أنشد في انقسام الجملة إلى اسمية وفعلية، وهو الإنشاد العاشر بعد الستمائة:
(٦١٠) فبينا نحن نرقبه أتانا معلق وفضة وزناد راع
على أن تعيين كون البيت جملة اسمية أو فعلية متوقفة على بينا، فإن كان ألفها لكف الإضافة، فجملة البيت اسمية، وإن كانت ألف الإشباع، وبين مضافة إلى الجملة الاسمية بعدها، فتكون ظرفًا لأتانا، فيكون رتبتها التأخير، فالمصدر في الحقيقة عاملها، فيكون البيت جملة فعلية، والبيت أورده سيبويه في "باب اسم الفاعل، الذي يعمل عمل فعله" من أوائل "الكتاب". قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه نصب زناد راع بفعل مضمر، كأنه قال: ويعلق زناد راع، ومعلقًا زناد
[ ٦ / ١٧٢ ]
راع، ورواية أبي الحسن: "وزناد راع" عطفًا على الموضع، وبينا: ظرف المفاجأة مضاف للجملة بعده، وعامله أتانا، ونرقبه، ننظره، والوفضة: الكنانة، وأراد بالوفضة شيئًا يصنع مثل الخريطة والجعبة، تكون مع الفقراء والرعاة، يجعلون فيه أزوادهم، وزعموا أن أهل الصفة، رضي الله تعالى عنهم، كانت معهم وفاض، والزناد: الخشبة التي يقدح بها النار، وروى أبو الحسن بعده:
ومزودة ومرتحلًا قلوصًا وأثوابًا تشبه بالرقاع
انتهى.
وقال الأعلم: الشاهد فيه نصب زناد حملًا على موضع الوفضة، لأن المعنى: يعلق وفضة وزناد راع. انتهى.
وأورده الفراء عند قوله تعالى: (وجَعَلَ اللَّيلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والْقَمَرَ) [الأنعام /٩٦]، قال: الليل في موضع نصب في المعنى، فرد الشمس والقمر على معناه، أنشدني بعضهم:
وبينا نحن ننظره أتانا معلق شكوة وزناد راع
وقال ابن جني في "المحتسب" في سورة الحج في قراءة الحسن: (وَلُؤْلُؤًا) قال: هو محمول على فعل يدل عليه قوله: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) [الحج/ ٢٣]. أي: ويؤتون لؤلؤًا، ويلبسون، ومثله قول الآخر: بينا نحن نرقبه .. إلى آخره، فكأنه قال: وحاملًا زناد راع، ومعلقًا زناد راع، وهو كثير. انتهى.
[ ٦ / ١٧٣ ]
والشكوة في رواية الفراء: هي وعاء من أدم للماء واللبن، قاله صاحب "القاموس" والمزود، بكسر الميم: وعاء الزاد، والمرتحل: البعير الذي وضع عليه الرحل، وهو مركب للبعير، والقلوص: الناقة الشابة.
والشعر نسبه ابن خلاف إلى رجل من قيس عيلان.
وأنشد بعده:
فقلت أهي سرت أم عادني حلم
صدره:
فقمت للطيف مرتاعًا فأرقني
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والخمسين في بحث "أم".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الستمائة:
(٦١١) كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء در على أرض من الذهب
على أن أبا نوس قد لحن فيه باستعمال فعلى دون أل، ودون إضافة، وأول من نبه على لحنه الزمخشري في "المفصل". قال شارحه الأندلسي: لكونه استعمل صغرى وكبرى نكرة، وهذا الضرب من الصفات لا يستعمل إلا معرفًا، وإنما يجوز التنكير في فعلى التي لا أفعل لها نحو: حبلى ولم يقل إنه ضرورة، لأن
[ ٦ / ١٧٤ ]
المولد لا يسوغ له استعمال شيء على خلاف الأصل إلا أن يرد به سماع فيتوقف على محل السماع ولا يقاس عليه، وصغرى ما ورد فيه سماع، فقيل: إن "من" المذكورة زائدة، وكبرى: مضافة، وحذف مضاف الأول كما في قوله: "ياتيم تيم عدي" لكن حذف "من" في الواجب لا يجوز إلا عند الأخفش، الأجود أن يقال: حذف المفضل الداخل عليه "من" اكتفاء بذكره مرة، أي: كأن صغرى من فواقعها وكبرى منها. انتهى.
وقد رده المصنف وكان الواجب أن يقول وزيادة "من" في الواجب لا يجوز إلا عند الأخفش، وقيل: إن صغرى قد غلبت عليها الاسمية كما في قوله:
في سعي دنيا طالما قد مدت
قال ابن يعيش: والاعتذار عنه أنه استعمله استعمال الأسماء لكثرة ما يجيء منه بغير [تقدم] موصوف، نحو: صغيرة وكبيرة؛ فصار كصاحب وأبطح، فاستعمله نكرة لذلك. وقيل: إن فعلى فيه ليست مؤنثة أفعل، بل بمعنى فاعلة، كأنه قال: [كأن] صغيرة وكبيرة من فواقعها، على حد قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم/ ٢٧]. انتهى.
واختار هذا الأخير المصنف، والبيت في صفة الخمر، والفواقع: جمع فاقعة، وروي بدله: "من فقاقعها" جمع فقاعة، ومعناها: النفاخات التي تكون على وجه الماء، وصف الخمر وما يعلوها من الحباب، فشبه الحباب بالدر وهو اللؤلؤ الكبير، والخمر التي تحته بأرض من ذهب، وقد أورد صاحب "الكشاف" هذا البيت عند
[ ٦ / ١٧٥ ]
تفسير قوله تعالى: (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) [الإنسان/ ١٩]. في ضمن حكاية حكاها عن المأمون أنه زفت إليه بوران بنت الحسن، وهي على بساط منسوج من ذهب، وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثورًا على ذلك البساط فاستحسن النظر إليه وقال:
لله در أبي نواس! كأنه أبصر هذا حيث يقول:
كأن صغرى وكبرى من فقاقعها
وهو من أبيات أولها:
ساع بكأس إلى ناس على طرب كلاهما عجب في منظر عجب
قامت ترينا وستر الليل منسدل صبحًا تولد بين الماء والعنب
كأن صغرى وكبرى من فقاقعها حصباء در على أرض من الذهب
كأن تركًا صفوفًا في جوانبها تواتر الرمي بالنشاب من كثب
في كف ساقية ناهيك ساقية في حسن قد وفي ظرف وفي أدب
وبعد هذا ستة أبيات في وصفها. وترجمة أبي نواس تقدمت في الإنشاد الثاني والأربعين بعد المائتين.
[ ٦ / ١٧٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الستمائة:
(٦١٢) بين ذراعي وجبهة الأسد
وصدره:
يا من رأى عارضًا أسر به
وقد استشهد به سيبويه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه فصل بين المضاف والمضاف ليه بقوله: وجبهة الأسد، أي: بين ذراعي الأسد وجبهته، والعارض: السحاب الذي يتعرض الأفق. وقوله: "بين ذراعي .. إلى آخره" الذراعان: ذراعا الأسد، وهم أربعة كواكب، من كل كوكبين منها ذراع، وإذا نظر إليها الناظر فهي مشبهة للذراعين. والجبهة: جبهة الأسد؛ وهي كواكب كأنها مصطفة تسمى جبهة الأسد. وعندهم أن السحابا لذي ينشأ بنوء من منازل الأسد يكون مطره غزيرًا؛ فلذلك يسر به.
ورواه ابن السيد:
يا من رأى عارضًا أرقت له
قال ابن يعيش: وصف عارض سحاب اعترض بين نوء الذراع ونوء الجبهة، وهما من أنواء الأسد وأنواؤه من أحمد الأنواء، وذكر الذراعين والنوء للذراع المقبوضة منهما؛ لاشتراكهما في أعضاء الأسد، ونظيره: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ) [الرحمن/ ٢٢] يريد من البحرين وإنما يخرج من أحدهما. انتهى.
والبيت من شعر للفرزدق.
[ ٦ / ١٧٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد الستمائة:
(٦١٣) إذا غاب عنكم أسود العين كنتم كرامًا وأنتم ما أقام ألائم
على أن واحد ألائم وهو ألأم ليس أفعل تفضيل، وإنما هو وصف بمعنى لئيم، وأنشد يعقوب بن السكيت للفرزدق في "أبيات المعاني": "الألأم" بالتعريف، وأنشد بعده:
تحدث ركبان الحجيج بلؤمكم وتقري به الضيف اللقاح العواتم
وقال أسود العين: جبل، يعني أنكم لئام أبدًا لا يزول عنكم اللؤم أبدًا، كما أن الجبل لا يزول عن موضعه.
وقوله: يحدث ركبان .. إلخ أي: يتعجب الركبان من لؤمنهم فيطولون [به الحديث، وكذا الحي، يتعجبون من لؤمهم فيطولون] بالليل الحديث به، حتى ينسوا الحلب، فإن طرأ عليهم طارئ في آخر الليل وجد عندهم اللبن لأن لقاحهم لم تحلب لاشتغال أهل اللقاح بحديثهم، ومثل هذا قول الشاعر:
ألا أيها الركب المخبون عرجوا على شهد مثل النعام الخواضب
نمتعكم منا بقول نقوله يكون حديث القوم عرض السباسب
به يعتم الراعي حلوبة أهله ويسري به الساري بأم الكواكب
به: بالشعر، ويعتم: يبطئ. انتهى.
وقد روى القالي في "أماليه" هذين البيتين عن ابن الأنباري، عن أبي العباس أحمد بن يحيى، وذكر تفسيرهما كما تقدم. وقال ياقوت في "معجم البلدان": أسود العين [بلفظ العين الباصرة]: جبل [بنجد] يشرف على طريق البصرة إلى مكة
[ ٦ / ١٧٨ ]
وأنشد البيت. وقال البكري في "معجم ما استعجم": أسود العين: جبل مذكور محلى في رسم ضرية، قال الشاعر:
إذا ما فقدتم أسود العين كنتم .. البيت.
يعني: أنهم لا ينتقلون عن اللؤم إلى الكرم أبدًا لأنهم لا يفقدون هذا الجبل أبدًا. انتهى.
واللقاح جمع لقحة، بكسر اللام: الناقة ذات لبن، والفتح لغة، واللقوح فيها لغة، والجمع لقاح، وقال ثعلب: اللقاح جمع لقحة، وإن شئت لقوح وهي التي نتجت شهرين أو ثلاثة ثم هي لبون بعد ذلك، كذا في "المصباح" وفي "القاموس" وعتمت الإبل تعتم وتعتم وأعتمت واستعتمت: حلبت عشاءً.
وأنشد بعده:
ألا عمر ولى مستطاع رجوعه
تمامه:
فيرأب ما أثأت يد الغفلات
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد بعد المائة.
[ ٦ / ١٧٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الستمائة:
(٦١٤) زعم العواذل أنني في غمرة صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي
على أن قوله صدقوا إلخ استئناف بياني، كأنه قيل: هل صدقوا؟ فقال: صدقوا، والغمرة بالفتح: الشدة، والبيت من شواهد علماء البيان أورده شاهدًا لما ذكر في باب الفصل والوصل.
قال ابن السبكي في "عروس الأفراح": هذا البيت أحد ما يدل على أن زعم يستعمل في القول الصحيح وللناس فيه قولان قيل: كل قوم قام الدليل على بطلانه، وقيل لم يقم على صحته، ولم يستعمل الزعم في القرآن العظيم إلا للباطل، واستعمل في غيره للصحيح كقول هرقل لأبي سفيان: "زعمت .. " وهو كثير في الحديث، لكن إذا تأملته تجده حيث يكون المتكلم شاكًا فهو كقول لم يقم الدليل على صحته وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، وقد يستشكل قول الشاعر "صدقوا" وهو ضمير المذكر، والعواذل جمع عاذلة، وعاذلة مؤنث، قيل: ولا يصح أن يكون جمع عاذل، لأن فاعلًا لا يجمع على فواعل إلا ما هو معهود ولا يصح إطلاق أن فاعلًا لا يجمع على فواعل إنما يمتنع ذلك ويتوقف على السماع في صفة العاقل كما نحن فيه، أما فاعل الجامد، أو صفة غير العاقل، أوصفة المؤنث كطوالق، فيجوز جمعه على فواعل ذكره سيبويه وغيره، ومن هذا نواقض الوضوء جمع ناقض، وغلط النسفي حيث قال: جمع ناقضة، لتوهمه أن نواقض
[ ٦ / ١٨٠ ]
لا يكون جمع ناقض، وقد وقع جمع فاعل [على فواعل] في ألفاظ غير فوارس وهوالك، وهي نواكس وسوابق. انتهى.
وقوله: وعاذلة مؤنث، أقول: المراد فرقة عاذلة لا امرأة عاذلة، فالتأنيث لفظي، والمعنى مذكر فلا استشكال، والبيت لم يعرف قائله.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد الستمائة:
(٦١٥) ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغا
تمامه:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلد
على أن الأصل أن أحضر فما حذفت أن، ارتفع الفعل وهو القياس، وروي بنصب أحر أيضًا، وهو ضعيف في القياس، واستدل به الكوفيون على جواز عملها محذوفة في غير المواضع المحدودة، وقالوا الدليل على صحة هذا أنه عطف عليه قوله وأن أشهد، ومنع البصريون ذلك بأن عوامل الأفعال ضعيفة لا تعمل مع الحذف، وإذا حذفت ارتفع الفعل، وقالوا: رواية البيت عندنا بالرفع، فقال سيبويه: "أن أحضر" وهو مجرور بفي مقدرة، وأن أشهد معطوف عليه، وقال المبرد: جملة "أحضر" حال من الياء، و"أن أشهد" معطوف على المعنى، لأنه لما قال "أحضر" دل على الحضور، كما تقول: من كذب كان شرًا له، أي كان الكذب، كذا نقلوا عنه. وإن صحت رواية النصب فهو محمول على أنه توهم أنه أتى بأن فنصب، وهذا لا يجوز القياس عليه. والوغا: الحرب، وأصله
[ ٦ / ١٨١ ]
الأصوات التي تكون فيها، والشهود: الحضور، وأخلده: أبقاه، ومعنى البيت:
يا من يلومني في حضور الحرب لئلا أقتل، وفي أن أنفق مالي لئلا أفتقر، ما أنت بمخلدي إن قبلت منك، فدعني أنفق مالي في الفتوة ولا أخلفه لغيري، وبعده:
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي فذرني أبادرها بما ملكت يدي
يقول: إن كنت لا تقدر أن تدفع موتي فذرني أسبق الموت بالتمتع بإنفاق مالي، يريد أن الموت لا بد منه فلا معنى للبخل وترك اللذات، والبيتان من معلقة طرفة بن العبد، وقد تقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع والستين بعد المائة.
وأنشد بعده:
حتى ماء دجلة أشكل
صدره:
فما زالت القتلى تمج دماءها بدجلة
وقد تقدم الكلام عليه في الإنشاد الرابع والتسعين بعد المائة.
أنشد بعده، في الجملة المعترضة، وهو الإنشاد السادس عشر بعد الستمائة:
(٦١٦) شجاك أظن ربع الظاعنينا
على أن جملة "أظن" معترضة بين الفعل والفاعل، قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: يروى برفع "ربع" ونصبه، فمن رفعه جعله فاعل شجاك و"أظن"
[ ٦ / ١٨٢ ]
ملغاة، ومن نصب جعله مفعولًا أول لأظن، وجملة "شجاك" مفعولًا ثانيًا مقدرًا وفاعله ضمير مستتر راجع إلى الربع، لأنه مؤخر لفظًا مقدم تقديرًا؛ إذ أصله التقديم على "شجاك". انتهى.
والمصراع صدره، وعجزه:
ولم تعبأ بعذل العاذلينا
وشجاك: أحزنك، والشجو: الحزن، والربع: المنزل، حيث كان، والظاعن: المرتحل، يقال: ظعن: أي سافر، ولم تعبأ: لم تلتفت، يقال: ما عبئت بفلان، أي: ما باليت به، وكان يونس لا يهمزه، ولم أقف على قائل الشعر، وقد بوب ابن جني في "الخصائص" بابًا للاعتراض، قال: اعلم أن هذا القبيل من هذا العلم كثير قد جاء في القرآن العظيم، وفصيح الشعر، ومنثور الكلام، وهو جار عند العرب مجرى التأكيد، فلذلك لا يستنكر عندهم أن يعترض به بين الفعل وفاعله، والمبتدأ وخبره، وغير ذلك، مما لا يجوز الفصل فيه بغيره إلا شاذًا، أو متأولًا، ثم مثل بالأبيات التي أنشدها المصنف وغيرها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد الستمائة:
(٦١٧) وقد أدركتني والحوادث جمة أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل
على أن جملة "الحوادث جمة" معترضة بين الفعل والفاعل، قال ابن حبيب في "النقائض" في شرح يوم الوقيط، وأسر حنظلة بن عمار العجلي جويرية بن زيد،
[ ٦ / ١٨٣ ]
أخا بني عبد الله بن دارم، من الأحلاف، وهو زوج غمامة بنت الطود، فلم يزل في الوثاق حتى قعدوا شربًا، فأنشأ يتغنى رافعًا عقيرته:
وقائلة ما غاله أن يزورنا وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل
وقد أدركتني والحوادث جمة مخالب قوم لا ضعف ولا عزل
لعلهم أن يمطروني بنعمة كما صاب ماء المزن في البلد المحل
وقد ينعش الله الفتى بعد عثرة وقد تبتني الحسنى سراة بني عجل
فأطلقوه، وكذا رواها ابن عبد ربه في العقد الفريد، وزاد بعد البيت الشاهد:
سراع إلى الداعي بطاء عن الخنى رزان لدى النادي في غير ما جهل
وقوله: وقائلة: أي: رب قائلة: ما غاله؟ أي: ما دهاه؟ وروي: "ما باله لا يزورنا" أي: ما شأنه وحاله، وفاعل يزور: ضمير جويرية المعلوم من المقام، وجملة "وقد كنت .. إلى آخره" حال بين بها وجه عدم الزيارة، وجمة: كثيرة. وأسنة: جمع سنان، وروي بدله "مخالب" جمع مخلب، وهو ظفر السبع، وضعاف: صفة قوم على وجه النفي، جمع ضعيف، وعزل: جمع أعزل وهو من لا رمح له، مدحهم بالقوة والسلاح. وسراع: جمع سريع، وبطاء: جمع بطيء، والخنى: الفحش. ورزان: جمع رزين، والنادي: المجلس، و"ما": زائدة، ومطرتهم السماء: أسابتهم بالمطر، وصاب: نزل، والبلد المحل: الأرض التي لا نبات فيها، وفي "المصباح" ونعشه والله وأنعشه: أقامه، والسراة، بالفتح: الأشراف. ويوم الوقيط: يوم من أيام العرب في الجاهلية.
[ ٦ / ١٨٤ ]
وأنشد بعده:
ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
وتقدم الكلام عليه في الأنشاد الثاني والخمسين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد الستمائة:
(٦١٨) وبدلت والدهر ذو تبدل هيفًا دبورًا بالصبا والشمأل
على أنه فصل بجملة "والدهر ذو تبدل"، بين الفعل ومفعوله لتسديد الكلام وتوكيده، وبدلت: بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير الريح في قبله، والهيف، بالفتح: ريح مكباء تهب بين الجنوب والدبور، وهي حارة، وقال الأزهري في "التهذيب" قال الليث: الهيف ريح باردة تجيء من مهب الجنوب، وهي أيضًا كل ريح سموم تعطش المال وتيبس النبات، وعن ابن السكيت: الهيف والهوف: ريح حارة تأتي من قبل اليمن، وأخبرني المنذري عن ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال:
نكباء الصبا والجنوب: مهياف ملواح ميباس للبقل، وهي التي تجيء بين الريحين، قلت: والذي قاله الليث في الهيف: ريح باردة خطأ، لا تكون الهيف إلا حارة. انتهى.
والدبور، بفتح الدال، ريح تهب من ناحية المغرب، والصبا: تقابلها من ناحية
[ ٦ / ١٨٥ ]
المشرق، وفي الحديث: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)، وقوله بالصبا: أي ذهبت ريح الصبا، والشمأل، وهبت علينا الهيف والدبور، فالباء دخلت على المتروك وهو الاستعمال المشهور، والشمأل، بسكون الميم وفتح الهمزة، لغة في فتحها مع الألف، وهي الريح التي تهب من جانب القطب. والبيتان من أرجوزة طويلة لأبي النجم العجلي، تقدم شرح كثير منها في الإنشاد الثاني والخمسين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد الستمائة:
(٦١٩) وفيهن والأيام يعثرون بالفتى نوادب لا يمللنه ونوائح
على أن جملة "والأيام يعثرن بالفتى" معترضة بين المبتدأ والخبر. قال القالي في "أماليه: " قرأت على أبي بكر بن دريد لمعن بن أوس:
رأيت رجالًا يكرهون بناتهم وفيهن لا تكذب نساء صوالح
وفيهن والأيام يعثرون بالفتى عوائد لا يمللنه ونوائح
وكذا أوردهما صاحب "الحماسة البصرية" لكن لم ينسبها إلى معن، وقال أبو عبيد البكري، فيما كتبه على "أمالي القالي": البيتان ثابتان في ديوان شعر معن، ولا مزيد عليهما. وأنشد صاعد بن الحسن لحسان بن الغدير أحد بني عامر شعرًا
[ ٦ / ١٨٦ ]
فيه البيت الأول من هذين البيتين، وهي أبيات منها:
لأي زمان يخبأ المرء نفعه غدًا بل غد للموت غاد ورائح
إذا المرء لم ينفعك حيًا فنفعه أقل إذا رصت عليه الصفائح
أيت رجالًا يكرهون بناتهم وهن البواكي والجيوب النواضح
وللموت سورات بها تنقض القوى وتسلو عن المال النفوس الشحائح
وما النأي بالبعد المفرق بيننا بل النأي ما ضمت عليه الضرائح
وقوله لا تكذب، لا نهاية، وتكذب بالبناء للمفعول، وحقيقته: لا يقل لك كذبًا، أي: لا تسمع كذبًا، فيكذبون في القول عندك، وذكر المسبب وحذف السبب، وجملة "لا تكذب" معترضة بين المبتدأ والخبر أيضًا، وقوله: "يعثران بالفتى" الباء مرادفة الهمزة في التعدية، ولهذا يقال لها: باء التعدية، أي: تجعله عاثرًا، أي ساقطًا. ونوادب: جمع نادبة، من ندبت المرأة الميت ندبًا، من باب قتل: إذا عددت محاسنه. وروي بدله: عوائد: جمع عائدة، من عيادة المريض، وهي زيارته، والهاء في "يمللنه" ضمير الندب أو العود المفهوم من نوادب وعوائد، ونوائح: جمع نائحة، أي: باكية وصارخة.
ومعن بن أوس بن نصر المزني شاعر، مجيد، فحل من المخضرمين. وعمر إلى أيام بن الزبير، وله مدائح في الصحابة، روى صاحب "الأغاني" عن العتبي: أن معن بن أوس كان مئناثًا، وكان يحسن صحبة بناته، وتربيتهن، فولد لبعض عشيرته بنت فكرهها، وأظهر جزعًا من ذلك، فقال معن هذين البيتين.
[ ٦ / ١٨٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الستمائة:
(٦٢٠) نحن بنات طارق نمشي على النمارق
على أن "بنات طارق" منصوب بـ "أخص" محذوفًا، والجملة: اعتراض بين المبتدأ والخبر أيضًا. قال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب": يروى "بنات" بالرفع والنصب، فمن رفعه: فعلى خبر الابتداء، ومن نصبه: فعلى المدح والتخصيص، ويكون الخبر قولها "نمشي"، ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم: نحن العرب أقرى الناس لضيف. ومثله قول نهشل بن حري:
إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
وهذا الشعر لهند بنت عتبة، قالته يوم بدر تحرض المشركين على قتال النبي، ﷺ، وبعده:
المسك في المفارق والدر في المخانق
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
وهذا الشعر ليس لهند بنت عتبة، وإنما تمثلت به، وهذا الشعر لهند بنت بياضة ابن رياح بن طارق الإيادي، قالته حين لقيت إياد جيش الفرس بالجزيرة، وكان رئيس إياد يومئذ بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، وقع ذلك في شعر أبي دواد الإيادي، وذكر أبو رياش وغيره: أن بكر بن وائل، لما لقيت تغلب يوم التحاليق،
[ ٦ / ١٨٨ ]
أقبل للفند الزماني بنتان بذيئتان جريئتان، فتكشفت إحداهما، وجعلت تحرض الناس وتقول:
وعى وعى حر الجلاد والتظى وملئت منه الصحارى والربا
يا حبذا المحلقون بالضحا
وجعلت الأخرى تقول:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
إلى آخر الشعر، فطارق على رواية من روى هذا الشعر لهند بنت عتبة، أو لبنت الفند الزماني، تمثيل واستعارة، لا حقيقة، وإنما شبهت أباها بالنجم الطارق في شرفه وعلوه، وعلى رواية من رواه لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق، حقيقة ليس باستعارة، لأن طارقًا كان جدها. والأظهر من هذا الشعر أنه لهند بنت بياضة، وإنما قاله غيرها متمثلًا. إلى هنا كلام ابن السيد. وتبعه اللبلي حرفًا بحرف، وقولهما: قالته يوم بدر، صوابه: يوم أحد. كما قاله الجوهري في شرحه، وكذا هو في كتب السير. قال ابن سيد الناس في غزوة أحد: فلما التقى الناس قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف، يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول:
ويهًا بني عبد الدار ويهًا حماة الأدبار
ضربًا بكل بتار
وتقول:
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
انتهى.
[ ٦ / ١٨٩ ]
وأورد أبو عبيد البكري هذا الرجز في جزيرة العرب من أول كتاب "معجم ما استعجم" لهند بنت بياضة لا غير، قال: إن إيادًا خالطوا أهل الجزيرة، وكثروا حتى صاروا كالليل، كانت تغير على من يليها من أهل البوادي، وتغزو مع ملوك نصر المغازي، حتى أصابوا امرأة من أشراف الأعاجم كانت عروسًا، قد أهديت إلى زوجها، وولي ذلك منها بعض سفهائهم وأحداثهم، فسار إليهم من كان يليهم من الأعاجم، فانحازت إياد إلى الفرات، وجعلوا يعبرون إبلهم في القراقير، فتبعتهم الأعاجم، ورأس القوم يومئذ بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، فلما التقى الناس، قالت هند بنت بياضة:
نحن بنات طارق
إلى آخر الشعر، فهزمت إياد الأعاجم آخر النهار، وذلك بشاطئ الفرات الغربي، وقتلت ذلك الجيش، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وجمعوا جماجمهم، فجعلوها كالكوم، فسمي ذلك الموضع "دير الجماجم". انتهى.
وهذا الرجز رويه ساكن، وهو من منهوك الجرز، ومن زعم أنه لهند بنت عتبة اضطر أن يؤول طارقًا؛ لأنه ليس من أسماء آبائها، فقالوا: الطارق: النجم، وتوسعوا فيه، حتى سمي السيد المضيء كضوء النجم طارقًا، وما أشبه هذا، والنمارق: جمع نمرقة، مثلثة النون، وهي الوسادة الصغيرة، والطنفسة فوق الرحل، والمفارق: جمع مفرق، كمقعد ومجلس، وسط الرأس، والمخانق: جمع مخنقة، كمكنسة، وهي القلادة، والوامق: المحب.
وهند بنت بياضة جاهلية.
وهند بنت عتبة هي أم معاوية، أسلمت عام الفتح، وتقدم ذكرها في الإنشاد السادس عشر بعد المائتين.
[ ٦ / ١٩٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢١) وإني لرام نظرة قبل التي لعلي وإن شطت نواها أزورها
على أن جملة "وإن شطت نواها" معترضة بين لعلي وخبرها، والصلة محذوفة، والتقدير: التي أقول لعلي .. ألخ. وهو قول أبي علي في "التذكرة القصرية" قال بعد إنشاد للفرزدق أو غيره: هذا لى غير الظاهر، وتأويله: الحكاية، كأنه قال: التي أقول فيها هذا القول، وإضمار القول شائع كثير، والحكاية مستعملة إذا كان عليها دليل، والدلالة هنا قائمة، وهي أن الصلة إيضاح، وما عدا الخبر لا يوضح. انتهى.
وزاد في "إيضاح الشعر" وجهًا آخر، قال فيه: جاء الصلة غير الخبر، والصلة لا تكون إلا خبرًا، كما أن الصفة كذلك، فإن قلت: فقد جاء من الموصولة ما وصل بغير الخبر، نحو قولهم: كتبت إليه: بأن قم، أن قم، فإن ذلك، وإن جاء في "أن" لا يستقيم في "الذي" ونحوه من الأسماء؛ لأن "الذي" يقتضي الإيضاح بصلته، وليست "أن" كذلك، ألا ترى أنها حرف، وأنه لا يرجع إليها ذكر من الصلة، وهذا وإن جاء في هذا البيت، فإن النحويين يجعلون "لعل" كـ "ليت" في أن الفاء لا تدخل على خبرها، فلا يجيزون: لعل الذي في الدار فمنطلق، كما لا يجيزون ذلك في "ليت". فإن قلت: احمل "لعل" على المعنى؛ لأنه طمع [فكأنه قال: أطمع] في زيارتها. قيل لك: فصله أيضًا بـ "ليت" وقل المعنى الذي أتمنى وصله بالاستفهام والنداء وجميع ما لم يكن خبرًا، وقل المعنى الذي أنادي
[ ٦ / ١٩١ ]
والذي استفهم فهذا لا يستقيم، فإن قلت: أراد بـ "أزورها" التقديم، كأنه قال: التي أزورها، فإن ذلك لا يستقيم أيضًا، لأنه واقع موقع الخبر، وتقديم الخبر على لعل لا يستقيم، والوجه فيه أنه لما جرى "أزورها" خبرًا للعل، سد أزورها"، مسد الصلة التي يجب أن يكون خبرًا، فكأنه أراد: التي أزورها، فأغنى ذكر "أزورها" خبرًا "للعل" عن ذكر لها قبل "لعل" والمعنى على التقديم، وأشبه هذا قولهم: لو أن زيدًا جاءني، في أن الفعل الجاري في الصلة سد مسد الفعل الذي يقع قبل "أن" بعد "لو" ولولا هذا الفعل لم يجز، ألا ترى أنه لا يجوز: لو مجيئك، فكذلك سد ذكره بعد لعلي مسد ذكره قبل لعلي، فهذا وجه ولا ينبغي أن يقاس على هذا، ولا يؤخذ به، وكأن الذي حسن هذا طول الكلام، وقد رأيت طول الصلة يجوز فيه ما لا يجوز إذا لم تطل، ويجوز فيه شيء آخر، وهو أن يقدر قبل لعلي فعلًا، وتحذفه لطول الكلام، فتكون الصلة الفعل الذي هو أقول فيها، وهو خبر لا إشكال فيه، وحسن الحذف لطول الكلام. انتهى.
وسيأتي قريبًا عن أبي علي أنه لا يجوز الفصل بين الموصول وصلته بجملة غير قسمية. وقد جوز الوجهين الخفاف في "شرح الجمل" قال: فأما قوله: "وإني لرام" فيحتمل الوجهين، أحدهما أن يكون "أزورها" صلة التي، وفصل بينها وبين التي بـ "لعلي وإن شطت نواها" على جهة الاعتراض، فيكون خبر لعل محذوفًا تقديره: لعلي أبلغ ذلك، والفصل بين الصلة والموصول بجمل الاعتراض جائز قال الشاعر:
ذاك الذي وأبيك يعرف مالكًا
والآخر أن يكون على إضمار القول، كأنه قال: أقول لعلي، والقول كثيرًا ما يضمر. انتهى.
وقد رد الأول الفارسي، كما رأيت.
[ ٦ / ١٩٢ ]
والبيت قد اشتهرت قافيته كذا، والصواب: كونها لامية، وهو من قصيدة للفرزدق، مد بها بلال بن أبي بردة، ومطلعها:
وقائلة لي لم تصبني سهامها رمتني على سوداء قلبي نبالها
وإني لرام رمية قبل التي لعلي وإن شقت علي أنالها
ألا ليت حظي من علية أنني إذا نمت لا يسري إلي خيالها
فلا يلبث الليل الموكل دونها عليه بتكرار الليالي زوالها
قال ابن حبيب في شرحه، يقول: زالت فذهبت، فزوالها يهدي إلي خيالها كل ليلة، وزوالها لا يحبس الليل عني، فلا يلبث زوالها أن يعيد خيالها، وقال الحرمازي، يقول: ليت حظي منها أن لا يلبث الليل الموكل علي زوالها بالتكرار، أي: يكرر زوالها علي الليل، ويجعل الليلة ليالي، وهو مثل قوله:
كأن الليل يحبسه علينا ضرار أو يكر إلى نذور
أي: كأنه يعود كما كاد يفنى. انتهى.
وبعد هذا شرع في المدح.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٢) لعلك والموعود حق لقاؤه بدا لك في تلك القلوص بداء
على أن جملة "والموعود حق لقاؤه" معترضة بين لعلك وبين خبرها، هو بدا لك .. إلخ، وهو من أبيات لمحمد بن بشير الخارجي، روى الأصبهاني
[ ٦ / ١٩٣ ]
في "الأغاني" عن سليمان بن عياش: أن رجلًا وعد محمد بن بشير الخارجي بقلوص، وهي الناقة الشابة، ومطله، فقال فيه يذمه، ويمدح زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين:
لعلك والموعود حق لقاؤه بدا لك في تلك القلوص بداء
فإن الذي ألقى إذا قال قائل من الناس هل أحسستها لعناء
أقول التي تبني الشمات وإنها علي وإشمات العدو سواء
دعوت وقد أخلفتني الوعد دعوة بواد فلم يقبل هناك دعاء
بأبيض مثل البدر عظم حقه رجال من ال المصطفى ونساء
فبلغت هذه الأبيات زيد بن الحسن، فبعث إليه بقلوص من جياد إبله، فقال يمدحه:
إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة نفى جدبها واخضر بالنبت عودها
وزيد ربيع الناس في كل شتوة إذا أخلفت أنواؤها ورعودها
حمول لأشتات الديات كأنه سراج الدجى إذ قارنته سعودها
انتهى.
وقوله: "لعلك والموعود"، قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (وإذ واعدنا) [الآية/ ٥١] من سورة البقرة: قالوا: وعدته أعده عدة ووعدًا وموعدًا وموعدة .. إلى أن قال: وأما الموعود: فصفة، قال:
لعلك والموعود حق لقاؤه البيت.
التقدير: الأمر الموعود حق لقاؤه، ومن جوز مجيء المصدر على مفعول، جاز عنده أن يكون الموعود مثل الوعد. انتهى.
[ ٦ / ١٩٤ ]
وحق، بالتنوين، أي: لازم وواجب، ولقاؤه: فاعل حق، أي: أداؤه وقضاؤه، وبه روي. قوله: وبدا لك، أي: ظهر، وبداء: فاعله، قال أبو علي في "إيضاح الشعر": أضمر البداء في قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) [يوسف/ ٣٥] لأن البداء الذي هو المصدر قد صار بمنزلة العلم والرأي، ألا ترى أن الشاعر قد أظهره في قوله:
بدا لك في تلك القلوص بداء
وكذلك صنع ابن الشجري في "أماليه" في الآية والبيت، وقال: ألسن العرب متداولة في قولهم: "بدا لي في هذا الأمر بداء" أي: تغير رأيي عما كان عليه، ويقال: فلان ذو بداوات، إذا بدا له الرأي بعد الرأي. انتهى.
وأحسستها: استفدتها، وأحسست الشيء: وجدت حسه، وقوله: لعناء خبر إن، وقوله: أقول التي تنبي الشمات، أي: أقول الكلمة التي تخبر الشمات، وهي قولي: نعم قد أخذتها، وقوله: وإنها، أي: هذه الكلمة، وإشماتا لعدو سواء علي، وشمات، بالفتح، مصدر كالشماتة، وفعله كفرح، وهو الفرح بمصيبة العدو، وقوله: وقد أخلفتني الوعد: جملة معترضة بين دعوت ودعوة، والباء زائدة، أي: ناديته مرة فلم يجب دعائي.
ومحمد بن بشير الخارجي منسوب إلى خارجة بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، وهو شاعر فصيح حجازي من شعراء الدولة الأموية وديوانه صغير، وقد أطال ترجمته صاحب "الأغاني".
[ ٦ / ١٩٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٣) يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يومًا وأمري مجمع
على أن قوله: والمنى لا تنفع جملة معترضة بين: ليت شعري، وبين: هل أغدون، إلخ. وهذا الرجز أورده أبو زيد في "نوادره"، وبعدهما:
وتحت رحلي زفيان ميلع حرف إذا ما زجرت تبوع
وقال: الزفيان: السريعة، والميلع: الجواد الخفيفة. انتهى.
وأسقط ابن الأنباري في "شرح المفضليات"، وفي "كتاب الأضداد" البيت الرابع، وزاد بعد الثالث:
كأنها نائحة تفجع تبكي لميت وسواها الموجع
وكذا أورده السيد المرتضى في "أماليه"، وقوله: "والمنى لا تنفع" جمع منية، بالضم، وهي ما يتمناه الإنسان، وأغدون مؤكد بالنون الخفيفة، وغدا بمعنى: ذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، ومجمع، بضم الميم الأولى وفتح الثانية، أورده الفراء عند قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكَاءَكُمْ) [يونس/ ٧١] قال: الإجماع: الإعداد والعزيمة على الأمر، ونصب "الشركاء" بفعل مضمر، أي: وادعوا شركاؤكم، وكذلك هي في قراءة عبدا لله، قال الشاعر: "يا ليت شعري .. البيتين. فإذا أردت جمع الشيء
[ ٦ / ١٩٦ ]
المتفرق قلت: جمعت القوم. وقوله: وتحت رحلي، بفتح الراء وسكون المهملة. قال الصاغاني في "العباب": الرحل للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، وزفيان، بفتح الزاي والفاء، قال السيد المرتضى: الزفيان: الناقة الخفيفة، وقال ابن السيد فيما كتبه على "كامل المبرد": وقوله: زفيان، أي: مسرع كالطير، يقال: زفت الريح الغبار تزفيه: إذا طردته عن الأرض. انتهى.
وروى ابن السكيت في "إصلاح المنطق" بدله: صلتان، بفتح الصاد واللام، وفسره ابن السيرافي: بالشديد، وفي "القاموس": الصلتان محركة: النشط الحديد الفؤاد من الخيل، والميلع، بفتح الميم وسكون المثناة التحتية، قال السيد المرتضى: السريعة، وقال ابن الأنباري في "شرح المفضليات": الملع السرعة، يقال: مر يملع ملعًا: إذا مر مرًا سريعًا. وأنشد هذا الرجز. وفي "القاموس": المليع كأمير: الناقة والفرس السريعان كالميلع، وقوله حرف: هي الناقة الصلبة الشديدة، وتبوع: أصله تتبوع بتائين؛ وهو مد الباع، وإبعاد الخطو في الجري، وقوله: نائحة تفجع، أي: تتفجع، والفجع أن يتألم الإنسان لشيء يعز عليه؛ فيعدمه، وقوله: وسواها الموجع، حمل السيد المرتضى سواها بمعنى: غيرها. وقال: شبه رجع يديها في السير، لنشاطها، بيدي نائحة تنوح لقوم على ميتهم بأجرة؛ فهي تزيد في الإشارة بيديها؛ ليرى مكانها. ومثله بعينه قول ذي الرمة:
محانيق تضحي وهي عوج كأنها بجوز الفلا مستأجرات نوائح
[ ٦ / ١٩٧ ]
والمحانيق: التي ضمرت بعد سمن، وخص المستأجرات من النوائح للمعنى الذي ذكرناه. انتهى كلامه. وهو رد لقول الأصمعي فيما نقله ابن الأنباري في "كتاب الأضداد" عنه قال فيه: قال الأصمعي: سواها: نفسها، ولو كان سواها غيرها: لكان قد قصر في صفة الناقة، وإنما أراد امرأة تبكي على حميمها ولم يرد نائحة مستأجرة. هذا كلامه، وتبعه ابن السيد فقال: سواها، ههنا، نفسها. وكلام [ابن] السيد مؤيد بالدليل، ووافق لنفس الأمر؛ فإن النائحة تسرع اللطم على وجهها، والضرب على صدرها بتصنع، وتعمل لتثير حزن نساء الميت، ويفعلن فعلها، وقد شاهدنا هذا في صغرنا مرارًا من النائحات، قاتلهن الله تعالى، وقد أورد المبرد البيتين الأخيرين في "الكامل". قال ابن السيد: أنشدهما أبو حاتم في صفة حمامة وزاد بعدهما:
متحرفًا عن مذرويها المردع
وهو من صفة النائحة، والمذروان: طرفا الألية، والمدرع، بالكسر: ثوب كالدراعة، لا يكون إلا من صوف، قال: والذي قاله أبو حاتم غلط؛ لأن الرجز ليس في وصف حمامة، ولا في وصف ناقة أيضًا، كما ذهب إليه أبو العباس، وإنما يصف جملًا أو فرسًا، لأن قبله: يا ليت شعري .. إلى قوله: ميلع. انتهى.
[ ٦ / ١٩٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٤) إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
على أن جملة: "وبلغتها" معترضة بين اسم إن وخبرها، وبلغتها بالبناء للمفعول، والخطاب دعاء لمخاطبه أن يبلغه الله من العمر ثمانين سنة. واعترض بأنه دعاء على الممدوح بالصيرورة إلى ضعف سمعه واحتياجه إلى ترجمان، ويدفع بأنه دعاء له بطول العمر، وأما ضعف السمع والبصر والقوى، فمن لوازمه، غير مقصود ولا ملاحظ، وقد أورده الخطيب القزويني في بحث "الاعتراض من باب الإطناب"، وقال السعد: الواو فيه اعراضية، ليست عاطفة، ولا حالية، كما ذكره بعض النحاة، وبه يشعر كلام صاحب "الكشاف". والترجمان: المفسر لغة بلغة أخرى، وهذا ليس المراد هنا، وإنما المراد من يرفع الصوت لقصد الإسماع، فإن الثمانين أحدثت في سمعه ثقلًا؛ فيحتاج إلى رفع صوت المتكلم؛ ليسمع الكلام، وهو بفتح التاء مع فتح الجيم وضمها، وبضمهما، والتاء أصلية.
والبيت من قصيدة لعوف بن المحلم، قال ياقوت في "معجم البلدان": روي أنه قدم أبو محلم، عوف بن محلم الخزاعي، على عبد الله بن طاهر بن الحسين فحادثه؛ فقال: كم سنك؟ فلم يسمع، فلما أراد أن يقوم، قال عبد الله للحاجب: خذ بيده، فلما توارى عوف، قال له الحاجب: إن الأمير سألك عن سنك؛ فلم تجبه. قال: لم أسمع، فردني إليه، فوقف بين يديه، وقال:
[ ٦ / ١٩٩ ]
يا ابن الذي دان له المشرقان وألبس العدل به المغربان
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحنا وكنت كالصعدة تحت السنان
وقاربت مني خطًا لم تكن مقاربات وثنت من عنان
وما بقي في لمستمتع إلا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني به على الأمير المصعبي الهجان
فقرباني بأبي أنتما من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة أوطانها حران والرقتان
سقى قصور الشادياخ الحيا قبل وداعي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بها ما إن تخطاها صروف الزمان
فأجازه بالانصراف إلى وطنه. وقال له: جائزتك ورزقك يأتيك في كل سنة. انتهى.
والمشرقان: المشرق والمغرب على التغليب، كالمغربين لهما أيضًا، وألبس: بالبناء للمفعول، والأول على تقدير مضاف، أي: أهل المشرقين. ودان: أطاع، والشطاط: بالفتح والكسر، الطول، وحسن القامة واعتدالها. والانحناء هنا بالمد، لكن قصره هنا للضرورة، والصعدة، بالفتح: القناة المستوية، تنبت كذلك، والهجان، بالكسر: الجيد والخير، يكون مفردًا كما هنا، ويكون جمعًا. واصفرار البنان، كناية عن الموت، لأن من يموت يصفر بنانه، والمنعى، بفتح الميم، إشاعة خبر الموت، وحران: بلد بجزيرة ابن عمر، والرقتان، بفتح الراء، هما الرقة والرافقة، على تغليب الرقة: وهما بلدان على الفرات، والشادياخ، بإعجام
[ ٦ / ٢٠٠ ]
الطرفين، والوسط بالمثناة التحتية: مدينة مستحدثة ملاصقة لنيسابور، كأنها محلة من محالها بنيت في ولاية عبد الله بن طاهر، وقرية من قرى بلخ أيضًا، يقال لها: الشادياخ، والحيا، بفتح المهملة والقصر: الغيث والمطر، والميان، بكسر الميم، موضع كانت بنيسابور، فيها قصور آل طاهر بن الحسين، كذا قال ياقوت، ولأجله أورد الشعر، و"إن" بعد "ما" زائدة، وتخطاها: دخلها، وصروف الزمان: حوادثه.
وعوف بن محلم، بضم الميم وتشديد اللام المكسورة، هو أحد العلماء والأدباء والرواة الأذكياء، والندامى الظرفاء، والشعراء الفصحاء، اختصه طاهر بن الحسين ابن مصعب الخزاعي لمنادمته ومسامرته فكان لا يسافر إلا وهو معه، وسبب اتصاله به أنه نادى على الجسر بهذه الأبيات، وطاهر منحدر في حراقة بدجلة:
عجبت لحراقة بن الحسين كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحد وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها وقد مسها كيف لا تورق
وأصله من حران، وبقي مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، وكلما استأذنه لم يأذن له، ولما مات طاهر قربه ابنه عبد الله، وأفضل عليه واستمر عنده إلى أن أذن له، كما تقدم، وأمر له بثلاثين ألف درهم، وسار إلى أهله، فقبل وصوله إليهم مات، وذلك في حدود عشرين ومائتين، وهو عصري أبو نواس، وأسن منه. والصحيح أنه لا يستشهد بهذه الطبقة لكن يورد للاستئناس به، وقول المصنف: قول الحماسي، أي قول أحد الشعراء الذين أورد أبو تمام شعرهم في كتابه الشهير بـ "الحماسة" وهذا الشعر غير مذكور في "الحماسة" البتة.
[ ٦ / ٢٠١ ]
والأمير المذكور هو أبو العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق ابن ماهان الخزاعي، الأمير العادل الكامل الفاضل أمير إقليم خراسان، وما يليه، وقرأ العلم والفقه وسمع وكيعًا، ويحيى بن الضرير، وروى عنه إسحاق بن راهويه وغيره، وكان أديبًا، ظريفًا، شهمًا، عالي الهمة، وكان المأمون كثير الاعتقاد فيه، حسن الالتفات إليه، قلده مصر والمغرب ثم نقله إلى خراسان، ولأبي تمام فيه مدائح. والبطيخ العبدلاوي منسوب إليه، قال ابن خلكان: إما لأنه يستطيبه، أو لأنه أول من زرعه، وتوفي بمرو في ربيع الأول، سنة ثلاثين ومائتين، وله ثمان وأربعون سنة، كعمر أبيه، وحكايات جوده ومكارمه وفضائله طويلة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٥) إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها
على أن جملة: "والله يكلؤها" اعتراضية بين اسم إن وخبرها، ويكلؤها: يحرسها. في "المصباح": كلأه الله يكلؤه، مهموز، بفتحتين، كلاءة، بالكسر والمد: حفظه.
وقال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": جعل صورة الهمزة واوًا في يكلؤها ويرزؤها؛ لانضمامها، واتصال الضمير بها، وكذلك يجعل صورتها ألفًا إن انفتحت، وياء إن انكسرت، وبعضهم يجعل صورتها ألفًا في الأحوال الثلاثة، فيكتب: هو يقرأه، والله يكلأه، وعجبت من نبأه بالألف، ويجعل عليها ضمة في حال الرفع، وكسرة في حال الجر، وقد أجاز بعضهم كتب الألف قبل الواو، والأكثر الأول. انتهى.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
وضنت: بخلت. ويرزؤها، بتقديم المهملة على المعجمة، أي: ينقصها، أي: بخلت بشيء لو جادت به ما نقصها. يقال: ما رزأته فتيلًا. أي: ما أخذت من قدر ذلك، قاله اللخمي. وفي "المصباح" يقال: رزأته ترزأه، مهموز بفتحتين، والاسم الرزء، كقفل، ورزأته أنا: إذا أصبته بمصيبة.
والبيت مطلع قصيدة لإبراهيم بن هرمة، وقد قيل له: إن قريشًا لا تهمز، فقال: لأقولن قصيدة أهمزها كلها بلسان قريش، وقال الأصمعي: لم يثبت من القصائد المهموزة إلا هذه القصيدة. وبعده:
وعودتني فيما تعودني أظماء ورد ما كنت أجزؤها
ولا أراها تزال ظالمة تحدث لي قرحة وتنكؤها
والأظماء: جمع ظمء، بكسر الظاء وسكون الميم، بعدها همزة، وهو في الإبل: مدة العطش بين الشربتين. قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": ضربه مثلًا، أراد: أنها تصله ثم تقطعه مدة، كما تسقي الإبل ربعًا وخمسًا، ويقال جزأت الإبل وغيرها: إذا استغنت بأكل النبات الأخضر عن شرب الماء، وهوبالجيم والزاء المعجمة. وترجمة ابن هرمة تقدمت في الإنشاد السادس والخمسين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٦) إني وأسطار سطرن سطرا لقائل يا نصر نصر نصرا
على أن قوله: "وأسطار سطرن سطرا"، وهي جملة قسمية اعترض بها بين اسم إن وخبرها، وهو قوله: لقائل. وأنشد سيبويه بنصب "نصر" الثاني. قال الأعلم:
[ ٦ / ٢٠٣ ]
الشاهد فيه نصبه "نصرًا نصرًا" حملًا على موضع الأول، ولو رفع حملًا على لفظ الأول لجاز. وقال النحاس: قد خولف في هذا؛ فقال الأصمعي: النصر: المعونة، فهو على هذا منصوب على المصدر، كأنه قال عونًا عونًا، وقوله: "وأسطار" الواو: للقسم، وأسطار: جمع سطر، أي: وحق سطور المصحف، وجملة "سطرن" بالبناء للمفعول صفة لأسطار، وسطرًا: مفعول مطلق، وأنشده الرضي برفع الثاني، على أن التوكيد اللفظي في النداء حكمه في الأغلب حكم الأول، وقد يجوز إعرابه رفعًا ونصبًا، فنصر الثاني: رفع اتباعًا للفظ الأول، ونصب الثالث: إتباعًا لمح الأول، وضعف البدل، والبيان في مثله. ومنع أبو حيان أن يكون "نصر" الثاني توكيدًا لفظيًا، قيل لتنوينه. والأول ليس كذلك، ورد بأن هذا القدر من الاختلاف مغتفر في التأكيد اللفظي، وقيل للاختلاف في التعريف؛ فكذلك هذا، ولا يجوز أن يكون بدلًا؛ لأنهمنون، ولا نعتًا،؛ لأنه علم. انتهى. وفيه نظر، فإن اتحاد جهة التعريف في التأكيد غير مسلمة بل يكفي اختلافها، ثم قال أبو حيان: ولا يجوز أن يكون مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ مضمر، ولا نصبه على إضمار فعل؛ لأن هذا النوع من القطع، إنما تكلمت به العرب إذا قصدت البيان أو المدح أو الذم أو الترحم، و"نصر" لا يفهم منه شيء من ذلك. انتهى.
وفيه أنه يصح نصبه على المدح بدليل ما بعده وهو:
بلغك الله فبلغ نصرا نصر ابن سيار يثبني وفرا
فإنه روي: أن نصرًا في البيت الأول، وهو حاجب نصر بن سيار، منعه من الدخول إلىنصر بن سيار، وهو أمير خراسان في الدولة الأمورية، فتلطف به، وأقسم له بأنه يدعو له، وطلب منه المعونة، وروي في نصر الثاني أيضًا ضمه، بلا تنوين،
[ ٦ / ٢٠٤ ]
كالأول، على أنه توكيد لفظي له، وتبعه في البناء، وروى صاحب "اللباب" نصب الأول، وأضافته إلى الثاني، قال شارحه الفالي: فيكون المضاف إليه على هذا جنسًا كما قول: طلحة الخير، وحاتم الجود، والتنكير للتفخيم.
وملخص ما ذكرنا: أن نصر الأول روي فيه وجهان: ضمه ونصبه، والثاني: روي فيه أربعة أوجه: ضمه ورفعه ونصبه وجره، والثالث روي فيه وجه وحد: وهو النصب. واعلم أن الصاغاني قال في "العباب"، وتبعه صاحب "القاموس" إن اسم الحاجب إنما هو نضر، بالضاد المعجمة، وإن الثلاثة في البيت الأول بالإعجام، وإهمال الصاد تصحيف، وأما نصر في البيت الثاني، فهو بالإهمال لا غير. وقوله: بلغك الله، مقول القول، وبلغ بالتشديد: متعد إلى مفعولين ثانيهما محذوف، أي: مرادك، وبلغ: فعل أمر، ومفعوله الأول محذوف، أي: أرجوزتي ومديحي ونحوهما، ونصر الثاني: عطف بيان، ويثبني: مجزوم في جواب الأمر، يقال: أثابه الله، أي: جزاه وأعطاه، والوفر: المال الكثير. وهذا الرجز قيل لرؤبة، ولم أره في ديوانه، وقيل لغيره، والله أعلم، وقد تكلمنا على هذا في الشاهد السابع عشر بعد المائة، من شواهد الرضي، بأبسط مما هنا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٧) وإني وتهيامي بعزة بعدما تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت
على أن أبا علي قال: "وتهيامي بعزة بعد ما تخليت مما بيننا، وتخلت" معترضة بين اسم إن وخبرها، وهو قوله: "لكالمرتجي" قال أبو الفتح ابن جني في "باب الباء" من "سر الصناعة": وسألت أبا علي عن قول
[ ٦ / ٢٠٥ ]
كثير: وإني وتهيامي بعزة البيت، فقلت له: ما موضع "تهيامي" من الإعراب؟ فأفتى بأنه مرفوع بالابتداء، وخبره بعزة، وجعل الجملة التي هي "تهيامي بعزة" اعتراضًا بين اسم "إن" وخبرها، لإن فيها ضربًا من التسديد للكلام، كما تقول: إنك، فاعلم، رجل سوء، وهذا الفصل، والاعتراض الجاري مجرى التوكيد، كثير في الكلام، وإذا جاز الاعتراض بين الفعل والفاعل في نحو ما أنشدناه أبو علي من قوله:
وقد أدركتني والحوادث جمة أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل
كان الاعتراض بين اسم "إن" وخبرها أسوغ، وقد يحتمل بيت كثير أيضًا تأويلًا آخر غير ما ذهب إليه أبو علي، وهو أن يكون "تهيامي" في موضع جر على أنه أقسم به، كقولك: إني وحبك، لضنين بك، وعرضت على أبي على هذا الجواب، فقبله وأجاز ما أجاز؛ فالباء على هذا في "بعزة" متعلقة بنفس المصدر الذي هو التهيام، وهي، فيما ذهب إليه أبو علي، متعلقة بمحذوف هو الخبر عن "تهيامي" في الحقيقة. انتهى كلامه.
وقال في "باب الاعتراض" من "الخصائص" أيضًا: وسألت أبا علي عن بيت كثير "وإني وتهيامي بعزة البيت". فأجاز أن يكون قوله: "وتهيامي بعزة" جملة من مبتدأ وخبر اعترض بها بين اسم إن وخبرها الذي هو قوله: "لكالمرتجي ظل الغمامة .. البيت"، فقلت له: أيجوز أن يكون وتهيامي بعزة قسمًا؟ فأجاز ذلك، ولم يدفعه. انتهى.
وعلى قول أبي علي يكون الاعتراض بجملة اسمية، وعلى قول ابن جني يكون الاعتراض بجملة فعلية قسمية، وإنما لم يذكر عطف "تهيامي" على اسم إن لكونه بديهيًا واضحًا، فتكون الباء متعلقة به، كقول ابن جني، و"بعد" على التقادير الثلاثة، متعلقة به. وما: مصدرية، والتهيام: مبالغة، مصدر هام يهيم هيمًا:
[ ٦ / ٢٠٦ ]
إذا خرج على وجهه، لا يدري أن يتوجه، وذلك من شدة اشتغال باله، والمراد هنا: من فرط العشق، وتخليت: اجتنبت ما كان بيننا من الوصل، يقول: إني مع وجدي المفرط بها الآن بعد ما تركتها، وتركتني، مثل الذي يرجو ظل العمامةوقاية لحر الشمس؛ فهو كلما جلس تحتها زالت عنه، فهو لا ينتفع بظلها أبدًا؛ فكذلك وجدي بها الآن، لا ينفعني بعد انقطاع أسباب الوصلة بيننا، وقوله: "كلما تبوأ" منصوب على الظرفية الزمانية أو المكانية، أي كل زمان، أو كل مكان، وتبوأ: اتخذ مباءة، أي: ونزلًا، يقال: تبوأ بيتًا، أي: اتخذه سكنًا. والمقيل: مصدر قال يقيل قيلًا ومقيلًا: إذا نام بعد الظهر، واضمحل الشيء اضمحلالًا: ذهب وفني، واضمحل السحاب: انقشع. كذا في "المصباح" والبيتان من قصيدة لكثير عزة، وهي جيدة، قال القالي في "أماليه": قرأت هذه القصيدة على أبي بكر بن دريد في شعر كثير، وهل من منتخبات شعره، وهي:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
ومسا ترابًا كان قد مس جلدها وبيتا وظلا حيث باتت وظلت
ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ذنوبًا إذا صليتما حيث صلت
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولت
وقد حلفت جهدًا بما نحرت له قريش غداة المأزمين وصلت
أناديك ما حج الحجيج وكبرت بفيفا غزال رفقة وأهلت
وكانت لقطع العهد بيني وبينها كناذرة نذرًا فأوفت وحلت
ويروى: وفت فأخلت.
فقلت لها يا عز كل مصيبة إذا وطنت يومًا لها النفس ذلت
ولم يلق إنسان من الحب ميعة تغم ولا عمياء إلا تجلت
كأني أنادي صخرة حين أعرضت من الصم لو تمشي بها العصم زلت
[ ٦ / ٢٠٧ ]
صفوحًا فما تلقاك إلا بخيلة فمن مل منها ذلك الوصل ملت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها وحلت تلاعًا لم تكن قبل حلت
فليت قلوصي عند عزة قيدت بقيد ضعيف فر منها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها وكان لها باغ سواي فبلت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملت على ظلعها بعد العثار استقلت
أريد الثواء عندها وأظنها إذا ما طلبنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضت إلينا وأما بالنوال فضنت
يكلفها الغيران شتمي وما بها هواني ولكن للمليك استذلت
هنيئًا مريئًا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت
قال أبو علي: قيل لكثير: أنت أشعر أم جميل؟ فقال: بل أنا، فقيل: أتقول هذا وأنت راويته!؟ قال: جميل الذي يقول:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى وفي الغر من أنيابها بالقوادح
وأنا أقول:
هنيئًا مريئًا غير داء مخامر .. البيت
ووالله ما قاربت إلا تباعدت بصرم ولا أكثرت إلا أقلت
فإن تكن العتبى فأهلًا ومرحبًا وحقت بها العتبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا منادح لو سارت بها العيس كلت
خليلي إن الحاجبية طلحت قلوصيكما وناقتي قد أكلت
فلا يبعدان وصل لعزة أصبحت لعاقبة أسبابه قد تولت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت
[ ٦ / ٢٠٨ ]
ولكن أنيلي واذكري من مودة لنا خلة كانت لديك فطلت
وإني وإن صدت لمثن وصادق عليها بما كانت إلينا أزلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ولا شامت إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي بعزة كانت غمرة فتجلت
فأصبحت قد أبللت من مدنف بها كما أدنفت هيماء ثم استبلت
والله ثم الله ما حل قبلها ولا بعدها منخلة حيث حلت
وما مر من يوم علي كيومها وإن عظمت أيام أخرى وجلت
فأنحت بأعلى شاهق من فؤاده فلا القلب يسلاها ولا العين ملت
فيا عجبًا للقلب كيف اعترافه وللنفس لما وطنت كيف ذلت
وإني وتهيامي بعزة بعدها تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني،إياها سحابة ممحل رجاها فلما جاوزته استهلت
قال أبو علي: المأزمان: عرفة والمزدلفة، وأناديك: أجالسك، مأخوذ من الندي والنادي جميعًا، وهو المجلس، وميعة كل شيء: أوله. والصفوح: المعرضة، وبلت: ذهبت. قال أبو علي: ما أعرف بلت ذهبت إلا في تفسير هذا البيت، والعتبى: الإعتاب. يقال عاتبني فلان فأعتبته، إذا نزعت عما عاتبك عليه، والعتبى: الاسم، والإعتاب: المصدر، وقوله: وطلحت، الطليح: المعيى الذي قد سقط من الإعياء، وطلت: هدرت، وأذلت: اصطنعت، ويقال: بل من مرضه وأبل واستبل: إذا برأ، واعترافه: اصطباره، يقال: نزلت به مصيبة فوجد عروفًا، أي صبورًا، والعارف: الصابر، هذا ما أورده أبو علي القالي، وقوله:
[ ٦ / ٢٠٩ ]
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا .. البيت
يأتي شرحه في الجملة المعلقة، وقوله:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة البيت
يأتي شرحه في الباب الرابع، وفيها أبيات استشهد بها في التفسير وغيره، وقد نبهنا عليها في الشاهد الثالث والسبعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وكثير بالتصغير، أضيف إلى اسم محبوبته عزة، بفتح العين، لشهرته بها، وقد تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٨) لعمري وما عمري علي بهين لقدنطقت بطلًا علي الأقارع
على أن جملة: "وما عمري علي بهين" معترضة بين القسم وجوابه، وبعده:
أقارع عوف لا أحاول غيرها وجوه قرود تبتغي من تجادع
والبيت من قصيدة اعتذارية للنابغة الذبياني، غالب أبياتها شواهد في كتب النحو وغيرها، وقد شرحتها شرحًا مبسوطًا في الشاهد الخامس والخمسين بعد المائة، من شواهد الرضي.
وهذان البيتان من شواهد سيبويه، على أنه نصب "وجوه" على الشتم والذم. قال النحاس: ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أو على أن تجعله بدلًا من أقارع
[ ٦ / ٢١٠ ]
عوف، تبدل النكرة من المعرفة مثل: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ) [العلق/ ١٥، ١٦] ونقل ابن السيد عن يونس في كتاب "أبيات المعاني" أنه قال: لو شئت رفعت ما نصبته على الابتداء، وتضمر في نفسك شيئًا لو أظهرته، لم يكن ما بعده إلا رفعًا، كأنك قلت: لهم وجوه قرود. انتهى.
وقوله: لعمري: اللام لام الابتداء. والعمر، بفتح العين، هو العمر، بضمها، لكن خص استعمال المفتوح في القسم، وجملة: لقد نطقت إلى أخره جواب القسم، لأن قوله: "لعمري" مبتدأ خبره محذوف، تقديره: قسمي، وقوله: "وما عمري علي بهين" وعلي متعلق بما بعده، والباء زائدة في خبر ما، أي: وما عمري بقسم هين علي حتى يتهمني متهم بأني أحلف به كاذبًا، والبطل: بالضم: الباطل منصوب على المصدر، أي: نطقت نطقًا باطلًا، وأقارع عوف بدل من الأقارع، ولا أحاول: لا أريد، والمجادعة، بالجيم والدال المهملة، هو أن يقول كل من شخصين دعًا لك، وهي كلمة سب، والجدع: قطع الأذن والأنف. يقول: هم سفهاء يطلبون من يشاتمهم. والأقارع: هم بنو قريع بن عوف بن كعب ابن زيد مناة بن تميم، الذين كانواسعوا به إلى النعمان، حتى تغير له، وسماهم أقارع؛ لأن قريعًا أباهم، سمي بهذا الاسم، وهو مصغر أقرع، ولهذا جمعه على الأصل، والعرب إذا نسبت الأبناء إلى الآباء فربما سمتهم باسم الأب، كما قالوا: المهالبة، والمسامعة، في بني المهلب وبني مسمع. وقال الدماميني: الأقارع: جمع أقرع، وفي "الصحاح": الأقرعان: الأقرع بن حابس، وأخوه مرثد. انتهى.
ونقل هذا هنا لا مناسبة له، وتقدم في الإنشاد الثالث والعشرين نقل سبب تغير النعمان على النابغة:
[ ٦ / ٢١١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٩) ذاك الذي وأبيك تعرف مالك
على أن جملة "وأبيك" القسمية اعترض بها بين الموصول وصلته، وظاهره؛ أنه يجوز الاعتراض بينهما بجملة غير قسمية، بدليل البيت الثاني، وقد نص أبو علي وغيره: أنه لا يجوز الاعتراض بينهما إلا بجملة القسم، قال في "التذكرة القصرية" عند الكلام على قول الشاعر:
فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاثًا ومن يخرق أعق وأظلم
وتقدم نقل كلامه فيه في الإنشاد الثاني والسبعين من بحث "أل" فأما:
ذاك الذي وأبيك تعرف مالك
فضرورة، ولا يقاس عليه، ولو لم يكن ضرورة، لوجب أن يقاس عليه غيره، لأن القسم قد يدخل في مواضع لا يدخلها فيه نحو: إذن والله أكرمك، فدل ذلك على أنه ليس بجار عندهم مجرى الجمل، فلا يجوز من حيث الفصل بالقسم أن يفصل بغيره من الجمل، فإن القسم يجري مجرى ما يجتلب للتوكيد نحو (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ) [آل عمران/ ١٥٩] فلا يجوز أن يفصل بين الصلة والموصول بالجملة قياسًا على القسم، فإن قلت: قد فصلوا بين الصلة والموصول بالنداء في قوله:
تكن مثل من يا ذئب يصطبحان
فالجواب عنه: أن النداء ضرب من التنبيه، فشابه المنادى "ها" التي ينبه بها في:
[ ٦ / ٢١٢ ]
مررت بهذا، ونحوه. وقد تراها معترضة بين الجار والمجرور غير معتد بها، فحمل النداء، في ترك الاعتداد به فصلًا، مجرى "ها" هذه. فاعرفه. انتهى.
وقد اعترض ابن الحاج في نقده ل: "مقرب" ابن عصفور، قال: وما اقتضاه تصريحه من جواز الفصل بجملة الاعتراض بين الموصول وصلته فاسد، نص أبو علي في "الإغفال" على أن ذلك لا يجوز، وإن جاز ذلك بين المبتدأ والخبر، كقولك: إن زيدًا –فافهم- رجل صالح، فهذا نص صريح في امتناع: "إن الذي –فافهم ما أقول- جائني رجل صالح" وقد نص المؤلف على جوازه، ثم اعترض أبو علي بقوله:
ذاك الذي وأبيك تعرف مالك
والفصل إن [جاء] للقسم، نحوًا، ليس لغيره، ألا ترى أنه لا يستغني وحده، ولا يوصف به، ولا يوصل، ويدخل بين الجازم والمجزوم، والناصب والمنصوب نحو: إن تأتني والله آتك، وإذن والله آتيك. فالقسم مما اتسع فيه لكثرته؛ فلذلك يجوز أن يفصل به بين الصلة والموصول في الشعر، ولا يقاس عليه غيره. فهذا نص على أن مثال البيت لا يجوز في الكلام، وإنما هو خاص بالشعر، وأورده المصنف على أنه مثال لما ذكر جوازه في القانون الذي عنده، وذلك كله فاسد. انتهى كلام ابن الحاج.
والبيت من مقطوعة لجرير، هجا بها يحيى بن عقبة الطهوي، وكان يروى عليه شعر الفرزدق، وهي:
أمست طهية كالبكار أفزها بعد الكشيش هدير قرم بازل
يا يحي هل لك في حياتك حاجة من قبل فاقرة وموت عاجل
أخزيت أمك إذ كشفت عن استها وتركتها غرضًا لكل مناضل
[ ٦ / ٢١٣ ]
حلت طهية من سفاهة رأيها مني على سننن الملح الوابل
أطهي قد غرق الفرزدق فاعلمنوا في اليم ثم رمي به في الساحل
من كان يمنع يا طهي نساءكم أم من يكر وراء سرح الجامل
ذاك الذي وأبيك تعرف مالك والحق يدفع ترهات الباطل
إنا تزيد على الحلوم حلومنا فضلًا ونجهل فوق جهل الجاهل
وقوله: أمست طهية كالبكار إلى آخره .. طهية بالتصغير: حي من قوم الفرزدق، وهم بنو أبي سود، وبنو عوف ابني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، نسبوا إلى أمهم طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم، والفرزدق: ينتهي نسبه إلى درام بن مالك بن حنظلة، وجرير: ينتهي نسبه إلى كلب بن يربوع بن حنظلة، فمالك ويربوع أخوان، فالفرزدق وجرير يجتمع نسبهما في حنظلة، والبكار: جمع بكر، بالفتح، وهو الفتي من الإبل، وأفزها، بالفاء والزاي، أي: فرقها، والكشيش: أول هدير الجمل، قال جامع ديوانه: كشيش البكر: قبل أن تنبتت شقشقته، فإذا كان ذا شقشقة هدر. انتهى.
والقرم، بفتح القاف: الفحل من الإبل، والبازل: وهو الداخل في السنة التاسعة، وهو كمال شبابه، شبه جرير نفسه بالفحل الهادر، وشبه طهية بالبكار التي لها كشيش تتفرق خوفًا من هدير الفحل. وقوله: يا يحي: هو مرخم يحيى بن عقبة بن سنيع الطهوي، وقد تقدم هجو جرير لعقبة بن سنيع في قوله:
لو في طهية أحلام لما اعترضوا دون الذي أنا أرميه ويرميني
[ ٦ / ٢١٤ ]
في الإنشاد السابع والعشرين بعد الأربعمائة. والفاقرة: الداهية التي تكسر فقار الظهر، ويريد بها الهجو الممض، والغرض، بفتحتين: الهدف الذي يرمى إليه بالسهم ونحوه، والمناضل: من ناضلته، أي: راميته، وتناضل القوم: تراموا للسبق، وقوله: حلت طهية إلخ حلت: نزلت، والسن، بفتحتين، الطريق، والملح: السحاب الدائم المطر، والوابل: الغزير العظيم القطر، يقول: نزلت طهية مني على طريق السيل، وقوله أطهي: الألف للنداء، وطهي: منادى مرخم طهية، وقوله: ثم رمى به: فاعل رمى: اليم، والباء زائدة في المفعول، يريد: أني أغرقت الفرزدق في بحر هجوي وهو هو، فمن أنتم بعده. وقوله: من كان يمنع إلى آخره، من: في الموضعين، بمعنى الذي، يريد به الفرزدق، ومن: خبر مبتدأ مضمر، أي: وهو الذي كان يحامي ويدافع عن نسائكم، وأم هنا لمجرد الإضراب للترقي. يقول: بل هو الذي يكر على الأعداء المغيرة، والجامل، بالجيم: القطيع من الجمال برعاته وأربابه، والحي العظيم، والسرح بمهملات: المال السائم، وقوله: ذاك الذي وأبيك إلخ: ذاك: إشارة للفرزدق: مبتدأ، والذي: خبره، وجملة: "تعرف مالك" من الفعل والفاعل: صلة الذي، والعائد محذوف، أي: تعرفه مالك، وأنت تعرف؛ لأنه أراد بمالك: القبيلة: يعني أن الفرزدق هو المعروف عند بني مالك بن حنظلة. وقوله: وأبيك؛ بكسر الكاف، خطاب لطهية، المراد بها القبيلة، والحق يدمغ، يعني: أن الفرزدق في اتصافه بما ذكرته من المناقب الجليلة، والرتب الفائقة الجميلة، هو الحق الذي يهشم دماغ الباطل، وهو مع كونه كذا فقد قتلته بهجوي، فكيف حالكم عندي؟ ! ودمغه دمغًا، من باب نفع: كسرت عظم دماغه. والترهة: الباطل، فيكون من إضافة الاسم إلى المسمى.
[ ٦ / ٢١٥ ]
وقد وقع البيت الشاهد في كتب النحو محرفًا، ولم يشرحه أحد على وجه الصواب، ولله الحمد على هذه النعمة وغيرها.
وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده:
وإني لرام نظرة قبل التي البيت
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والعشرين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٠) كأن وقد أتى حول كميل أثافيها حمامات مثول
على أن جملة: "وقد أتى حول كميل" معترضة بين "كأن" واسمها، قال أبو علي في "التذكرة": لا يجوز: إن -وقولي حق- زيدًا قائم، لأن "إن" لما لم تغير الكلام صار حرف العطف كأنه مبدوء به، ألا تراك تقول: إن زيادًا قائم وعمرو! ولا يجوز ذلك في كان. فإن قلت: لم لا أقول: إن زيدًا وعمرو قائمان، وأحمل عمرًا على الموضع؟ فالجواب: إن الموضع لم يحصل بعد، وإنما يحصل الموضع للمبتدأ إذا انضم إليه الخبر، وإنما جاز الاعتراض في "كأن" كما جاز بين الفعل والفاعل، لأنها تغير معنى الابتداء، بخلاف إن، قال:
لا هل أتاها والحوادث جمة بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
انتهى. أراد أن الباء زائدة في الفاعل. وبيقر معناه: نزل في الحضر، وترك قومه
[ ٦ / ٢١٦ ]
بالبادية، وقيل: خرج إل حيث لا يدرى. وقول المصنف: ويمكن أن تكون هذه الجملة حالية .. إلخ، هذا قول ابن جني، فإنه لم يرض بجعلها اعتراضية، قال في باب الاعتراض من "الخصائص": هذا البيت لا اعتراض فيه، وذلك أن الاعتراض لا موضع له من الإعراب، ولا يعمل فيه شيء من الكلام المعترض به بين بعضه وبعض على ما تقدم. فأما قوله: "وقد أتى حول جديد" فذو موضع من الإعراب، وموضعه النصب بما في كأن من معنى التشبيه، ألا ترى أن معناه: أشبهت، وقد أتى حول جديد حمامات مثولًا، أو: أشبهها –وقد مضى حول جديد- بحمامات مثول، أي: أشبهها في هذا الوقت، وعلى هذه الحال بكذا. انتهى كلامه.
وقد أنشد أبو زيد هذا البيت في أواخر "نوادره" ثالث أبيات لأبي الغول الطهوي، وهي:
أما تنفك تركبني بلومى لهجت بها كما لهج الفصيل
أتنسى –لا هداك الله- سلمى وعهد شبابها الحسن الجميل
كأن وقد أتى حول جديد أثافيها حمامات مثول
لومى: فعلى، من اللوم، مثل: عطشى. انتهى. يريد أنه مصدر أنث بالألف المقصورة، وقد جاء تأنيثه بالألف الممدودة أيضًا، قال أبو العيال الهذلي:
ينأى بجانبه ويزعم أنه ناج من اللوماء غير ظنين
[ ٦ / ٢١٧ ]
ويقال: لهج بالشيء لهو لهج ولهوج وألهج فهو ملهج: إذا تولع به واعتاده، ولهج الفصيل بأمه: إذا تناول ضرعها يمتصه ولزمه، والفصيل: المفصول عن الرضاع من أولاد النوق، والجمع فصال، لأنه وإن كان اسمًا، فقد جرى مجرى الصفة حيث قالوا في الأنثى: فصيلة: كظريف وظريفة، قدروا في الانفصال عن الأم، يخاطب بذلك من يلومه، وضرب الركوب مثلًا للغلبة والقهر، أي: ما تنفك تعلوني بملامك، وتقهرني بكلامك، وجملة: "لا هداك الله" دعاء على لائمه، وهي معترضة بين تنسى ومفعوله، وجملة: "وعهد شبابها الحسن الجميل" المبتدأ والخبر حال من سلمى، والأثافي: جمع أثفية، وهي الأحجار التي تنصب عليها القدر فتسود من النار والدخان، شبهها بالحمامات القائمة على رجلها، وقد مر عليها حول بعد ارتحال سلمى من ذلك المكان.
وفي جميع النسخ: "حول جديد" والثابت هنا: "حول كميل" أي: كامل، والمثول: جمع ماثلة، وهي المنتصبة، يقال: مثلت بين يديه مثولًا، من باب قعد، أي انتصبت قائمًا، وجاء من باب كرم أيضًا.
وأبو الغول الطهوري: نسبة إلى طهية، قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": هو من قوم من بني طهية يقال لهم: بنو عبد شمس بن أبي سود، وكان يكنى أبا البلاد وقيل له: أبو الغول، لأنه فيما زعم رأى غولًا، فقتلها. انتهى. ولم أقف على كونه جاهليًا أو إسلاميًا. وأما الغول النهشلي، فهو شاعر إسلامي في الدولة المروانية.
وأنشد بعده:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها والعناب والحشف البالي
على أن رطبًا ويابسًا حال من اسم كأن، والعامل كأن، وأراد تشبيه البيت
[ ٦ / ٢١٨ ]
المتقدم بهذا من هذا الوجه، وإن لم يكن في البيت تقديم الحال عن صاحبها، وقد تقدم شرحه في الإنشاد الثالث والستين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣١) ليت وهل ينفع شيئًا ليت ليت شبابًا بوع فاشتريت
على أن جملة: "وهل ينفع شيئًا ليت" معترضة بين المؤكد والمؤكد، فإن "ليت"الثالثة مؤكدة "لليت" الأولى، وأما "ليت" الثانية فهي كلمة أريد بها لفظها، ولهذا وقعت فاعلة لينفع، ورفعت لفظًا، وشيئًا: مفعول ينفع، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، وحسن هذا التأكيد للفصل بالجملة الاعتراضية بينهما، لأن غير حروف الإيجاب إذا لم يكن معمودًا على شيء، اعتمد عليه ما قبله، ولم يقع بينهما فاصل بحرف عطف، لا يجوز توكيدها، فيخرج بقيد غير حروف الإيجاب نحو: لا لا، ونعم نعم، فإنه يجوز، وبقولنا: "لم يكن معمودًا" قول الشاعر:
ليتني ليتني توفيت هذا
وبقولنا: "لم يقع بينهما فاصل بحرف عطف" قول الآخر:
"ليت شعري هل ثم هل آتينهم
فقول الشاعر:
ولا للما بهم أبدًا دواء
[ ٦ / ٢١٩ ]
وقوله: ليت شبابًا بوع .. أصله: بيع، مجهول باع، بضم فكسر، والقياس كسر أوله لتسلم الياء، لكن بعض العرب يحذف الكسر، فتنقلب الياء واوًا.
قالا لعيني: قائله رؤبة بن العجاج، ويقال: أنشده الكسائي، ولم يعزه إلى أحد، وأنشد قبله:
ما لي إذا أجذبها صأيت أكبر قد عالني أم بيت؟
أجذبها، أي: الدلو، وروي: "أنزعها"، وصأيت بالصاد المهملة والهمزة، أي: صحت. وأراد بالبيت المرأة. انتهى. ولم أره في ديوان رؤبة، والله أعلم.
وأنشد بعده:
وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
وتقدم شرحه في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده:
أخالد قد والله أوطأت عشوة
تمامه:
وما قائل المعروف فينا يعنف
وتقدم شرحه أيضًا في الإنشاد الثالث والثمانين بعد المائتين.
[ ٦ / ٢٢٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٢) ولا أراها تزال ظالمة تحدث في قرحة وتنكؤها
على أن جملة: "أراها" معترضة بين "لا" وبين "تزال" والأصل: وأراها لا تزال ظالمة. قال الفراء في تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) [الرعد/ ٢] جاء فيه قولان، يقول: خلقها مرفوعة بلا عمد ترونها، لا تحتاجون مع الرؤية إلى خبر، ويقال: خلقها بعمد لا ترونها، أي: لا ترون تلك الحمد، والعرب قد تقدم الجحد من آخر الكلمة إلى أولها، فيكون ذلك جائزًا، أنشدني بعضهم:
إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه وواكل حاله واللياليا
يجئن على ما كان من صالح به وإن كان فيما لا يرى الناس آليا
معناه: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو، وقال الآخر:
ولا أراها تزال ظالمة البيت.
ومعناه: أراها لا تزال. انتهى. وزعم المبرد في "الكامل" أن الشاعر استغنى بـ "لا" الأولى من إعادتها، ورد عليه ابن السيد فيما كتبه على "الكامل" قال: ليس الأمر كما ذكر، لأنه لو أعاد، لاستحال المعنى إلى ضده، وكان معناه نفي لزوم الظلم عنها، ودوامه منها، وإنما معناه أن "تزال" لما كانت مع ما عملت فيه حدثًا عن الضمير في "لا أراها" كان النفي واقعًا على الخبر الذي هو في تزال وما علمت فيه، وكان التأويل: ولا أراها منفكة من الظلم وتاركة له، وساوت
[ ٦ / ٢٢١ ]
هذه العبارة في الدلالة قوله: "ولا أراها تزال ظالمة" كما أنشده الأحمر:
ما خلتني زلت بعدكم ضمنًا أشكو إليكم حرارة الألم
أي: ما خلتني افنككت من هذا. انتهى كلامه. وهو عجيب منه، فإن شرط إعمال زال أن يتقدمها نفي، ليفيد نفي النفي الدوام والاستمرار، والضمير في "أراها" إنما هو لسليمى، والنفي في التقدير ملاصق لتزال، غايته أنه اعترض بجملة "أراها" بين "لا" وبين زال، ثم قال ابن السيد بعد هذا: يريد أبو العباس أن زال لا تستعمل دون حرف نفي، ولا يجوز: زال زيد قائمًا، فكان يجب أن يقول: لا تزال ظالمة، غير أنه لما زاد لا في أول البيت، اكتفى بها عن تكرارها، وكأن الشاعر أراد: وأراها لا تزال، فزاد "لا" كزيادتها في قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) [الأعراف/ ١٢]، وقد حكي أن من العرب من يقول: زال زيد قائمًا. فعلى هذا يكون البيت صحيحًا لا حذف فيه، ولا ضرورة. هذا كلامه، وهو فاسد، لأنه يقتضي زوال ظلمها للشاعر، وإنما مراده أن ظلمها له متصل مستمر لا يزول، والقرحة: الجراحة، ومعنى: تنكؤها: تقشرها، يقال: نكأت القرحة أنكؤها نكئًا، من باب نفع: إذا قشرتها، وفيه لغة أخرى، وهي: نكيت أنكي بالياء، من باب رمى، والاسم النكاية بالكسر.
والبيت من قصيدة لإبراهيم بن هرمة، وتقدم مطلعها في الإنشاد الخامس والعشرين بعد الستمائة.
[ ٦ / ٢٢٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٣) فلا وأبي دهماء زالت عزيزة
تمامه:
على قومها ما فتل الزند قادح
على أنه اعترض بالجملة القسمية بين "لا" وبين "زالت"، والأصل: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة، والفصل بينهما عند الرضي شاذ، وقال: وليس هذا مما حذف فيه حرف النفي، كما في قوله تعالى: (تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف/ ٨٥] بتأويل: لا وأبي دهماء لا زالت، لأن حذفها لم يسمع إلا من مضارعاتها، وكأنه قصد بهذا الرد على الفراء. فإنه قال في آية يوسف: وأنشدني بعضهم:
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة على قومها ما فتل الزند قادح
يريد: لا زالت، وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: (وإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ) [الكهف/ ٦٠] والمضمر فيه الجحد قوله تعالى: (تَفْتَأُ) معناه: لا تفتؤ. ومثله قول الشاعر:
فلا وأبي الدهماء زالت عزيزة .. البيت
ورواه ابن عصفور في كتاب "الضرائر" كذا:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة
وقال: حذف منه "ما" النافية، يريد: ما زالت عزيزة. انتهى. وكذا أورده المرادي في "شرح التسهيل" إلا أنه قدر "لا" النافية، وهذه الرواية إن ثبتت كانت
[ ٦ / ٢٢٣ ]
من الشاذ جدًا، وقد عكس النقل أبو حيان في "شرح التسهيل" فقال بعد إنشاد البيت: على أنه ضرورة لحذف "لا" من الماضي، يريد: فلا وأبي دهماء لا زالت عزيزة. وزعم الكوفيون أن "لا" غير محذوفة في البيت. وإنما هي مقدمة من تأخير، والتقدير: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة، وما ذهبوا إليه باطل، لأن الحروف التي يتعلق بها القسم لا يجوز تقديمها على القسم. ومما يدلك على أن "لا" محذوفة في البيت رواية من روى:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة
هذا كلامه. وعلى هذه الرواية تكون "لا" لرد شيء ذكر قبلها، أي: فليس الأمر كذلك، وأبي دهماء، وقوله: فلا وأبي دهماء، أقسم الشاعر بوالد هذه المرأة، فأبي: مضاف إلى دهماء، وهي اسم امرأة، واسم زالت: الضمير الراجع إلى دهماء. وعزيزة: خبرها، من العزة، بالعين المهملة والزاي المعجمة، وجملة "لا زالت" جواب القسم، وعلى قومها: متعلق بعزيزة، وما: مصدرية ظرفية، وفتل، بالفاء بعدها مثناة فوقية، روي بتشديدها وتخفيفها، وهو فعل ماض، والزند: مفعوله، وقادح: فاعله، والمراد التأبيد.
وقد ذكر أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" صفة الزند والزندة وكيفية الفتل، فلا بأس بإيرادها هنا. قال: أفضل ما اتخذت منه الزناد شجرتا المرخ والعفار، فتكون الزندة وهي السفلى مرخًا، ويكون الزند وهو الأعلى عفارًا، وصفة الزندة: عود مربع في طول الشبر أو أكثر في عرض أصبع أو أشف، وفي صفحاتها فرض، وهي نقر، الواحدة منها فرضة، والزند الأعلى نحوها، غير أنه مستدير، وطرفه أدق من سائره، فأما وصف الاقتداح بها، فإن المقتدح إذا أراد أن يقتدح بالزناد، وضع الزندة ذات الفراض بالأرض، ووضع رجليه على طرفيها، ثم وضع طرف الزند الأعلى في فرضة من فراض الزندة، وقد تقدم فهيأ في الفرضة مجرى للنار إلى
[ ٦ / ٢٢٤ ]
جهة الأرض بحز، وقد حزه بالسكين في جانب الفرضة، ثم فتل الزند بكفه كما يفتل المثقب، وقد ألقى في الفرضة شيئًا من التراب يسيرًا يبتغي بذلك الخشنة، ليكون الزند أعمل في الزندة، وقد جعل إلى جانب الفرضة عند مفضى الحز رية تأخذ فيها النار، فإذا فتل الزند، لم يلبث الدخان أن يظهر، ثم يتبعه النار، فتنحدر في الحز، وتؤخذ في الرية، وتلك النار هي السقط. انتهى كلامه باختصار.
وقد صحفه بعضهم، فرواه: "ما قيل للزند قادح" على أنه فعل ماض مجهول من القول، وجر الزند باللازم، ولم أقف على قائل البيت، ولا على تتمته، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٤) أراني -ولا كفران لله أية لنفسي -قد طالبت غير منيل
على أن أبا علي قال: لا يعترض بأكثر من جملة .. إلى آخر ما ذكره، وكلام ابن جني صريح في أن في البيت اعتراضين. قال في باب الاعتراض من "الخصائص": أنشدنا أبو علي:
أراني ولا كفران لله أية .. البيت
فيه اعتراضان، أحدهما: ولا كفران لله، والآخر قوله: أية، أي: أويت لنفسي أية، معناه: رحمتها، ورققت لها، فقوله: أويت لها: لا موضع له من الإعراب. انتهى. ومراده من الاعتراضين الاعتراض بجملتين، ولم ينقل في
[ ٦ / ٢٢٥ ]
هذا الباب خلافًا في جواز ذلك لا عن أبي علي، ولا عن غيره، وفي "الكتاب" بيت أنشده سيبويه لكثير عزة فيه اعتراض واحد وهو:
أراني ولا كفران لله إنما أواخي من الأقوام كل بخيل
قال: إنما "أواخي" في موضع المفعول الثاني لأرى، ولا يجوز فتح "إنما" وقوله: "قد طالبت" جملة في موضع المفعول الثاني لأرى، والمنيل: اسم فاعل من أنلته، أي: أعطيته، وأية: أصله أوية، اجتمعت الواو والياء، وسبق أحدهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، قال ابن الأنباري في "شرح المفضليات": أويت له، بفتحتين: رحمته ورققت عليه مأوية –بتخفيف الياء- وإية، ومنه الحديث: كان رسول الله، ﷺ، يقوم في الصلاة حتى نأوي له، أي نرق له من طول قيامه. وأنشدني أحمد وعامر وغيرهما:
فإني –ولا كفران لله أية لنفسي –لقد حاولت غير منيل
أي: رحمة لنفسي. انتهى. ورأيت في "تهذيبب الأزهري" بخط ياقوت الحموي في مادة "نمل" بالنون والمميم واللام يقال: نملت فلانًا بالتشديد، أي: أقلقته وأعجلته، وأنشد الأصمعي:
فإني ولا كفران لله أية لنفسي لقد طالبت غير منمل
أي: غير مرهق عما أريد. انتهى. ولم أقف على قائله، ولا على تتمته.
[ ٦ / ٢٢٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٥) لعمرك والخطوب مغيرات وفي طول المعاشرة التقالي
لقد باليت مظعن أم أوفى ولكن أم أوفى لا تبالي
على أن الاعتراض وقع فيه بجملتين، وعمرك: مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: قسمي. وجملة: "لقد باليت .. إلى آخره" جواب القسم، وما بينهما من الجملتين اعتراض. قال أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني": قال ابن الأعرابي: أم أوفى التي يذكرها زهير في شعره كانت امرأته، وولدت منه أولادًا ماتوا، وتزوج عليها بعد ذلك امرأة أخرى، وهي أم بنيه كعب وبجير، فغارت من ذلك، وآذته، فطلقها، ثم ندم، فقال:
لعمرك والخطوب مغيرات إلى آخر البيتين:
فأما إذ نأيت فلا تقولي لي صهر أذلت ولم تذالي
أصبت بني منك ونلت مني من اللذات والحلل الغوالي
انتهى، وقد ذكرها في أول معلقته بقوله:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
والخطوب: الحوادث، والتقالي: تفاعل من القلى وهو البغض، وباليت: يتعدى تارة بنفسه، وتارة بالباء، قال صاحب "المصباح": يقال: لا أباليه، ولا أبالي به، أي: لا أهتم به ولا أكترث، قالوا: ولم يستعمل إلى مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تبالى القوم: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالًا له، وقال أبو زيد: ما باليت به مبالاة، والاسم البلاء -وزان كتاب- وهو الهم الذي تحدث به نفسك. انتهى.
[ ٦ / ٢٢٧ ]
وقوله: "ولا يستعمل إلا مع الجحد"، وقوله: "فمعنى لا أبالي: لا أبادر" يردهما قوله: "لقد باليت". والمظعن: مصدر ميمي بمعنى الارتحال، يريد: أنها قلته لطول العشرة، وأذلت: أهنت، وشيء مذال: مهان، والحلل جمع حلة بضمهما، والحلة لا تكون إلا بثوبين من جنس واحد، والغوالي جمع غالية. وزهير بن أبي سلمى، تقدمت ترجمته في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده:
إن الثمانين وبلغتها .. البيت
وتقدم الكلام عليه قريبًا، وكذا تقدم الكلام على البيتين بعده قريبًا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٦) اطلب ولا تضجر من مطلب
تمامه:
فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى الحبل بتكراره في الصخرة الصماء قد أثرا
وهما لبعض المولدين، وقد أوردهما المصنف في "شرح الألفية" في باب الحال، في الباب الخامس، وقال: شرط الجملة الحالية أن تكون خبرية، وغلط من قال في قوله:
اطلب ولا تضجر من مطلب
[ ٦ / ٢٢٨ ]
أن "لا" ناهية، وأن "الواو" للحال، والصواب: أنها عاطفة، وهو مأخوذ من قول سابق البربري، من قصيدة وعظ بها عمر بن عبد العزيز:
حتى متى أنا في الدنيا أخو كلف في الحد مني إلى لذاتها صعر
ولا أرى أثرًا للذكر في جسدي والحبل في الحجر القاسي له أثر
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٧) فقلت ادعي وأدعو إن أندى لصوت أن ينادي داعيان
على أن أدعو منصوب في جواب الأمر بأن مضمرة بعد واو المعية، وبه استشهاد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه نصب أدعو بإضمار أن حملًا على معنى: ليكن منك أن تدعي وأدعو، ويروى: "وأدع فإن أندى" على معنى: لتدعي لأدع على الأمر. وأندى: أبعد صوتًا، والندى: بعد الصوت، انتهى. وبهه استشهد الفراء في "تفسيره" عند قوله تعالى: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ) [البقرة/ ٢٤٦] قال: أراد ادعي ولأدع، وفي قوله: وأدع، طرف من الجزاء، وإن كان أمرًا قد نسق أوله على آخره، ومثله قول الله ﷿: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ولْنَحْمِلْ) [العنكبوت/ ١٢] هو أمر فيه تأويل جزاء، وهو كثير في كلام العرب؛ قال الشاعر:
فقلت ادعي وأدع .. البيت، أراد: ادعي، ولأدع، فإن أندى؛
[ ٦ / ٢٢٩ ]
فكأنه قال: إن دعوت دعوت. انتهى. وكذا أورده ابن عصفور في كتاب "الضرئر" قال: يريد: ولأدع، فحذف الجازم وهو لام الأمر للضرورة.
والبيت من قصيدة طويلة لدثار بن شيبان النمري، من النمر بن قاسط أوردها له الأصبهاني في "الأغاني" وأبو عبيد البكري في "شرح أمالي القالي"، والزمخشري فيما كتبه على هامش "المفصل" وفي "شرح شواهد سيبويه" وابن عبد البر في ترجمة الزبرقان من "الاستيعاب" وأولها:
من يك سائلًا عني فإني أنا النمري جار الزبرقان
أتيت الزبرقان فلم يضعني وضيعني بمريم من دعاني
وما جار تضمن ثم أوفى كملقى جاره بعد الضمان
ومنها:
تقول حليلتي لما اشتكينا سيدركنا بنو القرم الهجان
سيدركنا بنو القمرين بدر سراج الليل للشمس الحصان
فقلت أدعي وأدعو إن أندى لصوت أن ينادي داعيان
دعن ودعوت أن يا آل بدر وصوتانا معًا مترادفان
قال البكري: قوله: بنو القمرين بدر، يعني: الزبرقان بن بدر، لأن الزبرقان اسم القمر. قال الأصمعي: والزبرقان أيضًا: الرجل الخفيف اللحية، وقيل: سمي الزبرقان، لأنه لبس عمامة مزبرقة بالزعفران.
وهو الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس التميمي، وقد على رسول الله، ﷺ، في قومه، وكان أحد ساداتهم؛ فأسلموا وذلك في سنة تسع، فولاه
[ ٦ / ٢٣٠ ]
رسول الله، ﷺ، صدقات قومه، وأقره أبو بكر، وعمر على ذلك كذا في "الاستيعاب" ودثار شاعر إسلامي.
وأنشد بعده:
وما أدري وسوف إخال أدري
وتقدم شرحه في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٨) واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا
على أن جملة الاعتراض يجوز اقترانها بالفاء، وهي هنا للتفريع والتعليل، و"أن" مخففة من ثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وهي مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي اعلم، يعني: أن المقدر لا بد من إتيانه، وفيه تسلية للنفس.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٩) يا حاديي غيرها وأحسبني أوجد ميتًا قبيل أفقدها
قفا قليلًا بها علي فلا أقل من نظرة أزودها
وقد أورد المصنف البيت الثاني في بحث "لا" على أنه يجوز في "أقل" الفتح والرفع. وقد شرحناه هناك مع الذي قبله، في الإنشاد التسعين بعد الثلاثمائة.
[ ٦ / ٢٣١ ]
وأنشد في الجملة التفسيرية:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٠) ولقد علمت لتأتين منيتي
تمامه:
إن المنايا لا تطيش سهامها
على أن "علم" نزل منزلة القسم، وجملة: "لتأتين" جوابه، وحينئذ لا تقتضي معمولًا، وهذا مأخوذ من كلام سيبويه، فإنه أورد البيت في "باب أفعال القسم" وقال: كأنه قال: والله لتأتين منيتي، كما قال: قد علمت لعبد الله خير منك. انتهى. ويجوز أن تبقى "علم" هنا على بابها، وتكون معلقة بلام القسم، ويكون لتأتين جوابًا لقسم محذوف تقديره: ولقد علمت والله لتأتين منيتي، وجملتا القسم وجوابه: في موضع نصب بعملت المعلق، وإليه ذهب ابن الناظم، وقرره المصنف في شرح أبياته.
والبيت نسبه سيبويه للبيد، والموجود في معلقته إنما هو المصراع الثاني، وصدره:
صادفن منها غرة فأصبنه
[ ٦ / ٢٣٢ ]
والنون من صادفن: ضمير الذئاب، وضمير "منها" للبقرة الوحشية، والهاء في "أصبنه" ضمير ولد البقرة، والمنية: الموت، وطاش السهم عن الرمية: إذا وقع يمينه أوشماله، ولم يصبه، ولم يوجد للبيد في ديوان شعره على هذا الوزن والروي غير المعلقة، والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤١) فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن
تمامه:
ومن لا نجره يمس منا مروعا
على أن الشلوبين، زعم أن الجملة التفسيرية بحسب ما تفسره، وقد أنشده سيبويه في باب "الحروف التي لا تقدم فيها الأسماء الفعل" قال: (اعلم: أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها قبل الأفعال) .. إلى أن قال: (ويجوز [الفرق] في الكلام في "إن" إذا لم تجزم في اللفظ) - أي: بأن كان المشروط ماضيًا - (نحو قوله:
عاود هراة وإن معمورها خربا
فإن جزمت، ففي الشعر) أي: بأن ان الشرط مضارعًا، كقوله:
ولديك إن هو يستزدك مزيد
[ ٦ / ٢٣٣ ]
إلى أن قال: (وأما سائر حروف الجزاء، فهذا فيه ضعف في الكلام، لأنها ليست كـ "إن"، ومما جاء في الشعر مجزومًا في غير إن قول عدي بن زيد:
فمتى واغل ينبهم يحيو هـ وتعطف عليه كأس الساقي
وقال:
صعدة نابتة في حائر أينما الريح تميلها تمل
وقال هشام المري:
فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن .. البيت)
قال الأعلم: الشاهد فيه تقديم الاسم على الفعل ضرورة مع الجزم، وارتفاع الاسم بإضماء فعل يفسره الظاهر، لأن الشرط لا يكون إلا بالفعل. انتهى.
وقول المصنف: وفي "البغداديات" لأبي علي إلى آخر الفصل. أقول: ما نقله عنه هو في أول الثلث الثالث من"البغداديات" نقل كلام سيبويه المذكور، وشرحه ثم قال: وأما ما في "الكتاب" من قوله: إن زيدًا تره [تضرب] وما أنشده من قوله:
لا تجزعي إن منفسًا أهلكته
[ ٦ / ٢٣٤ ]
فإن سألته –يعني: أبا بكر بن السراج- عن الفعل المضمر الناصب له، فقلت: كيف هو؟ أمجزوم أم غير مجزوم، وكيف هو من المظهر؟ فقال: لا يجوز أن يكون غير مجزوم، ولا يكون بدلًا، قال: وهذا لولا أنه مسموع، لم يجز، فإن قيل: هذا الفعل الظاهر بدل من الأول؟ قيل: إن المبدل منه لا يجوز أن يسقط، ويثبت البدل، وإن قال: التقدير: إن تر زيدًا، فكأنه مقدم، فلا معنى للهاء في قولك: تره، قال: والأحسن عندي أن يكون على تكرير "إن" كأنه قال: إن تر زيدًا إن تره يضرب، فقلت: فأين جواب إن الأولى؟ فقال: استغني عنه، كما أنك إذا قلت: أزيدًا ظننته منطلقًا؟ فتقديره: أظننت زيدًا ظننته منطلقًا، فاستغنى عن المفعول الثاني في ظننت الذي أضمر بعد حرف الاستفهام بخبر ظننت الثاني، فإن قال قائل: هذا الذي ذكره في تكرار إن قبيح، إنما يجوز في ضرورة الشعر، فكأنه في هذا القول إنما ترك قبيحًا إلى مثله، قيل له: ليس ما تركه في القبح بمنزلة ما انتقل إليه، لأن الذي تركه لا مجاز له، ألا ترى أنه لم يجئ في الكلام ولا في الضرورة فيما علناه إسقاط المبدل منه في اللفظ، وإسقاط البدل، ولم يجئ أيضًا ضمير لا معنى له، ولا متجه، والأشياء التي تجوز في الشعر للضرورة قد تجوز في الكلام عند الحاجة إليها، ألا تراهم استجازوا الضمير قبل الذكر في مثل: ضربوني، وضربت قومك، لما كان ترك الإضماء يؤدي إلى إخلاء الفعل من الفاعل، ولم يجيزوا نحو: ضرب غلامه زيدًا، لما لم يكن إلى إجازة ذلك ضرورة، فصار ما كان يجوز في الشعر كقوله:
جزى ربه عني عدي بن حاتم
[ ٦ / ٢٣٥ ]
للضرورة مستحسنًا في لكلام، ولهذا نظائر، فكذلك إضمار "إن" يكون فيما ذهب إليه مستحسنًا وإن كان إضمار الجازم إنما جاء في الشعر. ويقرب من هذا ما أجاب أبو بكر، وقد سأله سائل عن تجويزهم الإضمار قبل الذكر في مثل: ضربوني وضربت قومك، فقال: لما كان هنا أمران مستكرهان عندهم في الاختيار وهما: إخلاء الفعل من الفاعل، وإضماره قبل ذكره، ولم يكن إلى إخلاء الفعل من الفاعل سبيل؛ اختير الإضمار قبل الذكر، على أن في إضمار "إن" من المزية والحسن على إضماء اللازم وسائر الجوائم، أنها قد اتسع فيها ما لم يتسع فيهن، فأولي الاسم في الكلام، كقوله تعالى: (وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ) [النساء/ ١٢٨] وغير ذلك مما تختص به "إن" وليس في غيرها من الجوازم ما يضمر، وإضمارها أيضًا أحسن من إضمار غيرها، لا سيما وقد جرى ذكرها قبل، وجرى ذكل الشيء مما يسهل إضماره، لتقريب الدلالة على المضمر، ألا ترى أن سيبويه أجاز: بمن تمرر أمرر، ولم يجز: من تضرب أنزل، حتى تقول: عليه، إلا في الشعر؛ لجري ذكر الحرف في الأول، ولم يجزه في المسألة الثانية لما لم يجر ذكره، وقال فيما حكاه عن يونس في قولهم: مررت برجل صالح، وإن لا صالحًا فطالحًا، من أن من العرب من يقول: إلا صالح فطالح؛ هذا قبيح ضعيف، لأنك تضمر بعد "إن لا" فعلًا آخر غير الذي ذكر بعد إن لا في قولك إن لا يكن صالحًا فطالح، ولا يجوز أن يضمر الجار، ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم، شبهوه بغيره [من الفعل]، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمر "رب" ونحوه في قوله:
وبلدة ليس بها أنيس
فاعلم بهذا أن حرف الجزاء إذا جرى ذكره مكان إضماره أقوى من إضماره إذا لم يجر ذكره، إذا كان هذا هكذا في الحروف الجارة، كانت الجازمة مثله، لأن الجارة في الأسماء مثل الجوازم في الأفعال، فكذلك يكون تقدير "إن" وإضماره،
[ ٦ / ٢٣٦ ]
فيما ذهب إليه، أحسن من إضمار اللام في قوله: "أو يبك من بكى"، هذا آخر كلام أبي علي، من غير اختصار شيء منه.
والبيت لهشام المري، كما قال سيببويه وغيره، وهو منسوب إلى مرة بن كعب ابن لؤي القرشي، وهو شاعر جاهلي.
وأنشد بعده:
لا تجزعي إن منفس أهلكته
تمامه:
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٢) تعش فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
على أن جملة "لا تخونني" يحتمل أن تكون جواب القسم الذي هو عاهدتني، ويحتمل أن تكون حالًا. قال ابن المستوفي في "شرح أبيات المفصل": عاهدتني قسم، ولا تخونني جوابه، وهذا وإن كان معناه القسم والجواب، فليس على صيغته النحوية، ولا يعد قسمًا وجوابًا. انتهى. واستشهد به سيبويه على رجوع ضمير
[ ٦ / ٢٣٧ ]
الاثنين من "يصطحبان" على "من" حملًا على المعنى، لأنه أريد بمن اثنان. وروي أول البيت: تعال فإن وقال ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: (يا نساء النبي من تأت منكن) [الأحزاب/ ٣٠] بالتاء وهذا حمل على المعنى كأن "من" هنا امرأة في المعنى، فكأنه قال: أية امرأة أتت منكن، أو تأت. وهو كثير في الكلام، ومعناه البيان، وقول الله سبحانه: (ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ) [يونس/ ٤٢] وقول الفرزدق:
تعش فإن عاهدتني البيت
أي: مثل اللذين يصطحبان، أو مثل اثنين يصطحبان، وأن يكون على الصلة أولى من أن يكون على الصفة، فكان الموضع في هذا الحمل على المعنى إنما بابه الصلة، ثم شبهت بها الصفة، ثم شبهت الحال بالصفة، ثم شبه الخبر بالحال، كذا ينبغي أن يرتب هذا الباب من تنزيله، ولا ينبغي أن يؤخذ بابًا سردًا وطرحًا واحدًا، وذلك أن الصلة أذهب في باب التخصيص من الصفة لإبهام الموصول، فلما قويت الحاجة إلى البيان في الصلة، جاء ضميرها من الصلة على معناها، لأنه أشد إفصاحًا بالغرض، وأذهب في البيان المعتمد. انتهى كلامه. فاختار كون "من" موصولة، فيكون النداء قد اعترض به بينه وبين الصلة، وكذا قال ابن السيرافي في "شرح شواهد سيبويه"، وتقدم توجيه أبي علي على ذلك في قوله:
ذاك الذي –وأبيك- تعرف مالك
وقال ابن المستوفي في "شرح أبيات المفصل": هذا الفصل بين الموصول والصلة ضرورة.
[ ٦ / ٢٣٨ ]
والبيت من قصيدة للفرزدق، ذكر في أولها أن الذئب أتاه ليلة في سفره، فرمى له لحمًا، وقال: "تعش فإن عاهدتني .. " البيت، وبعده:
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما أخيين كانا أرضعا بلبان
وقد ذكرنا الأبيات في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الثلاثمائة، وقد وقع في إنشاد سيبويه: "تعال فإن عاهدتني". قال ابن المستوفي: والصحيح من الرواية: "تعش" وقد ذكره الزمخشري: "تعال". قال الدماميني: تعال: للواحد المذكر. وتعالي: للواحدة المؤنثة، بفتح اللام، وحكى الزمخشري في تفسير النساء عن أهل مكة أنهم يقولون: تعالي، بكسر اللام، للمرأة، ووقع مثله في شعر أبي فراس الحمداني، قال وهو في أسر الروم، وقد سمع حمامة تنوح بجنبه:
أقول وقد ناحت بجنبي حمامة أيا جارتا هل تشعرين بحالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تعالي
وهي أبيات، والوجه: فتح اللام، لأنها عين الفعل، كالعين في تصاعدي، ولام الفعل التي حقها أن تكسر قد سقطت إذ الأصل تعاليين، ففعل فيه عرف في مثله. انتهى. وأخذه ابن الملا. وأقول: أصل تعالي تعالوي، قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة مع عدم انضمام ما قبلها، فصار تعاليي بياءين، الأولى لام الكلمة، والثانية ضمير المخاطبة، ثم حذفت كسرة الياء الأولى للاستثقال، والياء لالتقاء الساكنين، كذا قاله أحد أشياخنا في "حاشية الفاكهي" وهذا تطويل بلا طائل، والقريب أن يقال: قلبت الواو في تعالوي ألفًا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
[ ٦ / ٢٣٩ ]
وقال المصنف في شرحي "الشذور" و"القطر": والعامة تقول: تعالي، بكسر اللازم، وعليه قول بعض المحدثين:
تعالي أقاسمك الهموم تعالي
والصواب الفتح، كما يقال: اخشي واسعي. انتهى. وهذا غير جيد، فإن ابن جني قد وجهه في "المحتسب" قال: قرأ الحسن البصري: (قل تعالوا) [النساء/ ٦١] بضم اللام، ووجهه أنه حذف لام تعاليت استحسانًا [و] تخفيفًا، فلما زالت لام الكلمة، ضمت اللام لوقوع الواو بعدها، ونظيرها ما قرأه الحسن أيضًا: (إلا من هو صال الجحيم) [الصافات/ ١٦٣] بضم اللام، حدثنا بذلك أبو علي: وذهب إلى ما ذكرناه من حذف اللام استخفافًا.
فتعالي مستعمل على وجهين:
أحدهما، وهو الفصيح: أن تحذف الياء التي هي لام الكلمة لالتقاء الساكنين، فتبقى اللام قبلها على فتحها، لأنا لمحذوف لعلة كالثابت.
والثاني: أن تحذف ابتداء للتخفيف نسيًا منسيًا، فيبقى ما قبلها آخر الكلمة، فتحركه بحركة تجانس الضمير المتصل بها، وبه قرئ في الشواذ، وعليه قول أبي فراس، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٣) أرى محرزًا عاهدته ليوافقن فكان كمن أغريته بخلاف
على أن جملة: "ليوافقن" جواب لعاهدته المنزل منزلة القسم لا غير، وجملة "عاهدته ليوافقن": في موضع المفعول الثاني لأرى، ومحرزًا: اسم رجل، وعاهدته:
[ ٦ / ٢٤٠ ]
من العهد وهو الموثق، وإنما يكون بالقسم ونحوه، ويوافقن ينبغي أن يكتب بالألف، لأن النون الخفيفة تقلب ألفًا في الوقف، وهذا الموضع موضع وقف، وهو من الموافقة، وهو ضد المخالفة، وروي بدله: "ليوافين" مضارع وافيته، أي: أتيته وأغريته، متعدي غري بالشيء غرى، من باب تعب، أي: أولع به من حيث لا يحمله عليه حامل، وأغريته به إغراء، فأغري به، بالبناء للمفعول، والخلاف: المخالفة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٤) ألم ترني عاهدت ربي وإنني لبين رتاج قائمًا ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلما ولا خارجًا من في زور كلام
على أن "خارجًا" معطوف على محل جملة "لا أشتم" الواقعة حالًا، فكأنه قال: حلفت غير شاتم، ولا خارجًا، فيكون الذي عاهد عليه غير مذكور، وهذا رأي عيسى بن عمر، والذي نسبه المصنف إلى المحققين، هو مذهب سيبويه، ومن تابعه، وهذا نصه في "الكتاب": وأما قول الفرزدق: "على حلفة لا أشتم الدهر .. البيت" فإنما أراد: ولا يخرج فيما أستقبل، كأنه قال: ولا يخرج خروجًا، ألا تراه ذكر "عاهدت" في البيت الذي قبله! وهو "ألم ترني عاهدت ربي .. البيت". ولو حملته على أنه نفى شيئًا هو فيه، ولم يرد أن يحمل على "عاهدت" لجاز، وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى بن عمر فيما نرى، لأنه لم يكن يحمله على "عاهدت" انتهى نصه.
[ ٦ / ٢٤١ ]
قال السيرافي: فسر أبو العباس المبرد، والزجاج، في هذين البيتين، قول سيبويه وقول عيسى بن عمر. فأما قول سيبويه، فإنه جعل لا أشتم جواب يمين، إما أن يكون جواب "حلفة" كأنه قال: عاهدت ربي على أن أقسمت، وعلى أن حلفت، لا أشتم الدهر مسلمًا، أو يكون عاهدت بمعنى أقسمت، كأنه قال: ألم ترني أقسمت، ويكون "خارجًا" في معنى المصدر، ويكون التقدير: ولا يخرج خروجًا، عطفًا على أشتم، وجعل خارجًا في معنى خروجًا. قال أبو العباس: ومثله: قم قائمًا، أي: قم قيامًا، ومثله من المصادر: العاقبة والعافية، فهو على لفظ فاعل. وفسرا قول عيسى أن خارجًا حال، وإذا كان حالًا، فهو عطف على ما قبله، وإذا كان كذلك، وجب أن يجعل الفعل في موضع الحال، فكأنه قال: لا شاتمًا مسلمًا، ولا خارجًا من في زور كلام، والفعل المستقبل يكون في موضع الحال، كقولك: جاءني زيد يضحك، أي ضاحكًا، وجعلا العامل في الحال، على مذهب عيسى، عاهدت. كأنه قال: عاهدت ربي لا شاتمًا الدهر مسلمًا، فالمعنى: موجبًا على نفسي ذلك ومقدرًا أن لا أفعله. وكلام سيبويه الذي حكاه عن عيسى يخالفه، لأنه يعني عيسى بن عمر لم يكن يحمله على "عاهدت" ومعنى قول سيبويه: لو حملته على أنه نفى شيئًا هو فيه، أي: نفي الحال وهو قوله: لا أشتم ولا خارجًا، فإذا لم يكن العامل في الحال "عاهدت" على ما حكاه سيبويه عن عيسى، كان نصبه على أحد وجهين: إما أن يكون المفعول الثاني من ترني، كأنه قال، ألم ترني لا شاتمًا مسلمًا، فهذا وجه ذكره أبو بكر مبرمان وما يعجبني هذا، لأن "عاهدت" في موضع المفعول الثاني، فقد تم المفعولان، وأجود منه أن يكون على حلفة، كأنه قال: على أن حلفة لا شاتمًا مسلمًا، والمصدر وهو "حلفة" يعمل عمل الفعل. إلى هنا كلام السيرافي.
[ ٦ / ٢٤٢ ]
أقول: جعل جملة "لا أشتم" في موضع المفعول الثاني لترني، توجيهًا لقول عيسى بن عمر، خلاف المفروض، ويلزم على قول عيسى بن عمر خلو القسم من جواب، وهو الذي عاهد عليه، ولهذا كان مذهب سيبويه أحق بالقبول، قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (لَمَا آتَيْتُكُم) من سورة آل عمران [الآية/ ٨١]: قرأ حمزة [وحده]، بكسر اللام ووجهه: أنه يتعلق بالأخذ، "كأن المعنى أخذ ميثاقهم لهذا، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة يؤخذ عليهم الميثاق لما أوتوه من الحكمة، وأنهم الأفاضل وأماثل الناس، فإن قلت: أرأيت الجملة التي هي قسم، هل يفصل بينهما وبين المقسم عليه بالجار؟ قيل: قد قالوا: بالله، الجار والمجرور متعلقان بالفعل والفاعل المضمرين، كذلك قوله: "ألم ترني عاهدت ربي على حلفة لا أشتم" فيمن جعل لا أشتم، يتلقى قسمًا، وهو قول الأكثر، على قوله: على حلفة، بعاهدت، فكذلك قوله: (لما آتيتكم) في قراءة حمزة. انتهى كلامه. وأورد المبرد هذين البيتين في "الكامل" وذكر المذهبين إجمالًا، وقال: خارجًا اسم فاعل وضع موضع المصدر، والمصدر يقع في موضع اسم الفاعل تقول: ماء غور. أي: غائر، قال جل وعز (إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) [الملك/ ٣٠] ويقال: رجل عدل، أي: عادل، ويوم غم، أي: غام. وهذا كثير جدًا، فعلى هذا جاء المصدر على فاعل كما جاء اسم الفاعل على المصدر، ي قال: قم قائمًا، وجاء من المصدر على لفظ فاعل حروف منها: فلج فالجًا، وعوفي عافية، وأحرف يسيرة، وجاء على مفعول نحو: رجل ليس له معقول، وخذ ميسوره، ودع معسوره، لدخول المفعول على المصدر، يقال: رجل رضى، أي: مرضي، وهذا درهم ضرب الأمير، [أي: مضروب]، وهذه دراهم وزن سبعة، أي: موزونة. انتهى.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
وقوله: ألم ترني عاهدت .. إلخ. الرؤية هنا علمية، والمعاهدة: المعاقدة والمحالفة، وهي عقد القول وإحكامه على شيء، وجملة: وإنني إلى آخره، بكسر الهمزة، حال من التاء في "عاهدت" وبين رتاج: ظرف متعلق بمحذوف خبر "أن" واللام للتوكيد، وقائمًا حال من فاعل متعلق الظرف، ويجوز رفعه على أنه خبر "أن"، وبين: متعلق به، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، ومقام: معطوف على رتاج، والرتاج، بكسر الراء: الباب العظيم، والباب المغلق، وأراد به: باب الكعبة، كما أنه أراد بالمقام مقام إبراهيم الخليل، وقال المبرد في "الكامل": الرتاج: غلق الباب، أي: بفتحتين، ويقال: باب مرتج، أي: مغلق، ويقال: أرتج على فلان، أي: أغلق عليه الكلام، وقول العامة: أترج عليه، ليس بشيء، إلا أن التوزي حدثني عن أبي عبيدة قال: يقال: أرتج، ومعناه: وقع في رجة، أي: في اختلاط، وهذا معنى بعيد جدًا. انتهى. وكتب ابن السيد البطليوسي في حاشيته على "الكامل" قوله: الرتاج: غلق الباب، أقول: الرتاج المغلق، ذكره صاحب "العين" وأنشد بيت الفرزدق، وقال: يعني: باب البيت، ومقام إبراهيم ﵊، ويدل على هذا قول أبي شجرة السلمي:
مثل الرتاج إذا ما لزه الغلق
فهذا يدل على أن الرتاج غير الغلق، ومم يقوي قول المبرد قول الحطيئة في وصف بعيره:
إلى عجز كالباب شد رتاجه ومستتلع في الكور ذو حبك سمر
والمستتلع: السنام، والحبك: طريق فيه من لون وبره.
والحلفة، بالكسر: العهد، وبالفتح، المرة الواحدة من الحلف، يقال: حلف بالله حلفًا، بكسر اللام، ويجوز تسكينها للتخفيف، وتؤنث الواحدة بالهاء، فيقال: حلفة. كذا في "المصباح". وقوله: على حلفة: حال من التاء في "عاهدت" متعلق
[ ٦ / ٢٤٤ ]
بمحذوف تقديره: عاهدت ربي صادقاص على حلفة. والبيت من قصيدة للفرزدق ذكر فيها خروج آدم وحواء من الجنة، وإبليس، أخزاه الله، وتاب عن الهجو، وأقبل على القرآن والصلاح، ثم رجع إلى ما كان عليه. قال المبرد: قال الفرزدق هذه القصيدة في آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله، ﷿، أن لا يكذب ولا يشتم مسلمًا. انتهى.
وقال شارح "النقائض": كان الفرزدق حج، فعاهد الله تعالى بين الباب والمقام أن لا يهجو أحدًا، وأن يقيد نفسه حتى يجمع القرآن حفظًا، وقال: "ألم ترني عاهدت ربي .. البيتين" من قصيدة، وبلغ نساء بني مجاشع فحش جرير بهن، فأتين الفرزدق مقيدًا، فقلن: قبح الله قيدك، فقد هتك جرير نساءك فلحيت، شاعر قوم، فأحفظنه-أي: أغضبنه- ففض قيده، وشرع في هجو جرير وغيره بقصيدة منها:
فإن يك قيدي كان نذرًا نذرته فما بي عن أحساب قومي من شغل
أنا الضامن الراعي عليهم وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٥) جشأت فقلت اللذ خشيت ليأتين وإذا أتاك فلات حين مناص
يقال: جشأت نفسه، بالجيم والشين المعجمة والهمزة، والمصدر: الجشوء، بالضم: إذا نهضت إليه، وارتفعت من فزع أو حزن، وفاعل "جشأت" ضمير النفس في بيت قبله، واللذ: بسكون الذال: لغة في الذي، ولما يحذف ياؤها ترسم
[ ٦ / ٢٤٥ ]
بلامين، وخشيت: خطاب للنفس، صلة الذي، والعائد: ضمير نصب محذوف، والتقدير: الذي خشيته، وليأتين: بنون التوكيد الخفيفة، ولات: بمعنى ليس، اسمها محذوف، وحين مناص بالنصب: خبرها، والمناص: التأخر والفرار، والتقدير: وإذا أتاك ما تخشينه، فليس الحين حين فرار أو تأخر، فلا بد من وقوعه عليك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٦) ولو أن ما عالجت لين فؤادها فقسا استلي نبه للان الجندل
على أن الأصل: لو أن ما عالجت به، فحذف العائد المجرور على خلاف القياس، اكتفاء بالمذكور بعد استلين، فإن عائد على "ما" الموصولة أيضًا، وجملة "عالجت" صلة، ولين: مفعوله، والجيد أنت يكون مفعوله ضمير الكائح، ولين: مفعول لأجله، والصواب: لين فؤاده، بتذكير الضمير، فإنه عائد إلى الكاشح كما يأتي، وقوله: فقسا، معطوف على عالجت، بالفاء، وهو فعل ماض من القسوة وهي الشدة، وفاعله ضمير الكاشح، لا إلى الفؤاد كما توهمه الشارح. فإن قلت: المعطوف على الصلة صلة، فأين العائد الرابط؟ قلت: له جوابان، أحدهما: ما تقدم، والثاني: ما أجاب به الشارح. وهو مشهور، وهو أن الفاء العاطفة فيها معنى السببية، فتجعل الجملتين في حكم جملة واحدة، فيكتفى بضمير واحد، وهو المجرور المحذوف، كقولهم: الذي يطير فيغضب زيد، الذباب. واستلين: بالبناء للمعلوم، ونقل فتحة همزته إلى ما قبله، وفاعله ضمير المتكلم، والجملة خبر "أن" ومفعوله محذوف، وهو ضمير الجندل، وهذا من باب التنازع، فإن "أستلين" و"لان" عاملان يطلبان الجندل معمولًا، والأول يطلبه مفعولًا به،
[ ٦ / ٢٤٦ ]
والثاني يطلبه فاعلًا، فأعمل الثاني لقربه، وأضمر للثاني، وحذف، لأنه فضلة. وقوله: للان: جواب "لو"، والمعنى: لو أن الذي عالجت به لين فؤاد الكاشح استلنت به الجندل للان، فلم يؤثر، بل قسا واشتد أكثر مما كان قبل.
وقلنا: أستلين، بالبناء للفاعل، لمناسبة "عالجت" ليكون على أسلوب واحد، وهو التكلم، وزعم الشارح أنه بالبناء للمفعول، قال: والجندل: الحجارة، مرفوع باستلين على أنه النائب عن الفاعل، وللان جواب "لو"، وفاعله ضمير يعود إلى الجندل، هذا كلامه، وتبعه من بعده، ولم يتنبه أن هذا من باب التنازع، و"ما" ترسم منفصلة عن "أن" لأنها اسم، ولو كانت حرفًا تكف عن عمل "أن"، لاتصلت بها، وفتحة همزة "أن" منقولة إلى واو لو ليتحد وزن المصراعين، ولو قرئ بسكون الواو وفتح الهمزة، لكان المصراع الأول من بحر الطويل، والثاني من بحر الكامل، وهذا غير جائز.
والبيت من قصيدة، عدتها اثنان وأربعون بيتًا للأحوص بن محمد الأنصاري، مدح بها عمر بن عبد العزيز، وهذا أولها:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل خوف العدى وبه الفؤاد موكل
هل عيشنا بك في زمانك راجع فلقد تفحش بعدك المتعلل
أصبحت أمنحك الصدود وإنني قسمًا إليك مع الصدود لأميل
فصددت عنك وما صددت لبغضة أخشى مقالة كاشح لا يعقل
ولو أن ما عالجت لين فؤاده فقسا استلين به للان الجندل
ولئن صددت لأنت لولا رقبتي أشهى من اللائي أزور وأدخل
وتجبني بيت الحبيب أحبه أرضي البغيض به حديث معضل
إن الشباب وعيشنا اللذ الذي كنا به زمنًا نسر ونجذل
[ ٦ / ٢٤٧ ]
ولت بشاشته وأصبح ذكره شجنًا يعل به الفؤاد وينهل
إلا تذكر ما مضى وصبابة منيت لقلب متيم لا يذهل
أودى الشباب وأخلقت لذاته وأنا الحريص على الشباب المعول
وهذه أبيات جيدة في معناها إلى الغاية.
وقوله: يا بيت عاتكة إلى آخره: عاتكة: هي بنت يزيد بن معاوية، وكانت مما يشبب بها من النساء، وأتعزل، بالعين المهملة: أتجنبه وأكون عنه بمعزل، وقوله: "إني لأمنحك الصدود .. البيت" قد استوفينا الكلام عليه في الشاهد التسعين من شواهد "شرح الكافية" للرضي.
وتفحش: من فحش الشيء فحشًا، مثل: قبح قبحًا وزنًا ومعنى، والمتعلل: اسم مفعول من تعلل بالشيء إذا تلهى به. وقوله: أخشى مقالة كاشح: استئناف بياني، والكاشح: المضمر العداوة، وجملة: "لولا رقبتي" معترضة بين المبتدأ والخبر، والرقبة: الاحتراس.
وقوله: وعيشنا اللذ، هو صفة مشبهة بمعنى: اللذيذ، ونسر، بالبناء للمفعول، ونجذل: بالجيم والذال المعجمة، من باب فرح وزنًا ومعنى، والشجن، بفتحتين:
[ ٦ / ٢٤٨ ]
الهم والحزن، ويعل وينهل، كلاهما بالبناء للمفعول: من العلل والنهل، بفتح الأول والثاني، والنهل: السقي الأول، والعلل: السقي الثاني، والواو للجمع مطلقًا، لا تفيد ترتيبًا.
وقوله: إلا تذكر ما مضى: استئناف من قوله: ولت بشاشته، وصبابة، بالنصب، معطوف عليه، ومنيت: قدرت، وأودى: هلك، وأخلق الثوب: تقطع وبلي، والمعول: صفة الحريص، وهو اسم فاعل من أعول الرجل: إذا بكى وصرخ، وعلى متعلقة به. وترجمة الأحوص تقدمت في الإنشاد الثامن بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده:
إذا قلت قدني قال بالله حلفة لتغني عني ذا إنائك أجمعا
وتقدم شرحه مستوفيًا الكلام في الإنشاد الثالث والأربعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
فسلم على أيهم أفضل
صدره:
إذا ما لقيت بني مالك
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس عشر بعد المائة.
[ ٦ / ٢٤٩ ]
وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٧) فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
هذا عجز وصدره:
فإما كرام موسرون لقيتهم
على أن "ذو" الموصولة معربة في لغة طيء، وإعرابها كإعراب الأسماء الستة بالحروف، فذو مجرورة هنا بالياء. قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: ذو على وجهين بمعنى: صاحب، فيستعمل بالواو والألف والياء، وبمعنى الذي، والأعرف البناء، كقوله:
فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
وحكى ابن درستويه في "الإرشاد" وابن جني في "المحتسب" أن بعض طيء يقول: جاءني ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام، وزعم ابن الضايع أنها إنما تعرب في حالة الجر كهذا البيت، فإنه روي بالوجهين، ولم يطلع المرزوقي على هذه اللغة الثانية، فزعم أن "ذي" في البيت بمعنى: صاحب، كقولك: هذا ذو زيد، أي: صاحب هذا الاسم، وليس بشيء، لأن المشهور في البيت "ذو" بالواو، وذلك لا يجوز في التي بمعنى صاحب، واستلزامه جر "عند" بالإضافة، ولا تدخل التي بمعنى صاحب إلا على اسم مخصوص، أو تسلم في قولهم: اذهب
[ ٦ / ٢٥٠ ]
بذي تسلم، ولم يسمع خفض عند بغير من، وهذا البيت لمنظور بن سحيم الفقعسي، وقبله:
ولست بهاج في القرى أهل منزل على زادهم أبكي وأبكي البواكيا
فإما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
وإما كرام معسرون عذرتهم وإما لئام فادخرت حيائيا
وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة وبطني أطويه كطي ردائيا
ومعنى هذا الشعر التمدح بالقناعة، والكف عن أعراض الناس، يقول: الناس ثلاثة أنواع: موسرون كرام، فأكتفي منهم بمقدار كفايتي، ومعسرون كرام، فأعذرهم، وموسرون لئام، فأكف عن ذمهم حياء. وقوله: في القرى، بكسر القاف: طعام الضيف، وفي للسببية، وقوله: على زادهم .. إلى آخره؛ صورته الإثبات، ومعناه النفي، لأنه تفسير لخبر ليس، وإن قدر خبرًا ثانيًا، فلا إشكال، وذكر البكاء تمثيل، والمعنى أنه لا يأسف لما يرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكي غيره.
وقوله: فإما، هو بكسر الهمزة، كذا ثبت في نسخ "الحماسة" وغيرها، وعليه شرح التبريزي، إلا أنه قدرها كلمتين: إن الشرطية، وما الزائدة، وقدر الاسم معمولًا لفعل محذوف بعدها مبني للمفعول، أي: فإما يقصد كرام، كما قدروا في قوله:
لا تجزعي إن منفس أهلكته
والصواب: أنها إما التي في قولك: جاءني إما زيد وإما عمرو، وإن الاسم بعدها خبر لمبتدأ مقدر قبلها، أي: فالناس إما كرام، بدليل قوله. وإما لئام،
[ ٦ / ٢٥١ ]
بعده فعل يفسر المحذوف الذي زعمه، والجملتان من قوله: "لقيتهم، وعذرتهم": صفتان، وقوله: فحسبي .. البيت، أي: فكفاني من إعطائهم ما يكفيني لحاجتي، أي: لا أبتغي منهم زيادة على الحاجة، ولولا هذا التأويل، لفسد لاتحاد المبتدأ والخبر. إلى هنا كلام المصنف، ونقله السيوطي في شرح شواهد هذا الكتاب وقال: ووقع في "شرح الشواهد" للعيني أنه جعل إما للتفصيل، وكرام: مرفوع بمضمر، وفحسبي: جواب الشرط، وهو تخليط منه. انتهى. والذي رأيته في باب الأدب من "الحماسة":
فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
وهي الثابتة في رواية التبريزي، قال: وذو بمعنى الذي، وعندهم: صلته، وكذا قال أمين الدين الطبرسي في "شرح الحماسة". وقوله: وعرضي أبقى، إلى آخره. قال التبريزي: "ما" في موضع الجر، كأنه قال: وعرضي أبقى شيء أدخره ذخيرة، أي: أكتسبه ذخيرة، فعلى هذا "ذخيرة" حال مؤكدة لما قبلها، كأنه قال: أبقي على عرضي، لأنه أعز الذخائر. انتهى. وهو مأخوذ من كلام ابن جني، قال في "إعراب أبيات الحماسة": ذخيرة: حال مؤكدة، وذلك أن "ادخرت" قد أغنى عن قوله ذخيرة، ولا يحسن نصبه على التمييز لانقلاب المعنى، ألا تراه يصير كأنه قال: وعرضي أبقى الأشياء ذخيرة، كقولك: هو أحسن الناس وجهًا، وليس هذا هو الغرض، ألا تراه لا يريد أن عرضه باقي الذخيرة، أي: له ذخيرة يستبقيها، وإنما أراد: أن عرضه ذخيرة باقية، فالناصب له ادخرت، وإن شئت عمل فيه "أبقى" كقولك: زيد أحسن منك قائمًا. انتهى.
[ ٦ / ٢٥٢ ]
ونسب أبو تمام هذه الأبيات في "الحماسة" إلى منظور بن سحيم الفقعسي، وكذا شراحها قالوا، وقال السيوطي: هو شاعر إسلامي، وسحيم، بمهملتين، مصغر سحم، وفقعس: ينتهي نسبه إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. فنسبة المصنف البيت إلى الطائي غير جيدة، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٨) نحن اللذون صبحوا الصباحا
على أنه جاء إعراب الذين على حد إعراب الجمع المذكر السالم، فرفع بالواو. قال أبو زيد في "نوادره": قال أبو حرب الأعلم، من بني عقيل، وهو جاهلي:
نحن الذين صبحوا صباحا يوم النخيل غارة ملحاحًا
نحن قتلنا الملك الجحجاحا ولم ندع لسارح مراحا
ولا ديارًا أو دما مفاحا نحن بنو خويلد صراحا
لا كذب اليوم ولا مزاحا
قوله: أو دمًا مفاحًا "أو" في معنى واو العطف، والمفاح: المهراق، يقال: فاح دمه وأفاح، جميعًا، يفيح فيحًا ويفيح إفاحة، لم يعرف الرياشي ولا أبو حاتم: أفاح.
لا كذب اليوم ولا مراحا
[ ٦ / ٢٥٣ ]
أي، بضم الميم، أبو حاتم: مراحا، أي: بكسرها، قال أبو زيد: أفحت دمه، ففاح يفيح فيحانًا، والجحجاح: السيد، والمراح، أي: بكسر الميم: النشاط. انتهى ما في النوادر.
وقال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": صبحوا بالتشديد: أتوا في الصباح، وصباح: مصدر محذوف الزوائد، مثل: كلمته كلامًا، لا ظرف، كما في: جئتك صباحًا، لأن الظرف لا يكون مؤكدًا، وروي: "الصباح" أي: الصباح الذي عرف واشتهر، فيكون مصدرًا نوعيًا، ولا يمتنع ظرفيته مع ما قدمناه، ويوم النخيل: يكون بدلًا، لا ظرفًا ثانيًا، ولا يمنع ذلك أنه لا يبدل الكل من البعض، لأن اليوم قد يأتي اسمًا للقطعة من النهار لا لجميع النهار. والنخيل، بضم النون وفتح المعجمة، وكثير يقولونه بفتحة فكسرة، وهو تحريف؛ وهو اسم موضع. انتهى. وقال السيوطي: وغارة مفعول له، أو حال، أي: مغيرين، والملحاح: الكثير الإلحاح، والصفة التي على مفعال لا تؤنث، والجحجاح: السيد، والسارح: المال السائم، والمراح، بضم الميم: صفة الإبل، والصراح، بالكسر: جمع صريح، وهو الخالص النسب. انتهى. ولقد رأيته في نسخة صحيحة مضبوطة بالاتفاق من "نوادر أبي زيد": الصراح، بضم الصاد، على أنه وصف
[ ٦ / ٢٥٤ ]
بمعنى الصريح، وقال ابن الملا الحلبي في شرحه، وليس التشديد في صبحوا للتكثير. انتهى. وفي "عباب الصاغاني": وصبحت فلانًا، أي: أتيته صباحًا، قال بجير ابن زهير:
صبحناهم بألف من سليم وسبع من بني عثمان واف
والمعنى: أتيناهم بألف رجل من بني سليم. وقال السيوطي: وقيل: قائل هذا الرجز رؤبة، وقال الصغاني: قالته ليلى الأخيلية في قتل دهر الجعفي وأورده بلفظ:
قومي الذين صبحوا صباحًا يوم النخيل غارة ملحاحًا
دهرًا فهيجنا به أنواحًا نحن قتلنا إلى آخر الرجز
وأنواح: جمع نوح، بفتح النون، والعقيلي: نسبه إلى عقيل، بالتصغير، أبي قبيلة، وهو عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٩) هم اللاؤون فكوا الغل عني
قال ابن الشجري في المجلس الرابع والسبعين من "أماليه" في بحث الموصولات: ومنهم من قول: هم اللاؤون فعلوا كذا، واللائين في الجر والنصب، قال الهذلي:
هم اللاؤون فكوا الغل عني بمرو الشاهجان وهم جناحي
انتهى. (وقال الشلوبين في حاشية المفصل: "اللاؤون" على ما ذكر في "الكشاف" لغة هذيل. وأنشد البيت).
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وكذا أورده أبو حيان في "تذكرته" وكذا أنشده الخبيصي في "التوشيح" شرح "الكافية" قال الكرماني شراح أبياته: يقال فككت الشيء: خلصته، والغل بالضم: واحد الأغلال، يقال: في رقبته غل من حديد، ومرو: اسم بلد معروف، والشاهجان: معرب الشاهان، يعني مرو الملوك، وإنما أضيف إليهم، لأنهم كانوا يسكنونها؛ يصف قومًا كانوا أطلقوه من الأسر، وأعانوه على الأمور، وجعلهم بمنزلة جناحه، وشبههم به، لأنه يحمل صاحب على التصرف، وتمكنه منه. انتهى كلامه.
وقال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": مرو: مدينة بفارس، ومرو الروذ والشاهجان، بكسر الهاء، من بلاد فارس أيضًا، والمرو بالفارسية: المرج، والشاه: الملك، وجان: النفس، فمعنى مرو الشاهجان: مرج نفس الملك، والروذ: الوادي، ومعناه: وادي المرج، لأن إضافتهم مقلوبة، أومرج الوادي على الإضافة الصحيحة. انتهى. وقوله: المرو بالفارسية: المرج، إنما لفظه بالفارسية "مرغ" بالغين المعجمة. ولعل مرو بمعناها في لغة الفرس القديمة المهجورة الاستعمال.
وقد راجعت أشعار الهذليين الذي جمعه السكري، فلم أجد فيه هذا البيت فضلًا عن تتمته، واسم قائله، والله أعلم. ولم يقف أحد على المصراع الثاني من هذا البيت، من خدمة هذا الكتاب، حتى قال ابن الملا الحلبي في شرحه: وإلى الآن لم أقف له على تتمة، فلا أدري أهو صدر بيت أم عجزه. انتهى.
[ ٦ / ٢٥٦ ]
وأنشد بعده قول الفرزدق:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سلت
واستوفينا الكلام عليه في الإنشاد الواحد والثمانين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٠) صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
وصدره:
شجت بذي شبم من ماء محنية
وقبله:
تجلوا عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول
ضمير تجلو المستتر: عائد على "سعاد" المذكورة في مطلع القصيدة، وتجلو: تكشف وتظهر، من جلوت العروس: إذا أبرزتها وأظهرتها، وعوارض، جمع عارض: مفعول تجلو، والعارض: ما بعد الأنياب منا لأسنان، وقيل غير هذا، وذي بمعنى: صاحب، وموصوفه محذوف، أي: عارض ثغر ذي ظلم، بفتح الظاء المعجمة: هو ماء الأسنان، وقيل: بريقها وصفاؤها وشدة بياضها، وإذا: ظرف لتجلو. ومنهل: اسم مفعول من أنهله: إذا أورده النهل: بفتحتين وهو الشرب الأول، والراح: الخمر، ومعلول، من عله يعله، بضم العين وكسرها: إذا سقاه العلل، بفتحتين وهو الشرب الثاني، والمعنى: تشبيه ريح فمها بريح الخمر الطيبة، وخص التشبيه بحال ابتسامها تنبيهًا على لطف أخلاقها، ولأنها وقت الابتسام يظهر للعين محاسن الثغر.
[ ٦ / ٢٥٧ ]
وقوله: شجت، بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير الراح، أي: مزجت، والجملة: حال من الراح بتقدير قد، وقوله: بذي شبم، أي: بماء ذي شبم، بفتحتين، مصدر شبم الماء، من باب فرح: إذا برد، ومحنية، كمفعلة، بكسر العين: ما انعطف من الوادي وانحنى منه، والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصا، والمشمول: الذي هبت عليه ريح الشمال، وجملة "وهو مشمول": حال من ضمير أضحى التامة، كذا قال المصنف هنا، وفي شرح القصيدة، ولا مانع من أن تكون ناقصة مع هذه الجملة الحالية، فإن قوله: بأبطح: صالح لأن يكون خبر أضحى. وقد ذكرنا ما فيه الكفاية في حاشيتنا على شرح المصنف لهذه القصيدة، وتقدم ترجمة ناظمها في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥١) رجلان من مكة أخبرانا إنا رأينا رجلًا عريانا
على أنه روي بكسر همزة "إنا" لأنه محكي بقول محذوف تقديره: وقالا: إنا رأينا. قال أبو الفتح بن جني في "المحسب": روى مجاهد عن ابن عباس في مصحف ابن مسعود: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا) [البقرة/ ١٢٧] وفيه: (والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم) [الزمر/٣] وفيه: (والملائكة باسطوا أيديهم
[ ٦ / ٢٥٨ ]
يقولون أخرجوا) [الأنعام/ ٩٣] قال أبو الفتح: وهذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدر في نحو هذها لأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه، دون أن يكون القول مقدرًا معه، وذلك كقول الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره
فهو عندنا على تقدير: قالا: إنا رأينا، وعلى قولهم لا إضمار قول هنا، لكنه لما كان "أخبرانا" في معنى: قالا لنا، صار كأنه قال: قالا لنا، فأما الأول على إضمار قالا في الحقيقة فلا، وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما تقدره من القول، فصار قاطعًا على أنه مراد فيما يجري مجراه، وكذلك قوله:
يدعون عنتر والرماح كأنها
في من ضم عنتر، أي: يقولون: يا عنتر، وكذلك من فتح الراء وهو يريد يا عنترة، وكذلك: (والْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُم) [الرعد/ ٢٣] أي: يقولون، وقد كثر حذف القول من الكلام جدًا. انتهى.
وقال كذلك عند قوله تعالى: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) [الأعراف/ ٤٩]، قال: وقد اتسع عنهم حذف القول، كقول الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا إلى آخره.
أي: قالوا: إنا رأينا، ولذلك كسر، وهذا مذهب أصحابنا في نحو هذا من إضمار القول. انتهى. ومن الكوفيين الفراء، وهو إمامهم، قال في تفسيره:
[ ٦ / ٢٥٩ ]
وفي قراءة عبد الله: (وهذا لشركائهم) [من الأنعام/ ١٣٦] وهو كما تقول في الكلام: قال عبد الله: إن له مالًا، وإن لي مالًا، وهو يريد نفسه، وقد قال الشاعر:
رجلان من مكة أخبرانا .. إلى آخره.
ولو قال: أخبرانا أنهما رأيا، كان صوابًا. وقال أيضًا عند قوله تعالى: (إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين) [ص / ٧٠] إن شئت جعلت "أنما" في موضع رفع، كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي إلا لأني نبي ونذير، فإذا ألقيت اللام، كان موضع "أنما" نصبًا، ويكون في هذا الموضع: ما يوحى إلي إلا أنك نذير مبين، لأن المعنى حكاية، كما تقول في الكلام: أخبروني إني مسيء، وأخبروني إنك مسيء، وهو كقوله:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره.
والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجاز ذلك. لأن أصله الحكاية. انتهى.
وقوله: رجلان، بكسر النون، مثنى رجل، بسكون الجيم، والأصل ضمها، قال ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة سليمان التيمي: (قالت نملة يا أيها النمل) [النمل/ ١٨] وروي عنه أيضًا: "نملة والنمل" بضمهما، قال أبو الفتح: أما النملة، بفتح النون وضم الميم فأصل النملة، بفتح النون وسكون الميم، لأن فعلًا يخفف إلى فعل: كرجل إلى رجل. قال الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره
فقائل هذا الشعر إما أن يكون له لغتان: رجل ورجل، فإما أن تكون لغته: رجل، بضم الجيم، فاضطر إلى الشعر، فأسكن الجيم. ألا تراه كيف جمع بين رجلان ورجل، ونظير نملة ونمل: سمرة وسمر. انتهى.
[ ٦ / ٢٦٠ ]
وأورد ابن الأنباري البيت في كتاب "الأضداد" قال: ومما يجري مجرى قولهم: راكب وركب، وشارب وشرب، وصاحب وصحب. أنشد الفراء:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره، هذا كلامه.
وضبة: اسم قبيلة. كذا وجدت في جميع المواضع التي ذكر فيه هذا الرجز، وأراد قائله بالرجل العريان: النذير. قال أبو طالب المفضل بن سلمة في كتاب "الفاخر": إنما قالوا: النذير العريان، لأن الرجل إذا رأى الغارة قد فجئتهم، وأراد إنذار قومه تجرد من ثيابه، وأشار بها، ليعلم أن قد فجئهم أمر، ثم صار مثلًا لكل أمر يخاف مفاجأته، ومن ذلك، قول خفاف بن ندبة يصف فرسًا:
نمل إذا ضفز اللجام كأنه رجل يلوح باليدين سليب
وقال آخر: كشخص الرجل العريان، قد فوجئ بالرغب.
ومنه قول الآخر:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره
وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله أعلم.
[ ٦ / ٢٦١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٢) ألم تر أني يوم جو سويقة بكيت فنادتني هنيدة ما ليا
على أن الأصل في التعبير: مالك؛ لأنه خطاب منها له، لكنه عدل عنه، فحكى قولها بالمعنى، لأن المخاطب هو المتكلم، قيل: ويحتمل أن مرادها استفهامها عن حلال نفسها، أي: ما وقع لي حين بكيت؟ فلا يكون من قبيل ما ذكر. انتهى. ولا يخفى أن هذا التخريج لا يلائم البيت الذي بعده، وهو:
فقلت لها إن البكاء لراحة به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا
فإن هذا الجواب لسؤالها: ما لك؟ لا لسؤالها عن حال نفسها، وجملة: "فقلت لها" إلى آخره، معطفة على جملة "فنادتني" فالجواب لذلك الاستفهام إنما هو قوله: إن البكاء لراحة .. إلى آخره، معطفة على جملة "فنادتني" فالجواب لذلك الاستفهام إنما هو قوله: إن البكاء لراحة .. إلى آخره، وجملة "مالك" المعبر عنه بمالي: إما تفسير للنداء، فيكون نداؤها هذا اللفظ بعينه، وإما محكي بقول محذوف، أي: فنادتني، فقالت: ما لك.
وقوله: ألم تر .. خاطب صاحبه بهذا الاستفهام، وقوله: "يوم جو سويقة" يوم من أيام العرب وهي حروبها ووقائعها والأمور العظيمة التي تقع منهم، وقد ألف أبو عبيدة معمر بن المثنى كتابًا حافلًا في أيام العرب مفصلة، وذكرها ابن عبد ربه مجملة في "العقد الفريد" وكذلك أوردها ابن رشيق في كتاب " العمدة" وجو، بفتح الجيم وتشديد الواو، وسويقة: مصغر: سوق، قال العسكري في كتاب "التصحيف": جو سويقة: موضع، وأنشد هذا البيت. وقال أبو عبيد البكري
[ ٦ / ٢٦٢ ]
في "معجم ما استعجم": سويقة: هي قريبة من المدينة المنورة، وبها كانت منازل بني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، ﵃، وحدثنا يموت بن المزرع عن ابن الملاح، عن أبيه، عن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، عن موسى بن عبد الله بن حسن قال: خرجت من منازلنا بسويقة جنح ليل، وذلك قبل خروج محمد أخي، فإذا أنا بنسوة توهمت أنهن خرجن من دارنا، فأدركتني الغيرة عليهن، فاتبعتيهن؛ لإنظر أين يردن، حتى إذا كن بطرف الحي، فالتفتت إلي إحداهن وهي تقول:
سويقة بعد ساكنها يباب لقد أمست أجد بها الخراب
فقالت لهن: أمن الإنس أنتن؟ فلم يراجعنني، فخرج محمد بعد هذا، فقتل وخربت ديارنا، وبالإسناد عن إسماعيل قال: لقيني موسى بن عبد الله فقال لي: هلم حتى أريك ما صنع بنا بسويقة، فانطلقت معه، فإذا نخلها قد عضد من آخره، وديارها ومصانعها قد خربت؛ فخنقتني العبرة، فقال: إليك، فنحن والله كما قال دريد بن الصمة:
تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى مكان البكا لكن جبلت على الصبر
ثن أنشد البكري هذا البيت الشاهد:
ورواه أبو طالب في "الفاخر": "نعف سويقة" وقال: قال الأصمعي: النعف: ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض، وليس بالغليظ، وأنشد الفرزدق:
ألم تر أني يوم نعف سويقة
والنعف، بفتح النون وسكون العين المهملة، وآخره فاء. وقوله: "بكيت" هو الناصب ليوم جو سويقة، فإنه يتعدى بنفسه، يقال: بكيته، وإنما بكى لأجل
[ ٦ / ٢٦٣ ]
خرابها، وهنيدة بالتصغير، قال ابن السيد فيما كتبه على "كامل المبرد": وهنيدة هذه عمة الفرزدق بنت صعصعة بن ناجية، وهي الملقبة "ذات الخمار"؛ لقولها: من جاءت بأربعة يحل لها أن تضع عندهم خمارها كأربعتي، فلها صرمتي: أبي صعصعة، وأخي غالب، وهو أبو الفرزدق، وخالي الأكوع، وزوجي الزبرقان. انتهى.
وقوله: فقلت لها إن البكاء لراحة .. إلى آخره. قد أورد المبرد هذين البيتين نظيرًا لقول رجل، قال أحسبه تميميًا:
لو لم يفارقني عطية لم أهن ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع
شجاع إذا لاقى ورام إذا رمى وهاد إذا ما أظلم الليل مصدع
سأبكيك حتى تنفد العين ماءها ويشفي مني الدمع ما أتوجع
انتهى. قال أبو الوليد الوقشي فيما كتبه على "كامل المبرد": قوله: رجل أحسبه تميميًا هو حكيم بن معية، أحد بني ربيعة الجوع، يرثي أخاه عطية بن معية، ذكر ذلك أبو علي في ذيل الأمالي، وربيعة الجوع هو ربيعة بن مالك بن زيد مناة بان تميم. انتهى.
وقوله: أن لا تلاقيا: "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير شأن محذوف، ولا: نافية للجنس، تلاقي: اسمها مبني معها على الفتح، والألف للإطلاق، وخبرها محذوف، تقديره: له.
والبيتان مطلع قصيدة للفرزدق، أوردها محمد بن المبارك في "منتهى الطلب
[ ٦ / ٢٦٤ ]
من أشعار العرب" وقال: هي أول قصيدة هجا بها جريرًا وقومه، وقال في القصيدة التي فوقها بورقة، ومطلعها:
ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت أسيرًا بدا في قيده حلق الحجل
وقال الفرزدق لجرير، وهي من أول هجائه، وكان سبب ذلك، أن نساء بني مجاشع، لما عمهم جرير بالهجاء، بسبب البعيث، تجمعن وجئن إلى الفرزدق، وكان قد حج وعاهد الله أن لا يهجو أحدًا، وأن يقيد نفسه حتى يحفظ القرآن، ففعل ذلك، وقيد نفسه، فلما شكون إليه ما نزل بهن من هجاء جرير، فض قيده، ثم قال:
ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت .. القصيدة. انتهى.
وقد تقدم منا ذكر هذا قريبًا عند شرح قوله:
ألم ترني عاهدت ربي وإنني .. البيتين.
وغالب من أنشد القصيدة اليائية قال مطلعها:
ألم تر أني يوم جو سويقة
إلا ابن السيد، فإنه قال: مطلعها ما قبل هذا البيت وهو:
قفي ودعينا يا هنيدة إنني أرى الحي قد شام العقيق اليمانيا
وتقدمت ترجمة الفرزدق في الإنشاد الثاني من أول الكتابب.
[ ٦ / ٢٦٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٣) يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
على أن جملة: "يا عنتر" بضم الراء، وتقدير "يا عنتر" محكية بقول محذوف ومفهومه أن فيمن فتح الراء لا يكون كذلك، وليس الأمر كذلك، بل يحتمل وجهين:
أحدهما أن يكون منادى على لغة من ينتظر، فتكون جملة المنادى محكية أيضًا، وقدنص عليهما ابن جني في "المحتسب" قال: من ضم الراء من "عنتر" يكون بتقدير: يقولون يا عنتر، وكذلك من فتح الراء، وهو يريد يا عنترة. انتهى.
والوجه الثاني: أن يكون مفعول يدعون، أي: وينادون عنترة، فيكون الترخيم في غير النداء لضرورة الشعر.
والبيت من معلقة عنترة، وقال الخطيب التبريزي في شرحه: يروى عنتر، بفتح الراء، وهو مرخم عنترة، فيكون ترك ما قبل الحرف الأخير على حاله مفتوحًا، ومن روى: عنتر، بضم الراء، احتمل وجهين أحدهما: أن يكون قد جعل ما بقي اسمًا على حياله، لأنه قد صار صرفًا كحرف الإعراب، والوجه الثاني: ما رواه المبرد عن بعضهم: أنه كان يسمى عنترًا؛ فعلى هذا الوجه لا يجوز إلا الضم، هكذا ذكر النحاس، ويجوز أنيكون عنتر في هذا الوجه منصوبًا بيدعون. انتهى. وهكذا رأيته في شرح النحاس لهذه المعلقة، قال: أشطان: جمع
[ ٦ / ٢٦٦ ]
شطن، وهو حبل البئر، يريد: أن الرماح في صدر هذا الفرس بمنزلة حبال البئر من الدلاء، لأن البئر إذا كانت كثيرة الحزقة، اضطربت الدلو فيها، فجعل لها حبلان لئلا تضطرب، فذانك الحبلان الشطنان، واللبان، بفتح اللام: الصدر والأدهم فرسه. انتهى. يقول: قد كانوا يدعونني في حال إصابة رماح الأعداء صدر فرسي ودخولها فيه، ثم شبهها في طولها بالحبال التي يستقى بها من الآبار، وترجمة عنترة، تقدمت في الإنشاد السابع والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٤) قالت له وهو بعيش ضنك لاتكثري لومي وخلي عنك
على أن الأصل فيه قالت له: أتذكر قولك لي، إذ ألومك في الإسراف والإنفاق: لا تكثري لومي. وهذا من "درة الغواص" للحريري وهذه عبارته فيها: من أبيات المعاني، قول الراجز: قالت له وهو .. إلى آخره، ومعناه: أن هذا الرجل المخاطب كان يبذر في ماله، فإذا عذلته زوجه على إسرافه قال لها: لا تكثري لومي، وخل عنك، فلما نفد ماله، وساءت حاله، قالت له: أما تذكر قولك عند نصيحتي لك: "لا تكثري لومين، وخلي عنك"، وقصدت أن تندمه على إضاعة ماله، وتبين له فيالة رأيه. انتهى كلمه. والضنك: الضيق في كل شيء وهو للمذكر والمؤنث، لأنه مصدر وصف به.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٥) فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
لما ذكره، وهو ظاهر، قال أبو العلاء المعري في شرح "ديوان البحتري": يقولون زعمتك ظاعنًا، والمعنى: زعمت أنك ظاعن، فلما حذفت "أن" وصل الفعل فعمل، وعلى ذلك قول أبي ذؤيب: "إن تزعميني كنت البيت" فالياء الأخيرة في "تزعميني" في موضع نصب، وقوله: "كنت أجهل فيكم" في موضع مفعول ثاني. انتهى.
والبيت من شواهد سيبويه. قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه أعمل "تزعمين" فيما بعده لأنه مقدم عليه، فلا يحسن إلغاؤه، فالضمير المنصوب المتصل المفعول الأول، والجملة في موضع المفعول الثاني، وهو قوله: "كنت أجهل فيكم"، وكذلك موضع أجهل نصبًا، لأنها جملة أيضًا وقعت في موضع المفرد، ويكون خبر كنت، والتقدير: فإن تزعميني كائنًا جاهلًا فيكم. قال السيرافي: الزعم قول يقترن به اعتقاد، وقد يصح ذلك أو لا يصح. وشريت هنا بمعنى اشتريت، وهو من الأضداد، وقوله: فيكم، تقديره: وقت كوني فيكم واصلًا لكم، وحريصًا عليكم، وتلخيص وجه الإعراب فيه، كنت جاهلًا في وقت حبكم، أي: حبي إياكم، فحذف المضافين لفهم المعني، لما في باقي الكلام من الدليل عليه، وكذلك قوله: "بعدك" فيه حذف مضاف، والمعنى: بعد هجرك، أي: بعد هجرك إياك، فالمصدر فيهما مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف، وجمع
[ ٦ / ٢٦٨ ]
قوله: "فيكم" وهو يريد المرأة؛ لإقامة الوزن، وذكر لأنه أراد: من يداخلهما ممن كان يعرف حالهما من رجل وصبي، والجهل: الخلو من المعرفة فهو نقيض العلم. انتهى كلامه باختصار.
قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: ولا يتعين أن يكون الضمير للمرأة، وأنه جمع للتعظيم، بل يجوز أن يكون أرادها وقومها.
والبيت من قصيدة لأبي ذؤيب، وتقدم شرح مطلعها، وهو:
ألا زعمت أسماء أن لا أحبها .. البيت
في الإنشاد الرابع والأربعين بعد الأربعمائة.
قال شارح "أبيات الهذليين" الإمام المرزوقي: الأكثر: زعمت أنه كان يفعل كذا، وأن كان يفعل كذا، وقد جاء: زعمته كان يفعل، فلذا قال: تزعميني، وقال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا) [التغابن/ ٧] وقال جل ذكره: (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا) [الكهف/ ٤٨] ويستشهد أصحابنا بدخوله على "أن" المخففة والمثقلة، على حد ما يدخل "حسب، وظننت" عليهما أنه يتعدى [لمفعولين]. وقد استشهد سيبويه بهذا البيت أيضًا، وأراد أبو ذؤيب الاعتذار إلى المرأة لما قالت له: إنك لا تحبني، فقال: متنصلًا إليها وذاكرًا الوجه الذي تداخلها منه الشك، وأخرجها إلى عتبه وسوء الظن به، يقول، إن احتججت في دعواك علي بأني كنت أستعمل الجهل في حبكم، فأقدم على الأمور المنكرة، وراكب الأهوال المردية، والآن قد كففت، وكنت أتعاطي أيضًا من اللهو الوصبا ما قد كنت اطرحتها لساعة، فذلك دلك على زوال الحب،
[ ٦ / ٢٦٩ ]
وتعقب السلو؛ فليس استدلالك بصحيح، وما حدث لي استغناء عنك، ولا استبدلت بحبك قلاك، ولكنني تحلمت، فجميع ما ترينه وتنكرينه من العادات المستجدة نتئاج الحلم والعقل، فأما الحب فكما كان، والأيام تزيده استحكامًا. وشريت واشتريت بمعنى، وقد رويا جميعًا، وهو هنا مثل. انتهى. وفي كتاب "الأضداد" لابن الأنباري: قال قطرب: شريت بمعنى بعت؛ لغة لغاضرة، وأنشد لأبي ذؤيب:
فإن تحسبيني كنت أجهل فيكم .. البيت.
انتهى. وهذا هو الذي يتبادر إلى الفهم، ويكون بعدك بتقدير: بعد حبك، والله سبحانه أعلم.
وترجمة أبي ذؤيب تقدمت ف الإنشاد الخامس.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الستمائة:
ستعلم ليلى أي دين تداينت وأي غريم في التقاضي غريمها
على أن الصواب في إنشاده نصب "أي" الأولى بتداينت على أنها مفعول به، ورفع "أي" الثانية بجعل جملتها معلقة على الجملة السابقة المعلقة على العمل فيها، ولا يخفى أن الأولى يجوز نصبها على المفعولية المطلقة، والأصل: أي تداين تداينت، فحذف الزائدان.
[ ٦ / ٢٧٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٧) وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولت
هو من قصيدة لكثير عزة أوردناها في الإنشاد السابع والعشرين بعد الستمائة. وعزة، بفتح العين المهملة وتشديد الزاي المعجمة: اسم محبوبته، وصلة "تولت" إن قدر "عني" فهو بمعنى انصرفت وذهبت، وإن قدر "علي" فهو بمعنى استولت، وترجمته تقدمت في الإنشاد التاسع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٨) وكان لي شفيعًا يوم لا ذو قرابة بمعنى فتيلًا عن سواد بن قارب
على أن "يومًا" قد أضيف إلى الجملة الإسمية كالآية، ولا: عاملة عمل ليس، وذو شفاعة: اسمها، وبمغن خبرها، والباء تزاد في خبرها، ولا يجوز أن تكون غير عاملة، وذو شفاعة: مبتدأ، لأن الباء لا تزاد في خبر المبتدأ، وفتيلًا: مفعول مطلق، وهو الذي يكون في شق النواة، وقيل: هو ما يفتل بين الإصبعين من الوسخ، والمراد به القليل الذي لا يعبأ به، أي: إناء قليلًا حقيرًا.
أخرج الطبراني عن محمد بن كعب القرظي قال: بينما عمر بن الخطاب قاعدًا في المسجد، إذ مر رجل في مؤخر المسجد، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أتعرف
[ ٦ / ٢٧١ ]
هذا المار؟ قال: لا، قال: هو سواد بن قارب، وهو رجل من أهل اليمن له فيهم شرف وموضع، وهو الذي أتاه رئيه بظهور رسول الله ﷺ، فقال عمر: علي به، فدعي له. قال: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم، قال: أنت الذي أتاك رئيك بظهور رسول الله، ﷺ؟ قال: نعم، قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك! فغضب غضبًا شديدًا، وقال: يا أمير المؤمنين، ما استقبلني بها أحد منذ أسلمت، فقال عمر: سبحان الله، والله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك؛ أخبرني بإتيانك رئيك بظهور رسول الله ﷺ، قال: نعم يا أمير المؤمنين: بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني رئيي، فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، فالهم واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعوى إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتجاسسها وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما خير الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم وانم بعينيك إلى راسها
قال: ولم أرفع بقوله رأسًا، وقلت: دعني أنم فإني أمسيت ناعسًا، فلما كانت الليلة الثانية، أتاني، فضربني برجله، وقال: ألم أقل لك يا سواد بن قارب قم، فافهم واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتطلابها وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ليس قداماها كأذنابها
قال: فلم أرفع بقوله رأسًا، فلما كانت الليلة الثالثة: أتاني، فضربني برجله،
[ ٦ / ٢٧٢ ]
وقال: ألم أقل لك يا سواد بن قارب افهم واعقل، قد بعث رسول الله، ﷺ، من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وعبادته، ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وأخبارها وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمن الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم بين روابيها وأحجارها
فوقع في نفسي حب الإسلام، ورغبت فيه، فلما أصبحت، شددت على راحلتي وانطلقت متوجهًا إلى مكة، فلما كنت ببعض الطريق، أخبرت أن النبي، ﷺ، قال هاجر إلى المدينة، فأتيت المدينة، فسألت عن النبي، ﷺ، فقيل لي: في المسجد، فأتيت إلى المسجد فعقلت ناقتي، وإذا رسول الله، ﷺ، والناس حوله، فقلت له: اسمع مقالتي يا رسول الله، فقال أبو بكر: ادن ادن، فلم يزل بي حتى صرت بين يديه، فقال: هات فأخبرني بإتيانك رئيك، فقلت:
أتاني نجي بين هدء ورقدة ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليل قوله كل ليلة أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت من ذيل الإزار ووسطت بي الذعلب الوجناء بين السباسب
فأشهد أن الله لا رب غيره وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعًا يوم لا ذو قرابة .. البيت.
قال: ففرح رسول الله، ﷺ وأصحابه بإسلامي فرحًا شديدًا
[ ٦ / ٢٧٣ ]
حتى رئي في وجوههم، قال: فوثب إليه عمر، فالتزمه، وقال: كنت أحب أن أسمع هذا منك. انتهى.
وروي من طريق أخرى بزيادة ونقص، ويروى البيت الشاهد:
يوم لا ذو قرابة سواك بمغن عن سواد بن قارب
يعني: كن لي شفيعًا، يوم لا ذو شفاعة يدافع قليلًا من العذاب عني، وإنما عدل إلى الظاهر استعطافًا منه ليذكر اسمه ونسبه. والرئي، بفتح الراء وكسر الهمزة وتشديد الياء: الذي يأتي إليه من الجن، فيخبره بالأمور، والنجي، بفتح النون وكسر الجيم، مثله، وهو الذي يساره في أذنه، والهدوء: السكون، والذعلب بكسر الذات المعجمة وسكون العين المهملة: الناقة السريعة، والوجناء: الشديدة، والسباسب: جمع سبسب؛ المفازة.
وسواد بن قارب: قيل: من قبيلة دوس، وقيل: من قبيلة سدوس، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٩) ثمت راح في الملبين إلى حيث تحجى المأزمان ومنى
على أن المهدوي قال: "حيث" هنا تجردت عن الظرفية إلى الاسمية، وصارت بمعنى مكان، فالجملة بعدها صفة لها، وعلى كلام المهدوي كان حقها أن تجر بالكسر وتنون، ولا وجه لبقاء بنائها على الضم. وقد يجاب بأنها أشبهت حيث الظرفية في الافتقار إلى جملة الصفة، كقول آخر:
إن حيث استقر من أنت راعيه حمى فيه عزة وأمان
[ ٦ / ٢٧٤ ]
ولم يتعرض في شرحه لهذه المقصورة ابن هشام الخضراوي إلى ذكر "حيث" هنا.
والبيت من مقصورة أبي بكر محمد بن دريد وقبله:
ألية باليعملات ترتمي بها النجاء بين أجواز الفلا
خوص كأشباح الحنايا ضمر يرعفن بالأمشاج من جذب البرا
ثم وصفها ببيتين آخرين وقال:
يحملن كل شاحب محقوقف من طل وتد آب الغدو والسرى
ينوي التي فضلها رب العلى لما دحا تربتها على البنى
حتى إذا قابلها استعبر لا يملك دمع العين من حيث جرى
ثمت طاف وانثنى مستلمًا ثمت جاء المروتين فسعى
وأوجب الحج وثنى عمرة من بعد ما عج ولبى ودعا
ثمت راح في المبين إلى البيت
ثم بعد أبيات أخر ذكر جواب القسم، وهو:
أزال حشو نثرة موضونة حتى أوارى بين أثناء الجثا
قوله: ألية .. إلى آخره. الألية: اليمين والحلف، واليعملة، بفتح الياء والميم: الناقة القوية على العمل، والنجاء: بفتح النون والجيم: السرعة، وأجواز: جمع جوز، بفتح الجيم وآخره زاي معجمة، وجوز الشيء: وسطه: والفلا: جمع فلاة، وهي القفر.
وقوله: خوص كأشباح .. إلى أخره، الخوص: جمع أخوص، وخوصاء، بالخاء المعجمة، والخوصاء: الغائرة العين من الهزال، والأشباح: الأشخاص، والحنايا: جمع حنية –فعيلة- وهي القوس، وضمر: جمع ضامر، وهو المهزول
[ ٦ / ٢٧٥ ]
اللاحق البطن، ويرعفن: من الرعاف وهو خروج الدم من الأنف، والأمشاج: ما يسيل من أنوفها من المخاط المتغير اللون بحمرة أوصفرة، والوحد مشيج، والبرى: جمع برة، بضم أوله: حلقة تكون في أنف البعير من صفر أو حديد.
وقوله: يحملن كل شاحب .. إلى آخره، الشاحب: المتغير اللون، والمحقوقف: المنحني، والتدآب: مواصلة العمل، والغدو: البكور، والسرى: سير الليل.
وقوله: ينوي التي، أي: يقصد مكة، ودحا: بسط، البنى، بضم الموحدة وكسرها جمع بنية كذلك، واستعبر: بكى، وانثنى: رجع، واستلام الحجر الأسود: لمسه باليد.
وقوله: وأوجب الحج .. إلى آخره، أوجب، ألزم نفسه، أي: ألزم نفسه مع الحج عمرة وقرنها به، وعج: رفع صوته بالتلبية.
وقوله: ثمت راح .. إلى آخره. ثمت: مخصوصة بعطف الجمل بخلاف ثم، فإنها تعطف المفرد والجملة، وراح: سار من بعد الزوال إلى الليل، والملبين: جمع ملبي: وهو الذي يقول: لبيك اللهم بيك، وتحجى بالمكان بحاء مهملة فجيم مشددة: إذا أقام به، والمأزمان: جبلان بين المزدلفة وعرفة، ومنى: موضع رمي الجمار.
وقوله: أزال حشو إلى آخره؛ هذا جواب القسم، و"لا" من أوله محذوفة، كقوله تعالى: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف/ ٨٥] أي: لا تفتؤ تذكر، والنثرة: الدرع السابغة، وأراد بحشوها: لابسها، كقول الآخر:
ولنعم حشو الدرع كنت وصابرًا
[ ٦ / ٢٧٦ ]
والموضونة: المحكمة، وأواري: أغطي، وأثناء: جمع "ثنا" بالقصر: وهو تراكب المشي بعضه على بعض، والجثى، بضم الجيم بعدها ثاء مثلثة، جمع جثوة: وهو تراب مجموع أراد به تراب القبر، وقد شرحنا هذه المقصورة في أيام الشباب منذ ثلاثين سنة، وذكرنا ترجمة ناظمها فيه، وترجمناه أيضًا في الشاهد الثامن والسبعين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الستمائة:
(٦٦٠) بآية يقدمون الخيل شعثًا
هذا صدر وعجزه:
كأن على سنابكها مداما
على أن "آية" عند سيبويه مضاف إلى الجملة الفعلية. وهذا نصه في "الكتاب": ومما يضاف إلى الفعل أيضًا "آية" قال الأعشى:
بآية يقدمون الخيل شعثًا البيت
وقال يزيد بن عمرو بن الصعق:
ألا من مبلغ عني تميمًا بآية ما يحبون الطعاما
فـ "ما" لغو. انتهى.
قال السيرافي في شرحه: وأما آية فمعناها: علامة، إلى أن قال: والشاهد في
[ ٦ / ٢٧٧ ]
قوله: تقدمون الخيل شعثًا، وأما قوله: بآية ما يحبون الطعام، فالشاهد فيه إذا جعلت "ما" لغوًا، وليس بلازم جعلها لغوًا، لأنه يحتمل أن يجعل "ما" و"يحبون" مصدرًا، كأنه قال: بآية محبتهم الطعاما، ومثله قول عمر ابن أبي ربيعة:
رآية ما قالت غداة لقيتها بمدفع أكنان أهذا المشهر
انتهى كلامه. فالسيرافي يجوز إضافة "آية" إلى المفرد المؤول من الفعل، وحرف المصدر، بخلاف سيبويه.
وقال النحاس في شرح شواهده: كان أبو إسحاق يرى أنه حكاية، وقال غيره: المراد المصدر، وقال المبرد: إضافة آية إلى الفعل بعيد، وجاز على بعد للزوم الإضافة، لأن آية لا تكاد تفرد إذا أردت بها العلامة. انتهى. ويرد على المبرد قوله تعالى: (وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ) [يس/ ٣٧]، (وآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) [يس/ ٤١].
وقال الأعلم في شرح شواهده: الشاهد فيه إضافة آية إلى "تقدمون" على تأويل المصدر، أي: بآية إقدامكم الخيل. يريد: أن المعنى عليه لا أن الفعل مؤول بحرف مصدري مقدر، إذ الغرض أنه مضاف إلى الجملة من دون سالك، وهذا من باب التجريد، وذلك بأن تجرد الفعل عن أحد مدلوليه وهو الزمان، فيتمحض للحدث، كما قيل في قولهم: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" على رواية الرفع، فيكون "تسمع" مبتدأ و"خير": خبره، وخرج البيضاوي عليه آيات تبعًا لصاحب "الكشاف" منها قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ)
[ ٦ / ٢٧٨ ]
[البقرة/٦] فيكون: أأنذرتهم مبتدأ، وسواء خبره، ويقال له: الميل مع جانب المعنى.
قال الأعلم: وجاز هذا فيها، لأنها اسم من أسماء الفعل، لأنها بمعنى علامة، والعلامة من العلم، وأسماء الأفعال تضارع الزمان، فمن حيث جاز أن يضاف الزمان إلى الفعل، جاز هذا في "آية" وكأن إضافتها على تأويل إقامتها مقام الوقت، كأنه قال: بعلامة وقت تقدمون. يقول: أبلغهم عني كذا بعلامة إقدامهم الخيل للقاء شعثًا متغيرة من السفر والجهد، وشبه ما ينصب من عرقها ممتزجًا بالدم على سنابكها بالخمر، والسنابك: جمع سنبك، وهو مقدم الحافر. انتهى.
أراد: أن ذلك لما صار عادة وأمرًا لازمًا، صار علامة، كأن الشاعر لما حمل إنسان تبيلغ رسالته؛ قال له ذلك الإنسان: بأي علامة يعرف هؤلاء القوم؟ فقال: بعلامة تقديمهم الخيل إلى الحرب، أي: إذا رأيت قومًا بهذه الصفة، فأبلغهم رسالتي، والشعث: جمع أشعث، وهو المغبر الرأس. وقال الدماميني: ضمير تقدمون ضمير غيبة يعود على بني تميم المذكورين قبله، وهو: ألا من مبلغ عني تميمًا .. إلى آخره، وهذا لا يصح، فإن كل بيت منهما من شعر آخر، وليسا من قصيدة لقائل واحد، وكل منهما منسوب إلى قائله كما في "كتاب سيبويه".
قال القاضي أبو الفرج بن زكريا يحيى المافى النهرواني في كتاب "الجليس الصالح والأنيس الناصح": للآية في اللغة ثلاثة أوجه، وفي وزنها ثلاثة أقوال، أما الأول فأحد معانيها: العلامة الفاصلة، كقولك:
ألا أبلغ لديك بني تميم .. البيت
[ ٦ / ٢٧٩ ]
وثانيها: الأعجوبة، قال تعالى في مواضع من كتابه عند ذكره ما أحله من النقيمة بأعدائه: (إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ومَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) [الشعراء/ ٨] بمعنى العجب مما حل بهم عندما كان من تكذيبهم رسل ربهم، والتعبير بالآية عن العقوبات المنكلة كثير في كلام الخاصة من أهل اللسان، كقولهم: قد جعل فلان آية: إذا حل به فظيع من المكروه. ثالثها: أنها المثلة النازلة، ألا ترى أنهم يقولون لمن نزل به شيء من هذا. أو جعل على صفة مذمومة يعير بها، ويسب ويصم بها: فلان آية منزلة. وهذه ثلاثة متقاربة، والأصل العلامة، فإذا قيل: اجعل لكذا آية، فمعناه علامة فاصلة تدل على الشيء بحضورها. وتفقد دلالتها بغيبتها، ألا ترى إلى قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ) [آل عمران/ ٤١] إلى آخر القصة، فإنما سأل ربه أن يجعل له علامة لما وعده وبشره به، فيما جانس هذا مما تضمنه كتاب الله عز ذكره.
وأما الأوجه العربية، فقد اختلفوا في وزنها، فقال الكسائي: أصلها آيية على فاعلة، فكان ينبغي إدغام الياء الأولى في الثانية، فتصير كدابة وشابة، لكنهم استثقلوا التشديد، فحذفوا الأولى. وقال البصريون: أصلها أيية بالتحريك، فقلبت الأولى ألفًا، وقال الفراء: أصلها أية: بفتح الهمزة وتشديد الياء، فاستثقلوا التشديد، فأتبعوا الياء ما قبلها بالفتح، فصارت آية. هذا ملخص ما في كتاب "الجليس الصالح والأنيس الناصح".
وبقي أقوال ثلاثة، أحدها: أن أصلها أيية، بضم الياء الأولى كسمرة، فقلبت العين ألفًا، ورد أنه كان يجب قلب الضمة كسرة. الخامس: أن أصلها أيية كنبقة، بكسر الياء الأولى، فقلبت ألفًا، ورد بأن ما كان كذلك يجوز فيه الفك والإدغام كيحيى وحيي. والسادس: أن أصلها أيية كقصبة كالأول. إلا أنه
[ ٦ / ٢٨٠ ]
أعلت الثانية على القياس، فصار: أياة كحياة، ثم قدمت اللام إلى موضع العين، فصار آية ووزنها فلعة.
والأعشى تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد الستمائة:
(٦٦١) بآية ما كانوا ضعافًا ولا عزلا
على أن "آية" مضافة إلى الجملة الفعلية المنفية. قال الدماميني: يمكن أن يدعى أن ما مصدرية، ولا النافية محذوفة لدلالة ما بعدها عليها، والمعنى: بأية كونهم لا ضعافًا ولا عزلًا. انتهى. وتكلفه ظاهر لعدم تبادر الذهن إليه، وهذا عجز وصدره:
ألكني إلى قومي السلام رسالة
وبعده:
ولا سيئي زي إذا ما تلبسوا إلى حاجة يومًا مخيسة بزلا
وأنشدهما سيبويه في باب "الصفة المشبهة" ونسبهما إلى عمرو بن شأس قال: واعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر أحسن وأكثر من أن لا يكون فيه الألف واللام، لأن الأول في الألف واللام، وفي غيرها ههنا على حال واحدة، وليس كالفاعل، فكان إدخالهما أحسن، كما كان ترك التنوين أكثر، وكان الألف واللام أولى، لأن معناه حسن وجهه، فكما لا يكون هذا -يعني وجهه- إلا معرفة، اختاروا في ذلك المعرفة، والأخرى عربية، كما أن التنوين عربي مطرد، ومن ذلك قوله: هو حديث عهد بالوجع، وقال عمرو بن شأس:
[ ٦ / ٢٨١ ]
ألكني إلى قومي السلام رسالة .. البيتين.
وقال حميد الأرقط:
لاحق بطن بقرًا سمين
انتهى.
قال الأعلم: الشاهد في إضافة "سيئي" إلى "زي" وهو نكرة، وصف أنه تغرب عن قومه بني أسد، فحمل رجلًا إليهم السلام، وجعل آية كونه منهم معرفته بهم ما وصفهم به من القوة على العدو، ووفادتهم على الملوك بأحسن الزي، ومعنى ألكني: بلغ عني، وكن رسولي، وهو من الألوكة، وهي الرسالة، والعزل: الذين لا سلاح معهم، واحدهم: أعزل، ومعنى: تلبسوا: ركبوا، ويروى: "ترحلوا" والمخيسة: المذللة بالركوب، يعني: الرواحل، والبزل: المسنة، واحدها بازل، وهو جمع غريب. انتهى.
وقال ابن خلف: الشاهد في تنكير "زي" وترك إدخال الألف واللام عليه، وهذا على من قال: مررت برجل حسن وجهه، ومن قال: بحسن الوجه، قال: سيئ الزي، ومن قال: الحسن الوجه، قال: بسيء الزي، ومن قال: بحسن وجهًا، قال: سيئين زيًا، وصف أنه تغرب عن قومه بني أسد، فحمل رجلًا منهم السلام، وجعل آية كونه منهم معرفته بهم بما وصفهم به من القوة على العدو، ووفادتهم على الملوك بأحسن الزي. وقوله: ألكني: بلغهم رسالتي، والألوكة: الرسالة قال لبيد:
وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل
ويقال: ألوكة أيضًا، وأراد ألئكني، فخفف الهمزة، وليس قولهم: ألكني
[ ٦ / ٢٨٢ ]
من لفظ الألوكة، وفيه قلب، ورسالة: بدل من السلام، كأنه قال: ألكني إلى قومي رسالة، والآية: العلامة، وما: جحد، والعزل: جمع أعزل، وهو الذي ليس معهم السلاح، وسيئي: منصوب معطوف على ما تقدم. وقوله: تلبسوا، يريد به لبسوا ثيابهم، وإلى حاجة: متعلق به، والمخيسة: المذلله من الإبل، والمحبوسة، ونصب مخيسة بإضمار فعل، كأنه قال: إذا ما تلبسوا وركبوا مخيسة بزلًا، ويجوز أن ينصب بـ "تلبسوا"، ويكون تقديره: إذا لبسوا يومًا مخيسة، يريد: شدوا عليها الرحال وزينوها، ويكون مثل قولهم: بينت الشيء وتبينته: إذا استبنته في معنى واحد، والبزل: جمع بازل وهو جمع غريب، وهو الذي مضت له تسع سنين، ودخل في العاشرة، والذي وقع في شعره:
إلكني إلى قومي السلام ورحمة الإله فما كانوا ضعافًا ولا عزلًا
ولا سيئي زي إذا ما تلبسوا لبعض الهوى أدما مخيسة بزلا
انتهى كلام ابن خلف.
وقال المصنف: ينبغي أن يكون ألكني على حذف الجار، أي: ألك عني، والزي، بالكسر: اللباس والهيئة.
والشاعر هو: عمرو بن شأس، بن عبيد بن ثعلبة الأسدي، وعمرو له صحبة، وشهد القادسية، وله فيها أشعار، قال ابن الأعرابي: عمرو بن شأس الأسدي أدرك الإسلام وهو شيخ كبير، وكان له ابن يسمى عرارًا –بمهملات- من أمة له سوداء، وكانت له امرأة تعير عرارًا بسواده، وتشتمه وتؤذيه، وجهد عمرو أن يصلح بينهما، فلم يقدر، وجعل الشر يزيد بينهما، فقال لها: يا أم حسان أرى تحاملك على ابني عرار، وتعييرك له بالسواد! فكفي عنه، فلم تقبل، فطلقها، وقال قصيدة منها:
[ ٦ / ٢٨٣ ]
أرادت عرارًا بالهون ومن يرد عرارا لعمري بالهوان لقد ظلم
فإن عرارا إن يكن غير واضح فإني أحب الجون ذا المنكب العمم
فإن كنت مني أو تريدين صحبتي فكوني له كالسمن ربت به الأدم
وإلا فبيني مثل ما بان راكب تيمم خمسًا ليس في سيره أمم
قال ابن الأعرابي: هذه القصيدة قالها في الإسلام، ثم إنه بعدما طلقها، ندم وقال فيها أشعارً. قال ابن سلام الجمحي: لما قتل الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث بعث برأسه مع عرار بن عمرو إلى عبد الملك بن مروان، فكان كلما سأله عن أمر يخبره بأحسن جواب، وأعذب بيان، فتجب عبد الملك من فصاحته وفطنته مع سواده، وقال متمثلًا:
وإن عرارًا إن يكن غير واضح .. البيت.
فضحك عرار، فقال عبد الملك: ما هذا الضحك؟ فقال عرار: أتعرف يا أمير المؤمنين عرارًا؟ فقال: لا، قال: أنا والله عرار الذي قيل فيه هذا الشعر، فضحك عبد الملك وتعجب من هذا الاتفاق، وأحسن جائزته.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد الستمائة:
(٦٦٢) بآية ما يحبون الطعاما
على أن "ما" فيه عند أبي الفتح مصدرية، وتقدم النقل عن سيبويه أن "ما" زائدة، وأية مضافة إلى الجملة، قال الأعلم: الشاهد فيه إضافة "آية" إلى "تحبون" وما: زائدة للتوكيد، ويجوز أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر كإضافتها إلى سائر الأسماء. انتهى. ومفعول مبلغ: محذوف، أي: رسالة، كأنه لما قال: من مبلغ تميمًا عني رسالة؛ قيل له: بأي علامة يعرفون؟ فقال: بعلامة حبهم الطعام، وحرصهم عليه، يريد: إذا رأيت قومًا يحبون الطعام، فاعلم أنهم تميم، فبلغهم رسالتي، وروى صدره المبرد في "الكامل" كذا:
ألا أبلغ لديك بني تميم
وقال ابن السيد، فيما كتبه على "الكامل": هذا من الغلط، وإنما الرواية:
ألا أبلغ لديك بني تميم بأية ما بهم حب الطعام
وبعده:
أجارتها أسيد ثم أودت بذات الضرع منها والسنام
وليس أبو العباس المبرد بأول من غلط فيه من الفحول النحويين. انتهى.
والشعر ليزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي، وسبب هجوه بني تميم أن بني عوف ابن عمرو بن كلاب جاور بني أسيد بن عمرو بن تميم، فأجلوهم عن مواضعهم، فقال يزيد هذا الشعر، وفي "أيام العرب" لأبي عبيدة: نزل يزيد بن الصعق قريبًا من بني أسيد بن عمرو بن تميم، واستجارهم لإبله، فأجاروه، ثم أغار عليه ناس منهم، فذهبوا بها، فقال يزيد هذين البيتين. انتهى.
[ ٦ / ٢٨٥ ]
وقد أجابه أوس بن غلفاء الهجيمي بقصيدة منها:
فإنك من هجاء بني تميم كمزداد الغرام إلى الغرام
هم تركوك أسلح من حبارى رأت صقرًا وأشرد من نعام
وهم ضربوك أم الرأس حتى بدت أم الشئون من العظام
وبنو تميم يعيرون بحب الطعام والشره فيه، وقد أوردنا ما يتعلق به مع شرح هذه الأبيات، وبسطنا الكلام عليه في الشاهد السادس والتسعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
ويزيد هو يزيد بن عمرو بن خويلد الكلابي جاهلي، وخويلد يقال له: الصعق، لأنه عمل لقومه طعامًا بعكاظ، فجاءت ريح بغبار فسبها ولعنها، فأرسل الله عليه صاعقة فأحرقته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد الستمائة:
(٦٦٣) لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم فلا يك منكم للخلاف جنوح
على أن "لدن" مضاف إلى الجملة الفعلية، والمسالمة: مفاعلية من السلم، وهو الصلح بترك الحرب، ووفاقكم: مفعول لزمنا، وهو مصدر وافقه، وكذلك الخلاف مصدر خالف، والجنوح: صدر جنح إليه؛ إذا مال نحوه.
[ ٦ / ٢٨٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد الستمائة:
(٦٦٤) خليلي رفقا ريث أقضي لبانة من العرصات المذكرات عهودا
على أن "ريث" مضافة إلى الجملة الفعلية، وخليلي: منادى، مثنى خليل، مضاف إلى ضمير المتكلم، ورفقًا: مفعول مطلق، وعامله محذوف، أي: ارفقا رفقًا بمقدار ماأقضي حاجتي من عرصات الحبيبة المذكرات عهودًا بين وبينها، فتمهلا علي حتى أبكي بها ساعة، فإنها أذكرتني عهودًا بيننا، واللبانة، بالضم: الحاجة، والعرصة: بسكون الراء: المكان المتسع أمام الدار، وفعلة: إذا كانت اسمًا يحرك عينها الساكن بالفتح للتخفيف، والمذكر: اسم فاعل، والعهد: الموثق والذمة، والأمور المعروفة السابقة، وزعم الدماميني أن العهد هنا: المنزل الذي لا يزال القوم إذا ذهبوا عنه رجعوا إليه، وهذا ذهول منه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد الستمائة:
(٦٦٥) من لد شولًا فإلى إتلائها
كذا أنشده سيبويه غفلًا، ولم يعرف بقيته، وهو بيت من مشطور الرجز، والشول، بفتح الشين المعجمة: النوق التي خف لبنها، وارتفع ضرعها، وأتى
[ ٦ / ٢٨٧ ]
عليها من نتاجها سبعةأشهر أو ثمانية، الواحدة: شائلة، وهو جمع على خلاف القياس، وقيل: اسم جمع، وقيل: هو مصدر شالت الناقة بذنبها، أي: رفعته للضراب، فهي شائل بغير تاء، والجمع شول، كراكع وركع، فيكون التقدير: منلدن شالت شولًا، وقد يرجح الأول برواية الجرمي "من لد شولا" بغير تنوين، على أن أصله شولاء، بالمد، فقصر للضرورة، فيكون المحدث عنه ناقة واحدة لا نوق، ويرجح الثانية بأنه روي "من لد شول" بالجر، ولا يقال: من لد نوق. كذا في شرح المصنف لأبيات ابن الناظم. والإتلاء، بكسر الهمزة وسكون المثناة الفوقية وبالمد: مصدر أتلت الناقة؛ إذا تلاها ولدها، أي: تبعها، فهي متلوة، والولد تلو، بالكسر وسكون اللام، والأنثى تلوة، والجمع أتلاء، بفتح الهمزة.
وأنشد بعده، هو الإنشاد السادس والستون بعد الستمائة:
(٦٦٦) قول يا للرجال ينهض منا مسرعين الكهول والشبانا
على أن جملة الاستغاثة وهي: "يا للرجال" -بفتح اللام- مضاف إليها، وفي محل نصب لكونها محكية بالقول، وقول: مبتدأ، وجملة: "ينهض" خبر المبتدأ، مضارع أنهضه: إذا أقامه، والكهول: مفعوله، ومسرعين: حال منه ومن الشبان، والكهل: من وخطه الشيب، والشاب: الفتى من الإنسان. يقول: إذا استغاث بنا ملهوف، فعند قوله: يا للرجال؛ يقوم الكبير والصغير بسرعة لنصره.
[ ٦ / ٢٨٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الستمائة:
(٦٦٧) فأجبت قائل كيف أنت بصالح حتى مللت وملني عوادي
قائل: مفعول أجبت، وهو مضاف، وجملة: "كيف أنت" مضاف إليها، والباء متعلقة بأجبت، وصالح بالرفع على الحكاية: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنا، ويجوز جره على الظاهر، ويكون صفة لموصوف محذوف تقديره: بقول صالح، وجواب حسن، والملل: السآمة، وفعله كفرح، والعواد، جمع عائد: وهو الذي يأتي لزيارة المريض، قال الدماميني: وليس بخاف عنك أنه لا ينبغي أن يعد هذا البيت والذي قبله من قبيل ما هو بصدده، لأن الجملة التي أضيف كل من "قول" و"قائل" مراد بها لفظها، فهي في حكم المفرد، وليس الكلام فيه. وأجاب الشمني بأنا لا نسلم أنا لكلام ليس فيه، بل الكلام فيما هو أعم منه.
وأنشد بعده:
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثمانين.
[ ٦ / ٢٨٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الستمائة:
(٦٦٨) وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب ما لي ولا حرم
هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، مدح بها هرم بن سنان المري، وقبله:
إن البخيل ملوم حيث كان ولكن الجواد على علاته هرم
هو الجواد الذي يعطيك نائله عفوًا ويظلم أحيانًا فيظلم
العلات، بالكسر: الحالات: أي: على ما ينوبه من قلة ذات يد، وهرم، بفتح الهاء وكسر الراء: اسم الممدوح، وهو هرم بن سنان بن أبي حارثة المري، من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وقد استشهد علماء البديع بهذا البيت على حسن التخلص، والنائل: العطاء، والعفو: السهل من غير مطل ولا تعب، ومعنى: ويظلم أحيانًا إلى آخره: يطلب منه في غير وقت الطلب ولا موضعه فيعطي، جعل السؤال منه في غير وقته ظلمًا، وجعل إعطاءه ما سئل على تلك الحال، وتكلفه لذلك اظلامًا، فقوله: فيظلم، بالإدغام بالظاء والطاء، وأورده سيبويه شاهدًا على الإدغام بالوجهين، قال الأعلم: الشاهد فيه قلب الطاء من يظطلم ظائ معجمة، والأقيس الأكثر: فيطلم بطاء مهملة. وروي "فيظطلم" على الأصل، وروي أيضًا "فينظلم" وهذه ينفعل.
وقوله: وإن أتاه خليل البين، هذا ايضًا من شواهد سيبويه وهذا نصه: وقد تقول: إن أتيتني آتيك، أي آتيك إن أتيتني، قال زهير: وإن أتاه خليل
[ ٦ / ٢٩٠ ]
البيت. ولا يحسن: أن تأتني آتيك، من قبل أن "إن" هي العاملة، وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي:
يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع
أي: إنك تصرع إن يصرع أخوك، ومثل ذلك قول آخر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
أي: المرء ذئب إن يلق الرشا. قال الأصمعي: هو قديم أنشدنيه أبو عمرو. انتهى.
وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع "يقول" على نية التقديم، والتقدير: يقول إن أتاه خليل، وجاز هذا، لأن "إن" غير عاملة في اللفظ، والمبرد يقدره على حذف الفاء، أي: فيقول. انتهى.
والخليل: الفقير المختل الحال من الخلة –بالفتح- بمعنى الفقر والاختلال، والمسألة: السؤال والاستعطاء، وروي بدله "مسغبة" أي: مجاعة وقحط، وقوله: لا غائب مالي، أي: لا يعتذر بغيبة ماله، ولا يحرم سائله، قال الأعلم في "شرح الأشعار الستة": روي "حرم" بفتحتين وبفتح فكسر: وهم الممنوع، وقيل: هو الحرام، أي: ليس بحرام أن يعطى منه. انتهى.
والظاهر أن "لا" هنا مهملة، وأصلها النافية للجنس، فإنها إن تأخر اسمها أو كان معرفة، وجب إلغاؤها وتكريرها، فإن مالي مبتدأ، وغائب خبره، ولا يجوز أن تكون هنا عاملة عمل ليس، لأنها تعمل في النكرات، ومن العجب قول العيني:
[ ٦ / ٢٩١ ]
لا: بمعنى ليس، وغائب: اسمها، ومالي: خبرها، ولا حرم: عطف على اسم ليس. انتهى. وقوله: لا حرم، فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوف على غائب بتقدير ذو، وبتأويله باسم المفعول، والتقدير: لا مالي غائب، ولا ذو حرمان، أو: ولا محروم من طالبه، أي: بممنوع، وهذا من قبيل عطف مفرد على مفرد، ولا يجوز أنيبقى حرم على مصدريته مرادًا به المبالغة، لأن مقام المدح يأباه، إذ لا يلزم من نفي الحرمان البليغ نفي مطلق الحرمان، وثانيهما: أنه مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: ولا عندي حرمان، وهذا من قبيل عطف الجمل. وترجمة زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الستمائة:
(٦٦٩) فأبلوني بليتكم لعلي أصالحكم وأستدرج نويا
أول من استشهد به من النحويين الفراء: أورده في عدة مواضع في تفسيره، فأول موضع أورده فيه عند قوله تعالى: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) [الآية/ ١٤٨] من سورة البقرة قال: إذا رأيت حروف الاستفهام قد وصلت بـ "ما" مثل: أينما، ومتى ما، وأيما، وحيثما، وكيفما، كانت جزاء ولم تكن استفهامًا، فإذا لم توصل بـ "ما" كان الأغلب عليها الاستفهام، وجاء فيها الجزاء، فإذا كانت جزاء، جزمت الفعلي. فإن أدخلت الفاء في الجواب، رفعت الجواب، كقوله تعالى: (ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ) [البقرة/ ١٢٩] فإذا كانت استفهامًا رفعت الفعل الذي يلي أين وكيف، ثم تجزم الفعل الثاني: ليكون جوابًا للاستفهام بمنى الجزاء، كقوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ
[ ٦ / ٢٩٢ ]
أَلِيمٍ) [الصف/ ١٠] ثم أجاب الاستفهام بالجزم، فقال تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [الصف/ ١٢] فإذا أدخلت في جواب الاستفهام فاء، نصبت، كما قال تعالى: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) [سورة المنافقين/ ١٠] فنصب.
فإذا جئت إلى العطوف التي تكون في الجزاء وقد أجبته بالفاء؛ كان لك في العطف ثلاثة أوجه: إن شئت، رفعت العطف: كقولك: إن تأتني فإني أهل ذاك، وتؤجر وتحمد، وهو وجه الكلام، وإن شئت جزمت، وتجعله كالمردود على موقع الفاء، والرفع على ما بعد الفاء، وقد قرأت القراء: (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم) [الأعراف/ ١٨٦] ويذرهم: رفع وجزم. وكذلك: (إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإن تُخْفُوهَا وتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ويُكَفِّرُ) [البقرة/ ٢٧١] جزم ورفع، ولو نصبت على ما تنصب عليه عطوف الجزاء إذا استغنى لأصبت، وإن جزمت عطفًا بعدما نصبت، ترده على الأول، كان صوابًا، وهو كثير في الشعر والكلام، وأكثر ما يكون النصب في العطوف إذا لم تكن في جواب الجزاء الفاء، فإذا كانت الفاء فهو الرفع والجزم.
وإذا أجبت الاستفهام بالفاء، فنصبت فانصب العطوف، وإن جزمتها فصواب، من ذلك قوله تعالى في المنافقين: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) [الآية/ ١٠] رددت وأكن على موضع الفاء، لأنها في محل جزم، إذ كان الفعل إذا وقع مقعها بغير الفاء جزم، والنصب على أن ترده على ما بعدها، فتقول: "وأكون" وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: "وأكون" بالواو وقد قرأ بها بعض القراء، وأرى ذلك صوابًا، لأن الواو ربما حذفت من الكتاب، وهي تراد لكثرة ما تنقص وتزاد في الكلام، ألا ترى أنهم يكتبون الرحمن
[ ٦ / ٢٩٣ ]
وسليمن بطرح الألف، والقراءة بإثباتها، وقد أسقطت الواو من: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) [العلق/ ١٨]، ومن قوله: (ويَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ) الآية [الإسراء/ ١١] والقراءة على نية إثبات الواو، فهذا شاهد على جواز: (وأكون من الصالحين).
وقال بعض الشعراء:
فأبلوني بليتكم لعلي أصالحكم وأستدرج نويا
فجزم "وأستدرج" فإن شئت رددته إلى موضع الفاء المضمرة في لعلي، إن شئت جعلته في موضع رفع، فسكنت الجيم لكثرة توالي الحركات، وقد قرأ بعض القراء: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) بالجزم، وهو ينوون الرفع، وقرؤوا: (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) والرفع أحب إلي من الجزم. وهذا آخر كلامه.
وقال أيضًا في سورة المنافقين، يقال: كيف جزم "وأكن" وهي مردودة على فعل منصوب، فالجواب في ذلك أن الفاء لو لم تكن في "فأصدق" كانت مجزومة، فلما رددت وأكن، ردت على تأويل الفعل لو لم تكن فيه الفاء، ومن أثبت الواو، رده على الفعل الظاهر فنصبه، وهي في قراءة عبد الله: (وأكون من الصالحين) وقد يجوز نصبها في قراءتنا، وإن لم تكن فيها الواو؛ لأن العرب تسقط الواو في بعض الهجاء، كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه، ورأيت في بعض مصاحف عبد الله: (فقولا) فقلا بغير واو. انتهى كلامه.
وآخر موضع أورده عند قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ) [الآية/ ٨] من سورة التحريم قال: ولو قرأ قارئ: (ويدخلكم) جزمًا، لكان وجهًا، لأن الجواب في "عسى" فيضمر في "عسى" الفاء، وينوي
[ ٦ / ٢٩٤ ]
بالدخول أن يكون معطوفًا على موضع الفاء، ولم يقرأ به أحد. ومثله: (فَأَصَّدَّقَ وأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون/ ١٠] ومثله قول الشاعر:
فأبلوني بليتكم لعلي .. البيت
فجزم، لأنه نوى الرد على "لعلي" انتهى كلامه.
وأنشده أيضًا أبو علي الفارسي في مواضع من "الحجة" فأول موضع أنشده فيه عند قوله تعالى: (ويُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) [البقرة/ ٢٧١] قال: من قرأ: "ونكفر عنكم" فرفع كان رفعه من وجهين، أحدهما: أن يجعله خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ونحن نكفر، والأخر: أن يستأف الكلام ويقطعه مما قبله، فلا يجعل الحرف العاطف للإشراك، ولكن لعطف جملة على جملة. وأما من جزم، فإنه حمل الكلام على موضع قوله: (فهو خير لكم) لأن قوله: (فهو خير لكم) في موضع جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم؛ لجزم، فقد علمت أن قوله: "خير لكم" في موضع جزم، فحمل قوله "ونكفر"على الموضع، ومثل هذا في الحمل على الموضع أن سيبويه زعم أن بعض القراء قرأ: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ) [الأعراف/ ١٨٦] لأن قوله: "فلا هادي له" في أنه في موضع جزم، مقل قوله: "فهو خير لكم" ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) حمل قوله: "وأكن" على موضع قوله: "فأصدق" لأن هذا موضع فعل مجزوم، ولو قال: إلى أجل قريب أصدق، لجزم، فإذا ثبت أن قوله: "فأصدق"
[ ٦ / ٢٩٥ ]
في موضع فعل مجزوم، حمل قوله: "وأكن عليه، ومثل ذلك قول الشاعر:
أني سلكت فإنني لك كاشح وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد
فحمل قوله: وأزدد، على موضع قوله: فإنني لك كاشح، ومثله قول الآخر: وأظنه أبا دواد:
فأبلوني بليتكم لعلي أصالحكم وأستدرج نويا
انتهى كلامه.
وأورد في سورة المنافقية أيضًا قال: قرأ أبو عمرو: "وأكون" وحده بواو، وقرأ الباقون و"أكن" بغير واو. من قال: "فأصدق وأكن" عطف على موضع قوله: "فأصدق" لأن "فأصدق" في موضع فعل مجزوم، ألا ترى أنك إذا قلت: أخرني أصدق، كان جزمًا بأنه جواب الجزاء، وقد أغنى السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني، فإن تؤخرني أصدق، فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جزاء الشرط، حمل قوله "وأكن" عليه مثل ذلك قراءة من قرأ: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ) [الأعراف/ ١٨٦] لما كان "لا هادي" في موضع فعل مجزوم حمل "يذرهم" عليه، ومثل ذلك قول الشاعر:
فأبلوني بليتكم لعلي أصالحكم وأستدرج نويا
حمل "وأستدرج" على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من لعلي، وكذلك قوله:
أيًا سلكت فإنني لك كاشح وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد
حمل "وأزدد" على موضع الفاء وما بعدها، فأما قول أبي عمرو "وأكون"
[ ٦ / ٢٩٦ ]
فإنه حمله على اللفظ دون الموضع، وكان الحمل على اللفظ أولى، لظهوره في اللفظ وقربه، ولأن ما لا يظهر إلى اللفظ لانتفاء ظهوره، قد يكون في بعض المواضع بمنزلة ما لا حكم له، وزعموا أن في حرف أبي "فأصدق وأكون". انتهى كلامه.
وأورده ابن جني أيضًا في باب الساكن والمتحرك من "الخصائص" قال: وأما قول أبي دواد:
فأبلوني بليتكم لعلي .. البيت.
فقد يمكن أن يكون أسكن المضموم تخفيفًا واضطرارًا، ويمكن أيضًا أن يكون معطوفًا على موضع لعلي، لأنه مجزوم جواب الأمر، كقولك: زرني فلن أضيعك حقك وأعطك ألفًا، أي: زرني أعرف حقك وأعطك ألفًا. انتهى.
والبيت ثاني بيتين لأبي دواد الإيادي، وقبله:
ألم تر أنني جاورت كعبًا وكان جوار بعض الناس غيا
قال شارح ديوانه: زعموا أن أبا دواد جاور هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة ابنمالك بن زيد مناة بن تميم، وكان –زعموا- قد أسن، وأتى عليه دهر طويل، فبينما الغلمان يلعبون في مستنقع ماء، ويتغاطسون إذ غطسوا ابن أبي دواد، فمات في ذلك الغطاس، فقال أبو دواد هذين البيتين. ونوى: أراد نواي من النية. والنية: الوجه الذي تريده، وأستردج: من قولك: رجع أدراجه، أي: من حيث جاء، وإنما كان أستردج بالرفع، فسكن لكثرة الحركات، فلما سمع هذا الشعر هلال أمر بنيه، فأخرجوه إلى نادي قومه، فقال: ألا تروني: لا والذي يحلف به لا يبقى غلام شهد ابن أبي دواد إلا قتلته بابن أبي دواد حى يرضى،
[ ٦ / ٢٩٧ ]
فمضوا إلى أبي دواد، وأعطوه حتى رضي، وزعموا أن هلالًا قال لأبي دواد: احتكم عليهم حكم الصبي على أهله. انتهى.
وكعب هذا هو أحد الأجواد المشهورين. قال ابن السيد، فيما كتبه على "كامل المبرد": كعب ابن مامة الإيادي هو جار أبي دواد الذي ضرب به المثل، فقال فيه الشاعر:
أطوف ما أطوف ثم آوي إلى جار كجار أبي دواد
وقيل: بل هو الحارث بن همام، وكان أسر أبا دواد وناسًا من قومه، فأطلقهم، وأكرم أبا دواد، وأجاره فمدحه أبو دواد، فأعطاه، ومات له ابن، فوداه، وحلف أن لا يذهب له شيء إلا أخلفه له، ويقال: إن ولدًا لأبي دواد لعب مع صبيان في غدير، فغمسوه، فمات، فقال الحارث: لا يببقى صبي في الحي إلا غرق، فودي ابنه بديات كثيرة. انتهى كلامه.
والجار معناه: المجير والمستجير أيضًا. وجوار بضم الجيم، قال صاحب "المصباح": وجاوره مجاورة وجوارًا من باب قاتل، والاسم الجوار بالضم: إذا لاصقه في السكن، وقوله: فأبلوني بليتكم .. إلى آخره، قال الأزهري في "التهذيب": يقال: أبلاه الله يبليه [إبلاء حسنًا]: إذا صنع به صنيعًا جميعًا، والبلاء: الاسم، والبلية: الناقة التي تعقل عند قبر صاحبها، فلا تعلف حتى تموت، وجمعها: البلايا. وكان أهل الجاهلية فعالين لذلك، ويقال: قامت مبليات فلان ينحن عليه،
[ ٦ / ٢٩٨ ]
وهن النساء اللواتي يقمن حول راحلته، فينحن إذا مات أو قتل. انتهى كلامه. وفي "القاموس": البلية: الناقة يموت ربها، فتشد عند قبره حتى تموت، كانوا يقولون: حتى يحشر عليها صاحبها. انتهى.
وروى أبو علي القالي في شرح هذا الديوان: فأبلوني بلاءكم. وقوله: نويا الألف للإطلاق، وأصله نواي، فقلبت الألف ياء، وأدغمت في ياء المتكلم، وهي لغة هذيل، وقرئ بها في الشواذ في "هداي" من سورة البقرة [الآية/ ٣٠]، قال ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة النبي، ﷺ، وأبي الطفيل وغيره "هدي"، وهذه لغة فاشية في هذيل وغيرهم أن يقلبوا الألف في آخر المقصور إذا أضيفت إلى ياء المتكلم ياء، قال لي أبو علي: وجه قلب هذه الألف لوقوع ياء ضمير المتكلم بعدها أنه موضع ينكسر فيه الصحيح نحو: هذا غلامي، ورأيت صاحبي، فلما لم يتمكنوا من كسر الألف، قلبوها ياء، فقالوا: هذه عصي وهذه قفي، أي: عصاي وقفاي، وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزيديون لما لم يتمكنوا من كسر الألف للجر، قلبوها ياء، ولا يجوز على هذا أن تقلب ألف التثنية لهذه الياء، فتقول: هذان غلامي، لما فيه من زوال علم الرفع، ولو كانت ألف عصاي ونحوها علمًا للرفع؛ لم يجز فيها عصي. انتهى.
وقال أيضًا في سورة يوسف: قرأ أبو الطفيل وغيره: "يا بشري" هذه لغة فاشية، قال لي أبو علي: إن قلب هذه الألف لوقوع الياء بعدها ياء، كأنه عوض مما كان يجب فيها من كسرها لياء الإضافة بعدها، ككسرة ميم غلامي، وباء صاحبي، ومن قلب هذه الألف لوقوع هذه الياء بعدها ياء لم يفعل ذلك في ألف التثنية، نحو:
[ ٦ / ٢٩٩ ]
غلاماي، كراهة التباس المرفوع بالمنصوب والمجرور. فإن قيل: هلا قلبوها، وإن صار لفظ ما هي فيه إلى لفظ المجرور، كما صار لفظ المرفوع والمنصوب جميعًا إلى لفظ المجرور في نحو: هذا غلامي، ورأيت غلامي، قيل: قلب الألف لوقوع الياء بعدها [ياء] أغلظ من قلب الضمة والفتحة كسرة، وذلك أن الجناية على الحرف أغلظ من الجناية على الحركة، فاحتمل ذلك في: هذا غلامي، ورأيت غلامي، ولم يحتمل نحو: هذان غلاماي، وما جرى مجراه، إلى آخر ما ذكره. وقد أفرد لهذا ونحوه بابًا في "الخصائص" وبسط الكلام عليه، وسماه: باب الحكم المعلول بعلتين.
وأبو دواد الشاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائة.
وأنشد بعده:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان
وتقدم شرحه في الإنشاد الثامن والثلاثين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الستمائة:
(٦٧٠) أقول له ارحل لا تقيمن عندنا
تمامه:
وإلا فكن في السر والجهر مسلما
على أن جملة "لا تقيمن عندنا" بدل من جملة "ارحل"، والثانية أوفي بتأدية المراد من الأولى، والبيت من شواهد "تلخيص المفتاح" قال بعد إنشاده: فإن المراد
[ ٦ / ٣٠٠ ]
به -أي: بقوله: ارحل- كمال إظهار الكراهة لإقامته، وقوله: لا تقيمن عندنا أوفي بتأديته لدلالته عليه بالمطابقة. قال السعد في "المطول": فإن قلت: قوله: لا تقيمن عندنا إنما يدل بالمطابقة على طلب الكف عن الإقامة، لأنه موضوع النهي، وإما إظهار كراهة المنهي، فمن لوازمه ومقتضياته، فدلالته عليه تكون بالالتزام دون المطابقة. قلت: نعم، ولكن صار قولنا: لا تقم عندي بحسب العرف حقيقة في إظهار كراهة إقامته وحضوره، حتى إنه كثيرًا ما يقال: لا تقم عندي، ولا يراد كفه عن الإقامة، بل مجرد إظهار كراهة حضوره، والتأكيد بالنون دال على كمال هذا المعنى، فصار: "لا تقيمن عندنا" دالًا على كمال إظهار الكراهة لإقامته بالمطابقة. انتهى المراد منه.
والبيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧١) ذكرتك والخطي يخطر بيننا وقد نهلت منا المثقفة السمر
هو أول أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في أول "الحماسة"، وبعده:
فو الله ما أدري وإني لصادق أداء عراني من حبابك أم سحر
فإن كان سحرًا فاعذريني على الهوى وإن كان داء غيره فلك العذر
قال ابن جني في "إعراب الحماسة: قوله: وقد نهلت منا المثقفة السمر، منصوب الموضع إلا أنه بدل من قوله والخطي يخطر بيننا، وذلك منصوب بقوله ذكرتك، وجاز إبداله منه لما في الثاني من البيان الزائد على ما في الأول، ألا ترى أنه قد يخطر الخطي بينهم، ثم لا يكون مع ذلك ناهلًا، بأن يكون تجاول من غير تطاعن، وقد جاء به شاعرنا فقال:
[ ٦ / ٣٠١ ]
وتوهموا اللعب الوغى والطعن في الهيجاء غير االطعن في الميدان
وجاز أن يبدل قوله: وقد نهلت منا المثقفة، وإن كان جملة من فعل وفاعل من قوله: والخطي يخطر بيننا، وإن كان جملة من مبتدأ وخبر، من حيث كانت "قد" تقرب الماضي من الحاضر، والحاضر كما ترى كالاسم، ونظيرها قولك: زرتني والخوف شاغل، وقد أحجم كل أحد عن الزيارة. ويجوز أن يكون قوله: وقد نهلت حالًا من الضمير المجرور في "بيننا" فلا يكون إذن بدلًا مما قبله. انتهى كلامه.
ومنه علم أن صاحب القيل هو ابن جني. والخطي بفتح الخاء: الرمح، منسوب إلى الخط، وهو موضع باليمامة، قال صاحب "المصباح": والرماح لا تنبت بالخط، ولكنه ساحل للسفن التي تحمل القنا إليه، وتعمل فيه، وقال الخليل: إذا جعلت النسبة اسمًا، قلت: خطية، بكسر الخاء، ولم تذكر الرماح في البيت. انتهى. فعلى هذا يجوز كسر الخاء في البيت، وتخطر، بكسر الطاء، مضارع خطر، بفتحها، والمصدر: الخطر والخطران، ورمح خطار، أي: ذو اهتزاز، ونهلت من باب فرح: رويت، والمثقفة: المعدلة، والتثقيف: تعديل المعوج، والسمر: جمع أسمر، من صفة الرمح، وعراني: حديث بي، والحباب، بكسر الحاء بعدها موحدة: المحبة، وروي بالجمي والنون. قال التبريزي في شرحه: قوله: وقدن هلت منا، أي: من دمائنا، والنهل من الأضداد لوقوله على الريان والعطشان، كأن حقيقة النهل أول السقي، والاكفتاء به قد يقع وقد لا يقع، فلذلك استعمل النهل في الري والعطش، ومصدر ذكرتك: الذكر، بضم الذال، لأن الذكر، بضم الذال، بالقلب، والذكر، بالكسر: باللسان، ونبه بهذا الكلام على قلة مبالاته
[ ٦ / ٣٠٢ ]
بالحرب واشتياقه في حال اختلاف الرمح بينهم بالطعن، والحباب: الحب، كأنه مصدر حببته، وقد يكون مصدر حاببته، ويكون جمع الحب أيضًا، وكأنه جمعه على اختلاف أحواله فيه، ويروى من جنابك، أي: من ناحيتك، يقول: إن كان ما بي سحرًا، فلي عذر في هواك، لأن من يسحر يحب، وإن كان داء غير السحر، فالعذر لك، لأني وقعت فيه بتعرضي لك، وفكري في محاسنك، والدلالة على أن "فاعذرني" في موضع: فلي عذر، ما قابله به من قوله: "فلك العذر" وفي هذا إسقاط سؤال السائل: لم قال: اعذرني ولا ذنب له، وإنما يحتاج إلى بسط العذر من له ذنب؟ ! انتهى كلامه.
وهذه الأبيات لأبي عطاء السندي، واسمه مرزوق، وقيل: أفلح بن يسار مولى بني أسد، وكان يسار سنديًا أعجميًا لا يفصح، وابنه أبو عطاء عبد أسود لا يكاد يفصح أيضًا من لثغة ولكنة، وهو مع ذلك من أحسن الناس بديهة، وهوشاعر فحل في طبقته، وكان من شعراء بني أمية وشيعتهم، وهجا بني هاشم، ومات بعد موت منصور العباسي، وقد بسطنا ترجمته في الإنشاد الخامس والتسعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
[ ٦ / ٣٠٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٢) وما راعني إلا يسير بشرطة وعهدي به قينًا يسير بكير
على أن جملة "يسير" فاعل راعني، وخرج على أن الأصل: إلا أن يسير، فأن والفعل في تأويل مصدر مرفوع، وهو فاعل راعني، ولما حذفت "أن" ارتفع الفعل، وبعد ذهاب أثرها، وهو النصب، لوحظت مع الفعل، فصار مصدرًا فاعلًا لراعني بملاحظتها، وهذا خاص بضرورة الشعر، وتخريج الشارح جار على القواعد، لا شيء يشينه، وهو أن يكون في "راعني" ضمير المحدث عنه، ويكون جملة "يسير" حالًا منه، والأبيات قبله تدل عليه كما تأتى. وأول من خرجه على تقدير "أن" أبو علي، قال في "الإيضاح الشعري" في باب الصلات والأسماء الموصولات: قال الفرزدق:
فحق امرئ بين الوليد قناته وكندة بين المرتقى يتصعد
تقديره: أن يتصعد، فحذف "أن" كما قال جرير:
نفاك الأغر ابن عبد العزيز وحقك تنفى عن المسجد
أي: وحقك أن تنفى، والمعنى، يتصعد فوق المرتقى، فتقدم "فوق" كتقدم الجار في نحو قوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
[ ٦ / ٣٠٤ ]
وبمنزلة قوله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ) [الفرقان/ ٢٢] والظرف بمنزلة الجار والمجرور، لأنا لجار مراد معه، والدليل على أن "أن" في هذا النحو بمنزلة المثبت في اللفظ ماجاء من قولهم: "لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" حذفوا أن من هذا الكلام، فقالوا: تسمع بالمعيدي، فلولا أن "أن" في حكم المثبت، لم يجز هذا الكلام، ألا ترى أنك لا تخبر عن الجمل، ويدل على ذلك قولهم: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، فلولا أن "أن" محذوفة مثلها مثبتة، ما جاز أن يعطف على تسمع الذي هو فعل بالاسم، ويدل على أنها محذوفة في هذا النحو بمنزلتها مثبتة أن أبا عثمان قد حكى عن ابن قطرب عن أبيه أنه سمع من العرب من يقول:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
بالنصب، فلولا أنها في حكم الإثبات لم ينصب الفعل، وقد حكى أحمد بن يحيى نحو ذلك، فقال: خذ اللص قبل يأخذك، وحكى أبو الحسن نحو ذلك، وقد جاء حذف أن من الكلام وما بعده مسندًا إلى الفعل، أنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
وما راعني إلا يسير بشرطة وعهدي به قينًا يفش بكير
تقديره: "إلا أن يسير بشرطة" فلماحذفت "أن" جاز رفع الفعل وإن كانت مرادة. انتهى كلامه.
وقال أيضًا في باب "عسى" من ذلك الكتاب: أنشد أحمدبن يحيى:
وما راعنا ألا يسير بشرطة وعهدي به قينًا يفش بكير
فكما أن هذا على حذف "أن " تقديره: ما راعنا إلا سيره بشرطة، كذلك يكون فاعل عسى في نحو: عسى يفعل، إنم هو: عسى أن يفعل، كقوله تعالى:
[ ٦ / ٣٠٥ ]
(وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا) [البقرة/ ٢١٦] فتحذف أن، وهي في حكم الثبات. انتهى المراد منه.
وأورد ابن عصفور هذا البيت في كتاب "الضرائر" قال: ومنه وضع الفعل موضع المصدر على تقدير حذف "أن" وإرادة معناها من غير بقاء عملها، نحو قوله:
وما راعنا إلا يسير بشرطة وعهدي به قينًا يفش بكير
يريد: وما راعنا إلا أن يسير بشرطة، فحذف أن، وأبطل عملها، وهو يريد معناها، والدليل على أن الفعل المضارع يحكم له بحكم ما هو منصوب بأن، وإن كان مرفوعًا؛ قوله:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
في رواية من رفع "أحضر" ألا ترى أنه عطف "أن أشهد" على "أحضر" فدل ذلك على أن المراد: أن أحضر. انتهى المراد منه.
والبيت من أبيات أوردها ابن الأعرابي في "نوادره"قال: أنشدني الدبيري لرجل من بني أسد يقال له: معاوية بن خليل النصري في إبراهيم ذي الشقر، وكان ينسب إلى شقر القين، وكان إبراهيم أطرده عن بلاده، فأقام بالرمل، رمل بني حسل، فقال يهجو إبراهيم وكان يلقب فروخًا، وربما قال فروجًا، وهو إبراهيم بن حوران:
يعرض فروج بن حوران بنته كما عرضت للمشترين جزور
فأما قريش فهي تعرض رغبة وأما الموالي حولها فتدور
وما راعنا إلا يسير بشرطة وعهدي به قينًا يفش بكير
لحا الله فروجًا وخرب داره وأخزى بني حوران خزي حمير
[ ٦ / ٣٠٦ ]
أراد: أخوته، قال: وهذا مثل قوله:
أريد هناك من هنين فتلتوي علينا ونأبى من هنين هنات
ومثله:
فأما الحسان فيأبينني وأما القباح فأبى أنا
ومثله قيل لامرأة: لم لم تتزوجي؟ قالت: رغبت عن أهل الشاء، ورغب عني أهل الإبل. انتهى ما أورده ابن الأعرابي.
وجزم ابن سيده في "المحكم" بأنه فروج، بالجيم، وقال: هو لقب إبراهيم بن حوران، وأنشد الأبيات، وبنت فروج اسمها الحمامة، وكان أبو حاضر، وهو أحد المشهورين بالزنى مشهرًا بها، فقال فيه الفرزدق، وقيل زياد الأعجم:
أبا حاضر ما بال برديك أصبحا على ابنة فروج رداء ومئزرا
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا
وكان أبو حاضر الأسدي: أسد بن عمرو بن تميم من أجمل الناس وأكملهم مظهرًا.
والجزور، بفتح الجيم: ما ينحر من الإبل خاصة، يقع على الذكر والأنثى، وقوله: فهي تعرض رغبة، أي: عنها، وتعرض: مضارع أعرض عنهِ، والموالي قال صابح "المصباح": والمولى: العتيق، وهم موالي بني هاشم، أي: عتقاؤهم.
وقوله: وما راعنا إلى آخره، يحتمل أنيكون من راعني الشيء بمعنى: أفزعني، ومن راعني بجماله، أي: أعجبني، ويكون هذا على التهكم، وقال أيضًا: الشرطة كغرفة، وصاحب الشرطة: الحاكم، والشرطة: الجند، والجمع شرط، كرطب، والشرط على لفظ الجمع: أعوان السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها للأعداء، الواحد شرطة مثل غرف وغرفة، وإذا نسبت إلى هذا
[ ٦ / ٣٠٧ ]
قلت: شرطي بالسكون ردًا إلى واحده، والشرط، بفتحتين: العلامة والجمع أشراط، كسبب وأسباب، ومنه أشراط الساعة. وقوله: وعهدي به .. إلى آخره، من عهدته بمال: عرفته به، والأمر كما عهدت، أي: كما عرفت، وهو قريب العهد بكذا، أي: غريب العلم والحال، وعهدي به قريب، أي: لقائي، كذا في "المصباح" وأراد بالقين هنا: الحداد بقرينة ما بعده، وهو في الأصل كل صانع، والفش بالفاء: إطلاق الريح المحبوسة ونحوها، والكير، بكسر الكاف: المنفخ، وأماكانونه الذي يوقد فيه الفحم ونحوه، فهو الكور، بضم الكاف.
وقوله: لحا الله .. إلى آخره، أي: قبحه ولعنه، وأصله من لحوت العود، أي: أخذت لحاءه، بالكسر والمد، وهو القشر الذي عليه، استعير لذهاب طراوة ماء الوجه وبهائه.
وقوله: وأخزى بني حوران .. إلى آخره، هو متعدي قولهم: خزي الرجل خزيًا، من باب علم، أي: ذل وهان، وأخزاه الله: أهانه وأذله، كذا في "المصباح" وإنما ضرب الحمير مثلًا للذل والهوان، لأنها لا يركبها الأشراف المتعظمين، وإنما هي مركب الأذلاء والسفلة من الناس غالبًا، فجعل الشاعر بنت فروج من جنس الحمير، هكذا رواه ابن الأعرابي بالإقواء، وهو اختلاف الروي بالرفع الجر، فإن البيتين الأخيرين مجروران، وما قبلهما مرفوع، وهو من عيوب القوافي.
[ ٦ / ٣٠٨ ]
وأنشد بعده:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
تمامه:
فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الأربعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٣) ولولا بنوها حولها لخبطتها
تمامه:
كخبطة عصفور ولم أتلعثم
هذا البيت لكعب بن مالك الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، نسبه إليه الجاحظ في كتاب "المحاسن والمساوئ" في ضمن حكاية قال: كان الهادي يشاور من أصحابه عبدا لعزيز بن موسى وعيسى بن دأب والعزيزي وعبدا لله [بن كعب] بن مالك، فخرج ذات يوم إليهم وهو مغضب، كأنه جمل هائج، منتفخا لوداج، منتقع اللون، فأقبل حتى جلس في مجلسه، وكان العزيزي أجرأهم عليه، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نرى بوجهك ماكدر علينا عيشنا، وبغض الدنيا لدينا؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يخبرنا بالسبب، فإن كان عندنا حيلة، أعلمناه بها، وإن تكن مشورة أشرنا بها، وإن أمكن احتمال الغم عنه، وقيناه بأنفسنا، وحملنا الغم عنه. قال: فأطرق طويلًا والعزيزي قائم، فقال له: اجلس يا عزيزي فإني لم أر
[ ٦ / ٣٠٩ ]
كصاحب الدنيا أكثر آفات، وأعظم نائبة، ولا أبغض عيشًا. قال العزيزي: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لبابة بنت جعفر بن أبي جعفر، قد عرفتم موقعها مني، وأثرها عندي، كلمتني بإدلال فأغلظت، فلم لكن لها عندي احتمال ولا عندها إبصار حتى وثبت عليها، وضربتها ضربًا موجعًا، قال: وسكت، فقال ابن دأب: يا أميرا لمؤمنين، إنك والله لمت أت منكرًا ولا بديعًا، قد كان أصحاب رسول الله، ﷺ، يؤدبون نساءهم، ويضربونهن؛ هذا الزبير بن العوام حواري رسول الله وابن عمته، وثب على امرأته أسماء بنت أبي بكر، وهي أفضل نساء أهل زمانها، فضربها في شيء عتب عليها فيه ضربًا مبرحًا حتى كسر يدها، وكان ذلك سبب فراقها، وذلك أنها استغاثت بولدهاعبد الله، فجاء يخلصهامن أبيه، فقال: هي طالق إن حلت بيني وبينها، ففعل، وبانت منه، وهذا كعب بن مالك الأنصاري عتب على امرأته، وكانت من المهاجرات، فضربها حتى حال بنوها بينه وبينها فقال:
ولولا بنوها حولها لخبطتها كخبطة فروج ولم أتلعثم
قال: فسري عن موسى الهادي الغضب، وطابت نفسه، ودعا بالطعام، وأكلنا، وأمر له بعشرة آلاف دينار وثلاثين ثوبًا، فتلهفت، وتعجبت من انقطاعي عن الحديثين، وهما في أبي، وأنا أعلم به مني. هذا آخر كلمه.
وقد نسب المصنف هذا البيت هنا، وفي "شرح أبيات ابن الناظم" إل الزبير ابن العوام، وكأنه اشتباه نظر نشأ من حكايته مع حكاية كعب بن مالك، وتبعه من جاء بعده في نسبته إلى الزبير، منهم: العيني والسيوطي، وشارح شواهد التفسيرين: خضر الموصلي، وشراح هذا الكتاب.
[ ٦ / ٣١٠ ]
قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": وقع المصراع الأول محرفًا في شرحي "الكافية" و"الخلاصة" والصواب "لخبطتها" من الخبط لا من الخطبة؛ لأن قوله: "كخبطة عصفور" يدفعه، والبيت للزبير بن العوام حوراي رسول الله، ﷺ، أي: نصاره، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، ويلتقي معه في قصي، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل فيهم عمر الخلافة، وقتل بوادي السباع بناحية البصرة سنة ست وثلاثين، وقد نيف على الستين بست أو سبع أوأربع، والضمير في بنوها لزوجته أسماء بنت الصديق، وكان الزبير ضرابًا للنساء، وكانت أسماء رابعة أربع نسوة عنده، فإذا عضب على إحداهن ضربها بعود المشجب حتى يكسره، وكان أولاد أسماء يحولون بينه وبين ضربها، ولا سيما ولدها بعد الله. ويقال: خبطت الشجرة: إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها، وتلعثم في الأمر: تمكث فيه وتأني. والشاهد في قوله: "حولها" انتهى كلامه.
وترجمة كعب بن مالك تقدمت في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.
وأنشد بعده، هو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٤) مضى زمن والناس يستشفعون بي
تمامه:
فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع
على أن جملة: "والناس يستشفعون بي" حالة وصاحب الحال نكرة، وهو زمن، والبيت آخر أبيات ثمانية أوردها الشرف هبة الله علي بن محمد بن حمزة الحسيني في "حماسته" لقيس بن ذريح وهي:
[ ٦ / ٣١١ ]
أراجعة يا لبن أيامنا الألى بذي الطلح أم لا مالهن رجوع
سقى طلل الدار التي كنتم بها بشقي أيلى صيف وربيع
إلى الله أشكو نية شقت العصا هي اليوم شتى وهي أمس جميع
لعمرك إني يوم جرعاء مالك لعاص لأمر المرشدين مضيع
يقولون صب بالنساء موكل وهل ذاك من فعل الرجال بديع
ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني حمائم ورق في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوى نوائح لم يقطر لهن دموع
مضى زمن .. البيت.
قوله: أراجعة، الهمزة للاستفهام، ولبن، بضم اللام وسكون الموحدة: منادى مرخم لبنى، اسم زوجته، كان أبوه أغضبه بطلاقها، فندم حتى جن بفراقها. وأيلى: موضع، والصيف كسيد: السحاب الماطر في الصيف، وأراد بالربيع: مطر الربيع، والنية: الجهة التي ينويها المسافر، وشق العصا: عبارة عن التفرق والتشتت، وشتى: جمع شتيت، وأهاجه: أثاره وحرك ما كان عنده من ساكن، وتداعين: دعا بعضهن بعضهًا، واستبكين: طلبن البكاء.
وأورده أبو علي القالي أيضًا في "أماليه" ضمن قصيدة عدتها عشرون بيتًا قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدناأبو الحسين ابن البراء، قال: أنشدني إبراهيم بن سهل لقيس بن ذريح قال: والناس ينحلونها غيره، وبعضهم يصححها له، وأنشدني أبي عن أحمد بن عبيد عن أبي عمروا لشيباني لقيس المجنون:
سأصرم لبنى حبل وصلك مجملًا وإن كان صرم الحبل منك يروع
وسوف أسلي النفس عنك ما سلا عن البلد النائي البعيد نزيع
وإن مسني للضر منك كآبة وإن نال جسمي للفراق خشوع
سفى طلل الدار البيت. يقولون صب البيت. مضى زمن والناس البيت.
[ ٦ / ٣١٢ ]
أيا حجرات الحي حين تحملوا بذي سلم لا جادكن ربيع
وخيماتك اللاتي بمنعجر اللوى بلين بلى لم تبلهن ربوع
إلى الله أشكو البيت. تجاوبن فاستبكين البيت. لعمرك إني يوم الييت.
ندمت على ما فات مني فقدتني كما ندم المغبون حين يبيع
إذا ما لحاني العاذلات بحبها يؤرقني والعاذلات هجوع
عدمتك من نفس شعاع فإنني نهيتك عن هذا وأنت جميع
فقربت لي غير القريب وأشرفت هناك ثنايا ما لهن طلوع
تضعفني حبيك حتى كأنني من الأهل والمال التليد خليع
وحتى دعاني الناس أحمق مائقًا وقالوا مطيع للضلال تبوع
وأورد صاحب "الأغاني" خمسة عشر بيتًا من هذه القصيدة في ترجمة قيس بن ذريح قال: أنشدني أحمد بن جعفر جحظة، قال: أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب لقيس بن ذريح وكان يستحسن هذه الأبيات من شعره:
سقى طلل الدار التي كنتم بها حناتم منها صيف وربيع
مضى زمان والناس البيت
ستصرم لبني حبك اليوم مجملًا البيت
فسوف أسلي النفس البيت. وإن مسني منك البيت. يقولون صب بالنساء البيت.
ندمت على ما كان مني ندامة البيت
فقدتك من نفس البيت. فقربت لي غير البيت. إلى الله أشكو نية البيت. فيا حجرات الدار البيت. فلو لم يهجني البيت تداعين فاستبكين البيت. إذا أمرتني العاذلات البيت. وكيف أطيع العاذلات البيت.
[ ٦ / ٣١٣ ]
وقيس بن زريح ينتهي نسبه إلى كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكان منزل قومه في ظاهر المدينة المنورة، وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة، ومضى يومًا لبعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة والحي خلوف، فوقف على خيمة لبنى بنت الحباب الكعبية، فاستسقى ماء، فسقته فلما رآها وقعت في نفسه، وانصرف منها وفي قلبه حر لا يطفأ، فجعل يقول الشعر فيها حتى اشتهر، وسأل أباه وأمه أن يزوجاه بها، فأبيا، فأتى الحسين بن علي، ﵉، وكان رضيعه فشكا إليه ما به، فقال له الحسين: أنا أكفيك، فمشى معه إلى أبي لبنى، فأجابه، فعقد له عليها، فأقام معها مدة، وكان قيس أبر الناس فأمه، فشغلته لبنى عنها، فشكت إلى أبيه، فاتفق معها أن يلزما قيسًا بطلاق لبنى فطلقها بعد عسر منها، فاختل عقله، وبقي هائمًا في القفار، وقال فيها أشعارًا كثيرة، وقد أطنب صاحب "الأغاني" في ترجمته، وأورد من شعره فيها شيئًا كثيرًا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٥) وقائلة تخشى على أظنه سيودي بهت رحاله وجعائله
على أن جملة: "تخشى علي" حال من ضمير قائلة، وجملة "أظنه سيودي به إلى آخره" مقول القول، وسها الشارح، فجعل المقول جملة "سيودي إلى آخره" ولم ينبه عليه أحد، بل تبعه الشراح، وهذا مبني على الظاهر، وإلا فيجوز أن يجعل جملة "تخشى علي" صفة لقائلة، وجملة "أظنه إلى آخره" محكية بقول محذوف تقديره: تقول. وقال أبو حيان في "تذكرته": اسم الفعل قد قيل يعمل إذا وصف قليلًا شاذًا جدًا، ولا يجوز في الكلام، وأنشدوا:
[ ٦ / ٣١٤ ]
إذا فاقد خطباء فرخين رجعت ذكرت سليمى في الخليط المباين
كذا ذكره في "الإغفال" وقال في موضع آخر في بيت ذي الرمة:
وقائلة تخشى علي أظنه سيودي به ترحاله وجعائله
إنه من هذا، ثم قال: الأحسن أن يستأنف إضمار قول، أي: تقول أظنه، وتخشى: حال من الضمير في قائلة. انتهى كلامه، وظهر من هذا أن أول من استدل بهذا البيت أبو علي الفارسي، وقافية البيت بائية لا لامية كماأنشده أبو علي في "الحجة" والبيت آخر قصيدة لذي الرمة مطلعها:
وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمين أحجاره وملاعبه
إلى أن قال:
ألا رب من يهوى وفاتي ولو أتت وفاتي لذلت للعدو مراتبه
وقائلة تخشى علي أظنه سيودي به، ترحاله وجعائله
قوله: وقفت على ربع .. البيتين، هما من شواهد علم النحو وغيره، قال شارح ديوانه الأصمعي: قوله: أبثه، أي أخبره بكل ما في نفسي، وقوله: وأسقيه، أي: أدعو له بالسقيا، وملاعبه: مواضع يلعب فيها، وأصل المرتبة: الدرجة، وأراد: لذل للعدو ما كان مستصعبًا.
وقوله: وقائلة .. إلى آخره، أي: تقول: أظنه سيودي به ترحاله، أي: سيهلكه ترحاله، وكثرة ذهابه في الأسفار. انتهى. وقائلة: معطوف على مدخول رب، ويودي: مضارع أودى الشيء، بالدال المهملة، بمعنى ذهب وهلك، والترحال: مصدر كالرحيل، وبناؤه للمبالغة، أي: كثرة الترحل.
وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
[ ٦ / ٣١٥ ]