عناصر الدرس
* شرح الترجمة (الندبة) وحدها
* مايجوز ندبه ومالا يجوز
* حكم آخر المندوب
* حكم ندب المضاف إلى ياء المتكلم
* شرح الترجمة (الترخيم) وحده
* مايجوز ترخيمه ومالايجوز
* الترخيم بحذف حرف واحد وشروطه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم - رحمه الله تعالى -: (النُّدْبَةُ).
أي: هذا باب ما يتعلق بأحكام النُّدْبَة .. (النُّدْبَة) بضَمِّ النون، مصدر: نَدَب الميت إذا ناح عليه وذكر خصاله الحميدة، وأكثر من يتكلم بها النساء لضعفهن عن احتمال المصائب، لأنه في مقابل توَجُّع وتَفَجُّع، وهذا في النساء غالب، لأن المرأة ضعيفة ولا تقبل المصائب إذا وقعت عليها وإنما يقع منها توَجُّع وتفَجُّع.
إذًا: (أكثر من يتكلم بها النساء لضعفهن عن احتمال المصائب).
(النُّدْبَة) .. وأمَّا في اصطلاح النحاة: فالمراد (بالمندوب) المتفَجَّعُ عليه والمتَوَجَّع منه، هكذا يُعرِّفها كثير من النحاة، وهذا فيه نوع قصور، لأن لا بُدَّ من التقييد: أن النُّدْبَة إنما تكون بـ (وا) هذا هو الأصل فيها، و(يا) إذا أُمِن اللبس.
حينئذٍ يُقال: المتَفَجَّع عليه بـ (وا) أو (يا) ليخرج نحو: تَفَجَّعت على زيدٍ، هذا في المعنى (مندوب) أنا مُتَفجَّعٌ عليه، نقول: هذا (نُدْبَة) لكنه ليس في اصطلاح النحاة، يعني: لا يسمى مندوبًا في اصطلاح النحاة، لأنه يُشْتَرط: أن يكون بـ (وا) على جهة الخصوص أو (يا) بشرط أمْن اللبْس.
(مُتَفَجَّع عليه) لِفَقْده حقيقةً، أو لتنزيله مُنَزَّلة المفقود .. (المُتَفَجَّع عليه حقيقةً) يعني: أن يكون مفقودًا .. مات، حينئذٍ يُتَفجَّع عليه.
كقول القائل: وَقُمْتَ فِيهِ بِأَمرِ اللَّهِ يَا عُمرَا، كما سبق معنا أنه قاله عند موته، حينئذٍ صار مفقودًا حقيقةً.
أو لتنزيله مُنَزَّلة المفقود، كقول عمر وقد أُخْبِر بجدبٍ أصاب بعض العرب: واعمراه .. واعمراه، هو موجود حيّ، لكنه يَنْدُب نفسه: واعمراه .. واعمراه، تنزيلًا له مُنَزَّلة المفقود.
إذًا: (المتُفَجَّع عليه بـ (وا) أو (يا) لفقده حقيقةً أو لتنزيله مُنَزَّلة المفقود).
(والمُتَوَجًّع منه): وارأساه .. واظهراه .. وامصيبتاه، الأول في الذوات .. (المتَفَجَّع عليه)، (المُتَوجَّع) الألم، وهذا قسمان:
ما هو محل الألم نحو: وارأساه .. واظهراه، وهذا محل الألم.
أو النوع الثاني: ما هو سبب الألم: وامصيبتاه، نقول: هذا سببٌ للألم، إذًا: (المندوب) المُصطلح عليه عند النحاة هو: المُتَفَجَّع عليه بـ (وا) أو (يا)، ليخرج ما جاء لفظ (التَفَجُّع) ومشتقاته، ولا يسمى مندوبًا عند النحاة.
(تَفَجَّعت عليه) و(التَفَجُّع) المراد به: إظهار الحزن: وازيداه، و(المُتَوَجَّع منه) بقسميه كذلك نحو: واظهراه .. وارأساه .. وامصيبتاه.
إذًا: هذا المندوب، لذا قال الناظم هنا: (النُّدْبَة) لكنه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، لأن الندْبَة ليس هو عين ما أراده النحاة، لأن أحكامهم تتعلق بالألفاظ، حينئذٍ يكون من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول.
قال - رحمه الله تعالى -:
مَا لِلْمُنَادَى اجْعَلْ لِمَنْدُوبٍ وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ وَلاَ مَا أُبْهِمَا
وَيُنْدَبُ المَوْصُولُ بِالَّذِيْ اشْتَهَرْ كَبِئْرَ زَمْزَمٍ يَلِي وَا مَنْ حَفَرْ
[ ١٠٠ / ١ ]
(مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ): هذه قاعدة عامة .. (اجعل ما للمنادى لمندوبٍ)، (اجْعَلْ) هذا فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت، (مَا) اسم موصولٌ بمعنى الذي .. مفعول مُقدَّم .. مفعول أول لـ: (اجْعَلْ)، و(لِلمُنَادَى) هذا مُتعلِّق بمحذوف صلة الموصول، (لِمَنْدُوبٍ) هذا المفعول الثاني.
(اجعل ما للمنادى لمندوبٍ) ما هو الذي للمنادى؟ فـ (مَا) واقعة على الأحكام، يعني: الأحكام التي تَعلَّقت بالمنادى اجعلها لمندوبٍ، اجعل ما .. (ما) واقعةٌ في الاسم الموصول بمعنى: الذي، مُبْهَم .. واقعة على أحكام المُنَادى.
إذًا: اجعل الأحكام الثابتة السابقة التي ثبتت للمُنَادى من حيث البناء، ومن حيث النصب، ومن حيث ما يصح نداؤه وما لا يصح، جميع الأحكام السابقة اجعله لمندوبٍ، فَيُضَمُّ في نحو: وازيد .. يُضَّم، وإذا جئت بالألف أبدلت الضَمَّة فتحة: وازَيْدَا، فتكون الضَمَّة مُقدَّرة، إذا حذفتها تقول: وازيدُ .. واعُمرُ، وإذا جئت بالألف وهي ليست لازمة إنما غالبة، حينئذٍ تقول: واعُمرَا .. وا زَيْدَا.
إذًا: يُضَّمُّ المندوب كما يُضَّمُّ المُنَادى، ويُنْصَب في نحو: وا أمير المؤمنين كما ينصب المندوب: يا أمير المؤمنين، ونَصْبُه واضح بَيِّن، ويُنصَب إذا قيل: واطالعًا جبلًا، كما تقول: يا طالعًا جبلًا، لكن قوله: (اجعل ما للمُنَادى لمندوبٍ) وفي السابق قال: (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادًى) هناك حَكَم على الاسم المُستَغَاث بأنه مُنَادى، وهنا قال: اجعل الأحكام التي للمُنَادى لمندوبٍ، أليس فيه إشارة بأن المندوب ليس مُنَادى؟ ألا يفهم من عبارته أن المندوب ليس مُنَادى؟ لأنه لم يَحكم أنه مُناَدى كما حكم في باب الاستغاثة؟ الاستغاثة عَيَّن .. جَزَم:
إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَى خُفِضَا بِاللاَّمِ مَفْتُوحًَا كَيَا لَلْمُرْتَضَى
إذًا: حَكَم بكون الاسم المستغاث (مُنادى).
وهنا غَايَر في العبارة، فقال: (اجْعَل مَا لِلمُنَادَى لِمَنْدُوبٍ)، نقول: فيه إشارة إلى أنه - يعني: المندوب - في المعنى ليس بمُنَادى وهو كذلك، لأن المُنادى فيه إشارة إلى أنه في المعنى ليس بمُنَادى وهو كذلك، لماذا؟ لأن المُنَادى هو طلب إقبال، وهنا ليس فيه طَلَب إقبال، لأنه لم يَطْلَب إقباله.
وقيل: (منه) يعني: من المُنَادى.
وقيل: المندوب والمتعجب منه ليسا مناديين حقيقةً، وإنما هما مناديان مجازًا، إذًا: فيه خلاف: هل المندوب مُنَادى أو لا؟ لكن الظاهر أنه مُنَادى، ولذلك سبق عَدَّ حروف الندْبِ في أحرف النداء (وا) و(يا) إذا أُمِنَ اللبْس، ولذلك صَحَّ أن يُؤتى بـ (يا) وهي حرف نِداء قطعًا في الندْبَة، فَدَلَّ على أنه جزءٌ منه، إذ لو لم يكن كذلك حينئذٍ لما صَحَّ أن يؤتى بـ (يا) وهي الأصل في النداء بل هي أمُّ الباب: أن تستعمل في الندْبَة، وهذا فيه نوع طلب إقبال، إذا قيل: وارأساه، تنزيلًا للشيء المندوب مُنَزَّلة الشيء الذي يُخَاطب، ويُطْلَب إقباله أو دفعه ونحو ذلك.
إذًا: في قوله السابق في أول الباب .. باب المُنادى: عَدَّ (وا) لمن نُدب، و(يا) إذا أُمِنَ اللبْس، وعَدَّهما في باب المُنادى.
[ ١٠٠ / ٢ ]
إذًا: لكونه في الظاهر ليس مندوبًا، عَامَله هنا مُعامَلة المقابلة، فقال: (اجْعَل مَا لِلمُنَادَى لِمَنْدُوبٍ) يعني: كأنه مُقابلٌ له، لكن في الحقيقة عند التأمل، قد يُقال: بأن المندوب مُنَادى، وإن كان فيه نوع بحثٍ.
(مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) إذًا حُكم المندوب كحُكم المُنَادى فيُضَمُّ في حالة الضَّم، وينصب كذلك في حالة النصب، وإذا اضْطُّرَ إلى تنوينه، إذا ضَمَّ (وازيدُ) جاز ضَمُّه ونصبه: وافقْعَسُ هذا الأصل، مثل: وازَيْدُ، إذا اضْطُّرَ إلى تنوينه جاز رفعه ونصبه، كما هو الشأن فيما سبق، كقول الشاعر:
وَافَقْعسٌ وَأَيْنَ مِنِّي فَقْعَسُ ..
(وافقعسًا) أصله (وافَقْعَسُ) فلما اضْطُّرَ إلى تنوينه حينئذٍ رَدَّه إلى أصله وهو النصب، ويجوز: وافقْعسٌ بالرفع.
إذًا: كل ما ثَبَت للمُنَادى من الأحكام يَثبُت للمندوب، لكن من حيث ما يصح ندائه وما لا يصح، وما يصح ندبه وما لا يصح، القاعدة هذه: (مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) تَدُل على أن كُلَّ ما نُودِي هناك يَصِح نَدْبُه هنا، ولكن هذا ليس على ظاهره، ولذلك استثنى الناظم بقوله:
وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ وَلاَ مَا أُبْهِمَا
وَيُنْدَبُ المَوْصُولُ بِالَّذِيْ اشْتَهَرْ
إذًاَ: ليس كل ما صَحَّ نِداؤه صَحَّ ندبه، بل هو خاصٌ بما سيذكره.
(وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ) إذًا: بَعدمَا بَيَّن الحُكم نَبَّه على ما يمتنع الإتيان به في حالة الندب، قال: (وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَب) يعني: والذي نُكِّرَ .. (الذي) مبتدأ .. (ما) هنا، و(نُكِّر) فعل ماضي مُغيَّر الصيغة، والضمير نائب الفاعل يعود على (ما).
(لَمْ يُنْدَبْ) يعني: لا يجوز ندْبُه، إذًا: كل نكرة لا يجوز ندبها، سواءٌ كانت نكرة مقصودة أو لا، إذًا: خَالَف المندوب المُنَادى في كونه يَختص بالمعرفة، فالنكرة لا وجود لها في باب المندوب.
وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ وَلاَ مَا أُبهِمَا، هذا الثاني، يعني: ولا يُنْدَب ما .. (مَا) معطوفٌ على ما نُكِّرَ، (أُبهِمَا) من الإبهام، الألف للإطلاق: وهو فعل ماضي مُغيَّر الصيغة، والمبهم المراد به هنا ثلاثة أشياء: اسم الإشارة، والضمير، والموصول بما لا يعيِّنه.
إذًا: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) المبهم وهو اسم الإشارة لا يَصِح نَدْبُه مطلقًا، فلا يقال: (واهذاه) على أنه مندوب، ولا: (واأنتاه) أنتَ أتى بألف الندْبَة، نقول: هذا لا يصح، ولا: (وامن ذهباه) الذي ذهب، من هو الذي ذهب؟ غير مُعيَّن، هذه صلة موصول (مَنْ)، (مَنْ) سيأتي أنه يجوز نَدْبُها لكن بشرط: أن تكون الصِّلَة مشهورة .. مُتعيِّنة بذاتها، موضحة لـ (من) لأن (من) مبهم.
حينئذٍ إذًا كانت الصلة .. صلة الموصول واضحة بَيِّنة مُعيَّة جاز ندبها وإلا فلا، فيكون الأصل في الموصول: أنه لا يصح ندبه، لأنه مُبهَم هذا هو الأصل، ولو عُرِّف بالصلة، إلا إذا كانت الصلة مشهورة تغني عن المعرفة، يعني: في قوة المعرفة.
[ ١٠٠ / ٣ ]
إذًا لا يُقال: (واهذاه) ولا: (واأنتاه) ولا: (وامن ذهباه) هذه الثلاثة داخلة في قوله: (وَلا مَا أُبهِمَا) يعني: ولا يُنْدَب ما أبهم، (ما) اسم موصول، والموصول مع صلته في قوة المشتق، كأنه قال: (وَمَا نُكِّرَ) (المنكر لم يندب) و(المبهم لا يندب) ولا يندب المبهم، لماذا؟ قالوا: لأن غَرَض الندْبَة وهو الإعْلام بعظمة المصاب مفقودٌ في هذه الثلاثة: (وامصيبتاه) مصيبة عظيم حلت بها، حينئذٍ الإعلام بعظمة المصاب مفقودٌ في هذه الثلاثة، فلذلك لا يُنْدَب إلا المعرفة السالمة من الإبهام هذه القاعدة، لأن هذا مَعرِفة لكنه مُبْهَم.
إذًا: (وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ) مفهومه: أنه لا يُنْدَب إلا المعرفة، ثُمَّ المعرفة قد تكون مبهمةً، وقد تكون سالمةً من الإبهام، لأن قوله: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) أخرج اسم الإشارة وهو معرفة، ونحن نقول: (لا يندب إلا المعرفة).
إذًا: المعرفة قسمان:
معرفة مبهمة .. فيها إبهام، وهو: اسم الإشارة، والضمير، والموصول من حيث هو موصول، فهذه الثلاثة مُبْهمة، قال: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) إذًا: هذا استثناءٌ بعد استثناء.
فقوله: (مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) عام، حينئذٍ كما أنه يُنَادى النكرة يندب النكرة، وكما أنه يُنَادى الموصول بشرطه السابق، كذلك في الندْبَة، قال: (وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ) إذًا: أخرج النكرة.
مفهومه: أنه لا يُنْدَب إلا المعرفة، والمعرفة منها ما هو مبهم، ومنا ما هو واضح، حينئذٍ لمَّا كان المبهم لا يصح نداؤه ولو كان معرفة، قال: (وَلاَ مَا أُبهِمَا)، إذًا: فلذلك لا يُنْدب إلا المعرفة السالمة من الإبهام.
وأمَّا (الموصول) فقلنا: فيه تفصيل.
قال هنا: اختار مذهب الكوفيين خلافًا للبصريين، وهذا تصريحٌ منه بتجويز ما منعه جماهير البصريين، بل يكاد يكون إطباق أنه لا يجوز ندب الموصول مطلقًا، فهو داخل في قوله: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) لكن ابن مالك منصف، رَاعَى مذهب الكوفيون هنا.
(وَيُنْدَبُ المَوصُولُ بِالَّذِي اشْتَهَرْ) الموصول بالصلة أو بالوصل المشْتَهِر، يعني: الصلة إذا كانت شهيرة .. مشتهرة واضحة بيِّنة، إذا تَكلَّم بها المتَكلِّم علمها كل سامع جاز، وما لا فلا، لكن هل كل موصول؟ قوله: (يُنْدَبُ المَوصُولُ) هذا فيه تعميم، لأن الموصول: منه ما كان مبدوءًا بالهمزة كـ: (الذي) و(التي) و(الذين) ومنه: ما ليس كذلك.
أجمع الكوفيون والبصريون قولًا واحدًا: على أنه لا يُندَب المبدوء بالهمزة، فلا يقال: (واالذي) مَن حَفَر بئر زمزمٍ، ولو كان شهيرًا، لكونه مبدوءًا بالهمزة.
إذًا: الموصول المبدوء بالهمز، هذا ممنوع مطلقًا، ثُمَّ ما لم يكن مبدوءًا بالهمزة كـ (من) و(ما) هذا نوعان:
منه ما صلته .. جملة الصلة شهيرة، ومنه ما ليس كذلك.
البصريون قلنا: على المنع مطلقًا سواءً كان مبدوءًا بالهمزة أو لا، والكوفيون فَصَّلُوا، قالوا: نَنْظر إلى الموصول، ما هي صلته؟ إن كانت شهيرة واضحة بيِّنة ترفع الإبهام عن الموصول، ويعرفها كل سامع جاز نَدْبُه، وإلا فالمنع على الأصل.
[ ١٠٠ / ٤ ]
إذًا قوله: (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ) هذا فيه رجوعٌ إلى قوله: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) لأن الموصول مبهم عام، الناظم يستثني جملة بعد جملة.
(وَلاَ مَا أُبهِمَا) دخل فيه الموصول مطلقًا، ثُمَّ استثنى الموصول بالصلة المشتهرة، قال: (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ بِالَّذِي اشْتَهَر) إذًا: دخل في قوله: (مَا أُبهِمَا): الموصول بالذي لم يشتهر، لكن بقي عليه تخصيص يؤخذ من المثال، وهو أن المراد بقوله: (المَوصُولُ) ما ليس مبدوءًا بهمزة الوصل، لأن قوله: (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ) عام، يشمل كل موصول سواءٌ بُدء بالهمزة أو لا، لكن نقول: الناظم يُعْطِي الأحكام بالأمثلة، لأنه قال: (كَبِئْرَ زَمْزَمٍ يَلِي وَا مَنْ حَفَر) .. (مَنْ) اسم موصول بمعنى: الذي.
فحينئذٍ نُقيِّد قوله: (المَوصُولْ) بكونه لم يبدأ بهمزة الوصل، أجمعوا على عدم جواز نُدْبَة الموصول المقترن بـ (أل): (الذي) و(التي) و(الذين)، واختلفوا في جواز نُدْبَة الموصول غير المقترن بـ (أل) فمنعه البصريون مُطلقًا دون استثناء، وذهب بعضهم إلى الجواز إذا كانت الصلة لما اشتهر، كالمثال الذي ذكره الناظم.
إذًا قوله: (المَوصُولُ) أي: الخالي من (أل)، أي: عند الكوفيين، وهو عند البصريين شاذ.
واتفق الجميع على منع نُدْبَة الموصول المبدوء بـ (أل) وإن اشتهرت صلته، كالمثال الذي ذكره، لو قال: (والذي حفر بئر زمزمٍ) من الذي حفر بئر زمزم؟ عبد المطلب، ولذلك لمَّا كانت هذه مشتهرة، كأنه قال: (واعبد المطلباه .. وامن حفر بئر زمزمٍ) نُدْبَة هذا، واتفق الجميع على منع ندبة الموصول المبدوء بـ (أل) وإن اشتهرت صلته فلا يُقال: (وا الذي حفر بئر زمزماه) إذ لا يُجْمَع بين حرف الندْبَة و(أل).
إذًا: (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ بِالَّذِي اشْتَهَر) .. (بِالَّذِي) جار مجرور مُتعلِّق بقوله: (المَوصُولُ)، و(الموصول) هذا نائب فاعل (يُنْدَبُ)، و(يُنْدَبُ) مُغيَّر الصيغة، (بِالَّذِي) متعلقٌ به، (اشْتَهَر) يعني: المشتهر اشتهارًا يُعيِّنُه ويرفع الإبهام، فصار معرفةً واضحة بينة.
(كَبِئْرَ زَمْزَمٍ يَلِي)، (بِئْرَ) هذا حكاية لأنه مفعولٌ به، حينئذٍ يكون مجرورًا بالكاف، لكن الحركة مُقدَّرة.
(بِئْرَ زَمْزَمٍ يَلِي) الذي هو بئر زمزمٍ، قول القائل: (وَا مَنْ حَفَرْ)، (وَا مَنْ حَفَرْ) الجملة هذه مَحْكية: مفعول به لقوله: (يَلِي).
(وا من حفر بئر زمزمٍ)، (وا) حرف نُدْبَة، (من) اسم موصول ليس مبدوءًا بـ (أل)، (وا من حفر بئر زمزمٍ) الذي حفر بئر زمزم معروف وهو عبد المطلب، كأنه قال: إذًا قالوا بمنزلة (واعبد المطلباه) وهو معرفة واضح بَيِّن، كأنه عَدَلَ عن العَلَم إلى وصفٍ مختصٍ بالعَلَم، وهذا جائزٌ وهو بيِّنٌ واضح.
إذًا الخلاصة: ليس كل منادىً يَصح نَدْبُه، بل إنما يُندب ما ليس بنكرة، ولا مبهمًا من عَلَمٍ، ومضافٍ إلى معرفةٍ تُوضَّحُ بها، وموصولٍ بما يُعيِّنه خالٍ من (أل) نحو: (وازيداه) .. (وغلام زيداه) .. (وامن حفر بئر زمزماه) هذا الذي يَتعلَّق به من حيث الأحكام العامة.
[ ١٠٠ / ٥ ]
قال الشارح هنا: المندوب هو المتَفَجَّعُ عليه نحو: (وازيداه) والمتَوَجَّعُ منه نحو: (واظهراه) ولا يُندب إلا المعرفة، فلا يُندب النكرة .. فلا يقال: (وارجلاه) - رجُل .. (وارجلاه) ما يصح هذا - ولا المُبهَم كاسم الإشارة نحو: (واهذا)، كاسم الإشارة: يعني ليس خاصًا بها، إنما هو أعَم، ندخل معه الضمير، لا يُقال: (وا أنتاه) هذا فاسد، (واهذاه) ولا الموصول إلا إن كان خاليًا من (أل) واشتهر بالصلة كقولهم: (وامن حفر بئر زمزماه).
ثم قال:
وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ صِلْهُ بِالأَلِفْ مَتْلُوُّهَا إِنْ كَانَ مِثْلَهَا حُذِفْ
كَذَاكَ تَنْوِينُ الَّذِيْ بِهِ كَمَلْ مِنْ صِلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا نِلْتَ الأَمَلْ
(وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) يعني: نهايته وآخره، وهو الحرف الأخير، (صِلْهُ بِالأَلِفْ) وهي ألف الندْبَة، حينئذٍ إذا وصَلْته بالألف، الألف لا يناسبها ما قبلها إلا الفتح، فإذا كان مضمومًا في الأصل، لأننا قلنا: (مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) فيُضَّمُ، في نحو: (وازيدُ) هذا مبني على الضَّم، حينئذٍ قال: (صِلْهُ بِالأَلِفْ) والألف لا يناسبها ما قبلها إلا الفتح، فتقول: (وازيدا) بالألف، أين الضَمَّة؟ نقول: هذه الحركة أُبْدِلَت الضَمَّة فتحًا لمناسبة الألف حينئذٍ: (زيدا) نقول: هنا مُقدَّرٌ الضَمُّ عليه لحركة المناسبة، وكذلك: (واأمير المؤمنا) .. (واأمير المؤمنينا) بالنون ثابتة، (واغلام زيدا).
(وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ صِلْهُ بِالأَلِفْ)، (وَمُنْتَهَى) هذا منصوبٌ على الاشتغال، وهو مضاف، و(المَنْدُوبِ) مضاف إليه، أي: صل منتهى المندوب، (صِلْهُ بِالأَلِفْ) .. (بِالأَلِفْ) هذا مُتعلِّق بقوله: (صِلْهُ)، و(صِلْهُ) أمر لَكِنَه المراد به الجواز، إذ يجوز خُلوُّ المندوب عن هذه الألف.
(صله جوازًا لا وجوبًا)، (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) أي: آخر حرفٍ منه، ومنتهى المندوب مطلقًا، أي: منتهاه حقيقةً أو حكمًا، كما في الموصول، فإن الألف تكون في آخر الصلة، المندوب ما هو؟ (وامن حفر بئر زمزم) أين المندوب هنا .. ما الذي نُعْرِبه أنه مندوب؟ (مَن) إذًا: إذا ألحقناه بألف الندْبَة هل نلحقها بـ (من) أو بآخر الصلة؟ آخر الصلة.
إذًا قوله: (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) هنا لحق صلة الموصول ولم يلحق المندوب نفسه، لكن نقول: لحقه حُكمًا، لأن الموصول مع صلته في قوة الكلمة الواحدة، وعند البيانيين: في قوة المشتق، ولذلك يقول: (مُنْتَهَى المَنْدُوبِ) يعني: آخره، (صِلهُ بِالأَلِفْ) يعني: منتهاه حقيقةً كقولنا: (وازيدا) .. (زيد) هو المندوب آخره الدال، وصلته بالألف، وحكمًا في الموصول .. صلة الموصول، لأنك تقول: (وامن) أنت ما تقول: (وامنَا حفر) لا وإنما تقول: (وامن حفر بئر زَمْزَمَا) تأتي بالألف بعد الميم، حينئذٍ لحقت الألف .. ما لحقت المندوب، وإنما لحقت صلة المندوب فهي له حُكمًا لا حقيقةً.
إذًا: (مُنْتَهَى المَنْدُوبِ) حقيقةً أو حكمًا، و(حكمًا) المراد به هنا كما في الموصول، فإن الألف تكون في آخر الصلة وهو آخر الموصول حكمًا، (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) أطلق الناظم هنا، نقول: مطلقًا، حينئذٍ يشمل المفرد، والمضاف، والشبيه بالمضاف.
[ ١٠٠ / ٦ ]
فتقول في المفرد: (وازيدا) أصلها: (وازَيْدُ) ألحقته ووصلته بألف الندْبَة، قلت: (وازيدا) فتحت الدال لمناسبة الياء، وفي المضاف: (يا غلام زيدا) وصلته بالمضاف إليه، لأنه كالكلمة الواحدة، ولذلك حُذِفَ التنوين هنا: (واغلام زيدٍ) هذا الأصل، حَذَفت التنوين كما سيأتي:
كَذَاكَ تَنْوِينُ الَّذِي بِهِ كَمَلْ .. تحذِفه، حينئذٍ تقول: (واغلام زيدا) .. وكذلك تقول: (واعبد الملكا .. واعبد الملك) وصَلْته بألف الندْبَة في آخره، وهو المضاف إليه.
وفي المشبه به: (واثلاثةً وثلاثينا) إذا كان اسم رجل ثلاثةً وثلاثين، (واثلاثةً وثلاثيناه)، وفي الصلْة: (وامن حفر بئر زمزما) بالألف، وفي المركب: (وامعد كربا) وفي المحكي، لو سُمي رجل بقام زيد: (واقام زيدا) يَلْحق الأخير أيضًا، فيمن اسمه: (قام زيد).
إذًا قوله: (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) مُطْلقًا .. مُفرَدًا، أو مضافًا، أو شبيهًا بالمضاف، أو مُركبًا عددي، أو مركبًا مَزْجي، فيَعُم .. كل ما صَحَّ نَدْبُه تَصِلُه بالأخير، ثُمَّ قد يكون آخرًا له حقيقةً، وقد يكون حُكمًا.
وأجاز يونُس وصْلَ ألف الندْبَة بآخر الصفة لو وصفته: (وازيد الظريفا) هذا حُكمًا أو حقيقةً؟ قال يونُس: يجوز أن تُلْحِق الألف بالصفة: (ظريف) بدلًا من أن تقول: (وازيدا الظريف) تقول: (وازيد الظريفا) تأتي بالألف في الصفة، يعني: تُلحِقها بالصفة، هذا آخر المندوب حُكمًا لا حقيقةً: (وازيد الظريف)، وعزاه في الهمع إلى الكوفيين؛ لأن مذهب الكوفيين جواز إلحاق ألف النُدْبَة بالصفة، يعني: صفة المندوب.
وحينئذٍ لم يتصل بالمندوب، وإنما اتصل بآخره حُكْمًا، والمشهور هو الأول.
إذًا: (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) مُطلقًا، (صِلهُ بِالأَلِفْ) .. صِلْه جوازًا بالألف، (بِالأَلِفْ) هذا مُتعلِّقٌ به.
(مَتْلُوُّهَا إِنْ كَانَ مِثْلَهَا حُذِفْ): واموسى، صل به الألف؟ هذا ما يُمكن، (مَتْلُوُّهَا) سابقها إن كان مثلها ألف، كما في ندبة (موسى) تقول: (واموساه) تحذف الألف الأصلية السابقة، ألف (موسى) تحذفها، وتأتي بألف الندْبَة، لأنه التقى عندنا ألفان ساكنان، ولا يمكن التحريك .. لا يمكن أن يجتمعا البتة، حينئذٍ يَتعيَّن أن نَحذف الأولى؛ لأنها حرف بِنْيَة، وأن نُبْقِي الثانية؛ لأنها حرف معنى فنقول: (واموساه) بِحذف الألف الأولى لأنها صارت ألف واحدة: (واموسا) هذه ألف واحدة، أين الألف الثانية؟ نقول: حُذِفت، وهي الألف الأصلية السابقة.
ولذلك قال: (مَتْلُوُّهَا)، (مَتْلُوُّهَا) مبتدأ حُذِفْ هذا الخبر، (إِنْ كَانَ مِثْلَهَا) إن كان ألفًا مثلها .. إن كان هو المتلو، و(مِثْلَهَا) هذا خبر كان، حُذِفْ وجب حذفه، لأجلها .. لأجل ألف الندْبَة، لأنه جيء بها لمعنى نحو: (واموساه).
وأجاز الكوفيون قلبه ياءً قياسًا فقالوا: (وامُوسِياه) بقلب الألف الأولى ياءً، إذًا: إذا كان آخر المندوب ألف عند البصريين وجماهير النحاة يجب حذف الألف الأولى للتخلُّص من التقاء الساكنين التي هي: ألف موسى، وجوَّز الكوفيون قلبها ياءً (وامُوسِياه) قلبت الألف ياءً.
[ ١٠٠ / ٧ ]
إذًا: (مَتْلُوُّهَا) وهو منتهى ما يتلوها .. (مَتْلُوُّهَا) يعني: ما تتلوه هي، (مَتْلُوُّهَا) هذا مبتدأ .. (مَتْلُوُّهَا) وهو منتهى المندوب إن كان ألفًا مثلها حُذِف لأجلها.
(كَذَاكَ) يُحْذَف لأجل ألف الندْبَة، قوله: (بِالأَلِفْ) هذه (أل) هنا للعهد الذهني، ليست أيَّ ألف، وإنما المراد بها: الألف المعهودة عند النحاة في هذا الباب، أي: العهد الذهني، وهي المسماة: بألف الندْبَة، (كَذَاكَ) يُحْذَف لأجل ألف النُدْبَة: تَنْوِينُ الَّذِي بِهِ كَمَلْ، كَمُلْ .. كَمَلْ يجوز فيه الوجهان، لكن هنا بالفتح من أجل الأمل.
كَذَاكَ تَنْوِينُ الَّذِيْ بِهِ كَمَلْ مِنْ صِلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا نِلْتَ الأَمَلْ
(نِلْتَ الأَمَلَ) فعل وفاعل ومفعولٌ به .. تتميم للبيت، إذًا: يُحْذَف لأجل ألف الندْبَة التنوين، مثل ماذا؟ (يا غلام زيدٍ .. واغلام زيدٍ)، (غلام زيدٍ) مضاف ومضاف إليه، والمضاف إليه هنا مُنوَّن واجب التنوين، قلنا: تَصِله الألف .. صله .. آخره ألف، فتقول: (واغلام زيدا) حَذَفت التنوين (زيدٍ .. زيدا) إذًا: يُحْذَف التنوين لأجل ألف الندْبَة كما تُحذف الألف إذا كانت أصلية في أصل الكلمة.
كذلك إذا كان في الصلة، لأنه قال: (مِنْ صِلَةٍ) .. (وامن حفر بئر زمزمٍ .. زمزما)، (زمزمٍ) فيه وجهان: هل هو ممنوع من الصرف أو لا؟ لكن على الثاني، (زمزمٍ .. زمزما) حَذَفْت التنوين لأجل ألف الندْبَة، لماذا حذفت التنوين؟ تخلصًا من التقاء الساكنين، لا يمكن الجمع، ويُذْكَر عِلَّة أخرى.
(كَذَاكَ تَنْوِينُ) يعني: التنوين الذي في آخر المندوب يُحْذَف، (كَذَاكَ) هذا خبر مقدم، و(تَنْوِينُ) هذا مبتدأ مؤخر وهو مضافٌ، و(الَّذِي) مضاف إليه، و(كَمَل .. بِهِ) هذا صلة الموصول، و(كَمَلْ) أي: المندوب .. الضمير يعود على المندوب، (مِنْ صِلَةٍ) بيانٌ لـ: (الذي) يعني ما هو الذي كمل؟ لأن التنوين معروف أنه يُكَمِّل مدخوله، لأنه يَدُّل على تَمكينه، ويَدُّل على كمام اسميته، وتَمَكُّنِه في باب الاسمية وباب الإعراب، فهو مُكَمِّلٌ له، وما عداه فهو ناقص.
(مِنْ صِلَةٍ) مثل: بئر زمزما، (أَو غَيرِهَا) يعني: غير الصلة، كما مَثَّلْناه بالشبيه بالمضاف: (واغلام زيدٍ .. واغلام زيدا).
(نِلتَ الأَمَلْ) قيل لضرورة أن الألف لا يكون قبلها إلا فتحة، والتنوين لا حظ له في الحركة بل هو ساكن، لأن ألف الندْبَة ألفٌ، ومعلومٌ أن الألف لا يناسبها ما قبلها إلا أن يكون مُحرَّكًا، ولا يناسبها أن يكون ساكنًا، مُحرَّك لا بد أولًا، أمَّا الساكن فلا، حينئذٍ إذا كان ثَمَّ ساكن فلا يجتمعان، لأنه لا يُمكن أن يُحَرَّك الأول، لأنه إذا كان ألف فالأصل: أن الألف لا تَقبَل الحركة، فإذا كان تنوين فالتنوين كذلك مُلازِم للسكون هذا الغالب، لأن التنوين قد يُحَرَّك: «عَادًا الأُولَى» [النجم:٥٠] حُرِّك التنوين لا إشكال فيه، لكن على جهة التعميم، قالوا: التنوين ساكن والألف ساكن، حينئذٍ ما قبل الألف يلزم أن يكون مُحرَّكًا والتنوين ليس بِحركة.
[ ١٠٠ / ٨ ]
لضرورة أن الألف لا يكون قبلها إلا فتحة، والتنوين لا حظ له في الحركة، فعِلَّة وجود حَذْف التنوين هي التخلص من التقاء الساكنين، وهذا مذهب سيبويه والبصريين: (أنه يجب حذف التنوين كما تُحْذَف الألف).
وأجاز الكوفيون فيه مع الحذف وجهين، يعني: جَوَّزوا ما ذهب إليه سيبويه وهو: حذف التنوين، فيُقال: (يا غلام زيدا) عند الكوفيين كما هو الشأن عند البصريين، لكن جَوَّزوا مع ذلك وجهين: فتحه وكسره. جَوَّزوا مع حذف التنوين وجهين: فتحه فتقول: (واغلام زيدنا) يبقى التنوين ويُحرَّك: «عَادًا الأُولَى» [النجم:٥٠] هذا بالكسر.
إذًا: قد يُحرَّك التنوين لأنه نون، وإذا كان نونًا فحينئذٍ النون تقبل الحركة، فأثبتوه كما هو، قالوا: بدلًا من حذفه، لأنه حرف معنى، حينئذٍ إذا كان حرف معنى فالأصل: بقاؤه ولا يجوز حذفه إلا عند عدم تَمكُّن تحريكه، وقد أمكن تحريكه. فقالوا: تقول: (واغلام زيدناه) زيدٍ قالوا: نبقيه ونُحرِّكه بالفتحة، هذا مذهب جيِّد.
وكسره مع قلب الألف ياءً، إذا كُسِر التنوين .. نون مكسورة وجاء بعدها الألف، معلوم أن الألف إذا كُسِر ما قبلها قُلِبَت الألف ياءً، كما أنه إذا ضُمَّ ما قبلها قُلِبَت واوًا، فقيل: (واغلام زَيِدَنِيهِ) .. (زَيدَنِيهْ) بإسكان الهاء .. هاء السكت هذه .. تكون ساكنة، (واغلام زَيدَنِيهْ) النون التي هي التنوين مكسورة، ثم جاءت بعدها ألف الندْبَة، فجاءت الألف وقبلها مكسور، وجب قلب الألف ياءً فقيل: (واغلام زَيدَنِيهْ) بإسكان الهاء.
إذًا قوله: (كَذَاكَ) أي: يُحْذَف لأجل ألف الندْبَة (تَنْوِينُ الَّذِي بِهِ كَمَلْ مِنْ صِلَةٍ أَوْ غَيرِهَا) هذا واجبٌ عند سيبويه والبصريين، وأمَّا عند الكوفيين فليس بواجب، وإنما هو جائز مع كسر أو فتح التنوين، يجوز الكسر ويجوز الفتح، إلا أنه إذا فُتِحَ بقيت الألف على حالها، وإذا كُسِر قلبت الألف ياءً.
قال الشارح هنا: يَلحق آخر المُنَادى المندوب ألفٌ .. انظر: حَكَم بكون المندوب مُنَادى. ألفٌ نحو: (وازيدا) ويُحْذَف ما قبلها إن كان ألفًا كقولك: واموساه، فحُذِف ألف موسى وأُتي بالألف للدلالة على الندْبَة، أو كان تنوينًا في آخر صلةٍ أو غيرها، نحو: (وامن حفر بئر زمزما) هاء السَّكْت ليست بلازمة، ونحو: (يا غلام زيداه) فأتي بالألف هنا وحُذِف التنوين، وهذا على مذهب البصريين واجب، ولا يجوز تحريك التنوين البتة، وجَوَّزه الكوفيون فتحًا وكسرًا.
وَالشَّكْلَ حَتْمًَا أَوْلِهِ مُجَانِسَا إِنْ يَكُنْ الْفَتْحُ بِوَهْمٍ لاَبِسَا
(وَالشَّكْلَ) أي: الحركة، ابن مالك يُطلق على الحركة (الشكل):
وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ ..
فالشكل، يعني: الحركة، (وَالشَّكْلَ حَتْمًا أَولِهِ حَرْفًا مُجانِسًا) قلنا: الألف يلزم ما قبلها أن يكون مفتوحًا، حينئذٍ إذا كان المندوب مفتوحًا في أصله فلا إشكال: (واأحمداه) .. جاءت الألف، (وازيداه) كذلك لا إشكال.
وإذا كان مكسورًا .. آخره كسر أو ضَّم، حينئذٍ وجب قلب الكسرة فتحة لمناسبة الألف، ووجب قلب الضَّمَّة فتحة لمناسبة الألف.
[ ١٠٠ / ٩ ]
إذًا: إذا جيء بألف الندْبَة وجب أن يكون ما قبلها مفتوحًا، إن كان مفتوحًا حينئذٍ لا إشكال، وإن كان مكسورًا أو مضمومًا حينئذٍ وجب قلب الكسرة والضَّمَّة فتحة .. هذه القاعدة، إلا إذا وقع لبسٌ أو خِيف اللبس، وهو ما إذا كان المضاف مُضافًا إلى ضمير، وهذا الضمير للمخاطبة أو للمخاطب، حينئذٍ إذا غَيَّرت الكسرة إلى الفتحة، أو الضمة إلى الفتحة أوقعنا في لبْسٍ.
لو قلت: (غُلامَكِ .. واغُلامكِ)، (غلام) هذا منصوب بالفتحة، وهو مضاف والكاف: مضاف إليه، الكسرة هذه هل لها معنى؟ مُخاطبة تَدُّل على امرأة .. تُخاطب امرأة: (واغلامك) لو أرَدت أن تَصِله بألف الندْبَة، لا يُمكن أن تَصِله إلا إذا قلبت الكسرة فتحة، ماذا يكون النتيجة؟ (واغُلامَكَا) تُخاطب رجل أو امرأة؟ أوقعنا في لبْسٍ.
كذلك إذا قلت: (غلامَه .. واغلامَهُ) المُخاطب هنا .. الضمير عائد على مُذَكَّر، فإذا وَصَلْته بألف الندْبَة وجئت بالألف قَلَبْت الضَّمَّة فتحة، فقلت: (واغلامَهَا) انقلب المعنى من مُذَكَّر إلى مُؤنَّث، كما أن الأول انقلب المعنى من المؤنَّث إلى المُذَكَّر.
حينئذٍ في هاتين الحالتين إذا أوقعا في لبْسٍ، قال الناظم: وَالشَّكْلَ حَتْمًا أَولِهِ حرفًا مُجَانِسًا إِنْ يَكُنِ الفَتْحُ بِوَهْمٍ لاَبِسَا إن أوقع الفتح .. فتح المكسور .. قلب الكسرة فتحة، أو الضمة كسرة .. إن أوقع في لبْسٍ وجَبَ أن تأتي بـ .. (أَولِهِ حرفًا مُجَانِسًا) بأن تَقْلِب الألف حَرَفًا من جنس الحركة، فتقول في (غُلامَكِ) تأتي بالألف، ثُم ألفٌ قبلها كسرة، فماذا نصنع؟ نَقْلِب الألف ياء، نقول: (واغلامكيه) لأنه لا يُمكن أن تبقى الألف كما هي.
كما قال الكوفيون في: (واغلام زَيدَنِيهِ) لمَّا كسروا التنوين وجَبَ قلب الألف ياءً، هنا تَقْلِب الألف من جنس الحركة السابقة، إن كانت الحركة كسرة قَلَبت الألف ياءً، وإن كانت الحركة السابقة ضَمَّة، وامتنع قلبها ألفًا، حينئذٍ وجَبَ قلب الألف واوًا، فتقول: (واغلامهُوه .. واغلامكيه).
(وَالشَّكْلَ) بالنصب .. من باب الاشتغال، (أَولِهِ) أولِ الشكل أي: الحركة، وهو منصوبٌ بفعلٍ مضمر واجب الإضمار، دَلَّ عليه اللاحق، (حَتْمًا) هذا حالٌ من الضمير في (أَولِهِ) المفعول الأول.
(أَولِهِ) حالة كونه حتْمًا أي: محتومًا، (أَولِهِ حرفًا مُجَانِسًا) مُجَانِسًا هذا صفة لموصوفٍ محذوف، و(مجانس) هذا المفعول الثاني.
(أَوْلِ) هذا يَتعدَّى إلى مفعولين، فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تَقْدِيره أنت، والهاء (أَولِهِ) في محل نصب مفعول أول، و(حَتْمًا) حالٌ منه، و(مُجَانِسًا) هذا مفعولٌ ثاني لـ: (أَولِهِ)، مُجانسًا للحركة السابقة، فإن كانت كسرة حينئذٍ تأتي بالياء، وإن كانت ضَمَّة جئت بالواو.
(فَأَولِ الكسرة ياءً والضمة واوًا)، هكذا كأنه قال: (فَأَولِ الكسرة ياءً والضمة واوًا) متى؟ (إِنْ يَكُنِ الفَتْحُ بِوَهْمٍ لاَبِسَا) لاَبِسَا الألف هذه بدل تنوين، يعني: دفعًا للبْس.
[ ١٠٠ / ١٠ ]
(إِنْ يَكُنِ) هذا قيد، (إِنْ يَكُنِ الفَتْحُ) اسم يكن، (لاَبِسًَا) هذا خبر يكن، (بِوَهْمٍ) هذا مُتعلِّق بقوله: (لاَبِسًَا) من لبَستُ الأمر عليه إذا خَلَطُّته فلم يُعْرَف وجهه، (بِوَهْمٍ) قلنا: هذا جار مجرور مُتعلَّق بـ: (لاَبِسَا)، والوهم بسكون الهاء ذهاب ظن الإنسان إلى غير المراد، حينئذٍ يُقال: وَهَمْتُ .. أَهِمُ .. وهْمًَا، بخلاف الوَهَم .. الوَهَم غلط، وأمَّا الوَهْم غلطٌ في الذهن، والوَهَم غلطٌ في اللسان.
(إِنْ يَكُنِ الفَتْحُ بِوَهْمٍ لاَبِسَا) .. (إن يكن الفتح لابسًا بوهمٍ)، وهذا الإتباع متفقٌ على التزامه، إذًا معنى البيت: أن آخر المندوب إذا كان مُحرَّكًا بالكسر أو الضَّم فإن ألف الندْبَة تُقْلَب حرفًا مُجانسًا للحركة ولا تُحْذَف الحركة، ويُؤتى بالحركة المناسبة، لأن الندْبَة إن كانت هذه الحركة وهي الفتحة مُوقعة في اللبْس حينئذٍ لا بُدَّ من قلب الألف واوًا، أو ياءً.
قال الشارح: إذا كان آخر ما تلحقه ألف الندْبَة فتحةً لحقته ألف الندْبَة من غير تغييرٍ لها - وهذا واضح بين - فتقول: (واغلام أحمداه)، (أحمدَا) الدال مفتوحة، فإذا لحقته ألف الندْبَة بقي كما هو بلا تغيير ولا إشكال، وإن كان غير ذلك وجَبَ فتحه، يعني: إن لم يكن مفتوحًا بأن كان مضمومًا أو مكسورًا وجب فتحه، لأن ألف الندْبَة لا يناسبها ما قبلها إلا الفتح.
" إلا " هذا استثناءٌ من وجوب الفتح " إلا إن أوقع قلب الكسرة أو الضَمَّة فتحًا في لبْسٍ، فمثال ما لا يُوقع في لبْسٍ قولك في غلام زيدٍ: (واغلام زيدا) " قلبت الكسرة فتحة، وهذا لا إشكال فيه واضح بيِّن، لأنه مضاف إليه .. المضاف إليه معلوم، وفي زيد: (وازيداه) ومثال ما يوقع فتحه في لبسٍ: (وا غلامهوه .. وا غلامكيه) وأصله: (وا غلامكِ) بكسر الكاف خطاب لمؤنثة، (وا غلامهُ) بضم الهاء، الضمير هنا للغَيْبَة .. مُذَكَّر، فيجب قلب ألف الندْبَة بعد الكسرة ياء، ويجب بعد الضَمَّة واوًا، لأنك لو لم تفعل ذلك وحذفت الضَمَّة والكسرة، وفتحت وأتيت بألف الندْبَة فقلت: (وا غلامكاه) التبس المعنى هل هو لمُذَكَّر أو لمؤنَّث، بل ظاهره أنه لمُذَكَّر.
(واغلامهاه) لالتبس المندوب المضاف إلى ضمير المخاطب بالمندوب المضاف إلى ضمير المخاطبة، والتبس المندوب المضاف إلى ضمير الغائب بالمندوب المضاف إلى ضمير الغائبة، وإلى هذا أشار بقوله: (وَالشَّكْلَ حَتْمًا) إلى آخره، أي: إذا شُكِل .. حُرِّك آخر المندوب بفتحٍ أو ضَمٍّ أو كسرٍ، فأوله مجانسًا له من واوٍ أو ياء، إن كان الفتح موقعًا في لبسٍ.
ولا أدري لماذا ذَكَر الفتح هنا ابن عقيل، الأصل: حذفها، إذا شُكِل آخر المندوب بضمٍّ أو كسرٍ، فأوله مجانسًا له من واوٍ أو ياء، إن كان الفتح موقعًا في لبسٍ، نحو: (واغلامهوه .. واغلامكِيه) وإن لم يكن الفتح مُوقعًا في لبسٍ فافتح آخره، وأوله ألف الندْبَة: (وازيداه .. واغلام زيداه).
وَوَاقِفًَا زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ وَإِنْ تَشَأْ فَالمَدُّ وَالهَا لاَ تَزِدْ
[ ١٠٠ / ١١ ]
هذا ما يتعلَّق بهاء السَكْت، قلنا: (وا زيد .. وا زيدا) هذا فيما مضى، يجوز أن يُنْطَق به دون إلحاق ألف الندْبَة، ثُمَّ قال: (صِلهُ بِالأَلِفْ) يعني: ألف الندْبَة، تقول: (وا زيدا).
وهنا قال: (وَوَاقِفًَا زِدْ هَاءَ سَكْتٍ) يعني: إذا وقَفْتَ على المندوب وقبله ألف (زِد هَاءَ سَكْتٍ) فتقول: (وا زيداه) وأمَّا في الوصل فلا، (وَوَاقِفًَا زِدْ) (زِدْ واقفًا .. زِدْ أنت حال كونك واقفًا) مفهومه: أن هاء السكْت لا تكون في حال الوَصْل، بل هي في حال الوقف.
إذا: (وَوَاقِفًَا) نقول: هذا حالٌ من فاعل زِدْ .. زِدْ هَاءَ سَكْتٍ، و(هَاءَ سَكْتٍ) مضاف ومضاف إليه، ونَصبه هنا على أنه مفعولٌ به، والغَرَض منها .. فائدتها: بيان الألف، إذا قال: (زيدا) هذا يحتمل أنه أشبع الفتحة، لكن إذا قال: (زيداه) علمنا أن الألف مقصودة، إذا قال: (وا زيدا) يحتمل أنه أنْقَص أو أشْبَع الفتحة شيئًا من الألف، كأنه أتى بفتحتين، حينئذٍ نقول: يأتي بهاء السكْت تثبيتًا للألف وبيان للألف.
(وَوَاقِفًَا) إذًا: (زِد واقفًا هَاءَ سَكْتٍ .. زِدْ في آخر المندوب حال كونك واقفًا هاء سكتٍ بعد المَدِّ مطلقًا ألفًا، أو واوًا، أو ياءً، ألفًا إذا كانت أصلية كما هي، واوًا أو ياءً إذا قُلِبَت، كما ذكر هنا المثال .. قال ابن عقيل: وا غلامهوه، جئت بهاء السكْت بعد الألف أو بعد الواو المنقلبة ألف؟ بعد الواو، إذًا: بعد المَدِّ، نُعمِّم من أجل أن ألف الندْبَة قد تبقى على أصلها، وقد تقلب واوًا أو ياءً، الواو هذه: غلامهوه الواو هي ألف الندْبَة مُنْقَلبة.
وكذلك: (غلامكيه) الياء هذه هي ألف الندْبَة، إذًا: مَدَّة ثُمَّ تأتي بعدها هاء السكْت، لو لم تكن هذه ألف الندْبَة من جهة الحكم لما جاءت بعد هاء السكت، إذا قيل: (وا غلامهوه) نقول: هاء السكت إنما تأتي في الندْبَة هنا .. تأتي بعد ألف الندْبَة وهذه واو، نقول: نعم، هي ألف الندْبَة لكنها مُنقلِبة واوًا، وكذلك: (غلامكيه) نقول: الهاء .. هاء السكْت هذه تأتي بعد ألف الندْبَة، وهنا ياء؟ نقول: نعم، هذه الياء مُنقلِبة عن ألف الندْبَة.
إذًا: (زد واقفًا في آخر المندوب هاء سَكْتٍ بعد المد) والمد يصدق على الألف والواو والياء، بعد المد ألفًا كـ: (وا زيداه) أو ياء كـ: (واغلامكيه) أو واوًا كـ: (وا غلامهُوه) على ما سبق بيانه.
(وَاقِفًَا) فُهِم منه أنها لا تثبت وصْلًا، يعني: إنما يكون في حالة الوقف، وأمَّا في حالة الوصل فتحذف، وربما ثبتت في الضرورة مضمومةً أو مكسورة، مضمومةً تشبيهًا بهاء الضمير، ومكسورة لالتقاء الساكنين، يعني: قد تُوصَل، إمَّا أنها تُضَّم تشبيهًا بالضمير (لهُ) شُبهَت بالضمير هاء السكْت، فحُمِلَت على الضمير، فإذا حُرِّكَت حينئذٍ تُحَرَّك بالضَمِّ، ويَحتمل أنها تُحَرَّك بالكسر بناءً على أن هاء السكْت ساكتة، والتقى ساكنان حينئذٍ تُكْسَر هاء السكْت، إذًا: ربَّما في الضرورة وصِلَت في الشعر مضمومةً أو مكسورة، إن ضُمَّت تشبيهًا لها بهاء الضمير: (له .. غلامه) مضمومة هذه مثلها، وبالكسر للتخلُّص من التقاء الساكنين، وأجاز الفراء إثباتها في الوَصْل بالوجهين الذي هو الضَمُّ والكسر.
[ ١٠٠ / ١٢ ]
(إِنْ تُرِدْ) .. (زِدْ .. إِنْ تُرِدْ)، (زِدْ) هذا فعل أمر فالأصل: أنه واجب، لكن لما قال: (إِنْ تُرِدْ) يعني: أنت مُخيَّر، إن شئت زِدْ وإن شئت لا تزد: (وازيداه .. وازيدا) دون هاء.
(إِنْ تُرِدْ) فهو جائزٌ لا واجب، وقد صَرَّح بهذا المفهوم في قوله: (وَإِنْ تَشَأْ فَالمَدُّ وَالهَا لاَ تَزِدْ)، (وَإِنْ) هذا شرط، (تَشَأْ) عدم الزيادة، (فَالمَدُّ) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط، و(المَدُّ) هذا مبتدأ خبره محذوف أي: المدُّ كافٍ، وهنا عَبَّر بالمد ليشمل الألف والواو والياء.
(فالمد كافٍ) يعني: يكفي عن هاء السكْت فلا تأتي بها (وَالهَا لاَ تَزِدْ) ما إعراب الهاء؟ لا تزد الهاء، إذًا الهَا: مفعولٌ به مقدم، و(لاَ) ناهية، و(تَزِدْ) فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، والفاعل أنت، لا تزد الهاء.
إذًا: (وَإِنْ تَشَأْ فَالمَدُّ وَالهَا لاَ تَزِدْ) الهاء قَصَره للضرورة: مفعول مُقدَّم لـ: (تَزِدْ)، هذا تقرير، حينئذٍ ينطوي تَحت هذا البيت صورتان:
الأولى: اجتماع الألف والهاء.
الثانية: الاستغناء بالألف عن الهاء (وَوَاقِفَا زِد هَاءَ سَكْت إِنْ تُرِدْ) إن لم ترد لا تزد الهاء، إذًا صورتان: ألفٌ وهاء: (وازيداه) ألفٌ فقط دون هاء .. لا تزد الهاء: (وازيدا) هذا إذا جَعَلنا المَدَّ: مبتدأ، يعني: مرفوع، وإذا قيل (فَالمَدَّ) مفعول، والهاء معطوفٌ عليه حينئذٍ دَرَجت صورة ثالثة.
(فَالمَدَّ وَالهَا لاَ تَزِدْ) لا تزد المد والهاء، حينئذٍ ماذا تقول؟ (وازيد) هذه صورة ثالثة، إذا نَصَبنا المد وهذا استظهره المكُودِي في شرحه: أن الأولى أن المَد هنا منصوب، لكن أكثر الشُرَّاح على الرفع، حينئذٍ يجوز النصب: (فَالمَدَّ)، فَالمَدَّ مفعولٌ به مُقدَّم لقوله: (تَزِدْ) لا تزد المد، (وَالهَا) معطوفٌ على المد، والمعطوف على المنصوب منصوب.
حينئذٍ صار عندنا ثلاث صور، وجَوَّز المكُودِي نَصْب (المَدَّ) بالفتحة، لأنه مفعول والهاء: معطوفٌ عليه، وعطف الهاء عليه أحسن ليندرج تحته ثلاث صور:
الأولى: الجمع بينهما .. بين الألف والهاء، وذلك مفهومٌ من قوله: (وَوَاقِفَا زِد هَاءَ سَكْت).
الثانية: الاستغناء بالألف عن الهاء نحو: (وازيدا) دون الهاء، وهو مفهومٌ من قوله: (إنْ تُرِدْ).
إذًا: الشطر الأول تَضمَّن صورتين، بقوله: (زد واقفًا هاء سكتٍ) الجمع بينهما، (إنْ تُرِدْ) زيادة الهاء، فإن لم تُرِد فأبق الألف كما هي، هذه الصورة الثانية.
الثالثة: الاستغناء عنهما معًا .. عن الألف والهاء، لا تُزَاد الألف ولا الهاء، نحو: (وازيدْ) تقف عليه بالسكون، وهذه مفهومة من قوله: (وَإِنْ تَشَأْ فَالمَدَّ وَالهَا لاَ تَزِدْ) يعني: إن شئت لا تزد المد والهاء، فالبيت الثالث يكون مستقلًا بالصورة الثالثة وهذا أجود. وهذه مفهومة من قوله: (وَإِنْ تَشَأْ فَالمَدَّ وَالهَا لاَ تَزِدْ) أي: لا تزد الألف والهاء، وهذه كلها .. يعني الصورة الثلاث .. جائزةٌ في الوقف.
قال الشارح: أي إذا وقف على المندوب لحقه بعد الألف هاء السكْت، نحو: (وازيداه) أو وُقِف على الألف، نحو: (وازيدا) ولا تثبت الهاء في الوصل إلا ضرورة.
أَلاَ يَا عَمْرُو عَمْرَاهُ وَعَمْرُو بْنُ الزُّبَيرَاهُ
[ ١٠٠ / ١٣ ]
بالتحريك.
وَقَائِلٌ وَاعَبْدِيَا وَاعَبْدَا مَنْ فِي النِّدَا اليَا ذَا سُكُونٍ أَبْدَى
وقائلٌ في ندبة المضاف للياء، (قَائِلٌ) هذا خبر، (وَاعَبْدِيَا) قُصِد لفظه: مبتدأ مؤخر.
(وَاعَبْدَا .. مَنْ فِي النِّدَا اليَا ذَا سُكُونٍ أَبْدَى)، (أَبْدَى) يعني: أظهر، (مَنْ) هذا مبتدأ وهو اسم موصول، و(أَبْدَى) هذا صِلة الموصول، من أبدى فِي النِّدَا مُتعلِّق بقوله: (أَبْدَى) و(اليَا) قَصَرَه للضرورة، أو لغة عند بعضهم مفعول (أَبْدَى)، (ذَا سُكُونٍ) حال كونه صاحب سكونٍ، يعني: إذا نُدِب المضاف إلى ياء المتكلم على لغة من سَكَّن الياء: عَبديْ، جاز له لغتان في الندْبَة، فيقول: (واعَبديَا) ماذا صنع؟ حَرَّك الياء بالفتحة.
على لغة من سَكَّن الياء قيل فيه: (واعَبْديَا) بفتح الياء، لأجل ألف الندْبَة، هي ساكنة في الأصل، فَحرَّكها للتخلُّص من التقاء الساكنين، وإلحاق ألف الندْبَة، أو: (يا عبدا) بحذف الياء، حذف الياء للتخلُّص من التقاء الساكنين، وإلحاق ألف الندْبَة، وأمَّا ما عداه في اللغات الأربعة فتبقى كما هي بدون تغيير، حينئذٍ نقول: (عبدا) كل اللغات الأخرى الأربع، يقول فيها: (عبدا)، وأمَّا (عبديْ) بإسكان الياء فيجوز أن يُحرِّكها ويزيد ألف الندْبَة: (عبديا)، ويجوز له أن يحذف الياء: (عبدا) ويقلب الكسرة فتحة طبعًا.
قال الشارح: إذا نُدِب المضاف لياء المتكلم على لغة من سَكَّن الياء قيل فيه: (واعبديا) بفتح الياء وإلحاق ألف الندْبَة، أو: (يا عبدا) بِحذف الياء لالتقاء الساكنين وإلحاق ألف الندْبَة، وإذا نُدِب على لغة من يحذف الياء، أو يستغني بالكسرة، أو يقلب الياء ألفًا، والكسرة فتحة، ويحذف الألف ويستغني بالفتحة، أو يقلبها ألفًا، ويبقيها قيل: (واعبدا) ليس إلا - ليس له إلا لغة واحدة: (وا عبدا) -، وإذا نُدِب على لغة من يفتح الياء يُقال: (واعبديا)، هذا على لغة من يفتح الياء ليس إلا.
فالحاصل: أنه إنَّما يجوز الوجهان، أعني: (واعبديا .. واعبدا) على لغة من سَكَّن الياء فقط وما عداه لا، فإن كانت الياء مفتوحة ليس إلا: (عبديا .. وا عبديا) وإذا لم تكن مفتوحة بأن قُلِبَت الياء ألفًا، أو أُكتُفِي بالكسرة، أو بالفتحة حينئذٍ وجب القول فيها: (وا عبدا).
(مَنْ فِي النِّدَا اليَا ذَا سُكُونٍ أَبْدَى) ولذلك قيَّده هنا في هاتين اللغتين (وَقَائِلٌ) في نُدْبَة المضاف للياء (وَاعَبْدِيَا وَا عَبْدَا) لغتان جائزٌ عند من؟ (من أَبْدَى) يعني: أظهر، (فِي النِّدَا اليَا) هذا مفعول (أَبْدَى)، (ذَا سُكُونٍ) احترازًا من: ذا فتحٍ، أو قلب الياء ألفًا ونحو ذلك، فكلَّ اللغات لا يجوز فيها الوجهان، وإنما إمَّا (عبدا) فقط وإمَّا (عبديا) فقط، وهو فيما إذا كان مضافًا إلى ياءً مُحرَّكة بالفتح.
[ ١٠٠ / ١٤ ]
فُهِم منه أن باقي اللغات ليس فيها زيادةٌ ولا نقص من قوله: (ذَا سُكُونٍ) وهذا ونحوه منصوبٌ بفتحة مُقدَّرة منع من ظهورها الفتحة لأجل الألف، وليس بمبني لأنه مضاف، إذا قيل: (واعبديا .. واعبدَا)، (عبدَا) نقول: هذا أصلٌ مضاف، هذه الألف ألف الندْبَة، حينئذٍ نقول: (عبدَا) هذا منصوب، ونصبه فتحة مُقدَّرة على آخره، لأن هذه الفتحة لمناسبة الألف، وكذلك (عبديا) نقول: الفتحة مُقدَّرة على الدال، لأن الياء هذه ياء مُتكلِّم مضاف، والألف ألف الندْبَة.
قال رحمه الله تعالى: التَّرْخِيمُ.
تَرْخيم: تفعيل، مصدر: رخَّم يُرَخِّم ترخيمًا فهو مصدر، لكن إذا أطلق النحاة في مثل هذه المواضع المصادر فليس المراد المصدر، لأن المصدر معنى، وإذا كان معنى لا ينصب عليه الحركات، وإنما تنصب الحركات والأحكام على الملفوظات وأما المعاني فلا.
الترخيم مَصْدر: رخَّم يُرَخِّم ترخيمًا، وهو في اللغة: ترقيق الصوت وتليينه، يُقال: صوتٌ رخيم، أي: سهلٌ ليِّن، وفي القاموس: رَخُم الكلام كـ: (كَرُم)، رَخُمَ من باب: فَعُلَ. رَخُم الكلام كـ: (كَرُم) فهو رَخِيم .. جاء على وزن: فَعِيل، لأنه من باب: فَعُل. لان وسهل، كـ: (رَخَمَ) كـ: (نَصَرَ) ورَخُم كَرُم.
إذًا: فيه وجهان: يأتي من باب: (فَعَل) نَصَر يَنْصر، ومن باب: (فَعُل يَفْعُل) إذًا: المضارع فيهما على وزن (يَفْعُل) والماضي هو الذي يقع فيه اختلاف حركة العين: فَعُل .. كَرُم .. رَخُم، ورَخَمَ كـ: (نَصَرَ)، المضارع فيهما يأتي على وزن (يَفْعُل).
ومنه قوله الشاعر:
لَهَا بَشَرٌ مِثْلُ الحَرِيرِ وَمَنْطِقٌ رَخِيمُ الحَوَاشِي لاَ هُرَاءٌ وَلاَ نَزْرُ
(رَخِيمُ الحَوَاشِي) أي: رقيق الحواشي، هذا من حيث اللغة، إذًَا: الترخيم في اللغة: فيه معنى الترقيق، وفيه معنى السهولة والتليين، وهذا يناسبه المعنى الاصطلاحي الآتي عند النحاة، لأن الترخيم لا يختص بباب النداء وإنما هو أعَم، ولذلك له حدان: حدٌ عام وحدٌ خاص، أما العام: فهو حَذْف بعض الكلمة على وجهٍ مخصوص، يعني: الوجه المخصوص الشروط التي تأتي في كل باب، لأن الحذف هنا قد يكون في باب النداء ثُمَّ قد يُحْذَف حرف، وقد يُحْذَف حرفان، وقد تُحْذَف كلمة، وقد تُحْذَف حرفٌ وكلمة .. أربعة أنواع في باب الترخيم في النداء: إما حرفٌ، وإما حرفان، وإما كلمة، وإما حرفٌ وكلمة، أربعة أشياء، فالقسمة رباعية.
وأمَّا النوع الثاني: وهو الحذف في باب التصغير، لأنه يُحْذَف بعض الحروف كما سيأتي، ويأتي أيضًا في النسب، وفي جمع التكسير، وقد يُحْذَف بعض الحروف، حينئذٍ نقول: ثَمَّ حذفٌ في غير باب النداء، وهل يُسَمَى ترخيمًا أو لا؟ أمر اصطلاحي بينهم، إذًا: حذف بعض الكلمة على وجهٍ مخصوص وهو نوعان: ترخيم تصغير، وترخيم نداء.
[ ١٠٠ / ١٥ ]
ترخيم تصغير: أي حذف بعض الحروف لأجل التصغير: كـ: (أسود وسويد) أين الهمزة؟ حُذِفَت، لماذا حُذِفَت؟ لتصغيره، لأنه لا بُدَّ أن يأتي على وزن (فُعَيْل) والهمزة محذوفة، إذًا حصل حذفٌ .. حذف بعض الكلم على وجهٍ مخصوص .. (على وجهٍ مخصوص) يعني: طلبًا لأن يكون على وزن (فُعَيل) هذا يسمى: ترخيم التصغير (أسود .. سويد)، وهذا سيأتي له باب .. باب التصغير، واحد وعشرون بيت.
وترخيم النداء: وهو حذف آخر المُنَادى، وهو الذي عَرَّفه الناظم هنا: (تَرْخِيمًا احْذِفْ آخِرَ المُنَادَى)، ولذلك عَرَّفه ابن عقيل هنا: بأنه حذف أواخر الكَلِم في النداء، هذا نوعٌ من نوعي الترخيم، لأن الباب هنا معقودٌ للنداء، إذًا: يختص به.
إذًا: الترخيم هنا في هذا المحل نقول: حذف أواخر الكَلِم في النداء، فهو خاصٌ بباب النداء.
(تَرْخِيمًا احْذِفْ آخِرَ المُنَادَى) لماذا يُرَخَّم في المُنَادى؟ قالوا: للتخفيف لا للإعلال، يعني: عِلَّة الحذف هنا تخفيف .. من أجل أن يكون الكلام خفيفًا على اللسان، فَيُحْذَف شيءٌ من المُنَادى: إمَّا حرف وما ذُكِر معه. للتخفيف لا للإعلال.
(احْذِفْ) هذا فعل أمر والفاعل أنت، و(آخِرَ المُنَادَى) مفعولٌ به، و(آخِر) مضاف و(المُنَادَى) مضاف إليه، و(تَرْخِيمًا) هذا اختلفوا فيه على ستة أقوال، ما إعرابه؟ -لأنه بدأ به (تفعيلًا) -، احذف ترخيمًا، قيل (تَرْخِيمًا) أن يكون مفعولًا لأجله، احذف لأجل الترخيم.
ومن اشترط أن يكون المفعول لأجله قلبيًا رَدَّ هذا القول، لأن الترخيم ليس بقلبي إنما هو لفظي، حَذْفُك أنت: (يَا جَعْفُ) أنت الذي حذفت، ليس قلبيًا بل هو متعلقٌ باللسان، وهو من أفعال الجوارح .. حسية، فليس مفعولًا لأجله.
إذًا: قيل مفعولٌ له، أو مصدرًا في موضع الحال، كأنه قال: احذف حال كونك مُرَخِّمًا، وهذا لا بأس به، أو ظرفًا على حذف المضاف: احذف ترخيمًا، أي: وقت ترخيمٍ وهذا ضعيف.
وأجاز المُرادي وجهًا رابعًا: وهو أن يكون مفعولًا مطلقًا وناصبه احذف، يعني من باب: قَعَدْتُ جلوسًا، لكن هنا احذف .. الحذف والترخيم ما العلاقة بينهما؟ العموم والخصوص المطلق، لأن الحذف قلنا: هذا عام يشمل: ما حُذِف للترخيم في باب النداء، وما هو أعم من ذلك، قد يُحْذَف لا ترخيمًا يعني: في باب النداء، وإنما يكون في باب التصغير، إذًا: أعَم، فاعتُرض عليه بمثل هذا.
وناصبه (احذف) لأنه يلاقيه في المعنى، وأجاز المكُودِي وجهًا خامسًا: وهو أن يكون مفعولًا مطلقًا، وناصبه (احذف) لأنه يلاقيه في المعنى، أي: رَخِّم ترخيمًا .. رَخِّم احْذِف، وهذا أيضًا مُحتمل.
وجَوَّز خالد الأزهري، وجهًا سادسًا: أن يكون مفعولًا به لفعلٍ، وهذا الفعل فعل شرطٍ مع أداته حُذِفا معًا -وهذا بعيد .. أضعفها هذا، في كثرة المُقدَّرات، وإذا كَثُرت المُقدَّرات أضعف القول-.
إذًا: (تَرْخِيمًا) الأحسن أن يُقال: إما أنه مفعولٌ مطلق، أو مصدر أريد به الحال، مُرَخِّمًا .. حال كونك مرخِّمًا.
[ ١٠٠ / ١٦ ]
(احْذِفْ آخِرَ المُنَادَى) .. (تَرْخِيمًا) حال كونك مرخِّمًا (احْذِفْ آخِرَ المُنَادَى) إذًا: الحذف هنا للتخفيف لا للإعلال، ولم يُقيِّد الآخر بكونه حرفًا، ما قَيَّده، قال: آخر المُنَادى، وآخر المُنَادى يشمل: الحرف، والحرفين، والكلمة وما قبلها، إذًا: هو عام، فشمل الأقسام الأربعة في باب ترخيم النداء، لأنهم ثلاثة على المشهور، وفي باب اثنا واثنتا حذفُ كلمة وحرف وهو خاصٌ باثني واثنتي.
لم يُقيِّد الآخر بكونه حرفًا، فشمل: الحرف، والحرفين، وعجُز المركب، والحذف هنا لأجل المُنَادى، أي: من حيث هو آخر المُنَادى، فلو قال: يا يدُ، معلوم أن (يد) أصلها: (يديٌ) فإذا قيل: يا يدُ .. ويا دمُ، أين الحرف الثالث؟ محذوف، هل يَصدق عليه أنه ترخيم .. يا يدُ .. يا دمُ .. يا أخُ .. يا أبُ هل يَصدق عليه أنه ترخيم؟ لا؛ لأن الحذف هنا سابق على النداء، والحذف اعتباطي وليس لأجل النداء، إنما تقول: جعفر .. منصور، ثم تقول: يا مَنْصُ .. يا جَعْفُ، إذًا: (جعفُ) هكذا دون نداء ما يجوز، لا يجوز حذف (جعف) و(منص) و(مسك) هذا كله لا يجوز إلا بعد نداءه.
إذًا: أن يكون الحذف من أجل المُنَادى من حيث هو مُنَادى، وأمَّا إذا كان الحذف اعتباطيًا سابقًا على النداء، مثل: (يد) و(أخ) فإذا نُودِيَت لا نقول هذا من باب الترخيم، ولو كان آخره محذوفًا، لأن الحذف سابق، ونحن هنا نقول: أن يُحْذَف لأجل كونه مُنَادى، تقول: (جعفر) ثم تقول: (يا جعف) .. (سعاد .. يا سعا).
تَرْخِيمًَا احذِفْ آخِرَ المُنَادَى كَيَاسُعَا
مَثَّل لنا، ثُمَّ بعد ذلك سيذكر الشروط (كَيَا سُعَا) يعني: كقولك، أو: وذلك كـ: (يا سعا).
(فِيمَنْ دَعَا سُعَادَا) (يا سعادا .. يا سعادُ) بالبناء .. مبني على الضَّم .. مفرد، (يا سعادُ) ثُمَّ يُحْذَف الدال حذف ترخيم لأجل النداء، فيقال: (يا سُعا) حُذِفَت الدال تخفيفًا وترخيمًا في باب النداء، يَصدق عليه الحذف (احذِفْ آخِر المُنادَى تَرخِيمًا) يعني: ترقيقًا وتسهيلًا وتليينًا.
(كَيَا سُعَا) وذلك كـ: (يا سعا) فهو خبر مبتدأ محذوف، (كَيَا سُعَا) مُتعلِّق بمحذوف، خبر لمبتدأ محذوف، وذلك كـ: (يا سعا)، انظر هنا ما نقول: كقولك، وإن كان يَحتمل.
(فِيمَنْ) (في) حرف جر، و(من) اسم موصول في محل جر، و(دَعَا) بمعنى: نادى، لأننا نتكلم في النداء، فـ: (دَعَا) هنا مُرادُه تَصريحًا بأصل الفعل (فِيمَنْ دَعَا) يعني: فيمن نادى سُعادا، لأننا في باب النداء، والألف هذه للإطلاق.
ثُمَّ قال:
وَجَوِّزَنْهُ مُطْلَقًَا فِي كُلِّ مَا أُنِّثَ بِالهَا وَالَّذِي قَدْ رُخِّمَا
بِحَذْفِهَا وَفِّرْهُ بَعْدُ وَاحْظُلاَ تَرْخِيمَ مَا مِنْ هَذِهِ الهَا قَدْ خَلاَ
إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ فَمَا فَوقُ الْعَلَمْ دُونَ إِضَافَةٍ وَإِسْنَادٍ مُتَمّ
(وَجَوِّزَنْهُ)، (جَوِّز) فعل أمر اتصلت به نون التوكيد الخفيفة فهو مبنيٌ معها على الفتح.
[ ١٠٠ / ١٧ ]
(جَوِّزَنْهُ) الضمير يعود إلى الترخيم، كأنه يقول لك الأصل: المنع، الصحيح هذا، لا يُحْذَف حرف، لأن الحرف حرف مبنى، وهو أصلٌ من الكلمة، وخاصةً حذف كلمة كاملة كما في المركب المزجي، حينئذٍ الأصل فيه المنع، قال: (وَجَوِّزَنْهُ) وإذا كان كذلك حينئذٍ لا بُدَّ من شروطٍ في التَجوِيز.
(وَجَوِّزَنْه) أي: الترخيم، (مُطْلَقًا) .. مُطْلَقًا هذا حالٌ من المفعول به، وهو قوله: (جَوِّزَنْه) الضمير المتصل هنا مبني على الضَّم في محل نصب.
(مُطْلَقًا فِي كُلِّ مَا أُنِّثَ بِالهَا مُطْلَقًا) .. جَوِّزنه في كلِّ، (فِي كُلِّ) جار مجرور مُتعلِّق بقوله: (جَوِّز)، و(فِي كُلِّ) هو مَحلُّ الجواز، أين يُنَزَّل؟ (فِي كُلِّ مَا)، (كُلِّ) مضاف و(مَا) اسم موصول بمعنى: الذي، في محل جر مضاف إليه.
(أُنِّثَ) هو .. يعود على (مَا)، (أُنِّثَ) هذا مُغيَّر الصيغة، والضمير نائب فاعل.
(بِالهَا) أُنِّث بالهَاء، يعني: بتاء التأنيث .. مربوطة، لأنه يُوقَف عليها بالهاء.
إذًا قوله: (وَجَوِّزَنْه مُطْلَقًا فِي كُلِّ مَا أُنِّثَ بِالهَا) أي: يجوز ترخيم المنادى إذا كان مؤنَّثًا بالتاء مطلقًا، بدون شرطٍ أو قَيد، يعني: لا يُشْتَرَط فيه الشروط الآتية فيما إذا لم تتصل به التاء، فكُلُّ مؤنَّث في باب المُنَادى جَاز تَرخِيمُه مُطلقًا، سواءٌ كان معرفةً .. علمًا أو لم يكن .. سواءٌ كان نكرة أو لا .. ثلاثيًا رباعيًا خماسيًا سداسيًا أو لا .. عَلَم جنس .. عَلَم شخص مطلقًا جَوِّزْنه بدون استثناء.
(وَجَوِّزَنْه مُطْلَقًا) أي: يجوز ترخيم المُنَادى إذا كان مؤنَّثًا بالتاء مطلقًا، أي: من غير شرطٍ من الشروط المذكورة في غير ذي التاء، (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كان علمًا، أو غير علم، علم كـ: (فاطمة) مثلًا:
أَفَاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هذَا التَدَلُّلِ ..
(أَفَاطِمُ) حذف الحرف الأخير وهو التاء، فقال (أَفَاطِمُ .. أَفَاطِمَةُ) هذا الأصل احذِفْ آخِرَ المُنَادَى تَرْخِيمًَا .. حذفه وهو حرف، حينئذٍ نقول: (أَفَاطِمُ مَهْلًا).
أو غير عَلَم كـ: (جاري) لمُعيَّنة، كقوله:
جَارِىَ لاَ تَسْتَنْكِرِى عَذِيِرِى ..
يعني: يا جارية هذا الأصل، فحذف التاء كما حذف التاء من (فاطمة). أي: سواءٌ كان عَلَمًا أو غير علم .. ثلاثيًا أو لا، مثل: ثُب .. يا ثُبَ، (ثُبَةُ) هذا الأصل: (يا ثُبَتُ .. يا ثُبَ) .. (يا هِبَة .. يا هِبُ) كما سيأتي، ثلاثيًا أو زائدًا على الثلاثي.
وقوله: (مُطْلَقًا) أي: في الجملة، وإلا لاقتضى جَوَاز ترخيم المؤنث بالهاء، ولو كان مضافًا أو مركبًا إسناديًا وليس كذلك.
إذًا: (جَوِّزَنْهُ مُطْلَقًا) إلا ما سيأتي استثناؤه، فيما إذا كان مُركبًا تركيبًا إسناديًا أو إضافيًا ونحو ذلك، وهذا يؤخذ مما بعده.
إذًا: (وَجَوِّزَنْهُ مُطْلَقًا) قيَّد في التسهيل ما أطلَقَه هنا بالمُنَادى المبني، لإخراج النكرة غير المقصودة والمضاف، فلا يجوز الترخيم في نحو قول الأعمى: (يا جاريةً خذي بيدي) لغير مُعيَّنة، ولا في نحو: (يا طلحة الخير)، (يا طلح الخير) لا يجوز، إذًا: يُسْتَثنى من قوله: (مُطْلَقًا) النكرة غير المقصودة والمضاف، ولذلك قال الصَبَّان: "في الجملة".
[ ١٠٠ / ١٨ ]
فلا يجوز الترخيم في نحو قول الأعمى: (يا جاريةً خذي بيدي .. يا جاري) هذا لا يصح لأنه نكرة غير مقصودة لغير مُعيَّنة، ولا في نحو: (يا طلحة الخير) نقول: هذا لا يجوز.
قال الشارح هنا: لا يخلو المُنَادى من أن يكون مؤنثًا بالهاء أو لا، فإن كان مؤنثًا بالهاء جَازَ ترخيمه مطلقًا، أي: سواءٌ كان عَلَمًا كـ: (فاطمة) أو غير عَلَم كـ: (جارية)، يعني: لمُعيَّنة، أمَّا غير معينة فلا يجوز.
زائدًا على ثلاثة أحرف كما مُثِّل، أو ثُنائيًا كما في: (يا ثُبَة، وهِبَة)، أو غير زائدًا على ثلاثة أحرف كـ: (شاةٍ)، فتقول: (يا فاطمَ، ويا جاريَ، ويا شا) .. (يا شا) تحذف التاء لأنه ثلاثي، فتحذف التاء فيبقى على حرفين، هذا لا إشكال فيه لأنه مختومٌ بالتاء.
ومنه قولهم: (ياشا ادجني) يعني: أقيمي بالمكان، (أدْجَنَ) يعني: أقام بالمكان. أي: أقيمي، بِحذْف تاء التأنيث للترْخِيم، ولا يُحذف منه بعد ذلك شيءٌ آخر.
ولذلك قال: (وَالَّذِي قَدْ رُخِّمَا بِحْذْفِهَا وَفِّرْهُ بَعْدُ) يعني: إذا حَذَفت من المُنَادى المختوم بتاء التأنيث حرفًا (وَفِّرْهُ بَعْدُ) يعني: لا تَحذف بعده حرفًا آخر، فلا يجوز حذف حرفين منه البتَّة، وإنما يَتعيَّن أن يُحْذَف حرفٌ واحدٌ فحسب.
(وَالَّذِي) هذا منصوب على الاشتغال، (وَفِّرْهُ) يعني: وفِّرْ الذي، (قَدْ رُخِّمَا) الألف هذه للإطلاق، والجملة صِلَة الموصول لا محل لها من الإعراب، (رُخِّمَا) هذا فيه ضمير نائب فاعل يعود على الذي، هو العائد من الجملة صلة الموصول.
(بِحْذْفِهَا) بحذف الهاء، لأن الذي يُحْذَف إذا كانت مختومة بالتاء، الذي يُحْذَف التاء فقط، ويبقى الاسم قبل التاء على حاله.
(بِحْذْفِهَا) أي: بحذف الهاء: جار مجرور مُتعلِّق بقوله: (رُخِّمَا).
(وَفِّرْهُ بَعْدُ)، (وَفِّرْ) هذا فعل أمر، والفاعل أنت، والهاء هنا (وَفِّرْهُ) مفعولٌ به، (بَعْدُ) هذا ظرف، مقطوع عن الإضافة أو لا؟ (وما كنت قبلًا) قبلًا وبعدًا بالنصب، إذا قلت: (قبلًا وبعدًا .. قبلٍ وبعدٍ) صار مقطوعا عن الإضافة، إذا قيل: مقطوع عن الإضافة، يعني: لفظًا ومعنىً، حينئذٍ تَعيَّن إعرابها ونصبها: من قبلٍ ومن بعدٍ .. قبلًا وبعدًا، فصار استعمالها استعمال الأسماء النكرات، مثل: رجلًا وغلامًا، حينئذٍ إذا قيل: بَعْدُ .. وبَعْدَ .. قبل ذلك:
مِنْ قَبْلِ نَادَى ..
لم تُنوَّن، لو كانت مقطوعة عن الإضافة مُطلقًا لقال: (مِنْ قَبْلٍ)، لكن (مِنْ قَبْلِ نَادَى) يعني: من قبل ذلك، هذه لا نقول: أنها مقطوعة عن الإضافة، بل هي منوِّية.
(مِن قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ) هذه مبنية .. هذه هي الأصل، وما عَدَاها هي المُعرَبة .. أربعة أحوال، متى تُبْنَى؟ إذا حُذِف المضاف ونوِّي معناه، إذًا ليست مقطوعة، وهنا كذلك حُذِف المضاف ونوي معناه، والمعنى هنا: الضمير بعد هاء يعني بعد حذف الهاء.
[ ١٠٠ / ١٩ ]
(وَالَّذِي قَدْ رُخِّمَا بِحْذْفِهَا وَفِّرْهُ) يعني: أبقه، (بَعْدُ) بعد حذفها، أي: لا تحذف منه شيئًا بعد حذف الهاء، لأن الذي يُحْذَف في هذا النوع هو تاء التأنيث فحسب، وأمَّا ما قبل تاء التأنيث فأبقه .. (وَفِّرْهُ) لا تتعرض له بحذفٍ البتة، أي: لا تحذف منه شيئًا بعد حذف الهاء، ولو كان لينًا .. ساكنًا .. زائدًا .. مكملًا أربعةً فصاعدًا، أي: إذا حَذَفت الهاء للترخيم وفِّر ما بقي من الاسم المرَخَّم، أي: لا تحذف منه شيئًا ولا تغيِّره، فتقول في ترخيم (عقنبات: يا عقنبا) بالألف، وهو حديدة المخالب.
وأجاز سيبويه أن يُرَخَّم ثانيًا، لكن قول جماهير النحاة: على أنه إذا حُذِفَت التاء: (يا فاطمُ) لا يجوز حذف حرفٍ بعده البَتَّة، لكن نُقِل عن سيبويه: أنه أجاز أن يُرَخَّم ثانيًا على لغة من لا ينتظر، كما سيأتي. ومنه:
أَحَارِ بنَ بَدْرِ قَدْ وَلِيتَ وِلاَيَةً ..
(أَحَارِ) هذا حجة قوية، (أَحَارِ) أصله: (أحارثة) كم حرف حُذِف؟ أَحَارِ بنَ بَدْرِ، أصلها: (حارثة) مثل: (فاطمة) حُذِف منه التاء ثُمَّ رَخَّمه مرة ثانية، لكن هذا إن جُوِّز يكون قليلًا .. غير مُطَّرِد، وأما الأول فهو المُطَّرِد.
(وَالَّذِي قَدْ رُخِّمَا بِحْذْفِهَا وَفِّرْهُ بَعْدُ) إذًا: لا يُحْذَف منه بعد ذلك شيءٌ آخر، وإلى هذا أشار بقوله: (وَجَوِّزَنْه) إلى قوله: (بَعْدُ).
إذًا: النوع الأول من المُنَادى الذي يُرَخَّم: ما كان مختومًا بـ (تاء التأنيث) حينئذٍ يُرَخَّم بِحذف حرفٍ واحد وهو التاء، وعلى قول جماهير النحاة: لا يجوز بعد حذف التاء ترخِيمٌ آخر، إلا ما نُسِب لسيبويه أنه يجوز ترخيمه مرةً ثانية على لغة من ينتظر.
وإذا وُقِف على المرَخَّم بحذف الهاء فالغالب – الغالب ليس مُطَّردًا - فالغالب أن تلحقه هاءٌ ساكنة، فتقول في المرَخَّم: (يا طلحة .. يا طلح) وقفت بالسكون مثلًا، فإذا وقفت تقول: (يا طلحة) من أجل أن تُظهِر الحاء؛ لأنه على لغة من ينتظر، يعني: ينتظر المحذوف، أو لغة من ينوِي، هي نفسها، يعني: ينوي أن المحذوف كالموجود، فَيُبَقِّي الحركة كما هي: يا طلحة، بالهاء.
فتقول في المرَخَّم: (يا طلحة) فقيل: هي هاءُ السكْت، إذًا: تلحقه هاء واختلف فيها.
قيل: هي هاءُ السكْت وهو ظاهر كلام سيبويه، وقيل: لا، هي التاء المحذوفة - لأنها رَجَعَت – هي التاء المحذوفة أُعِيدت لبيان الحركة، وإليه ذهب المصنِّف كما في التسهيل، يعني: ابن مالك - ﵀ - في التسهيل ذهب إلى أن هذه الهاء التي وُقِف عليها بالسكون هي التاء التي حُذِفت ترخيمًا، فلمَّا وقفنا عليه ورجعنا الهاء حينئذٍ أولى أن يُقال: بأنها هي التاء المحذوفة، رجعت ووقِفَ عليها بالسكون.
أو تعويض ألفٍ منها، يعني: إمَّا أن يؤتى بهاءٍ ساكنة ثُمَّ اختُلف فيها، ظاهر مذهب سيبويه: أنها هاء السكْت، وذهب بعضهم منهم الناظم في التسهيل: إلى أنها هي التاء المحذوفة أُعِيدت فرجعت، وقيل: يُعَوَّض ألفٌ منها، ونَصَّ سيبويه: على أن الألف لا تكون عِوضًا عن الهاء إلا في الضرورة.
قال أبو حيان: أطلقوا في لحاق هذه الهاء، يعني: مُطلقًا، لم يفصِّلوا بين اللغتين: من ينتظر ومن لا ينتظر، وهو عنده تفصيل.
[ ١٠٠ / ٢٠ ]
ونقول: إن كان الترخِيم على لغة من لا ينتظر لم تلحق. عند أبي حيان: إذا كان الترخيم على لغة من لا ينتظر، يعني: من حَذَف وأجرى المحذوف نسيًا منسيًا فبنى آخر حرف على الضَّمّ حينئذٍ لا تلحقه الهاء.
إذًا: إذا وقِفَ على المرَخَّم بحذف الهاء فالغالب أن تلحقه هاءٌ ساكنة أو ألفٌ بدلٌ عنها، وبعض العرب يقف بلا هاءٍ ولا عِوض، حكا سيبويه: (يا حَرْمَلْ .. حرملةُ) على الأصل .. أن الأصل أن العرب تقف على الحرف بالسكون: (يا حَرْمَلْ)، فالوقف بغير هاءٍ ولا عِوَض.
إذًا: (وَجَوِّزَنْه مُطْلَقًا فِي كُلِّ مَا أُنِّثَ بِالهَا) هذا النوع الأول: جَوِّزنه مُطلقًا بدون شرطٍ أو قيد.
(وَالَّذِي قَدْ رُخِّمَا)، ثُمَّ بيَّن حُكم ما قبل التاء المحذوفة للترخيم، فقال: (وَالَّذِي قَدْ رُخِّمَا بِحْذْفِهَا) بحذف الهاء، (وَفِّرْهُ بَعْد) بعد حذفها، يعني: الحرف الذي قبل الهاء لا تتعرض له البتَّة.
ثُمَّ انتقل إلى النوع الثاني: وهو ما ليس مختومًا بتاء التأنيث، لأن المُنَادى: إمَّا أن يكون مختومًا بالتاء أو لا، الأول عناه بالبيت السابق.
ثم قال: (وَاحْظُلاَ تَرْخِيمَ مَا مِنْ هَذِهِ الهَا قَدْ خَلاَ)، (وَاحْظُلاَ) الألف هذه بَدلٌ عن نون التوكيد الخفيفة، (وَاحْظُلاَ) (الحظل) المراد به: المنع، يعني: (وَامْنَعَنّ) هذا نهيٌ مؤكد .. نهيٌ من حيث المعنى وإلا لفظه أمر، (وَاحْظُلاَ) أي: امْنَعَنّ، (تَرْخِيمَ) الفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت.
(تَرْخِيمَ مَا) (ترخيم) مفعولٌ به و(ما) اسم موصول بمعنى: الذي، في محل جَر مضاف إليه، (ما) يعني منادى .. يصدق على (مُنَادى) .. منادى قَد خلا من هذه الهاء، يعني: البحث هنا في المُنَادى، (قَدْ) هنا للتحقيق، (خَلاَ) هذا فعل ماضي، (مِنْ هَذِهِ) جار مجرور متعلِّق بقوله: (خَلاَ)، و(الهَا) قصره للضرورة نعت أو عطف بيان أو بدل، الاسم المُحلى بـ (أل) بعد اسم الإشارة الأكثر على تَجوِيز عطف البيان والبدل، والنعت فيه كلام، لكن أكثر المُعرِبِين على أنه يجوز فيه ثلاثة أوجه: إما نعت، وإما عطف بيان، وإما بدل.
إذًا: (ترخيم ما قد خلى من هذه الهاء) إذًا: كُل ما كان من المُنَادى وليس مختومًا بتاء التأنيث فالأصل فيه المنع.
(إِلاَّ) استثناء، حينئذٍ حُكم ما بعد (إِلاَّ) نقيض حكم ما قبل (إِلاَّ)، وما قبل (إِلاَّ) هو المنع، وما بعد (إِلاَّ) هو الجواز، حينئذٍ استثنى من المحظور فكان جائزًا. إلا ما اشتمل على أربعة أو ثلاثة شروط:
إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ فَمَا فَوقُ الْعَلَمْ دُونَ إِضَافَةٍ وَإِسْنَادٍ مُتَمّ
(إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ فَمَا فَوقُ) يعني: فما فوقه وهو الخماسي والسداسي، (العَلَمْ) هذا بَدَل من الرباعي أو عطف بيان، (دُونَ إِضَافَةٍ)، (دُونَ) هذا متعلِّق بمحذوف حالٌ من الرباعي، (وإِسِنَادٍ) معطوف على إضافةٍ، يعني: ودون إِسِنَادٍ، (مُتَمّ) على زنة اسم المفعول من (أتْمَمْتُ) نعت إسنادٍ .. (وإِسِنَادٍ مُتَمّ) حينئذٍ هذا نعتٌ له، كأنه احترز عن النسبة الإضافية والتوصيفية.
إلا ما وجِدَت فيه هذه الشروط الأربعة حينئذٍ يجوز تَرْخِيمه:
- أن يكون رباعيًا فما فوق.
[ ١٠٠ / ٢١ ]
- وأن يكون عَلَمًا غير مضافٍ وغير تركيب إسنادٍ، بأن يكون عَلَمًا منقولًا من جملة اسمية أو فعلية، فقوله: (دُونَ إِضَافَةٍ وإِسْنَادٍ) إِسْنَادٍ هذا نقول: في الغالب، لأنه سيأتي أنه يقول:
وَالعَجُزَ احْذِفْ مِنْ مُرَكَّبٍ ..
كيف تقول هنا: (وَالعَجُزَ) وهنا تشْترِط: أن يكون غير مُسند؟! إذًا: لا بُدَّ من التقييد: وإسنادٍ في الغالب، حينئذٍ هل يصلح أن يكون شرطًا؟ الظاهر لا، ولذلك عَدَّها ابن عقيل ثلاثة: أن يكون رباعيًا فما فوق .. علمًا .. غير مضافٍ، وأدمج فيه الإسناد.
قال: " إلا بثلاثة شروط "، وأكثر الشُرَّاح .. المكُودِي والأشْمُوني: على أنها أربعة، لكن إذا قيل: دون إسناد، ثُمَ سيأتي أن العجز يُحْذَف من مركبٍ، ومنه: الإسنادي، هذا محل إشكال.
(إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ فَمَا فَوقُ)، إذًا: (إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ) هذا منصوبٌ على أنه مُسْتثنى، (فَمَا) (فَ) هذه فاء عاطفة، (فَمَا فَوقُ) يعني: فالذي فوق، يعني: فوقه .. فوق الرباعي وهو الخماسي والسداسي.
قوله: (الرُّبَاعِيَّ) شَمِل الرباعي الأصول كـ: (جعفر) والثلاثي المزيد بحرف، لأن الثلاثي المزِيد بحرف يصدق عليه أنه رباعي كـ: (يَعْمُرْ)، وشَمِل ما فوق الخماسي بقوله: (فَمَا فَوقُ) شَمِل الخماسي والسداسي .. شَمِل الخماسي الأصول كـ: (فرزدق) والمزيد كـ: سموأل والسداسي والسباعي، ولا يكونان إلا مزيدين، نحو: مستخرج وأشهيباب) .. مستخرج كم حرف؟ ستة، إذًا على ستة أحرف، وأشهيباب: هذا على سبعة أحرف، ولا يكون سداسي، والسباعي إلا في الاسم ولا يكون إلا مزيدًا .. لا يكون أصليًا.
الاسم والفعل يشتركان في كون الفعل والاسم على أحرفٍ أصول في الثلاثي والرباعي .. محل اشتراك، ويزيد الاسم في كونه يكون خماسي الأصول والفعل لا يكون كذلك، لخفة الاسم جاز أن يكون فيه خماسي الأصول، يعني: كلها أصول ليس فيه زائد وهو خماسي، وأمَّا الفعل فلا .. لا يوجد فعل خماسي الأصول، وأمَّا السداسي فاتفقا، وأمَّا مزيد السباعي فهذا يوجد في الأسماء ولا يوجد في الأفعال.
(إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ) إذًا: عَرَفنا أن الرباعي هنا يشمل الرباعي الأصول، والثلاثي المزيد بحرف، وقوله: (فَمَا فَوقُ) يعني: فأكثر، فما فوقه يعني: ما زاد على الرباعي وهو الخماسي والسداسي والسباعي. أن يكون رباعيًا فأكثر، لماذا؟ لأنه لو كان ثلاثيًا فَرُخِّم حينئذٍ أقلُّ ما يكون عليه الاسم هو ثلاثة أحرف، فإذا رُخِّم بحذف حرفٍ وهو الثالث حينئذٍ صار إجحافًا .. نَقَص عمَّا يقتضيه. لئلا يلزم نقص الاسم عن أقل أبنية المُعرَب بلا موجبٍ.
إذًا مفهومه: (إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ فَمَا فَوقُ) الرباعي وما زاد يجوز ترخيمه إذا كان خاليًا من تاء التأنيث مع بقية الشروط، مفهومه: أن ما كان على ثلاثة أحرف لا يجوز مطلقًا، سواءٌ كان مُحرَّك الوسط أمْ ساكن الوسط، فلا يجوز تَرْخِيمه البتَّة .. فيه خلاف.
[ ١٠٠ / ٢٢ ]
فلا يجوز تَرخِيم الثلاثي، سواءٌ سَكَن وسطه كـ: (زَيْد) أو تَحرَّك وسطه كـ: (حَكَم .. يا حَكَمُ .. يا زَيْدُ) لا يجوز حذف الثالث البتَّة، لأنه إجحافٌ به، أقل ما يوضع عليه الاسم ثلاثة أحرف، وإذا حُذِف صار على حرفين، هذا مذهب الجمهور: (أن الثلاثي مطلقًا، سواءٌ كان ساكن الوسط، أم مُحرَّك الوسط لا يجوز ترخيمه البتة).
وأجاز الفراء والأخْفَش: ترخيم المُحرَّك الوسط كـ: (حَكَم) وأما الساكن فلا، لأن عندهم - وهذا قد يأتينا في باب الممنوع من الصرف -: أن مُحرَّك الوسط يُنَزَّل مُنَزَّلة حرف رابع، ولذلك (حِمْصٌ ولُوطٌ) .. على القول بأن (لوط) أعجمي هنا صُرِف لأنه ثلاثي، ويُشترط فيه العلمية .. أن يكون رباعيًا فأكثر، إذا كان مُحرَّك الوسط قالوا: نُزِّل حركة العين مُنَزَّلة حرف رابع فعُومِل مُعامَلة الرباعي.
إذًاَ: هنا الأخفش والفراء استثنوا ما إذا كان الثلاثي مُحرَّك الوسط حينئذٍ جَوَّزوا أن يُرَخَّم.
وأجاز الفراء والأخفش ترخيم المحرك الوسط، وأمَّا الساكن الوسط فقال ابن عصْفُور: "لا يجوز ترخيمه قولًا واحدًا ".
قال في الكافية: "ولم يُرخِّم نحو بكرٍ أحدٌ " يعني: ثلاثي ساكن الوسط، وخَصَّ (بَكْرٍ .. فَعْلٍ) لأن ما كان مُتحرِّك الوسط هذا جَوَّزه الفراء والأخفش.
وأثبت بعضهم عن بعض الكوفيين: جواز ترخيمه ولو كان ساكن الوسط، فنَقْل الإجماع إمَّا أنه لم يلتفت إلى هذا القول، وإمَّا أنه لم يَدْر عنه.
إذًا: (إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ فَمَا فَوقُ) ما دون الرباعي على قول الجمهور: لا يجوز مطلقًا وهو الثلاثي سواءٌ كان ساكن الوسط أو مُتَحرِّك الوسط.
(العَلَمْ) إذا نقول: هذا بَدَل من الرباعي أو عطف بيان عليه.
فلا يُرَخَّم المُنَادى إلا إذا كان عَلَمًا، يعني: بعد أن يكون رباعيًا فأكثر، إذا ثبت أنه رباعي لا يُرَخَّم إلا العَلَم سواءٌ كان عَلَم شَخْصٍ كـ: (جَعْفَر) أو عَلَم جنسٍ كـ: (أسامة).
إذًا: النكرة لا وجه لترخيمها البَتَّة هنا، وفيه خلاف.
إذًا: العلم أخرج النكرة، ثُمَّ هو عامٌ في نفسه: يَشْمَل العلم الشخصي كـ: (جعفر) وعلم الجنس كـ: (أسامة) وسبق الفرق بين النوعين في باب العلم.
أن يكون علَمًا، وأجاز بعضهم ترخيم النكرة المقصودة: (غضنفر .. يا غضنف) في: غضنفر، قياسًا على قولهم: (أطرق كرا) السابق معنا، و(يا صاح) هذا شَذَّ فيه باصطلاح، إذًا: أن يكون عَلَمًا، فإذا لم يكن عَلَمًا بأن كان نكرة، فجماهير النحاة: على أنه لا يجوز ترخيمه البتَّة.
(دُونَ إِضَافَةٍ) يعني: لا يُرَخَّم المضاف ولو كان عَلَمًا، (إِلاَّ الرُّبَاعِيَّ) ثُم قد يكون الرباعي عَلَم، وقد يكون غير عَلَم، أخرجنا غير العَلَم بقولنا: علَم، ثُمَّ العَلَم قد يكون مضافًا: (عبد الله) فلا يُرَخَّم، لأنه قال: (دُونَ إِضَافَةٍ) وشَمِل العَلَم الكُنْية كـ: (أبي بكرٍ) فلا يُرَخَّم كذلك لأنه مضاف، إذًا: فلا يُرَخَّم المضاف ولو كان علَمًا، وشَمِل قوله (العَلَمْ) الكُنْية كـ: (أبي بكرٍ) وغيرها.
[ ١٠٠ / ٢٣ ]
(دُونَ إِضَافَةٍ وإِسِنَادٍ) هذا معطوف على (إضَافَةٍ)، (إِسِنَادٍ مُتَمّ) يعني: أن المركَّب تركِيب إسنادٍ لا يجوز ترخيمه، إذًا: خَصَّ نوعين، وسَكَت عن الثالث والرابع، سَكَت عن المزجي والعددي، مفهومه: أنه يجوز تَرخيم العددي، فيُقال: (خمسة عشر) لو سمي رجل خمسة عشر. ففُهِم منه: أن المركَّب تركيب مزجيًا لا يمتنع ترخيمه، إذًا: ألا يكون مركَّبًا تركيب إضافةٍ ولا إسنادٍ.
قوله: (دُونَ إِضَافَةٍ) هل يشمل النوعين: الإضافة المحضة، والإضافة اللفظية؟ نعم، يشمل النوعين، بل إذا مُنِع المضاف إضافة محضة فالشبيه من بابٍ أولى .. اللفظي من بابٍ أولى، لأن تسميته إضافة هذا من باب المجاز، هو على نيَّة الانفصال، وليس بمضافٍ حقيقةً، إذًا: ألا يكون مركبًا تركيب إضافةٍ حقيقةً أو حُكمًا فيدخل في النفي هنا: شبه المضاف.
ألا يكون مركبًا تركيب إضافة خلافًا للكوفيين في إجازتهم ترخيم المضاف إليه، نحو قول الشاعر:
خُذُوا حِذْرَكُمْ يَا آلَ عِكْرَمَ ..
(آل عِكْرِمة) هذا الأصل .. (يَا آلَ عِكْرِمَ .. يَا آلَ عِكْرَمَ) هكذا بفتح الراء موجود. وهو عند البصريين نادرٌ، يعني: تَرخِيم المضاف إليه بِحذف آخره (التاء) هذا نادر ولا يقاس عليه. وعِلَّة منع ترخيم المضاف، لأن المتضايفين كالشيء الواحد، فهو بِمنْزِلة حذف حشو الكلمة -هذا من المضاف-، والحذف من المضاف إليه يَمنَع منه: أن تالي أداة النداء المضاف، فالحذف من المضاف إليه بِمنْزِلة الحذف من غير المُنَادى.
إذًا: لا يُحْذَف من المضاف .. عندنا مضاف ومضاف إليه، لا يُحْذَف من المضاف، لماذا؟ لأنك الذي ستحذفه هذا حشوٌ في الكلمة .. كأنك حذفت (الياء) من (زيد) هذا مُمتنع، لأن المضاف والمضاف إليه كالجزء الواحد، إذًا: يَمتَنع أن تحذف الحرف الأخير من المضاف، حينئذٍ لا يُحْذَف لكونه حشوًا في الكلمة، وإذا حَذَفْتَ من المضاف إليه، الذي يلي أداة النداء هو المضاف، والمضاف إليه فَصَل بين الأداة والمضاف إليه بالمضاف، حينئذٍ صار كـ: (لا مُنَادى) والحذف إنما يكون من المُنَادى – هذا التعليل جيد -.
إذًا نقول: لا يُحْذَف ترخيمًا من المركب تركيب إضافي، لا من المضاف، ولا من المضاف إليه، لماذا من المضاف؟ لأن المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة، فإذا حذفت آخر .. مثلًا: (غلام زيدٍ) تحذف الميم؟! هذا ما يصح، لأنه صار حشوًا .. كالجزء من الكلمة .. وسط الكلمة فلا يجوز حذفه، هذا من المضاف وهو واضح، وأمَّا المضاف إليه فللفصل بين الأداة وبينه بالمضاف، كأنه غير منادى، والحذف هنا خاص بالمنادى.
إذًا: بهذه الشروط الأربعة أو الثلاثة، نقول: يَجوز الحذف، وهو ما إذا كان المنادى غير مختوم بتاء التأنيث، لأن الأصل فيه المنع، وإنما يجوز باسْتِيفَاء هذه الشروط الأربعة: أن يكون رباعيًا فأكثر .. علمًا غير مضافٍ، وغير مسندٍ إسنادٍ مُتِم، على زنة اسم المفعول .. نعت إسناد كأنه احترز عن النسبة الإضافية والتوصيفية .. (وإِسْنَادٍ مُتَمّ) يعني: كأنه أخرج التوصيفي كذلك.
[ ١٠٠ / ٢٤ ]
هنا قال: وذلك كـ: (عثمان وجَعْفر)، (جَعْفر) رباعي وهو عَلَم، وغير مضاف، وغير مسند، وغير توصيفي، وغير عددي .. على القول بِمنع العددي، وكذلك: (عثمان) فوق الرباعي .. خماسي، وهو عَلَم، وليس مضافًا ولا مسند، فتقول: يا (عُثْمُ .. يا عُثْمَ) بحذف الألف والنون كما سيأتي، وتقول كذلك: (يا جَعْفَ .. يا جَعْفُ).
وخَرَج ما كان على ثلاثة أحرف: كـ: (زيد وعمرو)، وما كان على أربعة أحرف غير عَلَمٍ كـ: (قائم وقاعد)، وما رُكِّب تركيب إضافة كـ: (عبد شمسٍ)، وما رُكِّب تركيب إسنادٍ، وهذا قلنا: سيأتي استثناء من الناظم، أي: ألا يكون منقولًا عن الجملة، لأن الجملة مَحْكِية، إذا كانت مَحْكِية صارت كالجزء الواحد، فإذ حُذِف منها حينئذٍ حُذِف من الحشو.
ألا يكون منقولًا عن الجملة، لأن الجملة مَحكِيةٌ بحالها فلا تُغَيَّر، وهذا الاشتراط أكْثَري .. أغلبي، يعني: ليس مُطَّردًا. نحو: (شاب قرناها) فلا يُرَخَّم شيءٌ من ذلك، وأمَّا مَا رُكِّب تركيب مزجٍ فيُرخَّم بِحذف عجُزِه، وهو مفهومٌ من كلام المصنف، لأنه لم يُخرجه، فتقول فيمن اسمه معد يكرب: (يا معدِي) تحذف: (كرب) وهذا سيأتي التنصيص عليه.
إذًا: ذَكَر لنا في هذه الأبيات الثلاثة ما يجوز ترخيمه، لأن الأصل: هو المنع، لأنه يرد السؤال: لماذا قال الناظم: (جَوِّزَنْهُ) يعني: الترخيم؟ نقول: الأصل عدم حذف حرف من أجزاء الكلمة، حينئذٍ لا يُعْدَل إليه إلا بشروطٍ.
ولذلك قيل: من شروط الترخيم مطلقًا .. (مطلقًا) يعني: لا يُقْدَم عليه في باب النداء، من شروطه: ألا يكون مُختصًَّا بالنداء، يعني: الذي يَقْبل الترخيم ألا يكون مُختصًَّا بالنداء فلا يُرَخَّم (فُلُ وفُلَةُ) هذا ما يقبل الترخيم.
الثاني: ألا يكون مندوبًا، المندوب لا يُرَخَّم، وهذا واضح.
الثالث: ألا يكون مُستغاثًا، وهذا يكاد يكون متفق عليه الثلاثة الأولى: أن لا يكون مُختصًَّا بالنداء (فُلُ .. فُلَةُ)، وأن لا يكون مندوبًا، وأن لا يكون مُستغاثًا، هذا محل وفاق.
الرابع: ألا يكون مبنيًا قبل النداء، فلا يُرَخَّم نحو: (حَذَامِ)، وسيأتي أنه يُرَخَّم (سيبويه).
فإمَّا أن يُقال: بأن الشرط هنا - لأنه اشترطه السيوطي في همع الهوامع - إمَّا أن يُقال بأن الشرط هنا في غير المركَّب تركيب مزجي، لذلك مَثَّل بـ: (حَذَامِ)، وإمَّا أن يُقال: بأن القائل بجواز ترخيم (سيبويه) لا يُسلِّم بهذا الشرط، سيأتي أن (سيبويه) يُرخَّم على الصحيح، إذًا: إمَّا أن يُجْعَل هذا الشرط بغير المركَّب المزجي المختوم بـ (ويه)، وإمَّا أن يقال فيه نزاع، والصواب ما سيأتي.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ١٠٠ / ٢٥ ]