أنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٦) واشتغل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضى
هو من مقصورة ابن دريد، وأول القصيدة:
يا ظبية أشبه شيء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقى
إما تري رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل المبيض .. البيت.
فكان كالليل البهيم حل في أرجائه ضوء صباح فانجلى
قوله: يا ظبية أشبه إلى آخره، قال ابن هشام اللخمي في "شرح المقصورة": هذا البيت لم يثبت في أكثر الروايات، وإنما وقع في رواية شاذة، وهي رواية أبي إسحاق بن مخلد قال: والمها: جمع مهاة: وهي الشمس، والعرب تشبه وجه المرأة بالشمس في الإشراق، والمهاة أيضًا: الدرة والعرب تشبه المرأة بها في الضياء، والمهاة أيضًا: بقرة الوحش، والعرب تشبه المرأة بها لحسن عينيها ومشيها، والمهاة: أيضًا البلورة، والعرب تشبه المرأة بها في البياض، فيحتمل أن يكون شبه المرأة التي جعلها ظبية على الاتساع بأحد هذه الأربعة، وترعى: تأكل، والخزامى: خيري البر، والنقا: الرمل، يكتب بالألف والياء، وكذلك المها: والظبية: الغزالة تشبه العين والجيد بعينها وجيدها.
[ ٦ / ٣١٦ ]
وقوله: إما تري، أصله: إن ما، وإن: شرطية وما: زائدة، وحاكى: شابه، وطرة كل شيء: حافته، والصبح: تأويله الإشراق، والدجى: جمع دجية، وهي الظلمة، يكتب بالألف، لأنه واوي، والكوفيون يكتبونه بالياء. وهذا المطلع مأخوذ من قول الأفوه الأودي في أول قصيدته:
إما تري رأسي أودى به مأس زمان ذي انتكاس مؤوس
حتى حنى مني قناة المطا وقنع الرأس بلون خليس
المأس: الفاسد، ومؤوس: مفسد، ولون خليس، أي: سواد وبياض. وقوله: واشتعل المبيض إلى آخره واشتعل: فشا وانتشر، والجزل: الغليظ، والغضا: ضرب من الشجر ناره تبقى زمانًا، يكتب بالألف، وهذا مأخول من قوله تعالى: (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) [مريم/ ٣] وقال الشاعر في هذا المعنى:
إن تري رأسي أمسى واضحًا سلط الشيب عليه فاشتعل
ومثل: منصوب، أي: اشتعل المبيض في مسوده اشتعالًا مثل اشتعال النار. وترجمة ابن دريد تقدمت في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٧) وإن لساني شهدة يشتفى بها وهو على من صبه الله علقم
قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: هذا البيت أورده الفارسي في "التذكرة" عن قطرب والبغداديين، وفيه أربعة شواهد:
أحدها: تشديد واو "هو".
[ ٦ / ٣١٧ ]
الثاني: تعليق الجار بالجامد لتأويله بالمشتق، وذلك لأن قوله: هو علقم، مبتدأ وخبر، والعلقم هو الحنظل، وهو نبت كريه الطعم، وليس المراد هذا، بل المراد شديد أو صعب، فلذلك علق به "على" المذكورة، ونظيره قوله: كل فؤاد عليك أم، فعلق "على" بأم لتأويله إياها بمشتق، وعلى هذا ففي "علقم" ضمير كما في قولك: زيد أسد، إذا أولته بقولك: شجاع.
الثالث: جواز تقديم معمول الجامد المؤول بالمشتق إذا كان ظرفًا.
الرابع: جواز حذف العائد المجرور بالحرف مع اختلاف المعلق إذ التقدير: وهو علقم على من صبه الله عليه، فعلى المذكورة متعلقة بعلقم، والمحذوفة متعلقة بصب. انتهى كلامه باختصار يسير.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٨) أنا أبو المنهال بعض الأحيان
قال أبو علي في "الإيضاح الشعري" أنشد أحمد بن يحيى:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ليس علي حسبي بضؤلان
إن قلت: بم يتعلق قوله: بعض الأحيان؟ فالقول فيه أنه يتعلق بأحد شيئين، إما أن يكون أبو المنهال كنية بعض من يقرب منه، فقال: أنا أبو المنهال، أي: مثله، فتعلق الظرف بهذا الذي يحذى من معنى الفعل، ويكون أبو المنهال رجلًا نبيهًا أو ممتنعًا على من يريده، وقد عرف بذلك حتى إذا ذكر، دل على النباهة والامتناع، فيتعلق الظرف بهذا المعنى، ومثل ذلك قوله ﷿ في قراءة من قرأ: (كَلاَّ إنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى) [المعارج/ ١٦] ألا ترى أن "لظى" وإن كانت علمًا، فقد صار إذا ذكرت، دلت على التلظي، فكما انتصب الحال من معنى الفعل الذي في هذا الاسم، كذلكيتعلق الظرف بما في أبي المنهال من معنى الفعل. انتهى المراد منه.
[ ٦ / ٣١٨ ]
وقد عقد ابن جني لهذا بابًا في أواخر "الخصائص" قال في "باب الاستخلاص من الأعلام معاني الأوصاف": منذ لك ما أنشدناه أبو علي من قول الشاعر:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ليس علي حسبي بضؤلان
أنشدنيه ونحن في دار الملك، وسألني عما يتعلق به الظرف الذي هو "بعض الأحيان" فخضنا فيه إلى أن برد في اليد من جهته أنه يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون أراد: أنا مثل أبي المنهال، فيعمل في الظرف على هذا معنى التشبيه، أي: أنا أشبه أبا المنهال في بعض الحيان، والآخر أن يكون قد عرف من أبي المنهال هذا الغناء والنجدة، فإذا ذكر فكأنه قد ذكر، فيصير معناه إلى أنه كأنه قال: أنا المغني في بعض الأحيان، أو أنا المنجد في بعض تلك الأوقات، أفلا ترى كيف انتزعت من العلم الذي هو "أبو المنهال" معنى الصفة والفعلية؟ ! ومنه قولهم: "إنما سميت هانئًا لتهنأ .. إلى آخر ما ذكره من الأمثلة.
ومقتضى كلامهما أن أبا المنهال ليس صاحب الرجز، وليس كذلك، بل هو صاحب الرجز، وهو من رجز أورده له العلامة ابن بري في "أماليه" على "صحاح الجوهري" في مادة: "أين" قال هناك؛ وقال أبو المنهال:
حدبدبا بدبدبا منكم لان إن بني فزارة بن ذبيان
قد طرقت ناقتهم بإنسان مشنأ سبحان ربي الرحمن
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ليس علي حسبي بضؤلان
والمنهال: الرجل الكثير الإنهال، والمنهال: الغاية في السخاء، فيكون الشاعر كنى نفسه بأحد هذين المعنيين، ثم اشتهر بهذه الكنية، وذكر الكنية عند العرب للتمدح والافتخار كقوله:
[ ٦ / ٣١٩ ]
أنا أبو النجم وشعري شعري
أي: أنا الممدوح بهذه الكنية، المعروف بها لا غيري، فيتعلق به الظرف.
قال ابن السيد فيماكتبه على "كامل" المبرد: قال أبو العباس المبرد: كل من كان اسمه من آل المهلب أبا عيينة فكنيته أبوا لمنهال. انتهى.
ورأيت في شرح "ديوان الفرزدق" أن أبا المنهال هو أبو عيينة بن المهلب، والضؤلان، بضم الضاد المعجمة وسكون الهمزة: الضعيف الحقير كالضئيل، وأصله في الجسم، وهو الصغير النحيف من الرجال، وفي "القاموس": وهو عليه ضؤلان، أي: كل. والحسب: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، ويقال: حسبه: دينه، ويقال: ماله، وعلي، بتشديد الياء، متعلق بضؤلان. وقوله: حدبدبا بدبدبا: لعبة للصبيان. وقوله: لان، أصله: الآن، وهو الوقت الحاضر، حذفت همزته، وطرقت، أي: ولدت بعسر، يقال: طرقت الناقة بولدها: إذا نشب ولدها، ولم يسهل خروجه، وكذلك المرأة، ومشنأ: مهموز الآخر، اسم مفعول من الشنآن، أي: مبغض.
وقد أورد الصاغاني هذا الرجز في "العباب" على غير هذا الوجه، وليس في آخره البيت الشاهد، ولا ما بعده، قال: ويقال: شيأ الله وجهه، بالياء المثناة التحتية المشددة وبالهمزة، إذا دعوت عليه بالقبح، قال سالم بن دارة يهجو مرة بن رافع المازني:
حدنبدى حدنبدى حدنبان حدبندى حدنبدى يا صبيان
إن بني فزارة بن ذبيان قد طرقت ناقتهم بإنسان
مشيأ سبحان وجه الرحمان لا تقتلوه واحذروا ابن عفان
حتى يكون الحكم فيكم ما كان قد كنت أنذرتكم يا نغران
من رهبة الله وخوف السلطان ورهبة الأدهم عند عثمان
هكذا الرواية، وأنشد أبو عمر في "اليواقيت" خمسة مشاطير، وروايته وبعد الشطرين الأولين:
[ ٦ / ٣٢٠ ]
إن بني سوأة بن غيلان قد طرقت ناقتهم بإنسان
مشيأ الخلق تعالى الرحمن لا تقتلوه واحذروا ابن عثمان
والمعول على الرواية الأولى. انتهى ما أورده، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
وأورد الخطيب التبريزي في "شرح الحماسة" هذا الرجز على نمط آخر وهو:
حدبدبا بدبدبا منك الآن استمعوا أنشدكم يا ولدان
إن بني فزارة بن ذبيان قد طرقت ناقتهم بإنسان
مشيأ أعجب بخلق الرحمان غلبتم الناس بأكل الجرذان
وسرق الجار ونيك البعران كل متل كالعمود جوفان
قال: حدبدبا: كلمة جاء بها في معنى التعجب مما هو فيه، وأصلها لعبة يلعب بها الصبيان، ويختلف في لفظها، وبعضهم يقول: حدبدبا، ببائين، وبعضهم يقول: حدندبا، وبعضهم يقول: حديدبا. يقول: اجتمعوا يا صبية لتلعبوا هذه اللعبة، وإنما غرضه أن يعجب الناس مما هو فيه، ويعلمهم أنه في أمر كلعب الصبيان. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٩) أنا ابن ماوية إذ جد النقر
على أن "إذ" ظرف متعلق بما تضمنه ابن ماوية من معنى الشجاع، قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": "أنا ابن ماوية" كلام [خرج مخرج الافتخار] لا يقوله إلا [رجل مشهور] عند الناس، قال أبو النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري
[ ٦ / ٣٢١ ]
وقال اللخمي في "شرح أبيات الجمل" أيضًا: أي: أنا الشجاع البطل عند اشتداد الحرب، وإذ ظرف، والعامل فيه ما في الكلام من معنى الانتساب، والتقدير أنا منسوب إلى ماوية، إذ جد النقر، وأنشد سيبويه هذا البيت في باب الوقف من "كتابه"، قال الأعلم: الشاهد فيه إلقاء حركة الراء على القاف للوقف، والنقر: صويت تسكن به الفرس عند اشتداد حركته، أي: أنا الشجاع البطل إذا حتمت الخيل عند اشتداد الحرب. انتهى. وماوية: أم الراجز اشتهر بها، قال ابن السيد: ومعنى جد: اشتد وتحقق، والنقر: صويت باللسان يسكن به الفرس إذا اضطرب بفارسه. قال امرؤ القيس:
أخفضه بالنقر لما علوته
وكذا قال اللخمي في تفسير النقر، وزاد في آخره: ومخرجه من الخيشوم. وبعد هذا الشطر:
وجاءت الخيل أثابي زمر أحمل في الهيجاء دابًا وأكر
انتهى. وأثابي: جمع أثبية، بالتشديد فيها بمعنى جماعة، قال ابن جني في "إعراب أبيات الحماسة": يقال: جاء فلان في أثبية من قومه، وأثبية وزنها أفعولة من لفظ الثبة، ومعناها، ومنه قولهم: ثبت الثناء على الرجل: إذا أكثرته عليه قال لبيد:
يثبي ثناء من لبيد وقوله إلا انعم على حسن التحية واشرب
ولام، أثبية وثبة، واو، لما وصى به أبو الحسن من اللام المحذوفة إذا جهل أمرها على الواو، لنها الباب الأكبر، وأصله أثبوة غير أن الحرف طال، فثقلت
[ ٦ / ٣٢٢ ]
لامه، فقلبت ياء، كأدحية: من دحوت، وقياس من قال: أحدوة وأدعوة أن يقول: أثبوة. انتهى.
والبيت نسبه سيبويه وشراح شواهده إلى بعض السعديين، وقال ابن السيد: لا أعلم قائله، وأظنه لعبيد بن ماوية الطائي، لقوله: "أنا ابن ماوية"، وجزم به اللخمي، وقال الصاغاني في "العباب": هو لفدكي بن أعبد المنقري قال: ونقرت بالفرس نقرًا، وهو صويت تزعجه به، وذلك أن تلصق لسانك بحنكك، ثم تفتح، وقول الفكدي بن أبعد المنقري:
أنا ابن ماويةإذ جد النقر
أراد: النقر بالخيل، فلما وقف نقل حركة الراء إلى القاف إذا كان ساكنًا ليعلم السامع أنها حركة الحرف في الوصل كما تقول: هذا بكر، ومررت ببكر، ولا يكون ذلك في النصب، وإن شئت لم تنقل، ووقفت على السكون وإن كان قبله ساكن. انتهى كلامه، ومن خطه نقلت.
وقال في مادة "فدك": وفدكي بن أعبد أبو ميا أم عمرو بن الأهتم، وأمها بنت علقمة بن زرارة. قال عمرو بن الأهتم:
نمتني عروق من زرارة للعلى ومن فدكي والأشد عروق
انتهى. وعمرو بن الأهتم صحابي، وفدكي، بفتح الفاء والدال بعدها كاف والياء مشددة، والمنقري: نسبة إلى منقر، بكسر الميم، وسكون النون، هو أبو حي من تميم، وهو منقر بن عبيد بن مقاعس، وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد ابن زيد بن تميم.
[ ٦ / ٣٢٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٠) حتى شآها كليل موهنًا عمل
تمامه:
باتت طرابًا وبات الليل لم ينم
على أن "موهنًا" ظرف لكليل لا مفعول به خلافًا لسيبويه. قال الأعلم: الشاهد نصب الموهن بكليل، لأنه مغير عن بنائه للتكثير، وقد رد هذا التأويل على سيبويه بأن فعيلًا وفعلًا بناءان لما لا يتعدى في الأصل، والمعنى عنده: أن البرق ضعيف الهبوب، كليل في نفسه، وهذا الرد غير صحيح، إذ لو كان كليلًا- كما قال- لم يقل "عمل" وهو الكثير العمل، ولا وصفه بقوله: وبات الليل لم ينم، والمعنى على مذهب سيبويه: أنه وصف حمارًا وأتنًا نظرت إلى برق مستمطر دال على الغيث يكل الموهن بدؤوبه وتوالي لمعانه، كما يقال: أتعبت ليلك، أي: سرت فيه سيرًا حثيثًا متعبًا متواليًا، والموهن: وقت من الليل فشاها ذلك البرق، أي: ساقها وأزعجها إلى مهبه، فباتت طربة إليه، منتقلة نحوه، وفعيل بمعنى مفعل: موجود كثير، يقال: بصير في معنى مبصر، وعذاب أليم بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع، وكذلك كليل في معنى مكل، وإذا كان في معناه عمل عمله، لأنه مغير منه للتكثير. انتهى كلامه.
وقال غبن خلف أيضًا: الشاهد نصب: موهنًا بكليل نصب المفعول به، لأنه بمعنى مكل، فيعمل عمله، وقال المبرد: موهنًا ظرف، وليس بمفعول به، ولا حجة له فيه، وجعل كليلًا من كل يكل، وكل لا يتعدى إلى مفعول به، فكيف يتعدى كليل. قال أبو جعفر: لا يجوز عند الجرمي والمازني والمبرد أن يعملوا
[ ٦ / ٣٢٤ ]
فعيلًا فقال: وما علمت إلا أن النحويين مجمعون على ذلك، ولا يجيزون هو رحيم زيدًا، ولا عليم الفقه، والعلة فيه أن فعيلًا في الأصل من فعل فهو فعيل، وهذا لا ينصب بإجماعهم وهو معهم على ذلك، وفعيل هذا بمنزلة ذاك، لأنه إنما يخبر به عما في الهيئة، فهو ملحق به لا يعمل كما لا يعمل، وفعل عند المبرد بمنزلته، واحتج بقولهم: رجل طب وطبيب. قال أبو إسحاق في الحجة لسيبويه في إعمال فعيل: إن الأصل كان لا يعمل إلا ما جرى على الفعل، فلما أعلموا ضروبًا؛ لأنه بمعنى ضارب، وجب أن يكون فعيل مثله، قال: ومنه قدير، وسيبويه أورد هذا على أنه للمبالغة في كال، وكال يتعدى إلى مفعول على تقديره، وكأن الذي عند سيبويه أن كللت يتعدى، ويكون معناه أنه كلل الموهن، أي: جعل يبرق فيه برقًا ضعيفًا، وزعم أن كليلًا بمعنى مكل وليس هذا من مذهب سيبويه في شيء؛ لأن سيبويه غرضه ذكر فعيل الذي هو مبلغه فاعل، وما تعرض لفعيل الذي هو بمعنى مفعل. وقد روى أبو الحسن اللحياني في "نوادره" أن بعض العرب يقول في صفة الله ﷿: " هو سميع قولك وقول غيرك، بتنوين سميع ونصب قولك، وهذا يشهد لصحة مذهب سيبويه.
وقال أبو نصر هارون بن موسى: زعم الراد على سيبويه أن موهنًا ظرف، وهو على ما ذكره فاسد المعنى، والكليل هنا: البرق، والموهن: وقت من الليل، ولو كان ظرفًا لوصف البرق بالضعف في لمعانه، وإذا كان بهذه الصفة، فكيف يسوقها وهو لا يدل على المطر؟ ولكن البرق إذا تكرر في لمعانه واشتد ودام، دل على المطر وساق، وأتعب الموهن في ظلمته، لأنه كلما هب ذهبت الظلمة، ثم يرجع إذا فتر البرق، ثم يذهب إذا لمع، فلذلك عدى الشاعر الكليل إلى الموهن. انتهى.
وقد نقلنا نص كلام سيبويه، هذه المسألة في شرح الشاهد الرابع من بعد الستمائة من شواهد الرضي.
[ ٦ / ٣٢٥ ]
والبيت من قصيدة لساعدة بن جؤية الهذلي، تقدم شرح أبيات من أولها في الإنشاد الثاني والستين.
وقوله: حتى شاها، فاعل شأى: كليل، وها: ضمير الصوار في بيت قبله، والصوار بكسر الصاد المهملة: جماعة البقر، قال السكري في "شرح أشعار هذيل": قوله حتى شاها يعني: شأى البقر، يقال: شؤته، فكان ينبغي أن يقول: شاءها، فقلب، فقدم الهمزة، ومعنى شؤته: سبقته وهيجته وسررته، يقول: حتى شاق البقر كليل، وهو البرق الضعيف، وموهنًا: بعد هدء من الليل، وعمل أي: ذو عمل، لا يفتر البرق من اللمعان، وباتت طرابًا، يعني: البقر، وبات الليل يعني: البرق، وعما: دائب، يقال للرجل إذا دأب: قد عمل يعمل. انتهى.
وقال ابن خلف: شاها: ساقها، وقال الأخفش: تبعها، يقال: شاءني الأمر وشآني: ساقني، ويقال أيضًا: شآني، حزنني، وكليل، أي: برق ضعيف، وإنما كان ضعيفًا، لأنه ظهر من بعيد، والموهن، بفتح الميم وكسر الهاء: قطعة من الليل، والعمل، بكسر الميم: الدائب المجتهد في عمله، الذي لا يفتر، وباتت طرابًا: يعني البقر الوحشية طرابًا إلى السير، إلى الموضع الذي فيه البرق، وبات البرق الليل أجمع لا يفتر عن اللمعان، فعبر عن البرق أنه لم ينم لاتصاله من أول الليل إلى آخره.
وقد أوردنا عدة أبيات من هذه القصيدة مع هذا البيت، وشرحناها في الإنشاد الثامن والثلاثين بعد الخمسمائة.
[ ٦ / ٣٢٦ ]
ولما لم يقف الدماميني على أصل الشعر قال: شآها: سبقها، والضمير للسحاب، وتبعه ابن الملا وغيره من الشراح
وأنشد بعده:
ونعم من هو في سر وإعلان
صدره:
ونعم مزكا من ضاقت مذاهبه
وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والثلاثين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده:
لمية موحشًا طل
تمامه:
يلوح كأنه خلل
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والعشرين بعد المائة.
وأنشد بعده:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر
تمامه:
فإن قومي لم تأكلهم الصبع
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والأربعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨١) وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحول
[ ٦ / ٣٢٧ ]
على أن بعضهم قال: "غداة البين": ظرف للنفي، واقتصر المصنف في "شرح بانت سعاد" على تعلق غداة بكاف التشبيه المحذوفة، بل آل كلامه هناك إلى أنه لا يجوز تعليق غداة إلا بذلك الحرف، فإنه قال هناك: فإن قلت: الحرف الحامل لمعنى التشبيه مقدر بعد إلا، وما بعد إلا لا يعمل فيما قبلها إذا كان فعلًا مذكورًا بالإجماع، فما ظنك به إذا كان حرفًا محذوفًا؟ قلت: المخلص من ذلك أن يقدر حرف التشبيه قبلها، وقبل الظرف أيضًا، داخلًا على سعاد، أي: وما كسعاد في هذا الوقت إلا ظبي أغن. انتهى. ولا ضرورة إلى ذلك، ولا إلى تعلقه بحرف النفي؛ لجواز تعلقه بمضاف محذوف، والتقدير: وما وصف سعاد غداة البين إلا كوصف ظبي أغن، أو ما حال سعاد إلا كحال ظبي، فالظرف يتعلق بهذا المضاف، كما قالوا يتعلق الظرف به في قوله تعالى: (واذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إذِ انتَبَذَتْ) [مريم/١٦] أي: حال مريم وأتعجب من قول المصنف هنا: وقد ذكرت في شرحي لقصيدة كعب أن المختار تعلق الظرف بمعنى التشبيه. انتهى. وأراد بغير المختار: التعلق بحروف النفي، ووجه التعجب أنه لم يذكر هناك تعلق بحرف النفي أصلًا، وإنما ذكر تعلقه بحرف التشبيه لا غير، وإخباره هذا مبني على توهم ذكرها هناك من غير مراجعة، ولم ينتبه لهذا شراح المغني.
والبيت من أول قصيدة "بانت سعاد" والغداة: مقابل العشي، والمراد هنا مطلق الزمن، والبين: الفراق، وإذ: بدل من غداة. وجمع ضمير "سعاد" في رحلوا باعتبار قومها، والأغن من وصف الظبي، والغنة: صوت لذيذ يخرج من الأنف، شبهها بالظبي الأغن، ووجه الشبه هنا النفور، والطرف: العين، والغض: فتور وانكسار يكون في الأجفان. وقد شرح المصنف هذا البيت شرحًا وافيًا شافيًا في شرحه لهذه القصيدة. وقد كتبنا ما يتعلق به في حاشيتنا عليه. وترجمة كعب تقدمت في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة.
[ ٦ / ٣٢٨ ]
وأنشد بعده:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والستين بعد الثلاثمائة:
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٢) تعيرنا أننا عالة ونحن صعاليك أنتم ملوكا
على أن "صعاليك وملوك" حالان، وعاملهما كاف التشبيه المحذوفة، وكذا أورده الخبيصي في "شرح الكافية الحاجبية" المسمى ب "الوشاح" وقد شرح شواهده الكرماني باسم "الشاه شجاع" قال فيه: البيت للنابغة، يقال: عيرته كذا، والعامة تقول: عيرته بكذا. قال النابغة:
وعيرتني بنو ذبيان رهبته وهل على بأن أخشاه من عار
والعالة جمع عائل، وهو الفقير، والصعاليك جمع صعلوك: وهو الفقير، وقوله: أننا عالة: في موضع المفعول الثاني لتعيرنا، وقوله: ونحن: مبتدأ، وخبره أنتم، وصعاليك: حال من نحن، وملوك حال من أنتم، والعامل فيهما معنى التشبيه المستفاد من إسناد أنتم إلى نحن، فإن قيل: فعلى هذا كان القياس أن لا تتقدم الحال على مثل هذا العامل؟ قلت: قال شارح "التسهيل": ومما يعمل في الحال، ولا تتقدم الحال عليه نحو زيد مثلك شجاعًا، وكذا إذا كان التشبيه ضمنًا نحو: أبو يوسف أبو حنيفة فقهًا، وقد يتوسط هذا النوع بين حالين، فيعمل في إحداهما متأخرًا، وفي الأخرى متقدمًا كقوله:
تعيرنا أننا عالة البيت
[ ٦ / ٣٢٩ ]
أراد: نحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف مثل، وأقام المضاف إليه مقامه مضمنًا معناه، وأعمل ما فيه من معنى التشبيه. انتهى. هذا آخر كلام الكرماني وقد أورد العلم السخاوي هذا البيت في كتابه "سفر السعادة" الذي نقل منه المصنف قال: مسألة سأل عنها على بن أبي زيد الفصيحي، [أبا] القاسم بن علي الحريري، قال: ما يقول سيدنا، أدام الله توفيقه، في انتصاب لفظي بعض الشعراء وهو قوله:
تعيرنا أننا عالة ونحن صعاليك، أنتم ملوكًا
فعلى ماذا عطف قوله: ونحن؟ وعلى أي وجه يعمل المتنبي وغيره من الشعراء نحو: أسمر مقبلها، وأبيض مجردها؟ وهل هما من الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين أم لا؟ فإن الشريطة في الصفة المشبهة باسم الفاعل أن لا تكون جارية على يفعل من فعلها، نحو: حسن وكريم، فإن حسنًا ليس على زنة حسن. وأسمر على زنة يسمر ويسمر فإن اللغتين قد حكينا، وليس هذا شرطها. ينعم بإيضاحها.
فالجواب: اللهم إنا نعوذ بك أن نعنت كما نستعيذك أن نعنت، ونبرأ إليك من أن نفضحن كما نستعصمك من أن نفضح، ونستميحك بصيرة تشغلنا بالمهمات عن الترهات، وتنزهنا عن التعلم للمباهاة والمباراة، ونسألك اللهم أن تجعلنا ممن إذا رأى حسنة رواها، وإن عثر على سيئة وراها، برحمتك يا أرحم الراحمين.
[ ٦ / ٣٣٠ ]
وقفت على السؤالين الملوح بشر مصدرهما، وهجنة مصدرهما، إذ كان رسول الله ﷺ: "نهى عن الأغلوطات" وزجر عن تطلب السقطات والعثرات، وكان ابن سيرين [﵀] إذا سئل عن عويص اشمأز منه، وقال: سل أخاك إبليس عن هذا، ومع هذا فإني كرهت رد السائل، ولرب عيني أفصح من لسن، لا سيما إذا لم يأت بحسن.
أما السؤال الأول، فهو من مسائل المعاياة، وأسئلة الإعنات، ولا عيب أن يجهله النحوي المدرس فضلًا عمن لا يدعي ولا يلبس، وهو من الأبيات التي جرى فيها التقديم والتأخير لضرورة الشعر، تقديره: تعيرنا أننا عالة صعاليك ملوكًا أنتم ونحن، وعالة فيه: جمع عائل، المشتق من عال يعول، وانتصاب صعاليك به، وملوكًا صفتهم.
وأما أسمر وأبيض، فإنما أعملا لمجيء الفعل منهما على أفعل وأفعال المخالفين لزنتهما، فهذا ما حضرني من الجواب، ولعلني نكبت فيه عن طريق الصواب.
قلت: وما أرى هذا الجواب مستقيمًا، لأن الملوك لا يكون صفة للصعاليك، وقوله في تقديره: "صعاليك ملوكًا أنتم ونحن" لا معنى له، وإنما الصواب أن يقال: عالة بمعنى عالني الشيء إذا أثقلني، أي: تعيرنا بأنا عالة ملوكًا، أي نثقلهم بطرح كلنا عليهم في حال التصعلك، فصعاليك منصوب على الحال، وقوله: ونحن مبتدأ، وأنتم خبره، أي: ونحن مثلكم، فكيف تعيرنا، قال الله ﷿:
[ ٦ / ٣٣١ ]
(وأزواجه أمهاتهم) [الأحزاب/٦] وتقول النحاة: أبو يوسف أبو حنيفة، وتقدير الشعر: تعيرنا أننا عالة ملوكًا صعاليك، ونحن أنتم، وفي "عال" بمعنى أثقل، جاء قول أمية ابن أبي الصلت: وعالت البيقورا. أي أثقلت البقر، وأما أسمر وأبيض وأحمرن فإنهم أجروا هذا الضرب مجرى الصفة المشبهة باسم الفاعل، وشبهت هذه بالصفة المشبهة باسم الفاعل في أنها تذكر وتؤنث وتثنى وتجمع، وأنها تدل على معنى ثابت، وتشبه أفعل التفضيل أيضًا بالصفة المشبهة إذا لم يكن مصحوبًا بمن، وكان صفة لما ذكرناه نحو: أجب الظهر. هذا آخر ما أورده السخاوي باختصار من أواخره يسير.
والشعر لم أقف على قائله، ولو وقفنا عليه، لكان يظهر معنى هذا البيت، وقول الكرماني: إنه للنابغة لاعبرة به، وقول المصنف: ولم يتعرض، أي الحريري لقوله - ملوكًا- خلاف الواقع، فإنه جعله صفة لصعاليك، وزيفه السخاوي كما نقلنا.
وأنشد بعده:
لعل أبي المغوار منك قريب
صدره:
فقلت ادع أخرى وأرفع الصوت جهرة
وتقدم شرحه في الإنشاد الثامن والستون بعد الأربعمائة.
[ ٦ / ٣٣٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٣) أن لا يجاورنا إلاك ديار
أوله:
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا
قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: لا يلي "إلا" من الضمئر إلا المنفصل، وقد يليها المتصل بشرطين: كونه بلفظ المنصوب لا المرفوع، وكون ذلك في الشعر، كقوله:
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا البيت
وكان حقه: إلا إياك، وإنما استحق النصب، لأنه استثناء مقدم على المستثنى منه وهو ديار، فهو كقول الكميت:
وما لي إلا آل أحمد شيعة
وإنما استحق الفصل مع أنه معمول ل" إلا " على الصحيح، لأن نحو: ما ألفيت إلا إياك، معمول للفعل بالاتفاق، فلا يصح اتصاله بغير عامله، ثم حمل عليه غير المفرغ ليجبرنا على سنن واحد، وإنما سهل وصله في الضرورة الثالثة أمور: أحدها: أن الأصل في الضمير الاتصال. الثاني: أن الأصل في الحرف الناصب للضمير أن يتصل به نحو: إنك، ولعلك، الثالث: إجراء "إلا" مجرى
[ ٦ / ٣٣٣ ]
طغير" أختها فأجريت مجراها في الوصف بها. وزعم الناظم في "شرح التسهيل" أن الفصل في البيت ليس بضرورة، لتمكن الشاعر من أن يقول: أن لا يكون لنا خل ولا جار.
وغذا فتح هذا الباب لم يكن في الوجود ضرورة، وإنما الضرورة عبارة عما أتى في الشعر على خلاف ما عليه النثر، وزعم أبو الفتح أن الذي يسوغ لهم أن يرتكبوا في الشعر ما لهم عنه مندوحة إرادة أن يسهل عليهم ارتكابه عند الاضطرار، وجعل من ذلك قوله:
زج القلوص أبي مزاده
فإنه فصل بين المتضايفين بمعمول المضاف مع تمكنه من أن يضيف المصدر إلى المفعول، ويرفع الفاعل. وظهر لي وجهان غير ما ذكر، أحدهما: أن أكثر أشعارهم كانت تقع في غير روية، فقد لا يتمكنون من تخير الوجه الذي لا ضرورة فيه. والثاني: أن الشعر لما كان مظنة الضرورة، استباحوا فيه ما لم يضطروا إليه كما أبيح القصر في الشعر، لكونه مظنة المشقة مع أنها قد تنتفي مع بقاء الرخصة، ويقال: باليته، وبه، وهما محتملان هنا، لأن الجار يحذف من أن وأن قياسًا والمحل على الأول نصبن وعلى الثاني نصب بإسقاط الجار، وموضع "إذا" نصب بفعل الجواب المحذوف، أو فعل الشرط إذا لم تقدر إذا مضافة، وديار من ألفاظ العموم لا يستعمل في الإيجاب، وأصله ديوار. هذا آخر كلامه.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
والمبالاة الاكتراث بالشيء، والاهتمام به، وأن لا يجاوزنا في تأويل مفرد معمول له، وديار: أحد، وأصله ساكن دار، وما زائدة، والمبرد رواه:
أن لا يجاورنا سواك ديار
فلا شاهد فيه، والبيت أنشده الفراء في تفسيره ولم يعزه لأحد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٤) نحن بغرس الودي أعلمنا منا بركض الجياد في السدف
على أن ابن جني ادعى أن "نا" مؤكدة للضمير المستر في "أعلم" وخرجه ابن عصفور في كتاب "الضرائر" على غير هذا قال: ومنه تأكيد الاسم المخفوض بالإضافة باسم مخفوض بمن، حملًا على المعنى، نحو قال قيس بن الخطيم:
نحن بغرس الودي أعلمنا البيت.
فوكد ضمير المتكلم المخفوض بإضافة "أعلم" إليه بالمجرور بمن حملًا على المعنى، ألا ترى ان قوله: نحن بغرس البيت.
معناه: أعلم منا بركض الجياد، فلذلك حكم له بدلًا من حكمه بحكم الضمير المجرور بمن. انتهى.
ورواه أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني، وتوفي سنة أربع مائة، في "طبقات النحويين" كذا:
نحن بغرس الودي أعلم منا بقياد الجياد في السدف
وعليه لا ضرورة فيه. قال اليمني في ترجمة الأصمعي: حدثنا عبد الله،
[ ٦ / ٣٣٥ ]
حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا الأصمعي عن عوانة قال: كان للنعمان بن المنذر مجلس قد اتخذه قريبًا من قصره بالحيرة، وجعله لنزهته، وجعل تحته طاقات معقودة تحمله، وجعل ضهره مقعدًا، وبالغ في تحسينه وتبييضه حتى كان يلمع، وسماه ضاحكًا، وكان له فرس يسميه اليحموم، وقد ذكرته العرب في اشعارها، وكان للنعمان أخ من الرضاعة يقال له: سعد ولقبه القرقورة، من أهل هجر، وكان اضحك الناس وأبطلهم، وكان النعمان معجبًا به، فجلس النعمان يومًا في مجلسه ذلك، وأتي بحمار وحش، فدعا بفرسه اليحموم، وقال: يا سعد، قم فاركبه، وخلوا عن هذا الحمار وادفعوا إلى سعد مطردًا حتى يطلبه ويصرعه. فقال سعد: إني إذن أكون أنا الصريع لا الحمار، مالي ولهذا؟ فقال: أقسم لتفعبن، ثم أمر بسعد فحمل على الفرس، ودفع إليه الرمح، وخلي عن الحمار، فنظر إلى ابن له قائمًا في النظارة، فقال: "بأبي وجوه اليتامى" فأرسلها مثلًا، وركض به الفرس، فطار عقله، فألقى الرمح من يده، وأكب على معرفة الفرس، فتعلق بها وصاح، فضحك الناس، وقال: أدركوه، فأدرك، وأنزل. وقال سعد في ذلك:
نحن بغرس الودي أعلم منا بقياد الجياد في السدف
يا لهف أمي فكيف أطعنه مستمسكًا واليدان في العرف
قد كنت أدركته فأدركني للحين عرق من معشر عنف
انتهى ما أورده اليمني.
[ ٦ / ٣٣٦ ]
والودي، بفتح الواو وكسر الدال المهملة وتشديد الياء: النخلة الصغيرة تقلع من جنب أمها، وتغرس في موضع آخر، ويقال له: الجثيث، بجيم وثاءين مثلثتين، قال ابو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات": قال الأصمعي: والجثيث هو الودي، والهراء، بفتح الهاء والمد، والفسيل، بفتح الفاء وكسر السين المهملة، وقال الأنصاري في الودي:
نحن بغرس الودي أعلمنا منه البيت.
وقال آخر في الفسيل:
وبات يروي أصول الفسيل فعاش الفسيل ومات الرجل
انتهى. وأراد بالأنصاري: قيس بن الخطيم، والجياد، جمع جواد: وهو الفرس الأصيل، والسدف، بفتح السين والدال المهملتين. قال القالي في "أماليه": قال الفراء: أتانا بالسدفة، بضم فسكون، وسدفة، بفتحتين، وهو السدف، بفتحتين، والشدف، بفتح الشين المعجمة والدال.
قال أبو زيد: السدف في لغة قيس: الضوء، وفي لغة تميم: الظلمة، وأنشد بعض اللغويين:
فأقطع الليل إذا ما أسدفا
أي: أظلم، وبعض اللغويين جعل السدفة اختلاط الضوء بالظلام، مثل ما بين صلاة الصبح غلى الفجر. انتهى.
وقال ثعلب في "أماليه" أتيته بسدفة من الليل وشدفة، بضم الشين والسين، وسدفة وشدفة، بفتحهما، والسدف والشدف، بفتحهما وفتح الدال. انتهى.
[ ٦ / ٣٣٧ ]
والعرف، بضمتي العين والراء المهملتين: المعرفة، بفتح الميم، وهما شعر عنق الفرس، والحين، بالفتح: الهلاك، وعنف، بضم العين المهملة والنون، جمع عنيف: وهو الذي ليس له رفق بركوب الخيل، وهذا على سبيل التهكم، وهذا كما يقال: العرق نزاع.
وسعد القرقرة: جاهلي، ولم أر هذا الشعر في ديوان قيس بن الخطيم، ولا يليق أن يكون له، لأنه فارس شجاع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٥) فإن فؤادي عندك الدهر أجمع
صدره:
وإن يك جثماني بأرض سواكم
على أن أجمع تأكيدًا للضمير المستتر في الظرف، وهو عندك، بكسر الكاف، فإنه خطاب لإمرأة. فإن قلت: فكيف قال: سواكم؟ قلت: قد تخاطب المرأة بخطاب جماعة الذكور مبالغة في سترها، كقوله تعالى: (فقال لأاهله امكثوا) [طه/١٠]، وقوله: "بأرض سواكم" يروى بالإضافة، ويروى بالتنوين، ففيه حذف مضاف، أي سوى أرضكم، والبيت من قصيدة لجميل بن معمر، وقبله:
ألا تتقين الله فيمن قتلته فأمسى إليكم خاشعًا يتضرع
وبعده:
إذا قلت هذا حين أسلو واجتري على هجرها ظلت لها النفس تشفع
[ ٦ / ٣٣٨ ]
ألا تتقين الله في قتل عاشق له كبد حرى عليك تقطع
غريب مشوق مولع باد كاركم وكل غريب الدار بالشوق مولع
فأصبحت مما أحدث الدهر موجعًا وكنت لريب الدهر لا أتخشع
فيا رب حببني إليها وأعطني المودة منها أنت تعطي وتمنع
وترجمة جميل تقدمت في الإنشاد الثالث والثلاثين، وقال أبو حيان في "تذكرته": البيت لكثير عزة، قال: وبعده:
إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها فظلت لها نفسي تتوق وتنزع
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٦) ظلت بها تنطوي على كبد نضيجة فوق خلبها يدها
هو من قصيدة [للمتنبي] وقبله، وهو مطلعها:
أهلًا بدار سباك أغيدها أبعد ما بان عنك خردها
قال الواحدي: الأغيد: الناعم البدن، وأراد هنا: جارية، وذكر اللفظ، لأنه عني الشخص، والخرد؛ جمع الخريدة: وهي البكر التي لم تمس، وقوله: أبعد ما بان، أي: أبعد شيء فارقك جواري هذه الدار، ورواه قوم بالنصب على أنه حال من أغيد، والعامل في الحال "سباك" يقول: أبعد ما بان منك. وهذا من العجب أن إنسانًا يسبني وهو بعيد، والمعنى أنه أسرك بحبه، وهو على البعد منك،
[ ٦ / ٣٣٩ ]
وانتصب "أهلًا بمضمر تقديره: جعل الله أهلًا بتلك الدار، فتكون مأهولة، وإنما تكون مأهولة إذا سقيت الغيث، وأنبتت الكلأ، فيعود إليها أهلها، وهو في الحقيقة دعاء لها بالسقي، وقوله: ظلت بها .. إلى آخره، يريد: ظللت، فحذف إحدى اللامين تخفيفًا، يقول: ظللت بتلك الدار تنثني على كبدك واضعًا يدك فوق خلبها، والمحزون يفعل ذلك كثيرًا لما يجده في كبده من حرارة الوجد يخاف على كبده أن تنشق كما قال:
عشية أثني البرد ثم ألوثه على كبدي من خشية أن تقطعا
وقال الصمة القشيري:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا
وقد ذكره أبو الطيب، فقال:
فيه أيديكما على الظفر الحلو وأيدي قوم على الأكباد
والانطواء كالانثناء، والنضج لليد، ولكن جرى نعتًا للكبد لإضافة اليد إليها. كقوله تعالى: (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) [النساء/٧٥] الظلم للأهل، وجرى صفة للقرية، وجعل اليد نضيجة لأنه أدام وضعها على الكبد، فأنضجها بما فيها من الحرارة، ولهذا جاز تسميته باسم ما يصحبه كانت الإضافة أهون؛ فلطول وضع يده على الكبد أضافها إليها، لأنها كأنها الكبد لما لم تر إلا عليها، والخلب، بالكسر: غشاء للكبد رقيق لازق بها، وارتفع يدها بنضيجة،
[ ٦ / ٣٤٠ ]
وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل، ويجوز أن يكون نضيجة من صفة الكبد وتم الكلام، ثم ذكر وضع اليد على الكبد، والأول أجود. هذا كله كلام الواحدي. وتقدم شرح بيتين بعدهما في الإنشاد التسعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٧) بمسعاته هلك الفتى أو نجاته
المسعاة: مصدر ميمي بمعنى السعي، وهو المراد هنا لا المسعاة بمعنى المكرمة في أنواع المجد، وفي "الصحاح" المسعاة: واحدة المساعي في الكرم والجود. انتهى. وأصل السعي: التصرف في كل عمل، وعليه قوله تعالى: (وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى) [النجم/٣٩]، والمكرمة، بفتح الميم وضم الراء: اسم من الكرم، وفعل الخير مكرمة، أي: سبب الكرم. كذا في "المصباح"، والهلك، بضم الهاء وسكون اللام، للمصدر الذي هو الهلاك، والمعنى هلاك الإنسان أو نجاته ليس إلا بسبب سعيه، فإن سعى بخير نجا، وإن سعى بشر هلك، وذهب الدماميني إلى المعنى الثاني للمسعاة. قال: فإن قلت: الكرم إنما يستقيم في العرف كونه سببًا للنجاة لا للهلاك، قلت: الإنسان قد يترك المسعاة فيهلك، وقد يفعلها فينجو، فهلاكه ونجاته بسبب المسعاة تركًا وفعلًا. وأقول: الأحسن أن يكون معناه على هذا التقدير: إن الكرم كما يكون سبب النجاة يكون سبب الهلاك، فإن الفعل الجميل مع النذل قد يكون سببًا للهلاك، كما قال، ﷺ: "اتق شر من أحسنت إليه" وكما قال الشاعر:
[ ٦ / ٣٤١ ]
أرى الإحسان عند الحر دينًا وعند النذل منقصة وذمًا
كقطر الماء في اللأصداف در وفي جوف الأفاعي صار سمًا
وأنشد بعده:
فخير نحن عند البأس منكم إذا الداعي المثوب قال يالا
وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والستين بعد الثلاثمائة:
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٨) لك العز إن مولاك عز وإن يهن فأنت لدى بحبوحة الهون كائن
العز: القوة، ومولاك: فاعل فعل محذوف يفسره ما بعده، والمولى له معان كثيرة: السيد، وابن العم، والحليف، والناصر، والمنعم، والمعتق، والتابع. وكل واحد من هذه المعاني يجوز أن يكون المراد هنا. وقوله: وإن يهن، بفتح الياء وضم الهاء، مضارع هان، بمعنى: ذل، وهذا هو المناسب لقوله "عز" وضبطه العيني بالبناء للمجهول، وتبعه السيوطي، وابن الملا، وغيرهما. وبحبوحة الشيء: وسطه، والهون بالضم: الذل.
[ ٦ / ٣٤٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٩) كل أمر مباعد أو مداني فمنوط بحكمة المتعالي
مباعد: اسم فاعل صفة الأمر. قال صاحب "المصباح": وباعدت مباعدة، [واستبعدته: عددته بعيدًا]، وأبعدت في المذهب إبعادًا بمعنى تباعدت، ومداني: اسم فاعل من داناه: إذا قاربه، ومنوط. اسم مفعول، من ناطه نوطًا، أي علقه، قال الراغب: الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ) [لقمان/ ١٢]، وفي "القاموس" الحكمة: العدل، والمتعالي: من أسماء الله تعالى. قال السمين في "عمدة الحفاظ": العلي: الرفيع القدر، وقيل: معناه أنه يعلو أن يحيط به وصف الواصفين، بل علم العارفين، وعليه قوله: (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [النحل/٣] قيل: وتخصيص لفظ المتعال لمبالغة ذلك منه، لا على سبيل التكلف، كما يكون من البشر، وكل: مبتدأ، ومنوط: خبره.
[ ٦ / ٣٤٣ ]