وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٨) بكرت عليه بكرة فوجدته قعدوا لديه بالصريم عواذله
وهو من قصيدة طويلة جدا لزهير بن أبي سلمى مدح بها حصن بن حذيفة، قال صعوداء شارح ديوان زهير: قال زهير بن أبي سلمى لحسن بن حذيفة بن بدر ابن عمر الفزاري، وكان عمرو بن هند حين قتل حذيفة - وكانت الحرب بين غطفان - طمع في حصن وفي غطفان أن يصيب بعد حذيفة صاحبه، وكان حصن والحليفان لقاحا لم يدينوا لملك قط، فأرسل إلى حصن: أني ممدك بخيل فادخل في مملكتي، وأجعل لك ناحية من الأرض، فأسل إليه حصن: إني ما كنت قط أفرغ لحربك مني اليوم، ولا كنت قط أيسر عدة مني اليوم، فإن كنت لا يكفك ما جرب أبوك، فدونك لا تعتلل، فإنه ليس لي حصن إلا السيوف والرماح، وأنا لك بالفضاء، وأقبل حصن بالحليفين حتى نزل زبالة، فصد عنه عمرو بن هند، وكره قتاله، فقال زهير في ذلك:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرى أفراس الصبا ورواحله
إلى أن قال:
وابيض فابيض يداه غمامة على معتفيه ما تغب فواصله.
[ ٨ / ١٠ ]
بكرت عليه غدوة فرأيته قعودا لديه بالصريم عواذ له
يفدينه طورا وطورا يلمنه وأعيا فما يدرين أين مخائله
فأقصرن منه عن كريم مرزا عزوم على الأمر الذي هو فاعله
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ولكنه قد يهلك المال نائله
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ترى الجند والأعراب يغشون بابه كما وردت ماء الكلاب هوامله
إذا ما أتوا أبوابه قال مرحبا لجو الباب حتى يأتي الجوع قاتله
فلول لم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله
وذي نسب ناء بعيد وصلته بمال وما يدري بأنك واصله
وذي نعمة تممتها وشكرتها وخصم يكاد يغلب الحق باطله
وذي خطل في القول يحسب أنه مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما وأكرمت غيره وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
ومن مثل حصن في الحروب ومثله لإنكار ضيم أو لخصم يحاوله
حذيفة بنميه وبدر كلاهما إلى باذخ يعلو على من يطاوله
أبي الضيم والنعمان يحرق نابه عليه فأفضى والسيوف معاقله
عزيز إذا حل الحليفان حوله بذي لجب لجابه وصواهله
قوله: صحا القلب عن سلمى، هذا البيت من شواهد علماء البلاغة، قال الأعلم في شرح ديوانه: يقول: صحا قلبه عن حب سلمى، وكف باطله ولهوه، وقوله: وعرى أفراس الصبا، هذا مثل ضربه، أي: ترك الصبا وركوبه الباطل، وقوله: وأبيض فياض: يريد رجلا نقيا من العيوب، والفياض: الكثير العطاء، وأصله من الفيض، وقوله: يداه غمامة، أي: تمطر يداه بالإعطاء كما تمطر الغمامة، ولمعتقون: الطالبون ما عنده، يقال: عفاه وأعفاه: إذا أتاه وسأله ما عنده،
[ ٨ / ١١ ]
وقوله: ما تغب فواضله، أي: هي دائمة لا تنقطع، ولا تأتي في الغب، يقال: غبه وأغبه: إذا أتاه غبا، وفواضله: عطاياه، لأنها تفضل كل عطاء.
وقوله: بالصريم، هو جمع صريمة، وهي رملة تنقطع من معظم الرمل، والعواذل: اللاتي يعذلنه على إنفاق ماله، وقيل: الصريم هنا: الصبح، وهو أشبه بالمعنى، لأنه يكسر في العشي فإذا أصبح وقد صحا من سكره لمنه. انتهى. وهذا شرح ابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني".
وقوله: "يفدينه طورا"، أي يقلن له: فديناك بأنفسنا وآبائنا وأمهاتنا، ليستنزله بذلك حتى يقبل عذلهن، ويوقه: "فيما يدرين أين مخاتله"، يعني: الأمر الذي يختلنه فيه، يقول: قد أعياهن فما يدرين كيف يخدعنه ويختلنه.
وقوله: فأقصرن منه، يعني لما عذلنه، فلم يجبهن إلى ما أرادوا، كففن عن عذله والمرزأ: المصاب بماله كثيرا. وقوله: عزوم الخ .. - أي إذا قدر على فعل شيء عزم عليه وأمضاه.
وقوله: أخي ثقة، أي: يوثق بما عنده من الخير لما علم من وجوده وكرمه والنائل: العطاء. يقول: لا يهلك ماله في شرب الخمر، لنه لا يشربه، وإنما يهلكه بالعطاء.
وقوله: وما يدري بأنك واصله، يقول: يعني أنه وصل قومًا، فوصلوا غيرهم من صلته، فكان هـ سبب ذلك الوصل وهم لا يعرفون ذلك، وإنما قال هذا إشارة إلى كثرة معروفة حتى يغني من سأله، فيفضل سائلوه على غيرهم لغناهم.
وقوله: "وذي نعمة" أي: رب ذي نعمة، وقوله: وخصم، أي: ورب خصم شديد دفعته بقول مصيب.
[ ٨ / ١٢ ]
وقوله: أضل الناطقين، أي: إذا لم يصب أحد مفصل هذا القول، أصبته أنت، ودفعت به خصمك.
وقوله: وذي خطل، أي: رب ذي خطل بالتحريك: الكلام المضطرب، وقوله: فما يلمم به، أي: مهما يجد من الكلام يقله.
وعبأت: هيأت وجمعت له الحلم، وصفحت عنه، وقد بدت لك مقاتله، وأكرمت غيره ممن راعيت حقه.
وقوله: حذيفة بنميه، أي: يرفعه إلى باذخ، أي: جبل عال من الشرف والمجد.
وقوله: أبي الضيم، أي أبي الجور من النعمان بن الحارث الغساني، ويحرق بضم الراء، أي: يصون نابه من غيظه بعدم قدرته عليك، وروى نابه بالنصب، أي: بنابه، فحذفت الباء.
والحليفان: أسد وغطفان، وكانوا متحالفين على بني عبس وغيرهم، وفزراة من بني ذبيان: رهط الممدوح من غطفان، واللجب بفتحتين: اختلاط الناس، أي بجيش ذي لجب، والصواهل: الخيل: وأراد باللجاب: أصحاب اللجب، ورفعها بما في قوله ذي لجب من معنى الفعل، والتقدير: بجيش ذي لجب من معنى الفعل، والتقدير: بجيش لجب لجابه وصواهله.
وترجمة زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده:
واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضا
وتقدم في الإنشاد السادس والسبعين بعد الستمائة.
[ ٨ / ١٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٩) ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئات بتبغي الناس مثنى وموحد.
قال سيبويه: وسألته - يعني الخليل - عن أحاد ومثنى وثلاث ورباع، فقال: هو بمنزلة أخر إنما حده واحد، واثنين اثنين، فجاء محدودا عن وجهه، فترك صرفه، قلت: أفتصرفه في النكرة؟ قال: لا، لنه نكرة يوصف به نكرة، قال أبو عمرو (أ (فاطر: ١) صفة كأنك قلت: أولي أجنحة اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة، وتصديق قول أبي عمرو قول ساعة بن جؤية.
عاودني ديني فلت كأنما خلال ضلوع الصدر شرع ممدد.
ثم قال:
ولكنما أهلي بواد أنيسه البيت
قال الأعلم: الشاهد في ترك صرف مثنى وموحد، لأنهما صفتان لذئاب معدولتان عن اثنين اثنين، وواحد واحد. انتهى.
والبيتان من قصيدة لساعدة رثى بها ابن عم له قتلته قشير، قاله ابن السيد. وقال غيره، رثى به ابنه أبا سفيان، والقصيدة أوردها السكري في أشعار الهذليين، وهذا مطلعها:
ألا بات من حولي نياما رقدا وعاودني ديني الذي يتجدد
وعاودني ديني فبت كأنما خلال ضلوع الصدر شرع ممدد
[ ٨ / ١٤ ]
بأوب يدي صناجه عند مدمن غوى إذا ما ينتشي يتغرد
ولو أنه إذا كان ما حم واقعا بجانب من يخفي ومن يتودد
ولكنما أهلي بواد أنيسه .. البيت
لهن بما بين الأصاغي ومنصح تعاو كما عج الحجيج الملبد
قوله: ألا بات الخ ..، بات يقال للفعل الذي يختص بالليل كما اختص الفعل في ظل بالنهار، وهي من أخوات صار، و"من" اسمها، و"نياما" خبرها، قال السكري: دينه: دأبه وأمر الذي هو عليه، ويروي: "يتعدد" أي: الذي يأتيه في العداد، أي: في وقته، يقال: إن اللسعة لتعاد فلانا، يريد: تأتيه في وقت لسعة الحية، أي: يأتيه الوجع، أي يأتبي همي الذي يتعدد، أي: الذي يتأبني همي الذي يتعدد، أي: الذي يأتبي عدا، أي: كل وقت.
وقوله: وعاودني ديني، يقول: كأن بيت أضلاعي صوت وتر، والشرع، بكسر الشين، والشرعة مثله، وترى العود ونحوه، يقول: كأن حنيني ضرب عود في أضلاعي، قال السكري، وقال ابن السيد في شرح أبيات "أدب الكاتب": أرد بدينه: حاله التي كانت تعتاده، يقال ما زال ذلك ديني ودأبي وديدني وديداني، أي: عادتي وحالتي، والشرع: والوتر، يقول كأن بين أضلاعي غناء عودة لكثرة حنيني وبكائي، والمدمن: الذي يدمن شرب الخمر والغناء. انتهى. وخلال: ظرف بمعنى بين، وأثناء.
والأوب: الرجع، والصناجة: التي تضرب الصنج وتغني، والغوي: الضال، وينتشي: يسكر، ويتغرد: يتطرب، قال السكري: قوله: بأوب يدي، أو بها:
[ ٨ / ١٥ ]
رجعها وترديدها في الضرب، عند رجل مدمن الخمر غوى جاهل، يتغرد: يتطرب، والتطريب: مد الصوت.
وقوله: ولو أنه إذ كان ما حم، بضم الحاء المهملة، أي: قدر، قال السكري: يقول: لو كان ما أصابني إلى جانب من يحفي ويتود دني، ولكنما هو بجانب من لا يبالي، يقال: حفي به حفاوة: إذا أكرمه وألطفه، يقول: لو أنه إذا كان ما أراد أن يصيبني بجانب من يودني ويلطفني يريد أهله، ولكن ما أصابني ناء عنهم. انتهى. وأوضحه ابن السيد بقوله: يحفي بلطف، يقال: فلان يحفي بفلان، ويتحفى به: إذا رفق به ولطف، يقول: لو أصابني هذا الرزء بجانب من يتحفي بي ويهتم لحالي، لهان على موقعه، فحذف جواب لو لما فهم المعنى. انتهى.
وقوله: ولكنما أهلي الخ ، قال ابن السيد التي تطلب الناس لتأكلهم اثنين اثنين، وواحدا واحدا، ويمكن أن يريد السباع بأعينها، ويحتمل أن يريد قوما بمنزلة السباع. انتهى. ويبطل الاحتمال الثاني البيت الذي بعده، ولهذا اقتصر الجواليقي في شرحه على الأول، فقال: لو كان ما أراد أن يصيبني أصابني بجانب أهلي، ولكنما أصابني في بلد ناء، وأهلي بواد ليس به أنيس، هم مع السباع والوحش في بلد قفر، تبغي: تطلب، وأصله: تتبغي بتائين، ومثنى ومود صفتان لسباع. انتهى. ورواية السكري: سباع موضع ذئاب. وقوله: لهن بما بين الخ .. قال السكري: لهن، أي: للسباع، والأضاحي ومنصح: موضعان، وتعاو: صوت، وملبد، كان الحجاج في ذلك الزمان يلبدون شعورهم بالصمغ لئلا يتشعث وينتفش. انتهى. وترجمة ساعدة بن جوية تقدمت في الإنشاد الثالث من أول الكتاب.
[ ٨ / ١٦ ]
وأنشد بعده:
أحاد أم سداس في أحاد لييلتنا المنوطة بالتناد
وتقدم في الإنشاد الثامن والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٠) ولا أرض أبقل إبقالها
صدره:
فلا مزنة ودقت دقها.
على أنه كان يجب أن يقال: ولا أرض أبقلت، لكنه حذف تاء التأنيث لضرورة الشعر، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه ذكر "أبقل" مع أنه مسند إلى ضمير الأرض للضرورة حملا على معنى المكان وهو قبيح. انتهى.
وقال أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" عندما أنشد هذا البيت: إن الأرض تذكر وتؤنث، وكذلك السماء فلا ضرورة فيه، وزعم الصاغاني في "العباب" أن الرواية:
ولا روض أبقل إبقالها
ولو كان البيت كذلك، لقال: " ولا روض أبقل إبقاله" بتذكير الضمير مع أن سيبويه رواه: "ولا أرض" وهو ثقة، والاعتماد عليه أكثر، والمزن السحاب، واحده: مزنة، وودقت: أمطرت، يقال: ودقت السماء تدق ودقا، قال تعالى: (فترى الودق يخرج من خلاله) (الروم: ٤٨)، وقال:
[ ٨ / ١٧ ]
الدينوري: يقال: بقل المكان، وقال بعض الرواة: أبقلت الأرض، وأبقلها الله، وبقل وجه الغلام: إذا خرج شعر عارضه، وقال بعض علماء العربية: أبقل المكان، ثم يقولون: مكان باقل، قال: ولا نعلمهم يقولون: بقل المكان، ومثله قولهم: أورست الأرض، ونبت وارس، ولا يقولون غيرها. وقال أيضا: أعشب البلد، ثم قالوا: بلد عاشب، وكذا قال أبو عبيد والأصمعي، وتبعها ابن السكيت وغيره قالوا: يقال: بلد عاشب، ولا يقال إلا "أعشب" وكذا، أورس وأبقل، قال الدينوري وتبعه علي بن حمزة البصري في كتاب "التنبيهات": وقد جاء عن العرب ما يرد عليهم، ورد في أشعارهم: مبقل ومعشب ومورس. قال الجواليقي في كتاب "ما تلحن فيه العامة": تذهب العامة إلى أن البقل ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الذي لا يحتاج في أكله إلى طبخ، وليس كذلك، إنما البقل العشب، وما ينبت الربيع مما يأكله البهائم والناس.
ونسب البيت شراح شوهد سيبويه إلى عامر بن جوين الطائي، وهو شاعر فارس جاهلي، وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الشاهد الثاني من أول شاهد الرضي. وتقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والأربعين بعد الثمانمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩١) صفحنا عن بني ذهل وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن قوما كالذي كانوا هما أول أبيات للفند الزماني أوردها أبو تمام في أول "الحماسة"، والصفح:
[ ٨ / ١٨ ]
العفو، وحقيقته: أعرضنا عنهم، وأوليناهم صفحة عنقنا، وروى: عن بني هند، وهي هند بنت مر بن أد أخت تميم.
وقوله عسى الأيام .. الخ، قال المرزوقي: لا يجوز أن يكون الذي بمعنى الذين، لأن الموصول والصلة يصير صفة لقوم آخرين كالقوم المذكورين، بل التقدير: أن يرد دأب القوم كائنا كالدأب الذي كانوا عليه، وفي هذا الوجه يجوز أن يكون الذي للجنس، كما قال تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به) (الزمر: ٣٣)، ثم قال: (أولئك) والفصل بين هذا الوجه، والوجه الأول أنه أمل في الوجه الأول أنهم إذا عفوا عنهم أدبتهم الأيام، وردت أحوالهم كأحوالهم فيما مضى في الاتفاق والتواد، وفي الوجه الثاني أمل أن ترجع الأيام أنفسهم إذا صفحوا عنهم، كما عهدت سلامة صدور، وكرم عهود. انتهى. ومعنى: يرجعن يرددن من باب فعل وفعلته، يقال: رجع فلان رجوعا ومرجعا ورجعانه ورجعته رجعا، والعائد محذوف، أي: كالذي كانوه، وهو خبر كان.
والفند الزماني: اسمه شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمان الحنفي، وشهل بالشين، وليس في العرب شهل بالمعجمة إلا هو، وشهل بن أنمار من قبيلة بجيلة، وزمان، بكسر الزاي وتشديد الميم، والفند: بكسر الفاء وسكون النون: القطعة من الجبل، وإنما لقب به، لأن بكر بن وائل بعثوا إلى بني حنيفة في حرب البسوس يستنصرونهم، فأمدوهم به، وكتبوا إليهم: قد بعثنا إليكم بثلاثمائة فارس، فلما أتى بكر وهو مسن قالوا: وما يغني هذا العشبة؟ قال: أو ما ترضون أن أكون
[ ٨ / ١٩ ]
لكم فندا تأوون إليه، فلقب به، والعشبة، بفتحات العين المهملة والشين المعجمة والباء الموحدة، الشيخ الكبير، ويقال: العشمة، بالميم بدل الموحدة، وقد أوردنا بقية الأبيات، وشرحناها في الشاهد الواحد والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٢) إذ الناس ناس والزمان زمان
هذا الصراع أنشده ابن جني في "إعراب الحماسة" وابن الشجري في"أماليه"، هكذا:
إذ الناس ناس والبلاد بلاد
وكذا رأيته في "الحماسة البصرية"، أنشد جامعها ولمن يعزه إلى قائله:
ألا هل إلى أجبال سلمى بذي اللوي لوي الرمال من قبل الممات معاد
بلاد بها كنا وكنا نحبها إذ الناس ناس والبلاد بلاد
وقال الأصبهاني في "الأغاني": هو لرجل قوم عاد، ثم روى بسنده عن حماد الراوية قال: حدثني ابن أخت لنا من مراد، قال: وليت صدقات قوم من العرب فقال لي رجل منهم: ألا أريك عجبًا؟ قلت: بلى، فأدخلني في شعب من جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد من قنا قد نشبت في ذروة الجبل عليه مكتوب:
ألا هل إلى أبيات شمخ إلى اللوي لوى الرمل يومًا للنفوس معاد
بلاد بها كنا وكنا من أهلها إذ الناس ناس والبلاد بلاد
[ ٨ / ٢٠ ]
ثم أخرجني إلى ساحل البحر، فإذا أنا بحجر يعلوه الماء طورا، ويظهره أخرى، عليه مكتوب: يا ابن ادم، يا عبد ربه، اتق الله، ولا تعجل في أمرك، فإنك لن تسبق رزقك، ولن ترزق ما ليس لك، ومن البصرة إلى دبيل ستمائة فرسخ، فمن لم يصدق ذلك، فليمش الطريق على الساحل حتى يتحقق، ومن لم يقدر على ذلك، فلينطح برأسه هذا الحجر. انتهى.
وأنشد بعده:
أنا أبو النجم وشعري شعري
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث التسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٣) لمية موحشا طلل تمامه:
يلوح كأنه خلل
قال ابن الحاجب في "أماليه" على أبيات "المفصل:: يجوز أن يكون موحشا حالا من الضمير في لمية، فجعل الحال من المعرفة ألوى من جعلها من النكرة متقدمة عليها، لأن هذا هو الكثير الشائع، وذاك قليل، فكان أولى. وقد استشهد به جماعة كالمصنف منهم الخبيصي في "شرح الكافية" قال: قدم الحال وهو موحشا
[ ٨ / ٢١ ]
على ذي الحال وهو طلل، لئلا يلتبس بالصفة، قال شارح شواهده الكرماني: هذا لا يصلح لمطلوبه من وجوه.
الأول: أنه محتمل غير منصوص، إذ لا نسلم أنه حال من طلل لجواز كونه حالا من ضمير الظرف، فلا يكون ذو الحال نكرة.
الثاني: أنه لا يجوز أن يكون حالا من طلل، لنه مبتدأ، والحال لا تكون إلا من الفاعل أو المفعول أو ما في قوتهما. انتهى وفي كل من الأمرين نظر ظاهر، وقد تكلم السخاوي على هذا البيت في "سفر السعادة"، نقلناه وانتقدناه في الشاهد الخامس والتسعين بعد المائة من شواهد الرضى. والخلل، بكسر الخاء المعجمة: جمع خلة، وهي بطائن يغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، كذا في "الصحاح"، ومية: محبوبة ذي الرمة، وينشد هذا الشاهد كذا أيضا:
لعزة موحشا طلل قديم عفاه كل أسحم مستديم
وبه استشهد الرضى، وشرحناه هناك، ونسبة أبو علي إلى كثير عزة.
وأنشد بعده:
ها بينا ذا صريح النصح فاصغ له وطع فطاعة مهد نصحه رشد.
وتقدم في الإنشاد الثامن والتسعين بعد السبعمائة.
[ ٨ / ٢٢ ]
وأنشد بعده
ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السابع والسبعين بعد الخمسمائة:
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٤) فطافت ثلاثا بين يوم وليلة
تمامه:
وكان النكير أن تضيف وتجارا
وبعده.
وألفت بيانا عند آخر معهد إهابا ومعبوطا من الجوف أحمرا
وخدا كبر قوع الفتاة ملمعا وروقين لما يعدوا أن تقشرا
وهو من قصيدة للنابغة الجعدي الصحابي، قال المصنف: "وإنما المسألة الصحيحة"، أي: لتغليب المؤنث على المذكر في التاريخ؛ إذ الكلام فيه، وليس المعنى أنه لا تغلب المؤنث على المذكر إلا في التاريخ، إذ ليس الكلام على مطلق تغليب المؤنث على المذكر كما فهمه الدماميني، واعترض عليه بأنه لا اختصاص لهذه المسألة بالتاريخ، فإنه يقال في غيره: اشتريت عشرا بين جمل وناقة، ويريد بالمثال أنه يغلب المؤنث على المذكر في غير التاريخ كما هو مدلول سياق كلامه، ومثاله جار على مذهب الفراء وأبي حيان، وأما على ما ذكره المحقق الرضي، فيجب أن يقول: اشتريت عشرة بالتأنيث لتغليب المذكر، وقول المصنف: "وضابطه أن يكون
[ ٨ / ٢٣ ]
معنا الخ " أي: ضابطه تغليب المؤنث على المذكر في التاريخ، ولا يرد اعتراض الدماميني بقوله: يقع التغليب بدون هذا الضابط، كقوله تعالى: (أربعة أشهر وعشرا) (البقرة: ٢٣٤)، فإن المصنف قد غلط من قال بالتغليب في نحوها، فإن الآية ليست من التغليب في شيء. وحاصل كلام المصنف أن التاريخ يكون بلا تغليب، كما في نحو الآية، ويكون بتغليب إذا كان داخلا في الضابطة المذكورة، والتغليب يكون فيه وفي غيره كما ذكره المحقق الرضي وغيره، وهذا مما أنعم الله به على من فهم كلام المغني، فإن شراحه لم يهتدوا لمراده، ولم يعرفوا عجز البيت مع شهرته وتداوله في كتب النحو وغيرها ولله الحمد على ذلك.
ومعنى الشعر أن النابغة وصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فطافت وروى: أقمت ثلاث أيام وثلاث لليال تطلبه، ولا إنكار عندها إلا الإضافة، وهي الجزع والإشفاق والجوار،: وهو الصياح، والنكير: الإنكار، وهو من المصادر التي أتت على فعيل كالنذير والعذير، وأكثر ما يأتي هذا النوع من المصادر في الأصوات كالهدير والهديل، أي: ما كان عندها حين فقدته إلا الشفقة والصياح، وتضيف مضارع أضافه إضافة، أي: أشفق وهو بالضاد المعجمة، كذا ضبطوه.
وأورد البيت العسكري في موضعين من كتاب "التصحيف" قال في الموضع الأول: حدثنا أحمد بن يحيي قال: سمعت سلمة بن عاصم يقول: صحف الكسائي في بيت النابغة الجعدي، فقال: هو تصيف، بالصاد غير معجمة، وتضيف أي: تشفق، وبالإضافة: الشفقة، ويروي أن تضيف بفتح التاء، أي: تعدل ههنا مرة وههنا مرة. يقول: كان نكيرها لما رأت الشلو أن تشفق وتجأر، لا شيء عندها غير ذلك.
وقال في الموضع الثاني: يروي تضيف مضموم التاء والضاد معجمة، ويروي تضيف مفتوح التاء، فمن رواه بفتحها، وهو الجيد، أراد: تشفق، ومنه قوله:
[ ٨ / ٢٤ ]
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة أشمر حتى ينصف الساق مئزري
وفي الحديث: "حتى إذا تضيفت الشمس للغروب" بضاد معجمة، أي مالت، ويقال: ضافت تضيف ضيفا: إذا مالت، وأخبرني ابن الأنباري عن ثعلب قال: سأل ابن الأعرابي عن قوله: حين تضيفت، فقال: لا أعرفه، ولكن إن كان تضيفت بصاد غير معجمة فهو: حين تميل كما قال أبو زبيد:
كل يوم ترميه منا برشق فمصيب أو صاف غير بعيد
يقال: صاف السهم وضاف، أي: مال، وحكى أبو بكر بن الخباز عن ثعلب عن ابن الأعرابي: يقال: صاف السهم، بصاد غير معجمة: إذا أخطأ، لم يقل عربي قط ضاف منقوطة، وأنشد غيره:
فلما دخلناه أضفنا ظهورونا
وضفت فلانا: إذا ملت إليه، وأضفته: إذا أملته إليك، ومنه قيل للدعي: مضاف، لنه مسند إلى قوم ليس منهم. انتهى.
[ ٨ / ٢٥ ]
وقوله: "وألفت بيانا إلخ"، أراد: أنها وجدت عند آخر معهد عهدته فيه ما بين لها وحقق عندها أن السبع أكله/ ثم فسر ذلك البيان بما ذكره بعد ذلك، والإهاب: الجلد، والمعبوط: الدم الطري، والروقان، القرنان، وشبه خده لما فيه من السواد وردع الدم والبياض، ببرقوع فتاة، لأن الفتيات تزين براقعهن، وبقر الوحش بيض الألوان لا سواد فيها إلا في قوائمها وخدودها وأكفالها.
وهذه الأبيات من قصيدة طويلة نحو مائتي بيت، أنشد جميعها للنبي ﷺ، ومنها:
أتيت رسول الله إذا جاء بالهدى ويتلو كتابا كالمجرة نيرا
وهي من أحسن ما قيل في الفخر بالشجاعة، ومن أواخرها:
بلغنا السماء مجدنا وثناؤنا وإنا لنرجو بعد ذلك مظهرا
ولا خيرا في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
والبيت الأول أورده شراح الألفية لبدل الاشتمال من الضمير المرفوع في قوله: بلغنا، وقد بسطنا الكلام على البيت الشاهد في الشاهد التاسع والأربعين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده: وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٥) كادت النفس أن تفيظ عليه مذ ثوى حشو ريطة وبرود
[ ٨ / ٢٦ ]
هذا البيت من شعر لأبي زبيد الطائي، واسمه: حرملة بن المنذر رثى به ابن أخيه اللجلاج، وقبله:
غير أن اللجلاج قص جناحي يوم فارقته بأعلى الصعيد
صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصره المنجود
وصوابه: إذ ثوى: أي: أقام، وحشو، ظرف لثوى، وحشو الشيء، جوفه وداخله، والريطة: كل ملاءة لم تكن من لفقين، والبرود: ثياب تصبغ باليمين، وقال أبو حاتم: لا يقال له برد حتى يكون فيه وشي.
وقوله: كادت النفس، قال الجواليقي في شرح "أدب الكاتب": كاد من أفعال المقاربة، وهي تستعمل بغير أن، يقال: كاد فلان يفعل، معناه: قارب الفعل ولم يفعل، لأن مقاربة الفعل يمنع من دخول "أن" من حيث "إن" للاستقبال، ولكن "كاد" تشبه بـ"عسى" كما شبه "عسى" بـ"كاد". انتهى.
وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومن ذلك عند بعض النحويين دخول "أن" في خبر "كاد"، نحو قول رؤبة:
قد كان من طول البلى أن يمصحا
وقول الآخر:
كادت النفس أن تفيظ عليه البيت
والصحيح أن دخولها في خبر "كاد" ضرورة، إلا أنها ليست مع ذلك بزائدة لعملها النصب، والزائد لا يعمل، بل هي مع الفعل الذي نصبته بتأويل مصدر، وذلك المصدر في موضع خبر "كاد" على حد قولهم: زيد إقبال وإدبار. انتهى.
وتفيظ بالظاء المشالة، يقال: فاظ الميت، وفاضت نفسه بالضاد، قاله الزجاجي، وفاظت نفسه، بالظاء جائز عند الجميع إلا الأصمعي، فإنه لا يجوز
[ ٨ / ٢٧ ]
فاظت نفسه بالظاء، بل يقول: فاظ الرجل بالظاء، وفاضت نفسه بالضاد، ورد عليه ابن بري بهذا البيت، والصادي: العطشان، والعصرة، بالضم، والعصر بفتحتين مثله، والمنجود، بالنون والجيم، المكروب، وقد نجد، بضم النون نجدا فهو منجود ونجيد.
وترجمة أبي زبيد تقدمت في الإنشاد الحادي عشر بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٦) أنحوي هذا العصر ما هي كلمة جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة النفي أثبتت وإن أثبتت قامت مقام جحود
رواهما أبو حيان في "تذكرته" كذا:
أتحوي هذا العصر أية لفظة البيت
إذا ما نفت والله يعلم أثبتت البيت
وهذا مبني على تسليم اعتراض على ذي الرمة في شعر له كان قاله بحسب السليقة والطبيعة العربية، فخطأه بعضهم، فغيره فأخطأ في التسليم والتغيير.
أخرج المرزباني في كتاب "التوشيح" عن غيلان بن الحكم جد عبد الصمد ابن المعذل الشاعر أنه قال: قدم علينا ذو الرمة الكوفة فوقف على راحلته بالكناسة ينشد قصيدته الحائية، فلما بلغ هذا البيت:
[ ٨ / ٢٨ ]
إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح
فقال له ابن شبرمة: أراه قد برح، ففكر ساعة، ثم قال:
إذا غير النأي المحبين لم أجد البيت
قال" فرجعت إلى أبي الحكم البختري بن المختار، فأخبرته الخبر، فقال: أخطأ ابن شبرمة حيث أنكر عليه، وأخطأ ذو الرمة حيث رجع إلى قوله، إنما هذا كقول الله ﷿: (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) [النور/٤٠]، أي: لم يرها ولم يكد. انتهى.
والمعري هو: أحمد بن عبد الله بن سليمان، أبو العلاء المعري، كان غزير الفضل، شائع الذكر، غاية في الفهم، عالما باللغة، حاذقا في النحو، جيد الشعر، جزل الكلام، شهرته تغني عن صفته، ولد بمعرة النعمان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، واعتل علة الجدري التي ذهب فيها بصره سنة سبع وستين، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده، فأقام، ولزم منزله إلى أن مات يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة. نقلته من "معجم الأدباء" لياقوت الحموي.
[ ٨ / ٢٩ ]