّ معناها ما ذكر من التوقع المقتضي لأن تستعمل مع المستقبل فحسب، قلت: وجهه أنه إذا كان معناها التوقع حقيقة، والتوقع يلزمه الشك والظن، ومن ثمة استحال على الله حتى قيل: إنه في قوله تعالى (فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى) [طه/ ٤٤] مصروف للمخاطبين، أي: اذهبا على رجائكما استعملت عند ذلك في مجرد الشك والظن اللازم لمعناها الحقيقي مجازًا، فساغ استعمالها مع الماضي أيضًا، لأنّ الشك والظن يكون فيما مضى أيضًا، انتهى.
والبيت من قصيدة لامرئ القيس، وقبله:
تأوبني دائي القديم فغلسَا أُحاذر أن يرتد دائي فأنكسَأ
وما خِلتُ تبريح الحياةِ كما أرى تضيق ذراعي أن أقومَ فألبْسَا
فلو أنها نفسٌ تموت سويّة ولكنها نفسٌ تساقط أنفسا
[ ٥ / ١٧٨ ]
وبُدِّلت قرحًا داميًا بعد صحةٍ لعلَّ منايانا تحوّلن أبؤسَا
لقد طمح الطمَّاح من بُعد أرضهِ ليُلبسَني من دائهِ ما تلبَّسَا
وكان من حديث هذه القصيدة أن امرأ القيس لما قتل أباه بنو أسد، خرج إلى قيصر يستنجده، فأمدّه بعسكر، ولما كان عنده عشقته ابنة قيصر، فكان يأتيها، وكان معه حين خرج إلى قيصر عدة من العرب، منهم عمرو بن قميثة الشاعر، ومنهم الطماح بن قيس، وكان أبو امرئ القيس قتل أباه، فكان أمرؤ القيس يخبرُ أصحابه بأمر بنت قيصر، فقال له الطماح إلى قيصر، فقال له: هذا رجل جاء يطلب نصرك يخونك في أهلك، وأراه القارورة، فعرف صدقه، وقد كان حمل امرأ القيس وخاصّته على البريد، وتخلف سائرهم في جهازهم، فبعث إليه الحلة المسمومة، فلبسها في يوم شديد الحر، وقد كان يجسده قرح، فلما وقعت الحلة عليه تفطر جسده، وتناثر لحمه، فمات بأنقرة.
قال الأصمعي: تأوبني، أي: أتاني مع الليل، وغلّس: أتى مع الغلس، وهو ظلام الصباح بعد البُرء، وما خلت: ما ظننت، والتبريح: الشدة، وألبس بالبناء للفاعل، أي: يعجز مما به من شدة المرض أن يقوم، فيلبس ثوبه، وقوله: فلو أنها نفس تموت إلى آخره، قال الأصمعي: معناه لو أنّي أموت بدفعة واحدة لاسترحت، ولكن نفسي تتقطع قليلًا قليلًا، وقال غيره: يريد أن بموتي يموت ناس كثير، فعلى الأول تساقط بالفتح وأصله تتساقط، وأنفسًا: مفعول، وبدلت بالبناء للمفعول، والقرح بالفتح والضم: الحرج، أبؤس: جمع بؤس، وهو الشدة، قال الأصمعي: معناه: لعل ما قدّر للناس من مقدار تحول بؤسًا، والمنية: القدر. انتهى. وتحول من أخوات صار، وبه استشهد في كتب النحو.
[ ٥ / ١٧٩ ]
وقوله: لقد طمح، أي: ارتفع. قال أبو عبيدة: الطماح رجل من بني أسد اسمه حبيب، وقيل: منقذ، وسمّي الطماح بقول امرئ القيس، وقال الأصمعي: قوله: لقد طمح الطماح، يعني قيصر، وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده:
أعِدْ نظرًا يا عبد قيسٍ لعلمَا البيت.
لما تقدَّم قبله، وهو من إنشاد سيبويه في كتابه. وأقول: هذا البيت لا يوجد في غالب نسخ كتاب سيبويه، قال أبو جعفر النحاس في شرح شواهده: هذا البيت في كتاب سيبويه: لم يروه غير أبي الحسن الأخفش. انتهى. وقد تقدم شرحه قريبًا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٥) فليتَ كفافًا كان خيرك كلهُ وشرُّكَ عني ما ارتوى الماءَ مرتوِي
على أن هذا البيت مشكل، وقد لخص المصنف كلامه عليه من "أمالي ابن الشجري" فإنه أورد الكلام عليه في مجلسين منها: المجلس الأول وهو الثامن والعشرون، والثاني هو المجلس السادس والثلاثون، وكان المناسب أن يورد هذا البيت في بحث "ليت" لكنه لما فاته هناك أورده هنا بمناسبة، وهو جواز مجيء خبر ليت فعلًا ماضيًا كخبر لعل، وقد تكلم في إعراب هذا البيت غالب أئمة النحويين كأبي علي وعبد القادر والعبدي، وابن الشجري، وابن الحاجب في "أماليه" وأبي حيان في "تذكرته" والرضي وغيرهم، وقد جمعنا كلامهم، ولخصناه في شرح الشاهد الرابع والثمانين بعد الثمانمائة، ومن أراد التبحّر في إعرابه فلينظر هناك.
والبيت من قصيدة ليزيد بن الحكم بن أبي العاصي الثقفي، قال صاحب "الأغاني" عاتب فيها ابن عمه عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاصي، وله قصائد أخر عاتب
[ ٥ / ١٨٠ ]
فيها أخاه عبد ربه بن الحكم، وأورد هذه القصيدة القالي في "أماليه" والأصبهاني في "أغانيه" وابن الشجري في "أماليه" مختصرة، وعند كلٍ ما ليس عند الآخر، وأرودها أبو علي بتمامها في "المسائل البصرية" وهي هذه:
تكاشرني كرها كأنك ناصحٌ وعينك تبدي أن صدرط لي دوِي
لسانك لي أريٌ وغيبك علقمٌ وشرُّك مبسوطٌ وخيرك مُلتوِي
تفاوض من أطوي طوى الكشح دونه ومن دون ما صفافيته أنت مُنطوِي
تصافح من لاقيت لي ذا عداوة صفاحًا وعنيّ بين عينيك منزوي
أراك إذا استغنيت عنا هجرتنا وانت إلينا عند فقرك مُنطوِي
إليك انعوى نُصحي ومالي كلاهُما ولست إلى نصحي ومالي بمنعوي
أراكَ إذا لم أهوَ أمرًا هويتهُ ولستُ لما أهوى من الأمرِ بالهوِي
أراكَ اجتويت الخيرَ منيَ واجتوى أذاك فكل مجتوٍ قربَ مجتوي
فليت كفافًا كان خيرُك كلهُ وشرُّك عني ما ارتوي الماء مُرتوي
لعلك أن تنأى بأرضك نيةٌ وإلا فإني خليلًا صالحًا بك مقتوي
فلم يُغوني ربي فكيف اصطحابُنا ورأسُك في الأغوى من الغيِّ مُنغوي
عدوُّك يخشى صولي إن لقيته وأنت عدُّوي ليس ذلك بمستوِي
وكم موكن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلَّةِ النيقِ مُنهوي
نداك عن المولى ونصرك عاتمٌ وأنت له بالظلم والغمر مختوي
توّدُ له لو ناله نابُ حيَّةٍ ربيبُ صفاةٍ بين لهبين منحَوِي
إذا ما بنى المجد ابن عمك لم تعِن وقلت ألا بل ليت بناينهُ خوِي
كأنك إن قيل ابن عمك غانمٌ شج أو عيمدٌ أو أخو مغلة لوي
تملأت من غيظٍ فلم يزلْ بك الغيظ حتى كدتَ في الغيظ تنشوي
[ ٥ / ١٨١ ]
فما برحت نفسٌ حسودٌ حشيتَها تذيبك حتى قيل هل أنت مُكتوي
وقال النَّطاسيون إنك مشعرٌ سُلالًا ألا بل أنت من حسدٍ جَوي
فديت أمرءًا لم يدو للنأي عهدهُ وعهدكَ من قبل التنائي هو الدَّوِي
جمعت وفحشًا غيبةً ونميمةً خلالًا ثلاثًا لست عنها بمرعوي
أفحشًا وخبًا واختناءً عن الندى كأنَّك أفْعى كُديةٍ فرَّ محجوي
فيدحُو بك الدَّاحي إلى كل سوأةٍ فياشرَّ من يدحوا بأطيش مدحوي
أتجمع تسألَ الأخلاء ما لهُمْ ومالكَ من دونِ الأخلاءِ تحتوْي
بدا منكَ غشٌ طالما قد كتمتهُ كما كتمت داء ابنها أمُّ مُدَّوِي
هذا آخرها وتركنا منها بيتين حرفهما الكاتب.
قوله: أن صدرك لك دوي، هو وصف من دوي صدره دوَى كفرح فرحًا: إذا انطوى على حقد، والأري كفلس: العسلُ، وتفاوض: مضارع فاوضه: إذا أظهر له أمره، وطوى كشحه على فلان: إذا أعرض عنه، وبين عينك مرفوع مبتدأ، ومنزوي خبره، وانزوت الجلدة: تجمّعت وانقبضت، وانطوى إليه: لجأ، وانضم إليه، وانعوى: انعطف مطاوع عواه: عطفه، واجتواه بالجيم: كرهه، وأن تنأى: أن تبعد، ومنتوي: عازم، وقوله: بك مقتوي بفتح الميم: الخادم، نسبة إلى مقتة بالفتح والقصر وهو مصدر قتا يقتو قتوًا ومقتىً، أي خدَم،
وقوله: وكم موطن لولاي طحت، بضم الطاء وكسرها، لأنَّ مضارعه يطوح ويطيح: إذا هلك، والأجرام جمع جرم بالكسر وهو الجسد، كأنه جعل كل عضو جرمًا، وقيل: الجمع جرم بالضم وهو الذنب، ومنهوي: الهاوي. وقد شرحنا هذا البيت في الشاهد الثالث والتسعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي، والندى: الجود، والمولى: ابن العم، وعاتم: بطيء، يقال: عمّ بالعين المعملة والمثناة من باب
[ ٥ / ١٨٢ ]
ضرب: إذا أبطأ وقصّر، والغمر بالكسر: الحقد، ومختوي بالحاء المعجمة: الجائز المُقسط، ونابه: أصابه، وناب الحيّة: سنها، والحية: تطلق على الذكر والأنثى، والمراد هنا: الذكر، والصفاة: للصخرة الملساء، واللِهب بكسر اللام وسكون الهاء: الشقّ في الجبل، والمنحوي بالنون والحاء المهملة: المجتمع، وخوي المنزل: سقط، والشجي: الحزين، والعميد: الذي قد هدَّه المرض حتى احتاج إلى أن يُعمد، أي يُسند، والمغلة: بفتح الميم وسكون الغين المعجمة: على تكون في الجوف، واللَّوي: الذي في جوفه وجه، وفعله لوي من باب فرح، والنطاسي بكسر النون: العالم بالطب، ومُشعر اسم مفعول، مُلبَس، والسُلال بالضم: مرض السلّ، والجوي وصف من الجوى بفتحتين، وهو داءٌ للقلب. وقوله: جمعت وفحشًا غيبة البيت، قد بسطنا شرحه في الشاهد الثمانين بعد المائة من شواهد الرضي. وقوله: أفحشًا وخبثًا إلى آخره، الخِبّ بكسر الخاء المعجمة مصدر خبّ من باب علم: إذا خدع ومكر، والاختناء بالخاء المعجمة وكسر المثناة الفوقية بعدها نون: التقبض، والتجمع، والندى: الجود، والكُدية بالضم: الأرض الصُلبة، والافعى هنا: الأفعوان، ومحجوي: المنطوي بتقديم الحاء المهملة على الجيم، والدحو: الرمي، دحا الفرس يدحو: إذا رمى بيديه رميًا، والسوءة بالفتح: القبيح والعيب، والطيش: الخفة، ومدحوي: مرمي، بناه من ادحواه لغة في دحاه، أي: رماه، وقوله: كما كتمت داء ابنها أمّ مدوي، يضرب بها المثل لمن يورّي بالشيء عن غيره، ويكني به عنه، وأصله أنَّ امرأة منالعرب خطبت على ابنها جارية، فجاءت أمّها إلى أمّ الغلام لتنظر إليه، فدخل الغلام، فقال لأمّه: ادّوي بتشديد الدال على وزن افتعل، فقالت له: اللحام معلق بعمود البيت، والسرج في جانبه، فأظهرت انَّ ابنها أراد أداة الفرس للركوب، فكتمت بذلك زلة ابنها عن الخطأ به، وإنما أراد ابنها أكل الدّواية، بضم الدال وهي القشرة التي تعلو اللبن والمرق، تقول منه: دوَّى البنُ بتشديد الواو، وقد ادَّويتُ على وزن افتعلت فأنا مُدَّوٍ بتشديد الدال
[ ٥ / ١٨٣ ]
فيها، أي: أكلتُ الدوَّاية، وقد بسطنا شرح هذه القصيدة في الشاهد الثمانين بعد المائة.
ويزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي البصري شاعر مشهور حدث عن عمه عثمان، وروى عنه معاوية بن قرة، وعبد الرحمن بن إسحاق، حكى أن الفرزدق مرَّ على يزيد هذا وهو ينشد في المسجد، فقال: من هذا الذي ينشد شعرًا كأنه شعرنا! قالوا: يزيد بن الحكم، فقال: أشهد بالله أن عمّتي ولدته، وأم يزيد بكرة بنت الزبرقان بن بدر وأمها هنيدة بنت صعصعة بن ناجية، وورد يزيد على الحجاج بن يوسف بالعراق، فولاه فارس، فلما جاء لأخذ عهده، قال له: يا يزيد أنشدنا من شعرك يريد مديحًا، فأنشده قصيدة يفتخر فيها، فقام الحجاج مغضبًا، ودخل القصر، وانصرف يزيد، والعهد في يده، فقال الحجاج لخادمه: اتبعه، وقل له: اردد علينا عهدنا، فإذا أخذته، فقل له: هل أورثك أبوك مثل هذا العهد؟ ففعل الخادم، فقال: قل للحجاج: أورثني أبي مجده وفعاله، وأورثك أبوك أعنزًا ترعاها، ثم سار تحت الليل، فلحق بسليمان بن عبد الملك وهو ولي عهد الوليد، فضمه إليه، فقال له سليمان: كم كان أجرى لك في عمالة فارس؟ قال: عشرين ألفًا، قال: هي لك ما دُمتُ حيًا، ومدحه بقصائد، وقد ترجمناه بأكثر من هذا في الشاهد التاسع من أوائل شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبّعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٦) فليت دفعت الهمَّ عنِّي ساعةً
تمامه:
فنمنا على ما خيّلتْ ناعمي بالِ
على أنَّ اسم ليت محذوف سواء كان ضمير شأن أو ضمير مخاطب، قال أبو زيد بعد ما أنشده في "نوادره": قال أبو عمرو: أراد: فليتك دفعت، فأضمر اسم
[ ٥ / ١٨٤ ]
ليت وهو ضعيف رديء، لا يجوز ف الكلام، وقلما جاء في الشعر، وقال السكري: أراد: فليت الأمر فأضمر. انتهى. وقال أبو الحسن بن علي بن سليمان الأخفش فيما كتبه على "نوادر أبي زيد": الأحسن في العربية أن يكون أضمر الهاء كأنه قال: فليته دفعت، يريد: فليت الأمر هذا كما تقول: إنّه أمَةُ الله ذاهبةٌ، وإنه زيد منطلق، أنشدنا أبو العباس المبرد قال: أنشدني عمارة لنفسه يصف نخلًا:
كأنهَّهُنَّ الفتياتُ اللُعْسُ كأنَّ في أظلالهنَّ الشمسُ
والقوافي مرفوعة، يريد: كأنه في أظلالهنَّ الشمس، فإذا أضمر الكاف، والكاف للمخاطب، والمخاطب لا يحتاج إلى تبيين، وإنما تبين الهاء بالأمر إذا كانت مبهمة يفسرها ما بعدها، وإظهارُها هو الجيّد، وإنما يجوز إضمارها إذا اضطر شاعر لما بينت لك. انتهى.
ومثله لمحمد بن محمد أحمد بن السيف الإسفراثيي المعروف بالفاضل في كتاب "لباب الإعراب" قال: ولا يحذف الاسم في باب إنَّ إلاَّ إذا كان ضمير الشأن نحو:
إنَّ من لامَ في بني بنتِ حسَّا نَ ألُمْهُ وأعصِهِ في الخُطُوبِ
أي: إنه، وإلا زال الجزاء عن صدر الكلام، ونحو:
فلو أنَّ حقَّ اليوم منكم إقامةٌ
ونحو:
فليتَ دفعتَ الهمَّ عني ساعةً
ونحو:
فليت كفافًا كان خيركَ كلُّهُ
على أحد التأويلين.
ونحو:
كأنَّ في أظلالهنَّ الشمْسُ
[ ٥ / ١٨٥ ]
وإلاّ انتصب الشمس، ونحو:
وتقليني لكنَّ إياك لا أقلْي
ولا يجوز هذا في غير الاضطرار عند الأكثر. انتهى. وكذا قال المحقق الرضي، وعند ابن عصفور: حذف الضمير في غير ضمير الشأن أولى من حذفِ ضمير الشأن، قال في كتاب "الضرائر": ومنه حذف ضمير الشأن أو القصة إذا كان اسمًا لإن وأخواتها، ثم بعد أن مثل بأبيات، قال: فحذف هذا الضمير يحسن في الشعر، ويقبُح في الكلام والشعر، لأنها حروف طالبة للأسماء فاستقبحوا لذلك مباشرتها للأفعال، وإنما صحَّ حذفه في الكلام وإن يؤد الحذف إلى المباشرة إنَّ وأخواتها للأفعال لأنه مفسر بالجملة التي بعده، فأشبهت الجملة لذلك وإن كانت في موضع الخبر الجملة الواقع صفة في أن كل واحدة من الجملين مفسرة لما قبلها، والجملة الواقعة صفة يقبح حذف موصوفها وإبقاؤها، فكذلك أيضًا يقبح حذف ضمير الشأن، وإبقاء الجملة المفسرة له، وأيضًا يستعمل في موضع التعظيم، والحذف مناقض لذلك، فأما قول الراعي:
فلو أنَّ حقَّ اليومَ منكم إقامةٌ البيت
وقول الآخر:
فليت دفعتَ الهمَّ عني ساعةً البيت
فيحتمل أن يكون المحذوف فيها ضمير الشأن، فيكون التقدير: فلو أنه حق اليوم منكم إقامة، وفليته دفعت، ويكون البيتان إذ ذاك من قبيل ما يقبح في الكلام والشعر لما يلزم في البيت الأول من ولاية الفعل لأن، وفي البيت الثاني لولايته للبيت، ويحتمل أن يكون المحذوف ضمير المخاطب، فيكون التقدير: فلو أنكم حق اليوم، وليتك دفعت لهم، وحملهما على هذا الوجه أولى، لأنه لا يلزم فيه من القبح ما يلزم
[ ٥ / ١٨٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الأربعمائة: ممم هل هو خطأ هنا ممم
(٤٢٨) ولوْ قلَمٌ أُلقِيتُ في شقِّ رأسِهِ من السُّقمِ ما غَيَّرتُ من خطِّ كاتبِ
على أنَّ المبني قد قيل: إنه قد لحن في هذا البيت، لأنه لا يمكن أن يقدر: ولو ألقى قلم. هو قول أبي حيّان قال في "شرح التسهيل": فأمّا قول أبي الطيّب المتنبي: فلو قلم ألقيت البيت فلحن، لأنه لا يمكن أن يقدر: لو ألقي قلم، وصار نظير: إن زيد ضربت بسيفه كان كذا، ولهذا لحن، لأنه لا يمكن حمله على تقدير فعل. انتهى. وقول المصنّف: وأقول روي بنصب "قلم" وبرفعه إلى آخره، ما ذكره ملخص من كلام ابن الحاجب، قال في "أماليه": يروى بالرفع والنصب، ولكل وجه، ولكن النّصب هو الوجه، لأنَّ "لو" ههنا حرف شرط يقتضي الفعل لازمًا مثل "إن" كما يجب النصب فيه الفعل عن المفعول بضميره، وإنما جاء وَهَمُ الرفع عند قائله من جهتين: منها أنه لم يُعَدَّ الفعل المفسّر إلاّ بحرف الجر، ولم يدخل على المضمر العائد على الأول إلا بواسطتين، ومنها، وهو ما أظهرها إيهامًا: أنه جاء على صيغة ما لم يسم فاعله، فتوهم أنه مثل قولك: لو زيد ذهب به، لكان كذا. أما كونه لم يعدّ بنفسه، فليس بشيء، إذ لا فرق بين قولك في وجوب نصب: إن زيدًا ضربته، وإن زيدًا مررت به، وأما كونه لم يدخل على المضمر إلاّ بواسطتين فغير معتبر أيضًا، وإنما المعتبر وجود الضمير معدّى إليه الفعل، أو إلى ما يتعلق به بنفسه، أو بواسطة
[ ٥ / ١٨٧ ]
كذا في ديوان عدي بن زيد، وبعدها أبيات أخر تركناها. وقوله: ألا يا انعمن بالًا: ألا للتنبيه، ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره يا نعما، وهو النعمان بن المنذر ملك الحيرة وقد ذكرنا سبب قتله عديًا في ترجمته، في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وانعمن: فعل أمر من النعمة، بالفتح، وهو الخفض والدّعة والترفّه، وفعله كسمع ونصر وضرب، والبال: الحال والخاطر، يقال هو رخي البال، أ: مترفه الحال، وبالًا: منصوب على التمييز المحول عن الفاعل، والمسمى بالضم: الإمساء وهو الدخول في المساء، وقوله: أجدَّك: الهمزة للاستفهام، وجدّك منصوب بنزع الباء، وهو بالكسر، نقيض الهزل، والمعنى أبجد منك، ومثله: أحقًا، ومعنى أحقًا وجدك متقاربان، وتعذرني من عذرته فيما صنع عذرًا من باب ضرب: رفعت عنه اللوم، والاسم: العذر. وقوله: ألم يشفينك مؤكد بالنون الخفيفة، وتوكيد الفعل في هذا شاذ، لأنه ماض معنى، ولا حظّ للماضي في التوكيد بالنون، ولما كان الغضب الكامن كالدّاء، كان النيل بالمكروه كالشفاء وأني مسهد: في تأويل مفرد فاعل يشفي، وشوقي معطوف على الفاعل المؤوَّل، وهو مصدر مضاف إلى المفعول من شاقه: إذا ربطه وأوثقه، ويعتريني: يصيبني ويحدث بي من العقوبة، والتسهال: مصدر سُهِل زيد بالبناء للمفعول: إذا انطلقت بطنه، ومصدر الثلاثي إذا أريد به المبالغة بنوه على التفعال كالتلعاب والترداد والتجوال، فإنكار الأخفش لهذه الكلمة لا وجه له، ورواية تسآلي غير مناسبة، وقوله: على ما خيّلت، هذا التركيب قد صار كالمثل في استعماله بالماضي، وجعل فاعله ضمير النفس المعلومة من المقام، قال المفضل بن سلمة الضبي، في "الفاخر": قولهم: على ما خيلت، أي: أرت وأوهمت، وأصل ذلك في السحاب يقال: قد خيَلَّت السحابة وتخيلتْ: إذا أرَتْ أنها ماطرة، والخال: السحابُ الذي يُخيلُك المطر. انتهى.
[ ٥ / ١٨٨ ]
وقال ابن قتيبة في أوائل "أدب الكاتب": أفعل ذلك على ما خيّلت، أي: على ما شبهت من قولك هو مخيلٌ للخير، أي: خليق له. قال شارحه الحواليقي: وقولهم على ما خيّلت معناه: على أرت الحال، وشبّهت، فأضمر الحال، ولم يجر لها ذكر لعلم المخاطب بها، كما قال تعالى: (حتى توارت بالحجاب) [ص/ ٣٢] يعني الشمس، فأضمرها، ولم يجر لها ذكر، ويقال: معنى قولهم: على ما خيلت، أي: على ما أرتك نفسُك أنه الصواب، ويقال: على ما تخيلت وخيّلت هو الكلام الجيّد، والأصل فيه من قولهم: خيّلت السّحابة، وتخيّلت: إذا أرت مخيلة المطر والمخيلة نفسُ السحابة، فإذا أردت الفعل قلت: مخيلة والفعل منه خالت وأخالت وأخيلتت وتخيلت. انتهى كلامه، وقال الزمخشري في "مستقصى الأمثال": على ما خيلت الضمير للنفس أو للحال، المعنى: افعل ذلك، ما أرتك نفسك وأوهمتك من سهولة وصعب يضرب في إيجاب الفعل. وقال في "أساس البلاغة": افعل ذلك على ما خيّلت، أي على ما أرتك وشبّهت وأوهمت، وفلان يمضي على المخيّل، أي: على ما خيّلت. انتهى. وفي "عباب الصاغاني": وفلان يمضي على المخيّل، أي: على ما خيّلت. أي شبّهت يعني على غرر من غير يقين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٧) ولوْ أنَّ واشٍ باليمامةِ دارُهُ وداريِ بأعلى حَضَرَموَتَ اهتدَى لِيَا
على أنَّ أصله: فلو أنَّ واشيًا، فسكّن الياء لضرورة الشعر، ثمَّ حذفها لالتقاء السّاكنين، وروى: "فلو كان واشٍ" فلا شاهد فيه، وبعده:
وماذا لهم لا أحسن الله حفظهمْ من الحظُ في تصريم ليلى حباليا
وهما من قصيدة طويلة شهيرة لمجنون ليلى، ومنها:
[ ٥ / ١٨٩ ]
خليلي لا والله لا أملك الذي قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليَا
قضاها لغيري وابتلاني بحبهَا فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيَا
روى صاحب "الأغاني" بسنده عن ابن الكلبي أن المجنون لما قال هذا نودي في الليل أأنت المتسخط لقضاء الله وقدره، والمعترض في أحكامه!؟ واختلس عقله، وتوحش منذ تلك الساعة، وذهب مع الوحش على وجهه. والواشي: النمام الذي يزوق الكلام ليفسد بين اثنين، من وشى الثوب يشيه وشيئًا: إذا نقشه وحسّنه. واليمامة: اسم بلد كان في الجاهلية اسمها الجوّ، وحضر موت بفتح الميم وضمها: مدينة باليمن، وقوله: اهتدى ليا اللام بمعنى إلى، والتصريم: التقطيع، والحبال: جمع حبل، مستعار للوصلة والألفة بين اثنين، واختلف في اسم مجنون ليلى، ويقال له: مجنون بني عامر، والأشهر أن اسمه قيس بن الملوح وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٨) أكل امرئٍ تحسبين امرًا ونارٍ توقد بالليل نارَا
على أن أصله: وكل نارٍ، فحذف "كل" وبقي المضاف إليه على جرّه، كذا قال سيبويه فيه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه أراد أن يقول: وكل نارّ، فحذف "كلًا" وهو يريدها وقد جربها نارًا، واكتفى بذكر "كل" في اول البيت. قال سيبويه: ومثله: ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة، قال أبو جعفر: استشهد بهذا، لأنه عطف على عاملين فخفض النار، عطفها على امرئٍ، ونصب نارًا
[ ٥ / ١٩٠ ]
الثانية عطفها على امرئٍ الثاني، قال أبو جعفر: ومن لم يعطف على عاملين. رواه: ونارًا، قال أبو الحسن: تقديره: وكل نار، ثم تحذف، كقوله تعالى: (وَاسأَلِ القَريَةَ) [يوسف/٨٢] وقال ابن الحاجب في "أماليه": أكلَّ امرئٍ وامرءًا مفعولان لتحسبين، وقوله: ونار عند سيبويه مخفوض على حذف المضاف الذي هو "كل" لدلالة الأول عليه، وأراد به موجودًا مقدرًا، فلذلك بقي المضاف إليه على إعرابه، وهذا وإن كان على خلاف قياس حذف المضاف مخصوص عنده بكل ومثل إذا قصد بها التحقيق، لا التشبيه، كقولك: ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك، وإنما اختصتا بذلك من حيث كانا لذات واحدة في المعنى، فلما تقدم ما يدل على ذلك، اغتفر في الحذف، وبقي أثره على ما كان عليه، فعلى ذلك لا يكون قوله: "ونار" عطفًا على عاملين من حيث كان "نار" مخفوضًا بكل مقدرة في حكم الوجود، فكأنه قال: وكل نار، ولو صرح وقال: وكل نار لم يكن عطفًا على عاملين اتفاقًا وكذلك إذا كان "كل" مرادًا وجودها، لأنه يكون عطفًا على معمولي "تحسبين" خاصة، وهو عامل واحد، وكثير من النحويين لا يقدر تقدير سيبويه، لأنه عنده يوجب إعرابه بإعراب المحذوف على القياس المعروف في حذف المضاف، فيجعله معطوفًا على امرئ المخفوض أولًا ويجعل نارًا المنصوبة معطوفًا على امرءًا، ويجوز هذا الضرب من العطف على عاملين، وهو أن يكون الأول منها مخفوضًا، وأن يكون المعطوف جاء على الترتيب الأول، كقولك: في الدار زيد واحجرة عمرو، وأشباه ذلك، وسيبويه يمنع في هذه المسائل، ويتأول ذلك كله فرارًا من العطف على عاملين، انتهى المقصود منه.
والبيت آخر قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا لأبي الإيادي ذكر فيها أنه صاد بمهره ثورًا وبقرة وحشيين، ثم خاطب امرأته على سبيل الافتخار والتمدّح: أكل امرئ تحسبينه مثلث، وكل نار توقد بالليل تحسبينها نار قرى وضيافة. وتوقد: مضارع، واصله تتوقد، وروي بدله: تحرّق مثله، وأولها:
[ ٥ / ١٩١ ]
ودار يقول لها الرائدُو ن ويل ام دار الحذاقي دارا
فلما وضعنا به بيتنَا نتجنا حوارًا وصدنا حمارَا
يقول. رب منزل ينزل فيه يقول لها الرائدون –وهم الذين يترددون في طلب المرعى والمنزل- ذلك تعجبًا منها. وفي "جمهرة أنساب العرب": ومن بني حذاقة أبو داود الشاعر، واسمه جارية بن حمران بن بحر بن عصام بن نبهان بن منبّه بن حذاقة وأخواه مارية وآرية، ومنهم الأعور الذي ينسب إليه دير الأعور، ولموضع الدير يقول أبو داود:
ودارٍ يقول لها الرائدون .. البيت انتهى.
وحذاقة، بضم الحاء المهملة بعدها ذال معجمة: قبيلة إيادهم رهط أبي دواد، وهو حذاقة بن زهر بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان. وقوله: وضعنا بها بيتنا، أي: نصبنا بها خباءنا، ونتجنا من النتاج بالكسر: وهو اسم يشمل وضع البهائم من الإبل والغنم وغيرهما، وإذا ولي الإنسان ناقة أو شاة ما خضًا حتى تضع قيل: نتجها نتجًا، من باب ضرب، فالإنسان كالقابلة، لأنه يتلقى الولد ويصلح من شأنه، والبهيمة منتوجة، والأصل في الفعل أن يتعدى إلى مفعولين، فيقال: نتجها ولدًا لأنه بمعنى ولدها ولدًا كذا في "المصباح"، وأردا بالحمار: حمار الوحش، وأورد المبرد في "الكامل" البيت الشاهد نظيرًا لقول أعرابيّ:
ألا تسأل المكي ذا العلم ما الذي يحل من التقبيل في رمضانِ
فقال لي المكي أما لزوجةٍ فسبع وأما خلة فثمانِ
أي: وأما لخلة فحذف اللام، وقال: أنشد سيبويه لعدي بن زيد:
[ ٥ / ١٩٢ ]
أكل امرئ تحسبين امرءًا .. البيت.
وأقول: سيبويه إنما أنشده لأبي دواد، وكذا نسبة خدمة كتابه، وقد سها أبو العباس في هذه النسبة. والبيت من قصيدة لأبي دواد وهي ثابتة في ديوانه، وهو شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الأربعمائة:
(٤٧٩) وجبت هجيرًا يترك الماء صاديًا
على أنه جعل الماء صاديًا مجازًا، وهو عجز وصدره:
لقيت المرورى والشناخيبُ دونهُ
وهذا المصراع أورده ابن الشجري مع البيتين قبله في شرح قوله:
فليت كفافًا كان خيرك كلُّهُ .. البيت.
قال: أجاز بعض المتأخرين أن يكون الماء رفعًا بأنه فاعل "ارتوى" من غير تقدير مضاف قال: وجاز وصف الماء بالارتواء للمبالغة، كما جاز وصفه بالعطش لذلك في قوله:
وجبت هجيرًا يترك الماء صاديًا انتهى.
وهو من قصيدة لأبي الطيب المتنبي مدح بها كافورًا الإخشيدي، وهي أول قصيدة مدحه بها، وقبله:
أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقًا إليهِ وذا الوقت الذي كنت راجيًا
قال الواحدي: يقول: وجهك الذي أراه الوجه الذي كنت أشتاق إليه، وهذا الوقت الذي أنا فيه، الوقت الذي كنت أرجو دركه، يعني وقت لقائه، والمرورى بفتحتين وسكون الواو وبالقصر، قال الواحدي: جمع المروراة وهي الفلاة الواسعة، والشناخيب: جمع شنخوب وشنخاب، وهي ناحية الجبل المشرقة وفيها حجارة
[ ٥ / ١٩٣ ]
ناتئة، والصادي: العطشان، يذكر ما لقي من التعب في الطريق إليه، وما قاسى من حر الهواء والهواجر التي تيبس الماء، والماء لا يكون صاديًا، ولكنه مبالغة. انتهى.
وهذا المصراع أورده ابن جني أيضًا في "المحتسب" قال: قرأ علي ﵇ (فِيهَا لُغُوبٌ) [فاطر/ ٣٥] بفتح اللام، ولك فيه وجهان إن شئت أنه مصدر كالوضوء والولوغ، وإن شئت أنه صفة لمصدر محذوف أي: لا يمسنا فيها لغوب لغوب، على قولهم: شعر شاعر، كأنه يصف اللغوب بأنه قد لغب، أي: أعيا وتعب، وهذا ضرب من المبالغة، ومن طريف ما ما مر بنا المولدين في هذا قول شاعرنا:
وجبت هجيرًا يترك الماء صاديًا
فهذا مع ما فيه من المبالغة حلو وواصل إلى الفكر. انتهى المراد منه.
وترجمه المتنبي تقدمت في الإنشاد التاسع من أوائل الكتاب.
(لكِن)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٨٠) ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ
على أن أصله: ولكن اسقني، فحذفت النون لضرورة الشعر، وكذا اورده سيبويه في باب ضرورة الشعر من أول كتابه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه حذف النون من "لكن" وهي متحركة، وإنما تحذف إذا كانت ساكنة، لأنها تشبه حروف المد واللين، وذلك لأنها تكون إعرابًا مثلهن، وتحذف للجزم كما يحذفن، فإذا تحركت لم يجز أن تحذف، لأنها قد زال عنها شبههن، فإن اضطر شاعر شبهها بالساكنة، لأن حركتها في كلا الموضعين عارضة، لأن أصلها السكون، وإن كان
[ ٥ / ١٩٤ ]
الاختيار فيه التحريك، والتنوين نون ساكنة، فشبهوا هذه النون التي وصفنا بالتنوين.
انتهى.
والبيت من قصيدة للنجاشي الحارثي وقبله:
وماء كلون الغسل قد عاد آجنًا قليل به الأصوات في بلد محلِ
وجدت عليه الذئب يعوي كأنهُ خليع خلا من كل مال ومن أهلِ
فقلت له يا ذئب هل لك في فتىً يواسي بلا من عليك ولا بخلِ
فقال هداك الله للرشد إنمّا دعوت لما لم يأته سبع قبْلي
فلست بآتيه ولا أستطيعهُ ولا ك اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ
فقلت عليك الحوض إني تركتُه وفي صفوه فضل القلوص من السجلِ
فطرب يستعوى ذنابًا كثيرةً وعديت كل من هواه على شغلِ
وهذا المقدار أورده ابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني" والشريف المرتضى في "أماليه"، والشريف الحسيني في "حماسته"، وابن خلف في "شرح شواهد سيبويه"
وكان النجاشي عرض في سفر له ذئب، فدعاه إلى الطعام، وقال له: هل لك ميل في أخ يواسيك في طعامه بغير من ولا بخل، فقال له الذئب: قد دعوتني إلى شيء لم يفعله السباع قبلي من مؤاكلة بني آدم، وهذا لا يمكنني فعله، وإن كان في مائك فضل فاسقني منه، وهذا الكلام، وضعه النجاشي على لسان الذئب، وأشار بهذا إلى تعسفه بالفلوات التي لا ماء بها فيهتدي الذئب إلى مظانه فيها لاعتياده لها، والغسل بكسر المعجمة: ما يغسل به الرأس من سدر وخطمي، يريد أن ذلك الماء كان متغير اللون من طول المكث مخضرًا ومصفرًا ونحوهما، والآجن بالمد وكسر الجيم: الماء المتغير الطعم واللون. وقوله: قليل به الأصوات، يريد أنه قفر لا حيوان فيه، والبلد: الأرض والمكان، والمحل: الجدب، وهو انقطاع المطر ويبس
[ ٥ / ١٩٥ ]
الأرض من الكلأ، والخليع: الذي خلعه أهله لجناياته، وتبرؤوا منه. وعليك: اسم فعل بمعنى الزم، والحوض: مفعوله، والصفو، بفتح الصاد المعجمة وكسرها وسكون الغين المعجمة: الجانب المائل، والسجل: الدلو العظيمة، وطرّب في صوته بالتشديد: رجّعه ومدده.
والنجاشي: اسمه قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": كان النجاشي فاسقًا، رقيق الإسلام، ومر في شهر رمضان بأبي سماك العدوي بالكوفة فأخذه إلى منزله، فأكلا وشربا، فلما أخذ فيهما الشراب، تفاخرا وعلت أصواتهما، فسمع جار لهما فأتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأخبره، فأرسل في طلبهما فأما أبو سماك فإنه شق الخص فهرب، وأخذ النجاشي، فأتي به عليّ بن أبي طالب، فقال: ويحك ولداننا صيام وأنت مفطر؟ ! فضربه ثمانين سوطًا، وزاده عشرين سوطًا، فقال: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ قال: هذه لجراءتك على الله في شهر رمضان، ثم رفعه للناس في تبان- كرمان- وهو شبه السراويل يستر العورة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٨١) فلو كنت ضبيًا عرفت قرابَنْي ولكن زنجي عظيم المشافرِ
على أن اسم "لكن" محذوف تقديره: ولكنك، قد قدمنا في شرح قوله: "فليت دفعت الهم عني ساعة" أن صاحب "اللباب" وغيره منعوا حذف اسم إن إذا كان غير ضمير الشأن، وجوزه الرضي في الشعر بقلة، وضعفوه، وأنشد هذا البيت، فغن قلت كيف يصنع صاحب "اللباب" بهذا البيت؟ قلت: إما يذهب إلى ما ذهب إليه الرضي، وإمّا أن اسم لكن ضمير الشأن، وزنجي خبر مبتدأ محذوف،
[ ٥ / ١٩٦ ]
والتقدير: ولكنه أنت زنجيٌ، وفيه أن خبر ضمير الشأن لا بدّ من التصريح بذكر جزئي الجملة، قال سيبويه في باب الحروف الخمسة: وروى الخليل أن ناسًا يقولون: إن ربك زيد مأخوذ، فقال: هذا على قوله: إنه ربك زيدٌ مأخوذٌ، وشبَّههُ بما يجوز في الشعر نحو قوله:
ويومًا توافينا بوجهٍ مقسمٍ كأن ظبيبة تعطو إلى وارقِ السلَمش
أي: كأنها، وقال الآخر:
ووجهٍ مشرقِ اللونِ كأن ثدياهُ حقَّانِ
لأنه لا يحسن ههنا إلا الإضمار، وزعم الخليل أن هذا يشبه قول الفرزدق: فلو كنت ضبيًّا البيت.
والنصب أكثر في كلام العرب، كأنه قال: ولكن زنجيًا عظيم المشافر لا يعرف قرابي، ولكنه أضمر هذا كما يضمر ما بني على الابتداء، نحو قوله تعالى: (طاعة وقولٌ معروفٌ) [محمد/٢١] أي: طاعة وقول معروف أمثل، وقال الشاعر:
فما كنت ضفاطًا ولكن طالبًا أناخ قليلًا فوق ظهرِ سبيلٍ
أي: ولكن طالبًا منيخًا أنا، فالنصب أجود، لأنه لو أراد إضمارًا لخفف، ولجع المضمر مبتدأ، كقولك: ما أنت صالحًا، ولكن طالح، ورفعه على قوله: ولكن زنجيّ. انتهى كلام سيبويه. قال السيرافي: من نصب حذف الخبر، وهو لا يعرف قربني، وإنما صار النصب أكثر وأولى، لأنّ إظهار ما هو الأصل المبني عليه أولى إذا حُذف المفهوم، ومن رفع، حذف الاسم، ويكون تقديره: ولكنك
[ ٥ / ١٩٧ ]
زنجي، وجاز الوجهات كما يجوز في باب الابتداء حذف الاسم مرة، وحذف الخبر مرة، ومثله في الحذف: وما كنت ضفاطًا فالنصب أجود، لأنه لو أراد إضمارًا لخفف، ولجعل المضمر مبتدأ، ورفعه على قوله: ولكن زنجي والضفاط: الذي يحمل طعامه إلى مكان فيبيعه. وأخبرنا ابن دريد أن الضفاف لِعابُ الدفِّ. انتهى.
وقال أبو علي في تعليقته على "الكتاب": قوله: وزعم الخليل أن هذا يشبه قول الفرزدق، قال أبو علي: فيشبهه في أن الإضمار مراد في لكنّ، كما أنه مراد في "كأن ثدياه" إلا أن النصب بعد لكنّ أحسن، والرفع في "كأن ظبية" و"كأن ثدياه" أحسن، لأنهم جعلوا حذف أن وتخفيفها علامة لحذف الإظهار، وحذف الضمير من إن وكأن حسن عنده، لأن تحفيفهما يدل على الإضمار، فيهما إذا لم يخففا إلا على هذه الشريطة، فكأنَّ المحذوف مثبت لوجود ما يدل عليه، وليس هذا في لكنّ وإنّ. انتهى.
والبيت من قصيدة للفرزدق في هجو رجل من ضبة نفاه عن ضبة، ونسبه إلى الزنج، وأما القرابة التي بينه وبينه فهي أن الفرزدق من تميم بن مُرّ بن أُدّ بن طانجة وضبة هو ابن أدّ بن طانجة، والمشافر: جمع مشفر، بكسر الميم، وهي شفة البعير، واستعيرت هما لذلك الرجل لما قصده من بشاعة خلقته، وقافية البيت هكذا اشتهرت عند النحويين، وصوابه:
ولكنّ زنجيٌ غليظٌ مشافرُهْ
وهو من قصيدة هجا بها أيوب بن عيسى الضبي، وبعده:
متت له بالرحم بيني وبينهُ فألفيته مني بعيدًا أواصرهُ
وقلتُ امرؤ من آل ضبة فاعتزِي لغيرهم لون استه ومحاجرُهْ
فسوف يرى النوبي ما اكتدحت له يداهُ إذا ما الشعرُ عنت نواقرُهْ
[ ٥ / ١٩٨ ]
ستلقى عليك الخنفساء إذا فستْ عليك من الشعر الذي أنت حاذرهْ
وتأتي ابن زبِ الخنفساء قصيدةٌ تكون له مني عذابًا يباشرُهْ
والسبب في هذا ما حكاه صاحب "الأغاني" أن الفرزدق هجا خالد بن عبد الله القسري، وذكر المبارك النهر الذي حفره بواسط، فبلغه ذلك، فكتب خالد إلى مالك ابن المنذر أن احبس الفرزدق، فإنه هجا نهر أمير المؤمنين بقوله:
أهلكتْ مال الله في غير حقهِ على النهرِ المشؤومِ غير المباركِ
فأرسل مالك إلى أيوب بن عيسى الضبي فقال: ائتني بالفرزدق، فلم يزل يعمل فيه حتى أخذه، فلما قيل لمالك، هذا الفرزدق، انتفخ وريده غضبًا، فلما أُدخِلَ عليه قال:
أقول لنفسي حين غصت بريقِها ألا ليت شعري ما لها عندَ مالكِ
لها عنده أن يرجع الله روحهُ إليها ونتجو من عَظِيمِ المهالكِ
فسكت مالك وأمر به إلى السِّجن، فهجا أيوب بن عيسى بتلك القصيدة، ثمَّ مدح خالد القسري ومالك بن المنذر، فلما لم ينفعه مدحهما مدح هشامًا، واعتذر إليه:
ألكني إلى راعي البرية والذي له العدلُ في الأرضِ العريضةِ نورًا
إذا قال غاوٍ من معدّ قصيدةً بها جربٌ كانت وبالًا مدمرًا
أينظمها غيري وأرمى بجرمِهَا وكيف ألومُ الدهر أن يتغيرَا
لئن صبرتْ نفسي لقد أُمرتْ بهِ وخيرُ عباد الله من كان أصْبرَأ
وكنت ابن أحذار ولو كنت خائفًا لكنت من العصماءِ في الطّودِ أحذرا
ولكن أتوني آمنًا لا أخافُهُمْ نهارًا وكان اللهُ ما شاء قدَّرا
ثمّ إنه مدحه بقصيدة، وأشخص بها ابنه إلى هشام، فأعانته القيسية،
[ ٥ / ١٩٩ ]
وقالوا: كلما ظهر شاعر، أو سيد، وثب عليه خالد! وكان كتب الفرزدق أبياتًا إلى سعيد بن الوليد الأبرشي يكلم له هشامًا وهي:
إلى الأبرش الكلبي أسديت حاجتي تواكلها حيًا تميم ووائلِ
على حين أن زلت بي النعل زلةً وأخلف ظني كل حاف وناعلِ
فدونكما يا ابن الوليد فقم بها قيام امرئ في قومه غير خاملِ
فكلم هشام فكتب بتخليته. انتهى كلام "الأغاني" باختصار.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الأربعمائة:
وَما كنتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَه وَلكِنّ مَن يُبصِرْ جفونَكِ يَعشَقِ
على أنه مثل بيت الفرزدق فيقدر: ولكنّك من يبصر جفونك يَعشقِ، ولا يخفى أنَّ التقدير المتفق عليه إنما هو تقدير ضمير الشأن، أي: لكنه من يبصر إلى آخره، وهو أفخم أيضًا. وما قبله، وهو مطلع القصيدة:
لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي وللحُبّ ما لم يَبقَ منّي وما بَقي
قال الواحدي: عيناك دائي، فما يلقاه قلبي من برح الهوى وما لقيه، فهل لأجل عينيك، والحبُّ هو الذي يذيبُ جسم، ويفني لحمي، فما لم يبق مني مما ذهب، فهو الذي أذهبه، وما بقى هو له أيضًا يفنيه ويذهبه، وذكر أنه عِزْ هاةٌ لا يحب الغزل ولا يميل إلى العشق، ولكن جفون حبيبته فتانة لرائها يعشق من يبصرها كيف ما كان. انتهى. والكاف في الموضعين مكسورة لأنه خطاب لمؤنث، وهذه القصيدة مدح بها سيف الدولة الحمداني، وترجمة المتنبي تقدمت في الإنشاد التاسع.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
وأنشد بعده وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٣٨) ولكن من لم يلق أمرا ينوبه بعدته ينزل به وهو أعزلُ
على أنَّ اسم لكن محذوف وهو ضمير الشأن، قال سيبويه في باب مت يأتي آته، قال الأعشي:
إن مَن لام في بني بِنتِ حسا نَ ألمْهُ وأعصهِ في الخُطوبِ
وقال أمية بن أبي الصلت: ولكنَّ مَن لا يلق أمرًا ينوبه . . . . . البيت
فلو أن حقُ اليوم منكم إقامةٌ وإن كان سرحٌ قد مضى فتسرعا
فزعم الخليل ﵀ أنه إنما جازي حيث أضمر الهاء، وأراد أنه كما قال الراعي:
أراد: فلو انه حق، ولم يرد الهاء كان الكلام محالًا. انتهى.
وقال أبو علي في كتاب"الحجة": وقد جاء حذف ضمير القصة، والحديث مع لكنَّ في نحو قول أمية:
ولكن من لا يليق أمرًا ينوبُهُ البيت. كما جاء في قوله:
فلو أن حق اليوم منكم إقامةٌ
فولا أن الضمير معه مراد لما دخل على الجزاء. انتهى.
والبيت قد كشفت عنه في ديوان أمية المذكور، فلم أجده فيه، ولعله موجود فه من رواية أخرى، وينوبه: يصيبه من النائبة، والعُدة بالضم: ما يهيئه الإنسان لحوادث الدهر، والباء متعلقة بيلق، والضمير في به لمن، والأعزل: الذي لا سلاح له، يقول: من لم يستعد لما ينوبه من الزمان قبل حلوله، ضعف عند عند نزوله. والكتاب
[ ٥ / ٢٠١ ]
إذا أطلق عند النحويين يراد به "كتاب سيبويه" كما أن الكتاب إذا ذكر عند خدمة الشرع من المفسرين والمحدثين والفقهاء يراد به كتاب الله جل ذكره.
وأمية بن أبي الصلت: شاعر واعظ جاهلي تقدمت ترجمته في الشاهد الواحد بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده:
ولكني من حبُها لعميدُ
(لكِنْ)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٨٤) إن ابن ورقاء لا تُخشي بوادره لكنْ وقائعهُ في الحرب تُنتظرُ
على أنَّ لكن فيه حرف ابتداء، وهو من أبيات لزهير بن أبي سُلمى مدح بها الحارث بن ورقاء الصيداوي، وكان الحارث مرَّ بيسار غلام لزهير راجعًا من غزوة بني سليم، فاستاقه معه، فبعث إليه زهير: اردد غلامي، فأبى، فهجاه بقصيدة، وتوعده بقصائد أخرى، فلما بلغهم هجوه، كساه ورده، فقالوا للحارث: اقتل يسارًا ولا ترده عليه، فأبى، وقال: أخاف أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أشد من هذا، فقال زهير بعد أن وصله يسار يمدحه ويهجوهم:
أبلِغْ بَني نَوْفَلٍ عَنّي وقَدْ بَلَغوا مِنّي الحَفيظَةَ لمّا جاءَني الخَبَرُ
القائِلينَ: يَسَارًا لا تُنَاظِرُهُ غِشًّا لسَيّدِهمْ في الأمْرِ إذْ أمرُوا
إنّ ابنَ وَرْقاءَ لا تُخْشَى غَوَائِلُهُ لكِنْ وَقائِعُهُ في الحَرْبِ تُنتَظَرُ
لَوْلا ابنُ وَرْقاءَ والمَجدُ التّليدُ لَهُ كانوا قَليلًا فَما عزّوا ولا كثُرُوا
[ ٥ / ٢٠٢ ]
المَجْدُ في غَيْرِهمْ لَوْلا مَآثِرُه وَصَبْرُهُ نَفْسَهُ والحَرْبُ تَستَعِرُ
أوْلى لكمْ ثمّ أوْلى أنْ تُصِيبَكمُ مِنّي نوَاقِرُ لا تُبْقي وَلا تَذَرُ
فأرضوه واعتذروا إليه، فمدحهم بعد هذا، وبنو نوفل من بني أسد، وهم رهط الحارث بن ورقاء، والحفيظة: الغضب، يقول: أغضبوني بهذا الخبر الذي بلغني عنهم، وقول: يسارًا منصوب يفسره ما بعده، ولا تناظره: لا تؤخره، وهو نفي، ومعناه نهي، ونصب " غشا" على المصدر المؤكد به معنى قولهم: لا تناظره، وقوله: إن ابن ورقاء إلى آخره، يقول: ليس ابن ورقاء ممن يغتال ويغدر، ولكنه ممن يجاهر بالحرب، وتتوقع فيها وقائعه، وروى "بوادره" جمع بادرة وهي الحدة تسبق صاحبها، فلا يقدر ردها، والمآثر جمع مأثرة: وهي ما يُؤثر، ويُتحدث به من الأفعال الكريم، وقوله: وصبره نفسه، أي: وحبسه إياها على شدة الحرب ومكروهها، وتستعر: تتقد، وأولى لهم كلمة تهدد ووعيد، ومعناه: وليهم الشر، ونواقر بالنون، أي: قواف مقرطسات، يقال: سهام نواقر، أي: لا تخطئ القرطاس، قاله صعوداء، ورواه الأعلم: بواقر بالموحدة قال: والبواقر: المصائب والدواهي، وأصله من بقرت بطنه، كما أن الفاقرة من فقرت ظهره، أراد بها الهجاء. وقوله: لا تبقي، أي: لا تبقي من أعراضهم بقية. انتهى.
وترجمت زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
(لَيْسَ)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٨٥) له نافلات ما يُغيب نوالُها وليس عطاءُ اليوم مانعه غدَا
على أن "ليس" في البيت لنفي المستقبل. والبيت من قصيدة للأعشى ميمون مدح النبي صل الله عليه وسلم، ولم يوفق للإيمان، وتقدم بيانه مع شرح أبيات من أولها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وهذه أبيات قبله:
فإنْ تسألي عني فيا ربّ سائلٍ حفيٍ عنِ الأعشى به حيثُ أصعدا
ألا أيها السّائلي: أينَ أصعدت، فإنّ لها في أهلِ يثربَ موعدا
فأمّا إذا ما أدلجتْ، فترى لها رقيبينِ جديًا لا يغيبُ وفرقدا
وفيها إذا ما هجرتْ عجرفيَّةٌ إذا خِلْتَ حِرْبَاءَ الظّهِيرَةِ أصْيَدَا
وأذرت برجليها النفي وراجعتْ يَدَاهَا خِنَافًا لَيّنًا غَيرَ أحْرَدَا
فمالك عندي مشتكى مِنْ كَلالَةٍ ولا منْ حفىً حتى تُلاقي محمّدا
نبيًا يرى ما لاترونَ، وقولهُ أغَارَ، لَعَمْرِي، في البِلادِ وَأنجَدَا
مَتى مَا تُنَاخي عندَ بابِ ابنِ هاشِمٍ تراحي وتلقي منْ فواضلهِ ندا
لهُ صدقاتٌ ما تغبّ البيت
قوله: فإن تسألي عني الخ، يخاطب امرأة يقول لها: إن تسألي عني، فلا عجب، فإن السائلين عني كثير، وحيث ظرف متعلق بسائل، وفاعل أصعد: ضمير الأعشى، والحفي: المبالغ في السؤال، وعن: متعلقة بسائل، والباء: متعلقة بحفي، وإصعاده: إتيانه مكة، لأن مكة تهامية وهي أعلا نجد، وفاعل أصعدت ضمير الناقة المعلومة من قوله: وإتعابي العيس، في بيت قبله، ويثرب: المدينة المنورة،
[ ٥ / ٢٠٤ ]
والموعد: الوعد، كأن ناقته وعدت أهل المدينة في ذهابها إليهم، والإدلاج بسكون الدال: سير جميع الليل، أخبر أنها تسير بالفرقدين والجدي لا دليل لها غيرهما، وفي "القاموس": الفرقد النجم الذي يهتدي به، وهما فرقدان، وجاء في الشعر مثنى وموحدًا، وهجّرت: سارت في الهاجرة، وفيها تضعف الإبل وتخور، والعجرفية: النشاط، يقول: لها نشاط في السير في هذا الوقت المضعف، فكيف يكون نشاطها في غيره، وإذا: ظرف متعلق بعجرفية، وخلت: ظننت، والحرباء بالمد: دويبة تستقبل الشمس، وتدور معها كيفما دارت إلى أن تغرب، وتتلون ألوانًا، والأصيد: البعير يكون به الصاد، وهو قروح من المنخرين لا يكاد يضع منها رأسه، والنفي: الحصا الذي ينفي ويتطاير من شدة وطء أخفاقها، وأذرت: فرّقت، والخناق بكسر الخاء بعدها نون: سرعة قلبها يديها إلى وحشيها: والحرد، بفتح الحاء والراء المهملتين: داء في قوائم الإبل وفي اليدين، أو يبس عصب إحداها من العقال، فيخبط بيديه إذا مشى.
وقال السهيلي: خنفت الدابة تخنف بيديها في السير: إذا مالت بها نشاطًا، وناقة خنوف. وقوله: لينًا غير أحرد، أي تفعل ذلك من غير حرد في يديها، أي: اعوجاج، انتهى كلامه. وقوله: فمالك عندي الخ، هذا التفات من الإخبار عن ناقته إلى خطابها، ومشتكى: مصدر ميمي من الإشتكاء، وهو على حذف مضاف، والتقدير: فما لك عندي سماع شكاية، والكلالة مصدر كل بمعنى أعيا، والحفى: مصدر حفيت: رجله من باب فرح: إذا رقت من كثرة المشي، وروي: فآليت لا آوي: أي لا أرق لها من أويت للضعيف أية: إذا رقت له كبدك، وروي أيضًا: لا أرثي لها من رثيت له، إذا رحمته، ورققت له، وآليت: حلفت، وهذه رواية أبي على في "إيضاح الشعر"، وقال: يجوز أن تكون التاء في تلاقي في فعل الغيبة، وفي الفعل ضمير الغائبة، كما تقول: هند تلاقي زيدًا، واسكن الياء ضرورة، ويجوز أن تكون التاء لاحقة فعل المخاطب بعد الغيبة، كقوله
[ ٥ / ٢٠٥ ]
تعالى: (إياك نعبد) الفاتحة: ٥] بعد الغيبة، وتكون الياء ضميرًا، والنون محذوفة، ويجوز أن تكون الياء للمخاطب، والمعنى حتى ألاقي، إلا أنه نزل نفسه منزلة المخاطب، كقوله:
وهل تطيق وداعًا أيها الرجلُ
انتهى كلامه.
وقوله: نبيًا يرى، بدل من محمد، وروي بالرفع على أنه خبر مبتدأ، أي: هو نبي، وروي: وذكره أغار، أي: صار إلى الغور، يقال: غار يغور غورًا، وإنما قال أغار ليزدوج مع قوله أنجد، أي: صار إلى نجد، كما قالوا: مأزورات غير مأجورات، وإنما هو موزورات من الوزر، وقال العسكري في كتاب "التصحيف": الخلاف في غار، وهو مذهب البصريين، وأغار وهو مذهب البغداديين، وسمعت أبا بكر بن دريد يقول من رواه أغار، فقد أخطأ، وأخبرني أبي عسل بن ذكوان عن الرياشي عن الأصمعي: "وذكره لعمرك غار" قال: ويروى: " وذكره غار لعمري" فإذا كان كذا، فإنه خرم في النصف الثاني وهو صالح، كما قال:
والموت يجشمه من جشم . . . . انتهى.
وقال ابن السير في شرح أبيات "إصلاح المنطق" وقد روي: وذكره لعمري غار في البلاد. فمن روى هذا أراد: أتى الغور، وأنجد: أتى نجدًا، وقد رد قوم قول من قال: أغار بمعنى غار إذا أتى الغور، وزعموا أن معنى أغار: أسرع، قالوا: والدليل على صحة ذلك أن النبي صل الله عليه وسلم كان بمكة في ذلك الوقت وهي من الغور، ولم يرد الشاعر الغور ولا نجدًا، ولكنه أراد أسرع ذكره في البلاد، والإنجاد: الارتفاع يعني ارتفاع الذكر ههنا هذا كلامه، وصوابه:
[ ٥ / ٢٠٦ ]
كان في المدينة في ذلك الوقت كما حققناه في شرح أولها، وقوله: ما تناخي يأتي إن شاء الله في بحث "ما" الزائدة، وقوله: له صدقات ما تغيب الخ. أي: ما تنقطع من أغبهم: إذا جاءهم يومًا، وتركهم يومًا. قال السهيلي في "الروض الأنف": قوله: وليس عطاء اليوم مانعه غدًا، معناه على رفع العطاء ونصب مانع، أي: ليس العطاء الذي يعطيه اليوم مانعًا له غدًا من أن يعطيه، فالهاء عائدة على الممدوح، ولو كانت عائدة على العطاء، لقال: وليس عطاء اليوم مانعه هو، بإبراز الضمير الفاعل، لأن الصفة إذا جرت على غير من هي له، برز الضمير المستتر بخلاف الفعل، ولو نصب العطاء لجاز على إضمار الفعل المتروك إظهاره، لأنه من باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره، ويكون اسم ليس على هذا مضمرًا فيه عائدًا على النبي صل الله عليه وسلم. انتهى، وقد اخذ معنى هذا البيت الأحوص، فقال في قصيدة مدح بها يزيد بن عبد الملك:
وليس عطاء كان في اليوم مانِعي إذا عدت من إعطاء أضعافه غدا
وأخذه الفرزدق أيضًا فقال:
وأنت امرؤ لا نائل اليوم مانعٌ من المال شيئًا في غدٍ أنت واهبهْ
وقد تكلم عليه أبو علي في كتاب "إيضاح الشعر" فلا باس بنقله لفوائده، قال: تقديره فيمن رفع "النائل": وأنت امرؤ لا نائل اليوم شيئًا من المال تمنعه في غد، فالهاء في "مانعه" مراده كما تراد فيمن رفع في قول الشاعر:
وما كل مَنْ وافى منى أنا عارفُ
[ ٥ / ٢٠٧ ]
وفصل بقوله: مانع بين نائل ومعموله الذي هو شيئًا من المال وهو أجنبي منه وفصل أيضًا بين مانع، وبين قوله: في غد بما هو أجنبي منها، والمعنى أنت امرؤٌ لا تنال اليوم شيئًا من المال، وتمنعه غدًا، أي: لا تدخر ولا تخزن، ولكن تجود به وتهبه، فقوله: أنت تأكيد لما في مانع، وجعلت واهبة بدلًا مما في مانع، لأنه هو هو كما أبدلت قوله سبحانه: (إن ربي يقذفُ بالحق علّام الغيوب) [سبأ: ٤٨]، فيمن رفع من الذكر المرفوع في (يقذف) وإن شئت جعلت النائل اسم العطاء، كما قال:
له صدقاتٌ ما تغبُّ ونائلٌ
فتنصب النائل بمانع، كأنه لا مانع نائل اليوم من المال شيئًا فيكون انتصاب شيء على أحد أمرين، إما أن يكون وضعه موضع المصدر، أو قدّر فيه الباء وحذفها، وفي غد: متعلق بمانع، كأنه: لا يمنع ما تناله اليوم في غد، أي: تجود بما تنال اليوم في غد، وانت واهبه: ابتداء وخبر، وإن جعلت أنت تأكيدًا لما في مانع على المعنى، أضمرت مبتدأ، وإن شئت أبدلت اسم الفاعل من الذكر كما تقدم. انتهى كلامه
وأنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٨٦) ألا ليس إلا ما قضى الله كائن وما يستطيع المرء نفعًا ولا ضرًا
على أن في "ليس" ضمير الشأن، وما مبتدأ موصول، وقضى الله صلته، والعائد محذوف، أي: قضاه الله، وكائن: خبر المبتدأ، والجملة في موضع خبر ليس على بسيل التفريغ، وهذا البحث ملخص من "شرح التسهيل" لأبي حيان، وهذا البيت والمصراع الذي بعده فيه، ولم أقف على قائله، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٠٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٨٧) وما اغتره الشيب إلا اغترارا
وقال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: صدره:
أحل به الشيب أثقالهُ
قال: والبيت من قصيدة لأعشى ميمون البكري، وكذا نسبة السمين وغيره.
وأحل: أنزل، والأثقال جمع ثقل بفتحتين، وهو متاع المسافر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٨٨) هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء النفس مبذولُ
على أن اسم "ليس" ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها ومنها: متعلق بمبذول. وأورده سيبويه في باب الإضمار في ليس من أوائل كتابه قال: الإضمار فيها كالإضمار في "إن" إذا قلت: إنه من يأتنا نأته، ومن ذلك قول العرب: "ليس خلق الله مِثلَه" .. إلى أن قال بعد أبيات، وقال هشام أخو زي الرمية: هي الشفاء لدائي.
البيت. ثم أورده بعده قولهم: " ليس الطيب إلا المسك" وتكلم عليه.
[ ٥ / ٢٠٩ ]
قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل في "ليس" ضمير الأمر والشأن، والجملة التي بعد ليس في موضع خبرها، وفي "مبذول" ضمير يرجع إلى المبتدأ ويجوز أن تجعل ليس بمنزلة ما لا يعمل شيئًا وهي لغة بعض العرب والباء متعلقة بظفرت، ومن مبذول، ويجوز في "لو" أن تكون للشرط، والجواب محذوف، والتقدير: اشتفيت، فأغنى ما تقدّم عن ذكره، ويجوز أن تكون للشرط، والجواب محذوف، والتقدير: اشتفيت، فأغنى ما تقدّم عن ذكره، ويجوز أن تكون للمني، كأنه قال: يا ليتني ظفرت بها أو برؤيتها والاجتماع معها ليست تبذل لي شيئًا أشتفي به من نظرة أو سلام، وإنما يعني أنه قد انقطع طمعه منها. انتهى. وهذا كله مأخوذ من كلام ابن السيد في شرح أبيات الجمل. قال وبعد هذا البيت:
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمتْ كأنه منهل بالراح معلولُ
ومعنى تجلو: تكشف وتظهر، والعوارض: الضواحك، والظلم: الماء الجاري على الأسنلن، والمنه: الذي يسقى سقية أولى، والعلول: الذي يسقى سقية ثانية، والراح: الحمر. ويروى هذا البيت لكعب بن زهير، ويروى لهشام. انتهى كلام ابن السيد، وكذا قال ابن هشام اللخمي في"شرح أبيات الجمل" أيضًا، وقال: والعرب تصف النساء بالبخل والتمنع، وهو لهن مدح، كما أن وصفهن بالكرم، وترك التمنع ذم.
وهشام أخو ذو الرمة: هشام بن عقب، وله أربعة إخوة: ذو الرمة واسمه غيلات وأوفى، وذكرهما في رثاثه، فقال:
تعزيت عن أوفى بغيلان بعدهُ عزاء وجفن العين بالماء مترعُ
ومسعود وحرباس، وحكى ابن سلام أنهم ثلاثة، ولم يذكر حرباسًا معهم.
انتهى.
[ ٥ / ٢١٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد الأربعمائة:
(٤٨٩) أين المفر والإله الطالبُ والأشرم المغلوب ليس الغالبُ
على أن" ليس" خبرها ضمير مستر فيها تقديره ليسه الغالب، خلافًا للكويين في زعمهم أنها عاطفة بمعنى لا. والأشم في اللغة: المشقوق الأنف، وهو لقب أبرهة ملك الحبش، والسبب في هذا الشعر ما حكاه ابن شام في" السيرة" قال: فلما أسبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله، وعبى جيشه، وكان اسم الفيل محمودًا، وأبرهة مجمع لهدم البيت الشريف، فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال: ابرك حمودًا، وارجع راشدًا من حيث أتيت، فإنك في بلد الله الحرا، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل يشتد حنى أصعد في الجبل، ضربوا الفيل ليقوم فأني، فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم، فأني، فأدخوا محاجن لهم في مراقه، فنزعوه بها ليقوم، فأبي فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهروك، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففع مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله إليهم طيرًا من البحر أمثال الحطاطيف مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدًا إلًا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأيى ماأنزل الله بهم من نقمته:
أبن المفر والإله الطالبُ والأشوم المغلوب ليس الغالبُ
انتهى المقصود منه، ونفي بن حبيب خثعمى، فلما كان أبرهة في مسيره إلى مكة، ونزل بأرض خثعم، عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي مع من تبعه من العرب فقاتله، فهزمه أبرهة، وأخذ نفيل أسيرًا، فلما هم قتله، قال له نفيل:
أيها الملك لا تقتلني، فإني دللك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم بالسمع والطاعة فخلى سبيله، وخرج معه يدله. كذا في سير ابن هشام.
[ ٥ / ٢١١ ]
(حرف الميم)
"ما"
أنشد فيه، وهو الإنشاد التسعون بعد الأربعمائة:
(٤٩٠) لمَا نافعٍ يسْعَى اللبّيبُ فَلا تَكُنْ لِشَيءٍ بًعِيد نَفْعُهُ الدّهْر سَاعِيًا
على أن "ما" نكرة موصوفة بنافع بمعنى شيء، وبعيد بالجر صفة جرت على غير من هي له، ونفعه فاعل بعيد، والدهر: ظرف لما بعده.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الأربعمائة:
(٤٩١) رُبّما تَكْرهُ النفُوسُ من الأمْر لهُ فرجةٌ كحلّ العقالِ
على أن "ما" يه أيضًا نكرة موصوفة، وقد أورده سيبويه في كتابه مرتين لذلك ال: رب لا يكون بعدها إلا نكرة، قال الأعلم: استشهد به على أن ما نكرة بتأويل شيء، ولذلك دخلت عليها رُبّ، لأنها لا تعمل إلا في نكرة، ولا تكون "ما" نا كافة، لأن في" تكره" ضميرًا عائدًا عليها ولا يضمر إلا الاسم، وكذلك الضمير في له عائد عليها، والمعنى: ربّ شيء تكرهه النفوس من الأمور الحادثة الشديدة وله فرجة تعقب الضيق والشدة كحل عقال المقيد. والرجة، بالفتح في الأمر، وبالضم في الحائط ونحوه. انتهى. ومثله في"إيضاح الشعر" لأبي على قال فيه: "ما" اسم منكور يدل على ذلك على ذلك دخول رب عليه، ولا يجوز أن تكون كافة كالتي في قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا) [الحجر/٢] لأن الذكر
[ ٥ / ٢١٢ ]
قد عاد إليها من قوله: له فرجة فلا يجوز مع رجوع الذكر أن تكون حرفًا، فالهاء في قولهط تكره" مرادة، والتقدير: تكرهه النفوس، وفرجة: مرتفعة بالظرف، وموضع الجملة جر. انتهى. وبقى كلام فيه فوائد شى أوردناه في الشاهد السابع والثلاثين بعد الأربعمائة من شواهد الرضى.
والبيت من قصيدة طويلة لأمية بن أبي الصلت ذكر فيها قصص الأنبياء وذكر فيها قصة إبراهيم وإسحاق ﵉، وزعم أنه هو الذبيح، وهو قول مشهور للعلماء، وهذه أبيات منها إلى البيت الشاهد:
قال يا أبي إني نذرتك للهِ شحيطًا فاصبر فدى لك خالي
فأجاب الغلام أن قال فيهِ كل شيء لله غير التحالِ
أبي إني جزيتك باللهِ تقيًا به على كل حالِ
فاقض ما قد نذرت لله واكففْ عن دمي أن يمسه سربالي
واشدد الصفد أن أحيدَ من السكين حيد الأسير ذي الأغلالِ
إنني آلم المح وإني لا أمس الأذقان ذات السبالِ
وله مدية نجيل في اللحم هذام جلية كالهلالِ
بينما يخلع السرابيل ابنك إني للذي قد فعلتما غير قاليِ
والد يتقي وآخر مولود فطار منه بسمع معالِ
ربما تكره النفوس من الأمرِ له فرجة كحل العقالِ
قال جامع ديوانه: جزيتك بالله: أطعتك بالله لما تقدم لك عندي. انتهى. والصفد: الحبل الذي يربط به، وقوله: أن أحيد، أي: خشية أن أحيد مضارع حاد عنه، أي مال عنه، وقوله: لا أمس الأذقان قال: إن كان ذبحتي
[ ٥ / ٢١٣ ]
لم أمسس ذقن إني لا أجزع، ولا أمنعك. انتهى. وذقن الإنسان مجمع لحيه، وأصل في الجمل يحمل الثقيل، فلا يقدر على النهوض، فيعتمد بذقته على الأرض، والبال: جمع سبة، وقوله: وله مدية الخ. قال: المدية السكين، تخيل: تمضي فيه من الخيلاء، والهدام: القاطعة السريعة، وجلية. انتهي. وجلاب بضم الجيم بمعنى جليل، وقال: السمع بالكسر: الذكر: الذكر، يقال: إن له لسمعًا حسنًا، أي: للذكرًا، والمعال: الشريف المرتفع، أي صار لهما شرفًا يذكرون به. انتهى.
وترجمة أمية بن أبي الصلت تقدمت في الأنشاد الواحد بعد الأربعمائة.
ووجدت البيت الشاهد في شعر لحنيف بن عمير اليشكري قاله لما قتل حكم بن الطفيل يوم اليمامة وهو:
يا سعاد الفؤاد بنت أثالِ طال ليلي بفتنه الرحالِ
إنها ياسعاد من حدث الدهرِ عليكم كفتنه الدجالِ
إن دين الرسول ديني وفي القومِ رجال على الهدى أمثاليِ
أهلك القوم محكم بن طفيل ورجال ليسوا لنا برجالِ
ربما تجزع النفوس من الأمر
وحنيف بالتصغير، قال ابن حجر: هو مخضرم ذكره المزباني، وروى. له هذه الأبيات عمر بن شبة، ووجد أيضًا في أبيات لأعرابي وهي:
ياقليل العزاء في الأهوالِ وكثير الهموم والأوجالِ
اصبر النفس عند كل ملمِ إن في الصبر حيلة المحتالِ
لا تضيقن بالأمر فقد يكشف ماؤها بغير احتيالِ
ربما تكره النفوس من الأمر .. البيت.
قال الصاغاني في" العباب": قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وكان قد هرب من الحجاج إلى اليمن يقول: كنت مختفيًا لا أخرج بالنهار، فطال على
[ ٥ / ٢١٤ ]
ذلك، فيينا أنا اعد وقت السحر مفكرًا سمعت رجلًا ينشد وهو مارُ:
رما تكره النفوس من الأمر .. البيت.
ومر خلفه رجل يقول: مات الحاج، قال أبو عمرو: فما أدري بأيهما كنت أفرح، أبموت الحجا، أم بقوله: رجة، بفتح الفاء، وكنا نقوله بضمها! انتهى.
وروى السيد المرتضى ﵀ عليه في"أماليه" عن الصولي أن منشدًا أنش إبراهيم بن العباس وهو في مجلسه في ديوان الضياع:
ربما تكره النفوس من الأمر البيت.
قال: فنكت بقلمه ساعة، ثم قال:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرجُ
كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرجُ
فعجب من جودة ديهته. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الأربعمائة:
(٤٩٢) فتلك ولاةُ السوء قد طال مكثها فحتام حتام العناء المولُ
على أن" ما" الاستفهامية يحذف ألفها إذا جرت بحرف جر بدليل التمثيل، قال الليلي في " شرح أدب الكاتب": أن كان الجار اسمًا متمكنًا لم يفعلوا ذلك، وقول العرب: محبيء م جئت ومثل م أنت، شاذ، وإنما جاء مع بعد وعند، لأنهما غير متمكنين، فألحقا بحروف الجر. انتهى.
[ ٥ / ٢١٥ ]
وقول المصنف يجب مسول "ما" نقله أبو حيان في "تذكرته" من كتاب "الترشيح" لخطاب بن يوسف المادري قال فيه: والمعروفة في اللغة أن تحذف ألف ما الاستفهامية مع حروف الجر، ومن العرب من يثبنها، فيقولك عن ما تسأل، وفيما ترغب، وذلك قليل قبيح. انتهى. وخالف الرضى في "شرح الكافية" فقال: وقد تحذف ألف ما الاستفهامية في الألعب عند انخرارها بحرف جر أو مضاف، وقال أيضًا في باب الوقف من "شرح الشافية": وبعض العرب ى يحذف الألف من ما الاستفهامية المجرورة، وهو في هذا تابع للفراء قال عند قوله تعالى) فناظرة بم يرجع المرسلين) [النمل/٣٥] إذا كانت "ما" في موضع أي، ثم وصلت بحرف خافض، نصت الألف من ما يعرف الاستفهام من الخبر، وأن أتممتها فصواب أنشدني المفضل:
أنا قتلنا بقتلانا سراتكم البيت
وأنشدني المفضل أيضًا:
على ما قام يشتمنا لئيم البيت. انتهي.
وقال الفراء عند قوله تعالى أيضًا: (بما غفر لي ربي) [يس/٢٧] ولو جعلت ما في معنى أي: كان صوابًا، ولو كان كذلك، لجاز فيه (بم غفرلي ربي) بنقصان الألف، وقد أتمها الشاعر وهي استفهام فقال:
أنا قتلتل بفتلاتا سراتكم البيت. انتهى.
وقد تبعه ابن الشجري أيضًا قال في المجلس الثامن والستين من" أماليه": فإن أدخلت عليها حرف خفض، لزمك في الأغلب حذف ألفها في اللفظ والخط،
[ ٥ / ٢١٦ ]
ومن العرب من يثبت الألف، قال حسان:
علاما قام يشتمي لشيمِ كخنزير تمرغ في دمانِ
والدمان: السرجين، وقال آخر:
إنا قتلنا بقتلانا سراتكمُ البيت.
وقال آخر:
فتلك ولا هى السوء قد طال عهدهاُ البيت. انتهى.
وأما حذف ألفها من غير جار، فنادر، قال صاحب" الترشيح": وقد يحذفها قوم، يعني ألف ما الاستفهامية في الوصل، فيقولون: م صنعت؟ و: م قلت؟
فأن لم تصلها بشيء بعدها، وقفت بالهاء، فقلت مه، قال:
ألام يقول النائحات ألامهْ ألا تندبا أهل الندى والكرامهْ
انتهى.
وقول المصنف: وعلة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر يستثنى من ما الخبرية ما إذا كانت مع شئت قال ابن قتيبة في "أدب الكتاب" تقول: ادع بم شئت، وسل عم شئت، وخذه بم شئت، وكن فيم شئت، إذا أردت معنى سل عن أي شيء شئت، نقصت الألف، وإن أردت: سل عن الذي أحببت، أتممت الألف إى مع شئت خاصة، فإن العرب تنقص الألف منها خاصة، تقول: ادع بم شئت في المعنيين جميعًا. انتهى، وكذا قال صاحب "الترشيح" قال: فأن كانت بمعنى الذي، أثبت الألف، وحكى أبو زيد أن من العرب من يقول: سل عم شئت، كأنهم حذفوا لكثرة الاستعمال، وهذا شاذ يحفظ كما وقع، ولا يصرف من لفظه غير ما سمع، لوقت: سل عما تشاء لم يجز، لأن لك أنما سمه مع شئت. انتهى. قوله: فتلك ولاة السوء: مبتدأ، وخبره جملة "قد طال مكثها" إما خبر آخر،
[ ٥ / ٢١٧ ]
وإما حال من الولاة، والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل، والأجود أن يكون ولاة الوء بدلا من اسم الإشارة، وجملة" قد طال مكثها" الخبر، لأنه محط الفائدة، والولاة: جمع وال وهو الذي يتولى أمور الناس، ويحكم بينهم من الخلفاء والعلماء والقضاة، وقوله: فحتام إلخ الجار والمجرور خبر مقدم، والعناء مبتدأ مؤخر، ووجب تقديم الخبر هنا، لأن الاستفهام له الصدر، وكرر توكيدًا وروي: قد طال عهدها، أي: زمنها.
وفي "المصباح": وعني يعني من باب تعب: إذا أصابه مشقة، ويعدى بالتضعيف، فيقال: عناه تعنية: إذا كلفه ما يشق عليه، والاسم العناء بالمد. انتهى. وقال العيني: العناء مبتدأ خبره محذوف تقديره منهم أو بين الناس، ونحو ذلك. انتهى، ونقله السيوطي وأقره، ولا يخفى أن قولخ: " فحتام" يبقى ضائعًا غير مرتبط بشيء، هذه والبين من قصيدة طويلة من القسائد السبع الهامشيات للكميت بن زيد الأسدي، حدث محمد بن سهل قال: دخلت مع الكميت على أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق في أيام التشريق، فقال له: جعلت فداك ألا أنشدك؟ قال: إفيكم، قال: هات فأنشده:
ألا هل عم في رأيه متأملٍ وهل مدبر بعد الإساءه مقبلُ
وهل أمة مستيقظون لدينهمِ فيكشف عنه النعسة المتزملُ
فقد طال هذا النوم واستخرج لبكرِى مساويهم لو أن ذا الميل يعدلُ
وعطلت الأحكام حتى كأننا على ملة غير التي نتنحلُ
كلام النبيين الهداه كلامنا وأفعال أهل الجاهلية نفعلُ
رضينا بدنيا لا نريد فراقها على أننا فيها نموت ونقتلُ
ونحن بها مستمسكون كأنها لنا جنة مما نخاف ومعقلُ
[ ٥ / ٢١٨ ]
فكثر البكاء، وارتفعت الأصوات، فلما مر على قوله في الحسين ﵁:
كأن حسينا والبهاليل حوله لأسيافهم ما يختلي المتقبلُ
وغاب نبي الله عنه وفقده على الناس رزء ما هناك مجللُ
فلم أر مخذولا أجل مصيبة وأوجب منه نصرة حين يخذلُ
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم فيا آخرأ أسرى له الغي أولُ
فتلك ولاة السوءقد طال عهدها فحتام حتام العناء المطولُ
فرفع أبو عبداله يديه، وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، وأعطه حتى يرضى. انتهى.
وقد تقدمت ترجمة الكميت في الإنشاد السابع من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الأربعمائة:
(٤٩٣) يا أبا الأسود لم خلفتنى لهوم طارقات وذكرْ
على أن تسكين الميم مخصوص بالشعر، أقول: لم يذكر هذا ابن عصفور في" الرائد الشعرية" بل رح ابن الشجري بأن تسكين الميم لغة قال: ومن العرب من يقول: لم فعلت بإسكان الميم، قال ابن مقبل:
أأخطل لم ذكرت نسا قيسٍ فما روعن منك ولا سبينا
وقال آخر:
ياأبا الأسود لم خلفتنى البيت.
وأنشد الفراء أيضًا هذا البيت، ولم يقل: إنه ضرورة، وخلفتني معناه: أخرتني، وروي بدله" خليني"، أي: تركتني، والطروق: الإتيان ليلًا، وإنما جعل الهموم طارلت، لأن الليل وقت اجتماع الأخران والمصائب، وذكر بكسر
[ ٥ / ٢١٩ ]
ففتح: جمع ذكرى على خلاف القياس، وقيل: جمع ذكرة على القياس، يقال: ذكرته بلساني وبقلبي ذكرى. والبيت مع كثرة تداوله في كتب الصرف والنحو لم يعرف قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد الأربعمائة:
(٤٩٤) على ما قامَ يشتمُني لئيمٌ كخنزيرٍ تمرَّغ في دَمانِ
على أن ثبوت ألف "ما" الاستفهامية المجرورة لضرورة الشعر، وقول المصنف: والدمان كالرماد وزنًا ومعنى، إلى آخر تفسيره، ورده إنما يصح بعد الثبوت، وإنما الرواية "في رماد" فإنّ رويّ الشعر دال، وإنما الرواة قد حرفوه، وتبعهم أبو علي في "الحجة" وابن جني في "المحتسب" وغيرهما، ورواه صاحب "اللباب" وشارحه القالي "في الدهان" بالهاء بعد الدال، ورواه المرادي في شرح الألفية "في تراب"، ورواه بعضهم "في رمال" وهذا كله خلاف الصّواب، ورواه السكري في ديوان حسان:
ففيم تقولُ يشتمني لئيمٌ
عليه لا شاهد فيه و"على" تعليلة، وقال ابن بري وابن يسعون في شرح أبيات "إيضاح الفارسي": زعم أبو الفتح أن قام هنا حشو زائد، وليس كذلك، لأنها تقتضي النهوض بالشمّ والتشمير فيه كما قال:
لدى باب هندٍ إذ تجرّد قائمًا
فليس هناك تجرد ولا قيام، ولكنّه يريد الجدّ والتشمير. وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": فأمّا قول حسان:
على ما قامَ يشتمني البيت.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
وقول الآخر:
فإنْ كُنتَ سيِّدَنَا سُدْتَنَا وإنْ كنتَ للخالِ فاذهبْ فخَل
فزعم أبو الفتح أن قام في البيت الأول، و"فاذهب" في البيت الثاني زائدتان، لأن المعنى: وإن كنت الخال فخل، وعلى م يشتمني، وأنهما زيدتا توكيدًا للكلام، وتمكينًا له، والصحيح أنهما غير زائدتين، لأنه لا موجب لزيادتهما، بل "قام" في بيت حسان ليست ضد فعل، بل معنى ثبت من قوله تعالى: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) [آل عمران/ ٧٥]، وكأنه قال: ما ثبت يشتمني لئيم، وكذلك: اذهب، له معنى لا يفهم إلا منه، ألا ترى أنَّ المعنى: إن سرتَ فينا سيرَ السادة المرضية، سُدتَنَا، وإن كنت تبغي الخال، فاذهب فاطلب لذلك قابلًا، وبه راضيًا، فإننا لا نقبل ذلك ولا نرضاه، ولو جعلت زائدة لا معنى لها، لكان الكلام يعطي ظاهره الرضى بالخال على الإدلال وهو خلاف مراد الشاعر. انتهى كلامه.
وقوله: كخنزير تفريض بكفره أو قبح منظره، لأنه مسخ مشوه أكَّال للقذر.
وقوله: تمرغ في رماد، تتميم لذّمِّه، والتغالي في هجوه، وإخساس لشأنه، واستهانة لأمره. انتهى كلامهما، والخنزير يدلُكُ نفسه بالشجر، ثم ليأتي للطين والحمأة، فيتلطخ بهما، وكلما يتساقط منه شيء عاد فيهما، فيكون في أقبح منظر.
قال الجاحظ في كتاب "الحيوان": العين تكره الخنزير جملة دون سائر المسوخ، لأن القرد وإن كان مسيخًا، فهو مستملح، والفيل عجيب ظريف بهي وإن كان سمجًا قبيحًا. انتهى.
والبيت من أبيات قالها حسان ﵁ في هجو بني عابد - بموحدة بعدها دال مهملة - ابن عبد الله بن عمير بن مخزوم، قال البلاذري: لم يكن لهم
[ ٥ / ٢٢١ ]
هجرة ولا سابقة قال: وقال الأثرم عن أبي حبيرة: قال حسان هذا الشعر في رفيع ابن صيفي بن عابد، وقتل رفيع يوم بدر كافرًا، والأبيات هذه:
إنْ تصلُحْ فإنَّكَ عابديٌ وصُلْحُ العابديِّ إلى فسادِ
وإنْ تفسُدْ فمَا أُلفيتَ إلاَّ بعيدًا ما عَلِمْتُ من السَّدادِ
وتلقاهُ على ما كان فيهِ من الهفواتِ أو نُوكِ الفؤادِ
مبينَ الغيِّ لا يعيي عليهِ ويعيي بعدُ عنْ سُبُلِ الرشادِ
ففيم تقولُ يشتمني لئيمٌ كخنزيرٍ تمرَّغَ في رمادِ
فأشهَدُ أن أمَّكض مِ البغايَا وأنَّ أباكَ من شرِّ العبادِ
فلنْ أنفَكَّ أهْجُو عابديَّا طوالَ الدهرِ ما نادَى المنادِي
وقد سارتْ قوافٍ باقياتٌ تناشدها الرُّواةُ بكلِّ وادٍ
فقبحَ عابدٌ وبني أبيهِ فإنَّ معادَهُمْ شرُّ المعادِ
وقوله: "إن تصلح" فيه خرم، ورواه بعضهم: "وإن تصلح" فلا خرم. والسداد بالفتح: الرشد والاستقامة، والهفوات: السقطات، والنوك بالضم: الحمق، وهو نقص في العقل، وأراد به البلادة، وعدم الاهتداء للمقصود، ولهذا أضافه إلى الفؤاد، وقوله: مُبينَ الغيِّ بالنصب: حال من مفعول تلقاه، وقوله: م البغايا أصله: من البغايا، وهو لغة في "من"، والبغي: المرأة الفاجرة، وطوال الدهر بالفتح: طول الدهر، وقوله: فقبح بالبناء للمفعول على الدعاء، وبني أبيه: مفعول معه. وتجرمة حسان تقدمت في الإنشاد التاسع والتسعين.
[ ٥ / ٢٢٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الأربعمائة:
أنَّا قَتَلنَا بِقَتَلانَا سَرَاتَكُمُ أهلَ اللواءِ ففِيمَأ يَكثُرُ القِيلُ
لما تقدَّم قبله من ثبوت ألف ما الاستفهامية المجرورية لضرورة الشعر، وتقدَّم ما فيه. وقوله: أنّا قتلنا بفتح الهمزة لأنها مع معمولها في تأويل مصدر مفعول لأبلغ في بيت قبله كما سيأتي، وروي: أن قد قتلنا، فتكون أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والباء للمقابلة، أي: قتلنا منكم نظير من قتلتم منّا، والقتلى: جمع قتيل، والسراة بفتح السين: اسم جمع بمعنى الأشراف، وتقدَّم تحقيقه في "أما" بالتخفيف، وأهل اللواء: بدل من سراتكم أو عطف بيان، قال ابن الأنباري في كتاب "المقصور والممدود": اللواء الذي يُعقد للموالي ممدود، قالت ليلى الأخيلية:
حَتَّى إذَا برزَ اللواءُ رأيتَهُ تحتَ اللواءِ على الخمِيسِ زَعِيما
وقال كعب بن مالك:
أنّا قتلنَا بقتلانَا سرَاتَكُمُ البيت.
وأهل اللواء: هم بنو عبد الدار من مشركي قريش كانوا أصحاب اللواء في وقعة بدر، وفي وقعة أحد، وكان عثمان بن أبي طلحة يوم أُحد حامل لواء المشركين، وهو يقول:
إنَّ عَلى أهلِ اللِّوَاء حقّا أن يخضِبُوا الصَّعْدَةَ أَوْ تنْدقَّا
فقتله حمزة ﵁، والتقى حنظلة بن أبي عامر الغسيل وأبو سُفيان، فلمّا استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود وهو ابن شَعوب، وقد علا أبا سفيان، فضربه شداد، فقتله، فقال رسول الله ﷺ يعني حنظلة: "إنَّ صاحِبَكُم لتُغَسِّلُهُ الملائكةُ، فسلوا أهله ما شأنه؟ "، فسئلت امرأته عنه،
[ ٥ / ٢٢٣ ]
فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، ثمَّ أنزل الله نصره على المسلمين، فحسوهم بالسّيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وهربت النساء مشمرات، ولم يزل اللواء صريعًا حتى أخذته عمرة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به، وكان اللَّواء مع صُؤاب، غلام حبشي لبني أبي طلحة، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعنقه، حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهمَّ هل أعذرت، فقال حسان في ذلك:
فَخَرْتُمْ باللواءِ وشرُّ فَخْرٍ لِواءٌ حينَ رُدَّ إلى صُؤابِ
جعلتُمْ فخرَكُمْ فيهِ لعبدٍ وألأمُ مَنْ يطَا عَفَرَ التُّرَابِ
ولما مالت الرماة إلى العسكر، وخلا ظهور المسلمين للخيل، فجاء المشركون من خلفهم، وصرخ صارخ: إلا إنَّ محمدًا قد قُتل، فانكفؤوا على المسلمين بعد أن أصابوا أصحاب اللواء حتى ما يدنو أحد من القوم إليه، وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة، وهذا معنى قول كعب بن مالك ﵁:
فَفِيمَا يكثُرُ القِيلُ
يعني، إنّا نلنا منكم، ونلتم منّا، ففي أيّ شيء يكثر قولكم وفخركم؟
وقد تصحفت الكلمة الأخيرة من البيت بالقتل بالمثناة الفوقية، فقال في البيت كلام من جهة العروض، وذلك أنه من بحر البسيط من عروضه الأولى وضربها الثاني وهو المقطوع، كأنَّ أصله (فاعلن) حذفت نونه، وسكنت لامه، فصارت (فعلن) بإسكان العين، فقد ذهب منه زنة متحرك، وما ذهب ذلك منه وجب أن يكون مردفًا، أي: يؤتى قبل حرف الروي بحرف لين، وهذا البيت غير مردوف،
[ ٥ / ٢٢٤ ]
ففيه مخالفة لما قرّره العروضيّون. انتهى كلامه. وتبعه جميع من بعده من الشراح كالشّمُنِّي وابن الملا الحلبي وابن وحيي الرّومي، والسيوطي لم يقل شيئًا، بل بيض له ومضى، والعجب منهم، فإنَّ هذا البيت في غالب كتب النحو، وهو مكتوب فيها "القيل" بالمثناة التحتية، وهو من قصيدة مشهورة في كتب السير كسيرة ابن هشام وسيرة الكلاعي وغيرهما، لكعب بن مالك الصحابي ﵁ أجاب بها ضرار ابن الخطاب، وعمرو بن العاص لما افتخرا بانكشاف المسلمين يوم أحد، وهذا مطلعها:
أَبْلِغْ قُريشًا وخيرُ القولِ أصدَقُهُ والصِّدقٌ عندَ ذوِي الألباب مقبولُ
أنْ قدْ قتلنَا بِقتْلانا سَرَاتَكُمُ أهلَ اللواءِ ففيما يكثُرُ القيلُ
ويومَ بدرٍ لقناكم لنا مددٌ فيه مع النصرِ ميكالٌ وجبريلُ
إن تقتلونا فدينُ الحقِّ فِطرتُنَا والقتلُ في الحقِّ عندَ اللهِ تفضِيلُ
وإن تروا أمرنا في رأيِكم سَفَهًا فرأيُ مَنْ خالفَ الإسلامَ تضليلُ
إنا بَنُو الحربِ نمرِيها ونَنْتُجُهَا وعِندَنَا لذّوي الأضغانِ تنكيلُ
إن ينجُ منهَا ابنُ حَرِبٍ بعدما بَلَغَتْ مِنْهُ التَّرَاقي وَأَمْرُ اللهِ مفعُولُ
فقدْ أفادتْ لَهُ حِلْمًا وموعِظَةً لمَنْ يكونُ لهُ لُبٌّ ومَعْقُولُ
ولو هبطتُم بِبَطْنِ السيلِ كافحكمْ ضربٌ بشاكلةِ البطحاءِ ترْعيلُ
تَلْقاكُمُ عَصَبٌ حولَ النبيِّ لهُمْ ممّا يُعِدُّونَ للهَيْجَا سَرَابيلُ
مِنْ جِذْمِ غَسَّانَ مُستَرْخٍ حمائلهم لا جُبَنَاءُ ولا مِيْلٌ مَعَازِيلُ
وبقي بعد هذا اثنا عشر بيتًا. وترجمة كعب بن مالك الأنصاري تقدَّمت في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.
[ ٥ / ٢٢٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتشعون بعد الأربعمائة:
ألَا تَسْأَلَانِ المرءَ مَاذَا يُحَاوِلُ أنَحْبٌ فَيُقضَى أمْ ضَلَالٌ وَبَاطِلُ
على أنَّ ما استفهامية مبتدأ، وذا، اسم موصول، خبره، ويحاول: صلته، وهذا مذهب سيبويه في البيت، قال في "الكتاب" أما إجراؤهم "ذا" بمنزلة الذي، فهو قولهم: ماذا رأيت؟ فيقول: متاع حسن، وقال لبيد:
ألاّ تسألانيِ المَرْءَ ماذا يحاوِلُ البيت.
قال الأعلم: التقدير ما الذي يحاول، فما: مبتدأ، وذا: خبره، ويحاول: صلة ذا، كأنه قال: أي شيء الذي يحاوله، بدليل قوله: أنحب، ولو كان ذا مع ما كشيء واحد، لكان ماذا منصوبًا بيحاول، وكان مفسره الذي هو نحب منصوبًا، لأنه استفهام مفسر للاستفهام الأول، فهو على إعرابه، ولوجب أن يقال: أنحبًا فيقضي أم ضلالًا وباطلًا. انتهى. وكذا مذهب أبي علي في "الحجة" قال عند قوله تعالى: (قُلِ الْعَفْوَ) [٢١٩] من سورة البقرة كأنه لما قال: ما الذي يحاوله أبدل بعدُ؛ فقال: أنحب، أي: الذي يحاوله نحب فيقضى، أم ضلال وباطل، فقوله: فيُقضى في موضع نصب على أنّه جواب الاستفهام، وليس بمعطوف على ما في الصلة، ولو كان كذلك لكان رفعًا، ومثله في "إيضاح الشعر" قال: كأنّه قال: ما الذي يحاوله، آلذي يحاوله نحب أم ضلال؟ ولو كان ذا مع "ما" في
[ ٥ / ٢٢٦ ]
البيت اسمًا كان كما كان في قوله تعالى: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) [النحل/ ٣٠] لكان النحب نصبًا. انتهى.
وقال ابن السيد في شرح "أبيات الجمل": من اعتقد في نحب البدل، فموضع "ما" رفع على كلّ حال، ومن اعتقد أن قوله: أنحب خبر مبتدأ مضمر كأنّه قال: أهو نحب، جاز أنت تكون "ما" مرفوعة المحل، وجاز أن تكون منصوبة الموضع. انتهى.
أقول: من هذا أخذ الدماميني اعتراضه على المصنف، وشذ المحقق الرضي فجعل "ذا" زائدة، وقوله: ألا تسألان، خطاب لصاحبين له، وقيل: إنما هو خطاب واحد، فزعم بعضهم أنَّ العرب تخاطب الواحد بخطاب الاثنين، وحكي عن بعض الفصحاء وهو الحجاج، يا حرسي اضربا عنقه، ومثله قوله تعالى: (ألْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) [ق/ ٢٤] فإنه خطاب للملك، وهذا شيء ينكره حذاق البصريين، لأنه إذا خوطب الواحد بخطاب الاثنين يقع اللّبس، وذهب المبرد إلى أن التثنية للتوكيد تؤدي عن معنى: ألقِ ألقِ.
والسؤال هنا بمعنى الاستفهام، وألا: للاستفتاح، والمحاولة: استعمال الحيلة، وهي الحذق في تدبير الأمور، ولام المرء للعهد الذهني وهو الساعي في تحصيل الدّنيا، وقيل: يعني به نفسه، وقيل: اللاّم للجنس لا يعني به معينًا، والنحب: النذر، يقول: اسألوا هذا الحريصَ على الدّنيا عن هذا الّذي هو فيه، أهو نذر نذره على نفسه فرأى أنَّه لا بدَّ من فعله، أم هو ضلال وباطل من أمره. وقد أخطأ العيني هنا في زعمه أن جملة "يقضي" صفة لنحب، فإنَّ الفاء مانعة من الوصفية.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
والبيت مطلع قصيدة للبيد العامري الصحابي، وتقدَّم بعض منها مع ترجمته في الإنشاد الواحد والستين، وبعض آخر في الإنشاد الرابع بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد الأربعمائة:
يَا خُرزَ تَغلِبَ مَاذَا بالُ نِسوَتِكُمْ
وتمامه:
لَا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيْرَيْنِ تَحْنَانَا
على أنَّ "ماذا" كلّه استفهام مركب في محلّ رفع على الابتداء، وبال: خبره، واعترض الدماميني بأنَّ هذا لا يتعين لجواز أن تكون ما استفهامية، وذا موصولًا، وصدر الصلة محذوفًا، أي: ما الذي هو حال نسوتكم، وبردّه قول أبي علي في "الحجة": إنما قوله: ماذا بال نسوتكم بمنزلة: ما بال نسوتكم، فاستعملوا ماذا استعمال ما، من غير أن ينضم إليها ذا، ألا ترى أنَّك لو حملت ذا على الذي في البيت لم يسهل ما الذي هو بال نسوتكم، لأن السمتعمل: ما بالك، دون الآخر. فإنما جعل ماذا بمنزلة ما. انتهى.
ولقد أجاد ابن المنلافي الرد بقوله: ولا يخفى ما فيه من الركاكة مع أنَّه لم يُسمع: ما الذي هو بالك، وسُمِع: ما بالك؟
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل النصراني، وقد أورد ابن خلكان هذا البيت في ترجمة جرير، وقال: خُزر جمع أخزر وهو الذي في عينه ضيق [وصغر]، وهذا وصف العجم، فكأنه نسبه إلى العجم، وأخرجه عن العرب
[ ٥ / ٢٢٨ ]
وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة، وقال ابن جني في بحث النّون من "سرّ السناعة": قيل في قول جرير:
لا تفخَرَنَّ فإنَّ اللهَ أنزلكُمْ يا خُزْرَ تَغْلِبَ دَارَ الذُّلِّ والعارِ
إنَّه أراد بالخُزر: الخنازير، لأنَّ كلّ خنزير عندهم أخزر، وأنكر ذلك أحمد بن يحيى، فقال: خزر جماعة خنزير على حذف الزوائد، ظنَّ النّون زائدة، وإنما هي هنا أصل. انتهى.
والبال: الحال والشأن، ولا يستفقن: من استفاق من سكره: إذا صحا، وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ما استشعرت من حالهنّ حتى استفهمت عنهنّ، و"إلى" متعلقة بتحنان على القول بجوازه، وتحنان: تمييز، وقيل: مفعول لأجله، والتحنان: مصدر كالحنين بمعنى الشوق، يقال: حنَّ إليه إذا اشتاقه، والديرين، مثنى دبر، وهو خان النّصارى، كذا في "القاموس"، قال الأصمعي في قول جرير:
لمَّا تذكَّرْتُ بالدَّيرينِ أرَّقَني صَوْتُ الدَّجاجِ وضَرْبٌ بالنواقيسِ
أراد: ديرًا واحدًا، كما قال بشر:
وفيهّا عَنْ أبانين ازوِرَارُ
أراد أبانا فثناه للضرورة. نقله عنه البكري في "معجم ما استعجم" عند ذكر أبان. وبعد هذا البيت:
لمَّا رّوِيْنض على الخِنزيرِ مِنْ سَكَرٍ ناديْنَ يا أعظَمَ القَسَّينِ جُرْدَانا
هل تترُكُنَّ إلى القسَّينِ هِجرَتَكم ومَسْحَهُمْ صُلْبَهُم رْخَمان قربانا
[ ٥ / ٢٢٩ ]
لن تَدرِكوا المجدَ أو تشروا عباءتكمْ بالحَزِّ أو تجعَلُوا التَّنوُّمَ ضُمْرَانَا
وهذا آخر القصيدة. وروين بكسر الواو: ارتوين، والسَّكَر بفتحتين: الخمر والنبيذ، وقوله: على الخنزير، أي: على لحم الخنزير: والقسين، بالفتح وتشديد السين المفتوحة، قال السيوطي: موضع، وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر" يريد: هل تتركن مسحكم صلبكم، وقولكم: يا رخمان قربانًا، كأنه عيَّرهم اللُّكنة التي في النصارى، فحذف المصدر "قولكم" وهو من قبيل الموصولات، وأبقى صلته وهو: يا رحمن قربانًا، لأنَّه في موضع مفعول به. انتهى. وتشروا: تبيعوا علق دركهم المجد بالمحال، لأنَّ العباءة لا يشترى بها الخزّ، ولا يصير التنوم ضمران، بالفتح، وهما شجرات. وترجمة جرير تقدَّمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد الأربعمائة:
دَعِي مّاذَا عَلِمْتِ سأتَّقِيهِ ولكِنْ بالمُغَيَّبِ نَبِّئِيني
على أنَّ في ماذا الواقعة فيه خلافًا بين النحويين، قال سيبويه: وأما إجراؤهم ذا مع ما بمنزلة اسم واحد، فهو قولك: ماذا رأيت؟ فتقول خيرًا، كأنك قلت: ما رأيت، فلو كانت ذا لغوًا لما قالت العرب: عماذا تسأل، ولقالوا: عم ذا تسأل، ولكنهم جعلوا ما وذا اسمًا واحدًا، كما جعلوا ما وإنَّ حرفًا واحدًا حين قالوا: إنما، ومثل ذلك كأنما وحيثما في الجزاء، ولو كان ذا بمنزلة الذي [في ذا الموضع البتة] لكان الوجه في ماذا رأيت إذا أراد الجواب أن يقول: خير، وقال الشاعر،
[ ٥ / ٢٣٠ ]
وسمعنا بعض العرب يقوله:
دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ سأتَّقيهِ البيت.
فـ "الذي" لا يجوز في هذا الموضع، و"ما" لا يحسن أن تلغيها، إلى هنا كلام سيبويه. قال السيرافي: إن قيل: هلا جعلتم "ذا" زائدة، وجعلتم "ما" للاستفهام، أو بمعنى الذي كما كانت قبل "ذا" ويكون (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) [النحل/ ٣٠] بتقدير ما أنزل، ودعي ماذا علمت بتقدير: دعي ما علمت، كما يقال: دعي الذي علمت سأتقيه، فإنَّ سيبويه استدلَّ على بطلان هذا بشيئين، أحدهما: أن "ذا" لو كانت زائدة، لوجب أن يُقال: عم ذا تسأل، وثانيهما أنها لو كانت زائدة، وقيل: ماذا تصنع كانت ما في موضع نصب، ويكون حقيقة جوابه منصوبًا، فلما قال: أنحب فيقضى، وهو بدل من "ما" عُلم أنَّ "ما" في موضع رفع، وقد يجوز أن يكون حرف الاستفهام في كلام السائل نصبًا، وفي كلام المجيب رفعًا على الاستئناف، والوجه حمل الجواب علا ما يوجبه إعراب السؤال، ويجوز أيضًا أن يكون لفظ الاستفهام في موضع رفع، ويكون الجواب نصبًا محمولًا على الفعل الذي في الكلام، لأنَّ المعنى لا يتغير كقولك: زيدًا، إذا قيل لك: من الذي رأيت؟ كأنك قلت: رأيت زيدًا، وأما قوله:
دّعِي مّاذّا عَلِمْتِ سأتَّقِيهِ
فالحرفان جميعًا بمعنى الذي، وعلمت صلة، والعائد محذوف، أي: علمته، وسبيل "ماذا" في كونها بمعنى الذي كسبيل "ما" وحدها إذا كانت بمعنى الذي. فإن قيل: هلا جعلتم ما زائدة، وجعلتم "ذا" وحدها بمعنى الذي، كما قال تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ) [طه: ١٧] تلك بمعنى التي، وبيمينك صلة؟ فالجواب: أنَّ تلك وهذا وما جرى مجراهما من أسماء الإشارة لا يكنّ عند أصحابنا بمعنى الذي
[ ٥ / ٢٣١ ]
وأخواتها، إلاَّ "ذا" وحدها إذا كان قبلها ما، فلمّا كانت ذا لا تكون بمنزلة الذي حتى يكون قبلها ما، لم يجز أن تكون "ما" زائدة إذا كان إخراجها من الكلام يبطل المعنى المقصود بذا. إلى هنا كلام السيرافي.
وقال أبو علي في "الحجة": كأنه قال: دعي شيئًا علمت، ألا ترى أنَّك لو لم تجعلها اسمًا واحدًا لجعلت "ما" استفهامًا ولاي جوز وقوع "دعي" ونحوه من الأفعال قبل الاستفهام، ولا يعلق عنه. انتهى. وكذا قال في "المسائل المنثورة" ونقلنا كلامه وكلام غيره في الشاهد الرابع والأربعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
والتاء من علمتِ مكسورة: خطاب لامرأة، فإن كانت مضمومة فلا استفهام إذ المعنى دعي ما علمته أنا، وخبريني ما جهلته.
والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف أصحابها، وزعم العيني، وتبعه السيوطي أنه من قصيدة للمثقب العبدي التي مطلعها:
أفاطِمُ قبلَ بينكِ متِّعيني ومنعُكِ مَا سألتُ كأنْ تَبِيني
وهذا لا أصل له، وإن كان الروي والوزن متفقين، فإنَّ قصيدة المثقب قد رواها جماعة منهم المفضل الضبي في "المفضليات"، ومنهم أبو علي القالي في "أماليه" وفي "ذيل أماليه" وليس هذا البيت فيها، ولم يعزه أحد من خدمة كتاب
[ ٥ / ٢٣٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الأربعمائة:
أَنَوْرًا سَرْعَ مّاذَا يَا فَرُوقُ
وتمامه:
وحَبْلُ الوصلِ مُنتَكِثٌ حّذِيقُ
على أنَّ ما فيه زائدة، وذا للإشارة، والهمزة في أوله للاستفهام التوبيخي، قال ابن السكيت في أوائل "إصلاح المنطق": يقال: امرأة نَوار، ونسوةٌ نُور: إذا كانت تنفر من الريبة وغيرها مما يكره، يقال: قد نارت تنور نَوْرًا ونِوارًا، قال العجَّاج:
يخلِطْنَ بالتأنُّسِ النِّوَارَا
وقال الباهلي:
أنَوْرًا سَرْعَ ماذَا يا فَرُوقُ
وقوله: سَرْعَ، أراد سَرُعَ ماذا، فخفّف، كما يقال: عَظُمَ البطنَ بَطْنُكَ، و: عَظْمَ البطنُ بطنُكَ، ويقال: عُظْمَ البطنُ بطنُكَ، يخففون ضمة الظاء، وينقلونها إلى العين، وغنما يكون النقل فيما كان مدحًا أو ذمًا، فإذا لم يكن أحدهما، كان الضم والتخفيف، ولم يكن النقل. انتهى. فسرع فيه التخفيف بحذف الضمة، ولا نقل. قال التبريزي في "تهذيب إصلاح المنطق": الشعر لزغبة الباهلي، أو لمالك بن زغبة، والحذيق: المقطوع، يقال: حذق الشيء: إذا قطعه، والمنتكث: المنتقض من قولك: نكثت العهد: إذا نقضته، والفروق: التي تفْرَق، وحبل الوصل الذي بينه وبينها، أراد: أنفارًا يا فروق؟ انتهى.
قال الصَّاغاني في "العباب" في مادة نور، وفي مادة حذق: هذا البيت أنشده
[ ٥ / ٢٣٣ ]
الأزهري لمالك بن زُغْبة الباهلية، وإنما هو لجزء بن رياح الباهلية. قال السيوطي: ثم وقفت على القصيدة بتمامها في "القصائد الأصمعيات"، وعزاها لأبي شقيق الباهلي، واسمه جزء بن رباح الباهلي قالها في يوم إرمام وهي نيّف وعشرون بيتًا، ثمَّ أورد بيتين من أوّلها. وجزَء، بفتح الجيم وسكون الزّاء المعجمة بعدها همزة، ورياح بالمثناة التحتية، ولم أر في أيّام العرب يوم إرمام، وذكره ياقوت في "معجم البلدان" قال: إرمام اسم جبل في ديار باهلة بن أعصُر، وقيل: إرمام واد من ديار بني أسد، وقيل: واد بين الحاجر وفيد، ويوم إرمام من أيام العرب. انتهى. ولم يضبطه على خلاف عادته، والذي قاله أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": إرمام بكسر أوَّلِه وبميمين كأنّه مصدر أرمّ إرمامًا: موضع في ديار طيَ أو ما يليها. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسمائة:
إنِ العقلُ في أموالِنَا لا نضِقْ بها ذِرَاعًا وإنْ صبْرًا فنصبِرُ للصَّبْرِ
على أنَّ فعل الشرط محذوف تقديره: إن يكن العقل، وإن نُحبسْ حبسًا. كذا رواه ابن الشجري في المجلس الثامن والستين من "أماليه" وقدر المضمر، وتبعه المصنف، فيكون المحذوف في الأول فعل الشرط فقط، والعقل فاعله، والمحذوف في الثاني جملة الشرط من الفعل والفاعل، ويكون الصبر بمعنى الحبس، وهذا خلاف ما رواه سيبويه، أورده في باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف، قال فيه بعد أن مثل بقولك: المرء مقتول بما قتل به إن خنجرًا فخنجر، وإن سيفًا
[ ٥ / ٢٣٤ ]
فسيف، وزعم يونس أنَّ العرب تنشد هذا البيت لهدبة:
فَإنْ تَكُ في أموالِنَا لا نَضِقْ بها ذِرَاعًا وإنْ صبْرٌ فنصبرُ للصَّبرِ
والنصب فيه جيّد بالغ على التفسير الأوَّل، والرفع على قوله: وإن وقع صبر، وإن كان فينا صبر فنصبر. انتهى. قال الأعلم: "الشاهد فيه حمل ما بعد إن على إضمار فعل مع جواز الرفع والنصب فيه، وتقدير الرفع: إن وقع صبر، وتقدير النصب: إن كان الذي يقع ويجب صبرًا. انتهى.
وقال ابن خلف: الشاهد أنه رفع صبرًا بإضمار كان، وجعلها سيبوية تامّة لا تحتاج إلى خبر محذوف، ذكره سيبويه في أوَّل هذا الباب، وليس في كلّ شيء من هذا الباب تقع كان تامّة نحو قولهم: المرء مقتول بما قتل به .. الخ، لا يحسن فيه أن يقال: إن وقع خنجر، وإن حدث خنجر، والمعنى: إن كان فيما قتل به خنجر لا يحسن فيه إلاَّ كان الناقصة. انتهى. وكذا رواه المبرد في أواخر "الكامل".
وهو من أبيات لهُدْبة بن خشرَم قالها عند معاوية، وذلك أنَّ هُدبة قتل ابن عمه زيادة بن زيد، فرفعه أخوه عبد الرحمن بن زيد إلى ابن العاصي، وكان أمير المدينة، فكره سعيد الحكم بينهما فأرسلهما إلى معاوية بالشام، فلمّا صارا بين يديه، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك مظلمتي وقتل أخي، فقال معاوية لهدبة: ما تقول؟ قال هدبة: أتحب أن يكون الجواب شعرًا أم نثرًا؟ قال: بل شعرًا، فإنّه أنفع، فقال هُدبة:
ألا يا لقومي للنوائبِ والدَّهْرِ وللمرء يُرْدِي نفسَهُ وهوَ لا يدري
إلى أن قال:
فلمَّا رأيتُ أنما هي ضربةٌ من السيفِ أو إغضاءُ عينٍ على وِتْرِ
عمدْتُ لأمرِ لا يُعَيِّرُ والدِي خَزَايَتُهُه ولا يسَبُّ به قبرِي
رُمينا فرامينَا فصادَفَ سَهْمُنا منيةَ نفسٍ في كتابٍ وفي قَدْرِ
[ ٥ / ٢٣٥ ]
فَمَا تقضِ فينا اليومَ بالحقِّ لا يبُؤْ بخزيٍ ولا يخرُجْ عنِ الحقِّ من شِبرِ
وأنتَ أميرُ المؤمنينَ فما لنَا وراءَكَ مِنْ مَعْدىً ولا عنكَ منْ قصرِ
فإِنْ تَكُ في أموالِنَا لا نضِقْ بهَا البيت
فقال له معاوية: أراك قد أقررت يا هُدبة، قال: هو ذاك، فقال له عبد الرحمن: أقدني، فكره ذلك معاوية، وضنَّ بهُدْبة عن القتل، وكان ابنُ زيادة صغيرًا، فقال له معاوية: وما عليك أن تشفي صدرك، وتحرِم غيركّ ثم وجه به إلى المدينة، فقال: يحبس إلى أني بلغ ابن زيادة، وقد ذكرنا بقية خبره إلى أن قُتل في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد المائة.
قال ابن خلف: يقول: رمينا من جهة بني عمّنا، فراميناهم، فأصاب رميُنا من لم نرد قتله منهم إلا أنه كان قد قضى عليه القتل، يقول: وأنت أمير المؤمنين، والغاية في الحكام، فما لنا وراءك من معدىً، أي: من مُتَجاوزٍ، يعني: أنّه ليس فوقك من يحكم من أحد، وينظر في أمور الناس نتجاوزك إليه، والأمراء والحكّام والولاة كلّهم من قِبَلِكَ، ولا عنك من قصر، أي: لا يمكننا أن نقصر عنك في إتيانك، فنأتي غيرك، فما تقض فين اليوم لا يبوء بخزي، أي: لا يرجع بخزي في شيء تقضيه علينا، لأنه لا بدَّ من التزام أمر السلطان، وقوله: ولا يخرج عن الحق من بشر، يقول: لا يخرج قضاؤك عن الحق قدر شبر، ففي يخرج ضمير القضاء، وإن لم يجر ذكره، لأن قوله: فما تقض يدل عليه، وكذلك ضمير تك للدية، لأنها معلومة من المقام، والصبر: القتل موثقًا. انتهى. والعقل في رواية المصنف: الدية أيضًا، قال الأصمعي: سميت عقلًا تسمية بالمصدر، لأنَّ الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، والمال عند العرب: الإبل، وضاق بالأمر ذرعًا وذراعًا: عجز عن احتماله، وهما طاقة الإنسان التي يبلغها، والخزاية، بالفتح: الفضيحة، وقصر، بالضم: التقصير، ويبوء: مضارع باء بمعنى: رجع.
[ ٥ / ٢٣٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الخمسمائة:
بما تكُ يا ابنَ عبدِ اللهِ فينا فلا ظُلمًا نخافُ ولا افتقارَا
على أنَّ ابن مالك قال: إنَّ "ما" فيه زمانية بمعنى، أيّ زمن، قال في "الكافية":
وقد أتتْ مهمَا ومَا ظَرفَيْنِ في شواهِدٍ مَنْ يعتضِدْ بها كُفِي
وقال في شرحها: وإنما قلت ذلك، لأنَّ جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من في لزوم التجرّد عن الظرفية، مع أنَّ استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب، كقول الفرزدق:
وما تحي لا أرهَب وإن كنتُ جارِمًا ولو عُدًّ أعدائي عليَّ لهُمْ دَخْلا
وكقوله:
وما تَكُ يا ابن عبد الله فينا فلا ظُلمًا نخافُ ولا افتقارا
وكقوله:
فما تحي لا أخشَ العدوَّ ولا أزَلْ على الناسِ أعلو من ذُرى المجدِ مفرَعا
وكقول تميم العجلاني:
ولوْ كُحِلَتْ حَوَاجِبُ خَيْلِ قَيْسٍ بتغلِبَ بعدَ كلبٍ ما قذيِنَا
فما تسلمْ لكُمْ أفراس قيسٍ فلا ترجُو البناتِ ولا البنينا
وكقول عبد الله بن الزبير الأسدي
فما تحيّ لا نسأَمْ حياةً وإن تمُتْ فلا خيرَ في الدُّنيا ولا العيش أجمَعا
[ ٥ / ٢٣٧ ]
وقال طُفيل الغنوي:
نُبِّئْتُ أنَّ أبَا شُيَيْمٍ يدَّعي مَهْمَا نَعِشْ نسَمَعْ بما لم نَسْمَعِ
وكقول حاتم الطائي:
وإنَّكَ مَهْما تُعْطِ بطنَكَ سُؤْلَهُ وفرْجَكَ نالا مُنتهى الذَّمِّ أجْمَعَا
هذا آخر كلامه. قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد ما نقل هذا وغيره: قد ردَّ على المصنف دعواه أنَّ ما ومهما يكونان ظرفين في الشرط ابنُهُ بدر الدين، فكفانا الرد عليه، فقال: لا أدري في هذه الأبيات حجة، لأنه كما يصح تقدير ما ومهما بظرف زمان، كذلك يصح تقديرها بالمصدر على معنى: أيّ كون قصير أو طويل تكون فينا، وأيّ! حياة هنيَّةٍ أو غير هنيَّةٍ تحي لا نسأم، وأيّ عطاء قليلًا أو كثيرًا تُعط بطنك، لكن يتعين جعل ما ومهما في الأبيات المذكورة مصدرين، لأنَّ في كونهما ظرفين شذوذًا وقولًا بما لا يعرفه جميع النحويين، بخلاف كونهما مصدرين، لأنه لا مانع من أن يكني بما ومهما عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع أن يكنّي بهما عن المفعول به، إذ لا فرق. انتهى ما ردَّ به ابن المصنف على والده، رحمهما الله. ويحتمل عندي بيت حاتم توجيهًا آخر غير ما ذكره ابن المصنّف، وهو أن يكون "مهما" مفعولًا ثانيًا لتعط، بطنك مفعولًا أوَّل، وسؤله بدل من بطنك لا مفعول ثان، فلا يكون في البيت حجة على استعمال مهما ظرفًا، فتكون مهما في البيت نظيرها في قول امرئ القيس:
وأنَّكِ مَهْمَا تأمُرِي القلب يَفْعَلِ
إلى هنا كلام أبي حيّان.
والبيت الشاهد من قصيدة للفرزدق، كما قال ابن مالك، وأنشده أبو علي أيضًا في "البغداديات" قال: وأخبرني أبو بكر عن أبي العباس قال: أنشدني أبو عثمان للفرزدق:
[ ٥ / ٢٣٨ ]
فَما تَكُ يَا ابْنَ عبدِ اللهِ فينَا فلا ظُلْمًا نخافُ ولا افتِقَارَا
قال: يريدكم كنت فينا، فأدخل "ما" على "كم" هذا لفظ كتابي عن أبي بكر. انتهى.
وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أوَّل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد الخمسمائة:
ومَا بأْسَ لَوْ رَدَّتْ علينَا تحيَّةً قَليلٌ على من يعرِفُ الحقَّ عابُهَا
على أنَّ تركيبها مع النكرة تشبيهًا لها بلا نادر. قال أبو حيان في "تذكرته": بنى بأس مع ما كما بناها مع لا، وهذا قليل لم نره إلاَّ في هذا البيت. انتهى. والبأس: الشدَّة، وقليل: خبر مقدَّم، وعابها: مبتدأ مؤخر، وألعاب والعيب سواء، ووقع في "الارتشاف" و"التذكرة" نصب قليل على أنَّه نعت تحيّة، وعابها: فاعل قليل، وتخريج الدماميني لهذا البيت بما ذكره خلاف المتبادر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد الخمسمائة:
أجارَتَنَا إنَّ الخُطُوبَ تَنُوبُ وإنِّي مُقِيمٌ مَا أقامَ عسيبُ
على أنَّ ما مصدرية زمانية، ومن الغريب قول ابن الحاج في نقد "المقرِّب" لابن عصفور: إني تأملت ما المصدرية، فلاح لي أنه لا وجود لها، وإنما هي موصولة
[ ٥ / ٢٣٩ ]
يراد بها المصدر، وحذف الضمير معها كثير لأمر خاص بالمصدر لا يتسع لي الآن ذكره، ومما يدل على أنه لا وجود لها أنه لا يقال: يعجبني ما لا يقوم زيد، كما يقال: أن لا يقوم زيد، ونص أبو علي على أنه يقال: ما لا أقوم، وفي قوله هذا عندي نظر. انتهى كلامه. وبعده:
أجارَتَنَا إنَّا غريبانِ ههُنا وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ
الهمزة: للنداء، والخطوب جمع خطب، الأمر الشديد ينزل، وتنوب: مضارع نابه بمعنى أصابه، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": عسيب: جبل بعالية نجد معروف يقال: لا أفعل كذا ما أقام عسيب. انتهى. وقال ابن دُريد في "الجمهرة": عسيب: جبل معروف، وأنشد هذا البيت، وقال الزمخشري في كتاب "الأماكن": عسيب: جبل لقريش، والبيتان لامرئ القيس، وفي "العباب" للصاغاني: وعسيب: اسم جبل قيل إنَّ امرأ القيس لما سُمَّ وأحسَّ بالموت عند هذا الجبل أمر أن يدفن بجنب قبر امرأة كانت دفنت هناك، وأنشد البيتين، وقال ابن الحباب السعدي، في كتاب "مساوئ الخمر": قدم امرؤ القيس أنقرة، فأقام بها مدنفًا يعالج قروحه، قال: ونزل إلى جنب جبل يقال له: عسيب، وإلى جنبه قبر لابنة بعض الرّوم، فسأل عن القبر، فأخبر به، فقال:
أجارتنا إنَّ الخطوب .. إلى آخر البيتين.
أقول: شعره لا يدلُّ على أنه دفن عند جب لاسمه عسيب، وإنما ذكر عسيب هنا مثلًا لطول مكثه في المكان الذي دفن فيه، وليس في أنقرة جبل اسمه عسيب، وأنقرة من بلاد الروم يقال لها: عمورية وأنكورية، وعسيب من جبال بلاد العرب، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": عسيب، بفتح أوَّله وكسر السّين غير المنقوطة بعدها ياء معجمة باثنتين من تحها وباء معجمة بواحدة: جبل قد تقدَّم
[ ٥ / ٢٤٠ ]
ذكره، وتحديده في رسم النقيع، وهو في ديار بني سليم إلى جنب المدينة المنورة، وهناك قبر صخر بن عمرو أخي الخنساء، وهو القائل:
أجارتَنَا لسْتُ الغَدَاةَ بِظَاعِنٍ ولكنْ مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ
انتهى. وقال الحازمي في كتاب "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن":
عسيب بالسهين المهملة: جبل حجازي دفن عنده صخر أخو الخنساء، قالت الخنساء: أجارتَنَا لستُ الغَدَاةَ بظاعنٍ البيت.
انتهى. والصواب: أنَّ البيت لصخر لا للخنساء، قال الأخفش جامع ديوان الخنساء: لما يئس صخر من نفسه قال:
أجارَتَنَا إنَّ الخُطوبَ قريبُ على الناسِ كلَّ المخطئينَ تُصيبُ
أجارَتَنَا إنَّ تسأليني فإنَّني مُقيمٌ لَعَمْرِي مَا أقامَ عسيبُ
كأني وقد أدنُو لِحَزِّ شِفارِهِمْ من الصَّبْرِدَامي الصَّفْحَتَيْنِ نكيبُ
فمات فدفنوه إلى جنب عسيب، وعسيب جبل في بلاد بني سُليم إلى جنْبِ المدينة فها هو ذاك قبره معلمًا، والمعلم: المعروف الذي عليه علامة. انتهى. وشعر صخر وارد على أسلوب شعر امرئ القيس، وليس في شعره ما يدل على أنه مدفون بجنب عسيب، وإنما الخبر أثبته.
[ ٥ / ٢٤١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد الخمسمائة:
مِنَّا الذِي هو مَا إنْ شَارِبُهُ والعَانِسُونض ومِنَّا المُرْدُ والشيبُ
على أنَّ ابن السكيت قال: "ما" فيه اسم بمعنى حين، حكاه عنه ابن الشجري قال في المجلس الثامن والستين من "أماليه" في بيان معنى "١٠" قال: السادس أن تكون "ما" اسمًا بمعنى الحين كقوله تعالى: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) [الإسراء/ ٩٧]، (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) [النساء / ٥٦]، (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) [البقرة/ ٢٠] أي: في كلّ حين خبت، وفي كلّ حين نضجت جلودهم، وفي كل حين أضاء لهم، ومنه قول الشاعر:
منَّأ الذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ البيت.
قال ابن السكيت: يريد: حين أن طرَّ شاربه، يقال: رجل عانس، وهو الذي أخّر التزويج بعد ما أدرك. انتهى كلامه، وقد فتشت تصانييف ابن السكيت لأقف على كلامه هذا فلم أقف عليه، وقد راجعت كتاب "أبيات المعاني" وكتاب "الألفاظ" وكتاب "المذكر والمؤنث" فلم أجد هذا البيت في واحد منها وإنما رأيته في كتاب "إصلاح المنطق" قال في باب ما جاء على فَعُول: ورجل عانِس، وامرأة عانس، وقد عنست تعنُسُ عَناسًا، وذلك إذا طالَ مُكثُها في منزل أهلها بعد إدراكِها، لم تتزوج، قال الأعشى:
والبِيضُ قَدْ عَنَسَتْ وطالَ جِراؤُها
وقال [أبو] قيس بن رفاعة:
مِنّا الذِي هُوَ مَا إن طَرَّ شارِبُه .. البيت.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
انتهى. قالب التبريزي في "تهذيب إصلاح المنطق": يقال: طرَّ شارب الغلام، إذا ابتدأ نبات شعر شفته العليا يطرُّ طُرورًا، فهو طارَ، والذي مبتدأ، وصلته: هو ما إن طرّ شاربه، وهو مبتدأ في الصلة، وما: جحد و"إن" زائدة بعدها، وما بعدها خبر لـ "هو"، والجملة صلة الذي، والعانسون عطف على الذي، والذي ههنا بمعنى: الذين، يريد: إنَّ منا الصغارَ والكبارَ. وروى ابن دريد "أن" بفتح الهمزة ويعقوب بكسرها، وهما سواء. انتهى كلامه. وجميعه كلام ابن السيرافي في شرح أبياته. وقد أورد الصاغاني البيت في "العباب" قال: عنست الجارية تعنُسُ وتعنِسُ عُنُوسًا وعِنَاسًا، فهي عانس، وذلك إذا طال مكثها في أهلها بعد إدراكها حتى خرجت من عداد الأبكار هذا ما لم تتزوج، فإن تزوجت مرة، فلا يقال: عنسَتْ، وعنِست بابلكسر لغة في عنَست، بالفتح، ويقال للرجل أيضًا عانس، قال أبو قيس بن رفاعة:
مِنَّا الذي هُوَ مَا إنْ طرَّ شارِبُه البيت.
وأبو قيس بن رفاعة من يهود لمدينة المنورة في الجاهلية، ذكره محمد بن سلام الجمحي في شعراء يهود المدينة، وقال أبو عبيد البكري في شرح "نوادر القالي": البيت لأبي قيس بن رفاعة هكذا يقول يعقوب، وغيره يقول قيس بن رفاعة. انتهى.
وأنشد بعده:
وَرَجِّ الفَتى للخيرِ ما إنْ رأيتَهُ عضلَى السِّنِّ خيرًا لا يزالُ يزيدُ
وتقدَّم شرحه في الإنشاد السابع والعشرين.
[ ٥ / ٢٤٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد الخمسمائة:
وتاللهِ ما إنْ شهلةٌ أُمُّ واحدٍ بأوجَدَ مِنِّي أنْ يُهَانَ صغِيرُها
على أنَّ ابن جني قال: "إن" تشارك "ما" في النيابة عن الزمان، والتقدير هنا: وقت أن يهان صغيرها، والبيت من قصيدة طويلة لمساعدة بن جؤبة مذكورة في "أشعار الهذليين"، وبعده:
رأتْهٌ على يَأسٍ، وقد شابَ رأسُها وحينَ تصدَّى للهوانِ عشيرُهَا
فشبَّ لها مثلُ السنانِ مبرأٌ إمامٌ لنادي دارِها وأميرُها
قال أبو بكر القاري في شرحه: شهلة: امرأة كبيرة، بأوجد: بأشد وجدًا مني، وصغيرها: ولدها، وتصدَّى: تعرَّض لهوانها زوجها، كبرت فهانت عليه، والنادي: المجلس. انتهى. ومطلع القصيدة:
أهاجكَ مِنْ عيرِ الحبيبِ بُكورُها أجدَّت بليلٍ لم يُعَرِّجْ أميرُها
تحمَّلْنَ مِنْ ذاتِ السُّليمِ كأنَّهَا سفائنُ يمٍ ينتحيها دبُورُهَا
والهمزة في أهاجك للاستفهام، وبكورها: فاعله، ولم يعرج: لم يعطف، ولم يمل، وأميرها: الذي يأمرها بالسير، وسفائن: جمع سفينة، اليمّ: البحر، وينتحيها: يقصدها، والدبور: الريح التي من ناحية المغرب، وساعدة بن جؤية تقدمت ترجمته في الإنشاد الثالث من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد الخمسمائة:
أليسَ أميري في الأمورِ بأنتما بما لستُما أهلَ الخيانةِ والغدرِ
على أنَّ وصل ما المصدرية بالفعل الجامد نادر، ولم يرتضه أبو علي في "الشيرازيات"
[ ٥ / ٢٤٤ ]
وقال: تقديره بما لستما له، أي: لأجله، ولم يجز أن تكون ما مصدرية، لأن ليس لا تكون صلة لما المصدرية، لا تقول: ما أحسن ما ليس زيد قائمًا. انتهى. كذا في "تذكرة أبي حيان" فتكون ما نكرة موصوفة أو موصولة اسمية، وأورد الأخفش أبو الحسن المجاشعي هذا البيت في كتاب "المعاياه" وقال: سمعت من خلفٍ جعل الباء في أنتما زائدة، وأضمر في ليس اسمًا، أراد: أليس الأمر أميري أنتما. انتهى. وما أدري ما السبب في جعل اسم ليس ضمير الشأن مع أنه يجوز كونه أميري اسمها، والخبر بأنتما، والباء تزاد في خبر ليس، وجازَ ذلك لتساويهما في الرتبة، فإنَّ المضاف إلى الضمير في رتبة الضمير على أنه يجوز في باب "كان وإنَّ" الإخبار بالأعرف، وقول ابن المنلا: لم يجعل أميري اسم ليس، وبأنتما الخبر، لئلا يقع غير الأعرف مسندًا إليه مع وجود الأعرف - ناشٍ عن غفلة، وجعل الشمني بأنتما فاعل أميري مغنيًا عن الخبر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد الخمسمائة:
قَلَّلما يبرَحُ اللَّبيبُ إلى ما يُورِثُ المجدَ داعيًا أو مُجيبًا
على أنَّ "ما" كافة كفت قل عن طلب الفاعل، والقلة في معنى النفي ولهذا اكتفى به في عمل "يبرح" واللبيب: العاقل، اسمها، وداعيًا، خبرها، وإلى: متعلقة به، ومجيبًا: يتعلق به "إلى" أخرى محذوفة، وبعضهم أجاز التنازع في المعمول المتقدم على العاملين، والمعنى: لا يزال العاقل على إحدى هاتين الحالتين، إما أن يدعو إلى ما يورث المجد أو يجيب إليه إذا دُعي.
[ ٥ / ٢٤٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد الخمسمائة:
صَددْتِ فأطولتِ الصُّدُوج وقلَّما وِصَالٌ على طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ
على أنَّ سيبويه قال: إنه ضرورة. أقول: أورده سيبويه في موضعين من كتابه الأوَّل في باب ما يحتمل الشعر، وقال: إنما الكلام: وقلَّما يدوم وصال، والثاني في باب الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعل، ولا تغير الفعل عن حاله، قال فيه: وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم، قال:
صَدَدْتِ وأطْوَلْتِ الصُّدُودَ البيت
قال النحاس: أخبرنا علي بن سليمان، عن محمد بن يزيد المبرد أنّه خالف سيبويه في هذا، وجعل "ما" زائدة، وقدره: وقل وصال يدوم على طول الصدود، قال: والصواب عندي ما ذهب إليه سيبويه، لأنه إنما أراد تقليل الدوام، وقلما نقيضه كثر ما، وجعل سيبويه ما كافة. انتهى. وقال الأعلم: أراد: وقلما يدوم وصال، فقدَّم وأخر مضطرًا لإقامة الوزن، والوصال على هذا التقدير فاعل مقدّم، والفاعل لا يتقدَّم في الكلام، وفيه تقدير آخر وهو أن يرتفع بفعل مضمر يدلّ عليه الظاهر، فكأنه قال: وقلما يدوم، وهذا أسهل في الضرورة، والأول أصح معنى، وإن كان أبعد في اللَّفظ.
وقال ابن السرج في فصل الضرائر من كتاب "الأصول": ليس يجوز أن ترفع وصالًا بيدوم، ولكن يجوز عندي على إضمار يكون كأنه قال: قلَّما يكون
[ ٥ / ٢٤٦ ]
وصال يدوم على طول الصدود. انتهى. ولا يخفى أنَّ هذا ليس من مواضع حذف كان، وقول المصنف في تقرير كلام المبرّد: ووصال فاعل لا مبتدأ غير جيد، فإنَّ المبرد مراده أنَّ وصالًا فاعل قل، لا فاعل يدوم المذكور ولا غيره من الأوجه المذكورة، واختاره أبو علي، وأيّده، وناقشناه في تأييده في شرح الشاهد الأربعين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
والبيت من أبيات للمرَّار الفقعسي أوردها أبو محمد الأعرابي في "ضالة الأديب" وفي "فرحة الأدريب" وهي:
صَرَمْتَ ولمْ تصرِمْ وأنتَ صَرُومُ وكيف تصابي مَنْ يُقَالُ حليمُ
صَدَدْتَ فأطوّلْتَ الصُّدُودَ ولا أرَى وِصالًا على طُولِ الصُّدُودُ يَدُومُ
وليس الغواني للجفاء ولا الذي لَهُ عن تقاضي دينهن هُمُومُ
ولكنَّمَا يستنجِزُ الوعدَ تابِعٌ هواهُنَّ حلاَّفٌ لَهُنَّ أثِيمُ
وعلى هذه الرواية لا ضرورة في البيت، قال أبو محمد: يقول: صرمت ولم تصرم صرم بتات، ولكن صرم دلال؛ يخاطب نفسه ويلومُها على طول الصُّدود، أي: ولا يدوم وصال الغواني إلا لمن يلازمهن ويخضع لهن، وفسر ذلك بالبيتين بعدهما. انتهى. ولمّا كان الصرم لا يتصوَّر إلاَّ من المعشوقة، أجاب بأنَّ العائق صَرَم صُرمَ دلال وتجلد.
والمرار، بفتح الميم وتشديد الراء: هو ابن سعيد الفقعسي، نسب إلى فقعس وهو أحد أجداده، وتارة ينسب إلى جدّه الأبعد، فيقال: المرّار الأسدي، وهو أسد بن خزيمة بن مدركة، والمرار بن سعيد بن حبيب من شعراء الدولة الأموية، وقد أدرك العباسية، وكان مفرد القصر حقيرًا، وكان يهاجي المساور بن هند، قاله ابن قتيبة في كتاب "الشعراء".
[ ٥ / ٢٤٧ ]
وأنشد بعده:
فهلَّا نفسُ ليلى شفيعها
وصدره:
وَنُبِّئْتُ لَيْلى أرْسَلَتْ بشفاعةٍ إليَّ ..
وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الثامن بعد المائة.
وأنشد بعده:
قالتْ ألَا ليتَمَا هذَا الحَمَامُ لَنَا
تمامه:
إلى حمامَتِنًا أو نصفُهُ فَقَدِ
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الواحد والتسعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد الخمسمائة:
أنَا الفَارِسُ الحامي الذِّمَارَ وإنَّمَأ يُدَافِعُ عَنْ أحسابِهِمْ أنَا أو مِثْلي
على أنَّ أبا علي قال في "الشيرازيات": إنَهم عاملوا "إنما" معاملة النفي، وإلا في فصل الضمير، وأنشد البيت. اعلم أنَّ النحاة اختلفوا في إفادة "إنما" الحصر، وفي انفصال الضمير بعدها، أما الأول: فقد قال الزركشي في "بحر الأصول": إفادة إنما الحصر بالمنطوق بمعنى أنها وضعت لإثبات المذكور، ونفي ما عداه، أو لنفيه وإثبات ما عداه، وقيل: غنه بطريق المفهوم، لكن نقل الماوردي أنَّ حكم
[ ٥ / ٢٤٨ ]
ما عدا المذكور موقوف على الدليل، وقال الجويني: الخلاف مبني على أنَّ الاستثناء من النفي إثبات أم لا؟ فإن قلنا: إنه إثبات، فالحصر ثابت بالمنطوق، وإلا فهو مفهوم، وإجراء هذا الخلاف في ما وإلا بعيد، والقول بأنها لا تفيد الحصر أصلًا، وإنما تفيد التأكيد مذهب الجباوي والآمدي ومن تبعهما، وهو المنقول عن أهل اللغة وارتضاه أبو حيان، وأيّده، ونقله عن البصريين، وقال القاضي والكِيًا: إنها محتملة التأكيد والحصر، وعليه استعمال العرب، ومن المفسرين من قال: إنها للحصر، كالرماني وابن عطية، والزمخشري، والفراء، وحجته "إنما الولاء لمن أعتق" ولا تكون ابتداء، بل رد الأمر محقق أو مقدر، واستدلوا بقوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة/ ٢٧] وآيات أخر، وحكى ابن فارس أنها جاءت للتحقير، كقولك: "إنما أنا بشر"، وحكى ابن بابشاذ مجيئها للتقليل، ومجرد التأكيد، وقال ابن دقيق العيد: إنها للحصر مجازًا، والظاهر أنها وضعت للحصر من غير تركيب ونقل، وقال الفخر الرازي في توجيهه: إنَّ "إنَّ" للإثبات و"ما" للنفي، والأصل بقاؤهما على أصلهما، ولا يتوجهات معًا للمذكور والآخر لغيره، وليست ما لنفي المذكور وفاقًا، فتعين عكسه، وهو معنى القصر، وردَّ بأنَّ حكم الإفراد غير حكم التركيب، ولا نسلم أنه مركب، لأن الأصل عدم التركيب والنقل، وكون "إنَّ" للإثبات، وما النفي هنا ممنوع لدخولهما على المثبت والمنفي، فما كافة لا نافية للزوم اجتماع حرفي نفي وإثبات بلا فاصل، وخروجهما عن حقهما من الصدارة، والنصب في لغة، ويكون معنى "إنما زيد قائم" عدم قيامه. وقال أبو حيّان: هذا كلام من لم يشمّ رائحة العربية، وقال العضد: مراد الإمام أنها للحصر، وفيه إثبات ونفي لا أنها باقية على أصلها، وحكاه في "المحصول" عن
[ ٥ / ٢٤٩ ]
أبي علي، وهو حكاه عن النحاة، وفي "المغني" لم يقله أبو علي في "الشيرازيات" ولا نحوي غيره، وإنما قال أبو علي: إنَّ العرب عاملتها معاملة ما وإلاَّ، وإنها أشربت معنى النفى، وفي "شرح اللمع" لابن برهان: من النحويين من أوَّل إنما بما وإلا، وحكاه أبو علي على بعض البغداديين، لقول الفرزدق، وقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ) [الأعراف/٣٣] ولا يتبين صحته عندنا لقوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) [النحل/ ١٠٥] وأجيب بأنه حصر مجازي، ومنهم من قال: إنَّ "إنَّ" للتأكيد، وما للتأكيد أيضًا، فلذا أفادت الحصر، كما حكاه من عيسى الربعي، واستلطفه، وليس بشيء، لأنَّ زيادة التأكيد لا تفيد الحصر، وفي "المعالم": إنَّ أهل اللسان فهموا الحصر من كلام العرب كما فهمه ابن عبّاس من قوله: "إنما الربا في النسيئة" وخالفه الصحابة بدليل ربا الفضل، فهو إجماع منهم، وهو حسن، إلاَّ أنّه لو قيل عليه: إنه إنما فهمه من رواية: "لا ربا إلا في النسيئة" لا من إنما،،الصحابة فهموه من قوله: "إنما الماء من الماء" كان أولى، واختار السكاكي أنَّ العرب عاملتها معاملة ما وإلاَّ في انفصال الضمير، كقوله:
ما قطَّرَ الفارِسَ إلاَّ أنَا
وزعم النحويون أنَّ المحصور يجب تأخيره وتقدُّم غيره مع إنَّما، واختلفوا في
[ ٥ / ٢٥٠ ]
ما وإلا فذهب الكسائي إلى جواز التقديم والتأخير فيه، وذهب البصريون والفراء إلى أنه إن كان الفاعل هو المقرون بإلا وجب تقديم المفعول، وإن كان المقرون بإلا هو المفعول، لم يجب تقديم الفاعل، بل يجوز كما حكاه ابن النحاس. واعلم أنَّ الزمخشري قال: أنما المفتوحة للحصر أيضًا كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [الأنبياء/ ١١٨] وبه صرَّح التنوخي في "الأقصى القريب" وأنكره أبو حيّان، ورد بأنَّ المكسورة أصل المفتوحة، فالظّاهر أنها مثلها، وفي "كتاب سيبويه" ما يدلّ على أنها لا تفيد القصر، فإنه قال في باب إنَّمَا: اعلم أنَّ كلَّ موضع تقع فيه أنَّ تقع فيه أنما، وما بعدها صلة لها كما في الذي، ولا تكون عاملة فيما بعدها كما لا يكون الذي عاملًا فيما بعده، فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [الكهف/ ١١٠] الآية فإنما وقعت أنما ها هنا، لأنك لو قلت: أنَّ إلهكم إله واحد، كان حسنًا، هذا آخر كلام الزركشي في "البحر".
وأما الثاني، فقد قال ناظر الجيش في "شرح التسهيل": في فصل الضمير بعد إنما مذهبان فمذهب سيبويه أنه ضرورة، لأنه لم يذهب إلى أنه بعد إلاَّ، وذهب الزجّاج إلى أنّه ليس بضرورة نظرًا للمعنى، فهو جائز عنده لا واجب، قال أبو حيّان: فقول ابن مالك: إنه يتعين الفصل مذهب ثالث، وصحح ابن عصفور أنه ضرورة، لدلالة قول العرب: أدافع عن أحسابهم، على أنّه من مواضع الاتصال وليس لشيء، لأنَّ الفصل إنَّمَأ يجب إذا قصر الحصر، وليس كلام العرب فيه، وأمّا قول سيبويه: إنَّ الفصل ضرورة في قوله:
كأنَّا يومَ قُرَّى إنَّمَا نَقْتُلُ إيّانَا
[ ٥ / ٢٥١ ]
فإنما منعه من وجه آخر، وقال ابن مالك: قول الزمخشري في قوله: إنما نقتل إيَّانَا، إنه من وقوع المنفصل موقع المتصل وهمٌ منه، لأنّه لو قال: إنما نقتلنا جمع ضميرين بمعنى، أحدهما فاعل والآخر مفعول، وهو مختص بأفعال القلوب، وإنَّمَا غرَّه ذكره في باب الضرورة كقوله:
إليكَ حتَّى بَلَغَتْ إيّاكَا
فقول أبي حيّان: إنَّ ما ذكر في "التسهيل" خطأ وجهل بلسان العرب، لقوله تعالى: (إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ) [سبأ/ ٤٦] وقوله: (إِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ) [آل عمران/ ١٨٥] و(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف/ ٨٦] فإنها لم تبرز فيها الضمائر. والمخطئ مخطئ لأنه ليس مما نحن فيه، ولسان حال المصنف يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وخفاءُ مثله على الشيخ مما يتعجب منه. وقولهم: إنِّ سيبويه يقول: إنها لا تفيد الحصر مدخول، لأنَّ ما تمسكوا به من كلام الكتاب قد فسر بما يخالف ما قالوه، لأنَّ ما قاله من أنَّ انفصال الضمير ضرورة له وجه آخر غير ما قالوه، وهو أنَّ انفصال الضميرين في مثله ممنوع، فحقّه أن يقول إلاَّ أنفسنا، وقوله: إنَّ "إنما يعني إنَّ" بيان لأصل معناه، وهو الوكيد، والحصر لا يبحث عنه النجاة، فإنه وظيفة علم البيان إن قلنا إنه بطريق المفهوم، واعلم أن النحاة استدلوا على أنه بمعنى ما وإلا بانفصال الضمير، فإنه ينفصل بعد إلا، وهو المسموع من العرب، وعليه قول الفرزدق، وقيل: إنه ليس بضرورة لإمكان أن يقول: أدافع أنا، وأنا تأكيد للضمير المستتر، وقول أبي حيان ردًا عليه: إنه لم يقل أحد بوجوب انفصال الضمير بعد إنما، فإن سيبويه منعه، والزجاج جوزه: لا وجه له، لما علمت من توجيه كلام سيبويه،
[ ٥ / ٢٥٢ ]
ومراد الزجاج بالجواز ورود الوجهين بعد إنما، أحدهما في البيت، والآخر في الايات بقطع النظر عما يعين أحدهما، وقد غفل عن هذا من ظنه واردا غير مندفع، وتوجهه بأنه بمعنى ما وإلا فيه أنه لا يلزم من كون شيء، بمعنى شيء أن يُعطى حكمه من سائر الوجوه، مع أنه قياس مع الفارق، لأن ما بعد إلا ليس فاعلًا، بل بدل مفرغ بتقدير: ما يضرب أحد، فيلزم انفصاله للفصل بينه وبين العامل، وأيضًا عامل أن لا يكون ماضيًا ولا مضارعًا، مبدوءًا بياء تحتية كقام أنا، ويضرب أنا، بخلافه بعد إلا، وقول السعد: إنا لا نسلّم أنَّ العل هنا غائب، لأنَّ غيبته وتكلمه وخطابه باعتبار المسند إليه، فليس غائبًا في: ما يقوم إلا أنا، ولو سلم فالمسند إليه هو المستثنى منه وهو غائب: لا وجه له لما قدمناه، ولم يأتوا من كلام العرب بما يشهد لانفصال الضمير في السعة، وبيت الفرزدق قد قيل: إنه ضرورة، وادّعاء مراعاة المعطوف وهو "مثلي" عكس المسموع في نحو: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة/ ٣٥]، وأما قوله: إنما نقتل إيانا، فقد تقدم ما فيه، وقول السيرافي: إنه بمعنى: ما يقتل بعضنا بعضًا، فلا محذور فيه: فيه بُعد لركاكته.
واعلم أنَّ الحقَّ في دلالة إنما على الحصر أنّه إن قيل بانفصال الضمير بعدها، فهو بطريق المنطوق، وإلَّ فلا.
هذا والبيت من قصيدة طويلة للفرزدق هِجا بها جريرًا، قال ابن حبيب في شرح المناقضات، قال أبو عبيدة: حدثني مِسْحل بن كُسَيْب، قال: حدثني أمي ربداء بنت جرير قالت: مر بنا الفرزدق حاجًا وهو مُعادِلٌ النوار بنتَ أعين بن ضُبيعة امرأتَه، حتى نزل بِلُعاظ ونحن بها، فأهدى له جرير، ثم أتاه، فاعتذر إليه من هجائه البعيثَ، وقال: فَعَلَ وفَعَلَ، ثمَّ أنشده جرير والنوارُ خلفه في فسيطيط صغير، فقالت: قاتله الله ما أرقَّ منسبتَهُ، وأشدَّ هجاءه، فقال الفرزدق: أترين هذا، أما إني لن أموت حتى أبتلى بمهاجاته، قالت: فلم يلبث من وجهه أن هجا جريرًا، فلمّا حجَّ عاهج الله بين الباب والمقام أن لا يهجو
[ ٥ / ٢٥٣ ]
أحدًا أبدًا، وأن يقيد نفسه حتى يجمع القرآن، فلمّا قدم البصرة قيّد نفسه، وقال:
أَلَمْ تَرَنِي عَاهَدْتُ رَبِّي وَإِنَّنِي لَبَيْنَ رِتَاجٍ قَائِمٌ وَمَقَامِ
عَلى قَسَمٍ لا أَشْتِمُ الدَّهْرَ مسلِمًا وَلا خَارِجًا مِنْ فِيَّ زُورُ كَلامِ
قال: وبلغ نساء بني مُجاشع فحشُ جرير بهنًّ، فأتين الفرزدق مقيدًا، فقلت: قَبَّحَ اللهُ قيدَك، وقد هتك جرير عوراتِ نسائِك، فَلُحِيتَ شاعرَ قومٍ، فأغضبنه، ففضَّ قيده، وقال:
أَلا اسْتَهْزأتْ مِني هُنَيدةُ أن رَأَتْ أسِيرًا يُدانِي خَطْوَهُ حَلَقُ الحِجْلِ
وَلَوْ عَلِمَتْ أَنَّ الوَثَاق أَشَدُّهُ إلى النَّارِ قَالَتْ لي مَقَالَةَ ذي عَقْلِ
لَعَمْرِي لَئِنْ قَيَّدْتُ نَفْسي لطالمَا سَعَيْتُ وَأَوْضَعْتُ المَطْيَّةَ فِي جَهْلِ
ثَلاثِينَ عَامَا مَا أَرَى مِنْ عَمَايَة إذَا بَرَقَتْ إلاَّ أشُدُّ لهَا رَحْلي
أتَتْنِي أحَاديثُ البَعيثِ ودُونَهُ زَرُودُ فَشَامَاتُ الشَّقِيقِ مِنَ الرَّمْلِ
فَقُلْتُ أَظَنَّ ابنُ الخَبيثةِ أنَّني شُغِلْتُ عَنِ الرَّامي الكِنَانَةَ بالنَّبْلِ
فَإنِ يَكُ قَيْدِي كانَ قَيْدًا نذَرْتُه فَمَا بِي عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي مِنْ شُغْلِ
أَنَا الضَّامِنُ الرَّاعي عَلَيْهِمْ وَإنَّمَا يُدَافعُ عَنْ أَحْسَابِهِم أَنا أَوْ مِثْلي
قوله: يداني خطوها خطوَ: مفعول يداني، وحلق فاعل مؤخر، والحِجل بالكسر: القيدـ، وقوله: ولو علمت أن الوثاق، قال ابن حبيب: يريد استهزأت به حين رأته يرسف في القيد، ولو علمت أن أشد الوثاق وثاق النار ما استهزأت به، ولا لامت رجلًا قيد نفسه خوف النار. وأوضعت المطية إيضاعًا: رفعتها في السير، ووضعت هي تضع وضعًا: إذا أسرعت، والعماية بالفتح: الجهالة، يقول: لم أكن أرى جهلًا، إلا قصدتُ إليه وركبته، [وزرود: لبني مجاشع بين الثعلبية والأجفر]، ليس بني دارم بالطرق ماء غيره، والشقيقة: الجددُ بين الرملتين،
[ ٥ / ٢٥٤ ]
وربما كان أميالًا، وأراد بأحاديث البعيث هجوَ جرير إيّاهُ، وكان يتحدَّثُ به الناس، والبعيث من رهط الفرزدق. وقوله: فقلت أظن: الهمزة للاستفهام، وابن الخبيثة فاعل ظن، قال ابن حبيب: يريد بابن الخبيثة جريرًا، يقول: إنما أراد جرير بهجاء البعيث غيره، كما صنع رامي الكنانة بصاحبها، وذلك أنَّ رجلًا من بني فزارة ورجلًا منبني أسد كانا راميين، فالتقيا، ومع الفزاري كنانة جديدة، ومع الأسدي كنانة رثة، فقال الأسديُّ للفزاري: أنا أرمي [أو أنت؟ قال الفزاري: أنا أرمي] منك، فقال له الأسدي: فإن أنصب كنانتي، وتنصب كنانتك حتى نرمي فيهما، فنصبَ الأسدي كنانته، فجعل الفزاري يرميها، فيقرطس حتى أنفّد سِهَامَهُ كلّها، فلما رأى الأسدي أن سهام الفزاري قد نفدت، قال: انصب لي كنانتك حتى أرميها فرمى فسدد السهم نحوه حتى قتله، فضربه الفرزدق مثلًا. انتهى. وقوله: أنا الضامن الراعي عليهم المشهور من غير هذه الرواية: "أنا الذائد الحامي الذمار" والذائد من الذود وهو الطردُ، والذمار بالكسر، قال الزمخشري في "الأساس": هو الحامي الذمار: إذا حمى ما لو لم يحمه ليم، وعنَّف عليه، والحسب: ما يعدّه الإنسان من مفاخِر آبائه، ومراده أنه الذي يدافع عن أحسابهم لا غيره، ولو قال: وإنما أدافع عن أحسابهم، لكان معناه: إنّه يدافع عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، وهو غير مراده، وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أوَّل الكتاب.
[ ٥ / ٢٥٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد الخمسمائة:
قَدْ عَلْمَتْ سَلمَى وَجَارَاتُهَا مَا قَطَّرَ الْفَارِسَ إلَّا أَنَا
لما تقدم قبله، قال سيبويه: وتقول: ما جاء إلا أنا قال عمرو بن معدي كرب:
قَدْ عَلْمَتْ سَلمَى وَجَارَاتُهَا .. البيت.
قال الأعلم: الشاعد في إظهار "أنا" وانفصاله بعد إلا حيث لم يقدر على الضمير المتصل بالفعل، ومعنى قطّر: صرعه على أحد قُطِرَيْه، أي: على أحد جانبيه، والقطر: الجانب. انتهى. والبيت من قطعة لعمرو بن معدي كرب في ديوانه. وهي:
ألْمِمْ بِسَلْمَى قَبِلَ أَنْ تَظْعَنَا إنَّ بِنَا مِنْ حُبِّهَا دَيْدَنَا
كأنَّ سلمى ظيبةٌ مُطْفِلٌ يرعَى حِقَافَ الرَّمْلِ مِنْ أَرْزَنَا
تنشُرُ وَحْفًا مُسْبَكِرًا عَلى لَبَّاتِهَا أَسْوَدَ مُغْدَوْدِنَا
قَدْ عَلِمْتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إلاَّ أَنَا
شَكَكْتُ بِالرُّمْحِ حَيَازِيمَهُ والخَيْلُ تَعْدُو زيِمًا حَوْلَنَا
وَأَلْمِمْ: انزل، والدَّيْدَنُ: العادَةُ، وتظعن: ترتحل، ومطفل: ذات طفل، وحقاف جمع حِقف بالكسر: وهو التل من الرمل، وأرزن: موضع، والوحف: الشعر الكثير الأسود، واسبكرّ الشعر: استرسل، والحيازيم جمع حيزوم وهو ما حول الصدر، والزيم: المتفرقة، يقول: طعنت بالرمح في صدره، والخيل تجري بفرسانها يحمل بعضُهم على بعض، وزيمًا، منصوب على الحال.
روى صاحب "الأغاني" بسنده عن قيس قال: شهدت القادسية، وكان سعد على الناس، فجاء رستم يمر بنا، وعمرو بن معدي كرب يمرّ على الصّفوف يحض
[ ٥ / ٢٥٦ ]
الناس، ويقول: يا معشر المهاجرين كونوا أسودًا، وإنما الفارسي تيس، قال: وكان مع رستم إسوار لا تسقط له نشابة، فقيل له: يا أبا ثور اتق ذاك، فإنا لنقول له ذلك إذ رماه رمية، فأصاب فرسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه، ثم ذَبَحَهُ، وسلبه سوارين كانا عليه وقباء ديباج. قال أبو زيد: ذكر أبو عُبيدة أنَّ عمرًا يومئذ حمل على رجل، فقتله، ثم صاح: يا معشر بني زبيد دونكم القوم، فإنهم يموتون، قال: وحضر عمرو الناس وهم يقاتلون، فرماه رجل من العجم بنشابة، فوقعت في كتفه، وكانت عليه درع حصينة، فلم تنفذ، وحمل على العلج فعانقه، فسقط إلى الأرض، فقتله عمرو، سولبه ورجع بسلبه وهو يقول:
أنَا أَبُو ثَوْرٍ وسيفي ذُو النونْ أضربهم ضرب غلامٍ مجنونْ
يالَ زبيدٍ إنهمْ يموتونْ
قال أبو عبيدة: وقال في ذرك عمرو بن معدى كرب:
أَلْمِمْ بِسَلْمَى قَبْلَ أَنْ تَظْعَنَا
إلى قوله:
والخيلُ تَعْدُو زِيَمًا بينَنَا
وشهد عمرو وقعة القادسية وهو ابن مائة وعشرين سنة. انتهى. وتقدَّمت ترجمته في افنشاد الخامس بعد المائة.
وأنشد بعده:
رُبَّمَا أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ ـتَرْفَعَنْ ثَوْبي شِمَالاتُ
وتقدَّم شرحه في الإنشاد السادس بعد المائتين.
[ ٥ / ٢٥٧ ]
وأنشد بعده:
رُبَّمَا الجَاهِلُ المُؤَبَّلُ فِيهِمْ
تمامُه:
وعَنَاجِيحُ بينَهُنَّ المِهَارُ
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الرابع عشر بعد المائتين.
وأنشد بعده:
كمَا سيفُ عَمْرٍو لمْ تخُنْهُ مَضَارِبُهْ
صدره:
أخٌ ماجِدٌ لَمْ يخزِني في يومَ مشهدٍ
وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الثالث والتسعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الخمسمائة:
فَلَئِنْ صِرْتَ لا تُحِيرُ جَوَابًا لَبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ
على أنَّ ما كفّت الباء عن العمل، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": قال المصنف في الشرح: وتحدث ما الكافة في الباء معنى ربما فمعنى:
لبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ
ربما قد ترى، ومثله قول كثير:
مَغَانٍ يُهَيِّجْنَ الحَليمَ إلى الهوَى وَهُنَّ قَدِيماتُ العُهُودِ دوَائِرُ
بما قَدْ أَرَى تِلْكَ الدِّيَار وأَهْلَهَا وَهُنَّ جَمِيِعَاتُ الأنيسِ عَوَامِرُ
أرادَ: ربما أرى، وقد مع المضارع يفيد هذا المعنى، ولكن اجتمعتا توكيدًا،
[ ٥ / ٢٥٨ ]
كما اجتمعت عن والباء التي بمعناها في قول الشاعر:
فأصبحْنَ لا يَسْألْنَه عَنْ بما بِهِ
انتهى. وما ذهب إليه من أنَّ فيما ذكر كافة، وأنها أحدثت معنى التقليل غير صحيح، بل "ما" في ذلك مصدرية، والباء السببية المجازية، والمعنى على التكثير لا على التقليل، ونظيره قول الآخر:
فَلَئِنْ فَلَّتْ هُذَيْلٌ شَبَاهُ لَبِمَا كَانَ هُذَيْلًا يَفُلُّ
والفعل الذي تعلّق به الباء مقدّر قبلها، والتقدير: "لانتفاء إحارتك جوابًا برؤيتك وأنت خطيب". "وهنَّ قديمات العهود دواثر برؤيتي تلك الديّار". لفلّته بما كان يفلّها" والسببيَة ظاهرة في هذا البيت، وأمّا في البيتين قبله، فسبب خرسه بالموت كونه كان خطيبًا في الحياة، إذ ينشأ عن الحياة الموت، إذ مصير كلَ حيّ إلى الممات، وكذلك البيت الثاني سبب دثور الديار كونها كانت عامرة بأهلها، إذ مصير العمران للخراب، ولذلك جاء:
لِدُوا للموتِ وابنُوا للخرابِ
هذا آخر كلام أبي حيان. وقال تلميذه ناظر الجيش: ولا يخفى أنَّ ما قرره بعيد أن يكون مراد الشاعر، ولكن قول المصنف: إنَّ المراد التقليل غير ظاهر. انتهى.
والبيت من أبيات أوردها أبو علي القالي في "أماليه" قال: أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى النحوي لمطيع بن إياس الكوفي يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
[ ٥ / ٢٥٩ ]
ويُنَادُونَهُ وقدْ صُمَّ عنهُمْ ثمَّ قالوا وللنساءِ نَحِيبُ
ما الذي غَالَ أن تُحِيرُ جَوَابًا أيُّهَا المصقَعُ الخطِيبُ الأديبُ
فلئن كنتَ لا تُحِيرُ جَوَابًا فبما قد تُرَى وأنْتَ خَطيبُ
في مقالٍ وَمَا وعظْتَ بشيءٍ مثلَ وعظٍ بالصمتِ إذْ لا تُجِيبْ
انتهى. ورأيت في "تهذيب الطبع" وهو كتاب في نقد الشعر والبديع لم أعرف مؤلفه، نسبة هذه الأبيات لصالح بن عبد القدوس قال: ولما مات الاسكندر ندبه أرسطاليس، فقال: طالما كان هذا الشخص واعظًا بليغًا، وما وعظ بكلامه موعظة قط أبلغ من موعظته اليوم بسكوته، فأخذه صالح بن عبد القدوس، فقال:
ويُنَادُونَهُ وَقَدْ صُمَّ عَنْهُمْ ثُمَّ قالُوا ولِلنِّسَاءِ نَحِيبُ
مَا الذي عَاقَ أنْ تَرُدَّ جَوَابًا أيها المِقْوَلُ الخطيبُ الأَديبُ
إنْ تكَنْ لا تُطيِقُ رَجْعَ جَوَابٍ فَبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ
ذُو عِظَاتٍ وَمَا وَعَظْتَ بشيءٍ
واختصره أبو العتاهية في بيت فقال:
وكانَتْ في حياتِكَ لي عِظَاتٌ فَأَنْتَ اليَوْمَ خَيْرٌ مِنْكَ أَمْسِ
ومثله لإسماعيل بن القاسم:
وكانتْ في حياتِكَ لي عِظَاتٌ فأنتَ اليومَ أوعَظُ مِنْكَ حيّا
انتهى. وقوله: فَبِما قد ترى وأنت خَطِيب، كذا رأيته في الكتابين فبما بالفاء موضع اللام، وهو مبني على مذهب الكوفيين في جعل الجملة لعد لئن جوابًا للشرط دون القسم، ورواية البصريين لَبِما باللام على جعل الجملة جوابًا للقسم المقدر لسبقه لا للشرط، لأنه متأخر عن اللام الموطئة للقسم، وهذا في الحقيقة سبب، والجواب محذوف، أي: لم يقدح في فصاحتك. وأقول: إسماعيل بن القاسم هو الملقب بأبي العتاهية، وقد أنشد المبرد في "الكامل" البيت الأخير من أبيات له وهي:
[ ٥ / ٢٦٠ ]
طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرِكَ بعدَ نَشْرٍ كَذَاكَ خُطُوبُهُ نُشْرًا وَطَيَّا
فَلَوْ نَشَرَتْ قُوَاكَ لِيَ المَنَايَا شَكَوْتُ إِلَيْكَ مَا صَنَعَتْ إلَيَّا
بَكَيْتُكَ يَا أُخَيَّ بِدَمْعِ عَيْنِي فلَمْ يُغْنِ البُكَاءُ عَلَيْكَ شَيَّا
كَفَى حُزنًا بِدَفْنِكَ ثُمَّ إنِّي نَفَضْتُ تُرَابَ قَبْرِكَ عَنْ يَدَيَّا
وكانَتْ في حَيَاتِكَ لي عِظَاتٌ فَأَنْتَ اليَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا
وكان إسماعيل بن القاسم لا يكاد يًخلي شعره مما تقدَّم من الأخبار والآثار، فينظم ذلك الكلام المنشور، ويتناوله أقرب متناول، ويسرته أخفى سرقة. فقوله:
فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا
إنما أخذه من قول الموبذِ الحاضر لقُبّاذ حيث مات، فإنه قال في ذلك الوقت: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليومَ أوعظُ منه أمس، وأخذ قوله:
قَدْ لَعَمْرِي حكيْتَ لي غُصَصَ المَوْ تِ وحَرَّكْتَني لَهَا وَسَكَنْتَا
من قول نادب الإسكندر، فإنَّه لما مات، بكى من كان بحضرته، فقال نادبه: حركنا بسكونه. انتهى كلام المبرد. وكذا روى هذه الأبيات لأبي العتاهية ابن عبد ربه في "العقد الفريد" وعليّ بن أبي الفرج في "الحماسة البصرية" وقال أبو علي القالي في "ذيل الأمالي": حدَّثنا أبو بكر قال: حدَّثنا ابن الأنباري، قال: حدَّثنا أبو الحسن الأسدي، قال: حدَّثنا الرياشي، عن العتبيَّ عن أبيه، قال: رأيت امرأة بِضَرِيّة جالسة عند قبر تبكي وتقول:
ألا مَنْ لي بِأُنْسِكَ يَا أُخَيَّا وَمَنْ لي أَنْ أَبُثَّك مَا لَدَيَّا
طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرٍ بَعْدَ نشرٍ كذَاكَ خُطُوبُهُ نَشْرًا وَطَيَّا
إلى آخر الأبيات، والله أعلم بحقيقة الحال.
[ ٥ / ٢٦١ ]
وقوله: وينادونه وقد صُمَّ عنهم بالبناء للمفعول، والنحيب: رفع الصوت بالبكاء، وغال بالغبن المعجمة بمعنى: أهلك، وأن تحير مفعوله، أي: ما الذي أهلك ردّ جوابك، وروي بدله "عاق" من العوق"، وهو المنع والتأخير، وتحير مضارع أحار الجواب بالحاء المهملة، أي: رده، والمصقع بكسر الميم: الجهير الصوت، وترى بالبناء للمفعول، أي: كثيرًا ما ترى خطيبًا واعظًا بلسان الحال، فإن من نظر إلى ما كنت عليه، وما أُلت إليه، اتعظ بذلك.
ومطيع بن إياس أبو سلمى الكناني الكوفي، قدم بغداد، وصحب المنصور والمهدي من بعده، وكان شاعرًا ماجنًا، ورمى بالزندقة، كذا في "تاريخ بغداد".
وأما يحيى بن زياد الحارثي، فهو يحيى بن زياد بن عبيد الله [بن عبد الله] بن عبد المدان بن الديان الحارثي الكوفي، وزياد بن عبيد الله هو حال أبي [العبّاس] السفاح، ويكني يحيى أبا الفضل، وكان يعرف بالزنديق، وكانوا إذا وصفوا إنسانًا بالظرف قالوا: هو أظرف من الزنديق، يعنون يحيى، لأنه كان ظريفًا، وهذا المعنى قَصَدَ أبو نواس بقوله:
تِيهُ مُغَنٍّ وَظَرْفُ زِنْدِيقِ
قال الصولي: وإنما قال ذلك، لأنَّ الزنديق لا يَرَعُ عن شيءٍ، ولا يمتنع مما يُدعى إليه، فنسبه إلى الظرف لمساعدته على كلّ شيء، وقلة خلافه كذا في "أمالي السيد المرتضى" قدَّس الله روحه.
وأمّا صالح بن عبد القدّوس أبو الفضل البصري مولى الأزد، فهو أحد الشعراء، اتهمه المهدي بالزندقة، فأمر بحمله إليه، فلمَّا خاطبه، أعجب بغزارة أدبه وعلمه، وبراعته وحسن ثباته، وكثرة حكمته، فامر بتخلية سبيله، فلمّا ولي، ردّه، وقال له ألست القائل:
[ ٥ / ٢٦٢ ]
وَالشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلَاقَهُ حَتَّى يُوَارَى فِي ثَرَى رَمْسِه
قال: بلى يا أمير المؤمنين، قال: فأنت لا تترك أخلاقك، ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك، ثم أمر به فقُتل، وصُلب على الجسر، ورؤي بعد قتله في المنام ضاحكًا مستبشرًان فقيل له: ما فعل بك ربَّك؟ وكيف نجوت مما كنت تُرمى به؟ قال: وردت على ربي لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته، وقال: قد علمت براءتك مما كنت فيه، كذا في "تاريخ بغداد" أيضًا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الخمسمائة:
وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِب الكَبْشَ ضَربةً
تمامه:
عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ
على أن ما كفت "من" عن الجر، قال ابن الشجري في المجلس الثامن والستين من "أماليه": وق كفوا من بما، فقالوا: إني لمما أفعل، قال أبو العباس المبرد: يريدون: لربما أفعل، وأنشد لأبي حيّة النميري:
وّإِنّا لّمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى رَأْسِهِ نُلْقي اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ
على أنَّ ما كفت "من" عن الجر، قال ابن الشجري في المجلس الثامن والستين من "أماليه": وقد كفوا من بما، فقالوا: إني لمما أفعل، قال أبو العباس المبرد: يريدون: لربما أفعل، وأنشد لأبي حيّة النميري:
وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَربةً عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ
انتهى. فهو ناقل عن المبرد، وكذا نقله صاحب "اللباب" قال: وتستعمل من مكفوفة بمعناها، أي: بمعنى ربّ نحو: إني لمما أفعل، قال المبرد: أريد لربما أفعل، وأنشد: وإنَّا لمما .. البيت، وعزاه المصنف في بحث "من" إلى جماعة غير المبرد، وقال أبو علي في "البغداديّات": ومن ذلك قولهم: إني ممّا أفعل،
[ ٥ / ٢٦٣ ]
قال سيبويه: إني مما أفعل ذاك، فتكون ما مع أفعل بمنزلة كلمة واحدة، وأنشد لأبي حيَّة:
وإنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكبشَ ضَرْبَةً
وقال أبو العباس: تقول: إني مما أفعل، على معنى: ربما أفعل إن أراد به أن "ما" كافة لمن كما أنها كافة لربّ، فهو كما قال سيبويه: وإن أراد أنّه للتقليل كما أنَّ ربّما للتقليل، كان ذلك مسوّغًا إذا ثبت مسموعًا، ويبعد ذلك في البيت، فإنّه ينبغي أن يكون غير مقلل لضربه للكبش على رأسه، وقد يجوز أن يتغير معنى الحرف لانضمام "ما" إليه، كما تغير معنى لو بانضمام "لا" إليه. انتهى كلامه. وأورده سيبويه في باب ان والتي تكون والفعل بمنزلة مصدره، وتقول: إني مما أفعل ذلك، كأنّه قال: إني من الأمر أو من الشأن أن أفعل ذلك، فوقعت ما في هذا الموضع، وإن شئت، قلت: إني مما أفعل فتكون ما مع من بمنزلة كلمة واحدة نحو: ربّما، قال أبو حية النميري:
وإنّا لمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ .. البيت
ولم يكتب السيرافي هنا شيئًا، وكتب أبو علي في "التعليقة" على الشق الأوَّل قال: قوله: وتقول: إني مما أن أفعل .. الخ، قال أبو علي: موضع "أن" في قولك إني مما أن أفعل ذلك رفع، وقد أقيم المضاف إليه مقام المضاف، كأنّك قلتِ: إني من الأمر صاحب أن أفعل، أي: صاحب فعل ذلك، فحذف المضاف أعني: صاحب المقدر. انتهى. وقال الأعلم: الشاهد في قوله: لمما، ومعناه كربّما، وهي مِنْ زيدت إليها ما، وجعلت معها على معنى ربّما، وأراد بالكبش الرئيس. لأنه يقارع دون القوم ويحميهم. انتهى. مدح نفسه أو قومه بالشجاعة، والمصراع الأوَّل أخذه من قول الفرزدق:
وَإِنَّا لَمِمًا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأسِهِ وًالْحَربُ قَدْ لاحَ نارُها
[ ٥ / ٢٦٤ ]
وتقدَّمت ترجمة أبي حيّة النميري في الإنشاد الواحد بعد المائتين، وكان جبانًا كذَّابًا، وكان له سيف يسمّيه لعاب المنية ليس بينه وبين الخشب فرق، حدَّث جار له قال: دخل إلى بيته كلب في بعض الليالي، فظنّه لصًا، فانتضى سيفه، ووقف في وسط الدار، وقال: أيّها المغتر بنا، والمجترئ علينا، بِئس والله ما اخترت لنفسك، خيرٌ قليلٌ، وسيف صقيل، اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إن أدع لك قيسًا لا تقوم لها، وما قيس! تملأ والله لك الفضاء خيلًا ورجلًا، فخرج الكلب، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبًا وكفانا حربًا.
قال الأصمعي: أبو حية النميري شاعر، وكان أجبن العرب، وأكذبهم، فمن جبنه خبره مع الكلب إذ دخل بيته، وهو خبر معروف، ومن كذبه ما حكاه قال: كنت في بعض الفلوات، فأرملت أيامًا من الزاد، ثمَّ عنَّ لي سرب ظباء، فتعمدت بسهمي ظبية من السرب، فلمّا أطلقت السهم وكاد أن يخالطها، ذكرت هوى لي بالرمل، وشبّهتُ الظبية به، فلحقت السهم، وقد كاد أن يصل إليها حتى قبضتُ عليه، فلم يصبها. ولا يجوز أن يكون في الكذب أعظم من ذلك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد الخمسمائة:
وَضنَّتْ علَيْنَا والضَّنِينُ مِنْ البُخْلِ
على أنَّ فيه مبالغة بكون البخيل مخلوقًا من البخل، قال ابن جني في باب تجاذب المعنى والإعراب من "الخصائص": ومنه ما جرى من المصادر وصفًا نحو: رجل عدلٌ، وإنما انصرفت العرب عن الصفة الصريحة في بعض الأحوال إلى أن وصفت بالمصدر لأمرين: أحدهما صناعي، والآخر معنوي. أما الصناعي، فليزيدك أنسًا بشبه المصدر للصفة حتى أوقعته موقعها، كما أوقعت الصفة موقع المصدر، وأما
[ ٥ / ٢٦٥ ]
المعنوي، فلأنه إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل، وذلك لكثرة تعاطيه له، واعتداده إيّاه، ويدلّ على أنَّ هذا معنى لهم، ومتصوّر في نفوسهم قوله:
ألا أصْبَحَتْ أَسْمَاءُ جاذِمَهَ الحَبْلَ وَضَنَّتْ عَلَيْنَا وَالضَّنِينُ مِنَ البُخْلِ
لكثرة ما يأتي منه، ومنه قول الآخر:
وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ بَعْدَكَ والمَطْلِ
وأصل هذا الباب عندي قول الله ﷿: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، وقال ابن الأنباري في كتاب "الأضداد": إنّه من القلب، ومعناه: والبخل من الضنين، وقال ابن حبيب: هو على حذف مضاف، والتقدير: من أهل البخل، والبيت من قصيدة للبعيث وبعده:
وَصَدَّتْ فَأَعْدَانَا بِهَجْرٍ صُدُودُها وَهُنَّ مِنَ الإِخْلَافِ قَبْلَكَ وَالْمَطْلِ
أَنَاةٌ كَأَنَّ المِسْكَ تَحْتَ ثِيَابِهَا وَرِيحَ الخُزَامَي الطَّلَ فِي دَمَثِ الرَّمْلِ
إلى أن قال:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَلْهَى الفَرَزْدَق قَيْدُهُ وَدُرْجُ نَوَارِذُ والدِّهَانِ وَذُو الغِسْلِ
فيا لَيْتَ شِعْرِي هَل تَرَى لِي مُجاشِعٌ غَنَائيَ فِي جُلِّ الحَوَادِثِ أوْ بَذْلي
وَذَبِّيَ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ كُلَّ مُتْرَفٍ وَجِدِّي إذا كَانَ القِيَامُ عَلى رِجْلِ
[ ٥ / ٢٦٦ ]
وكان سبب هذه القصيدة أنَّ الفرزدق لما قال قصيدته التي منها:
وإنَّمَا يُدَافِعُ عَنْ أحْسابِهِمْ أَنا أَوْ مِثْلي
وفيها:
أَتَتَنِي أحاديثُ البَعِيثِ وَدُونَهُ زَرُود .. البيت.
وتقدَّم قبل هذا بأربع إنشادات، ومعناه: أتتني أحاديث الناس بأنَّ جريرًا غلب البعيث في هجوه، ولم يقاومه البعيث وهو مجاشعي من رهط الفرزدق، فلمّا سمع البعيث هذه القصيدة حمي، فأجابه بهذه القصيدة.
وقوله: ألا أصبحت أسماء جّاذِمة الحبل. جاذمة بالجيم والذال المعجمة، من حذمه يجذِمه ويجذُمه جذمًا: إذا قطعه، وروي بالحاء المهملة من حذمه يحذِمه حذمًا، أي: قطعه بسرعة، والحبل: الوصلة بين اثنين، ورواه ابن حبيب في "النقائض":
أَلَا أَصْبَحَتْ خَنْساءُ جّاذِبَةَ الوَصْلِ
بالجيم والذال المعجمة بعدها موحدة، قال ابن حبيب: الجاذبة المنقطعة كما تجذب الناقةُ، يقال: ناقة جاذبة وجذوب: إذا انقطع لبنها، ويقال للرجل: قد جذب أيضًا: إذا أسنَّ. وقوله: والضنين من البخل، كقولك: أنت من أهل الجود وأنت من الكرم، تريد: من أهل الجود والكرم. انتهى.
وقوله: وصدَّت فأعدانا الخ. قال ابن حبيب: يريد: صدت، فصددنا فكأنَّ صدودها أعدانا صدودًا كعدو [ى]، الجرب، وهنَّ من الإخلاف: أراد من أهل الإخلاف. انتهى. والصراع الأخير: هو الذي أورده ابن جني في "الخصائص" والصدود: الإعراض والهجر، وَالعَدْوَ [ى]: تجاوز العلّة من شخص إلى آخر وسرايتها إليه، والإخلاف مصدر أخلف في وعده: إذا لم يصدق فيه.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
وقوله: أناة كأنَّ المسك .. الخ، الأناة بفتح الهمزة: المتأنية الرزينة، وريح معطوف على المسك، والخُزامَى بالضم والقصر: خيري البر، ويقال له: المنثور، والدمث بفتحتين: السهولة واللين، والوصف بكسر الميم، قال ابن حبيب: الدَّمَثُ السهل، يقال: فلان دمث الخلق: إذا كان سهله. انتهى.
وقوله: لعمري لقد ألهى الفرزدق .. الخ، نوار: زوجة الفرزدق، والدُّرج بالضم: الحُقّة، والدِّهان بالكسر: جمع دُهن، والغِسل بالكسر: كلّ ما غُسِل به الرأس، تهكم بالفرزدق، وقال: إنه مشغول بامرأته وما يزينها، فلا يخلص إلى الذَّبِّ عن أحساب قومه، وإنما قال هذا ليحميه، والغناء بالفتح والمدّ: الكفاية والمدافعة، والمُترَفُ: المتكبّر، والجِدّ بكسر الجيم: الاجتهاد، وقوله: إذا كان القيام على رِجْل: يعني للمفاخرة يضع إحدى رجليه على الأرى للتحدّي، يباري ويفاخر، قاله ابن حبيب. ومطلع القصيدة:
أَهَاجَ عليكَ الشَّوْقَ أطَلالُ دِمْنَةٍ بناصفةِ الجوينِ أو جانبِ الهَجْلِ
الهمزة للاستفهام، والشوق: مفعول هاج، وأطلال: فاعله، والهجل بفتح الهاء، وسكون الجيم، قال ابن حبيب: الناصفة: المسيلُ الواسِعُ، وأوسع منه الميثاء، والجوّ: المنخفض من الأرض، والهجل: الخفض بين ربوتين، وهو ما ارتفع من الأرض. انتهى.
والبَعِيث: بفتح الموحدة وكسر المهملة وآخره مثلثة، أورده محمد بن سلام الجمحي في الطبقة الرّابعة من الإسلاميين، وقال: البعيث واسمه خِدَاش بن بشر ابن خالد بن الحارث بن بيبة بن قُرط [بن سفيان] بن مُجاشع وسُمِّي البعيث لقوله:
تَبَعَّث مِنِّي مَا تَبَعَّث بَعْدَمَا أُمِرَّتْ حِبَالي كُلّ مرَّتها شَزْرا
وهو أوَّل شعر قاله، وكان شاعرًا فاخر الكلام، حُرَّ اللّفظ، وقد غلبه جرير
[ ٥ / ٢٦٨ ]
وأخمله، وكان قد قاوم جريرًا في قصائد، ثم ضج إلى الفرزدق، واستغاث به، وذلك قوله:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَلْهَى الفَرَزْدق قَيْدُهُ
وعدَّه الناسُ مغلبًا. انتهى.
وقال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": كان البعيث أخطب بني تميم إذا أخذ القناة، وله عقب بالبادية، وكان يُهاجي جريرًا، وقال أبو عبيدة: سألتُ بعض بني كليب ما أشدّ ما هُجيتُم به؟ قال: قول البعيث:
أَلَسْتَ كُلَيْبيًا إِذَا سِيمَ خُطَّةً أَقَرَّ كَإِقْرَارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ
وَكُلُّ كُلَيْبِيٍّ صَفِيحَةُ وَجْهِهِ أَذَلُّ لِأَقْدَامِ الرِّجَالِ مِن النَّعْلِ
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الخمسمائة:
أَعَلَاقَةً أُمَّ الْوُلَيِّدِ بَعْدَمَا أَفْنَانُ رَأْسِكَ كَالثَّغَامِ المُخْلِسِ
على أنه قيل: ما كافة لـ "بعد" عن الإضافة، وقيل: مصدريّة، وهو الظاهر، وهو قول جماعة منهم الإسفراييني صاحب "اللباب" قال فيه: ليست ما في البيت بكافة لبعْد عن الإضافة، بل مهيئة للإضافة إلى الجملة، وقال في ما علقه عليه: و"ما" في البيت وإن حكم بأنّها كافة إلاَّ أنَّ ذلك لا يعجبني، فإنَّ "بعد" في البيت على معناه الأصلي من اقتضاء الإضافة إلى شيء، وهو في المعنى مضاف لما بعده، كأنه قيل: بعد حصول رأسك أشمط كالثغام المخلس، فما ذكرت أقرب إلى الصّواب إن شاء الله تعالى. انتهى. وتبعه المحقق الرضي قال: ما فيه مصدريّة على قول بعضهم خلافًا لسيبويه، وسبقهما الأعلم وابن خلف، وأورده سبيويه في
[ ٥ / ٢٦٩ ]
موضعين من كتابه، أورده أولًا في باب ما جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل من أوائل كتابه، قال ابن خلف: الشاهد فيه إعمال المصدر عمل الفعل، ونصب أم الوليد بعلاقة، لأنَّها بدل من اللفظ، فعملت عمله، كأنه قال: أتعلّق أمّ الوليد بعد الكبرّ وأورده ثانيًا في باب الحروف المشبهة بالفعل، فإنّه بعد أن ذكر أنَّ "ما" تكفها عن العمل قال: ونظير إنما قول المرار الفقعسي.
أَعَلَاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ البيت.
"بعد" مع "ما" بمنزلة حرف واحد، وابتداء ما بعده. انتهى. وكذا قرَّره أبو علي في "البغداديّأت" في فصل "كسر لما" وابن الشجري في "أماليه" في فصل عقده لمعاني ما، وقال الأعلم وتبعه ابن خلف: بعد لا يليها الجمل، وجاز ذلك، لأنَّ ما وصلت بها لتتهيأ للجملة بعدها، كما فعل بقلما وربَّما، وما مع الجملة في موضع جر بإضافتها إليها، والمعنى: بعد شبه رأسك بالثغام المخلس، فما مع ما بعدها بمنزلة المصدر، هذا كلامهما، وهو خلاف كلام سيبويه، فإنَّه جعل ما كافّة عن الإضافة، وهما جعلاها مصدريّة، والعلاقة: مصدر علق الرّجل المرأة من باب فرح، وعلاقة إذا أحبّها، والعلاقة: الحب، وتكون العلاقة أيضًا الارتباط في الأمور المعنوية، كعلاقة الخصومة، والعلاقة بالكسر: هي علاقة السوط ونحوه من الأمور الحسِّيَّة، والوليّد بتشديد الياء، مصغر الوليد بمعنى الولد، قال الأعلم وابن خلف: صغَّره ليدلَّ على شباب أمّه، لأنَّ صغر ولدها لا يكون إلا في عصر شبابها، وهذا الحصر غير صحيح، فإنّها قد تكون مُسنو ولها ولد صغير، والأولى أن يكون التصغير للتحبيب، ونكتة إضافتها إليه دون البِنْت ملحها، فإنَّ قولهم أمّ الوليد، وأمّ الصبيين صفة مادحة للمرأة، وقال السّيرافي: الرواية الصحيحة أم الوليد بالتكبير، ويكون مزاحفًا بالوقص، وهو إسقاط الحرف الثاني من متفاعلن، بعد إسكانه، قال: وإنما جعلته الرواة بالتصغير، لأنّه أحسن في الوزن، والوليد:
[ ٥ / ٢٧٠ ]
الصبيّ. انتهى. والأفنان جمع فنن بفتحتين: وأراد بها ذوائب شعره على سبيل الاستعارة، والثغام بفتح المثلثة والغين المعجمة، قال الدينوري في كتاب "النبات": أخبرني بعض الأعراب قال: تنبت الثغامة خيوطًا طوالًا دِقاقًا من أصل واحد، وإذا جفّت ابيضّت كلّها، وهو مرعى تعلفه الخيل، وإذا أمحل الثغام كان أشدّ ما يكون بياضًا، ويشبّه به الشيب قال حسّان:
إمَّا تَرَىْ رَأسي تَغَيَّرَ لَوْنُهُ شَمطًا فَأَصْبَحَ كَالثَّغَامِ المُمْحِلِ
وإذا كان الثغام مخلسًا شبّه به الشعر الشميط، وهو الذي اختلط بياضه بالسواد، والخليس من النبات: الذي ينبت الأخضر منه في خلال يبسه، قال المرار الفقعسي:
أَعَلاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ البيت
أي: بعد ما شمطت، والرأس الشميط: الذي نصفه أبيض، ونصفه أسود. انتهى. والهمزة للتوبيخ خاطب نفسه، وقال: أتعلق أم الوليد وتحبها وقد كبرت وشبت، كما قال العجاج:
أَطَرَبًا وَأَنْتَ قِنِّسْرِي
وقال الأسود أبو محمد الأعرابيّ: ليس الشاعر موبخًا نفسه، وإنما يحكي مّنْ عذله من أصحابه يوضحه قوله:
فَتَهَامَسُوا دُونِي أشَوْقٌ هَاجَهُ وَهْنًا فَقَالَ مُعَالِنٌ لَمْ يَهْمِسِ
أَعَلَاقَةً .. ألبيت، فالقول لمعالن لم يهمس، وليس يقوله الشاعر لنفسه، وتقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثامن بعد الخمسمائة.
[ ٥ / ٢٧١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد الخمسمائة:
بَيْنَمَا نَحْنُ بِالْأَرَاكِ مَعًا إذْ أَتَى رَاكِبٌ عَلَى جَمَلِهْ
لما ذكره. والبيت من قطعة لجميل العذري، تقدَّم بعضها في الإنشاد الواحد والثمانين بعد المائة، وقبله:
يَا خَلِيلَيَّ إنَّ أُمَّ جُسَيرٍ حِينَ يَدْنُو الضَّجِيعُ مِنْ عِلَلِهْ
رَوْضَةٌ ذَاتُ حُوَّةٍ أُنُفٌ جَادَ فِيهَا الرَّبيعُ مِنْ سَبَلِهْ
بَيْنَمَا هُنَّ بِالأَرَاكِ مَعًا إِذْ أَتَى رَاكِبٌ عَلَى جَمَلِهْ
فَتَأَطَّرْنَ ثُمَّ قُلْنَ لَهَا أَكْرِمِيهِ حُبِيتِ فِي نُزُلِهْ
فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ فَاتَّكَأنَا وَشَرِبْنَا الحَلَالَ مِنْ قُلَلِهْ
وَخَلِيلٍ صَافَيْتُ مُرْتَضِيًا وَخَلِيلٍ فَارَقْتُ مِنْ مَلَلِهْ
غَيْرَ بُغْضٍ لَهُ وَلَا مَلَقٍ غَيْرَ أَنِّي أَلَحْتُ مِنْ وَجَلِهْ
وهذا آخر القطعة، وروضة: هخبر أمّ جُسير، والحوَّة: شديدة الخُضرة، والأُنُف بضمتين: الروضة التي لم تُرع، ولم تدسْها الأقدام، والسبل بفتحتين: المطر. وقوله: بينما هنَّ بالأراك، هنَّ ضمير النسوة، وإن لم يتقدَّم ذكرهنَّ، ووقع بدله في كتب النحو بينما نحن، والأراك: موقف بعرفة من ناحية الشام، ونمِرة من مواقف عرفة من ناحية اليمن، وتأطّرن: تعطّفن، وحُبِيتِ: أُعْطِيتِ، والنُّزُل بضمتين: طعام النزيل الذي يُهيَّأ له، والقُلَل: جمع قُلّة بالضمّ: الجرَّة، والضمير للراكب، وقوله: وخليل، أي: رُبَّ خليل، والملل: السآمة، وألحت: أشفقت، يُقال: ألاح من كذا.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد الخمسمائة:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمْرُ أَمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ لَيْسَ نُنْصَفُ
لما ذكره، وبعده:
فَأُفٍّ لِدُنيَا لا يَدُومُ نَعِيمُهَا تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصَرَّفُ
والبيتان لحرقة بنت النعمان بن المنذر أوردهما أبو تمام في "الحماسة"، والرواية: "بينا نسوس الناس" بلا فاء، وساس الأمر يسوسه سياسة: دبره وقام بإصلاحه، والسوقة بالضم: خلال الملك، يطلق على الواحد والاثنين والجمع، وليس نُنصفُ: لا نعامَلُ بالإنصاف، وروي: "إذا نحنُ فيه سُوقَةٌ نتنصفٌ" بالبناء للفاعل، أي: نخدُمُ، قال ابن السكيت: نصفهم وتنصفهم، أي: خدمهم، وتقلَّب وتصرف أصلهما: تنقلب وتتصرف، وحُرَقة، بضم الحاء وفتح الراء المهملتين بعدهما قاف، هي بنت النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة بظهر الكوفة، وهي امرأة شريفة شاعرة، كذا ذكرها الآمدي في "المؤتلف والمختلف" وأنشد لها هذين البيتين، وقد أوسعنا الكلام بما يتعلّق بالبيتين، وبها في شرح الشاهد الثامن بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
[ ٥ / ٢٧٣ ]
وأنشد بعدَهُ، وهو الإنشاد السابع عشر بعد الخمسمائة:
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا زُمِّلَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
على أنَّ ما زائدة. وهو من أبيات لمهلهل قالها حين تنقَّل في القبائل بعد حربِ البسوس حتى جاور قومًا من مذحج يقال لهم: جّنْب، وخطبوا إليه أخته، وكان مهرهم الأَدَمَ، فقال بعد أبيات خمسة عشر:
عَزَّ عَلى تَغْلِبٍ بما لقِيتْ أُخْتُ بني المالِكينَ مِنْ جُشمِ
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الأَرَاقِمَ فِي جَنْبِ وَكَان الحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءِ يَخْطُبُهَا زُمِّلَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
لَيْسُوا بِأَخْتَانِ مَا البَنَاتِ وَلَا يُغْنُونَ مِنْ عَيْلَةٍ وَلَا عَدَمِ
وقد قدَّمنا في الإنشاد الثالث والعشرين بعد الأربعمائة ذكر حرب البسوس، وما آل إليه أمر مهلهل حتى نزل في جنب، وهم ستة رجال، كلّ منهم أبو بطن وهم مُنبَّه، والحارثُ، والغلْيُ، وسيحان، وشمران، وهَفّان كلّهم بنو يزيد ابن حرب المذحجي، وَسُمُّوا جَنْبًا لأنهم جانبوا أخاهم يزيد بن يزيد الملقب بصُداء، كغراب، فلما نزل فيهم، خطبوا إليه أخته، فامتنع، فأكرهوه حتى زوَّجهم، وكان الذي تزوَّجها معاوية بن الحارث بن منبّه.
وقوله: عزَّ على تغلب، من عزَّ عليَّ فعل كذا من باب ضرب، أي: اشتدَّ كناية عن الأنفة عنه، وتغلب: قبيلة مهلهل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم ابن بكر بن حُبَيْب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، والأراقم ستة إخوة: هم جُشَم، ومالك، وعمرو، وثعلبة، ومعاوية، والحارث بنو بكر بن حُبَيْب بالتصغير المذكور، وسبب تسميتهم بالأراقم أنَّ كاهنًا مرَّ بأمهم وهم ستة ملتفون
[ ٥ / ٢٧٤ ]
في قطيفة لها، فقالت: انظر إلى بنيَّ هؤلاء، فقال: والله لكأنما رموني بعيون الأراقم. وقال أبو عبيدة: إنَّ أباهم نظر إليهم لما ترعرعوا، فإذا لهم جُرْأَةً وحِدَّة، فقال لغلام له: إذا كان الليل، فاستغث حتى أنظر إلى ما يفعل أولادي، فذهب إلى حيث أمره مولاه، فاستغاث، فَسَمعوا صوته، فقصدوا قصده، فقالوا له: ويلك ما دهاك؟ وأين القوم؟ فتعلقوا به، ولم يفارقوه، فأقبلوا يهزونه، فلمّا رأى ذلك، قال لمولاه: كفّ عليَّ هؤلاء الأراقم، فقد كادوا يقتلونني.
وأراد بالمالكين: الملوك والسلاطين، وفقدها: فاعل أنكحها، والأراقم فاعل فقدها، وهو مصدر مضاف للفاعل، وفقدته بمعنى طلبته عند غيبته، وفي متعلقة بفقدها، والحباء بكسر المهملة بعدها موحدة: العطية، يريد به المهر، والأدّم، بفتحتين: الجلد المدبوغ، قال الأزهري: الحباء: عطاء بلا منّ ولا جزاء، تقول: حبوته أحبوه حباء، ومنه اشتقت المحاباة، وجعل المهلهل مهر المرأة حباء، وأراد أنهم لم يكونوا أرباب نعم، فيمهرونها الإبل، وجعلهم دبّاغين للأدم. انتهى.
وقوله: لو بأبانين، الباء متعلّقة بجاء، وقدم الظرف، وفصل به بين لو وشرطها لضرورة الشعر، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": أبان، بفتح أوَّله: جبل، وهما أبانان: أبان الأبيض، وأبان الأسود بينهما نحو فرسخ، ووادي الرُّمّة يقطع بينهما، والأول لبني حريد من بني فزارة خاصة، والثاني لبني والبة الأسدي، وقال بعضهم: ويشركهم فيه فزارة، وقال مهلهل:
لَوْ بِأَبَانَينِ جَاءَ يَخْطُبُهَا .. البيت.
يدل قول مهلهل على أنَّ لتغلب في أبانين اشتراكًا مع القبيلتين المذكورتين، أو أنَّ مهلهلًا جاورهما أو إحداهما، وانظر أبانين في رسم شّمام أيضًا. انتهى.
قال هناك: قال الخليل: شمام جبل له رأسان يسمّيان ابني شمام، وقال في موضع
[ ٥ / ٢٧٥ ]
آخر: يسمّيها العرب أبانين، ولمحمد بن حبيب تأليف في "المثنى على التغليب" وغيره لم يذكر هذا فيه.
وقال ياقوت في "معجم البلدان": أبان الأبيض: شرقي الحاجر، فيه نخل وماء، يقال له: أكره وهو العَلَمُ لبني فزارة وعبس، وأبان الأسود: جبل لبني فزارة خاصة، وبينه وبين الأبيض ميلان. وقال أبو بكر بن موسى: أبان جبل بين فيّدْ والنبهانية أبيض، وأبان جبل أسود، وهما أبانان، كلاهما محدّد الرأس كالسنان، وهما لبني مناف بن دارم من تميم، وقال آخرون: أبانان تثنية أبان، ومُتالع، غلب أحدهما، وهما بنواحي البحرين، فاستدلّوا على ذلك بقول لبيد:
دَرَسَ المنَا بمُتَالِعٍ فَأَبَانِ
أراد: درس المنازل، وقيل: ثنية أبان وشَرْورى، وهما جبلان، فغلبوا أبانًا عليه، ثمَّ ذكر ياقوت أبيات مهلهل.
وقال في كتاب "المشترك وضعًا والمفترق صقعًا": أبان الأول: جبل شرقي الحاجر فيه نخل وماء، يقال له: الأكره وهو العلم لبني فزارة وعبس، والثاني: أبان الأسود، جبل لبني فزارة خاصّة، وبينهما ميلان وهما اللذان ذكرهما مهلهل بقوله:
لَوْ بأَبَانَيْنِ جَاء يخْطُبُهَا .. البيت.
وزُمّلٍ: بالبناء للمفعول، من التزميل بالزاء المعجمة، وهو الإخفاء واللّف في الثوب، يقول: لو خطبها في بلادي لهشمت أنفه حتى كان يخفيه بالثوب، وروى المبرد في "الكامل" بدله: "ضرج" من التضريج وهو صبغ الأنف بالدم، وقوله: ليسوا بأختان ما البنات "ما" زائدة بين المضاف والمضاف إليه، والأختان: جمع خَتَنٍ - بفتحتين - وهو الصهر، ومن كان من قبل المرأة كالأب والأخ، والعيلة: الفقر، والعدم، بفتحتين: القلّة. وهذه الأبيات نقلتها من كتاب "أشعار تغلب" للسكري.
[ ٥ / ٢٧٦ ]
وأنشد بعده:
أَنْورًا سَرْعَ مَاذَا يَا فَرُوقُ
وتقدَّم شرحه في الإنشاد التاسع والتسعين بعد الأربعمائة.
وَأَنْشَدَ بَعْدَهُ، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد الخمسمائة:
مَتى مَا تُنَاخِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ تُرَاحِي وَتَلْقَيْ مِنْ فَوَاضِلِه نَدَا
على أنَّ ما زائدة، وتناخي بكسر الخاء مجزوم بمتى حذفت النون للجزم، وهو فعل مضارع بالبناء للمجهول من الإناخة، يقال: أناخ الرجل الحمل فَبَرَكَ وتنوّخ، ولا يقال: ناخ، بل قد يقال: استناخ، كذا في "المصباح" وتُراحي جزاء الشرط مجزوم مثله بحذف النون وهو بكسر الحاء بالبناء للمفعول، ومعناه: يحصل لك الراحة وهي زوال المشقة والتعب، يقال: أرحته فاستراح، وتلقي معطوف على الجزاء مجزوم بحذف النون أيضًا، وهو بفتح القاف من لقيته من باب تعب، وكل شيء استقبل شيئًا أو صادفه، فقد لقيه، وفي "القاموس": الفواضل: الأيادي الجسيمة والجميلة، والندى: بالفتح والقصر: الخير والإحسان.
وابن هاشم أراد به النبيّ ﷺ، وهو جد والده ﷺ، واسمه عمرو، وسمّي هاشمًا، لأنه كان يهضم الثريد للفقراء أيّام القحط والجَدْب، قال الشاعر:
عَمْرُو الذي هَشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ وَرِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ
[ ٥ / ٢٧٧ ]
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري الذي مدح بها النبي ﷺ، ولم يوفّق للإسلام، وتقدَّم شرح أوَّلها إلى بيت بعد هذا البيت بعضها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وبعضها في الخامس والثمانين بعد الأربعمائة، وبقي شاهد منها نشرحه إن شاء الله تعالى مع ما بقي من القصيدة في حرف الألف. والأعشى هو أوَّل من وعد ناقته بالخير والجميل إذا بلغته إلى ممدوحه، وتبعه الفرزدق، فقال يخاطبها:
إلى مَ تَلَفَّتِينَ وَأَنْتِ تَحْتِي وَخَيْرُ النَّاسِ كُلُّهُمُ أَمِامِي
مَتَى تَرِدِي الرُّصَافَةَ تَسْتَرِيحِي مِنَ التَّصْدِيرِ وَالدَّبَرِ الدَّوِامِي
وأوَّل من وعدها بالسوء والشرّ المرأة الغفارية المأسورة بمكّة وقد نجت على ناقة رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال رسول الله ﷺ: "لبئسما جزيتها" وقال ﷺ: "لا نذر في معصية الله جلّ وعزّ، ولا نذر للإنسان في ملك غيره"، وتبعها الشمّاخ فقال:
رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو إِلَى الخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِاليَمِينِ
إذَا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رَحْلي عَرَابَةَ فَاشْرَقي بِدَمِ الوَتِيِنِ
وقد تبع أبو نواس الفرزدق، وردَّ على الشمّاح في قوله:
أقُولُ لِنَاقَتِي إذْ قَرَّبَتْني لَقَدْ أَصْبَحْتِ عِنْدِي بِاليَمِينِ
فَلَمْ أَجْعَلْكِ لِلْغِرْبَانِ نُحْلًا وَلَا قُلْتُ اشْرَقي بِدَمِ الْوَتِينِ
[ ٥ / ٢٧٨ ]
وما أحسن قوله في محمّد الأمين:
وَإِذَا المَطِيّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمَّدًا فَظُهُورُهُنَّ عَلى الرِّحَالِ حَرَامُ
قَرِّبْنَنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِئ الحَصَا فَلَهَا عَليْنا حُرْمةٌ وَذِمامُ
وقد تتبعنا نظائر الوعدين، وأودعناها في شرح الشاهد الستين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
رُبَّمَا ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ .. البيت.
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين.
وأنشد بعده:
وَنَنْصُرُ مُوْلَانَا وَنَعْلَمُ أَنَّهُ .. البيت.
وتقدَّم م الكلام عليه في الإنشاد الرابع والتسعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد الخمسمائة:
نَامَ الْخَلِيُّ فَمَا أُحِسُّ رُقَادِي وَالْهَمُّ مُحْتَضِرٌ لَدَيَّ وَسَادَي
مِنْ غَيْر مَا سقْمٍ وَلكِنْ شَفَّني هُمٌّ أَرَاهُ قَدْ أصَابَ فُؤَادِي
على أنَّ ما زائدة بين المضاف والمضاف إليه، وهما مطلع قصيدة للأسود بن يعفر النهشلي الجاهلي أوردها المفضل في "المفضليات"، قال ابن الأنباري في شرحه: الخلي: الخالي من الهموم، ويقال في مثلٍ: "ويل للشجى من الحلي"، الشجي: الحزين، شجاني الشيء يشجوني: حزنني، وقوله: ما أحسّ، أي: ما أجد منه أثرًا، يقال: أحسست الخبر وحسسته وحسيت به، وشفني: جهدني.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
فأنا مشفوف، والفاعل شافٌّ، وسقم يروى بفتحتين وبالضمّ. انتهى. ومحتضر اسم فاعل، يقال: حضره، واحتضره وتحضّره بمعنى، ووسادي: بدل اشتمال من الياء، والوساد مثلث الواو: المخدّة في لديّ، والسقم: المرض، وشفَّني: أنحلني، وقد شرحنا أبياتًا كثيرة منها بعدهما في الإنشاد السّادس والثلاثين بعد الثلاثمائة.
قال ابن الأنباري: حدَّثني عبد الله بن عمرو، قال: حدَّثني الحكم بن موسى ابن الحسين السَّلولي، قال: حدَّثني أبي، قال: بينا نحن بالرافقة على باب الرشيد وقوف، وما نَفقِدُ أحدًا من وجُوه العرب ولا أشرافها من أهل الجزيرة والشام وأهل العراق، إذ خرج وصيف كأنه درّة، فقال: يا معشر الصحابة، أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: من منكم ينشد قصيدة الأسود بن يعفر:
نامَ الخَلِيّ فَمَا أُحِسُّ رُقَادِي
فليدخل فليمشدها أمير المؤمنين، وله عشرة آلاف، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، فلم يكن فينا أحد يرويها، قال: فكأنما سقطت البدرة عن قربوسي، قال الحكم بن موسى: وأمرني أبي، فرويت شعر الأسود من أجل هذا الحديث. انتهى.
تنبيه: لم يتعرض ابن الأنباري لتخفيف الياء من الشجي ولا لتشديدها ومراده التشديد، لأنّه قال: شجاني الشيء يشجوني، فهو فعل متعد يأتي اسم مفعوله على مفعول وفعيل، فيقال مشجو وشجي، قال صاحب الصحاح: فإن جعلت الشَّجيّ فعيلًا من شجاه الحزن، فهو مشجو وشجيّ بالتشديد لا غير، وقال قبل هذا: ورجل شج، أي: حزين، وامرأة شجيّةٌ على فَعِلَة، ويقال: "ويل للشجى من الخليّ" قال المبرّد: ياء الحليّ مشددة، وياء الشجي مخفّفة، وقد شدّدت
[ ٥ / ٢٨٠ ]
في الشعر، وأنشد:
نَامَ الخَلِيُّونَ عَنْ لَيْلِ الشَّجِييِّنا
انتهى. وتبعه صاحب "القاموس" فقال: وقد تشدّد ياؤه في الشعر، وقال ابن برّي في أماليه على "الصّحاح" قوله: قال المبرد: ياء الخلي مشدّدة .. الخ.
قال أبو جعفر أحمد بن عبيد المعروف بأبي عَصِيدة: الصَّواب تشديد الياء فيهما، وأما الشجيّ بالتخفيف، فهو الذي أصابه الشجى، وهو الغّصَصُ، وأمّا الحزين فهو الشجيّ بتشديد الياء، وقد رواه بعضهم: "ويل اللشجي" بتخفيف الياء وهو غلط ممن رواه، وصوابه تشديد الياء، وعليه قول أبي الأسود الدؤلي:
ويل الشجي من الحلي فإنه نصب الفؤاد لشجوه مغموم
ومنه قول أبي داود:
من لعين بدمعها موليه ولنفس بما عراها شجيه
قال ابن بري: فإذا ثبت هذا من جهة السماع، وجب أن ينظر توجهه من جهة القياس، ووجهه أن يكون اسم المفعول من شجوته أشجوه، فهو مشجو وشجي، كما تقول: جرحته، فهو مجروح وجريح، وأما شج بالتخفيف، فهو اسم الفاعل من شَجِيَ يشجى، فهو شج. انتهى.
والسّابق إلى منع تشديد الياء ثعلب، قال في "فصيحه": وتقول: ويل للشّجِي من الخليّ، ياء الشجي مخففة، وياء الخلي مشدَّدة. انتهى. وقد رده عليه شراحه منهم أبو سهل الهروي، قال في شرحه المسمّى "التلويح في شرح الفصيح".
[ ٥ / ٢٨١ ]
قد تبعه ابن قتيبة، وابن السكيت، وإني لأعجب من إنكار التشديد في هذه اللفظة، لأنه لا خلاف بين اللغويين في أنه يقال: شجوت الرجل أشجوه: إذا حزنته، وشجي هو يشجي شجوًا: إذا حزن، فإذا قلنا: شج، بالتخفيف كان اسمَ الفاعل من شجي يشجى، وإذا قلنا: شجيّ، بالتشديد، كان اسم المفعول من شجوته أشجوه، فهو مشجو وشجي، كقولك: مقتول وقتيل، قال أبو الأسود الدؤلي:
ويل الشجي من الخلي فإنه البيت.
وقال أبو داود:
ولنفس بما عراها شجيه
وناهيك بما، فقد طابق اسلماع القياس كما ترى. انتهى. وكذلك رد عليه الإمام المرزوقي وغيره من الشراح.
وأنشد بعده:
ولا سيما يوم بدارة جلجل
وتقدم شرحه في الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الخمسمائة:
إما ترينا حفاة لا نعال لنا إنا كذلك ما نخفى وننتعل
على أن "ما" زيدت في موضعين منه، وروي: "إنا كذلك قد نحفى" فتكون زائدة في موضع فقط، وهو مع "إن" الشرطية، فإن "إما" أصله إن ما، واللام الموطئة مقدرة قبل إن، وجملة: إنا كذلك. الخ، جواب القسم المقدر، وهو دليل جواب الشرط، والذي دلنا على أن ههذ الجملة جواب القسم عدم اقترانها بالفاء، ولا يحسن جعلها جواب الشرط بادعاء حذفها، لأن حذفها خاص بالشعر
[ ٥ / ٢٨٢ ]
كما تقدم مرارًا، وجعل التبريزي في شرح هذه القصيدة الجملة جواب الشرط، وقال: حذفت الفاء لعلم السامع، والتقدير: فإنا كذلك، وهذا مذهب الكوفيين، وترينا: خطاب لامرأة، وحُفاة: جمع حافٍ، وهو الذي يمشي بلا نعل، وجملة "لا نعال لنا" صفة كاشفة لحفاة، والمعنى: إن ترينا نتبذل مرة، ونتنعم أخرى، فكذلك سبيلُنا، وقيل: المعنى إن ترينا نستغني مرة، ونفتقر أخرى.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري قد ألحقت بالمعلقات السبعة، وشرحها التبريزي معها، وقبله:
قالت هريرة لما جئت زائرها ويلي عليك وويلي منك يا رجل
قالوا: هذا البيت أخنث بيت قالته العرب، وزائرها حال من التاء، أي: زائرًا لها، وإنما قالت له كذا لسوء حاله، وقولها: ويلي عليك، أي: لفقردك، وقولها: وويلي منك، أي: لعدم استفادتي منك شيئًا، وبعد هذا أخذ في تبيين سبب سوء حاله بأنه أفنى ماله في لذاته، فأجابها بقوله: إما ترينا حفاة الخ، فيكون بتقدير القول، أي: فقلت لها: إمّا ترينا حفاة .. ألبيت. ومطلع القصيدة:
ودِّع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وقد شرحنا مع هذا عدة أبيات منها في شرح الشاهد الثامن والثلاثين بعد التسهمائة من شواهد الرضي، وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الخمسمائة:
سلع ما ومثله عشر ما عائل ما وعالت البيقورا
على أن ما قد زيدت في ثلاثة مواضع، قال ابن الشجري في المجلس الثامن والستين من "أماليه" وزادها الأعشى في موضعين من بيت: إما ترينا حفاةً .. البيت، وزادها أمية بن أبي الصلت في ثلاثة مواضع من بيت وهو:
[ ٥ / ٢٨٣ ]
سلعٌ ما ومِثلُه عُشَرٌ ما .. البيت، وذكر ابن قتيبة في كتاب "معاني الشعر" أنَّ الأصمعي ذكر عن عيسى بن عمر أنّه قال: ما أدري ما معنى هذا البيت، ولا رأيت أحدًا يعرف معناه، وقال غيره: إن أمية قال هذا البيت في سنة جدبٍ وكانوا في سنة الجدب يجمعون ما يقدرون عليه من البقر، ثم يعقدون في أذنابها وثنن عراقيبها، السلع والعشر: ضربين من الشجر، ثمَّ يعلون بها في جبل وعر، ويشعلون فيه النار، ويضجّون بالدعاء والتضرَع، وكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا، والبيقور: البقر، والعائل: الفقير، وفي التنزيل: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) [الضحى/ ٨]، وعالت البيقور يعني: سنة الجدب، أي: أثقلت البقر بما حُمِّلَتْ من السلع والعشر، يقال: عالني الأمر، أي: أثقلني. وقوله: وثنن عراقيبها، الثنن: جمع ثنّة، وهو الشعر المحيط بالعرقوب وبالظلف وبالحافر، إلى هنا كلام ابن الشجري. وكلّ من تكلّم على هذا البيت بزيادة "ما" لم يجوِّز أن تكون إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته، وزادته شياعًا وعمومًا، كقولك: أعطني كتابًا ما، تريد: أيّ كتاب كان، لأنّه لا مقتضى لقصدها.
والبيت من قصيدة لأميّة بن أبي الصّلت مطلعها:
مَجِّدوا الله وهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرًا
إلى أن ذكر قصة ناقة صالح وتعدي قدار عليها وهلاك قوم ثمود، ثم ذكر فرعون وادعاءه الألوهية وهلاكه مع قومه في اليمّ، ثم ذكر قوم فرعون وما كشف الله عنهم بدعاء سيدنا موسى ﵇، ثمَّ ذكر عصيانهم له، وما نزل بهم من القحط، والبلاء، فقال:
لا يصيخون للأمير ولا ينفك .. بر من بينهم منحورا
سنة أزمة تخيل بالنا س ترى للعضاه منها صريرا
لا علقى كوكب تنوء ولا ريح جنوب ولا ترى طمرورا
إذ يسفون بالدقيق وكانوا قبل لا يأكلون شيئا فطيرا
[ ٥ / ٢٨٤ ]
قد ثروه بماء ذي الفلك حتى أجمعوه مرارة يمقورا
ويسوقون باقر الطود للسهل مهازئل خشية أن تبيرا
عاقدين النيران في ثكن الأذ ناب منها لكي تهيج البخورا
فاستوت كلها فهاجت عليهم ثم هاجت إلى صبير صبيرا
فرآها الإله توشم بالقطر وأمسى جنابهم ممطورا
فقفاها بأمره واكم النبت أراهم إذ خادعوه النكيرا
سلعا ما ومثله عشرا ما عائلا ما قد عالت البيقورا
هو أبدى لكل ما يأثر النا س أماثيل باقيات سفورا
ثمَّ ذكر أنَّ الله تعالى يرزق جميع المخلوقات من الوحش والطير وغيرهما.
وقوله: للأمير .. الخ، الضمير لقوم فرعون، وأصاخ بالخاء المعجمة: استمع، والبرّ.: الصالح، والمنحور: المذبوح، أشار إلى بني إسرائيل لا يستمعون كلامَ ولاتهم، وأنهم يقتلون الأنبياء والصلحاء.
وقوله: سنة أزمة .. الخ، السنة: القحط، وانكشاف الأرض عن النبات، وأزمة: شديدة، وسنة: مبتدأ، خبره محذوف تقديره: من عذابهم سنة أزمة، وتخيّل أصله تتخيّل، بتاءين، أي: تتلوَّن، وقال شارح ديوانه: أي: تلتوي، والعِضاه بالكسر، وآخره هاء، كل شجر عظيم شائك، الواحدة عضاهة، يقول: تسمع صوته من شدَّة البرد والرّيح لشدّة السنة، والشجر إذا يبس سمع له عند هبوب الرياح صوت.
وقوله: لا على كوكب تنوه .. الخ. قال شارحه يقول: هذه السنة لا تمطر على كوكب، والطمرور: العُودُ اليابس. انتهى. وقال الجواليقي في شرح "أدب الكاتب": يقول: لم يمطر فيها نوء، ولا هبّت جَنوبٌ، ومع الجنوب يكون
[ ٥ / ٢٨٥ ]
السّحاب والمطر. انتهى. وأراد بالكوكب نجوم الأخذ وهي منازل القمر الثمانية والعشرون، والعرب تضيف المطر إليها، وروي: "ولا ترى طخرورا" بالخاء المعجمة وبالمهملة، ومعناهما قطعة من السحاب، وروي أيضًا: "صمرورا" وهو الذي يلقّحج النَّخْلَ.
وقوله: إذ يسفّون بالدّقيق .. الخ، أورده ابن قتيبة في "أدب الكاتب" على أنَّ الباء زائدة، قال شارحه ابن السيّد البطليوسي: أراد يسفَون الدَّقيق، فزاد الباء، وأظنه يصف بني إسرائيل. انتهى. وقال شارحه الجواليقي، أي: يستفّون الدَّقيق، والاستفاف: الاقتماح، ولا يكون إلاَّ في شيء يابس صغار كالسمسمس والخشهاش. ونحو ذلك. انتهى. وقوله وكانوا قبل، أي: قبل هذه السنة، يخبزون الدَّقيق، ولا يسفونه فطيرًا.
وقوله: قد ثروه بماء .. الخ، قال شارحه: ثروه: بلّوه من الثرى، وأجمّعُوهُ: كرهوه من كثرة ما يأكلونه صار مُرًّا، واليمقور: الصَّبر.
وقوله: ويسوقون باقر الطود .. الخ، قال شارحه: خشية أن تبيرا، أي: أن تهلكهم السَّنَة، والباقر: جماعة البقر، والطود: الجبل، وقوله: ويسوقون يقول: يستسقون بها، ويستنزلون المطر. انتهى. ومنه علم أنَّ البقر يحدرونها من الجبل إلى السهل، لا العكس، وكذا قالق الصّاغاني في مادة سلع من "العباب" قال: والتسليع: ما كان أهل الجاهلية يفعلون إذا أسنتوا، كانوا يعلقون السلع مع العُشرِ بثيران الوحش، وحّدّرُوها من الجبال، وأشعلوا في ذلك السّلع والعُشرِ النّارَ يستمطرون. انتهى. وبهذا عبر صاحب "القاموس" لما روى البيت الجوهري في مادة "العَول":
ويسوقون باقر السهل للطود
[ ٥ / ٢٨٦ ]
قال في مادة "السلع": كانوا في الجدب يعلّقون شيئًا من هذا الشجر ومن العشر بأذناب البقر، ثم يضرمون فيها النَّار، وهم يصعدونها في الجبل فيُمْطَرُون: زعموا. انتهى.
وقوله: عاقدين النيران .. الخ، قال شارحه: كانوا يعقدون النيران في أصول ذنب البقر يستسقون بها، ويستبرقون من البرق، والثكنة: مجتمع الشعر في لاذنب، وهاجني هذا الشيء وهجته أنا. انتهى. وأشار بهذا إلى ما عليه العرب والحكماء من أنَّ السحاب ينعقد من الأبخرة المتصاعدة من البحار وغيرها في كرّة الزمهرير، ثمَّ يتقاطر مطرًا،،النيران جمع نار، والثكنة بضم المثلثة وسكون الكاف بعدها نون، وليس في "الصّحاح" و"القاموس" هذا المعنى.
وقوله: فاستوت، كلّها أضمر في استوت ضمير السماء، لكونه معلومًا من المقام، كقوله تعالى: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) [ص/ ٣٢] يعني الشمس، قال شارحه: فاستوت يعني السماء، والصبير: السحاب الأبيض يعترض في السماء.
وقوله: فرآها الإله توشم .. الخ، قال شارحه: يقال: أوشمت السماءُ: إذا برقت، وأخالت للمطر، والجناب: الناحية.
وقوله: فقفاها الخ، قال شارحه: قوله: قفاها، أي: رماها من خلفها واكم النبت، أي: لم يدعه يخرج. انتهى. والضمير في "رآها" وفي "قفاها" للسماء، وفاعل قفا ضمير الإله، وواكم النبت: حال من الضمير، وهو اسم فاعل من وكمه بمعنى قَمَعَهُ، يريد: أنَّ السّماء لما بدأت بالإمطار والأرض بالإنبات، قشع الله السحاب، ومنع النبت، والنكير: الإنكار، وأصله: إذ خادعوه خداع النكير، فلمّا حذف المضاف، أعرب بإعرابه، وإذ ظرف لأراهم، وقوله:
سلعًا ما ومثله عشَرًا ما عَائِلًا مًا
[ ٥ / ٢٨٧ ]
هكذا الرواية في ديوانه، وكذا رواه الصاغاني في "العباب" في مادة السلع، وفي مادة العول، فيكون سلعًا مفعولًا ثانيًا لأراهم من قولك: أريته الشيء من رؤية العين، أي: جعلته رائيًا، وفاعل أراهم ضمير الإله، ومثله معطوف على سلعًا، وعشُرًا بدل منه، وعائلًا صفة عشُرًا، وحذف صفة الأوَّل لدلالة الثاني عليه، وفاعل قد عالت ضمير السنة الأزمة، أي: قد عالت السنة البقر بها، والبيقور: اسم جمع للبقر، يعني أراهم تعذيبهم البقر بهذين من غير فائدة لهم، لكونهم خادعوا الله خداع المنكر، كما حكاه الله تعالى بقوله: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) [الأعراف/ ١٣٤، ١٣٥]، قال شارحه: السلع شجر إذا أكلته الدواب ماتت، وقوله: عائلًا، أي: غالبًا، عالني هذا الأمر، أي: غلبني، وما الأولى والثانية والثالثة صلات، والبيقور: جماعة البقر، انتهى. وقال الصاغاني في "العباب": والسلع بالتحريك شجر مرٌّ، قال أميّة بن أبي الصّلت:
سلعًا ما ومثله عشرًا ما .. البيت. وقال الدينوري: أخبرني أعرابي من أهل السراة قال: السلع شجر مثل السعبق إلا أنه ينبث بقرب الشجرة ثم يتعلق بها، فيرتقي فيها حبالًا خضرًا لا ورق فيها، ولكن قضبان تلتف على الغصون، وتتشبك، وله ثمر مثل عناقيد العنب صغار، فإذا أينع، اسودَّ، فتأكله القرود فقط، ولا يأكله الناس، ولا السائمة، قال: ولم أذقه وأحسبه مُرًّا، قال: فإذا قصقف سال منه ماء لزج صاف له سعابيب، وقال أبو زياد: السلع، نبت وهو سم كله، وهو لقط قليل في الأرض، وله وريقة صفراء شاكة كان شوكها بزُغبٍ وهو بقلة تَفَرَّش كأنها راحة القلب لا أرومة لها، وقال أبو نصر: السّلع بقلة خبيثة الطعم، وعن الأعراب القدم: السلع يخرج في أول البقل لا يذاق إنما هو سمّ، وهو مثل الزرع أوَّل ما يخرج، ويقال: هو ضرب من الصبر. انتهى. وقال أيضًا:
[ ٥ / ٢٨٨ ]
إنَّ العشرَ مثال صرد: شجر له صمغ ولبن وهو من العضاه وثمرته نفاخة كنفاخة القتاد الأصفر، الواحدة عُشَرِة، وله سُكّر يخرج في فُصُوصِ شعبهِ ومواضع زهره، يجمع منه الناس شيئًا صالحًا، وفي سكّره شيء من مرارة. انتهى. وقال أيضًا: وعيل صبري، أي: غلب، وقولهم: "عيل ما هو عائل" أي: غُلِب ما هو غالبه، يضرب الرجل الذي يعجب من كلامه أو غير ذلك، وهو على مذهب الدعاء، قال النمر بن تولب:
فأحبب حبيبك حبًا رويدًا فليس يعولك أن تصرما
وقال أمية:
سلعا ما ومثله عشرًا .. البيت
أي: إنَّ السنة المجدبة أثقلت البقر بما حُمِّلت من السلع والعشر، وإنما كانوا يفعلون ذلك في السنة المجدبة، فيعمدون إلى البقر، فيعقدون في أذنابها السلع والعشر، ثم يضرمون فيها النار، وهم يُصعِّدونها في الجبل، فيمطرون لوقتهم [كما] زعموا. انتهى.
واعلم أن المشهور في كتب النحو رواية البيت:
سلع ما ومثله عشر ما عائل ما وعالت البيقورا
برفع الكلمات الأربعة، ولم أر من تكلم على إعرابه غير أبي علي، لكنه لم يرو الغليل، ولم يشف العليل، قال في "البغداديات": "ما" في كل ذا زائدة، وسلع مرتفع بالابتداء، وعائل خبره، وجاز هذا الفصل بين المبتدأ وخبره، لأنَّ الجملة الفاصلة ملتبسة بالجملة المفصول بها، وأصل العول في اللغة الميل من قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) [النساء/ ٣]، أي: لا تميلوا، أو الإرادة به
[ ٥ / ٢٨٩ ]
في البيت: الثقل، كأنه أثقل الناس والبيقور، وإنما جاز هذا التوسع، لأنَّ الميل مما يتبع الثقل. هذا كلامه برمته، وتبعه تلميذه الجوهري، فرواه في "الصّحاح" كذلك، وضمَّ إليه أبياتًا قبله من القصيدة، وحذف ما بينها من الأبيات، فقال في مادة "العَول" مثل ما نقلناه من "العباب" بعينه، وقول الشاعر: وعالت البيقور، أي: أن السنة الجدبة أثقلت البقر بما حملت من السلع والعشر، وإنما كانوا يفعلون ذلك في السنة الجدبة، فيعمدون إلى البقر، فيعقدون في أذنابها السلع والعشر، ثمَّ يضرمون فيها لانار، وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون لوقتهم [كما] زعموا.
قال أمية بن أبي الصلت يذكر ذلك:
سنة أزمة تخيل بالنا س ترى للعضاه فيها صريرا
لا على كوكب تنوء ولا ريح جنوب ولا ترى طخرورا
ويسوقون باقر السهل للطو د مهازيل خشية أن تبورا
عاقدين النيران في ثكن الأذ ناب منها لكي تهيج البحورا
سلع ما ومثله البيت. انتهى.
ولو كان ترتيب الأبيات كذا لكان سلع خبر مبتدأ محذوف، أي: المقصود سلع، ومثله معطوف على سلع، وعشر بدل منه، وعائل صفة عشر، وحذف صفة سلع لدلالة صفة عشر عليه، لكن ترتيب الأبيات ليست كذا كما رأيت.
وقوله: هو أبدي الخ، الضمير لله جل ذكره، وأبدى: أظهر، وأماثيل جمع أمثال، وهو جمع مثل بالتحريك، وقال شارحه: يأثر، أي: يروي، يقال: أنا آثر هذا الحديث عن فلان، والسفور: الآثار ههنا، والسفور: الكتب واحدها من الكتب سِفر بالكسر، ومن الآثار سَفر بالفتح. انتهى. وإنما أطنبت في شرح هذا الشاهد، لأني لم أرّ من شرحه شرحًا وافيًا بحل تركيبه، وتفهيم معناه، وقد أنعم الله تعالى على عبده بذلك، فلله الحمد على هذه النعمة، وترجمة أمية قد تقدَّمت في الإنشاد الواحد بعد الأربعمائة.
[ ٥ / ٢٩٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الخمسمائة:
أجاعل أنت بيقورا مسلعة ذريعة لك بين الله والمطر
هذا إنكار لما تقدم من أفعال العرب، قال الصاغاني في "العباب": والتسليع: ما كان أهل الجاهلية يفعلون إذا أسنتوا، كانوا يعلقون السلعَ مع العُشَر بثيران الوحش، وحدورها من الجبال، وأشعلوا في ذلك السلع والعُشَر النارَ يستمطرون قال:
لا در در رجال خاب سعيهم يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلغة البيت
وقوله: لا درَّ دّرُّ رجال، أي: لا كثر خيرهم، وهي جملة دعائية، وكذلك قوله: خاب سعيهم، وجملة: يستمطرون .. الخ، صفة لرجال، والأزمات: السنين المجدبة الشديدة، والأزمة: صفة، يقال: سنة أزمة كما تقدَّم، وسكون الزاي في الجمع قياس، ولو كانت اسمًا لفتحت الزاي، وغفل ابن المنلا فقال: والأزمات بسكون الزاي، وقياسها الفتح، لأنها جمع أزمة بالسكون. وقوله: أجاعل؟ الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والذريعة: الوسيلة، وقال الجوهري: والسلع بالتحريك: شجر منه، ومنه السلعة، لأنهم كانوا في الجدب يعلقون شيئًا من هذا الشجر ومن العشر بأذناب البقر، ثم يضرمون فيها النار وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون، زعموا، قال الشاعر:
أجاعل أنت بيقورًا .. البيت
انتهى. ونقلته من نسخة صحيحة جدًا، وفي هامشها قال ياقوت الموصلي: كان في الأصل بذنابي البقر، وقد أصلح من خط أبي زكريا بأذناب البقر، وهو الصواب لأنَّ الذنابي واحد، وفي هامش آخر، قال أبو سهل: قوله: بذنابي البقر
[ ٥ / ٢٩١ ]
خطأ، والصواب بأذناب البقر، لأنَّ الذُنابي واحد مثل الذنب. انتهى. وقد تبعهما صاحب "القاموس" فقال: وقول الجوهريّ: علَّقوا بذنابي البقر غلط، والصَّواب بأذناب. انتهى. وأقول: الغلط منهم لا منه، فإنَّ غاية ما في التعبير بالواحد عن الجمع، وهو سائغ سائغ، قال الله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر/ ٤٥] أي: الأدبار، وأمّا غلطهم، فجهلهم بصحّة ذلك، وزعمهم أنّه خطأ، على أنَّ نسخ "الصحاح" غالبها كما نقلناه، ولو كان فيها ذنابي كما زعموا، لنبّه عليها أبو محمّد عبد الله بن بري في "أماليه" على "الصحاح" والصّاغاني في "العباب" والصّلاح الصفدي في كتابه ""نفوذ السهم فيما وقع في صحاح الجوهري من الخطأ والوهم" ولم ينبّه أحد منهم على ذلك، وهو دليل على أنّه لم يقع في نسخهم ذنابى، ثمَّ إنَّ في بعض نسخ "القاموس" زيادة على هذا الاعتراض وهي: وفي البيت الذي استشهد به تسعة أغلاط. انتهى. وعندي نسختان من "القاموس" وما فيها شيء من هذا، والذي أجزم به أنَّ هذه الزيادة ليست لصاحب "القاموس" بل هي مدرجة فيه لوجهين:
أحدهما: أنَّ قائل الشعر عربيّ قحّ من بني مازن الطائيّ، وهو شاعر إسلاميّ قديم، وأظنّ أنه مخضرم، ونسبه إليه صاحب "العباب" كما نقلناه، وكذا نسبه إليه ابن برّي قال: والبيت الذي أنشده لودّاك الطائي، وقبله:
لا دّرُّ دَرٌّ رِجَالٍ خَابَ سَعيُهُمُ البيت.
وقال صاحب "العباب": الوَدَك دَسَمُ اللّحم، والوَدَّاك: الّذي يبيع الوَدَّك، وودّاك بن ثميل المازني الطائي شاعر. انتهى. وَثُمَيل بضمّ المثلثة وفتح الميم وسكون المثناة التحتيّة، ومعلوم أنَّ العربيّ الصّريح لا يجوز أن ينسب إليه الغلط في الألفاظ، وإنما يجوز غلطه في ما يتعلق بالمعنى، يقال: غلط في منطقه غلطًا من باب فرح: إذا أخطأ وجه الصواب.
والوجه الثاني: أنَّ هذه الزيادة لو كانت لصاحب "القاموس"، لبيّن وجوه الأغلاط إجمالًا، أو أحال بيانها على كتاب كما هو المعتاد في إطلاق مثله عند العلماء،
[ ٥ / ٢٩٢ ]
وإلًا كان نوعًا من التكليف بِعِلْم الغَيْبِن وقد تمحَّل وتعسف بعض الفضلاء لبيان هذه الأغلاط، فكتب على هامش نسخته من "القاموس" ما نصّه: أقول: قد لاح لي في هذه الإغلاط التسعة، تسعة وجوه خطرت بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال.
الأوَّل: إدخال الهمزة على غير محلّ الإنكار، وهو جاعل، والواجب إدخالها على المسلّعة، لأنها محلّ الإنكار. انتهى. وأقول: المنكر إنما هو فعلهم، وإنكار المسلعة بالتبعيّة، والقاعدة أن يلي همزة الإنكار ما كان منكرًا بالأصالة.
الثاني: تقديم المسند الذي هو خلاف الأصل، فلا يرتكب إلا لسبب من الأسباب، قال في "المطوّل": وأمّا تقديم المسند، فتلخيصصه بالمسند إليه، أي: لقصر المسند إليه على المسند، لأنَّ معنى قولنا: قائم زيد، أنّه مقصور على القيام لا يتجاوزه على القعود، ثم قال: أو للتنبيه من أوَّل الأمر على أنّه خبر، أو التفاؤل، أو التشويق إلى ذكر المسند إليه. ولا يخفى عدم مناسبة شيء من هذه الوجوه في هذا المقام ولا يخفى أنَّ نفس جعل الذريعة إليه تعالى ليس منكرًا بدليل: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة/ ٣٥]، وإنما المنكر المسلعة، فكان الواجب تقديمها وإدخال الهمزة عليها، ويقول: أمسلعة أنت تجعل ذريعة الخ. انتهى. وأقول: أراد بالتقديم تقديم ما حقه التأخير، بدليل المثال الذي أورده من "المطول" وهذا سهو منه وغفلة، فإنَّ تقديم جاعل بحق الرتبة، لأنه مبتدأ، وأنت فاعل سد مسد الخبر، فاستدلاله بكلام المطوَّل يبقى ضائعًا، وقوله: إنما المنكر المسلعة .. الخ، قد قدَّمنا أنَّ إنكار المسلّعة إنما نشأ من إنكار فعلهم، فالمنكر بالأصالة إنما هو فعلهم، وإنكار المسلّعة بالتبعيّة.
الثالث: أن ترتب هذا البيت على ما قبله يقتضي أنّه قصد به الالتفات من الغيبة قطعًا، وأنه بعد أن حكى عنهم حالتهم الشنيعة التفت إلى خطابهم بالإنكار ومواجهتهم بالتوبيخ، وحينئذ ففيه أنّه أخطأ في إيراد أحد اللفظين بالجمع، والآخر بالإفراد، وشرط
[ ٥ / ٢٩٣ ]
الالتفات الاتحاد انتهى. وأقول: الاتحاد موجود، فإنَّ المخاطب من الذين يفعلون ذاك الفعل، فإنّه دعا عليهم أولًا، ثمَّ خصَّ واحدًا منهم بالخطاب.
الرّابع: أنّ الجاعلين هم العرب في الجاهليّة الذين حكى عنهم في البيت الأوَّل، فلا وجه لتخصيص واحد منهم بالإنكار عليه دُون البقية لا يقال: هذا الوجه داخل في الذي قبله، لأنّا نقول هذا، وأراد بقطع النظر عن كونه التفاتًا أو غير التفات من حيث أنّه نسب أمرًا إلى جماعةِ، ثم خصص واحدًا بالإنكار من غير التفات إلى الالتفات أصلًا. انتهى. وأقول: يلزم من الإنكار عليه الإنكار عليهم، لأنّه أحد الفاعلين ذلك.
الخامس: تنكير المسند، إذ لا وجه له مع تقدم العهد حيث علم أنَّ مراده بالجاعل هم الأناس المذكورون في البيت، فكيف ينكر المعهود، وكان حق الكلام أن يقال: أمسلّعة أنتم الجاهلون. الخ. انتهى. وأقول: هذا مبنيّ على أنَّ المنكر هو المسلّعة، وقد رددناه، وتنكير جاهل هو المقتضى للمقام، فإنَّ المخاطب أحد من يجعل ذلك، ولو عرّفه لاقتضى الحصر فيه وهو باطل.
السادس: البيقور اسم جمع كما في "القاموس" واسم الجمع، وإن كان له مذكر ومؤنث، لكن قال الرضي في بحث العدد ما محصله: إن الجمع إن كان مختصًا يجمع المذكر كالرهط والنفر والقوم، فإنها بمعنى الرّجال، فيعطى حكم المذكر في التذكير، فيقال: تسعة رهط، ولا يقال: تسع رهط: كما تقول: تسعة رجال، ولا تقول: تسع رجال، وإن كان مختصًا بالمؤنَّث، فيعطى حكم الإناث نحو ثلاث من المخاض، فإنها بمعنى حوامل النوق، وإن احتملها كالخيل والإبل والغنم، لأنها تقع على الذكور والإناث، فإن نصّت على أحد المحتملين، فإنَّ الاعتبار بذلك النصّ. انتهى. فقد صرَّح بأنها إذا استعملت مرادًا بها الذكور يعطى حكم الذكور، فقد نصّ صاحب "القاموس" وغيره على أنهم يعلّقون السلع على الثيران كما تقدَّم، فبهذا الاعتبار لا يسوغ وصف البيقور بالمسلّعة. انتهى. وأقول: إن قال صاحب "القاموس" يعلّقون السّلع على الثيران، فقد قال غيره: يجمعون ما يقدرون عليه من
[ ٥ / ٢٩٤ ]
البقر، ثمَّ يعقدون في أذنابها كما تقدم في كلام ابن الشجري، وقال الأزهري في "التهذيب": أبو عبيد عن الأصمعي قال: كانت العرب في جاهليتها تأخذ حطبَ السلع والعُشَر في المجاعات وقحوط القطر، فتوقر ظهور البقر منهما، ثمَّ توقد النار فيهما يستمطرون بلهب النّار المشبّه بسنا البرق. انتهى.
وقال حمزة الأصبهاني في آخر "أمثاله" في خرافات العرب: زعموا أنَّ لاستجلاب المطر إذا أمسكت السّماءُ حيلةً، فكانوا يعمدون إلى البقر، فيعقدون في أذنابها السَّلَع والعُشَر، ثمَّ يُضرمون فيها النار وهم يصعِّدونها في الجبل، فيمطّرون لوقتهم، زعموا. انتهى.
السابع: إيراد المسلعة صفة جارية على موصوف مذكور والذي يظهر من عبارة "الصّحاح" أنها اسم للبقر التي يعلّق عليها السلع للاستمطار لا صفة محضة حيث قال: ومنه المسلّعة ثيران وحش علّق عليها السلع، وحينئذ فلا تجئ على موصوف، كما أنَّ الركب اسم لركبان الإبل مشتق من الركوب، ولم يستعمل جاريًا على موصوف، فلا يقال: جاءني رجال ركب. انتهى. وأقول: المسلعة صفة جارية على موصوف، ومراد صاحب "الصحاح" ومنه البقر المسلّعة بدليل أنّه لم يذكر أحدٌ من أهل اللغة أنها اسم، وما نقل عن السيوطي لا أصل له، وإنما قال: المسلّعة بقر علق فيه السلع.
الثامن: أنَّ المنصوص عليه في كتب اللّغة أنَّ الذريعة بمعنى الوسيلة لا غير، وأنَّ الوسيلة مستعملة في التعدية بإلى، فاستعمال الذريعة ها هنا بدون إلى مع لفظة "بين" مخالف لوضعها واستعمالها المنصوص عليه، وأمّا اللام في "لك" فإنها للاختصاص، فلا دخل لها في التعدية. انتهى. وأقول: نصَّ الرضي وغيره أنّه لا يلزم من كون كلمة بمعنى أخرى أن تتعدَّى بما تعدَّت به، ولم يسمع تعدي
[ ٥ / ٢٩٥ ]
الذريعة بحرف، وإنما سمع تعدي الوسيلة على أنه لا مانع من ترك الصلة إذا كان معنى الكلام ظاهرًا.
التاسع: قوله بين الله والمطر، والصواب بينك وبين الله لأجل المطر، وذلك لأنهم كانوا يشعلون النيران في السلع والعشر المعلّقة على الثيران ليرحمها الله تعالى، وينزل المطر لإطفاء النار عنها. انتهى. وأقول: هذا تحجير في التوسع بطرق الكلام الجائزة، ولا قائل به.
ثمَّ رأيت رسالة لبعض الأروام، يقال له: صنع الله ابن القاضي إبراهيم؛ زعم فيها أنّه حقق الأغلاط التسعة، وها أنا أسردها عليك لتحيط بها علمًا. قال: اعلم أنّه لما قال: يستمطرون لدى الأزمات بالعشر كان مظنة أن يسأل عن كيفية الاستمطار، فالتأدية عما يجاب عنه يستدعي أن يكون بالجملة الفعلية على طريقة الاستئناف البياني، فأبرز الكلام في موقع الاستئناف بصورة الالتفات، وأن تخبير بأن عدوله من الجملة الفعلية الدالة على التجدّد والحدوث إلى الجملة الاسميّة الدّالّة على الدّوام والثبوت يكون غلطًا، لأنَّ من المعلوم أنَّ التسليع لا يستمر استمرار الدوام والثبات، بل كان مما يحدث في وقت دون وقت، فالصواب إذن التأدية عن هذا المعنى بالجملة الفعلية دون الاسمية كما لا يخفى، على أن مراده يتم بدون الجعل ثمة بأن يقول مثلًا: يسلّعون ثيار الوحش بينهم وغير ذلك، ثمَّ إنَّ البيقور إن كان اسم جنس، كما قاله الجوهري كان حقّه أن يوصف بالمذكّر كتمر طيّب، فعلى هذا تأنيث وصفه يكون غلطًا وفيه بحث، لأنَّ اسم الجنس على ما قيل يجوز في وصفه التذكير نظرًا إلى اللفظ، والتأنيث نظرًا إلى المعنى. قال التفتازني في أوائل "التلويح": الكلم من الكلمة بمنزلة التمر من التمرة يفرق بين الجنس، وواحدة بالتاء، واللفظ مفرد، إلا أنه كثيرًا ما يسمى جمعًا نظرًا إلى المعنى الجنسي، ولاعتبار جانبي اللفظ والمعنى يجوز في وصفه التذكير والتأنيث، قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) [القمر/ ٢٠] أي: منقطع عن مغارسه ساقط
[ ٥ / ٢٩٦ ]
على وجه الأرض، وقال تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) [الحاقة/ ٧] أي: متآكلة الأجواف، فعلى هذا وصفه بالمؤنث لا يكون غلطًا، وأمّا إن كان اسم جمع، كما قاله الفيروزابادي، فيستدعي أن يوصف بالجمع البتَة كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [يونس/ ٨٥] وكما في قوله تعالى: (هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ) [الدخان/ ٢٢]، فعلى هذا إفراد وصف البيقور يكون غلطًا، والصواب حينئذ مسلعات، وهذا بالقنظر إلى الوصفية الأصلية، وإلا لا يصح وقوع الاسم صفة، ومن المعلوم أنّ الجمع المصحح في ذوات ما لا يعقل بالألف والتاء كما أنه في ذوات العقلاء بالواو والنون، ثمَّ إن ذكر البيقور مع توصيفه بالمسلعة غلط آخر، إذ المسلعة اسم للبقر المسلع منقولة من الوصفية إلى الاسمية كالنطيحة للمنطوح، والذبيحة للمذبوح، والفاتحة والخاتمة، وفي مثله يستوي المذكر والمؤنث، ولا يكون جاريًا على الموصوف، والتاء علامة لكون الوصف اسمًا للغلبة يؤيّده قول الجوهري. ومنه المسلعة حيث لم يقل، ومنه البقر المسلعة، ولا يذهب عليك أنَّ التاء لتأنيث الموصوف دون علامة الفعل، إذ الموصوف علم ذلك فيما مرَّ من قول صاحب "القاموس" كانوا إذا أسنتوا، علقوا السلع مع العشر بثيران الوحش، وهي الذكور من البقر دون إناثها كما ذكره السيوطي في "شرح شواهد المغني" نقلًا عن أئمة اللغة أنَّ السلعة ثيران وحش علق عليها السلع، ثم لا يلتبس أن تنكير بيقور غلط أيضًا لتقدم ذكره كفاية في البيت السابق، إذ الاستمطار بالعشر لدى الأزمات إنما يكون بتسليع البيقور، نظيره قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) [آل عمران/ ٣٦] بعد قوله تعالى: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) [آل عمران/ ٣٥] على أن "جعل" من أفعال القلوب، وهي تغير المبتدأ والخبر لفظًا بنصبهما ومعنى لتأثيرها في كلا الجزءين، وصار الذي كان خبرًا مفعولًا ثانيًا، فلا يصح تنكير البيقور حينئذ، لكونه متبدأ في الحقيقة، فإن قلت: أليس يمكن أن يجعل بيقورًا نكرة مخصصة بمسلعة حتى يصلح أن يقع مبتدأ، ويجعل ذريعة
[ ٥ / ٢٩٧ ]
مفعولًا ثانيًا لجاعل؟ قلت: يلزم إذن أن تكون التاء لتأنيث الموصوف وقد علمت أن موصوفها مذكر، ثمَّ لا يخفى عليك أنَّ الذريعة في اللّغة: الوسيلة، يقال: تذرع فلان بذريعة، أي: توسل، وتوسل إليه بوسيلة، إذا تقرَّب إليه بعمل، والذريعة مستعملة بإلى، قال السكاكي في الحالة التي تقتضي كون المسند إليه موصولًا: ربما جُعِل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم، وربما جُعِل ذريعة إلى شأن الخبر، فها هنا التسليع وسيلة، والمطر متوسل إليه، والجاهليّون هم المتوسّلون، فعلى هذا تَرْكُ صلة الذريعة غلط، واستعمال ذريعة مفعولًا له بدون اللام غلط، لأنه شرط في انتصابه أن يكون مصدرا وفعلا لفاعل الفعل المعلل، ومقارنًا في الوجود، ومتى فقد شيء من ذلك فاللام واجب، وأيضًا إبدال اللام من "بين" في قوله لك غلط، وإيراد العطف ف يغير محلّه غلط، وإذ كان التسليع بينهم وسيلة إلى المطر أراد أن يقول على طريقتهم المثلى: أتسلع البيقور تذرعًا إلى المطر بينك وبين الله!؟
والحاصل أنَّ أوَّل الأغلاط التسعة فيه: العدول من حق الكلام الذي هو الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية، ثانيها: تنكير ما كان حقه التعريف، ثالثها: ذكر ما لزم تركه عرفًا، رابعها: إفراد ما لزم جمعه، خامسها: تأخير ما لحقه التقديم، - ـسادسها: إجراء بعض الأسماء على الموصوف، سابعها: ترك الصلة رأسًا، ثامنها: إبدال ما لا يصلح للإبدال، تاسعها: إيراد حرف العطف في غير محلّه. هذا غاية ما أمكن لنا في التفصّي عن الأغلاط، وللباحثين عنها مجال ان يمنع كل واحد منها، ويلاحظ فيها وجوهًا أخر. هذا آخر كلامه، ومن خطه نقلت وعُرِفَ ردّها ممّا قدَّمناه. وقوله: ترك الصّلة غلط لم يقل به أحد، وقوله: ذريعة مفعول له سهو وغفلة، فإنّه المفعول الثاني لجاعل كما قدّمه هو.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الخمسمائة:
أمرتُك الخير فافعل ما أمرت به
وتمامه:
فقط تركتك ذا مالٍ وذا نشبِ
على أنَّ أصله: أمرتك بالخير، فحذفت الباء، فانتصب، لأنَّ أمر يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد وإلى ثان بالباء، وأورده سيبويه في أوَّل كتابه في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين. قال ابن خلف تبعًا للأعلم: الشاهد فيه على حذف حرف الجر من الخير، وأصله أمرتك بالخير، وسوّغ الحذف والنصب أن الخير اسم فعل يحسُن "أن" وما عملت فيه في موضعه، و"أن" يحذف معها حروف الجر كثيرًا تقول: أمرتك أن تفعل، وعجبت أن تفعل، تريد: بأن تفعل، ومن أن تفعل، فيحسن الحذف في هذا لطول الاسم ويكثر، فإذا وقع موقع أن اسم فعلٍ شبه بها، حسن الحذف، فإن قلت: أمرتك بزيد لم يجز أن تقول: أمرتك زيدًا، وقوله: فقد تركتك، الفاء جواب الأمر، وتركتك إن كان بمعنى: صيّرتك كان ذا مال مفعولًا ثانيًا، وإن كان بمعنى خلفتك كان ذا مال حالًا، وذا نشب بشين معجمة، كذا رواه أصحاب سيبويه في كتابه، ولم يختلفوا فيه، ورواه الهجري بسين غير معجمة، لأنَّ قوله: ذا مال أغنى عن ذكر النشب، واحتجَّ للأول بأنَّ العرب أكثر ما تستعمل النشب في الأشياء الثابتة التي لا براح لها كالدور والضّياع، وأكثر ما يوقعون على ما ليس بثابت كالدرهم والدينار، وربما أوقعوا المال على جميع
[ ٥ / ٢٩٩ ]
ما يملكه الإنسان، وأعاد ذكر النشب، وأنشد البيت سيبويه لعمرو بن معدي كرب، وذكر الهجري في "نوادره" أنه لأعشى طرود، واسمه: إياس ابن عامر، وقيل: إنّه لعبّاس بن مرداس، انتهى كلام ابن خلف، وقيل: هو من شعر لخفاف بن نَدْبَةَ، وقيل: لزرعة بن السائب، وبعده:
وَاتْرُكْ خَلائِقَ قَوْمٍ لا خَلاقَ لُهمْ وَاعْمَلْ لأَخْلاقِ أَهْلِ الفضْلِ والأدب
وقد ذكرنا ما يتعلق به مبسوطًا في الشاهد الثاني والخمسين من أوائل شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
قَلِيلٌ مِنَ الأَصْوَاتِ إلا بُغَامُهَا
وصدرُهُ:
أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث بعد المائة.
وأنشد بعده:
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا
وتقدم شرحه أيضًا في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة.
[ ٥ / ٣٠٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الخمسمائة:
أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّهُ مما يَقُومُ عَلَى الثَّلَاثِ كَسِيرَا
على أن قوله كسيرًا خبر فما يزال، وهذا اختيار ابن الشجري، قال في المجلس الحادي عشر من "أماليه" قال: وانتصاب كسيرًا على أنه خبر ما يزال، وقوله: مما يقوم على الثلاث، ما: مصدرية، فالمعنى: من قيامه، ومن متعلقة بالخبر المحذوف، فتحقيق اللفظ والمعنى: ألف القيام على ثلاث، فما يزال كسيرًا، أي: ثانيًا إحدى قوائمه حتى كأنه مخلوق من القيام على الثلاث، ومثله في وصف العين باسم الحدث قول الآخر:
أَلا أَصْبَحَتْ أَسْماءُ جاذِمَةَ الحَبْلِ وَضَنَّتْ عَلَيْنَا وَالضَّنِينُ مِنَ البُخْلِ
كأنه قال: والضنين مخلوق من البخل، ومثله:
وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ قَبْلَكِ وَالمَطْلِ
أي: والنساء خلقن في أول الدهر من الإخلاف والمطل، وقد ذهب بعضهم إلى أن ما بمعنى الذي، والمضمر في يقوم عائد على ما، وكسيرًا: حال من الضمير، وهو بمعنى مكسور، كقتيل ومقتول، وخبر ما يزال الجملة من كأن واسمها وخبرها، والقول الأول قول أهل العلم الموثوق بعلمهم، وكسير من الأوصاف المعدولة عن فاعل إلى فعيل للمبالغة، فكسير أبلغ في الوصف من كاسر، كما أن رحيمًا وسميعًا وقديرًا أبلغ من راحم وسامع وقادر؛ لأن الموصوف بفعيل هو الذي يكثر منه ذلك الفعل، ومعنى كاسر ثان من قولك: ثنى يده، أي: لواها، وثنى الفرس قائمته، والصفون مصدر صفن: إذا ثنى في وقوفه إحدى قوائمه، فوقف على سنبكها، وقد يكون الصفون أيضًا في غير هذا جمع صافن، قال عمرو بن كلثوم:
[ ٥ / ٣٠١ ]
تَرَكْنَا الخَيْل عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ مُقَلدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونا
انتهى كلام ابن الشجري.
وقال قبل هذا في المجلس التاسع عند إعراب قوله تعالى: (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) الصافن من الخيل: القائم الذي يثني إحدى يديه، أو إحدى رجليه حتى يقف بها على سنبكه، والسنبك: مقدم الحافر، فثلاث من قوائمه حوافرها مطبقة على الأرض، والرابعة متصل بالأرض طرف حافرها فقط، هذا قول أهل اللغة، وأصحاب التفاسير، وقال بعض اللغويين: الصافن: القائم ثنى إحدى قوائمه، أو لم يثنها، وأصوب القولين عندي الأول، بدليلين، أحدهما قول الشاعر:
أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّه البيت
والثاني: قراءة عبد الله: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافِنَ) [الحج/ ٣٦]، أراد: معقلات قيامًا على ثلاث، شبه الإبل التي تقام لتُنحر، وإحدى قوائم البعير معقولة، بالخيل الصافنة، انتهى.
وأورده صاحب "الكشاف" عند هذه الآية، على أن الصافن الفرس الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل، وهو من الصفات المحمودة في الخيل لا تكاد توجد إلا في العراب الخلص.
وقول المصنف: وقيل "ما" بمعنى الذي الخ، هذا قول أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش في كتاب "أبيات المعاني" واختاره ابن الحاجب في "أماليه" ورد ما تقدم بناء على أنه لا يصح جعل ما في قوله: "مما يقوم" مصدرية من ثلاثة وجوه:
[ ٥ / ٣٠٢ ]
أحدها: أن كأن تبقى بلا خبر إذ "مما يقوم" لا يصلح أن يكون خبرًا لفوات الفائدة فيه.
ثانيها: أن "كأن" تبقى غير مرتبطة بشيء.
ثالثها: ما يلزم من أنه حكم عليه بالكسر، وليس كذلك، قال: ويجاب عن الثالث بأن يكون التقدير شبه كسير، وأجاب ابن الشجري عن الأول بتأويل وصف العين بالحدث للمبالغة، أي: مخلوق من القيام على الثلاث، فحصلت الفائدة على أبلغ وجه، وأجاب عن الثاني بأن "كأن" تكون غاية، فيحصل ارتباطها بما قبلها، والمعنى حتى كأنه مخلوق من القيام، ولا يريد أن حتى الابتدائية محذوفة؛ لأنه لم يقل به أحد، وإنما ذلك معنى الكلام وفحواه، وأجاب عن الثالث أيضًا بان كسيرًا معناه ثان إحدى قوائمه، وليس من الكسر الذي هو خلاف الصحة حتى يؤول بشبه كسير، وإن شئت الوقوف على كلامه، فهو أنه قال: هذا البيت يوهم أن كسيرًا خبرًا لكأن في المعنى، إذ يسبق إلى الفهم أنه شبهه لشدة رفعه إحدى قوائمه بكسير، وأن قوله مما يقوم على الثلاث تقرير لسبب تشبيهه به فكأنه قال: كأنه كسير من أجل دوام قيامه على الثلاث، ويلزم على هذا أن يكون نصب كسير لحنًا، فينبغي أن يطلب له وجه يصح في الإعراب، ولا يخل بالمعنى، فتقول: إنما أخبر بقوله مما يقوم، وما بمعنى الذي، فكأنه قال: من الخيل التي تقوم على الثلاث كسيرًا، فيكون كسير حالًا من الضمير في يقوم، وذكر يقوم إجراء له على لفظ ما، فشبه بالخيل التي تقوم على ثلاث في حال كونها مكسورًا إحدى قوائمها، فاستقام المعنى المراد على هذا، ووجب نصب كسير باعتباره على الحال، ولا يستقيم أن يكون كسير خبرًا ليزال؛ لأنك إذا جعلته خبرًا ليزال، فلا يخلو إما أن تكون "ما" في مما يقوم مصدرية كما قدرت أولًا، أو بمعنى الذي كما قدرت ثانيًا، فإن جعلتها مصدرية بطل لوجوه، أحدها: أن كأن تبقى بلا خبر إذ مما يقوم لا يصلح أن يكون خبرًا لفوت الفائدة فيه، والثاني: أن كأن تبقى غير مرتبطة بشيء، والثالث: ما يلزم من أنه حكم عليه بالكسر وليس كذلك، ويجاب
[ ٥ / ٣٠٣ ]
عن الثالث بأن يكون التقدير شبه كسير، وإن كانت ما بمعنى الذي، فسد لما يؤدي إليه من اختلال المعنى، وذلك أن كسيرًا يكون خبرًا ليزال، فيكون المعنى: فما يزال كسيرًا على الحقيقة، أو شبه كسير، ثم قوله: كأنه من التي يقمن على الثلاث، تشبيه للشيء بشيء آخر هو على حاله؛ لأنه على هذا إنما شبه بالخيل التي تقوم على الثلاث، فصار قائلًا: كأن هذا القائم على الثلاث من الخيل القائمة على ثلاث، لخروج كسيرًا عن خبر كأن، ودخوله في خبر ما يزال، هذا إن جعلت كسيرًا وكأنه خبرًا بعد خبر، فإما أن لم تجعله كذلك، فسد لذلك، ولكون كأن مع ما في حيزها عن الربط بما هو معها، وذلك فاسد، هذا آخر كلام ابن الحاجب، وسبب هذا كله حمل كسير على خلاف الصحة، وعدم حمل "مما يقوم" على المبالغة، ولله در ابن الشجري في غوصه على المعاني الدقيقة، وهذا البيت لم أقف على قائله.
(مِنْ)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الخمسمائة:
(٥٢٥) تخُيِّرْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ إلى الْيَوْمِ قَدْ جُرِّبْنَ كُلَّ التَّجَارِبِ
على أن "مِنْ" ابتدائية في الزمن، قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد إيراد الشواهد الكثيرة: وكونها لابتداء الغاية للزمان مختلف فيه، مَنَعَ من ذلك البصريون، وأثبته الكوفيون، وهو الصحيح، وقد كثر ذلك في لسان العرب نَثْرِها ونظمها كثرة تسوغ القياس وتأويل البصريين لذلك مع كثرته ليس بشيء، وذهب ابن الطراوة إلى أنك إذا أردت الانتهاء في الزمان والابتداء فيه أتيت بإلى ومِنْ، كما أن ذلك يكون في المكان كذلك، فلابد من "من" إذا أردتهما، قيل له: إذا أردت ذلك
[ ٥ / ٣٠٤ ]
في الزمان، استعملت مذ، فتقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى يوم الأحد، فزعم أن هذا لا يجوز؛ لأن قولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة يفهم منه أن انقطاع الرؤية اتصل إلى آخر الإخبار، فلا يحتاج هنا إلى حرف الانتهاء، وإنما يحتاج إلى حرف لا يستغرق الوقت نحو "من" فلابد من دخول من على الزمان في هذا الموضع، انتهى.
والبيت من قصيدة النابغة الذبياني مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر: ملوك الشام الغسانيين، وقبله:
وَلا عَيْبَ فِيِهمْ غَيْر أَنَّ سيوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكتَائِبِ
وقد شرحنا أبياتًا من أول القصيدة التي في الإنشاد الثامن والستين بعد المائة.
وبعده
تَقُدُّ السَّلُوقيّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحبُاحِبِ
بِضَرْبٍ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ وطَعْنٍ كإيزَاغِ المَخَاضِ الضَّوَارِبِ
فَهُمْ يَتَسَاقَونَ المَنِيَّةَ بَيْنَهُمْ بأيْدِيِهمُ بِيضٌ رِقَاقُ المَضَارِبِ
يَطِيرُ فُضاضًا بَيْنَهُمْ كُلُّ قَوْنَسٍ ويَتْبَعُها مِنْهُمْ فَرَاشُ الحَوَاجِبِ
رِقَاقُ النِّعَالِ طَيْبٌ حُجُزَاتُهُمْ يُحَيَّونَ بِالرَّيحَانِ يَوْمَ السَّبَاسِبِ
تُحيَيِّهِمُ بِيضُ الوَلائِدِ بَيْنَهُمْ وَأَكْسِيَةُ الإضْرِيجِ فَوْق المشاجِبِ
يَصونُونَ أَجْسَادًا طَوِيلًا نَعِيمُها بخالِصَةِ الأردانِ خُضْرِ المَنَاكِبِ
وَلا يَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بعْدَهُ وَلا يحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لا زِبِ
حَبَوْتُ بها غَسَّانَ إذْ كُنْتُ لاحقًا .. بِقَوْمٍ وَإذْ أَعْيَتْ عَلَيَّ مَذاهِبي
وهذا آخر القصيدة، وقوله: تخيرن بضمتين: فعل ماض مجهول، والنون ضمير السيوف من تخيرت الشيء: إذا انتخبته، وروي: "تورثن"، وكذلك جُرين بالبناء للمفعول من التجربة، والتجارب بكسر الراء جمع تجربة.
[ ٥ / ٣٠٥ ]
وحليمة: هي بنت الحارث بن أبي شمر الغساني ملك عرب الشام، وفيها سر المثل، فقيل: "ما يوم حليمة بسر"، أي: خفي، وهذا اليوم هو اليوم الذي قُتل فيه المنذر بن المنذر ملك عراق العرب، فسار بعربها إلى الحارث الغساني، وكان في عرب الشام، وهو أشهر أيام العرب، وإنما نسب اليوم إلى حليمة؛ لأنها حضرت المعركة مخضضة لعسكر أبيها، فتزعم العرب أن الغبار ارتفع في يوم حليمة حتى سد عين الشمس، وظهرت الكواكب المتباعدة من مطلع الشمس، فسار بها المثل اليوم، فقال: لأرينك الكواكب ظهرًا، كذا في "كامل المبرد"، وفي "أمثال حمزة الأصفهاني".
وقال شارح ديوان النابغة: كانت حليمة من أجمل النساء، فأعطاها أبوها طيبًا، وأمرها أن تطيب من مر بها من جنده فجعلوا يمرون بها، وتطيبهم، فمر بها شاب، فلما طيبته تناولها، فقبلها، فصاحت، وشكت ذلك إلى أبيها، فقال: اسكتي، فما في القوم أجلد منه حين فعل هذا بك، واجترأ عليك، فإنه إما أن يبلي غدًا بلاءً حسنًا، فأنت امرأته، وإما أن يقتل فذاك أشد عليه مما تريدين به من العقوبة، فأبلى الفتى، ثم رجع، فزوجه إياها.
وقوله: تقد السلوقي، القد: قطع الشيء طولًا، والقط: قطعه عرضًا، وروي: تجذ، بالجيم والذال المعجمة، بمعنى تقطع، والضمير المؤنث للسيوف، وكذا النون في يوقدن، قال الأصمعي وأبو عبيدة: سلوق: مدينة بالرقة، وقال أبو عمرو: مكان باليمن تنسب إليه الدروع السلوقية، والكلاب السوقية، وإنما قال المضاعف نسجه؛ لأنه أشد على السيوف، والصفاح بالضم والتشديد: حجارة عراض، يقول: تقطع هذه السيوف الدروع والرجل وكل شيء حتى تصل إلى الحجارة، فتوري فيها، أي: تقدح، ونار الحبُاحب: النار الضعيفة، ونار
[ ٥ / ٣٠٦ ]
حوافر الخيل، وهذا مبالغة، وقال أبو عبيدة: لا يريد ها هنا الصخر، ولكن صفاح البيض، و[ما على] الساعدين من الحديد.
وقوله: يضرب يزيل الهام، هو الرأس، وسكناته: حيث يسكن ويستقر، وقوله: كإيزاغ المخاض: هي الإبل الحوامل، وإيزاغها: نفحها للبول، شبه خروج الدم من الجراح بنفح المخاض، يقال: إن الناقة إذا حملت، فكلما دنوت منها أوزغت ببولها، وضربت برجلها، والإيزاغ بمعجمتين في "القاموس":
وزغت الناقة ببولها كوعد: رمته دفعة دفعة، كأوزغت به.
وقوله: فهم يتساقون المنية، يقول: إنهم يتشاركون في شرب كأس المنية في الحروب وبأيديهم السيوف، يريد: أنهم لا يقتلون وهم فارون، ورقاق جمع رقيق، أي: حديد قاطع، ومضرب السيف بكسر الراء: موضع قطعة، وهو أسفل من رأسه بشبر.
وقوله: يطير فضاضًا: الفضاض، بضم الفاء: المتفوق، وروي: رضُاضًا بالضم، أي: قطعًا، والقونس: أعلى البيضة، والفراش: بالفتح: العظام الرقيقة، وروي: "يطير فضاضًا تحتها"، أي تحت السيوف.
وقوله: رقاق النعال، يريد أنهم ليسوا بأصحاب مشي ولا تعب؛ لأنهم ملوك ولا يلبسون إلا نعالًا من جلود مدبوغة بخلاف السوقة فإن نعالهم غليظة غير مدبوغة، وإن ظفر بها الكلب أكلها، وقوله: حجزاتهم بضمتين، جمع حجزة، وهو موضع التكة من السراويل، ويقول: هم أعفاء الفروج لا يحلون أزررهم لريبة، والسباسب: عيد كان لهم في الجاهلية، وقال أبو عبيدة: كل عيد العرب يسمونه سباسب، وقال صاحب "القاموس": السباسب: السعانين، بالسين المهملة، وهو عيد للنصارى قبل الفصح بأسبوع يخرجون فيه بصلبانهم.
[ ٥ / ٣٠٧ ]
وقوله: تحييهم بيض الولائد، هو فعل مضارع من حية تحية، وبيض: جمع بيضاء وهي الحسناء، والولائد: جمع وليدة وهي الخادمة، يريد أنهم أهل نعمة تخدمهم الإماء الفواره، والإضريج: الخز الأحمر، وقوله: فوق المشاجب، يريد أن ثيابهم مصونة، وهو جمع مشجب، بكسر الميم وفتح الجيم، وفي "القاموس" شجاب ككتاب: خشبات منصوبة توضع عليها الثياب كالمشجب.
وقوله: يصونون أجسادًا طويلًا، وروي: "قديمًا" يقول: إن أردان هذه الثياب خالصة من لون واحد، خضر المناكب، وهو لبس يلبسه أهل الشام، وقال الأصمعي: هو ثوب كانوا يتخذونه مخملًا أخضر المنكبين، وسائره أبيض؛ لأنهم كانوا أصحاب شعور، ويقال لكل أبيض شديد البياض: خالص.
وقوله: ولا يحسبون الخير، يقول: لهم عقول وآداب تدل على أن الدنيا لا تدوم على حال واحدة، لابد من فرح وحزن، وشدة وسرور، ولازب: ثابت.
وقوله: حبوت بها من حباه: أعطاه بلا جزاء، ولا من، يقول: حبوت بهذه القصيدة غسان، إذ كنت لاحقًا بقوم، يعني غسان الذين مدحهم، قصد إليهم، فكانوا أحق من مدح، وقوله: إذ أعيت على مذاهبي، كأنه كان هاربًا حين قالها، قاله شارحه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الخمسمائة:
(٥٢٦) وَذلِكَ مِنْ نَبَأٍ جَاءَني وَخُبِّرْتُهُ عَنْ أَبي الْأَسْوَدِ
على أن من فيه للتعليل، وقبله وهو أول القصيدة:
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بِالأَثْمُدِ وَنَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
[ ٥ / ٣٠٨ ]
وبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العَائِرِ الأَرْمَدِ
وبعده:
وَلَوْ عَنْ نَثَا غَيْرِهِ جَاءَني وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ
لَقُلْتُ مِنَ الْقَوْلِ مَا لا يَزَا لُ يُؤْثَرُ عَنِّي يَدَ المُسْنِدِ
قال أبو عبيد البكري في شرح "نوادر القالي"، النثا: يكون في الخير والشر، والثناء بالمد لا يكون إلا في الخير خاصة، يقول: إن المرء يبلغ بسلاحه من هجاء وذم، وغير ذلك ما يبلغ السيف إذا ضرب به.
واختلف في قائله، فرواه الطوسي لامرئ القيس، وقال ابن حبيب: قال ابن الكلبي: هو لعمرو بن معدي كرب قاله في قتله بني مازن بأخيه عبد الله وإخراجهم عن بلادهم، ثم رجعوا بعد ذلك، وندم عمرو على قتالهم. انتهى، والمشهور أن هذه القصيدة لامرئ القيس بن عانس الصحابي، قاله جماعة، قال الصاغاني في "العباب": والأثمد بفتح الهمزة والميم، وبفتح الهمزة وضم الميم: موضع، قال امرؤ القيس، وقال ابن دريد: هذا محمول عليه، وإنما هو لامرئ القيس بن عانس، وقد أدرك الإسلام:
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بِالأَثْمُدِ البيت.
وكذا ضبطه صاحب "القاموس"، وقال البكري في "معجم ما استعجم": الأثمد بفتح الهمزة وضم الميم، كأنه جمع ثمد: موضع، وأنشد البيت، وقال ياقوت في "معجم البلدان": الإثمد بكسر الهمزة وسكون المثلثة وكسر الميم، وهو الذي يكتحل به، وموضع، وأنشد البيت، وقال شارح أبيات "الإيضاح البياني":
[ ٥ / ٣٠٩ ]
الشعر لامرئ القيس يرثي بها أبا الأسود، وقال ابن دريد: امرؤ القيس هذا هو ابن عانس قد أدرك الإسلام، والخلي: الخالي من الحزن، وفي "أساس البلاغة": في عينه عوار وعائر، وهو غمصة تمض منها، وقوله: وبات وباتت يريد: وبات كذي العائر الأرمد، وباتت له ليلة كليلته، فاختصر للدلالة عليه؛ ولأنه لا يلتبس إذ المراد تشبيه نفسه في قلقه وجزعه بالأرمد ذي العائر، وتشبيه ليلته في الطول، ووحشته بليلته أيضًا، وقوله: ذلك إشارة إلى تطاول الليل، وما ذكره من المشاق، وهذا في المعنى تفجع وتوجع وإن كان خبرًا. انتهى كلامه.
والخطاب في قوله: تطاول ليلك لنفسه، وهو من الالتفات عند السكاكي، لأن مقتضى الظاهر "ليلى" بالتكلم دون الجمهور، قال التفتازاني: وقد صرح السكاكي بأن في كل بيت من الأبيات الثلاثة التفاتًا.
وامرؤ القيس بن عانس المشهور أنه بالنون ورأيته مصححًا في نسخة "المؤتلف والمختلف" للآمدي بالنون، قال: ومنهم امرؤ القيس بن عانس بن المنذر بن السمط ابن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع الكندي، جاهلي، وأدرك الإسلام، وفد على رسول الله ﷺ، ولم يرتد في أيام أبي بكر ﵁، وأقام على الإسلام، وكان له عناء في الردة، وهو القائل:
أَلا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولًا وَخُصَّ بهَا جَميِعَ المُسْلِمِينَا
فَلَسْتُ مُجَاوِرًا أَبَدًا قَبِيلًا بما قَالَ الرَّسُولُ مُكَذِّبِينَا
دَعَوْتُ عَشِيرَتي للسِّلْمِ حَتى رَأَيْتُهُمُ أَغَارُوا مُفْسِدِينَا
فَلَسْتُ مُبَدلًا بِالله رَبًا وَلًا مُتَبَدِّلًا بِالسِّلْمِ ديِنَا
وله أخبار قد ذكرتها في شعراء كندة في كتاب "الشعراء المشهورين". انتهى.
[ ٥ / ٣١٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الخمسمائة:
(٥٢٧) يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنَ مَهَابَتِهِ فَمَا يُكَلَّمُ إِلا حِينَ يَبْتَسِم
على أن من فيه للتعليل، وأورده المصنف والمرادي في شرحه على أن نائب الفاعل ضمير المصدر وهو الإغضاء، قال ابن يعيش: ولا يكون "من مهابته" نائب الفاعل؛ لأن المفعول له لا يقوم مقام الفاعل، لئلا تزول الدلالة على العلة فاعرفه، انتهى، وكذا في "إعراب الحماسة" لابن جني أيضًا، قال ابن الحاج في نقد "المقرب" لابن عصفور: نص أبو الفتح في "التنبيه" على مشكل "الحماسة" على أن قوله: من مهابته، ليس نائب الفاعل؛ لأنه مفعول له، وليس مثل: سير بزيد؛ لأن بزيد مفعول في المعنى، وهذا خطأ، بل كل مجرور يقوم مقام الفاعل، فيجوز: ذهب مع فلان، وامتلئ من الماء، وأغضي من مهابة زيد، وسير في حال إقامته، انتهى، نقله أبو حيان في "تذكرته" وله مذاهب قد انفرد بها، ويغضي بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير راجع على الممدوح علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃، كما يأتي، والإغضاء: إرخاء الجفون، وحياء: مفعول له، ويجوز أن يكون نائبًا عن المفعول المطلق، أي: إغضاء حياء، ويكلم بالبناء للمفعول، يقول: لا يبدأ الناس بالكلام لهيبته إلا إذا تبسم.
والبيت من قصيدة للفرزدق، قل السيد المرتضى في "أماليه": أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثني جدي يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن طالب، قال حدثني غير
[ ٥ / ٣١١ ]
وحد من أهل الأدب أن علي بن الحسين حج، فاستجهر الناس جماله، وتشوقوا له، وجعلوا يقولون: من هذا، فقال الفرزدق:
هَذَا الّذي تَعْرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ
إذَا رَأَتُهُ قُرَيْشٌ قَالَ قائِلُهَا إلى مَكارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ
يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ رُكْنُ الحَطِيمِ إذَا مَا جَاءَ يسْتلِمُ
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مهابَتِهِ فَلا يُكَلَّمُ إلا حيِنَ يَبْتَسِمُ
أَيُّ القَبَائِلِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ لِأَوَّلِيَّةِ هَذَا أُوْ لَهُ نِعَمُ
مَنْ يَشْكُرِ اللهَ يَشْكُرْ أَوَّلِيَّةَ ذَا فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذا نالَهُ الأُمَمُ
وفي رواية الغلابي أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك أو الوليد، وهو حديث السن فأراد أن يستلم الحجر، فلم يتمكن من ذلك لتزاحم الناس عليه، فجلس ينتظر خلوة، فأقبل علي بن الحسين، ﵄، وعليه إزار ورداء، وهو أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، وبين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ الحجر، تنحى عنه الناس حتى يستلمه هيبة له وإجلالًا، فغاظ ذلك هشامًا، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق وكان لذلك حاضرًا: لكني أعرفه، وذكر الأبيات، وهي أكثر مما رويناه، وإنما تركناها لأنها معروفة، فغضب هشام، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، فبلغ ذلك علي بن الحسين ﵁، فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، وقال: اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من
[ ٥ / ٣١٢ ]
هذا لوصلناك، فردها الفرزدق، وقال: يا ابن رسول الله ما قلت الذي قلت إلا غضبًا لله ولرسوله، وما كنت لأرزأك عليه شيئًا، فردها إليه وأقسم عليه في قبلوها، وقال له: قد رأى الله مكانك، وعلم نيتك، وشكر لك، ونحن أهل بيت إذا أنفذنا شيئًا لم نرجع فيه، فقبلها، وجعل الفرزدق يهجو هشامًا وهو في الحبس، فمما هجاه به قوله:
تُحَبِّسُني بَيْنَ المَدِينَةِ وَالتي إليْها رِقَابُ النَّاسِ يَهْوِي مُنِيبهُا
يُقَلِّبُ رَأَسًا لَمْ يَكُنْ رَأسَ سَيِّدٍ وَعَيْنًا لَهُ حَوْلا بَادٍ عُيُوبُهَا
هذا آخر ما رواه المرتضى رضي الله تعالى عنه، وكذا أورد القصة وهذه الأبيات إبراهيم الحصري في "زهر الآداب"، وقد أورد السيوطي القصيدة برواية ابن عائشة من طريق ابن عساكر، والقصة كقصة الغلابي، وألفاظها سواء، وهي هذه:
هَذَا الّذي تَعْرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ البيت
هَذَا عَليُّ رَسُولُ اللهِ وَالِدُهُ أَمْسَتْ بِنُورِ هُدَاهُ تهْتَدِي الًامَمُ
هَذَا ابنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ البيت
إذَا رَأَتْهُ قُرَيْشُ قَالَ قَائِلُهَا البيت
يُنْمَى إلى ذِرْوَة العِزِّ التي قَصُرَتْ عَنْ نَيْلِهَا عَرَبُ الإسْلامِ وَالعَجَمُ
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ البيت
في كَفِّه خَيْزُرَانٌ رِيُحُه عَبِقٌ مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ في عِرْنِيِنِه شَمَمُ
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهابَتِهِ البيت
مَنْ جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الأنبياءِ لَهَ وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهُ الأُمَمُ
يَنْشَقُّ نُورُ الهُدَى عَنْ حًسْنِ غُرَّتِهِ كالشَّمْسِ يَنْجابُ عَنْ إشْرَاقهِا العَتَمُ
[ ٥ / ٣١٣ ]
مشْتَقّةٌ مِنْ رَسُولِ الله نَبْعَتُهُ طَابَتْ مَغارِسُهُ والخِيمُ وَالشّيَمُ
هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ بِجَدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا
الله شَرّفَهُ قِدْمًا، وَفَضَّلَهُ جَرَى بِذاكَ لَهُ في لَوْحِهِ القَلَمُ
سَهْلُ الخَلِيقَةِ، لا تُخشى بَوَادِرُهُ يَزِينُهُ خُلتَان الخُلْقُ وَالكَرَمُ
من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ
مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ في كلّ بَدْءٍ وَمَختومٌ به الكَلِمُ
يُستدْفَعُ السُّوءُ وَالبَلْوَى بحُبّهِمُ وَيُسْتَرَبّ بِهِ الإحْسَانُ وَالنِّعَمُ
إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ أوْ قيل: من خيرُ خَلْقِ اللهِ قيل هم
لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بَعدَ غَايَتِهِمْ وَلا يُدانِيهِمُ قَوْمٌ، وَإنْ كَرُمُوا
هُمُ الغُيُوثُ، إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ وَالأُسدُ أُسدُ الشّرَى وَالبأسُ يحتَدِمُ
لا يَقْبَضُ العُسرُ بَسطًا من أكُفّهِمُ سِيّانِ ذلك إن أثَرَوْا وَإنْ عَدِمُوا
مَنْ يَعْرِفِ اللهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذا الدِّين مِنْ جَدِّ هذَا نَالَهُ الأُمَمُ
إنْ تُنْكِرُوهُ فَإنَّ اللهَ يَعْرِفُهُ وَالعَرْشُ يَعْرِفُهُ واللَّوْحُ وَالْقَلَمُ
وَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا بِضَائِرِه .. العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالعجَمُ
هذا آخر ما أخرجه ابن عساكر من رواية ابن عائشة، وقد أوردها العيني أيضًا في باب النائب عن الفاعل، وفيها أبيات غير مذكورة فيما تقدم وهي:
كِلْتَا يَدَيْهِ غَياثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا تَسْتَوْكِفانِ وَلا يَعْرُوهُمَا عَدَمُ
حَمّالُ أثقالِ أقوَامٍ، إذا فُدِحُوا حُلوُ الشّمائلِ، يحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ
لا يُخْلِفُ الوَعْدَ مَيْمُونٌ نَقِيبَتُهُ رَحْبُ الفِنَاءِ أَرِيبٌ حِينَ يَعْتَزِمُ
عّمَّ البَرِيَّةَ بالإحْسَانِ فَانْقَشَعَتْ عَنْها العَنَانَةُ وَالإمْلاقُ وَالْعَدَمُ
يَأبى لُهمْ أَنْ يَحُلَّ الذَّمُّ ساحَتَهُم خِيمٌ كَرِيمٌ وَأَيْدٍ بالنَّدَى هُضُمُ
[ ٥ / ٣١٤ ]
وفيها من رواية أخرى:
ما قال لا قطُّ إلاّ في تَشَهُّدِهِ لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ
مَنْ ذا يُقاسُ بهذا في مُفَاخَرَةٍ إذا بَنُو هَاشِمٍ في ذلكَ اختَصَمُوا
وقد أوردها أيضًا محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون في "منتهى الطلب من أشعار العرب"، وذكر قصتها كما تقدم، وقال: رواها لي أبو معمر الأنصاري، رحمه الله تعالى، متصلة الإسناد إلى الفرزدق، وشذ عني إسنادها وهي:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذَا عَليُّ رَسُولُ اللهِ وَالِدُهُ أَمْسَتْ بِنُورِ هُدَاهُ تهْتَدِي الًامَمُ
هَذَا الذي عَمُّهُ الطَّيَّارُ جَعْفَرُ وَالْمَقْتُولُ حَمْزَةُ لَيْثٌ حُبُّه قَسَمُ
هَذَا ابنُ فَاطِمَة الغَرَّاء وَيْحَكُمُ وابنُ الوَصِيِّ الذي في سَيْفِهِ النِّقَمُ
هذا ابنُ فَاطِمَة إن كُنْتَ جاهِلَهُ البيت
هَذَا ابنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ البيت
وبعد: هذا ما رواه ابن عائشة، ورواها أيضًا علي بن أبي الفرج بن الحسن البصري الأصل الواسطي بلدًا في "الحماسة البصرية"، كرواية ابن عائشة وفيها:
لَوْ يَعْلَمُ البَيْتُ مَنْ قَدْ جاءَ يلثمُهُ لَظَلَّ يَلْثُمُ مِنْه مَا وَطِي القَدَمُ.
مَا قَالَ لا قَطُّ إلا في تَشَهُّدِهِ البيت
وقد اختلف في بعض أبيات هذه القصيدة، فنسب إلى غير الفرزدق في مدح زين العابدين أيضًا، وقيل في غيره، ففي "الحماسة" لأبي تمام: وقال الحزين الليثي في علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ البيت
إذَا رَأَتْهُ قَرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا البيت
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ البيت
[ ٥ / ٣١٥ ]
أيُّ القَبَائِلِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ البيت
بِكَفِّهِ خَيْزُرانٌ رِيحُهَا عَبِقٌ البيت
يُغْضي حياءً وَيُغْضَى مِنْ مهابَتِهِ البيت
وأورد هذه الأبيات فقط الأعلم في "حماسته"، وقال الحزين الليثي في علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما، ويقال: قالها في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وكان حسن الوجه والمذهب، ويقال: إن بعض هذه القصيدة للفرزدق في علي بن الحسين، وبعضها لجرير، وبعضها لداود بن سلم يمدح قثم بن العباس، ويقال: هي لكثير السهمي يمدح عبد الملك بن مروان، انتهى، وكثير بالتصغير كدريهم، وقال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": ومنهم كثير بن كثير السهمي، أنشد له دعبل بن علي في كتابه في محمد بن علي بن الحسين بن علي رضوان الله عليهم أجمعين.
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ البيت.
هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ البيت
إذَا رَأَتْهُ قَرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا البيت
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ البيت
قال الآمدي أيضًا في ترجمة الحزين: منهم الحزين الكناني، واسمه عمرو بن عبد وهيب بن مالك بن حريث بن جابر بن راعي الشمس الأكبر بن يعمر بن عبد ابن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، قال الزبير بن بكار: إنما سموا رعاة الشمس؛ لأن الشمس لم تكن تطلع في الجاهلية إلا وقدورهم تغلي للضيف، ولذلك يقول الحزين:
أَنَا ابْنُ رَبيعِ الشَّمُسِ في كُلِّ شِدَّةٍ وَجَدِّي رَاعي الشَّمْسِ وابْنُ غريبِ
وكان الحزين شاعرًا محسنًا متمكنًا، وهو القائل في عبد الله بن عبد الملك ووفد إليه إلى مصر وهو واليها يمدحه في أبيات:
لمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ في الجُمُوعِ ضُحى وَقَدْ تَعَرَّضَتِ الحُجَّابُ وَالخَدَمُ
حَيَّيْتُهُ بِسَلامٍ وَهْوَ مُرْتَفِقٌ وَضِجَّةُ الْقَوْمِ عِنْدَ البَابِ تَزْدَحِمُ
[ ٥ / ٣١٦ ]
في كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ ريُحَها عَبِق البيت
يُغْضِي حَياءً وَيُغْضَى مِن مهابَتِهِ البيت
وكذا أوردها صاحب "زهر الآداب"، للحزين في عبد الله بن عبد الملك، وكذا قال ابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير" وفي "الحماسة البصرية"، قال الحزين الكناني، وهو أموي الشعر:
لمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ وَالجُمُوعُ ضُحى البيت
حَيَّيْتُهُ بِسَلامٍ وَهْوَ مُرْتَفِقٌ البيت
في كَفِّهِ خَيْزُرَان البيت
لا يُحْلِفُ الوَعْدَ مَيْمُونٌ نَقيبَتُهُ البيت
كَمْ صَارِخٍ بِكَ مِنْ رَاجٍ وَرَاجيةِ يَدْعُوكَ يَا قُثَمَ الخَيْرَاتِ يا قُثَمُ
انتهى، فرواها مدحًا في قيم بن العباس، لا في عبد الله بن عبد الملك.
قال الأصفهاني في "الأغاني": الحزين الكناني من شعراء الدولة الأمية، حجازي مطبوع، وكان هجاء خبيث اللسان، لا يرضيه اليسير، ويكتسب بالشر، وهجاء الناس، وليس ممن خدم الخلفاء، ولا انتجعهم بمدح، ولا كان يريم الحجاز حتى مات، حدث الزبير بن بكار عن عمه أن عبد الله بن عبد الملك، وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم، وكان حسن الوجه والمذهب، لما حج قال له أبوه: سيأتيك الحزين الشاعر بالمدينة، وهو ذرب اللسان، فإياك أن تحتجب عنه، فلما كان في المدينة دخل الحزين عليه، فلما صار بين يديه، رأى جماله وبهاءه، وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتًا، فأمهله عبد الله، ثم قال: السلام عليك ورحمة الله أولًا، فقال: وعليك السلام، ثم قال: وحيا الله وجهك أيها الأمير، إني قد مدحتك بشعر، فلما دخلت عليك، ورأيت جماله وبهاءك، أذهلني عنه، فأنسيت ما قد كنت قلته، وقد قلت في مقامي هذا بيتين، فقال: ما هما؟
[ ٥ / ٣١٧ ]
قال: في كفه خيزران .. البيت، يُغضي حياء البيت، فأجازه فقال: أخدمني أصلحك الله، فقال: اختر أحد هذين الغلامين، فأخذ أحدهما، فقال له عبد الله: أعلينا تبقي، خذ الآخر، والناس يروون هذين البيتين للفرزدق في أبياته التي مدح بها علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ التي أولهما:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ البيت.
وهذا غلط من الرواة، وليس هذان البيتان مما يمدح به مثل علي بن الحسين ﵉؛ لأنهما من نعوت الجبابرة والملوك، وليس كذلك، ولا هذه صفته ﵇، وله من الفضل ما ليس لأحد.
وأما الأبيات التي للفرزدق فيه، فحدثني أحمد بن أبي الجعد، ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا محمد بن زكرياء الغلابي قال: حدثنا ابن عائشة قال: حج هشام ابن عبد الملك في خلافة الوليد أخيه ومعه رؤساء أهل الشام، فجهد أن يستلم الحجر، فلم يقدر من الزحام، فنصب له منبر، فجلس عليه ينظر إلى الناس، وأقبل علي بن الحسين، وهو أحسن الناس وجهًا، وأنظفهم ثوبًا، وأطيبهم رائحة، فطاف بالبيت، فلما بلغ إلى الحجر تنحى الناس كلهم، وأخلوا الحجر ليستلمه هيبة وإجلالًا له، فغاظ ذلك هشامًا، وبلغ منه، فقال رجل لهشام: من هذا أصح الله الأمير؟ قال: لا أعرفه، وكان به عارفًا، ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق، وكان لذلك كله حاضرًا، أنا أعرفه، فسلني يا شامي، قال: ومن هو؟ قال:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ البيت
هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ البيت
إذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ البيت وَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا البيت.
أي الخلائق البيت ليست .. البيت من يعرف الله البيت
[ ٥ / ٣١٨ ]
فحبسه، فقال الفرزدق:
أَيَحْبِسُني بَيْنَ المَدِينَةَ وَالتي البيتين.
فبعث إليه هشام فأخرجه ووجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم، وقال: اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا، لوصلناك به، فردها، وقال: ما قلت ما كان إلا لله ﷿، وما كنت لأرزأ عليه شيئًا، فقال له: قد رأى الله مكانك، فشكر لك، ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئًا لم نرجع فيه، فأقسم عليه، فقبلها.
ومن الناس من يروي هذه الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس: ومنهم من يرويها لخالد بن زيد مولى قثم فيه، فمن رواها لداود في قثم أو لخالد فيه، فهي في روايته:
كَمْ صَارِخٍ بِكَ مِنْ رَاجٍ وَرَاجِيَة يَدْعُوكَ يَا قُثَمَ الخَيْرَاتِ يا قُثَمُ
أي العَمَائِرِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ لأَوَّلِيَّةِ هَذَا أَوْ لَهُ نَعَمُ
في كَفِّه خَيْزُرَانٌ .. البيت يُغْضِي حَيَاءٍ البيت.
وممن ذكرها له محمد بن يحيى الغلابي عن مهدي بن سابق أن داود بن سلم قال هذه الأبيات الأربعة في قثم بن العباس، وأن الفرزدق أدخلها في أبياته في علي بن الحسين، ﵉، سوى البيت الأول، وذكر الرياشي عن الأصمعي أن رجلًا من العرب يقال له داود وقف لقثم، فناده:
يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ البيت
كَمْ صَارِخٍ بِكَ مِنْ رَاجٍ وَرَاجيةِ البيت
فأمر له بجائزة سنية، والصحيح أنها للحزين في عبد الله بن عبد الملك، وقد غلط ابن عائشة في إدخاله البيتين في تلك الأبيات، وأبيات الحزين مؤتلفة منتظمة المعاني متشابهة، تنبئ عن نفسها وهي:
اللهُ يَعْلَمُ أَنْ قَدْ جِئْتُ ذا يَمَنٍ ثُمَّ العِرَاقَيْنِ لا يَثْنِينِيَ السَّأَمُ
[ ٥ / ٣١٩ ]
ثُمَّ الجَزِيرَةَ أَعْلاهَا وَأَسْفَلَهَا كَذَاكَ تَسْرِي عَلى الأَهْوَال بي القدَمُ
ثُمَّ المَوَاسِمَ قَدْ أُوطِئْتُهَا زَمَنًا وَحَيْتُ تُحْلَقُ عِنْدَ الجَمْرَةِ اللِّمَمُ
قَالوا دِمَشْقُ يُنَبِّئْكَ الخَبِيرُ بها .. ثُمَّ ائْتِ مِصْرَ فَثَمَّ النَّائِلُ العَمَمُ
لمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهَا وَالجُموعُ ضُحى البيت
حَيَّيْتُهُ بسلام البيت
في كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ البيت
يُغْضِي حَيَاءً البيت
تَرَى رُؤوسَ بَني مَرْوَانَ خَاضِعَةً يمْشُونَ حَوْلَ رِكابَيْه وَمَا ظُلِمُوا
إنْ هَشَّ هشُّواله واستبشَروا جَذَلًا وإنْ هُمُ أَنِسُوا إعراضَه وجَموا
كِلْتَا يَدَيْهِ رَبِيعٌ غيرُ ذي خَلَفٍ فَتِلْكَ بَحْرٌ وَهذِي عارِضٌ هَزِمُ
ومن الناس من يقول: إن الحزين قالها في عبد العزيز بن مروان لذكره دمشق الشام ومصر، وقد كان عبد الله بن عبد الملك أيضًا ولي مصر والحزين بها، حدثني الجرامي، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثني محمد بن يحيى أبو غسان عن عبد العزيز ابن عمران الزهري قال: وفد الحزين على عبد الله بن عبد الملك وهو عامل مصر فأتى برقيق من البربر والحزين عنده، وفي الرقيق أخوان، فقال عبد الله للحزين: أي الرقيق أعجب إليك، قال: ليختر لي الأمير، فقال عبد الله للحزين: قد رضيت لك هذا، لأحدهما، فإني رأيته حسن الصلاة، فقال الحزين: لا حاجة لي به، فأعطني أخاه، فأعطاه إياه، فقال يمدحه:
اللهُ يَعْلَمُ أَنْ قَدْ جِئْتُ ذَا يَمَنٍ
وذكر القصيدة بطولها، هذا آخر ما رواه صاحب "الأغاني".
قال العيني: ورأيت في كتاب "أولاد السراري" تأليف المبرد نسبة بعض هذه الأبيات إلى أبي دهبل حيث قال: ومما نمي لنا عنه، أي: عن زين العابدين
[ ٥ / ٣٢٠ ]
أنه مر بمساكين جلوس في الشمس يأكلون على مسح، فسلم عليهم، فردوا عليه، وقالوا: هلم يا ابن بنت رسول الله، فنزل، وقال: إن الله لا يحب المتكبرين، فأصاب معهم، ثم قال: قد دعوتم فأجبنا، ونحن ندعوكم، فمضوا معه إلى منزله، فأطعمهم طعامه، وقسم بينهم كل ما كان عنده، وفيه يقول أبو دهبل- فيما روي- هذه الأبيات:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ البيت
هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله البيت
إذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ البيت
فأما ما يزاد في هذا الشعر بعد هذه الأبيات، فليس منها، إنما هو لداود بن سلم يقوله في قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵃:
يغضي حياء البيت
في كفه خيزران البيت
كم صارخ بك من راج وراجية .. البيت
انتهى.
وقد طال الكلام في ذكر ما يتعلق بها من الخلاف في بعض أبياتها، ومن هنا نشرع في غريبها، قوله: يكاد يمسكه عرفان راحته، قال أبو علي في "المسائل البصرية": ينبغي أن يجعل عرفان مفعولًا له، وركن الحطيم: فاعل "يمسك"، وتضيف المصدر إلى المفعول، وتحذف الفاعل، أي: عرفان الركن راحته، كما حذف في (بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ) [ص/٢٤]، وهذا أوضح في المعنى، وإن شئت قلت: يمسكه عرفان راحته ركن، فجعلت العرفان فاعل يمسك، وأضفت المصدر إلى الفاعل، وهو الراحة، ونصبت الركن مفعولًا به، كأنه يمسكه هذا المعنى لا الركن، أي: هذا المعنى كاد يلبثه في هذا الموضع، ويجعله أحق به من غيره، وهذا يحسن إذا كان أكثر لمس الركن بيده، أي: فصار لكثرة ذلك منه عرفت راحته الركن،
[ ٥ / ٣٢١ ]
فنسبت المعرفة إلى الكف، وإن لم يكن لها في الحقيقة إنما هو للإنسان، ويجوز عرفان راحته ركن، يكون العرفان فاعل يمسك، وراحته مفعوله، والركن فاعل العرفان، أي: يكاد يمسكه أن عرف الركن، وهذا الوجه أقرب إلى الوجه الأول، وأشبه بالمعنى من الوجه الثاني، انتهى.
قوله: هذا الذي تعرف البطحاء، هي أرض مكة المنبطحة، وكذلك الأبطح، وبيوت مكة التي هي للأشراف بالأبطح التي هي في الروابي، والجبال للغرباء وأوساط الناس، والحطيم: الجدار الذي عليه ميزاب الرحمة، وقوله: يغضي حياء .. الخ، قال ابن عبد ربه في أول "العقد الفريد": قال ابن قتيبة: لم يقل في الهيبة مع التواضع بيت أبدع من قول الشاعر في بعض خلفاء بني أمية:
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنَ مَهَابَتِهِ البيت
وأحسن منه عندي قولي:
فَتى زَادهُ عِزُّ المَهَابَة ذِلة وَكُلُّ عَزِيزٍ عِنْدَهُ مُتَوَاضِعُ
انتهى، وأقول: بل هجنه قوله: "ذلة"، وقوله: ينمي إلى ذروة الخ، بالبناء للمفعول من نميته إلى أبيه، أي: نسبته، وانتمى: انتسب، وذورة الشيء: أعلاه، وقوله: في كفه خيزران .. الخ، قال الجاحظ في كتاب "البيان": كانت العرب تخطب بالمخاصر، وتعتمد على الأرض بالقسي، وتشير بالعصا والقنا، حتى كانت المخاصر لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها، ولذلك قال: في كفه خيزران .. البيت، وعبق: وصف من عبق به الطيب كفرح: إذا لزق به، قال أبو بكر الزبيدي في كتاب "لحن العامة": العرب تسمي كل قضيب لدن ناعم خيزرانًا، بضم الزاي، وذكر بعض اللغويين أنه ليس من نبات أرض العرب، انتهى، والأروع: الذي يروعك جماله وجلاله، والعرنين من كل شيء: أوله، ومنه عرنين الأنف لأوله، وهو ما تحت مجتمع الحاجبين، وهو موضع الشمم، وهو ارتفاع
[ ٥ / ٣٢٢ ]
الأنف، وشممه كناية عن العزة، وقوله: كالشمس الخ، انجابت السحابة: انكشفت، والعتم بفتح العين المملة والمثناة: ظلمة الليل، والخيم بكسر الخاء المعجمة: السجية، والبوادر جمع بادرة: وهي الحدة والغضب من قول أو فعل، والخلة بالفتح: كالخصلة وزنًا ومعنى، ويسترب بمعنى يرب، يقال: رب زيد الأمر ربًا من باب نصر: إذا ساسه، وقام بتدبيره، والأزمة: الشدة، وأزمت: اشتدت، والشرى: طريق في سلمى كثيرة الأسد، وجبل بتهامة كثير السباع وتحتدم بادال المهملة: تلتهب، شبه البأس والحرب بالنار، وتستوكفان: تمطران، وعدم بفتحتين: قلة وفقر، ويعروهما: يحدث لهما، وفدحوا بالبناء للمفعول من فدحه الدين: إذا أثقله وأعجزه، والنقيبة: النفس، والفناء بالمد والكسر: ساحة الدار توسع للأضياف، والأريب: البصير بالشيء، ويعتزم: يهم بالشيء، ويعزم عليه، والعنانة، بفتح العين المهملة بعدها نونان بينهما ألف: السحابة، والإملاق: الفقر، والظلم: جمع ظلمة، وهضم بضمتين جمع هضوم، وهي اليد التي تجود بما لديها، وقوله: كانت لاءه نعم، مد لا، لأنه أراد الاسم، ونصبها على الخبر لكان، وداود بن سلم تقدمت ترجمته في الإنشاد السادس والتسعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الخمسمائة:
(٥٢٨) وَلَمْ تَذْقْ مِنَ الْبُقُولِ الْفُسْتُقَا
على أن "مِن" للبدل، وقيل: توهم الراجز أن الفستق من البقول، والبقل: كل نبات اخضرت به الأرض، قال ابن قتيبة في ترجمة أبي نخيلة من كتاب "الشعراء" وأخذ عليه قوله:
[ ٥ / ٣٢٣ ]
بَرِّية لَمْ تَأكُلِ المُرَققَا ولَمْ تَذُقْ مِنَ البُقولِ الْفُسْتُقا
سمع بالفستق، فظن أنه من البقول. انتهى.
وقال أبو محمد الأسود في "فرحة الأديب": صحف ابن السيرافي، فجعل النقول وهي بالنون البقول بالباء لأجل ما يقول هو وغيره أن أبا نخيلة توهم أن الفستق من البقول، ولم يكن أبو نخيلة ممن لا يعرف الفستق، فقد عرفه غيره ممن هو أقدم منه وهو أبو القمقام بن مصعب الأسدي، وإنما معنى قول أبي نخيلة: أن هذه بدوية لا تأكل الرقاق، ولا تنتقل بالفستق متاع الحضريات، إنما تغذى بألبان اللقاح المحض، والقارص، كما قال بشر:
غَذَاها قَارِصٌ يجْرِي عَلَيْها .. وَمَحْضٌ حَيْثُ تُبْتَعَثٌ العِشَارُ
وقال أبو القمقم:
تَسْأَلُني عَن طَيِّبَاتِ الفُسْتُقِ .. وَإنَّمَا عِشْتُ بِحبِّ العِشْرِقِ
وَبِحَسْوٍ مِنْ شَعِيرٍ مُحْرَقِ
انتهى.
قال ابن قتيبة: أبو نخيلة: هو يعمر، وكني أبا نخيلة لأن أمه ولدته إلى جنب نخلة، وهو من بني حمان بن كعب بن سعد وهو القائل:
أَنَا ابْنُ سَعْدٍ وَتَوَسَّطْتُ العَجَمْ فَأنَا فِيمَنْ شِئْتُ مِنْ خَالٍ وَعَمْ
وهو القائل:
وإن بِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ لَحَاجَةً إلى سَيِّدٍ لَوْ يَظْفَرُونَ بِسَيِّدِ
وأبو نخيلة بالتصغير وهو راجز إسلامي من مخضرمي الدولتين
[ ٥ / ٣٢٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الخمسمائة:
(٥٢٩) أَخَذُوا الْمَخَاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ظُلمًا ويُكْتَبُ لِلأمِيرِ أَفِيلا
على أن من فيه للبدل، وقال ابن بري في شرح أبيات "الإيضاح" للفارسي: قوله: من الفصيل متعلق أخذوا، أي: انتزعوه من أمه، وكذلك من روى "من العشار"، ويجوز أن يريد عوضًا من الفصيل وبدلًا منه، ومثله قوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ) [الزخرف/ ٦٠]، أي: بدلًا منكم، ويجوز أن يكون من "العشار" تبيينًا، أي: كائنة من العشار، انتهى، أقول: صوابه في الأول، أي: انتزعوها من ولدها، لأن المأخوذ المخاض لا ولدها، ثم قال: والمخاض التي ضربها الفحل، والفصيل: ابنها؛ لأنه فصل عن أمه، وغلبة بضمتين وبشدة الباء: مصدر غلب، والأفيل: الفصيل، والأفال أيضًا: صغار الغنم، وأفيلًا: منصوب بإضمار فعل، أي: يكتب للأمير أفيلًا أخذوا، ومن روى: ويكتب بالبناء للفاعل نصبه به، وغلبة مصدر في موضع الحال من المضمر في أخذوا، وظلمًا مثله، ويجوز نصبه على المصدر المحول على المعنى؛ لأن غلبة في المعنى ظلم، والغلبة قد تكون ظلمًا فبين أنها ظلم. انتهى.
والبيت من قصيدة عدتها تسعة وثمانون بيتًا للراعي مذكورة في "منتهى الطلب" مدح بها عبد الملك بن مروان، وشكا فيها من السعاة الذين يأخذون الزكاة وقبله:
أَوَلِيَّ أَمْرِ اللهِ إنَّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصيلا
[ ٥ / ٣٢٥ ]
عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أَموالِنا حَقَّ الزَكاةِ مُنَزَّلًا تَنزيلا
قَومٌ عَلى الإِسلامِ لَمّا يَمنَعوا ماعونَهُم وَيُضَيِّعوا التَهليلا
فَاِدفَع مَظالِمَ عَيَّلَت أَبناءَنا عَنّا وَأَنقِذ شِلوَنا المَأكولا
وَلَئِن بَقيت لَأَدعُوَنَّ بِطَعنَةٍ تَدَعُ الفَرائِضَ بِالشُرَيفِ قَليلا
فَنَرى عَطِيَّةَ ذاكَ إِن أَعطَيتَهُ مِن رَبِّنا فَضلًا وَمِنكَ جَزيلا
إلى أن قال:
إِنَّ السُعاةَ عَصَوكَ حينَ بَعَثتَهُم وَأَتَوا دَواعِيَ لَو عَلِمتَ وَغولا
إِنَّ الَّذينَ أَمَرتَهُم أَن يَعدِلوا لَم يَفعَلوا مِمّا أَمَرتَ فَتيلا
أخَذُوا المَخَاضَ مِنَ الفَصيِل غُلُبَّةً بِالأَصْبَحِيةِ قَائمًا أَفِيْلا
أَخَذوا العَريفَ فَقَطَّعوا حَيزومَهُ بِالأَصبَحِيَّةِ قائِمًا مَغلولا
أَخَذوا حُمولَتَهُ فَأَصبَحَ قاعِدًا لا يَستَطيعُ عَنِ الدِيارِ حَويلا
يَدعو أَميرَ المُؤمِنينَ وَدونَهُ خَرقٌ تَجُرُّ بِهِ الرِياحُ ذُيولا
قوله: لما يمنعوا ماعونهم، أورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون) [الماعون/ ٧]، على أن الماعون الزكاة، والتهليل: قوله لا إله إلا الله،
قوله: عيلت أبناءنا: التعييل: سوء الغذاء، والإنقاذ: التخليص، والشلو بالكسر: العضو، والعريف: رئيس القوم ومتكلمهم، والأصبحية: هي السياط منسوبة إلى ذي أصبح من ملوك اليمن، وهو الذي اخترعها، والخرق بالفتح: الفلاة، قال الحمحي في "طبقات الشعراء": قال: لما أنشد الراعي لعبد الملك هذه القصيدة ووصل إلى قوله:
وَلَئِن بَقيت لَأَدعُوَنَّ بِطَعنَةٍ البيت
قال عبد الملك: إلى أين من الله والسلطان لا أم لك، فقال: يأ أمير المؤمنين
[ ٥ / ٣٢٦ ]
من عامل إلى عامل، ومصدق إلى مصدق، فلم يحظ منه شيئًا، فوفد إليه من قابل، فقال في كلمته الأخرى:
أمّا الفَقِيرُ الذي كانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
واخْتَلَّ ذُو المالِ وَالمُثْرُونَ قَد بقيَتْ عَلى البَلابِلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عُقَدُ
فَإنْ رَفَعْتَ بِهِمْ رَأسًا نَعَشْتَهُمُ وَإنْ لَقُوا مِثْلَهَا في قَابِلٍ فَسَدُوا
فقال له عبد الملك: أنت الآن أعقل منك عام أول. انتهى.
وترجمة الراعي تقدمت في الإنشاد الخامس والخمسين بعد المائة، وقد أوردنا من هذه القصيدة أبياتًا أكثر من هذا، وشرحناها في الشاهد الثالث والثمانين بعد المائة.
وأنشد بعده:
وإنّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْش ضَرْبَةً البيت.
وقدم شرحه في الإنشاد الثاني عشر بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الخمسمائة:
(٥٣٠) وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلى النَّاسِ تُعْلَمِ
على أن من فيه زائدة بعد الشرط، وكذا في شرح شواهد "الجمل" لابن السيد، قال: وقوله "من خليقة" في موضع رفع بكان، و"من" زائدة وليست متعلقة بشيء، انتهى، ومقتضى هذا أن مهما حرف، وبه صرح المصنف في بحث "مهما" من أنها حرف عند السهلي، وابن يسعون، ورد هذا القول ابن هشام اللخمي في
[ ٥ / ٣٢٧ ]
شرح شواهد "الجمل" قال: ومهما اسم شرط في موضع رفع بالابتداء، وتكن: جزم بالشرط، واسمها مضمر فيها عائد على مهما، وعند امرئ: في موضع خبر تكن، وقوله: من خليقة: من لتبين جنس المضمر الذي في "تكن"، والجملة بأسرها في موضع رفع على خبر مهما، ومن جعل "مِن" زائدة، فقد أخطأ؛ لأن مهما اسم وهي مبتدأ، والجملة خبرها، ولابد من ضمير يرجع إليها من الخبر، لأن الجملة أجنبية فلابد من رابط، فمن جعل من زائدة وجعل "خليقة" اسم "تكن" لم يكن في الجملة عائد يعود على مهما من الخبر، فهذا وجه امتناعها، انتهى.
وأجاب المصنف في بحث مهما بجوابين، أحدهما: ما قاله اللخمي، والثاني: أن مهما خبر تكن، وخليقة اسمها، و"من" زائدة، ويكن بالمثناة التحتية، قال صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) [الأعراف/١٣٢] الضمير في به وبها راجعان إلى مهما، إلا أن أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أنث على المعنى؛ لأنه في معنى الآية، ونحوه قال زهير:
وَمَهْمَا يَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ البيت
قال شارحه اليمني: ذكر الضمير في يكن حملًا على لفظ مهما، وأنث الباقي حملًا على معناه؛ لأنه في معنى الخليقة، والخلق والخليقة واحد، والتأنيث في الآية والبيت جاءا بعد التبيين، والخلق والخليقة والسجية والسليقة والنقيبة والغريزة والشيمة والخيم كله بمعنى الطبيعة، يقول: من أسر خليقة من خير أو شر، وقدر أنها تخفى فإنها لابد من ظهورها كما قال النبي ﷺ: "من أسر سريرة ألبسه الله رداءها"، وخالها: ظنها، وإن وصلية، والبيت من معلقة زهير بن أبي سلمى وتقدمت ترجمته في الإنشاد الخمسين.
[ ٥ / ٣٢٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الخمسمائة:
(٥٣١) وَيَنْمِي لَهَا حُبُّهَا عِنْدَنَا فَمَا قَالَ مِنْ كَاشِحٍ لَمْ يَضِرْ
على أن الكوفيين قالوا بزيادة "من" في الواجب كما هنا، واختاره ابن مالك، قال أبو حيان في "شرح التسهيل" عند قوله: ولا يمتنع تعريفه، ولا خلوه من نفي وشبهه وفاقًا للأخفش: وافق المصنف الأخفش، وذكر جملة ما استدل به لهذا المذهب في شرحه نظمًا ونثرًا، فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام/ ٣٤]، (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) [الكهف/ ٣١]، (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) [البقرة/٢٧١]، (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح/٤]، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة/٢٥]، وفي البخاري من كلام عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته كذا، هكذا حفظ بخط من يعتمد، أي: لقد جاءك نبأ، ويحلون أساور، ويكفر عنكم سيئاتكم، يغفر لكم ذنوبكم، تجري تحتها الأنهار، فإذا بقي قراءته نحو من كذا، وقال عمرو بن أبي ربيعة:
وَيَنْمِي لَهَا حُبُّهَا عِنْدَنَا فَمَا قَالَ مِنْ كَاشِحٍ لَمْ يَضِرْ
وقال جرير:
لمَّا بَلَغْتُ إمامَ العَدْلِ قلتُ لَهُمْ قَدْ كانَ منْ طُول إِدلاجٍ وتَهْجيرِ
وقال آخر:
وَكُنْتُ أَرَى كالمَوْتِ مِنْ بينِ ساعَةٍ فَكَيْفَ بِبَيْنٍ كانِ مَوْعِدَهُ الحَشْرُ
[ ٥ / ٣٢٩ ]
وقال آخر:
يَظَلُّ بِهِ الحِرْبَاءُ يمثُلُ قَائِمًا وَيَكْثُرُ فِيها مِنْ حَنِينِ الأَبَاعِرِ
أي: ما قال كاشح، وقد كان طول إدلاج، وكنت أرى بين ساعة، ويكثر فيه حنين.
ورأى زيادة "من" في الإيجاب الكسائي، وخرج عليه "إن من أشد الناس عذابًا المصورون"، وابن جني، وخرج عليه قراءة ابن هرمز (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ) [آل عمران/ ٨١]، تقديره عنده: لمن، فأدغم نون من في ميم ما، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت ميم "من" وبقيت الثانية التي كانت نونًا مدغمة في ما، انتهى ما لخص من شرح المصنف.
وأما الكوفيون، فاختلف النقل عنهم، فقال بعض أصحابنا عنهم: إنها تزاد في الواجب وغيره بشرط أن يكون مجرورها نكرة، وحكوا عن العرب: قد كان من مطر، وقد كان من حديث فخلا عني أي: كان مطر، وقال الكسائي وهشام من زائدة في قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح/٤]، (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [محمد/ ١٥]، (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) [النور/ ٣٠]، كما قال الأخفش فلم يشترط أن يكون المعمول نكرة، ووافقهم الفارسي على زيادتها في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) [النور/٤٣] أي: جبالًا فيها برد، وجعل أبو عبيدة في "المجاز" له من زائدة في قوله: (أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [البقرة/١٠٥]، واستدل أيضًا على زيادتها بغير الشرطين بقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة/٥].٣٣٠
[ ٥ / ٣٣٠ ]
وما احتج به لا حجة فيه، أما (لقد جاءك) فالفاعل مضمر، أي: ولقد جاءك هذا النبأ، و(من نبأ المرسلين) في موضع الحال، أي كائنًا من نبأ المرسلين، لأن قبله (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا) (الأنعام/ ٣٤) فخبره تعالى أن هذا النبأ الذي جاءك من نبأ المرسلين فتأس بما جرى لهم.
وأما (من أساور من ذهب) فمن للتبعيض، وأما (ويكفرْ عنكمْ من سيئاتكمْ ويعفرْ لكمْ من ذنوبكم) فالذي يكفر بعض السيئات، والذي يغفر بعض الذنوب، لأن ما كان فيه تبعة لآدمي لا يكفر، ولأن المغفور بالإيمان ما اكتسبوه من الكفر لا ما يكتسبونه في الإسلام، وذلك بعض الذنوب، فمن فيها للتبعيض، وكذلك من للتعبيض في (أن ينزل عليكمْ منْ خيرٍ) إذ أصله: أن ينزل عليكم من خير، أي: بعضًا من خير، ثم بني للمفعول، وأقيم المجرور مقام الفاعل، وجعل الظاهر بدلًا من الضمير لما حذف الظاهر الذي كان يعود عليه الضمير، وهو اسم الله تعالى، وكذا هي للتبعيض أيضًا في (مما أمسكن عليكمْ) لأنه لا يمكن أن نأكل جميع ما أمسكن إذ منه ما يموت مدفى ولم تنفذ مقاتلة، ولا أثر فيه بناب ولا ظفر.
وأما (من تحتها) فلابتداء الغاية، وأما "فإذا بقي من قراءتة" وفي: ما قال من كاشح، وقد كان من طول، ويكثر فيه من حنين، وقد كان مطر، وقد كان من حديث، فمخرج على أن تكون "من" في ذلك كله مبعضة، ويكون الفاعل مضمرًا اسم فاعل يفسره الفعل كما فسر في قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) (يوسف/ ٣٥) أي: هو، أي: البداء، فكذلك يكون التقدير. فإذا بقي هو، أي باق من قراءته، وفي ما قال، أي: هو قائل من كاشح، وقد كان هو أي: كائن من طول، ويكثر فيه هو، أي: كائن من حنين،
[ ٥ / ٣٣١ ]
وقد كان هو أي: كائن من مطر، وقد كان هو أي: كائن من حديث. ومجيء اسم الفاعل فاعلًا يدل عليه الفعل سائغ في كلام العرب، قال تعالى:) سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ «المعارج/١) وقال بعض أصحابنا في: قد كان من مطر، تقديره: قد كان كائن، فحذف الموصوف، وقامت "من" مقامه إذ هي في موضع الصفة، وذلك يحسن في الكلام، وإن كانت الصفة غير مختصة. انتهى.
وهذا تخريج فاسد، لأنه يلزم من ذلك أن يكون المجرور فاعلًا، وأما "من بين ساعة" فمن للسبب، أي: أرى شيئًا عظيمًا كالموت من بين ساعة، وأما: "من أشد الناس عذابًا" ففي "إن" ضمير شأن محذوف، وأيضًا لا يمكن زيادتها من حيث الشرع، لأن ثم من هو أشد عذابًا من المصورين كقتلة الأنبياء، وأما تخريج ابن جني فتخريج أعجمي لا يحتمل مثله في القرآن، ولا يظهر معنى لتخريجه، وأما (يغضوا منْ أبصارهمْ) فمن للتبعيض، لأنهم أمروا بغض بعضها مما كان في النظر امتناع شرعي، وكذلك هي للتبعيض في (وعدَ اللهُ الذينِ آمنوا وعملوا الصالحات منهمْ مغفرةً) (الفتح/ ٢٩)، وأما في ضرورة الشعر، فيجيزون زيادىها في الواجب وفي المعرفة والنكرة، إلى هنا كلام أبي حيان.
وقال ناظر الجيش بعد هذا: وأقول لا حاجة إلى تكلف هذه التخريجات، لما ورد في هذه الأبيات، لأن البصريين يجيزون زيادة "من" في الكلام الموجب، ودخولها على المعرفة في الشعر، وإذا كان كذلك، فلا حاجة إلى تكلف الجواب عن الوارد فيه. انتهى.
والبيت من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة مذكورة في "منتهى الطلب" ومطلعها:
صحا القلبُ عنْ ذكرِ أمَّ البنينِ بعدَ الذي قدْ مضى في العصرْ
وأصبحَ طاوعَ عذالهُ وأقصرَ بعدَ الإباءِ المبرْ
أخيرًا وقدْ راعهُ لائحٌ من الشيبْ منْ يعلهُ ينزجر
[ ٥ / ٣٣٢ ]
على أنَّ حبي ابنة المالكي كالصدعِ في الحجر المنفظرْ
يهيمُ النهارَ ويدون لهُ جنانُ الظلامِ بليلٍ سهرْ
وينمي لها حبها عندنا فمنْ قالَ منْ كاشحٍ لمْ يضرْ
كذا في رواية "منتهى الطلب" وعليه لا يكون فيه شاهد، فإن فاعل "قال" ضمير منْ، و"من" للبيان. وأم البنين صفة مادحة عند النساء، والعصر بضمتين، وعذال جمع عاذلٍ، وأقص عن الشيء: أمسك مع القدرة عليه، والإباء: الامتناع، والمبر، اسم فاعل من أبررت القول واليمين: إذا صدقت فيهما. و"أخيرًا" ظرف متعلق بأقصر، وراعه من الروع وهو الخوف، والصدع: الشق، وأراد بالتشبيه الدوام، وفاعل يهيم ضمير القلب، وكذا ضمير له، والنهار، ظرف، وجنان الظلام بفتح الجيم: اشتداده وادلهمامه وهو فاعل يدنو، ووصف الليل بالسهر: إسناد مجازي، وينمي: يزيد، وحبهاك فاعله. وقوله: فمن قال، "من" شرطية مبتدأ، وجملة "قال" مع ضميره الراجع إلى "من" شرط، ولم يضر جواب الشرط، ومفعول القول محذوف للتعميم، أي: فمن قال سوءًا من الأعداء لم يضرنا، وحذف المفعول من فعل الجواب أيضًا. وعلى رواية "فما قال" ما شرطية منصوبة المحل على المفعول المطلق أي: أي قول قال، ويضر يجوز أن يكون مضارع: ضره ضرًا فهو بضم الضاد، ويجوز أن يمون مضارع: ضاره ضيرًا، أي أضر به، فهو مكسور الضاد. وترجمة أبن أبي ربيعة تقدمت في الإنشاد السادس من أول الكتاب.
[ ٥ / ٣٣٣ ]
(منْ)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الخمسمائة:
(٥٣٢) ربَّ منْ أنضجتُ غيظًا قلبهُ قدْ تمنى ليَ موتًا لمْ يطعْ
على أن "من" فيه نكرة موصوفة بجملة "أنضجت"، واستشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا) (مريم/ ٩٣) على أن من فيها نكرة موصوفة بالظرف لوقوعها بعد كل، كوقوعها بعد رب في البيت. وروي أيضًا:
ربما أنضجتُ غيظاُ قلبَ منْ
فلا شاهد فيه إن كانت من موصولة. وعلى الأول "من" موضعها رفع على الابتداء والخبر جملة "قد تمنى"، وجملة لم يطع استئناف بياني، كأنه قيل له: لمَ يتمنى موتك؟ أجاب بأنه لم يطاوعه أحد في قتالي، أو في عداوتي، وإنضاج اللجم: طبخه بالنار، وهو كناية عن نهاية الكمد الحاصل لقلبه، أو استعارة؛ شبه تحسير قلبه وإكماده بإنضاج اللحم، وغيظًا إما مفعول لأجله، أي: أنضجت قلبه لأجل غيظي إياه، وإما تمييز عن النسبة أي: أنضج غيظي إياه قلبه، وهو مصدر غاظه، أي: أغضبه.
والبيت من قصيدة مسطورة في "المفضليات" تزيد على مائة بيت لسويد بن أبي كاهل، وهو من المعمرين المخضرمين، عاش إلى زمن الحجاج. وتقدمت ترجمته في الإنشاد السادس والسبعين بعد المائتين، وكانت العرب تسمي هذه
[ ٥ / ٣٣٤ ]
القصيدة في الجاهلية "التيمية" وتفضلها، وتعدها من حكمها. قال ابن قتيبة في ترجمته من كتاب "الشعراء": كان الحجاج تمثل يوم رستقباذ على المنبر بأبيات منها، وهي:
ربَّ منْ أنضجتْ غيظًا قلبهُ قد تمنى لي موتًا لم يُطمع
ويراني كالشجى في حلقهِ عسرًا مخرجهُ ما ينتزعْ
مزبدٌ يخطرُ ما لمْ يرني فإذا أسمعتهُ صوتي انقمعْ
قد كفاني اللهُ ما في نفسهِ ومتى ما يكفِ شيئًا لمْ يضعْ
لمْ يضرني غيرَ أنْ يحسدني فهو يزقو مثلَ ما يزقو الضوعْ
ويحييني إذا لاقيتهُ وإذا يخلو لهُ لحمي رتعْ
كيفَ يرجونَ سقاطي بعدما جللَ الرأس مشيبٌ وصلعْ
والشجا: عظم يعترض في الحلق، ومزيدٌ من أزبد، والخطر: تحريكُ اليدين في المشي والاختيال بهما، وانقمع: دخل بعضه في بعض، والضوع بضم الضاد المعجمة: ذكر البوم، ويزقو: يصيح، ورتع: أكل، والسقاط بالكسر: الفترة، يقول، على طريق التعجب: كيف يؤملون فترتي وسقطي وقد بلغت هذه السن.
وأنشد بعده:
فكفى بنا على منْ غيرنا حبُّ النبيَّ محمدٍ إيانا
وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الخمسمائة:
(٥٣٣) إني وَإياكَ إذْ حلتْ بأرحلنا كمنْ بواديهِ بعدَ المحلِ ممطورِ
على أن "من" نكرة موصوفة بممطور، أي: كشخص ممطور، قال سيبوبه: قال الخليل رحمها الله تعالى: إن شئت جعلت "من" بمنزلة إنسان،
[ ٥ / ٣٣٥ ]
وجعلت ما بمنزلة شيء نكرتين، وزعم أن هذا البيت عنده مثل ذلك:
وكفىَ بنا فضلًا على منْ غيرنا البيت
ومثل ذلك قول الفرزدق:
إني وإياكَ إذ حلتْ بأرحلنا البيت.
قال أبو علي في "التعليقة" على الكتاب قوله: "كمن بواديه" كرجل بواديه، فقولك: بواديه صفة لمن، وليس بصلة، والدليل على أن من في هذا البيت نكرة وصفه إياه بممطور وهو نكرة. انتهى.
والبيت من قصيدة للفرزدق مدح بها يزيد بن عبد الملك وهجا يزيد بن المهلب وقبله:
إليكَ من ثفن الدهنا ومعقلةٍ خاضتْ بنا الليل أمثال منثور
مستقبلين شمال الشام نصربنا بحاصبٍ كنديف القطن منثور
على عمائمنا يلقى وأرجلنا على زواحف نزجيها محاسير
إني وإياك إن بلغن أرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور
وفي يمينك سيف الله قد نصرت على العدو ورزق غير محظور
وقد بسطت يدًا بيضاءَ طيبةً للناس منك بفيضٍ غير منزور
قوله: إليك من ثفن الدهنا إلى آخره. الدهنا: رمال بين البصرة ومكة لبني تميم، والقوارير جمع قرقور وهي السفينة الطويلة، وقيل: العظيمة، شبه الإبل بالسفن، وظلام الليل بالبحر، والمشي فيه بالخوض. وثفن بفتح المثلثة وكسر الفاء، قال شارح ديوانه السكري: ثفن الدهنا: وسطها، ومعقلة: خبراء بالدهنا تنبت السدر وتمسك الماء، والخبري: الأرض التي تمسك الماء. انتهى.
[ ٥ / ٣٣٦ ]
وقوله: مستقبلين إلى آخره: حال من ضمير بنا، والشمال، بالفتح: ريح معروفة، والحاصب: ما تناثر من دقاق الثلج والبرد، وقوله: على عمائمنا، متعلق بـ "يلقى"، وأرجلنا بالجر معطوف على عمائمنا، وهو جمع رجل. والزواحف: الإبل المعيية، من زحف البعير: إذا أعيا، ونزجيها: نسوقها، ومحاسير: جمع محسور وهو البعير الذي يعينا من شدة السوق.
وقوله: إني وإياك، هذا خطاب أيضًا ليزيد بن عبد الملك، والنون في "بلغن" ضمير الإبل، ورواه سيبوبه: إذ حلت بأرحلنا، وحلت: نزلت، وأرحل: جمع رحل، وهو هنا أثاث المسافر ومتاعه الذي يستصحبه في السفر، أراد: إني إذا حططت رحالي إليك، كرجل كان واديه ممحلًا، فمطر، والباء متعلقة بممطور، وليس في البيت ما يعود إلى إياك، ونظيره:
فإني وجروةَ لا ترودُ ولا تعارُ
أخبر عن جروة ولم يخبر عن نفسه، ويقدر في مثل هذا ما يعود إلى الاسم الآخر، كأنه قال: كإنسان مطر بخيرك. وكأن الأعلم لم يقف على ما قبله من الأبيات، فإنه قال: وصف خيالًا طرقه، وحل رحله ورحال أصحابه فسر به سرور المحتاج إلى الغيت إذا نزل له، هذا كلامه. وبعد تلك الأبيات:
يا خيرَ حيٍ وقتْ لهُ قدمًا وميتِ بعدَ رسلِ مقبورِ
إِنِّي حَلَفْتُ وَلَمْ أَحْلِفْ عَلَى فَنَدٍ فِنَاءَ بَيْتٍ مِنَ السَّاعِينَ مَعْمُورِ
في أكبر الحجّ حافٍ غير منتعلٍ من حالفٍ محرمٍ بالحجّ مصبور
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير
إذا يثورون أفواجًا كأنّهم جراد ريحٍ من الأجداث منشور
لو لم يبشّر به عيسى وبّينه كنت النّبيّ الذي يدعو إلى النّور
فأنت إن لم تكن إيّاه صاحبه مع الشّهيدين والصّدّيق في السّور
[ ٥ / ٣٣٧ ]
في غرف الجنةِ العليا التي جعلتْ لهمْ هناكَ بسعيٍ كانَ مشكورِ
والفند، بفتحتين: الكذب، والمصبور: الذي صبر نفسه لأفعال الحج، أي: حبسها، وفي كلامه مبالغة فاحشة، ومداهنة ظاهرة، وإنما نقلنا هذه الأبيات، لأن قوله: "بالباعث الوارث الأموات البيت" من شواهد باب الضمير من شروح "الألفية" ولم يقف العيني على هذه الأبيات، فذكرناها لمن يحتاج الأطلاع عليها.
وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الخمسمائة:
(٥٣٤) ونعمَ منْ هوَ في سر وإعلانِ
على أن "من" فيه عند أبي علي نكرة تامة، وقد بسط الكلام عليه في كتاب "الشعر" قال فيه: قال الشاعر:
وكيف أرهبُ أمرًا أو أراع له وقدْ زكأتُ إلى بشر بن مروان
فنهمْ مزكأ من ضاقت مذاهبهُ ونعمَ منْ هوَ في سرً وإعلانِ
القول في الظرف أنه يتعلق بنعم، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون خبر هو التي في الصلة، أو يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون في موضع خبر هو التي في الصلة، لأن التقدير قبل كون الكلام صلة: يكون هو في سر وإعلان، وهذا لا معنى له، فإذن المعنى: كرم هذا الإنسان في سره وعلانيته، أي: ليس ما يفعله من الخير لتصنع، فيفعل الخير في السر كما يفعله في العلانية، وإذا كان كذلك، احتاج هو إلى جزء آخر حتى تستقل الصلة، وذلك الجزء ينبغي أن يكون الذي هو مثله لا يكون
[ ٥ / ٣٣٨ ]
الذي هو هو، لتكون الصلة شائعة، فلا تكون من مخصومة، لأنها فاعل نعم، فإن قدرت الذي هو هو وأنت تريد الذي هو مثله، فتحذف المضاف، فيصبر الذي هو هو معناه مثله، جاز أيضًا، وقد يجوز في القياس أن تجعل "من" نطرة، فإذا جعلت نكرة، احتاجت إلى صفة، فتكون الجملة التي قدرتها لة لها مقدرة صفة، ويكون المقصود بالمدخ مضمرًا، لأن ذكره قد جرى، كما جرى ذكر أيوب قبل قوله تعالى: (نعمَ العبدُ) (ص/ ٣٠) فاستغني بذلك عن ذكر ما يخصه بالمدح وإظهاره، ويجوز في القياس أن تجعل من نكرة، ولا تجعل له صفة كما فعل ذلك بما في قوله تعالى: (فنعما هي) (البقرة/ ٢٧١) فإذا جعلتها كذلك، كان كأنه قال: فنعم رجلًا، فيكون موضع "من" نصبًا، ويكون هو كتابة عن المقصود بالمدح، ووجه القياس في الحكم على "من" أنها نطرة غير موصوفة: أنهم جعلوا ما بمنزلة شيء وهو أشد إشاعة وإبهامًا من "من"، فإذا جاز أن لا توصف مع أنها أشد إبهامًا من "من" كان أن لا توصف "من" أجوز، لأنها أخص منها، فيصبر كأنه قال: نعم رجلًا هو، لأنها تخص الناس، ومن أشبههم كما كانت ما تعم الأشياء، إلا لم نعلمها في الاستعمال تركوا "من" بغير صفة، كما تركوا "ما" غير موصوفة في الخبر نحو التعجب، والآية التي تلوناها هذا آخر كلام أبي علي.
فمنْ في البيت عنده محتملة لأن تكون موصولة، ونكرة موصوفة، ونكرة تامة، وقدر رد ابن مالك في التمييز لا يقع في الكلام بالاستقراء إلا نكرة صالحة واللام، و"من" بخلاف ذلك فلا يجوز كونها تمييزًا.
الثاني: أن الحكم عليها بالتمييز عند القائل به مرتب على كون "من" نكرة غير موصوفة، وذلك منتف بإجماع في غير محل النزاع، فلا يصار إليه بلا دلي عليه.
فيصح القول: بأن من في موضع رفع بنعم، إذ لا قائل بقول ثالث. انتهى.
وقوله قد زكأتُ، أي: لجأتُ، والمزكأ: الملجأ، قال ابن مالك: وما يدل
[ ٥ / ٣٣٩ ]
على أن فاعل "نعم" قد يكون موصولًا ومضافًا إلى موصول قول الشاعر:
ونعمْ مزكأُ منْ ضاقتْ مذاهبهُ
فلو لم يكن في هذا إلا إسناد "نعم" إلى المضاف إلى من، لكان فيه حجة على صحة إسناد نعم إلى من، لأن فاعل نعم لا يضاف في غير ندور إلى ما يصلح إسناد نعم إليه، فكيف وفيه: ونعم من هو. انتهى.
قال المرادي: لا حجة فيه لاحتمال أن تكون من فيه نكرة موصوفة، وتكون "نعم" قد رفعت المضاف إلى النكرة كما تقدم نقله عن الأخفش. انتهى.
والرهب محركة: الخوف، وأراع، بالبناء للمفعول من الروع وهو الفزع.
وبشر هو ابن مروان بن الحكم ولى إمرة العراقين لأخيه عبد الملك، وكان سمحًا جوادًا، وهو أول أمير مات بالبصرة، وذلك في سنة خمس وسبعين، عن نيف وأربعين سنة، ولم أقف على قائل الشعر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الخمسمائة:
(٥٣٥) وشعري شعري
على أن معناه: وشعري الآن هو شعري المشهور المعروف بنفسه لا شيء آخر، فعدم مغايرة الخبر للمبتدأ إنما هو في اللفظ، وأما في المعنى، فهو مغايره بقيد الشهرة.
وهو من رجز لأبي النجم العجل وهو:
أَنا أَبو النَجمِ وَشِعري شِعري
لِلَهِ دَرّي مِما يُجِنُّ صَدري
منْ كلماتٍ باقياتِ الحرَّ
تنامُ عني وفؤادي يسري
معَ العفاريتِ بأرضٍ قفرِ
[ ٥ / ٣٤٠ ]
والدر في الأصل: اللبن، يقال في المدح: للهِ دَرُّه، أي: عمله. وقوله: ما أجن صدري! هو صيغة تعجب من الجنون، قال صاحبُ "الصحاح": وقولهم في الجنون: ما أجنّه! شاذلا يُقاس عليه.
وقد صار البيت الأوَّل مثلًا عند العلماء للتأويل المذكور فيما ظاهرُه الاتحاد بين الموضوع والمحمول، قال صاحب "الكشاف" عند قوله: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) [الواقعة: ١٠] المراد: السابقون من عرفت حالهم، وبلغك وصفهم كما في "شعري شعري"، أي: شعري ما بلغك وصفُه، وسمعت ببراعته وفصاحته، وصحَّ إيقاع "أبي النجم" خبرًا لتضمنه نوع وصفية واشتهار بالكمال، والمعنى: أنا ذلك المعروف بالكمال، وشعري هو الموصوف بالفصاحة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الخمسمائة:
ياشاة من قنص لمن حلت له حرمت عليه وليتها لم تحرم
على أنَّ "مَنْ" فيه عند الكسائي زائدة، ورأيت في تفسير الفراء كلامًا يتعلق بزيادتها لم يفصح عنه، قال عند قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) [آل عمران/ ١٥٩] العرب تجعل ما صلة، في المعرفة والنكرة واحدًا، قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ) [النساء: ١٥٥] والمعنى: فبنقضهم، و(عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ) [المؤمنون/ ٤٠] والمعنى عن قليل، وربما جعلوها اسمًا وهي في مذهب الصلة، فيجوز فيما بعدها الرفع على أنه صلة، والخفض على اتباع الصلة لما قبلها، قال الشاعر:
فكفى بنا فضلًا على ما غيرنا .. البيت
[ ٥ / ٣٤١ ]
وترفع "غير" إذا جُعلت صلة بإضمار "هو" وتخفض على الإتباع لـ "مّنْ"، وقال الفرزدق:
إنا وإياك إن بلغت أرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور
فهذا مع النكرات، فإذا كانت الصلة معرفة آثروا الرفع، من ذلك: (فيما نقضهم) لم يقرأه أحد برفع، ولم نسمعه، ولو قيل، جاز، وأنشدونا بيت عدي:
لم أر مثل الفتيان في غير الأيام ينسون ما عواقبها
والمعنى: ينسون عواقبها، يجعلون عواقبها صلةً لـ "ما" وهو مما أكرهه، لأنَّ قائله يلزمه أن يقول: أيّما الأجلان قضيت، فأكرهه لذلك، ولا أرده، وقد جاء، وقد وجهه بعض النحويين إلى: ينسون، أيُّ شيء عواقبُها، وهو جائز، والوجه الأولُ أحبُّ إليَّ، والقراء لا تقرأ بكل ما يجوز في العربية، فلا يقبحنَّ عندك تشنيع مشنع مما لم يقرأ القراء مما يجوز. هذا كلامه.
وفي كتاب "الضرائر" لابن عصفور: زعم الكسائي أن العرب قد زادت من الأسماء "من" في الشعر، واستدل على ذلك بقول عنترة:
يا شاة من قنص .. البيت
وقول الآخر:
آل الزبير سنام المجد .. البيت
والتقدير عنده في البيت الأول: يا شاة قنصِ، وفي البيت الثاني: والأثرون عددًا، ولا حجة له فيهما، لاحتمال أن تكون نكرة موصوفة، كما هي في قوله:
إني وإياك إذ حلت بأرحلنا .. البيت.
ألا ترى أن ممطورًا صفة لمن، وأن المعنى: كإنسان ممطور بواديه بعد المحل، وتكون في بيت عنترة موصُوفة بالمصدر الذي هو "قنص" على حدّ قولهم: مررت
[ ٥ / ٣٤٢ ]
برجل فِطر، أي: مفطر، وفي البيت الآخر بالاسم الموضُوع موضع المصدر، وهو عددًا، والمعنى: يا شاةَ إنسانٍ قانصٍ، والأثرون قومًا معدودين. انتهى.
والبيت من معلقة عنترة العبسي، والمشهور في رواية شراح المعلقات:
"يا شاةَ ما قنصٍ" و"ما" زائدة، ولا خلاف في جواز زيادتها، والشاةُ هنا كناية عن المرأة، والعرب تكني عنها بالنعجة أيضًا، وقد أورده صاحب "الكشاف" برواية "ما" عند قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) [ص/ ٢٣] على أنَّ النعجة استعيرت للمرأة كما استعار عنترة الشاة، فقنص، على هذه الرواية، مصدر بمعنى المفعول، وهو مجرور بإضافة شاةٍ إليه، وفي زيادة ما، وتنكير "قنص" ما يدل على أنها صيد عظيم يغتبط بها من يحوزها أيَّ اغتباط، فيكون في قوله: "حرمت عليَّ" الدلالة على التحزن التام على فوات تلك الغنيمكة، قال التبريزي في شرحها: قوله: لمن حلت، أي: لمن قدر عليها، وقوله: حرمت علي، معناه: هي من قوم أعداء، ويدلّ على هذا قوله في القصيدة:
علقتها عرضا واقتل قومها
والمعنى: أنها لما كانت في أعدهائي لم أصل إليها، وامتنعت مني، وأصل الخرام: الممنوع، والمعنى: أنها حرُمت عليَّ باشتباك الحرب بيني وبين قبيلتها. وقوله: "وليتها لم تحرم" هو ثمن في بقاء الصلح.
وقال الزوزني: هي امرأة أبيه، يقول: حرم علي تزوجها لتزوّج أبي أباها، وليتها لم يتزوجها حتى كانت تحل لي، هذا كلامه، وليس بشيء، لأن التزوج بامرأة الأب في الجاهلية كان غير ممنوع عندهم بشهادة كلام الله تعالى.
وشاة، بالنصب: منادى مضاف عند أبي جعفر النحوي، ومفعول لفعل محذوف مع المنادى عند الزوزني، قال: التقدير: يا هؤلاء اشهدوا شاة قنص لمن حلت له، فتعجبوا من حسنها وجمالها، فإنها قد حازت الجمال.
وتقدمت ترجمة عنترة في الإنشاد السابع والسبعين بعد المائتين.
[ ٥ / ٣٤٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الخمسمائة:
آل الزبير سنام المجد قد علمت ذاك القبائل والأثرون من عددا
لما تقدم قبله من أن "مّنْ" زائدة عند الكسائي، قال الفالي في "شرح اللباب": يجاب: إن "عددًا" مصدر بمعنى المفعول، فـ "من" اسم موصوف بمفرد، ويجوز أن تكون موصوفة بجملةٍ محذوفة، وذلك أن عددًا مفعول مطلق، وعاملة محذوف تقديره: يعدّ عددًا بالبناء للمفعول، والجملةُ صفة من، أي: إنسانًا يعد عددًا. انتهى. واقتصر ابنُ الشجري على التقدير الثاني، وفي تخريجهم نظر لا تخفى سماجته وركاكته مع أنه ليس فيه كبير مدح، فإنَّ مدح الشاعر: أن آل الزبير سنامُ المجد، والأكثرون عددًا، وأن أتباعهم أكثر من أتباع غيرهم، لا أنهم يعدون عدًا، فإن ما يعد قليل، والقلّة لا فخر فيها ولا مدح، وجَعْلُ المصنف "من" بدلًا من "الأثرون" على تقدير الفعل لا وجه له، إذ لا فرق في المعنى بين قولنا معدودين، وبين قوم يعدُّون، وتخريج الكوفيين خال عن التعسف مع صحة معناه، ومتانة مغزاه، ويؤيده رواية البصريين: والأثرون ما عددًا.
وقوله: آل الزبير: مبتدأ، وسنام المجد خبره، والأثرون معطوف على الخبر، وجملة "قد علمت ذاك القبائل" اعتراضية لتقوية المعنى وتشديده، و"ذاك" مفعول علمت، وهو إشارة إلى كونهم سنام المجد، والقبائل: فاعل علمت، بمعنى عرفت، وسنام المجد: أعلاه، استعير من سنام الإبل، والأثرون: جمع أثرى، وهو أفعل تفضيل من تريثُ بك، بكسر الراء، أي: كثرت بك، قاله صاحبُ "الصحاح" وهذا البيت، مع كثرة وجوده في كتب النحو، لا يعرف قائله، ولا تتمته، والله تعالى أعلم.
[ ٥ / ٣٤٤ ]
(مَهْمَا)
أنشد فيه:
ومهما تكن عند امريء من خليقةٍ وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثلاثين بعد الخمسمائة. قال أبو حيّان: وذهب أبو زيد السهيلي إلى أنَّ "مهما" تكون اسمًا، وتكون حرفًا، فإذا عاد عليها الضمير كانت اسمًا، وإن لم يعد عليها ضمير كانت حرفًا، واستدل على حرفيتها بقول زهير، ووجه استدلاله أنه أعرب "مهما" حرف شرط بمعنى إن، و"مِنْ خليقة" اسم تكن، ومن زائدة، وإليه ذهب أبو محمد بن السيد، ولا حجة فيه، لأنه يمكن أن يكون في تكن ضمير مهما، وأنثه حملًا على المعنى، لأنها واقعة على الخليقة، و"عند امرئ" في موضع الخبر، ومن خليقة: تفسير، ويلزم على قول السهيلي: أن تزاد "من" في الواجب، وهو مذهب ضعيف، والصحيح اسميتُها، ولا توجدُ في كلامهم إلا مبتدأة عائدًا عليها ضمير، أو مفرغًا لها العامل، فتكون معمُولة له نحو:
مهما تصب أفقًا من بارق تشم
فمهما: مفعول مقدم لتصب، وأفقًا: منصوبٌ على الظرف. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الخمسمائة:
قد أوبيت كل ماء فهي صاوية مهما تصب أفقًا من بارق تشم
على أن السهيلي استدل به على حرفية مهما، ورده المصنف، وقد تكلمنا
[ ٥ / ٣٤٥ ]
على إعرابه مبسوطًا في الشاهد الرابع بعد الستمائة من شواهد الرضي، وفي شرح البيت الثالث من حاشيتنا على "شرح قصيدة بانت سعاد" للمصنف، فأغنانا ذلك عن الكلام هنا.
والبيت من قصيدة لساعدة بن جؤية الهذلي المخضرم وتقدم شرح مطلعها مع أبيات بعده في الإنشاد الثاني والستين، وقبله:
تالله يبقى على الأيام ذو حيدٍ أدفى صلود من الأوعال ذو خدم
وتقدَّم شرح هذا البيت أيضًا في الإنشاد الثالث والخمسين بعد الثلاثمائة في بحث اللام برواية: "لله يبقى" على أن اللام للقسم والتعجب معًا، وحذف لا النافية من جواب القسم، والأصل: تالله لا يبقى، وذو حيد: الوعل، بكسر الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية، جمع حيد، بفتح فسكون، وهي العقد في قرن الوعل، والأدفى بالقصر: الذي يميل قرنه إلى نحو ظهره، وصلود: صفته وهو الذي يقرع بظلفه الجبل، والخدم: بفتح الخاء المعجمة، خطوط بيض في قوائمه تشبه الخلاخيل، ثم وصف تحصنه في رؤوس الجبال في ثمانية أبياتٍ، ولما جاء أجله، ما سلم من الصياد، فهلك على يديه، وقال:
فكان حتفًا بمقدار وأدركه طول النهار وليل غير منصرم
يعني: لم يفلت من طول الأيام والليالي.
ولا صوار مذراة مناسجها مثل الفريد الذي يجري من النظم
معطوف على ذو حيد، والصوار، بكسر الصاد المهملة: جماعة البقر، ونعجة مذراة، وكبش مذرّي، بالذال المعجمة: إذا جز وترك بين كتفيه صوف ولم يجز، وهو الذِرواة، بكسر الذال وضمها، والنظم: بضمتين: جمع نظام، وهو الخيط الذي فيه اللؤلؤ، يقول: الصوار مثل اللؤلؤ في الحسن والبياض.
[ ٥ / ٣٤٦ ]
ظلت صوافن بالأرزان صاوية زفي ما حق من نهار الصيف محتدم
قد أوبيت كل ماء فهي صاوية مهما تصب أفقًا من بارق تشم
حتى شآها كليلٌ موهنًا عمِلَ باتت طرابًا وبات الليل فم ينم
كأنما يتجلى عن غواربه بعد الرقاد تمشي النار في الضرم
حيران يركب أعلاه أسافله يخفي تراب جديد الأرض منهزم
فأسأدت دلجًا تحيي لموقعه لم تنتشب بوعوث الأرض والظلم
حتى إذا ما تجلى ليلها فزعت من فارس وحليف الغرب ملتئم
فافتنها في فضاء الأرض يأفرها وأصحرت في قفاف ذات معتصم
أنحى عليها شراعيا فغادرها لدى المزاحف تلى في نضوح دم
قوله: ظلت صوافن، أي: قد رفعن إحدى قوائمهن، والصوافن: التي تفرِّج بين رجليها، والأرزان، جمع رزن، بكسر المهملة وسكون المعجمة: الموضع الغليظ الذي فيه الماء، وصاوية بالصاد المهملة: اليابسة من العطش، والماحق: شدة الحر، والمحتدم، بمهملتين: المحترق، أي: كان ذلك اليوم محترقًا من شدة الحر.
وقوله: قد أوبيت .. إلى آخره، قال أبو حنيفة في كتاب "النبات": وصف ساعدة بن جؤية بهذه الأبيات حميرًا، وأوبيت: منعت، وقال السكري: يقول: منعت كل ماء، أي: قطع عنها، يقال: طعام وشراب لا يؤبى: لا ينقطع. انتهى. وصف حميرًا قد أجهدها العطش، فيبست أجوافُها، وهي لا تقدم على ماء الأنهار والعيون فزعًا من الصائد، فهي تشيم البرق، وترتقب نزول المطر لترده، والصاوية، بالصاد المهملة: اليابسة من العطش، وقوله: مهما تصب أفقًا. قال السكري: أي ناحية من بارق، أي: من سحاب فيه بارق، وتشم: تنظر إليه، والضمير في الجميع للصوار، وروى الجمحي:
مَهْمَا يُصِبْ بَارِقٌ آفاقَهَا تَشِمِ
[ ٥ / ٣٤٧ ]
وقوله: حتى شآها، الضمير للصوار، قال أبو حنيفة: أي شاقها، وفيه قلب، يقال: شاءنى يشوءني، أي: شاقني، والكليل: البرق الضعيف، وقد يستحب أن يكون كليلًا، والعَمِل، بفتح العين وكسر الميم: الدائب الذي لا يفتر، والطراب: التي استخفها الفرح، والموهن: بعد ساعة من نصف الليل، وضمير بات للبرق الكليل، وقوله: كأنما يتجلى، أي: البرق الكليل، والقوارب، أعالي السحاب، والضرم: ما دق من الخطب فالنار تسرع فيه.
وقوله: حيران يركب .. إلى آخره، قال السكري: يعني هذا السحاب لا يمضي على جهته قد حار، فهو يتردد، وقوله: يخفي تراب الأرض، أي: يظهر ترابها، من خفاه بمعنى أظهره، يعني أن المطر يظهر التراب، وجديد الأرض بالجيم: أرض صلبة لم تحفر، ومنهزم: منخرق، يقول: هذا السحاب قد انخرق بالماء، وقال أبو حنيفة: حيران، أي: لا جهة له، فهو ماكث، وخفاه: أظهره يعني: أن سيله يشق الأرض، فيظهر باطنها، ومنهزم: منشق بالماء.
وقوله: فأسادت دلجًا، قال أبو حنيفة، الإساد: سير الليل كله، وكذلك الدلج، وتحيي لموقعه: يريد تحيي الليل لموقع هذا الغيث تسير إليه، ولم تنتشب: لم تنحبس، أي: لم يَعُقها وعوث الأرض، يعني تحيي ليلتها جمعاء لموقع ذلك السحاب لتبلغه، والوعث: اللين وهو يحبس.
قوله: يتجلى ليلها، أي: بالصباح، وحليف: صاحب، والغرب: الحديد، وأراد به رمحًا حديد السنان، وملتئم: يشبه بعضه بعضًا، لا يكون كعب منه دقيقًا والآخر غليظًا.
وقوله: فافتنها يريد انشق بها في ناحية من "فنن"، وقيل: افتنها: طرحها، ويأفرها: يسوقها، من الأفر، وهو عدو فيه قفز، وأصحرت: صارت في صحارى، وقِفاف جمع قُفّ، بالضم، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع، والمعتصم: الملجأ.
وأنحى عليها، أي: أهوى إليها الفارس بالرمح، والشُّراعي، بضم الشين المعجمة: الرمح الطويل، وغادرها: تركها، وتليّ: جمع تليل، كصرعى: جمع صريع وزنًا
[ ٥ / ٣٤٨ ]
ومعنى، والمزاحف: جمع مزحف، أي: حيث زاحفها فيه، أي: قاتلها، والنضخُ، بمعجمتين: ما أصاب الشيء على غير عمد، يقال: أصابه نضخ من الدم والزعفران والبول ما لم تعتمد به، فإذا أنت تعمدته قلت: نضحته بالماء، يقال: نضح ينضح: إذا ما رشح، وهو بالحاء المهملة، يعني أنها قبل وصولها إلى ماء الغيث قتلها الصَّيّاد، وترجمة ساعدة تقدمت في الإنشاد الثالث من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الخمسمائة:
لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ
على أن قوله "من جنوب" بيان وتفسير للضمير المستتر في "نسجت" وصدره:
فَتُوضِحَ فالمِقرَاةَ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا
وقبله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وهو مطلع معلقة امرئ القيس، وتقدم شرحه في الإنشاد الخامس والستين بعد المائتينن وتقدَّم هناك الكلامُ على عطف الأماكن بالفاء ووجهه، وتوضح: موضع من حمى ضرية، والمِقراة، بكسر الميم: موضع، وقال أبو عبيدة: ليس موضعًا، وإنما يريد: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، من قريت بمعنى جمعت، وقوله: لم يعف رسمها، أي: رسم هذه المواضع، وهذا في موضع التعليل للبكاء، لأنه لو عفت هذه المواضع، أو عفا رسمها، لاستراح العاشق، وفي بقائها أشد حزنًا له، كقول ابن أحمر:
أَلا لَيْتَ المَنَازِلَ قَدْ بَلِينا فَلا يَرْمِينَ عَنْ شَزْنٍ حَزِينا
[ ٥ / ٣٤٩ ]
أي: فلا يرمين عن تحرف، يقال: شزن فلان، ثم رمى، أي: تحرف في أحد شقيه، وذلك أشد لرميه، أي: ليتها بليت حتى لا ترمي قلوبنا بالأحزانِ والأوجاعِ، وعفا المكان يعفو عفوًا وعفوًا وعفاء: درس وانمحى، وعفَّى غيره تعفيةً درسه، والرسمُ: ما لصق بالأرض من آثار الديارِ مثل البعر والرماد. وقوله: لما نسجتها، تعليل لعدم العفاء والاندراس، قال الأصمعي: إنَّ الريحين إذا اختلفا على الرسم لم يعفواه، فلو داومت عليه واحدة، لعفته. لأن الريح الواحدة تسفي الترابَ على الرسمِ فيُدرس، وإذا اعتورته ريحان فسفت عليه إحداهما فغطته، ثم هبت الأخرى كشفت عن الرسم ما سفت الأخرى، فيكون نسج الريحين اختلافهما بالتراب، فواحدة تغطي، والأخرى تكشف، وفاعل نسجت ضمير ما، و"من" بيان لما، فتكون ما عبارة عن ريح الجنوب، والشمال، وهما ريحان متقابلان، فيكون مراد المصنف أنه أنث الضمير العائد على "ما" لتفسيره بالمؤنث من الجنوب والشمال، كما أنث الضمير العائد على مهما لما فسر بمؤنث وهو خليقة، و"ها" من نسجتها ضمير المواضع الأربعة.
وقد بسطنا الكلام على هذين البيتين في الشاهد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد الخمسمائة:
وإنك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
على أنَّ ابن مالك زعم أنَّ "مهما" فيه ظرف زمان، قاله في "شرح الكافية" وأنشد لما ادعاه أبياتًا كثيرة، ورده ابنه، فقال: لا أدري في هذه الأبيات حجة،
[ ٥ / ٣٥٠ ]
لأنه كما يصح تقديرها بظرف كذلك يصح تقديرها بالمصدر، على معنى: أي إعطاء قليلًا وكثيرًا تعطي بطنك سؤله، لكن تعيين المصدرية، لأن في الظرفية شذوذًا وقولًا بما لا يعرفه جمع النحويين.
وقد نقلنا استدلال ابن مالك بالأبيات، ورد ابنه عليه مفصلًا في الإنشاد الواحد بعد الخمسمائة في بحث ما الشرطية.
قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد نقل كلام ابنه: ويحتمل عندي بيت حاتم توجيهًا آخر غير ما ذكره ابن المصنف، وهو أن يكون "مهما" مفعولًا ثانيًا لتعط، وفرجك: مفعولًا أولًا، وسؤله: بدل من فرجك لا مفعول ثان، فلا يكون في البيت حجة على استعمال مهما ظرفًا، فتكون مهما في البيت نظيرها في قول امرئ القيس.
وإِنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ
انتهى. قوله: "وإنك مهما تعط" كذا الرواية في أكثر نسخ "الحماسة" لأبي تمام، ووقع فيء بعضها: "وإنك إن أعطيت بطنك" وهي رواية ابن جني في "إعراب الحماسة"، ورواية القالي في "أماليه"، وعليها لا يكون شاهدًا في البيت لمهما، وهو آخر أبيات أربعة أوردها أبو تمام في باب الأضياف لحاتم الطائي وهي:
أَكُفُّ يَدِي عَنْ أنْ ينالَ التِماسُها أكُفَّ صِحابِي حينَ حاجاتُنا مَعَا
أبِيتُ هَضِيمَ الكَشْحِ مُضْطَرِمَ الحَشَا مِنَ الجوعِ أخْشى الذَّمَّ أَنْ أَتَضَلَّعا
وَإِني لأَسْتَحْيي رَفِيقِي أَنْ يَرَى مَكانَ يَدِي مِنْ جانِبِ الزَّادِ أَقْرَعا
وَإْنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَه البيت
[ ٥ / ٣٥١ ]
قوله: أكفُّ يدي، أي: أقبضها إذا جلسنا على الطعام إيثارًا للضيوف، وخوفًا أن يفنى الزاد، وأكف الثانية جمع كف مفعول ينال، وقوله: حين حاجاتنا معًا، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": معًا حال سدت مسد خبر المبتدأ الذي هو المصدر، كقولك: قيامك ضاحكًا، وشربك السويق ملتوتًا. انتهى. وقال التبريزي: حاجاتنا معًا، أي كلنا جائع، فحاجته إلى الطعام كحاجة صاحبه، ومعًا: نصب على الحال سد مسد الخبر، لأن المصادر إذا ابتدئ بها وقعت الأحوال خبرًا عنها، كقولك: ضربي زيدًا قائمًا، وكذلك المضاف إلى المصدر تقول: أكثر ضربي زيدًا قائمًا. وانتصب "حين" على الظرف، وقد أضيف إلى الجملة، والعامل فيه: أكف يدي.
وقوله: أبيت هضيم الكشح، يدل على كفه عن الأكل إيثارًا للأكيل على نفسه، وأقرع، أي: خال من الطعام. قال ابنُ جني: قوله: وإنك إن أعطيت إلى آخره: أجمع: توكيد للذم. وهو أمثل من أن تجعله توكيدًا لمنتهى، وذلك أن قولك أجمع من توابع التوكيد في الإحاطة والعموم، والذم طويل عريض، وهو مما يليق به التوكيد بما هو موضوع للعموم، وأما المنتهى فغاية ونهاية، وهو أقل القليل لأنه الحد والغاية، وما هذه سبيله لا يوصف بما يوصف به الشامل والشائع، أعني الذم من حيث كان جنسًا. انتهى. وكذا رواها القالي في أواخر "أماليه" عن ابن دريد لحاتم الطائي أربعة أبيات. وتقدمت ترجمة حاتم في الإنشاد الثامن والتسعين.
[ ٥ / ٣٥٢ ]
وأنشد بعده:
مهما لي الليلة مهما ليه أودى بنعلي وسرباليه
على أن جماعة منهم ابن مالك زعموا أن "مهما" فيه للاستفهام، وزعموا أنها مبتدأ و"لي" خبرها، وأن الشاعر أراد: مالي الليلة؟ ! استفهامًا على طريق التعجب، قال أبو حيان وناظر الجيش في قول "التسهيل": وربما استفهم بمهما، قد ذكر ذلك غير ابن مالك، قالوا: ندر في مهما مجيئها استفهامًا، وأنشد أبو علي: مهما لي الليلة .. البيت، وقد مر شرحه في الإنشاد الثالث والخمسين بعد المائة، وقال ابن الحاجب في "أماليه": يجوز أن يكون قوله "مه" من قوله: "مهما لي الليلة" اسم بمعنى: اسكت واكفف عما أنت فيه من اللوم وشبهه، كأنه يخاطب لائمًا على ما يراه من الوله، ثم قال: ما لي الليلة؛ تعظيمًا للحال التي أصابته، والشدة التي أدركته، ثم ذكر الأمر الذي يحقق تعظيم الأمر، فقال:
أودى بنعلي وسرباليه
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤١) ومهما تصلها أو بدأت براءة
تمامه:
لتنزيلها بالسيف لست مبسملا
على أنه من المشكل، فإن مهما فيه لا يجوز أن يكون مفعولًا به لـ "تصل" لاستيفائه مفعوله، ولا مبتدأ لعدم الرابط، وأجاب بأنه يتعين كون "مهما" فيه ظرف زمان بتقدير: وأي وقت تصل براءة، ثانيهما: أن يكون مفعولًا لفعل محذوف تقديره: ومهما تفعل، ويكون "تصل" و"بدأت" بدلًا مفصلًا من الفعل المقدر.
أقول: الجواب الأول للشيخ شهاب الدين عبد الرحمن الشهير بأبي شامة، قال في شرح قول الشاطبي:
[ ٦ / ٣ ]
ومهما أتيت من قبل أو بعد كلمة فكن عند شرطي واقض بالواو فيصلا
في "مهما" بحوث حسنة ذكرناها في "الشرح الكبير" وحاصله أنها في استعمال الناظم هنا، وفي قوله:
ومهما تصلها أو بدأت براءة
بمعنى متى ما، ووجه صحة هذا الاستعمال أن مهما مركبة من "ما" التي للشرط، ومن "ما" المزيدة للتأكيد، ثم أبدل ألف ما الجزائية هاء فصار مهما، وقد استقر أن "ما" الجزائية تضمن معنى الزمان، ولهذا يقال لها الظرفية، كقوله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) [التوبة/ ٧] فمتى أبدلت ألف الظرفية هاء لدخول المزيدة عليها، صار معنى مهما: متى ما، ومتى كانت المبدلة غير ظرفية، لم تكن بهذا المعنى، والله سبحانه أعلم. انتهى.
وقد رده عليه سائر الشراح، منهم محمد بن الحسن المقرئ الشهير بالفاسي قال: موضعها نصب على معنى: أي إتيان أتيت، فإن قيل: جعلها بمعنى "متى ما" أوضح، وقد ذكر ذلك في قوله تعالى: (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ) [الأعراف/ ١٣٢] فالجواب أن ذلك ليس بمذهب المحققين، وقد ذكر الزمخشري في "الكشاف" عند ذكر هذه الآية أن هذه الكلمة في عداد الكلم التي يحرفها من لا يد له في علم العربية في شيء، فيضعها في غير موضعها، ويحسبها بمعنى متى ما، ويقول: مهما جئتني أعطيتك قال: وهذا من وضعه، وليس من كلام واضع العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ) بمعنى الوقت فيلحد في آيات الله وهو لا يشعر.
وقال شهاب الدين الحلبي الشهير بالسمين في شرحه: هذا الذي قاله، قول مرجوح مرغوب عنه، وقوله: إن "ما" الجزائية استقر فيها أن تكون للزمان .. إلخ، لم يقل النحويون ذلك إلا في المصدرية، أما الشرطية، فلا، إلا من لا يعبأ بكلامه. ومحل "مهما" النصب عل المصدرية، كأنه قال: أي إتيان أتيت، فالناصب له أتيت. انتهى.
[ ٦ / ٤ ]
وقال الجعبري: موضعها نصب بالفعل، أي: أي إتيان أتيت. انتهى. والجواب الثاني للفاسي قال: مهما في: ومهما تصلها، في موضع نصب بفعل محذوف تقديره: ومهما تفعل، أي: أي شيء تفعل في براءة، يعني من الوصل والابتداء، وقوله: تصلها أو بدأت، تفسير لذلك الفعل المحذوف، ولما حذف ذلك الفعل وما اتصل به، أشكل عود ضمير تصلها، فجعل ما كان يعود عليه بدلًا منه للبيان أو منصوبًا بإضمار أعني، والمراد بقوله: تصلها، تقرأها إثر الأنفال، وبـ "أو" التنبيه على إباحة الأمرين للقارئ. انتهى. وتبعه الجعبري، فقال: ومهما منصوبة بمقدر، أي: أي حالة تقرأ ثم فسر بفعلي الشرط، وقد توجها إلى ظاهر بعدهما على جهة المفعولية، فأعمل الثاني على اختيار البصريين لقربه، وأضمر المفعول في الأول جوازًا، والأفصح حذفه، كقوله تعالى: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف/٩٦] انتهى. وقال السمين: قوله: "تصلها أو بدأت براءة" يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها أنه من باب التنازع، وهو من إعمال الثاني، ولكنه أثبت الضمير في المهمل ضرورة كقوله:
إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب .. البيت
الثاني: أن يكون براءة بدلًا من الضمير المنصوب في تصلها: كقوله:
على جوده لضن بالماء حاتم
الثالث: أن تكون براءة منصوبة على إسقاط الخافض، أي: ببراءة، يقال: بدأت بكذا، أي: ابتدأت به، وأما بدأت الشيء من غير ياء، أي: فعلته ابتداء، نحو بدأ الله الخلق. ولتنزيلها: متعلق بالنفي الذي في لست، وبالسيف: متعلق بمحذوف، لأنه حال من ضمير براءة، أي: ملتبسة بالسيف، أي: بالقتال، وصرف "براءة" للضرورة، وجملة لست مبسملًا جواب الشرط، قال الفاسي:
[ ٦ / ٥ ]
النفي هنا خبر بمعنى النهي، ولو جاء بصيغة النهي لكان لا بد من الفاء، لكن لما جاء بصيغة الماضي لفظًا لا معنى لم يأت بها، وكذا في شرح الجعبري، قال: جملة لست جواب الشرط نفي بمعنى النهي، وإذا كان الجواب ماضيًا لفظًا بلا قد امتنعت الفاء فلا ضرورة، وقال السمين: هذا فاسد، فإن الفاء لازمة في النهي، فكيف بالخبر الذي في معناه.
والحاصل أن براءة لا بسملة في أولها، سواء ابتدئ بها أم وصلت بما قبلها، لأنها لم ترسم في المصحف للفصل بين الأنفال وبراءة، بل ترك سطر مكانها.
واختلف أهل العلم بسبب ذلك على أقوال كثيرة يرجع معناها إلى ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها نزلت بالسيف، والأمر بالقتال، ونبذ العهد، وكشف أستار المنافقين، فلا يناسب أن يؤتى بالبسملة في أولها، لأنها آية رحمة.
الثاني: أن قصتها شبيهة بقصة السورة التي قبلها، وقبض رسول الله، ﷺ، ولم يأمرهم بالبسملة فتركوها، كأنهم توهموا أنها سورة واحدة.
الثالث: أن أولها قد نسخ، فلذلك تركت البسملة منها لذهاب أولها.
وبعد هذا البيت:
ولا بد منها في ابتدائك سورة سواها وفي الأجزاء خير من تلا
ومهما تصلها مع أواخر سورة فلا تقفن الدهر فيها فتثقلا
وقوله: ولا بد منها إلى آخره، أي: ولا بد من البسملة لجميع القراء في ابتداء كل سورة سوى براءة، وخير الشيوخ التالون أصحابهم في البسملة وتركها في ابتداء الأجزاء، أي: في أثناء سور القرآن.
وقوله: ومهما تصلها، أي: مع أواخر سورة إلى آخره، أي: ومهما تصل البسملة بآخر سورة، فلا يجوز أن تقف على البسملة وحدها، نص على امتناعه جماعة، وذلك لأن البسملة إنما جيء بها للتبرك في الابتداء عند من لا يعتقدها آية، أو لأنها آية من أول كل سورة، فلا معنى لوصلها بآخر السورة فقط، بل إما أن تصلها بأول السورة الأخرى، أو تقف على آخر السورة، ثم تبسمل مهلًا للبسملة بأول السورة أو واقفًا على البسملة، ثم تبتدئ بأول السورة الأخرى، قال الفاسي:
[ ٦ / ٦ ]
وموضع "مهما" نصبت بفعل محذوف يفسره الفعل الموجود، والتقدير: أي بسملة من البسملات الكائنة في أوائل السور تصل تصلها مع أواخر السور، وأتى بالفاء في الجواب لكونه نهيًا، وأكد بالنون الثقيلة تنبيهًا على ما في ارتكابها من القبح، ونصب الفعل الأخير بإضمار "أن" بعد الفاء على جواب النهي، قال الجعبري في حل البيت، أي: إن وصلت أول البسملة بآخر السورة السابقة، صل آخرها بأول اللاحقة ولا تسكتن عليها، فتصعب صيغة اللفظ لإشعارها بغير المقصود.
والإمام الشاطبي هو أبو القاسم بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي، نسبة إلى شاطبة، قرية بجزيرة الأندلس، كان إمامًا في علوم القرآن الكريم، متقنًا لأصول العربية، رحلة في الحديث، يضبط نسخ "الصحيحين" من لفظه، غاية في الذكاء، مجيدًا في النظم، وله تصانيف حسنة، وواسطة عقد تصنيفه هذه القصيدة في القراءات السبعة، وتقدم شرح أول بيت منها مع ترجمته في الإنشاد الثالث والسبعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤٢) إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب جهارًا فكن في الغيب أحفظ للود
على أنه ذكر ضمير المفعول في ترضيه، وكان الجيد تركه، وبعده:
وألغ أحاديث الوشاة فقلما يحاول واش غير إفساد ذي عهد
وروي:
يحاول واش غير تغيير ذي ود
[ ٦ / ٧ ]
(مع)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤٣) أفيقو بني حزن وأهواؤنا معًا
تمامه: وأرحامنا موصولة لم تقضب
على أن "معًا" ظرف، متعلق بمحذوف هو الخبر، وقيل: حال سدت مسد الخبر وتقدم قريبًا عن ابن جني والتبريزي أنهما قالا في قول حاتم:
أكف يدي عن أن ينال التماسها أكف صحابي حين حاجاتنا معا
أن معًا نصب على الحال سد مسد الخبر، والبيت من شعر أورده أبو تمام في الباب الأول من "الحماسة"، وكذلك أورده الأعلم في "حماسته"، وقال: هو للأخوص، وقد ضرب بنو عمه مولى يقال له حوشب، وقال التبريزي: يقال: إن هذا الشعر لجندل بن عمرو وهو:
إن كنت لا أرمى وترمى كنانتي تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي
فقل لبني عمي فقد وأبيهم منوا بهريت الشدق أشوس أغلب
أفيقول بني حزن وأهواؤنا معًا وأرحامنا موصولة لم تقضب
ولا تبعثوها بعد شد عقالها ذميمة ذكر الغب للمتعقب
فإن تبعثوها تبعثوها ذميمة قبيحة ذكر الغب للمتغبب
سآخذ منكم آل حزن بحوشب وإن كان لي مولى وكنتم بني أبي
قوله: إن كنت لا أرمى وترمى، كلهما بالبناء للمفعول، يقول: إن لم أقصد في نفسي، وقصدت في خدمي وحاشيتي، عاد ذلك القصد بالشر والمساءة علي،
[ ٦ / ٨ ]
وصرت كأني المقصود، وهذا من باب التمثيل، لأنه جعل الكنانة مثلًا لمولاه الذي يستودعه سره، كما يستودع الرجل الكنانة سهمه.
والتمثيل من محاسن الكلام، وهو أن يروم الشاعر ذكر معنى، فيعدل على الإفصاح به إلى ما يجري مجرى المثل، فيكون مبنيًا على مراده فيه، كقول الشاعر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئًا ومن أجل الطوي رماني
أراد أنه رجع إليه ما رمى به من قولهم: "من حفر بئرًا لأخيه وقع فيها" وكقول الوليد بن عقبة يخاطب معاوية:
وإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حليم الأديم
أراد أن كتابة إلى علي لا يجدي شيئًا، وكقول ابن ميادة:
ألم تك في يمنى يديك جعلتني فلا تجعلني بعدها في شمالكا
أراد: كنت مقربًا عندك، فلا تبعدني.
وقال التبريزي: وقيل: هذا مثل مضروب، وذلك أن رجلًا من بني فزارة، وآخر من بني أسد، التقيا ومع الفزاري كنانة جديدة، ومع الأسدي كنانة رثة، فقال الأسدي: أينا أرمى؟ فقال الفزاري: أنا، فقال الأسدي: فانصب كنانتك أرمي فيها، فإني أنصب كنانتي حتى ترمي فيها، فنصب الأسدي كنانته، وجعل الفزاري يرميها حتى أنفذ سهامه، فلما رأى الأسدي سهام الفزاري قد نفدت، قال: انصب لي كنانتك حتى أرميها، فنصبها، فرمى، وسدد السهم نحوه حتى قتله، فضرب مثلًا لمن يعمل عملًا وهو يريد غيره.
يقول: إذا تعرض لمن يليني، فقد تعرض لي، وأكون بمنزلة من ترمى كنانته وهي عليه لا يؤمن أن يصيبه ما يطيش من الشدة. انتهى، وتقدم هذا المثل بعينه في الإنشاد التاسع بعد الخمسمائة.
[ ٦ / ٩ ]
والجناحات: المائلات من الكنانة، وروي: جائحات وهي المستأصلات المهلكات جمع جائحة، بالهمزة والحاء المهملة، والكشح: الخاصرة والمنكب، وهو مجتمع رأس العضد والكتف، وقوله: فقد وأبيهم منوا، أصله: فقد منوا وأبيهم، فاعترض بالجملة القسمية بين قد والفعل، ومنوا ماضي مجهول، يقال: مني بكذا، أي: ابتلي به، ودهي به، وهريت الشدق، أي: مشقوقه، فيكون واسع الفم، وهو من الأوصاف المستحسنة في الخيل، والأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه تكبرًا وتغيظًا، والأغلب: الغليظ الرقبة، يعني: قد ابتلوا بلسان متغضب قوي. وقوله: "أفيقوا بني حزن" هو منادى بإضمار "يا" والأهواء: جمع هوى، وهو ميل النفس إلى الشيء، يعني: ومقاصدنا متحدة، يقول: اصحوا يا بني حزن من سكركم وجهلكم في حين مقاصدنا متحدة، وكلمتنا متفقة، وأسباب الرحم موصولة غير منقطعة، والغضب: القطع.
قوله: ولا تبعثوها .. إلى آخره، البعث: التحريك والتهييج، والضمير للحرب المفهومة من المقام، وذميمة: حال منها، والعبء كالحمل، وزنًا ومعنى، والمتعقب: الذي يأتي عقبنا، قوله: تبعثوها ذميمة، أي: تذمونها، لما يلحقكم من وبالها، وتغببت الأمر، أي: تفقدت غبه، كما تعقبته عاقبة، أي: تفقدت عاقبته.
والأخوص، بالخاء المعجمة: شاعر فارس، وهو زيد بن عمرو بن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، كذا في "المؤتلف والمختلف" للآمدي، وهو شاعر إسلامي عصري الفرزدق.
[ ٦ / ١٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤٤) كنت ويحيى كيدي واحد نرمي جميعًا ونرامى معا
على أن معًا وجميعًا بمعنى واحد، وهو اتحاد الفعل في وقت واحد، ولا دليل عليه في البيت، والمشهور ما قاله ثعلب، ويأتي نقله في كلام ابن الشجري في الإنشاد الثاني بعد هذا، قال صاحب "المصباح": تقول: خرجنا معًا، أي: في زمان واحد، وكنا معًا، أي: في مكان واحد، منصوب على الظرفية، وقيل: على الحال [أي: مجتمعين]، والفرق بين فعلنا جميعًا، وفعلنا معًا، أن معًا تفيد الاجتماع حالة الفعل، وجميعًا بمعنى كلنا يجوز فيها الاجتماع والافتراق. انتهى. والبيت من أبيات أوردها المبرد في أواخر "الكامل" لمطيع بن إياس قال: وهذا باب ظريف من أشعار المحدثين، قال مطيع بن إياس الليثي يرثي يحيى بن زياد الحارثي، وكان صديقه، وكان يرميان معًا بالخروج عن الملة:
يا أهل بكوا لقلبي القرح وللدموع الهوامل السفح
راحوا بيحيى إلى مغيبة في القبر بين التراب والصفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني الأقـ ـدار لم تبتكر ولم ترح
يا خير من يحسن البكاء له اليوم ومن كان أمس للمدح
قد ظفر الحزن بالسرور وقد أديل مكروهنا من الفرح
وفي يحيى يقول مطيع لنبوة كانت بينهما:
كنت ويحيى كيدي واحد نرمي جميعًا ونرامى معا
إن سره الدهر فقد سرني أو حادث ناب فقد أفظعا
أو نام نامت أعين أربع نعم وإن هب فلن أهجعا
حتى إذا ما الشيب في عارضي لاح وفي مفرقه أسرعا
سعى وشاة طبن بيننا فكاد حبل الوصل أن يقطعا
فلم ألم يحيى على حادث ولم أقل جار ولا ضيعا
[ ٦ / ١١ ]
انتهى. وقد تقدمت ترجمتهما في الإنشاد الحادي عشر بعد الخمسمائة. وقوله: كيدي واحد، أي: كيدي رجل واحد، ونرمي بالبناء للفاعل، ونرامى، بالبناء للمفعول، وهب: استيقظ من نومه.
وقوله: سعى وشاة طبن، بضم الطاء المهملة والموحدة: جمع طبن، بفتح فكسر، وصف من الطبنة وهي الفطنة وزنًا ومعنى، وروى القالي في "ذيل الأمالي" عن عبد الله بن إبراهيم الجمحي قصة لهذه الأبيات على خلاف رواية المبرد قال: نشأ في قريش ناشئان، رجل من بني مخزوم، ورجل من بني جمح، فبلغا في الوداد ما لم يبلغ بالغ حتى إذا رمي أحدهما، فكأن قد رميا جميعًا، ثم دخلت وحشة بينهما من غير شيء يعرفانه، فتغيرا، فلما كان ليلة من الليالي، استيقظ المخزومي، ففكر ما الذي شجر بينهما، وكان المخزومي يقال له: محمد، والجمحي يحيى، فنزل من سطحه، وخرج حتى دق عليه بابه فاستنزله فنزل إليه، فقال له: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: جئتك لهذا الذي حدث ما أصله وما هو؟ قال: فقال: [والله لا أعرف له أصلًا، قال عبد الله: فبكيا حتى كادا يصبحان، ثم عاد كل واحد منهما إلى منزله، فأصبح المخزومي وهو يقول:]
كنت ويحيى كيدي واحد نرمي جميعًا ونرامى معا
يسرني الدهر إذا سره وإن رمينا بالأذى أوجعا
حتى إذا ما الشيب في مفرقي لاح وفي عارضه أسرعا
وشى وشاة طبن بيننا فكاد حب الوصل أن يقطعا
وزاد غير عبد الله بن إبراهيم:
فلم ألم يحيى على وصله ولم أقل خان ولا ضيعا
انتهى. والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
[ ٦ / ١٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤٥) إذا حنت الأولى سجعن لها معا
على أن "معًا" تستعمل للجماعة، والمصراع من قصيدة لمتمم بن نويرة الصحابي يرثي بها أخاه مالكًا، وتقدم شرح بعض منها في الإنشاد الثامن والأربعين بعد الثلاثمائة وبعض منها في الإنشاء الثاني والسبعين بعد الأربعمائة، وهي من "المفضليات" وقبله:
وما وجد أظآر ثلاث روائم أصبن متجرًا من حوار ومصرعا
يذكرن ذا البث الحزين ببثه إذا حنت الأولى سجعن لها معا
إذا شارف منهن قامت فرجعت حنينًا فأبكى شجوها البرك أجمعا
قوله: وما وجد أظآر إلى آخره، الوجد: الحزن، قال ابن الأنباري في شرحه: الأظآر: جمع ظئر، وهن نوق يعطفن على حوار واحد، فيرضع من اثنتين، ويتخلى أهل البيت بواحدة، والروائم: اللاتي يعطفن عليه جمع رائمة، يقال رئمته رئمانًا، إذا شمته بأحبته، والحوار: ولد الناقة. انتهى. والمجر، بضم الميم وفتح الجيم، مصدر ميمي بمعنى الإجرار، مصدر أجر لسان الفصيل: إذا شقه لئلا يرتضع أمه، والمصرع: الهلاك، ومفعول الروائم محذوف تقديره: بؤ، أو هو جلد ولد الناقة يحشى فترأمه وتدر عليه، وروي "وجدن، بدل أصبن". واستشهد بالبيت أبو علي في "الإيضاح" على تأنيث الظئر بتذكير عدده، والظئر يكون في النساء والإبل، غير أنه في النساء أن ترضع ولد غيرها، وفي الإبل تعطف على الفصيل لتدر. وجملة أصبن مجرًا .. إلى آخره صفة ثالثة لأظآر، يعني كل واحدة منهن رأت إجرار حوارها، فهي ثكلى ترأم البو، وجملة يذكرن صفة رابعة، والبث: الحزن، والحزين بالنصب صفة لـ "ذا البث" قال ابن الأنباري:
[ ٦ / ١٣ ]
وقد يجوز في الحزين الجر على أن يكون من صفة البث. انتهى. يريد المبالغة بجعل نفس الحزن حزينًا، وفي "تهذيب الأزهري" قال الليث: حنين الناقة على معنيين: حنينها صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها، وحنينها نزاعها إلى ولدها من غير صوت. انتهى. و"إذا" يجوز أن تكون ظرفية، وأن تكون شرطية، وقال الأزهري يقال: ناقة ساجع: إذا طربت في حنينها، والتطريب: ترجيع الصوت وترديده، وأراد بالأولى إحداهن، أو أراد الثاكل الأولى، وهي أول من فقدت ولدها من الأظآر الثلاث، والنون في سجعهن راجع إلى ثنتين [منها، فيكون "معًا" للاثنتين] لا للجماعة، كما زعمه المصنف، وإن حملت الأولى على غير هذه الثلاث، صح ما ادعاه، لكنه بعيد. وكأن الدماميني لم يقف على ما قبل الشاهد وما بعده، فإنه قال: لأوالى صفة لمحذوف، يعني إذا حنت الحمامة، أي: صوتت وسجعن معًا، أي: هدرن جميعًا لأجل تصويتها، فقد استعمل معًا في جمع المؤنث. هذا كلامه.
وقوله: إذا شارف منهن .. إلى آخره، الشارف: الناقة المسنة، قال الأصمعي: إنما خص الشارف، لأنها أرق من الفتية لبعد الشارف من الولد، والشجو: الحزن، والبرك، بفتح الموحدة وسكون الراء، قال ابن الأنباري: هو الألف من الإبل، وكذلك العرج. وقوله: فأبكى، هو جواب إذا، والفاء زائدة.
وقوله: بأوجع مني هذا رجوع إلى الأظآر حملًا على المعنى، لأن الخبر عنهن في المعنى، لولا ذلك لقال بأكثر من وجدي، أو يكون قصد المبالغة، فنسب الوجع إلى الوجد مجازًا، كما قالوا شعر شاعر، وروي بدله "بأوجد مني" وتأويله كذلك، وترجمة متمم بن نويرة تقدمت مع مقتل أخيه مالك في الإنشاد الواحد والخمسين.
[ ٦ / ١٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤٦) وأفنى رجالي فبادوا معًا فأصبح قلبي بهم مستفزا
على أن "معًا" في هذا البيت أيضًا قد استعمل في الجماعة، والأول في جماعة المؤنث وهذا في جماعة الذكور، ولهذا كرر الشاهد على المدعي، وهو من قصيدة للخنساء الصحابية، ترثي بها إخوتها وزوجها، وتقدم شرحها في الإنشاد الرابع والعشرين بعد المائة، وبادوا بمعنى: هلكوا، قال ابن الشجري في المجلس الثاني والثلاثين من "أماليه": معًا انتصب على الحال بمنزلة جميعًا، وهو في الأصل ظرف موضوع للصحبة، وأجاز بعض النحويين أن يكون حرفًا. وتنوينه ودخول الجار عليه يخرجانه من الحرفية، وذلك فيما رواه البصري والكوفي في قولهم: جئت من معهم، وكان معها، فانتزعته من معها، كما تقول: كان عندها فانتزعته من عندها، فتغير آخره لتغير العامل فيه وتنوينه إذا استعمل حالًا يدخلانه في حيز الأسماء، وذهب أبو علي إلى أن من فتحه فهو عنده ظرف، ومن أسكنه جعله حرفًا، أراد من أسكنه نزله منزلة الأدوات الثنائية نحو: هل وبل وقد، وأنشد في ذلك:
فريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما
وإنما ذهب من ذهب إلى كونه حرفًا لمجيئه على حرفين، ولا يعلم له أصل في بنات الثلاثة. قال أبو العباس ثعلب: سألت ابن قادم: ما الفرق بين قام زيد وعمرو معًا، وقام زيد وعمرو جميعًا؟ فجعل يركض إلى الليل، فلما أصبح، قلت له: قام زيد وعمرو معًا، وقع القيام منهما في وقت واحد لا يكون إلا هذا، وقام زيد وعمرو جميعًا، يجوز أن يكون القيام منهما وقع في وقت واحد، ويجوز أن يكون وقع في وقتين، وكذلك مات زيد وعمرو جميعًا، يكون زمان موتهما
[ ٦ / ١٥ ]
مختلفًا، ومات ذا مع ذا لا يكون موتهما إلا في وقت واحد. وعند بعض النحويين أن معًا في قولك: "جاؤوا معًا" ينتصب على الظرف كانتصابه في قولك معهم، وإنما فكت إضافته، وبقيت علة نصبه على ما كانت عليه، والصحيح ما ذكرته أولًا، لأنه قد نقل من ذلك الموضع، وصار معناه جميعًا. قوله: مستفزًا، أي: مستخفًا، يقال: استفز فلان فلانًا بمعنى: استخفه، وفي التنزيل: (واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) [الإسراء/ ٦٤] إلى هنا كلام ابن الشجري.
(متى)
أنشد فيه:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
وتقدم شرحه في الإسناد الثاني والستين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤٧) أخيل برقًا متى حاب له زجل
على أن "متى" بمعنى من، وتمامه:
إذا يفتر من توماضه حلجا
والبيت من أبيات ساعدة بن جؤية الهذلي المخضرم وهي:
يا نعم إني وأيديهم وما نحروا بالحيف حيث سيح الدافق المهجا
إني لأهواك حبًا غير ما كذب ولو نأيت سوانا في النوى حججا
حب الضريك تلاد المال زرمه فقر ولم يتخذ في الناس ملتحجا
[ ٦ / ١٦ ]
صفر المباءة ذي هرسين منعجف إذا نظرت إليه قلت قد فرجا
أند من قارب روح قوائمه صم حوافره ما يفتأ الدلجا
أخيل برقًا متى حاب له زجل إذا يفتر من توماضه حلجا
مستأرضًا بين بطن الليث أيمنه إلى شمنصير غيثًا مرسلًا معجا
فأسأد الليل إرقاصًا وزفزفة وغارة ووسيجًا غملجًا رتجا
حتى أضاف إلى واد ضفادعه غرقى ردافى تراها تشتكي النشجا
ولا أقيم بدار الهوان إن ولا آتي إلى الغدر أخشى دونه الخمجا
وهذا آخرها، قوله: يا نعم، بضم النون من أسماء النساء، وقوله: وأيديهم وما نحروا، جملة قسمية معترضة بين اسم إن وبين خبرها، وهو قوله: بالخيف، وأراد: خيف منى، ولهذا أبدل "حيث يسح" أي: يصب، والدافق: الناحر والذابح الذي يصب الدماء بالنحر والذبح لأجل النسك، والمهج، جمع مهجة: الدم، وقيل: دم القلب، أخبر محبوبته أنه مع الحجاج في منى، وبها تراق دماء النسك، ثم أقسم بأيدي الناحرين النسك وبما نحروا تعظيمًا لمناسك الحج أنه يحبها. وقوله: إني لأهواك: جواب القسم، وما زائدة بين المتضايفين، وقوله: ولو نأيت سوانا: لو وصلية، قال السكري: أي عند غيرنا، والنوى: النية. انتهى. يريد أنه على حذف مضاف، ونأيت: بعدت، وفي "القاموس": النية: الوجه الذي يذهب فيه، والبعد كالنوى فيهما، والحجج: السنين جمع حجة، بكسر أولهما.
وقوله: حب الضريك .. إلى آخره، منصوب على المفعولية المطلقة، أي: إني لأهواك حبًا كحب الضريك، بالضاد المعجمة، وهو الفقير وهو مصدر مضاف إلى فاعله. وتلاد المال مفعوله، والتلاد بالكسر: ما ولد عندك من مالك، والمال عند العرب، الإبل في الأكثر، وجملة: زرمه فقر، في موضع الصفة للضريك، لأن لامه للجنس، فهو في النكرة، أو حال من الضريك بتقدير قد، وزرمه، بتقديم الزاي
[ ٦ / ١٧ ]
المعجمة على الراء المهملة، قال السكري، أي: أفقره، وقطع عنه الخير، والملتحج: الملجأ، والوزر. انتهى. وهو بفتح الحاء المهملة، وفي القاموس: والملحج والملتحج: الملجأ، ولحج إليه كمنع: لجأ، والتحجه: ألجأه.
وقوله: صفر المباءة .. إلى آخره، بالجر، صفة أخرى لضريك، وكذا ذي هرسين ومنعجف. قال السكري: صفر المباءة، أي: خالي مبارك الإبل، وذي هرسين: ذي خلقين، ومنعجف: مهزول، وقد فرج، أي: فتح فاه للموت. انتهى. والهرس، بفتح الهاء وسكون الراء المهملة بعدها سين مهملة: الثوب الخلق، ولغة سكون الراء قد فاتت صاحب "القاموس"، فإنه إنما ضبطه بكسر الراء وإنما ثناه، لأن لباس العرب إزار ورداء.
وقوله: أند من قارب، هذه صفة أخرى لضريك مجرور بالفتح، والقارب: طالب الماء ليلًا من القرب، بفتحتين وهو سير لورد الغد، وأراد بالقارب: حمار الوحش بقرينة صفاته بعد هذا. قال السكري: أند: أنفر، يقال: هو أند من حمار وحش، والروح: اتساع ما بين رجليه، يقال: دابة أروح، والأنثى روحاء، ومنه يقال للنعامة: روحاء. وما يفتأ: ما يزال، والدلجا، أي: ليلته جمعاء يسير. انتهى. وروح بالجر: صفة قارب، وهو بالضم جمع روحاء، لأن قوائمه جمع قائمة وهي إحدى اليدين والرجلين، والمصدر: الروح، بفتحتين. وقد فسره بقوله: اتساع ما بين رجليه، ووصفه بهذا الوصف، لأنه لا يكل من العدو، وقوائمه: فاعل روح، وصم بالجر: صفة ثانية لقارب، وحوافره: فاعل، والدلج: بفتح الدال واللام: سير الليل كله.
وقوله: أخيل برقًا هو فعل ماض، وفاعله ضمير القارب، وبرقًا مفعوله، والجملة: صفة أخرى لقارب، أو حال منه بتقدير قد، وقوله: متى حاب: جار ومجرور، متى: حرف جر متعلق بمحذوف صفة لبرق، أي: برقًا لامعًا من سحاب حاب، وجملة "له زجل" من المبتدأ والخبر في موضع الصفة للسحاب المقدر، والزجل، بفتحتين: الصوت، وأراد به صوت الرعد، وإذا: شرطية، ويفتر:
[ ٦ / ١٨ ]
فعل الشرط مبني للمعلوم من التفتير، ومن متعلق به، وحلجا، بفتح الحاء المهملة واللام: جواب الشرط، والجملة الشرطية صفة ثالثة للسحاب. قال السكري: أخيل برقًا، أي: رأى خلاقة مطر، يقال له: أخال وأخيل برقًا و"متى حاب" يريد: من سحاب حاب، والحابي من السحاب: المرتفع، ومتى في معنى من في لغة هذيل، وإنما سمي السحاب حابيًا، لأنه قد أشرف قبل أن يطبق السماء، والتوماض: اللمع الضعيف من البرق، وحلج: مطر، وأصله السرعة، حلج يحلج حلجًا. انتهى.
وقوله: أخير برقًا: هذا مما جاء على التصحيح، وقد جاء بالإعلال أيضًا على القياس، وحكاهما السكري، قال صاحب "العباب": وأخالت السحابة وأخيلت: إذا كانت ترجى المطر، وقد أخلت السحابة وأخيلتها: إذا رأيتها مخيلة للمطر. انتهى. والمخيلة، بفتح الميم وكسر الخاء: وهي السحابة التي تكون مظنة المطر وخليقة له، ولم يقف الدماميني على سياق الشعر فظنه فعلًا مضارعًا، وتبعه الشراح، ولم يقفوا على المصراع الثاني. قال: أخيل، بضم الهمزة مضارع أخلت. يقال: أخيلنا وأخلنا، أي شمنا سحابة مخيلة للمطر. انتهى. وقول السكري: الحابي: السحاب المرتفع، الأنسب أن يكون مما نقله الأزهري عن ثعلب قال في "التهذيب" قال ثعلب: قال ابن الأعرابي: الحبو: امتلاء السحاب بالماء. انتهى. والسحاب الممتلئ يلزمه أن يكون مره ثقيلًا، ومنه قول المصنف، أي: من سحاب حاب، أي ثقيل المشي. ولما لم يقف عليه الدماميني نقل عن "الصحاح" أن الحابي كل دان، ثم قال: والمصنف فسره بثقيل المشي، ولم أقف عليه. انتهى. وقول السكري، مأخوذ من قولهم: حبا الرمل يحبو، إذا أشرف معترضًا، فهو حاب، نقله الأزهري عن غير ابن الأعرابي، ويقال: للسحاب الحبي أيضًا، روى الأزهري عن الأصمعي أنه قال: الحبي من السحاب: الذي يعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء،
[ ٦ / ١٩ ]
وقال الليث: الحبي: سحاب فوق سحاب. انتهى. وقول السكري: ومتى بمعنى "من" في لغة هذيل، أما متى فإنها ظرف زمان، وتكون شرطًا واستفهامًا، ونقل بعضهم أن متى تكون بمعنى وسط، فتجر ما بعدها، وحكى بعضهم: متى كلمه، أي: وسط كمه، وقال أبو سعيد السكري: متى بمعنى من، ولم ينسبها لهذيل، وأنشد لأبي ذؤيب:
شربن بماء البحر ثم ترفعت .. البيت
وأنشد أيضًا لغيره:
متى ما تعرفوها تنكروها متى أقطارها علق نفيث
قال أبو سعيد: أي: من لجج، ومن أقطارها، ويحتمل أن تكون هنا في البيتين بمعنى وسط، فتبقى على ما استقر فيها من الظرفية، وإن لم تكن شرطًا ولا استفهامًا. انتهى كلامه. وأقول: أما البيت الأول، فإن السكري رواه في شعر أبي ذؤيب كذا:
تروت بماء البحر ثم تنصبت على حبشيات لهن نئيج
وقال: تروت يعني الحناتم وهي السحاب، وتنصبت: ارتفعت على حبشيات: على سحائب سود، ونئيج: مر سريع، وروي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج ..
هذا كلامه ولم يفسر متى بشيء، وقد قدمنا الكلام عليه في الإنشاد السادس والأربعين بعد المائة. وأما البيت فهو من شعر أبي المثلم الهذلي يبجيب به صخر الغي الهذلي، وصوابه:
متى ما تنكروها تعرفوها متى أقطارها علق نفيث
قال السكري: متى الثانية في معنى من، والعلق: الدم يخرج منقطعًا، ونفيث: ينفث بالدم، يقول: سنأتيكم بكتيبة إذا رأيتموها من بعيد تشكون فيها، فإذا دنت منكم، رأيتم علق الدم على أقطارها، ويروى: "على أقطارها". انتهى كلامه.
[ ٦ / ٢٠ ]
وقوله: مستأرضًا بين بطن الليث .. إلى آخره، قال السكري: المستأرض: الذي استأرض، وثبت بالأرض يعني: هذا السحاب، والليث: موضع، وكذلك شمنصير، والليث بكسر اللام: موضع باليمن أخبرني به رجل من أهل جدة، ومعج: سريع. انتهى.
وقوله: فأسأد الليل .. إلى آخره. قال السكري: يعني الحمار، والإسآد: سير الليل، والزفزفة: صوت مره وحفيفه، والغارة: العدو الشديد، يقال: أغار إغارة الثعلب، والوسيج: ضرب من السير، والغملج: العدو المتدارك، والرتج هو نفسه مسرعًا. انتهى.
وقوله: حتى أضاف إلى واد .. إلى آخره. قال السكري: ردافى: يتبع بعضها بعضهًا، والنشج: أن تقلع النفس من جوفها قلعًا. انتهى. وقال في بيت أبي ذؤيب الذي تقدم منها:
متى لجج خضر لهن نئيج
وهو:
ضفادعه غرقى رواء كأنها قيان شروب رجعهن نشيج
ضفادعه غرقى: هي لا تغرق، وأراد كثرة الماء، والقيان: الإماء، وشروب: ندامى، ورجعهن: ردهن الصوت، شبه صوت الضفادع بالمغنيات، [والنشيج]: بكاء يقتلعنه قلعًا من أجوافهن. انتهى. وكل منهما معاصر الآخر، والله أعلم بالسابق.
وقوله: ولا أقيم بدار الهون .. إلى آخره، قال السكري: أراد بدار الهوان. و"إن": "نعم"، والخنج: سوء الثناء، ومنه خمج اللحم: إذا أروح، وخنج الدين: إذا فسد. انتهى. وترجمة ساعدة بن جؤية تقدمت في الإنشاد الثالث من أول الكتاب.
[ ٦ / ٢١ ]
وأنشد بعده:
شربن بماء البحر ثم ترفعت البيت
وقد تقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس والأربعين بعد المائة.
(منذ ومذ)
أنشد فيهما، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤٨) وربع عفت آثاره منذ أزمان
وصدره:
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان
على أن الكثير جر "منذ" للزمان الماضي، وهو مطلع قصيدة تقدم شرح بعضها في الإنشاد الثاني والتسعين بعد المائة، وقفا: خطاب لاثنين، وقيل لوحد بصيغة الاثنين يراد به التأكيد، كأنه قيل: قف قف، وقيل الألف فيه بدل من نون التوكيد الخفيفة، وقد ذكرنا هذا وما يتعلق به حسنًا وقبحًا مبسوطًا في الإنشاد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي. ومن: تعليلية، وذكرى، بالكسر وبالقصر: مصدر ذكر: بلساني وبقلبي، وفي "المصباح" عرفته عرفة بالكسر وعرفانًا: علمته بحاسة من الحواس الخمس، والمعرفة اسم منه. انتهى. وفي "تهذيب الأزهري" قال الليث: عرف يعرف عرفانا ومعرفة. انتهى. وأراد معرفة منزل الحبيب، والربع: محلة القوم ومنزلهم، كذا في "المصباح" أيضًا،
[ ٦ / ٢٢ ]
وعفا المنزل يعفو عفوًا وعفوًا وعفاء بالفتح والمد: درس وذهبت آثاره، والرواية في ديوانه:
ورسم عفا آياته منذ أزمان
والرسم: ما كان لاصقًا بالأرض نحو الرماد والبعر، والآيات: العلامات، ويعجبني قوله منها:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الخمسمائة:
(٥٤٩) أقوين مذ حجج ومذ دهر
وصدره:
لمن الديار بقنة الحجر
على أن جر "مذ" للزمان الماضي قليل، والمشهور في الرواية:
أقوين من حجج ومن دهر
وبه استدل الكوفيون في جواز استعمال "من" الابتدائية في الزمان أيضًا، وأجاب الرضي بأن "من" فيه تعليلية مع تقدير مضاف، لا ابتدائية، وهو الحق، فإن علة إقواء الديار مرور الدهور عليها لا ابتداء مرورها، وقد بسطنا الكلام عليه بذكر ما للعلماء فيه في الشاهد الرابع والسبعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
قوله: لمن الديار، الظرف خبر مقدم، والديار مبتدأ مؤخر، وهذا الاستفهام تعجب من شدة خرابها، حتى كأنها لا تعرف ولا يعرف أصحابها وسكانها، والقنة، بضم القاف: أعلى الجبل، ومثله القلة، والحجر، بكسر الحاء المهملة:
[ ٦ / ٢٣ ]
منازل ثمود بناحية الشام عند وادي القرى، قال صعوداء في شرح ديوان زهير: قال أبو عمرو: لا أعرف إلا حجر ثمود، ولا أدري أراده بعينه أم لا، وأما حجر، بفتح المهملة، فهي قصبة اليمامة، ولكن لا يدخلها الألف واللام، فلذلك أنكرها أبو عمرو. انتهى. وكذا قال غيره. قال ابن السيد في شرح أبيات "الجمل": هذا هو المروي هنا، وقد أوله جماع على زيادة أل، وقال اللخمي في شرحها أيضًا: قد يضعون ذلك في الأعلام، كقوله في البيت:
يا ليت أم العمرو كانت صاحبي
أراد: أم عمرو، وقال آخر:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا
أراد: الوليد بن يزيد هذا ما قالوا، والصواب دخول اللام عليه، قال عاصم: الحجر، بالفتح: مدينة اليمامة، والحجر بالكسر: حجر ثمود، قال الجوهري: الحجر: بالفتح: قصبة اليمامة يذكر ويؤنث، ويؤيد قولهما هذا البيت، وبيت النابغة:
وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة أخا جابر واستنكحوا أم جابر
والباء في قوله: بقنة ظرفية متعلقة بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، والعامل فيه الاستقرار المحذوف، وأقوين: أقفرن، يقال: أقوت الدار: إذا خلت من سكانها، وأقفرت، والنون ضمير الديار، وجملة أقوين حال
[ ٦ / ٢٤ ]
من ذلك الضمير أيضًا، والحجج، بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع حجة، بكسرها أيضًا وهي السنة، والدهر: الأبد الممدود، قال اللخمي: ومن رواه: مذ حجج كانت "مذ" حرف جر، والعامل فيها أقوين، وهي بمنزلة في، لأن المعنى: أقوين في حجج.
والبيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها هرم بن سنان المري، عدتها تسعة عشر بيتًا، وبعده:
لعب الرياح بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر
قفر بمندفع النحائت من ضفوي أولات الضال والسدر
دع ذا وعد القول في هرم خير الكهول وسيد الحضر
والسوافي: جمع سافية من سفت الريح التراب تسفيه سفيًا: إذا ذرته، والمور بالضم: الغبار بالريح، والقطر: المطر، قال أبو عبيدة: ليس المطر سوافي، ولكن أشركه في الجر. انتهى. وليس هذا من الجر بالجوار، لأنه لا يكون في النسق، ووجهه أن الرياح السوفي تذري التراب من الأرض، وتنزل المطر من السحاب، قوله: قفر، أي: تلك الديار قفر، والمدفع، بفتح الفاء، والنحائت، بفتح النون بعدها حاء مهملة، قال صعوداء: هي آبار، ومندفعها: مندفع مياهها، ولعلها أودية، والآبار تفسير أبي عمرو، والضفوان، بالضاد المعجمة بعدها فاء: الجانبان، الواحد ضفا، كقفا، وأولات الضال والسدر: مواضع في سدر، والضال: السدر البري.
وقوله: دع ذا، قال صعوداء: عد القول: اصرفه إليه، والحضر: جمع واحده حاضر، مثل صحب وصاحب. انتهى. والحاضر: الحي العظيم، والحاضر خلاف البادي، والأبيات الثلاثة الأول قد نسبها نقاد الشعر إلى حماد الراوية، وقالوا: أول القصيدة إنما هو:
[ ٦ / ٢٥ ]
دع ذا وعد القول في هرم .. البيت
روى الأصبهاني في "الأغاني" عن جماعة أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيساباذ، وقد اجتمع فيها العلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضل الضبي الراوية، فدخل فمكث مليًا، ثم خرج ذلك الرجل بعينه، فدعا بحماد الرواية، فمكث مليًا، ثم خرج ومعه حماد والمفضل جميعًا، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج الخادم، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألف درهم لصدقه، وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعراص جيدًا محدثًا، فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة، فليأخذها عن المفضل، فسألنا عن السبب، فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده، إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بقوله:
دع ذا وعد القول في هرم
ولم يتقدم قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: يا أمير المؤمنين ما سمعت في هذا شيئًا إلا أنني توهمته كان [يفكر] في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعرًا. قال: عد إلى مدح هرم، [وقال]: دع ذا، أو كان مفكرًا في شيء من شأنه، فتركه، وقال: دع ذا، أي: دع ما أنت فيه من الفكر، وعد القول في هرم. ثم دعا بحماد، فسأله عن مثل ما سأل المفضل، فقال: ليس هكذا قال زهير، يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ فأنشده:
[ ٦ / ٢٦ ]
لمن الديار بقنة الحجر الأبيات الثلاثة
دع ذا وعد القول في هرم .. البيت
قال: فأطرق المهدي ساعة، ثم أقبل علي، فقال: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بد من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة ليصدقنه عما سأله عنه، فحلف حماد له، فلما توثق منه، قال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات، ومن أضافها إلى زهير، فأقر له حينئذ أنه قالها، فأمر فيه وفي المفضل بما أمر به من شهر أمرهما وكشفه. إلى هنا كلام صاحب "الأغاني".
وحماد هذا هو ابن ميسرة مولى بني شيبان، وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها، وكانت ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره، وقال له الوليد بن يزيد: بما استحققت هذا اللقب، فقيل لك: حمادة الراوية؟ قال: لأني أروي لكل شاعر يعرفه أمير المؤمنين أو سمع به، ثم أروي لأكثر ممن لا تعرفهم، ولا سمعت بهم، ثم لا أنشد شعرًا لقديم أو لمحدث إلا ميزت القديم والمحدث، قال: إن هذا لعلم كثير، فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثير، ولكني أنشدك على أي حرف شئت من حروف المعجم مائة قصيدة طويلة سوى المقطعات من شعر الجاهلية، قال: سأمتحنك، وأمره الوليد بالإنشاد، فأنشده حتى ضجر الوليد، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه، ويستوفي عليه، فأنشده ألفي قصيدة وتسعمائة قصيدة للجاهليين، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم. وقد بسطنا ترجمته في ذلك الشاهد من شواهد الرضي.
[ ٦ / ٢٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٠) ما زال مذ عقدت يداه إزاره
تمامه:
فسما فأدرك خمسة الأشبار
على أن "مذ" اسم وليها الجملة الفعلية. والبيت من قصيدة للفرزدق يمدح بها يزيد بن المهلب، وقبله:
لأمدحن بني المهلب مدحة غراء ظاهرة على الأشعار
مثل النجوم إمامها قمر لها يجلو الدجى ويضيء ليل الساري
ورثوا الطعان عن المهلب والقرى وخلائقًا كتدفق الأنهار
إلى أن قال:
أما يزيد فإنه تأبى له نفس موطنة على المقدار
ورادة شعب المنية بالقنا فتدر كل معاند نعار
[وإذا النفوس جشأن طامن جأشها ثقة به لحماية الأدبار
ملك عليه مهابة الملك التقى قمر التمام به وشمس نهار]
وإذا الرجال مذ عقدت يداه إزاره وسما فأدرك خمسة الأشبار
قوله: تأبي له نفس، أي، القعود عن الحرب. وقوله: موطنة على المقدار، أي: تقول نفسه عند افتتاح المهالك: لا يصيبني إلا ما قدر الله، والمقدار بمعنى القدر، وورادة مبالغة وارد: صفة نفس، وشعب: مفعول ورادة بمعنى فروع المنية،
[ ٦ / ٢٨ ]
وأنواعها مستعار من الشعب التي هي أغصان الشجرة جمع شهبة، وفاعل تدر: ضمير القنا، من أدرت الريح السحاب واستدرته، أي: استحلبته، و"كل": مفعوله، والمعاند: العرق الذي يسيل ولا يرقأ، ويقال له: عاند أيضًا، وفعله من باب نصر، والنعار: من نعر العرق ينعر، بالفتح فيهما، أي: فار منه الدم، وجشأت نفس فلان: إذا ارتفعت من حزن أو فزع، وجأش القلب: رواعه إذا اضطربت عند الفزع، يقال: فلان رابط الجأش، أي: يربط نفسه عن الفرار لشجاعته، وطامن: مقولب طمأن، بالهمز بمعنى سكن، وثقة: فاعله، والتقى: فعل ماض، وقمر التمام فاعله، والتمام، بفتح التاء وكسرها، إذا تم ليلة البدر، وأما ليل التمام فمكسور لا غير، وهو أطول ليلة في السنة، وخضع الرقاب: حال من مفعول رأيتهم، وخضع، بضمتين جمع خضوع: مبالغة خاضع من الخضوع وهو التطامن والتواضع، وهو قريب من الخشوع، إلا أن الخشوع أكثر ما يكون في الصوت والخضوع في الرقاب، ونواكس، جمع ناكس، وروي "نواكسي" على أن جمع التكسير جمع جمع سلامة، وقد تكلمنا بما لا مزيد عليه في الشاهد الثلاثين من شواهد الرضي، وقوله: فسما فأدرك إلى آخره، سما: ارتفع وشب، وأدرك: بلغ، وقوله: خمسة أشبار، أراد طول خمسة أشبار بشبر الرجال، وهي ثلثا قامة الرجل، وينسب إليها، ويقال: غلام خماسي، يراد قد أيفع، قاله ابن دريد، وفي "الصحاح" و"العباب" غلام رباعي وخماسي، أي: طوله أربعة أشبار وخمسة أشبار، ولا يقال: سداسي ولا سباعي، لأنه إذا بلغ ستة أشبار أو سبعة أشبار، صار رجلًا، والغلام إذا بلغ خمسة أشبار عندهم تخيلوا فيه الخير والشر، ولهذا قال بعض العرب، أيما غلام بلغ خمسة أشبار، فاتهمته قتلته، وقد قيل في هذا غير ما قلنا، وجمعنا كلام الناس فيه في شرح ذلك الشاهد من شواهد الرضي.
[ ٦ / ٢٩ ]
ويزيد بن المهلب بن أبي صفرة أحد شجعان العرب وكرمائهم، كان في دولة الأموريين واليًا على خراسان، وافتتح جرجان ودهستان وطبرستان، وأجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في دولة بني أمية أكرم من بني المهلب، كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة، ولد سنة ثلاث وخمسين من الهجرة، وتوفي مقتولًا في المعركة سنة اثنتين ومائة، وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥١) ومازلت أبغي المال مذ أنا يافع
وتمامه:
وليدًا وكهلًا حين شبت وأمردا
لما تقدم قبله، وهو من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها النبي ﷺ، ولم يوفق للإيمان به، وتقدم شرح بعضها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وبعضها في الإنشاد الثامن عشر بعد الخمسمائة، وبعده:
بإتعابي العيس المراسيل تغتلي مسافة ما بين النجير فصرخدا
والرواية في ديوانه:
وما زلت أبغي المال مذ كنت يافعًا
[ ٦ / ٣٠ ]
قال جامع ديوانه: ويروى: "مذ أنا يافعًا". واليافع: فوق المحتلم، يقال: غلام يافع ويفعة، وغلمة أيفاع ويفعة، وقد أيفع يوفع إيفاعًا، يقول: ما زلت مكتسبًا في حالاتي هذه. انتهى. وأبغي: أطلب، والوليد: الصبي دون اليافع، والكهل: الذي وخطه الشيب، والأمرد، من ليس له شعر في وجهه من العارضين والشارب، قال العيني: وليدًا نصب على أنه خبر كان المقدرة، أي: ومذ كنت وليدًا. قوله: وكهلًا عطف على أمرد في التقدير، لأن الكهولة بعد الأمردية. وقوله: حين شبت: ظرف لقوله كهلًا. انتهى. وأما على رواية: "مذ كنت يافعًا" فوليد معطوف بواو محذوفة.
وقوله: بإتعابي متعلق بأبغي، وهو مصدر مضاف لفاعله، والعيس: مفعولة والمراسيل صفته، وجملة "تغتلي" حال من العيس، ومسافة: منصوب على الظرف لتغتلي، والنجير، بضم النون وفتح الجيم، قال جامع ديوانه: العيس البيض من الإبل الصرف الأطراف، وهي ضرب من النجائب، والاغتلاء: المسارعة، والمسافة: كل ما بين بلدين، فهي مسافة، والنجير باليمن: حصن لقيس بن معدي كرب، ومنه أخذ الأشعب بن قيس مرتدًا، وصرخد: بلد بالشام. انتهى. وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
[ ٦ / ٣١ ]
(حرف النون)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٢) أقائلن أحضروا الشهودا
على أن توكيد اسم الفاعل بنون التوكيد لضرورة الشعر، قال ابن جني في باب الاستحسان من كتاب "الخصائص": الاستحسان علة ضعيفة غير مستحكمة، إلا أن فيه ضربًا من الاتساع والتصرف، ومن ذلك:
أريت أن جئت به أملودا مرجلًا ويلبس البرودا
أقائلن أحضروا الشهودا
فألحق نون التوكيد اسم الفاعل تشبيها له بالفعل المضارع، فهذا إذن استحسان لا عن قوة علة، ولا عن استمرار عادة ألا تراك، لا تقول: أقائمن يا زيدون، ولا أمنطلقن يا رجال، إنما تقول بحيث سمعته، وتعتذر له، وتنسبه على أنه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال بالشبهة لهم. انتهى. وقال أيضًا في "سر الصناعة" وشبه بعض العرب اسم الفاعل بالفعل، فألحقه النون توكيدًا، فقال:
أريت إن جئت به أملودا .. إلى آخر الرجز.
يريد: أقائلون، فأجراه مجرى: أتقولون، وقال آخر:
يا ليت شعري عنكم حنيفا أشاهرن بعدنا السيوفا
[ ٦ / ٣٢ ]
انتهى. وهذا رجز أورده السكري في "أشعار هذيل" لرجل منهم بلفظ "قائلون"، قال: وقال رجل من هذيل:
أريت إن جاءت به أمولدا مرجلًا ويلبس البرودا
أي: إن جاءت به ملكًا أملودًا أملس
ولا ترى مالًا له معدودا
أي: لا يعد ماله من جوده.
أقائلون أعجلي الشهودا فظلت في شر من اللذكيدا
كاللذتزبى صائدًا فصيدا
ويروى: "فاصطيدا"، "تزبى زبية": حفر زبية، واللذ: يريد الذي. يقول: أرأيت إن ولدت هذه المرأة رجلًا هذه صفته أيقال لها: أقيمي البينة أنك لم تأتي به من غيره؟ انتهى. وكذا أورده ابن دريد في "أماليه" بدون:
ولا ترى مالًا له معدودا
قال: أخبرنا أبو عثمان التوي عن أبي عبيدة، قال: أتى رجل من العرب له أمة، فلما حبلت، جحدها، فأنشأت تقول:
أريت إن جاءت به أملودا .. إلى آخره.
وعلى هذا لم تلحق نون التوكيد اسم الفاعل، وعلى رواية إلحاقها، فقوله: أقائلن جميع، وأصله: أقائلون، فلما أكد وصار: أقائلونن حذفت نون الجمع لتوالي الأمثال، وحذفت الواو أيضًا لاجتماعها ساكنة مع نون التوكيد، وبقيت الضمة دليلًا عليها، ولا يجوز أن يكون أصله: أقائل أنا، لأنه خطاب.
[ ٦ / ٣٣ ]
وزعم الدماميني هنا، وفي "شرح التسهيل" أن أصله أقائلن أنا، فحذفت الهمزة اعتباطا، ثم أدغم التنوين في نون أنا على حد (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) [الكهف/٣٨] كما قيل فيه انتهى. وقد سبقه المراكشي بقوله: يمنع كون هذا توكيدًا بجعل أصله: أقائل أنا، ففعل كما فعل بقوله تعالى: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، ورد عليه بأنه لو كان كذلك، لكان البيت: أقائلنا بألف بعد النون، وقد رد الشيخ خالد في "التصريح" على الدماميني بما ذكرنا وبهذا، فقال: وعليه اعتراض من وجهين، أحدهما: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وزان المقيس عليه، وهذا ليس كذلك، لأن الألف الثانية في المقيس عليه مذكورة، وفي المقيس محذوفة. والثاني: أن هذا الاحتمال إنما يتمشى حيث كان المعنى: أقائل أناعلى التكلم، أما إذا كان المعنى على الخطاب، أي: أأنت قائل كما تعطيه السوابق واللواحق فلا. انتهى. واعترض على الأخير الشنواني بأن في إعطاء ما ذكر نظرًا لجواز أن المتكلم جرد من نفسه نفسًا خاطبها. انتهى. ولا يخفى أن ادعاء التجريد ممكن فيما إذا لم يكن مخاطب، وأما هنا، فلا مساغ له، كما علم مما نقلنا عن ابن دريد.
واعترض على الأول أيضا بوجهين:
الأول: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وزان المقيس عليه في علة الحكم لا في غيرها.
[ ٦ / ٣٤ ]
الثاني: سلمنا ما ذكره، لكن نقول إن الألف الثانية في المقيس عليه محذوفة في قراءة غير ابن عامر، لأن ابن عامر قرأ بإثبات الألف وصلًا ووقفًا، والباقون بحذفها وصلًا، وبإثباتها وقفًا، وكفى ذلك في كون المقيس على وزان المقيس عليه. انتهى. وفي كل منهما نظر.
أما الأول: فلأن الألف الثانية إذا حذفت لم يبق دليل على أن النون بقية أنا حتى تقاس على غيرها في الإدغام.
وأما ثانيًا، فلأن من قرأ بحذف الألف من (لكنا) وصلًا لا يحذفها خطًا، والخط يدل عليها، ولو وقف الدماميني على رواية الشعر، وعلى كلام "سر الصناعة" لم يقل ذلك، ولا كان يقول: سمعت شيوخنا ينشدونه بضم اللام من "أقائلن" ولم أقف عليه مضبوطا كذلك في كتاب معتمد. انتهى. فإن ضم اللام من لازم جمعه بالواو والنون، ثم قوله: فإن ثبتت رواية الضم فيه أن العربي لا يبنيه عند إلحاق هذه النون المتصلة به، لكن يسأل حنيئذ لم أعرب مع قيام الشبه المقتضي للبناء؟ انتهى. يريد بالشبه شبه اسم الفاعل المتصلة به النون بفعل الأمر، كما صرح به، وهذا السؤال واه جدًا ناش عن غفلة، فإن مشابهة الاسم للفعل إنما تقتضي منعه من الصرف، لا بناءه.
والمشابهة إنما تكون في علتين من العلل التسع لا في مطلق المشابهة، والشبه المقتضي للبناء إنما يكون لمشابهته الحروف على أن النون غير متصلة باللام للفصل بالواو، والفعل المؤكد بها مع فصل ضمير بارز لا يبنى على الصحيح، فكيف الاسم!
وأغرب من هذا قول الشيخ خالد بعد اعترافه بأن اللام مضمومة، يسلك بالوصف مع نون التوكيد مسلك الفعل من البناء على الفتح مع المفرد، وعلى الضم مع جماعة الذكور، ولم أقف على نص في ذلك. انتهى. مع أن الدماميني صرح في أنه عند ضم اللام لا يكون مبنيًا جزما إلا أنه غفل عن عدم اتصال النون باللام. وغاية ما أجاب الشمني عن عدم البناء بأن النون إنما تدخل الوصف لشبهه بالمضارع لفظًا
[ ٦ / ٣٥ ]
ومعنى، والأصل في الأسماء الإعراب، فيبقى على أصله مع أنه لا ضرورة في بنائه، بل في لحاق النون به، هذا كلامه.
وقد اعترض الشنواني على الشيخ خالد بأن بناء الفعل المؤكد بالنون على الضم مع واو جماعة الذكور لم أقف على نص في ذلك، فإن الذي وقفنا عليه بناؤه مع نون التوكيد، وإن لم تباشره، وأما أن بناءه على الضم مع الواو، وعلى الكسر مع الياء، فلم نره في شيء مما وقفنا عليه، فإن كان هو اطلع على نقل في ذلك، فسمعًا وطاعة، وإلا فهو محل توقف. انتهى. وهذا نقد جيد. وعلم معنى الشعر مما نقلناه من ابن دريد ومن السكري.
وقول الدماميني في معناه –تقول: أخبرني إن جاءت هذه المرأة بشاب يتزوجها رجل الشعر، حسن اللباس كالغصن الناعم، أتأمره بإحضار الشهود لعقد نكاحها عليه؟ ينكر وقوع ذلك منه. انتهى. –كلام صادر عن تخمين مخالف للمنقول، وقد تبعه عليه الشيخ خالد، وابن الملا حتى قال الزرقاني فيما كتبه على "التصريح"، قوله: ينكر وقوع ذلك منه، أي: ينكر وقوع إحضار الشهود، وذلك لأن الاستفهام في: أقائلن إنكاري، ووجه إنكار ذلك أن من كان على الصفة المذكورة كان من أهل الحضر، وذلك لا يصاهرهم، قاله بعض شيوخنا. انتهى.
قوله: أريت، أصله: أرأيت، بمعنى: أخبرني، حذفت الهمزة تخفيفًا. وقوله: إن جئت، بالتكلم على لسان المرأة وهي رواية ابن جني في "سر الصناعة" و"الخصائص" و"المحتسب" هذا إذا كانالقائل غيرها، فإن كانت هي القائلة، فهو على مقتضى الظاهر، ورواه السكري وابن درير: "إن جاءت" فهو على رواية السكري يكون عن لسانها، وعلى رواية ابن دريد يكون كلامها نزلت نفسها منزلة الغائبة، فأخبرت عنها. قال الجوهري: غصن أملود، أي: ناعم، ورجل أملود، وامرأة أمورد، والمرجل، بفتح الجيم المشددة: اسم مفعول من رجل شعره ترجيلًا،
[ ٦ / ٣٦ ]
أي: سرحه، وفي "نهاية" ابن الأثير، الترجل: والترجيل تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه، قال الدماميني: المرجل الذي شعره بين الجعودة والسبوطة. انتهى. ولا يخفى أن المستعمل بهذا المعنى إنما هو رجل الشعر رجلًا من باب تعب، فهو بالكسر، والسكون تخفيف، أي: ليس شديد الجعودة ولا شديد السبوطة، بل بينهما، كذا في "العباب" و"النهاية" و"المصباح" وغيرها. والبرودة: جمع برد، بالضم، قال صاحب "العباب": البرد: نوع من الثياب معروف، والبردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صفر تلبسه الأعراب، وجمعها برد. قوله: ولا ترى مالًا له معدودًا، معناه: لا يمكن عد ماله لكثرته، وهذا كله على سبيل التفاؤل، وقوله: أقائلن: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أفأنتم قائلن، والجملة جواب الشرط، والخطاب لسيدها، ومن يقول بقوله. وقوله: أحضري: خطاب للمرأة، أمر من أحضره إحضارًا، ورواه العيني كغيره "أحضروا" بواو الجمع، ولا وجه له، كما لا وجه إلى نسبة الشعر إلى رؤبة بن العجاج.
وقوله: فظلت في شر من اللذكيدا .. إلى آخره، فقد شرحناه في الشاهد الواحد والعشرين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٣) فأنزلن سكينة علينا
على أن فعل الأمر يجوز توكيده بالنون من غير شرط، ولو كان دعاء كما هنا، قال سيبويه في باب النون الثقيلة والخفيفة: والدعاء بمنزلة الأمر والنهي، قال ابن رواحة:
فأنزلن سكينة علينا
انتهى.
[ ٦ / ٣٧ ]
قال الأعلم: الشاهد في تأكيد "أنزلن" بالنون، والسكينة: ما يسكن إليه، ويؤنس به، والمعنى: ثبتنا على الإسلام بإظهار دينك، ونصر رسولك حتى تسكن نفوسنا إلى ذلك، ونزداد إيمانًا بك. انتهى.
والبيت من رجز لعامل بن الأكوع. روى ابن هشام في "السيرة" عن [أبي] الهيثم ابن نصر بن دهر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، وكان اسم الأكوع سنان: انزل يا ابن الأكوع، فخذ لنا من هناتك، قال: فنزل يرتجز برسول الله ﷺ، فقال:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
إذا إذا قوم بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
فقال رسول الله ﷺ: "يرحمك ربك" فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله، يا رسول الله، لو أمتعتنا به، فقتل يوم خيبر شهيدًا، وكان قتله فيما بلغني أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل: فكلمه كلمًا شديدًا، فمات منه، فكان المسلمون قد شكوا فيه، وقالوا: إنما قتله سلاحه، حتى سأل ابن أخيه سلمة بن عمرو بن الأكوع رسول الله، ﵌ عن ذلك، وأخبره بقول الناس، فقال رسول الله ﷺ: "إنه لشهيد" فصلى عليه، وصلى عليه المسلمون. انتهى. ونقله ابن سيد الناس في سرته.
[ ٦ / ٣٨ ]
قال السهيلي: الهنة، كناية عن كل شيء لا يعرف اسمه، أو تعرفه فتكني عنه. انتهى. وتقدم في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة من رواية البخاري عن البراء أن النبي ﷺ، ارتجز بهذا الرجز من كلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب يوم الخندق، وتقدمت ترجمة عامر بن الأكوع في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٤) فأحر به بطول فقر وأحريا
على أن تأكيد فعل التعجب بالنون شاذ، فإن أحريا أصله: أحرين به، فحذف المتعجب منه المجرور بالباء الزائدة، وأبدلت نون التوكيد الخفيفة ألفًا للوقوف. وهو عجز وصدره:
ومستخلف من بعد غضيا صريمة
واعلم أن هذا البيت لم يعرف قائله، وقد اختلف في كلمتين منه: الأولى غضيا، الثانية الكلمة الأخيرة، والأولى أوردها "الأزهري" في معتل اللام من "تهذيب اللغة" قال: نار غاضية: عظيمة، أخذ من نار الغضي، وهو من أجود الوقود عند العرب، يقال: غضاة وغضى، ويقال لمنبتها الغضيا، وقال ابن السكيت: يقال للإبل الكثيرة: غضيا؛ مقصورة، شبهت عندي بمنابت الغضى وأنشد ابن الأعرابي:
ومستخلف من بعد غضيا صريمة فأحر به من طول فقر وأحريا
[ ٦ / ٣٩ ]
أراد: وأحرين، فجعل النون ألفًا ساكنة. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: غضييا مثل هنيدة مائة من الإبل لا ينصرفان، وأنشد المفضل البيت، وروى عمرو عن أبيه قال: الغضيانة: الجماعة من الإبل الكرام، والغضيا: مائة من الإبل. انتهى كلام الأزهري. ومن خط ياقوت الحموي نقلت، وقد فتشت "إصلاح المنطق"، فلم أجد هذه الكلمة، ولعله قاله في كتاب آخر، لكن قال المصنف فيما نقله عنه السيوطي: إن ابن السكيت قال في "إصلاح المنطق": غضيا بالمثناة، وأحربا، بالموحدة، ولم يذكر هذه الكلمة ابن دريد في "الجمهرة" لا في الصحيح ولا في المعتل، ولا الصاغاني في الصحيح، ولا في "الذيل" و"الضلة" لكتاب "التكملة"، وكذا أورد القالي في كتاب "الممدود والمقصور" هذه الكلمة غضيا بالمثناة التحتية، وقال: غضيى معرفة لا تنون، وهي مائة من الإبل عن الأصمعي، وأنشد البيت، وقال: أراد: أحرين، بالنون الخفيفة، وتبعها صاحب "القاموس" فقال في المعتل: وغضيى كسلمى: مائة من الإبل.
وأورد الجوهري هذه الكلمة في الباء الموحدة في الصحيح، فقال: وغضبى: مائة من الإبل، وهي معرفة لا تنون، ولا يدخلها الألف واللام، وأنشد ابن الأعرابي: ومستخلف من بعد غضبى صريمة البيت
قال: أراد النون، فوقف. انتهى. ولم يعترض عليه ابن بري في "أماليه" على "الصحاح" بشيء، ولا الخليل الصفدي في كتابه "نفوذ السهم في ما في صحاح الجوهري من الخطأ والوهم".
وكتب على هذا الموضع ياقوت الموصلي: هذا الموضع مما استدركه على ابن فارس في "المجمل" أبو علي الحسن بن المظفر النيسابوري، فقال قوله: غضبى مائة من الإبل؛ لعله رآه في "ديوان الأدب" فوافقه عليه، وهو تصحيف فاحش من الرجلين، والصواب، الغضبى وهو باب "غضى". انتهى.
[ ٦ / ٤٠ ]
قلت: والجوهري أيضًا تبع خاله الفارابي، فأورده كما ذكره، واعتبرت "التهذيب" للأزهري، فقرأت في خطه في المعتل: الغضيى: مائة من الإبل، واستشهد بالبيت عليه، فقد صح ما ذكره النيسابوري، هذا آخر كلام ياقوت.
فأفادنا أن أول من صحف هذه الكلمة الفارابي، وتبعه ابن فارس، والجوهري، وتبع صاحب "القاموس" تخطئة الجوهري، فقال: وقول الجوهري: غضبى اسم مائة من الإبل تصحيف، والصواب غضبى بالمثناة تحت. ورأيت في كتاب "الإبل" للأصمعي في نسخة غير موثوق بها: غضبى بالموحدة قال: وقال: أتانا بغضبى معرفة لا تنون، وغضبى: مائة من الإبل، وأنشد البيت، وكذلك رأيتها بالباء الموحدة في كتاب "المقصور والممدود" لابن ولاد، لكن في نسخة صحيحة قال: غضبى: مائة من الإبل معروفة، كذلك هنيدة وأنشد البيت، وكتب كاتبها في آخر النسخة: تم "المقصور والممدود" وكتبه الحسن بن علي الصقلي بخطه، وقرأت هذا الكتاب على أبي الحسين علي بن أحمد بن محمد بن جعفر المهلبي قدم علينا دمشق سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقرأه أبو الحسن علي أبي العباس أحمد بن محمد بن الوليد ابن ولاد النحوي، وهو مصنف هذا الكتاب، وقال أبو الحسين المهلبي: صنف أبو العباس هذا الكتاب في سنة ثلاث وثلاثمائة قبل مولدي بسنة. انتهى.
فيكون ابن ولاد أيضًا ممن صحف هذه الكلمة، والعجب من ابن حيان، فإنه نقل عن ابن ولاد أن غضبى بالنون، فإنه قال في باب التصريف من "شرح التسهيل": غضبى: معرفة اسم لمائة من الإبل، وقال ابن ولاد: هي غضنى بالنون. انتهى.
وأما الكلمة الأخيرة وهي: أحريا، فالمشهور أنها بالمثناة التحتية على أنها صيغة تعجب، والمتعجب منه محذوف لدلالة الأول عليه، كقوله تعالى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ) [مريم/٣٨] وفعله حري يحرى حرى، كتعب يتعب تعبًا، ولما كانت هذه الصيغة في صورة الأمر حذف حرف العلة من آخرها كما يحذف من الأمر، فقيل: أحر به! ولما أكدت هذها لكلمة شذوذًا، رجع المحذوف فقيل: أحرين، وإنما رجع، لأن هذه النون تطلب أن يكون ما قبلها
[ ٦ / ٤١ ]
مفتوحًا، ولو فتحت الراء ولم يرجع المحذوف، لتغيرت الصيغة، فلم تدل على التعجب، ونون التوكيد الخفيفة إذا وقف عليها تبدل ألفًا، فيكون "أحريا" تأكيدًا لقوله: أحر به! والوصف من هذه المادة: حري كفتي، بمعنى اللائق والخليق والجدير، ويثنى ويجمع، وقد يوصف بالمصدر للمبالغة، فيقال: زيد حري بأن يفعل كذا، ولا يثنى ولا يجمع، لأن المصدر يصدق على القليل والكثير، ويتعجب منها بالصيغة الأخرى، فيقال: زيد ما أحراه بكذا، ورواه جماعة: "وأحربا" بالموحدة وكسر الراء، فيكون أيضًا صيغة تعجب أكدت بالنون شذوذًا، وحذف المتعجب منه أيضًا، والأصل أحرب به، ومعناه: التعجب من أخذ ماله جميعًا.
قال الأزهري في "التهذيب": ويقال حُرب فلان حربًا، فالحرب: أن يؤخذ ماله كله، فهو رجل حرب، أي: نزل به الحرب، وهو محروب وحريب، وحريبة الرجل: ماله الذي يعيش به، والحريب: الذي سلب حريبته. انتهى. وقال صاحب "المصباح" أيضًا: حرب حربًا من باب تعب: أخذ جميع ماله، فهو حريب، وحرب: بالبناء للمفعول كذلك، فهو محروب. انتهى. وكذا أورده الأصمعي بالموحدة في "كتاب الإبل" وفسره بهذا المعنى، وقال: الألف بدل من النون، قال بعد إنشاد البيت: يريد أحرب بما أصابه، أي: دخل عليه حرب، وسمعت من أبي طرفة يقول: "والله لا أسمح به وأحربن" بالنون الخفيفة. انتهى.
[ونقل السيوطي عن المصنف أنه قال: قيل: غضيى بالمثناة التحتية، وأحربا: بالموحدة، وعليه صاحب "المحكم" وابن السكيت في "إصلاحه"].
وقال ابن السيرافي في شرحه، أراد: رب إنسان صار ماله قليلًا بعد أن كان كثيرًا، فأحر به! تعجب كما تقول: أكرم به! يريد: ما أحراه أن يطول فقره. وقوله: وأحربا: تعجب من قولهم حرب الرجل: إذا ذهب ماله وإذا قل. قال المصنف: على هذا، فلا تأكيد [ولا نون]، وخرج البيت من أيدينا، ثم قال: ولم يذكر
[ ٦ / ٤٢ ]
في "الصحاح" حرب، بالكسر، إلا بمعنى اشتد غضبه، وأما حرب بمعنى أخذ ماله، فبالفتح، وقد حرب الرجل ماله، أي سلبه. انتهى. هذا آخر ما نقله السيوطي. وقوله: على هذا فلا تأكيد ولا نون، قد علم رده مما نقلناه، ومنشؤه كلام "الصحاح" فإنه لما لم ير فيه حرب، بفتح الحاء وكسر الراء بمعنى سلب ماله، جزم بأن قوله: وأحربا، بالبناء للمجهول بمعنى دل عليه، فأخذ ماله، جهول أحربته، أي: دللته على ما يغنمه من عدو.
وقوله: ومستخلف: الواو واو رب، ومستخلف: اسم فاعل، أي: طالب خلفًا، بفتحتين، وهو العوض والبدل، يقال: اجعل هذا خلفًا من هذا، وصريمة: مصغر صرمة، بكسر فسكون، وهي القطعة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين، وصغرها للتقليل، وقوله: بطول فقر، وروي: "لطول فقر" باللام أيضًا، وروي أيضًا: "من طول فقر" وهذه الرواية لا زحاف فيها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٥) دامن سعدك لو رحمت متيما لولاك لم يك للصبابة جانحا
على أن تأكيد الفعل الماضي شاذ، وكان ينبغي أن يلحق هذا -أعني التوكيد على وجه الشذوذ- بالضرائر الشعرية، فإنه لم يرد في الكلام، ولم أر من ذكره في الضرائر، والخطاب في المواضع الثلاث لمؤنث، والمتيم: الذي جعله الحب تيمًا وهو العبد، والصبابة: الشوق، وقيل: رقته، وجانحًا: مائلًا، وجملة "دامن سعدك" دعائية، والمعنى: ليدم سعادتك، ولو للتمني، وقيل للشرط وجوابها محذوف، يدل عليه ما قبلها.
[ ٦ / ٤٣ ]
وأنشد بعده:
لم يوفون بالجار ..
هو من بيت وهو:
لولا فوارس من نعم وأسرته يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
وتقدم شرحه في الإنشاد السادس والأربعين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٦) ومن عضة ما ينبتن شكيرها
على أنه يجوز توكيد المضارع الواقع بعد "ما" الزائدة، قال سيبويه: ومن مواضعها أفعال غير الواجب، أي: في قولك: بجهد ما تبلغن وأشباهه، وإنما كان ذلك لمكان ما، وتصديق ذلك قولهم في مثل:
ومن عضة ما ينبتن شكيرها
وفي مثل آخر: "بألم ما تختننه"، وقالوا: "بعين ما أرينك". فما ههنا بمنزلتها في الجزاء. انتهى. وقال الصاغاني: الشكير: ما ينبت حول الشجرة من أصلها، قال:
إذا مات منهم ميت سرق ابنه ومن عضة ما ينبتن شكيرها
يريد: أن الابن يشبه أباه، فمن رأى هذا ظنه هذا، فكأن الابن مسروق، وفي فعله تقول: شكرت الشجرة تشكر شكرًا، من باب فرح، أي: خرج منها
[ ٦ / ٤٤ ]
الشكير، ومن متعلقة بالفعل بعدها، والمعنى: إنما ينبت الشكير من العضة، فهذا الفرع من ذلك الأصل، فالمعنى على الإثبات.
والعجب من الدماميني في قوله: ولا أدري الوجه الذي عين كون ما زائدة، إذ يحتمل أن تكون نافية، وأجيب بأنه: مثل لم يستعمل إلا في مقام الإثبات، والأمثال لا تغير.
واختلف في ضبط "سرق" فالجمهور على أنه بالبناء للمفعول، بتقدير سرق منه، وضبطه التبريزي بالبناء للفاعل، على تقدير سرق ابنه صورته وشمائله. وروي: "شرف ابنه" يعني: إذا مات سيد منهم ساد ابنه بعده، والعضة: واحدة العضاه بالهاء، وهو كل شجر يعظم، وله شوك. قال الجوهري: وواحدة العضاه، عضاهة، وعضهة، بكسر فسكون، وعضة، بحذف الهاء الأصلية، كما حذف من الشفة. انتهى. فالعضة في المثل بالتاء لا بالهاء.
وروى الأسود أبو محمد الأعرابي هذا البيت في كتاب "السلة والسرقة" على ما تقدم، وقال مثل آخر:
ومن عضة ما ينبتن شكيرها قديمًا ويقتط الزناد من الزند
ولم يورد الشراح لشواهد سيبويه هذا المصراع في الشواهد.
[ ٦ / ٤٥ ]
(التنوين)
أنشد فيه، هو الإنشاد السابع والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٧) وقولي إن أصبت لقد أصابن
على أن تنوين الترنم قد يلحق الفعل، وصدره:
أقلي اللوم عاذل والعتابن
وأصلهما: العتابا وأصابا، وأقلي: فعل أمر مسند إلى ضمير العاذلة، يقال: أقللته وقللته، أي: جعلته قليلًا، والقلة يكنى بها عن نفي الشيء وتركه، والمقصود اتركي اللوم، وعاذل: منادى مرخم عاذلة وهي اللائمة، والعتاب هنا مصدر عتب عليه، من باب ضرب، وقتل: إذا لامه في تسخط، وقوله: وقولي: فعل أمر معطوف على أقلي، وقوله: لقد أصابا مقول القول، وجملة إن أصبت معترضة، وجواب الشرط محذوف يفسره أقلي.
والبيت مطلع قصيدة لجرير، هجا بها الراعي النميري والفرزدق، وقد ذكرنا سبب هجوهما في الشاهد الرابع من أول شواهد الرضي، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
[ ٦ / ٤٦ ]
وأنشد بعده:
لما تزل بركابنا وكأن قدن
على أن تنوين الترنم "قد" يلحق الحرف أيضًا، وأصله: وكأن قدي بياء الإطلاق فأبدلت نونًا، وصدره:
أفد الترحل غير أن ركابنا
وأفد من باب فرح بمعنى قرب، والترحل: الرحيل، والركاب: الإبل، واحدتها راحلة من غير لفظها، ولما بمعنى لم، والرحال: جمع رحل وهو متاع المسافر وأثاثه وما يحتاج إليه، ومدخول قد محذوف، أي: وكأن قد زالت؛ وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثمانين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٨) وقاتم الأعماق خاوي المخترقن
على أن هذه النون هي التنوين الغالي، والبيت مطلع أرجوزة طويلة لرؤبة بن العجاج وصف بها قفرًا تجاوزه بلا دليل على ناقة قوية شديدة تشبه حمار الوحش، وهذا مضمون الأرجوزة إجمالًا. والواو في أوله واو رب، ويأتي بعد ثمانية أبيات، وهو قوله: تنشطته. فيكون قاتم الأعماق منصوبًا بفعل يفسره: تنشطته المذكور، والتقدير: رب قفر قاتم أعماقه تنشطت، تنشطته هذه الناقة، أي: تجاوزته وقطعته، وإنما لم ينصبه بتنشطته المذكور، لأن قد استوفى معموله.
وقد شرح هذه الأرجوزة شرحًا جيدًا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان
[ ٦ / ٤٧ ]
التنوخي المعري، قال: ابتدأ بالواو، والابتداء بها كثير في الرجز، فأما القصائد من غير الرجز، فلا يكثر ابتداؤها بالواو، كما يكثر في الأراجيز، إلا أنهم ربما جاؤوا به كما قال أبو داود الإيادي:
وقد أغتدي في بياض الصباح وأعجاز ليل مولي الذنب
ولو حذف الواو لجاز وكان ذلك خرمًا، وقال أيضًا:
وكل حصن وإن طالت سلامته يومًا ستدخله النكراء والحوب
وقد رواه بعض الناس بحذف الواو، وذلك لا يجوز في رأي الخليل، لأن الخرم لا يجوز عنده في هذا الوزن، وقال أبو زبيد الطائي:
ولقد مت غير أني حي يوم ولت بودها الخنساء
فابتدأ بالواو، وحذفها قبيح، ولم يروه أحد، وهذا البيت في ديوان الأسود ابن يعفر:
وخالد يحمد ساداتنا بالحق لا يحمد بالباطل
والبيت في أول قصيدة، وقد روي بحذف الواو، وذلك غير جائز عند الخليل، ويستشهدون بهذا البيت، لأن خالدًا مرفوع، كأنه لما ابتدئ به حمل على الابتداء وإرادة الهاء، كأنه قال: خالد يحمد ساداتنا، والواو في قوله: وقاتم، يسميها النحويون واو رب، وعندهم أن رب مضمرة بعدها، وكان محمد بن يزيد يزعم أن الواو خلف من رب، لأن عوامل الخفض لا تضمر، والقاتم الذي لونه لون القتام وهو الغبار، وإذا كان الفعل متصرفًا وجاء اسم الفاعل على فاعل أو فعل أو فعل، جاز أن يوضع مكانه أفعل، كقولهم: الغبار القاتم، والغبار الأقتم، وكذلك تقول: هذا الرجل الوجل والأوجل، والظريف والأظرف، والحسن والأحسن، ولم
[ ٦ / ٤٨ ]
يقولوا الحسين، على أن بعضهم قد حكاه، إلا أنه غير معروف، كأنهم جعلوا الحسن مصدرًا نعت به.
والأعماق: جمع عمق، وهي الناحية، يقال: عمق وعمق، وهو ما بعد من الأطراف، ومنه قولهم: بئر عميقة، أي: بعيدة العمق والعمق، وفي الكتاب العزيز: (مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج/ ٢٧]، أي: بعيد النهاية، والخاوي: الذي لا شيء فيه، يقال: خوت الدار: إذا ترحل عنها السكن، وكانت العرب تقول: خوى النجم: إذا لم يكن عند سقوطه مطر. والمخترقن: الموضع الذي تخرق فيه الريح، ويجوز أن يراد به أن الركاب تقطعه، فكأنها تخترقه، والمخترق بالريح أشبه. وبعده:
مشبه الأعلام لماع الخفق
الأعلام: جمع علم، وهو ما يهتدى به في الأرض المضلة من جبل أو غيره، وكل ما اهتدي به إلى شيء، فهو علم له، ومن الأمثال:
إذا قطعن علمًا بدا علم
فيجوز أن يراد بالعلم الجبل وغيره مما يهتدى به، ومن التي ذكرها الأصمعي:
إن الشقي ترى له أعلامًا
فالأعلام ههنا جمع علامة في المعنى، والعلامة قد تكون خفية، فسماها القائل علمًا، وأما قول الخنساء:
كأنه علم في رأسه نار
فلم ترد إلا الجبل، والخفق: ما يخفق من السراب، ويقال: إنه أراد الخفق، فحرك للضرورة، وقد يريدون أشياء كثيرة مثل ذلك، منها قول زهير:
كما استغاث بسيء فز غيطلة خاف العيون فلم ينظر به الحشك
أراد: الحشك فحركه، وقالوا في قوله:
[ ٦ / ٤٩ ]
ثم استمروا وقالوا إن موعدكم ماء بشرقي سلمى فيد أوركك
أراد "رك" فأظهر التضعيف، وهذا أبعد من قوله الحشك، لأن إظهار التضعيف كالضرورة الثانية، وأكثر ما يستعملون التحريك ساكنًا في القافية، وربما جاء في حشو البيت، وأنشد بعضهم:
ونحن في لذات عيش وجذل من سمن مستلأ ومن عسل
يكل وفد الريح من حيث انخرق شأز بمن عوه جدب المنطلق
كان في النسخة يكل بفتح الياء، ولا يمتنع ذلك، ويكل، أي: يعيا، وإنما أصل الكلال في الحيوان، فاستعاره ههنا للريح، ووفدها: ما يفد منها، وإذا فتحت الياء من يكل، فيجب أن يكون في قوله: انخرق ضمير يعود على قاتم الأعماق، فإن جعل الضمير الذي في انخرق عائدًا على الوفد، ففي الكلام حذف، كنه قال: يكل وفد الريح من حيث انخرق فيه، والأحسن أن تضم الياء من يكل وينصب وفد الريح، ويكون في "يكل" ضمير عائد على قاتم الأعماق، يقال: انخرقت الريح وتخرقت، وريح خريق، أي: شديدة الهبوب، قال الشاعر:
تكأن حفيفه خفقان ريح خريق بين أعلام طوال
ويقال: مكان جدب وجديب، وهو ضد الخصيب، واشتقاق جدب الأرض والسنة من قولهم: جدبت الرجل: إذا عبته، وقوله: بمن عوه، أي: أقام، والشأز، أصله المكان الغليظ الذي لا يطمئن عليه القائم ولا القاعد، ولا المضطجع، ثم استعير في كل ما يصعب من الأمور، يقال: أشأزني الأمر إشآزًا، وهذا أمر مشئز، والمنطلق: الموضع الذي ينطلق فيه، أي: يذهب ويسلك.
[ ٦ / ٥٠ ]
ناء من التصبيح نأي المغتبق تبدو لنا أعلامه بعد الغرق
التصبيح هنا من الصبوح: وهو شرب الغداة، وأكثر ما يقولون: صبحت الرجل بتخفيف الباء، والمثل السائر: "أين أغدو إذا صبحتموني"، والاغتباق: شرب الليل، يقال: غبقت القوم وهم مغتبقون، والاسم الغبوق، والجاشرية: شرب إذا جشر الصبح، والفحم: شرب أول الليل، وربما قالوا: شرب العتمة، وإنما أخذ من فحمة الليل، وفحمته: ظلامه، والمقيل: شرب نصف النهار، والنائي: البعيد، والمعنى: إن هذه الأرض بعيدة من الغبوق، والصبوح، لأنهما فيها متعذران، فأما الغبق، فلا يقدر عليه المسافر، وأما الماء، فلا يصل إليه السالك إلا بمشقة وسير شديد. وقوله:
تبدو لنا أعلامه بعد الغرق
أي: يرفعها الآل، ثم ينكشف عنها، فيراها الناظر على ما يعهد:
في قطع الآل وهبوات الدقق خارجة أعناقها من معتنق
الآل: الذي يرفع الشخوص في أول النهار، والهبوات جمع هبوة وهي الغبرة، والأجود هبوات، بتحريك الباء، ولكنه سكنها للضرورة، والدقق، جمع الدقة وهو التراب الدقيق، والضمير في أعناقها للأعلام، ومعتنق: مصدر اعتنق معتنقًا، يقول: تخرج أعناق هذه الأعلام من اعتناق الآل إياها. ويجوز أن يكون المعتنق موضعًا في هذا البيت، لأن الفعل إذا بلغ الأربعة فما زاد استوى فيه المصدر واسم الزمان واسم المفعول:
تنشطته كل مغلاة الوهق مضبورة قرواء هرجاب فنق
تنشطته: جواب رب كما تقدم، أي: قطعته، قال المعري: أي خرجت منه، مأخوذ من الناشط، وهو الذي يخرج من بلد إلى بلد، ويجوز أن يكون تنشطته مأخوذ من حل الأنشوطة، كأنها حلت عنها عقد هذه البلد، والمغلاة: التي تغلو في السير، أي: تزيد فيه وهي مشبهة بالمغلى من السهام وهو الذي يرمى به
[ ٦ / ٥١ ]
إلى غير غرض، والوهق من تواهقت الإبل في السير: إذا تجاهدت فيه، ولحق بعضها بعضًا، ومضبورة: قد جمع خلقها، والقرواء: العظيمة القرا، وهو الظهر، وقال قوم: لا يقال للذكر أقرى، والذين أجازو أقرى ينشدون قول الشاعر:
وأقرى كفسطاط العزيز جعلته نجيًا لنفسي وهو لا يتكلم
والهرجاب: الطويلة على وجه الأرض وهو من صفات الإناث، والفنق: العظيمة الخلق يستعمل في الإبل والنساء: يقال: امرأة فنق، أي: عظيمة الخلق وذلك حمد، وقد شرحنا هذه الأبيات بأوسع مما هنا في الشاهد الخامس من أول شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الخمسمائة:
(٥٥٩) ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة
على أن عنيزة لا ينصرف، وقد نون للضرورة، وعنيزة، بالتصغير: اسم امرأة، وقيل: لقب فاطمة بنت عمه، وفيه رد على من زعم أنه لم يسمع تلقيب الإناث، وهو من معلقة امرئ القيس، وقبله:
ألا رب يوم صالح لك منهما ولا سيما يوم بدارة جلجل
ويوم عقرت للعذارى مطيتي فيا عجبي من رحلها المتحمل
ويوم دخلت الجد رخد عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معًا عقرت بعيري يا امرأ القيس بانزل
فقلت لها سيري وأرخي زمامه ولا تبعديني من جناك المعلل
قوله: ألا رب يوم .. إلى آخره تقدم شرحه، وشرح يوم دارة جليل في الإنشاد الثامن شعر بعد المائتين، وقوله: ويوم عقرت .. إلى آخره، تقدم شرحه أيضًا في الإنشاد الواحد والأربعين بعد الثلاثمائة.
[ ٦ / ٥٢ ]
وقوله: ويوم دخلت الخدر .. إلى آخره، معطوف أيضًا على يوم، ولا سيما يوم، لكنه بني لإضافته إلى الفعل، والخدر، بالكسر، قال الأزهري: هو خشبات تنصب للجارية فوق قتب البعير مستورة بثوب، فهو الهودج الخدر، وخدر عنيزة بدل منه، يريد، أنه بعد أن عقر بعيره للنساء في "دار جلجل" ركب مع عنيزة على جملها، فكان يميل إلى هودجها، فيقبلها ويلاعبها، فقالت: لك الويلات، وفيه قولان، أحدهما، أنه دعاء عليه: إذا كانت تخاف أن يعقر بعيرها. والثاني: أنه غير مقصود بظاهره كقولهم: قاتله الله ما أشعره! ومرجلي: اسم فاعل من أرجله إذا صيره راجلًا، أي: ماشيًا ليس له دابة، وقوله: تقول إذا مال الغبيط، بالغين المعجمة: قتب الهودج، وعقرت هنا بمعنى جرحت ظهره.
وقوله: فقلت لها سيري: أمر بالسير، وجناها: ما اجتنى منها من القبل، والمعلل: اسم فاعل من التعليل مصدر علله، أي: ألهاه، وأشغله بلذة.
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٠) سلام الله يا مطر عليها
تمامه: وليس عليك يا مطر السلام
على أن تنوين مطر للضرورة، واقتصر على المضطر إليه من التنوين وهو النون الساكنة، فألحقت وبقيت حركة ما قبلها على حالها، إذ لا ضرورة إلى تغييرها، فإنها تندفع بزيادة النون، وهذا مذهب سيبويه والخليل والمازني، قال النحاس: والأخفش المجاشعي: وحجتهم أنه بمنزلة مرفوع ما لا ينصرف، فلحقه التنوين على
[ ٦ / ٥٣ ]
لفظه، واختار الزجاجي في "أماليه" هذا المذهب، لكنه رد هذه الحجة، وقال: العلم المنادى المفرد مبني على الضم لمضارعته عند الخليل وأصحابه للأصوات، وعند غيره لوقوعه موقع الضمير، فإذا ألحقه في ضرورة الشعر، فالعلة التي من أجلها بني قائمة بعد فيه، فينون على لفظه لأنا قد رأينا من المبنيات ما هو منون نحو: إيه وغاق وما أشبه ذلك، وليس بمنزلة ما لا ينصرف، لأن ما لا ينصرف أصله الصرف، وكثير من العرب من لا يمتنع من صرف شيء في ضرورة ولا غيرها إلا أفعل منك، فإذا نون، فإنما يرد إلى أصله، والمفرد المنادى العلم لم ينطق به منصوبًا منونًا قط في غير ضرورة شعر، فهذا بين واضح. انتهى. قال النحاس: وحكى سيبويه عن عيسى بن عمرو "يا مطرًا" بالنصب، وكذلك رواه الأخفش في "المعاياة" قال المبرد: أما أبو عمر وعيسى ويونس والجرمي، فيختارون النصب، وحجتهم أنهم ردوه إلى الأصل، لأن أصل النداء النصب، كما ترده الإضافة إلى النصب، قال: وهو عندي أحسن لرده التنوين إلى أصله كما في النكرة.
والبيت من قصيدة للأحوص الأنصاري، وبعده:
فلا غفر الإله لمنكحيها ذنوبهم وإن صلوا وصاموا
كأن المالكين نكاح سلمى غداة نكاحها مطر نيام
فإن يكن النكاح أحل شيء فإن نكاحها مطرًا حرام
فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام
روى صاحب "الأغاني" بسنده إلى محمد بن ثابت بن إبراهيم بن خلاد الأنصاري قال: قدم الأحوص البصرة، فخطب إلى رجل من بني تميم ابنته، وذكر له نسبه، فقال: هات لي شاهدًا يشهد أنك ابن حمي الدبر وأزوجك، فجاءه بمن شهد له
[ ٦ / ٥٤ ]
بذلك، فزوجه إياها، وشرطت عليه أن لا يمنعها من أحد من أهلها، فخرج بها إلى المدينة، وكانت أختها عند رجل من بني تميم قريبًا من طريقهم، فقالت له: اعدل بي إلى أختي ففعل، فذبحت لهم وأكرمتهم، وكانت من أحسن الناس، وكان زوجها في إبله، فقالت زوجة الأحوص له: أقم حتى يأتي، فلما أمسوا راجع إبله ورعاة غنمه، فراح من ذلك شيء كثير، وكان يسمى مطرًا، فلما رآه الأحوص، ازدراه، وكان شيخًا دميمًا، فقالت له زوجته: قم إلى سلفك فسلم عليه، فقال الأحوص وأشار إلى أخت زوجته بأصبعه:
سلام الله يا مطر عليها .. الأبيات
فوثب إليه مطر وبنوه، وكاد الأمر يتفاقم، حتى حجز بينهم. انتهى.
وقال الزجاجي في "أماليه": كان الأحوص يهوى اخت امرأته، ويكتم ذلك، وينسب فيها، ولا يفصح، فتزوجها مطر، فغلبه الأمر، وقال هذا الشعر.
وترجمة الأحوص، بمهملتين، تقدمت في الإنشاد الثامن بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده:
إذ ذهب القوم الكرام ليسي
صدره:
عددت قومي كعديد الطيس
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والثمانين بعد المائتين.
[ ٦ / ٥٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦١) أمسلمني إلى قوم شراحي
على أن لحاق نون الوقاية للوصف المضاف إلى الياء شاذ. قال الفراء في "تفسيره" من سورة الصافات: فقد قرأ بعض القراء قال: (هل أنتم مطلعون فأطلع) [الآية/ ٥٤، ٥٥] فكسر النون، وهو شاذ، لأن العرب لا تختار على الإضافة إذا أسندوا فاعلًا مجموعًا أو موحدًا إلى اسم مكنى عنه، فمن ذلك أن يقولوا، أنت ضاربي، ويقولون للاثنين: أنتما ضارباي [وللجميع: أنتم ضاربي، ولا يقولوا للاثنين: أنتما ضاربانني،] ولا للجميع ضاربونني، وإنما تكون هذه النون في "فعل ويفعل" مثل: يضربونني ويضربني وضربني، وربما غلط الشاعر، فيذهب إلى المعنى، فيقول: أنت ضاربني يتوهم أنه أراد: هل تضربني، فيكون ذلك على غير صحة قال:
هل الله من سرو العلاة مريحني ولما تقسمني النبار الكوانس
النبر: دابة تشبه القراد، وقال آخر:
وما أدري وظني كل ظن أمسلمني إلى قوم شراح
يريد: شراحيل، ولم يقل: أمسلمي، وهو وجه الكلام. انتهى.
وقال ابن جني في "المحتسب": هذه القراءة لابن عباس وجماعة، لكن بفتح النون، قال: يقال طلع إذا بدا، وأطلع: أقبل، فهو على هذا: هل أنتم مقبلون فأقبل، وأطلع مسند إلى مصدره، أي: فأطلع الإطلاع، قال أبو حاتم: لا يجوز إلا فتح النون من مطلعون مشددة الطاء كانت أو مخففة، قال: وقد شكلها بعض الجهال بالخضرة مكسورة النون، قال: وهذا خطأ لو كان كذلك، لكان مطلعي
[ ٦ / ٥٦ ]
بقلب واو مطلعون ياء، يعني لوقوع ياء المتكلم بعدها، والأمر على ما ذهب إليه أبو حاتم إلا أن يكون على لغة ضعيفة، وهو أن يجري اسم الفاعل مجرى الفعل المضارع لقربه منه، ومنه قول الآخر:
وما أدري وظني كل ظن أمسلمني إلى قوم شراحي
يريد: أمسلمي، وهذا شاذ كما ترى، فلا وجه للقياس عليه. انتهى.
وأورد ابن عصفور هذا البيت في كتاب "الضرائر" لحذف آخر العلم وهو "شراح" قال: وجه بحذف آخره، وحرف العلة الزائد قبله، وأبقي الحرف الذي كان قبلها وهو الحاء على حركته على حد قولهم في ترخيم منصور: يا منص انتهى.
والبيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته، وقال العيني: قائله يزيد بن مخرم الحارثي. قال أبو محمد: ذكر الفراء هذا البيت على هذا النمط ليجعله بابًا من النحو والصواب:
وغاب خلائلي وبقيت فردًا أماصعهم ونهضل بالجناح
فما أدري وظني كل ظن أيسلمني بنو البداء اللقاح
ويقتلني بنو خمر بذهل وكدت أكون من قتلى الرياح
قال: أماصعهم: أقاتلهم، والحي اللقاح، بفتح اللام: الذين لا يدينون إلى الملوك، أو لم يصبهم في الجاهلية سباء، وبنو خمر، بفتح الخاء المعجمة وسكون الميم، وهم بطن من كندة. انتهى. ونقله السيوطي من غير عزو، وأقره.
وأنا لا أقبل هذه الحكاية، فإن الفراء أجل من أن يذكر بمثل هذه النقيصة. ومن هو أبو محمد حتى يفتري على الفراء، وينقل كلامه ويقبل؟ !
[ ٦ / ٥٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٢) وليس الموافيني ليرفد خائبًا
تمامه: فإن له أضعاف ما كان أملا
لما تقدم قبله، والبيت لم يعرف قائله، وخائبًا: خبر ليس، واللام متعلقة بالموافي، يقال: وافاه، أي: أتاه، ويرفد، بالبناء للمفعول، والرفد: العطية والإحسان، يقول: لا يخيب من يأتيني للإحسان، بل أنعم عليه بأضعاف ما قد كان أمله مني.
(نعم)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٣) أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك بنا تداني
نعم وأرى الهلال كما تراه ويعلوها النهار كما علاني
على أنه قد أجيب فيه بنعم ما يجاب به الإيجاب رعيًا للمعنى عند أمن اللبس، قال أبو حيان في "تذكرته" بعد نقل كلام سيبويه: لحن ابن الطراوة سيبويه في استعماله نعم في هذين الموضعين، وقال: إنما هو موضع بلى لا موضع نعم، وهو كما قال في أكثر ما يوجد من كلام النحاة، ولا شك أكثر في الاستعمال، وعلى ذلك جاء ما يروى عن ابن عباس أنهم قالوا في جواب: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [الأعراف/ ١٧٢] نعم لكفروا، ولكن قد يوجد مع ذلك خلافه في قول جحدر: أليس الليل .. البيتين. ويفتقر كلام ابن عباس مع وجود قول هذا القائل إلى فضل نظر، وهو أن تقول: "نعم" في قول الشاعر ليس بجواب، لأن الجواب بنعم إذا جاء بعد الاستفهام إنما يكون تصديقًا لما بعد ألف الاستفهام، ولم يرد الشاعر أن يصدق أنه لا يجمعه الليل مع أم عمرو، ولكنه لا يمتنع أن يقولوا "لا" على الجواب،
[ ٦ / ٥٨ ]
ولكن على التصديق، لأن الاستفهام في قوله: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ) تقرير خبر موجب، وأطال أبو حيان في تقريره.
والبيتان من قصيدة لجحدر بن معاوية العكلي، وقد أوردناها في الإنشاد الخامس عشر بعد المائتين.
وقد أورد القصيدة القالي في "أماليه" وفيها البيتان كما هنا، وقد أوردها السكري أيضًا في كتاب "اللصوص" وذكر غالب أخبار جحدر وأشعاره، وروى البيت الثاني بلفظ:
بل وترى الهلال كما أراه
فلا يصلح أن يكون سندًا لسيبويه. وقد أورد ابن قتيبة في ترجمة جميل العذري من كتاب "الشعراء" هذين البيتين، ونسبهما للملعوط، وليس في الثاني نعم، ولا بلى وإنما روايته:
أرى وضح الهلال كما تراه ويعلوها النهار كما علاني
قال: وجميل ممن رضي بالقليل:
أقلب طرفي في السماء لعله يرافق طرفي طرفها حين تنظر
وأنشد البيتين بعده للمعلوط، وهما أبرد ما قيل في باب القناعة من لقاء الحبيب، وقد تلاه أبو نواس، فقال:
وطبي تقسم الآجا ل بين الناس عيناه
بنفسي من إذا ما النأ ي عن عيني واراه
كفاني أن جنح الليل يغشاني ويغشاه
ورأيت في كتاب "الأوراق" للصولي بخطه في ترجمة علية بنت المهدي أن هذا الشعر لها:
أليست سليمى تحت سقف يكنها وأياي هذا في الهوى لي نافع
ويلبسها الليل البهيم إذا دجا وتبصر ضوء الفجر والفجر ساطع
تدوس بساطًا قد أراه وأنثني أطأه برجلي كل ذا لي شافع
[ ٦ / ٥٩ ]
(حرف الهاء)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٤) وأتى صواحبها فقلن هذا الذي منح المودة غيرنا وجفانا
على أن الأصل: أذا الذي، فقلبت همزة الاستفهام هاء.
قال ابن جني في "سر الصناعة" في إبدال الهاء من الهمز، أنشد أبو الحسن: وأتى صواحبها .. البيت، قال: يريد أذا الذي. انتهى، وقال في "المحتسب": لا يريد هذا الذي، بل يريد: أذا الذي، ثم أبدل همزة الاستفهام هاء، وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد هذا الذي، مخبرًا، ثم حذف الألف. انتهى.
وأنشده الزمخشري في "المفصل"، قال شارح أبياته: أبدل من الهمزة الاستفهامية هاء، ومنحه الشيء: أعطاه، والمعنى: وأتى المحب صواحب هذه المرأة، فقلن على سبيل التوبيخ مشيرات إليه: أهذا الذي أعطى غيرنا المودة وجفانا، ولم يف بموجب العهد! أي: بئس المحب، وبئس ما فعل. انتهى. أشار إلى أن فاعل أتى ضمير المحب، وصواحبها مفعوله. والذي رأيته في نسخة قديمة صحيحة برفع صواحبها على أنه فاعل أتى.
[ ٦ / ٦٠ ]
(هل)
أنشد فيه:
ألا طعان ألا فرسان عادية
تقدم شرحه في الإنشاد التاسع والتسعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٥) فمن مبلغ الأحلاف عني رسالة وذبيان هل أقسمتم كل مقسم
على أن "هل" دخلت على الماضي، كما في الآية، وفيها رد على ابن سيده في زعمه أن الفعل المستفهم عنه لا يكون إلا مستقبلًا.
والبيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، وبعده:
فلا تكتمن الله ما في صدوركم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم
قوله: فمن مبلغ، وروي أيضًا: ألا أبلغ الأحلاف، والأول رواية الأصمعي، قال أبو جعفر والتبريزي: يريد مبلغ الأحلاف، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، والأحلاف هنا: أسد وغطفان حلفاء ذبيان، كانوا تحالفوا على التناصر، قال الزوزني: هو جمع حليف كأشراف جمع شريف، وأنجاب جمع نجيب، وأشهاد جمع شهيد، وقال غيره جمع حلف، وفلان حلف بني فلان:
[ ٦ / ٦١ ]
إذا منعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وأن يكون معهم يدًا على غيرهم، وذبيان معطوف على الأحلاف، وقوله: هل أقسمتم كل مقسم، قال أبو جعفر والتبريزي: معناه هل أقسمتم كل إقسام أنكم تفعلون ما ينبغي، وقال الزوزني: هل بمعنى قد، يقول: أبلغ ذبيان وحلفاءها، وقل لهم: قد حلفتم على إبرام حبل الصلح كل حلف، فتحرجوا من الحنث وتجنبوه.
وقوله: فلا تكتمن الله .. إلى آخره، قال التبريزي: يقول: لا تكتموا الله ما صرتم إليه من الصلح وتقولوا: إنا لم نكن نحتاج إلى الصلح، وإنا لم نسترح من الحرب، فإن الله يعلم من ذلك ما تكتمونه، وقال أبو جعفر: معنى البيت: لا تظهروا الصلح وفي أنفسكم أن تغدروا كما فعل حصين بن ضمضم، إذ قتل ورد بن حابس بعد الصلح، أي: صححوا الصلح.
وقوله: يؤخر .. إلى آخره. قال التبريزي: أي: لا تكتموا الله ما في نفوسكم فيؤخر ذلك إلى يوم الحساب فتحاسبوا به، أو يعجل في الدنيا لكم النقمة به. وقال بعض أهل اللغة: يؤخر بدل من يعلم، كما قال تعالى: (ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ) [الفرقان/ ٦٩]، وأنكر بعض النحويين هذا، وقال: لا يشبه هذا الآية، لأن مضاعفة العذاب هو لقي الآثام، وليس التأخير هو العلم، ألا ترى أنك تقول: إن تعطني تحسن إلي أشكرك، فتبدل "تحسن" من "تعطني" لأن العطية إحسان، ولا يجوز أن تقول: إن تجئني تتكلم أكرمك، إلا على بدل الغلط، لأن التكلم ليس هو المجيء، وبدل الغلط لا يجوز أن يقع في الشعر، وأجاز سيبويه إسكان الفعل للشاكر، إذا اضطر يرده إلى أصله، فيجوز على مذهب سيبويه أن يكون قوله: يؤخر مردود إلى أصل الأفعال، يعني أنه مرفوع إلا أنه سكن الراء من "يؤخر" تشبيهًا بقوله:
اليوم أشرب غير مستحقب
[ ٦ / ٦٢ ]
يريد: أشرب، فسكن الباء، وهذا الإسكان إنما هو إشمام لا سكون خالص. وقال بعض النحويين: يؤخر جواب النهي، والمعنى: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم يؤخر، وأجاز: لا تضرب زيدًا يضربك. انتهى.
وهذا كلام مقر بالحشر والجزاء، وقال أبو حاتم في كتاب "طبقات الشعراء": عاشر زهير قومًا من يهود تيماء، فسمع بالمعاد، فقال في قصيدته:
يؤخر فيوضع في كتاب .. البيت
ورأيت في آخر المجلس السادس والستين من "أمالي ابن الشجري": ومما سأل عنه نصر بن عيسى الموصلي عامل الجزم في "يؤخر" من قول زهير، فأجبت أنه انجزم على جواب النهي الذي هو: لا تكتمن، لأن النهي وما أشبهه مما ليس بواجب ينوب عن الشرط، فينجزم جوابه إذا لم تكن الفاء، فأراد: لا تكتمن الله ما في نفوسكم من الغدر يؤخر، أي: فإنكم إن تكتموه يؤخر، أي: يؤخر الجزاء، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فارتفع الضمير لقيامه مقام مرفوع، واستتر، ثم قال: فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب، أي: إلى يوم الحساب، أو يعجل، أي: يعجل جزاؤه.
وقامت اللام مقام "إلى" كما في التنزيل: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) [الزلزلة/ ٥] انتهى كلامه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٦) ليت شعري هل ثم هل آتينهم أو يحولن دون ذاك حمامي
على أن "هل" تقع بعد العاطف بخلاف الهمزة، فإنها تتقدم عليه، فإن "هل" الثانية وقعت بعد ثم، والهمزة لا تقع بعدها، بل تتقدمها، و"هل" الأولى مدخولها محذوف يدل عليه مدخول "هل" الثانية، والتقدير: هل آتينهم، ثم هل آتينهم،
[ ٦ / ٦٣ ]
فعطف بثم الجملة على الجملة التي قبلها، والتكرار مع العطف بثم للتأسف والتحسر، وهذا مثل بيت العروضيين:
ليت شعري هل ثم هل آتينهم أم يحولن من دون ذاك الردى
ولا أدري أيهما مأخوذ من الآخر.
قال الرضي: التزم حذف الخبر في ليت شعري مردفًا باستفهام نحو: ليت شعري أتأتيني أم لا. وهذا الاستفهام مصدر لشعري، أي: ليت علمي بما يسأل عنه بهاذ الاستفهام حاصل، وأتينهم: فهل مضارع للمتكلم مؤكد بالنون الخفيفة، والحمام، بكسر المهملة: الموت.
والبيت للكميت بن زيد مدح بها آل رسول الله صلى الله عليه وآله، من قصيدة تزيد على مائة بيت مسطورة في الهاشميات ومطلعها:
من لقلب متيم مستهام غير ما صبوة ولا أحلام
طارقات ولا ادكار غوان واضحات الحدود كالآرام
بل هواي الذي أجن وأبدي بني هاشم فروع الأنام
للقريبين من ندى والبعيدين من الجور في عرى الأحكام
والمصيبين باب ما أخطأ النا س ومرسى قواعد الإسلام
إلى أن قال:
لا أبالي إذا حفظت أبا القا سم فيهم ملامة اللوام
فهم شيعتي وقسمي من الأمة حسبي من سائر الأقسام
إن أمت لا أمت ونفسي نفسا ن من الشك في عمى أو تعامي
عادلًا غيرهم من الناس طرًا بهم لا همام لي لا همام
لم أبع ديني المساوم بالوكس ولا مغليًا من السوام
أخلص الله لي هواي فما أغرق نزعًا ولا تطيش سهامي
ولهت نفسي الطروب إليهم ولهًا حال دون طعم الطعام
[ ٦ / ٦٤ ]
ليت شعري هل ثم هل .. .. البيت
قوله: من لقلب .. إلى آخره، أي: من له يؤنسه، وما زائدة، وعرى الأحكام هي: الأحكام المتمسك بها كالعروة، والمرسى: موضع الإرسال متعدى رسا يرسو: إذا ثبت، والعمى: الجهل، والتعامي: التجاهل، يقول: لا أنثني ولي نفس تفضلهم، ونفس تفضل غيرهم، أو شاكة في فضلهم، بل نفسي فيهم واحدة، لا أفضل عليهم أحدًا، وهمام كقطام، قال أبو عمرو: معناه لا أهم بذلك، وقوله: أخلص الله لي هواي البيت، ذكروا أن جعفر بن محمد لقي الكميت فاستنشده هذه القصيدة، فلما بلغ هذا البيت قال له: يا أبا نهشل، هلا قلت:
أخلص الله لي هواي فقد أغرق نزعًا ولا تطيش سهامي
قال الكميت: فهو كذلك، يقول: لا أتعمق كل التعمق الذي يهلكني، أي في قولي أبلغ ما أريده، ولا يكون كالسهم الطائش الذي يطيش عن القصد. وقوله: ليست شعري هل أتينهم، أي: قبل الموت.
وترجمة الكميت بن زيد تقدمت في الإنشاد السابع من أول الكتاب، وأخطأ العيني في نسبة هذا البيت للكميت بن معروف، وهو شاعر إسلامي، وجده الكميت بن ثعلبة، وهو أيضًا شاعر مخضرم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٧) ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
على أن الاستفهام فيه بمعنى النفي، ولذا زيدت الباء في خبر المبتدأ، قال الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (ومَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ) [الآية/ ٢٤٦] من
[ ٦ / ٦٥ ]
سورة البقرة: ومثله ما حمل على معنى هو مخالف لصاحبه في اللفظ قول الشاعر:
يقول إذا اقلولى عليها وأقردت أل هل أخو عيش لذيذ بدائم
فأدخل الباء في هل، وهي استفهام، وإنما تدخل الباء في "ما" الجحد، كقولك: ما أنت بقائل، فلما كانت النية في "هل" يراد بها الجحد، أدخلت لها الباء. انتهى.
والبيت من قصيدة للفرزدق هجا بها جريرًا ورمى رهطه بإتيان الأتن، وقبله:
فإنك كلب من كليب لكلبة غذتك كليب من خبيث المطاعم
وليس كليبي إذا جن ليله إذا لم يجد ريح الأتان بنائم
يقول: إذا اقلولى عليها .. ألبيت، واقولوى: ارتفع، وأقردت بالقاف: سكنت.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٨) وإن شفائي عبرة مهراقة وهل عند رسم دارس من معول
على أن "هل" لكونها للنفي كانت الجملة بعدها خبرية، فصح عطفها على الخبرية التي قبلها.
والبيت من أول معلقة امرئ القيس، والعاطف في غالب النسخ بالواو، ووقع في رواية ابن جني: فهل عند رسم بالفاء، وقال في "سر الصناعة": في "معول" روايتان، إحداهما: مصدر عولت بمعنى: أعولت، أي: بكيت، أي: فهل عند رسم دارس من إعوال وبكاء، والآخر: مصدر عولت على كذا، أي اعتمدت عليه، وعلى كل، فدخول الفاء أحسن، أما على الأول، فكأنه قال: إن شفائي أن اسفح عبرتي، ثم خاطب نفسه أو صاحبه فقال: إذا كان
[ ٦ / ٦٦ ]
الأمر على ما قدمته من أن في البكاء شفاء وجدي، فهل من بكاء أشفى به غليلي، فهذا ظاهره استفهام، ومعناه التحضيض على البكاء، فالفاء عقدت آخر الكلام بأوله، لأنه كأنه قال: إن كنتما قد عرفتما ما أوثره من البكاء فابكيا معي، وأما على الثاني، فكأنه قال: إنما راحتي في البكاء، فما معنى اتكالي في شفاء غليلي على رسم دارس لا غناء عنده، فسبيلي أن أقبل على الدعاء والبكاء، وهذا أيضًا معنى يحتاج معه إلى الفاء، فكأنه قال: إذا كان شفائي إنما هو في فيض دمعي، فسبيلي أن لا أعول على رسم دارس، وينبغي أن أجد في البكاء. انتهى. فجعل الفاء في كلا الاحتمالين في جواب شرط مقدر.
وروى صدره سيبويه: "وإن شفاء عبرة" بتنكير شفاء على أنه يجوز الإخبار بالنكرة عن النكرة. والعبرة، بالفتح: الدمعة، ومهراقة، بفتح الهاء الزائدة، والإصل مراقة، أي: مصبوبة .. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الشاهد الواحد والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الخمسمائة:
(٥٦٩) سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
على أن "هل فيه بمعنى قد، وقد أنكر المنصف ما نقله الزمخشري عن سيبويه من أن هل بمعنى قد، وكذبه في نقله بأن سيبويه إنما قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "هل" هي للاستفهام. وهذا غير مستحسن من المصنف، فإن الزمخشري
[ ٦ / ٦٧ ]
إمام حافظ ثقة مأمون فيما ينقله، فكان ينبغي له التأدب معه لشأنه الرفيع، ومقامه المنيع، ويقول بعد ما نقله عن سيبويه: ولعل سيبويه قاله في باب آخر غير هذا، فإن كتاب سيبويه بحر لا يدرك قراره، أوي راجع شروح "المفصل" فإن غالب شراحه حفظة الكتاب، ومميزو القشر من اللباب، وهذا ابن يعيش وهو إمام جليل اطلع على كلام سيبويه المنقول، فقال بعد كلام "المفصل": هذا هو الظاهر من كلام سيبويه، وذلك أنه قال في تحقيق الكلام على "من" و"متى"، وكذلك "هل" إنما هي بمنزلة قد، ولكنهم تركوا الألف إذ كانت هل إنما تقع في الاستفهام ثم نقل السيرافي تقدير كلام سيبويه.
وأقول: أورده سيبويه قبيل باب: "ما لا ينصرف وما ينصرف" بأسطر، وهذا الباب آخر النصف الأول من الكتاب، وأول النصف الثاني منه، وهذا نص كلمه بحروفه: هذا باب تبيان "أم" لم دخلت على حروف الاستفهام، ولم تدخل على الألف، تقول: أم هل تقول، ولا تقول: أم أتقول، وذلك أن أم بمنزلة الألف، وليست "من" و"متى" و"ما" بمنزلة الألف، وإنما هي أسماء بمنزلة هذا وذاك، إلا أنهم تركوا الألف التي للاستفهام هاهنا، إذ كان هذا النحو من الكلام لا يقع إلا في المسألة، فلما علمنا أنه لا يكون إلا كذلك استغنوا عن الألف، وكذلك "هل" إنما هي بمنزلة "قد" إلا أنهم تركوا الألف إذ كانت هل لا تقع إلا في الاستفهام، قلت: بما بال أم تدخل عليهن وهي بمنزلة الألف؟ فقال: إن أم إنما تجيء هنا بمنزلة "لا بل" للتحول من شيء إلى شيء، والألف لا تجيء أبدًا إلا مستقبلة، فهم قد استغنوا في الاستقبال عنها، واحتاجوا إلى أم، إذ كانت لترك شيء إلى شيء، لأنهم لو تركوها، فلم يذكروها؛ لم يتبين المعنى. انتهى كلام سيبويه.
[ ٦ / ٦٨ ]
وقال السيرافي: وأما هي، فإنها حرف دخلت لاستقبال الاستفهام، ومنع بعض ما يجوز في الألف من اقتطاعها بعض الجملة ومن جواز التعديل والمساواة، فكأنها دخلت مانعة لشيء من الاستفهام، ومجيزة لشيء منه، فصارت داخلة لغير الاستفهام المطلق الذي حرفه الألف، ولذلك قال سيبويه: "هل" إنما هي بمنزلة "قد" إلا أنهم تركوا الألف إذ كانت هل لا تقع إلا في الاستفهام، وكان حق هل أن تدخل عليها الألف، كما كان حق الأسماء التي يستفهم بها أن تدخل عليها ألف الاستفهام، فيقال: أهل قام زيد، وأمن قام، ودخلت أم على هل، لأنها حرف عطف، كالواو في قولك: وهل، وكان أبو العباس المبرد يجيز دخول ألف الاستفهام على هل، وعلى سائل أسماء الاستفهام، كدخول أم وأنشد:
سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم
ودخول ألف الاستفهام عليها غير معروف، وغيره يرويه: "أم هل رأونا، والقول ما ذكرناه عن سيبويه. انتهى كلام السيرافي.
ولم يكتب أبو علي الفارسي في تعليقته على "الكتاب" على هذا الباب شيئًا، وإنما كتب على الباب الذي قبله، وهو "باب الواو التي تدخل عليها ألف الاستفهام" كتب ما نصه: قال أبو إسحاق: الألف أصل الاستفهام، وليس فيها إلا معنى الاستفهام، ولا تدخل عليها الواو، وهل فيها بمعنى "قد" ولو قلنا: هل وهو فلان، كنا نقدر بعد هل استفهامًا قبل الواو ولا نقدم هل على الألف. انتهى.
وقد تكلم ابن جني على "هل" في كتاب "الخصائص" قال في باب إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول: وأما هل فقد أخرجت عن بابها إلى معنى قد، نحو قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ) [الإنسان/١] قالوا: معناه: قد أتى عليه ذلك، وقد يمكن عندي أن تكون مبقاة في هذا الموضع على بابها من الاستفهام، فكأنه قال، والله تعالى أعلم: هل أتى على الإنسان هذا؟ فلا بد في جوابه من "نعم" ملفوظًا بها أو مقدرة، أي: فكما أن ذلك كذلك، فينبغي
[ ٦ / ٦٩ ]
للإنسان أن يحتقر نفسه، ولا يباهي بما فتح له، وهذا كقولك لمن تريد الاحتجاج عليه: بالله هل سألتني فأعطيتك، أم هل زرتني فأكرمتك؟ أي: فكما أن ذلك كذلك، فيجب أن تعرف حقي عليك، وإحساني إليك، ويؤكد ذلك عندي قوله تعالى: (إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) [الإنسان/ ٢ و٣]، أفلا تراه، عز اسمه، كيف عدد عليه أياديه وألطافه له، فإن قلت: فما تصنع بقول الشاعر:
سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم
ألا ترى إلى دخول همزة الاستفهام على هل، ولو كانت على ما فيها من الاستفهام لم تلاق همزته لاستحالة اجتماع حرفين لمعنى واحد، وهذا يدل على خروجها عن حيز الاستفهام إلى معنى الخبر! قيل: هذا قول يمكن أن يقوله صاحب هذا المذهب، ومثله خروج الهمزة عن الاستفهام إلى التقرير، ألا ترى أن التقرير ضرب من الخبر، وذلك ضد الاستفهام! انتهى كلامه.
وأورد البيت صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) [الشعراء/ ٢٢١]، على أن أصل "من": أمن، فلا يرد أن "من" حرف استفهام، ودخل عليه حرف جر، والاستفهام له الصدارة، لأن الجار دخل على من، والاستفهام إنما يفهم من الهمزة المستلزم حذفها، فإذا أدخل الجار على من قدرت الهمزة على ما قبل الجار، فصار التقدير: أعلى من تنزل، نحو: أعلى زيد مررت؟ ومثله في حذف الهمزة هل، فإن أصله: أهل، كما صرح به في البيت، ولا يجوز أن يكون هل حرف للاستفهام، لأن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام، بل بمعنى قد.
ورأيت في المجلس الواحد والثلاثين من "أمالي ابن الشجري" روي عن أبي أحمد عبد السلام بن حسين البصري أنه قال: كتب إلى شيخنا أبو القاسم الحسن بن بشر بن
[ ٦ / ٧٠ ]
يحيى الآمدي رقعة نسختها: أريد – قد مت قبلك- أن تسأل القاضي أبا سعيد أدام الله عزه –عما أنا ذاكره في هذه الرقعة، وتتطول بتعريفي ما يكون في الجواب: ذكر أبو العباس محمد بن يزيد في "المقتضب" عند تحديد حروف المعاني مواضع قد، فقال: تكون اسمًا بمعنى حسب، وتكون حرفًا في موضعين، أحدهما: أن يكون قوم يتوقعون جواب: هل قام زيد، وتكون في موضع ربما، كقوله:
قد أترك القرن مصفرًا أنامله
ثم ذكر هل، فقال: ومن الحروف هل، وهي لاستقبال الاستفهام، وتكون بمنزلة قد في قوله: جل اسمه: (هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ) وهو قد ذكر مواضع قد، وحصرها. ففي أي مواضع قد الثلاثة تكون هل بمعناها؟ والعلم محيط بأنها لا تكون بمعنى حسب، ولا تكون جوابًا لقول من قال: هل قام زيد؟ فيقال: هل قام، بمعنى: قد قام؛ لأن المجيب يكون كأنه قد حكى كلام المستفهم، وهذا غير معروف في كلام العرب. ولا يحسن أن تكون بمعنى ربما، وهل لا تتضمن هذا المعنى، وما علمت أحدًا من أهل اللغة قال: إن هل تكون في شيء من الكلام، ولا القرآن الكريم بمعنى قد، والنحويون يقولون في الآية: إن المعنى: ألم يأت، منهم الزجاج، فمن علي بتعجيل الجواب فإني أتطلعه.
فوقفت القاضي أبا سعيد على الرقعة، فأملى علي ما كتبه على ظهرها:
بسم الله الرحمن الرحيم (هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ): على قول من جعله بمنزلة قد إنما تكون قد من قسم دخولها للفعل المتوقع، فكأنه قيل لقوم يتوقعون الإخبار عما أتى على الإنسان، والإنسان آدم: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، لأن آدم بقي زمانًا طويلًا طينًا. هذا آخر ما نقله ابن الشجري.
[ ٦ / ٧١ ]
والبيت أول أبيات خمسة لزيد الخيل الطائي الصحابي، وبعده:
أم هل تركت نهيكًا فيه نافذة قلاسة تنفد الطلاء بالغذم
والحارث بن شهاب عند معترك رهن المقامة للعرجاء والرخم
إنا كذلك إذ ما أزمة أزمت نعصى بكل رقيق حده خذم
وكل مشترف نهد وسلهبة يقد عن عند اعتراك القوم باللجم
وهذه الأبيات قالها في إغارة أغارها على بني يربوع، فأصاب منهم، وقتل وسبى.
وسائل: أمر بالمسائلة، وفوارس: جمع فارس شذوذًا، ويربوع: أبو حي من تميم، والباء بمعنى "عن" والشدة، بفتح الشين: الحملة، وروي بكسرها، وسفح الجبل: أسفله، والقاع: المستوي من الأرض، والأكم، بفتحتين، واحدها أكمة: وهي ما ارتفع عن الأرض، ولا يبلغ أن يكون جبلًا، وروي في ديوانه: "بسفح القف" بضم القاف. وهي حجارة غاص بعضها ببعض لا يخالطها سهولة، وهو جبل غير أنه ليس بطويل في السماء، فيه إشراف على ما حوله، وفيه حجارة عظام. وقول السيرافي وغيره يرويه: "أما هل رأونا" لا يفيده، فإن رواية: "أهل" قد نقلها الثقات، وهي ثابتة في نسخة ديوانه التي عندي، وهي نسخة قديمة صحيحة.
وقوله: أم هل تركت نهيكًا .. إلى آخره، أم: للأضراب المجرد، وتركت بضم التاء، ونهيكًا، بفتح النون وكسر الهاء: اسم رجل من بني يربوع، ونافذة، بالذال المعجمة، أي: طعنة نافذة نفذت منه، وقلاسة، بفتح القاف وتشديد اللام والسين مهملة، قال جامع ديوانه، أي: تقذف بالدم، وفي " القاموس": القلس: غثيان النفس، [وقذف الكأس] والبحر امتلاء، والفعل كضرب، وبحر قلاس: زخار. وتنفد، بضم التاء وكسر الفاء والدال المهملة، مضارع أنفده، أي أفناه وفرغه، وهو متعدي نفد ينفد من باب تعب –نفادًا: فني وانقطع.
[ ٦ / ٧٢ ]
والطلاء، بضم الطاء المهملة وتشديد اللام وبالمد، قال جامع ديوانه: هو الدم، وفي باب الهمزة من "القاموس" طلاء الدم، بالضم والشد والمد: قشرته، والغذم: بالغين والذال المعجمتين، المفتوحتين، قال جامع ديوان: هو السيلان، وليس في "القاموس" هذا المعنى.
وقوله: والحارث بن شهاب، بالنصب: عطف على نهيك، والمعترك، بفتح الراء: محل الاعتراك، وهو القتال، والمقامة، بضم الميم: الإقامة، والعرجاء: الضبع، والرخم، بفتحتين: طائر يقع على القتلى، ويأكل العذرة.
والأزمة: الشدة، وأزمت: اشتدت، جاء من باب ضرب، ومن باب تعتب، ونعصى: نضرب، يقال: عصي بسيفه، أي: ضرب به من باب تعب، وقوله: بكل رقيق حده، أي: بكل سيف رقيق، وحده: فاعل رقيق، وهو الموضع الذي يقطع به من السيف، وخذم، بمعجمتين، مفتوح الأول مكسور الثاني، أي: قاطع وهو صفة لسيف المقدر.
وقوله: وكل مشترف، بالجر: معطوف على كل، والمشترف: من صفات الخيل. في "القاموس": وفرس مشترف: مشرف الخلق، أي: مرتفعه، والنهد بفتح النون: الفرس الحسن الجسم اللحيم المشرف، وقد نهد ككرم نهودة، والسلهبة: بفتح السين المهملة في "القاموس" السلهب: ما عظم وطال عظامه كالسلهبة، وهي الجسيمة، ويقدعن، بالبناء للمفعول من القدع، بالقاف والدال المهملة، مصدر قدع فرسه، بمعنى: أنه كبحه، وهو أن يجذب لجامها لتقف، واللجم، جمع لجام، والباء متعلقة بيقدعن. وزيد الخيل تقدمت ترجمته في الإنشاد الثامن والسبعين بعد المائتين.
[ ٦ / ٧٣ ]
وأنشد بعده:
ولا للما بهم أبدًا دواء
صدره:
فلا والله لا يلفى لما بي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثامن والتسعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٠) فأصبحن لا يسألنه عن بما به أصعد في علو الهوى أم تصوبا
على أن الباء الأولى مؤكدة لـ "عن"، لأنها بمعناها، قال الفراء في آخر تفسير سورة الإنسان: قرأ عبد الله: (وللظالمين أعد لهم) كرر اللام في (الظالمين) وفي (لهم)، وربما فعلت العرب ذلك، أنشدني بعضهم:
فأصبحن لا يسلنه عن بما به .. البيت
فكرر الباب مرتين، ولو قال: لا يسلنه عما به، كان أبين وأجود، ولكن الشاعر ربما زاد ونقص ليكمل الشعر. انتهى. وقال ابن جني في "سر الصناعة": زاد الباء، وفصل بها بين عن وما جرته، وهذا من غريب مواضعها. انتهى.
وأورده ابن عصفور في "الضرائر الشعرية" وصعد في الجبل بالتشديد: إذا علاه، وصعد في الوادي: إذا انحدر، وعلو الشيء، بضم العين وفتحها وكسرها مع سكون اللام في الثلاثة: فوقه، والهوى: ما بين السماء والأرض وهو ممدود، ولكن هنا مقصور للضرورة، والتصوب: النزول والانحدار. والبيت لم أقف على قائله.
[ ٦ / ٧٤ ]
تتمة: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في "الغريب المصنف" روى أبو عبيدة: أصعد في الجبل وعلى الجبل، وأصعد في الأرض، ولم يعرفوا: صعد، ورد عليه أبو القاسم علي بن حمزة البصري اللغوي في كتاب "التنبيهات على أغلاط الرواة". قال: هذا شرط غير صحيح، ولو لم يعرفوا صعد لم يقل راجزهم [حميد الأرقط]:
بينا الفتى يخبط في غيساته إذ صعد الدهر إلى عفراته
هذا على أنه روي في باب فعل وأفعل عن أبي عبيدة: صعدت، وأصعد. وقال ابن الأعرابي: سند وصعد في الجبل واحد. انتهى.
وقال ابن السكيت في "إصلاح المنطق": أصعد في الجبل إصعادًا، وصعد في الجبل وعلى الجبل، وقال أبوزيد: ولم يعرفوا صعد. انتهى. وقال علي بن حمزة في "أغلاطه" أيضًا. قد ذكرنا هذا في أغلاط "الغريب المصنف"، وأنشدنا:
إذا صعد الدهر إلى عفراته
ولو لم يعرفوا صعد لما سموا صاعدًا، وكنوا أبا صاعد، وقال الله عز من قائل: (إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر/ ١٠] وهم يقولون: صعد على الجبل وفي الجبل، وعلى النخلة وفي النخلة، وفي السلم وعلى السلم، وقال راجز ضرب نخلة بفأس:
تقاصري أجن جناك قاعدا إني أرى حملك ينمي صاعدا
وأكثر استعمالهم صعد بالتثقيل، وأصعد فيما كانت فيه مشقة: كاستقبال جرية الماء وما أشبهه، ومع هذا فالذي روي لنا عنه في باب ما يهمز فيكون له معنى، فإذا لم يهمز كان له معنى آخر، ويقال: زنأ يزنأ زنأ: إذا صعد في الجبل، فإن كان لا يقال صعد، فقد غلط هو في إيراده ههنا، وإن كان يقال وهو يقال، فقد غلط فيه هناك، فأيهما شاء فليعترف، ومن أي شاء فليعتذر، فهو غالط لا محالة، ولا وجه لتشكيك الغلط أولًا، والثاني شاهد لنا عليه. انتهى.
[ ٦ / ٧٥ ]
(حرف الواو المفردة)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧١) فاذهب فأي فتى في الناس أحرزه من حتفه ظلم دعج ولا جبل
على أن "أيًا" للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، والمعنى: لا أحرز الفتى من موته ظلم ولا جبل، قال الفراء عند تفسير قوله تعالى: (ومَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ) من سورة البقرة [الآية/ ٢٤٦] قرأ عبد الله (كيف يكون للمشركين عهد عند الله ولا ذمة) [التوبة/ ٧]: لما كان معنى قوله: كيف يكون: ليس للمشركين، رد عليه بلا، وكذلك قول الشاعر:
فاذهب فأي فتى في الناس .. .. البيت
كأن معناه: ليس يحرز الفتى من يومه ظلم دعج ولا جبل، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: أين كنت لتنجو مني، فأدخل اللام في أين لأن معناها جحد: ما كنت لتنجو مني، وقال الشاعر:
فهذي سيوف يا صدي بن مالك كثير ولكن أين بالسيف ضارب
أراد: ليس بالسيف ضارب، ولو لم يرد "ليس" لم تجز الكلمة، لأن الباء من صلة ضارب، ولا تقدم صلة اسم قبله، ألا ترى أنك لا تقول: ضربت بالجارية كفيلًا حتى تقول: ضربت كفيلًا بالجارية، وجاز أن تقول: ليس بالجارية كفيل، لأن ليس نظيرة لـ "ما"، لأنها لا ينبغي لها أن ترفع الاسم كما أن "ما" لا ترفعه. انتهى.
[ ٦ / ٧٦ ]
قال ابن جني في سورة الأحزاب من "المحتسب" في قول الفرزدق:
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
أي: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا، ولذلك عندنا فصل الضمير فقال: أنا، وأنت لا تقول: يقوم أنا، ولا يقعد نحن، ولولا ما ذكرنا من إرادة النفي لقبح الفصل، وأنشدنا أبو علي:
فاذهب فأي فتى في الناس أحرزه من يومه ظلل دعج ولا جبل
أي: ما أحد أحرزه من الموت. انتهى. والبيت من قصيدة للمتنخل الهذلي رثى بها ابنه أثيلة، بضم الهمزة وفتح المثلثة، وهذا مطلعها:
ما بال عينك أمست دمعها خضل كما وهى سرب الأخراب منبزل
لا تفتأ الليل من دمع بأربعة كأن إنسانها بالصاب مكتحل
هذا خطاب مع نفسه، وخضل: ندي، ووهى السقاء: إذا تخرق وانشق، والأخراب جمع خربة، بضم الخاء المعجمة، وهي عروة المزادة، وكل ثقب مستدير، وسرب، بفتح فكسر: السائل، يقال: سربت المزادة من باب فرح: إذا سالت، ومنبزل: منشق، ولا تفتأ: لا تزال، يقال: جاءنا وعيناه بأربعة، أي: بأربعة مدامع، أو مسايل، أي: تسيل من نواحيها من المؤقين واللحاظين، والصاب: شجر له لبن مر إذا أصاب لبنه العين، حرقها وأدمعها، إلى أن قال يخاطب ولده:
فاذهب فأي فتى في الناس أحرزه
أي جعله في حرز منيع يمنع من الوصول إليه، ومن حتفه: متعلق به، والحتف:
[ ٦ / ٧٧ ]
الهلاك والموت، وظلم: فاعل أحرزه، وهو بضم ففتحة، جمع ظلماء، وهي الليالي السود، والدعج: جمع دعجاء، وهي الشديدة السواد، والعرب تسمي الليلة الأولى من ليالي المحاق الثلاثة في آخر الشهر دعجاء، وهي الليلة الثامنة والعشرون، والثانية: السرار بالكسر، والثالثة: الفلتة، بفتح الفاء وسكون اللام بعدها مثناة فوقية، وهي: ليلة الثلاثين، والجبل: بفتح الجيم والموحدة، وإنما نسب الإحراز إلى ما ذكره، لأن ظلام الليل ساتر لا يهتدى إلى الهارب فيه، فكأن الليل أحرزه، وكذلك الجبل يحرز من الوصول إليه إذا كان صعب المرتقى.
وفي هذه القصيدة شواهد، وقد شرحنا جميعها شرحًا مبسوطًا في الشاهد الثاني والثلاثين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
والمتنخل اسم فاعل وتنخلته، أي: تخيرته: كأنك صفيته من نخالته، والمتنخل لقب، واسمه: مالك بن عويمر، وينتهي نسبه إلى لحيان بن هذيل بن مدركة، وهو شاعر محسن جاهلي، أورد أشعاره السكري في "أشعار الهذليين".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٢) على ربعين مسلوب وبال
على أن عطف الصفات المفرقة مع اجتماع منعوتها لا تكون إلا بالواو، وأنشده سيبويه في باب "مجرى النعت على المنعوت، والشريك على الشريك" على أن في مثله يجوز الإجراء والقطع إلى الرفع، قال: ومما جاء في الشعر قد جمع فيه الاسم، وفرق النعت، وصار مجرورًا قوله:
بكيت وما بكا رجل حزين على ربعين مسلوب وبال
كذلك سمعنا العرب تنشده والقوافي مجرورة. انتهى. قال الأعلم: الشاهد
[ ٦ / ٧٨ ]
في جر مسلوب وبال على ربعين نعتًا، والرفع فيهما حسن لإمكان التبعيض فيهما والقطع، والتقدير: أحدهما مسلوب، والآخر بال، ولذلك قال سيبويه بعد البيت: والقوافي مجرورة، والربع: المنزل، والمسلوب: الذي سلب بهجته بخلائه من أهله. انتهى. قال الزمخشري: البيت من قصيدة لابن ميادة وقبله:
أمن طلل بمدفع ذي طلال أمج جديدة قدم الليالي
وقد: ذو طلال: واد على الشربة، وأمج: أبلى، والمسلوب: الذي قوضت أخبيته، وانبرت عمده، والبالي: الذي ذهبت آثاره، ومسلوب وبال بدل من ربعين يقول: وما بكاء رجل حنيك وهو المحتنك الصبور. انتهى.
والطلل: ما له شخص من آثار الدار كالأثفية، والمدفع: أحد مدافع المياه التي تجري فيها، فهو موضع دفع الماء ودفقه، وذو طلال: بكسر الطاء المهملة: ماء، وقيل موضع ببلاد بني مرة، كذا في "القاموس"، ولم يذكره الزمخشري في كتاب "الأماكن والمياه"، ولا أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم"، والشربة، بفتح الشين والراء وتشديد الموحدة: وهو موضع لغطفان، وقيل لبني جعفر بن كلاب، وأمج بتشديد الجيم: فعل ماض، وجديده مفعول، وقدم، بكسر ففتح: فاعل، والبكاء هنا مقصور ويمد أيضًا.
وابن ميادة تقدمت ترجمته في الإنشاد الثامن والستين.
[ ٦ / ٧٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٣) إن الرزية لا رزية مثلها فقدان مثل محمد ومحمد
على أن من خصائص الواو عطف ما حقه التثنية، وكان القياس تثنيتهما، رأيت في ديوان الفرزدق: وقال الفرزدق يرثي محمد بن يوسف، ومحمد بن الحجاج ابن يوسف وماتا في جمعة:
إن الرزية لا رزية بعدها للناس فقد محمد ومحمد
ملكين قد خلت المنابر منهما أخذ المنون عليهما بالمرصد
انتهى. ومنشؤهما ما حكاه المبرد في آخر الثلث الأول من "الكامل" قال: كان الحجاج بن يوسف رأى في منامه أن عينيه قلعتا: فطلق الهندين: هند بنت المهلب، وهند بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد، فقال: هذا والله تأويل رؤياي، ثم قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، محمد ومحمد في يوم واحد، ثم قال:
حسبي بقاء الله من كل ميت وحسبي رجاء الله من كل هالك
إذا كان رب العرش عني راضيًا فإن شفاء النفس فيما هنالك
وقال: من يقول شعرًا يسليني به، فقال الفرزدق:
إن الرزية لا رزية بعدها فقدان مثل محمد ومحمد
ملكان قد خلت المنابر منهما أخذ الحمام عليهما بالمرصد
فقال: لو زدتني، فقال الفرزدق:
إني لباك على ابني يوسف جزعًا ومثل فقدهما للدين يبكيني
ما سد حي ولا ميت مسهدهما إلا الخلائف من بعد النبيين
[ ٦ / ٨٠ ]
فقال له: ما صنعت شيئًا، إنما زدت في حزني فقال:
لئن جزع الحجاج ما من مصيبة يكون لمحزون أجل وأوجعا
من المصطفى والمصطفى من خيارهم جناحيه لما فارقاه فودعا
أخ كان أغنى أيمن الأرض كلها وأغنى ابنه أهل العراقين أجمعا
جناحا عقاب فارقاه كلاهما ولو نزعا ممن غيره لتضعضعا
قال: الآن. أما قوله: "إلا الخلائف من بعد النبيين" فخفض هذه النون وهي نون الجمع، وإنما فعل ذلك، لأنه جعل الإعراب فيها لا في ما قبلها، وجعل هذا الجمع كسائر الجمع نحو: أفلس ومساجد وكلاب، فإن إعراب هذا كإعراب الواحد، وإنما جاز ذلك، لأن الجمع يكون على أبنية شيء، وإنما يلحق منه بمنهاج التثنية ما كان على حد التثنية، لا يكسر الواحد عن بنائه، وإلا فلا، فإن الجميع كالواحد لاختلاف معانيه كما تختلف معاني الواحد، والتثنية ليست كذلك، لأنها ضرب واحد لا يكون اثنان أكثر من اثنين عددًا كما يكون الجمع أكثر من الجمع. انتهى المراد منه.
وقوله:
إن الرزية لا رزية مثلها
الرزية: المصيبة، وأصلها الهمز، وهذا المصراع قد تداوله الشعراء في مقاصدهم، وأول من قاله زهير بن أبي سلمى، وبعده:
ما تبتغي غطفان يوم أضلت
وأخذه كالفرزدق النعمان بن زرعة التغلبي الجاهلي، وكان له أخوان
[ ٦ / ٨١ ]
خرجا من عنده من الأنبار يريدان قومهما، فأصابتهما سرية كلت، فقال النعمان في ذلك:
إن الرزية لا رزية مثلها إخواي إذ فقدا بيوم واحد
وبعده أبيات أربع، ومنه أخذ الفرزدق، وقد أخذه أبو نواس أيضًا، حكى الجاحظ في كتاب "المحاسن والمساوئ" وقال: حدثنا الحمال، قال: كنت يومًا على باب عدي الدراع، فمر بي أبو نواس شبيهًا بالمجنون، وإذا خلفه غلام كأنه مهر عربي، فقلت له: مالك؟ فقال:
إن الرزية لا رزية مثلها عوز المكان وقد تهيا المركب
فعدلت به وبالغلام، فأقاما سائر يومهما عندي. انتهى.
وفقدان، بكسر الفاء، مصدر فقدته فقدًا وفقدانًا، من باب ضرب: إذا عدمته، فله مصدران، والمنون: الدهر، والمنية أيضًا، قال ابن الأنباري في كتاب "الأضداد": المنون تؤنثها العرب وتظل على معنى المنية، وتذكرها على معنى الدهر، وكان الأصمعي يروي بيت أبي ذؤيب:
أمن المنون وريبه تتوجه البيت
ويقول: أراد بالمنون: الدهر، ورواه غير الأصمعي:
أمن المنون وريبها تتوجع
على معنى المنية، وقال الفرزدق: وأنشد البيتين قال: وأراد بالمحمدين: أخا الحجاج وابنه. انتهى.
[ ٦ / ٨٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٤) أقيمنا بها يومًا ويومًا وثالثا ويومًا له يوم الترحل خامس
على أن الواو قد عطف ما حقه الجمع، فيقال: أقمنا أيامًا، وقد أورد ابن عصفور هذا والذي قبله في كتاب "الضرائر" قال: ومنه العطف موضع التثنية أو موضع الجمع، واستعماله بدلًا منهما حيث لا يسوغ ذلك في سعة الكلام، فمن الأول قوله:
ليث وليث في محل ضنك كلاهما ذو أشر ومحك
وقول الآخر:
كأن بين فكها والفك فأرة مسك ذبحت بسك
وقوله:
أنجب عرسي ولدًا وعرس
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ليثان في محل ضنك، وكأن بين فكيها فأرة مسك، وأنجب عرسين ولدًا، ومن الثاني قوله:
كأن حيث يلتقي منه المحل
[ ٦ / ٨٣ ]
من جانبيه وعلان ووعل
ثلاثة أشرفن في طود عتل
كان الوجه أن يقال: ثلاثة أوعال: لولا الضرورة، وقد جاء مثل ذلك في شعر ابن هانئ وهو قوله:
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ويومًا له يوم الترحل خامس
يريد أيامًا أربعة. انتهى.
وفصل الخفاف الإشبيلي في شرح "الجمل" فقال: ولا يجوز الجمع إلا فيما غلب فيه أحد الأسماء على سائرها، وذلك موقوف على السماع نحو: "المهالبة" في المهلب وبنيه، و"الحوص" في الأحوص وإخوته، وإن اتفقت، فلا يخلو أن تتفق المعاني، أو تختلف، فإن اختلفت، فالعطف، ولا يجوز الاجتماع إلا حيث سمع نحو: الأحامرة، في اللحم والخمر والزعفران، وإن اتفقت الألفاظ والمعاني، فلا يخلو أن تكون الأسماء أعلامًا باقية على علميتها، أولا تكون، ففي الأول العطف ليس إلا، وإن لم تكن باقية على علميتها فالجمع، ولا يجوز العطف إلا في ضرورة، قال الشاعر: أقمنا بها يومًا ويومًا .. البيت، فعطف. كان القياس أن يقول: أقمنا بها أيامًا أربعة فيجمع لولا الضرورة للوزن. انتهى.
وقد فصل ابن الشجري في أول المجلس الثاني من "أماليه" ما يخص الشعر وما يجوز في غيره تفصيلًا جيدًا، ولولا خوف الإطالة لأثبته هنا. والبيت أحد أبيات ثمانية وهي:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى وأضغاث ريحان جني ويابس
وقفت بها صحبي فجددت عهدهم وإني على أمثال تلك لحابس
ولم أدر من هم غير ما شهدت به بشرقي ساباط الديار البسابس
[ ٦ / ٨٤ ]
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ويومًا له يوم الترحل خامس
تدار علينا الراح في عسجدية حبيتها بأنواع التصاوير فارس
قراراتها كسرى وفي جنباتها مهًا تدريها بالقسي الفوارس
فللخمر ما زرت عليه جيوبها وللماء ما اجتازت عليه القلانس
قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتاب "الأخبار" بعد نقل هذه الأبيات: قال أبو القاسم: الدار: منزل القوم، مبنية كانت أو غير مبنية، ويقال: دار ودارة، والبسابس: القفار، واحدها بسبس، ومثلها: السباسب، واحدها: سبسب، وأصلها الصحراء الواسعة الملساء: والعسجدية: كأس مصوغة من العسجد، وهو الذهب.
وقوله: قرارتها كسرى، نصبه على الظرف، يريد أنه كان في قرار الكأس، وهو أرضها، صورة كسرى، وفي جنباتها: وهي نواحيها، صورة المها، وهو بقر الوحش، وصور فرسان بأيديهم قسي ونشاب يرمون تلك المها، وهو معنى قوله: تدريها بالقسي الفوارس، والدرية: الشيء الذي يرمى، يعني أنه صب الخمر في الكأس إلى أن بلغت حلوق الفرسان، وهو موضع الأزرار، ثم صب الماء مقدار رؤوس الصور، وهو الذي تجتازه القلانس. انتهى كلامه.
وأورد أبو العباس المبرد، هذه الأبيات في "الكامل" قال فيه: وقال الحسن ابن هانئ:
بنينا على كسرى سماء مدامة جوانبها محفوفة بنجوم
فلو رد في كسرى بن ساسان روحه إذن لاصطفاني دون كل نديم
أراد: أنه كان صورة كسرى في الإناء، وقوله: جوانبها محفوفة بنجوم: يريد ما تطوق به من الزبد، وقال في أخرى:
[ ٦ / ٨٥ ]
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ويومًا له يوم الترحل خامس
تدرا علينا الراح في عسجدية البيت
فللخمر ما زرت عليه جيوبها البيت
العسجدية: منسوبة إلى العسجد، وهو الذهب، وقوله: تدريها، أي تختلها، يقال: دريت الصيد: إذا ختلته. انتهى.
وأورد الأبيات جميعها السيد المرتضى في "أماليه" قال: وقال يموت بن المزرع: سمعت خالي الجاحظ يقول: لا أعرف شعرًا يفضل قول أبي نواس:
ودار ندامى عطلوها الأبيات.
قال الجاحظ: فأنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: يا أبا عثمان لو نقر هذا الشعر، لطن، فقلت: ويلك، ما تفارق الجرار والخزف حيث كنت!؟
قال السيد المرتضى: أخذ أبو نواس قوله:
ولم أدر من هم غير ما شهدت بهم .. البيت.
من أبي خراش الهذلي:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ولكنه قدسل من ماجد محض
ويقال: إن أبا خراش أول من مدح من لا يعرفه، وذلك أن خراش بن أبي خراش أسر هو وعروة بن مرة، فطرح رجل من القوم رداء على خراش حين شغل القوم بقتل عروة ونجاه، فلم تفروغوا له، قال: إنه أفلت مني، ويقال: بل رآه في الأسر رجل من بني عمه، فألقى عليه رداءه ليجيره، وقال له: النجا. ويلك! انتهى.
[ ٦ / ٨٦ ]
وأدلجوا: ساروا من أول الليل، ومساحب: جمع مسحب، وهو موضع السحب، والزقاق: جمع زق وهو قربة الخمر، وأضغاث: جمع ضغث، بالكسر، وهي الحزمة، ووقفت بها صحبي: بمعنى حبست، وقد روي بدله، وساباط، لا ينصرف: موضع بالمدائن لكسرى، معرب بلاس أباد، والديار: فاعل شهدت، وحبتها، أعطتها. وقراره الشيء أسفله، وجنباتها، بفتح الجيم والنون، جمع جنب بسكون النون، والمها: بقر الوحش، وكان في القديم يصورون في الكأس صورة الملك، وغيره تعظيمًا له، والأصل فيه: أن قيصر لما خاف ملك الفرس سابور، بعث مصورًا إلى بلاده، فصور صورة سابور في جميع أحواله، فأمر قيصر أن تصور تلك الصورة على فرشه وستوره وآلات أكله وشربه، ولمادخل ساوبر متنكرًا بلدة قيصر، عرف بصورته المنقوشة على الكأس، فقبض عليه، وحكايته مذكورة في "سلوان المطاع" وغيره.
وقد تبع الشعراء أبا نواس في ذلك، وأبدع فخر الدين بن مكانس في قوله:
إذا ما أديرت في حشا عسجدية بها كل ذي تاج وملك مصورا
فحسبك نيلًا في السيادة أن ترى نديمك في الكاسات كسرى وقيصرا
وقال ابن قلاقس:
دارت زجاجتها وفي جنباتها كسرى أنو شروان في إيوانه
فجعلت عن عطفيه حلة قهوة وشربتها فغدوت في سلطانه
[ ٦ / ٨٧ ]
وقال الناشئ:
في كأسها صورة تظن لحسنها عربًا برزن من الحجال وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسمت ذهبًا ودرًا توأمًا وفريدا
فكأنهن لبسن ذاك مجاسدًا وجعلن ذا لنحورهن عقودا
وقال ابن المعتز:
بكأس من زجاج فيه أسد فرائسهن ألباب الرجال
قال حمزة بن الحسن الأصبهاني، جامع ديوان أبي نواس الحسن بن هانئ، بعد ذكر هذه الأبيات: وتلا الناشئ الكلامي أبا نواس في هذين البيتين الأخيرين، فقال:
ملوك ساسان على كأسها كأنها في عز سلطانها
فخمرها من فوق أرقابها وماؤها من فوق تيجانها
وتحدث يموت بن المزرع قال: سمعت خالي الجاحظ يقول: لا أعرف شعرًا يفضل قول أبي نواس:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا
ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان، إن هذا هو الشعر، ولو نقر، لطن، فقلت له: ويلك! لا تفارق الجرار والخزف حيث كنت؟
قال النيبختيون: خرج أبو نواس مع بعض أهلها إلى المدائن، فرأى بساباط أثارًا تدل على اجتماع كان لقوم، فقال أصحابنا، صف هؤلاء وبقاياهم، فقال غير ممتكث:
[ ٦ / ٨٨ ]
ودار ندامى عطلوها .. .. الأبيات
وتحدث أبو العيناء عن الجاحظ قال: نظرنا في شعر القدماء والمحدثين، فوجدنا المعاني نقلت، ووجدنا بعضًا يسرق من بعض إلا قول عنترة، وقول أبي نواس، فأما قول عنترة:
وخلا الذباب بها فليس ببارح
وأما قول أبي نواس:
قرارتها كسرى
قال الحسن بن طباطبا: فممن قال إثر أبي نواس في هذا المعنى فأحسن: أبو الحسن بن أبي البغل في قوله:
قد صف في كاساتها صور حكت للشاربين بها كواعب غيدًا
فإذا جرى فيها المزاج تقسمت ذهبًا ودرًا توأمًا وفريدا
فكأنهن لبسن ذاك مجاسدًا وجعن ذا لنحورهن عقودا
أقول: معنى البيت الأخير أن حد الخمر من صور هذه الفوارس التي في الكأس إلى التراقي، ومزجت بالماء إلى ما فوق رؤوسها، وفائدته معرفة حدها صرفًا من حدها ممزوجة، وزعم بعضهم أن أبا نواس أخذه من قول امرئ القيس:
فلما استطابوا صب في الصحن نصفه ووافوا بماء غير طرق ولا كدر
جعل الماء والشراب قسمين: فتسلق أبو نواس عليه، وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكر الصور.
[ ٦ / ٨٩ ]
قال صاحب "المثل السائر" في أدب الكاتب والشاعر، وهو ضياء الدين، نصر الله، الشهير بابن الأثير الموصلي: قرأت في كتاب "الروضة" لأبي العباس المبرد، وهو كتاب جمعه، واختار فيه أشعار شعراء بدأ فيهم بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، فقال فيما أورده من شعره: وهو معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله:
تدار علينا الراح في عسجدية .. الأبيات
وقد أكثر العلماء في وصف هذا المعنى، وقولهم فيه: إنه [معنى] مبتدع، ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال العلماء يتناقلون المعاني قديمًا وحديثًا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه، وما أعلم أنا ما أقول لهؤلاء سوى أني أقول: قد تجاوزتم حد الإكثار، ومن الأمثال السائرة: "بدون ذا يباع الحمار" وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا في هذا المعنى، فإنه لا كبير كلفة فيه، لأن أبا نواس رأى كأسًا من الذهب ذات تصاوير، فحكاه في شعره، والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيرًا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلًا بقدر القلانس التي على رؤوسها، وهذه حكاية حال مشاهدة بالبصر. انتهى.
وقال أيضًا في قسم المساواة من ذلك الكتاب: ومن هذا الضرب قول أبي نواس، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا إلى آخر الأبيات.
ثم قال: ومما انتهى إلينا من أخبار ابن المزرع قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف شعرًا يفضل هذه الأبيات، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان إن هذا هو الشعر، ولو نقر، لطن، فقلت له: ويحك! لا تفارق عمل الجرار والخزف؟ ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف، وخبر فشكر،
[ ٦ / ٩٠ ]
والذي ذكره هو الحق. انتهى. ثم قال في "باب الإطناب": وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس:
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا .. البيت.
ومراده من ذلك أنهم أقاموا أربعة أيام، ويا عجبًا له! يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات العجيبة الحسن، التي تقدم ذكرها؟ . انتهى.
وقال الصلاح الصفدي في "شرح لامية العجم" بعد نقل كلام ابن الأثير الأخير: قلت: أبو نواس أجل قدرًا من أن يأتي بهذه العبارة لغير معنى طائل، فأما البيت، فالمفهوم منه أن المقام سبعة أيام، لأنه قال: وثالثًا، ويومًا آخر له اليوم الذي رحلنا فيه خامس يوم، وابن الأثير لو أمعن الفكر في هذا ربما كان يظهر له. انتهى.
أقول: كون أيام الإقامة أربعة هذا هو الظاهر، وبه قال ابن عصفور، والخفاف، وأبو حيان وغيرهم، وذلك بإرجاع الضمير من "له" راجع لما تقدم من الأيام، لا إلى اليوم الأخير، ويوم الرحيل غير معدود، ومن عده فيها، فباعتبار الإقامة في نحو نصفه على سبيل التغليب، ويؤيده ما نقله الدماميني من "شرح مقصورة حازم" للشريف الغرناطي.
وترجمة أبي نواس تقدمت في الإنشاد الثاني والأربعين بعد المائتين.
[ ٦ / ٩١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٥) وزججن الحواجب والعيونا
على أن الواو عطفت عاملًا محذوفًا بقي معموله، والأصل: وكحلن العيون، وقيل: عطفت معمول عامل غير مذكور على معمول آخر يجمعهما معنى واحد وهنا هو التحسين، والاختلاف بين عامليهما إما بتغير المعنى كما ذكر، وكما في قول آخر:
علفتها تبنًا وماء باردًا
أو بحسب الزمان مع اتحاد المعنى كما إذا قلت عند قدوم الشتاء: جاء الشتاء والربيع، أي: وسيجيء الربيع، وقيل: لا حذف، وجعل الرمح في قوله:
يا ليت شيخك قد غدا متقلدًا سيفًا ورمحا
متقلدًا: للمجاورة والمشاكلة، وإليه ذهب الثعالبي في كتابه "أسرار العربية" وقيل: إنه من قبيل الاستعارة بالكناية، وإثبات عامل الأول له تخييل، فشبه الإيمان في قوله تعالى: (تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ) [الحشر/ ٩] بمنزل ينزلونه؛ لتمكنهم فيه، ويثبت له التبوؤ تخييلًا.
قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وأَسْلِحَتَهُمْ) [النساء/ ١٠٢] فإن قلت: كيف جمع بين الأسلحة والحذر في الأخذ؟ قلت:
[ ٦ / ٩٢ ]
جعل الحذر، وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة، وجعلا مأخوذين، ونحو قوله تعالى: (تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ) [الحشر/ ٩].
وقيل بل ضمن "علفتها" معنى أنلتها وأعطيتها، أو جرد له، قال المصنف: ويرجح هذا صحة نحو: علفتها ماء باردًا وتبنًا، بدليل قول طرفة:
لها سبب ترعى به الماء والشجر
فهذه مذاهب أربعة ومثل قول طرفة، قوله تعالى: (ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وأَسْلِحَتَهُمْ) وعليه خرج قوله تعالى: (خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ) [الملك/ ٢] وقال أبو حيان في "تذكرته" قال أبو عمر في الفرخ: يجوز في العطف ما لا يجوز في الإفراد نحو: أكلت خبزًا ولبنًا، وأنشد:
ورأيت زوجك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحًا
وزعم: أن نصب رمح بمتقلد وهذا ليس بشيء، لأنه إذا لم ينصب مباشرًا لم ينصب بهم عطوفًا لا سيما، في قول من يقدر في المعطوف عاملًا آخر من جنس الأول، والتقليد لا يكون لكل حمل، لأنهم إذا خصصوا نوعًا باسم، لم يستعملوه في موضع الاسم الأعم، نحو حلوان الكاهن، ورشوة الحاكم، وجعل الصانع. وقد استشهد بهذا من لا يجيز تكرار العامل في المعطوف، لأنه عنده معطوف باللفظ إلا أنه مفترق في المعنى، قالوا: وإذا ثبت هذا في المفترقين، كان أمرًا مرجوعًا إليه في المجتمعين، وأبو عمر والجماعة لا يفرقون في هذا، ويقولون: الأول يعمل
[ ٦ / ٩٣ ]
في الأول لفظًا، وفي الثاني بالمعنى لا باللفظ، ولا يقال: شراب تمر، لكن لما اجتمعا في الطعم حمل الأخص على الأعم، ومن يقدر يقول: العامل المقدر هنا هو المعطوف تقديره: وحاملًا، وهذا مما اختلف فيه أهو سماع أم قياس، والأكثر على أنه قياس كما قدمنا، وضابطه أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام لهما، ومنه قول علقمة:
تراه كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه كان له وفر
أراد: ويفقأ عينيه، والجامع لهما إفساد عضو، وقال آخر:
إذا ما الغانيات برزن يومًا وزججن الحواجب والعيونا
أي: وكحلن العيون، والرابط التزيين، وقوله:
تسمع للأجواف منها صردا ولليدين جسأة وبددا
أي: وتتبين، لأن التبيين والسمع يجمعهما شيء واحد وهو الإدراك، وقوله:
علفتها تبنًا وماء باردًا
اجتمعا في الإطعام، وقوله:
يحلين ياقوتًا وشذرًا مفقرا
لأن التحلية في الحلي كالتطيب في الطيب، ومنه: (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ) [الحج/ ٤٠] أي: وأبطلت صلوات، لأن التهديم إبطال، إلى هنا كلام أبي حيان.
[ ٦ / ٩٤ ]
والمصراع الشاهد هكذا اشتهر: أوله بالواو، وقال العينين، وتبعه السيوطي، صدره:
إذا ما الغانيات برزن يومًا
وقالا: هو من قصيدة للراعي وما بعده:
أنخن جمالهن بذات غسل سراة اليوم يمهدن الكدونا
والذي رأيته في قصيدة الراعي من رواية "منتهى الطلب" كذا:
وهزة نسوة من حي صدق يزججن الحواجب والعيونا
طلبت وقد تواهقت المطايا بيعملة تبذ السابقينا
وحث الحاديان بأم لهو ظعائن في الخليط الرافعينا
أنخن جمالهن بذات غسل سراة اليوم يمهدن الكدونا
عطفن لنا السوالف من بعيد فقلت عيون آرام كسينا
أولئك نسوة في إرث مجد كرائم يصطفين ويصطفينا
لهن فوارس ليسوا بميل ولا كشف إذا قلن امنعونا
ظعائن من كرام بني نمير خلطن بميسم حسبًا ودينا
قوله: وهزة نسوة مفعول مقدم لطلبت، والهزة، بالكسر، قال صاحب "العباب": قال الأصمعي: الهزة من سير الإبل أن يهتز الموكب، أي: يسرع، قال ابن دريد: هزة الموكب: إذا سمعت حفيفه، وأنشد:
كاليوم هزة أجمال بأظعان
وتواهقت: تسابقت، واليعملة: الناقة القوية على العمل، وكناها بأم لهو،
[ ٦ / ٩٥ ]
وذات غسل: مكان، وسراة كل شيء، بالفتح: وسطه، والكدون: جمع كدن، بفتح الكاف وكسرها وسكون الدال: مركب للنساء، وثوب توطئ به المرأة نفسها في الهودج، والإرث، بالكسر، الأصل، والميل: جمع أميل: وهو الذي لا يثبت على السرج، والكشف: جمع أكشف: وهو الذي لا سلاح معه، والميسم، بالكسر: الحسن والجمال، والغانيات في المصراع المشهور: جمع غانية: وهي التي غنيت بجمالها عن الحلي، وبرزن: ظهرن، والزجج، بفتحتين: دقة الحاجبين في طول، وهو أزج، وهي زجاء، وزججه: دققه وطوله، ومطلع هذه القصيدة:
أبت آيات حبى أن تبينا لنا خبرًا وأبكين الحزينا
وكيف سؤالنا عرصات ربع تركن بقفرة حتى بلينا
وأحجار من الصوان سفعًا بهن بقية مما صلينا
عرفناها منازل آل حبى فلم نملك من الطرب العيونا
وحبى، بالضم والقصر: اسم امرأة، والآيات: العلامات، وفيه حذف، أي: آيات نزلها، وتبين: مضارع أبانه، وخبرًا: مفعوله، وأحجار: معطوف على عرصات، وسفع، جمع أسفع: وهو المسود من النار، وصلين: احترقن، والطرب: الخفة الحاصلة من الحزن، وهذه القصيدة افتخارية منها:
وردن المجد قبل بني نزار فما شربوا به حتى روينا
وجدنا عامرًا أشراف قيس فكنا الصلب منها والوتينا
ومن يفخر بمكرمة فإنا سبقناها لأيدي العالمينا
عصا كرم ورثناها أبانا ونورثها إذا متنا بنينا
ونحن المانعون لما أردنا ونحن النازلون بحيث شينا
وهي طويلة وترجمة، الراعي تقدمت في الإنشاد الخامس والخمسين بعد المائة.
[ ٦ / ٩٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٦) والفى قولها كذبًا ومينا
على أن العطف المراد إنما يكون بالواو، فإن المين هو الكذب، ومثله قول طرفة:
فما لي أراني وابن عمي مالكًا متى أدن منه ينأ عني ويبعد
قال الفراء في "تفسيره" عند قوله ﵎: (وإذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ والْفُرْقَانَ) [الآية ٥٣] من سورة البقرة: إن العرب لتجمع بين الحرفين بمعنى واحد إذا اختلف لفظهما، كقول عدي بن زيد:
وقدمت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبًا ومينا
وقولهم: بعدًا وسحقًا، والبعد والسحق واحد. انتهى.
والبيت مثال عند علماء المعاني للتطويل، وهو أن يكون اللفظ زائدًا على أصل المراد لا لفائدة، وهو من قصيدة لعدي بن زيد العبادي، خاطب بها النعمان بن المنذر لما كان في حبسه، وعظه بها، وحذره تقلب الدهر به، وذكر فيها ما آل إليه أمر جذيمة الوضاح، وغدر الزباء به، وأخذ قصير الثأر منها، ويأتي إن شاء الله تعالى، شرح غدرها به في الباب الخامس. والقصيدة هذه:
ألا يا أيها المثري المرجى ألم تسمع بخطب الأولينا
دعا بالبقة الأمراء يومًا جذيمة عصر ينجوهم ثبينا
[ ٦ / ٩٧ ]
فلم ير غير ما ائتمروا لديه وشد لرحلة السفر الوضينا
فطاوع أمرهم وعصى قصيرًا وكان يقول لو نفع اليقينا
لخطبته التي غدرت وخانت وهن ذوات غائلة لحينا
فدست في صحيفتها إليه ليملك بضعها ولأن تدينا
فغرته ورغب النفس يردي ويبدي للفتى الحين المبينا
ففاجأها وقد جمعت جيوشًا على أبواب حصن مصلتينا
وقدمت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبًا ومينا
وحدثت العصا الأنباء عنه ولم أر مثل فارسها هجينا
فبات نساؤه عجلًا عليه مع الويلات يعلن الرنينا
ومن حذر الملاوم والمخازي وهن المنديات لمن منينا
أطف لأنفه الموسى قصير ليجدعه وكان به ضنينا
فأهواها لمارنه فأضحى طرب الوتر مجدوعًا مشينًا
فصادفت امرءأ لم تخش فيه مخادعة وما أمنت أمينا
أتاها كرتين بما أرادت فأصبح عند ربته مكينا
فأبلاها كما حبست نصيحًا فملكت الخزائن والقطينا
وردته بضعفي ما أتاها ولم تكبل عن المال اليمينا
فلما ارتد عنها ارتد صلبًا يجر المال والصدر الضغينا
أتتها العير تحمل ما دهاها وقنع في المسوح الدارعينا
ودس لها على الأنفاق عمرًا بشكته وما خشيت كمينا
فجللها قديم الأثر عضبًا يصك به الحواجب والجبينا
فأضحت من خزائنها كأن لم تكن زبا لحاملة جنينا
[ ٦ / ٩٨ ]
وأبرزها الحوادث والمنايا وأي معمر لا يبتلينا
إذا أمهلن ذا جد عظيم عطفن له ولو فرطن حينا
ألم تر أن ريب الدهر يعلو أخا النجدات والحصن الحصينا
ولم أجد الفتى ينجو بشيء ولو أثرى ولو ولد البنينا
وقوله: دعا بالبقة .. إلخ جذيمة: فاعل دعا، وكان ملك قضاعة بالحيرة من قبل أردشير بن بابك، وكان قتل أبا الزباء ملك الشام والجزيرة من قبل الروم، وملكت بلاد أبيها بعده، ثم إن جذيمة خطبها، فأجابته، فسار إليها حتى إذا كان ببقة، وهو موضع بين هيت والأنباء، استشار أصحابه، فأشاروا بالشخوص إليها، إلا قصير ابن سعد اللخمي، وقال: إن النساء يهدين إلى الأزواج. انصرف عنها، فأبى، وسافر حتى رأى مدينتها والكتائب من دونها هالة، فقال لقصير: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي ببقة، وقال: إن لقيتك الكتائب، وساروا أمامك، فقد خاب ظني، وإن أحاطوا بك، فإني معرض لك "العصا" وهي فرس لا يشق غبارها، فجعلوا يتلقونه ولا يرجعون، فعرض له العصا، فلم ينتبه، فركبها قصير ونجا، وورد الحيرة، ولما دخل جذيمة على الزباء، أمرت برواهشه فقطعت واستنزفته حتى مات. وكان جذيمة استعمل على ملكه ابن أخته عمر بن عدي، فأشار إليه قصير بأخذ ثأره من الزباء، فقال: لا أقدر، فجدع قصير أنفه، وأتى الزباء، فقال: اتهمني عمرو في مجيء خاله إليك، فجدع أنفي، فلم تقر نفسي عنده، وإن لي بالعراق مالًا كثيرًا، فأعطني شيئًا وأرسليني بعلة التجارة حتى آتيك بطرائف العراق: ففعلت، فأطرها وزادها مالًا كثيرًا، فردته ثانية فأطرفها وزادها، فتلطف حتى علم موضع النفق وهو السرب، فردته ثالثًا فأتى عمرًا، وقال: احمل الرجال في الصناديق على الإبل ففعل، وفيهم عمرو، فلما دخلت العير المدينة، وحلوا الصناديق، شد عليها الرجال فهربت طلب السرب، فاستقبلها قصير وعمرو، فضربها عمرو، فقتلها، ونهب الأموال، وسبى الذراري.
[ ٦ / ٩٩ ]
وقوله: عصر ينجوهم ثبينا، العصر: الوقت، وينجوهم: يخصهم بالخطاب للمشاورة، ومنه المناجاة، وثبين: جمع ثبة، بضم المثلثة، بمعنى الجماعة، وائتمروا: تشاوروا، والوضين: مفعول شد، وهو حزام القتب. وقوله: وكان يقول لو نفع اليقينا، أي: كان يقول القول اليقين لو نفع، ولو للتمني.
وقوله: لخطبته، اللام للتعليل متعلقة بيقول، والخطبة، بكسر الخاء وسكون الطاء: المخطوبة، قوله: لحينا. دعاء عليهن، من لحاه الله، بمعنى قبحه ولعنه، والبضع بالضم: الفرج، والجماع، وعقد النكاح، وتدينا، من دانه، أي: أطاعه، والرغب، بالضم، الرغبة. ويردي: مضارع أرداه، أي: أهلكه، والحين، بالفتح: الهلاك، والمصلت: الرجل الماضي في الحوائج.
وقوله: وقدمت الأديم لراهشيه، كذا في جميع الروايات التي رأيتها، فإن هذه القصيدة رواها ابن قتيبة في ترجمة عدي من كتاب "الشعراء" والعسكري في "أوائله" والزمخشري في "أمثاله" وفي رواية كل كذا، وكذا روى البيت الفراء في تفسيره، والسيد المرتضى في "أماليه" وغيرهما. فالمراد بالأديم: النطع، واللام بمعنى إلى، والراهشان: عرفان في بطن الذراعين، وقدمت: من التقديم، أي: تت بالنطع إلى راهشيه لما قصدتهما، وضمير قدمت للخطبة التي هي الزباء، والهاء ضمير جذيمة، والرواية المشهورة: "وقددت"، قال الدماميني، وتبعه من جاء بعده: قددت قطعت، قال ابن المنلا: التقديد: القطع، والأديم: الجلد، أو أحمره، أو مدبوغه، هذا كلامه. وألفى بمعنى: وجد، والمين، بفتح الميم، نقل السيوطي من "طبقات الشعراء" لمحمد بن سلام الجمحي أنه قال: في هذه القافية سناد، وقال المفضل في روايته: "كذبًا مبينًا" فر من
[ ٦ / ١٠٠ ]
السناد، والرواية هي الأولى. انتهى. هذا نقل السيوطي، وقد رجعت إلى ترجمة عدي بن زيد، من "طبقات الجمحي" فلم أر فيها هذا البيت، ولا هذا الكلام، ولعله قاله في موضع آخر من "الطبقات" بمناسبة.
وقوله: وحدثت العصا .. إلخ العصا: فرس جذيمة التي هرب عليها قصير، والأنباء: الأخبار، وفارسها جذيمة، والهجين: اللئيم، وعجل، بضمتين: جمع عجول، وهي الثكلى والواله، ويعلن: يظهرن، من العلن، والرنين: الصياح.
وقوله: ومن حذر الملاوم .. إلخ، من تعليلية متعلقة بأطف في البيت بعدها، وأطف بمعنى: أشرف عليه لقطعه، والملاوم: جمع ملامة، وقوله: وهن، أي: الملاوم والمخازي، والمنديات، قال العسكري: هي الدواهي، ومنين له، أي: قضين، والمنى، بالقصر: القضاء. انتهى.
وقوله فأهواها، أي: أمال الموسى، والمارن: ما لان من الأنف، وطلاب مفعول لأجله، والوتر، بالكسر: الثأر، ومشين: اسم مفعول من الشين: وهو العيب، وربته: صاحبته وهي الزباء.
وأبلاها: خدمها بنصح، والقطين، الخدم والأتباع وأهل الدار يكون للواحد والجمع.
وقوله: ولم تكبل، أي: لم تحبس يمينها عن العطاء، وقنع: غطى، والمسوح جمع مسح، بالكسر: وهو البلاس، أراد به الغرائر، والأنفاق، بالفتح، جمع نفق، بفتحتين: وهو السرب، والشكة، بالكسر: السلاح، وجللها: غشاها، وقديم الأثر، بفتحتين: أراد به السيف المأثور، والأثر: فرند السيف وجوهره، والعضب: القاطع.
[ ٦ / ١٠١ ]
وقوله: كأن لم تكن زبا لحاملة جنينا
أي: كأن لم تحمل بها حاملة فتلدها. والجد، بالفتح: الحظ والبخت.
وترجمة عدي تقدمت في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٧) ألا يا نخلة من ذات عرق عليكم ورحمة الله السلام
على أن عطف المقدم على متبوعه في الضرورة، لا يكون إلا بالواو، وأصله: وعليك السلام ورحمة الله. وفيه أن التفتازاني قال في "شرح المفتاح": تقديم المعطوف جائز بشرط الضرورة، وعدم التقديم على العامل، وكون العاطف أحد حروف خمسة: الواو، والفاء، وثم، وأو، ولا، صرح به المحققون. انتهى.
وخرجه ابن جني على العطف على الضمير المستتر في عليك، والأصل: السلام حصل عليك ورحمة الله، فأخر المبتدأ، وحذف حصل، ونقل ضميره إلى عليك، واستتر فيه، فعطف عليه. قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": مذهب الأخفش أنه أراد عليك السلام ورحمة الله، فقدم المعطوف ضرورة، لأن السلام عنده فاعل عليك، ولا يلزم هذا سيبويه، لأن السلام عنده مبتدأ، وعليك خبره، ورحمة الله معطوف على الضمير المستتر في عليك، وأنشده ثعلب في "أماليه" هكذا.
ألا يا نخلة من ذات عرق برود الظل شاعكم السلام
شاعكم: تبعكم، وعليه لا شاهد فيه - قال اللخمي: ونخلة: منادى منكر، وحكى الأعلم أن كل نكرة تؤنث، فلا تكون إلا منصوبة، وإن كانت مقصودة
[ ٦ / ١٠٢ ]
معينة، ونخلة عنده: منادى مقصود، ولكن لما نونها، نصبها، قال: وذات عرق، موضع بالحجاز، وسلم على النخلة، لأنه معهد أحبابه، وملعبه مع أترابه. لأن العرب تقيم المنازل مقام سكانها، فتسلم عليها، وتكثر من الحنين إليها قال الشاعر:
وكمثل الأحباب لو يعلم العا ذل عندي منازل الأحباب
ويحتمل أن يكون كنى عن محبوبته بالنخلة لئلا يشهرها، وخوفًا من أهلها وأقاربها، وعلى هذا اقتصر ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير" في باب الكناية قال: ومن نخوة العرب وغيرتهم كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء القرآن العظيم بذلك فقال ﷾: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ) [الصافات/ ٤٩] ومن مليح الكناية قول بعض العرب:
ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام
سألت الناس عنك فخبروني هنًا من ذاك تكرهه الكرام
وليس بما أحل الله بأس إذا هو لم يخالطه الحرام
فإن هذا الشاعر كنى عن المرأة بالنخلة، وبالهناة عن الرفث. انتهى. وقيل: صاحب الشعر الأحوص، والله أعلم.
وأنشد بعده:
كما الناس مجروم عليه وجارم
وصدره:
وننصر مولانا ونعلم أنه
وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والتسعين.
[ ٦ / ١٠٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٨) وقالوا نأت فاختر لها الصبر والبكا فقلت البكا أشفى إذن لغليلي
على أن الواو بمعنى "أو" للتخيير، وقال المصنف: ويحتمل أن الأصل: فاختر من الصبر والبكا، أي: أحدهما، ثم حذفت "من" ويؤيده أن أبا علي القالي رواه بمن. وأقول: رواه بمن أيضًا الشريف ضياء الدين هبة الله علي بن محمد بن حمزة الحسيني في حماسته، فإن البيت من قصيدة لكثير عزة، أورد منها الشريف خمسة أبيات في باب النسيب وهي:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول
فلا تعجلي يا مي أن تتثبتي بنصح أتى الواشون أم بحبول
وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا فقلت البكا أشفى إذن لغليلي
ولم أر من ليلى نوالًا أعده إلا إنما طالبت غير منيل
توليت محزونًا وقلت لصاحبي أقاتلتي ليلى بغير قتيل
والرسول هنا بمعنى الرسالة، وحبول: جمع حبل، بكسر الحاء المهملة وسكون الموحدة: الداهية والغائلة، ومنيل: اسم فاعل من أناله، أي: أعطاه نوالًا. وترجمة كثير تقدمت في الإنشاد التاسع عشر.
[ ٦ / ١٠٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الخمسمائة:
(٥٧٩) وصل واسكتن
هو قطعة من القصيدة الشاطبية، وهو:
ووصلك بين السورتين فصاحة وصل واسكتن كل جلاياه حصلا
قال أبو شامة: تبين فيه قراءة حمزة، ورمز له بقوله: فصاحة. وتبين قراءة ابن عامر وورش وأبي عمرو، ورمز لهم بقوله: كل جلاياه حصلا. وقد نقل الأهوازي عن حمزة أنه قال: إنما فعلت ذلك ليعرف القارئ كيف إعراب أواخر السور، أي: ووصلك بين السورتين بعد إسقاط البسملة يستلزم فصاحة، ثم بين غير قراءة حمزة ممن لم يبسمل، فقال: وصل واسكتن، وهذا على التخيير، وإلا فالجمع بينهما محال، أي: وصل إن شئت كما سبق لحمزة، واسكت على آخر السورة إن شئت، وبهذا التقدير دخل الكلام معنى التخيير، وإلا ليست موضوعه، وقيل إنها قد تأتي التخيير مجازًا، وجلايا: جمع جلية، مفعول حصل. والهاء ضمير التخيير، أي: كل من أهل الأداء استوضح التخيير، أو ضمير كل، أي: كل من القراء حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه. انتهى. وكذا قال محمد بن الحسين الفاسي، وقال الجعبري: والهاء للتخيير المفهوم من أو، وقال السمين: وقوله: وصل أو اسكتن، أي: أنت مخير وفي فهم التخيير من مجرد هذا التركيب قلق، فإن مجيء الواو للتخيير لم يثبت، وإنما اضطررنا إليه هنا، لأن الإتيان بالوصل والسكت في حين واحد محال. انتهى. وفهم من نصه على من لم يبسمل بين السورتين أن من عداهم من القراء يبسمل بينهما، وقد صرح به قبل هذا بقوله:
وبسمل بين السورتين بسنة رجال نموها دربة وتجملا
أخبر أن قالون والكسائي وعاصمًا وابن كثير بسلموا بين السورتين، ورمز لهم بالباء والراء والنون والدال في أوائل الكلمات الأربعة.
[ ٦ / ١٠٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٠) على الحكم المأتي يومًا إذا قضى قضيته أن لا يجور ويقصد
على أن الواو للاستئناف، قال سيبويه: ومما جاء منقطعًا قول الشاعر:
على الحكم المأتي البيت
كأنه قال: عليه غير الجور، ولكنه يقصد، أو هو يقصد، أو هو قاصد، فابتدأ ولم يحمل الكلام على "أن" كما تقول: عليه أن لا يجور، وينبغي له كذا وكذا، فالابتداء بهذا أسبق وأعرف، فمن ثم لا يكادون يحملونها على "أن". انتهى.
قال النحاس: سألت عنه أبا الحسن، فقال: ويقصد مقطوع من الأول، وهو في معنى الأمر، وإن كان مضارعًا كما تقول: يقوم زيد، فهو خبر، وفيه معنى الأمر. انتهى.
ومثله للأعلم قال: قطعه لأن المعنى: وينبغي له أن يقصد، ولم يحمله على أول الكلام، لأن فيه معنى الأمر، فكأنه قال: وليقصد في حكمه، ونظيره مما جاء على لفظ الخبر ومعناه الأمر، قوله تعالى: (والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) [البقرة/ ٢٣٣] أي: ليرضعن أولادهن، وينبغي لهن أن يرضعنهم. انتهى. ونقله الجوهري في "الصحاح" وإليه ذهب ابن جني في "المحتسب" وهذا
[ ٦ / ١٠٦ ]
توجيه لانقطاعه واستئنافه، وليس المراد أن "يقصد" كان منصوبًا بأن، فارتفع لما حذفت كما ذهب إليه الدماميني، وهو وإن كان جيدًا إلا أنه لا يحسن التخريج على حذف "أن"، فإنه غير مقيس.
وقال ابن الحاجب في "الإيضاح": العطف على "يجوز" غير مستقيم، لأن غرضه أن ينفي الجور، ويثبت القصد ليحصل المدح، وإذا أشرك بينه وبين الجور، دخل في النفي، فيصير نافيًا للجور ونافيًا للقصد، فلا يحصل مدح، بل يتناقض، فوجب أن يحمل على أنه مستأنف، ليكون مثبتًا، فيكون الجور منفيًا، والقصد مثبتًا، فيحصل المقصود، ويرتفع الناقض. انتهى.
وقوله: على الحكم، خبر مقدم، وأن لا يجور: مبتدأ مؤخر، والمعنى: يجب على حاكم بين الناس يؤتى لفصل الخصومات أن لا يجور في حكمه إذا قضى قضيته وحكم حكمه، وهو يقصد ويعدل في قضاياه، وهذا منه إرشاد للحكام إلى العدل في الحكم، وحث على النصفة. والحكم، بفتحتين: وصف من حكم زيد بين القوم، فهو حاكم، وحكم، بفتحتين، والحكم، بالضم: القضاء، وأصله المنع، يقال: حكمت عليه: إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك. والمأتي: اسم مفعول من أتيته يكون متعديًا بنفسه، ويتعدى تارة بإلى، فلا حاجة إلى قول ابن الملا: هو على الحذف والإيصال، وقضى: حكم، القضية فعيلة بمعنى مفعولة، وجار في حكمه: إذا عدل عن الحق، والقصد: العدل. يقال: قصد في الأمر من باب ضرب: إذا توسط، وطلب الأسد، ولم يجاوز الحد: وروي:
على الحكم المأتي حق إذا قضى
فحق مبتدأ، وما قبله خبره.
والبيت من قصيدة عدتها تسعة عشر بيتًا لأبي اللحام التغلبي، أوردها أبو عمرو الشيباني في "أشعار تغلب" له، وانتخبها أبو تمام، فأورد منها خمسة أبيات في "مختار أشعار القبائل" وهذا أولها:
[ ٦ / ١٠٧ ]
عمرت وأطولت التفكر خاليًا وساءلت حتى كاد عمري ينفد
فأضحت أمور الناس يغشين عالمًا بما يتقى منها وما يتعمد
جدير بأن لا أستكين ولا أرى إذا الأمر ولى مدبرًا أتبلد
على الحكم المأتي .. .. البيت
وعمرت: عشت عمرًا طويلًا، من باب فرح، والمصدر العمر، بفتح العين وضمها مع سكون الميم فيهما، وساءلت: فاعلت من السؤال، أي: أكثرت من السؤال، وينفد: بالدال المهملة: يفنى، ويغشين: يأتين، وأراد بالعالم: نفسه، والفعلان بعده يجوز أن يكونا بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، ويتعمد: يقصد، وجدير: خبر مبتدأ محذوف، أي: أنا جدير بأن لا أستكين، أي: لا أخضع ولا أذل، وأرى بالبناء للمفعول، وروي المصراع الثاني:
إذا حل أمر ساحتي أتبلد
أي: أتحير كالبليد.
وأبو اللحام: شاعر لص وهو جاهلي، واسمه حريث، بالتصغير، واللحام بفتح اللام وتشديد الحاء المهملة، وقد بسطنا ترجمته في الإنشاد التاسع والستين بعد الستمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨١) بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سلت
على أن الواو دخلت على الجملة الفعلية الحالية. قال ابن رشيق في باب "ما أشكل من المدح والهجاء "من العمدة" قال سليمان بن قتة في رثاء الحسين بن علي، ﵄، وذكر آل الرسول، ﷺ، ويروى للفرزدق:
[ ٦ / ١٠٨ ]
أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سلت
قال قوم: [أراد]: لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ولم تجن علي، أي: إلا بعد أن جنيت علي، وقال آخرون: [أراد] لم يسلوا سيوفهم إلا و[قد] كثرت بها الفتلى كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك، أي: إلا وقد أحسنت إليك، والقولان جميعًا صحيحان: لأنه من الأضداد. انتهى. يعني أن "شام" من الأضداد، يقال: شام سيفه، إذا سله، وشام سيفه: إذا غمده، وعلى المعنيين. جملة "قد" و"لم تكثر القتلى": حال من الواو، في يشيموا كما قرره ابن رشيق، ومثله، في وقوع الجملة حالية باعتبار كل من المعنيين، ما أنشده ابن السكيت في كتاب "أبيات المعاني" وأروده غفلًا:
كماة حماة لم يشيموا سيوفهم ولم يخضبوها من دم متصبب
ولكن اقتصر ابن السكيت على معنى الإغماد، فقال: معناه لم يغمدوا سيوفهم حتى خضبوها، وكذا اقتصر الأخفش المجاشعي في كتاب "المعاياة" على معنى الإغماد في البيت الشاهد، ورواه هكذا:
أسود ضراء ما تشام سيوفهم ولم تكثر القتلى إذا هي سلت
أراد: ما تشام سيوفهم إذا هي سلت، ولم تكثر القتلى، ولكنها تشام وقد كثرت القتلى. انتهى.
وتبعه المبرد، فقال: قال الفرزدق:
بأيدي رجال لم يشيموا .. .. البيت
وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويل لم يشيموا: لم يغموا، ولم تكثر القتلى، أي: لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى حين سلت.
وتبعه ابن الأنباري أيضًا فقال في كتاب "الأضداد": و"شمت" حرف من
[ ٦ / ١٠٩ ]
الأضداد، يقال: شمت السيف: إذا أغمدته، و[شمته أيضًا: إذا أخرجته من غمده]، قال الفرزدق:
بأيدي رجال لم يشيموا .. .. البيت.
أراد: لم يغمدوا سيوفهم حتى كثرت القتلى، وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء، قال: يقال: أغمدت السيف وغمدته، وقال في المعنى الآخر:
إذا هي شيمت فالقوائم تحتها وإن لم تشم يومًا عليها القوائم
أراد بشميت: سلت، وأخرجت من أغمادها، لأن السيف إذا أغمد كان قائمة فوقه، وإذا سل كان قائمه تحته. انتهى.
وقبل البيت الشاهد:
ألا إن قتلى الطف من آل هاشم أذلت رقاب المسلمين فذلت
مررت على أبيات آل محمد فلم أرها أمثالها قد تجلت
وكانوا سرورًا ثم عادوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
ألم تر أن الأرض أضحت حزينة لفقد حسن والبلاد اقشعرت
أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم .. البيت
والطف، بفتح الطاء وتشديد الفاء. قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": هو موضع بناحية العراق من أرض الكوفة، والصحيح أن على فرسخين من البصرة، وهناك الموضع المعروف بكربلاء الذي قتل فيها الحسين بن علي ﵄، قال ابن رمح الخزاعي يذكر مقتله:
وإن قتيل الطف من آل هاشم البيت
والطف كان قصر أنس بن مالك، وفيه مات سنة ثلاث وأربعين وهو إلى مائة عام وثلاثة أعوام. انتهى. وهذا غلط منه في التصحيح، فإن الطف: موضع بناحية
[ ٦ / ١١٠ ]
الكوفة، وكربلاء منه، وفيه قتل الحسين بن علي، قال الصاغاني: والطف: موضع بناحية الكوفة، وقال ابن دريد: الطف: ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، وقال الأصمعي: إنما سمي طفًا، لأنه دنا من الريف، من قولهم: أخذت من متاعي ما خف وطف، أي: قرب مني، قال أبو دهبل الجمحي:
ألا إن قتلى الطف من آل هاشم .. البيت
وقال أيضًا:
تبيت السكارى من أمية نومًا وبالطف قتلى ما ينام جميعها
انتهى. وكذا قال غيره، وقد راجعت ديوان أبي دهبل، فلم أجد هذا الشعر فيه، والصحيح أنه لسليمان بن قتة، بفتح القاف وتشديد المثناة الفوقية، قال الصاغاني: قتة اسم أم سليمان بن قتة من التابعين، ولم أقف على اسم أبيه. انتهى.
واقشعرت البلاد: أمحلت وأجدبت، وقوله: فلم أرها أمثالها: بدل من ها، تجلت: خلت من سكانها، من الجلاء، بالفتح والمد، وهو تفرق القوم من منازلهم، وقوله:
أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم
روى مصراعه الثاني كذا:
ولم تنك في أعدائها حين سلت
وتنك: من النكاية، وهو مساو في المعنى للفظ الأول، وأولئك: لآل محمد، ﷺ.
وقال ابن حجر في "تعجيل المنفعة في رجال الأربعة": سليمان بن قتة التيمي مولاهم البصري أخذ عن ابن عمر وابن عباس، ومعاوية، وأبي سعيد، وقال ابن خلفون في الثقات يكني أبا رزين، وكان أخذ القراءة عرضًا عن ابن عباس، فيقال: إنه عرض عليه ثلاث عرضات، قال: وكان شاعرًا وهو القائل:
[ ٦ / ١١١ ]
وقد يحرم الله الفتى وهو عاقل ويعطي الفتى مالًا وليس له عقل
وثقة ابن معين، وقال ابن المديني: قتة أمه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان شاعرًا. انتهى.
وأنشد بعده:
ولبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف
وتقدم شرحه في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٢) لا تنه عن خلق وتأتي مثله
على أن تأتي منصوب بأن مضمرة بعد واو العطف، قال سيبويه: واعلم أن الواو، وإن جرت هذا المجرى، فإن معناها ومعنى الفاء مختلفان، ألا ترى الأخطل قال:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
فلو دخلت الفاء هنا، لأفسدت المعنى، وإنما أراد لا تجمعن النهي، والإتيان، فصار "تأتي" على إضمار أن. انتهى.
ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: وأنت تأتي، وعار خبر مبتدأ
[ ٦ / ١١٢ ]
محذوف، أي: هو عار، وعظيم صفته، والجملة دليل جواب إذا، ومعنى البيت من قوله ﷾: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة/ ٤٤] والبيت وجد في عدة قصائد، ومن ثم اختلف في قائله، فسيبويه نسبه إلى الأخطل، ولم أره في شعره، ونسبه أبو عبيد القاسم ابن سلام في "أمثاله" والأمدي في "المؤتلف والمختلف" والأصبهاني في "الأغاني" إلى المتوكل بن عبد الله الليثي الكناني، وكذلك الزمخشري نسبه إليه في أمثاله، وأنشد قبله هذين البيتين:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيرها إذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تعدل إن وعظت ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم
والمتوكل الليثي من شعراء الإسلام. وهو من أهل الكوفة، ومدح معاوية وابنه يزيد، وقال اللخمي في شرح أبيات "الجمل": الصحيح أنه لأبي الأسود الدؤلي، فإن صح ما ذكره أنه للمتوكل، فإنما أخذ البيت من شعر أبي الأسود، والشعراء كثيرًا ما تفعل ذلك. وأولها:
حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبغيًا: إنه لدميم
وهي طويلة أوردناها في الشاهد الواحد والسبعين بعد الستمائة من شواهد الرضي وترجمة أبي الأسود تقدمت في الإنشاد السابع والعشرين بعد الثلاثمائة.
[ ٦ / ١١٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٣) وليل كموج البحر أرخى سدوله
[تمامه:
علي بأنواع الهموم ليبتلي]
على أن ليلًا مجرور برب المضمرة بعد الواو، وكذا قال غيره من شراح الألفية، وإنما هو معطوف على مجرور "رب" في بيت قبله وهو:
ألا رب خصم فيك ألوى رددته نصيح على تعذاله غير مؤتلي
والألوى: الشديد الخصومة، كأنه يلتوي على خصمه بالحجج، والتعذال، بالفتح: العذل، والمؤتلي: المقصر، أي: غير تارك نصحي بجهده. ورددته: لم أقبل نصحه وهو جواب رب.
وقوله: وليل، معطوف على خصم، والجواب محذوف تقديره: سهرته، يقال: سهر الليل أو بعضه: إذا لم ينم فيه، وقوله: كموج البحر، أي: في كثافة ظلمته وهوله، وسدوله: ستوره، واحده: سدل، بفتح فسكون، وسدل ثوبه: إذا أرخاه، وقوله: ليبتلي، أي: ليمتحن ما عندي أأجزع أم أصبر، والبيتان من معلقة امرئ القيس وبعدهما:
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل
وهذان البيتان الأخيران تقدم شرحهما في الإنشاد الرابع والخمسين بعد الثلاثمائة.
[ ٦ / ١١٤ ]
وقوله: فقلت له لما تمطى بصلبه. وروى الأسمعي: بجوزه، بفتح الجيم، ومعناه لما تمدد، بوسطه، وقوله: وأردف أعجازًا، قال الأصمعي: معناه حين رجوت أن يكون قد مضى أردف أعجازًا، أي: رجع، وناء بكلكل، أي: تهيأ لينهض، والكلكل: الصدر، وقال بعضهم: معنى البيت: ناء بكلكله، وتمطى بصلبه، وأردف أعجازًا، فقدم وأخر، وقوله: بأمثل، أي: بأفضل، قال ابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير" استعار لظلمة الليل السدول المرخاة، لما بين المستعار والمستعار له منا اجتماعهما في منع الأبصار من الإبصار، وفائدة الاستعارة نقل الأخفى إلى الأظهر، لأن السدول تدرك بحاستي البصر واللمس، والظلمة تدرك بإحداهما دون الأخرى، ثم تمم بكونه جعل السدول مرخاة، لأن ذكرها بدون هذا القيد لا يوفي بالمعنى الذي قصده من منع رؤيته ما وراءها، لاحتمال أن تكون مرفوعة، وكذلك قصد بقوله: لما تمطى بصلبه، فإنه أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبًا يتمطى به، إذا كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيئًا، وبالغ في طوله بأن جعل له أعجازًا يردف بعضها بعضها، فهو كلما نفد عجز ردفه عجز فلا تفنى أعجازه، ولا تنتهي إلى طرف، كما قيل في قوله تعالى: (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) [النبأ/ ٢٣] قال قتادة: أحقابًا: لا انقطاع لها كلما مضى حقب جاء حقب بعده، ثم أراد أن يصف الليل بعد نهاية الطول بالثقل على قلب ساهره، والضغط لمكابده، فاستعار له كلكلًا ينوء به ولأجل هذه المعاني كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة. انتهى.
وللنابغة الذبياني أبيات في طول الليل، وقد وقع البحث فيها مع أبيات امرئ القيس في أن أيهما أفضل، وقد ذكرنا التفصيل بينهما في الشاهد السابع والثلاثين بعد المائة من شواهد الرضي.
[ ٦ / ١١٥ ]
وأنشد بعده:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
وتقدم شرحه قريبًا في الثامن والخمسين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٤) ووالله لولا تمره ما حببته
على أن الواو الأولى للعطف، والثانية للقسم، وروي: "وأقسم لولا تمره" فلا شاهد فيه، وعلى كل الروايتين معطوف على أحب أول الشعر وهو هذا:
أحب أبا مروان من أجل تمره وأعلم أن الرفق بالمرء أرفق
ووالله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عبيد ومشرق
وفيه إقواء. ورواه المبرد في "الكامل" هكذا:
وأقسم لولا تمره ما حببته وكان عياض منه أدنى ومشرق
فلا إقواء، قال الجوهري: يقال أحبه فهو محب، وحبه يحبه، بالكسر، فهو محبوب، وأنشد البيتين، وقال: هذا شاذ، لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل، بالكسر، إلا ويشركه يفعل، بالضم، إذا كان متعديًا ما خلا هذا الحرف. انتهى.
قال المبرد في "الكامل"، وكل شيء كان على فعلت من المدغم، فمضارعه إذا كان متعديًا إلى مفعول يكون على يفعل، نحو: رده يرده، وشجه يشجه، وفره يفره. فإذا قلت: فر يفر، فإنما ذلك لأنه غير متعد إلى مفعول، ولكن تقول: فررت الدابة أفره، وجاء فعل يفعل من المتعدي في ثلاثة
[ ٦ / ١١٦ ]
أحرف يقال: عله يعله ويعله، وهره يهره ويهره: إذا كرهه، ويقال: أحبه يحبه، وجاء حبه يحبه، ولا يكون فيه يفعل. قال الشاعر:
لعمرك إنني وطلاب مصر لكالمزداد مما حب بعدا
وقال آخر:
وأقسم لولا تمره ما حببته البيت.
وقرأ أبو رجاء العطاردي (فاتبعوني يحبكم الله) [آل عمران/ ٣١] ففعل في هذا شيئين؛ أحدهما: أنه جاء به من حببت، والآخر: أنه أدغم في موضع الجزم، وهو مذهب تميم وقيس وأسد. انتهى كلامه.
وقال ابن السيد البطليوسي فيما كتبه عليه، قوله هز يهز قد جاء غير هذا الذي ذكره وهو: شده يشده ويشده، ونم الحديث ينمه وينمه، حكاهما الفراء، وزاد غيره: بت الشيء يبته ويبته إذا قطعه. وقول الشاعر:
وأقسم لولا تمره ما حببته
هذا البيت أنشده الكسائي في "الألفاظ".
ووالله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عبيد ومشرق
وأنشد قبله متصلًا به:
أحب أبا مروان من أجل تمره وأعلم أن الجار بالجار أرفق
وفي "الزاهر" لابن الأنباري: قال الكسائي والفراء: حببته وأحببته، وأنشد:
أحب أبا العصماء من حب تمره وأعلم أن الرفق بالعبد أرفق
ووالله لولا تمره ما حببته وما كان أدنى من حبيب ومشرق
[ ٦ / ١١٧ ]
وقال اليزيدي في "نوادره": أنشدنا أبو جعفر، قال: أنشدني أبو توبة في قول العرب: حببت الرجل فأنا أحبه ومحبوب من هذا، وأحببته فهو محب:
أحب أبا الغضبان من حب تمره وأعلم أن الرفق بالجار أوفق
فوالله لولا تمره ما حببته ولو كان أدنى من عبيد ومشرق
انتهى. وفي هذه الرواية لا شاهد فيه، و"لو" فيه وصلية، وأحب بفتح الألف وكسر الحاء، وأوفق: بالواو. وفي "أمثال الميداني": "صنعة من طب لمن حب"، أي: اصنع هذا الأمر لي صنعة من طب لمن حب، أي: صنعة حاذق لإنسان يحبه. يضرب في التنوق في الحاجة، واحتمال التعب فيها، وإنما قال حب لمزاوجة طب، وإلا فالكلام: أحب، وقال بعضهم: حببته وأحببته لغتان، وأنشد:
ووالله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عبيد ومشرق
وهذا إن صح شاذ نادر.
وقال ابن بري في أماليه على "صحاح الجوهري": هذان البيتان لعيلان بن شجاع النهشلي، وكان أبو العباس المبرد يرويه:
وكان عياض منه أدنى ومشرق
فعلى هذه الرواية لا يكون فيه إقواء. انتهى.
وعيلان، بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية، وعبيد بالتصغير، ومشرق: اسم فاعل من الإشراق، وهما ابنا الشاعر، وما أكثر اختلاف الروايات في كلمات هذين البيتين.
[ ٦ / ١١٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٥) فما بال من أسعى لأجبر عظمه حفاظًا وينوي من سفاهته كسري
على أن الواو زائدة، لأن جملة "ينوي" حال من "من"، والجملة المضارعة المثبتة أو المنفية بلا إذا وقعت حالًا، استغنت بالضمير عن الواو، كقوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [البقرة/ ١٥]، وكقوله تعالى: (ومَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ) [المائدة/ ٨٤] وإنما قال: زيادة الواو ظاهرة، ولم يجزم بزيادتها، لأنه يمكن جعلها واو الحال، قال ابن مالك في "شرح العمدة": فإن كانت الجملة مصدرة بمضارع مثبت أو منفي بلا استغنت عن الضمير في غير ندور، ونبهت بقولي: "في غير ندور" على نحو قول بعض العرب: قمت وأصك عينه، ومن حذاق النحويين من يضمر مبتدأ بعد الواو، ويجعل المضارع خبره، فيكون التقدير: قمت وأنا أصك عينه. انتهى. وكذلك هنا يكون التقدير: وهو ينوي.
قال شيخنا الشهاب الخفاجي في أماليه "طراز المجالس": البال بمعنى القلب، وله معان أخرى كالحال والشأن، يقولون: ما باله لا يفعل كذا، وقد التزم بعده ذكر حال يفسره غالبًا، وقد يأتي بدونها. كقوله تعالى في سورة طه: (فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى) [الآية/ ٥١]، وقد تتبعت استعمال هذه الحال في كلام العرب، ولم أر من سبقني له، فرأيتهم يستعملونها على نجوه شتى، منها أنها ماضوية مقرونة بقد كقول العامري:
ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا من حب من لا ترى في نيله طمعا
[ ٦ / ١١٩ ]
وماضوية بدون "قد" كقوله:
ما بال قلبي هده الشوق والهوى وهذا قميصي من جوى الحزن باليا
ومضارعية مثبتة كقول أبي العتاهية:
ما بال دينك ترضى أن تدنسه وثوب دنياك نغسول من الدنس
ومنفية، كما أنشده ابن الأعرابي:
وقائلة ما باله لا يزورنا
وتكون مفردة كقول العامري:
فما بال النجوم معلقات بقلب الصب ليس لها براح
وتكون اسمية غير مقترنة بواو كقوله:
ما بال عينيك منها الماء ينسكب
وبالواو كقول الزمخشري في سورة آل عمران: (ما باله وهو آمن). وقال التفتازاني في شرح قوله: وهو آمن: حال عامله ما في بال من معنى الفعل، ولم نجد في الاستعمال هذه الحال بالواو قال:
ما بال عينيك منها الماء ينسكب
[ ٦ / ١٢٠ ]
انتهى. أقول: قد اقترنت بالواو في غير الاسمية كثيرًا كبيت "الكتاب":
ما بال جهلك بعد الحلم والدين وقد علاك مشيب حين لا حين
ومثله لا يثبت بالرأي من غير داع له، والاسمية أولى بذلك من غيرها عند الزمخشري، والجملة المضارعية لا تقترن بالواو في "الفصيح" مع أنها سمعت كذلك أيضًا [كقول كنانة بن عبد ياليل]:
بما بال من أسعى لأجبر عظمه .. البيت
فهو إما مؤول، أو مختص بهذا المحل، فاحفظه. هذا آخر كلام شيخنا.
والبيت أول أبيات أوردها أبو العباس ثعلب في أول الجزء الرابع من "أماليه" قال: زعم عثمان بن حفص الثقفي أن خلفًا الأحمر أخبره أن هذا الشعر لابن الذئبة الثقفي عن مروان بن حفصة:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه حفاظًا وينوي من سفاهته كسري
أعود على ذي الذنب والجهل منهم بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري
أناة وحلمًا وانتظارًا بهم غدًا فما أنا بالفاني ولا الضرع الغمر
أظن صروف الدهر والجهل منهم سيحملهم مني على مركب وعر
ألم تعلموا أني تخاف عرامتي وأن قناتي لا تلين على القسر
وإني وإياهم كمن نبه القطا ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري
ورواها القالي كذا في "أماليه" عن ثعلب بهذا الإسناد، ورواها ابن قتيبة في
[ ٦ / ١٢١ ]
كتاب "الشعراء" للأجرد، بالجيم، قال: الأجرد هو من ثقيف، ووفد على عبد الملك في قوم من الشعراء فقال له: ما من شاعر إلا وقد سبق إلينا من شعره قبل رؤيته، فما قلت؟ قال: أنا القائل:
من كان ذا عضد يدرك ظلامته إن الدليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قل ناصره ويمنع الضيم إن أثرى له عدد
وهو القائل:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه .. الأبيات الخمسة
ونسبه الآمدي في "المؤتلف والمختلف" لوعلة الجرمي، قال: ومنهم وعلة بن الحارث الجرمي، لم يرفع نسبه في كتاب جرم، وجدت له في كتاب جرم، وهو شاعر جاهلي:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه حفاظًا ويبغي من سفاهته كسري
وهي الأبيات المشهورة. انتهى.
أقول: قال المرزباني: هذا الشعر لوعلة بن الحارث الجرمي، جاهلي وله في يوم الكلاب أشعار منها هذا، وذكر نحوه في "الوحشيات" وسماه هشام في "الجمهرة": وعلة بن عبد الله بن الحارث بن بلع بن هبيرة بن سيلة بن الهون، قال: وكان فارسًا، وهو قاتل الحارث بن عبد المدان. انتهى.
وقال أبو تمام في أول "أشعار مختار القبائل": هي لكنانة بن عبد يا ليل الثقفي.
قال صاحب "الحماسة البصرية": هي للحارث بن وعلة الشيباني جاهلي، وقيل:
[ ٦ / ١٢٢ ]
هي لابن الذئبة، وقيل: هي لكنانة بن عبد ياليل، وقيل: وعلة بن الحارث الثقفي، وكان عبد الملك بن مروان يتمثل بها عند جلوسه للمظالم، انتهى.
وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "أمالي القالي" ابن الذئبة: هو ربيعة بن عبد ياليل بن سالم بن مالك بن خطيط بن جشم بن قيس وهو ثقفي، وأمه تسمى الذئبة، غلبت عليه، وهو شاعر فارس جاهلي، وتمام الشعر:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت فدل عليها صوتها حية البحر
انتهى. وقد أورد هذه الأبيات المبرد في "الكامل" غير منسوبة قال: كتب صاحب اليمن إلى عبد الملك في وقت محاربته ابن الأشعث: إني قد وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتها بمال عظيم، ولم ير مثلها قط، فلما دخل بها عليه، رأى وجهًا جميلًا، وخلقًا نبيلًا، فألقى إليها قضيبًا كان في يده، فنكست لتأخذه، فرأى منها جسمًا بهره، فلما هم بها، أعلمه الآذن أن رسول الحجاج بالباب، فأذن له، ونحى الجارية، فأعطاه كتابًا من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فيه سطور أربعة:
سائل مجاور جرم هل جنيت لهم حربًا تزيل بين الجيرة الخلط
وهل سموت بجرار له لجب جم الصواهل بين الجم والفرط
وهل تركت نساء الحي ضاحية في ساحة الدار يستوقدن بالغبط
وتحته:
قتل الملوك وسار تحت لوائه شجر العرى وعراعر الأقوام
[ ٦ / ١٢٣ ]
فكت إليه عبد الملك كتابًا، وجعل في طيه جوابًا لابن الأشعث:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه حفاظًا وينوي من سفاهته كسري
الأبيات، ثم بات يقلب كف الجارية، ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك، فتقول: فما بالك؟ وما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما قاله الأخطل، لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت بأطهار
فما إليك من سبيل، أو يحكم الله بيننا وبين عدو الله عبد الرحمن بن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن.
وقوله: بين الجم والفرط: موضعان، وقوله: يستوقدن بالغبط، يقال فيه قولان متقاربان، أحدهما: أنهن قد يئسن من الرحيل، فجعلن مراكبهن حطبًا، هذا قول الأصمعي، وقال غيره: بل قد منعهن الخوف من الاحتطاب، والغبيط: من مراكب النساء. وقوله: شجر العرى: نبت بعينه إن ضم العين، والعراء ممدود: وجه الأرض.
وقوله: "دون النساء ولو باتت بأطهار" معناه: أنه يجتنبها في طهرها، وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه. انتهى باختصار.
قال أبو الحسن الأخفش فيما كتبه عليه: العرى: بضم العين: ضرب من الشجر، وقال بعضهم: هو الطرفاء. انتهى. ورأيت في هامش نسختي كتابة بخط الإمام مغلطاي الحافظ كتب على قوله:
سائل مجاور جرم هل جنيت لهم الأبيات.
هذا لوعلة الجرمي، وسببه فيما ذكر أبو الحسن الأثرم: أن قومًا قتلوا أخاه
[ ٦ / ١٢٤ ]
لأمه، فاستعان عليهم بخلفاء بني نمير، فقتل بهم قومه، وكان أخوه نميريًا. وكتب عند قوله:
قتل الملوك وسار تحت لوائه
هذا البيت أنشده أبو زيد لمهلهل في "كتاب الشجر" وزعم أنه يقال: العروة من الشجر: بقية العضاه والحمض في الجدب، وجماعها العرى، ولا يقال لشيء من الشجر عرى إلا لهما، غير أنه قد يشتق لكل ما بقي من الشجر في الصيف، فيقال له: عروة. انتهى.
والقائل فيه مهلهل "قتل الملوك" هو رجل اسمه شرحبيل، من بني تغلب، وزعم البكري في "اللآليء": أنه يروى لشرحبيل بن مالك، أحد بني عصم، قال: ويروى البيت لعمرو بن الأيهم التغلبي. وكتب عند عراعر الأقوام في كتاب "ليس": عراعر القوم: سادتهم، بفتح العين، غير مصروف، وكل فعالل جمعه فعالل، وكتب عند قوله: ما بال من أسعى الأبيات: أنشد القالي هذا الشعر لابن الذئبة الثقفي، وتبعه أبو عبيد البكري وكتب عند قوله: قوم إذا حاربوا .. البيت؛ أصل هذا من قول الحطيئة:
إذا هم بالأعداء لم يثن همه كعاب عليها لؤلؤ وشنوف
ومثله قول كثير:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همه حصان عليها عقد در يزينها
وتقدم نقل هذا عند شرح بيت الأخطل.
[ ٦ / ١٢٥ ]
رجعنا إلى البيت الشاهد، قوله: ما بال من أسعى .. إلخ، كذا في جميع الروايات بلا واو، ولا فاء، على الخرم، وما: مبتدأ، وبال: خبر، وقيل بالعكس، والجبر: شد العظم المكسور ومداواته، وحفاظًا: مفعول لأجله، علل بن أسعى، وهو مصدر حافظ على الشيء لدينه وأمانته، ويمينه. وقوله: بحلمي: متعلق بأعود، وقوله: أناة وانتظارًا: كل منهما مفعول مطلق عامله محذوف، والفاني: الشيخ العاجز، وروي بدله "بالواني" من وني ونيًا، من باب تعب ووعد: ضعف وفتر، والضرع، بفتحتين: الصغير السن الضعيف، وككتف: الضعيف، والغمر، بالضم: من لم يجرب الأمور، وصروف الدهر: حوادثه، والجهل: الخفة، والوعر، بفتح فسكون: المتوعر: الخشن الصعب.
وقوله: "ألم تعلموا أني تخاف" بالبناء للمفعول، والعرامة، بضم العين المهملة: شراسة الأخلاق وحدتها، عرم كنصر وضرب وكرم وعلم عرامة وعرامًا، بالضم، واستعار القناة للحال، والقسر، بالقاف: القهر.
وقوله: "كأني وإياهم كمن نبه القطا" إلى آخره، هو من المثل المشهور: "لو ترك القطا ليلًا لنام".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٦) ولقد رمقتك في المجالس كلها فإذا وأنت تعين من يبغيني
على أن الواو زائدة، وزيادتها هنا متحتمة، لأن إذا الفجائية لا تدخل إلا على جملة إسمية يكون مبتدؤها مجردًا من حرف العطف، وهو من أبيات ستة لأبي العيال
[ ٦ / ١٢٦ ]
الهذلي أوردها السكري في "أشعار الهذليين" وهي:
إن البلاء لدى المقاوس مخرج ما كان من غيب ورجم ظنون
البلاء: الامتحان والاختبار، والمقاويس: جمع مقوس، بكسر الميم، وهو الموضع الذي تدفع منه الخيل عند الحبل، قاله السكري، وقوله: "ورجم ظنون" يريد ما كان من أمر خفي، وأمر يرجم فيه بالظن.
فإذا الجواد ونى وأخلف منسرًا ضمرًا فلا توقن له بيقين
المنسر: بكسر الميم وسكون النون، قال السكري: ونى: ضعف، وقصر في الجري، وأخلف المنسر: إذا سبقه المنسر، وجاء وهو خلف، فلا توقن له بخير، لأنه فرس سوء، وأخلف منسرًا، أي: جاء من بعده، والمنسر: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وروي "ميسرًا" بفتح الميم وسكون المثناة التحتية وكسر السين، وروى الباهلي: "وأخلف ميسرًا" وقال لي: هو ما تيسر له من الجري ضمرًا، أي: ما ضمر، فلا توقن له بخير، يقال: خذ ميسر فرسك.
لو كان عندك ما تقول جعلتني كنزًا لريب الدهر عند ضنين
قال السكري: يقول: لجعلتني بمنزلة الكنز عند هذا الضنين، لأن الضنين أحرى بأن يصون كنزه، والريب: الحوادث.
فلقد بلوتك في المجالس كلها فإذا وأنت تعين من يبغيني
قال السكري: يريد أنت، والواو مقحمة. انتهى. وبلوتك: اختبرتك، ويبغيني: يطلبني بسوء، يقال: بغيته أبغيه بغيًا، أي: طلبته، أو من بغى عليه بغيًا: إذا ظلمه واعتدى عليه، فيكون من باب الحذف والإيصال.
[ ٦ / ١٢٧ ]
هلا درأت الخصم حين رأيتهم جنفًا علي بألسن وعيون
قال السكري: أي: دفعت الخصم، والجنف: الجائر المائل، وهو مصدر. انتهى. والخصم لكونه في الأصل مصدرًا يطلق على الواحد والجمع، والمراد هنا الثاني قوله: رأيتهم، والجنف، بفتح الجيم والنون.
وزجرت عني كل أبلخ كاشح ترع المقالة شامخ العرنين
الأبلخ بالخاء المعجمة، وترع، بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء: وصف من الترع بفتحتين وهو الإسراع إلى المشي، وفعله من باب فرح، قال السكري: الأبلخ: المتكبر، والكاشح: العدو الباطن العداوة، وترع المقالة: العجل بالقول من الغضب. انتهى.
وهذه الأبيات أجاب بها ابن عمه بدر بن عامر الهذلي، قال السكري: قال أبو محمد: أصيب ابن الأخ لأبي العيال، وهو ابن أبي عثير أحد بني خماعة، وكان ممن خرج إلى مصر في خلافة الإمام عمر بن الخطاب ﵁، وكان فيه بعض الرهق، والرهق، بفتحتين: ركوب الشر والظلم، وغشيان المحارم؛ فاتهم ابن أبي عثير ابن عمر له يقال له: بدر بن عامر، أن ميله مع خصمائه، فبلغ ذلك بدرًا، فقال في ذلك بدر بعد أبيات:
وأبو العيال أخي فمن يعرض له منكم بسوء يؤذني ويسوني
إني وجدت أبا العيال وعزه كالحصن لز بجندل موضون
أعيا المجانيق الدواهي دونه فتركنه وأبر بالتحصين
[ ٦ / ١٢٨ ]
قال السكري: أبر: غلب، يقول: هذا الحصن أعيا المجانيق. الدواهي: المنكرات، وأبر الحصن، أي: غلب بأن حصن حتى امتنع.
وإذا عددت أولي الثقات فإنه مما تصول به إلى يميني
قال السكري: معنى إلي: عندي. انتهى.
وبدر بن عامر الهذلي أورده ابن حجر في المخضرمين من "الإصابة" قال: ذكر أبو الفرج الأصبهاني: أنه شاعر مخضرم أسلم في عهد عمر، ونزل هو وابن عمه مصر وأورد له أشعارًا. انتهى. وقال أيضًا: أبو العيال ابن أبي عتبة الهذلي من خماعة بن سعد بن هذيل، وهو أخو عبد بن وهرة الهذلي لأمه، ذكره ابن عساكر، فقال: مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم في خلافة عمر، فدخل مصر ثم عمر إلى خلافة معاوية، وغزا مع يزيد بن معاوية الروم، وكتب إلى معاوية قصيدة قالها في تلك الواقعة. انتهى. وخماعة بضم الخاء المعجمة بعدها ميم، وبعد الألف عين مهملة.
[ ٦ / ١٢٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٧) شربت بها والديك يدعو صباحه إذا ما بنوا نعش دنوا فتصوبوا
على أنه استعمل الواو في غير ضمير العقلاء، قال سيبويه: وأما (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء/ ٣٣] و(رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف/ ٤] و(يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) [النمل/ ١٨٤] فزعم أنه جعلهم بمنزلة من يعقل ويسمع لما ذكرهم بالسجود، وصار النمل بتلك المنزلة حين حدث عنه كما يحدث عن الأناسي، وكذلك (فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء/ ٣٣] لأنها جعلت في طاعتها، وفي أنه لا ينبغي لأحد أن يقول: مطرنا بنوء كذا، فلا ينبغي لأحد أن يعبد شيئًا منها بمنزلة ما يعقل من المخلوقين، ويبصر الأمور. قال النابغة الجعدي:
شربت بها والديك يدعو البيت
فجاز هذا حيث صارت هذه الأشياء عندهم تؤمر وتطيع، وتفهم الكلام، وتعبد، بمنزلة الآدميين. انتهى.
قال ابن خلف: الشاهد أنه جمع "ابنًا" من غير ما يعقل، جمع العقلاء المذكرين، فقال: بنو، وكان ينبغي أن يقول: بنات نعش، واحدها ابن نعش، لأن ما لا يعقل من المذكر والمؤنث يجمع جمع السلامة والتكسير: حكمام وحمامات، وحمل بنو نعش على ما يعقل لما كان دورها على مقدار لا يتغير، فكأنها تقدر ذلك
[ ٦ / ١٣٠ ]
الدور وتعقله، فجاز هذا حيث صارت هذه الأشياء عندهم تؤمر وتطيع وتفهم الكلام، وتعبد بمنزلة الآدميين. وقال: دنوا فتصوبوا، وكان ينبغي أن يقول: دنون فتصوبن.
والبيت من قصيدة عدتها ستة وثلاثون بيتًا للنابغة الجعدي، وقبله:
وصهباء لا تخفي القذى وهي دونه تصفق في راووقها ثم تعطب
أي: رب صهباء لا تخفي القذى، أي: لا تستره إذا وقع فيها، لأنها صافية، فالقذى يرى فيها إذا وقع، وقوله: وهو دونه. يريد أن القذى إذا حصل في أسفل الإناء رآه الرائي في الموضع الذي هو فيه، والخمر أقرب إلى الرائي من القذى، وهي فيما بين الرائي، وبين القذى، يريد: أنها يرى ما وراءها، وتصفق: تدار من إناء إلى إناء، وتقطب: تمزج. وروي أيضًا:
وصهباء مثل المسك ساطع ريحها تصفق في ناجودها ثم تقطب
والناجود، بالنون والجيم: كل إناء يجعل فيه الشراب من قصعة وغيرها، وقوله: شربت بها، أي: منها، أو شربتها، والباء زائدة، وفي شعره: تمززتها، أي: شربتها قليلًا قليلًا، وقوله: يدعو صباحه، أي: يدعو في وقت إصباحه، وقوله: دنوا، أي: مالت بنات نعش إلى جانب الأفق للغروب، والتصوب: الانحدار، وبعده:
فإن تأخذوا مالي وأهلي بظنة فإني لحراب الرجال مجرب
صبور على ما يكره المرء كله سوى العار إني إن ظلمت سأغضب
[ ٦ / ١٣١ ]
أقارض أقوامًا فأوفي قروضهم وأعلم ما آتي وما أتجنب
وأعلم أن الخير ليس بدائم علينا وأن الشر ما هو ترتب
وترتب: مقيم راتب. والنابغة الجعدي، تقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع والتسعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٨) يلومونني في اشتراء النخيـ ـل أهلي فكلهم ألوم
على أن الواو في "يلومونني" حرف يدل على الجمع عند سيبويه، قابل ابن جني: وتزاد الواو في الفعل علامة الجمع نحو: الرجال يقومون، وتزاد علامة للجمع مجردة من الضمير في نحو قول العرب: "أكلوني البراغيث" وهذا على أحد وجهي ما توؤلت عليه الآية: (وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء/ ٢١] فيمن لم يجعل في "أسروا" ضميرًا، ومثل ذلك سواء قوله تعالى: (ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنهُم) [المائدة/ ٧١] وقال الشاعر:
يلومونني في اشتراء النخيل أهلي فكلهم ألوم
فاعرفه. انتهى. وكذا عند الفراء في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنهُمْ) وأنشد البيت كذا.
وقال الخفاف في "شرح الجمل" إلحاق الفعل علامة التثنية والجمع لغة ضعيفة، هذا والرواية الصحيحة في آخر البيت: "فكلهم يعذل" وكذا أنشده ابن يعيش
[ ٦ / ١٣٢ ]
والخفاف والشاطبي وغيرهم. أنشد أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" عن الأصمعي لأحيحة بن الجلاح:
يلومونني في اشتراء النخيل أهلي فكلهم يعذل
وأهل الذي باع يلحونه كما لحي البائع الأول
هي الظل في الحر حق الظليل والمنظر الأحسن الأجمل
تعشى أسافلها بالجبوب وتأني حلوبتها من عل
وتصبح حيث تبيت الرعاء وإن ضيعوها وإن أهملوا
فعم لعمكم نافع وطفل لطفلكم يؤمل
وتعشى: فعل ماض، وأسافلها: فاعله، والجبوب، بفتح الجيم وضم الموحدة: الأرض، وقيل: وجهها، وقيل: غليظها، وقيل: التراب، وأنى الشيء، بالنون أنيًا، أي: أدرك، والحلوبة: ذات اللبن. شبه النخل بالإبل، يقول: لا عمل ولا كد في النخل، فأسفلها يأخذ غذاءه من التراب، والمثمرة منها يدرك ثمرها فوقها، والنخل العم، بالضم: التي استحكمت وكملت وطالت، أي: كبارها نافعة لكباركم، وصغارها تؤمل لصغاركم، فسمى صغارها أطفالًا، والعمة: النخلة يصعد إليها إذا جنيت، وهي العميمة أيضًا، وأنشد غير الأصمعي:
لنا لقحة لم تغذ يومًا بناتها إذا بركت في مبرك لم تحول
لها أخوات حولها من بناتها صوادي لم تحلل ببيداء مجهل
قيام حوالي فحلها وهو قائم تلقح منه وهو عنها بمعزل
وما أحسن قول الآخر:
إن لنا من مآلنا جمالا من خير ما تحوي الرجال مالا
نحلبها غزرًا ولا بلالا بهن لا علا ولا نهالا
ينتجن كل شتوة أحمالا
[ ٦ / ١٣٣ ]
وأحيحة بن الجلاح الأوسي كان سيد الأوس في الجاهلية، وكانت أم عبد المطلب ابن هاشم تحته، والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحييحة: صحابي شهد بدرًا، وأحيحة، بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة بينهما مثناة تحتية، وجلاح: بضم الجيم وخفة اللام وآخره حاء مهملة، وقد بسطنا ترجمته في الشاهد السابع والعشرين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد الخمسمائة:
(٥٨٩) أكلت بنيك أكل الضب حتى وجدت مرارة الكلأ الوبيل
على أن الأكل هنا بمعنى العدوان والظلم. قال ابن الشجري في المجلس العشرين من "أماليه" قال السيرافي في شرح الكتاب: في قولهم: "أكلوني البراغيث" ثلاثة أوجه. أحدها: ما قاله سيبويه وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة، وليست ضميرًا، والثاني: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلوني: خبرًا مقدمًا، فالتقدير: البراغيث أكلوني، والثالث: أن يكون الواو ضميرًا على شرط التفسير، والبراغيث بدلًا منه، كقولك: ضربوني وضربت قومك: فتضمر قبل الذكر على شرط التفسير، قال: وكان الوجه على تقديم علامة الجماعة أن يقال: أكلتني البراغيث، لأن ضمير ما لا يعقل من الذكور كضمير الإناث، إلا أنهم جعلوا البراغيث مشبهة بما يعقل حين وصفوها بالأكل، وهي مما يوصف بالقرص، كالبق وشبهه، فأجروها مجرى العقلاء، ولهذا نظائر، منها: قوله تعالى (إنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف/٤] لما وصفها بالسجود الذي لا يكون إلا للعقلاء، أجراها في الإضمار والجمع مجراهم، وكذلك
[ ٦ / ١٣٤ ]
القول في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) [النمل/ ١٨] لما وجه الكلام إلى النمل، والخطاب لا يوجه في الحقيقة إلا للعقلاء، أجريت في الإضمار مجرى العقلاء. انتهى كلام أبي سعيد.
وأقول: إن حمل الأكل على السجود والخطاب في الاختصاص بالعقلاء سهو منه، لأن البهائم مشاركة للعقلاء في الوصف بالأكل، والقول عندي أننا لا نحمل قولهم: "أكلوني البراغيث" على الأكل الحقيقي، بل نحمله على معنى العدوان والظلم والبغي، كقولهم: أكل فلان جاره، أي: ظلمه وتعدى عليه، وعلى ذلك قول علفة بن عقيل بن علفة المري لأبيه:
أكلت بنيك أكل الضب البيت.
أي: ظلمتهم وبغيت عليهم، ومنه قول الممزق العبدي:
فإن كنت مأكولًا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولما أمزق
أي: إن كنت مظلومًا، فتول أنت ظلمي، فظلمك لي أحب إلي من أن يظلمني غيرك، فإذا حملنا الأكل في قولهم: "أكلوني البراغيث" على هذا المعنى، صح إجراء البراغيث مجرى العقلاء، لأن الظلم والتعدي والبغي من أوصاف العقلاء، وقول علفة بن عقيل: "أكلت بنيك أكل الضب" شبه فيه الكل المستعار للتعدي بالأكل الحقيقي، فإن شئت قدرت أن المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، أي: أكلت بنيك أكلًا مثل أكلك الضب، وخص الضب بذلك: لأن أكل الضباب تعجب الأعراب، قال راجزهم:
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد لما تركت الضب يسعى بالواد
[ ٦ / ١٣٥ ]
الكشى: جمع كشية، وهي شحمة مستطيلة في عنق الضب إلى فخذه. وإن شئت قدرت المصدر مضافًا إلى فاعله، والمفعول محذوف، أي: أكلت بنيك أكلًا مثل أكل الضب أولاده، ومن أمثالهم: "أعق من ضب"، لأنه فيما يؤثر يأكل أولاده. وقال بعض أهل اللغة، قولهم: "أعق من ضب" أصله من ضبة، وكثر ذلك في كلامهم، فأسقطوا الهاء، قال: وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أنها إذا باضت حرست بيضها من الحية والورل وغير ذلك مما يقدر عليه، فإذا نقبت أولادها، وخرجت من البيض، ظنتها شيئًا يريد بيضها، فوثبت عليه فقتلتها وأكلتها، فلا ينجو منها إلا الشريد، والوبيل: الوخيم. إلى هنا كلام ابن الشجري، وقد أعاده في المجلس الحادي والستين أيضًا.
وما قاله في شرح قولهم: "أعق من ضب" من أن أصله أعق من ضبة لم يذكره غير حمزة الأصبهاني في أمثاله التي على وزن أفعل من كذا، وتبعه الزمخشري في "أمثاله" ونقله الميداني، واعترضه بأن الضب يجوز أن يكون اسم جنس كالنعام والحمام والجراد، وإذا كان ذلك وقع على الذكر والأنثى.
وقول ابن الشجري: إن البيت لعلفة بن عقيل بن علفة ليس كذلك، وإنما هو لأرطاة بن سهية، وروى صاحب "الأغاني" عن أبي عبيدة أن عقيل بن علفة طرد بنيه فتفرقوا في البلاد، وبقي وحده. ثم إن رجلًا من بني صرمة يقال له: بجيل، وكان كثير المال والماشية: حطم بيوت عقيل بماشيته. ولم يكن قبل ذلك أحد يقرب من بيوت عقيل إلا لقي شرًا، فطردت أمة له الماشية، فضربها بجيل بعصًا كانت معه. فشجها فخرج إليه عقيل وحده، وقد هرم يومئذ، وكبرت سنه،
[ ٦ / ١٣٦ ]
فزجره فضربه بجيل بعصاه، واحترقه، فجعل عقيل يصيح: يا علفة، يا عملس بأسماء أ، لاده مستغيثًا بهم، فقال له أرطاة بن سهية:
أكلت بنيك أكل الضب حتى وجدت مرارة الكلأ الوبيل
ولو كان الألى غابوا شهودًا منعت فسناء بيتك من بجيل
وبلغ خبر عقيل ابنه العملس بالشام، فأقبل إلى أبيه حتى نزل إليه، ثم عدا إلى بجيل، فضربه ضربًا مبرحًا وعقر عدة من إبله، وأوثقه، وجاء به حتى ألقاه بين يدي أبيه، ثم ركب راحلته، وعاد من وقته إلى الشام، ولم يطعم له طعامًا، ولم يشرب له شرابًا. انتهى.
وأرطاة بن سهية: بضم السين المهملة وفتح الهاء وتشديد المثناة التحتية، قال ابن قتيبة: هو من بني مرة بن عوف بن سعد، ويكنى أبا الوليد، ودخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: هل تقول اليوم شعرًا؟ فقال: كيف أقول وأنا لا أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه؟ على أني أقول:
رأيت المرء تأكله الليالي كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنية حين تغدو على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكر حتى توفي نذرها بأبي الوليد
فتطير عبد الملك، وكان يكنى: أبا الوليد، فقال: لم أعنك، إنما عنيت نفسي.
وقال البكري في "اللآلئ شرح أمالي القالي": أرطاة بن سهية: هو أرطاة ابن زفر بن جزء بن شداد، أحد بني مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة، أمه سهية كلبية، وكانت أخيذة غلبت عليه، وهو شاعر إسلامي، قال الشعر زمن معاوية، وبقي إلى زمن سليمان أو بعده.
[ ٦ / ١٣٧ ]
وعقيل بن علفة الذي قيل فيه الشعر، بضم العين وتشديد اللام المفتوحة بعدها فاء، ومعناه: ثمر الطلح، يشبه الباقلاء العفن، والطلح: شجر عظيم، وله ابن سماه باسم أبيه، وله ولد آخر اسمه العملس، بفتح العين المهملة والميم، وتشديد اللازم المفتوحة، ومعناه: الذئب.
وعقيل: شاعر فصيح مجيد مقدم من شعراء الدولة الأموية من بني مرة بن سعد، وكان أهوج جافيًا شديد الهوج والعجرفية، والكبر في نفسه، لا يرى له كفؤًا في بني مرة، وهو من بيت شريف من كلا طرفيه، وكانت قريش ترغب في مصاهرته، فتزوج خلفاؤها ببناته، وله حكايات غريبة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٠) وقد أسلماه مبعد وحميم
على أن الألف حرف وهو من شعر لعبد الله بن قيس الرقيات، رثى بها مصعب ابن الزبير بن العوام وأوله:
لقد أورث المصرين حزنًا وذلة قتيل بدير الجاثليق مقيم
تولي قتال المارقين بنفسه وقد أسلماه مبعد وحميم
فما قاتلت في الله بكر بن وائل ولا صبرت عند اللقاء تميم
ولكنه رام القيام ولم يكن له مضري يوم ذاك كريم
[ ٦ / ١٣٨ ]
والمصران: كوفة والبصرة، وقتيل: فاعل أورث، وأراد به مصعب بن الزبير، ودير الجاثليق: موضع على شاطئ نهر دجيل، من أرض مسكن، بكسر الكاف، من بلاد العراق، وكان مصعب قتل هنا في سنة إحدى وسبعين من الهجرة، وكان عبد الملك قد سار بجنوده من الشام، وسار مصعب بجنوده من الكوفة، فالتقيا بدير الجاثليق، وفاعل تولى: ضمير مصعب، أي: باشر قتالهم بنفسه، والمارقين: الخوارج، سمى عبد الملك وعسكره الخوارج، وأسلمه، أي: خذله، وتخلى عنه. والمبعد: بضم الميم وفتح العين: أراد به الأجنبي الذي ليست له قرابة، والحميم: القريب الذي يهمه أمره.
وقوله: "فما قاتلت في الله" إلى آخره، أي: لم تقاتل بكر بن وائل مصعبًا جهادًا في سبيل الله، وإنما قاتلته للدنيا، وكانت تغلب بن وائل ممن أبلى في محاربة مصعب مع عبد الملك، وتغلب من ربيعة، واللقاء: الحرب، وكانت تميم مع مصعب، وكان مصعب جمع الشجاعة والجود والجمال، وبذلك له عبد الملك الأمان، وجعل له بعد ذلك حكمه، فقال به ابنه عيسى: اقبل ما بذله لك، فقال: لا والله لا تتحدث عني نساء قريش على مغازلها أني هبت الموت، ولكن اذهب أنت حيث شئت، فقال عيسى: لا والله لا يتحدث الناس عني أني أسلمت أبي ضنًا عليه بنفسي، حتى قتل، وتمثل مصعب بقول القائل:
فإن الألى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التآسيا
وقاتل حتى قتل.
وعبد الله بن قيس الرقيات: شاعر قرشي ينتهي نسبه إلى عامر بن لؤي بن غالب، قال أبو علي: قيس هو الملقب بالرقيات لا اختلاف في ذلك، قلب به لأن له جدات
[ ٦ / ١٣٩ ]
تولين يسمين الرقيات. قاله ابن سلام. انتهى. وقد بسطنا الكلام عليه، وذكرنا ما للعلماء فيه من الأقوال في الشاهد الثالث والثلاثين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الخمسمائة:
(٩٥١) من حوثما سلكوا أدنو فأنظور
على أن الواو تولدت من إشباع ضمة الظاء، وهو من شعر أنشده الفراء. وهو:
الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى أحبابنا صور
وأنني حوثما يثني الهوى بصري من حوثما سلكوا أدنو فأنظور
وصور: جمع أصور، وهو المائل من الشوق، يقال: صار يصور صورًا، بفتحتين، أي: مال، وأصاره فانصار: أماله فمال. ويجوز أن يكون جمع صورة أي: إذا تلفتنا إلى الأحباب عند رحيلهم، فكأننا أشكال وأشباح ليس فينا أرواح، وحوث: ظرف مكان لغة في حيث، وهو هنا خبر أن، وما زائدة، وثناه: أماله، والهوى: العشق، أي: أنا في الجهة التي يميل الهوى بصري إليها، ومن متعلقة بأدنو، وروي في الموضعين أيضًا: حيثما، وروي: يسري، بدل يثني، مضارع، سريت الثوب عني سريًا، لغة في سروته عني سروًا؛ بمعنى: ألقيته.
[ ٦ / ١٤٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٢) سقيت الغيث أيتها الخيامو
أنشده سيبويه في باب وجوه القوافي في الإنشاد من أواخر "كتابه" قال: أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ما ينون وما لا ينون، لأنهم أرادوا مد الصوت. كقول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي
وقال في النصب يزيد بن الطثرية:
فبتنا تحيد الوحش عنا كأننا قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
وقال في الرفع الأعشى:
هريرة ودعها وإن لام لائمو
هذا ما ينون فيه، وما لا ينون فيه قول جرير:
أقلي اللوم عاذل والعتابا
وقال في الرفع أيضًا:
متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيتها الخيامو
[ ٦ / ١٤١ ]
وقال في الجر [لجرير] أيضًا:
كانت مباركة من الأيامى
وإنما ألحقوا هذه المدة من حروف الروي، لأن الشعر وضع للغناء والترنم، فألحقوا كل حرف الذل حركته منه. انتهى.
والبيت مطلع قصيدة لجرير، وبعده:
تنكر من معارفها ومالت دعائمها وقد بلي الثمام
ومتى استفهام إنكاري. قال صعوداء في شرح ديوان زهير: قول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح
أي: كأنه لم يكن بذي طلوح خيام قط. انتهى. وذو طلوح: واد في أرض بني العنبر من تميم، سمي به لكثرة شجر الطلح به، وهو شجر عظيم، وسقيت، بالبناء للمفعول، وكسر التاء، والغيث، بالنصب: المطر، دعا لخيام أحبابه بالسقيا على عادة العرب، فإنهم يدعون لما أحبوا بالسقيا، والمراد لازمه، وهو النضارة والحسن والبهجة، وتنكر: تغير حتى صار لا يعرف، ومعارفها: مواضعها المعروفة، والضمير للخيام، ودعامة الخيمة: عودها الذي تنصب عليه، وبلي: فني، والثمام، بالضم: نبت ضعيف يعلو طول ذراع وأكثر، يحشى به مواضع الريح، والمطر والشمس من البيوت وما أشبه ذلك.
[ ٦ / ١٤٢ ]
(وا)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٣) وا بأبي أنت وفوك الأشنب كأنما ذر عليه الزرنب
على أن "وا" اسم بمعنى: أعجب، قال الصاغاني في "العباب": الزرنب: ضرب من النبات طيب الرائحة، قال:
يا بأبي أنت وفوك الأشنب كأنما ذر عليه الزرنب
أو زنجبيل عاتق مطيب
انتهى. فلا شاهد فيه، وأنت، بالكسر: مبتدأ، وبأبي: جار ومجرور، خبر مقدم، والباء للتعدية، وفوك! بالكسر، معطوف على أنت، والشنب، بفتحتين: حدة في الأسنان، وقيل: برد الأسنان، وعذوبة مذاقها، يقال: رجل أشنب، وفم أشنب، وامرأة شنباء. قال ابن السيرافي في شرح أبيات "الغريب المصنف": وصف امرأة بطيب النكهة، والزنجبيل هذا المعروف، وزعم قوم أن الزنجبيل اسم من أسماء الخمر، وأنشدوا:
وابأبي أنت وفوك الأشنب
الأبيات الثلاثة. وقال أبو حنيفة الدينوري: الزنجبيل مما ينبت بأرض العرب، وهو يغرس غرسًا، وليس شيء منه يربى، وإنما هو عروق تسري في الأرض، وأخبرني من رأى نباته، أنه شبيه نبات الراسن، وقد كثر مجيء الزنجبيل في القرآن والشعر. انتهى. وعاتق بمعنى: عتيق، وهو قرينة على أن الزنجبيل هنا بمعنى الخمر.
[ ٦ / ١٤٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٤) واهًا لسلمى ثم واهًا واها
على أن واهًا بمعنى: أعجب. قال ابن السيرافي في شرح أبيات "إصلاح المنطق": هو لأبي النجم العجلي، وبعده:
يا ليت عينيها لنا وفاها بثمن نرضي به أباها
وإعادته "واهًا واها" على سبيل التوكيد، تمنى أن يكون له مال يرضي أباها، فيتمكن له الاستمتاع بعينيها وفيها. انتهى. وكذا أورده أبو عبيد البكري في "اللآلي"، وزاد بعضهم بعد الأول:
هي المنى لو أننا نلناها
وترجمة أبي النجم تقدمت في الإنشاد السابع والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٥) ويكأن من يكن له نشب يحـ ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر
على أن "وي" بمعنى أعجب، قال ابن جني في "المحتسب" في "ويكأنه" ثلاثة أقوال: منهم من جعلها كلمة واحدة، فلم يقف على "وي"، ومنهم من
[ ٦ / ١٤٤ ]
يقف [على وي]، ويعقوب يقف على "ويك" وهو مذهب أبي الحسن، والوجه فيه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن "وي" على قياس مذهبهما اسم سمي به الفعل، فكأنه اسم أعجب، ثم ابتدأ، فقال: (كَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ) و(ويْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [القصص/ ٨٢] فكأن هنا إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: إن الله يبسط الرزق. [و"وي" منفصلة من كأن] وعليه بيت الكتاب:
وي كأن من يكن له نشب يحبب البيت
هذا كلامه. وهو خلاف ما صرح به سيبويه، قال: سألت الخليل عن قوله تعالى: (ويْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ) [القصص/٨٢] وعن قوله تعالى: (ويْكَأَنَّ اللَّهَ) [القصص/٨٢] فزعم أنها مفصولة من كأن، والمعنى: وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون هذا عندكم كذا! والله أعلم. وأما المفسرون، فقالوا: ألم تر أن الله، وقال زيد بن عمرو بن نفيل:
وي كأن من يكن له .. البيت
انتهى. قال النحاس: يريد أن معنى "وي" تنبيه، يقولها الإنسان حين يستنكر أمرًا أو يستعظمه، فيقول: وي، فتكون "ويكأن" مركبة من "وي" للتنبيه، ومن "كأن" للتشبيه، وكذلك قال الأعلم، وقد أوردنا أقوال العلماء، والبحث فيها مبسوطًا في الشاهد الثامن والسبعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي، والبيت من شعر لزيد بن عمرو بن نفيل، وهو:
[ ٦ / ١٤٥ ]
تلك عرساي تنطقان على عمد إلى اليوم قول زور وهتر
سالتاني الطلاق أن رأتا مالي قليلًا قد جئتماني بنكر
فلعلي أن يكثر المال عندي ويهرى من المغارم ظهري
وترى أعبد لنا وأواق ومناصيف من خوادم عشر
ونجر الأذيال في نعمة زو ل تقولان ضع عصاك لدهر
ويكأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر
ويجنب سر النجي ولكن أخا المال محضر كل سر
كذا في كتاب "البيان" للجاحظ وفيه روايات أخر للزبير بن بكار، وصاحب "الأغاني" وأبي الحسن المدائني "وأمالي الزجاجي".
وأثبت الجاحظ الشعر لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ونسبه الزبير بن بكار لنبيه بن الحجاج، وقتل ببدر كافرًا، وقد ذكرنا جميع هذا هناك.
وقوله: تلك عرساي: مثنى عرس مضاف إلى الياء، والعرس، بالكسر: الزوجة، أي: هما عرساي، ويجوز أن يخالف اسم الإشارة المشار إليه، كقوله تعالى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) [البقرة/ ٦٨] أي: بين ذينك، والعمد: القصد، والهتر: مصدر هتر، من باب نصر، إذا مزق عرضه، والهتر، بالكسر: الكذب، والهتر بالضم: ذهاب العقل من كبر أو مرض أو حزن.
وقوله: سالتاني الطلاق .. إلخ، استشهد بذلك سيبويه على أن الشاعر
[ ٦ / ١٤٦ ]
يبدل الهمزة ألفًا في الضرورة، قال: وليس هذا لغة من يقول: سلت يسال، كخفت يخاف، وبلغنا أنه لغة. وقوله: قد جئتماني. التفات من الغيبة إلى الخطاب، والنكر، بالضم، الأمر المنكر القبيح، وقوله: ويعرى من المغارم ظهري، جمع: مغرم، بالفتح، وهو ما ينوب الإنسان في ماله من نقص لغير جناية، كتحمل الديات، والإطعام في النائبات.
وقوله: وترى أعبد إلى آخره، بالبناء للمفعول، وأواق من الذهب والفضة، جمع أوقية، ومناصيف جمع منصف، بفتح الميم وكسرها: الخادم، وزيدت الياء لضرورة الشعر.
وقوله: في نعمة زول، بفتح الزاي وسكون الواو، صفة نعمة، أي: حسنة وجيدة، وقوله: ضع عصاك: وضع العصا كناية عن الإقامة.
وقوله: ويكأن من يكن .. إلى آخره، من "شرطية"، ويحبب: جواب الشرط، بالبناء للمفعول، والنشب: بفتحتين: المال الأصيل، من الصامت والناطق، وقوله: ويجنب: معطوف على يعش، بالبناء للمفعول، والسر: الشيء المكتوم في النفس، والنجي: المخاطب الذي يفشى له السر، ومحضر: اسم مفعول من أحضره إياه، أي: جعله حاضرًا.
وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي العدوي، مات قبل أن يبعث النبي، ﷺ، بخمس سنين، وكان لا يذبح للأنصاب، ولا يأكل الميتة والدم، وقد ترجمناه مبسوطًا في شواهد الرضي هناك.
[ ٦ / ١٤٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٦) ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
على أنه قد تلي كاف الخطاب لـ "وي" قال ابن الشجري: قال بعض اللغويين: وي: اسم للفعل، ومعناه: أتعجب، كما تقول: وي! لم فعلت [هذا]؟ فالكاف في هذا الوجه حرف خطاب كالكاف في "رويدك، فهي دالة على أن التعجب موجه إلى مخاطب، لا إلى غائب.
وقال آخر: ويك: بمعنى: ويلك، وحذفت اللام لكثرة استعمال هذه اللفظة، واحتجوا بقول عنترة: "ويك عنتر أقدم" فالكاف على هذا القول ضمير، ولها محل من الإعراب. انتهى.
والبيت من معلقة عنترة، قال شراح المعلقة: قال بعض النحويين معنى ويك: ويحك، وقال بعضهم: معناه ويلك، وكلا القولين خطأ، لأنه كان يجب على هذا أن يقرأ (ويك أنه) كما يقال: ويلك أنه، وويحك أنه، وقد احتج لصاحب هذا القول بأن المعنى: ويلك اعلم أنه لا يفلح الكافرون، وهذا أيضًا خطأ من جهات، إحداها: حذف اللام من ويلك: وحذف اعلم، لأن مثل هذا لا يحذف، لأنه لا يعرف معناه وأيضًا فإن المعنى لا يصح، لأنه لا يدري من خوطبوا بهذا. وروي عن بعض أهل التفسير: أن معنى ويك: ألم تر؟
[ ٦ / ١٤٨ ]
والأحسن في هذا ما روى سيبويه عن الخليل، وهو أن "وي" منفصلة وهي كلمة يقولها المتندم إذا تنبه على ما كان منه، كأنهم قالوا على الندم: (ويْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ) [القصص/ ٨٢]. انتهى.
والقيل والقول واحد، وجمع فارس على فوارس شاذ، وعنتر منادى: مرخم عنترة، وأقدم، بفتح الهمزة وكسر الدال: بمعنى: تقدم، من الإقدام الذي بمعنى الاجتهاد والتصميم. جعل أمرهم له بالإقدام شفاء لنفسه لما ينال في تقدمه من الظفر بأعدائه، ولما يكتسب بذلك من الرفعة وعلو المنزلة.
وترجمة عنترة تقدمت في الإنشاد السابع والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٧) كأنني حين أمسي لا تكلمني متيم يشتهي ما ليس موجودا
على أن "كأن" للتحقيق بمعنى أن قال ابن جنب في "المحتسب": الوجه فيه عندنا قول الخليل وسيبويه، وهو أن "وي" على قياس مذهبهما، اسم سمي به الفعل، وكأن هنا إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: إن الله يبسط الرزق، و"وي" منفصلة من "كأن" وعليه بيت "الكتاب":
وي كأن من يكن له نشب يحبب .. البيت
ومما جاءت فيه كأن عارية من معنى التشبيه قوله:
كأنني حين أمسي لا تكلمني .. البيت
أي: أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا. انتهى. أقول: قد نقلنا كلام
[ ٦ / ١٤٩ ]
سيبويه، وليس فيه "وي" بمعنى أعجب، وأما قوله: إن "كأن" عارية من معنى التشبيه، فقول سيبويه: أما يشبه أن يكون هذا عندكم هكذا! يكذبه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله: "كأنني حين أمسي .. البيت"، فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر كأن مشتقًا لا تكون للتشبيه، لئلا يتحد المشبه والمشبه به، وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف، أي: كأنني رجل متيم، فهي على الأصل للتشبيه.
والبيت من قصيدة ليزيد بن الحكم الثقفي، مدح بها سليمان بن عبد الملك، ومطلعها:
أمسى بأسماء هذا القلب معمودا إذا أقول صحا من غيه عيدا
كأن أحور من غزلان ذي بقر أهدى لها شبه العينين والجيدا
أجري على موعد منها فتخلفني ولا أمل ولا توفي المواعيدا
كأنني حين أمسي لا تكلمني ذو بغية يشتهي ما ليس موجودا
ومنها:
سميت باسم امرئ أشبهت شيمته فضلًا وعدلًا سليمان بن داودا
أحمدته في الورى الماضين من ملك وأنت أصبحت في الباقين محمودا
لا يبرأ الناس من أن يحمدوا ملكًا أولاهم في الأمور الحلم والجودا
كذا في "الأغاني" للأصفهاني وترجمة يزيد تقدمت في الإنشاد الخامس والسبعين بعد الأربعمائة.
[ ٦ / ١٥٠ ]
(حرف الألف)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٨) أقبلت من عند زياد كالخرف تخط رجلاي بخط مختلف
تكتبان في الطريق لام الف
قال ابن جني في "سر الصناعة" إنما أراد: كأنهما تخطان حروف المعجم، لا يريد بعضها دون بعض، وقد يمكن أنه أراد بقوله: "لام ألف" شكل "لا" فإنه تلقاه من أفواه العامة، لأن الخط ليس له تعلق بالعرب، ولا عنهم يؤخذ، وقول من لا خبرة له بحروف المعجم كالمعلمين لام أف خطأ، وصواب النطق به "لا" فإنه اسم الألف اللينة التي تكون قبل الياء في آخر حروف المعجم. انتهى.
واعترضه الدماميني بأن نسبة العربي الفصيح إلى أنه اعتمد في النطق على العامة أمر بعيد لا يلتفت إليه، وقوله: "لأن الخط لا تعلق به بالفصاحة" ساقط، لأن ما صدر عنه لفظ لا خط. انتهى. وفيه أن ابن جني إنما قال: لأنا لخط ليس له تعلق بالعرب، ولا عنهم يؤخذ. وهذا حق، والمصنف نقل منه ما ليس في كلامه. نعم يمنع قوله: "إن قول المعلمين لام ألف" خطأ، فإنه قد جاء في شعر غيره، روى أبو زيد في "نوادره" لراجز يصف جندبًا وقيل غرابًا، وقال ابن الأعرابي في
[ ٦ / ١٥١ ]
"نوادره": أنشدني المفضل. وذكر دارًا خلت من أهلها، فصار فيها الغربان والظباء والوحش:
يحجل فيها مقلز الحجول نعبًا على شقيه كالمشكول
يخط لام ألف موصول والزاي والرا أيما تهليل
خط يد المستطرق المسؤول
والمقلز: رجل الجندب أو الغراب، لأنه اسم آلة من قلز الغراب والعصفور في مشيهما. وكل من لا يمشي مشيًا، فهو يقلز، والحجول: وصف من الحجلان وهو مشية المقيد، وروي "بغيًا" بدل نعبًا، والبغي هنا: الاختيال، والمشكول: الذي في رجليه شكال. وقوله: يخط مضارع خط، وقوله: أيما تهليل: مفعول مطلق، وما زائدة، أي: يهلل تهليلًا أي تهليل، وهلل بمعنى: نكص، وقوله: خط يد، أي: خطأ كخط المستطرق، أي: الكاهن الذي يطرق الحصا بعضه ببعض، وعلى هذا، فالفرق بين "لا" وبين "لام ألف" أن "لا" اسم الألف اللينة، ولام ألف: اسم لا، لأنها على صورة اللام والهمزة إذا كتبتا معًا، وعلم مما تقدم أن "لام ألف" بإضافة لام إلى ألف، لأنه في الأصل مركب مزجي أعرب بإضافة الجزئين إلى الآخر على أحد الوجوه فيه، لا كما زعمه الدماميني تبعًا للرضي. ثم قال ابن جني: وإنما لم يجز أن تفرد الألف اللينة من اللام، وتقام بنفسها كما أقيم سائر حروف المعجم سواها بنفسها من قبل أنها لا تكون إلا ساكنة تابعة للفتحة، والساكن لا يمكن ابتداؤه، فدعمت باللام ليقع الابتداء، ويؤيد هذا أن واضع حروف المعجم إنما رسمها منثورة غير منظومة، فلو كان غرضه في "لا" أن يرينا كيفية تركب اللام مع الألف، للزمه أيضًا أن يرينا كيف تركب الجيم مع الطاء، والقاف مع التاء وغير ذلك مما يطول تعداده، وإنما غرضه التوصل إلى النطق بالألف، فدعم باللام ليمكن الابتداء به. فإن قيل: ما بالهم دعموه في اللام دون سائر الحروف، أجيب بأنهم
[ ٦ / ١٥٢ ]
خصوا اللام من قبل أنهم لما احتاجوا لسكون لام التعريف إلى حرف يقع الابتداء به قبلها أتوا بالهمزة، فقالوا: الغلام، فكما أدخلوا الألف قبل اللام كذلك أدخلوا اللام قبل الألف ليكو ذلك ضربًا من التقارض. انتهى. واعترض عليه الدماميني بأن الذي توصل به إلى النطق بلام التعريف هو الهمزة لا الألف، والذي توصل باللام إلى النطق به هو الألف الهوائي لا الهمزة، فلا تقارض. انتهى. وفيه أنهما إخوان يبدل كل منهما إلى الآخر، فتبدل الهمزة ألفًا في نحو: رأس، وتبدل الألف همزة في نحو دابة وحبلى في الوقف، وفي هذا القدر من الاشتراك يتحقق التقارض.
واستشهد سيبويه بهذا البيت على أنه ألقى حركة ألف على ميم لام.
وهذا الرجز لأبي النجم العجلي، قال المرزباني في "الموشح": أخبرني الصولي، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن سلام لأبي النجم العجلي وكان له صديق يسقيه الشراب، فينصرف من عنده ثملًا:
أخرج من عند زياد كالخرف
الأبيات الثلاثة قال الصولي: وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه كان يكتب، ما عرف صورة لام ألف وعناقها [لها]. انتهى. وقد عرفت ما فيه، والخرف: صفة مشبهة من خرف الرجل خرفًا، من باب تعب: فسد عقله لكبره، وخط على الأرض خطا: أعلم علامة.
وترجمة أبي النجم تقدمت في الإنشاد السابع والستين.
[ ٦ / ١٥٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الخمسمائة:
(٥٩٩) ألفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيه
على أن الألف حرف علامة الاثنين، وعيناك: فاعل ألفيتا، وهو من قصيدة لعمر بن ملقط الطائي، وتقدم شرحها في الإنشاد الثالث والخمسين بعد المائة، وقبله:
يا أوس لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية
ألفيتا عيناك البيت
وأوس: هو ابن حارثة بن لأم الطائي، وهو جاهلي كقائل الشعر، وتهوي: تقع من فوق إلى أسفل، والهاوية: المهواة، وهو موضع الهوى، وقوله: ألفيتا، أي وجدتا، وأولى: كلمة تهديد بمعنى: وليك الشر، أي: قرب منك، مبتدأ، ولك: خبره، وحذف خبر أولى الثانية للدليل، وكرر للتوكيد، والجملة معترضة بين صاحب الحال والحال، فإن ذا واقية حال من الكاف، وصح مجيء الحال من المضاف إليه، لكون المضاف جزءًا من المضاف إليه، والواقية: مصدر بمعنى الوقاية كالكاذبة بمعنى الكذب، يصفه بالهروب يقول: أنت ذو وقاية من عينيك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلفتك إلى خلفك حينئذ، صارت عيناك كأنهما في قفاك، وهذا البيت في موضع التعليل لعدم نيل الرماح إياه.
وأنشد بعده:
وقد أسلماه مبعد وحميم
وتقدم شرحه قريبًا.
[ ٦ / ١٥٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستمائة:
(٦٠٠) ورمى وما رمتا يداه فصابني سهم يعذب والسهام تريح
على أن الألف في "رمتا" حرف يدل على اثنين، ويداه فاعله، وسهم، فاعل صابني، وهو لغة في أصاب، أي: وصل الغرض، ونفذ فيه، وقد تنازع في سهم عوامل ثلاثة: "رمى" "وما رمتا" و"صابني" والأولان يطلبانه مفعولًا، والثالث يطلبه فاعلًا، فأعمل الثالث لقربه، وأضمر للأولين وحذف، لأنه فضلة، يقول: رماني بلحظه ولم يرمني بيديه: فأصابني سهم لحظه ولم أمت به، فبقيت معذبًا، وعادة السهام تقتل، فتريح، وقبله:
ما باله لاحظته فتضرجت وجناته وفؤادي المجروح
وتضرجت: احمرت خجلًا، يقول: فؤادي هو المجروح بنظره إليه، فما بال وجناته تضرجت بالدم؟ !
والبيتان من أول قصيدة للمتنبي مدح بها مساور بن محمد الرومي.
وأنشد بعده:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف
وتقدم شرحه في الإنشاد السادس عشر بعد الخمسمائة.
[ ٦ / ١٥٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الستمائة:
(٦٠١) بينا تعانقه الكماة وروغه يومًا أتيح له جري سلفع
على أن بينا قد أضيفت إلى المفرد في معنى الفعل، وهو المصدر هنا، حملًا على معنى "حين"، فإن وقع بعدها اسم جوهر، لم يجز إلا الرفع، نحو: بينا زيد في الدار أقبل عمرو، لأن "بينا" ظرف زمان لا تضاف إلى جثة، كما لا يكون خبرًا عنها.
والبيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، رثى بها أولاده، كما تقدم شرحه، وشرح أبيات منها في الإنشاد الثامن والعشرين بعد المائة، وبعض آخر في الإنشاد السابع والسبعين بعد الثلاثمائة.
قال الإمام المرزوقي في شرحها: روى الأصمعي: "بينا تعنقه .. وروغه" مجرورًا، وكان يقول: بينا تضاف إلى المصادر خاصة، والنحويون يخالفونه، ويقولون: بينا وبينما عبارتان للحين، وهما مبهمتان لا تضافان إلا إلى الجمل التي تبينها، فإذا قلت: بينا أنا جالس طلع زيد، فالمعنى: حين أنا جالس، ووقت أنا جالس طلع زيد، ورواية النحويين والناس: "بينا تعنقه الكماة" فيرتفع تعنقه بالابتداء، ويكون خبره مضمرًا، كأنه قال: بينا تعنقه الأبطال حاصل معهود، أتيح له يومًا رجل جريء. انتهى.
وقوله: بينا تعنقه، كذا في جميع الروايات، ووقع هنا، وفي "جمل الزجاجي" وغيرهما: بينا تعانقه، قال ابن السيد واللخمي كلاهما في "شرح أبيات الجمل": هو خطأ، والصواب: تعنقه، لأن تعانق لا يتعدى إلى مفعول،
[ ٦ / ١٥٦ ]
إنما يقال: تعانق الرجلان، والمعانقة والاعتناق والتعنق هي المتعدية، ومعنى الجميع: الأخذ بالعنق، والاعتناق آخر مراتب الحرب، لأن أول الحرب الترامي بالسهام، ثم المطاعنة بالرماح، ثم المجالدة بالسيوف، ثم الاعتناق، وهو أن يتخاطف الفارسان، فيسقطان إلى الأرض معًا، وقد ذكر ذلك زهير بن أبي سلمى في قوله:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
أراد أنه يزيد على ما يفعلون، والكماة، بالنصب: مفعول تعنقه: جمع كمي، وهو الشجاع الذي ستر درعه بثوبه، وقوله: وروغه: معطوف على "تعنقه" إن جرًا وإن نصبًا، وهو بالغين المعجمة، وهو حيدته عن الأقران يمينًا وشمالًا للتحفظ. قال اللخمي: ومن روى، بالعين المهملة، فمعناه الفزع، وقوله: يومًا بدل من بينا كما قاله ابن جني في قوله:
بينا هم بالظهر قد جلسوا يومًا بحيث تنزع الذبح
وأجاز اللخمي تعلقه بتعنقه وبروغه وبأتيح، قال: والأول أقوى لترك تكلف التقديم. وقوله: أتيح: جواب بينا، وهو العامل فيه، وهو مجهول أتاح الله الشيء، أي: قدره، وجريء، بالهمزة، وصف من الجراءة وهي الإقدام، والسلفع كجعفر: الجريء الواسع الصدر. وقبله:
والدهر لا يبقى على حدثانه مستشعر حلق الحديد مقنع
والدهر: مبتدأ، وجملة لا يبقى على الخ .. خبره، وعلى بمعنى "مع" والحدثان، بالتحريك: الحدث والحادثة، ومستشعر: فاعل يبقى، أي: شجاع مستشعر، وهو اسم فاعل من استشعر الثوب والدرع: إذا لبسه شعارًا، والشعار، بالكسر: الملوبس الذي يلي شعر الجسد، وحلق الحديد: مفعول مستشعر، وأراد به الدرع،
[ ٦ / ١٥٧ ]
والمقنع، بفتح النون المشددة: الذي على رأسه المغفر أو بيضة الحديد، قاله المرزوقي. وقال ابن الأنباري في شرحه: المقنع: اللابس المغفر، والمغفر: ثوب تغطى به البيضة، والمقنع: الشاكي السلاح التامه. انتهى. والمعنى: أن هذا المستشعر الدرع حزمًا، وقت معانقته للأبطال، ومراوغته للشجعان، قدر له رجل هكذا، ومراده أن الشجاع لا تعصمه جرأته من الموت، وأن كل مخلوق غايته الفناء.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد الستمائة:
(٦٠٢) يا يزيدا لآمل نيل عز وغنى بعد فاقة وهوان
على أن الألف في "يزيدا" لمد الصوت بالمنادى المستغاث، نادى يزيد على وجه الاستغاثة لأجل من يرجو نيل العز والغنى، والألف في آخره عوض عن لام الاستغاثة، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما، واللام في "لآمل" لام المستغاث من أجله، وآمل: اسم فاعل بمعنى راج، ونيل: مفعوله، وهو مضاف إلى عز، ونيل: مصدر نال ينال: إذا بلغ مطلوبه، وبعد: ظرف متعلق به، والعز: مقابل الهوان، بالفتح: وهو الذل، والغنى: مقابل الفاقة والفقر.
[ ٦ / ١٥٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد الستمائة:
(٦٠٣) يا عجبا لهذه الفليقه
على أن الألف في "عجبا" لمد الصوت بالمتعجب منه.
وقال ابن السيد البطليوسي في "شرح أبيات الجمل": يجوز تنوين العجب، وترك تنوينه، فمن نونه، فله وجهان من الإعراب، أحدهما: أن يكون منادى منكورًا، أو منادى مطولًا، وهو الذي ينصب وإن كان يقصد إليه لطوله مما يتصل به كقولك: باخيرًا من زيد، ويسمى المشبه بالمضاف إليه لاحتياج الأول إلى الثاني كاحتياج المضاف إلى المضاف إليه. والوجه الثاني: أن يكون المنادى غير العجب، ويكون "عجبًا" منصوبًا على المصدر، كأنه قال: يا قوم اعجبوا، ومن روى "يا عجبا" بلا تنوين فله وجهان أيضًا، أحدهما: أن يكون منادى مضافًا على لغة من يقول: يا غلاما أقبل، ونحوه قول أبي النجم العجلي:
يا بنت عما لا تلومي واهجعي
والوجه الثاني: أن يريد: يا عجباه، وأكثر ما يستعمل مثل هذا في الندبة، وقد جاء في غير الندبة نحو قول الراجز:
يا مرحباه بحمار ناجيه إذا أتى قربته للسانيه
[ ٦ / ١٥٩ ]
والفليقة: الداهية، ويقال أيضًا: فليق، بغير هاء، وفلق وفلقه وفليق، وزعم المبرد أنه يقال: فلق، بفتح الفاء، وذلك غير معروف، قال سويد بن كراع:
إذا عرضت داوية مدلهمة وغرد حاديها عملن بها فلقا
قال آخر:
نشقها بفليق ففليق
وقال خلف الأحمر:
موت الإمام فلقة من الفلق
والقوباء، بفتح الواو وتسكينها، فمن فتح واوها جعل الهمزة للتأنيث، فلم يصرفها، ومن سكن واوها جعل الهمزة للإلحاق، فصرفها، وأجاز الكوفيون ترك صرفها مع سكون الواو، وتكون ألفها للتأنيث، ولا يجيز ذلك البصريون، والريقة، قطعة من الريق، وهذا البيت لأعرابي أصابه قوباء، فقيل له: اجعل عليها شيئًا من ريقك وتعهدها بذلك، فإنها ستذهب، فعجب من ذلك، ويروى:
هل تغلبن القوباء الريقه
برفع القوباء، كأن معناها: أن الأعرابي كان يعتقد أن الريقة تبرئ من القوباء، فسمع قائلًا يقول: إن الريقة لا تبرئها، فأنكر ذلك، وتعجب منه. إلى هناك كلام ابن السيد. وقال اللخمي: يزعمون أن ريقة الصائم إذا نفث بها على القوباء أزالتها. انتهى. وقال ابن بري في أماليه على "الصحاح" هذا الرجز لابن قنان الراجز، يروى: يا عجبا، بالتنوين على تأويل: يا قوم اعجبوا عجبًا، وإن شئت جعلته منادى منكورًا، ويروى: يا عجبا، بغير تنوين يريد: يا عجبي، فأبدل من الياء ألفًا، تعجب من هذا الخراز الخبيث كيف يزيله الريق، ويقال: إنه ريق الصائم. انتهى.
[ ٦ / ١٦٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد الستمائة:
(٦٠٤) حملت أمرًا عظيما فاصطبرت له وقمت فيه بإذن الله يا عمرا
على أن الألف في يا عمرا لمد الصوت بالمندوب، قال المبرد في "الكامل": قوله: يا عمرا ندبة: أراد يا عمراه، وإنما الألف للندبة وحدها، والهاء تزاد في الوقف لخفاء الألف، فإذا وصلت لم تزد هاء تقول: يا عمر ذا الفضل، فإذا وقفت، قلت: يا عمراه، فحذف الهاء في القافية لاستغنائه عنها. انتهى. وقال ابن السيد فيما كتبه عليه: أجاز الفارسي في "يا عمرا" أن يكون إضافة إلى نفسه، كما قال:
يا ابنة عما لا تلومي واهجعي
وأجاز أن يكون على معنى الندبة، وأجاز أن يكون جعله نكرة كما قال:
سلام الله يا مطرًا عليها
قال: وقيل في قوله: "يا مطرًا" إنها معرفة، ولكنه لما نونه، قام التنوين مقام الإضافة، فنصبه كما ينصب المضاف. وهو قول عيسى بن عمر. انتهى.
والبيت من قصيدة أحد أبيات ثلاث لجرير رثى بها عمر بن عبد العزيز وهي:
تنعى النعاة أمير المؤمنين لنا يا خير من حج بيت الله واعتمرا
حملت أمرًا عظيمًا فاضطلعت به وقمت فيه بإذن الله يا عمرا
فالشمس كاسفة ليست بطالعة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
[ ٦ / ١٦١ ]
والنعاة: جمع ناع، من نعيت الميت: إذا أخبرت بموته، وقوله: "يا خير من حج .. إلخ" محله النصب بقول محذوف تقديره: قائلين يا خير من حج .. إلخ، أو فقلت: يا خير. وقوله: "حملت" بالبناء للمفعول: من التحميل، وأراد بالأمر العظيم: الخلافة، وهي العظمى، واضطلع بالأمر: إذا قدر عليه، كأنه قويت ضلوعه بحمله، قال الصاغاني في "العباب": الرواية: "فالشمس كاسفة ليست بطالعة" والنحاة يروونه مغيرًا، وهو "الشمس طالعة ليست بكاسفة" أي: ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها لقلة ضوئها وبكائها عليك. انتهى.
ولقد رأيته في ديوان جرير كما قال الصاغاني، وقال شارحه: أراد أن الشمس كاسفة تبكي عليك الدهر ما طلع القمر والنجوم، وهذا قول الكسائي. انتهى.
وقد جمعنا ما للعلماء من أقوال في الرواية المشهورة، وذكرنا ما يتعلق بها في الشاهد الثاني عشر من شواهد "شرح الشافية" للرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد الستمائة:
(٦٠٥) ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
على أن الألف في "اعبدا" بدل من نون التوكيد الخفيفة، قال سيبويه في باب النون الثقيلة والخفيفة: وأما الخفيفة، فقوله تعالى: (لنسفعًا بالناصية) [العلق/ ١٥]، وقال الأعشى:
وإياك والميتات لا تقربنها ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
[ ٦ / ١٦٢ ]
فالأولى ثقيلة، والأخرى خفيفة. انتهى. وقال السيرافي: "ولا تقربنها" نون ثقيلة و: "فاعبدا" نون خفيفة، وقف عليها بالألف، قال المصنف: ويحتمل هذا أن يكون من باب: يا حرسي اضربا عنقه. يعني يكون من باب خطاب الواحد بلفظ الاثنين، أو يكون أصله: اعبد اعبد على التكرير للتأكيد، فثنى الضمير نيابة عن تكرير الفعل، وهما خلاف الظاهر، ولا ضرورة تلجئ إلى الحمل على أحدهما.
وقال السهيلي في "الروض الأنف" وقوله: "والله فاعبدا" وقف على النون الخفيفة بالألف، وكذلك قوله: "فانكحن أو تأبدا"، ولذلك كتب في الخط بالألف، لأن الوقف عليها بالألف، وقد قيل في مثل هذا: إنه لم يرد الخفيفة، وإنما خاطب الواحد بخطاب الاثنين، وزعموا أنه معروف في كلام العرب، وأنشدوا في ذلك:
فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضًا ممنعا
وأنشدوا أيضًا في هذا المعنى:
وقلت لصاحبي لا تحبسانا بنزع أصوله واجتث شيحا
ولا يمكن إرادة النون الخفيفة في هذين البيتين، لأنها لا تكون ألفًا إلا في الوقف، وهذا الفعل قد اتصل به الضمير، فلا يصح اعتقاد الوقف عليه دون الضمير، وحكي أن الحجاج قال: يا حرسي اضربا عنقه، وهذا قد يمكن فيه حمل الوصل على الوقف، ويحتمل أن يريد: اضرب أنت وصاحبك، وقد قيل في قوله سبحانه:
[ ٦ / ١٦٣ ]
(أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) [ق/٢٤] إن الخطاب لمالك وحده حملًا على هذا الباب، وقيل: بل هو راجع إلى قوله: (سَائِقٌ وشَهِيدٌ). انتهى كلام السهيلي. والبيت من قصيدة في مدح النبي ﷺ، ولم يوفق للإسلام، وقد تقدم بعضها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وبعضها في الإنشاد الخامس والثمانين بعد الأربعمائة، وبعضها في الإنشاد الثامن عشر بعد الخمسمائة، وبعضها في الإنشاد الواحد والخمسين بعد الخمسمائة. وقبل هذا البيت:
أجدك لم تسمع وصاة محمد نبي الإله حين أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
فإياك والميتات لا تطعمنها ولا تأخذن سهمًا حديدًا لتفصدا
ولا النصب المنصوب لا تنسكنه لعاقبة والله ربك فاعبدا
وصل على حين العشيات والضحى ولا تحمل الشيطان والله فاحمدا
ولا السائل المحروم لا تتركنه لفاقته ولا الأسير المقيدا
ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة ولا تحسبن المال للمرء مخلدا
ولا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا
وهذا آخر القصيدة، وقوله: أجدك، الألف للاستفهام، والجد، بالكسر، نقيض الهزل، منصوب على المصدرية. والوصاة: الوصية، وقوله: إذا أنت لم ترحل .. إلى آخر القصيدة: هي الوصية، وقوله: ندمت، جواب إذا. وقوله: وأنك لم ترصد، قال الأزهري: أرصدت له شيئًا – أرصده، أي: أعددت
[ ٦ / ١٦٤ ]
وهيأت، وقوله: لا تطعمنها، أي: لا تأكلنها، وروى سيبويه بدله "لا تقربنها" وهي كناية عما ذكرنا، وروى سيبويه المصراع الثاني: "ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا" قال ابن السيرافي في "شرح شواهده": والرواية في شعر الأعشى:
وإياك والميتات لا تقربنها ولا تأخذن سهمًا حديدًا لتفصدا
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
انتهى، وعليه يكون ذاك مركبًا من بيتين، لكن الذي رأيته في ديوان الأعشى في نسخة قديمة يزيد تاريخها على سبعمائة سنة ما سطرته، والله أعلم.
وقوله: ولا تأخذن سهمًا إلخ، قال الخوارزمي: كان بعض العرب يأخذ سهمًا يفصد به الناقة فيشرب دمها، فحرم الله سبحانه الدم إلا عند الضرورة. وقوله: ولا النصب المنصوب، هو منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: ولا تنسك النصب، وتكون الجملة معطوفة على جملة لا تأخذن، ورواه الجوهري: "وذا النصب" باسم الإشارة. قال: والنصب، أي: بفتح فسكون: ما نصب وعبد من دون الله، وكذلك النصب، بالضم، وقد يحرك مثل: عسر وعسر، قال الأعشى:
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه لعاقبة والله ربك فاعبدا
أراد فاعبدن، فوقف بالألف. وقوله: وذا النصب، يعني إياك وهذا النصب، وهو للتقريب [كما] قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد
انتهى.
[ ٦ / ١٦٥ ]
ويجوز أن ينصب بفعل يفسره ما بعده كما ذكرنا، والنسك: العبادة، والناسك: العابد، وفعله من باب قتل، وقوله: لعاقبة، أي: لحسن العاقبة، والعاقبة: مصدر بمعنى العقبى، والله: منصوب بالفعل بعده، وربك: صفته، قال أبو حيان في "البحر" عند تفسير قوله: (وَإيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة/ ٤٠] والذي يدل على أن هذا التركيب، أعني: زيدًا فاضرب، تركيب عربي صحيح، قوله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) [الزمر/ ٦٦] وقال الشاعر:
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
قال بعض أصحابنا: الذي ظهر فيها بعد البحث أن الأصل في "زيدًا فاضرب" تنبه فاضرب زيدًا، ثم حذف "تنبه" فصار: فاضرب زيدًا – فلما وقعت الفاء صدرًا، قدموا الاسم إصلاحًا للفظ، وإنما دخلت الفاء هنا لتربط هاتين الجملتين. انتهى.
وقوله: ولا تسخرن من بائس .. إلخ. في "المصباح": سخرت منه وبه –قاله الأزهري- سخرًا، من باب تعب: هزئت به، والبائس: الفقير الذي أصابه البؤس والشدة، والضرارة: هي الضرورة، وبها روي أيضًا.
وقوله: ولا تقربن جارة، أي: للفحشاء، قال شارح ديوانه: السر: النكاح، والتأبد: التعزب، ومن هذا قيل للوحش: أوابد، لتأبدها. وقال السهيلي: وقوله: فانكحن أو تأبدا، يريد: أو ترهب، لأن الراهب –أبدًا- عزب، فقيل له: متأبد، اشتق له من لفظ الأبد. انتهى.
[ ٦ / ١٦٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد الستمائة:
(٦٠٦) من طلل كالأتحمي أنهجا
على أن الألف للإطلاق، وهو من أرجوز للعجاج، وقبله، وهو أولها:
ما هاج أشجانًا وشجوًا قد شجا
وما: اسم استفهام مبتدأ، وجملة "هاج" بفاعله المستتر: خبر، وأشجانًا مفعوله، وهو جمع شجن، بفتحتين، وهو الحزن، وهاج: يأتي متعديًا بمعنى هيج، وهو المراد هنا، ويأتي لازمًا. والشجو: مصدر شجاه الهم يشجوه إذا أحزنه، والأتحمي، بمثناة فوقية فحاء مهملة، فميم مكسورة، وياء مشددة: البرد اليمني يشبه به الطلل من أجل خطوطه التي فيه، كما يشبه بالمصحف لذلك، وقال الأزهري: الأتحمي: ضرب من البرود، وقد أتحمت البرود إتحامًا فهي متحمة، ويقال: تحمت الثوب: إذا وشيته، وفرس متحم اللون إلى الشقرة، كأنه شبه بالأتحمي من البرود، وهو الأحمر. انتهى.
وأنهج الثوب إنهاجًا: أخلق وبلي، وأنهج مع فاعله الضمير: جملة واقعت صفة للأتحمي، لأن اللام فيه للجنس، أو هي حال منه.
وترجمة العجاج تقدمت في الإنشاد الثاني عشر.
[ ٦ / ١٦٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد الستمائة:
(٦٠٧) أعوذ بالله من العقراب
على أن الألف في العقراب زائدة لضرورة الشعر، قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنها إشباع الحركة فينشأ عنها حرف من جنسها، ثم أورد أبياتًا منها:
أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب
قال: يريد العقرب، الذكر والأنثى فيه سواء، والذكر عقربان، بضم العين والراء وسكون القاف بينهما، والشائلات: المرتفعات، من شال الشيء يشول، أي: ارتفع.
(حرف الياء المفردة)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثامن بعد الستمائة:
(٦٠٨) ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال
على أنه اختلف في "يا" إذا دخلت على الفعل، فقيل: حرف نداء والمنادى مقدر، وقيل: هي حرف تنبيه ولا منادى، قال سيبويه في "باب عدة ما يكون عليه الكلام": وأما "يا" فتنبيه، ألا ترى في النداء وفي الأمر كأنك تنبه المأمور، قال الشماخ:
ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال
[ ٦ / ١٦٨ ]
قال الأعلم: الشاهد فيه دخول "يا" التنبيه وإن شئت قدرت المنادى محذوفًا، فتكون للنداء على الأصل المستعمل، والتقدير: يا هذان اسقياني. انتهى.
وهو من قصيدة للشماخ عدتها خمسة عشر بيتًا، رثى بها بكير بن شداد الليثي الكناني، قال جامع ديوانه: وقال الشماخ، وكان غزا مع سعيد بن العاص حتى افتتح أذربيجان ويرثي بكيرًا وقتل يومئذ:
لعمرك لا أنسى وإن طال عهدنا لقاء ابنة الضمري في البلد الخالي
تذكرتها وهنًا وقد حال دونها قرى أذربيجان المسالح والجالي
ألا يا أصحابي قبل غارة سنجال وقبل منايا باكرات وآجال
وقبل اختلاف القوم من بين سالب وآخر مسلوب هوى بين أبطال
وقيلهم خدوا له برماحكم بنازحة العواد خفاقة الآل
فبكوا قليلًا ثم ولوا وودعوا وقد غادروا في اللحد لحمي وأوصالي
لقد غادرت خيل بموقان أسلمت بكير بني الشداخ فارس أطلال
فتى كان يروي سيفه وسنانه من العلق الآني لدى المجحر التالي
وقد علمت خيل بموقان أنني أنا الفارس الحجامي لدى الموت نزال
قوله: لعمرك لا أنسى .. إلخ، البلد: الأرض والمكان، قال جامع ديوانه يريد أنه لقيها ببلد خال، فرأى منظرًا حسنًا أعجبه. وقوله: تذكرتها وهنًا، الوهن: ما بعد نصف الليل الأول، وأذربيجان: إقليم من بلاد العجم، وقاعدة بلدة تبريز، وحده من برذع مشرقًا إلى زنجان مغربًا، والمسالح: جمع مسلحة وهو الثغر، والقوم ذوو سلاح، والمسلحة، بفتح الميم: موضع السلاح، والمسالح: بدل
[ ٦ / ١٦٩ ]
من قرى، والجالي، بالجيم، قال جامع ديوانه: الجالي موضع منها، ويروى "المصالح" أي حال دونها هذه القرى التي أهلها في الصلح، والقرى أجلي عنها أهلها.
ألا يا اصبحاني قبل .. إلخ، أي: اسقياني الصبوح، وهو شرب الغداة. والغارة: اسم للإغارة، وهي الإسراع في أخذ العدو، وسنجال: بكسر السين وسكون النون بعدها الجيم، قال جامع ديوانه: قرية ممن قرى إرمينية. انتهى. وإرمينية، بكسر الألف، وخفة الياء الأخيرة: اسم صقع عظيم حده من برذع إلى باب الأبواب، ومن الجهة الأخرى إلى بلاد الروم، يقول: اسقياني قبل هذه الوقعة، وقبل هذه المنايا المقدرة علمًا منه أن ربما قتل فيها هو أو أحد من أودائه فيشغله ذلك عن اللذات.
وقوله: هوى بين أبطال، أي: وقع بينهم، وقوله: وقيلهم بالجر، معطوف على اختلاف، أي: واسقياني قبل قولهم: خدوا له، أي: شقوا له قبرًا بنازحة العواد، أي: في أرض بعيد عوادها، جمع عائد، وهو من يزور المريض ونحوه. وقوله: خفاقة الآل، أي: يخفق سرابها ويضطرب، ولا يكون هذا إلا في أرض منقطعة عن الناس، وبكوا –بالتشديد- لغة في بكوا –بالتخفيف- وغادروا: تركوا، والأوصال: الأعضاء الموصولة بعضها ببعض.
وقوله: لقد غادرت خيل بموقان، بضم الميم: قرية من قرى أذربيجان، وغادرت: تركت، والباء متعلقة به، وأسلمت: أودعت وسلمت، وبكير منصوب بأحدهم على التنازع، وهو:
بكير بن شداد بن خالد بن عامر بن الملوح بن الشداخ بن يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. يريد أنه خرج عليه جماعة من الخير فقتلوه بموقان، وفارس أطلال: صفة بكير، وأطلال: اسم فرسه.
[ ٦ / ١٧٠ ]
وقوله: فتى كان .. إلخ، أي: هو فتى، ويوري: مضارع أرواه بمعنى سقاه حتى ارتوى، والعلق: الدم الغليظ، والآني بالنون: السخن والحار، والمجحر، بضم الميم وسكون الجيم وفتح الحاء المهملة، قال جامع ديوانه: المجحر: المتخلف، والتالي: الذي يتلوه، وقوله: لدى الموت، أي: في المعركة، قال جامع ديوانه: نزيل الرجل: مرافقه، والجمع نزال.
والشماخ: مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وله صحبة، وشهد وقعة القادسية، قال المرزباني: وتوفي في غزوة موقان، في زمن عثمان بن عفان، واسمه معقل بن ضرار الغطفاني.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد الستمائة:
(٦٠٩) يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار
لما تقدم قبله، فـ "يا" إما لمجرد التنبيه، وإما للنداء، والمنادى محذوف تقديره: يا قوم، والثاني أورده سيبويه في باب الاستغاثة، قال الأعلم: الشاهد فيه حذف المدعو لدلالة حرف النداء عليه، والمعنى: يا قوم لعنة الله على سمعان، ولذلك رفع اللعنة بالابتداء، ولو أوقع النداء عليها لنصبها. انتهى.
وقال ابن الحاجب في "أمالي المفصل": يجوز في الصالحين الرفع على الموضوع، لأن المعنى: يا قوم؛ لعن الله والأقوام والصالحون، والخفض ظاهر، والرفع مثل
[ ٦ / ١٧١ ]
قولك: أعجبني ضرب زيد وعمرو، عطفًا لموضع زيد، إذ موضعه رفع، ومن في قوله: من جار، للبيان، فتتعلق بمحذوف تقديره على سمعان الحاصل من الجيران، أو حاصلًا من الجيران. انتهى.
قال الصاغاني في "العباب": وسمعان كعمران، والعامة تفتح، قال: يا لعنة الله .. البيت، ولعنة: مبتدأ، وعلى سمعان: خبر، ومن جار: تمييز، كأنه قال: على سمعان جارًا. انتهى.