أنشد فيه:
لا يقرأن بالسور
هو قطعة من بيت، وهو:
هن الحرائر لا ربات أحمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والخمسين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد التسعمائة:
(٩٠٤) فتى هو حقا غير ملغ توله ولا تتخذ يوما سواه خليلا
حقا: مفعول به لقوله: ملغ، وهو اسم فاعل من ألغيت الشيء، إذا جعلته لغوا أي باطلا، وفي منصوب بفعل مضمر يفسره قوله: توله، تقول: توليت فلانا، أي: اتخذته وليا، والولي: الصديق، وكل من ولي أمر أحد، وهو مبتدأ، وغير: خبره.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد التسعمائة:
(٩٠٥) إن أمرا خصني عمدا مودته على التنائي لعندي غير مكفور
[ ٨ / ٤٢ ]
هو من أبيات "الكتاب" قال الأعلم: الشاهد فيه إلغاء الظرف مع دخول لام التأكيد عليه، والتقدير: لغير مكفور عندي، وهو من شعر أبي زبيد الطائي مدح به الوليد بن عقبة، ووصف نعمة أنعمها عليه مع بعده ونأيه عنه، والمكفور هنا: من كفر النعمة وجحودها، وأراد خضني بمودته، فحذف الباء، وأوصل الفعل فنصب. انتهى. قال ابن السراج في "الأصول": هذه اللام لا يجوز أن تدخل على حرف الجزاء نحو: إن زيدا لئن أتاني أكرمته، ولا على النفي، ولا الحال، ولا الصفة، ولا التأكيد، فأما قوله:
لعندي غير مكفور
فتقديره: لعندي مشكور، لأن ما بعد المضاف لا يعمل فيما قبله إلا مع غيره في قولك: أنا زيدا غير ضارب. انتهى.
والبيت من قصيدة الطائي أدرك الإسلام، ومات نصرانيا، يقال: إنه عاش مائة وخمسين سنة، وهذه أبيات منها:
يا ليت شعري عن أنباء أسر بها قد كان يعيي به صدري وتقديري
أخشى وأرجو وما أدري بأيهما أمني إذا أتى الجائي بتبشيري
إن الوليد له عندي وحق له ود الخليل وود غير مدحور
شهدت منه لدى الخابور مبصرة شدت جناحي وقد زلت أظافيري
على قبيل من الأقوام قد علموا أني لهم واحد نائي الأناصير
فشذب القوم عني غير مكترث حتى تناهوا على رغم وتصغير
أهلي فداء أبي وهب وحق له يا أم زيد فحلي اليوم أو سيري
إن أمرءا خصني عمدا مودته البيت
[ ٨ / ٤٣ ]
أروى وأرعى وأدناني وأظهرني على العدو بنصر غير تعذير
كأنهم واجهوا دوني به أسدا مشمرا للدواهي أي تشمير
ثم أخذ في وصف الأسد وأطال، وكان وصافا مجيدا للأسد.
قال ابن السيرافي: مدح أبو زبيد بهذا الشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكانت بنو تغلب قد أخذت إبلا لأبي زبيد، فأخذ له الوليد بن عقبة من بني تغلب، وارتجع إبله. يقول: خصني بمودته، وأخذ لي بحقي، ولم يكن بيننا سبب يوجب ذلك، والتنائي: البعد، وزعم أنه لا يكفر إنعامه عليه. وقوله: أرعى: أي جعل الوليد لإبلي ما ترعاه، وأروي: أرواها من الماء وغيره، وأظهرني: جعلني ظاهرا عليهم، قاهرا لهم، والتعذير: أن يفعل الشيء، ولا يبالغ فيه، فإذا بالغ فيه، فهو غير معذر، يريد أنه نصره نصرا بالغ فيه، ولم يقصر. انتهى. وترجمة أبي زبيد تقدمت في الإنشاد الحادي عشر بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد التسعمائة:
(٩٠٦) غير لاه عداك فاطرح اللهـ ـو ولا تغترر بعارض سلم
قال ناظر الجيش في "شرح التسهيل": إذا قصد النفي بغير مضافا إلى الوصف، يجعل غير مبتدأ، ويرفع ما بعد الوصف به، كما لو كان بعد نفي صريح، وسد مسد خير المبتدأ، وعلى ذلك وجه ابن الشجري قول الشاعر:
غير ما سوف على زمن ينقضي بالهم والحزن
[ ٨ / ٤٤ ]
ومنه قول الآخر:
غير لاه عداك . البيت
وعلى زمن في البيت الأول في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، وقد أغنى عن الحبر، لأن المعنى: ما مأسوف على زمن، نحو: ما مضروب الزيدان، ولابن جني في البيت المذكور حين سأله عنه عالي ولده ارتباك، وخرجه على حذف المبتدأ وإقامة صفته مقامه، وإيقاع الظاهر موقع الضمير، والتقدير: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، ولابن الحاجب فيه كلام طويل وترديد، وخرجه على الوجه الذي ذكره ابن جني. وقوله: غير لاه، هو اسم فاعل من اللهو وهو الاشتغال بما لا يجدي، والعدى، بالكسر، اسم جمع عدو، واطرح، ووزنه افتعل من الطرح، يقال: طرحت الشيء، وبالشيء: إذا رميته، والاغترار: الغفلة، والسلم، بالكسر: الصلح، مراد الشاعر أن يحرض المخاطب على الحزم في الأمور، ويهديه بالفكر إلى سلامة العاقبة، ويحذره من الاغترار بصلح الأعداء العارض لمصلحة الخديعة والمكر.
وأنشد بعده:
غير مأسوف على زمن البيت.
وتقدم ما يتعلق به في الإنشاد الواحد والستين بعد المائتين.
[ ٨ / ٤٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد التسعمائة:
(٩٠٧) أبا الله أن أسمو بأم ولا أب
على أن معناه: قال الله لي: لا تسم بأم ولا أب، وهو من شعر عامر بن الطفيل وأوله:
وما سودتني عامر عن وراثة أبي الله أن أسمو بأم ولا أب
ولا شرفتني كنية عربية ولا خالقت نفسي مكارم منصبي
ولكنني أحمي حماها وأتقي أذاها وأرمي من رماها بمنكب
قوله: وما سودتني عامر، أي: ما جعلتي قبيلة بني عامر سيدا بالإرث عن آبائهم، بل سدتهم بأفعالي، وقوله: أبى الله .. إلخ، أبى هنا بمعنى كره، و"إن سمو" مفعوله، والسمو: العلو، وأنشده جامع ديوانه كذا:
أبى الله أن أسمو بأمي الأب
فلا شاهد فيه، ويقرأ بفتح الياء من أمي والألف واللام في الأب عوض عن المضاف إليه، أي: بأمي ولا أبي، ومنكب، بفتح الميم وكسر الكاف: أعوان العرفاء، وقيل: رأس العرفاء من النكابة، وهي العرافة والنقابة، وروي بدله:
بمنقب، بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون: جماعة الخيل والفرسان، والجيد أن يقال: إن "أبي" بمعنى: ما أراد، فيكون التقدير: ما أراد الله أن أسمو بأم ولا أب، وقد قيل مثله في قوله تعالى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة/ ٣٢]، فإن التقدير: وما يريد الله إلا أن يتم نوره، فإن الاستثناء المفرغ لا يكون في الواجب، وهذا ظاهر، فإن الإباء هو عدم الإرادة، فيكون العطف في البيت
[ ٨ / ٤٦ ]
والتفريغ في الآية على المعنى، وسكن واو أسمو للضرورة، وبه استشهد سيبويه والرضي في البيت، وترجمة عامر بن الطفيل تقدمت في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده:
إذا رضيت علي بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها
وتقدم شرحه في الإنشاد الثاني والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
في ليلة لا نرى بها أحدا البيت
وتقدم بسط الكلام عليه في الإنشاد الثالث والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد التسعمائة:
(٩٠٨) فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
هذا من رجز طويل لرؤبة بن الحجاج، شرحه أبو العلاء المعري شرحا جيدا
[ ٨ / ٤٧ ]
قال فيها: يعني الأتن، وجعل ما فيها من البياض بلقا، والتوليع في البقر وغيرها: خطوط من بياض، يقال: بقر مولعة، والبهق: نوع من البرص إلا أنه أخف منه، وقوله: كأنه وحد الضمير بعد قوله: فيها خطوط، لأنه حمله على الجنس، كما قال الراجز
مثل الفراخ نتفت حواصله
وفي الكتب العزيز بعد ذكر الأنعام: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) [النحل/٦٦]، ومنه قول الراجز:
وطاب ألبان اللقاح وبرد
انتهى. وأقول: قوله من سواد وبهق، بيان للخطوط، يريد أن بعض الخطوط من سواد بحت، وبعضها من سواد يخالطه بياض، فالتقابل بين سوادين، وجملة كأنه في الجلد إلخ، صفة للخطوط أو اللسواد، والبلق، والرابط الضمير تأويله باسم الإشارة، واسم الإشارة مؤول بالمذكور ونحوه، وإنما لم يؤول بالمذكور ابتداء، لأن التأويل قد كثر في اسم الإشارة كما نقله المصنف وغيره عن أبي عبيدة، وتأويل اسم الإشارة بالمذكور إذا خالف المشار إليه جعله علماء التفسير والعربية قانونا يرجع إليه عند الاحتياج، وخرجوا عليه آيات منها قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا) [البقرة/٦]، بإفراد اسم الإشارة، مع أن المشار إليه شيئان: الكفر والقتل، وأوردوا هذا البيت نظيرا له، وزعم ابن جني في "المحتسب" أنه لو قال قائل: إن الهاء في كأنه عائدة على البلق وحده، لكان مصيبا، لأن في البلق ما يحتاج إليه من تشبيهه بالبهق، فلا ضرورة إلى إدخال السواد معه. انتهى. وفيه أن المحدث عنه هو الخطوط وهي المشبهة بالبهق، فإما أن يرجع الضمير إلى المبين الذي هو المحدث عنه، أو إلى البيان بتمامه، وأما إرجاعه إلى بعض البيان، فيلزم تشبيه بعضه دون
[ ٨ / ٤٨ ]
بعض، وهذا ليس بمقصود بل المراد تشبيه الخطوط التي بعضها من سواد بحت، وبعضها من سواد فيه بياض بالبهق المستطيل، والبهق فيه سواد وبياض أيضا فتأمل.
وروى الأصمعي: "كأنها" بضمير المؤنث، وعليها فلا أشكال، وقال في شرح ديوانه: إذا كان في الدابة ضروب من الألوان من غير بلق، فذلك التوليع، يقال: برذون مولع، والملمع: الذي يكون في جسده بقع تخالف سائر لونه، فإذا كان فيه استطالة، فهو مولع، والبهق كما في "المصباح": بياض مخالف للون الجسد، وليس ببرض، وقال ابن فارس: سواد يعتري الجلد أو لون يخالف لونه، وفعله من باب تعب، وقبل هذين البيتين:
قود ثمان مثل أمراس الأبق
قود، جمع قوداء، وهي الطويلة العنق والظهر، والأمراس جمع مرس، وهو جمع مرسة بمعنى الحبل، والأبق، بفتح الهمزة والموحدة: القنب، يقول، هذه الأتن، وهي إناث الحمير كأنها حبال من شدة طيها، وثمان صفة أولى لقود، ومثل صفة ثانية، وجملة فيها خطوط، إما صفة ثالثة لقود، وإما حال منها، والرابط الضمير، وقد شرحنا من أول هذا الرجز إلى هنا أبياتا كثيرة ليظهر مرجع الضمير، ويتضح معنى الشعر في الشاهد الخامس من أول شواهد الرضي، وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس عشر.
وأنشد بعده:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى البيت
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والثلاثين بعد المائة
[ ٨ / ٤٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد التسعمائة:
(٩٠٩) وإياك إياك المراء فإنه إلى الشر دعاء وللشر جالب
هو من أبيات "الكتاب"، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه أتى بالمراء، وهو مفعول به، بغير حرف عطف. وعند سيبويه أن نصب المراء بإضمار فعل، لأنه لم يعطف على إياك تقديره: اتق المراء، ويكون "إياك" منصوبا بفعل محذوف آخر، وابن أبي إسحاق ينصبه بالفعل الذي نصب إياك، وقال المازني: لما كرر إياك مرتين فكأن أحدهما عوض من الواو، ولأبي العباس في هذا البيت قول حكاه عنه أبو الحسن وهو أن يجعل المراء بمعنى أن تماري، كما تقول: إياك أن تماري، أي: مخافة أن تماري. انتهى. وقال الأعلم: إسقاط الواو من المراء ضرورة، والمعروف: إياك والمراء، وإياك والأسد، ولا يجوز: إياك الأسد، كما لا يجوز: اتق نفسك الأسد كما بينه سيبويه، ويجوز أن يكون المراء منصوبا بإضمار قول دل عليه إياك كأنه قال: إياك تجنب المراء، فلا يكون فيه ضرورة، ويجوز أن يكون مفعولا له، فحذف منه حرف الجر تشبيها بأن وما عملت فيه إذا قلت: إياك أن تفعل كذا، تريد: إياك أعظك أن تماري، ثم وضع المراء موضعه، والمراء: المخالفة في الكلام والملاجة فيه. انتهى. وهو مصدر ما راه يماريه مماراة ومراء.
والبيت للفضل بن عبد الرحمن القرشي يقولا لابنه القاسم بن الفضل، كذا نسبة
[ ٨ / ٥٠ ]
إليه أبو بكر محمد التاريخي في "طبقات النحاة" وابن بري فيما كتبه على "درة الغواص" للحريري، وتبعه تلميذه ابن خلف، قال ابن بري، وقبله بيت وهو:
من ذا الذي يرجو الأباعد نفعه إذا هو لم تصلح عليه الأقارب
وأنشد بعده:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيرا لا يزال يزيد
وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والعشرين.
وأنشد بعده:
يرجي المرء ما إن لا يراه ويعرض دون أدناه الخطوب
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد التسعمائة:
(٩١٠) ما إن رأيت ولا سمعت به
عامة:
كاليوم هانئ أينق جرب
على أن "ما" نافية، و"إن"، و"ما" التي في قوله: ورج الفتى، مصدرية، و"ما" التي في قوله: ما إن لا يراه، موصولة، روى الأصبهاني في "الأغاني" أن الخنساء طلت بعيرا لها ثم تجردت واغتسلت، وكان دريد بن الصمة ينظر إليها، فأعجبته فهويها، وقال فيها:
[ ٨ / ٥١ ]
حيوا تماضر واربعوا صحبي وقفوا فإن وقوفكم حسبي
ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم هانئ أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب
أخناس قد هام الفؤاد بكم وأصابه خبل من الحب
فسليهم عني خناس إذا غض الجميع الخطب ما خطبي
فلما أصبح، غدا على أبيها فخطبها، قال له أبوها: مرحبا لك يا أبا قرة، إنك الكريم الذي لا يطعن في حسبه، والسيد الذي لا يرد عن حاجته، والفحل الذي لا يقدع أنفه، ولكن هذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها، وأنا أذكر لها ذلك، وهي عاقلة، فدخل عليها وقال لها: يا خنساء أتاك فارس هوازن، وسيد بني جشم دريد ابن الصمة يخطبك وهو من تعلمين، ودريد يسمع قولهما، فقالت: يا أبه، أتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح، وناكحة شيخ بني جشم هامة اليوم أو غد! فخرج إليه، واعتذر منه، وقيل: إنها قالت: أنظرني حتى أشاور نفسي، وبعثت وليدة، وقالت: انظري دريدا إذا بال، فإن كان بوله يحفر الأرض ففيه بقية، وإن كان يسيح على وجه الأرض، فلا بقية فيه، فرجعت إليها وأخبرتها أنه ساح على وجه الأرض، فقالت: لا بقية فيه، وعاود دريد أباها، فقالت:
أتنكحني هبلت على دريد يقال أبوه من جشم بن بكر
ولو أمسيت في جشم هديا لقد أمسيت في ذل وفقر
فغضب دريد، فقال
وقال الله يا ابنة آل عمرو من الفتيان أمثالي ونفسي
فلا تلدي ولا ينكحك مثلي إذا ما ليلة طرقت بنحس
[ ٨ / ٥٢ ]
لقد علم المراضع في جمادى إذا استعجلن في أكل بنهس
بأني لا أبيت بغير لحم وأبدأ بالأرامل حين أمسي
وأني لا ينادي الحي ضيفي ولا جاري يبيت خبيث نفس
وهي طويلة، فقيل للخنساء: ألا تجبيبينه؟ فقالت: لا أجمع عليه بين رده وهجوه.
وقال القالي في الربع الثالث من "أماليه": حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: خرجت تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، فهنأت ذودا لها جربى، ثم نضت عنها ثيابها، فاغتسلت، ودريد يراها ولا تراه، فقال دريد:
حيوا تماضر واربعوا صحبي .. البيت
ما إن رأيت ولا سمعت به .. البيت
متبدلا تبدو محاسنه .. البيت
متحسرا نضح الهناء به نضح العبير بربطه العصب
أخناس قد هام الفؤاد بكم واعتاده داء من الحب
فسليهم عني خناس إذا غض الجميع هناك ما خطبي
قال أبو علي: النقب: القطع المتفرقة من الجرب في [جلد] البعير، ويقال: النقب أيضا، بفتح القاف، الواحدة نقبةن وغض من الغضاضة واللين، ثم ذكر القالي خطبته إياها من أبيها، وهجوها إياه، وهجوه إياها بغير الشعر الذي تقدم.
قوله: حيوا تماضر، بضم التاء الفوقية وكسر الضاد المعجمة، اسم الخنساء، والخنساء لقبها، كما أن الحميراء، لقب عائشة: زوجة النبي ﷺ،
[ ٨ / ٥٣ ]
وحيوا: أمر من التحية، واربعوا: من ربع الرجل: يربع إذا وقف وتحبس، قال الليث: يقال: أربع على ظلعك، وأربع على نفسك، وأربع عليك، كل ذلك واحد، معناه: انتظر كذا في "تهذيب الأزهري" وصحبي: منادى، وحسبي: كافي، وقوله: ما إن رأيت ولا سمعت به، قال الزمخشري فيما كتبه على "المفصل": الضمير في به يرجع إلى هانئ، لأنه مقدم في التقدير، وإنما لم يقل هانئة، لأنه غلب، لأن ذلك من فعل الرجال دون النساء كما يقال: شاهدي امرأة، ولا يقال: شاهدتي، أي: الشيء الشاهد امرأة. انتهى. وفي غالب نسخ "مغني اللبيب" بمثله في موضع به، وفي تحريف من الكتاب لم يروه أحد ممن يعتمد عليه من المتقدمين، نعم وقع في شعر آخر لدريد بن الصمة وصف به ربيعة بن مكدم الكناني رواه أبو علي القالي في أواخر "أماليه"وهو:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله حامي الظعينة فارسا لم يقتل
أردى فوارس لم يكونوا نهزة ثم استمر كأنه لم يفعل
متهلل تبدو أسرة وجهه مثل الحسام جلته كف الصيقل
مع أبيات أخرى، وقوله: كاليوم فيه حذف واختصار، والأصل: ما رأيت هانئ أينق يوما من الأيام كما رأيته في هذا اليوم، وهانئ، بهمز الآخر: اسم فاعل من هنأ البعير الأجرب يهنؤه هنأ، من باب فتح: إذ طلاه بالقطران، وهو الهناء، بالكسر والمدن وأينق، بتقديم المثناة التحتية على النون: جمع ناقة، وجرب: جمع جرباء، وقوله: متبذلا تبدو، المتبذل: لابس البذلة، بكسر الموحدة وسكون الذال المعجمة، وهي ثوب الخدمةن وتبدو: تظهر، وقوله: يضع الهناء الخ، النقب بضم وسكون القاف جمع نقبة، قال الجوهري: النقبة، بالضم: أول
[ ٨ / ٥٤ ]
ما يبدو من الجرب قطعا متفرقة، وجمعها نقب، وأنشد هذا المصراع، وقوله: أخناس، الهمزة للنداء، وخناس: معدول من خنساء، والحبل، بفتح المعجمة وسكون الموحدة: الجنون وشبهة؛ كالهوج والبله، وقد خبله الحزن: إذا أذهب فؤاده من باب ضرب.
إذا أذهب فؤاده من باب ضرب.
وقوله: فسليهم، أي: سلي القوم أو الناس عن شجاعتي، وخناس: منادى، وغض، بمعجمتين بمعنى لين، والخطب: حوادث الدهر، والحطب الثاني: الشأن والأمر والحال. وقوله في رواية القالي: "متحسرا نضح الهناء به .. إلخ"، مبالغة حسرت المرأة ذراعها وخمارها من باب ضرب: كشفته، ونضح الهناء به، أي: أصابه شيء منه، والعبير: والعبير: الزعفران، والريطة، بالفتح: الملاءة إذا لم تكن من لفقين، والعصب، بفتح العين وسكون الصاد المهملتين: برد يصبغ غزله ثم ينسج.
وقال الدماميني: قوله: كاليوم في موضع نصب، كان في الأصل صفة لهانئ أينق، ثم قدم عليه، وانتصب على الحال منه، والتقدير بحسب الأصل: ما إن رأيت بهانئ أينق كهانئ اليوم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وحصل التقديم. هذا كلامه.
ودريد بن الصمة: شاعر فارس من بني جشم، بضم الجيم وفتح الشين، ودريد: مصغر أدرد، وهو الساقط الأسنان، والأنثى درداء، والصمة، بكسر الصاد وتشديد الميم، قال أبو حاتم في كتاب "المعمرين": عاش دريد بن الصمة نحوا من مائتي سنة حتى سقط حاجباه على عينيه، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وقتل يوم حنين كافرا.
[ ٨ / ٥٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد التسعمائة:
(٩١١) لما اغفلت شكرك فاصطنعني فكيف ومن عطائك جل مالي
على أن لام الابتداء دخلت على "ما" النافية لشبهها صورة لـ"ما" الموصولة، قال ابن السراج في "الأصول": ولا تدخل اللام على "ما" لأن اللام تحقيق، و"ما" نفي، وقالوا في قول الشاعر:
لما أغفلت شكرك فانتصحي .. البيت
أنه توهم الذي والصلة. انتهى. ونقل أبو حيان هذا الكلام في تذكرته، وأرفه بقوله: وأجود من هذا أن تجعل اللام زائدة. انتهى. وقال أبو علي الفارسي في "البغداديات" بعد إنشاد البيت: أدخل اللام على "ما" النافية كما يدخلها على الموصول وهو شاذ.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني يتنصل فيها عما اتهم به عند النعمان بن المنذر، وهرب منه إلى ملوك الشام، وقبله:
ومن يعرف من النعمان سجلا فليس كمن تنبه في الضلال
فإن كنت امرأ قد سؤت ظنا بعبدك والحطوب إلى تبالي
فأرسل في بني ذبيان واسأل ولا تعجل إلي عن السؤال
فلا عمر الذي أثنى عليه وما وقع الحجيج على ألال
لما أغفلت شكرك فانتصحني فكيف ومن عطائك جل مالي
ولو كفي اليمين بغتك خونا لأفردت اليمين من الشمال
[ ٨ / ٥٦ ]
قوله: "فلا عمر الذي أثني إليه"، يعني، ومدة بقاء الله الذي أنهي ثنائي وحمدي إليه، ولا: نفي لمحذوف، وتقديره: ليس الأمر كذلك والله، كما قيل في قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القيامة/١] ونحوه. والعمر والعمر، بالفتح والضم: مدة البقاء، وخص المفتوح بالقسم لكن مع اللام، ولم يأت بها هنا. قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد إنشاد هذا البيت وما بعده: روي بنصب عمر ورفعه، فالرفع على الابتداء، والنصب بإضمار أحلف بعد إسقاط الباء، التقدير: فلا بعمر الذي. وقال أبو جعفر النحاس: إذا قلت: عمر الله، وعمرك، جاز الرفع والنصب، وقد يجوز الخفض بجعل الواو للقسم، واستعمال عمر بدون لام قليل، فأما قول الطائي:
عمري لقد نصح الزمان وإنه لمن العجائب ناصح لا يشفق
فيحتمل أن يكون مرفوعا على الابتداء، وخبره محذوف، ويحتمل أن يكون منصوبا بفعل محذوف. انتهى.
وقوله: وما رفع الحجيج .. إلخ، قال الفارسي في "التذكرة": "ما" نصب عطفا على عمر، و"لا" في "فلا" نفي لكلام، الله لزيد قائم، وأضاف عمر إلى الذي، كقولك: لعمرك، إلا أنه لما لم يدخل لام الابتداء، سقط الفعل عليه مثل: الله لأفعلن، والجواب: لما أغفلت. انتهى.
والحجيج، جمع الحاج، وألال، بضم الهمزة: جبل عن يمين الإمام بعرفة، والذي رفعه الحجيج بألال هو رفع أصواتهم بالتلبية وذكر الله. وقوله: لما أغفلت إلخ. أغفلت الشيء إغفالا: تركته إهمالا من غير نسيان، والغفلة: غيبة الشيء عن بال
[ ٨ / ٥٧ ]
الإنسان، وعدم تذكره له، وقد استعمل فيمن تركه إهمالا وإعراضا، يقال: غفلت عن الشيء غفولا، من باب قعد، كذا في "المصباح"، وقوله: فاصطنعني، أي: اجعلني موضع الصنيعة منك، وهي الفعل الجميل، وتطلق الصنيعة على الذي ينعم عليه، يقال: فلان صنيعة فلان، والصحيح رواية الجمهور: فانتصحني، أي اقبل نصحي، يقال: نصحته نصحا ونصيحة، ونصحت له، وهو الإخلاص والصدق في المشورة والعمل، وقوله: فكيف: ظرف عاملة تقديره: فكيف أغفل شكرك، والحال أن أكثر مالي من عطائك، والجل بضم الجيم: معظم الشيء. وترجمة النابغة الذبياني تقدمت في الإنشاد الثالث والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد التسعمائة:
(٩١٢) يا ليت حظي من نداك الضافي والفضل أن تتركني كفاف
قال الصاغاني في "العباب": كفاف: هذا البيت من قولهم: دعني كفاف، أي كف عني وأكف عنك، أي: ننجو رأسا برأس. انتهى. وعليه فهو اسم فعل قد جاء على بابه، وهذا من أرجوزة طويلة تزيد على ثمانين بيتا لرؤبة بن العجاج يعاتب بها أباه منها:
إنك لم تنصف أبا الجحاف وكان يرضى منك بالإنصاف
وهو عليك واسع العطاف غاديك بالنفع وأنت جاف
عنه ولا يخفى الذي تخافي كيف تلومه على الإلطاف
[ ٨ / ٥٨ ]
وأنت لو ملكت بالإتلاف شبت له شوبا من الذعاف
وهو لأعدائك ذو قراف لا تعجلني الحتف ذا الإتلاف
والدهر إن الدهر ذو ازدلاف بالمرء ذو عطف وذو انصراف
إلى أن قال:
وإن تشكيت من الإسحاف لم أر عطفا من أب عطاف
فليت حظي من جداك الضافي والنفع أن تتركني كفاف
ليست قوى حبلي بالضعاف لولا توقي على الإشراف
أقحمني بالنفنف النفناف في مثل مهوى هوة الوصاف
قولك أقوالا مع التحلاف فيه ازدهاف أيما ازدهاف
والله بين القلب والأضعاف
أبو الجحاف، بفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة، كنية، وهو مفعول "تنصف" والعطاف، بكسر العين: الرداء مأخوذ من العطف، وهو الدليل والمحبة، وغاديك من الغدوة، وهو أول النهار إلى الزوال، يقال: غدا عليه غدوا وغدوا، بالضم: إذا بكر، وغاداه: باكره، والجفو، بالجيم الارتفاع والتباعد: نقيض الوصل والإلطاف، بكسر الهمزة: البر، يقال: ألطفه بكذا، أي برة، وملكت بالبناء للمفعول وتشديد اللام، والشوب: الخلط والمزج، والذعاف، بضم الذال المعجمة: السم، وقيل: سم ساعة، والقراف بكسر القاف: المقاربة، وضمير "هو" للإتلاف، أي: إتلافي مقرب للأعداء إليك، والازدلاف: الاقتراب، في الحديث: "ازدلفوا إلى الله بركعتين"، أي: تقربوا، وأصل الزلفة: المنزلة والحظوة، وقوله: بالمرء متعلق بازدلاف، والعطف: الإقبال، والانصراف: الإدبار،
[ ٨ / ٥٩ ]
والإسخاف، بكسر الهمزة، وبعد السين المهملة خاء معجمة: رقة العيش، وسخفة الجوع، بالفتح: رقته وهزاله، والعطف: الشفقة، والعطاف: مبالغة العاطف، والجدا: بفتح الجيم والقصر، الجدوى، وهما العطية، والضافي بالضاد المعجمة: الكثير، من ضفا المال: إذا كثر، أو بمعنى السابع، يقال: ثوب ضاف من ضفا الشيء يضفو ضفوا، وحرفه الدماميني بالصاد المهملة، وقال: هو الخالص من الكدر، وقوله: والنفع بالجر عطفا على جداك، وروي بدله: والفضل، وقوله: أن تتركني كفاف، خبر ليت، و"يا" على رواية المصنف حرف تنبيه لا للنداء، والقوى جمع قوة، وهي إحدى طاقات الحبل، والضعاف جمع ضعيف، والتوقي: التخوف، وأصله جعل النفس في وقاية مما يخاف، والوقاية: فرط الصيانة، وقيل: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، والإشراف، بكسر الهمزة: الشفقة، كذا في "العباب"، أي: إني جلد غير عاجز من الاكتساب، لولا أني ملازم على خدمتك، وأقحمني: أدخلني، يقال: فحم فلان بنفسه في كذا: إذا دخل فيه من غير روية، وفاعله هو: "قولك" الآتي، والنفنف، بنونين كجعفر: المهوى بين جبلين، وصقع الجبل: الذي كأنه جدار مبني مستو،
والنفناف بمعناه، جعل وصفا له بمعنى الصعب والشديد، قوله: في مثل مهوى .. إلخ، بدل من قوله في النفنف، والمهوى ومثله المهواة، بمعنى: المسقط: اسم مكان من هوى، بالفتح، يهوى بالكسر هويا، بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء، ويقال: لما بين الجبلين، ونحوه أيضا: مهوى، والهوة، بضم الهاء وتشديد الواو: الوهدة العميقة، والوصاف، بفتح الواو وتشديد الصاد المهملة: رجل من سادات العرب اسمه مالك بن عامر بن كعب بن سعد بن ضبيعة بن عجل بن لجيم، سمي بالوصاف لحديث له، قال محمد بن الأعرابي: هوة الوصاف في شعر رؤبة: دخل بالحزن لبني الوصاف من بني عجل، وهوة الوصاف: مثل في العرب يستعملونه
[ ٨ / ٦٠ ]
في الدعاء على الإنسان، يقال: "كبه الله في هوة ابن الوصاف"، وقولك: فاعل أقحمني، وأقوالا جمع قول بمعنى المقول، والتحلاف، بفتح التاء، مصدر بمعنى الحلف، يقول: إن أقوالك الكاذبة المؤكدة بالأيمان الباطلة غرتني حتى أوقعتني في الشدائد والمهالك، وقولك فيه، أي: في قولك أو في التحلاف، وروي فيها أي: في الأقوال. في "العباب": وازدهفه: استخفه، وفيه ازدهاف، أي: استعجال وتقحم، زاد في "القاموس": وتزيد في الكلام، يريد أن كلامه يستخف العقول، وأي: هي الدالة على معنى الكمال، وإذا وقعت بعد النكرة كانت صفة لها، وبعد المعرفة كانت حالا منها، لكنها نصبت على المصدرية، ويجوز رفعها على الوصفية، و"ما" زائدة، والله: مبتدأ، والظرف خبره، والأضعاف أعضاء الجسد جمع ضعف، بالكسر: أي: إن الله عالم بما في الضمائر، فلا يخفى عليه ما تضمره لي، وقوله: فيه ازدهاف أيما ازدهاف، هو من شواهد سيبويه وغيره، واستشهد به الرضي على أن نصب أيما على المصدر أو الحال مع أنه لم يذكر صاحب الاسم ولا الموصوف، وهو في غاية الضعف والوجه الاتباع في مثله، وهو رفعه صفة لازدهاف، لكنه حمله على المعنى، لأنه إذا قال: فيه ازدهاف، فكأنه قال: تزدهف أيما ازدهاف، قال سيبويه: وإن قلت: له صوت أيما صوت، أو مثل صوت الحمار، أو له صوت صوتا حسنا جاز. زعم ذلك الخليل، ويقوي ذلك أن يونس وعيسى زعما أن رؤبة كان ينشد هذا البيت نصبا. انتهى كلامه. وزعم الجرمي أن نصبه على إضمار تزدهف، قال: ولا يجوز نصبه بازدهاف، لأن المصدر لا يعمل في المصدر، هذا كلامه، ويرد قوله الآية، قال تعالى
[ ٨ / ٦١ ]
والسبب في عتاب رؤبة أباه ما رواه الأصمعي قال: قال رؤبة: خرجت مع أبي نريد سليمان بن عبد الملك، فلما سرنا بعض الطريق، قال لي: أبوك راجز وأنت مفحم، قلت: فأقول؟ قال: نعم، فقلت أرجوزة، فلما سمعها قال لي: اسكت فض الله فاك، فلما وصلنا إلى سليمان أنشده أرجوزتي، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما خرجنا من عنده، قلت له: أتسكني، وتنشده أرجوزتي، فقال: اسكت ويلك، فإنك أرجز الناس، فالتمست منه أن يعطيني نصيبا مما أخذه بشعري، فأبى فتنابذته، فقال:
لطالما أجرى أبو الجحاف لهيئة بعيدة الأطراف
تأتي على الأهلين والألاف سرهفته ما شئت من سرهاف
حتى إذا ما آض ذا أعراف كالكودن المشدود بالإكاف
قال الذي عندك لي صراف من غير ما كسب ولا احتراف
فأجبته بهذه الأرجوزة. وفي كتاب "مناقب الشبان، وتقديمهم على ذوي الأسنان" كان رؤبة يرعى إبل أبيه حتى بلغ وهو لا يقرض الشعر، فتزوج أبوه امرأة [تسمى] عقرب، فعادت رؤبة وكانت تقسم إبله على أولاده الصغار، فقال رؤبة: ما هم بأحق مني لها إني لأقاتل عنها السنين، وأنتجع الغيث، فقالت عقرب للعجاج: أسمع هذا وأنت حي فكيف بنا بعدك؟ ! فخرج فزبرة، وصاح به، وقال له: اتبع إبلك، ثم قال:
لطالما أجرى أبو الجحاف في فرقة طويلة التجافي
لما رآني أرعشت أطرافي استعجل الدهر وفيه كافي
يخترم الإلف مع الألاف
[ ٨ / ٦٢ ]
في أبيات، فأنشده رؤبة يجيبه:
إنك لم تنصف أبا الجحاف وكان يرضى منك بالإنصاف
وهو عليك دائم القطاف
هكذا روى هذين القولين السيوطي هنا، وقوله: وطالما أجرى أبو الجحاف: أجرى: أرسل جريا، بفتح الجيم وتشديد الياء، وهو الرسول والأجير والوكيل، ومفعوله محذوف، أي: أجراني، يقول: طالما استخدمني في صغره، والهيئة: التهيؤ، يقال: هاء للأمر يهاء ويهيئ: إذا أخذ له هيئته، كتهيأ له وهياه تهيئة: أصلحه، والآلاف: بضم الهمزة وتشديد اللام، جمع إلف، كعمال جمع عامل، والسرهفة: نعمة الغذاء، بفتح النون، يقال: سرهفت الصبي وسرعفته: إذا أحسنت غذاءه، والسرهاف، بالكسر، وروي: سرعفته ما شئت من سرعاف، وآض: بمعنى صار، والأعراف، جمع عرف الفرس، والكودن: الفرس الهجين. والبرذون والبغل، والإكاف: البردغة، وهذه صفات ذم له، يريد: أنه رباه حتى صار رجلا ذا لحية. وصراف: اسم فعل أمر بمعنى: اصرف، وقوله في الوجه:
استعجل الدهر وفيه كافي
كقول الآخر:
تعين على الدهر والدهر مكتف
وقول كسرى: إذا أدبر الدهر عن قوم كفي عدوهم.
وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس عشر.
[ ٨ / ٦٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد التسعمائة:
٩١٣ جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك حرام
قال العسكري في كتاب "التصحيف": وقد أقوى امرؤ القيس في القصيدة الميمية، في قوله:
إني امرؤ صرعي عليك حرام
إلا في مذهب من يقول: أخرجه مخرج حذام، واحتج بقوله:
يا ليت حظي من نداك الضافي والفضل أن تتركني كفاف
انتهى. وقال ابن الشجري في المجلس الرابع: وقد انفرد الأصمعي بروايته ورواية حرام بكسر الميم، لو رواه بضمها على الإقواء كان أحب إلي، وقال أبو حاتم في تعليل الكسر فيه: أخرج حرام مخرج كفاف من قول الراجز:
والفضل أن تتركني كفاف
عدل كفاف عن كاف، وإن شئت قدرتها معدولة عن التركة الكافة. انتهى كلامه، يعني كلام أبي حاتم. ولا يتأتى في حرام العدل عن فاعل أو فاعلة كما تأتي ذلك في كفاف، وكفاف قد اتسع استعمالها في الشعر القديم، وورد في أشعار المتأخرين، وإذا كان العدل في كفاف ممكنا وفي حرام متعسفا، وجب أطراح المتعسف، وأن تحمل هذه اللفظة [على وجه] يستقيم به فيها الكسر، وذلك أن يكون ألحقها ياء النسب للمبالغة من حيث كانت (وصفا كقولهم في الأحمر: أحمري، وفي الدوار دواري، قال الراجز):
[ ٨ / ٦٤ ]
والدهر بالإنسان دواري
ثم خفف الياء من حرامي ضرورة كما خففها القائل:
قتلت علباء وهند الجملي
فهذا أمثل مما رآه أبو حاتم، ويجب على هذا الوجه إثبات الياء في الخط.
وقوله: إني امرؤ صرعي، كان حقه أن يقول: صرعه، فيعيد إلى امرئ ضمير غيبه، لأنه اسم غيبة، ولكنه لما وقع خبرا عن ياء المتكلم، والخبر المفرد هو المخبر عنه، أعاد عليه من الجملة التي وصف بها ضمير متكلم، ونظير ذلك في التنزيل قوله تعالى: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف/١٣٨] كان قياسه: يجهلون بالياء، لأنه صفة قوم، وقوم اسم غيبة، والتاء خطاب، ولكن حسن إجراء الخطاب وصفا لفوم لوقوعه خبرا عن ضمير المخاطبين، وقال أبو حاتم سهل ابن محمد: قوله: صرعي عليك حرام، المعنى: أنه حاذق بالركوب، فهذه الناقة لا تقدر أن تصرعهن وقال غير أبي حاتم: معناه: قد أتيت إليك من الإحسان ما لا ينبغي لك معه أن تصرعيني، أي: قد حرم إحساني إليك صرعي عليك، وقيل هذا البيت:
تخدي على العلات سام رأسها روعاء منسمها رثيم دامي
[ ٨ / ٦٥ ]
وهما من قصيدة في وصف ناقته، وخدي البعير يخدي خديا، ووخد يخد وخدانا ووخدا، كلاهما من السير السريع، وقوله: على العلات، أي: على ما بها من الكلال والجوع والعطش، وسام رأسها، أي: مرتفع من نشاطها، وموضع سام نصب على الحال، ولكنه أسكنه ضرورة، كقول بشر بن أبي خازم:
كفى بالنأي من أسماء كافي
فرأسها إذن مرتفع بسام دون الابتداء ارتفاع الفاعل بفعله، لأن اسم الفاعل إذا اعتمد عمل عمل الفعلن واعتماده أن يكون خبرا أو صفة أو صلة أو حالا، وروعاء: حديدة الفؤاد ترتاع من كل شيء، وانتصابها على الحال، والمنسم: للبعير كالظفر للإنسان، ورثيم: مشقوق، فعيل بمعنى مفعول، صكته الحجارة فرثمته، وأصل الرتم في الأنف، يقال: رثمت أنفه: إذا شققته حتى يسيل دمه، ولكنه استعاره للمنسم كمجلس، قوله: اقصري من القصر الذي هو الحبس، أي احبسي جولانك. إلى هنا كله كلام ابن الشجري.
وأول القصيدة:
لمن الديار غشيتها بسخام فمعايتين فهضب ذي أقدام
دار لهند والرباب وفرتني ولميس قبل حوادث الأيام
عوجا على الطليل المحيل لأننا نبكي الديار كما بكى ابن حذام
ومجدة نسأتها فتكمشت رتك النعامة في طريق حام
تخدي على العلات البيتين
وبعدهما:
فجزيت خير جزاء ناقة واحد ورجعت سالمة القرا بسلام
[ ٨ / ٦٦ ]
سخام، بضم السين المهملة بعدها خاء معجمة، وذي اقدام: موضعان، وعمايتان، بفتح المهملة: جبلان، وهضب: وهدة. وهند والرباب وفرتني ولميس: أسماء نساء، وعوجا: اعطفا، والمحيل: المتغير، ولأن في لأننا معنى "لعل"، وكذلك "لعن"، وبه استشهد، وابن حذام: شاعر قديم، ومجدة: ناقة سريعة، والواو، واو رب، ونسأتها: جرجرتها، وتكمشت: أسرعت، ورتك: سرعة، وجام: حار من الشمس، والعلات، بكسر العين المهملة: الحالات، وحالت: اضطربت، وتصرعني: تسقطني، والقرا، بفتح القاف، والقصر: الظهر.
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشأ بعده:
والدهر الإنسان دواري
تقدم في الإنشاد الثاني عشر.
وأنشد بعده:
طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن ليس حين بقاء
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الحادي عشر بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد التسعمائة:
(٩١٤) بني إن البر شيء هين المنطق الطيب والطعيم
قال المبرد في "الكامل"، يقال: غيم وغين، أبدلت الميم نونا لاجتماعهما في الغنة، كما يقال للحية، أين وأيم، واستخارت الشعراء أن تجمع الميم والنون في القرافي لما ذكرت لك، قال الراجز:
[ ٨ / ٦٧ ]
بني إن البر شيء هين المنطق اللين والطعيم
وقال الآخر:
ما تنقم الحرب العوان مني إلى آخره.
انتهى. وأنشد البيت الأول أبو زيد في "نوادره"، وقال: قالته امرأة لابنها، ورأيت في كتاب "غرر الخصائص الواضحة" تأليف الوطواط الكتبي المصري: سمع بعض الأعراب يقول لولده:
بني إن البر شيء هين وجه طليق وكلام لين
وعلى هذا لا إكفاء في القافية، والبر، بالكسر: الجميل وفعل الخير، والطعيم: مصغر طعام، وقد أورده ابن الشجري في "أماليه" قال: وقد ورد النداء تعجبا كقول الآخر:
يا ريها اليوم على مبين على مبين جرد القضيم
جمع بين الميم والنون رويين لتقارب مخرجهما، كقول الآخر:
بني إن البر شيء هين المنطق الطيب والطعيم
ومثله لأبي جهل بن هشام:
ما تنقم الحرب العوان مني .. إلى آخره
وقال آخر: فجمع بين الطاء والدال لتقاربهما:
إذا ركبت فاجملوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا
العند: جمع ناقة عنود، وهي التي لا تستقيم في سيرها، وهذا يسمى في عيوب
[ ٨ / ٦٨ ]
القوافي: الإكفاء. انتهى.
وأنشد بعده:
ما تنقم الحرب العوان مني إلى آخره
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد التسعمائة:
إذا ركبت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا
هكذا رواه المرزباني عن الأخفش في كتاب "الموشح"، وكذا أنشده أبو علي في "الحجة" عند ذكر اختلاف القراء في السين والصاد من "يبسط" و"بسطة" قال: فأما من يبدل السين في "بسطة" وترك السين، فلأنه أصل الكلمتين، ولأن ما بين الحرفين من الخلاف يسير، فاحتمل الخلاف لقلته، ولأن هذا النحو من الخلاف لقلته غير معتد به، ألا ترى أن الحرفين المتقاربين قد يقعان في روي، فسيتجيزون ذلك كما يستجيزونه في المثلثين، كقوله:
إذا ركبت فاجعلوني إلى آخره.
فكما جعل الدال مثل الطاء في جمعهما في حرف الروي، ولم يحفل بما بينهما من الخلاف في الإطباق، كذلك لم يحفل بما بين السين والطاء، فلم يقربها منها كما فعل الآخرون. انتهى. ورواه ابن قتيبة في باب ما أبدل من القوافي من "أدب الكاتب":
[ ٨ / ٦٩ ]
إذا نزلت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا
قال ابن السيد في شرحه: قال: فسره، فقال: العند: الجانب، ورواه أبو بكر بن دريد: العند، بضم العين وتشديد النون، جمع عاند، وهو المائل المنحرف، وزاد بعده:
ولا أطيق البكرات الشردا
ولا يجوز أن تكون الألف حرف روي، لأن الأولى هي المبدلة من التنوين والأخيرين للإطلاق، وهاتان الألفان لا يجوز أن يكونا رويين. هذا كلامه. وبهذا المقدار من الشرح لم يتضح معنى هذا الرجز، وقد أوضحه الجواليقي في شرحه قال: قوله:
إذا نزلت فاجعلاني وسطا إلى آخره
العند، بفتحتين: الجانب والناحية، وكان هذا الرجل قد كبر، والرجل إذا كبر عاد كالصبي، والصبيان يخافون بالليل، يقول: اجعلاني وسطكما، فإني لا أطيق أن أكون في الجانب، ويروي "العندا" وهو جمع عاند وعنود، فعاند وعند، كشاهد وشهد، يقال: ناقة عنود: إذا تنكبت الطريق من قوتها ونشاطها، وذلك مماتمدح به وتستجب، والرواية الجيدة: "إذا ركبت" كذا رواه لنا ثابت عن ابن رزمة عن أبي سعيد، وقال: العند بفتحتين، ميلك عن الشيء، عند يعند بالكسر، ويعند بالضم عندا بفتحتين وعنود بالضم. انتهى كلامه. وإنما أمرهم بجعله وسطا لئلا تخرج به عن الطريق فتمرح، فترميه أو تضعفه.
[ ٨ / ٧٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد التسعمائة:
(٩١٦) ياما أميلح غزلانا شدن لنا من هؤليائكن الضال والسمر
على أنه صغر فعل التعجب تشبيها له بأفعل التفضيل، قال الشاطبي في "شرح الألفية": علل ذلك سيبويه بأنهم أرادوا تصغير الموصوف بالملاحة، كأنك قلت: مليح، لكنهم عدلوا عن ذلك وهم يعنون الأول، ومن عادتهم أن يلفظوا بالشيء وهم يريدون شيئا آخر. انتهى.
و"يا" حرف نداء، والمنادى محذوف، أي: يا صاحبي، والملاحة: البهجة وحسن المنظر، والغزلان، جمع غزلان: وهو ولد الظبية، قال أبو حاتم: الظبي أول ما يولد هو طلي، ثم هو غزلان، والأنثى غزالة، فإذا قوي وتحرك، فهو شادن، فإذا بلغ شهرا، فهو شصر، بالشين المعجمة والصاد المهملة المفتوحين، فإذا بلغ ستة أشهر أو سبعة، فهو جداية، بفتح الجيم للمذكر والأنثى، وهو خشف أيضا، والرشأ: الفتي من الظباء، فإذا أنثى، فهو ظبي، ولا يزال ثنيا حتى يموت، والأنثى ظبية، والثني: الذي يلقي ثنيته، أي سنة من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، يقال: أثنى فهو ثني فعيل بمعنى فاعل، وشدن: ماضي شدن الغزال، بالفتح يشدن، بالضم، شدونا: قوي وطلع قرناه، واستغنى عن أمه، وربما قالوا: شدن المهر، وأشدنت الظبية، فهي مشدن: إذا شدن ولدها، والنون الثانية ضمير الغزلان، فاعل شدن، والجملة صفة لغزلان، واللام ومن متعلقان بشدن، وقوله: من هؤليائكن، هو مصغر هؤلاء شذوذا، وأصله: أولاء بالمد والقصر، وها:
[ ٨ / ٧١ ]
للتنبيه، وأولاء: اسم إشارة [يشار به] إلى جمع، سواء كان مذكرا أم مؤنثا، عاقلا أم غير عاقل، والكاف: حرف خطاب، والنون حرف أيضا لجمع الإناث، ورواه الجوهري:
من هؤلياء بين الضال والسمر
وقال: لم يصغروا إلا هذا، وإلا ما أحيسنه، والضال: صفة اسم الإشارة، أو عطف بيان لها، وهو السدر البري، اسم جنس يصدق على الكثير والقليل، واحده ضالة، والسمر: بفتح السين وضم الميم: وهو شجر شائك عظيم، وهو اسم جنس أيضا، واحده سمرة، قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: البيت من جملة أولها:
حوراء لو نظرت يوما إلى حجر لأثرت سقما في ذلك الحجر
يزداد توريد خديها إذا لحظت كما يزيد نبات الأرض بالمطر
فالورد وجنتها والحمر ريقتها وضوء بهجتها أضوا من القمر
يا من رأى الخمر في غير الكروم ومن هذا رأى نبت ورد في سوى الشجر
كادت ترف عليها الطير من طرب لما تغنت بتغريد على وتر
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ليلاي منكن أم ليلى من البشر
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا البيت.
وروى العباسي في "معاهد التنصيص" عن بعضهم أنه من أبيات لبعض الأعراب، وأنشدها، وفي "الدمية" للباخرزي أنه أول أبيات ثلاثة لبدوي اسمه كامل الثقفي، ثانيها:
[ ٨ / ٧٢ ]
بالله يا ظبيات القاع قلنا لنا البيت
وثالثها:
إنسانة الحي أم أدمانة السمر بالنهي رقصها لحن من الوتر
وقال العيني: إنه من قصيدة للعرجي، ومنها:
بالله يا ظبيات القاع البيت
وقال الصاغاني في "العباب": يقولون: ما أميلح زيدا، ولم يصغروا من الفعل غيره، وغير قولهم: "ما أحيسنه"، قال الحسين بن عبد الرحمن العريني:
بالله يا ظبيات القاع البيت
باتت لنا بعيون من براقعها مملوءة مقل الغزلان والبقر
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا البيت
انتهى.
والأدمانة: الظبية البيضاء يعلو بياضها طرق فيهن غبرة، والنهي، بكسر النون: الغدير في لغة نجد وغيرهم يفتح النون، وقال السخاوي في "شرح المفصل": والنحاة ينشدون:
ياما أميلح غزلانا البيت.
ظنا منهم أنه شعر قديم، وإنما هو لعلي بن محمد العريني وهو متأخر، وكان يروم التشبه بطريقة العرب في الشعر، وله مدح في علي بن عيسى وزير المقتدر، وقتل المقتدر في شوال سنة عشرين وثلاثمائة، وتقدمت ترجمة العرجي في الإنشاد السادس والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
كأن ثبيرا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل
وتقدم شرحه في الإنشاد السادس والخمسين بعد السبعمائة.
[ ٨ / ٧٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد التسعمائة:
(٩١٧) يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
قال الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (في يوم عاصف) [إبراهيم/١٨]، وجوها من الإعراب إلى أنه قال: وإن شئت نويت أن تجعل عاصف من نعت الريح خاصة، فلما جاء بعد اليوم أتبعته بإعراب اليوم، وذلك من كلام العرب أن يتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه، وقد قال الشاعر:
كأنما ضربت قدام أعينها قطنا بمستحصد الأوتار محلوج
وقال آخر:
تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس لها خال ولا ندب
قال الفراء: قلت لأبي ثروان، وقد أنشدني هذا البيت بخفض غير: كيف تقول: تريك سنة وجه غير مقرفة؟ قال: تريك سنة وجه غير مقرفة، قلت له: أنشد بنصب غير، فخفض غير، فأعدت عليه القول، فقال: الذي تقول أنت أجود مما أقول أنا، وقال آخر:
فإياكم وحية بطن واد هموز الناب ليس لكم بسبي
[ ٨ / ٧٤ ]
ومما يرويه نحويونا الأولون أن العرب تقول: هذا حجر ضب خرب، وقد ذكر عن يحيى بن وثاب أنه قرأ: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) [الذاريات/٥٨]، فخفض المتين، وبه أخذ الأعمش، والوجه أن يرفع المتين، وأنشدني أبو الجراح العقيلي:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا أنحلت عرى الذنب
فأتبع "كل" خفض الزوجات وهو منصوب، لأنه نعت لذوي، انتهى.
وقال أبو حيان في "تذكرته"، قال الفراء: أنشدني أبو الجراح:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم البيت
بخفض كلهم على الجوار للزوجات، قال الفراء: فواقفت أبا الجراح على قوله، وقلت له: أليس المعنى: ذوي الزوجات كلهم .. البيت؟ فقال: بلى الذي تقول خير من الذي أقول، ثم استنشدته البيت، فأنشده بخفض كلهم. انتهى.
وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "نوادر القالي" هذا البيت لأبي الغريب وهو أعرابي له شعر قليل، أدرك الدولة الهاشمية، قال أبو زياد الكلابي: كان أبو الغريب شيخا قد تزوج، فم يولم، فاجتمعنا على بابا خبائه وصحنا:
أو لم ولو بيربوع أو لم بقرد مجدوع
قتلتنا من الجوع
فأولم واجتمعنا عنده، فأعرس بأهله، فلما أصبح، غدونا عليه، فقلنا:
يا ليت شعري عن أبي الغريب إذ بات في مجاسد وطيب
معانقا للرشأ الربيب أأحمد المحضار في القليب
[ ٨ / ٧٥ ]
أم كان رخوا يابس القضيب
فصاح إلينا: يابس القضيب، والله يابس القضيب، وأنشأ يقول:
سقيا لعهد خليل كان يأدم لي زادي ويذهب عن زوجاتي الغضبا
كان الخليل فأضحى قد تخونه هذا الزمان وتطعاني به الثقبا
وهو القائل:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا استرخت عرى الذنب
انتهى. أراد بالخليل: قضيبه، وتخونه: تنقصه، والثقب: جمع ثقبة، والمراد من قوله: "إذا انحلت عرى الذنب": استرخاء القضيب بذبول العروق والأعصاب، قال ابن السكيت في كتاب "المذكور والمؤنث": أهل الحجاز يقولون للمرأة زوج بغير هاء، قال تعالى: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) [الأحزاب/ ٣٧] وتجمع على أزواج، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) [الأحزاب/٢٨] وسائر العرب يقولون: زوجة، وتجمع على زوجات، وأنشد هذا البيت. انتهى.
وكذا قال علي بن حمزة البصري في كتاب "التنبيهات"، ورد علي الأصمعي في زعمه أن العرب لا تكاد تقول زوجة، واستشهد بأبيات كثيرة، ولولا خوف الإطالة لنقلناها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد التسعمائة:
(٩١٨) لحب المؤقدان إلي موسى وجعدة إذا أضاءهما الوقود
قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) من أول سورة البقرة: فأما حجة من قرأ بتحقيق الهمزة، فلأنه إنما كان ترك الهمزة
[ ٨ / ٧٦ ]
في "أو من" لاجتماع الهمزتين، كما أن تركها في "آمن" لذلك، فلما زال اجتماعهما مع سائر حروف المضارعة سوى الهمزة، رد الكلمة إلى الأصل فهمز، لأن الهمزة من الأمن والأمنة فاء الفعل، ومما يقوي [الهمز] في ذلك أن من تركها إنما يقلبها واوا ساكنة، وما قبلها متحرك بالضم، والواو الساكنة إذا انضم ما قبلها، فقد استجازوا قلبها همزة، قال محمد بن يزيد: أخبرني أبو عثمان، قال: أخبرني الأخفش، قال: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة، وينشد:
لحب المؤقدان إلى مؤسى
وتقدير ذلك أن الحركة لما كانت تلي في موسى، صارت كأنها عليها، والواو إذا تحركت بالضم، أبدلت منها الهمزة، فإذا جاز إبدال الهمزة من الواو التي ذكرنا واجتلابها، وإن لم تكن من الكلمة، فالهمزة التي هي أصل في الكلمة أولى بالتقرير، وأن لا يبدل منها الواو. انتهى.
وقال أيضا عند قوله تعالى: (بالسؤق والأعناق) من سورة (ص): قرأ ابن كثير وحده "بالسؤق" بالهمز، وقرأ أيضا (بالسؤوق) بواو بعد الهمزة، أما الهمز في السؤق فغيره أحسن وأكثر، وللهمز فيه وجيه في القياس والسماع، فأما السماع فإن أبا عثمان زعم أن أبا الحسن كان يقول: إن أبا حية النميري يهمز الواو التي قبلها ضمة، وينشد:
لحب المؤقدان إلى مؤسى
فعلى هذا يجوز همز سؤق. فأما وجه القياس، فإن الهمز لما لم يكن بينها وبين الضمة حاجز، صار كأنها عليها، فهمزها كما يهمزها إذا تحركت بالضم، وأما
[ ٨ / ٧٧ ]
همز السؤوق، فجائز كثيرا، وذلك أن الواو إذا كانت عينا مضمومة جاز فيها الهمز كما جاز في الفاء نحو: أجوه وأقتت. انتهى.
وقال تلميذه ابن جني فيمن همز (الضَّالِّينَ) في آخر سورة الفاتحة من "المحتسب" قد رأينا في كتاب "الخصائص" وغيره من كتبنا أن الحرف الساكن إذا جاور الحركة، فقد تنزله العرب منزلة المتحرك بها، من ذلك قول جرير:
لحب المؤقدان إلى مؤسى
فهمز الواو في الموضعين جميعا، لأنهما جاورتا الضمة الميم قبلهما، فصارت الضمة كأنها فيهما، والواو إذا ضمت ضما لازما فهمزها جائز، نحو: أقتت في وقتت، وأجوه في وجوه، ونظائر ذلك كثيرة. انتهى.
أقول: ذكره في باب "شواذ الهمز" من واخر كتابة "الخصائص"، وذكره أيضا في باب الهمزة من أول كتابة "سر الصناعة"، وذكره أيضا عند قول الشاعر:
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
في أواخر "إعراب الحماسة"، وذكره أيضا في بحث قلب الهمزة من شرح تصريف أبي عثمان المازني.
والبيت من قصيدة لجرير مدح بها هشام بن عبد الملك المرواني، وقبله:
بأود والإياد لنا صديق نأى عنك الإياد وأين أود
[ ٨ / ٧٨ ]
نظرنا نار جعدة هل نراها أبعد غال ضوءك أم همود
لحب الواقدان إلى موسى وجعدة لو أضاءهما الوقود
تعرضت الهموم لنا فقالت جعادة أي مرتحل تريد
فقلت لها الخليفة غير شك هو المهدي والحكم الرشيد
أود: بضم الهمزة، والإياد بالكسر: هما موضعان بالحزن في بلاد نبي يربوع، وغال، بالمعجمة: أتلف وأهلك، والهمود: انطفاء الجمر حتى يصير رمادا، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، يقول: نظرنا إلى نارك يا جعدة، فلم نرها، فلم ندري: أمن بعدها ما ترى، أم هي قريبة، ولكن صار جمرها رمادا.
وقوله: الحب الواقدان .. إلخ، كذا هو في نسختي، وهي نسخة مضبوطة ضبطا صحيحا، واللام في جواب قسم مقدر، تقديره: والله لحب الموقدان، أي: لقد صارا حبيبين، قال ابن يعيش: حب من المضاعف الذي عينه ولامه من باب واحد، وفيه لغتان: حب وأحب، والثاني أكثر في الاستعمال، وأما حب فوزنه فعل بفتح العين، فإذا أريد به المدح نقل إلى فعل، فيقول: حب زيد، أي صار محبوبا، قال الشاعر:
هجرت غضوب وحب من يتجنب
انتهى. وحب هنا يجوز فيه فتح أوله وضمه، أصلها: حبب: بضم العين بالتحويل من المفتوح العين إلى المضمومها للمدح والتعجب، فإن نقلت حركة العين إلى الفاء، بعد حذف حركتها، صارت حب بضم أوله، وإن حذفت ضمة العين،
[ ٨ / ٧٩ ]
صار حب بفتح الأول، والإدغام في الصورتين واجب، لاجتماع المثلثين، وفاعله الموقدان، اسم فاعل من أوقدت النار إيقادا، أي: شعلتها، وأما الوقدان فلا يصح، لأن وقد لازم، يقال: وقدت النار وقدا ووقودا، أي: اشتعلت، والنار واقدة، أي: مشتعلة. وموسى وجعدة: هما المخصوصان بالمدح، وهما ولداه، وهذا من باب التشوق والحنين إليهما بعد مفارقتهما للوفود إى هشام بن عبد الملك، ولو للتمني، وأضاءهما: أراهما، فإن أضاء يأتي متعديا كما هنا، والوقود: بفتح الواو: الحطب المشتعل، وروي: "إذ أضاءهما"، وهي الرواية المشهورة، وهي ظرف عاملها حب، وإنما مدحها بإيقاد النار، لأنه يدل على الكرم ومحبة الضيوف، وهذا شأن الكرام من العرب وقال السيوطي: موسى وجعدة عطف بيان للموقدين، وإذا أضاءهما: بدل اشتمال منهما، هذا كلامه، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد التسعمائة:
(٩١٩) قد يؤخذ الجار بذنب الجار
قال الميداني في "أمثاله": هذا مثل إسلامي، وهو في شعر الحكمي، يعني أبا نواس، الحسن بن هانئ، وقال الشريشي في شرح المقامة الأربعين عند قول الحريري: "إنه ممن يدور خلف الدار، ويأخذ الجار بالجار": العرب تسمى فرج المرأة الجار، ودبر المرأة الجارة، وأخذ الحريري من قول أعرابي [جاء لامرأته]، وقد اغتلم، واشتدت شهوته، وأنعظ، فلما قرب منها، وهجم عليها، قالت له:
[ ٨ / ٨٠ ]
إني حائض، قال لها: فأين الهنة الأخرى؟ ثم حمل عليها وهي تدافعه وتسبه، وهو ماض في شغله ينشدها:
كلا ورب البيت ذي الأستار لأهتكن حلق الحتار
هتك غلام ليس بالحوار قد يؤخذ الجار بذنب الجار
قال الخليل: الحتار: ما استدار من طوق الجفن، وكذلك حتار الظفر والدبر، ومما يبين هذا المعنى قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد يعدي الصحاح مبارك الجرب
ولرب مأخوذ بذنب قريبه ونجا المقارف صاحب الذنب
انتهى. والحتار، بكسر الحاء المهملة بعدها مثناة فوقية. وقال الثعالبي في كتاب "الكنايات والأمثال" بعد أن ساق حكاية الأعرابي والأبيات: الحتار: ما استدار بالعين من باطن الجفنن وحتار كل شيء: ما أحاط به، وقال بعض أهل اللغة، الحتار: اسم للفرج، فقوله: قد يؤخذ الجار بذنب الجار، الجار الأول من المجاورة، والثاني: اسم الفرج، واحتج بقول المرار الفقعسي:
نسيت للأم من قيس ومن أسد وإنما أنت دينار بن دينار
وإن تكن أنت من عبس وأمهم فأم عبسكم من جارة الجار
أي: من الاست، ومعنى البيت الأول: أنت عبد ابن عبد، لأن دينارا من أسماء العبيد. انتهى.
[ ٨ / ٨١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٠) ممن حملن به وهن عواقد حبك النطاق فشب غير مهبل
حملت به في ليلة مزؤودة كرها وعقد نطاقها لم يحلل
هما من قصيدة لأبي كبير الهذلي مذكورة في "أشعار الهذليين" وتقدم مطلعها في الإنشاد الحادي عشر بعد المائة، وقبلهما:
ولقد سريت على الظلام بمغشم جلد من الفتيان غير مثقل
ممن حملن به إلى آخر البيتين
وبعدهما:
فأتت به حوش الفؤاد مبطنا سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
قال التبريزي في "شرح الحماسة": كان السبب في هذه الأبيات إن أبا كبير تزوج أم تأبط شرا، وكان غلاما صغيرا، فلما رآه كثير الدخول على أمه، تنكر له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع الغلام، فقال أبو كبير لأمه: ويحك قد والله رابني أمر هذا الغلام، ولا آمنه، لا أقربك، قالت له: فاحتل عليه حتى تقتله، فقال له ذات يوم: هل لك أن تغزو؟ فقال: ذاك من أمري،
[ ٨ / ٨٢ ]
قال: فامض بنا، فخرجا، ولا زاد معهما، فسارا ليلتهما ويومهما من الغد حتى ظن أبو كبير أن الغلام قد جاع، فلما أمسى، قصد به أبو كبير قوما كانوا له أعدء، فلما رآهم من بعد، قال له أبو كبير: ويلك قد جعنا، فلو ذهبت إلى تلك النار، فالتمست لنا شيئا، فمضى تأبط شرا، فوجد على النار رجلين من ألص من يكون من العرب، وإنما أرسله إليهما أبو كبير ليقتلاه، فلما رأياه قد غشي نارهما، وثبا عليه، فرمى أحدهما، وكر على الآخر، فرماه فقتلهما، ثم جاء إلى نارهما، فأخذ الخبز منهما، فجاء به إلى أبي كبير، فقال: كل، لا أشبع الله بطنك، ولم يأكل هو، فقال: أخبرني ويحك، كيف قصتك؟ فأخبره، فازداد خوفا، ثم مضيا في ليلتهما فأصابا إبلا، وكان يقول له أبو كبير ثلاث ليال: اختر أي نصفي الليل شئت تحرس فيه وأنام، وتنام النصف الآخر، فقال: ذلك إليك اختر أيهما شئت، فكان أبو كبير ينام إلى نصف الليل، ويحرسه تأبط شرا، فإذا نام تأبط شرا، نام أبو كبير أيضا حتى استوفى الثلاث، فلما كان في الليلة الرابعة، ظن أن النعاس قد غلب على الغلام، فنام أول الليل إلى نصفه، وحرسه تأبط شرا، فلما نام الغلام، قال أبو كبير: الآن يستثقل نوما، وتمكنني فيه الفرصة، فلما ظن أنه قد استثقل، أخذ حصاة، فحذفها، فقام الغلام كأنه كعب، فقال: ما هذه الوجبة، فقال: لا أدري، فقام، فعس، وطاف حول الإبل، فلم ير شيئا، وفعل أبو كبير ثلاث مرات كذلك، وهو ينتبه، فلما رجعا إلى الحي، ترك أبو كبير أمه، فلم يقربها، ووصفه بهذه الآبيات.
وقوله: ولقد سريت على الظلام .. إلخ، المغشم، بكسر الميم، وهو الكثير الغشم، وهو الظلم، والجلد، بفتح الجيم: من له الجلادة، وهي قوة القلب، وقوله: غير مثقل، يعني: كان حسن القبول محببا إلى القلوب.
وقوله: ممن حملن، النون ضمير النساء، ولم يجر لهن ذكر، لكونه معلوما من المقام، وقال "به"، فرد الضمير على لفظ منن ولو رد على المعنى لقال "بهم"،
[ ٨ / ٨٣ ]
وعدى حمل بالباء، وهو متعد بنفسه، لأنه ضمنه معنى حبلت، قال ابن الشجري: وهو معنى قول المصنف ضمنه في الموضعين متى علقت، وقله: وهن قواعد إلخ نون عواقد للضرورة، وهو جمع عاقدة، وأعمله في "حبك" حكاية للحال، وإن كان ذلك فيما مضى، وهو جمع حباك، بكسر أوله: ما يشد به النطاق مثل التكة، والنطاق: شقة تلبسها المرأة، وتشد وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجر على الأرض ليس له حجزة ولا نيفق ولا ساقان، والجمع نطق، والحجزة، بالضم: موضع التكة، والنيفق: الموضع المتسع من السراويل، والعامة تكسر النون، قال ابن خلف: قال أبو جعفر: سألت عن هذا البيت علي بن سليمان، فقال: حملن من الحبل، أي: أنهن حبلن به وهن يخدمن، وكانت العرب تستحب أن تطأ النساء وهن متعبات أو فزعات ليغلب ماء الرجل، فيجيء الولد مذكرا، فوصف أنها حبلت به وهي عاقدة حبك النطاق، والحبك: الطرائق، وقيل: الحبك: الإزار الذي تأتزر به المرأة، وقيل: الحبكة حجزة الإزار، والنطاق: المنطقة. انتهى. قال القارئ: والمهبل: المثقل باللحم، يقال: هبلة اللحم: كثر عليه وغلظ، وقيل: المهبل: المعتوه الذي لا يتماسك، ومعنى البيت: إنه من الفتيان الذين حملت بهم أمهاتهم، وهن غير مستعدات للفراش، فنشأ محمودا مرضيا لم يدع عليه بالهبل والثكل. وحكي عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة، فأغضبها عند الجماع، ولذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق:
تسنمها غضبي فجاء مسهدا وأنفع أولاد الرجال المسهد
وقوله: حبلت به في ليلة مزؤودة: هي مفعولة من زأدته أزأده زأدا، أي أفزعته، وزئد، فهو مزؤود، أي: مذعور، قال المبرد في "الكامل": مزؤودة:
[ ٨ / ٨٤ ]
ذات زؤد، وهو الفزع، فمن نصب مزؤودة، فإنما أراد المرأة، ومن خفض أراد الليلة، وجعل الليلة ذات فزع، لأنه يفزع فيها
وقال ابن جني في "إعراب الحماسة": إنما جعل مذعورا، وأكثر ما يقولون: إذا اتسعوا: يوم مضروب على قولك: ضربت ساعة، وقمت يوما، وأنت تنصب اليوم والساعة نصب المفعول به، فلما كانوا قد يأخذونه في هذا الشق، جاؤوا به أيضا مسندا إليه الفعل إسناده إلى ما يسم فاعله [وعلى قولك قبل إسناد الفعل] إليها: هذه ليلة زئدها زيد، كقولك: هذه جبة كسيها عمرو، ثم تقول: هذه ليلة مزؤودة، كقولك: [هذه] جبة مكسورة، وهذا على رواية الجر، وأما من نصب، فعلى الحال للمرأة الحامل، وفائدة ذكر الليلة في رواية النصب أن تكون بدأت بحمله ليلا وهو أنجب، وصاحبه يوصف بالشجاعة، وقد دعاهم ذلك إلى أن وصلوا أنسابهم بالليل تحققا به، قال:
أنا ابن عم الليل وابن خاله إذا دجا دخلت في سرباله
لست كمن يفرق من خياله
انتهى. وبه يندفع قول المصنف: لا فائدة في ذكر الليل في رواية النصب. وقوله: "فأتت به حوش الفؤاد البيت" تقدم شرحه في الإنشاد السادس والأربعين بعد السبعمائة، وقد بسطنا الكلام على هذه الأبيات أخر منها، ونقلنا ما للناس عليها من كلام في الشاهد الثامن بعد الستمائة من شواهد الرضي.
[ ٨ / ٨٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢١) كيف تراني قالبا مجني قد قتل الله زيادا عني
قال ابن جني في باب استعمال الحروف بعضها مكان بعض: وكذلك قوله عز اسمه: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) [النازعات/١٨]، وأنت إنما تقول: هل لك في كذا، لكنه لما كان على هذا دعاء منه ﷺ، صار تقديره: أدعوك إلى أن تزكى، وعليه قول الفرزدق:
كيف تراني قالبا مجني أضرب أمري ظهره لبطن
قد قتل الله زيادا عني
لما كان معنى: قد قتله: قد صرفه، عداه بعن، ووجدت في اللغة من هذا الفن شيئا كثيرا لا يكاد يحاط به، ولعله لو جمع اكثر جاء كتابا ضخما، وقد عرفت طريقة، فإذا مر بك شيء فتقبله، وائنس به، فإنه فصل من العربية لطيف يدعو إلى الأنس بها، والفقاهة فيها.
وكذا قال عند قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) [البقرة/٩] من "المحتسب"، وكذا في "إعراب الحماسة". قوله: كيف تراني هذا كلام تعجبي يشعر بالنشاط والشماتة بالعدو، وقلب المجن: عبارة عن رميه من يده لعدم الاحتياج إليه، فإن الفرزدق هرب من البصرة إلى المدينة، واختفى بها خوفا من زياد ابن أبيه لغضبه كان غضبها زياد عليه، فلما جاء إلى المدينة خبر موته، ظهر بعد الاختفاء، وأنشد هذه الأبيات الثلاثة إظهارا للشماتة، وفرحا بسلامته منه، فكأن الفرزدق لشدة حذره
[ ٨ / ٨٦ ]
من زياد، وخوفه من عائلته، كانت حالته تشبه حالة من أخذ حذره من عدوه، وتسلح، وأخذ مجنه بيده، واستعد به للمدافعة عن نفسه، فلما هلك العدو، ترك الحذر، وألقى المجن من يده، وأظهر الفرح بسلامته، والشماتة بعدوه. والمجن، بكسر الميم: الترس والدرقة مأخوذ من الجنة، بضم الجيم، وهي السترة، لأن صاحب المجن يتستر به عما يقصد به من مكروه.
وزياد هو زياد بن عبيد، ويقال له: زياد بن سمية بالتصغير، اسم أمه، ويقال له: زياد ابن أبيه، أي: ابن أبي معاوية بن أبي سفيان، لأن معاوية استحلقه بأبيه بأبي سفيان، على أنه ولده من الزنا، وكان أمير العراقين، ومات سنة ثلاث وخمسين من الهجرة. قال الواقدي: سر أهل العراق والزهاد والعلماء بموته، وقالوا: مات طاغية العراق، وكان أبوه عبيد وأمه سمية مملوكين للحارث بن كلدة، بفتح الكاف واللام، وكان طبيب العرب ومن أشرافها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٢) واسقبلت قمر السماء بوجهها فأرتني القمرين في وقت معا
قال ابن الشجري في المجلس الثاني من "أماليه": أراد المتنبي بالقمرين: الشمس والقمر، ولو لم يردهما لم يدخل الألف واللام، ولقال: أرتني قمرين. انتهى. قال الصفدي في كتابه "رشف الزلال في وصف الهلال": وليس معنى البيت كما ظنه بعض الناس من أنه يريد بذلك أنه رأى في وقت واحد القمر ووجهها، وإنما التحقيق أنها لما استقبلت قمر السماء أرته خياله في وجهها، فرآهما في وقت
[ ٨ / ٨٧ ]
واحد كما تقابل الأشكال المرآة، فتنطبع الصورة فيها فترى المرآة والأشكال المنطبعة فيها وقت واحد. وعندي أن هذا المعنى أبلغ من أن يكون المراد بأحد القمرين وجهها على أنه شمس أو قمر مجازا، وبالآخر قمر السماء إذ يقبح بالعاشق إذا بدا له محيا الحبيب أن يرى شيئا سواه، فتأمل. قال الشمني: يأبى هذا التحقيق جعل وجهها قمرا، إذ ليس ذلك إلا لإضاءته وإشراقة، والأجرام المضيئة المشرقة لا تنطبع فيها الصورة. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٣) أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع
هو من قصيدة للفرزدق هجا بها جريرا وافتخر بآبائه منها:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهي قصيدة جيدة مشهورة مشروحة في المناقضات، وأخذ المصراع الثاني من قول رجل من بني ناشب، وهو:
لنا قمر السماء وكل نجم يضيء لنا إذا القمران غارا
ومن يفخر بغير ابني نزار فليس بأول الخطباء جارا
كذا في كتاب "البيان" للجاحظ. وقال الفراء في تفسيره: أراد الفرزدق بالقمرين: الشمس والقمر، لأن العرب قد تجمع الاسمين على تسمية أشهرهما،
[ ٨ / ٨٨ ]
وقال المبرد في "الكامل": المربدان: هو المربد وما يليه مما جرى مجراه، والعرب تفعل هذا في الشيئين إذا أجريا في باب مجرى واحدا، قال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم البيت
يريد: الشمس والقمر، لأنهما قد اجتمعا في قولك: النيران، وغلب الاسم المذكر، وإنما يؤثر في مثل هذه الخفة.
وروى الزجاجي في "أماليه" أن المفصل قال له الرشيد: ما معنى افتخار الفرزدق بالشمس والقمر، وحظه فيهما كحظ سائر الناس؟ قال: إنما أراد بالشمس إبراهيم، وبالقمر النبي عليهما الصلاة والسلام، وبالكواكب الخلفاء المهديين من آبائك، وهذا كله دون من يفاخره ويساجله، فأعجب به الرشيد. انتهى.
قال ابن رشيق في "العمدة" بعد كلام المفضل الرشيد: أعجب الرشيد بذلك، ووصله، والفرزدق ما قصد إلى شيء من ذلك، ولا أراده، ولا أعلم أن الرشيد يكون أمير المؤمنين، وإنما أراد كل مشهور فاضل، فهو لنا عليكم، ومنا لا منكم، فنحن أشرف بيتا، وأظهر فضلا، وأبعد صيتا، إلا أن التي جاء بها المفضل ملحة أفادته مالا. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني.
[ ٨ / ٨٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٤) إلى ملك كاد الجبال لفقده تزول وزوال الراسيات من الصخر
قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأما (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النحل/٩٨] فالمعني: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، فالفاء مرتبة، والعرب تقول فعل بمعنى كاد يفعل، وأراد أن يفعل، قال الفرزدق:
إلى ملك كاد الجبال لفقده يقعن وزال الراسيات من الصخر
أي: كادت الراسيات تزول، أو أرادت أن تزول. انتهى. وكذا في "شرح الجمل الزجاجية" للخفاف الإشبيلي، ومنها علم أن البيت للفرزدق، والراسي الثابت الذي لا يتحرك، ورويا يقعن من الوقوع بدل تزول.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٥) فارقنا قبل أن نفارقه لما قضى من جماعنا وطرا
قال ابن جني في "المحتسب": في سرورة البقرة، ومن ذلك قراءة إبراهيم: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) [آل عمران] وجه ذلك أنك إذا لقيت الشيء، فقد لقيك هو أيضا، فلما كان كذلك، دخله معنى المفاعلة كالمضاربة، وقد جاء ذلك عينة في هذه اللفظة، فأما ما قرأته على أبي علي في "نوادر أبي زيد" من قوله:
فارقنا قبل أن نفارقه البيت
فظاهره إلى التناقض، لأنا إذا فارقنا، فقد فارقناه لا محالة، فما معنى قوله بعد
[ ٨ / ٩٠ ]
ذلك: قبلء أن نفارقه؟ وهو عندنا على إقامة المسبب مقام السبب في تفسيره: فارقنا قبل أن نريد فراقه، فوضع المفارقة وهي المسبب موضع الإرادة لها وهي السبب، وذلك لقرب أحدهما من صاحبه، ومثله قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النمل/٩٨]، أي: إذا أردت القراءة وهو كثير، وقد أفردنا في "الخصائص" له بابا. انتهى.
والبيت من أبيات للربيع بن ضبع الفزاري أوردها أبو زيد في "نوادره" وهي:
أقفر من مية الجريب إلى الز زجين إلا الظباء والبقرا
كأنهـ درة منعمة من نسوة كن قبلها دررا
أصبح مني الشباب مبتكرا إن ينأ مني فقد ثوى عصرا
فارقنا قبل أن نفارقه البيت
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا
ها أنا ذا أمل الحياة وقد أدرك عقلب ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس هل سمعت به هيهات هيهات طال ذا عمرا
أقفر: صار أقفر خاليا من الآنسات إلا الظباء وبقر الوحش، فإنهما في هذين الموضعين، والجريب، بفتح الجيم، والزجين، بضم الزاء المعجمة وتشديد الجيم
[ ٨ / ٩١ ]
المفتوحة: موضعان، قال أبو حاتم: الرخين، بضم الراء المهملة، وتشديد الخاء المعجمة، قال أبو الحسن فيما كتبه على "النوادر": الذي صح عندنا: الرجين، بالجيم.
وقوله: كأنها درة .. البيت، استشهد به أبو علي في "الإيضاح" على أنهم جمعوا فعله، بالضم من المضاعف على فعل، قالوا: درة ودرر، وهي اللؤلؤة العظيمة والنعمة: الخصب والرفاهية واللين، وقوله: من نسوة .. إلخ، أشار به إلى أن حسنها متوارث، ومنعمة: صفة الدرة، وأجاز ذلك وإن كان في الحقيقة من صفة المرأة مبالغة في التشبيه، وذلك لأن الإفراط شبهها في الدرة، صارت الدرة كأنها هي: فوصفت لذلك بصفتها، ومثل ذلك قولهم: هند بدر محلى، فوصفوا البدر بالتحلية، ولذلك لم يدخلوا في الصفة تاء التأنيث، وإن كانت التحلية في الحقيقة من صفة هند، ولا يمكن أن يكون منعمة خبرا ثانيا لكان، لأنه إنما أراد إثبات النعمة لها، ومثل ذلك قول المثلم بن عمرو التنوخي:
لا تحسبني محجلا سبط الساقين أبكي أن يطلع الجمل
لأنه أراد: لا تحسبني امرأة محجلة الساقين ناعمة تبكي إذا ظلع جمل ضعفا عن المشي، إلا أنه أسقط التاء مبالغة في تشبيه المذكر بالمؤنث، وقد قيل: إنه على نية موصوف محذوفن كأنه قال: إنسانا محجلا، والأول أولى. قاله بعض شراح أبيات "الإيضاح".
وقوله: أصبح مني الشباب مبتكرا: يريد: ذهب الشاب مني، ومبتكرا، أي: سافر في بكرة النهار، وهو أغلب أوقات المسافر، وقوله: إن ينأ، أي: إن يبعد عني فقد ثوى، أي: أقام عندي عصرا بضمتين، أي: دهرا وحينا، يعني قد استمتعت بالشباب، وتلذذت به مدة، فإن ذهب عني، فلا عجب.
[ ٨ / ٩٢ ]
وقوله: فارقنا .. البيت، الجماع، بالكسر: الاجتماع والعشرة، وهذه اللفظة في البيت، بحسب عرف هذه الأزمان قبيحة، والوطر: الحاجة، وفاعل فارقنا ضمير الشباب. وقوله: أصبحت لا أملك السلاح إلى آخر البيتين، وهما من شواهد سيبويه، و"الجمل الزجاجية" وغيرهما من كتب النحو، قال ابن خلف: الشاهد فيه نصب الذئب بإضمار فعل يفسره ما بعده ليعطف عليه أخشى الرياح.
وقوله: لا أحمل السلاح، ولا أملك: جملتان في موضع نصب خبر أصبح إن كانت ناقصة، وحالا إن كانت تامة، كأنه قال: أصبحت غير حامل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفر بي، ولا يجوز في الذئب الرفع على الابتداء.
وقوله: وحدي، منهم من يجعل نصبه على الظرف بكونه مقدرا بما يجري مجرى الظرف من حرف جر، فإذا قلت: مررت بزيد وحده، فكأنك قلت: مررت بزيد على حياله، ومنهم من يجعل نصبه على المصدر، ويجعله من المصادر التي وقعت أحوالا، وإن كانت مضافة إلى معرفة، لأنها وقعت موقع غيرها، فوحده وقع موقع إيحاد، لأن العرب تقول: أوحدته بمروري إيحادا، وإيحادا وقع موقع موحد ومفرد، فكأنك قلت: مررت به موحدا ومفردا، هذا تحقيق الحال فيه، فقد صار وحده نائبا عن مصدر قد حذفت زيادته، وذلك المصدر نائبا عن اسم رجع عن اسم الفاعل، فلما فيه من معنى الإفراد كان حالا، ولما كان فيه من معنى المصدر كان مفردا لا يثنى ولا يجمع، ولما فيه من الاتساع لم يجر في موضع الجر، لأن الاتساع بعد الاتساع مرفوض، وما جاء عنهم مجرورا إلا في ثلاثة ألفاظ، وهو قولك للرجل إذا مدحته: هو نسيج وحده، أي: بمنزلة المنوال الذي لم ينسج عليه غيره، وإذا ذممته، قلت: هو عيير وحده، وجحيش وحده، تصغير جحش وعير، وهذا مما يحفظ ولا يقاس عليه لشذوذه.
[ ٨ / ٩٣ ]
يصف ما انتهت إليه حالة من الكبر، وأنه قد ضعف بدنه وقلبه، وأنه لا يطيق حمل السلاح للحرب، ولا قوة به على إمساك بعير إذا نفر، وأنه يخشى الذئب إذا كان وحده، لأنه لا يمكنه مدافعته، ويخشى الرياح والمطر إذا أصابه شيء منهما، ومن أمثالهم: "قد كنت وما أخشى بالذئب، وقد كنت وما يقاد في البعير". وحجر، بضم الحاء المهملة والجيم: بو امرئ القيس. وقوله: أعالج الكبر، أي أمراضه وعلله، قال بعض شراح أبيات "الإيضاح": الربيع بن ضبع الفزاري أحد المعمرين عمر مائتي سنة، وأدرك الإسلام، واختلف في إسلامه، فقيل: أسلم، وقيل: لم يسلم، لأن قومه منعوه من ذلك، وقال اللخمي في شرح أبيات "الجمل": قال أبو حاذر: وان الربيع بن ضبع من أطول من كان قبل الإسلام عمرا، عاش أربعين وثلاث مائة سنة، ولم يسلم، وقال حين بلغ مائتي سنة وأربعين سنة:
أقفر من مية الجريب إلى الز زجين إلا الظباء والبقرا
إلى آخر الأبيات
وانشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٦) جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالإيماض
قال ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الجمل" هو من رجز لرؤبة بن العجاج، أنشده ابن جني كذا، وقبله:
لقد أتت في رمضان الماضي جارية في درعها الفضفاض
تقطع الحديث بالإيماض أبيض من أخت بني أباض
[ ٨ / ٩٤ ]
انتهى، ولم أره في ديوانه، ورأيت في "نوادر ابن الأعرابي" غير منسوب إلى أحد:
يا ليتني مثلك في البياض أبيض من أخت بني أباض
جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالإيماض
وزاد غير ابن الأعرابي على هذا:
مثل الغزال زين بالحضاض قباء ذات كفل رضراض
قال ابن الأعرابي بعد إنشاد الأبيات: إذا أومضت تركوا حديثهم، ونظروا إليها من حسنها، وقوله: في رمضان الماضي، كان الربيع جمعهم في ذلك الوقت، وأورده الفراء في كتاب "الأيام والليالي" شاهدا على أنه يقال: رمضان بدون شهر كما يقال معه، وكذا قال غلام ثعلب في كتاب "اليوم والليلة": وأردفه بقوله: وأخبرني ثعلب عن سلمة عن الفراء عن الكسائي قال: كان الرؤاسي يكره أن يجمع رمضانن يقول: بلغني أنه اسم من أسماء الله تعالى. انتهى. وقال الخمي: قال أبو عمرو: العرب تركوا الشهور كلها مجردة إلا شهر ربيع وشهر رمضان، ويرد عليه أن رؤبة أتى برمضان مجردا من الشهر، وهو من فصحاء العرب، وجاء في الحديث: من صام رمضان إيمانا واحتساب، غفر له ما تقدم من ذنبه"، ولكن إثبات الشهر أفصح كما نطق به القرآن. انتهى. والدرع: قميص المرأة خاصة، والفضفاض: الواسع، وأباض، بفتح الهمزة، وكانت أختهم معروفة بالبياض، قال ابن السيد: وبنو أباض: قوم، وقد استشهد به على أنه يقال: أبيض من كذا، والخضاض، بكسر الخاء المعجمة: اليسير من الحلي، وقيل هو نوع منهن والقباء: الضامرة البطن، والرضراض: الكثير اللحم. وقوله:
[ ٨ / ٩٥ ]
تقطع الحديث .. إلخ، قال الفراء: أي: أنها إذا ابتسمت وكان الناس على حديث، قطعوا حديثهم، ونظروا إلى حسن ثغرها، وكذلك قال ابن السيد: الإيماض: ما يبدو من بياض أسنانها عند الضحك والابتسام، شبهه بوميض البرق. وقال اللخمي: معنى الإيماض أنهم إذا تحدثوا فأومضت إليهم، أي: نظرت، شغلهم حسن عينيها، فقطعوا حديثهم، وقيل: الإيماض هنا التبسم، شبه ابتسامها بوميض البرق في لمعانه، فيكون معناه كمعنى القول الأول، ويحتمل أن تكون هي المحدثة، وأنها تقطع حديثها بالتبسم، يصفها بطلاقة الوجه، وسماحة الخلق، وقد بسطنا الكلام على هذا الرجز في الشاهد الثالث عشر بعد الستمائة من شواهد الرضي. وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس عشر.
وأنشد بعده:
يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس والتسعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٧) لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندي
كذا أنشده الفراء في مواضع من تفسيره، قال عند قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) [البقرة/١٧٧]، وأما الأفعال التي جعلت أخبارا للناس، فقول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى البيت
[ ٨ / ٩٦ ]
فجعل "أن" خبرا للفتيان، وقال أيضا عند قوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ) الآية [١٩/ التوبة] ولم يقل: سقاه الحاج وعامري كمن آمن بالله، فهذا مثل قوله: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ)، أنشدني الكسائي:
لعمرك ما الفتيان .. البيت، فجعل خبر الفتيان "أن" وهو كما تقول: إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير. انتهى. وابن الأنباري في "المقصور والممدود" قال: ويقولون: حلية وحلى، ولحية ولحى، بالكسر، قال الشاعر:
لعمرك ما الفتيان البيت
وربما قال العرب: حلى ولحى، ولا يقاس على الضم في هذين الحرفين سواهما لأنهما من ذوات الياء، وثبت جمعهما بالياء. انتهى.
وقال السيد المرتضى في "أماليه": العرب تخبر عن الاسم بالمصدر والفعل مثل قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان .. البيت.
قال الجواليقي في كتاب "لحن العامة": قال القتبي: ليس الفتى بمعنى الشاب والحدث، وإنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال. انتهى.
والبيت ملفق من مصراعين من ابيات لابن بيض، وهي:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى وتعظم أبدان الرجال من الهبر
ولكنما الفتيان كل فتى ندي صبور على الآفات في العسر واليسر
خروج من الغمى، نهوض إلى العلى ضروب بنصل السيف منشرح الصدر
رأيت رجالا يكثر المال عندهم وليس يقي أحسابهم كثرة الوفر
غلاظ الكدى شل الأكف كأنهم على السائلين الصالدات من الصخر
[ ٨ / ٩٧ ]
إذا حفرت في مكان فوجدته صلبا لا يقدر عليه، فهو الكدية، يقول: فهو لئيم لا يقدر على ما عنده، يقال: سألته فأكدي وأجبل وأصلد. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٨) حتى يكون عزيزا من نفوسهم أو أن يبين جميعا وهو مختار
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": أصل هذا: أو أن يبين مجتمعة أسبابه، أو جميعة أسبابه، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فارتفع الضمير الذي كان مجرورا لوقوعه موقع المضاف المحذوف الذي كان مرفوعا، فلما ارتفع استتر في جميع. ومن أبيات الكتاب.
عهدي بها الحي الجميع وفيهم قبل التفرق ميسر وندام
ونحو من هذا قولهم: جحر ضب خرب، فهذا يتأوله سيبويه، والجماعة على أنه جار على الغلط، وأنا أرى أنه ليس بغلط، وذلك أن أصله: هذا جحر ضب خرب جحره ثم حذف الجحر، فارتفع ضميره، واستتر في خرب، فهذا يؤول في المعنى إلى ما أراده من ذهب إلى الغلط، غير أن الطريق مخالفة، وحذف المضاف كثيرا، وأما الغلط، فشاذ، وأجاز أبو الحسن في نحو: مررت بالقوم جميعا أن يكون منصوبا على المصدر أيضا على حد قولهم: مررت بهم جميعا، وهو عنده من المصادر التي جاءت على فعيل نحو النذير والنكير والعذير، وهذا مذهب حسن. انتهى.
[ ٨ / ٩٨ ]
وهو من أبيات أوردها أبو تمام في "الحماسة" ليزيد بن حمار السكوني يوم ذي قار
إني حمدت بني شيبان إذا خمدت نيران قومي وفيهم شبت النار
ومن تكرمهم في المحل أنهم لا يعرف الجار فيهم أنه الجار
حتى يكون عزيزا من نفوسهم البيت
كأنه صداع في رأس شاهقة من دونه لعتاق الطير أو كار
قال التبريزي: إذا خمدت يجوز أن يكون المراد به [أن الحرب] سكنت فيما بين قومي، وشبت نيران الحرب في بني شيبان، ويجوز أن يكون المراد به النار نفسها، وهو الوجه لذكره المحل فيما بعد، ولا يعلم الجار فيهم أنه الجار، لأنه يجرونه مجرى أنفسهم حتى يقدر أنه منهم. وقوله: حتى يكون عزيزا من نفوسهم، أي: مادام مقيما فيهم كأنه واحد منهم، أو أن يبين جميعا، أي: يفارق مجتمعه أسبابه وهو مختار، أي: لا يخرج كرها، ونصب جميعا على الحال، أي: يبين بجميع أسبابه، ويجوز أن يكون على الحال من الذين يفارقهم، يعني: أن يفارقهم وهم مجتمعون لتوديعه، ثم وصف عز الجار منهم، وشبهه بالصدع، بفتحتين، وهو الوعل بين الوعلين في رأس قلة مرتفعة لا تصل عتاق الطير إليه، أي: جوارحهما. ويجوز أن يكون قوله: "حتى يكون عزيزا إلخ" معناه: أنهم يعاملونه بهذه المعاملة إلى أن يكون عزيزا فيما بينهم، أو يختار مفارقتهم، والمعنى: ذلك له فيهم ما اعتز بجوارهم، أو مال إلى فراقهم، ويجوز أن يكون "من نفوسهم" في موضع الحال، وعزيزا: خبر كان، وإن جعلت عزيزا حالا، ومن نفوسهم خبرا،
[ ٨ / ٩٩ ]
جاز، والمعنى: حتى يكون كأنه من أصلهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) [التوبة/١٢٨] أي: من جنسكم وبطانتكم. انتهى.
وأورد القالي هذه الأبيات في أوائل "أماليه"، قال: وأنشدني أبو بكر بن دريد لبعض الأعراب:
إني حمدت بني شيبان إذا خمدت إلى آخر الأبيات الأربعة
ونسبها أبو عبيد البكري فيما كتبه على "الأمالي" وسماه "للآلي على أمالي القالي" كما نسبها أبو تمام وقال: وقوله: "إذا خمدت نيران قومي": يريد نار الحرب لمدافعتهم عنه، ويحتمل أن يريد نار القرى لما ذكر المحل في البيت الثاني.
وقوله: حتى يكون عزيزا من نفوسهم، يريد: كأنه من عزته من نفوسهم، أي: بينهم، لا جار لهم، أو أن يبين جميعا، يريد موفور المال مجتمعه، وهو مختار لفراقهم، لا من ضيم لحقه منهم، ولا إخفار لذمته فيهم. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٩) وأي فتى هيجاء أنت وجارها
تمامه:
إذا ما رجال بالرجال استقلت
وأنشده سيبويه في كتابه، قال الأعلم: الشاهد فيه عطف جارها على فتى هيجاء والتقدير: أي فتى هيجاء، وأي جارها أنت، فجارها نكرة، لأن "أيا" إذا أضيفت إلى واحد، لم يكن إلا نكرة، لأنه في معنى الجنس، فجارها وإن كان مضافا إلى ضمير هيجاء، فهو نكرة في المعنى، لأن ضمير الهيجاء في الفائدة مثلها، فكأنه قال:
[ ٨ / ١٠٠ ]
أي فتى هيجاء، وأي جار هيجاء أنت، ولا يجوز رفعه، لأنه إذا رفع فهو على أحد وجهين: إما أن يكون عطفا على أي، أو عطفا على أنت، فإن كان عطفا على أي، وجب أن يكون بإعادة حرف الاستفهام، وخرج عن معنى المدح، فيصير: أي فتى هيجاء وأي جارها أنت، وإن كان عطفا على أنت، صار التقدير: أي فتى هيجاء أنت، والذي هو جار الهيجاء، وكأنه قال: أنت ورجل آخر جاء هيجاء، ولم يقصد الشاعر إلى هذا، والهيجاء: الحرب، وأراد [بفتاها] هنا: القائم بها المبتلى فيها، وبـ"جارها": المجير منها، الكافي لها، ومعنى استقلت: نهضت. انتهى. وكذا قال ابن خلف، وقال ابن السراج في "الأصول": أنشد سيبويه في نحو ذلك:
أي فتي هيجاء أنت وجارها إذا ما رجال بالرجال استقلت
فلو رفع، لم يكن فيه معنى أي جارها الذي هو في معنى التعجب، والمعنى: أي فتى هيجاء، وأي جار لها أنت. انتهى.
وهذا البيت أحد الأبيات الخمسين التي أنشدها سيبويه في كتابه، ولم يعرف قائل كل منها والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٠) إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": يقبح أن يجزم حرف الشرط جزما يظهر
[ ٨ / ١٠١ ]
إلى اللفظ، ثم لا يكون جوابه مجزوما أو بالفاء، لكن هذا يجوز في الشعر، فأراد: إن يسمعوا عني ريبة ففصل، ونحوه: إن تضرب توجعه زيدا، على إعمال الأول وهو في البيت أسهل لأنه لم يظهر جزم الجواب. انتهى. وهو أول أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في باب الهجاء من "الحماسة" لقعنب ابن أم صاحب الغطفاني، وبعده:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
جهلا علينا وجبنا من عدوهم لبئست الحلتان الجهل والجبن
ومثله لطريح بن إسماعيل الثقفي أنشده له المبرد في "الكامل" وابن قتيبة في ترجمته من "طبقات الشعراء":
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
قال أبو علي في "الحجة" وأما قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق/٢]، فقد فسر أذنت أنها استمعت، وفي الحديث: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي "، الثاني بفتحتين، وقال عدي:
في سمع يأذنن الشيخ له وحديث مثل ماذي مشار
وأنشد أبو عبيد:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به البيت
[ ٨ / ١٠٢ ]
وأما قول عدي:
أيها القلي تعلل بددن إن همي في سماع وأذن
فالسماع مصدر بمعنى المسموع. انتهى. وقال التبريزي: كان الواجب أن يقول: تطيروا بها فرحا، ولا يجعل الجواب ماضيا، وإن كان جائزا في الشعر، وفرحا مفعول له، ومعنى طاروا بها: كثروا في الناس وأذاعوها، وأذنوا: سمعوا وجهلا على وجبنا، بتقدير: أتجمعون جهلا وجبنا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣١) إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نزل
قال سيبويه: وسألت الخليل ﵀ عن قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا البيت
فقال: الكلام هاهنا على قوله يكون كذا، أو يكون كذا لما كان موضعه ما لو قال فيه: أتركبون لم ينقص المعنى، صار بمنزلة: ولا سابق شيئا. وأما يونس، فقال: أرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون، وقول يونس أسهل. وأما قول الخليل، فجعله بمنزلة قول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
[ ٨ / ١٠٣ ]
والإشراك على هذا التوهم بعيد كبعد: ولا سابق شيئا. انتهى. قال الأعلم: الشاهد في رفع تنزلون حملا على معنى إن تركبوا، لأن معناه ومعنى أتركبون متقارب وكأنه قال: أتركبون فذلك عادتنا، أو تنزلون في معظم الحرب، فنحن معروفون بذلك، هذا مذهب الخليل وسيبويه، وحمله يونس على القطع، والتقدير عنده: أو أنتم تنزلون، وهذا أسهل في اللفظ، والأول أصح في المعنى والنظم، والخليل ممن يأخذ بصحة المعاني، ولا يبالي باختلال الألفاظ. انتهى.
فأنت ترى أنهم حملوه على إضمار المبتدأ بالنقل عن يونس، ولم يقل أحد منهم: أن "أو" بمعنى الإضراب، كما قال المحقق الرضي، ولا ضرورة تلجئه إليه. واقتصر ابن عصفور في كتاب "الضرائر" على مذهب الخليل، وخصه بالضرورة قال: ألا ترى أن تنزلون حكمه أن تحذف منه النون للجزم، لأنه معطوف على الفعل المجزوم بأداة الشرط، وهو تركبوا، لكنه اضطر إلى رفعه .. إلى آخر ما ذكره.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون التي مطلعها:
ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطبيق وداعا أيها الرجل
وهذه القصيدة ملحقة بالمعلقات السبع، وروى الخطيب التبريزي البيت كذا:
قالوا الطراد فقلنا تلك عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نزل
وقال في شرحه: يقول: إن طاردتم بالرماح، فتلك عادتنا، وإن نزلتم تجادلون بالسيوف نزلنا. انتهى. وعلى هذه الرواية لا شاهد فيه، ونزل: جمع نازل، ونزولهم عن الخيل يكون لضيق المعركة ينزلون، فيقاتلون على أقدامهم، وفي ذلك الوقت يتداعون: نزال.
وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
[ ٨ / ١٠٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٢) فلا تلحني فيها فإن بحبها أخاك مصاب القلب جم بلابله
قال سيبويه في باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده تقول: إن بك زيدا مأخوذ، وإن لك زيدا واقف، إلى أن قال: ومثل ذلك: إن فيك لزيدا راغب، قال الشاعر:
فلا تلحني فيها فإن بحبها البيت
كأنك أردت: إن زيدا راغب، وإن زيدا مأخوذ، ولم تذكر بك ولا فيك، فألغيتا هنا كما ألغيتا في الابتداء. انتهى.
قال الأعلم: الشاهد فيه رفع مصاب على الخبر، وإلغاء المجرور، لأنه من صلة الخبر، ومن تمامه، ولا يكون مستقرا للأخ ولا خبرا عنه. انتهى.
قال أبو علي في "إيضاح الشعر": الظرف قد استجيز فيه ما لم يستجز في غيره، ألا ترى أنه قد جاء: "فلا تلحني فيها البيت"، ففصل "بحبها" بين إن واسمها، ولو كان مكان الظرف غيره، لم يجز ذلك، والظرف متعلق بالخبر كأنه قال: إن أخاك مصاب القلب بحبها. وأورده أيضا في موضعين من "التذكرة القصرية" قال في الأول: مسألة: إن قال قائل: لم لا يكون المحذوف في التقدير مؤخرا كأنه قال: إن في الدار زيدا، فلا يسقط بذلك حكم ما يعلق بالظرف؟ قيل: يقبح
[ ٨ / ١٠٥ ]
هذا الفصل كما: كانت زيدا الحمى تأخذ، فإن قيل: فقد قال: فإن يحبها أخاك مصاب القلب؟ قد قيل: قد روى البغداديون: هذا مصاب القلب. فذا يدلك على استكراههم الرفع، لما فيه من الفصل، فعدلوا عنه إلى النصب، ويجوز أن يقول: إن الظرف قد فصل به في أماكن، فيجوز أن يكون هذا مثلها.
وقال في الموضع الثاني: مسألة: "ما كان فيها أحد خير منك" "فيها" متعلقة بكان إذا نصبت خيرا منك، ومتعلقة بمحذوف إذا كان مستقرا، ويجوز أن تنصبها بـ"خيرا منك" وإن تقدم عليه لشبهه بالفعل" وليس الفصل بـ فيها إذا علقتها بـ خير منك يقبح، لأن أبا الحسن قد أنشد في "المسائل الصغيرة":
. . . . . . . . فإن بحبها أخاك مصاب القلب. . . . .
ورواه الكوفيون: مصاب القلب، وأظنهم هربوا من الفصل، فنصبوا مخافة أن يجري مجرى: كانت زيدا الحمى تأخذ. وأتى أبو الحسن بمسائل هناك يفصل فيها بالظرف المتعلق بالخبر. انتهى.
وقد فصل ابن السراج في "الأصول" مذهب الكوفيين في هذه المسألة قال: إذا كان الظرف غير محل للاسم سماه الكوفيون الصفة الناقصة، وجعله البصريون لغوا، ولم يجز في الخبر إلا الرفع، وذلك قولك: فيك عبد الله راغب، ومنك أخواك هاربان، وإليك قومك قاصدون، لأن منك وفيك وإليك لا يكون محلا، ولا يتم بها الكلام، وقد أجاز الكوفيون: فيك راغبا عبد الله، شبهها الفراء بالصفة التامة، لتقدم راغب على عبد الله. وذهب الكسائي إلى أن المعنى: فيك رغبة عبد الله، واستضعفوا أن يقولوا: فيك عبد الله راغبا، وأنشدوا بيتا جاء فيه مثل هذا منصوبا:
فلا تلحني مصاب القلب على التشبيه بقولك: إن بالديار أخاك واقفا .. إلى آخر ما فصله.
[ ٨ / ١٠٦ ]
وقوله: فلا تلحني: هو نهي، أي: لا تلمني في حب هذه المرأة، فقد أصيب قلبي بها، واستولى عليه حبها، والعذل لا يصرفني عنها، يقال: لحيت الرجل: إذا لمته، وتلاحوا: تنازعوا، وأصله من: لحيت العصا ألحيها لحيا: إذا سلخت لحاءها وجلدها، وكذلك: لحوتها ألحوها لحوا، واللحاء، بالكسر والمد، قشر الشجر، وفي المثل: "لا تدخل بين العصا ولحائها"، والمصاب: اسم مفعول من أصيب بكذا من المصيبة وهي الشدة النازلة، والجم، بالجيم: الكثير، والبلابل: الأحزان وشغل البال، واحدها بلبال، وهو مبتدأ، وجم خبره، والجملة خبر ثان لإن.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٣) أبعد بعد تقول الدار جامعة شملي بهم أم تقول البعد محتوما
الشمال: نظام الحال واتساقه، والمحتوم: المحق الذي لا ينقص، والهمزة للاستفهام، وبعد: ظرف لتقول تقدم عليه، ففضل بينه وبين الهمزة وذلك مغتفر في الظرف، والبعد: ضد القرب، وتقول هنا بمعنى: تظن، والدار جامعة: مفعولاه، وكذلك تقول الثاني عامل في المنصوبين بعده، والبيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله، والله أعلم.
[ ٨ / ١٠٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٤) إذن والله نرميهم بحرب تشيب الطفل من قبل المشيب
على أنه فصل بين إذن ونرميهم المنصوب به القسم، والبيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده:
لما رأيت أبا يزيد مقاتلا أدع القتال وأشهد الهيجاء
وتقدم شرحه في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٥) فما كل حين من توالي مواليا
صدره:
بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا.
الأهبة، بضم الهمزة: التأهب والتهيؤ، يقال: أخذت لهذا الأمر أهبته، أي عدته، والحزم: التيقظ في جميع الأمور، ولذ: فعل أمر من لاذ به يلوذ لوذا،
[ ٨ / ١٠٨ ]
ولواذا، أي: اعتصم به، وكل حين، ظرف لتوالي، والموالاة: مخالصة الود، ومن: اسم ما، ومواليا خبرها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٦) وما كل من وافى منى أنا عارف
صدره:
وقالوا تعرفها المنازل من منى
وهو من شواهد سيبويه، قال ابن خلف: يروى بنصب كل ورفعه، أما من نصب "كل" فقد جعل "ما" تميمية، وأبطل عملها، ونصب "كل" بـ عارف، ومن رفع "كل" جعلها اسم "ما" على لغة أهل الحجاز، وجعل "أنا عارف" في موضع الخبر، وأضمر الهاء في عارف حتى يكون في الجملة ما يعود على الاسم، فيصح أن يكون خبرا، كأنه قال: أنا عارفه، وفي لغة بني تميم إذا رفع كل رفع بالابتداء، وأنا عارف خبر، ويعود إلى اسم "ما" الضمير المحذوف، وتعرفها بمنزلة: اعرفها، والمنازل: ظرف له، يقول: اعرف مكانها بالمنازل من منى، وهي حيث ينزلون أيام رمي الجمار، وما كل من وافى منى أنا عارف موضعه ينزل فيه، قال سيبويه: وكان هذا أحسن من التقدير والتأخير، يعني أن رفع
[ ٨ / ١٠٩ ]
"كل" بما على لغة أهل الحجاز، وإضمار الهاء في خبرها أحسن من أن ينصب كل بـ عارف في لغتهم، فتولي "ما" منصوبا بغير هاء، لأن حذف الهاء من الخبر كثير، وليس إيلاء الناصب منصوبا بغيره في شيء من الكلام، قال أبو جعفر: وسألنا أبا إسحاق عن معنى هذا البيت؟ وأجاب، فقال: هذا يذكر امرأة يتعشقها، فليس يسأل عن خبرها إلا من يعرفه ويعرفها. انتهى. والبيت من أبيات أوردها الأسود أبو محمد الأعرابي في "فرحة الأديب" لمزاحم بن الحارث العقيلي وهي:
وجدي بها وجد المضل بعيره بمكة لم تعطف عليه العواطف
رأى من رفيقيه جفاء وفاته ببرقتها المستعجلات الخوانف
فقالا تعرفها المناول من منى البيت
ولم أنس منها ليلة الجزع إذ مشت إلى وأصحابي منيسخ وواقف
فمدت بنانا للصفاح كأنه بنات النقا مالت بهن الأحاقف
وبعد هذا أبيات خمسة.
قوله: وجدي بها وجد المضل بعيره، هو من شواهد سيبويه. قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل وجدي مبتدأ، ووجد المضل خبره لا يستغنى عنه، فلم يجز نصبه كما جاز في غيره، وأصله: وجدي بها وجد مثل وجد المضل، والوجد: حرقة الباطن والحزن، والمضل بعيره: الذي أضل بعيره، لم تعطف عليه العواطف:
[ ٨ / ١١٠ ]
لم يرق عليه أحد، ولم يعنه على طلب بعيره.
ومزاحم: شاعر إسلامي معاصر لجرير والفرزدق.
وأنشد بعده:
ونحن عن فضلك ما استغنينا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده:
أبا خراشة ما أنت ذا نفر البيت
وتقدم بسط الكلام عليه في الإنشاد الثالث والأربعين.
وأنشد بعده:
كأن سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء
وتقدم شرحه في الإنشاد الثاني والتسعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٧) ومهمة مغبرة أرجاؤه كان لون أرضه سماؤه
قال ابن الشجري في "أماليه" هذا من المقلوب، وفيه حذف مضاف، وإنما أراد: كأن لون سمائه لون أرضه، وذلك لأن القتام لأجل الجدب ارتفع حتى
[ ٨ / ١١١ ]
غطى السماء، فصار لونها كلون الأرض، وقد اتسع القلب في كلامهم حتى استعملوه في غير الشعر، فقالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي، والخاتم في أصبعي. انتهى.
وقال السعد في "المطول": وفي القلب من المبالغة ما ليس في تركه، لإشعاره بأن لون السماء قد بلغ من الغبرة إلى حيث يشبه به لون الأرض في الغبرة. انتهى.
والواو: واو رب، والمهمة: المفازة والقفر، ومغبرة، أي: ذات غبرة بالضم وهو لون يشبه الغبار، أو بمعنى ذات غبار، والأرجاء، جمع رجا بالقصر، وهو الطرف والناحية، وهذا البيت كذا اشتهر، وهو منسوب لرؤبة، ولا يوجد في ديوان رجزة، وإنما الموجود:
وبلد عامية أعماؤه كأن لون أرضه سماؤه
وهذا مطلع أرجوزة له، وكذا رواه صاحب "الصحاح" وابن الأنباري في "مسائل الخلاف"، وابن الشجري في "أماليه"، وجواب رب في أواخر الأرجوزة، وهو:
هاتكته حتى مضت أكراؤه
والبلد: الأرض، وعامية بالتخفيف كرامية: اسم فاعل من عمي عليه الأمر: إذا التبس، ومنه قوله تعالى: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ) [القصص/٦٦]، والأعماء، جمع عمى بالقصر: وهي الأرض التي ليس بها أثر عمارة ولا نبات، وصف البلد بالشدة في أبيات كثيرة، إلى أن قال: هاتكته، وهو جواب رب،
[ ٨ / ١١٢ ]
والأكراء: جمع كرى بالقصر، وهو النوم، يقول: قطعت ذلك البلد حتى طار النعاس من عيني.
وتقدمت ترجمة رؤبة في الإنشاد الخامس عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٨) فإن أنت لاقيت في نجدة فلا تتهيبك أن تقدما
على أن فيه قلبا، والأصل: فلا تنهيبها، والبيت من قصيدة للنمر بن تولب الصحابي وقبله:
فأوصى الفتى بابتناء العلاء وأن لا يجور ولا يأثما
ويلبس للدهر أجلاله فلن يبننى الناس ما هدما
وإن أنت لاقيت في نجدة فلا تتهيبك أن تقدما
فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما
وإن تتخطاك أسبابها فإن قصاراك أن تهرما
وأوصى: فعل مضارع للمتكلم من الوصية، والعلاء، بالفتح والمد، الشرف والرفعة، وأن لا تجوز معطوف على ابتناء، وقوله: ويلبس الدهر إجلاله، هو كقول بيهس الفزاري:
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها
[ ٨ / ١١٣ ]
وقوله: فلن يبني الناس ما هد ما، يقول: إذا ضيع الفتى مجده لم يبنه الناس.
وقوله: وإن أنت لاقيت في نجده، قال محمد بن حبيب: النجدة: القتال، وقوله: لا تتهيبك، معناه: لا تتهيبها، يريد أن فيه قلبا، وقال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": النجدة: الشجاعة والبأس والقوة، وحذف مفعول لاقيت يريد: إذا لاقيت قوما ذوي نجدة في حرب ونحوها، فلا يتهيبك الإقدام عليهم فإن الذي يخشى المنية تلقاه أين ذهب من الأرض، فهو من المقلوب.
وقوله: فسوف تصادفه أينما هو من شواهد "الجمل الزجاجية"، وسوف للتأكيد، قال اللخمي: إن قيل: كيف قال: من يخشها، والمنية تصادف من خشيها، ومن لم يخشها، فأي معنى للشرط؟ قلت: هو خطاب لمن ظن أن خشيته تنجيه من الموت على جهة الرد عليه وإبطال ظنه ومعتقده. انتهى.
وقوله: وإن تتخطاك أسبابها، التخطي: التجاوز، وأسباب المنية: ما يؤدي إليها من مرض ونحوه، وقصاراك، بضم القاف: غايتك، والهرم، انحطاط القوى من طول العمر، يعني: إن تتجاوزك أسباب المنية فإن غايتك الهرم، وتبديل وجودك بالعدم.
وقد أوردنا القصيدة بتمامها، وشرحناها شرحا وافيا في الشاهد الواحد بعد التسعمائة من شواهد الرضي.
وترجمة النمر بن تولب تقدمت في الإنشاد الواحد والثمانين.
[ ٨ / ١١٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٩) ولا تهيبني الموماة أركبها إذا تجاوبت الأصداء بالسحر
تهيبني، بفتح أوله، وأصله: تهيبني بتاءين، فحذف إحداهما، قال أبو علي في باب ما قلب الكلام فيه عن الحد الذي ينبغي أن يكون عليه من كتاب "إيضاح الشعر": قال أبو زيد: إذا طلعت الجوزاء، انتصب العود في الحرباء، يريد: انتصب الحرباء في العودن وقال أبو الحسن: عرضت الناقة على الحوض، وعرضتها على الماء، وإنما يريدون: عرضت الماء عليها، وقالت الحطيئة:
فلما خشيت الهون والعير ممسك على رغمه ما أمسك الحبل حافره
التقدير: ما أمسك الحبل حافره، والمعنى: ولست كالعير، ومثله:
رب ثاو يمل منه الثواء
أي: ولست لذاك، وينشد للفرزدق:
ووفراء لم تحرز بسير وكيعة غدوت بها طيا يدي برشائها
قل فيه: طيا رشاءها بيدي، وأنشد الطوسي:
لما خشيت نسبي أضوائها
[ ٨ / ١١٥ ]
يريد: أضواء نسبيها. وأنشد أيضا:
كما دحست الثواب في الوعاءين
أي: كما لففت الثوبين في الوعاء، وأنشد أبو الحسن:
وإن أنت لاقيت في نجدة فلا تتهيبك أن تقدما
يريد: لا تتهيبها، وحكى سيبيويه: تهيبني البلاد، فيكون معناه القلب على تأويل أبي الحسن، وقال ابن مقبل:
ولا تهيبني الموماة أركبها إذا تجاوبت الأصداء بالسحر
وقال الأخطل:
مثل القنافد هداجون قد بلغت البيت
قال أبو الحسن: فجعل هجر كأنها هي البالغة وهي المبلوغة في المعنى. وأنشد لكعب الغنوي:
وكن أنت ترعى سر نفسك واعلمن بأن أقل الناس للسر ساتره
يريد أن أستر الناس للسر أقلهم، وهذا يشبه: أدخلت الكم في رأسي، والخاتم في أصبعي، وقال الفرزدق:
لا تحسبن دراهما سرقتها تمحو مخازيك التي بعمان
يريد: سرقتك، وهذا الضرب كثير، وأما قوله:
إلى ملك ما أمه من محارب أبوه ولا كانت كليب تصاهره
[ ٨ / ١١٦ ]
فتقديره: ما أبوه أمه من محارب، فقدم خبر المبتدأ، وهي جملة كما قدمه وهو مفرد، نحو: منطلق زيد، ومشنوء من يشنؤك. انتهى كلامه.
وقال ابن الشجري: الأصداء، جمع الصدى: وهو ذكر البوم، والصدى: الصوت الذي يجيبك إذا صحت بقرب جبل. انتهى.
قال الزبيدي في "لحن العامة": وقد هاب الرجل الشيء يهابه هيبة، وقد تهيبت الرجل: إذا هبته، وتهيبني: إذا هبته أيضا، وهو من الأضداد.
قال ابن مقبل:
ولا تهيبني الموماة أركبها البيت
وكذا في كتاب "الأضداد" للأصمعي، وقال الصاغاني في "العباب": تهيبت الشيء، وتهيبني الشيء، أي: خفته وخوفي، وأنشد البيت، والموماة، بفتح الميم: المفازة، يقول: أسافر في المفازة وحدي، وأركب الطريق منفردا، ولا أهابها خشية عدو أو سبع، ولا سيما بالليل ووقت الأسحار، وعند تجاوب الأطيار، فإن المسافر إذا كان وحده يهاب الطريق.
والبيت من قصيدة لتميم بن مقبل، مطلعها:
يا حار أمسيت شيخا قد وهى بصري والتات ما دون يوم البعث من عمري
يا حار من يعتذر من أن يلم به ريب الزمان فإني غير معتذر
يا حار أمسى سواد العين خالطه شيب القذال اختلاط الصفو بالكدر
قد كنت أهدى ولا أهدى فعلمني حسن المقادة أني فاتني بصري
كان الشباب لحاجات وكن له فقد فزعت إلى حاجاتي الأخر
[ ٨ / ١١٧ ]
قالت سليمى ببطن القاع من سرح لا خير في العيش بعد الشيب والكبر
واستهزأت تربها مني فقلت لها ماذا تعيبان مني يا ابنتي عصر
لوما الحياء ولوما الدين عبتكما ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري
قد قلتما لي قولا لا أبا لكما فيه حديث على ما كان من قصر
ما أنتما والذي حالت حلومكما إلا كحيران إذا يسري بلا قمر
إن ينفض الدهر مني مرة لبلى فالدهر أرود بالأقوام ذو غير
لقد قضيا فلا تستزئا سفا عما نعمنا به من لذة الوطر
لا تأمن السيف إذا روحتها إبلي حتى ترى نيبها يضمزن بالجرر
ولا أقوم على حوضي فأمنعه بذل اليمين بشوطي باديا خسري
ولا تهيني الموماة أركبها إذا تجاوبت الأصداء بالسحر
ولا أقوم إلى المولى فأشتمه ولا تخدشه نابي ولا ظفري
وهي قصيدة يكفي منها هذا المقدار.
وترجمة تميم بن مقبل تقدمت في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد الأربعمائة، وكان السبب في نظم هذه القصيدة أنه خرج في بعض أسفاره، فمر بمنزل عصر العقيلي، وقد جهده العطش فاستسقى، فخرجت إليه ابنتاه بعس [فيه لبن] فرأتاه أعور كبيرا، فأبدتا له بعض الجفوة، وذكرتا عوره وكبره، فرجع ولم يشرب، فبلغ أباهما الخبر، فتبعه ليرده، فلم يرجع، فقال: ارجع ولك أعجبهما إليك، فرجع وقال في القصيدة، قال ابن قتيبة هي من أحسن شعره. وقوله:
لوما الحياء ولوما الدين عبتكما البيت.
[ ٨ / ١١٨ ]
استشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ) [الحجر/٧]، ركبت "لو" مع "لا وما" لامتناع الشيء لوجود غيره.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد التسعمائة:
(٩٤٠) كأن أوب ذراعيها إذا عرقت وقد تلفع بالقور العساقيل
قال ابن الشجري: القور: جمع قارة، وهي الجبيل الصغير، والعساقيل: اسم لأوائل السراب، جاء بلفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، والتلفع: الاشتمال والتجلل، وقال: تلفع بالقور العساقيل، وإنما المعنى: تلفع القور بالعساقيل. انتهى. والأوب: الرجع مصدر مضاف لفاعله، وإذا عرقت: كناية عن وقت الهاجرة وشدة الجر، وخبر كأن في بيت آخر، وهو قوله:
شد النهار ذراعا عيطل نصف قامت فجاوبها نكد مثاكيل
وشد النهار: ارتفاعه منصوب على الظرف، وقوله: ذراعا عيطل، هو خبر كأن، والعيطل: المرأة الطويلة، والنصف بفتحتين: التي بين الشابة والكهلة، والنكد، جمع نكداء، وهي التي لا يعيش لها ولد، والمثاكيل: جمع مثكال: وهي الكثيرة الثكل، أي: التي مات لها أولاد كثير، والمعنى: كأن ذراعي هذه الناقة في سرعتها في السير ذراعا هذه المرأة في اللطم لما فقدت ولدها، وجاوبها نساء فقدن أولادهن، لأن النساء المثاكيل، إذا جاوبنها، كان ذلك أقوى لحزنها، وأنشط في ترجيع يديها عند النوج، لخصته في شرح المصنف، وقد بسطنا الكلام عليه في حاشيتنا على هذا البيت من شرح المصنف.
[ ٨ / ١١٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد التسعمائة:
(٩٤١) فديت بنفسه نفسي ومالي وما ألوك إلا ما أطيق
هو لعروة بن الورد.
فلو أني شهدت أبا سعاد غداة غدا بمهجته يفوق
قال الأزهري في "التهذيب": الفواق: ترجيع الشهقة الغالبة، تقول للذي يصيبه البهر: يفوق فواقا وفؤوقا.
أبو عبيد عن الكسائي: هو يفوق بنفسه فؤوقا، وهو يسوق بنفسه.
ثعلب عن ابن الأعرابي: الفوق: نفس الموت. انتهى. والمعنى: يجود بمهجته، أي: يموت، وقوله: ولا آلوك، قال الأزهري: ابن الأعرابي: الألو: التقصير، والألو: المنع، والألو: الاجتهاد، والألو: الاستطاعة، والألو: العطية، وأنشد:
أخالد لا آلوك إلا مهندا وجلد أبي عجل وثيق القبائل
أي: لا أعطيك إلا سيفا وترسا من جلد ثور، والعرب تقول: أتاني فلان فما ألوت رده، أي: ما استطعت، وأتاني في حاجة فألوت فيها: [أي: اجتهدت فيها]. أبو حاتم عن الأصمعي، يقال: ما ألوت جهدا، أي: لم أدع جهدا، والعامة تقول: ما آلوك جهدا بالكاف وهو خطأ. انتهى المراد منه.
[ ٨ / ١٢٠ ]
فالمناسب هنا أن يكون آلوك بمعنى: أعطيك، يقول: الجود بالنفس والمال مما أطيقه، وأما الصحة والعافية ودفع الموت مما لا أطيقه.
ووقع في رواة ابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير": وما آلوه بضمير الغائب وهو ظاهر، والأول على الالتفات.
وعروة بن الورد شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والستين بعد الثلاثمائة، ونسبهما إلى عروة قدامة في "نقد الشعر" وابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير"، والزنجابي في "معيار النظار" وغيرهم، لكن رأيتهما في ديوان حسان بن ثابت في نسخة قديمة، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد التسعمائة:
(٩٤٢) فلما أن جرى سمن عليها كما طيبت بالفدن السياعا
هو من قصيدة للقطامي مدح بها زفر بن الحارث، مطلعها:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ولا يك موقف منك الوداعا
وتقدم شرحه في الباب الرابع، ثم مضى في الكلام إلى أن ذكر أنه استنتج من ناقته ناقة رباها إلى أن قويت واشتدت، فقال:
فلما أن مضت سنتان عنها وصارت حقة تعلو الجذاعا
[ ٨ / ١٢١ ]
قال شارحه أبو سعيد السكري: إذا دخلت في السنة الثالثة فهي حقة، والذكر حق، فأراد أنها علا بها عظم وأسرعت الشباب حتى صارت تعلو الجذاع، وهي أصغر منهن بسنة، وإنما تكون جذعا وجذعة في السنة الرابعة:
عرفنا ما يرى البصراء فيها فألينا عليها أن تباعا
قال السكري: آلينا: حلفنا، وأراد: لا تباع لما رأى من تمام خلقها.
وقلنا مهلوا لثنيتيها لكي تزداد للسفر اضطلاعا
قال السكري: مهلوا: انتظروا حتى تخرج ثتيتاها وهي تثني في السنة الثالثة، والاضطلاع: بالقوة/ يقال: هو مضطلع بذلك الأمر: إذا كان قويا عليه، والضليع من الإبل والخيل: التام الخلق، وإنما يراض إذا أثنى وأربع.
فلما أن جرى سمن عليها كما بطنت بالفدن السياعا
قال السكري: الفدن: القصر، والسياع: الطين، فأراد: كما بطنت الفدن بالسياع، أي: طينته.
أمرت بها الرجال ليأخذوها ونحن نظن أن لن تستطاعا
أي: أمرتهم بأخذها لتراض وتركب، ويروى: أن لا تستطاعا. انتهى. والفدن. بفتح الفاء والدال، والسياع، بفتح السين وكسرها؛ شبه جريان السمن في أعضائها على السوية، وأخذ كل عضو منه نصيبه بتطيين الفدن بالسياع، وفيه تشبيه الناقة بالقصر في العلو والارتفاع.
وترجمة القطامي تقدمت في الإنشاد الثامن والخمسين بعد المائتين.
[ ٨ / ١٢٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد التسعمائة:
(٩٤٣) وعذلت أهل العشق حتى ذقته فعجبت كيف يموت من لا يعشق
هو من قصيدة لأبي الطيب المتنبي قالها في صباه يمدح محمد بن أوس بن معن الأزدي، قال الواحدي: يذهب في هذا البيت إلى أنه من المقلوب على تقدير: كيف لا يموت من يعشق؟ يعني أن العشق يوجب الموت لشدته، وإنما يتعجب ممن يعشق، ثم لا يموت، وإنما يحمل على القلب ما لا يظهر المعنى دونه، وهذا ظاهر المعنى من غير قلب، وهو أنه يعظم أمر العشق، وجعله غايه في الشدة، يقول: كيف يكون موت من غير عشق، أي: من لم يعشق يجب أن لا يموت، لأنه لم يقاس ما يوجب الموت، وإنما يوجبه العشق، وقال بعض من فسر هذا البيت: لما كان المتقرر في النفوس أن الموت في أعلى مراتب الشدة قال: لما ذقت العشق، وعرفت شدته، عجبت كيف يكون هذا الأمر المتفق على شدته غير العشق. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد التسعمائة:
(٩٤٤) إذا أحسن ابن العم بعد إساءة فلست لشري فعله بحمول
أراد: لشر فعليه فقلب، وفي طبع هذا الشاعر غلظة وجفاء وقسوة، فإن كلامه هذا بخلاف قول الله ﵎: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)
[ ٨ / ١٢٣ ]
[هود/١١٤]، وبخلاف قوله ﷺ: "أتبع السيئة بالحسنة تمحها" وهذا البيت رأيته مفردا في نوادر ابن الأعرابي، رواه عن أبي زياد الكلابي صاحب "النوادر".
وأنشد بعده:
إن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام وأن لا تشعرا أحدا
وتقدم في الإنشاد الرابع والثلاثين.
وأنشد بعده:
لو يشأ طار بها ذو ميعة لا حق الآطال نهد ذو خصل
وتقدم في بحث "لو".
وأنشد بعده:
استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل
وتقدم في بحث "إذا".
وأنشد بعده:
لن يخب الآن من رجاك وقد حرك من دون بابك الحلقة
وتقدم إنشاده في بحث "لن".
[ ٨ / ١٢٤ ]
وأنشد بعده:
يا أبتا عللك أو عساكا
وتقدم إنشاده في بحث "عسى".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد التسعمائة:
(٩٤٥) مثل القنافد هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر
أورده ابن السراج في كتاب "الأصول" في باب "الضرائر الشعرية" وقال: جعل هجر في اللفظ هي التي تبلغ السوءات، وكذا أورده ابن عصفور في كتاب "الضرائر" مع الأبيات المتقدمة وغيرها، وكان الأصل رفع السوآت، ونصب نجران وهجر، وهما بلدان، لأنها هي التي تأتي البلاد، لا أن البلاد تأتيها، والسوءة، بالفتح: الفعلة القبيحة، قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل" شبههم بالقنافذ لمشيهم بالليل للسرقة والفجور، والهدجان: مشي في ارتعاش، والبيت للأخطل النصراني من قصيدة هجا بها جريرا، وقبله:
أما كليب بن يربوع فليس لها عند التفاخر إيراد ولا صدر
مخلفون ويقضي الناس أمرهم وهم بغيب وهي عمياء ما شعروا
مثل القنافد هداجون البيت.
[ ٨ / ١٢٥ ]
كليب: قبيلة جرير، وضرب الإيراد والصدر مثلا لعقد الأمور وحلها، وأصلهما السير إلى الماء والرجوع عنه، ومخلفون: متروكون، والعمياء: الجهالة، ونجران: فاعل بلغت، والمفعول محذوف يدل عليه مفعول بلغت الثاني، تقديره: قد بلغت نجران سوآتهم.
وترجمة الأخطل تقدمت في الإنشاد السابع والأربعين
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد التسعمائة:
(٩٤٦) قد سالك الحيات منه القدما
أنشد سيبويه مع بيتين بعده، وهما:
الأفعوان والشجاع الشجعما وذات قرنين ضموزا ضرزما
رواه برفع الحيات على أنها فاعل سالمت، والقدم مفعولهن والأفعوان: مفعول بفعل محذوف تقديره: وسالمت القدم الأفعوان، والشجاع، فالمسألة واقعة منهما.
وقال ابن السيد: الفراء يرويه بنصب الحيات على أنها مفعولة، والقدما: فاعل، وهو مثنى حذفت نونة للإضافة. وكذا قال شراح أبيات "الجمل" ابن السيد واللخمي وغيرهما، قال ابن خلف: هجا رجلا القدمين وصلابتهما لطول الجفاء، فذكر أنه يطأ الحيات والعقارب فيقتلها، فقد سالمت قدميه لذلك، وكان القياس أن يرفع الأفعوان وما بعده، على البدل من الحيات غير أنه حمله على فعل
[ ٨ / ١٢٦ ]
مضمر يدل عليه سالم، لأن المسالمة إنما تكون من اثنين فصاعدا، فكأنه قال: وسالمت القدم الأفعوان، وصف رجلا بخشونة القدمين، وغلظ جلدهما، فالحيات لا تؤثر فيهما، والأفعوان: الذكر من الأفاعي، والشجاع: الذكر من الحيات.
وقوله: وذات قرنين: أراد بها العقرب، وقيل: الأفعى القرناء، وضرب من الأفاعي يكون له قرون من جلده، والضموز: المطرقة التي تصفر لخبثها، فإذا عرض لها إنسان ساورته وثبا، والضرزم، بكسر الضاد والزاء المعجمتين المسنة، وهو أخبث لها، وأكثر لمسها، ويقال: الضرزم: الشديدة، والشجعم الجريء والميم الزائدة. انتهى. وهذا كله كلام الأعلم وابن السيد. وقال اللخمي: الشجاع نوع من الحيات، والشجعم مع عظم جسم وذات قرنين، يعني حية لها قرنان، وهما لحمتان في رأسها من يمين وشمال، وقيل: يعني العقرب، والضرزم: الشديدة العض. هجا رجلا بغلظ القدمين وصلابتهما لطول الحفاء، يقول: قد سالمت الحيات قدميه فما تقدم أن تدخل تحتهما كما سالمت القدمان الحيات، فاغتدين مسلمات، واغتدى الرجل سالم القدمين. هذا ملخص ما وقفت عليه من شرح أبيات سيبويه، وشرح أبيات "الجمل"، واختلفوا في قائله، فقال سيبويه وخدمته: أبو حيان الفقعسي، وقال اب السيد: هو لمساور العبسي، وقال اللخمي: هو للعجاج، والله أعلم.
وهذا الرجز من أرجوزة أوردناها برمتها، وشرحناها شرحا وافيا في الشاهد التاسع والأربعين بعد التسعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
هما خطتا إما إسار ومنة
وتقدم بسط الكلام عليه في الإنشاد التاسع والسبعين بعد الثمانمائة.
[ ٨ / ١٢٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد التسعمائة:
(٩٤٧) إن من صاد عقعقا لمشوم كيف من صاد عقعقان وبوم
على أن المفعول يكون مرفوعا، فإن عقعقان مفعول صاد، مع أنه مرفوع بألف التثنية، وبوم، معطوف على المفعول، وهو مرفوع بالضمة، والعقعق: طائر معروف أبلق بسواد وبياض أذنب يعقعق بصوته، يشبه صوته العين والقاف، كذا في "العباب" للصاغاني، ومشوم: أصله مشؤوم، فنقلوا ضمة الهمزة إلى الشين الساكنة، فحذفت الهمزة للساكنين، والشؤم، مهموز العين، النحوسة.
وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته مع شدة الفحص عنه مدة عشرين سنة، ولا رأيته في كتاب نحو يعتمد عليه، ومثل هذا مما جهل قائله، لا يجوز الاستشهاد به لاحتمال أنه من شعر المولدين، والله أعلم.
وهذا آخر الأبيات التي ختم المصنف بها كتابه، وقد من الله علينا في أن وفقنا لشرح أبياته من الأول إلى الآخر، بعد أن كاد يذهب البصر برمد شديد، فإنني لما وصلت إلى الإنشاد الثالث والأربعين بعد الستمائة حدث لي شقيقة رمدت بها عيني اليمنى، وانطبقت معها اليسرى، وذلك في اليوم الرابع من ذي الحجة ختام سنة سبع وثمانين وألف، فرمدت عيني بنزلة حادة مدة ثلاثين يوما، ففترت النازلة، فانفتحت عيناي بعض الانفتاح، فشرعت في تكميل شرح الأبيات في غزة ربيع الأول من شهور سنة إحدى وتسعين بعد الألف، ولله الحمد على هاتين النعمتين، وتم شرحها في وقت العصر من يوم الجمعة السادس من شهر رجب من السنة المذكورة، ولكن قد استعجلنا في أواخر هذا الشرح لتصميم العزم إلى القسطنطينية لأمر عرض
[ ٨ / ١٢٨ ]
فتم قبل السفر بخمسة أيام، وكان ابتداء الشروع في الشرح الساعة السابعة من الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك من السنة السادسة والثمانين بعد الألف من الهجرة، ولله الحمد أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين وصحبه المكرمين، ومن تبعهم بخير وإحسان إلى يوم الدين.
الحمد لله.
اتفق الفراغ من تصحيح هذه النسخة ومعارضتها بنسخة المؤلف التي بخطه في أواسط شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وأربعين ومائة وألف على يد العبد الضعيف أحمد بن الحسين الكيواني الشامي، لطف الله تعالى به، ولله الحمد، وصلى الله على شفيع الأمة سيدنا محمد وعلى آلة وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
[وجاء في آخر نسخة مكتبة عارف حكمت في المدينة المنورة (ب) ما نصه]:
قال كاتبه: اللهم يا من نحا بابه العالي أغناه، ورفع مقامه وهداه، وعلمه ما لم يكن يعلم، ونجاه من لحن الأصغرين وسلم، أسألك رحمات تؤنس رمس مؤلف هذا الكتاب، ولحقه بالزلفى وحسن مآب، وألحق بذلك كافة أهليه والأصحاب، وأجر أقلام كاتب هذا المؤلف العظيم، حتى يقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم:
الحمد لله رافع شواهد وحدانيته على مناسب الملكوت، المغني من نحا نحوه عن الافتقار إلى من يفني ويموت، الجازم قلوب المؤمنين أنه الله الواحد الذي تقدست أسماؤه وأفعاله، المعرب عما استتر عن العقول كلمه وأقواله، وأصلي على الشاهد على الأمم أمته، المشيد بيوت الكمال جمعه السالم وصلته، سيدنا محمد الذي
[ ٨ / ١٢٩ ]
كان أول مبتدأ في الأكوان، وآخر خبر منعوت في الإنجيل والفرقان، وعلى آله خير الموارد والمصادر، وأصحابه النجوم الزواهر.
أما بعد، فقد نمقت أنملي هذه الشواهد، وتأملت ما فيها من السوانح والشوارد، فإذا هي عروس تجلى على معاهد الآداب، ويتلو من توسمها: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، ولله المولى مؤلفها عبد القادر فما أقدره! وما أسبق محلى مضمار البغدادي وأمهره! وما أوسع اطلاعه على مخبآت الكتب والدفاتر! وما أجرى يراعه بين الأوائل والأواخر! فجزاه الله خير الجزاء على هذا الصنيع، ورفع بأمثاله شواهد النحو والبيان والبديع، وسقى جدثه شآبيا الرحمة والرضوان، وأسكنه فراديس الجنان.
وقد كتب هذه النسخة بأقلام العجز والتقصير، بحسب ما جرى به أقلام التقدير، هو الفقير إلى الله مصطفى بن فتح الله الحلبي النحاس، ألبسه الله لباس الحظوظ والإيناس، برسم خزانة كتب الحضرة العلية بمناصب العلوم، والدوحة المثمرة بثمرات المنطوق والمفهوم، ألا وهي حضرة عظيم مكة وإمها، مفتيها وهمامها، المسند إليه كل كمال، والمسند حديثه الصحيح بالحسن المتواتر من الأقوال والأفعال، عمدة ذوي التمييز، خير قائم بالسنة وكتاب الله العزيز، سيبويه زمانه، والعلم المفرد بين أقرانه، لا يشار إليه بالبنان، ولا تبعث أروح المعاني سوى من صاحب البيان، صدر الشريعة الغراء، وكنز الهداية الذي جل معروفا وقدرا، مولانا الشيخ الأجل الأكمل أبي الأفضال عبد القادر المكي الحنفي، حفه الله بلطفه الخفي، ونفع بعلومه الشريفة، وزكي شيمة اللطيفة، وذهب بطول بقائه طراز مذهب أبي حنيف، وجزاه عني وعن المسلمين أحسن ما يجازي به إمام، قد قام لله بالله في بلده الحرام.
وقد فرغت من نسخ هذا المؤلف صبيحة يوم الخميس المبارك، ثاني ذي الحجة الحرام من شهور سنة ألف ومائة واثنين وعشرين، أحسن الله ختامها، وعلى الله حسن الختام، وعليه توكلي طول الدوام. وأقول:
[ ٨ / ١٣٠ ]
لمغني الخلق قد قامت شواهد تدل بأنه في الكون واحد
إله من نحاه ينال نحوا كثيرا في المصادر والموارد
إليه يصعد الكلم المزكي ويسعد عنده فعل المحامد
له الحمد الذي قد جل عدا على ما من صلة وعائد
وأرجوه المحلى من حظوظ يشير له الأنامل بالمقاصد
له الأسماء والأفعال تجلى على صفتي فتظهر في المشاهد
ومن آياته خلقي ونطقي ورفعي ثم خفضي للمعاند
وإعرابي وإغرابي بيانا بديعا في المعاني كالقلائد
وما خطفت يميني سوف يلفى إذا نشر النشور وعاد عائد
فيارب البرية جد بعفو ولطف عند أوقات الشدائد
ووال الله سحب الفضل تترى على قبر المؤلف خير ماجد
وعبد القادر المولى أبحه جنانك وهي عالية المقاعد
وإني قد كتبت له كتابا وشرحا للصدور بلا معاند
وجاء برسم مولانا المعلى معظم مكة جم الفوائد
رئيس العلم والعلماء جمعا وللمفتي كم صعدت مصاعد
فجلى عبد قادرها هداها وصح لها حديث عن مساعد
وللنعمان كم أهدت سرورا فحدث صاحبيه عن مجاهد
أيا مولاي لا تنظر حظوطي بعين الحظ باهت في المعاهد
ولا تنظر جناياتي وجهلي فإني مثل مجدك لا أشاهد
وإني منك معتز الأماني وإن أدنيتني ما لي مباعدا
وقد تم الكتاب بحمد ربي ووفد الله جاؤوا للمراصد
[ ٨ / ١٣١ ]
وبشراك الصعود بكل بشر وأوقات السعود برغم حاسد
وعش واسلم بإنعام ولطف وإيناس يميد له الموائد
بجاة المصطفى خير البرايا وأشرف مرسل للخير قائد
عليه الله صلى ثم آل وصحب ما أضاء لهم فراقد
تمت هذه الأبيات بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله وسلم على أشرف مخلوقاته وأعظم أنبيائه سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وتابع لهم بإحسان إلى يوم الدين
م
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
[ ٨ / ١٣٢ ]